Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — النمل 27:41 – النمل 27:93

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. النمل 27:41
  2. النمل 27:42
  3. النمل 27:43
  4. النمل 27:44
  5. النمل 27:45
  6. النمل 27:46
  7. النمل 27:47
  8. النمل 27:48
  9. النمل 27:49
  10. النمل 27:50
  11. النمل 27:51
  12. النمل 27:52
  13. النمل 27:53
  14. النمل 27:54
  15. النمل 27:55
  16. النمل 27:56
  17. النمل 27:57
  18. النمل 27:58
  19. النمل 27:59
  20. النمل 27:60
  21. النمل 27:61
  22. النمل 27:62
  23. النمل 27:63
  24. النمل 27:64
  25. النمل 27:65
  26. النمل 27:66
  27. النمل 27:67
  28. النمل 27:68
  29. النمل 27:69
  30. النمل 27:70
  31. النمل 27:71
  32. النمل 27:72
  33. النمل 27:73
  34. النمل 27:74
  35. النمل 27:75
  36. النمل 27:76
  37. النمل 27:77
  38. النمل 27:78
  39. النمل 27:79
  40. النمل 27:80
  41. النمل 27:81
  42. النمل 27:82
  43. النمل 27:83
  44. النمل 27:84
  45. النمل 27:85
  46. النمل 27:86
  47. النمل 27:87
  48. النمل 27:88
  49. النمل 27:89
  50. النمل 27:90
  51. النمل 27:91
  52. النمل 27:92
  53. النمل 27:93

النمل 27:41

قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ. قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها. قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل. وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف. قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ. قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] . وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه. الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ‎ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] . وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال: حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ‎ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه. وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني. قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين. ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله: انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟ فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف. قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال: أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا. الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها. ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره. فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان. قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة. قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته. فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟. قالوا: بلقيس يا رسول الله. قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين. واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل: قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت. قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد. الكسائي: المنكر، وأنشد: فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]] وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال: حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا. أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار. وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام. وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم. ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي. أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) . واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش، فروت عائشة أن النبي ﷺ‎ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] . وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه. وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة. وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك. قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك. مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة. وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به. فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه. قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها. قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين. وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت: عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك. وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع. وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا. إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا. كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مملّس مستونْ قَوارِيرَ وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء. قال: سلي. قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها. فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟ قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت. قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فحسن إسلامها. واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام. قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ‎ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله» [115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] . قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر. وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه. قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان. قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك. فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه. قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .

النمل 27:42

قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ. قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها. قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل. وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف. قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ. قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] . وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه. الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ‎ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] . وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال: حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ‎ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه. وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني. قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين. ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله: انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟ فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف. قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال: أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا. الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها. ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره. فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان. قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة. قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته. فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟. قالوا: بلقيس يا رسول الله. قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين. واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل: قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت. قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد. الكسائي: المنكر، وأنشد: فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]] وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال: حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا. أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار. وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام. وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم. ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي. أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) . واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش، فروت عائشة أن النبي ﷺ‎ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] . وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه. وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة. وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك. قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك. مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة. وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به. فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه. قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها. قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين. وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت: عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك. وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع. وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا. إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا. كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مملّس مستونْ قَوارِيرَ وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء. قال: سلي. قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها. فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟ قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت. قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فحسن إسلامها. واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام. قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ‎ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله» [115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] . قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر. وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه. قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان. قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك. فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه. قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .

النمل 27:43

قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ. قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها. قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل. وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف. قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ. قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] . وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه. الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ‎ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] . وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال: حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ‎ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه. وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني. قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين. ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله: انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟ فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف. قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال: أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا. الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها. ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره. فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان. قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة. قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته. فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟. قالوا: بلقيس يا رسول الله. قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين. واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل: قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت. قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد. الكسائي: المنكر، وأنشد: فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]] وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال: حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا. أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار. وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام. وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم. ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي. أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) . واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش، فروت عائشة أن النبي ﷺ‎ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] . وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه. وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة. وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك. قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك. مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة. وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به. فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه. قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها. قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين. وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت: عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك. وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع. وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا. إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا. كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مملّس مستونْ قَوارِيرَ وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء. قال: سلي. قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها. فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟ قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت. قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فحسن إسلامها. واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام. قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ‎ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله» [115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] . قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر. وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه. قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان. قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك. فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه. قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .

النمل 27:44

قالَ سليمان للهدهد سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ فيما أخبرت أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكاذِبِينَ فدلّهم الهدهد على الماء فاحتفروا الركايا وروى الناس والدوابّ، وكانوا قد عطشوا، ثم كتب سليمان كتابا من عبد الله سليمان بن داود (عليه السلام) الى بلقيس ملكة سبأ، السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى، أمّا بعد فلا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. وقال ابن جريج: لم يزد سليمان على ما قصّ الله في كتابه إِنَّهُ ... وَإِنَّهُ. قال منصور: كان يقال: كان سليمان أبلغ الناس في كتابه، وأقلّه إملاء ثم قرأ إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال قتادة: وكذلك الأنبياء عليهم السلام كانت تكتب جملا لا يطيلون ولا يكثرون، فلمّا كتب الكتاب طبعه بالمسك، وختمه بخاتمه وقال للهدهد اذْهَبْ بِكِتابِي هذا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فكن قريبا منهم فَانْظُرْ ماذا يَرْجِعُونَ يردّون من الجواب. وقال ابن زيد: في الآية تقديم وتأخير مجازها: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم وانظر ماذا يرجعون ثم تولّ عنهم أي انصرف، كقوله ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ أي انصرف إليه، فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به الى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام، فوافاها في قصرها وقد غلّقت الأبواب، وكانت إذا رقدت غلّقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعتها تحت رأسها وآوت إلى فراشها، فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها، هذا قول قتادة. وقال مقاتل: حمل الهدهد الكتاب بمنقاره فطار حتى وقف على رأس المرأة، وحولها القادة والجنود، فرفرف ساعة والناس ينظرون حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها. وقال ابن منبّه وابن زيد: كانت لها كوّة مستقبلة الشمس، تقع الشمس فيها حين تطلع، فإذا نظرت إليها سجدت لها، فجاء الهدهد تلك الكوّة فسدّها بجناحه فارتفعت الشمس ولم تعلم، فلمّا استبطأت الشمس قامت تنظر فرمى بالصحيفة إليها. قالوا: فأخذت بلقيس الكتاب وكانت كاتبة قارئة عربية من قوم تبع بن شراحيل الحميري، فلمّا رأت الخاتم ارتعدت وخضعت لأن ملك سليمان (عليه السلام) كان في خاتمه، وعرفت أنّ الذي أرسل هذا الكتاب هو أعظم ملكا منها لأن ملكا رسله الطير إنّه لملك عظيم، فقرأت الكتاب وتأخّر الهدهد غير بعيد فجاءت حتى قعدت على سرير ملكها وجمعت الملأ من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد، مع كلّ قائد مائة ألف مقاتل. وقال قتادة ومقاتل والثمالي: كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا كل رجل منهم على عشرة آلاف. قالوا: فجاؤوا وأخذوا مجالسهم فقالت لهم بلقيس: يا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ. قال قتادة: حسن، نظيره قوله وَمَقامٍ كَرِيمٍ [[سورة الشعراء: 58.]] . وقال ابن عباس: شريف بشرف صاحبه. الضحاك: سمّته كريما لأنّه كان مختوما، يدلّ عليه ما أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن شاذان قال: حدّثنا جبعويه بن محمد قال: حدّثنا صالح بن محمد بن محمد بن مروان عن ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أنّ النبي ﷺ‎ قال: «كرامة الكتاب ختمه» [112] . وأنبأني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدّثنا عمرو قال: حدّثني أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي قال: حدّثنا إسحاق بن منصور قال: حدّثنا معاذ بن هشام قال: حدّثني أبي عن قتادة عن أنس قال: لمّا أراد نبي الله ﷺ‎ أن يكتب إلى العجم، قيل له: أنّ العجم لا يقبلون إلّا كتابا عليه خاتم، فاصطنع خاتما، فكأني انظر إلى بياضه في كفّه. وقال ابن المقفّع: من كتب الى أخيه كتابا ولم يختمه فقد استخفّ به لأن الختم ختم، وقيل: سمّته كريما لأنّه كان مصدّرا ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ... إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ وقرأ أشهب العقيلي: إلا تغلوا علىّ بالغين معجمة، وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ مؤمنين طائعين. قالَتْ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ قال ابن عباس: كان مع بلقيس مائة ألف قيل، مع كلّ قيل مائة ألف، والقيل تلك دون الملك الأعظم أَفْتُونِي فِي أَمْرِي أشيروا عليّ فيما عرض لي وأجيبوني فيما أشاوركم فيه ما كُنْتُ قاطِعَةً قاضية وفاصلة أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ تحضروني. قالُوا مجيبين لها نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ في القتال وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ عند الحرب وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ أيتها الملكة فَانْظُرِي ماذا تَأْمُرِينَ تجدينا لأمرك مطيعين. ف قالَتْ بلقيس لهم حين عرضوا أنفسهم للحرب إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً عنوة وغلبة أَفْسَدُوها خرّبوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً أي أهانوا أشرافها وكبراءها لكي يستقيم لهم الأمر، وتناهى الخبر عنها هاهنا فصدّق الله سبحانه قولها فقال وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ. أنشدني أبو القاسم الحبيبي قال: أنشدني أبي رحمه الله: انّ الملوك بلاء حيث ما حلّوا ... فلا يكن لك في أكنافهم ظل ماذا تؤمّل من قوم إذا غضبوا ... جاروا عليك وإن أرضيتهم ملّوا وإن مدحتهم خالوك تخدعهم ... واستثقلوك كما يستثقل الكلّ فاستغن بالله عن أبوابهم أبدا ... إنّ الوقوف على أبوابهم ذلّ [[وما بعدّها: طبقات المفسّرين- السيوطي- ص: 37.]] وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ وذلك أنّ بلقيس كانت لبيبة قد سيست وساست، فقالت للملأ من قومها: إنّي مرسلة الى سليمان وقومه بهديّة أصانعه بذلك عن ملكي واختبره بها أملك هو؟ فإن يكن ملكا قبل الهديّة وانصرف، وإن يكن نبيّا لم يقبل الهدية ولم يرضه منّا إلّا أن نتّبعه على دينه، فأهدت إليه وصيفا ووصائف. قال ابن عباس: ألبستهم لباسا واحدا حتى لا يعرف ذكر من أنثى. وقال مجاهد: ألبس الغلمان لباس الجواري وألبس الجواري لبسة الغلمان، واختلفوا في عددهم فقال مقاتل: مائة وصيف ومائة وصيفة. وقال مجاهد: مائتي غلام ومائتي جارية. وقال الكلبي: عشرة غلمان وعشر جواري. وقال وهب وغيره: خمسمائة غلام وخمسمائة جارية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن حنش قال: حدّثنا ابن فنجويه قال: حدّثنا سلمة قال: حدّثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن ثابت البناني في قوله وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ قال: أهدت له صفائح ذهب في أوعية الديباج، فلمّا بلغ ذلك سليمان أمر الجن فموّهوا له الآجرّ بالذهب ثم أمر به فألقي في الطريق، فلمّا جاءوا رأوه ملقى في الطريق في كل مكان، قالوا: قد جئنا نحمل شيئا نراه هاهنا ملقى ما يلتفت إليه، فصغر في أعينهم ما جاءوا به، وقيل: كانت أربع لبنات من ذهب. وقال وهب وغيره من أهل الكتب: عمدت بلقيس الى خمسمائة جارية وخمسمائة غلام فألبست الجواري لباس الغلمان، الأقبية والمناطق، وألبست الغلمان لباس الجواري، وجعلت في سواعدهم أساور من ذهب، وفي أعناقهم أطواقا من ذهب، وفي آذانهم قروطا وشنوفا مرصّعات بأنواع الجواهر، وحملت الجواري على خمسمائة رمكة والغلمان على خمسمائة برذون، على كل فرس لجام من ذهب مرصّع بالجواهر وغواشيها من الديباج الملونة، وبعثت إليه أيضا خمسمائة لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة وتاجا مكلّلا بالدرّ والياقوت المرتفع وأرسلت إليه أيضا المسك والعنبر وعود الألنجوج، وعمدت الى حقّة فجعلت فيها درّة يتيمة غير مثقوبة وخرزة جزعية مثقوبة معرجة الثقب، ودعت رجلا من أشراف قومها يقال له المنذر بن عمرو وضمّت إليه رجالا من قومها أصحاب رأي وعقل وكتبت معه كتابا نسخة الهدية وقالت: إن كنت نبيّا فميّز بين الوصفاء والوصيفات، وأخبر بما في الحقّة قبل أن تفتحها وأثقب الدرّة ثقبا مستويا وأدخل خيطا. الخرزة وأمرت بلقيس الغلمان فقالت: إذا كلّمكم سليمان فكلّموه بكلام فيه تأنيث وتخنيث شبه كلام النساء، وأمرت الجواري أن يكلّمنه بكلام فيه غلظة يشبه كلام الرجال، ثمّ قالت للرسول: انظر الى الرجل إذا دخلت عليه، فإن نظر إليك نظر غضب فاعلم أنّه ملك ولا يهولنّك منظره فأنا أعزّ منه، وإن رأيت الرجل بشّا لطيفا فاعلم أنّه نبي مرسل فتفهّم قوله وردّ الجواب. فانطلق الرسول بالهدايا وأقبل الهدهد مسرعا إلى سليمان (عليه السلام) فأخبره الخبر كلّه، فأمر سليمان (عليه السلام) الجنّ أن يضربوا لبنات الذهب والفضة ففعلوا، ثم أمرهم أن يبسطوا من موضعه الذي هو فيه إلى تسع فراسخ ميدانا واحدا بلبنات الذهب والفضة، وأن يجعلوا حول الميدان حائطا شرفها من الذهب والفضة ففعلوا، ثم قال: أيّ الدوابّ أحسن ممّا رأيتم في البرّ والبحر؟ قالوا: يا نبي الله إنّا رأينا دوابّ في بحر كذا وكذا منمّرة منقطعة مختلفة ألوانها، لها أجنحة وأعراف ونواصي. قال: عليّ بها الساعة، فأتوا بها، فقال: شدّوها عن يمين الميدان وعن يساره على لبنات الذهب والفضّة، وألقوا لها علوفها. ثم قال للجنّ: عليّ بأولادكم، فاجتمع خلق كثير فأقامهم على يمين الميدان ويساره، ثم قعد سليمان (عليه السلام) في مجلسه على سريره ووضع له أربعون ألف كرسي عن يمينه ومثلها عن يساره، وأمر الشياطين أن يصطفّوا صفوفا فراسخ، وأمر الإنس فاصطفّوا فراسخ، وأمر الوحش والسباع والهوامّ والطير فاصطفّوا فراسخ عن يمينه ويساره. فلمّا رأى القوم الميدان ونظروا إلى ملك سليمان (عليه السلام) ورأوا الدوابّ التي لم تر أعينهم مثلها تروث على لبنات الذهب والفضة، تقاصرت إليهم أنفسهم وبقوا بما معهم من الهدايا. وفي بعض الروايات أن سليمان (عليه السلام) لمّا أمر بفرش الميدان بلبنات الذهب والفضة أمرهم أن يتركوا على طريقهم موضعا على قدر موضع اللبنات التي معهم، فلما رأى الرسل موضع اللبنات خاليا وكلّ الأرض مفروشة خافوا أن يتّهموا بذلك فطرحوا ما معهم في ذلك المكان. قالوا: ثم جاءوا، فلمّا رأوا الشياطين نظروا إلى موضع عجيب ففزعوا فقال لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرّون على كردوس كردوس من الجن والإنس والطير والسباع والوحش حتى وقفوا بين يدي سليمان (عليه السلام) فنظر إليهم سليمان نظرا حسنا بوجه طلق وقال: ما وراءكم؟ فأخبره رئيس القوم بما جاءوا له وأعطاه كتاب الملكة فنظر فيه فقال: أين الحقّة فأتى به فحرّكها، وجاءه جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بما في الحقّة فقال: إنّ فيها درة يتيمة غير مثقوبة وجزعة مثقوبة معوجّة الثقب، فقال الرسول: صدقت فاثقب الدّرة وأدخل الخيط في الخرزة فقال سليمان (عليه السلام) : من لي بثقبها؟ فسأل سليمان الإنس فلم يكن عندهم علم ذلك، ثمّ سأل الجانّ فلم يكن عندهم علم ذلك، ثم سأل الشياطين فقالوا: ترسل الى الأرضة فجاءت الأرضة وأخذت شعرة في فيها فدخلت فيها حتى خرجت من الجانب الآخر فقال لها سليمان (عليه السلام) : حاجتك؟ فقالت: تصيّر رزقي في الشجرة فقال: لك ذاك، ثمّ قال: من لهذه الخرزة يسلكها؟ الخيط فقالت دودة بيضاء: أنا لها يا رسول الله، فأخذت الدودة الخيط في فيها ودخلت الثقب حتى خرجت من الجانب الآخر، فقال سليمان: حاجتك؟ قالت: تجعل رزقي في الفواكه قال: لك ذاك، ثمّ ميز بين الجواري والغلمان بأن أمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم فكانت الجارية تأخذ الماء من الآنية بإحدى يديها ثم تجعله على اليد الأخرى ثم تضرب به على الوجه، والغلام كان يأخذه من الآنية يضرب به وجهه، وكانت الجارية تصبّ على باطن ساعدها، والغلام على ظهر الساعد، وكانت الجارية تصب الماء صبّا، وكان الغلام يحدر الماء على يده حدرا، فميّز بينهنّ بذلك ثم ردّ سليمان (عليه السلام) الهديّة. قالَ أَتُمِدُّونَنِ بِمالٍ اختلف القرّاء فيه فقرأ حمزة ويعقوب أتمدّونّي بنون واحدة مشدّدة، غيرهما بنونين خفيفتين وحذف الياء، ابن عامر وعاصم والكسائي وخلف، الباقون بإثباته. فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ لأنّكم أهل مفاخرة الدنيا والمكابرة بها ولا تعرفون غير ذلك، وليست الدنيا من حاجتي لأن الله سبحانه قد مكّنني منها وأعطاني فيها ما لم يعط أحدا ومع ذاك أكرمني بالدين والنبوّة والحكمة، ثمّ قال للمنذر بن عمرو آمر الوفد ارْجِعْ إِلَيْهِمْ بالهدية فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لا طاقة لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أي من أرضها وملكها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ذليلون إن لم يأتوني مسلمين. قال وهب وغيره من أهل الكتب: لما رجعت رسل بلقيس إليها من عند سليمان (عليه السلام) قالت: قد والله عرفت ما هذا بملك، وما لنا به طاقة، وما نصنع بمكاثرته شيئا، فبعثت إلى سليمان: إنّي قادمة عليك بملوك قومي حتى أنظر ما أمرك وما تدعو إليه من دينك، ثم أمرت بعرشها فجعل في آخر سبعة أبيات بعضها في بعض، في آخر قصر من سبع قصور لها، ثم أغلقت دونه الأبواب ووكلت به حرّاسا يحفظونه ثمّ قالت لمن خلّفت على سلطانها: احتفظ بما قبلك وسرير ملكي، فلا يخلص إليه أحد ولا يزيّنه حتى آتيك، ثم أمرت مناديا فنادى في أهل مملكتها يؤذنهم بالرحيل، وشخصت الى سليمان في اثني عشر ألف قيل من ملوك اليمن تحت يدي كل قيل ألوف كثيرة. قال ابن عباس: وكان سليمان رجلا مهيبا لا يبتدئ بشيء حتى يكون هو الذي يسأل عنه، فخرج يوما فجلس على سرير ملكه فرأى رهجا قريبا منه فقال: ما هذه؟. قالوا: بلقيس يا رسول الله. قال: «وقد نزلت منّا بهذا المكان؟» [113] قال ابن عباس: وكان ما بين الكوفة والحيرة قدر فرسخ فأقبل حينئذ سليمان على جنوده فقال أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ أي مؤمنين. وقال ابن عباس: طائعين. واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان (عليه السلام) بإحضار العرش فقال أكثرهم: لأن سليمان (عليه السلام) علم أنها إن أسلمت حرم عليه ما لها فأراد أن يأخذ سريرها قبل أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال قتادة: لأنه أعجبته صفته لمّا وصفه الهدهد فأحبّ أن يراه. وقال ابن زيد: أراد أن يختبر عقلها فيأمر بتنكيره لينظر هل تثبته إذا رأته أم تنكره؟ وقيل: قدرة الله سبحانه وعظيم سلطانه في معجزه يأتي بها في عرشها. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ وهو المارد القوي، وفيه لغتان: عفريت وعفرية، فمن قال عفريت جمعه عفاريت، ومن قال عفرية جمعه عفارت. قال وهب: اسمه كوذى، وقال شعيب الجبائي: كان اسم العفريت ذكوان، وقال ابن عباس: العفريت: الداهية، وقال الضحّاك: هو الخبيث. ربيع: الغليظ. الفراء: القوىّ الشديد. الكسائي: المنكر، وأنشد: فقال شيطان لهم عفريت ... مالكم مكث ولا تبييت [[فتح القدير: 4/ 139. بتفاوت.]] وقرأ أبو رجاء العطاردي قال: عفرية. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا عبيد الله بن عبد الله بن أبي سمرة البغوي قال: حدّثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البغدادي قال: حدّثنا محمد بن الحسن بن سهل قال: حدّثنا عبد الرّحمن البحتري قال: حدّثنا عمرو بن عثمان قال: حدّثنا أبي عن عبد الله بن عبد العزيز القرشي عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه أنه كان يقرأ: قال عفرية من الجنّ والعفرية البكر بين البكرين لم يلد أبواه قبله شيئا ولم يلد هو شيئا. أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ أي مجلسك الذي تقضي فيه، قال ابن عباس: وكان له كلّ غداة مجلس يقضي فيه الى منزع النهار. وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ على حمله أَمِينٌ على ما فيه من الجواهر، فقال سليمان عليه السلام أريد أسرع من هذا، قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ واختلفوا فيه، فقال بعضهم هو جبرئيل (عليه السلام) ملك من الملائكة أيّد الله عزّ وجلّ به نبيه سليمان عليه السلام. وقال الآخرون: بل كان رجلا من بني آدم. ثمّ اختلفوا فيه فقال أكثر المفسرين: هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن ميكيا وكان صدّيقا يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطي. أخبرني ابن فنجويه قال: أخبرنا مخلد بن جعفر الباقرحي قال: حدّثنا الحسن بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: حدّثنا جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال: إنّ آصف قال لسليمان (عليه السلام) حين صلّى ودعا الله سبحانه: مدّ عينيك حتى ينتهي طرفك قال: فمدّ سليمان (عليه السلام) عينه فنظر نحو اليمن ودعا آصف، فبعث الله الملائكة فحملوا السرير من تحت الأرض يخدّون الأرض خدّا حتى انخرقت الأرض بالسرير بين يدي سليمان (عليه السلام) . واختلف العلماء في الدعاء الذي دعا به آصف عند الإتيان بالعرش، فروت عائشة أن النبي ﷺ‎ قال: «إن اسم الله الأعظم الذي دعا به آصف «يا حيّ يا قيّوم» [114] [[تفسير القرطبي: 13/ 204.]] . وروى عثمان بن مطر عن الزهري قال: دعاء الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ (يا إلهنا وإله كل شيء إلها واحدا لا إله إلّا أنت ائتني بعرشها) قال: فمثل له بين يديه. وقال مجاهد: يا ذا الجلال والإكرام. وأخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة بن محمد بن جعفر وعبيد الله بن أحمد بن يعقوب قالا: حدّثنا أبو بكر بن مجاهد قال: حدّثنا إسماعيل عن عبد الله بن إسماعيل عن ابن زيد قال: الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ رجل صالح كان في جزيرة من جزائر البحر فخرج ذلك اليوم ينظر من ساكن الأرض؟ وهل يعبد الله عزّ وجل أم لا يعبد؟ فوجد سليمان (عليه السلام) فدعا باسم من أسماء الله فإذا هو بالعرش حمل فأتى به سليمان من قبل إن يرتدّ إليه طرفه. وبه عن مجاهد قال: حدّثني البزي وابن حرب قال: حدّثنا أبو حذيفة قال: حدّثنا شبل قال: زعم ابن أبي بزة أن اسم الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ اسطوم، وقال بعضهم: كان رجل من حمير يقال له: ضبّة. وقال قتادة: كان اسمه بليحا، وقال محمد بن المنكدر: إنما هو سليمان أما إن الناس يرون أنّه كان معه اسم وليس ذلك كذلك، إنّما كان رجل عالم من بني إسرائيل آتاه الله علما وفقها فقال: أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ، قال سليمان (عليه السلام) : هات، فقال: أنت النبي ابن النبي وليس أحد أوجه عند الله منك ولا أقدر على حاجته فإن دعوت الله، وطلبت إليه كان عندك. قال: صدقت ففعل ذلك فجيء بالعرش في الوقت. وقوله قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ اختلفوا في معناه فقال سعيد بن جبير: يعني قبل أن يرجع إليك أقصى من تركت، وهو أن يصل إليك من كان منك على مدّ بصرك. قتادة: قبل أن يأتيك الشخص من مد البصر. وهب: تمد عينيك فلا ينتهي طرفك الى مداه حتى أمثّله بين يديك. مجاهد: يعني إدامة النظر حتى يرتد الطرف خاسئا. وعنه أيضا قال: يعني مدّ بصرك ما بينك وبين الحيرة، وهو يومئذ في كندة. وعن قتادة: هو أن يبعث رسولا الى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به. فَلَمَّا رَآهُ يعني رأى سليمان (عليه السلام) العرش مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ محمولا إليه من مأرب الى الشام في قدر ارتداد الطرف قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ نعمته أَمْ أَكْفُرُ ها فلا أشكرها وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ لم ينفع بذلك غير نفسه حيث استوجب بشكره تمام النعمة ودوامها لأنّ الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ بالإفضال على من كفر نعمه. قالَ نَكِّرُوا غيّروا لَها عَرْشَها فزيدوا فيه وأنقصوا منه واجعلوا أعلاه أسفله وأسفله أعلاه نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي الى عرشها فتعرفه أَمْ تَكُونُ مِنَ الجاهلين به الَّذِينَ لا يَهْتَدُونَ إليه، وإنما حمل سليمان (عليه السلام) على ذلك، كما ذكره وهب ومحمد بن كعب وغيرهما من أهل الكتب: إنّ الشياطين خافت أن يتزوجها سليمان فتفشي إليه أسرار الجن، ولا ينفكّون من تسخير سليمان وذرّيته من بعده، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فأساؤوا الثناء عليها وقالوا: إنّ في عقلها شيئا وإنّ رجلها كحافر الحمار، فأراد سليمان (عليه السلام) أن يختبر عقلها بتنكير عرشها، وينظر الى قدميها ببناء الصرح، فَلَمَّا جاءَتْ بلقيس قِيلَ لها أَهكَذا عَرْشُكِ قالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ شبّهته به وكانت قد تركته خلفها في بيت خلف سبعة أبواب مغلقة والمفاتيح معها فلم تقرّ بذلك ولم تنكر، فعلم سليمان (عليه السلام) كمال عقلها. قال الحسن بن الفضل: شبّهوا عليها فشبّهت عليهم وأجابتهم على حسب سؤالهم، ولو قالوا لها: هذا عرشك لقالت: نعم فقال سليمان (عليه السلام) وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بالله وبقدرته على ما شاء من قبل هذه المرأة وَكُنَّا مُسْلِمِينَ هذا قول مجاهد وقال بعضهم: معناه وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بإسلامها ومجيئها طائعة وقبل مجيئها، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ طائعين خاضعين. وقال بعضهم: هذا من قول بلقيس لمّا رأت عرشها عند سليمان (عليه السلام) قالت: عرفت هذه، وَأُوتِينَا الْعِلْمَ بصحة نبوة سليمان (عليه السلام) بالآيات المتقدمة من قبل هذه الآية وذلك بما اختبرت من أمر الهديّة والرسل، وَكُنَّا مُسْلِمِينَ أي منقادين لك مطيعين لأمرك من قبل أن جئناك. وَصَدَّها ومنعها ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وهو الشمس بأن تعبد الله، وعلى هذا القول يكون (ما) في محل الرفع. وقال بعضهم: معناه وَصَدَّها سليمان ما كانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي منعها ذلك وحال بينها وبينه، ولو قيل: وصدّها الله ذلك بتوفيقها للإسلام لكان وجها صحيحا، وعلى هذين التأويلين يكون محل (ما) نصبا. إِنَّها كانَتْ مِنْ قَوْمٍ كافِرِينَ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ الآية. وذلك أنّ سليمان (عليه السلام) لما أقبلت بلقيس تريده أمر الشياطين فبنوا له صرحا أي قصرا من زجاج كأنّه الماء بياضا، وقيل: الصرح صحن الدار، وأجرى من تحته الماء وألقى فيه كل شيء من دواب البحر، السمك وغيره، ثمّ وضع له سريره في صدرها فجلس عليه وحلقت عليه الطير والجن والإنس وإنّما أمر ببناء هذا الصرح لأنّ الشياطين قال بعضهم لبعض: سخّر الله لسليمان عليه السلام ما سخّر وبلقيس ملكة سبأ ينكحها فتلد له غلاما فلا ننفك من العبودية أبدا، فأرادوا أن يزهّدوه فيها فقالوا: إنّ رجلها رجل حمار وإنها شعراء الساقين لأنّ أمّها كانت من الجن فأراد أن يعلم حقيقة ذلك وينظر الى قدميها وساقيها. وروى محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبّه قال: إنّما بنى الصرح ليختبر عقلها وفهمها، يعاينها بذلك كما فعلت هي من توجيهها إليه الوصفاء والوصائف ليمّيز بين الذكور والإناث، تعاينه بذلك، فلمّا جاءت بلقيس يلَ لَهَا: ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وهي معظم الماء وقال ابن جريج: يعني بحرا. كَشَفَتْ عَنْ ساقَيْها لتخوضه الى سليمان عليه السلام، فنظر سليمان فإذا هي أحسن الناس ساقا وقدما إلّا أنّها كانت شعراء الساقين، فلمّا رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها وناداهانَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مملّس مستونْ قَوارِيرَ وليس ببحر، فلمّا جلست قالت: يا سليمان إنّي أريد أن أسألك عن شيء. قال: سلي. قالت: أخبرني عن ما ماء رواء ولا من أرض ولا من سماء. وكان سليمان إذا جاءه شيء لا يعلمه سأل الإنس عنه، فإن كان عندهم علم ذلك وإلّا سأل الجن، فإن علموا وإلّا سأل الشياطين، فسأل الشياطين عن ذلك فقالوا له: ما أهون هذا من الخيل فلتجر ثم املأ الآنية من عرقها. فقال لها سليمان: عرق الخيل، قالت: صدقت، ثم قالت: أخبرني عن لون الربّ، فوثب سليمان عليه السلام عن سريره وخرّ ساجدا وصعق عليه فقامت عنه وتفرّقت جنوده وجاءه الرسول فقال: يا سليمان يقول لك ربك: ما شأنك؟ قال: يا رب أنت أعلم بما قالت، قال: فإن الله يأمرك أن تعود ألى سريرك وترسل إليها وإلى من حضرها من جنودك وجنودها فتسألها وتسألهم عمّا سألتك عنه، ففعل ذلك سليمان (عليه السلام) ، فلمّا دخلوا عليه قال لها: عمّا ذا سألتني؟ قالت: سألتك عن ماء رواء ليس من أرض ولا سماء فأجبت. قال: وعن أيّ شيء سألتني أيضا؟ قالت: ما سألتك عن شيء إلّا هذا فاسأل الجنود فقالوا مثل قولها، أنساهم الله تعالى ذلك وكفى سليمان (عليه السلام) الجواب، ثمّ إن سليمان دعاها الى الإسلام وكانت قد رأت حال العرش والصرح فأجابت وقالت بِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي بالكفر أَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ فحسن إسلامها. واختلف العلماء في أمرها بعد إسلامها فقال أكثرهم: لمّا أسلمت أراد سليمان أن يتزوجها، فلمّا همّ بذلك كره ما رأى من كثرة شعر ساقيها وقال: ما أقبح هذا! فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: الموسى فقالت المرأة: لم تمسّني حديدة قطّ، فكره سليمان الموسى وقال: إنّها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ثمّ سأل الشياطين فتلكأوا ثمّ قالوا: انّا نحتال لك حتى تكون كالفضة البيضاء فاتخذوا لها النورة والحمّام. قال ابن عباس: فإنّه لأول يوم رؤيت فيه النورة واستنكحها سليمان عليه السلام. أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد بن أحمد بن نصرويه قال: حدّثنا محمد بن عمران ابن هارون قال: حدّثنا محمد بن ميمون المكي قال: حدّثني أبو هارون العطار عن أبي حفص الأبّار عن إسماعيل بن أبي بردة عن أبي موسى يبلغ به النبي ﷺ‎ قال: «أول من اتخذ الحمامات سليمان بن داود عليه السلام، فلمّا ألزق ظهره إلى الجدر فمسّه حرّها قال: آوه من عذاب الله» [115] [[تفسير القرطبي: 13/ 210.]] . قالوا: فلما تزوّجها سليمان أحبّها حبّا شديدا وأقرّها على ملكها وأمر الجن فابتنوا لها بأرض اليمن ثلاثة حصون لم ير الناس مثلها ارتفاعا وحسنا وهي: سلحون وسون وعمدان، ثم كان سليمان عليه السلام يزورها في كل شهر مرّة بعد أن ردها الى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيّام يبتكر من الشام الى اليمن ومن اليمن الى الشام، وولدت له فيما ذكر. وروى ابن أبي إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب قال: زعموا أنّ سليمان بن داود عليه السلام قال لبلقيس لمّا أسلمت وفرغ من أمرها: اختاري رجلا من قومك أزوّجكه. قالت: ومثلي يا نبي الله ينكح الرجال وقد كان لي في قومي من الملك والسلطان ما كان. قال: نعم إنّه لا يكون في الإسلام إلّا ذلك ولا ينبغي لك أن تحرّمي ما أحل الله لك. فقالت: زوّجني إن كان لا بدّ من ذلك ذا تبّع ملك همذان فزوّجه إيّاها ثم ردّها الى اليمن وسلّط زوجها ذا تبّع على اليمن، ودعا زوبعة أمير جن اليمن فقال: اعمل لذي تبّع ما استعملك فيه. قال: فصنع لذي تبع الصنائع باليمن ثم لم يزل بها يعمل له فيها ما أراد حتى مات سليمان ابن داود (عليه السلام) ، فلمّا أن حال الحول وتبيّنت الجن موت سليمان (عليه السلام) أقبل رجل منهم فسلك تهامة حتى إذا كان في جوف اليمن صرخ بأعلى صوته: يا معشر الجن إنّ الملك سليمان قد مات فارفعوا أيديكم قال: فعمدت الشياطين الى حجرين عظيمين فكتبوا فيها كتابا بالمسند نحن بنينا سلحين دائبين [سبعة وسبعين خريفا] ، وبنينا صرواح ومرواح [وبنيون وحاضة وهند وهنيدة، وسبعة أمجلة بقاعة، وتلثوم بريدة، ولولا صارخ بتهامة لتركنا بالبون إمارة، وقال وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهند وهنيدة وتلثوم حصون كانت باليمن عملتها الشياطين لذي تبع] [[عبارة المخطوط مشوشة والتصحيح من تفسير الطبري.]] ، ثم رفعوا أيديهم وانطلقوا وتفرّقوا وانقضى ملك ذي تبّع وملك بلقيس مع ملك سليمان (عليه السلام) [[تفسير الطبري: 1/ 351.]] .

النمل 27:45

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:46

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:47

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:48

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:49

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:50

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:51

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:52

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:53

وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً أَنِ يعني بأن اعْبُدُوا اللَّهَ وحده فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ مؤمن وكافر ومصدّق ومكذّب يَخْتَصِمُونَ في الدين. قال مقاتل: واختصامهم مبيّن في سورة الأعراف وهو قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ الى قوله يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. ف قالَ لهم صالح يا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ بالبلاء والعقوبة قَبْلَ الْحَسَنَةِ العافية والرحمة، والاستعجال طلب التعجيل بالأمر، وهو الإتيان به قبل وقته. لَوْلا هلّا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ بالتوبة من كفركم لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ قالُوا اطَّيَّرْنا تشاءمنا، وأصله تطيّرنا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ وذلك أنّ المطر أمسك عنهم في ذلك الوقت وقحطوا فقالوا: أصابنا هذا الضرّ والشرّ من شؤمك وشؤم أصحابك، وإنّما ذكر التطيّر بلفظ الشأم على عادة العرب ونسبتهم الشؤم إلى البارح، وهو الطائر الذي يأتي من جانب اليد الشؤمي وهي اليسرى. قالَ طائِرُكُمْ من الخير والشر وما يصيبكم من الخصب والجدب عِنْدَ اللَّهِ بأمره وهو مكتوب على رؤوسكم، لازم أعناقكم، وليس ذلك إليّ ولا علمه عندي. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ قال ابن عباس: تختبرون بالخير والشر، نظيره وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [[سورة الأنبياء: 35.]] . الكلبي: تُفْتَنُونَ حتى تجهلوا أنّه من عند الله سبحانه وتعالى. محمد بن كعب: تعذّبون بذنوبكم وقيل: تمتحنون بإرسالي إليكم لتثابوا على طاعتكم ومتابعتي، وتعاقبوا على معصيتي ومخالفتي. وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ يعني مدينة ثمود وهي الحجر تِسْعَةُ رَهْطٍ من أبناء أشرافهم يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ وأسماؤهم قدار بن سالف ومصدع بن دهر وأسلم ورهمى وبرهم ودعمي وعيم وقتال وصداف. قالُوا تَقاسَمُوا تحالفوا بِاللَّهِ أيّها القوم وموضع تقاسموا جزم على الأمر كقوله بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وقال قوم من أهل المعاني: محله نصب على الفعل الماضي يعني انهم تحالفوا وتواثقوا، تقديره: قالوا متقاسمين بالله، ودليل هذا التأويل أنّها في قراءة عبد الله: ولا يصلحون تقاسموا بالله، وليس فيها قالوا. لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ من البيات فلنقتله، هذه قراءة العامة بالنون فيهما واختيار أبي حاتم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة والكسائي: لتبيّتنّه ولتقولنّ بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخطاب واختاره أبو عبيد، وقرأ مجاهد وحميد بالتاء فيهما وضم التاء واللام على الخبر عنهم. ثم ليقولن ما شَهِدْنا ما حضرنا مَهْلِكَ أَهْلِهِ أي إهلاكهم، وقرأ عاصم برواية أبي بكر مَهْلَكَ بفتح الميم واللام، وروى حفص عنه بفتح الميم وكسر اللام، وهما جميعا بمعنى الهلاك وَإِنَّا لَصادِقُونَ في قولنا: إنّا ما شهدنا ذلك. وَمَكَرُوا مَكْراً وغدروا غدرا حين قصدوا تبييت صالح والفتك به وَمَكَرْنا مَكْراً وجزيناهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا قرأ الحسن والأعمش وعاصم وحمزة والكسائي أَنَّا بفتح الالف ولها وجهان: أحدهما: أن يكون أَنَّا في محلّ الرفع ردّا على العاقبة. والثاني: النصب على تكرير (كان) تقديره: كان عاقبة مكرهم التدمير، واختار أبو عبيد هذه القراءة اعتبار الحرف أي أن دمرناهم، وقرأ الباقون: إنّا بكسر الألف على الابتداء. دَمَّرْناهُمْ يعني أهلكنا التسعة، واختلفوا في كيفية هلاكهم. فقال ابن عباس: أرسل سبحانه الملائكة فامتلأت بهم دار صالح فأتى التسعة الدار شاهرين سيوفهم فرمتهم الملائكة بالحجارة من حيث يرون الحجارة ولا يرون الملائكة فقتلتهم. قال قتادة: خرجوا مسرعين الى صالح فسلّط الله عليهم صخرة فدمغتهم. مقاتل: نزلوا في سفح جبل ينتظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، فجثم عليهم الجبل فأهلكهم. السدّي: خرجوا ليأتوا صالحا فنزلوا خرقا من الأرض يتمكنون فيه فانهار عليهم. وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ بالصيحة وقد مضت القصة. فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً خالية، قراءة العامّة بالنصب على الحال عن الفرّاء والكسائي وأبو عبيدة عن القطع مجازه: فتلك بيوتهم الخاوية، فلمّا قطع منها الألف واللام نصبت كقوله سبحانه وَلَهُ الدِّينُ واصِباً [[سورة النحل: 52.]] وقرأ عيسى بن عمر خاويةٌ بالرفع على الخبر بِما ظَلَمُوا أي بظلمهم إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لعبرة لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ من صيحة جبريل، والخراج الذي ظهر بأيديهم. قال مقاتل: خرج أوّل يوم على أيديهم مثل الحمّصة أحمر ثمّ اصفرّ من الغد، ثمّ اسودّ اليوم الثالث، ثمّ تفقّأت، وصاح جبريل (عليه السلام) في خلال ذلك فخمدوا، وكانت الفرقة المؤمنة الناجية أربعة آلاف، خرج بهم صالح إلى حضرموت، فلمّا دخلها صالح مات، فسمّي (حضرموت) . قال الضحّاك: ثمّ بنى الأربعة آلاف مدينة يقال لها: (حاضورا) [[هكذا في المخطوطة، وفي تفسير القرطبي: 12/ 75. حضوراء.]] وقد مضت القصّة جميعا [[راجع القصّة في تفسير القرطبي: 12/ 75.]] .

النمل 27:54

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضا. كانوا لا يتستّرون عتوّا منهم وتمرّدا أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاء منهم بهم فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ وأهله قَدَّرْناها قضينا عليها أنها مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى قَدَّرْناها جعلناها مِنَ الْغابِرِينَ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على شذّادها [[هكذا في المخطوط.]] مَطَراً وهو الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفرّاء: قيل للوط: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار قومي. وقال الباقون: الخطاب لرسول الله ﷺ‎، يعني وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفّار الأمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) ، عن مقاتل دليله قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [[سورة الصافّات: 181.]] وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا السدّي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: أصحاب محمّد (عليه السلام) . وأخبرني عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبد الله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سئل عن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: هم أصحاب محمّد. وقال الكلبي: هم أمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاما للحجّة: آللَّهُ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ استفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علما بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء) ، الباقون (بالتاء) ، وكان النبي (عليه السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم» [[تفسير القرطبي: 13/ 221.]] [116] .

النمل 27:55

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضا. كانوا لا يتستّرون عتوّا منهم وتمرّدا أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاء منهم بهم فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ وأهله قَدَّرْناها قضينا عليها أنها مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى قَدَّرْناها جعلناها مِنَ الْغابِرِينَ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على شذّادها [[هكذا في المخطوط.]] مَطَراً وهو الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفرّاء: قيل للوط: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار قومي. وقال الباقون: الخطاب لرسول الله ﷺ‎، يعني وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفّار الأمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) ، عن مقاتل دليله قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [[سورة الصافّات: 181.]] وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا السدّي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: أصحاب محمّد (عليه السلام) . وأخبرني عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبد الله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سئل عن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: هم أصحاب محمّد. وقال الكلبي: هم أمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاما للحجّة: آللَّهُ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ استفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علما بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء) ، الباقون (بالتاء) ، وكان النبي (عليه السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم» [[تفسير القرطبي: 13/ 221.]] [116] .

النمل 27:56

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضا. كانوا لا يتستّرون عتوّا منهم وتمرّدا أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاء منهم بهم فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ وأهله قَدَّرْناها قضينا عليها أنها مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى قَدَّرْناها جعلناها مِنَ الْغابِرِينَ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على شذّادها [[هكذا في المخطوط.]] مَطَراً وهو الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفرّاء: قيل للوط: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار قومي. وقال الباقون: الخطاب لرسول الله ﷺ‎، يعني وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفّار الأمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) ، عن مقاتل دليله قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [[سورة الصافّات: 181.]] وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا السدّي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: أصحاب محمّد (عليه السلام) . وأخبرني عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبد الله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سئل عن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: هم أصحاب محمّد. وقال الكلبي: هم أمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاما للحجّة: آللَّهُ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ استفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علما بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء) ، الباقون (بالتاء) ، وكان النبي (عليه السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم» [[تفسير القرطبي: 13/ 221.]] [116] .

النمل 27:57

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضا. كانوا لا يتستّرون عتوّا منهم وتمرّدا أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاء منهم بهم فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ وأهله قَدَّرْناها قضينا عليها أنها مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى قَدَّرْناها جعلناها مِنَ الْغابِرِينَ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على شذّادها [[هكذا في المخطوط.]] مَطَراً وهو الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفرّاء: قيل للوط: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار قومي. وقال الباقون: الخطاب لرسول الله ﷺ‎، يعني وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفّار الأمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) ، عن مقاتل دليله قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [[سورة الصافّات: 181.]] وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا السدّي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: أصحاب محمّد (عليه السلام) . وأخبرني عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبد الله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سئل عن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: هم أصحاب محمّد. وقال الكلبي: هم أمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاما للحجّة: آللَّهُ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ استفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علما بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء) ، الباقون (بالتاء) ، وكان النبي (عليه السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم» [[تفسير القرطبي: 13/ 221.]] [116] .

النمل 27:58

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضا. كانوا لا يتستّرون عتوّا منهم وتمرّدا أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاء منهم بهم فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ وأهله قَدَّرْناها قضينا عليها أنها مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى قَدَّرْناها جعلناها مِنَ الْغابِرِينَ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على شذّادها [[هكذا في المخطوط.]] مَطَراً وهو الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفرّاء: قيل للوط: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار قومي. وقال الباقون: الخطاب لرسول الله ﷺ‎، يعني وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفّار الأمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) ، عن مقاتل دليله قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [[سورة الصافّات: 181.]] وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا السدّي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: أصحاب محمّد (عليه السلام) . وأخبرني عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبد الله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سئل عن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: هم أصحاب محمّد. وقال الكلبي: هم أمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاما للحجّة: آللَّهُ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ استفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علما بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء) ، الباقون (بالتاء) ، وكان النبي (عليه السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم» [[تفسير القرطبي: 13/ 221.]] [116] .

النمل 27:59

وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وهي الفعلة القبيحة الشنيعة وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ أنّها فاحشة، وقيل: يرى بعضكم بعضا. كانوا لا يتستّرون عتوّا منهم وتمرّدا أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ من أدبار الرجال، يقولونه استهزاء منهم بهم فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ وأهله قَدَّرْناها قضينا عليها أنها مِنَ الْغابِرِينَ أي الباقين في العذاب وقال أهل المعاني: معنى قَدَّرْناها جعلناها مِنَ الْغابِرِينَ وإنّما قال ذلك لأنّ جرمها على مقدار جرمهم، فلمّا كان تقديرها كتقديرهم في الشرك والرضى بأفعالهم القبيحة، جرت مجراهم في إنزال العذاب بها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ أي على شذّادها [[هكذا في المخطوط.]] مَطَراً وهو الحجارة فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ قال الفرّاء: قيل للوط: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفار قومي. وقال الباقون: الخطاب لرسول الله ﷺ‎، يعني وقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على هلاك كفّار الأمم الخالية، وقال مقاتل: على ما علّمك هذا الأمر. الآخرون: على جميع نعمه. وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى لرسالاته وهم الأنبياء (عليهم السلام) ، عن مقاتل دليله قوله: وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [[سورة الصافّات: 181.]] وأخبرني عبد الله بن حامد قال: أخبرنا السدّي. قال: حدّثنا أحمد بن نجدة. قال: حدّثنا الحماني. قال: حدّثنا الحكم بن طهر، عن السدّي، عن أبي مالك، عن ابن عباس وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: أصحاب محمّد (عليه السلام) . وأخبرني عبد الرحيم بن إبراهيم بن محمّد العدل بقراءتي عليه، قال: أخبرني عبد الله بن محمّد بن مسلم، فيما أجازه لي أنّ محمّد بن إدريس حدّثهم، قال: حدّثنا الحميدي. قال: سمعت سفيان سئل عن عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى قال: هم أصحاب محمّد. وقال الكلبي: هم أمّة محمّد اصطفاهم الله لمعرفته وطاعته، ثمّ قال إلزاما للحجّة: آللَّهُ القراءة بهمزة ممدودة وكذلك كلّ استفهام فيه ألف وصل، مثل قوله: (آلذين وآلآن) جعلت المدّة علما بين الاستفهام والخبر، ومعنى الآية: الله الذي صنع هذه الأشياء خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ من الأصنام، وقرأ عاصم وأهل البصرة (بالياء) ، الباقون (بالتاء) ، وكان النبي (عليه السلام) إذا قرأ هذه الآية قال: «بل الله خير وأبقى وأجلّ وأكرم» [[تفسير القرطبي: 13/ 221.]] [116] .

النمل 27:60

أَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن. ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهاراً تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزاً مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس. وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: الْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ‎ عن وقت قيام الساعة. قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ عزّ وجل. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام. روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب» أي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ‎ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به. وسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.

النمل 27:61

أَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن. ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهاراً تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزاً مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس. وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: الْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ‎ عن وقت قيام الساعة. قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ عزّ وجل. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام. روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب» أي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ‎ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به. وسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.

النمل 27:62

أَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن. ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهاراً تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزاً مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس. وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: الْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ‎ عن وقت قيام الساعة. قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ عزّ وجل. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام. روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب» أي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ‎ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به. وسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.

النمل 27:63

أَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن. ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهاراً تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزاً مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس. وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: الْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ‎ عن وقت قيام الساعة. قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ عزّ وجل. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام. روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب» أي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ‎ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به. وسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.

النمل 27:64

أَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن. ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهاراً تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزاً مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس. وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: الْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ‎ عن وقت قيام الساعة. قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ عزّ وجل. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام. روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب» أي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ‎ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به. وسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.

النمل 27:65

أَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن. ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهاراً تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزاً مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس. وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: الْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ‎ عن وقت قيام الساعة. قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ عزّ وجل. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام. روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب» أي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ‎ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به. وسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.

النمل 27:66

أَمَّنْ قال أبو حاتم: فيه إضمار كأنّه قال: آلهتكم خير أم الذي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ حسن. ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها هو (ما) النفي، يعني ما قدرتم عليه أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ يعينه على ذلك، ثمّ قال: بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ يشركون أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً لا تميد بأهلها وَجَعَلَ خِلالَها وسطها أَنْهاراً تطّرد بالمياه وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ جبالا ثوابت وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ العذب والملح حاجِزاً مانعا لئلّا يختلطا ولا يبغي أحدهما على صاحبه، وقيل: أراد الجزائر أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ أي المجهود، عن ابن عباس وقال السدّي: المضطرّ الذي لا حول له ولا قوّة، ذو النون هو الذي قطع العلائق عمّا دون الله، أبو حفص وأبو عثمان النيسابوريّان: هو المفلس. وسمعت أبو القاسم الحسن بن محمّد يقول: سمعت أبا نصر منصور بن عبد الله الأصبهاني يقول: سمعت أبا الحسن عمر بن فاضل العنزي يقول: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: الْمُضْطَرَّ الذي إذا رفع يديه إلى الله داعيا لم يكن له وسيلة من طاعة قدّمها وَيَكْشِفُ السُّوءَ أي الضرّ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفاءَ الْأَرْضِ يهلك قرنا وينشئ آخرين أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إذا سافرتم. وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قدّام رحمته أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ للبعث وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ المطر وَالْأَرْضِ النبات أَإِلهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ حجّتكم على قولكم إنّ مع الله إلها آخر إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ نزلت في المشركين حيث سألوا رسول الله ﷺ‎ عن وقت قيام الساعة. قال الفرّاء: وإنّما رفع ما بعد (إِلَّا) لأنّ قبلها جحدا كما يقال: ما ذهب أحد إلّا أبوك وَما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ متى يُبْعَثُونَ قالت عائشة: من زعم أنّه يعلم ما في غد فقد أعظم على الله الفرية، والله عزّ وجل يقول: قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ. أخبرنا أبو زكريا الحري قال: أخبرنا أبو حامد الأعمشي قال: حدّثنا علي بن حشرم قال: حدّثنا الفضل بن موسى، عن رجل قد سمّاه قال: كان عند الحجّاج بن يوسف منجّم، فأخذ الحجّاج حصيّات بيده قد عرف عددها فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فأصاب المنجّم، ثمّ اعتقله الحجّاج فأخذ حصيات لم يعددهنّ، فقال للمنجّم: كم في يدي؟ فحسب، فحسب، فأخطأ ثمّ حسب أيضا، فأخطأ، فقال: أيّها الأمير أظنّك لا تعرف عددها في يدك. قال: فما الفرق بينهما؟! قال: إنّ ذاك أحصيته فخرج من حدّ الغيب، فحسبت فأصبت، وإنّ هذا لم تعرف عددها، فصار غيبا، ولا يعلم الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ عزّ وجل. بَلِ ادَّارَكَ اختلف القرّاء فيه، فقرأ ابن عباس بلى بإثبات الياء ادَّارَكَ بفتح الألف وتشديد الدال على الاستفهام. روى شعبة عن أبي حمزة قال: قال لي ابن عبّاس: في هذه الآية بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ أي لم يدرك، قال الفرّاء: وهو وجه جيّد كأنّه يوجّهه إلى الاستهزاء بالمكذّبين بالبعث، لقولك للرجل تكذّبه: بلى لعمري لقد أدركت السلف فأنت تروي ما لا تروي، وأنت تكذّبه. وقرأ الحسن ويحيى بن وثاب والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي بَلِ ادَّارَكَ بكسر اللام وتشديد الدال أي تدارك وتتابع عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ هل هي كائنة أم لا؟ وتصديق هذه القراءة أنّها في حرف أبي أم تدارك عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ والعرب تضع بل موضع أم، وأم موضع بل إذا كان في أوّل الكلام استفهام كقول الشاعر: فو الله ما أدري أسلمى تغوّلت ... أم البوم أم كلّ إلي حبيب» أي بل كلّ إليّ حبيب، ومعنى الكلام هل تتابع علمهم بذلك في الآخرة، أي لم يتتابع فصل وغاب علمهم به فلم يبلغوه ولم يدركوه لأنّ في الاستفهام ضربا من الحجد، وقرأ أبو جعفر ومجاهد وحميد وابن كثير وأبو عمرو بَلِ ادَّارَكَ من الادّراك أي لم يدرك علمهم علم في الآخرة، وقال مجاهد: معناه يدرك علمهم في الآخرة ويعلمونها إذا عاينوها حين لا ينفعهم علمهم لأنّهم كانوا في [الأنبياء] مكذّبين، وقيل بل ضلّ وغاب علمهم في الآخرة فليس فيها لهم علم، ويقال: اجتمع علمهم في الآخرة أنّها كائنة وهم في شكّ من وقتهم. بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْها بَلْ هُمْ مِنْها عَمُونَ أي [جهلة] واحدها عمي، وقرأ سليمان بن يسار وعطاء بن يسار تدارك غير مهموزة، وقرأ ابن محيصن بل أءدّرك على الاستفهام، أي لم تدرك، وحمل القول فيه أنّ الله سبحانه أخبر رسوله ﷺ‎ أنّهم إذا بعثوا يوم القيامة استوى علمهم بالآخرة وما وعدوا فيه من الثواب والعقاب، وإن كانت علومهم مختلفة في الدنيا وإن كانوا في شكّ من أمرها بل جاهلون به. وسمعت بعض العلماء يقول في هذه الآية: إنّ حكمها ومعناها لو ادّارك علمهم في ما هم في شكّ منها حيث هم منها عمون على تعاقب الحروف.

النمل 27:67

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:68

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:69

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:70

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:71

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:72

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:73

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:74

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:75

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:76

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:77

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:78

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:79

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:80

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:81

وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني مشركي مكة إِذا كُنَّا تُراباً وَآباؤُنا أَإِنَّا لَمُخْرَجُونَ من قبورنا أحياء لَقَدْ وُعِدْنا هذا البعث نَحْنُ وَآباؤُنا مِنْ قَبْلُ وليس ذاك بشيء إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ أحاديثهم وأكاذيبهم التي كتبوها. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ وَلا تَحْزَنْ على تكذيبهم إيّاك عنك وَلا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ نزلت في المستهزئين الذين أقسموا بمكّه وقد مضت قصّتهم. وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ عَسى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ أي دنا وقرب لكم، وقيل: تبعكم. وقال ابن عباس: حضركم، والمعنى: ردفكم، فأدخل اللام كما أدخل في قوله: لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ولِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ وقد مضت هذه المسألة. قال الفرّاء: اللام صلة زائدة كما يقول تقديرها به ويقدر له بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ من العذاب فحلّ بهم ذلك يوم بدر وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ ما تُكِنُّ تخفي صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ وَما مِنْ غائِبَةٍ أي مكتوم سرّ وخفيّ أمر، وإنما أدخل الهاء على الإشارة الى الجمع. فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وهو اللوح المحفوظ. إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ من أمر الدين وَإِنَّهُ يعني القرآن لَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ أي بين المختلفين في الدين يوم القيامة بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ المنيع فلا يردّ له أمر الْعَلِيمُ بأحوالهم فلا يخفى عليه شيء. فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ البيّن إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى الكفار كقوله أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [[سورة الأنعام: 122.]] وقوله وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ [[سورة فاطر: 22.]] . وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ نظيره صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [[سورة البقرة: 18/ 171.]] . وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ قراءة العامة على الاسم، وقرأ يحيى والأعمش وحمزة يهدي العمى بالياء ونصب الياء على الفعل هاهنا وفي سورة النمل إِنْ تُسْمِعُ وتفهم إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا بأدلّتنا وحجتنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ في علم الله سبحانه وتعالى.

النمل 27:82

وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ وجب العذاب والسخط عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ قراءة العامة بالتشديد من التكلم وتصديقهم، وقرأ أبيّ: تنبئهم. قال السدي: تكلّمهم ببطلان الأديان سوى دين الإسلام، وقرأ أبو رجاء العطاردي: تَكلِمهم بفتح التاء وتخفيف اللام من الكلم وهو الحرج أي تسمهم. قال أبو الجوزاء: سألت ابن عباس عن هذه الآية يكلّمهم أو تُكَلِّمُهُمْ فقال: كل ذلك يفعل تكلم المؤمن ويكلم الكافر. أَنَّ النَّاسَ قرأ ابن أبي إسحاق وأهل الكوفة بالنصب وقرأ الباقون بالكسر. كانُوا بِآياتِنا لا يُوقِنُونَ قبل خروجها. ذكر الأخبار الواردة في صفة دابّة الأرض وكيفية خروجها أخبرنا الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد الأصبهاني قال [[في نسخة أصفهان: عن.]] : أخبرنا محمد بن إسحاق، قال [[في نسخة أصفهان: عن.]] حدّثنا عبد الله بن محمّد بن رسمويه قال: حدّثنا الحكم بن بشير بن سليمان، عن عمرو بن قيس الملائي، عن عطية، عن ابن عمر وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ [[سورة النمل: 82.]] قال: حين لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر [[تفسير الطبري: 20/ 17.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني عن أحمد بن عبد الله بن سليمان قال: أخبرني أبو عبد الله بن فنجويه قال: أخبرنا أبو بكر بن خرجة حدّثنا محمّد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي عن ميثم بن ميناء الجهني عن عمرو بن محمّد العبقري عن طلحة بن عمرو عن عبد الله بن عمير الليثي عن أبي شريحة الأنصاري عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «يكون للدّابة ثلاث خرجات من الدهر فتخرج خروجا بأقصى اليمن فيفشو ذكرها بالبادية ولا يدخل ذكرها القرية- يعني مكّة- ثمّ يمرّ زمانا طويلا ثمّ تخرج خرجة أخرى قريبا من مكّة فيفشو ذكرها بالبادية ويدخل ذكرها القرية- يعني مكّة- فبينا الناس يوما في أعظم المساجد على الله حرمة وأكرمها على الله سبحانه- يعني المسجد الحرام- لم ترعهم إلّا وهي في ناحية المسجد تدنو تدنو كذا ما بين الركن الأسود إلى باب بني مخزوم عن يمين الخارج في وسط من ذلك فيرفض الناس عنهم وتثبت لها عصابة عرفوا أنّهم لم يعجزوا الله فخرجت عليهم تنفض رأسها من التراب فمرت بهم فجلت عن وجوههم حتى تركتها كأنّها الكواكب الدرّية ثم ولّت في الأرض لا يدركها طالب ولا يعجزها هارب، حتى أنّ الرجل ليقوم فيتعوّذ منها بالصلاة فتأتيه من خلفه فتقول: يا فلان الآن تصلّي، فيقبل عليها بوجهه فتسمه في وجهه، ويتجاور الناس في ديارهم ويصلحون في أسفارهم ويشتركون في الأموال يعرف الكافر من المؤمن فيقال: للمؤمن يا مؤمن وللكافر يا كافر» [117] [[مستدرك الصحيحين: 4/ 484.]] . وأخبرني ابن محمّد بن الحسين الثقفي عن عمر بن أحمد بن القاسم النهاوندي عن محمّد بن عبد الغفّار الزرقاني عن أحمد بن محمّد بن هاني الطائي عن محمّد بن النضر بن محمّد الأودي عن أبيه عن سفيان الثوري عن شهاب بن عبد ربّه الرحمن عن طارق بن عبد الرحمن عن طارق بن عبد الرحمن عن ربعي بن خراش عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ‎: «دابّة الأرض طولها سبعون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب تسمّ المؤمن بين عينيه وتكتب بين عينيه مؤمن وتسم الكافر بين عينيه وتكتب بين عينيه كافر، ومعها عصا موسى وخاتم سليمان (عليهما السلام) » [[زاد المسير: 6/ 81، والفردوس: 2/ 219 ح 3066.]] . وأخبرني الحسين بن محمّد قال: أخبرني أبو بكر مالك القطيعي عن عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبي عن بهز عن حمّاد عن علي بن زيد عن أوس بن خالد عن أبي هريرة إنّ رسول الله ﷺ‎ قال: «تخرج الدابّة معها عصا موسى وخاتم سليمان فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتختم أنف الكافر بالخاتم، حتى أنّ أهل الخوان ليجتمعون فيقولون: هذا يا مؤمن ويقولون هذا يا كافر» [118] [[مسند أحمد: 2/ 491.]] . وأخبرنا الحسين بن محمّد عن عبد الله بن محمّد بن شنبة عن الحسن بن يحيى عن ابن جريج عن أبي الزبير أنّه وصف الدّابة فقال: رأسها رأس الثور، وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وقرنها قرن أيّل، وصدرها صدر الأسد، ولونها لون نمر، وخاصرتها خاصرة هرّة، وذنبها ذنب كبش وقوائمها قوائم البعير، وبين كلّ مفصلين إثنا عشر ذراعا معها عصا موسى وخاتم سليمان، ولا يبقي مؤمن إلّا نكتته في مسجده بعصا موسى نكتة بيضاء فيفشو تلك النكتة حتى يضيء لها وجهه، ولا يبقى كافر إلّا وتنكت وجهه بخاتم سليمان فتفشو تلك النكتة فيسود لها وجهه، حتى أنّ الناس يبتاعون في الأسواق بكم يا مؤمن وبكم يا كافر، ثمّ تقول لهم الدّابّة: يا فلان أنت من أهل الجنّة ويا فلان أنت من أهل النار، وذلك قول الله عزّ وجل: وَإِذا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنا لَهُمْ دَابَّةً.. الآية [[تفسير ابن كثير: 3/ 388، تفسير القرطبي: 13/ 236.]] . وأخبرنا الحسين بن محمّد عن ابن شنبة عن ابن عمر، وعن سفيان بن وكيع عن الوليد بن عبد الله بن جميع عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي عن أبي البيلماني عن ابن عمر قال: تخرج الدّابة ليلة جمع والناس يسيرون إلى منى قال: فتحمل الناس بين يديها وعجزها [[في بعض المصادر: بين نحرها وذنبها، وفي المصدر: بين عجزها وذنبها.]] ، لا يبقى منافق إلّا خطمته ولا مؤمن إلّا مسحته [[المصنف لابن أبي شيبة: 8/ 671.]] . وأخبرني الحسين بن محمّد عن عمر بن الخطاب عن عبد الله بن الفضل عن إبراهيم بن محمد بن عرعرة عن عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي عن فرقد بن الحجّاج القرشي قال: سمعت عقبة بن أبي الحسناء اليماني قال: سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ «تخرج دابّة الأرض من موضع جياد [[كذا في بعض المصادر، وفي غيرها من الروايات: أجناد.]] فيبلغ صدرها الركن ولما يخرج ذنبها بعد قال: وهي دابّة ذات وبر وقوائم» [119] [[ميزان الاعتدال: 3/ 85.]] . وأخبرني الحسن [[في النسخة الثانية: الحسين.]] قال: حدّثنا علي بن محمّد بن لؤلؤ قال: أخبرنا أبو عبيد محمّد بن أحمد بن المؤمل قال: حدّثنا أبو جعفر محمّد بن جعفر الأحول قال: حدّثنا منصور بن عمّار قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن أبي قبيل [[في النسخة الثانية: قتيل.]] ، عن عبد الله بن عمرو أنّه ضرب أرض الطائف برجله وقال: من هاهنا تخرج الدّابة التي تكلّم الناس، وأخبرني عقيل بن محمّد الجرجاني الفقيه قال: حدّثنا أبو الفرج المعافى بن زكريا البغدادي قال: أخبرنا أبو جعفر محمّد بن جرير الطبري قال: حدّثنا أبو كريب قال: حدّثنا الأشجعي، عن فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن ابن عمر قال: تخرج الدابة من صدع في الصفا كجري الفرس ثلاثة أيّام وما خرج ثلثها. وبه عن محمّد بن جرير قال: حدّثني عصام بن بندار [[في النسخة الثانية: رواد.]] بن الجرّاح قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا سفيان بن سعيد قال: حدّثنا المنصور بن المعتمر، عن ربعي بن خراش قال: سمعت حذيفة بن اليمان قال: ذكر رسول الله صلى الله عليه الدابّة، قلت: يا رسول الله من أين تخرج؟ قال: «من أعظم المساجد حرمة على الله، بينما عيسى يطّوف بالبيت ومعه المسلمون إذ تضطرب الأرض تحتهم من تحرّك القنديل وينشقّ الصفا ممّا يلي المسعى، وتخرج الدابة من الصفا أوّل ما يبدو رأسها ملمعة ذات وبر وريش، لن يدركها طالب، ولا يفوتها هارب، تسمّي الناس مؤمنا وكافرا، أمّا المؤمن فتترك وجهه كأنّه كوكب درّيّ، وتكتب بين عينيه: مؤمن، وأمّا الكافر فتترك بين عينيه نكتة سوداء وتكتب بين عينيه: كافر» [[جامع البيان للطبري: 20/ 19، الدرّ المنثور: 5/ 116.]] [120] . وبه عن محمّد بن جرير قال: حدّثني أبو عبد الرحمن [[في النسخة الثانية: ابن عبد الرحيم البرقي.]] الرقي قال: حدّثنا ابن أبي مزينة قال: حدّثنا ابن لهيعة ويحيى بن أيوب قالا: حدّثنا ابن الهاد، عن عمرو بن الحكم أنّه سمع عبد الله بن عمر يقول: تخرج الدابة من شعب، فيمسّ رأسها السحاب ورجلاها في الأرض ما خرجتا، فتمرّ بالإنسان يصلّي، فتقول: ما الصلاة من حاجتك، فتخطمه وقال وهب: وجهها وجه رجل [[في النسخة الثانية: إنسان.]] وسائر خلقها كخلق الطير فتخبر من رآهها أنّ أهل مكّة كانوا بمحمّد والقرآن لا يُوقِنُونَ، وفي هذا تصديق لقراءة من فتح أَنَّ. وقال كعب: صورتها صورة الحمار، وروى ابن جريج روح، عن هشام، عن الحسن [[في النسخة الثانية: الحسين.]] أنّ موسى (عليه السلام) سأل ربّه أن يريه الدّابة، فخرجت ثلاثة أيّام ولياليهنّ تذهب في السماء، وأشاره بيده لا يرى واحدا من طرفيها، فرأى منظرا فظيعا، فقال: ربّ ردّها، فردّها.

النمل 27:83

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:84

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:85

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:86

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:87

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:88

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:89

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:90

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:91

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:92

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.

النمل 27:93

قوله عزّ وجل: وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً جماعة مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ يحبس أوّلهم على آخرهم ليجتمعوا ثمّ يساقون إلى النار، وقال ابن عباس: يُوزَعُونَ: يدفعون حَتَّى إِذا جاؤُ يوم القيامة قالَ الله سبحانه لهم أَكَذَّبْتُمْ بِآياتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِها عِلْماً ولم تعرفوا حقّ معرفتها أَمَّا ذا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فيها من تكذيب أو تصديق، وقيل: هو توبيخ، أي ماذا كنتم تعملون حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكّروا فيها؟ وَوَقَعَ الْقَوْلُ ووجب العذاب عَلَيْهِمْ بِما ظَلَمُوا أشركوا فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ لأنّ أفواههم مختومة. وقال أكثر المفسّرين: فَهُمْ لا يَنْطِقُونَ بحجّة وعذر، نظيره قوله سبحانه: هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ [[سورة المرسلات: 35- 36.]] أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا خلقنا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً مضيئا يبصر فيه إِنَّ فِي ذلِكَ الذي ذكرت لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يصدّقون فيعتبرون قوله تعالى: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وهي النفخة الأولى. أخبرنا محمّد عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا محمّد بن جعفر بن يزيد الصيرفي قال: حدّثنا علي بن حرب قال: حدّثنا أسباط قال: حدّثنا سلمان التميمي [[في النسخة الثانية: التيمي.]] ، عن أسلم العجلي، عن بشر بن شغاف، عن عبد الله بن عمرو قال: جاء إعرابي إلى النبي ﷺ‎ فسأله عن الصّور، فقال: «قرن ينفخ فيه» [[مسند أحمد: 2/ 162.]] [121] . وقال مجاهد: الصّور كهيئة البوق، وقيل: هو بلغة أهل اليمن، وعلى هذا أكثر المفسّرين، يدلّ عليه قول النبي ﷺ‎: «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ» [[كنز العمّال: 14/ 625، ح 39743.]] [122] . وقال قتادة وأبو عبيدة: هو جمع صورة يقال: صورة وصور، وصور: مثل سور البناء والمسجد، وجمعها سور وسئور وأنشد أبو عبيدة: سرت إليها في أعالي السور فمعنى الآية: ونفخ في صور الخلق. وقد ورد في كيفيّة نفخ الصور حديث جامع صحيح وهو ما أخبرنا الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم المهرجاني قراءة عليه أبو بكر محمّد بن عبد الله بن ابراهيم الشافعي ببغداد، قال: أخبرني أبو قلابة الرقاشي قال: أخبرني أبو عاصم الضحّاك بن مخلد، عن إسماعيل بن رافع، عن محمّد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎: إنّ الله عزّ وجلّ لمّا فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور فأعطاه إسرافيل وهو واضعه على فيه، شاخص بصره إلى العرض ينتظر متى؟ قال: قلت يا رسول الله: وما الصور؟ قال: القرن، قال: قلت: كيف هو؟ قال: عظيم، والذي بعثني بالحقّ إنّ أعظم داره فيه كعرض السماء والأرض، فينفخ فيه بثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لربّ العالمين، فأمر الله عزّ وجل إسرافيل (عليه السلام) بالنفخة الأولى فيقول: انفخ نفخة الفزع فيفزع من في السموات والأرض إلّا من شاء الله، فيأمره فيمدّها ويطيلها وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ: وَما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ فيسيّر الله عزّ وجلّ الجبال فيمرّ من السحاب فيكون سرابا، وترجّ الأرض بأهلها رجّا فيكون كالسفينة الموثّقة في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، أو كالقنديل المعلّق بالعرش يرجّحه الأرواح وهي التي يقول الله عزّ وجلّ: يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ واجِفَةٌ فتمتدّ الأرض بالناس على ظهرها فتذهل المراضع وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة من الفزع حتى يأتي الأقطار فتلقّاها الملائكة تضرب وجوهنا، فيرجع ويولّي الناس مدبرين ينادي بعضهم بعضا، وهو الذي يقول الله عزّ وجلّ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ. فبينا هم كذلك إذ تصدّعت الأرض من قطر إليّ قطروا أو أمرا عظيما لم يروا مثله، وأخذهم من الكرب والهول ما الله به عليم، ثمّ نظروا إلى السماء فهي كالمهل، ثمّ انشقّت فتناثرت نجومها وانكشفت شمسها وقمرها. قال رسول الله ﷺ‎: «والأموات يومئذ يعلمون بشيء من ذلك» [123] . قال أبو هريرة: يا رسول الله فمن استثنى الله عزّ وجلّ حيث يقول فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ. قال ﷺ‎: «أولئك هم الشهداء وإنّما يصل الفزع إلى الأحياء وهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ووقاهم الله فزع ذلك اليوم وآمنهم، وهو عذاب بعثه الله تعالى إلى شرار خلقه، وهو الذي يقول الله يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ إلى قوله وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ فيمكثون في ذلك البلاء ما شاء الله إلّا أنّه يطول عليهم، ثمّ يأمر الله عزّ وجلّ إسرافيل فينفخ نفخة الصعق فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ فإذا اجتمعوا جاء ملك الموت إلى الجبّار ويقول: قد مات أهل السماء والأرض إلّا من شئت، فيقول الله سبحانه وهو أعلم من بقي فقال: أي ربّ بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت، وبقي حملة العرش، وبقي جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، وبقيت أنا فيقول الله عزّ وجل فيموت جبرائيل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول: أي ربّ يموت جبرائل وميكائيل، فيقول: اسكت إنّي كتب الموت على كلّ من تحت عرشي فيموتان. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: أي ربّ قد مات جبرائيل وميكائيل فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت حملة عرشك فيقول ليمت حملة عرشي فيموتون، فيأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل فيموت. ثمّ يأتي ملك الموت فيقول: يا ربّ قد مات حملة عرشك فيقول وهو أعلم بمن بقي فيقول: بقيت أنت الحيّ الذي لا تموت وبقيت أنا فقال: أنت خلق من خلقي خلقتك لما رأيت فمت فيموت فإذا لم يبق إلّا الله الواحد الأحد الصمد الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ وكان آخرا كما كان أوّلا طوى السموات كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ. ثمّ قال: أنا الجبّار، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ، ولا يجيبه أحد، ثمّ يقول تبارك وتعالى جلّ ثناؤه وتقدّست أسماؤه: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ ... يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ ... وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ فيبسطها بسطا ثمّ يمدّها مدّ الأديم العكاضي لا يرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً. ثمّ يزجر الله الخلق زجرة واحدة، فإذا هم في هذه الأرض المبدّلة في مثل ما كانوا فيه من الأوّل، من كان في بطنها، كان في بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها، ثمّ ينزل الله سبحانه عليهم ماء من تحت العرش كمني الرجال، ثمّ يأمر السحاب أن تنزل بمطر أربعين يوما حتى يكون] من فوقهم] إثنا عشر ذراعا، ويأمر الله سبحانه الأجساد أن تنبت كنبات الطراثيث وكنبات البقل حتى إذا تكاملت أجسادهم كما كانت، قال الله سبحانه: ليحي حملة العرش، فيحيون. ثمّ يقول الله تعالى: ليحي جبريل وميكائيل. فيحييان، فيأمر الله إسرافيل، فيأخذ الصور فيضعه على فيه، ثمّ يدعو الله الأرواح فيؤتى بها، تتوهّج أرواح المؤمنين نورا والأخرى ظلمة، فيقبضها جميعا ثمّ يلقيها على الصور، ثمّ يأمر الله سبحانه إسرافيل أن ينفخ نفخة للبعث فتخرج الأرواح كأنّها النحل قد ملأت ما في السماء والأرض، فيقول الله سبحانه: ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح الخياشم، ثمّ تمشي في الأجساد كما يمشي السمّ في اللديغ. ثمّ تنشق الأرض عنهم سراعا، فأنا أوّل من ينشق عنه الأرض، فتخرجون منها إلى ربّكم تنسلون عراة حفاة عزّلا مهطعين إلى الداعي، فيقول الكافرون: هذا يَوْمٌ عَسِرٌ» [124] . قوله عزّ وجل: فَفَزِعَ أي فيفزع، والعرب تفعل ذلك في المواضع التي يصلح فيها أذا، لأنّ إذا يصلح معها فعل ويفعل كقولك: أزورك إذا زرتني، وأزورك إذا تزورني. مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ أن لا يفزع وقد ذكرنا في الخبر الماضي أنّهم الشهداء وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ قرأ الأعمش وحمزة وخلف وحفص أَتَوْهُ مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه عطفا على قوله: فَفَزِعَ وأَتَوْهُ اعتبارا بقراءة ابن مسعود. أخبرنا محمّد بن نعيم قال: حدّثنا الحسين [[في النسخة الثانية: الحسن.]] بن أيّوب قال: حدّثنا علي بن عبد العزيز قال: حدّثنا أبو عبيد قال: حدّثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم، وأخبرنا محمّد بن عبدوس قال: حدّثنا محمّد بن يعقوب قال: حدّثنا محمّد بن الجهم قال: حدّثنا الفرّاء قال: حدّثني عدّة، منهم المفضل الضبي وقيس وأبو بكر كلّهم عن جحش بن زياد الضبي كلاهما عن تميم بن حذلم قال: قرأت على عبد الله بن مسعود وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ بتطويل الألف، فقال: وَكُلٌّ أَتَوْهُ قصره وقرأ الباقون بالمدّ وضمّ التاء على مثال فاعلوه كقوله: وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً [[سورة مريم: 95.]] وهي قراءة علي رضي الله عنه داخِرِينَ صاغرين. قوله تعالى: وَتَرَى الْجِبالَ يا محمّد تَحْسَبُها جامِدَةً قائمة واقفة مستقرّة مكانها. وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ حين تقع على الأرض فتستوي بها. قال القتيبي: وذلك أنّ الجبال تجمع وتسير وهي في رؤية العين كالواقفة وهي تسير، وكذلك كلّ شيء عظيم وكلّ جمع كثير يقصر عنه البصر لكثرته وعظمته ويعد ما بين أطرافه فهو في حسبان الناظر واقف وهو يسير، وإلى هذا ذهب الشاعر في وصف جيش: يا رعن مثل الطود تحسب أنّهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج [[لسان العرب: 3/ 249.]] صُنْعَ اللَّهِ نصب على المصدر وقيل: على الإغراء أي اعلموا وأبصروا الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ أي أحكم [كلّ شيء، قتادة] : أحسن. إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ قرأ أهل الكوفة تَفْعَلُونَ بالتاء. غيرهم بالياء، واختار أبو عبيدة بقوله: أَتَوْهُ إنّما هو خبر عنهم مَنْ جاءَ أي وافى الله بِالْحَسَنَةِ بالإيمان. قال أبو معشر: كان إبراهيم يحلف ما يستثني أنّ الحسنة: لا إله إلّا الله، قتادة: بالإخلاص. وأخبرني الحسين بن محمد ابن فنجويه قال: حدّثنا محمد ابن شنبه قال: حدّثنا عبيد [[في النسخة الثانية: عبد.]] الله بن أحمد بن منصور قال: حدّثنا سهل بن بشر قال: حدّثنا عبد الله بن سليمان قال: حدّثنا سعد بن سعيد قال: سمعت علي بن الحسين يقول: رجل غزا في سبيل الله، فكان إذا خلا المكان قال: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، فبينما هو ذات يوم في أرض الروم في موضع في حلفاء وبرديّ رفع صوته يقول: لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، خرج عليه رجل على فرس عليه ثياب بيض، فقال: يا عبد الله ما ذات قلت؟ قال: قلت الذي سمعت، والذي نفسي بيده إنّها الكلمة التي قال الله عزّ وجل: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ. فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ وأخبرني أبو عبد الله محمّد بن عبد الله العباسي قال: أخبرنا القاضي أبو الحسين محمّد بن عثمان [النصيبي ببغداد] قال: حدّثنا أبو بكر محمّد ابن الحسين السبيعي بحلب قال: حدّثني الحسين بن إبراهيم الجصّاص قال: أخبرنا حسين بن الحكم قال: حدّثنا إسماعيل بن أبان، عن [فضيل] بن الزبير، عن أبي داود السبيعي، عن أبي عبد الله الهذلي قال: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: يا عبد الله ألا أنبّئك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله الجنّة، والسيّئة التي من جاء بها أكبّه الله في النار، ولم يقبل معها عمل؟ قلت: بلى، قال: الحسنة حبّنا والسيّئة بغضنا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فله من هذه الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب ، قال ابن عباس: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها أي فمنها يصل إليه الخير، الحسن: معناه له منها خير، عكرمة وابن جريج: أمّا أن يكون له خير من الإيمان فلا، وإنّه ليس شيء خير من لا إله إلّا الله ولكن له منها خير، وعن ابن عباس أيضا فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الثواب لأنّ الطاعة فعل العبد والثواب فعل الله سبحانه. وقيل: هو إنّ الله عزّ وجل يقبل إيمانه وحسناته، وقبول الله سبحانه خير من عمل العبد، وقيل: فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني رضوان الله سبحانه، قال الله تعالى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [[سورة التوبة: 72.]] . وقال محمّد بن كعب وعبد الرحمن بن زيد فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها يعني الإضعاف، أعطاه الله الحسنة بالواحدة عشرا صاعدا، فهذا خير منها، وقد أحسن بن كعب وابن زيد في تأويلهما لأنّ للإضعاف خصائص منها أنّ العبد يسئل عن عمله ولا يسأل عن الإضعاف، ومنها أنّ للشيطان سبيلا إلى عمله ولا سبيل له إلى الإضعاف، ولأنّه لا مطمع للخصوم في الإضعاف، ولأنّ دار الحسنة الدنيا ودار الإضعاف الجنّة، ولأنّ الجنّة على استحقاق العبد، والتضعيف كما يليق بكرم الربّ وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ قرأ أهل الكوفة فَزَعٍ منونا يَوْمَئِذٍ بنصب الميم وهي قراءة ابن مسعود، وسائر القرّاء قرءوا بالإضافة واختاره أبو عبيد قال: لأنّه أعمّ التأويلين أن يكون الأمن من جميع فزع ذلك اليوم، وإذا قال: مِنْ فَزَعِ يَوْمِئِذٍ صار كأنّه فزع دون فزع، وهو اختيار الفرّاء أيضا، قال: لأنّه فزع معلوم، ألا ترى أنّه قال: لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ» فصيّر معرفة؟ فإذا أضفته كان معرفة فهو أعجب إلي وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ يعني الشرك. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزّان قال: أخبرنا مكّي بن عبدان قال: حدّثنا عبد الله بن هاشم قال: حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن أبي المحجل، عن أبي معشر، عن إبراهيم مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ قال: لا إله إلّا الله. وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ قال: الشرك. وأخبرنا عبد بن حامد قال: أخبرنا أبو الحسن محمّد بن شعيب البيهقي قال: حدّثنا بشر ابن موسى قال: حدّثنا روح، عن حبيب بن الشهيد، عن الحسن قال: ثمن الجنّة لا إله إلّا الله. فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ قال ابن عباس: ألقيت، الضحّاك: طرحت، أبو العالية: قلبت، وقيل لهم: هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّما أُمِرْتُ يقول الله سبحانه لنبيّه محمّد (عليه السلام) قل: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها يعني مكّة جعلها حرما آمنا، فلا يسفك فيها دم حرام، ولا يظلم فيها أحد، ولا يهاج، ولا يصطاد صيدها، ولا يختلي خلالها، وقرأ ابن عباس «التي حرمها» إشارة إلى البلدة. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ خلقا وملكا وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ وَما عَلَيْنا إِلَّا الْبَلاغُ [[سورة يس: 17.]] نسختها آية القتال وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ على نعمه، سَيُرِيكُمْ آياتِهِ يعني يوم بدر، نظيرها في سورة الأنبياء: سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ وقال مجاهد: سَيُرِيكُمْ آياتِهِ في أنفسكم وفي السماء والأرض والرزق، دليله قوله: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ [[سورة فصّلت: 53.]] وقوله: وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أَنْفُسِكُمْ [[سورة الذاريات: 20- 21.]] فَتَعْرِفُونَها وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ.