Lafzullah

Tefsîru's-Sa'lebî — el-Keşf ve'l-Beyân an Tefsîri'l-Kur'ân — القصص 28:1 – القصص 28:75

المؤلف / المصدر: Ebû İshâk Ahmed b. Muhammed es-Sa'lebî (ö. 427h)

المحتويات
  1. القصص 28:1
  2. القصص 28:2
  3. القصص 28:3
  4. القصص 28:4
  5. القصص 28:5
  6. القصص 28:6
  7. القصص 28:7
  8. القصص 28:8
  9. القصص 28:9
  10. القصص 28:10
  11. القصص 28:11
  12. القصص 28:12
  13. القصص 28:13
  14. القصص 28:14
  15. القصص 28:15
  16. القصص 28:16
  17. القصص 28:17
  18. القصص 28:18
  19. القصص 28:19
  20. القصص 28:20
  21. القصص 28:21
  22. القصص 28:22
  23. القصص 28:23
  24. القصص 28:24
  25. القصص 28:25
  26. القصص 28:26
  27. القصص 28:27
  28. القصص 28:28
  29. القصص 28:29
  30. القصص 28:30
  31. القصص 28:31
  32. القصص 28:32
  33. القصص 28:33
  34. القصص 28:34
  35. القصص 28:35
  36. القصص 28:36
  37. القصص 28:37
  38. القصص 28:38
  39. القصص 28:39
  40. القصص 28:40
  41. القصص 28:41
  42. القصص 28:42
  43. القصص 28:43
  44. القصص 28:44
  45. القصص 28:45
  46. القصص 28:46
  47. القصص 28:47
  48. القصص 28:48
  49. القصص 28:49
  50. القصص 28:50
  51. القصص 28:51
  52. القصص 28:52
  53. القصص 28:53
  54. القصص 28:54
  55. القصص 28:55
  56. القصص 28:56
  57. القصص 28:57
  58. القصص 28:58
  59. القصص 28:59
  60. القصص 28:60
  61. القصص 28:61
  62. القصص 28:62
  63. القصص 28:63
  64. القصص 28:64
  65. القصص 28:65
  66. القصص 28:66
  67. القصص 28:67
  68. القصص 28:68
  69. القصص 28:69
  70. القصص 28:70
  71. القصص 28:71
  72. القصص 28:72
  73. القصص 28:73
  74. القصص 28:74
  75. القصص 28:75

القصص 28:1

مكية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية أخبرنا أبو الحسين الخباري، قال: حدّثنا ابن حنيش [[في نسخة أصفهان: ابن جيش.]] قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدفاق، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني، وأخبرنا الخياري، قال: حدّثنا طغران، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قالا: حدّثنا شبابه [[في نسخة أصفهان: ابن شبابه.]] بن سوار الفزاري، قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زيد بن حنيش [[في نسخة أصفهان: زيد بن جيش.]] ، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، إنّ كلّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [125] [[تفسير مجمع البيان: 7/ 412.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى، وقال مقاتل: تعظّم، فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا وأصنافا في الخدمة والسحر، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني بني إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني بني إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله سبحانه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [[سورة المائدة: 20.]] ، مجاهد دعاة إلى الخير، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني ويوطّي لهم في أرض مصر والشام وينزلهم إياها، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى [[في نسخة أصفهان: الأعمش.]] والكسائي وخلف تري بالتاء [[في نسخة أصفهان: بالياء.]] ، وما بعده رفع على أنّ الفعل لَهُمْ، وقرأ غيرهم وَنُرِيَ بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

القصص 28:2

مكية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية أخبرنا أبو الحسين الخباري، قال: حدّثنا ابن حنيش [[في نسخة أصفهان: ابن جيش.]] قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدفاق، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني، وأخبرنا الخياري، قال: حدّثنا طغران، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قالا: حدّثنا شبابه [[في نسخة أصفهان: ابن شبابه.]] بن سوار الفزاري، قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زيد بن حنيش [[في نسخة أصفهان: زيد بن جيش.]] ، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، إنّ كلّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [125] [[تفسير مجمع البيان: 7/ 412.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى، وقال مقاتل: تعظّم، فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا وأصنافا في الخدمة والسحر، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني بني إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني بني إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله سبحانه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [[سورة المائدة: 20.]] ، مجاهد دعاة إلى الخير، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني ويوطّي لهم في أرض مصر والشام وينزلهم إياها، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى [[في نسخة أصفهان: الأعمش.]] والكسائي وخلف تري بالتاء [[في نسخة أصفهان: بالياء.]] ، وما بعده رفع على أنّ الفعل لَهُمْ، وقرأ غيرهم وَنُرِيَ بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

القصص 28:3

مكية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية أخبرنا أبو الحسين الخباري، قال: حدّثنا ابن حنيش [[في نسخة أصفهان: ابن جيش.]] قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدفاق، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني، وأخبرنا الخياري، قال: حدّثنا طغران، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قالا: حدّثنا شبابه [[في نسخة أصفهان: ابن شبابه.]] بن سوار الفزاري، قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زيد بن حنيش [[في نسخة أصفهان: زيد بن جيش.]] ، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، إنّ كلّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [125] [[تفسير مجمع البيان: 7/ 412.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى، وقال مقاتل: تعظّم، فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا وأصنافا في الخدمة والسحر، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني بني إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني بني إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله سبحانه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [[سورة المائدة: 20.]] ، مجاهد دعاة إلى الخير، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني ويوطّي لهم في أرض مصر والشام وينزلهم إياها، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى [[في نسخة أصفهان: الأعمش.]] والكسائي وخلف تري بالتاء [[في نسخة أصفهان: بالياء.]] ، وما بعده رفع على أنّ الفعل لَهُمْ، وقرأ غيرهم وَنُرِيَ بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

القصص 28:4

مكية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية أخبرنا أبو الحسين الخباري، قال: حدّثنا ابن حنيش [[في نسخة أصفهان: ابن جيش.]] قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدفاق، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني، وأخبرنا الخياري، قال: حدّثنا طغران، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قالا: حدّثنا شبابه [[في نسخة أصفهان: ابن شبابه.]] بن سوار الفزاري، قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زيد بن حنيش [[في نسخة أصفهان: زيد بن جيش.]] ، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، إنّ كلّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [125] [[تفسير مجمع البيان: 7/ 412.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى، وقال مقاتل: تعظّم، فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا وأصنافا في الخدمة والسحر، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني بني إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني بني إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله سبحانه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [[سورة المائدة: 20.]] ، مجاهد دعاة إلى الخير، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني ويوطّي لهم في أرض مصر والشام وينزلهم إياها، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى [[في نسخة أصفهان: الأعمش.]] والكسائي وخلف تري بالتاء [[في نسخة أصفهان: بالياء.]] ، وما بعده رفع على أنّ الفعل لَهُمْ، وقرأ غيرهم وَنُرِيَ بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

القصص 28:5

مكية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية أخبرنا أبو الحسين الخباري، قال: حدّثنا ابن حنيش [[في نسخة أصفهان: ابن جيش.]] قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدفاق، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني، وأخبرنا الخياري، قال: حدّثنا طغران، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قالا: حدّثنا شبابه [[في نسخة أصفهان: ابن شبابه.]] بن سوار الفزاري، قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زيد بن حنيش [[في نسخة أصفهان: زيد بن جيش.]] ، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، إنّ كلّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [125] [[تفسير مجمع البيان: 7/ 412.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى، وقال مقاتل: تعظّم، فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا وأصنافا في الخدمة والسحر، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني بني إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني بني إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله سبحانه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [[سورة المائدة: 20.]] ، مجاهد دعاة إلى الخير، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني ويوطّي لهم في أرض مصر والشام وينزلهم إياها، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى [[في نسخة أصفهان: الأعمش.]] والكسائي وخلف تري بالتاء [[في نسخة أصفهان: بالياء.]] ، وما بعده رفع على أنّ الفعل لَهُمْ، وقرأ غيرهم وَنُرِيَ بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

القصص 28:6

مكية، وهي خمسة آلاف وثمانمائة حرف، وألف وأربعمائة وإحدى وأربعون كلمة، وثمان وثمانون آية أخبرنا أبو الحسين الخباري، قال: حدّثنا ابن حنيش [[في نسخة أصفهان: ابن جيش.]] قال: حدّثني أبو العباس محمد بن موسى الدفاق، قال: حدّثنا عبد الله بن روح المدائني، وأخبرنا الخياري، قال: حدّثنا طغران، قال: حدّثنا ابن أبي داود، قال: حدّثنا محمد بن عاصم، قالا: حدّثنا شبابه [[في نسخة أصفهان: ابن شبابه.]] بن سوار الفزاري، قال: حدّثنا مخلد بن عبد الواحد، عن علي بن زيد، عن عطاء بن أبي ميمونة، عن زيد بن حنيش [[في نسخة أصفهان: زيد بن جيش.]] ، عن أبي بن كعب، قال: قال رسول الله ﷺ‎: «من قرأ طسم القصص أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد من صدّق بموسى وكذّب به، ولم يبق ملك في السموات والأرض إلّا شهد له يوم القيامة أنّه كان صادقا، إنّ كلّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ، لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» [125] [[تفسير مجمع البيان: 7/ 412.]] . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم. تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ. نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ. إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا قال ابن عباس: استكبر، السدّي قال: تجبر، وقال قتادة: بغى، وقال مقاتل: تعظّم، فِي الْأَرْضِ يعني أرض مصر، وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً فرقا وأصنافا في الخدمة والسحر، يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يعني بني إسرائيل، يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ يعني بني إسرائيل. وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً قال ابن عباس: قادة في الخير يقتدى بهم، وقال قتادة: ولاة وملوكا، دليله قوله سبحانه: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [[سورة المائدة: 20.]] ، مجاهد دعاة إلى الخير، وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ بعد هلاك فرعون وقومه يرثونهم ديارهم وأموالهم، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ يعني ويوطّي لهم في أرض مصر والشام وينزلهم إياها، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما قرأ حمزة ويحيى بن وثاب والأعشى [[في نسخة أصفهان: الأعمش.]] والكسائي وخلف تري بالتاء [[في نسخة أصفهان: بالياء.]] ، وما بعده رفع على أنّ الفعل لَهُمْ، وقرأ غيرهم وَنُرِيَ بنون مضمومة وياء مفتوحة، وما بعده نصب بوقوع الفعل عليهم، مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وذلك أنّهم أخبروا أنّ هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا على وجل منهم، فأراهم الله سبحانه ما كانُوا يَحْذَرُونَ.

القصص 28:7

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:8

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:9

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:10

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:11

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:12

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:13

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:14

وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى قال قتادة: قذفنا في قلبها وليس نبوة [[في نسخة أصفهان: وحي نبوة.]] ، واسم أم موسى يوخابد بنت لاوي بن يعقوب أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي عليه، وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ. أخبرني أبو عبد الله الحسين بن محمد قال: [[في نسخة أصفهان: بن محمد بن مخلد بن جعفر.]] حدّثنا مخلد بن جعفر الباقرجي [[كذا في الأصل.]] قال: حدّثنا الحسين بن علوية قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى قال: حدّثنا إسحاق بن بشر قال: أخبرني ابن سمعان، عن عطاء عن ابن عباس قال إسحاق: وأخبرني جويبر ومقاتل، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل لما كثروا بمصر استطالوا على الناس، وعملوا بالمعاصي، ورق [[كذا في الأصل.]] خيارهم أشرارهم [[في نسخة أصفهان: بشرارهم.]] ، ولم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، فسلّط الله عليهم القبط، فاستضعفوهم إلى أن نجّاهم الله تعالى على يدي نبيّه موسى (عليه السلام) . قال وهب: بلغني أنّه ذبح في طلب موسى تسعين ألف وليد، قال ابن عباس: إنّ أم موسى لمّا تقارب [ولادها] ، وكانت قابلة من القوابل التي وكّلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى، فلما ضربها الطلق أرسلت إليها، فقالت: قد نزل بي ما نزل، ولينفعني حبّك إياي اليوم، قال: فعالجت قبالها، فلمّا أن وقع موسى (عليه السلام) على الأرض هالها نور بين عيني موسى (عليه السلام) ، فارتعش كلّ مفصل منها ودخل حبّ موسى (عليه السلام) قلبها، ثم قالت لها: يا هذه ما جئت إليك حين دعوتني إلّا ومن رأيي قتل مولودك وأخبر فرعون، ولكن وجدت لابنك هذا حبّا ما وجدت حبّ شيء مثل حبّه، فاحفظي [[في نسخة أصفهان: فاحفظ لي.]] ابنك، فإنّي أراه هو عدونا. فلمّا خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون فجاء إلى بابها ليدخلوا على أم موسى، فقالت أخته: يا أماه هذا الحرس بالباب، فلفّت موسى في خرقة، فوضعته في التنور وهو مسجور، فطاش عقلها، فلم تعقل ما تصنع، قال: فدخلوا فإذا التنور مسجور ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون، ولم يظهر لها لبن، فقالوا: ما أدخل عليك القابلة؟ قالت: هي مصافية لي، فدخلت عليّ زائرة، فخرجوا من عندها، فرجع إليها عقلها، فقالت لأخت موسى: فأين الصبي؟ قالت: لا أدري، فسمعت بكاء الصبي من التنور، فانطلقت إليه، وقد جعل الله سبحانه النار عليه بردا وسلاما فاحتملته. قال: ثم إنّ أمّ موسى (عليه السلام) لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها، فقذف الله سبحانه في نفسها أن تتخذ له تابوتا، ثم تقذف بالتابوت في اليمّ وهو النيل، فانطلقت إلى رجل نجار من أهل مصر من قوم فرعون، فاشترت منه تابوتا صغيرا، فقال لها النجار: ما تصنعين بهذا التابوت؟ قالت: ابن لي أخبّئه في التابوت، وكرهت [[في نسخة أصفهان: فكرهت.]] الكذب، قال: ولم؟ قالت: أخشى عليه كيد فرعون، فلمّا اشترت التابوت وحملته وانطلقت، انطلق النجار إلى أولئك الذبّاحين ليخبرهم بأمر أمّ موسى، فلمّا همّ بالكلام أمسك الله سبحانه لسانه فلم ينطق الكلام، وجعل يشير بيده، فلمّا يدر الأمناء ما يقول، فلمّا أعياهم أمره قال كبيرهم: اضربوه، فضربوه وأخرجوه. فلمّا انتهى النجار إلى موضعه ردّ الله سبحانه عليه لسانه، فتكلم، فانطلق أيضا يريد الأمناء، فأتاهم ليخبرهم وأخذ الله سبحانه لسانه وبصره، فلم ينطق الكلام، ولم يبصر شيئا، فضربوه وأخرجوه، فوقع في واد تهوى [[في نسخة أصفهان: يهوي.]] فيه حيران، فجعل لله عليه إن ردّ لسانه وبصره أن لا يدلّ عليه، وأن يكون معه لحفظه حيث ما كان، فعرف الله عزّ وجل منه الصدق، فردّ عليه بصره ولسانه فخرّ لله ساجدا، فقال: يا رب دلّني على هذا العبد الصالح، فدلّه الله عليه، فخرج من الوادي، فآمن به وصدّقه وعلم أنّ ذلك من الله. فانطلقت أم موسى، فألقته في البحر، وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها، وكانت من أكرم الناس عليه، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون، وكان بها برص شديد مسلخة [[كذا في الأصل.]] برصا، فكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة، فنظروا في أمرها، فقالوا له: أيها الملك لا تبرأ إلّا من قبل البحر يوجد [[في نسخة أصفهان: يؤخذ.]] منه شبه الإنسان، فيؤخذ من ريقه فيلطخ به [[في نسخة أصفهان: بها.]] برصها فتبرأ من ذلك، وذلك في يوم كذا وساعة كذا حين تشرق الشمس. فلمّا كان يوم الاثنين غدا فرعون إلى مجلس كان له على شفير النيل ومعه آسية بنت مزاحم، وأقبلت بنت فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهنّ وتنضح بالماء على وجوههن، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج، فقال فرعون: إنّ هذا الشيء في البحر قد تعلق بالشجرة، ائتوني به، فابتدروه بالسفن من كلّ جانب [[في نسخة أصفهان: من كل ناحية.]] حتى وضعوه بين يديه، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه. قال [[في نسخة أصفهان: قالت.]] : فدنت آسية فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها للذي أراد الله سبحانه أن يكرمها، فعالجته ففتحت الباب، فإذا هي بصبي صغير في مهده، وإذا نور بين عينيه، وقد جعل الله تعالى رزقه في إبهامه يمصّه لبنا، فألقى الله سبحانه لموسى (عليه السلام) المحبة في قلب آسية، وأحبّه فرعون وعطف عليه، وأقبلت بنت فرعون، فلمّا أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه، فلطخت به برصها، فبرأت فقبّلته وضمّته إلى صدرها. فقال الغواة من قوم فرعون: أيها الملك إنّا نظن إنّ ذلك المولود الذي نحذر منه من بني إسرائيل هو هذا، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله، فهمّ فرعون بقتله [[في نسخة أصفهان: فلما همّ بقتله.]] ، قالت آسية: قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ، لا تقتله عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً، وكانت لا تلد، فاستوهبت موسى من فرعون، فوهبه لها، وقال فرعون: أما أنا فلا حاجة لي فيه، فقال رسول الله (عليه السلام) [[في نسخة أصفهان: صلى الله عليه.]] : «لو قال فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك مثل قالت امرأته لهداه الله سبحانه كما هداها، ولكن أحب الله عز وجل أن يحرمه للذي سبق في علم الله» [126] [[كنز العمال: 2/ 34 ح 3022.]] . فقيل لآسية: سمّيه، قالت: سميته موشا لأنّا وجدناه في الماء والشجر، ف (مو) هو الماء، و (شا) : هو الشجر. فذلك قوله سبحانه: فَالْتَقَطَهُ أي فأخذه، والعرب تقول لما وردت عليه فجأة من غير طلب له ولا إرادة: أصبته التقاطا، ولقيت فلانا التقاطا، ومنه قول الراجز: ومنهل وردته التقاطا ... لم ألق إذ وردته فراطا [[في نسخة أصفهان: التقاطا.]] [[الصحاح: 3/ 1157.]] ومنه اللقطة وهو ما وجد ضالًّا فأخذ، آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ هذه اللام تسمى لام العاقبة، ولام الصيرورة، لأنّهم إنما أخذوه ليكون لهم قرّة عين، فكان عاقبة ذلك أنّه كان لهم، عَدُوًّا وَحَزَناً، قال الشاعر: فللموت تغذو الوالدات سخالها ... كما لخراب الدور تبنى المساكن [[لسان العرب: 12/ 562.]] عَدُوًّا وَحَزَناً قرأ أهل الكوفة بضم الحاء وجزم الزاي، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي، واختاره أبو عبيد، قال: للتفخيم، واختلف فيه غير عاصم، وهما لغتان مثل العدم والعدم، والسقم والسقم إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ عاصين آثمين. وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ أي هو قرّة عين، لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ فإنّ الله أتانا به من أرض أخرى وليس من بني إسرائيل، عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ بما هو كائن من أمرهم وأمره، عن مجاهد، قتادة وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّ هلاكهم على يديه، محمد بن زكريا [[في نسخة أصفهان: محمد بن إسحاق.]] بن يسار وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إنّي أفعل ما أريد ولا أفعل ما يريدون [[في نسخة أصفهان: ما تريدون.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا طلحة وعبيد الله قالا: حدّثنا أبو مجاهد قال: حدّثني أحمد بن حرب قال: حدّثنا سنيد» قال: حدّثني حجاج، عن أبي معشر [[في نسخة أصفهان: عن أبي معسر.]] ، عن محمد بن قيس وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ يقول: لا يدري بنو إسرائيل إنّا التقطناه [[في نسخة أصفهان: التقطناهم.]] ، الكلبي وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ إلّا وإنّه ولدنا. وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً أي خاليا لاهيا ساهيا [[في نسخة أصفهان: ساليا.]] من كلّ شيء إلّا من ذكر موسى وهمه، قاله أكثر المفسّرين، وقال الحسن وابن إسحاق وابن زيد: يعني فارِغاً من الوحي الذي أوحى الله سبحانه وتعالى إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ولا تخاف ولا تحزن، والعهد الذي عهدنا [[في النسخة الثانية: عهد إليها.]] إليه أن نردّه [[في نسخة أصفهان: أن يرده.]] إليها ونجعله [[في نسخة أصفهان: ويجعله.]] من المرسلين، فجاءها الشيطان، فقال: يا أمّ موسى كرهت أن يقتل فرعون موسى فتكون [[في نسخة أصفهان: فيكون.]] لك أجره وثوابه، وتولّيت أنت قتله، فألقيته في البحر وغرّقته. ولمّا أتاها الخبر بأنّ فرعون أصابه في النيل قالت: إنّه وقع في يدي عدوه والذي فررت به منه، فأنساها عظيم البلاء ما كان من عهد الله سبحانه إليها، فقال الله تعالى: وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً من الوحي الذي أوحي إليها، وقال الكسائي: فارِغاً أي ناسيا، أبو عبيدة: فارِغاً من الحزن لعلمها بأنّه لم يغرق، وهو من [[في نسخة أصفهان: مثل.]] قول العرب: دم فرغ [[في نسخة أصفهان: فرع.]] إذا كان هدرا لا قود فيه ولا دية. وقال الشاعر: فإن تك أذواد أصبن [[في نسخة أصفهان: صير.]] ونسوة ... فلن [[في نسخة أصفهان: فلن.]] تذهبوا فرغا بقتل حبال [[الصحاح: 4/ 1665، لسان العرب: 11/ 141.]] العلاء بن زيد فارِغاً: نافرا، وقرأ ابن محيصن وفضالة بن عبيد: فزعا بالزاي والعين من غير ألف، إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال بعضهم: الهاء في قوله: بِهِ راجعة إلى موسى ومعنى الكلام: إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ أنّه ابنها من شدة وجدها. أخبرنا عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا عبد الرحمن ابن بشر، قال: حدّثنا سفيان، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ قال: كادت تقول: وا ابناه، وقال مقاتل: لما رأت التابوت يرفعه موج ويضعه آخر، فخشيت عليه الغرق، فكادت تصيح من شفقها [[في نسخة أصفهان: شفقتها.]] عليه، الكلبي: كادت تظهر أنّه ابنها، وذلك حين سمعت الناس وهم يقولون لموسى بعد ما شبّ: موسى بن فرعون، فشق عليها فكادت تقول: لا، بل هو ابني، وقال بعضهم: الهاء عائدة الى الوحي أي إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بالوحي الذي أوحينا إليها أن نردّه عليها. لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها قوّينا قلبها فعصمناها وثبّتناها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدّقين الموقنين بوعد الله عزّ وجل وَقالَتْ أم موسى لِأُخْتِهِ لأخت موسى واسمها مريم قُصِّيهِ ابتغي أثره حتى تعلمي خبره، ومنه القصص لأنّه حديث يتبع فيه الثاني الأول، فَبَصُرَتْ بِهِ أبصرته عَنْ جُنُبٍ بعد، وقال ابن عباس: الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به. وقال قتادة: جعلت [[في نسخة أصفهان: وجعلت تنظر إليه.]] تنظر إليها كأنّها لا تريده، وكان يقرأ عَنْ جَنْبٍ بفتح الجيم وسكون النون، وقرأ النعمان بن سالم عن جانب أي عن ناحية وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ أنها أخته وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ وهي جمع المراضع، مِنْ قَبْلُ أي من قبل مجيء أم موسى، وذلك أنّه كان يؤتى بمرضع بعد مرضع فلا يقبل ثدي امرأة، فهمّهم ذلك، فلمّا رأت أخت موسى التي أرسلتها أمّه في طلبه ذلك، وما يصنع به، فَقالَتْ لهم: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ أي يضمنونه ويرضعونه ويضمّونه إليهم، وهي امرأة قد قتل ولدها، فأحبّ شيء إليها أن تجد صبيا صغيرا فترضعه، وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ والنصح: إخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش، قالوا: نعم، فأتينا بها فانطلقت إلى أمّها فأخبرتها [بحال ابنها] وجاءت بها إليهم [[في نسخة أصفهان: إليه.]] ، فلمّا وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها فذلك قوله: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ أنّ الله وعدها ردّه إليها. قال السدي وابن جريج: لما قالت أخت موسى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ أخذوها وقالوا: إنّك قد عرفت هذا الغلام، فدلّينا على أهله، فقالت: ما أعرفه ولكني إنّما قلت: هم للملك ناصحون، وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ قال الكلبي: الأشدّ: ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقال سائر المفسّرين: الأشد ثلاث وثلاثون سنة، وَاسْتَوى أي بلغ أربعين سنة. أخبرنا أبو محمد المخلدي، قال: أخبرنا أبو الوفاء المؤمل بن الحسن بن عيسى، قال: حدّثنا الحسن بن محمد بن الصباح، قال: حدّثنا يحيى بن سليم، قال: أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى قال: الأشدّ: ثلاث وثلاثون سنة، والاستواء: أربعون سنة، والعمر الذي أعده الله إلى ابن آدم ستون سنة، ثم قرأ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ [[سورة فاطر: 37.]] . آتَيْناهُ حُكْماً عقلا وفهما، وَعِلْماً قال مجاهد: قيل: النبوة، وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ.

القصص 28:15

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:16

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:17

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:18

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:19

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:20

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:21

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:22

وَدَخَلَ يعني موسى الْمَدِينَةَ قال السدي: يعني مدينة منف [[قيل هي مدينة عين الشمس في منتهى جبل المقطم وقيل غير ذلك راجع تاج العروس: 6/ 250.]] من أرض مصر [[راجع تفسير الطبري: 20/ 53.]] ، وقال مقاتل: كانت قرية تدعى خانين على رأس فرسخين من مصر. عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها قال محمد بن كعب القرظي: دخلها فيما بين المغرب والعشاء، وقال غيره: نصف النهار عند القائلة، واختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت، فقال السدّي: كان موسى (عليه السلام) حين أمر بركب مراكب فرعون وبلبس مثل ما يلبس، وكان إنّما يدعى موسى بن فرعون، ثم إنّ فرعون ركب [[في نسخة أصفهان: ركب فركب في أثره.]] مركبا وليس عنده موسى (عليه السلام) ، فلمّا جاء موسى قيل له: إنّ فرعون قد ركب، فركب في أثره، فأدركه المقيل بأرض يقال لها: منف، فدخلها نصف النهار وقد تقلّبت أسواقها، وليس في طرقها أحد، وهو الذي يقول الله سبحانه: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن إسحاق: كانت لموسى من بني إسرائيل شيعة يسمعون منه [[في نسخة أصفهان: به.]] ويقتدون به ويجتمعون إليه، فلمّا اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق رأى فراق فرعون وقومه، فخالفهم في دينه وتكلّم وعادى وأنكر حتى ذكر ذلك منه، وحتى خافوه وخافهم، حتى كان لا يدخل قرية إلّا خائفا مستخفيا، فدخلها يوما عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها. وقال ابن زيد: لمّا علا موسى فرعون بالعصا في صغره قال فرعون: هذا عدونا الذي قتلت فيه بني إسرائيل، فقالت امرأته: لا بل هو صغير، ثم دعت بالجمر والجوهر، فلمّا أخذ موسى الجمرة وطرحها في فيه حتى صارت عقدة في لسانه، ترك فرعون قتله وأمر بإخراجه من مدينته، فلم يدخل عليهم إلّا بعد أن كبر وبلغ أشدّه، وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها عن موسى أي من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به. وقال علي بن أبي طالب «رضي الله عنه» : في قوله: حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم [[زاد المسير: 6/ 91.]] ، فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ من أهل دينه من بني إسرائيل، وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ من مخالفيه من القبط، قال المفسرون: الذي هو مِنْ شِيعَتِهِ هو السامري، والَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ طباخ فرعون واسمه فليثون. وأخبرني ابن فنجويه، قال: حدّثنا موسى بن محمد، قال: حدّثنا الحسن بن علوية، قال: حدّثنا إسماعيل بن عيسى، قال: حدّثنا المسيب بن شريك قال: اسمه فاثون وكان خباز فرعون، قالوا: يسخّره لحمل الحطب إلى المطبخ، روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: لمّا بلغ موسى أشده، وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع، فبينما هو يمشي ذات يوم في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما من بني إسرائيل، والآخر من آل فرعون، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني، فغضب موسى واشتد غضبه لأنّه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل وحفظه لهم ولا يعلم الناس إلّا إنّما ذلك من قبل الرضاعة من أمّ موسى، فقال للفرعوني، خلّ سبيله، فقال: إنّما أخذه ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك، فنازع أحدهما صاحبه، فقال الفرعوني لموسى: لقد هممت إلى أن أحمله عليك. وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق وشدة في القوة والبطش، فَوَكَزَهُ مُوسى بجمع كفّه ولم يتعمد قتله، قال الفرّاء وأبو عبيدة: الوكز: الدفع بأطراف الأصابع، وفي مصحف عبد الله (فنكزه) بالنون، والوكز واللكز والنكز واحد، ومعناها: الدفع، فَقَضى عَلَيْهِ أي قتله وفرغ من أمره، وكلّ شيء فرغت منه فقد قضيته، وقضيت عليه، قال الشاعر: أيقايسون [[في نسخة أصفهان: أيناشون.]] وقد رأوا حفاثهم ... قد عضّه فقضى عليه الأشجع [[لسان العرب: 2/ 138.]] أي قتله. فلمّا قتله موسى ندم على قتله، وقال: لم أومر بذلك ثم دفنه] في الرمل] قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ. قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ. قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ بالمغفرة فلم تعاقبني فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً عونا ونصيرا لِلْمُجْرِمِينَ قال ابن عباس: لم يستثن فابتلى، قال قتادة: يعني فلن أعين بعدها على خطيئة، أخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا محمد بن خالد، قال: حدّثنا داود بن سليمان، قال: أخبرنا عبد بن حميد، قال: حدّثنا عبيد الله بن موسى، عن سلمة بن نبيط قال: بعث بعض الأمراء وهو عبد الرحمن بن مسلم إلى الضحاك بعطاء أهل بخارى، وقال: أعطهم، فقال: اعفني، فلم يزل يستعفيه حتى أعفاه، فقال له بعض أصحابه: وأنت لا [ترزأ] شيئا، فقال: لا أحب أن أعين الظلمة على شيء من أمرهم. وبه عن عبد [[في نسخة أصفهان: عبد الحميد.]] الله قال: حدّثنا يعلى، قال حدّثنا عبيد الله بن الوليد الوصافي قال: قلت لعطاء بن أبي رياح: إنّ لي أخا يأخذ بقلمه، وإنّما يكتب ما يدخل وما يخرج، قال: أخذ بقلمه كان ذلك غنى وإن تركه احتاج، وصار عليه دين وله عيال، فقال: من الرأس؟ قلت: خالد بن عبد الله، قال: اما تقرأ ما قال العبد الصالح: رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ، فلا يعينهم فإن الله تعالى سيغنيه. فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً من قتله القبطي أن يؤخذ فيقتل به، يَتَرَقَّبُ ينتظر الأخبار، فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ يستغيثه، وأصل ذلك من الصراخ، كما يقال: قال بني فلان: يا صاحبا. قال ابن عباس: أتى فرعون فقيل له: إن بني إسرائيل قد قتلوا رجلا منّا، فخذ لنا بحقّنا ولا ترخص لهم في ذلك، فقال: أبغوا لي قاتله ومن يشهد عليه، فلا يستقيم أن يقضى بغير بيّنة ولا ثبت فاطلبوا ذلك، فبينا هم يطوفون [و] لا يجدون ثبتا إذ مرّ موسى من الغد فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا آخر يريد أن يسخّره، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى، وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتله القبطي، فقال موسى للإسرائيلي: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ ظاهر الغواية حين قاتلت أمس رجلا وقتلته بسببك، وتقاتل اليوم آخر وتستغيثني عليه. وقيل: إنّما قال للفرعوني: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ بتسخيرك وظلمك، والقول الأول أصوب وأليق بنظم الآية. قال ابن عباس: ثم مد موسى يده وهو يريد أن يبطش بالفرعوني، فنظر الإسرائيلي إلى موسى بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ [فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس فخاف أن يكون بعد ما قال له: إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ أراده] ، ولم يكن أراده، إنّما أراد الفرعوني، ف قالَ: يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ بالقتل ظلما، قال عكرمة والشعبي: لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين بغير حق. وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ ثم تتاركا، فلمّا سمع القبطي ما قال الإسرائيلي علم أنّ موسى قتل ذلك الفرعوني، فانطلق إلى فرعون، فأخبره بذلك، فأمر فرعون بقتل موسى ولم يكن ظهر على قاتل القبطي حتى قال صاحب موسى ما قال. قال ابن عباس: فلمّا أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة أي آخرها، واختصر طريقا قريبا] وسبقهم فأخبره وأنذره] حتى أخذ طريقا آخر فذلك قوله: وَجاءَ رَجُلٌ واختلفوا فيه، فقال أكثر أهل التأويل: هو حزقيل بن صبورا مؤمن آل فرعون، وكان ابن عم فرعون، فقال شعيب الجبائي: اسمه شمعون، وقيل: شمعان [[في نسخة أصفهان: سمعان.]] . مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قال الكلبي: يسرع في مشيه لينذره، مقاتل: يمشي على رجليه، قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي يهمّون بقتلك ويتشاورون فيك، وقيل: يأمر بعضهم بعضا نظيره قوله عز وجل: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ، وقال النمر بن تغلب: أرى الناس قد أحدثوا سمة ... وفي كلّ حادثة يؤتمر فَاخْرُجْ من هذه المدينة إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ موسى مِنْها أي من مدينة فرعون خائِفاً يَتَرَقَّبُ ينتظر الطلب قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ أي نحوها وقصدها ماضيا لها، خارجا عن سلطان فرعون، يقال: داره تلقاء دار فلان إذا كانت محاذيتها، وأصله من اللقاء، ولم تصرف مدين لأنّها اسم بلدة معروفة. قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزّلوا ... والعصم من شغف العقول القادر [[تاج العروس: 1/ 281.]] وهو مدين بن إبراهيم نسبت البلدة إليه [[في المخطوط: نسب البلدة إليها.]] كما نسبت مدائن إلى أخيه مدائن بن إبراهيم قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ قصد الطريق إلى مدين، وإنّما قال ذلك لأنّه لم يكن يعرف الطريق إليها، فلمّا دعا جاءه ملك على فرس بيده عنزة فانطلق به إلى مدين. قال المفسّرون: خرج موسى من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ظهر ولا حذاء إلى مدين وبينهما مسيرة ثماني ليال نحوا من الكوفة إلى البصرة، ولم يكن له طعام إلّا ورق الشجر، قال ابن جبير: خرج من مصر حافيا، فما وصل إلى مدين حتى وقع خف قدميه.

القصص 28:23

وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وهو بئر كانت لهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصارا، قتادة: [تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان [[في نسخة أصفهان: تسقيان.]] غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: قالَ يعني موسى ما خَطْبُكُما ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلّا جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل: إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعا، فأخذها فعالجها [[في نسخة أصفهان: يعالجها.]] ساعة فلم [[في نسخة أصفهان: ثم لقطها.]] يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم انصرفت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ قال قطرب: اللام هاهنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، مِنْ خَيْرٍ أي طعام فَقِيرٌ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلّا أكله. قال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس] ، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» : مستترة بكم درعها لوف [[كذا في الأصل.]] قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودلّيني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء فَلَمَّا جاءَهُ يعني الشيخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا. قالَتْ إِحْداهُما وهي التي تزوجها موسى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي» أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلّا أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها. وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها [[في نسخة أصفهان: نهجا.]] . قالَ عند ذلك الشيخ لموسى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ [[في نسخة أصفهان: عن.]] ماشيتي ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ الثمان أو العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ شهيد وحفيظ. وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلّا هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ. وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلّا يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولدا من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسرّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأنا. وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنينا عظيما أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشبا وريفا لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية. فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأنا، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام. قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلّا وقد وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.

القصص 28:24

وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وهو بئر كانت لهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصارا، قتادة: [تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان [[في نسخة أصفهان: تسقيان.]] غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: قالَ يعني موسى ما خَطْبُكُما ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلّا جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل: إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعا، فأخذها فعالجها [[في نسخة أصفهان: يعالجها.]] ساعة فلم [[في نسخة أصفهان: ثم لقطها.]] يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم انصرفت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ قال قطرب: اللام هاهنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، مِنْ خَيْرٍ أي طعام فَقِيرٌ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلّا أكله. قال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس] ، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» : مستترة بكم درعها لوف [[كذا في الأصل.]] قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودلّيني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء فَلَمَّا جاءَهُ يعني الشيخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا. قالَتْ إِحْداهُما وهي التي تزوجها موسى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي» أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلّا أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها. وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها [[في نسخة أصفهان: نهجا.]] . قالَ عند ذلك الشيخ لموسى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ [[في نسخة أصفهان: عن.]] ماشيتي ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ الثمان أو العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ شهيد وحفيظ. وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلّا هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ. وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلّا يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولدا من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسرّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأنا. وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنينا عظيما أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشبا وريفا لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية. فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأنا، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام. قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلّا وقد وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.

القصص 28:25

وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وهو بئر كانت لهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصارا، قتادة: [تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان [[في نسخة أصفهان: تسقيان.]] غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: قالَ يعني موسى ما خَطْبُكُما ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلّا جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل: إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعا، فأخذها فعالجها [[في نسخة أصفهان: يعالجها.]] ساعة فلم [[في نسخة أصفهان: ثم لقطها.]] يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم انصرفت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ قال قطرب: اللام هاهنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، مِنْ خَيْرٍ أي طعام فَقِيرٌ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلّا أكله. قال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس] ، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» : مستترة بكم درعها لوف [[كذا في الأصل.]] قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودلّيني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء فَلَمَّا جاءَهُ يعني الشيخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا. قالَتْ إِحْداهُما وهي التي تزوجها موسى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي» أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلّا أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها. وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها [[في نسخة أصفهان: نهجا.]] . قالَ عند ذلك الشيخ لموسى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ [[في نسخة أصفهان: عن.]] ماشيتي ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ الثمان أو العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ شهيد وحفيظ. وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلّا هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ. وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلّا يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولدا من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسرّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأنا. وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنينا عظيما أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشبا وريفا لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية. فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأنا، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام. قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلّا وقد وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.

القصص 28:26

وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وهو بئر كانت لهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصارا، قتادة: [تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان [[في نسخة أصفهان: تسقيان.]] غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: قالَ يعني موسى ما خَطْبُكُما ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلّا جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل: إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعا، فأخذها فعالجها [[في نسخة أصفهان: يعالجها.]] ساعة فلم [[في نسخة أصفهان: ثم لقطها.]] يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم انصرفت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ قال قطرب: اللام هاهنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، مِنْ خَيْرٍ أي طعام فَقِيرٌ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلّا أكله. قال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس] ، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» : مستترة بكم درعها لوف [[كذا في الأصل.]] قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودلّيني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء فَلَمَّا جاءَهُ يعني الشيخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا. قالَتْ إِحْداهُما وهي التي تزوجها موسى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي» أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلّا أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها. وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها [[في نسخة أصفهان: نهجا.]] . قالَ عند ذلك الشيخ لموسى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ [[في نسخة أصفهان: عن.]] ماشيتي ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ الثمان أو العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ شهيد وحفيظ. وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلّا هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ. وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلّا يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولدا من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسرّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأنا. وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنينا عظيما أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشبا وريفا لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية. فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأنا، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام. قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلّا وقد وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.

القصص 28:27

وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وهو بئر كانت لهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصارا، قتادة: [تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان [[في نسخة أصفهان: تسقيان.]] غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: قالَ يعني موسى ما خَطْبُكُما ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلّا جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل: إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعا، فأخذها فعالجها [[في نسخة أصفهان: يعالجها.]] ساعة فلم [[في نسخة أصفهان: ثم لقطها.]] يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم انصرفت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ قال قطرب: اللام هاهنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، مِنْ خَيْرٍ أي طعام فَقِيرٌ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلّا أكله. قال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس] ، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» : مستترة بكم درعها لوف [[كذا في الأصل.]] قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودلّيني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء فَلَمَّا جاءَهُ يعني الشيخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا. قالَتْ إِحْداهُما وهي التي تزوجها موسى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي» أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلّا أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها. وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها [[في نسخة أصفهان: نهجا.]] . قالَ عند ذلك الشيخ لموسى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ [[في نسخة أصفهان: عن.]] ماشيتي ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ الثمان أو العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ شهيد وحفيظ. وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلّا هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ. وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلّا يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولدا من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسرّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأنا. وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنينا عظيما أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشبا وريفا لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية. فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأنا، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام. قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلّا وقد وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.

القصص 28:28

وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وهو بئر كانت لهم وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ مواشيهم وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ تحبسان وتمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب، وقال الحسن: تكفان [أغنامهما] عن أن تختلط بأغنام الناس وترك ذكر الغنم اختصارا، قتادة: [تذودان] الناس عن شائهما، أبو مالك وابن إسحاق: تحبسان غنمهما عن الماء حتى يصدر عنه مواشي الناس ويخلوا لهما البئر، ثم يسقيان [[في نسخة أصفهان: تسقيان.]] غنمهما لضعفهما، وهذا القول أولى بالصواب لما بعده، وهو قوله: قالَ يعني موسى ما خَطْبُكُما ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس؟ قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ قرأ أبو عبد الرحمن السلمي والحسن وابن عامر وابن جعفر وأيوب بن المتوكل: بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل للرعاء أي حتى يرجعوا عن الماء، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال أي حتى يصرفوا مواشيهم عن الماء، والرعاء: جمع راع مثل تاجر وتجار، ومعنى الآية لا نسقي مواشينا حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ لأنّا لا نطيق أن نسقي، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض. وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يقدر أن يسقي مواشيه، واختلفوا في اسم أبيهما، فقال مجاهد والضحاك والسدي والحسن: هو شعيب النبي صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء واسمه شعيب بن بويب بن مدين بن إبراهيم، قال وهب وسعيد بن جبير وأبو عبيدة بن عبد الله: هو بثرون ابن أخي شعيب، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعد ما كفّ بصره، فدفن بين المقام وزمزم. وروى حماد بن سلمة، عن أبي حمزة الضبعي، عن ابن عباس قال: اسم أبي امرأة موسى صاحب مدين بثرى، قالوا: فلمّا سمع موسى (عليه السلام) قولهما رحمهما، واقتلع صخرة على رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلّا جماعة من الناس. شريح: عشرة رجال، وقيل: إنّه زاحم القوم عن الماء وأخذ دلوهما وسقى غنمهما، عن ابن إسحاق، فذلك قوله سبحانه: فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ قال السدي: ظلّ شجرة، وروى عمر بن ميمون، عن عبد الله قال: أحييت على جمل لي ليلتين حتى صبّحت مدين، فسألت عن الشجرة التي آوى إليها موسى فإذا شجرة خضراء ترق فما هوى إليها جملي، وكان جائعا، فأخذها فعالجها [[في نسخة أصفهان: يعالجها.]] ساعة فلم [[في نسخة أصفهان: ثم لقطها.]] يقطعها، فدعوت الله سبحانه لموسى ثم انصرفت. فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ قال قطرب: اللام هاهنا بمعنى إلى تقول العرب: احتجت له، واحتجت إليه بمعنى واحد، مِنْ خَيْرٍ أي طعام فَقِيرٌ محتاج، قال ابن عباس: لقد قال ذلك وإنّ خضرة البقل تتراءى في بطنه من الهزال ما يسأل الله سبحانه إلّا أكله. قال الباقر: لقد قالها وإنّه لمحتاج إلى شق تمرة. قالوا: فلمّا رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس وأغنامهما حفّل بطان، قال لهما: ما أعجلكما؟ قالتا: وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا [قبل الناس] ، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه لي. فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قال عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» : مستترة بكم درعها لوف [[كذا في الأصل.]] قد سترت وجهها بيدها، روى قتادة، عن مطرف، قال: أما والله لو كان عند نبي الله شيء ما اتبع مذقتها، ولكنّه حمله على ذلك الجهد. قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فانطلق موسى معها يتبعها، فهبت الريح، فألزقت ثوب المرأة بردفها، فكره موسى أن يرى ذلك منها، فقال لها: امشي خلفي، وانعتي لي الطريق، ودلّيني عليها إن أخطأت، فإنّا بني يعقوب لا ننظر إلى أعجاز النساء فَلَمَّا جاءَهُ يعني الشيخ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ أخبره بأمره والسبب الذي أخرجه من أرضه قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ يعني فرعون وقومه لا سلطان له بأرضنا. قالَتْ إِحْداهُما وهي التي تزوجها موسى يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ لرعي أغنامنا إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ، فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما قوته فإنّه لما رآنا حابسي» أغنامنا عن الماء، قال لنا: فهل بقربكما بئر؟ قلنا: نعم، ولكن عليها صخرة لا يرفعها إلّا أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها [فأخذ] الصخرة بيده فنحّاها. وأما أمانته فإنّه قال لي في الطريق: امشي خلفي، وإن أخطأت فارمي قدامي بحصاة حتى أنهج نهجها [[في نسخة أصفهان: نهجا.]] . قالَ عند ذلك الشيخ لموسى إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ واسمهما صفورة ولباني، قول شعيب الجبّائي قال: امرأة موسى صفورة، وقال ابن إسحاق: صفورة وشرفا، وغيرهما: الكبرى صفرا والصغرى صفيرا عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي يعني آجرني، وقالت الأئمة: على أن تثيبني من تزويجها رعيّ [[في نسخة أصفهان: عن.]] ماشيتي ثَمانِيَ حِجَجٍ سنين واحدتها حجة، جعل صداقها ذلك، قال: [يقول العرب] آجرك الله فهو يأجرك بمعنى أثابك فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً أي عشر سنين فَمِنْ عِنْدِكَ وأنت به متبرع متفضل وليس مما اشترطه عليك في عقد النكاح وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ الثمان أو العشر فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ شهيد وحفيظ. وقالت العلماء بأخبار الأنبياء: أنّ موسى وصاحبه (عليهما السلام) لما تعاقدا بينهما هذا العقد أمر صهره احدى بنتيه أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه، واختلفوا في حال تلك العصا، فقال عكرمة: خرج بها آدم من الجنة وأخذها جبريل بعد موت آدم، فكانت معه حتى لقي بها موسى ليلا فدفعها إليه، وقال آخرون: لم يزل الأنبياء يتوارثونها حتى وصلت إلى شعيب وكانت عصيّ الأنبياء عنده، فأعطاها موسى. وقال السدي: كانت تلك العصا استودعها ملك في صورة رجل، وأمر ابنته أن تأتيه بعصا، فدخلت الجارية فأخذت العصا فأتته بها، فلمّا رآها الشيخ قال لابنته، آتيه بغيرها، فلمّا رمتها تريد أن تأخذ غيرها فلا تقع في يدها إلّا هي، كلّ ذلك تطير في يدها حتى فعلت ذلك مرات، فأعطاها موسى، فأخرجها معه، ثم إنّ الشيخ ندم، وقال: كانت وديعة، فخرج يتلقّى موسى، فلمّا لقيه، قال: أعطني العصا، قال موسى: هي عصاي، فأبى أن يعطيه، فاختصما حتى رضيا أن يجعلا بينهما أول رجل يلقاهما، فأتاهما ملك يمشي، فقضى بينهما، فقال: ضعوها بالأرض فمن حملها فهي له، فعالجها الشيخ فلم يطقها، وأخذها موسى بيده فرفعها، فتركها له الشيخ. وروى حيان عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس أنّه قال: كان في دار يثرون بيت لا يدخله إلّا يثرون وابنته التي زوجها موسى، كانت تكنسه وتنظّفه، وكان في البيت ثلاث عشرة عصا، وكان ليثرون أحد عشر ولدا من الذكور، فكلّما أدرك منهم ولد أمره بدخول البيت وإخراج عصا من تلك العصيّ، فجعل يحترق الولد حتى هلك كلّهم، فرجع موسى ذات يوم إلى منزله فلم يجد أهله، واحتاج إلى عصا لرعيه، فدخل ذلك البيت وأخذ عصا من تلك العصي وخرج بها، فلمّا علمت بذلك امرأته انطلقت إلى أبيها، وأخبرته بذلك، فسرّ بها يثرون وقال لها: إنّ زوجك هذا نبي وإنّ له مع هذه العصا لشأنا. وفي بعض الأخبار أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أصبح من الغد بعد العقد وأراد الرعي قال له صهره شعيب: اذهب بهذه الأغنام، فإذا بلغت مفرق الطريق فخذ على يسارك ولا تأخذ على يمينك وإن كان الكلأ بها أكثر، فإنّ هناك تنينا عظيما أخشى عليك وعلى الأغنام منه. فذهب موسى بالأغنام، فلمّا بلغ مفرق الطريق أخذت الأغنام ذات اليمين، فاجتهد موسى على أن يصرفها إلى ذات الشمال فلم تطعه فسار موسى على أثرها، فرأى عشبا وريفا لم ير مثله، ولم ير التنين، فنام موسى والأغنام ترعى، فإذا بالتنين قد جاء، فقامت عصا موسى وحاربته حتى قتلته وعادت إلى جنب موسى وهي دامية. فلمّا استيقظ موسى رأى العصا دامية والتنين مقتولا، فارتاح لذلك وعلم أنّ لله سبحانه في تلك العصا قدرة وإرادة، فعاد إلى شعيب، وكان شعيب ضريرا فمس الأغنام، فإذا هي أمثل حالا مما كانت، فسأله، فأخبره موسى بالقصة، ففرح بذلك شعيب وعلم أنّ لموسى وعصاه شأنا، فأراد شعيب أن يجازي موسى على حسن رعيه إكراما له وصلة لابنته فقال له: إنّي قد وهبت لك [من] الجدايا التي تضعها أغنامي في هذه السنة كل أبلق وبلقاء فأوحى الله تعالى إلى موسى أن اضرب بعصاك الماء الذي في مستقى الأغنام. قال: فضرب موسى بعصاه الماء ثم سقى الأغنام منه، فما أخطأت واحدة منها إلّا وقد وضعت حملها ما بين أبلق وبلقاء، فعلم شعيب أنّ ذلك رزق ساقه الله إلى موسى وامرأته، فوفى له بشرطه وسلّم إليه الأغنام.

القصص 28:29

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [127] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] بن زيد، عن علي بن رباح [[في نسخة أصفهان: رياح.]] ، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ‎ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [128] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» [129] [[فتح القدير: 4/ 171، وتفسير الطبري: 20/ 85، وتفسير سفيان الثوري: 233.]] فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة [[في نسخة أصفهان: باردة.]] شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] [[تفسير القرطبي: 11/ 171.]] ، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر [[تفسير القرطبي: 13/ 281، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.]] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [[سورة الأنبياء: 60.]] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى [[في نسخة أصفهان: دنا.]] من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[سورة الشعراء: 215.]] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه. فَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأحسن [[في نسخة أصفهان: أفصح.]] بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.

القصص 28:30

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [127] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] بن زيد، عن علي بن رباح [[في نسخة أصفهان: رياح.]] ، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ‎ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [128] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» [129] [[فتح القدير: 4/ 171، وتفسير الطبري: 20/ 85، وتفسير سفيان الثوري: 233.]] فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة [[في نسخة أصفهان: باردة.]] شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] [[تفسير القرطبي: 11/ 171.]] ، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر [[تفسير القرطبي: 13/ 281، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.]] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [[سورة الأنبياء: 60.]] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى [[في نسخة أصفهان: دنا.]] من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[سورة الشعراء: 215.]] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه. فَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأحسن [[في نسخة أصفهان: أفصح.]] بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.

القصص 28:31

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [127] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] بن زيد، عن علي بن رباح [[في نسخة أصفهان: رياح.]] ، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ‎ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [128] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» [129] [[فتح القدير: 4/ 171، وتفسير الطبري: 20/ 85، وتفسير سفيان الثوري: 233.]] فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة [[في نسخة أصفهان: باردة.]] شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] [[تفسير القرطبي: 11/ 171.]] ، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر [[تفسير القرطبي: 13/ 281، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.]] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [[سورة الأنبياء: 60.]] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى [[في نسخة أصفهان: دنا.]] من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[سورة الشعراء: 215.]] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه. فَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأحسن [[في نسخة أصفهان: أفصح.]] بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.

القصص 28:32

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [127] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] بن زيد، عن علي بن رباح [[في نسخة أصفهان: رياح.]] ، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ‎ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [128] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» [129] [[فتح القدير: 4/ 171، وتفسير الطبري: 20/ 85، وتفسير سفيان الثوري: 233.]] فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة [[في نسخة أصفهان: باردة.]] شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] [[تفسير القرطبي: 11/ 171.]] ، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر [[تفسير القرطبي: 13/ 281، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.]] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [[سورة الأنبياء: 60.]] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى [[في نسخة أصفهان: دنا.]] من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[سورة الشعراء: 215.]] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه. فَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأحسن [[في نسخة أصفهان: أفصح.]] بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.

القصص 28:33

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [127] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] بن زيد، عن علي بن رباح [[في نسخة أصفهان: رياح.]] ، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ‎ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [128] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» [129] [[فتح القدير: 4/ 171، وتفسير الطبري: 20/ 85، وتفسير سفيان الثوري: 233.]] فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة [[في نسخة أصفهان: باردة.]] شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] [[تفسير القرطبي: 11/ 171.]] ، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر [[تفسير القرطبي: 13/ 281، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.]] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [[سورة الأنبياء: 60.]] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى [[في نسخة أصفهان: دنا.]] من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[سورة الشعراء: 215.]] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه. فَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأحسن [[في نسخة أصفهان: أفصح.]] بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.

القصص 28:34

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [127] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] بن زيد، عن علي بن رباح [[في نسخة أصفهان: رياح.]] ، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ‎ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [128] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» [129] [[فتح القدير: 4/ 171، وتفسير الطبري: 20/ 85، وتفسير سفيان الثوري: 233.]] فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة [[في نسخة أصفهان: باردة.]] شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] [[تفسير القرطبي: 11/ 171.]] ، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر [[تفسير القرطبي: 13/ 281، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.]] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [[سورة الأنبياء: 60.]] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى [[في نسخة أصفهان: دنا.]] من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[سورة الشعراء: 215.]] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه. فَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأحسن [[في نسخة أصفهان: أفصح.]] بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.

القصص 28:35

فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ أي أتمه وفرغ منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن حمدون قال: أخبرنا مكي بن عبدان عن عبد الرحمن، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا موسى بن عبد العزيز، قال: حدّثنا الحكم بن أبان، قال: حدّثني عكرمة، قال: قال ابن عباس: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبعدهما وأطيبهما» [127] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد قال: أخبرنا أحمد بن عبد الله المزني، قال: حدّثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، قال: حدّثنا محمد بن عبد الجبار الهمذاني، قال: حدّثنا يحيى بن بكير قال: حدّثنا ابن لهيعة، عن الحارث [[في نسخة أصفهان: الحرث.]] بن زيد، عن علي بن رباح [[في نسخة أصفهان: رياح.]] ، عن عتبة بن التيب- وكان من أصحاب النبي ﷺ‎ يسكن الشام، ومات في زمن عبد الملك- قال: سئل رسول الله ﷺ‎ أي الأجلين قضى موسى؟ قال: «أبرهما وأوفاهما» [128] [[الدر المنثور: 5/ 127.]] . وروى محمد بن إسحاق، عن حكم بن جبير، عن سعيد بن جبير، قال: قال لي يهودي بالكوفة وأنا أتجهز للحج: إنّي أراك رجلا تتبع العلم، أخبرني أي الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أعلم، وأنا الآن قادم على حبر العرب- يعني ابن عباس- فسأسأله عن ذلك، فلمّا قدمت مكة سألت ابن عباس عن ذلك، فقال: قضى أكثرهما وأطيبهما، إنّ النبي إذا وعد لم يخلف، قال سعيد: فقدمت العراق، فلقيت اليهودي فأخبرته، فقال: صدق، ما أنزل على موسى هذا والله العالم. وقال وهب: أنكحه الكبرى، وقد روي أنّ النبي (عليه السلام) قال: «تزوج صغراهما وقضى أوفاهما» [129] [[فتح القدير: 4/ 171، وتفسير الطبري: 20/ 85، وتفسير سفيان الثوري: 233.]] فإن صح هذا الخبر فلا معدل عنه. وقال مجاهد: لما قَضى مُوسَى الْأَجَلَ ومكث بعد ذلك عند صهره عشرا أخرى، فأقام عنده عشرين سنة، ثم إنّه استأذنه في العودة إلى مصر لزيارة والدته وأخيه، فأذن له، فسار بأهله وماله، وكانت أيام الشتاء وأخذ على غير الطريق مخافة ملوك الشام، وامرأته في شهرها لا يدري أليلا تضع أم نهارا، فسار في البرية غير عارف بطرقها فألجأه المسير إلى جانب الطور الغربي الأيمن في ليلة مظلمة [[في نسخة أصفهان: باردة.]] شديدة البرد، وأخذ امرأته الطلق، فقدح زندا فلم تور [المقدحة شيئا] [[تفسير القرطبي: 11/ 171.]] ، ف آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ قطعة وشعلة مِنَ النَّارِ وفيها ثلاث لغات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقال قتادة ومقاتل: الجذوة: العود الذي قد احترق بعضه، وجمعها جذيّ، قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذي غير خوار ولا دعر [[تفسير القرطبي: 13/ 281، والخوار هنا: العود الذي يتقصف، والمدعر: الذي إذا وضع على النار لم يستوقد ودخّن.]] لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ أي تستدفئون وتستحمّون بها من البرد فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ جانب الْوادِ الْأَيْمَنِ عن يمين موسى فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ وقرأ أشهب العقيلي فِي الْبَقْعَةِ بفتح الباء مِنَ الشَّجَرَةِ أي من ناحية الشجرة أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن مسعود: كانت الشجرة سمرة خضراء ترق، قتادة، عوسجة، وهب: علّيق. وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ تتحرك كَأَنَّها جَانٌّ وهي الحيّة الصغيرة من سرعة حركته وَلَّى مُدْبِراً هاربا منها وَلَمْ يُعَقِّبْ ولم يرجع، فنودي يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فخرجت كأنّها مصباح وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ قرأ حفص بفتح الراء وجزم (الهاء) ، وقرأ أهل الكوفة والشام بضمّ (الراء) وجزم (الهاء) ، غيرهم بفتح (الراء) و (الهاء) ، دليلهم قوله سبحانه: وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً [[سورة الأنبياء: 60.]] وكلّها لغات بمعنى الخوف والفرق. ومعنى الآية إذا هالك أمر يدك وما ترى [[في نسخة أصفهان: دنا.]] من شعاعها، فأدخلها في جيبك تعد إلى حالتها الأولى، وقال بعضهم، أمره الله سبحانه وتعالى أن يضم يده إلى صدره ليذهب الله عز وجل ما ناله من الخوف عند معاينة الحية، وقيل: معناه سكّن روعك واخفض عليك جأشك لأنّ من شأن الخائف أن يضطرب قلبه ويرتعد بدنه، وضم الجناح هو السكون، ومثله قوله سبحانه وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [[سورة الإسراء: 24.]] يريد الرفق، وقوله سبحانه: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [[سورة الشعراء: 215.]] أي ارفق بهم وألن جانبك لهم، وقال الفرّاء: أراد بالجناح عصاه. وقال بعض أهل المعاني: الرهب، الكم بلغة حمير وبني حنيفة، وحكي عن الأصمعي أنّه سمع بعض الأعراب يقول لآخر: أعطني ما في رهبك، قال: فسألته عن الرهب؟ فقال: الكم، ومعناه على هذا التأويل: اضمم إليك يدك وأخرجها من الكم لأنّه تناول العصا ويده في كمّه. فَذانِكَ قراءة العامة بتخفيف (النون) ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد (النون) وهي لغة قريش، وفي وجهها أربعة أقوال: قيل: شدّد النون عوضا من (الألف) الساقطة ولم يلتفت إلى التقاء الساكنين لأنّ أصله فَذانِكَ فحذفت الألف الأولى لالتقاء الساكنين. وقيل: التشديد للتأكيد كما أدخلوا اللام في ذلك. وقيل: شدّدت فرقا بينها وبين التي تسقط للإضافة لأنّ ذان لا تضاف. وقيل: للفرق بين تثنية الاسم المتمكن وبينها. قال أبو عبيد: وكان أبو عمرو يخص هذا الحرف بالتشديد دون كلّ تثنية في القرآن، وأحسبه فعل ذلك لقلة الحروف في الاسم، فقرأه بالتثقيل. ومعنى الآية فَذانِكَ يعني العصا واليد البيضاء بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ. قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ. وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً وأحسن [[في نسخة أصفهان: أفصح.]] بيانا، وإنّما قال ذلك للعقدة التي كانت في لسانه فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً معينا، يقال: أردأته أي أعنته، وترك همزه عيسى بن عمر وأهل المدينة طلبا للخفّة يُصَدِّقُنِي قرأه العامة بالجزم، ورفعه عاصم وحمزة، وهو اختيار أبو عبيد، فمن جزمه فعلى جواب الدعاء، ومن رفعه فعلى الحال، أي ردءا مصدقا حاله التصديق كقوله سبحانه: رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ أي كائنة حال صرف إلى الاستقبال. إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ أن نقويك ونعينك بِأَخِيكَ وكان هارون يومئذ بمصر وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً قوة وحجة وبرهانا فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ.

القصص 28:36

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:37

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:38

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:39

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:40

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:41

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:42

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:43

فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلَّا سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا الذي تدعونا إليه فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ. وَقالَ مُوسى قراءة العامة بالواو، وقرأ أهل مكة بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ بالمحق من المبطل [[في المخطوط: الباطل.]] وَمَنْ تَكُونُ لَهُ [قرأ] بالياء أهل الكوفة والباقون بالتاء. عاقِبَةُ الدَّارِ أي العقبى المحمودة في الدار الآخرة إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ لا ينجح الكافرون. وَقالَ فِرْعَوْنُ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ فاطبخ لي الآجر، وقيل: إنّه أول من اتخذ الآجر وبنى به. قال أهل التفسير [[في نسخة أصفهان: السير.]] : لمّا أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، جمع هامان العمال والفعلة [[في نسخة أصفهان: العلمله.]] حتى اجتمع خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ومن يطبخ الآجر والجص، وينجر الخشب والأبواب، ويضرب المسامير، فرفعوه وشيّدوه حتى ارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض، أراد الله سبحانه أن يفتنهم فيه، فلمّا فرغوا منه ارتقى فرعون فوقه، فأمر بنشابه فرمى بها نحو السماء، فردّت إليه وهي ملطّخة دما. فقال: قد قتلت إله موسى، قالوا: لو كان فرعون يصعده على البراذين، فبعث الله سبحانه جبريل (عليه السلام) [عند] غروب الشمس، فضربه بجناحه فقطعه ثلاث قطع، فوقعت قطعة منها على عسكر فرعون فقتلت منهم ألف رجل، ووقعت قطعة منها في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد ممن عمل فيه بشيء إلّا هلك، فذلك قوله تعالى: فَأَوْقِدْ لِي يا هامانُ عَلَى الطِّينِ، فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً قصرا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه وأقف على حاله. وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ يعني موسى مِنَ الْكاذِبِينَ في ادعائه كون إله غيري وأنّه رسوله وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ. فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فألقيناهم فِي الْيَمِّ يعني البحر، قال قتادة: هو بحر من وراء مصر يقال له: أساف، غرّقهم الله فيه فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً قادة ورؤساء يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ لا يُنْصَرُونَ وَأَتْبَعْناهُمْ فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً حزنا وعذابا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ الممقوتين، وقال أبو عبيدة وابن كيسان: المهلكين، وقال ابن عباس: يعني المشوّهين الخلقة بسواد الوجه وزرقة العيون، قال أهل [اللغة] يقال: قبحه الله، وقبّحه إذا جعله قبيحا وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى بَصائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. أخبرنا شعيب بن محمد قال: أخبرنا مكي بن عبدان قال: حدّثنا أحمد بن الأزهر، قال: حدّثنا روح بن عبادة، عن عوف، عن أبي نصرة، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﷺ‎ أنّه قال: «ما أهلك الله عز وجل قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية بعذاب من السماء منذ أنزل الله سبحانه التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة، ألم تر أنّ الله سبحانه قال: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى الآية» [130] [[كنز العمال: 2/ 33 ح 3020.]] .

القصص 28:44

وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [[سورة الحديد: 16.]] ، وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة. قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ‎؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [131] [[تفسير القرطبي: 13/ 292.]] ، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني. وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه [[في نسخة أصفهان: صبغويه.]] بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله عزّ وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [132] [[الدر المنثور: 5/ 129 بتفاوت.]] . وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك [[في نسخة أصفهان: رحمنا.]] رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [[سورة النساء: 165.]] ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (عليه السلام) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [[سورة القصص: 49.]] وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (عليهما السلام) . وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

القصص 28:45

وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [[سورة الحديد: 16.]] ، وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة. قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ‎؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [131] [[تفسير القرطبي: 13/ 292.]] ، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني. وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه [[في نسخة أصفهان: صبغويه.]] بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله عزّ وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [132] [[الدر المنثور: 5/ 129 بتفاوت.]] . وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك [[في نسخة أصفهان: رحمنا.]] رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [[سورة النساء: 165.]] ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (عليه السلام) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [[سورة القصص: 49.]] وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (عليهما السلام) . وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

القصص 28:46

وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [[سورة الحديد: 16.]] ، وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة. قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ‎؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [131] [[تفسير القرطبي: 13/ 292.]] ، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني. وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه [[في نسخة أصفهان: صبغويه.]] بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله عزّ وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [132] [[الدر المنثور: 5/ 129 بتفاوت.]] . وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك [[في نسخة أصفهان: رحمنا.]] رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [[سورة النساء: 165.]] ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (عليه السلام) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [[سورة القصص: 49.]] وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (عليهما السلام) . وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

القصص 28:47

وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [[سورة الحديد: 16.]] ، وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة. قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ‎؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [131] [[تفسير القرطبي: 13/ 292.]] ، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني. وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه [[في نسخة أصفهان: صبغويه.]] بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله عزّ وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [132] [[الدر المنثور: 5/ 129 بتفاوت.]] . وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك [[في نسخة أصفهان: رحمنا.]] رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [[سورة النساء: 165.]] ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (عليه السلام) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [[سورة القصص: 49.]] وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (عليهما السلام) . وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

القصص 28:48

وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [[سورة الحديد: 16.]] ، وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة. قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ‎؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [131] [[تفسير القرطبي: 13/ 292.]] ، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني. وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه [[في نسخة أصفهان: صبغويه.]] بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله عزّ وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [132] [[الدر المنثور: 5/ 129 بتفاوت.]] . وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك [[في نسخة أصفهان: رحمنا.]] رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [[سورة النساء: 165.]] ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (عليه السلام) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [[سورة القصص: 49.]] وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (عليهما السلام) . وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

القصص 28:49

وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [[سورة الحديد: 16.]] ، وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة. قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ‎؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [131] [[تفسير القرطبي: 13/ 292.]] ، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني. وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه [[في نسخة أصفهان: صبغويه.]] بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله عزّ وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [132] [[الدر المنثور: 5/ 129 بتفاوت.]] . وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك [[في نسخة أصفهان: رحمنا.]] رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [[سورة النساء: 165.]] ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (عليه السلام) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [[سورة القصص: 49.]] وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (عليهما السلام) . وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

القصص 28:50

وَما كُنْتَ يا محمد بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ أي غربي الجبل إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ أي أخبرناه بأمرنا ونهينا، وألزمناه عهدنا وَما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ الحاضرين هناك تذكرة من ذات نفسك وَلكِنَّا أَنْشَأْنا أحدّثنا وخلقنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ فنسوا عهد الله سبحانه وتركوا أمره، نظيره فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [[سورة الحديد: 16.]] ، وَما كُنْتَ ثاوِياً مقيما فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَلكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ يعني أرسلناك رسولا وأنزلنا عليك كتابا فيه هذه الأخبار، فتتلوها عليهم ولولا ذلك لما علمتها ولما أخبرتهم] بما تشاهده، وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا موسى: خذ الكتاب بقوة. قال وهب بن منبه: قال موسى يا رب أرني محمد ﷺ‎؟ قال: إنّك] لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمّته فأسمعتك صوتهم، قال: «بلى يا رب» [131] [[تفسير القرطبي: 13/ 292.]] ، فقال الله سبحانه: يا أمّة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم. وأخبرنا عبد الله بن حامد الأصفهاني، قال أخبرنا محمد بن جعفر المطري، قال: حدّثنا الحماد بن الحسن، قال: حدّثنا أبو بكر، قال: حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن أبي مدرك، عن أبي زرعة يعني ابن عمرو بن جرير وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: قال: يا أمّة محمد قد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وأعطيتكم من قبل أن تسألوني. وأخبرني عبد الله بن حامد الوزان، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن شاذان، قال: حدّثنا جيعويه [[في نسخة أصفهان: صبغويه.]] بن محمد، قال: حدّثنا صالح بن محمد، قال: وأخبرنا عثمان بن أحمد، قال: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم الجبلي، قال: حدّثنا محمد بن الصباح بن عبد السلم، قال: حدّثنا داود أبو سلمان كلاهما، عن سلمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: قال رسول الله ﷺ‎ في قول الله سبحانه: وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا قال: «كتب الله عزّ وجل كتابا قبل أن يخلق الخلق بألفي عام في ورقة آس، ثم وضعها على العرش، ثم نادى: يا أمّة محمد إنّ رحمتي سبقت غضبي، أعطيتكم قبل أن تسألوني، وغفرت لكم قبل أن تستغفروني، من لقيني منكم يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمدا عبدي ورسولي أدخلته الجنّة» [132] [[الدر المنثور: 5/ 129 بتفاوت.]] . وَلكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ قراءة العامة بالنصب على الخبر، تقديره: ولكن رحمناك [[في نسخة أصفهان: رحمنا.]] رحمة، وقرأ عيسى بن عمر رحمةٌ بالرفع يعني (ولكنه رحمة من ربك) إذا أطلعك عليه وعلى الأخبار الغائبة عنك لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ يعني أهل مكة لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ عقوبة ونقمة بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ من الكفر والمعصية فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وجواب لولا محذوف أي لعاجلناهم بالعقوبة، وقيل معناه: لما أرسلناك إليهم رسولا، ولكنا بعثناك إليهم لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [[سورة النساء: 165.]] ، فَلَمَّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا يعني محمد (عليه السلام) قالُوا يعني كفار مكة لَوْلا أُوتِيَ محمد مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى كتابا جملة واحدة. قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا قال الكلبي: وكانت مقالتهم تلك حين بعثوا الرهط منهم إلى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم، فسألوهم عن محمد (عليه السلام) فأخبروهم أنّه نعته وصفته، وأنّه في كتابهم التوراة، فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك ساحران تظاهرا قرأ أهل الكوفة سِحْرانِ بغير ألف وهي قراءة ابن مسعود، وبه قرأ عكرمة، واحتج بقوله: قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما [[سورة القصص: 49.]] وقرأ الآخرون ساحران بالألف، واختاره أبو حاتم وأبو عبيدة، لأن معنى التظاهر بالناس وأفعالهم أشبه منه بالكتب، فمن قرأ سِحْرانِ أراد التوراة والقرآن، ومن قرأ ساحران أراد موسى ومحمدا (عليهما السلام) . وَقالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كافِرُونَ قُلْ لهم يا محمد فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ ولم يأتوا به فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ.

القصص 28:51

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:52

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:53

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:54

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:55

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:56

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:57

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:58

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:59

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:60

وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ ابن عباس ومجاهد: فصّلنا، ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة حتى كأنّهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال أهل المعاني: أي والينا وتابعنا، وأصله من وصل الجبال بعضها إلى بعض، قال الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمّة ... وحبل ضعيف ما يزال يوصّل [[جامع البيان للطبري: 20/ 107.]] وقرأ الحسن وَصَلْنا خفيفة، وقراءة العامة بالتشديد على التكثير لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ أي من قبل محمد (عليه السلام) هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ نزلت في مؤمني أهل الكتاب وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يعني القرآن قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ. أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ لإيمانهم بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر بِما صَبَرُوا على دينهم، قال مجاهد: نزلت في قوم من أهل الكتاب أسلموا فأوذوا وَيَدْرَؤُنَ ويدفعون بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ القبيح من القول أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ أي دين الجاهلين عن الكلبي، وقيل: محاورة الجاهلين، وقيل: لا نريد أن نكون جهالا. إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي من أحببت هدايته، وقيل: من أحببته، نزلت في أبي طالب. حدّثنا أبو محمد الحسن بن أحمد المخلدي- إملاء- قال: أخبرنا أبو حامد أحمد بن محمد بن الحسن الحافظ، قال: حدّثنا عبد الرحمن بن بشر، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد، عن زيد بن كيسان، قال: حدّثني أبو حازم، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ‎ لعمّه: «قل لا إله إلّا الله أشهد لك بها يوم القيامة» [133] [[مسند أحمد: 2/ 434.]] قال: لولا أن تعيّرني نساء قريش يقلن: إنّه حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك، فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [[روي أن الآية نزلت في الحارث بن نعمان بن عبد مناف راجع: شيخ الأبطح 69 ط. بغداد 1349 ونقل عن الواسطي نفي نزولها في أبي طالب وذكر الثعلبي في تفسير سورة التوبة نفي الحسن بن فضل لذلك، راجع تفسير قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا. وروى ابن كثير في تفسيره (3/ 395 مورد الآية) أنها نزلت في رسول قيصر. ومما يؤيد نزولها في الحارث أن الآية التي بعدها اتفقوا على نزولها في الحارث كما ذكر ابن كثير، وراجع تفسير الكشاف 2/ 167 وشيخ الأبطح 69. وروى ابن عساكر في تاريخ دمشق 70/ 244 ط. دار إحياء التراث قول جميلة بنت حرب: ... يا أبا طالب مت على دين الإسلام، قال: فلمّا خفت صوته فلم يبق منه شيء، قال: حرّك شفتيه، فقال العبّاس: فأصغيت إليه، فقال قولا خفيا: لا إله إلّا الله، فقال العبّاس للنبي ﷺ‎: يا ابن أخي قد والله قال أخي الذي سألته. وروي ذلك في الروض الآنف للسهيلي: 1/ 258، وزاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم: 4/ 35، وسيرة ابن إسحاق: 238، والمواهب اللدنية: 1/ 133 وتاريخ الخميس: 1/ 300. ويؤيد ذلك: ما رواه أصحاب التواريخ من قول علي لمعاوية: «ليس أبو طالب كأبي سفيان» وكان ذلك بعد إسلام أبي سفيان فمقتضاه يدل على إسلام أبي طالب. راجع مروج الذهب: 3/ 14، ووقعة صفين: 471 وربيع الأبرار: 3/ 470. وروى السيوطي أيضا في الرسائل العشرة: 84- 25- 140 قول النبي ﷺ‎: «أوحي إليّ: إنّي حرّمت النار على بطن حملك وحجر كفلك» .]] . وأخبرنا عبد الله بن حامد الوزان قال: أخبرنا مكي بن عبدان، قال: حدّثنا محمد بن يحيى وأحمد بن يوسف قالا: حدّثنا عبد الرزاق قال: وأخبرنا محمد بن الحسين، قال: حدّثنا أحمد بن يوسف السلمي، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا أبو سعيد بن حمدون، قال: أخبرنا ابن الشرقي [[في نسخة أصفهان: أبو حامد الشرقي.]] ، قال: حدّثنا محمد بن يحيى، قال: حدّثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، عن النبي ﷺ‎ أنّه دخل على عمّه أبي طالب في مرضه الذي مات فيه وعنده أبو جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية فقال: «يا عمي قل: لا إله إلّا الله كلمة أحاجّ لك بها عند الله» [134] [[سنن النسائي: 4/ 90.]] . فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملّة عبد المطلب؟ فقال: بل على ملّة عبد المطلب [[وقد كانت ملة عبد المطلب التوحيد وعبودية الواحد الأحد، وقيل: بل كان مؤمنا برسول الله ﷺ‎ على ما فصّله السيوطي في رسالة: إحياء آباء النبي، ورسالة إسلام أبوي النبي.]] . فأنزل الله سبحانه إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ. وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أخبرني [[في نسخة أصفهان: أخبرني الحسين بن محمد بن فنجويه.]] ابن فنجويه، قال: حدّثنا عبد الله بن يوسف بن أحمد ابن مالك، قال: حدّثنا محمد بن إبراهيم الطيالسي، قال: حدّثنا الحسين بن علي بن يزيد المدايني، قال: حدّثنا أبي قال: حدّثنا الفضل بن العباس الهاشمي، قال: حدّثنا عبد الوهاب ابن عبد المجيد الثقفي، قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأنصاري، عن الزهري، عن محمد بن [جبير عن] مطعم، عن أبيه قال: لم يستمع أحد الوحي يلقى على رسول الله ﷺ‎ إلّا أبو بكر الصديق، فإنّه أتى إلى النبي ﷺ‎ فوجده يوحى إليه فسمع إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ. وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ الآية نزلت في الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وذلك أنّه قال للنبي (عليه السلام) أنّا لنعلم إنّ الذي تقول حقّ، ولكن يمنعنا اتباعك أنّ العرب تتخطّفنا من أرضنا، لإجماعهم على خلافنا ولا طاقة لنا بهم، فأنزل الله سبحانه وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا مكة. قال الله سبحانه: أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً وذلك أنّ العرب في الجاهلية كان يغير بعضهم على بعض، فيقتل بعضهم بعضا، وأهل مكة آمنون حيث كانوا لحرمة الحرم يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ يجلب ويجمع، قرأ أهل المدينة ويعقوب (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات واختاره أبو حاتم وقرأ غيرهم بالياء كقوله كُلِّ شَيْءٍ واختاره أبو عبيد قال: لأنّه قد حال بين الاسم المؤنث والفعل حائل رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَها، أي أشرت وطغت، فكفرت بربّها، قال عطاء بن رياح: أي عاشوا في البطر والأشر وأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام، وجعل الفعل للقرية وهو في الأصل للأهل، وقد مضت هذه المسألة فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا يعني فلم يعمر منها إلّا أقلها، وأكثرها خراب، قال ابن عباس: لم يسكنها إلّا المسافر ومار الطريق يوما أو ساعة وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ نظيره قوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [[سورة مريم: 40.]] وقوله: وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [[سورة ال عمران: 180.]] . وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى بكفر أهلها حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها يعني مكة رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ كافرون وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَفَلا تَعْقِلُونَ بالياء أبو عمرو، يختلف عنه الباقون بالتاء.

القصص 28:61

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:62

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:63

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:64

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:65

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:66

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:67

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:68

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:69

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:70

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:71

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:72

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:73

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:74

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.

القصص 28:75

أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً يعني الجنة فَهُوَ لاقِيهِ مدركه ومصيبه كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ في النار، نظيره قوله سبحانه: وَلَوْلا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ [[سورة الصافات: 57.]] قال مجاهد: نزلت في النبي (عليه السلام) وفي أبي جهل بن هشام. محمد بن كعب: في حمزة وعلي وفي أبي جهل. السدي: عمار والوليد بن المغيرة. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ في الدنيا أنّهم شركائي قالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ وجب عليهم العذاب وهم الرؤوس عن الكلبي، غيره: الشياطين رَبَّنا هؤُلاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنا أَغْوَيْناهُمْ كَما غَوَيْنا تَبَرَّأْنا إِلَيْكَ منهم ما كانُوا إِيَّانا يَعْبُدُونَ وَقِيلَ لبني آدم الكفار ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذابَ لَوْ أَنَّهُمْ كانُوا يَهْتَدُونَ جواب (لو) مضمر، أي لو كانوا يهتدون لما رأوا العذاب، وقيل معناه: ودّوا إذا رأوا العذاب لو أنّهم كانوا يهتدون. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ ماذا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ فَعَمِيَتْ فخفيت واشتبهت عَلَيْهِمُ الْأَنْباءُ يعني الأخبار والأعذار والحجج يَوْمَئِذٍ لأنّ الله سبحانه قد أعذر إليهم في الدنيا، فلا يكون لهم حجة ولا عذر يوم القيامة فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ لا يجيبون، قتادة: لا يحتجّون، وقيل: يسكتون، لا يسئل بعضهم بعضا، مجاهد: لا يَتَساءَلُونَ بالأنساب كما كانوا يفعلون في الدنيا، نظيره قوله سبحانه: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [[سورة الصافات: 57.]] . فَأَمَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ وهذا جواب لقول الوليد بن المغيرة: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [[سورة الزخرف: 31.]] أخبر الله سبحانه أنّه لا يبعث [[في نسخة أصفهان: لا يرسل.]] الرسل باختيارهم. وهذا من الجواب المفصول، وللقراء في هذه الآية طريقان: أحدهما: أن يمرّ على قوله: وَيَخْتارُ، ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ ويجعل (ما) إثباتا بمعنى الذي، أي ويختار لهم ما هو الأصلح والخير. والثاني: أن يقف على قوله: وَيَخْتارُ ويجعل ما نفيا أي ليس إليهم الاختيار، وهذا القول أصوب وأعجب إليّ كقوله سبحانه: وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ [[سورة الأحزاب: 36.]] ، وأنشدني أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب، قال: أنشدني أبو جعفر محمد بن صالح، قال: أنشدنا حماد بن علي [[في نسخة أصفهان: حماد بن عيسى.]] البكراوي لمحمود بن الحسن الوراق: توكل على الرحمن في كلّ حاجة ... أردت فإنّ الله يقضي ويقدر [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] إذا ما يرد ذو العرش أمرا بعبده ... يصبه وما للعبد ما يتخيّر وقد يهلك الإنسان من وجه؟؟؟؟ حذره ... وينجو بحمد الله من حيث يحذر وأنشدني الحسين بن محمد، قال: أنشدني أبو الفوارس حنيف بن أحمد بن حنيف الطبري: العبد ذو ضجر والربّ ذو قدر ... والدهر ذو دول والرزق مقسوم والخير أجمع فيما اختار خالقنا ... وفي اختيار سواه اللؤم والشوم [[تفسير القرطبي: 13/ 306.]] روى سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، عن النبي ﷺ‎، قال: «إنّ الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي «رضوان الله عليهم أجمعين» فجعلهم خير أصحابي، وفي كلّ أصحابي خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار لي من أمتي أربعة قرون بعد أصحابي: القرون الأول والثاني والثالث تترى والرابع فردي» [135] [[كنز العمال: 13/ 236 ح 36708.]] . أخبرني ابن فنجويه قال: حدّثنا ابن شيبة، قال: حدّثنا جعفر بن أحمد الواسطي، قال: حدّثنا محمد بن عبيد قال: حدّثنا يوسف بن يعقوب السلمي، قال: حدّثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن وهب بن منبه، عن أخيه في قوله: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ قال: اختار من الغنم الضأن ومن الطير الحمام. سُبْحانَ اللَّهِ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ. وَرَبُّكَ يَعْلَمُ ما تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَما يُعْلِنُونَ. وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ دائما لا نهار [[في نسخة أصفهان: لا ليل فيه و ...]] معه. مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا ليل فيه مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ. وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ. وَنَزَعْنا وأخرجنا وأحضرنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكُمْ فَعَلِمُوا حينئذ أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ يعني التوحيد والصدق والحجة البالغة وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.