تفسير ابن عرفة — المائدة 5:1 – الأعراف 7:205
المحتويات
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:11
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:20
- المائدة 5:22
- المائدة 5:30
- المائدة 5:33
- المائدة 5:35
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:49
- المائدة 5:54
- المائدة 5:64
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:71
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:81
- المائدة 5:86
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:99
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:117
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:1
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:205
المائدة 5:1
سُورَةُ الْمَائِدَةِ (العقود)
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الوفاء هو الزيادة على الأمر الواجب، وهو الإتيان بالمطلوب وزيادة، والمراد هنا: الإتيان بالقدر الواجب فقط، والأمر للوجوب فكيف صح التكليف بإيجاب الزيادة عما كان التزمه، وأجيب: بأن ذلك فيما يتعدى [بفي*] فيقال: وفى الكيل ووفى الوزن، وأما حيث يتعدى [بالباء*] فإنما يراد به الإتيان بما كان التزمه فقط، فيقال: وفى بدينه ووفى بعهده، قلت: أو يجاب بأن ذلك وفَّى المشدد فهو المقتضي للزيادة لأجل المبالغة، وأما المخفف فهلا قال: ويدخل في هذا جميع العقود والطلاق إن كان معلقا مثل: إن دخلت الدار فأنت طالق، والوعد؛ لأنه من العقود، وكذلك بيع الخيار.
قال الزمخشري: والعقد العهد الموثق فشبه بعقد الحبل، ونحوه قول الحطيئة:
قَوْمٌ إذا عَقَدوا عَقْداً لَجارِهِمُ؍ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوقَهُ الكَرَبا؍
والعناج: حبل يربط في أسفل الدلو، والكرب: حبل يربط على العرفين وهما عودان مصلبان في فم الدلو.
قوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ).
قيل لابن عرفة: نقل بعضهم عن سيدي الشيخ الفقيه الصالح أبي محمد عبد الله المرجاني كان يقول: هنا فعل الطاعات سبب في تحليل الطيبات، كما أن المعاصي والمخالفات سبب في تحريم المحرمات، قال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) قالوا: فالعقود سبب في تحليل هذه الأشياء، فقال ابن عرفة: إنما يصح هذا لو كان خيرا وليس كذلك، بل هو أمر بالوفاء يحتمل الامتثال وعدمه، وأكثر النَّاس عصاة لَا يمتثلونه، قلت: وذكرته لشيخنا أبي الحسن محمد بن أحمد المطرفي، فقال: إنما سمعت أنا عن المرجاني أنه كان ما نصه قوله (أُحِلَّتْ لَكُمْ) بعد قوله (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) تشديد وتشبيه على عدم المبالاة بالجاني في عقوبته على عدم الوفاء كأنه يقول: أما بهيمة الأنعام حلال لكم تسخرونها كيف شئتم وتعذبونها بالذبح والنحر متى شئتم من غير معصية منها لكم في أمر أو نهي، ولا يسمون بقتلها جائرين، وكل حكم فيها عدل، فإن كان هذا وصفكم مع أملاككم التي ملكناها لكم فكيف وصفنا معكم، وملكنا لهم [بالاختراع*] لَا بالتمليك، و (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فإني لَا أبالي بعقوبة من خان ولا بثواب من أوفى وأنتم لتمام ما
المائدة 5:2
تصنعونه بأملاككم ولا شعورها به قبل وقوعكم، ونحن من صفتنا الكرم حذرناكم من عقابنا قبل وقوعه واسيناكم بجميل [إحساننا*] على قيامكم بأحكامنا مع اتصافنا بالعدل، ولا استحقاق لكم علينا خلقنا من شئنا منكم للخير، وخلقنا من شئنا منكم للشر، وإياكم والعبث علينا في أحكامنا فيكم بها عدل، وإياكم وطلب التعليل وسوء الأدب (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ)، انتهى.
قيل لابن عرفة: كيف هذا التحليل؟ وهل كانت محرمة [أولًا*]؟ فقال إن قلت: إن الأشياء كانت على الحصر فظاهر، وإن قلنا إنها على الأرجح، فالسؤال وارد؛ لأنه لا فائدة فيه، قيل به: وكذلك إن كانت على الحصر؛ لأن هذه السورة مدنية من آخر ما نزل، وقد كانت هذه الأشياء حلال في أول الإسلام، فأجاب بوجهين:
الأول: إشارة إلى ما كانت عليه الجاهلية من تحريم السائبة والوصيلة والبحيرة والحامي، فاقتضت هذه الآية تحليل ذلك كله للمسلمين.
الثاني: في ذكر التحليل ليرتب عليه أشباه هذه الأمور المخرجة منه.
قوله تعالى: (بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ).
جعله الزمخشري من إضافة الأعم من وجه إلى وجه من وجه، مثل: عندي خاتم حديد، وكان بعضهم يقول: الصواب أنه من إضافة الأعم مطلقا إلى الأعم من وجه، والأول أجود من الثاني؛ لأن هذا قليل الوقوع بخلاف الأول.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَحكُمُ مَا يُرِيدُ).
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: هذه الآية دليل على إبطال العمل بالقياس؛ لأن الإرادة من شأنها التفريق بين المتماثلين، والجمع بين المختلفين، وإنما الذكر من خصائصها جواز ذلك لَا لزومه.
قال ابن عرفة مرة أخرى: وانظر هل فيها دليل على أنه لَا يأمر إلا بما أراد؟ وأجيب: بأن المعنى أن الله يحكم ما يريد الحكم به لَا ما يريده في نفسه.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: إن قلت: لم كرر النداء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) وهلا اكتفى بالأول فيقال: [ولا تحلوا شعائر الله*]؟ فالجواب: أنه إذا قلت: قام زيد وعمرو توهم تبعية أحد الرجلين للآخر في القيام، فإذا أردت نفي هذا التوهم، قلت: قام زيد وعمرو فأفاد استقلال كل واحد منهما بالفعل، واستغنائه به عن صاحبه من غير تبعية، فكرر النداء هنا اعتناء بهذا الحكم وتعظيما له.
قوله تعالى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ).
ابن عرفة: إما أن يريد لَا تجعلوها حلالا، أو يريد لَا تفعلوا فيها ما يفعل في الحلال، فالأول يتناول من يفعلها مستحلا لها معتقدا لحليتها فهو كافر، والثاني يتناول عصاة المؤمنين، وفي مثله قال الشيوخ في قول مالك -رحمه الله- في المدونة في كتاب الفرائض: ولا أحب معارضة من يستحل الحرام أو من لَا يعرف الحلال من الحرام، قالوا: معناه من يفعل الحرام كونه حلال مثل سائر العصاة؛ لأنه يعتقد أنه حلال فإن ذلك كافر.
ابن عرفة: قالوا: وهل في الآية اللف والنشر أم لَا على مذهب السكاكي ففيها النشر واللف بالانتقال عن الخطاب المعنوي (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى الغيبة، بقوله (شَعَائِرَ اللَّهِ)، ولم يقل: شعائرنا، وإما على مذهب غيره فليس بلف ولا نشر، ووجه اللف والنشر فيها أن اسم الجلالة فيه تعظيم للشعائر وتفخيم لها بخلاف ما لو قال. شعائرنا.
قوله تعالى: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ).
قال ابن عرفة: اختلفوا فيمن حلف أنه يصوم الأشهر الحرم، فقيل: تجزئة صومها من عام واحد، وقيل: لَا يصومها إلا من عامين عملا بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع: "السنة اثنا عشر شهرا أربعة حرم: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، ورجب" انظر فبدأ بذي القعدة فدل على اعتبار كونها في سنتين.
قوله تعالى: (وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ).
إن أريد بالهدْي العموم؛ لأن منه ما يقلد وما لَا يقلد، فالإبل والبقر تقلد بلا خلاف، والغنم عندنا لَا تقلد، وعند غيرنا تقلد فيكون من عطف الخاص على العام، وقيل: (الْقَلَائِدَ) ما يتقلد من الثياب من خرج من الحل برسم الحاج علامة على إحرامه، وقيل: ما يتقلد به من خرج من الحرم في حوائجه من ثياب الحرم.
ابن عرفة: فإن قلت: كيف يتقلد بثياب الحرم وقد قال في الحديث في مكة: أنها حرام لَا يعضد شجرها ولا ينفر صيدها؟، فالجواب: أنه يتقلد بما نبت فيه من الريح لا بما ينبت بنفسه.
قوله تعالى: (وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ).
ابن عرفة: الألف واللام للعهد للبيت هو إما عهد سابق في الزمن، أو عهد معلوم بالسياق، وسميت حراما إما لحرمة بانيها، أو تعظيمه إياها، وإما لأنها في الحرم مع أن الحرم إنما سمي حرما لأجلها، قال: وعظم البيت هنا محصل قصد الحاج، وقال في الحديث: معظم "الحج عرفة" وهذه الآية اقتضت أن معظمه البيت الحرام، فأجاب بوجهين وباعتبارين: معرفة معظم الحج من ناحية أن له زمنا معينا يفوت بفواته، والبيت معظمه لأجل الطواف به دائما، [ولأجل أن من مرض في الحج يؤجله إلى أن يبرأ*]، ولأجل أنه يقصد في الحج والعمرة، فله عبادتان بخلاف عرفة.
قوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا).
وقال في سورة الفتح (تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا) وأجاب ابن عرفة: بأن تلك في الصحابة، وكانت عبادتهم لله تعالى لذاته ومجرد جلاله وعظمته، وهذه الآية خاصة في المؤمنين وعبادتهم في الأكثر إنما هي للثواب والنجاة من العقاب، فعبادتهم لابتغاء الفضل والرحمة من ربهم فناسب لفظ الرب، قال أبو حيان: و (يَبتَغُونَ) صفة لـ (آمِّينَ)، (البَيتَ) مفعول به، فأورد أن اسم الفاعل إذا وصف لَا يعمل، وأجيب بأن ذلك إذا وصف قبل العمل، وهنا إنما وصف بعد العمل.
ابن عرفة: وقال بعضهم: إذا وصفه بعد العمل يتم عمله فيما قبل، ولا يصح عمله بعد ذلك في شيء آخر، قال أبو حيان: [**فرده المختصر مذهب الكسائي]. ابن عرفة: وله أن يجيب بأن يكون مراده أن يكون بالاختيار المختار فيفيد المذهب المختار، كذا فلا ينافي أن يكون ثم مذهب آخر غير مختار وهو مذهب الكسائي، أي وليس مراده أن اختيار النَّاس الكل في المسألة كذا.
قوله تعالى: (وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ) ابن عرفة: قال بعضهم: الشنآن هو المباينة الناشئة عن العداوة والبغضاء، والصواب أن اتصافه للفاعل بغض قوم إياكم؛ لأن المراد بغضكم قوم.
قوله تعالى: (أَنْ صَدُّوكُمْ).
قرئ بفتح أن وكسرها، قال بعضهم: أن بمعنى إذا.
قوله تعالى: (أَنْ تَعْتَدُوا).
والاعتداء إن فعل بمن ظلمه أكثر مما فعل هو به وهذا خلاف قول مالك. لأنه حمل قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك"؟ فقال: لَا يجوز لمن ظلمك بأخذك عشرة دنانير أن تأخذ أنت له عشرة دنانير فأخذ بظاهر الحديث، وقال غيره: الخيانة هي أخذه أكثر من ذلك، قيل له: فقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) فقال: ذلك على سبيل المقابلة، والاعتداء إنما هو التجاوز والزيادة على فعل المعتدي.
قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى).
قال ابن عرفة: قال بعضهم: البر هو الحكم بامتثال المأمورات، والتقوى راجعة إلى اجتناب المنهيات.
قيل لابن عرفة: هذا يقوم مقام (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، فأجاب بعضهم بأنه بناء على القول بأن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده.
المائدة 5:3
وقال ابن عرفة: الإيضاح إلى هذا، وإنما الجواب أنه لَا يلزم من التعاون على البر والتقوى بترك التعاون على الإثم والعدوان، لأنا نجد بعض المرابطين يطيع في شيء ويعصي في شيء، فقد [يتعاونون*] على البر والتقوى، وعلى الإثم والعدوان.
قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾
قال ابن عرفة: هذا إما خبر، أو إنشاء، فإن أريد الحكم بثبوت ذلك في الأزلي فهو خبر، وإن أريد التكليف بتحريم ذلك فهو إنشاء، وقدمت (الْمَيْتَةُ) إما لكونها كانت محرمة عندهم وكانوا يجتنبونها.
قوله تعالى: (وَالدَّمُ).
يتناول المسفوح وغيره، فيتعارض المفهوم والعموم، وجعله ابن عرفة من تعارض المطلق والمقيد لكن الصحيح الأول؛ لأنه لو كان كذلك لاتفق على جواز الدم غير المسفوح، إذ لَا خلاف في رد المطلق إلى المقيد وهو هنا مختلف فيه فيرجع إلى المسألة المختلف فيها وهي تعارض المفهوم، فقلت: وقال ابن عرفة مرة أخرى: إن القاضي ابن [... ] جعله من تعارض الخاص والعام؛ لأن الدم هنا عام وفى العام خاص، ورده ابن عرفة، لأنه من تعارض العموم والمفهوم؛ لأن قوله (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) يدل بمفهوم الصفة على تحليل الدم غير المسفوح، قلت: وأجاب شيخنا أبو العباس أحمد بن إدريس بأن (مُحَرَّمًا)، من قوله تعالى: (قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ) نكرة في سياق النفي فهو عام، فيدل على أن جميع الأشياء حلال أخرج منها الدم المسفوح وبقي غير المسفوح حلالا بالنص لَا بالمفهوم لتعارض الخاص والعام، وردَّ ابن عرفة بأن هذا أيضا من باب دلالة المفهوم، وقد ذكر الأصوليون مفهوم الحصر، وهو عندهم أقوى من مفهوم الصفة، قال: وأيضا فينعكس الأمر في هذا؛ لأن دعواكم لَا أجد مقتضى تحليل كل فيبقى إلا ما استثني منه، وقوله ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) يقتضي تحريم مفهوم الدم فتكون هذه الآية أخص من آية الأنعام فيلزم تحريم الدم كله، وهو خلاف مطلوبنا ومطلوبكم. قوله تعالى: (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) قال ابن عرفة: شحمه محرم بالنص؛ لأن مالكا قال فيمن حلف ألا يأكل الشحم فإن أكله حنث، وإن حلف لَا يأكل الشحم فله أن يأكل الشحم ولا يحنث، قال: وهل يدخل فيه خنزير الماء أو لَا، فقال مالك: أنتم تسمونه خنزيرا، فقيل: كره التسمية، وقيل: حرمه لأجل التسمية، قال بعضهم: وسبب توقف مالك فيه تعارض عمومين:
أحدهما: قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُم صَيدُ الْبَحرِ وَطَعَامُهُ) [فلما*] استثنى خنزيرا أولا، وقال هنا (وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ) فعم خنزير البر والبحر.
قوله تعالى: (وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ).
قيل لابن عرفة: هذه البقر تذبح في الفتن بين النَّاس، فقال: يجوز أكلها، وكذلك ما يذبح للجار، وأشار بعضهم إلى أن ابن رشد ذكره أظنه في الأسئلة، قيل: فما يذبح في المباهاة والافتخار ويكثرون منه كما يفعل أبو الفرزدق. لأن المؤرخين قالوا: إن غالبا أبا الفرزدق قد عاقر شحما من وسل الرياح فحضر الرياحي بعض إبله، ثم رفع يده، ولم يزل غالب الفرزدق ينحر إبله حتى أتى على آخرها ففضل بذلك على شحم، والفرزدق يكثر الفخر بهذا.
قيل لابن عرفة: قد قال المؤرخون إن عليا بن أبي طالب -رضي الله عنه- نهى عن الأكل من تلك الإبل.
قال ابن عرفة: ويؤكل ما يذبح؛ لأنهم يقصدون ذبحه، لو لم يقصدوه لاكتفوا بشق بطنه وخنقه. قوله تعالى: (وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ) إن كان الأول فيما نفذت مقاتلته فقط فالاستثناء متصل، ويكون المراد أَن ما نفذت مقالته محكوم له بحكم الميت فلا يعتبر، فإنما استثني من غير منفوذ القاتل.
قوله تعالى: (وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ).
قال: كانت الأزلام ثلاث قداح في أحدها افعل، وفي الآخر لا تفعل، والثالث [مهمل*]، وقيل: سبعة منها أحكام [العرب*] وما يدور بين النَّاس من النوازل، وقيل: عشرة، سبعة منها خطوط لها [بعددها حظوظ*] يستقسمون بها [طلبا [للكسب والمغامرة] وثلاثة أفعال.
قوله تعالى: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ).
قال ابن عرفة: اليوم هنا محتمل لثلاثة معان، فالنحاة يريدون به زمن الحال الفاصل بين الماضي والمستقبل، ويحتجون بقول زهير:
وأَعْلَمُ مَا في اليَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَهُ؍ وَلَكِنَّني عَنْ عِلمِ ما في غَدٍ عَمِ؍
والمفسرون هنا حملوه على وجهين: إما النهار الفاصل بين أمس وغد، وإما زمن الحال أو ما قرب منه ماضيا كان أو مستقبلا، وهذا يتم هذا، وأما في قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) فيتعين حمله على الزمن المتطاول الذي وقع ودام.
قوله تعالى: (وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).
إما تأكيدا للأول، وإما مغايرا له، والمغايرة بينهما من وجهين:
أحدهما: أنه ذكر إشعارا يكون إكمال الدين مجرد نعمة وتفضل من الله تعالى بمنه، رد على من يقول بوجوب مراعاة الأصلح للعبد.
الثاني: أن الأول راجع للأمور الأخروية الدينية، وهذا راجع بأمور الدنيا باعتبار الفتوحات والنصرة على الأعداء وأخذ الغنائم.
قوله تعالى: (وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا).
المائدة 5:4
ابن عرفة: الرضا إما راجع للإرادة القديمة الأزلية، أو لصفة الفعل باعتبار الإبراز من العدم إلى الوجود، وقيل له: فقوله تعالى: (وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ)؛ فقال: المراد لَا يرضاه حكما شرعيا بل يرضاه في الأزل تعالى أن يكون في ملكه ما لَا يريد.
قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ).
أي غير مائل لعذر من الأعذار ليس له، ابن عطية: وقرئ غير [متجنف] (١) وهي أبلغ في المعنى؛ لأن تشديد [العين] (٢) تقتضي توغلا في المعنى ومبالغة وثبوت الحكمة.
ابن عرفة: العكس هنا أولى؛ لأن مجانف منفي، ونفي الأعم أخص من نفي الأخص، ونقل عنه السفاقسي وسكت عنه، والعجب منه كيف لم يتعقبه على علمه بالأصول أوأما أبو حيان فلم تكن له مشاركة في الأصول.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾
قال ابن عرفة: الاستثناء في القرآن باعتبار الاستقراء هو استعلام حكم ما فيه خصومة، والسؤال استعلام حكم ما ليس فيه خصومة، واستشهد بقوله تعالى: [(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) *].
قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ).
رجح ابن عطية أن المراد بها الحلال سواء كان مستلذا أو لا.
ابن عرفة: فيه نظر لاقتضائه أن المعنى أحل لكم الحلال فهو تحصيل الحاصل.
قوله تعالى: (مُكَلِّبِينَ).
الزمخشري: فالمعنى في تعليم الكلاب الغاية، قال بعض الطلبة: يلزم عليه المفهوم وهو أنه في التعليم لَا يصح الاصطياد بكلبه، وأجاب ابن عرفة: بأن بلوغ الغاية إنما يشترط في التعليم لَا في حكم الصيد بالكلب المعلم.
قوله تعالى: (تُعَلِّمُونَهُنَّ).
أعاد ضمير الجماعة على الجمع الذي للكثرة، فهلا قيل: تعلمونها، كما قال (مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) ابن عرفة: تقدم لنا الجواب بأنه إشارة إلى أن التعليم لَا يمكن مع الكثرة، وإنَّمَا يمكن مع قلة الكلاب، أبو حيان: (مُكَلِّبِينَ)
(١) بالمطبوع: (مجتنف). والتصويب من تفسير ابن عطية، وهو الذي يقتضيه المعنى، فإن مجتنف لا تشديد فيها
(٢) بالمطبوع: (الغين). وهو خطأ ظاهر، فإن (متجنف) لا (غين) فيها. والتصويب من تفسير ابن عطية، والمراد (عين الكلمة) أي الحرف الثاني من (فعل) حال، (تُعَلِّمُونَهُنَّ) حال ثانية، ومنعه أبو البقاء؛ لأن العامل واحد لَا يعمل في عملين حالين.
السفاقسي: والصحيح جوازه، ومنعه أبو حيان، ولا يحسن أن يجعل حالا من الجوارح للفصل بينهما، (مُكَلِّبِينَ) وهي حال بغير الجوارح، وتعقبه السفاقسي بأن ابن عصفور أجاز تعدد الحال وتعددها جهة، ومثله بقولك: لقي زيد عَمراً مصعدا منحدرا، وأجازه ابن مالك إذا كان أول الحالين لثاني الاسمين لبقائه الفصل إلا أن يمنع مانع من جعل الأول للثاني ويؤمن اللبس فيجوز، كقول امرئ القيس:
[خَرَجْتُ بها أَمشي تَجُرُّ وَرَاءَنا؍ على أثَرَينا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ*]؍
فتمشي أول الحالين وليس لما يليه نظير هذا.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل تجر وجهين آخرين:
أحدهما: أن يكون حالا من فاعل خرجت، ومن الضمير فيها، ويحتمل أن يكون حالا من أعلم من لم يبلغ الغاية في التعظيم فاعل خرجت أصل، والرابط بينهما الضمير في قوله: ورافعا. لأنه معمول لتجر فهو من تمامه، كأنه قال: خرجت بها جارة وراءنا، كقولك: قمت وزيد مكرم أخانا، أي حالة إكرام زيد أخانا.
قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ).
قال الفخر: الأمر إما للوجوب أو للندب.
ابن عرفة: تقدير كونه للوجوب أن يراد مطلق الامتناع لَا خصوصية الأكل؛ لأن تركه بعد اصطياده من باب إضاعة المال.
قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ).
إما عند إرسال الجوارح لاصطياده، أو عند ذبحه إن أدركه حيا، أو عند الأكل منه.
قوله تعالى: (سَرِيعُ الْحِسَابِ).
المائدة 5:5
سرعته، إما قرب زمنه، أو قصر مدته وقلة [مكثه*].
قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.. تأكيد، قوله تعالى: (وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ) أخدُ من هنا ابن العربي جواز أكل المسلم من الدجاجة التي فك النصراني عنقها إذا طبخها لنفسه، وأطعمه منها لأنها من طعامه.
ورده ابن عرفة: بأنه ليس من طعامهم الفعلي الوجودي بل طعامهم الذي أباحه شرعهم لهم، وهو إذا في شرعهم محرم عليهم.
قوله تعالى: (وَطَعَامُكُم حِلٌّ لَهُم) قال ابن الحارث: وأما الكافر الكتابي البالغ المميز الذي لَا يستحل الميتة فإذا ذبح لنفسه ما يستحله فهو كالأولى وما لَا يستحله إن ثبت بشرع عليهم كذي الطير والمشهور التحريم.
ابن عرفة: والشاذ قول ابن لبابة إنه جائز، وأخذه من الآية أنه من طعامنا وطعامنا حل لهم، وكل ما هو حلال لهم حلال لنا فينتج جواز أكلنا منه.
قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ).
قال ابن عطية: الإحصان يطلق على أربعة معان: منها العفاف، والإسلام، والتزويج، والحرية، ويمتنع حمل الآية على الإسلام والتزويج، وتبقى محتملة للعفاف والحرية.
ابن عرفة: فإن أريد العفاف يخرج من الآية جواز نكاح الأمة العفيفة، قيل له: إذا أريد به الإسلام يلزم التكرار، فإن معناه: والمسلمات من المؤمنات، فقال: من لبيان الجنس احترازا من المنافقين؛ لأن الإسلام راجع لأمور الطهارة والإيمان اعتقاد قلبي.
قوله تعالى: (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله (مِنْ قَبْلِكُمْ)؟ فقال: أفاد الإشعار بأنهن كن في الكتب السالفة حلالا لنا لئلا يتوهم أنهن كن محرمات علينا ثم نسخ ذلك بهذه الآية. ابن عرفة: قول ابن عطية يمتنع أن يراد المتزوجات؛ لأن ذات الزوج حرام، إن قلت: المسبية ومعها زوجها حلال، قلت: إن كانت ذمية فليست حلالا تملك اليمين، والآية إنما هي في تزويج المحصنات.
قوله تعالى: (إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ).
ابن عرفة: الصداق هل هو واجب بالعقد أو شرط في الدخول؟ قيل له: قد قال ابن رشد: إنه يحله وليس بعوض عن البضع؛ لأن المرأة تنال من الرجل مثلما ينال هو منها، فقال: قد قال مالك: النكاح أشبه شيء بالبيوع، وكذلك إذا أصدقها طعاما لم يحل لها بيعه قبل قبضه، قال: والصداق هل هو واجب بالعقد أو بالدخول؟ قال: والتحاكم في هذا إلى معنى الحلال هو قبل هو التحليل بالفعل، وبالقابلية والإمكان، ومثاله: أن من عقد على امرأة يقال له هي حلال، وإن لم يعقد عليها وكانت أجنبية عنه، يقال له: هي حلال لك، وإن رضع معها، يقال له: ليست حلالا لك أي بالقوة والقابلية، والأولان حلال بالفعل.
وقوله تعالى: (أُجُورَهُنَّ).
[دليل على أن الصداق لَا حد لأقلِّه*]، وقوله تعالى: [(مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي مسلمين غير زانين بزنا ظاهر، (وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) أي غير زانين بزنا خفي*]، [والخِدْن هي الزانية برجل تقتضم عليه، ويقتضم هو عليها].
قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ) أي ومن كفر بفروع الإيمان فهو المناسب لما قبله.
قوله تعالى: (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).
جرى مجرى التغليظ والتشديد في العبادة، والمراد بذلك زوال الثواب الذي كان قابلا لأن يحصل له إذا حصل هذه الأمور ولاسيما على مذهبنا أن النكاح مندوب إليه، فهو لما حصل في الإسلام وهيئت له أسباب هذا الثواب بذكرها والأمر بها، فكأنه فعلها وكأنها حاصلة ثابتة، فأشبه قوله تعالى: (يُخرِجُهُمْ مِنَ الظلُمَاتِ إِلَى النورِ) ولم يكونوا في النور [قط*].
المائدة 5:6
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾
ابن عرفة: فيها دليل على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، قال: ومعناه إذا أردتم القيام إلى الصلاة وهذا هو دلالة اللفظ بنحو الخطاب، وعلى هذا فالمراد بالقيام إليها نفس فعلها لَا التهيؤ لها فإن أريد التهيؤ لها لم يحتج إلى إضمار أردتم، وقيل: إذا قمتم محدثين، وقل: من النوم فيدل على تناول ذلك الأمر للحدث من باب أحرى.
قال ابن عطية: وهذه الآية سبب في التيمم، ورده ابن عرفة: باحتمال أن يكون ما بعث أبي بكر لعائشة وضربه لها، وقوله لها: أقمت بالنبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - على غير ماء وليس عندم ماء لأجل الشرب ولأجل الوضوء، فقد يكون عندهم ماء يسير جدا.
قيل لابن عرفة: قول فَقَالَ أُسَيْدِ بْنُ الحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ بعد نزول هذه الآية، دليل على أن السبب كان لأجل للتيمم.
قوله تعالى: (بِرُءُوسِكُمْ).
قال ابن جني - أنكر نحاة [أَكْثَرُ النُّحَاةِ يُنْكِرُونَ أن تكون*] (١) الباء للتبعيض، فإن قيل: ما معناها، إذا قلنا [هي للاستعانة*] الداخلة على الأدلة دخلت على الأيدي؟؛ ثم حذفت الأيدي وبقيت الباء دليلا على المحذوف فاتصلت بالمفعول، والتقدير: امسحوا بأيديكم رءوسكم، وقال بعضهم: الرأس الحد والممسوح الأيدي، وإنما يجب مسح قليل الأيدي بالرأس، وهو بعيد؛ لأنه يلزم عليه أن يكون في اليد فرضان الغسل والمسح، ويلزم أيضا الأيدي بعد الرأس من الفروض، وهو لدلالة لَا يقيد التصرف بها فرضا مستقلا.
قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)،
قال ابن عطية: الجنب مأخوذ من الجنب؛ لأنه [يمس*] جنبه جنب امرأته في
(١) تم جبر هذا السقط، والخطأ في العبارة، من (البحر المحيط. ٤/ ١٩٠).
المائدة 5:7
الأغلب، ومن المجاورة والقرب، قال تعالى (وَالْجَارِ الْجُنُبِ)، ويحتمل أن يكون الجنب من البعد، ومنه [تجنب*] الشيَء إذا بعدت عنه، ورجح ابن عرفة هنا؛ لأنه يعم المحتلم والحائض والنفساء لإجماع العلماء على دخول الحائض في هذه الآية، فلو فسرناه بالقرب للزم فيه التخصيص، ولم يتناول شيئا من هذا، ابن عطية: ولذلك [رأى*] عمر بن للخطاب [وابن مسعود*]: أن الجنب لا يتيمم ألبتَّة [بل يدع*] (١) الصلاة حتى يجد الماء، قلنا: ومثله التلمساني في شرح الجلاب عن القاضي إسماعيل في كتاب الأحكام، ولم أره في كتب الفقه (أَوْ عَلَى سَفَرٍ) ولم يقل: أو مسافرين ليتناول من شرع في السفر ولم يبلغ مسافة السفر فإنه يقصر ويتيمم.
قوله تعالى: (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ).
قال ابن رشد. الملامسة إنما تكون عن قصد؟ فلذلك يقال: تماس الحجران، ولا يقال: تلامس الحجران.
ورده ابن عرفة بأن ذلك هو القصد إلى اللمس، وكلامنا هنا إلى القصد في اللذة فهو المشروط في الملامسة،
قوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً).
[مَن في يديه نجاسة] (٢)، وعنده من الماء ما يكفيه لوضوئه أو لغسل النجاسة أنه لَا يجزئه التيمم؛ بل يتوضأ به.
قيل لابن عرفة، لما كانت النجاسة في يديه استحقت ذلك الماء، فكأنه [فاقد*] للماء، فقال: ينبغي له أن لَا يتيمم حتى يغسل بذلك [الماء*] (٣)؛ ليكون حينئذ المتيمم [فاقدا*] (٤) للماء، وأما أن يتيمم قبل غسلها، ففيه نظر.
قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ)
فيها دليل على إباحة التيمم للحاضر إذا خاف على نفسه من مس الماء من برد ونحوه؛ لأن فيه حرجا ومشقة.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
ابن عرفة: أفرد النعمة وهي نعم متفاوتة.
(١) تم جبر هذا السقط من (المحرر الوجيز. ٢/ ١٦٤).
(٢) تم حذف هذه العبارة [يوجد أن] ليستقيم المعنى. والله أعلم. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).
(٣) تم جبر السقط باجتهادٍ مني، وأسأل الله تعالى الصواب. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).
(٤) تم جبر السقط باجتهادٍ مني، وأسأل الله تعالى الصواب. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).
المائدة 5:8
(وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) فيه دليل على أن التيمم [يرفع الحدث*] على ما فسرناه من أن المراد [من*] التيمم زوال المانع [... ].
قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ).
ابن عرفة: أفرد النعمة وهي نعم متعددة؛ لعجز البعض عن الشكر على النعم بل عن النعمة الواحدة، فلا يستطيع أحد أن يؤدي الشكر على نعمه المتعددة، فالتكليف بالشكر على النعم تكليف بالمحال المتعذر عادة، أو المعنى المشتق.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ).
على حذف مضاف تقديره: اتقوا عذاب الله، واتقوا حال ميثاق الله، أو نقض ميثاق الله، فإن قلت: ذكر النعمة مناسب لما سبق، من قوله تعالى: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ) فما مناسبته الميثاق، قلنا: إنما ذكره تنبيها للعبد أن يستحضر ما أخذه عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من التكاليف الشرعية أمرا ونهيا فيعمل بمقتضاها.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
ولم يقل: إن الله عالم، إما لكون هذا المعلوم فيما اختص به ولم يشاركه فيه أحد غيره، أو لعموم علمه وخصوص علمنا نحن.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٨)﴾
قال ابن عرفة: وقال في النساء (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ)، وأجيب بأن هذه الآية المتقدم حقوق الله عز وجل، وهي اذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه، والأمر بالتقوى، فناسب تقديم اسم الله تعالى، وهناك المتقدمات حقوق للآدميين كقوله تعالى: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا)، وقوله سبحانه وتعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ) فناسب البداية بالقسط.
قال ابن عرفة: وتقدمنا نحن الجواب في ميعادنا أن هذه السلام بأن ابن التلمساني ذكر في شرح المعالم الدينية لما تكلم على النظر أن العلل أربعة: أحدها: العلة المادية، والعلة العادية، فالعلة المادية يعلل بها الأمر المحسوس الظاهر، والعادية يعلل بها الأمر المعنوي، فالمادية يخاطب بها العوام، والعادية يخاطب بها الخواص وهذه هنا علة عادية، وهي أن يكون عدلهم لله؛ لأنها راجعة للنية، والنية أمر اعتقادي معنوي، فإن كانت هذه الآية نزلت بعد آية النساء فظاهر، وتقول: هي حينئذ خطاب للخواص، وإن كانت نزلت قبلها فيحتمل أن يكون الحاضرون حينئذ علماء فنزلت خطابا لهم، وأما تلك فهي خطاب للعوام بأن يكون حكمهم بالقسط فيبدأ فيها بالعلة المادية.
قوله تعالى: (هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
ابن عرفة: أقرب هنا بمعنى قريب بأنه لَا مشاركة بين العدل والجور في القرب للتقوى بوجهه ويؤخذ من الآية إذا تعارضت صفتان فترجح التي هي أعدل.
قوله تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وقال مثله (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) هل هما بمعنى واحد أو بمعنيين.
قال ابن عرفة: وتقدم لنا أنهما بمعنيين، فالأولى راجعة إلى علمه بالأمر الحالي، وهذه راجعة إلى علمه بالأمر الماضي؛ لأن خبيرا مشتق من الخبر، والخبر في الغالب إنما يكون عن الماضي لَا عن المستقبل بدليل إذا نظرنا ما سمع أحدنا من الأخبار فنجد أكثرنا يسمع منها المخبر عن ما مضى وخبر المستقبل يدل بالنسبة إلى الماضي، قيل له: ويتناول هذا المستقبل، لقوله (تَعْمَلُونَ) فقال: المستقبل إذا قدرنا وقوعه بما مضى منه وانقطع خبره وما بقي دائما حاليا فهو عام، قال ابن عرفة: وهذه الآية أبلغ من جهة أن مادة الخبر تقتضي الماضي، وقوله (بِمَا تَعْمَلُونَ) فمستقبل، فهو يتناول الماضي والمستقبل.
وقوله تعالى: (عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
إنما يتناول الحال فقط لكنه أبلغ من جهة تعلقه بالمعنى وهو ما في الصدور، وخبير بما تعملون إنما يتعلق بالأعمال المحسوسة الظاهرة، قيل لابن عرفة: قد قال الفخر: أن النية عمل واستثناء، من قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم "إنما الأعمال بالنيات".
المائدة 5:9
قال ابن عرفة: والخبر عند المحدثين والأصوليين مخالف للخبر عند النحويين [... ].
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
ابن عرفة: اختلفوا في الوعد على ثلاثة أقوال، فقيل: الوعد أعم يطلق على الخير والشر، وقيل: الإيعاد أعم والصحيح أن الوعد في الخير، والإيعاد في الشر.
قوله تعالى: (مَغفِرَةٌ).
ابن عرفة: فيه إشارة إلى أن وجود السيئات لَا تنافي ثبوت الحسنات، قيل له: إنما خالف المعتزلة في الكبائر، فقد يقال: أن المغفرة راجعة للصغائر، فقال: ألم أقل أن فيها حجة على المخالف وإبطالا لمذهبه، وإنما قلت: أنها دالة على أن مطلق السيئات لَا تنافي وجود الحسنات، ابن عرفة: فإِن قلت: لم قال (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) ولم يقل: مغفرة عظيمة؟ قال: فعادتهم يجيبون بأن ذلك إشارة إلى الحضّ على تكثير الأعمال الصالحة وتقليل السيئات، لأن كثرة الأجر والثواب يشعر بكثرة الحسنة، وتقليل المغفرة يشعر بقلة سبب متعلقها، ولو قيل: مغفرة عظيمة لأوهم كثرة الذنب المغفور بها.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾.. لما قال: (وَكَذَّبُوا)؛ لأن الكافر على قسمين: جاهل بالآيات، وكافر كفر بعد وضوح الآيات والمعجزات الدالة على صدق الرسول، كما أن العاصي في التعامل بالربا وأكل مال الغير على قسمين: فواحد يعلم أنه حرام ويقدم عليه، وآخر يجهل ذلك.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)
الإشارة بلفظ الخبر للتعظيم في بابه.
قيل لابن عرفة: احتج بعضهم على المعتزلة في أن اسم الإشارة يقتضي الحصر، فدل على أن العاصي غير محله في النار؛ لأن المبتدأ منحصر في الخبر، فرده ابن عرفة بأن الخبر منها أعم من المبتدأ، ولفظ [الصحبة*] الصحيح عند المحدثين أنه لَا يصدق على من لازم صاحبه منهم أصحاب الجحيم الملازمين له فلا ينافي أن يكون غيرهم يدخل الجحيم ولا يدوم مكانه فيه.
المائدة 5:11
قال ابن عرفة: وفي الآية حذف التقابل؛ لأنه ذكر في قسم المؤمنين الحكم بثواب عملهم، ولم يذكر ما به يقع الثواب، وذكر في قسم الكافرين ما به يقع العذاب، ولم يذكر الحكم بتعذيبهم فالتقدير: لهم مغفرة وأجر عظيم وهم أصحاب الجنة، والتقدير في الثاني: لهم عذاب أليم وهم أصحاب الجحيم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ(١١)﴾
قدم هنا المجرور على المفعول به، ثم قال (فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ) فقدم المفعول به على المجرور، فالجواب أن الآية خرجت مخرج التسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والامتنان على المؤمنين بأن الله تعالى لم يخذلهم ولم يمكن عدوهم منهم، وذكر مها جملتان: أحدهما محكية عن الكفار وهي مثبتة، فكان الأعم فيها تقديم الممنوع لَا تقديم الممنوع منه.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
ابن عرفة: قالوا: وقعت قضية بني إسرائيل في القرآن مكررة مرتين وثلاثة، لوجهين:
أحدهما: أنهم أهل كتاب فهم علماء وغيرهم بالنسبة إليهم عوام فكرر خطابهم؛ لأن خطاب العلماء يدخل في ضمنه العوام، قلت: واجتنابهم لأجل علمهم.
الثاني: إذا علم من خالفهم أنه يعلم صحة دعواه أوقع ذلك في نفسه انفعالا وتأثرا وتأسفا وحزنا بخلاف إذا لم يعلم منه ذلك وجهله وهؤلاء علماء وكتابهم أشمل على صحة رسالة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومخالفتهم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنصارى كانوا ببلد بعيد عنه. توقع في نفسه حزنا وتأسفا، فجاءت الآية تسلية له، فإن قلت: هلا خوطب بها النصارى؛ لأنهم أهل كتاب أيضا، قلنا: اليهود أقرب لمحل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والنصارى كانوا ببلد بعيد عنه.
قوله تعالى: (مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
أضيف الميثاق هنا إلى من هو عليه، وقال قبله (اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ) فأضاف الميثاق إلى من هو له. قوله تعالى: (وَبَعَثْنَا).
التفات وانتقال من الغيبة إلى المتكلم، وقوله تعالى: (وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا) قال ابن عطية: النقيب هو كبير القوم القائم بأمورهم، وقيل: هو الموالي عليهم، وقيل: هو الوالي عليهم من تحت السلطان الأعظم.
ابن عرفة: وحكى لنا القاضي ابن عبد السلام أن الفقيه أبا القاسم ابن السيرافي لما ولي القضاء والتدريس على مدرسة الشماعين ودخلها جعل يسأل عن مجليها وألقابها، فقيل له: فيها الإمام، فقال الطلبة كلهم عدول من حضر منهم يوم قيل له وفيها الوفاد، قال: لَا حاجة إليه من أتى يشعل الفتيلة يشعل القنديل، قيل له: وفيها النقيب، فقال: إنما كانت النقباء في بني إسرائيل فهذا إسراف في الحبس، فأنكر ذلك عليه الطلبة وردوه بكلام ابن عطية هنا.
قوله تعالى: (وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ).
أي بعلمه وإحاطته وقدرته، وهذا وقع في القرآن في ثلاث آيات: إحداها هذه، والثانية: قوله تعالى في (طه) لموسى وهارون (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى)، والثالثة: في المجادلة (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) إلى قوله تعالى: (هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) هي في الآيتين الأولتين معية حفظ ونصر، وفي المجادلة معية إحاطة واطلاع على أعمالهم ليجازيهم عليها.
ابن عرفة: واعتمد بعض النَّاس [ممن*] عليه حلية الفقراء، أن المعية بعلمه وذاته المنزهة عن [... ]، فأنكرت عليه التصريح بذلك للعوام، وإن كان صحيحا في نفسه، ومثلت له ذلك برجلين أعجميين أبكمين عاقلين يجتمعان في مجلس وهما في الحقيقة مفترقان، بخلاف رجلين صحيحين، فكل واحد منهما صحب الآخر بفهمه وعلمه، وإن كان بعيدا عنه، وقد تأول المقترح.
قوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ). وقدم العلة هنا للاهتمام بها، كما قدمها في قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) فقوله (إِنِّي مَعَكُم) وعيد لهم ليكونوا على حذر من المعاصي.
قوله تعالى: (وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي).
أخر الإيمان في اللفظ، وهو مقدم على الصلاة والزكاة لهم أرسلت إليهم رسلا كثيرة فهو إشارة إلى أنكم لَا تنكروا رسالة رسول يأتي ينتج ما أنتم عليه من إيمان كان قبله.
قوله تعالى: (وَعَزَّرْتُمُوهُمْ).
التعزير من أسماء الأضداد، يطلق على التعظيم، وعلى التحقير، ومنه تعزير القاضي لأحد الخصمين.
قوله تعالى: (وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا).
قال: القرض حقيقة عرفية في المال، ويحتمل هنا حمله على حقيقته العرفية بأن يحمل على الصدقة بالمال أو عليها، أو على جميع الطاعات من الجهاد، والحج، وغير ذلك.
قوله تعالى: (حَسَنًا).
وصفه بالحسن إما باعتبار ذاته فهو حلال لَا خبث فيه، أو باعتبار سلامة صاحبه من الرياء، وكونه يفعله ليذكر بالصلاح والخير.
قوله تعالى: (فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ).
قال ابن عرفة: منهم من رجح كون من موصولة؛ لأن الجملة الجملية أصل للشرطية، ومنهم من رجح كونها شرطية؛ لأن الموصول يقتضي ثبوت الموضوع، والشرط لَا يدل على ثبوت المشروط، ولا على عدمه، قال الله تعالى (قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) والمراد هنا الإبعاد عن الكفر لا ثبوته.
قوله تعالى: (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ).
المائدة 5:13
قيل لابن عرفة: وكذلك من كفر قبل ذلك ضل عن مطلق السبيل لَا عن سواء السبيل؛ لأنه كفر قبل ظهور الدليل والمعجزات.
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾
ابن عرفة: ما زائدة للتأكيد، والزائد في القرآن كله لمعنى فهي نائبة مناب تكثير اللفظ أي فبنقضهم ميثاقهم.
قوله تعالى: (لَعَنَّاهُمْ).
قال الزمخشري: أي طردناهم وأخرجناهم من رحمتنا، وقيل: مسخناهم، وقيل: ضربنا عليهم الجزية. ابن عرفة: قوله: (مَسَخْنَاهُم) بأنه معنى يرجع إلى معنى الظرف ويكون المسخ في القرآن أي بسبب تعذيبهم في السبت، قال الله تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) وليس سببه نقضهم الميثاق.
قوله تعالى: (قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ).
ابن عرفة: فيها دليل لأهل الظاهر، وأجيب بأنا لَا نخرج اللفظ عن ظاهره إلا بدليل فلم يحرفه عن مواضعه، وإنما فيها رد على الباطنية، قالوا: وفيها رد على الصوفية الذين يحملون الألفاظ على خلاف غير ظاهرها، وأجيب بأنهم لَا يخرجونها عن الظاهر بالكلية بل يبقونها على ظاهرها ويريدون لها معنى آخر، يقولون: يحتمل أن يراد بها كذا، قالوا: وفيها دليل للمرجئة الذين أخذوا بظاهر حديث: من قال
المائدة 5:14
لا إله إلا الله دخل الجنة قالوا: وفيها دليل القول بمنع نقل الحديث بالمعنى، وأجيب بأنا ننقله بالمعنى لدليل دال على ارتباط ذلك المعنى باللفظ فلم يحرفه عن مواضعه.
قوله تعالى: (وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ).
قال ابن عرفة: النسيان بمعنى الترك، وترك الشيء تارة يكون عمدا مع العلم، كقوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم)، وتارة يكون عن الذهول عنه.
قوله تعالى: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ).
قال ابن عرفة: العفو عنده هو ذكر الذنب للمذنب مع عدم المؤاخذة به من أضل فالعطف تأسيس.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾
ابن عرفة: هذا إما معطوف علىِ قوله (مِنهُم) من قوله (خَائِنَةٍ مِنْهُمْ) فيكون من عطف المفردات، ومتعلق بـ (أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ) فيكون من عطف الجمل، وأتى بقوله (إِنَّا نَصَارَى) منسوبا إليهم توبيخا لهم وتنبيها على كذبهم في مقالته لاقتضائه نصرة دين الله وهم لم يفعلوا ذلك.
ابن عرفة: والضمير في: (فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ) على أن العداوة لم تكن من أحدهم وإنما كانت من المجموع، والضمير في قوله تعالى: (وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ) كله.
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا﴾
قال ابن عطية: الرسول إما موسى، أو محمد صلى الله عليهما وعلى آلهما وسلم.
ابن عرفة: إن أريد به موسى فأهل الكتاب اليهود، وإن أريد به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهم اليهود والنصارى.
المائدة 5:16
قوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).
قال ابن المنير، وغيره: معناه أن الآيات التي أخبر بها قسمان فما يرجع منها إلى الأحكام بينه، أما وما يرجع إلى القصاص ونحوها أبقاه دون بيان، ولم يفضحهم فيه، فتعقبه ابن عرفة: بأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يترك شيئا من الوحي، وكل ما أنزل بلغه لنا ببينة، قال: وإنما المعنى أن الآيات التي أخفوها واقعا في كتبهم وبين بعضها، أما ولم يبين أنهم أخفوه وأنه في كتبهم، والمراد بالعفو عن كثير ترك فضيحتهم في ذلك، وليس المراد بالعفو عدم البيان إذ لَا يصح أن يقال فيما لم يبينه أنه عفا عن كثير.
قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ).
قرينة دالة على أن الضمير في (يَعْفُو) عائد على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذ لو كان عائدا على الله تعالى لقال: قد جاءكم منه نور وكتاب مبين.
قال ابن عرفة: والنور إما للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والكتاب المبين القرآن، وإما أن النور الكتاب، وقوله (وَكِتَابٌ مُبِينٌ) من عطف الصفات، فوصف الكتاب بكونه نورا وبكونه مبينا.
ابن عرفة: وفي الآية على ما فسرته أنا اللف والنشر، فالنور راجع لقوله (يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ)، وقوله (وَكِتَابٌ مُبينٌ) راجع لقوله تعالى: (وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)؛ لأن النور كاشف لما وراءه فكشفَ باعتبار معناه، وباعتبار محله، وكونه في كتبهم وأخفوه، وكونه كتابا مبينا إشارة إلى استبانة معناه فقط.
قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾
ابن عرفة: المراد الهداية الأعمية وهي التمكن من الشيء، قال تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، أو الهداية الأخصية فإن أريد الأخصية وهي الإرشاد إلى طريق الحق لزم تحصيل الحاصل؛ لأن تتبع الرضوان هذا فلا فائدة في هدايته، قال:
وأجيب بكون المعنى أن من اهتدى للإيمان ببعض الرسل وعمل بما علم من شريعته، ثم أرسل إليه رسول آخر، فإن الله تعالى [؍ ] حصل عنده من العلم إلى الإيمان بهذا الرسول الثاني، وأن شريعته ناسخة لشريعة الرسول الذي كان قبله، فهي هداية أخصية مقولة بالتشكيك.؍
المائدة 5:17
قيل لابن عرفة: كيف يفهم قوله تعالى: (يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) مع أن الذي أرسل إليه الرسول الثاني بعد إيمانه بالأول لم يكن خبر إرسال الثاني في الظلمات، فقال: كان متمكنا لها وقائلا لها، وكان كفره بالثاني فكأنه حصل في الظلمات بناء على أن من ملك أن يملك يعد مالكا.
قال ابن عرفة: فإِن قلت: هذا مشكل بما أجاب به الزمخشري، في قوله تعالى: في الأنعام (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) قال: إنما أفرد النور وجمع الظلمات؛ لأن طرق الضلالة متعددة، وطريق الحق واحد، وهنا ينبغي تعدد طرق الحق، فأجاب ابن عرفة: بأن طرق الحق إن تعددت فهي موصلة لشيء واحد، وطرق الضلال إذا تعددت توصل إلى ضلالات متعددة؛ لأن أنواع الكفر متعددة كاليهود والنصارى والمجوس وغيرهم.
قيل لابن عرفة: ما أفاد قوله تعالى: (وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) بعد قوله تعالى: (يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ) فأجاب بأن قواعد العقائد متعددة منها الإيمان بوجود الله تعالى، والإيمان بوحدانيته، وما يجب له وما يجوز له وما يستحيل في حقه، والإيمان ببعثه الرسل وكل ما جاءوا به، وبالمعاد والحشر والشر، فأفاد هذا الإيمان بالفروع، وأفاد الأول الإيمان بالصانع وبنفس رسالة الرسل.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾
قال ابن عرفة: انظر إلى حيث مقالتهم كيف أتوا باللفظ الأبلغ من ثلاثة أوجه؛ لأن قولك: الخليفة أبو بكر أبلغ من قولك: أبو بكر الخليفة؛ لاقتضائه حصر الخلافة في أبي بكر.
الثاني: البناء على الضمير.
الثالث: التأكيد.
قوله تعالى: (قُل فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا).
ابن عرفة: الفاء جواب شرط مقدر، أي إن كانوا ما قالوه حقا فمن ملك من الله شيئا، وهذا استدلال بمقدمة إما جملية، وإما شرطية فتقدير الجملية: كل قابل للهلاك غير الله والمسيح ابن مريم قابل للهلاك فليس بإله، وتقدير الشرطية: كله ما كان المسيح ابن مريم قابلا للهلاك كان غير إله فالمقدم حق فالثاني حق فالملازمة صحيحة.
قوله تعالى: (وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا).
المائدة 5:18
من عطف العام على الخاص، أي وأهل الأرض كلهم قابلون للإهلاك، والمسيح ابن مريم منهم فحكمه كحكمهم سواء.
قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
كالدليل على الدليل أي الدليل على أن الله تعالى هو الملك القادر عليهم أنه ملك جميع من في السماوات ومن في الأرض.
قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾
أي قالت اليهود: ونحن أبناء الله لَا غيرنا، وقالت النصارى: نحن أبناء الله لا غيرنا، فكل طائفة كذبت الأخرى في مقالتها، لأنهم أتوا بأداة الحصر وهي البناء على المضمر.
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾
ابن عرفة: اختلفوا هل خلا العصر من سمْعٍ أو لَا؟ حكاه ابن رشد والمازري من كتاب الجهاد، والآية دالة على أنه لم يخل من سمع، لقوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ) فلو خلا من سمع لما كانوا أهل الكتاب.
قوله تعالى: (أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ).
إن قلت: أول الآية مناقض لآخرها فأولها يقتضي أنهم أهل كتاب، فقد جاءهم البشير والنذير، فكيف يقال: إنه محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم جاءهم ليلا، يقولوا: ما جاءنا من بشير ولا نذير، قال: والجواب أنه إشارة إلى مغالطتهم، وأنهم لو لم يبعث إليهم محمدا صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأنكروا بعث الرسل؛ لأن إنكار الإنسان لما هو غائب عنه لم يتوصل إليه بالسماع أشد وأقرب من [إنكاره*] لما هو حاضر بين عينيه، يشاهده ويراه في كل وقت.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
المائدة 5:20
أي قادر على إعادتكم وحشركم، أو قادر على تنعيم من بشر فاهتدى، وتعذيب من أنذر فتعنت ولم ينزجر.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾
زاد هنا (يَا قَومِ)، وفي سورة إبراهيم (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) فأسقط هنالك يا قوم.
قال ابن عرفة: وسبب ذلك أن التكليف إن كان بأمر خفيف لم يقع فيه إطناب ولا تأكيد، وإن كان بأمر مشق أتى فيه بالنداء، كما إذا أراد الأب من ابنه أمرا مشقا، فإنه يقول له: يا ولدي، افعل كذا بخلاف ما إذا كلفه بأمر خفيف فإِنه لَا يناديه كذلك، قلت: وأجاب أبو جعفر بن الزبير بأنه اعتمد في الفائدة على تذكيرهم بأنواع النعم من جعل الأنبياء فيهم وجعلهم ملوكا، وإعطائهم ما لم يعط غيرهم، وكان ذلك تشريفا باعتناء الله بهم وتفضيلهم على من عاصرهم، فناسب نداء موسى لهم يا قوم فالإضافة إلى ضميرهم إشعارا بالقرب والمزية، ولما اقتصر في سورة إبراهيم على تذكيرهم فنجاتهم من آل فرعون، وما كان يتوهم فيمن ذبح ذكور أبنائهم، واستحيا بناتهم ولم يذكر منها شيء من هذا فناسب الاقتصار على خطاياهم دون النداء يا قوم.
قوله تعالى: (وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ).
قال ابن عرفة: إن أريد بالمؤتى الأنبياء فالعالمين عام في النَّاس كلهم، أي وأرسل إليكم من الأنبياء ما لم يرسله لأحد من العالمين، وإن أريد بالمؤتى المعجزات فالعالمين هم عالمون زمانهم؛ لأن معجزات نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعظم من معجزات موسى، وأتى بقوله (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) قال ابن عرفة: أتى به غير معطوف لمغايرة هذه الجملة لما قبلها، فالأول خبر وتذكير بنعم الله عليهم، وهذه تكليف وأمر لهم، وتقدير هذه الأرض إما في الدنيا بكثرة خيراتها ونعيمها، وإما في الآخرة بكثرة ثواب الأعمال فيها؛ لأن فيها بيت المقدس.
قوله تعالى: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾
تحريض وحث على دخولها بمعنى أنكم لَا بد لكم من دخولها؛ لأن ذلك مقدر عليكم مكتوب في علم الله تعالى.
قوله تعالى: (وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ) لما كانوا في مقام الامتنان بهذا فكانوا حاصلون فيه، فإن لم يمتثلوا صاروا كأنهم ارتدوا على أدبارهم.
المائدة 5:22
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾
ابن عرفة: انظر إلى شدة هلعهم وخوفهم وتكاسلهم وعدم وثوقهم بما وعدهم موسى من أنهم لو مضوا إليها [لدخلوها حتما، وظفروا*] بأهلها، فجعلوا المانع لهم من دخولها وجود مطلق قوم جبارين فيها فضلا عن أن يكون أهلها كلهم جبارين حتى عرض منها بالغوا في الامتناع من الدخول بنفيهم الدخول بكلمة لن [وجعلوا النفي مغيا*] بحتى المقتضية لدخول ما بعدها فيما قبلها، فإِن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (فَإِن يَخْرُجُوا) مع أن مفهوم [الجملة الغائية*] تقتضيه؟ فالجواب: أنه أفاد تأكيدهم دخولهم لها بأن مع الجملة الاسمية المقتضية لكمال دخولهم لها بعد ذلك وثبوته ولزومه.
قيل لابن عرفة: وأراد نفي ما يتوهم من دخول ما بعد حتى فيما قبلها، كما قلتم: أكلت السمكة حتى رأسها فيتوهم أنهم قصدوا نفي الدخول أبدا.
قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ﴾
ولم يقل: ادخلوا إشارة إلى الأمر بقتالهم حتى تهزمونهم فيلجأون إلى باب المدينة فيدخلون عليهم.
قوله تعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾
قال الزمخشري: هلا اكتفى بجواب الشرط منفيا بلفظ المستقبل؛ كما أتى في الشرط مثبتا بلفظ الفعل، وأجاب بجواب لَا [ينهض*] وهو أن قال: إنما جاء هكذا ليفيد أنه لَا يفعل ما [يكتسب*] به هذا الوصف [الشنيع*]، ولذلك أكده باللام المؤكدة للنفي، وأجاب ابن عرفة بوجهين:
الأول: أن الأمر الثابت الواقع لَا يندفع إلا بالأمر القوي البليغ، ونفي بسط اليد للقتل يتقرر ثبوته بأحد أمرين:
أحدهما:
نفي بسط اليد من أصل الكف، والمدافعة [؍ ] عن بسطها للقتل فنفاهما بالأمر الأبلغ ليثبت نقيضه، وهو قتل أخيه إياه.؍
الوجه الثاني: أنه نفى بسط يده إليه ليقتله فلذلك نفاه بالاسم، ونفى بسط يده إليه ليكف عن نفسه ويدافعه إشعارا بأنه لَا يقتله.
قوله تعالى: (إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ).
المائدة 5:30
إنه تعريض لأخيه الاقاتل بأنه لَا يخاف الله.
قوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ﴾
وقرئ فطاعت له نفسه فقراءة (طوعت) يقتضي أن نفسه سولت له القتل، وقراءة (طاعت) تقتضي أن القتل حمل نفسه على اقتحامه ودعاها إليه فانطاعت له.
قوله تعالى: (فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
أي صار، ابن عطية: أقيم بعض الزمان مقام كله، وخص الصباح به؛ لأنه أول النهار والانبعاث إلى الأمور ومظنة النشاط، ورده أبو حيان بأنهم جعلوا أضحى، وظل، وبات بمعنى صار وليس شيء منها بدأ النهار، فكما أجريت هذه مجرى صار كذلك أصبح لَا للعلة التي ذكر ابن عطية، وأجاب السفاقسي في كلام ابن عطية ما يدل على منع استعمال غيرها بمعنى صار بل ذكر توجيها حسنا لبقاء أصبح على معناها من الزمان من أنها يجوز لها إلى استعمالها في كله من باب استعمال جزء في الكل، وهو أحسن من استعمالها بمعنى صار، لأنه إخراج لها عن معناها بالكلية، ورده شيخنا ابن عرفة [باحتمال*] أن يكون من استعمال اللفظ المشترك في أحد مفهوماته] ولا خلاف في أنه حقيقة لَا مجازا، وقد صح استعماله أصبح بمعنى صار.
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا ويلتى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي﴾
الجمهور بنصب الفاء عطفا على قوله (أَن أَكُونَ) وقال الزمخشري: إنه منصوب على جواب الاستفهام، ورده أبو حيان بأن شرط ما ينتصب جوابا بعد الفاء بأن يستند منه مع ما هو جواب له شرط وخبر، كقوله تعالى: (فَهَل لَنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشفَعُوا لَنَا) أي أن يكون لنا شفعاء فيشفعوا لنا، ولو قلنا هنا: إن عجزت أن أكون مثل هذا الغراب أواري سوأة أخي لم يصح، وأجاب ابن عرفة بأن ما هو في سياق الاستفهام كالاستفهام، وما هو في سياق الشرط كالشرط، وإنما التقدير هنا: أن أكون مثل هذا الغراب أواري سوأة أخي.
قوله تعالى: (فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ).
قال أبو حيان: قبله جملة محذوفة أي: يواري سوأة أخيه فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.
ابن عرفة: كتب عليه قبلهم لَا حاجة إلى هذا الإضمار؛ لأن ندمه ليس هو على المواراة إنما هو على قتله أخاه وحمله إياه على عاتقه عاما كاملا وهربه حتى بعث الله إليه الغراب، فالمراد إزالة الندم؛ لأنها سبب فيه، وأجاب بعضهم بما قال الزمخشري
المائدة 5:33
أنه ندم على تلمذة الغراب واتباعه إياه في تقليده له المواراة فيندم على المواراة الموجبة لتلمذة الغراب.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
قال ابن عرفة: أي يحاربون عباد الله فهو على حذف مضاف، أو يكون عبر باسم الله تعالى على عباده تشريفا لهم وتعظيما لهم؛ لأجل محاربتهم لهم فيكون مجازا فيتعارض المجاز والإضمار، وفيها ثلاثة أقوال ثالثها لرضي الدين النيسابوري: أنهما سواء، ابن رشد: محاربة الله ورسوله عصيانهما بإضاقة السبيل هو السعي في الأرض فسادا هو المراد بعينها، ولكنه كرر تخيير لفظه تأكيدا وتعجبا، كقوله تعالى: حكاية عن يعقوب عليه السلام (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ) والبث والحزن شيء واحد، وكقول الشاعر:
وهند أتى من دونها النأي والبعد
المحاربة مع الرسول ممكنة، ومحاربة الله لَا تمكن؛ فيحمل على أولياء الله، فيكون [يحاربون*] [قولا*] على الحقيقة والمجاز معا، وهو ممتنع، وأجيب بأن المعنى يخافون أحكام الله ورسوله، ابن عبد السلام: المتقدمون يذكرون الخلاف بين العلماء هل لفظة (أو) فيها [للتخيير] [ولَا ينسبون*] إلى مذهب التخيير وهو كذلك إلا أنهم إذا ذكروا التخيير، يقولون: إن الإمام لم يعين بعض هذه العقوبات بمجرد الهوى، ولكن على قدر الجناية، فيخرج التخيير عن حقيقته فيعود (أو) للتفصيل لبعض الأقوال على [أن*] في الآية ليست في التخيير.
قوله تعالى: (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا).
عطف تفسيري مثل (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ) قال ابن رشد في المقدمات في تلك الآية: أي ويسعون في الأرض فسادا بالحرابة فهو عظف أعم على أخص له ومقيد له لَا أنه يفيد أن السارق يقتل، وأن الظالم يقتل، قال ابن العربي: ووقعت مسألة في محارب حارب قوما وقاتلهم على امرأة ليتمكن من الزنا بها، وأفتى العلماء أنه غير محارب، قال: وهو جهل عظيم بالله وبالمسلمين، كيف يقال: هذا غير محارب مع أن مفسدة الزنا أشد من مفسدة أخذ المال، ورده ابن عرفة: بأنه لو حاربهم لقتلهم فقط لعداوة بينه وبينهم لم يكن محاربا
المائدة 5:35
بل يعاقب عقوبة غير المحارب، وكذلك من يعادي رجلا يلقاه في رفقة فيقاتلهم ليتمكن من عدوه فإِنه ليس بمحارب.
قيل لابن عرفة: هذا في المعنى فلو كان من شأنه الوقف في الطرقات لمجرد القتل فقط دون أخذ المال فهل هذا محارب، قال: إنما الحرابة القتال لأخذ المال.
قال ابن عرفة: وكان سارق في مدة الأمير أبي بكر سرق من رأس الطابية شيئا فصلبه السلطان معكوسا حتى مات.
قوله تعالى: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا).
قيل لابن عرفة: احتجوا بها على القول بالإحباط، قالوا: المحارب مجزءا ولا شيء من المسلمين بمجزءا فلا شيء من المحاربين بمسلم.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾
لما تضمن الكلام السابق النهي عن المحارب أتت هذه الآية مشعرة بأنكم لا تنصروا على اجتناب المحرمات فقط بل افعلوا أيضا مع ذلك الأمور التي أمرتم بها لتكون وسيلة عند الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ﴾
قال الزمخشري: يجوز أن يكون (وَمِثلَهُ) مفعولا معه، والعامل فيه ثبت الرافع؛ (١)، وتعقبه أبو حيان (٢) بأن الضمير في (معه) إن عاد على (ما) [فهو تكرار*] أي مع ما في الأرض معه، وإن عاد على [(مثله) *] كان عيًّا من الكلام؛ لأن المعنى مثل ما في الأرض مع مثله، أي مصاحبا للمثل، فيكون مع مثله، وأجاب المختصر بأنه إذا صحب المثل لوجود ما في الأرض، فقد صحب ما في الأرض؛ لأن وجود الشيء نفسه، قلت: قال ابن القصار: ولو سلمنا أن وجود الشيء غيره فلا يضر؛ لأن المضاف إذا كان جزءا من المضاف إليه أو كجزئه عومل معاملته في الحكم كقوله:
[وَتشرقُ بالقولِ الذي قَدْ ادَعْتهُ؍ كما شَرِقَتْ صدر القَناةِ من الدَّمِ*]؍
أبو حيان: وقوله: والعامل فيه ثبت الرافع؛ لأن وصلتها، [وهو*] مذهب المبرد فيما يقع بعد (لو)، وسيبويه يجعل [ما بعد لو*] مبتدأ، قلت: قال ابن القصار: المنقول عن سيبويه غير هذا [... ]
(١) النص في الكشاف هكذا:
"فإن قلت: لم وحد الراجع في قوله: (لِيَفْتَدُوا بِهِ) وقد ذكر شيئان؟ قلت: نحو قوله:
فَإنِّى وَقَيَّارٌ بِهَا لَغَرِيبُ أو على إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة، كأنه قيل: ليفتدوا بذلك. ويجوز أن يكون الواو في: (مِثْلَهُ) بمعنى «مع» فيتوحد المرجوع إليه. فإن قلت: فبم ينصب المفعول معه؟ قلت:
بما يستدعيه «لو» من الفعل، لأن التقدير: لو ثبت أن لهم ما في الأرض". اهـ (الكشاف. ١/ ٦٣٠).
(٢) النص في البحر المحيط هكذا:
"وَإِنَّمَا يُوَحَّدُ الضَّمِيرُ لِأَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْمَفْعُولِ مَعَهُ فِي الْخَبَرِ، وَالْحَالِ، وَعَوْدِ الضَّمِيرِ مُتَأَخِّرًا حُكْمُهُ مُتَقَدِّمًا، تَقُولُ: الْمَاءُ وَالْخَشَبَةُ اسْتَوَى، كَمَا تَقُولُ: الْمَاءُ اسْتَوَى وَالْخَشَبَةُ وَقَدْ أَجَازَ الْأَخْفَشِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُعْطَى حُكْمَ الْمَعْطُوفِ فَتَقُولَ:
الْمَاءُ مَعَ الْخَشَبَةِ اسْتَوَيَا، وَمَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ كَيْسَانَ. وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: تكون الواو في:
ومثله، بِمَعْنَى مَعَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مَعَ مِثْلِهِ مَعَهُ، أَيْ: مَعَ مِثْلِ مَا فِي الْأَرْضِ مَعَ مَا فِي الْأَرْضِ، إِنْ جَعَلْتَ الضَّمِيرَ فِي مَعَهُ عَائِدًا عَلَى مِثْلَهُ أَيْ: مَعَ مِثْلِهِ مَعَ ذَلِكَ الْمِثْلِ، فَيَكُونُ الْمَعْنَى مَعَ مِثْلَيْنِ. فَالتَّعْبِيرُ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى بِتِلْكَ الْعِبَارَةِ عَيٌّ، إِذِ الْكَلَامُ الْمُنْتَظِمُ أَنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ إِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى مَعَ مِثْلَيْهِ. وَقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيُّ. فَإِنْ قُلْتَ إِلَى آخَرِ السُّؤَالِ، وَهَذَا السُّؤَالُ لَا يُرَدُّ، لِأَنَّا قَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ أَنْ تَكُونَ الْوَاوُ وَاوَ مَعَ، وَعَلَى تَقْدِيرِ وُرُودِهِ فَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَنَّ الْوَاوَ إِذَا جَاءَتْ بَعْدَ لَوْ كَانَتْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ عَلَى هَذَا: لَوْ ثَبَتَ كَيْنُونَةُ مَا فِي الْأَرْضِ مَعَ مِثْلِهِ لَهُمْ لِيَفْتَدُوا بِهِ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى مَا فَقَطْ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ هُوَ تَفْرِيعٌ مِنْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْمُبَرِّدِ فِي أَنَّ أَنَّ بَعْدَ لَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبٌ مَرْجُوحٌ. وَمَذْهَبُ سيبويه إِنَّ أَنَّ بَعْدَ لَوْ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ. وَالزَّمَخْشَرِيُّ لَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَفِي تَصَانِيفِهِ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَعَلَى التَّفْرِيعِ عَلَى مَذْهَبِ الْمُبَرِّدِ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَمِثْلَهُ مَفْعُولًا مَعَهُ، وَيَكُونُ الْعَامِلُ فِيهِ مَا ذَكَرَ مِنَ الْفِعْلِ، وَهُوَ ثَبَتَ بِوَسَاطَةِ الْوَاوِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ وُجُودِ لَفْظِ مَعَهُ. وَعَلَى تَقْدِيرِ سُقُوطِهَا لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ ثَبَتَ لَيْسَتْ رَافِعَةً لِمَا الْعَائِدِ عَلَيْهَا الضَّمِيرُ، وَإِنَّمَا هِيَ رَافِعَةٌ مَصْدَرًا مُنْسَبِكًا مِنْ أَنْ وَمَا بَعْدَهَا وَهُوَ كَوْنُ، إِذِ التَّقْدِيرُ: لَوْ كَوْنُ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا لَهُمْ وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ، وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى مَا دُونُ الْكَوْنِ.
فَالرَّافِعُ لِلْفَاعِلِ غَيْرُ النَّاصِبِ لِلْمَفْعُولِ مَعَهُ، إِذْ لَوْ كَانَ إِيَّاهُ لَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ وُجُودُ الثُّبُوتِ مُصَاحِبًا لِلْمِثْلِ، وَالْمَعْنَى: عَلَى كَيْنُونَةِ مَا فِي الْأَرْضِ مُصَاحِبًا لِلْمِثْلِ، لَا عَلَى ثُبُوتِ ذَلِكَ مُصَاحِبًا لِلْمِثْلِ، وَهَذَا فِيهِ غُمُوضٌ، وَبَيَانُهُ، أَنَّكَ إِذَا قُلْتَ: يُعْجِبُنِي قِيَامُ زَيْدٍ وعمر، أَوْ جَعَلْتَ عَمْرًا مَفْعُولًا مَعَهُ، وَالْعَامِلُ فِيهِ يُعْجِبُنِي، لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ عَمْرًا لَمْ يَقُمْ، وَأَنَّهُ أَعْجَبَكَ الْقِيَامُ وَعَمْرٌو، وَإِنْ جَعَلْتَ الْعَامِلَ فِيهِ الْقِيَامَ كَانَ عَمْرٌو قَائِمًا، وَكَانَ الْإِعْجَابُ قَدْ تَعَلَّقَ بِالْقِيَامِ مُصَاحِبًا لِقِيَامِ عَمْرٍو. (فَإِنْ قُلْتَ): هَلَّا، كَانَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ مَفْعُولًا مَعَهُ، وَالْعَامِلُ فِيهِ هُوَ الْعَامِلُ فِي لَهُمْ، إِذِ الْمَعْنَى عَلَيْهِ. (قُلْتُ): لَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُودِ مَعَهُ فِي الْجُمْلَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ سُقُوطِهَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُمْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ قَوْلَكَ: هَذَا لَكَ وَأَبَاكَ مَمْنُوعٌ فِي الِاخْتِيَارِ. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَأَمَّا هَذَا لَكَ وَأَبَاكَ، فَقَبِيحٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِعْلًا وَلَا حَرْفًا فِيهِ مَعْنَى فِعْلٍ حَتَّى يَصِيرَ كَأَنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِالْفِعْلِ، فَأَفْصَحَ سِيبَوَيْهِ بِأَنَّ اسْمَ الْإِشَارَةِ وَحَرْفَ الْجَرِّ الْمُتَضَمِّنِ مَعْنَى الِاسْتِقْرَارِ لَا يَعْمَلَانِ فِي الْمَفْعُولِ مَعَهُ، وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَصِبَ الْمَفْعُولُ مَعَهُ لَخُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَنْسُبَ الْعَمَلَ لِاسْمِ الْإِشَارَةِ أَوْ لِحَرْفِ الْجَرِّ. وَقَدْ أَجَازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْمَفْعُولِ مَعَهُ الظَّرْفُ وَحَرْفُ الْجَرِّ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ يَجُوزُ لَوْ كَانَتِ الْجُمْلَةُ خَالِيَةً مِنْ قَوْلِهِ: مَعَهُ، أَنْ يَكُونَ وَمِثْلَهُ مَفْعُولًا مَعَهُ عَلَى أَنَّ الْعَامِلَ فِيهِ هُوَ الْعَامِلُ فِي لَهُمْ". اهـ (البحر المحيط. ٤/ ٢٤٣، ٢٤٤).
المائدة 5:45
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾
ابن عرفة: مذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد، ويقتل العبد بالحر عملا بظاهر عموم هذه الآية، ومذهب مالك أن العبد يقتل بالحر ولا يقتل الحر بالعبد، لقوله تعالى: (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) لكن يرد علينا بأن ظاهر الآية أن الأنثى لَا تقتل بالذكرَ ولا العكس فيجيب بالحديث، فإِن قلت: لم خصت هذه الأمور دون اليد وغيرها من الأعضاء؟، قلنا: لشرفها بالنسبة إلى ربها، فإن قلت: لم أفردت هذه الألفاظ وجمعت الجروح؟، قلنا: ظنا لإمكان تعددها في الشخص الواحد بخلاف تلك.
قوله تعالى: (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ).
قرئ بضم النون فأعربه الزمخشري عطفا على الضمير المرفوع في (بِالنفسِ) أي مأخوذة في النفس هي، والعين يكون بالعين حالا، ورده أبو حيان بأنه ضمير رفع متصل فلا يعطفه عليه إلا بعد تأكده، [والفصل*] مثل: [لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا*]، وقال الفارسي، وغيره: لَا وصل فيه ولم يعتبر (لَا)، وأجاب أبو حيان: والمختصر بأنها معتبرة، قلت: وزاد الشيخ أبو العباس أحمد بن محمد ابن القصار في التعقب أنه بعيد من جهة المعنى؛ لأنه يكون المعنى أن النفس مأخوذة هي والعين بالنفس فتكون العين مأخوذة بالنفس حالة كونها قصاصا في العين، ومنهم من يجعلها عطفا على التوهم، وهو أنه يتوهم حذف أن والنفس لمرفوع، ورده أبو حيان بأن العطف على التوهم مخصوص بالشعر، وأجاب الأستاذ أبو العباس ابن القصار، أنهم قالوا في قوله تعالى: (فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ) بجزم أكن عطفا على أصدق متوهما حذف الفاء وأنه مجزوم في جواب الغرض المضمر معها الشرط، قال ابن القصار: والصواب عندي غير هذا كله، وهو أن يكون (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) منصوب على المفعول، (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) معطوف عليه على سبيل الحكاية، ولم يحكِ الأول؛ لأنه مفرد في المعنىَ تقديره: كتبنا عليهم كون النفس بالنفس، والثاني جملة والحكاية كما تقول: قرأت براءة وقرأت الحمد لله رب العالمين، انتهى.
ولما ذكر أبو حيان قراءة (وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) بالرفع إذا اختلف فيه، فقيل: من عطف الجمل فهو على موضع أن، ورده بعدم المجرور، وأجاب ابن عرفة: بأن عطف الجمل لَا يقال فيه على الموضع؛ لأن ذلك جائز بقول: خرج عمرو وزيد قائم، قال: وقيل معطوف على الضمير المرفوع في (بِالنفسِ)، ورده بأنه ضمير متصل فالعطف عليه من غير تأكيد ولا طول لَا يجوز، بخلاف قوله تعالى: (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ) قال أبو حيان: وقول من قال: إن الفصل ولو بلا يجوز للعطف على الضمير المتصل، مستدلا بقوله تعالى: (مَا أَشْرَكنَا وَلَا آبَاؤُنَا) غير صحيح لَا يشترط الفصل إلا بين المعطوف عليه وبين حرف العطف، ولا في قوله (وَلَا آبَاؤُنَا) وأتت (لَا بين) حرف العطف والمعطوف.
قال ابن عرفة: هذا لَا يصح؛ لأن سيبويه قد قال ويقول: زيد قام هو وعمرو لا يجوز العطف حتى يفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وكلامه يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه لَا بينه وبين حرف العطف، وقد وجه السراج لسيبويه العطف إلا بعد التأكيد أو الطول بأن الضمير لشدة اتصاله بالفعل صار كالجزء منه فلم يكن ثم ما يعطف عليه، ولا يشترط الفعل إلا قبل المعطوف لَا قبل حرف العطف، فإن لَا قبل المعطوف بعد ذلك حاصلا لكنه فيه وجه آخر يمنعه، وهو أن يكون أخذ العين بالعين وما بعده مرتبا على قتل النفس بالنفس فإِنه معطوف على ضمير وما هو خبر عنه وليس كذلك، قلت: وقال ابن عرفة في الختمة الأولى: (الْعَينَ بالعَينِ) قيل: حال، ورد أبو حيان بأنها حال لازمة والحال من شرطها الانتقال، وأَجاز ابن عرفة بأن النحاة أجازوا ضربني زيدا قائما، وأكثر السويق ملتوتا، وكلاهما لازمة.
قال ابن عرفة: وإنما رده عندي أنه يقتضي أن العين تبقى بالنفس؛ لأنك إذا قلت: قام زيد في الدار وعمرو، فالمعنى وعمرو في الدار وليس المعنى وعمرو في السوق.
قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
قلت: تقدم لابن عرفة فيها أن هذا أبلغ من أن لو قيل: من حكم بغير ما أنزل الله فإِن الآية تتناول من يحكم بالباطل وحكم بالحق، أو ترك الحكم وانظر هل المراد الحكم اللغوي فيتناول المعنى الظاهر عندي أن هذا الوعيد الخاص إنما هو للحاكم؛ لأنه يجبر الخصم على فعل ما حكم، والحكم به بخلاف المعنى.
قيل لابن عرفة: فمن حكم بالقياس، فقال: هو مما أنزل الله؛ لأنه يستند إلى المتبوع وجاء في الحديث ما يقتضي العمل به، قال أبو جعفر بن الزبير: فيها سؤالان:
الأول: قال في الأولى (فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، وفي الثانية (هُمُ الظَّالِمُونَ)، وفي الثالث (هُمُ الْفَاسِقُونَ).
الثاني: كيف ورد الأخف بعد الأثقل، وآية الوعيد يقصد فيها الترقي من الأخف إلى الأثقل ثم نقل عن بعضهم أنه أجاب عن الأول بأنه لما تقدمها (فَلا تَخشَوُا النَّاسَ
المائدة 5:46
وَاخشَونِ) وعدم خشية الله تقصير فيما يجب وجحد الواجب له فعقبه بقوله (هُمُ الْكَافِرُونَ)، والثانية قبلها (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا) وهي حقوق متعلقة بالنفوس والوقوع فيها أظلم، قال: وأشار الزمخشري في [وجه*] الترتيب، بأن عددهم المرادون بهذه الأوصاف اليهود فالكافرون، والظالمون وصف لهم بالعتو في أمرهم حين ظلموا بالاستهانة وتمردوا، فالاستهانة شدة ظلمهم، وظلمهم المسبب عنها بعد كفرهم أشد من الكفر، ثم إن التمرد المعبر عنه في الآية بالمعنى الأشد من الاستهانة، لأن [التمرد*] يقتضي تعمد الفعل فهذا وجه الترقي في الوعيد، وأجاب [الفخر*] ابن الخطيب بأن الظلم في الآية الثانية واقع عن الكفر وزيادة الظلم فهو أشد من الكفر مجردا؛ لأن الأولى قبلها (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا) فلم يتقدمها غير مجرد ظلمهم لأنفسهم، والثانية فيها ظلمهم لأنفسهم ولغيرهم لمخالفتهم في القصاص فكانت أشد، ثم عقبها بالفسق؛ لأن الحكم بغير ما أنزل الله قد يقع من غير الكافر فجعل الظلم والكفر خاصا باليهود، والفسق يعمهم مع غيرهم، وأجاب الزبير بأنها كلها في اليهود لكن الأول كفر، والثاني كفر وظلم فهو أشد لكن الظلم يقع على الصغيرة والكبيرة، والفسق لم يرد في القرآن واقعا على صغيرة ونظيره ثابت، فالفسق كفر وظلم وزيادة لَا يقع إلا على المتوغل في الكفر، وقد وصف به إبليس فهو أشد.
قوله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾
قال السهيلي: إنما [نعتت*] مريم في القرآن [بابنها بخلاف غيرها*]؛ لأن عادة العرب أن يجحدوا أسماء النساء الحرائر غيرة عليهن، ويعينون أسماء الإماء، وكان الكفار يعتقدون في مريم أنها زوجته، وأن عيسى [ولده*]، فعين اسمها رادا عليهم، ونسبها على أنها مملوكة لله عز وجل، فرده ابن عرفة بأن الأمة على نوعين: موطوءة، وغير موطوءة، قال: وإنما الجواب أنها [نعتت*] تشريفا لها.
قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾
قال ابن عرفة: إن أريد الحكم حقيقة فيكون خطابا للخواص، وإن أريد العمل بذلك فيكون خطابا للعوام.
قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾
قال ابن عرفة: يحتمل عندي أن يكون الشرعة الطريق، والمنهاج منهاجها ومقصدها الذي يوصل إليه.
قوله تعالى: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
المائدة 5:49
احتج بها ابن حزم على إبطال القياس، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم غير مجتهد لإمكان وجود النص عنده إذا طلبه
قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).
أي: ليختبركم فيما آتاكم من الشريعة المنسوخة [فيعكفون عليها*]، ويعتقدون أنها غير منسوخة.
قوله تعالى: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ).
قال ابن عرفة: المعنى أن كل واحد منهم مكلف بأن سبق صاحبه إلى ذلك، والآخر كذلك، وهذا محال، فقال: السابق في الأمر أحدهما، وفي الظاهر كل واحد منهما يمكن أن يسبق صاحبه، فكلفا معا بما هو ممكن في الظاهر.
قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول معناها: لَا تتبع أهواءهم على البدلية لَا على المعية، أي لَا تتبع أهواء كل طائفة منهم بدلا من أهواء الأخرى. لأن أهواءهم جمع هوى وهو اسم جنس واسم الجنس لَا يجمع إلا اختلفت أنواعه، واتباع الهوى المختلفة غير المعينة جمع بين النقيضين فهو محال، والتكليف بالمحال محال إذ لا يجوز أن يقول لأحد: لَا تكرم زيدا ولا تجمع بين النقيضين؛ لأن ذلك محال.
قوله تعالى: (وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ).
قال ابن العربي: المراد عن كله، رواه ابن عرفة بأن الأمر بالحذر منهم عن الفتنة في البعض يستلزم الحذر عن الفتنة في الكل من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾
قرأ نافع وابن كثير بإثباتها والرفع، فالنصب عطف على أن يأتي حملا على المعنى، وإلا فلا يجوز عسى أنه إن يقول المؤمنون، وأجاب بأن الله يصيرهم قابلين ذلك ببصره وإظهاره إليه، فينبغي أن يجوز ذلك اعتمادا على المعنى.
قال ابن عرفة: لَا يحتاج إلى تعقبه الأول وأن الذي يبطله أن الجملة المعطوفة ليس فيها مميز عائد على المبتدأ وهو أنه؛ لأنه أصله وأن يأتي خبره، ويقول: معطوف عليه عنده، ورده أيضا بأن هذا القول ليس بعد الإتيان بالفتح ولا يلزم هذا. لأن الواو لا ترتب، حتى حكى ابن يونس في كتابه الإجماع على ذلك.
قوله تعالى: (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ).
المائدة 5:54
قال أهل علم البيان: الإشارة يؤتى بها للتحقير؛ كهذه الآية، ومثله (بَل فَعَلَهُ كَبيرُهُم هَذَا)، وكقوله: (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا) [تقول وصكت صدرها بيمينها:... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس*] (١) يصف امرأة وهي رأت بعلها يخون وهي في جمع من النساء فاحتقرته، حكاها المبرد في الكامل].
قوله تعالى: (إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ).
قلت لابن عرفة: هذا دليل على صحة قول النحاة: أن أصله أن زيدا قائم، ثم والله إن زيدا لقائم سماه الله جهد أيمانهم، وأشار إلى أنه الغاية في ذلك.
قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ... (٥٤)﴾
ليس المحبة الميل وإنما هي بمعنى صفة الإرادة أي من يذمهم الخير والرضا وصفة الفعل أن يفعل به الخير، وقال عياض في الإكمال أن محبوبه يصح أن يكون بمعنى الميل؛ لأنه من المخلوق.
ابن عرفة: وكان بعضهم يرده بأنه لَا يمال إلا إلى كمال إليه، والجسم في حق الله تعالى محال.
قوله تعالى: (وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ).
قيل لابن عرفة: لم أفرد اللومة واللائم، والمناسب جمعهما؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم، فأجاب بمثل ما أجاب الزمخشري، في قوله تعالى: (وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ) أي معلمين الكلاب إشارة إلى [ضريهم*]، ومعرفتهم بالتعليم، وكذلك هذا إشارة إلى أنهم لَا يخافون لومة لائم الذي يعتبر لومته، وهو الذي له تمييز ومعرفة بحقائق الأمور ومواضع اللوم فيها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾
قال ابن عرفة: هذا عندي إشارة إلى الاستدلال بالقرآن ثم بالسنة ثم بالإجماع.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ (٥٦)﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: في هذا مقدمة مضمرة، ويجعله من القياس الشرطي الاقتراني، مثل قوله تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ) والتقدير: من يتول الله ورسوله فهو من حزب الله، وكل من هو من حزب الله غالب، ومن يتول الله ورسوله غالب وإن لم
(١) تم جبر هذا السقط من (الكامل للمبرد. ١/ ٣٤).
المائدة 5:64
تقرره هكذا يكون مشكلا؛ لأن المرتب على هذه القضية الشرطية ثابت في نفس الأمر، وكل ما هو ثابت في نفس الأمر لَا يصح ترتيبه على القضية الشرطية، فلا تقول: إن قام زيد تطلع الشمس؛ لأنها تطلع سواء قام أو لم يقم، وكذلك (حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) سواء تولى الله أحد ورسوله أو لم يتول؛ لأن حزب الله هم الغالبون مطلقا إلا في هذه الحالة.
قوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾
قال ابن عرفة: هذه الآية تدل على أن ارتباط الدليل بالمدلول مادي لَا عقلي، إذ لو كان عقليا لما تخلف.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ... (٦٧)﴾
ابن عرفة: ذكر الرب هنا مناسب على قاعدة أهل السنة في أن بعثة الرسل محض تفضل من الله تعالى.
قوله تعالى: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ).
فيه إشكال من ناحية أن الجواب غير الشرط، إذ لَا يجوز أن يقال: إن لم يقم زيد لم يقم زيد، وأجيب بأربعة أوجه، ذكر أبو حيان منها ثلاثة:
الأول: أن المراد إن لم تبلغ الجميع وبلغت البعض فإنك لم تبلغ شيئا، ورده الرازي بأنه يلزم عليه الخلف؛ لأن المبلغ للبعض قد بلغ، وأجيب بأن المراد الحكم بالتبليغ لَا نفس التبليغ أي إن لم تبلغ الجميع، وتركت البعض فإنك محكوم عليك بأنك لم تبلغ شيئا.
الجواب الثاني: أن المراد بذلك التعظيم والتفخيم، مثل: أنا أبو النجم وشعري شعري أي وشعري شعري المشهور للتعظيم، ابن عرفة: وكان بعضهم يتم تقريره هذا أحرى في التعظيم والتفخيم؛ لأن الجملة الابتدائية لَا تتركب من المحال بوجه، وجملة الشرط قد تركبت من المحال؛ لأن المحال قد يستلزم محالات مثل (لَو كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) فإذا حصل الشرط بعينه جوابا انتفى توهم احتمال كون الشرط محالا، فأفادت إعادته تحقيق كون الشرط ثابتا ممكنا ليس بمحال، فإذا جاز إعادة المبتدأ بعينه، فأحرى أن يجوز إعادة الشرط بعينه.
الجواب الثالث: أنه من إقامة السبب مقام سببه، أي فإن لم تفعل فليس لك ثواب؛ لأنك لم تبلغ شيئا، أي وإن بلغت البعض ولم تبلغ الجميع فليس لك ثواب في
المائدة 5:68
تبليغ البعض، وهذا ينظر إلى قول مالك رحمه الله فيمن حلف أن يضرب عبده عشرة أسواط فضربه تسعة أنه يحنث وكأنه لم يضربه شيئا.
الجواب الرابع: قال ابن عرفة: كان بعضهم يجيب بأن المراد بما أنزل الله القرآن؛ لأنه رأس المعجزة، ودليل عليها وما سواه من المعجزات كلها مستند إليه ومدلولات له.
قوله تعالى: (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ).
أي: فإن لم تبلغ القرآن وبلغت ما سواه من المعجزات فلم تبلغ شيئا، وأخذوا من الآية صحة الدعاء بها؛ لأن المفسرين نصوا على أنه لم يكن معصوما قبل نزول هذه الآية، وعصم بعد نزولها مع إجماع النَّاس على أنه معصوم قبلها وبعدها، فدل على أن العصمة مقولة بالتشكيك، فالعصمة التي أعطي بنزول هذه الآية هي المنع من إذاية النَّاس له، والعصمة التي اختص بها مطلقا إنما هي أخص من هذه، فيصح الدعاء بها بالمعنى الثاني هو مطلق المنع، قالوا: والمراد بالنَّاس الكفار فهو عام مخصوص.
ابن عرفة: لَا مانع من أن يراد به العموم فيمكن إذاية المسلمين له كأبي بكر وعمر لكن على سبيل الخطأ، كما يضرب أحدنا طائرا فتصادف الضربة زيدا فالمراد عصمته من الإذاية وغير المقصودة.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ).
قالوا: الألف واللام إما للجنس وهو عام مخصوص.
قيل لابن عرفة: أو باق على عمومه بناء على أن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال كخالد بن الوليد فإنه كان حينئذ كافرا ثم أسلم بعد ذلك، فقال: يلزمك تحصيل الحاصل إن الله لَا يهدي القوم الكافرين.
قال ابن عرفة: أو تكون الألف واللام للعهد، والمراد بها من علم الله أنه لا يؤمن.
قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن قلنا: إن العموم شرعا كالعموم جنسا لم يحتج إلى إضمار الصفة، وإن قلنا: إن العموم شرعا ليس كالعموم جنسا فلا بد من إضمار صفة تقديرها: لستم على شيء معتبر؛ لأنه شيء غير معتبر شرعا.
قوله تعالى: (حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ).
المائدة 5:69
قال ابن عرفة: نصوا على ما بعد حتى داخل فيما قبلها فيلزم أن لَا يكونوا على شيء إذا أقاموا التوراة، قال: لكن يجاب بأنه قصد المبالغة والإشعار بأنهم لَا ينتفي عنهم وصف كونهم ليسوا على شيء حتى يقيموا التوراة ويدعوا على ذلك، وأما في أول الأمر فلا.
قوله تعالى: (طُغْيَانًا وَكُفْرًا).
الطغيان التعنت والعصيان، والكفر العصيان بالاعتقاد.
قوله تعالى: ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
فإن قلت: لم نفي الخوف بالاسم وهو التألم بسبب أمر واقع فيما مضى، والمناسب العكس.
قال ابن عرفة: فالجواب أنه روعي في كل واحد منهما سببه فسبب الخوف مستقبل وهو متقدم عليه، فجعل ماضيا ثابتا واقعا فأتي فيه بلفظة الاسم المقتضي للثبوت، وسبب الخوف ماض وهو متأخر عنه فجعل مستقبلا لتأخره عن سببه فأتي فيه بلفظ المستقبل.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾
قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم لنا الأمر بالتبليغ واعتزال الكافرين وكانوا بعد ذلك لَا يطيعون عقبه بهذه الآية تسلية له صلى الله عليه وعلى آله وسلم في عدم طاعتهم له ببيان أن الأمم السالفة فعلوا كذلك مع أنبيائهم.
قوله تعالى: (كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ).
إن قلت: هلا قيل: كل رسول جاءهم؟ فالجواب أنه أعم؛ لأن كلما شرط والجزاء معاقب للشرط فيفيد تعجيل فعلهم ذلك ومبادرتهم له بنفس مجيء الرسل لهم، وأيضا فكلما منصوبة على الظرفية فيفيد عموم قولهم ذلك في كل زمان إلا أن مالكا جعل كلما عامة.
قوله تعالى: (فَرِيقًا كَذَّبُوا).
فسره المفسرون على أنهم كذبوا فريقا من الرسل وقتلوا فريقا منهم.
ابن عرفة: وكان بعضهم يفسره على إضمار فعل أي جعلنا فريقا كذبوا وفريقا يقتلون، فيفيد أن بعضهم كذب الرسل وبعضهم قتلهم، ومفهومه أن البعض الآخر لم يكذب ولم يقتل، وهذا أنسب من الأول؛ لأن الذي قال المفسرون يقتضي أن جميعهم
المائدة 5:71
عصوا الرسل إما بالتكذيب فقط أو بالقتل مع أن الثابت أن بعضهم أسلم وأطاع، وما قلناه نحن يقتضي أن بعضهم كذب، وبعضهم قتل، وبعضهم لم يكذب ولم يقتل، فإن قلت: لم كذبوا بلفظ الماضي، ويقتلون بلفظ المضارع مع أن الجميع واقع فيما مضى؟ فالجواب من وجوه:
أحدها: قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأن سبب التكذيب ماض، فعبر عنه بالفعل الماضي؛ لأن سبب التكذيب في المستقبل اعتبارا بسببه، وأجيب أيضا بأن القتل أمر فعل حربي، فأتي فيه بالمضارع تنزيلا للواقع منزلة [من*] أتى بالمحسوس للتصوير، والتكذيب به أمر اعتقادي غير [حربي*] فلذلك عبر عنه بالماضي.
قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾
قال ابن عرفة: تكون بالرفع بأن مخففة من الثقيلة، وبان ناصبة وقراءة الرفع أبلغ؛ لأنه يكون مؤكدا بأن.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).
لما اشتملت على عصيان بعضهم بالتكذيب، وعصيان بعضهم بقتل الرسل وبث الوعيد على أشد الوصفين وهو القتل؛ لأن الإبصار أمر محسوس فيتعلق بالمحسوس بخلاف التكذيب فإنه أمر معنوي فالمناسب له صفة العلم.
قوله تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾
قال ابن عرفة: الظاهر أن هذا داخل تحت الحصر، وأصله المسيح ابن مريم أمه صديقة فهو من عطف المفردات، ويحتمل أن يكون من عطف الجمل والظاهر حصرها في الصداقة.
قال ابن عرفة: و (صِدِّيقَةٌ) مبالغة من الصدق أو من التصديق، ومنه سمي أبو بكر الصديق لتصديقه، وهذه الصفة لمريم رد على من قال إنها نبية.
ابن عرفة: قال بعضهم: من جهة المعنى أنهم كانوا ينسبونها للنبي فبرأها ولدها بكلامه في المهد فظهر صدقها.
قوله تعالى: (كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ).
ابن عرفة: هذا استطراد؛ لأنهم إنما تكلموا في عيسى ونسبوه إلى الألوهية فلم يتكلموا في مريم بشيء، فإنه ذكره استطرادا وسبب ذكرها قيام عيسى عليها، أي كما
المائدة 5:76
تعلمون احتياج مريم إلى الطعام، وأن ذلك موجب لحاجتها وافتقارها لحاجتها كذلك هو في عيسى عليه السلام.
قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
هذا دليل على صحة ما يقولونه من أن ارتباط الدليل بالمدلول مادي؛ لَا عقلي، قال: ويجاب بأنه عقلي [فإنهم لم يعبروا*] على الوجه الذي منه يدل الدليل.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٧٦)﴾
قدَمنا أن عند ابن عرفة في الختمة منها ثلاثة أسئلة:
أولها: [قوله: أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ*] على تخصيص غيره [بالعبادة*]، وهم لم يخصوا الغير بها، لكن أشركوا غير الله معه في العبادة، فقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وتقدم الجواب بأن عبادتهم الأصنام لَا تقتضي تشريكا؛ لأن من شرط المعبود أن لَا تشرك معه غيره فليس في التشريك عبادة فلم يعبدوا الله وأيضا فإِنهم لما أشركوا في العبادة جعلوا لكل من المعبودين نصيبا منها قولك النصيب الذي لغير الله عبدوا فيه ذلك الغير من دون الله.
السؤال الثاني: لم قال (لَا يَمْلِكُ لَكُم) ولو قال: لَا يملك ضرا ولا نفعا لكان أبلغ في النفي والعجز وتقدم الجواب بأنه إذا كان لَا ينتفع الخاص به المقرب إليه، فأحرى أن لَا ينتفع به البعيد عنه ولا يضره.
ورده ابن عرفة: ليس من باب أحرى؛ لأن هؤلاء شركوا في العبادة، وغيرهم خصوا غير الله بالعبادة فما يلزم من كون غير الله لَا ينتفع من أشركه في العبادة مع الله لا ينفع من اختصه بالعبادة فليس من باب أحرى، وأجاب ابن عرفة من السؤال بأنه لو قال: ما يملك ضرا ولا نفعا لكانت سالبة كلية، والسالبة الكلية تناقضها السالبة الجزئية، فكان يكون مفهومه أن الله يملك النفع والضر؛ لأنه إذا كان غير الله لَا يملك ضرا ولا نفعا كان الله يملك ضرا ونفعا من قولنا: يملك ضرا ونفعا بمطلق؛ لأنه في سياق الثبوت، والمطلق يقيده بصورة فيقولون هم: نعم الله يملك ضرا ونافعا لغيرنا، وهم الذين خصوا غيره بالعبادة تجردت وأما نحن فلا؛ لأنه إذا كان ضرهم لأنك صدق أنه يملك ضرا ونفعا فأتى بلفظة لكم فيكون الكلام أبلغ ولا يبقى لهم فيه مقال؛ لأنه أفاد أن الله يملك لكم الضر والنفع، وغيره لَا يملك لكم ضرا ولا نفعا.
المائدة 5:77
قيل لابن عرفة: على هذا يكون نقيضه أنه يملك لبعضهم النفع والضر لكلهم؛ لأنها موجبة جزئية، فقال: القرينة تدل على التساوي، أم لَا فلو قيل: بالفرق ولا يخالفون هم في هذا ثم ذكرته له مرة أخرى، فقال: الإنصاف أن هذا تكليف.
السؤال الثالث: لم قال (وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) والمناسب هنا وصفه بالقدرة؛ لأن العلم والسمع إنما يناسبان من قصد التستر والاختفاء، وهؤلاء تعنتوا وتجوزوا، فما المناسب فيهم إلا العزة والانتقام والقدرة والمقدور، وتقدم الجواب بأنه من حذف التقابل، والتقدير: قل أتعبدون من دون الله ما لَا يملك لكم ضرا ولا نفعا ولا يسمع ولا يعلم، والله هو مالك الضر والنفع وهو السميع العليم.
قوله تعالى: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا﴾
إما أنه على حذف قد أو الفاء في الأول فقط وهو الظاهر.
قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ﴾
قال ابن عرفة: هذا دليل على مفهوم الآية. لأنهم أيضا ملعونون على لسان سليمان وغيرهما من الأنبياء.
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ).
قال ابن عرفة: هذه دليل على ما يقولون الأصوليون في تنقيح المناط وهو التعليل ببعض العلل دون بعض مع كون المتروك أظهر من المذكور [وأجلى*]، مثل: "لَا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان"، فأخذوا منه أنه لَا يقضي عند شغل الخاطر وتشويشه إما [بنعاس*]، أو بجوع، أو شبع، أو خوف أو حزن، أو نحوه، وكذلك هذا إنما لعنوا لكفرهم بترك الموجب الأخص وعلل بأعمه وهو العصيان، كما ترك هنالك الأخص وهو الغضب وعلل بأعمه وهو التشويش، قال: وهذا دليل على أن العصيان يطلق على ترك المطلوب، لقوله (وَكَانُوا يَعتَدُونَ) فالاعتداء هو تجاوز الحدود ولا يلزم التكرار.
قوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾
قال ابن عرفة: إن رجع إلى فعلهم المنكر فظاهر، وإن رجع إلى تركهم النهي عن المنكر تكون الآية دليل على أن الترك فعل، وإن ترك إلى الجميع فيكون غلب فيه جانب الفعل على جانب الترك.
قوله تعالى: ﴿تَرَىٰ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
المائدة 5:81
قال ابن عرفة: موالاة القضاة والظلمة إن كانت لمجرد زيارتهم فهي حرام، وإن كان يزورهم لاستقاذ مظلوم ولمصلحة مظنونة فهو جائز، وقد كان يفعله سيدي أبو الحسن المنتصر، والزبير، والإمام، وكان سيدي أبو علي عمر الثوري، والشيخ الصالح أبو العباس أحمد بن عامر في المغرب يجتنبون ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾
جعل الإيمان ملزوم لعدم اتخاذهم أولياء، فدل على أن موالاة الكافر كفر.
قوله تعالى: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ﴾
قال ابن عرفة: فيها سؤال وهو أنه تقدمها (ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين)، فعبروا بلفظ الرب، فهلا قيل: فأثابهم ربهم؟ وأجيب بأنه إشارة إلى أن هذا الثواب إذا وقع من الله تعالى مع استحضار مقام التفضل والحنان والشفقة.
قال ابن عرفة: وتقدمنا نحن الجواب بأن من حسن الاقتضاء أن يطلب الأجير أجره على سبيل التلطف، ويعتقد أنها تفضل من المستأجر ومن حسن القضاء بأن يعطي المستأجر الأجرة معتقدا أنها واجبة عليه، فالأول راجع لطريق الرجاء وطلب نيل الثواب فناسب التلطف بعبارة الرب، والثاني راجع للجزاء فهو إشارة إلى أن الله أوجب ذلك على نفسه شرعا ولا يجب عليه شيء، قال: وما هنا مصدرية أو موصولة بمعنى الذي، وكونها موصولة بمعنى الذي أقرب لمذهب أهل السنة، وإن جعلناها مصدرية كانت دليلا للمرجئة بأن مجرد النطق بالشهادتين كان في حصول الإيمان وفي دخول الجنة، وظاهر هذه الآية أن الجنات في الدنيا أشرف وأعلى من الدور التي لا جنات فيها؛ لأن الله أثابهم بالجنات فدل على أنها أفضل من الدور، وهل يكون للرجل الواحد جنات أو هو على التوزيع يحتمل.
قوله تعالى: (خَالِدِينَ فِيهَا).
لأن النعيم إنما هو بالخلود، ثم قال (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦).
قوله تعالى: (وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ).
المائدة 5:86
إحسان فسره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث القدر، فقال: "أن تعبد الله كأنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك"، وفسره الله تعالى في أول سورة لقمان، فقال (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤).. فهو في الحديث أخص، قال: ويحتمل وجهين:
أحدهما: أنه من إيقاع الظاهر موقع المضمر فيكون هم من المحسنين.
الثاني: أنهم ليسوا من المحسنين لكن تفضل الله عليهم زيادة ما أثابهم به بأن أعطاهم جزاء المحسنين، ولذلك عبر في الأول بالثواب إشارة إلى التفضل، وفي الثاني إلى الجزاء إشارة إلى وجوبه أي أعطاهم الأجر الذي يستحق بالإحسان أي استحقه المحسنون بإحسانهم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾
ذكره هنا لأحد وجهين: إما ليكون تقسيما مستوفيا بذكر الفريقين، وإما بأنه إشارة إلى نعيمهم [بجلب*] الملائم ودفع المؤلم.
قال ابن عرفة: فإن قلت: لم عبر في الأول بالخلود ولم يقل هنا: [خالدين فيها*]؟ فالجواب بوجهين: إما لأنه من الجزاء، فبين الثاني لدلالة الأول عليه [وإما] لبيان حال المتقين، والثواب [الذي*] أعد لهم، فناسب فيها الإطناب في حقهم، والاكتفاء في الفريق الآخر بمطلق ذكره من غير إطناب.
قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾
ابن عرفة: فيه دليل على أن التنعم بالحلال أفضل من التقشف.
المائدة 5:89
قوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا).
ما لَا تبالغوا في التحريم والامتناع، بل أو لَا تبالغوا في الدوام على فعل ما نهيتم عنه من اللباس والمطاعم المحرمة شرعا.
قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ﴾
قال ابن عرفة: اليمين إن كانت في الماضي فهي على أربعة أقسام، فإن حلف على ما يتقنه وتبين له خلافه فهو لغو اليمين، وإن حلفه على ما يتيقن خلافه فهو غموس، ولو تبين أنها حق في نفس الأمر، وكذلك لو حلف على أمر مشكوك فيه عنده وإن حلف على مظنون فقولان، وعليه قال ابن الحاجب: قلت: والظاهر أن الظن كذلك وهما قولان منصوصان، وفسرت اللغو بأنه قول الرجل: لَا والله، ونعم والله. وأخذ به الشافعي رحمه الله وبعض البغداديين من مذهبنا، وإن حلف على مستقبل فإن كان محالا أو ممكنا والغالب عدم وقوعه، كقوله: بالذي لَا إله إلا هو ما تمطر السماء في هذا العام فهو غموس وإن كان ممكنا فهو كفر، وفيه خلاف.
قال ابن عرفة: قال بعضهم: يؤخذ من الآية خلاف مذهب مالك رحمه الله من أن هزله في الطلاق أو النكاح لَا يلزم؛ لأن الآية على أنه لَا يؤاخذ المكلف إلا بما نطق به لسانه معتقدا له بقلبه فينبغي أنه لَا يلزم نكاح المهزل ولا طلاق المهزل قياسا على هذا، وأجيب بأنه مقيد، بقوله تعالى: (فِي أَيْمَانِكُمْ) فمفهومه أن اللغو في غير اليمين مأخوذ به، وقد قالوا في البيع: أن هزله جد فيعارض فيه المفهوم والعموم، فإن قلت: إن هنا مفهوم اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق، قلت: بل مفهوم الصفة، لأن أيمان جمع يمين وهو مشتق، أو تقول: أن تلك ليست بأيمان.
قال ابن عطية: وتشديد عقدتم مبالغة في تكثير أحد الأيمان.
ورده ابن عرفة بأنه كذلك وهو في اليمين الواحدة، وهي لغو وغير لغو، وإنما تشديدها مبالغة في عقدها ليخرج اليمين المشكوك في انعقادها.
قوله تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ).
قيل لابن عرفة: ظاهر الآية أن اليمين يكفر خلاف مذهب مالك رحمه الله، وأجاب بوجهين: إما لأن الآية لَا تتناول إلا اللغو ولا تتناول الغموس بوجه، وبكون حكم الغموس معلوما من الحديث، أو يكون الضمير عائدا على بعض أفراد العام وقد ذكره بعضهم، أو يكون المراد كفارة حنثه، قال: ويؤخذ من الآية أن الاستثناء حل
المائدة 5:90
اليمين وليس رفعا للكفارة؛ لأن كفارة مبتدأ وإطعام خبره، فأفاد حصر الكفارة في الثلاثة وغيرها ليس بكفارة.
قوله تعالى: (إِطعَامُ).
على حذف مضاف أي طعام إطعام عشرة مساكين، قيل له: فيؤخذ منه جواز إطعام أقل من عشرة طعام العشرة، فقال ابن عرفة: القضايا عند أهل المنطق أكثرها فعلية وجودية لَا تقديرية، والقضايا التقديرية قليلة.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾
ابن عرفة: الخمر من خامر العقل مطلقا، وقيل: الخمر من العينة والأنصاب إن قلنا: إنها الأصنام فيكون عطفها على الخمر دليلا على تحريم الخمر.
قوله تعالى: (رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ).
ظاهره أن كونها من عمل الشيطان موجب لتأثيم شاربه، أو ظاهر حديث أبي بكر رضي الله عنه: أقول هذا فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، ظاهره عدم الخطيئة فظاهره تأثيم المجتهد المحقق، وهو خلاف الإجماع، قال: والجواب بأن هذا من أبي بكر رضي الله عنه على جهة التواضع.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
الرجاء مصروف للمخاطب، وتارة يكون رجاء مطابقا حقيقيا تاما، وتارة لَا يكون كذلك، كقوله تعالى: (فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ) وهذا بحق الله لم يقع.
قيل لابن عرفة: يظهر من الآية أنها رد على المعتزلة في أن العقل لَا يحسن ولا يقبح، وإنما التحسين والتقبيح للشرع؛ لأن الخمر والميسر كان عندهم حلالا أعني القليل من الخمر الذي لَا يسكر، فلو كان العقل يقتضي تحريمه لما كانوا في الجاهلية وفي أول الإسلام يشربون القليل منه، فقال: حلالا لمقتضى البراءة الأصلية، قيل له: بل يكون النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم بهم وسكت عنهم، وسكوته عنهم إقرار لهم على ذلك.
قال ابن عرفة: وتقدم استشكالنا في حديث حمزة في أنهم شربوا الخمر حتى ثملوا، وقول حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي مع أن الأمم متفقة على حفظ العقول، والجواب عقد بأن المحرم عند الجميع إنما هو الإسكار وقليله لَا يسكر، وكانوا
المائدة 5:93
يشربون القليل منه، حتى فال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما أسكر كثيره فقليله حرام".
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾
قال ابن عطية، عن ابن عباس: سبب هذه الآية لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة: يا رسول الله، كيف بمن مات منا وهو يشربها؟ فنزلت.
قال ابن عطية: فيها تقرير لهم عمن مات على القبلة الأولى التي كانت لبيت المقدس، فنزلت (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) ابن عرفة: بل هذا أقرب وأنفع فإِنه راجع لدفع المؤلم وهو زوال الإثم عمن ارتكبه بشربه الخمر، وحكم القبلة راجع لعدم الحرمان من الثواب على استقبال بيت المقدس، لقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فيرجع إلى طيب الملائم.
قال ابن عرفة: وأخذوا من الآية مع هذا السبب مطلبين:
الأول: جواز ما لَا يطاق؛ لأن الصحابة توهموا عند نزول تحريم الخمر أنه كان شرعياً ما لم يرجع أنه لم يكن عالما تحريمها هو عين تكليف ما لَا يطاق.
المطلب الثاني: وقوع تكليف ما لَا يطاق، بمفهوم قوله تعالى: (عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا) فدل على أن الكفار عليهم مع أنهم غير مكلفين بتحريمها مع أنه لَا يطيقه، قال: وأجابوا من الثاني بأن وقوع التكليف إنما هو فيما علم فيه التكليف، وأما الكفار فلم يعلم تكليفهم قبل نزول هذه، وبه قال: ونفي الجناح باعتبار ظاهر اللفظ لَا يدل على إباحة ذلك بل يحتمل الكراهة باعتبار سياق الآية ووقع الخطاب بذلك والتكليف يدل على الإباحة.
قوله تعالى: (إِذَا مَا اتَّقَوْا).
(إِذَا) إما بمعنى إذا أو حكاية حال ماضية.
[قال ابن عطية: [وتأول*] هذه الآية قدامة بن مظعون من الصحابة وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة، إلى أن قال: قال الجارود: [لعمر*] (١) أقم على هذا كتاب الله.
قال ابن عرفة: إن قلت حد الخمر ليس في كتاب الله، وإنما هو القياس على حد القذف وبالاجتهاد، وحسبما حكى الأصوليون عن سيدنا علي أنه قال: إذا شرب هذى
(١) تم جبر هذا السقط من (المحرر الوجيز. ٢/ ٢٣٥).
المائدة 5:94
وإذا هذى افترى [فأرى*] عليه حد الفرية، قال: فالجواب أن الأصوليين قالوا: الأدلة كلها راجعة إلى كتاب الله عز وجل ومقضيه عنه.
قوله تعالى: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾
تنكير شيء إما باعتبار تخفيف أمره وتقليل حكمه، وإما لكثرة أمجاده.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ... (٩٥)﴾
ابن عرفة: قالوا: هذا يتناول النهي عن القتل حالة الإحرام، وعن القتل في الحرم فهو من استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا وجاز ذلك هنا؛ لأنه جمع فهو أخف من المفرد وليس هو من القدر المشترك، أو لَا اشتراك بين الحلال القاتل في الحرم، وبين المحرم القاتل في الحل.
قال ابن عرفة: وليس المراد قتل الصيد بل النهي عن اصطياده وإن لم يقتله.
قوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا).
فيه ثلاثة أقوال مشهورها، وجوب الجزاء على من قتله متعمدا أو خطأ، وقال ابن عبد الحكم: إنما الجزاء على قاتله متعمدا، وفي خارج المذهب قول آخر بأن الجزاء على المخطئ الناجي فقط.
قال ابن عرفة: والآية حجة لابن عبد الحكم، ووجه المشهور أن هذا مفهوم خرج مخرج الغالب فهو غير معتبر، أو يكون بمعنى، قوله (مُتَعَمِّدًا) قاصدا لقتله ناسيا كونه محرما وناسيا كونه في الحرم، وتأول ابن عطية قوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ) في الجاهلية من قتلكم الصيد في الحرم، ومن عاد الآن في الإسلام فإن كان مستحلا فينتقم الله منه في الآخرة ويحكم في ظاهر الحكم.
قال) ابن عرفة: معناه منتهكا في الفعل؛ لأن الاعتقاد إذ لو كان كذلك لكان كافرا.
قوله تعالى: ﴿قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾
أي قواما لأمر دينهم.
قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
قال ابن عرفة: [كان ابن عبد السلام يقول في مثل هذا: أما إن ردت الشدة إلى العقاب الواقع بالفعل [فممنوع*] في الآية بحذف التقابل] أي اعلموا أن الله شديد عقابه وغضبه، وأنه غفور رحيم، فلا يكون في الآية حذف بوجه.
المائدة 5:99
قال ابن عرفة: والترتيب في الآية مناسب. لأن الإنسان في الصحة يغلب جانب الخوف، وهذا الاحتضار والإشراف على الموت يغلب جانب الرجاء والطمع.
قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾
هي اجتناب فلا يتصور أنها مواعدة منسوخة بآية السيف بل هي حال عمن شهد شهادة.
قال ابن عرفة: فيه نظر؛ لأن الجهاد واجب على الرسول، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) فإن قلنا: إن الجهاد من التبليغ فلا تكون منسوخة، وإن قلنا: إنه ليس من التبليغ فالآية منسوخة، والأصل عدم النسخ.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾
قال تقدمت مناقضتها.
بقوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ).
[دلت*] على أن الخبيث أقل من الطيب؛ لأن المميز من الشيء يكون أقل من ذلك الشيء، فتقدم الجواب بوجهين:
الأول: أن [**لِيَمِيزَ] جملة [فعلية*]، وهذه شرطية.
الثاني: أن الفرق بين التمييز والمميز فلا يلزم من قولك: ميزت الفول من الحمص، أن يكون الفول أقل من الحمص حتى يقول: أخرجت الفول من الحمص [فلفظ التمييز صادق*] على كل واحد منهما، قال: وكنت بحثت مع ابن عبد السلام فيها، وقلت له: هذه تدل على الترجيح بالكثرة في الشهادة؛ لأنهم اختلفوا إذا شهدته؛ [بأن*] يأمر وشهد عشرة عدول بضده، فالمشهور عندنا أن لَا فرق بين العشرة والعدلين وهما متكافئان، وفي المذهب قول آخر بالترجيح، فقوله تعالى: (وَلَو أَعجَبَكَ كَثرَةُ الْخَبِيثِ) يدل أن الكثرة لها اعتبار؛ بدليل أنها ما أسقطت هنا إلا الخبيث، قال: ثم وجدت ابن المنير ذكره بعينه، وكنت قلته من عندي ولم يوافقني عليه ابن عبد السلام بوجه.
قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
المائدة 5:103
قال ابن عرفة: يحتمل أن يريد أولي العقول النافعة، وذلك قدر زائد على فعل التكليف، وهو الظاهر من كلام ابن عطية، فيكون في الآية وعظ وتذكير، ويحتمل أن يريد العقل التكليفي فقط من غير زيادة عليه.
قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾
لما تضمن الكلام السابق تقرير حال الجاهلية فيما سبق عقبه ببيان الإنكار عليهم في هذا فأتت هذه الآية احترازا.
قال الزمخشري: البحيرة كانوا إذا أنتجت الناقة خمسة آخرها ذكر بحروا أذنيها أي شقوها.
وقال ابن عطية: إذا أنتجت عشرة أبطن، قال: وعن ابن عباس إذا أنتجت خمس بطون، وعن مسروق إذا ولدت خمسا، أو سبعا، ولم [يقيده*] بأن آخرها ذكر.
قال ابن عرفة: لَا يريد بقوله: خمسا أو سبعا، أنه قول واحد لَا تصل إلى السبع حتى تصير بالخمس بحيرة بل بمعنى أنهما قولان.
قال ابن عرفة: والسائبة هي المعلق تسريحها على أمر، [كأن*] أن يقول إذا قدمت من [سفري*] وبرأت*] من مرضي فناقتي هذه سائبة.
والوصيلة قال الزمخشري: إذا ولدت أنثى فهي لهم، وإن ولدت ذكرا فهي لآلهتهم، وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: [وصلت أخاها*] فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم.
قال ابن عرفة: إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسا فإن كان آخرها جديا كان لآلهتهم، [وإن كانت عناقا استحيوها]، وإن كانت [جذيا*] وعناقا يستحيوهما، وقالوا: هذه العناق وصلت أخاها [فمنعته من] أن [يذبح*].
قال ابن عرفة:
و (جعل) ليست بمعنى خلق؛ لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء ولا [بمعنى*] صير؛ لأنها من [؍ ]، وحذف أحد المفعولين في ظننت اختصارا غير جائز، [فهي*] بمعنى شرع.؍
المائدة 5:104
وقال أبو البقاء: بمعنى بينها؛ لأن حذف أحد مفعولي جعل اختيارا وإخوانه اختصارا جائز.
واختار أبو حيان أنه محذوف اختصارا، وأنها بمعنى صير وقدر ما حصل الله من بحيرة مشروعا.
ابن عرفة: والصواب أن يقول ما جعل الله من بحيرة قربة أو قربة منها، قال ابن عطية، وقال أبو حنيفة: لَا يجوز الأحباس والأوقاف قياسا على البحيرة والسائبة والفرق بين.
قال ابن عرفة: قال في كتاب الوصايا: إذا قال عبدي يخدم فلانا حياته فمات فلان فاختلف فيه ابن القاسم وأشهب، فقال أشهب: يبطل الحبس ولا يرجع إلى ربه ووجه الاستدلال أنه أخرج المنفعة في نفسه فجعل عدم المنفعة لازما لعدم تلك الرقبة فينتج أن الحبس كذلك لَا يملك خلافا لابن القاسم.
وفرق بعض الطلبة بين الحبس والسائبة والبحيرة، فإن الحبس ينتفع به المحبس عليه وهذه الأشياء لَا ينتفع بها أحد على منفعته فلذلك أبطله الشرع، ولأنه قياس في معارضة النص؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حبس وحبس عمر وأمره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قوله تعالى: (يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ).
دليل على أنهم نسبوا ذلك إلى الله تعالى وكذبوا في ذلك.
قال ابن التلمساني: لَا خلاف في كفر من كذب الله تعالى، واختلف في تكفير من كذب على الله.
قال ابن عرفة: إن كذب على الله مستحلا فهو كافر بإجماع، وكذلك إن كذب فيما هو معلوم من الدين ضرورة، وإن كان غير مستحل فهو محل الخلاف.
قوله تعالى: (وَأَكثَرُهُم لَا يَعْقِلُونَ).
قال ابن عرفة: إن أريد العقل البالغ فكأنهم لَا يعقلون فالمراد كلهم، وإن أريد عقل التكليف فالمعنى أن بعضهم يدرك وجه التلبيس ولا يتبعه بل يتبع الخطأ وأكثرهم لغباوتهم جهلوا ذلك ولم يعلموه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا... (١٠٤)﴾
المائدة 5:105
قال ابن عرفة: استدل بها بعضهم على منع التقليد، قال: والتقليد في التوحيد منعه بعضهم وأجازه بعضهم، ومنهم من قال: إن التقليد إذا كان توسطا فهو مؤمن كإيمان العوام فإنه مستند إلى خلق الله تعالى للسماوات والأرض، وقال آخرون: المقلد في غير الإيمان مؤمن عند الله، قال: وإنما هو مؤمن في الظاهر فقط.
وسمعت عن الفقيه المدرس أبي العباس أحمد بن عيسى الصحابي أنه كان يسأل العوام وبعض جهلة الأعراب فإِذا رآه أخطأ في بعض عقائد التوحيد، قال له: أنت كافر وقرر له العقيدة حتى سمعت أنه أباح لمن هذه حاله أن يرد مطلقته بالثلاث؛ لأنه طلقها في حال الكفر، وطلاق الكفر باطل، وكذلك نقل عن تلميذه عبد الرحمن أبي عيسى المدرس الآن ببجاية والله أعلم بصحة ذلك، وهذا خطأ صراح لَا يحل.
قوله تعالى: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).
إن قلت: كيف هذا مع أن لولا ما تدخل على الأمر المستقبل وجوده، وإنما ينكر عليه اتباع آبائهم العالمين لَا الجاهلين؟، قال: فالجواب أنه من باب أحرى أي أنكر عليهم أولا تقليد من يعلم، ثم أنكر عليهم من باب أحرى تقليد من لَا يعلم.
قوله تعالى: (لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا).
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن كان العقل غير العلم يكون تأسيسا، وإن كان العقل هو العلم، [فإن*] العقل بعض العلوم الضرورية فيكون [راجعا للعلم الأول*]، والعقل راجع للعلم المستفاد من التعلم، قيل له: يرجع الأول للعلم الضروري، والثاني للعلم النظري.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
ابن عرفة: هذه الآية تدل على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان المنكر عاما فهو فرض عين، ويجب باعتبار الأشخاص فمن هو مقبول القول فيجب عليه ومن دونه يضعف الوجوب في حقه بقدر تفاوتها في قبول القول وهذا إن تحقق قبول قوله، وإن ظن فقولان بناء على أنه من باب المعلومات فلا يكفي فيه إلا العلم أو من باب العمليات فيكفي فيه غلبة الظن، والمسألة مذكورة في أصول الدين، وفي الفقه، وكذلك إن تحقق أنه نشأ عنه مفسدة فإنه يسقط عنه الوجوب ما لم يخش استحلال المكلف ذلك فإِنه يجب عليه التغيير، انظر ذلك وحققه.
قوله تعالى: (فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).
المائدة 5:107
دليل على أن الترك فعل؛ لأنه لم يقدمها إلا ترك النهي عن المنكر.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَىٰ أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾
قال ابن عطية: (عُثِرَ) استعارة لما يوصل إلى علمه بعد عقابه علما اتفاقيا من غير قصد.
ابن عرفة: ومنه العثور على الدقائق، ومنه العثرة وهي السقطة، وكان يتعقبه بقول إمام الحرمين في حد النظر الصحيح هو الذي يؤدي إلى العثور على الوجه الذي منه يدل الدليل وهو لَا يكون إلا عن نظر.
وقوله (اسْتَحَقَّا إِثْمًا).
المراد به الشاهدان، فإِما أن يكون معناه، استوجبا إثما، أي بأن يحقق أنهما اتصفا بالإثم، وإما أن معناه [اغتصبا*] مالا، فالأول: راجع لتحقيق اتفاقهما بذلك، والثاني: راجع لدعوى المدعي عليهما أنهما [اغتصبا*] مالا بشهادتهما، وكان الطلبة يسألون كيف يرتب الجواب على هذا؛ لأنه إذا حقق اتصاف الشاهدين بالإثم، أو تحقق اقتضائهما المال سقطت شهادتهما فلا يحتاج الخصم إلى [الحلف*] بوجه، فكيف صح أن يقول: فآخران يقومان مقامهما؟، وأجيب بأن هذا يطرد أن لو قيل: فإن استحقا إثما، والجواب أنهما استوجبا إثما، فكذلك يحلف الآخر لَا على التهمة.
قوله تعالى: (يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا).
جعله أبو حيان مصدر.
ابن عرفة: ليس بمصدر حقيقة بل مشبه بالمصدر، مثل: ضربته ضرب الأمير ليس من فعل الضارب بل مشبه به فكذلك المعنى فآخران يقومان تشبيها بقيامهما.
قوله تعالى: (لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا).
قال ابن عرفة: انظر هل هذا مثل قولهم العسل أحلى من الخل؛ لأنهما إنما يحلفان أن شهادتهما هي الحق وأن الأخرى باطلة، أو أن شهادتهما حق ويحلفان كذلك؛ لأنه تقرر [إذا تعارضت بينتان أيهما أحق فإنه*] يقدم التي هي أجود وأرجح، والظاهر الأول.
المائدة 5:108
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ... (١٠٨)﴾
قال ابن عرفة: أو هنا إما على بابها أو بمعنى الواو، فالمعنى أن شهدوا، وما إن كانت بمعنى الواو فهو من تقديم المسبب على سببه؛ أي: يخافوا فيأتوا بالشهادة على وجهها، وإن كانت على بابها فالمعنى: إما أن يشهدوا.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).
جعله ابن عطية عاما مخصوصا، وإن جعلناها حقيقة، وقلنا المراد حين فسقهم فيكون فيه تحصيل الحال.
قال الزمخشري: لَا يهديهم في الآخرة إلى طريق الجنة، ففسرها على مذهبه؛ لأن الفاسق عنده في النار، وإما أن تقول المراد بالفاسق الكافر وتفسيرها بما قال.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾
قيل: العامل في يوم ما تقدم من قوله (لَا يَهْدِي).
ابن عطية: وهو ضعيف.
ابن عرفة: لأنه حمل الهداية على معناها الشرعي العرفي وهو الهداية المستلزمة للثواب والعقاب، وذلك إنما هو في الدنيا لأن يجازى به في الآخرة.
قيل له: إنما الهداية مجردة الإيمان، فقال: هي خلق الإيمان التكليفي والدار ليست بدار تكليف، وإن حملنا معنى الهداية على ما قال الزمخشري: [(لا يَهْدِي) أي لا يهديهم طريق الجنة يومئذ كما يفعل بغيرهم*]، فيصح أن يعمل في يوم، وقيل: العامل فيه اذكر.
ابن عرفة: لكن إن عمل فيه يهدي يكون يوما ظرفا، وإن عمل فيه اذكر يكون مفعولا به، وقيل: العامل فيه اسمعوا.
ابن عرفة: فهو على حذف مضاف، أي اسمعوا تلاوة يوم يجمع الله الرسل، واليوم في اللغة يراد به النهار والليل.
قال مالك في كتاب الإيمان من المدونة: فإذا حلف لَا كلمت فلانا اليوم أي لا يكلمه في النهار ولا في الليل إلا أن ينوي النهار وحده.
قال ابن عطية: وخص الرسل؛ لأنهم قادة الخلق وفي ضمن جمعهم جمع الخلائق، ابن عرفة: فجعل دلالته على جمع الخلائق دلالة أخرى وهي دلالة الالتزام
المائدة 5:110
واستعمال اللفظ في الملزوم وحده مجاز بلا خلاف، وهي مدلوله وحده حقيقه ومجازه.
وكان بعض المحققين يقول: إن استعمل في مدلوله ولازم مدلوله العقلي فهو حقيقة كدلالة لفظ العشرة على الزوجية حقيقة، ومن لوازمها الانقسام بمتساويين فهو لازم عقلي لَا ينفك، وكدلالة لفظ الإنسان على ذاته حقيقة ويستلزم عقلا التحيز والجهة، وأما اللازم الخارجي الذي قد يترك فليس بحقيقة وهذا منه.
قوله تعالى: (قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ).
نقل ابن عطية عن مجاهد أنهم يفزعون فزعا، فالفزع ثابت، والحزن به منفي فلا يبطل ما قاله ابن عطية.
وقال ابن عباس: لَا علم لنا إلا [علما*]، أنت أعلم به.
قال ابن عرفة: هذا سؤال [تقريع وسؤال التقريع*] يفهم منه تكليف امتثال الأمر [بالجواب] عما سئلوا، فكيف قالوا: (لَا عِلْمَ لَنَا) قال: والجواب أنهم غلبوا مقام التوحيد على مراعاة طلب الامتثال لما سئلوا عنه.
[وحمله] الزمخشري على أن السؤال [توبيخ قومهم*] لَا عذابهم، والجواب [إظهارا*] للتشكي بحالهم معهم، فلا يرد عنه ما قلناه، وهذا يحتمل أن يكون قولا منه للرسل مباشرة، أو على لسان بعض ملائكته، [ولا يحملها*] الزمخشري على أنها سؤال، [فيكون تبكيتا لقوم، وثناء على آخرين*].
قال: واختار ابن هشام في شرح الإيضاح كون الإضافة للفعل، واستدل عليه بمواضع من كلام سيبويه، واختار ابن عصفور في مقربه كون الإضافة للجملة، والمصدر المفهوم من الفعل، والآية دلت على أن الرسول أخص من النبي.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾
قال أبو حيان: المنادى المفرد العلم إذا وصف بابن مضاف إلى علم أجاز الجمهور فتحه اتباعا لـ (ابْنَ).
وأجاز الفراء تقدير الضمة والفتحة في المعتل فإن جعلت ابنا بدلا أو منادى لم يجز في المنادى العلم إلا للضم. وقال بعضهم: يجوز في عيسى أن يكون محل رفع؛ لأنه منادى وصرفه غير مضاف، وأن يكون في محل نصب؛ لأنه في صفة الإضافة، ثم جعل ابن توكيدا، وما كان مثل هذا جاز فيه الوجهان، وأنشدوا:
[يَا حَكَمَ بنَ الْمُنْذِرِ بْن الجارودُ؍ أَنْت الجوادُ ابنُ الْجواد المحمودْ*]؍
قال ابن عرفة: كذا أنشدها السابقون، وأنشد سيبويه شطرها الأول فقال:
ابن ولاد ابن خروف تمامها؍ فترادف الجود عليك موجود؍
وأنشد ابن عصفور في مقربه.
قال الكسائي: أنها إذا لم تكن فيه وألحقها بعد ذلك.
ابن عرفة: أنشدها لما ذكر ابن إذا وقع بين علمين، وما جرى مجراهما أو بين اسمين متفقين في اللفظ، وإن لم يكن علمين يجوز اتباع المنادى لابن، قال: أنشد الفراء:
[** يا غنم ابن غنم محبوسة؍ فيها يقام وبعبق رحيق]؍
قلت: وقال السفاقسي: [كلام أبي حيان هنا*] ليس بشيء. لأن ابن إذا جعل توكيدا اختل المعنى، وأظنه التبس عليهم باسم [علم*] هدى، وقد جعل أبو القاسم ابن الجمل باسم ابن زيد بن عمرو، ومثل باسم بني عدي وهو [... ] حال.
ابن عرفة: ولأن يتم يمكن زيادته؛ لأنه أسقط لم يختل، قال: وكان بعضهم يفرق بين نسبة الابن إلى الأب وبين نسبته إلى الأم فإن نسبته إلى الأب غير لازمة شرعا كآدم وعيسى، وكذلك ولد الزنا ونسبته إلى الأم لازمة، وهنا إذا نسب إلى الأم فهو توكيد.
قوله تعالى: (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي).
قال ابن عطية: الإذن هنا التمكين مع العلم بما يصنع ومن يقصد من دعاء النَّاس إلى الإيمان.
وقال الزمخشري: بإذني أي بتسهيلي.
ابن سلامة: هذا على مذهبه في أن العبد يخلق أفعاله.
قوله تعالى: (فَتَنْفُخُ فِيهَا)
المائدة 5:111
ابن عطية: هو النفخ المعلوم من البشر، وإنما جعل الله الأمر هكذا ليظهر تلبس عيسى بالمعجزة وصدورها عنه، وهذا كطرح موسى العصا، وكإيراد محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم [القرآن*]، وهذا أحد شروط [المعجزات*].
ابن عرفة: هذا اعتزال؛ لأنه شرط المعجزة التلبس بها وصدورها عن كسب فإذا صدرت عن غير كسب، وهي التي لم تتلبس بها كانشقاق القمر لم يكن معجزة فليس الأمر كذلك، قلت: وتأولوا كلامه بوجهين:
الأول: أن يراد بالتلبس مطلق الملابسة وهو التحدث بالمعجزة وتسببه فيها إما بقول أو فعل ونحوهما.
الثاني: قال وفي الآية عندي سؤال وهو أن عرف القرآن أن الشيء إن كان من بعض مقدور النبي لم يحتج إلى الإذن.
وكان بعضهم يقول: الصواب العكس وجاءت الآية على العكس.
قيل لابن عرفة: إنما يراد هذا على تفسير ابن عطية الإذن بالتمكين مع العلم، ولنا أن تفسيره بالإباحة؛ لأن التصوير منهي عنه شرعا ويكون احترازا من المنهي عنها، أو يفسر الإذن بالقدرة وردها إلى النفخ فإن النفخ أمر غريب، قلت: وقوله: وعرف القرآن إلى آخره، مثاله (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)، وقوله تعالى: (لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) وقوِله سبحانه (وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا). وقوله تعالى: (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ... (١١١) الوحي في اللغة الإلهام أو الأمر، ابن عرفة: فالأول ظاهر، وعلى الثاني يكون أمرهم على لسان عيسى، وأما بالدلائل الدالة على أن من أظهرت على يديه المعجزة فهو رسول صادق من عند الله.
قوله تعالى: (قَالُوا آمَنَّا).
دليل على جواز أنا نؤمن من غير استثناء إن قلنا إنه خبر، وإن كان إنشاء فلا دليل فيه.
قوله تعالى: (وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ).
دليل على أن مغايرة الإيمان والإسلام وإن كان تأكيدا، وأجيب بأن المغايرة حاصلة من أن الثاني بالاسم والأول بالفعل.
قيل لابن عرفة: هذا إن قلنا: إن الإيمان يزيد وينقص، وإلا فلا مغايرة.
المائدة 5:112
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾
قرأ يستطيع بالتاء، أبو علي: يفهم إما بتقدير تستطيع بالتاء سؤال ربك، أو يستطيع أن ينزل ربك بدعائك، أبو حيان: فعل الله وإن كان سببه الدعاء فليس مقدور، السفاقسي: إن أراد حقيقة فمسلم ومجازا فممنوع إلا أن تقدير السؤال أحسن؛ لأن فيه إضمار فقط، وفي الثاني مجاز وإضمار، ابن عرفة: بل تعارض المجاز وحده مع الإضمار وحده.
قوله تعالى: ﴿نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا﴾
إرادة حقيقية أو بمعنى تقصد أن تأكل منها.
قوله تعالى: (وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا).
دليل على أن العقل في القلب وهو مذهب جمهور الفقهاء وأقل الفلاسفة، ومذهب أكثر الفلاسفة وأقل الفقهاء أن العقل في الدماغ.
قال ابن رشد في المقدمات وغيره: فإن قلت: قد نص النَّاس على أن العلم النظري أشرف من العلم الضروري؛ لاشتماله على الاستدلال بالمقدمتين والنتيجة، وهذه الآية اقتضت أنهم أرادوا الانتقال من العلم النظري إلى العلم الضروري فكيف يصح ذلك، قال: والجواب أنهم أرادوا الانتقال من علم نظري دليله خفي إلى علم نظري دليله جلي واضح.
قوله تعالى: (وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ).
قال ابن عرفة: فيه عندي دليل على أن خبر التواتر في المسائل الاعتقادية يفيد العلم وهو المعروف عند الأصوليين خلافاً لبعض غلاة الفلاسفة هذا إن كان هذا خبر تواتر، وإن كان خبر آحاد وقلنا: أن شرع من قبلنا شرع لنا فيكون دليل على أن خبر الواحد يفيد العلم؛ لأنهم قالوا: ونكون عليها من الشاهدين لغيرنا أي: المخبرين لغيرنا فقد اعتقدوا أن ما يفيد الظن وهو خبر الواحد يصح العمل به في المسائل الاعتقادية القطعية العلمية فاعتقدوا أن غيرهم يقبل خبرهم ويعمل عليه، وليس هذا بشهادة وإنما هو خبر، وهذا كله إن قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا، ففي الآية دليل إما على أن خبر التواتر يفيد العلم، أو خبر الواحد يفيد العمل به.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾
المائدة 5:117
قال ابن عرفة: إن كان هذا القول في الآخرة فهو توبيخ للكفار، وإن كان في الدنيا فهو استنطاق له لينطق بالتبرئة بمحضر الملائكة، والقول إما مباشرة أو على لسان ملك، وفرق البيانيون بين قولك: أنت قلت هذا القول، وبين قولك: قلت أنت هذا القول، فإذا دخل الاستفهام على الفعل يكون إنكارا للفعل، فإذا دخل على الاسم يكون إنكارا للنسبة أي لنسبة الفعل إلى من أسند إليه، فالمقالة هنا واقعة لكن الإنكار إنما تسلط على نسبتها إليه، فإن قلت: هم إنما اتخذوهما إلهين مع الله لَا من دونه، قلنا: القدر الذي عبدوهما فيه من دون الله، وأيضا فمقام الربوبية يقتضي الاختصاص بدليل التمانع بكونهم شركوا الغير مع الله يقتضي عبادتهم له من دونه وكأنهم لم يعبدوا الله أصلا.
قوله تعالى: (قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ).
قال ابن عرفة: نفى هنا الأخص ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، لقوله (مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ) فلو حذف لي وقال: ما ليس بحق بالإطلاق لكان النفي أبلغ؛ لأنه يقول ما هو حق له، ألا ترى أن الشخص إذا قال: لَا أطلب ما ليس لي بحق يفهم أنه يطلب ما هو حق له؟ فلو قال: لَا أطلب ما ليس بحق بالإطلاق، والجواب أن الأمر في هذا كله مستو بينه وبين غيره فالأخص منهما مساو للأعم فيلزم من نفيه نفيه.
قوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ).
ابن عرفة: كان الشيخ أبو إسحاق إبراهيم السبيلي ذكر في الخطبة: النفس في الله فأنكرها عليه ابن مرزوق، فرد عليه بهذه الآية فسكت وسلم له.
ابن عرفة: وهو خطأ؛ لأن هذا إنما هو على سبيل المشاكلة مثل (وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ).
قوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ﴾
ابن عرفة: هذا الحصر تارة يكون لازما وتارة يكون غير لازم، يقول: ما قتل عمرو إلا الفلج، فإن خاطبت من يعتقد أن الموالي لَا يتجاسرون على قتل أشراف الأحرار ويجوز أن يكون غيره قتله، ولا يجوز أن يقتله غيره لما فيه من الجرأة والإقدام على عظائم الأمور دون من سواه كان الحصر تأكيدا، والخطاب هنا لله تعالى العالم بخفيات الأمور، فهلا قال لهم: ما أمرتني به دون أداة الحصر.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بما تقرر في علم المنطق من أنه لَا تناقض بين النقيضين الوقتيين ولا بين المطلقتين، ولا بين المطلقة والوقتية، كقولك: زيد قائم
المائدة 5:118
الآن، ولو قال هنا: قلت لهم: ما أمرتني به ليحصل الجواب على قوله (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ) فلما قال: (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ) كانت دائمة والدائمة تناقض الوقتية والمطلقة فحينئذ يتم الجواب، قال السفاقسي: وقوله (أَنِ اعْبُدُوا) تفسير للجملة المتقدمة على إلا، فرده ابن عرفة بأن مقابل إلا منفي فيلزمه أن يكون أن اعبدوا الله منفي وهو باطل، أو لَا يفسر المنفي بالمثبت.
وقال ابن المنير: قال أهل العربية: القول يأتي بعده الفعل المفسر له مقرونا بأن تارة وتارة غير مقرون به.
وقال ابن عصفور: لَا يأتي بعده الفعل إلا غير مقرون بأن.
قال الزمخشري: إن جعلناها مفسرة فلا بد من تفسير والمفسر إما قلت، أو أمرتني وكلاهما لَا وجه له، أما القول فيحكي بعده الجمل من غير أن توسط بينهما حرف النفي لَا بقول ما قلت لهم إلا أن اعبدوا الله، ولكن ما قلت لهم: إلا اعبدوا الله.
قال ابن عرفة: بل إذا قلت: ما يكون تفسيرا بمتعلق القول المفهوم من قلت أي ما قلت لهم إلا قولا هو أن اعبدوا الله وإلا فقولا أو شيئا هو أن اعبدوا الله.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾
قال ابن عرفة: إن كنت أردت تعذيبهم فهم عبادك، وإن أردت المغفرة لهم، ولذا جاء بقول العزة؛ لأنها سبب المغفرة، فتقف عند قوله (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ).
قال الفخر الرازي: إن مصحف عبد الله إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، سمعت شيخي ووالدي رضي الله عنه، يقول: العزيز الحكيم هنا أولى من الغفور الرحيم؛ لأن كونه غفورا رحيما نسبة الخلق الموجب للمغفرة والرحمة لكل محتاج، وأما العزة والحكمة فهما لَا يوجبان المغفرة فإن كونه عزيزا يقتضي بفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فإنه لَا اعتراض لأحد، [فَإِذَا كَانَ عَزِيزًا *] متعاليا من جميع جهات الاستحقاق ثم حكم بالمغفرة [كان*] الكرم هاهنا أتم عما إذا كان كونه غفورا رحيما بسبب المغفرة والرحمة، [فَكَانَتْ عِبَارَتُهُ رَحِمَهُ اللَّه أَنْ يَقُولَ: عَزَّ عَنِ الْكُلِّ. ثُمَّ حَكَمَ بِالرَّحْمَةِ فَكَانَ هَذَا أَكْمَلَ *]. وقال قوم آخرون: لو قلت: فإِنك أنت الغفور الرحيم دل ذلك على أن [غرضه*] تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا [... ] من جميع الوجوه، انتهى.
قال ابن عطاء الله في لطائف المنى: إن الشيخ أبا العباس قال: إنما عدل عن قوله: فإِنك أنت الغفور الرحيم إلى قوله: العزيز الحكيم؛ لأنه لو قال: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم لكان شفاعة من عيسى عليه السلام لهم في المغفرة، ولا شفاعة في كافر؛ ولأنه عبد من دون الله فاستحيا من الشفاعة هذه وقد اعتذر عنه، انتهى.
ابن عرفة: كان الفقيه حازم كاتب المستنصر أمير المؤمنين يرى الوقف على قوله تعالى: (وَإِن تَغفِرْ لَهُم) [ويبتدئ*] (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) لاعتقاده أن (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) مستأنف لَا جوابا لشرط، وقال: إنما يكون جوابا لو كان فإِنك أنت الغفور الرحيم.
وكان ابن عبد السلام يستحسنه، قال: وما قالاه ليس بشيء ولا يصح الوقف إلا بعد الحكيم عندي؛ لأن (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هو الجواب، قال: وعندي في ذلك مسألة النحويين من أن حرف الشرط إذا دخل على المستقبل وجب ذكر جوابه بخلاف دخوله على الماضي فإنه يجوز حينئذ ذكره وحذفه، قلت: على الفقيه حازم أيضا من وجه آخر، وذلك؛ لأن حاصل ما يدعيه أن قوله (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ) لَا يناسب (فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) والحق أنه مناسب مناسبة لطيفة تخفى على الأكثر، ولذلك قال علماء البيان في هذه الآية الكريمة أنها من خفي تشابه الأطراف، فإِن قلت: ما حقيقة تشابه الأطراف؟ قلت: هو أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى، فإن قلت: كيف ختم الكلام في هذه الآية الكريمة بما يناسب أوله في المعنى؟ قلت: قال القزويني في إيضاحه: إن العزيز هو الغالب من قولهم: من [عزَّ بزَّ*] أي من غلب [استلب*]، والغالب على الحقيقة هو ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه، والحكيم هو الذي يضع الأشياء في محلها والله تعالى كذلك إلا أنه قد يخفي وجه الحكمة في بعض أفعاله يتوهم بعض الضعفاء أنه خارج عن الحكمة، وإذا فهمت معنى هذين الصفتين علمت أن الواجب ما عليه التلاوة، والمتصف بهذين الوصفين هو الذي
المائدة 5:119
يغفر لمن يستحق العذاب على الحقيقة فصار الوصفان المذكوران يدلان على معنى لم يدل عليه الغفور الرحيم، فكأنه يقول: وإن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم بأحد وجهين:
إما بأن جواب الشرط الثاني محذوف له المعنى أي فإنك إن تغفر لهم فأنت الغفور الرحيم، وإن قلنا: بأن الشرطين في معنى شرط واحد مركب من جزأين وجوابهما بينهما مقدم في اللفظ مؤخر في المعنى، أي إن تغفر لهم أو تغفر لهم فهم عبادك، وأوردوا عليه أن الشرط لَا يحذف جوابه إلا إذا كان فعل الشرط ماضيا [وأما في*] المستقبل، فلا؛ لأنه يؤدي إلى منهيات العامل للعمل وقطعه عنه فيبطل الجواب الأول ويبقى الثاني.
قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾
قال ابن عرفة: هنا مقامان: مقام التوحيد، ومقام التكليف لعيسى عليه الصلاة والسلام غلب مقام التوحيد واعتبره والأمور كلها فيه منسوبة، فلا فرق بين التعذيب ولا بين المغفرة؛ لأن الكل عبيده يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا حسن ولا قبح باعتبار مقام التكليف من صدق في عمله وطاعته انتفع ومن خالفه عذب.
ابن عرفة: وهو المراد بصدق الأعم أو الأخص الذي ذكره ابن التلمساني لما عرف الخبر بأنه الذي يحتمل الصدق والكذب، قال: فإن قلت: المراد هنا الأخص؛ لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ولا ينعكس.
قال أبو حيان: وقرر صدقهم بالنصب وهو مفعول من أجله.
ابن عرفة: شرط المفعول من أجله أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل يستقيم على مذهب أهل السنة؛ لأن الأفعال كلها لله ويشكل على مذهب المعتزلة كالزمخشري وغيره، ولا يصح أن يراد الصدق في الآخرة إذ ليست بدار تكليف ولا في الدنيا؛ لأن المراد صدقهم في الآخرة فيما يجب به في قوله (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ).
وأجاب ابن عرفة بأن المراد استمرار الصدق، ونحو قول المنطقيين إن النتيجة ليست عين الكبرى ولا عين الصغرى وحدها ثم أجابوا عنها بأنها عينها، ورده ابن عرفة بأن الاستمرار في الآخرة وليست دار تكليف، وأجاب بأن المراد الاستمرار باعتبار تقدم سببه في الدنيا.
* * *
المائدة 5:120
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله علي سيدنا محمد وسلم
قال سيدنا وبركتنا الشيخ الفقيه العالم العلامة عز الأنام الحبر الهمام الصدر المحقق فريد دهره ووحيد عصره أبو عبد الله محمد بن عرفة المالكي: علم التفسير: القول في حقيقته، وموضوعه، ودليله، وفائدته، واستمداده، وحكمه. أما حقيقته: فهو العلم بمدلول القرآن وخاصية كيفية دلالته (وأسباب النزول) والناسخ والمنسوخ. فقولنا: خاصية كيفية دلالته هي إعجازه ومعانيه (البيانية) وما فيه من علم البديع (الذي يذكره) الزمخشري (ومن نحا نحوه).
قيل (لابن) عرفة: غيره من المفسرين لم يذكرها كالطبري الذي هو إمام المفسرين؟ فقال: كان مركزا في طبعه وإن لم يكتبه. وموضوعه: القرآن. ودليله: اللغة (العربية) والبيان، لأن المفسر يفسر اللفظة بمعنى ويستدل عليها بشواهد من الشعر وكذلك يستدل على إعرابها. وفائدته: استنباط الأحكام والمعاني من أصول الدّين وأصول الفقه والعربية. وحكمه: أنه فرض كفاية وهو الآن ساقط لحصوله في الكتب وقام به جمع كثير. لكنّ الناس على أقسام: - مجتهد مفسر (كالشيخ عز الدين) (ب) ابن عبد السلام. وآخر مفسر غير مجتهد كسيبويه (ج) والفارسي (د) والزجاج
والزمخشري فإنّهم لم يحصلوا أدوات الاجتهاد (وحصّلوا) أدوات التفسير. وآخر مجتهد غير مفسر حسبما ذكر الغزالي (ب) في شروط الاجتهاد: " إنه لا يلزم المجتهد حفظ القرآن كلّه بل إن (حفظ منه خمسمائة آية) (يستدل بها)، وهي آيات الأحكام (ج). والمفسر من شروطه: حفظ القرآن كله، لأن المفسر إذا استحضر آية لا يحل له أن يفسرها لاحتمال أن يكون (هنالك) آية آخرى ناسخة لها أو مقيدة أو مخصصة أو مبيّنة فلا بد للمفسر من حفظ القرآن كله. (هذا) ولا حاجة (له) بطلبه لأن التفسير من قام به موجود في الكتب. وأقل التفسير يحتاج فيه إلى المشاركة في العلوم المشترطة في المفسر ما ينقل ليفهم. ونحن الآن ناقلون لا يلزمنا حفظ القرآن كله.
ولقد كان الفقيه أبو القاسم بن القصير (أ) مدرساً بمدرسة ابن اللوز يفسر القرآن فيها، وكان لا يحفظه فأنكر عليه أبو الحسن على العبيدلي (ب). وقال له: لا يحل لك التفسير حتى تحفظ القرآن كلّه. فأخذ ذلك منه بالقبول وأقبل على درس القرآن حتى حفظه. فقيل لابن عرفة: كيف يشترط حفظ القرآن في هذا وهو ناقل للتفسير فقط، وإنما يشترط ذلك في المنقول عنه؟ فقال: ألا ترى أنا لا نجيز الفتوى (والتدريس) لمن ينظر في مسألة واحدة في الكتب حتى يشخص جميع مسائل الكتب كلها إذ قد يكون بعضها مقيداً لبعضها. فكذلك هذا فلعل مفسراً آخر يستحضر آية تقيدها، أو نحو ذلك، فتحصّل من هذا أنّ فرض الكفاية باعتبار أصل التفسير (قد ارتفع) قبل أن يقع البعض به وفرض الكفاية باعتبار نقل التفسير لم يزل باقياً. قيل لابن عرفة: بل نقول: إنه فرض عين ويجب على من يقرأ (القرآن) أن يفهم المعنى؟ فقال: كان الصحابة في الزمن الأول (يعلمون) الإعجام لألفاظ القرآن بدون معانيه، وإن كان قد قال الفقهاء: فيما إذا اجتمع الأفقه والأقرأ: إنّه يقدم الأفقه (ج)، وحملوا قوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
يؤم (القوم) أقرؤهم " (أ) على أن الأقرأ في ذلك الزمان هو الأعلم (إذ) كانوا يتعلمون مع التلاوة ما يتعلق به من الأحكام، والمعاني قاله ابن بشير (ب) وغيره. ويحكى أن سيدي الفقيه الصالح أبا العباس بن عجلان (ج) رأى رجلاً يضبط المصحف (بالأحمر) فأنكر عليه، وضربه ضربة في وجهه (بخوصة) (د). ثم لقيه بعد ذلك فجعل يطلب منه (العفو) وندم على (ما فعله له)، ورأى أنّه لا يستحق به تلك العقوبة. ونقل عن العبيدلي أنه كان يمنع المؤدبين الذين لا يحسنون رسم المصحف من الإقراء. (وهكذا) كان العمل بتونس لا يقرئ إلا من يحسن الضبط (بقراءة) ورش (هـ) ولا يباع في الكتبيين إلا المصحف المصحح. تفسير الاستعاذة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (أ) قال ابن عرفة: الاستعاذة استجارة والاستجارة إبعاد والإبعاد نفي (والنفي) متعلق بالأخص ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم فلا يلزم (من) الاستعاذة من هذا الشيطان المخصوص الاستعاذة من مطلق الشيطان. وأجاب بأن قال: النعت على قسمين: نعت تخصيص ونعت لمجرد الذم، فيقال إن هذا النعت مجرد الذم، (وكل) شيطان مرجوم.
قال الإمام مالك في المدونة: لا يتعوذ في المكتوبة (قبل القراءة) ولكن يتعوذ في قيام رمضان (أ) وإذا بدأ - وقال في المجموعة (ب) في قوله تعالى: {فَإذَا قَرَأَتْ القُرْآنَ فَاسْتَعذِ بالله مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجيمِِ) {ج) - إنّ ذلك بعد أم القرآن (إنْ) قرأ في الصلاة. قال اللّخمي (د): (الشأن فيمن) افتَتَح أن لا يتعوذ ورأى ذلك لأن الافتتاح بالتكبير ينوب عنه ويجزئ عنه. قال ابن عرفة: وإذا نسى الإستعاذة فإن أطال القراءة أتمّها ولم يعد وإن لم يكن أطال ففي رجوعه إلى الإستعاذة قولان. وكره له في العتبية (هـ)
الجهر بالاستعاذة في قيام رمضان ورأى أنّ الأمر بالاستعاذة على الندب. ابن رشد (أ): ووجه ما في المدونة الاتباع، وخفف في العتبية (ب) أيضاً تعوذ القارئ إذا أخطأ في الصلاة لأن (ذلك) من الشيطان. وحكى (أبو عمرو الداني) في (بحار البيان) (ج) في كيفيته ثلاثة أوجه: (إما أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم) (وحكى) في كتاب (الإقناع) (د) أن الأولى أن تقول: أعوذ بالله القوي من الشيطان (الغوي).
وقال الشاطبي (أ):
(إذا أردت الدهر تقرأ فاستعذ؍ جهارا من الشيطان بالله مسجلا)؍
(على ما أتى في النحل يسرا وإن تزد؍ لربك تنزيها فلست مجهلا)؍
(وقد ذكروا لفظ الرسول ولم يرد؍ ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا)؍
(ب) فظاهره أنّ الآي مجملة (هو خطأ لأن المجلم عند الأصوليين هو اللفظ المحتمل معينين فصاعدا على التساوي، وليست الآية كذلك بل هي عندهم من قبيل المطلق الذي يصدق بصورة). قال: وعادتهم يجيبون عنه بأنه من قبيل الإجمال اللغوي لا الاصطلاحي. (ثم قال):
(وفيه خلاف في الأصول فروعه؍ فلا تعد منها باسقا ومظللا)؍
(ج) ومراده بالأصول إما (الكتب المطوله) وإما أصول الفقه. وقوله الرَّجِيم: هو بمعنى مرجوم فإن أريد المرجوم بالشهب فالنعت للتخصيص والبيان، وإن أريد به أنه مرجوم باللّعنة، والمقت وعدم الرحمة فالنعت للتأكيد، لأن كل شيطان كذلك.
قلت: وتقدم لابن عرفة (في الختمة الثانية في عام سبعة وخمسين وسبع مائة)، قال أبو البقاء (أ): الشيطان فيعال من شطن يشطن إذا بعد، ويقال فيه: شاطن وشيطان وسمي بذلك كل متمرد لبعد (غوره) (في الشر) وقيل: هو (فعلان) من شاط يشيط إذا هلك (ب). قال ابن عرفة: ورد هذا لمخالفة (قاعدة) الاشتقاق، لأن الشيطان فيه النون وشاط لا نون فيه - والرّجيم بمعنى مرجوم (وقيل) بمعنى فاعل أي يرجم غيره.
الأنعام 6:1
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
قال ابن عطية: السورة مكية إلا آيات ستة.
قال ابن عرفة: كان ابن عبد السلام ينكر ما يفعله العوام من أنهم يقرأونها في مرة واحدة بناء على أنها منزلة دفعة واحدة، قال: لأن الذي في كتب التفسير وفي الحديث الصحيح أنها أنزلت في مكة إلا ست منها.
قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
أفرد الأرض إما لأنها واحدة، أو لأن المشاهد لنا منها أرض واحدة بخلاف السماوات.
قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ).
جعل بمعنى صير، والظلمات إما أمر وجودي أو أمر عدمي بناء على أن العدم الإضافي جعلي فيصح أن يكون أثر القدرة أولا، وجمع الظلمات وأفرد النور إما لتشعب طرق الشرك وطريق الحق واحدة.
قال بعضهم: ويؤخذ منها أن في التوحيد والاعتقاد النور.
قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا).
العطف بـ ثم؛ لأن من ظهرت له الدلائل السمعية الظاهرة يبعد كفره مع وجودها.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ... (٢)﴾
قال ابن عرفة: الظاهر عندي أنه الأجل هو الأول هو الأجل المعتاد كقولهم في المفقود: أنه يعمر سبعين سنة، وقيل: ثمانين أو تسعين أو مائة وعشرين فهذا أجل مقتضى معتاد، والأجل المسمى عنده هو أجله الحقيقي الذي قدر له في اللوح المحفوظ، وكذلك أصحاب الصنائع كلها.
قوله تعالى: (وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ).
قال الزمخشري: فإن قلت: الكلام السائر أن يقال: عندي ثوب جديد ولي بعد كيس، قال: أوجب التقديم، قلت: أوجبه أن المعنى: وأي أجل مسمى عنده تعظيما لشأن الساعة فلما جرى فيه هذا المعنى وجب التقديم.
الأنعام 6:3
ابن عرفة: فإن قلت: الذي نص سيبويه وغيره على أن الأصل تقديم المبتدأ المسند إليه على المسند، قلنا: إما باعتبار حقيقة ذلك فهو الأصل، وإما باعتبار الكلام فالأكثر في كلامهم تقديم المسند فيقال: عندي ثوب جديد.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾
ابن عرفة: احتج بها من يقول بالتجسيم، واحتج آخرون على منعه باستحالة حلول الجوهر الواحد والجسم الواحد في مكانين في زمن واحد، قيل لابن عرفة: لعله غير متناه فيحل في السماوات، وفي الأرض، يقال: جعل بعضه في هذه وبعضه في هذه، أو الآية اقتضت [... ] كله في الأرض [... ] وأنها لقوله تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) أي بعلمه وإحاطته.
قوله تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ).
هذه دليل على أن متعلق الحواس الخمس من قبيل المعلومات بعد تقرير أن صفة السمع مغايرة لصفة البصر.
وقوله تعالى: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى)
قيل: هو كلام النفس، وقال بعضهم: هو الكلام قبل كونه سرا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾
قال الزمخشري: من الثانية للتبعيض.
ابن عرفة: ويحتمل أن يكون لبيان الجنس تعظيما للآية وتنزيلا لها منزلة كل الآيات إشارة إلى أن كل آية في نفسها عظيمة تقوم مقام الآيات الكثيرة.
قوله تعالى: (إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ).
من شرط قيام الصفة بالموصوف عدم اتصافه بضدها وهم لما أتتهم الآية الثالثة على صدق الرسول المشروطة بالنظر أعرضوا عنها، ولم ينظروا فلو نظروا لآمنوا فشرط الإيمان النظر في الآية فاتصفوا بضد شرطها وهو الإعراض.
قوله تعالى:
﴿فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾؍ إشارة إلى غوايتهم وشدة تعنتهم في مبادرتهم بالتكذيب بنفس المجيء من غير تأن ولا تأمل.؍
الأنعام 6:6
قوله تعالى: ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
التمكين فيها هو جوزها جوزا يستلزم التصرف فيها بما شاء من أنواع التصرفات.
قال الزمخشري: مكن لعاد وثمود وغيرهم في البسطة في الأجسام والسعة في الأموال واستظهار بأسباب الدنيا.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ﴾
قال ابن عطية: يشبه أن يكون سبب نزول هذه اقتراح عبد الله بن أبي أمية وتعنته إذ قال للنبي صلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم: لا أومن لك حتى تصعد إلى السماء ثم تنزل بكتاب فيه من رب العزة إلى عبد الله بن أبي أمية، يأمرني بتصديقك.
قال ابن عرفة: سبب في ما لَا يصح أن يقرر به مناسبتها لما قبلها بوجه، قال: وإنما سبب نزولها عندي أحد أمرين، إما لأنه لما تقدمها التنبيه على وعظهم وتخوفهم بأنه أرضيته وهو وجود أعم قبلهم تعنتوا وخالفوا فأهلكوا، ومع ذلك فلم يتعظوا بهم ولم ينفع ذلك فيهم عقبه ببيان أنهم لو نزل عليهم آية سماوية لما آمنوا، وإمَّا لأن الأول إخبار لهم عن قوم مضوا كانوا كفروا عقبه ببيان أنهم كما لم ينفع فيهم الإخبار عمن هلكوا بعد أن كفروا كذلك لَا ينفع فيهم الأمر الغريب المشاهد الذي لمسوه بأيديهم.
قال ابن عرفة: والآية تدل على أن العلوم تتفاوت فالعلم المحسوس هو أقرب وهذا نظير ما قرروه من أن النظر يعرض له الغلط والاختلاف خلاف اللمس.
قوله تعالى: (لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا). هذا من وضع الظاهر موضع المضمر، أي: لقالوا.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾
قال ابن عرفة: هذا من القياس المقسم أي لو جعلناه ملكا لما آمنوا؛ لأنه إما أن يجعل ملكا على صورة الملائكة، أو ملكا على صورة رجل، فإن جعل على صورة الملائكة فلا يستطيعون النظر إليه وإن نظروا إليه هلكوا، وإن جعل ملكا في صورة رجل فإنهم يتشككون فيه ويدعون أنه غير رسول.
قال ابن عرفة: وعادتهم يوردون أن هذا من ترتيب الشيء على نقيضه إذ لَا يقال: لو كان البحر متحركا لكان ساكنا؛ لأن اجتماعهما محال، قال: وأجيب بوجهين:
الأنعام 6:11
إما أنه من الترتيب على المحال والمحال قد يستلزم محالات، وإما أن ذلك في الأمر العقلي وهذا أمر جعلي شرعي فيصح كون النتيجة مناقضة للمقدم.
قوله تعالى: (وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ).
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: انظر هل هذا مثل: ضربته ضربا، أو مثل: ضربته ضرب الأمير، قال: والجواب أنا إذا بنينا على مذهب المعتزلة في أن العبد يخلق أفعاله فهو مثل: ضربت ضرب الأمير، وكذلك إن بنينا على مذهب أهل السنة في [إثبات*] الكسب، وأما إن بنينا على مذهبه من [نفى الكسب*] وقال: لَا فاعل إلا الله فهو مثل: ضربته ضربا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا﴾
قلت: معناه إباحة السير للتجارة وغيرها في الأرض، وإيجاب النظر في آثار الهالكين، وعطف بـ ثم لتباعد ما بين الواجب والمباح.
وقوله تعالى: (فَانْظُرُوا).
جعل النظر مسببا عن السير لم يسيروا لأجل النظر فجعل السير عن النظر فيكون السير سببا ومسببا، وهذا تناقض، وأجاب ابن عرفة بأنه سبب بوجهين واعتبارين فالنظر سبب في السير بأن يكون هو [العلة الغائية*] فهو سبب ذهني، والسير سبب وجودي موصول إلى النظر.
قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾
الصواب أن يرجع إلى ما تقدم أي فهم لَا يؤمنون بالمعاد وبجميع ما سبق فلذلك كانوا خاسرين.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣)﴾
إما أن يراد نفس السكون وهو أكثر من نفس الحركة، إذ لَا حركة إلا وقبلها سكون، ولأن الحركة نفسها دالة على الحدوث وأن لها خالقا بخلاف السكون.
قوله تعالى: (وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ).
لف ونشر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾
هذا ما يفهمه إلا من قرأ أصول الدين وعلم أن الغيرين يطلقان على المثلين.
الأنعام 6:15
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾
وفيه دليل على أن عظم المظروف يستلزم عظم الظرف، أبو حيان: هذه جملة شرطية فلا موضع لها كالاعتراض بالقسم.
وقيل: هي في موضع نصب على الحال، أي قل: إني أخاف عاصيا ربي، وأبطله ابن عرفة: من جهة المعنى، قال: والصواب أن يقول: قل إني أخاف مفروضا عصياني (رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).
قال ابن عرفة: والآية دالة على صحة المقدمة الكبرى.
وقول الفخر في المعالم: تارك المأمور به عاص، وكل عاص يستحق العذاب، فأفاد ترتيب العذاب العظيم على مطلق العصيان، وفيه رد على من يقول إن العصيان على تارك المندوب، لقوله تعالى: (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)، وفيه دليل على أن عظم المظروف يستلزم عظم الظرف، ولولا ذلك لما وصف اليوم بقوله (عَظِيم)، وفي لفظ الرب إشارة إلى شدة خوفه. لأنه إذا خاف من الله حالة استحضار رأفته ورحمته فأحرى أن يخاف منه حالة استحضار عزته وقهره.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ﴾
أبو حيان: مفعول يصرف محذوف اختصارا تقديره: أي شيء يصرف الله العذاب عنه.
وجعل أبو علي المفعول المحذوف متميزا عائدا على العذاب، قال: وليس حذف الضمير بالسهل.
قال ابن عرفة: لَا صعوبة فيه؛ لأنه إن رد الصعوبة بحذف المفعول فلا صعوبة فيه، وإن ردها بحذف الضمير العائد على من فليس بمحذوف بل هو المجرور بـ عن ومن يصرف عنه العذاب عنه.
قوله تعالى: ﴿فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾
إن قلت: لم حصر كشف الضر في الله تعالى ولم يخص [غيره*] بالصرفية، قال: والجواب بما تقرر في علم أصول الدين أن [الموصوف*] بالشيء قادر على الاتصاف بنقيضه، فلما حصر كشف الصرفية؛ دل على أن غيره لَا يكشف الضر إذا لم يقدر على
الأنعام 6:18
كشف الضر، لم يقدر على نقيضه، وهو إيقاع الضر؛ لأن القادر على الشيء قادر على نقيضه، قيل له: أنا قادر على إدخال إصبعي في الخاتم، ولا يقدر على إخراجه، وقال: لم يقدر قط على إدخاله.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾
ابن عرفة: الفوقية إما إشارة إلى قهره واستيلائه على العباد، أو بمعنى أنه فوق ما يظن من القهر والغلبة.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾
قال ابن عطية: قيل: الضمير عائد على التوحيد، وهو استشهاد في ذلك على مشركي كفار قريش بأهل الكتاب وهو منقطع عن الأول؛ لأنه يصح أن يستشهد بأهل الكتاب ويأتون في آية أخرى.
ابن عطية: يصح ذلك لوجهين واعتبارين، والحسن ما شهدت به الأعداء، والمعرفة:
قال الفخر: إنها راجعة إلى التصويرات، والعلم للتصديق، وأورد أن قولك: عرفت زيدا تصديق لَا تصور؛ لأنه حكم واجب بأن المراد المتعلق متعلق العلم محكوم به ومحكوم عليه؛ لكونه يتعدى إلى مفعولين، ومتعلق المعرفة محكوم عليه فقط، ورد بأن المراد تصور المحكوم به والمحكوم عليه وتصور النسبة التي بينهما.
قوله تعالى: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ).
ولم يقل: أولادهم؛ لأن محبة الإنسان ابنه أكثر من محبة ابنته، وموالاته لابنه أقوى من موالاته لابنته، فمعرفته بذكور بنيه أقوى من معرفته بإناثهم.
قال ابن عرفة: ودلت الآية على أن الصفة تنزل منزلة العين فأخذوا منها مطلبين:
الأول: أنها حجة للقول بجواز الغائب على الصفة إذا كانت تحيط به من جميع الوجوه.
الثاني: جواز الاكتفاء في الشهادة بالصفة عن التعريف، قال: وأجيب بأن الصفة إنما تتنزل منزلة الموصوف إذا كانت صفة خاصة، وهي التي تجب بها قرينة تخصها، والقرينة هنا هي المعجزة التي أوتيها الرسول دليلا على صدقه.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾
الأنعام 6:22
قال ابن عرفة: هذه الآية رد على الجاحظ القائل بأن الكذب لَا يطلق إلا على من تعمد الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به؛ لأنه إذا كان الكذب لَا يطلق إلا على من تعمد ذلك فما هو افتراء الكذب، وإذا جعل الكذب عاما في الأمرين، فنقول: افتراء الكذب هو التعمد على الشيء بخلافه، والكذب المطلق هو أن يجريه ناسيا فهذا كذب من غير افتراء.
قال ابن عرفة: أجابوا عن الجاحظ بأن الكذب على قسمين كذب في أمر ظاهر لا نشك فيه فهذا افتراء وكذب في أمر يمكن أن يكون حقا أو باطلا فهذا كذب من غير افتراء، قال: وهذا اللفظ تأسيس؛ لأن الكذب على الله بمنزلة من تجرأ على متاع السلطان فتصرف فيه ويكون كلامه بمنزلة من لم يصدق بما أتى من السلطان من الخبر فالأول أقوى جرأة.
قوله تعالى: (إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ).
دليل على شدة شر الظالم وعلى شؤم عدم الفلاح؛ لأنه ختم على هؤلاء به وعلل عذابهم بذلك، أو بمعنى بل أو بمعنى الواو، قيل لابن عرفة: إن جعلنا أو بمعنى الواو يبقى من اتصف بأحد الأمرين فقط غير دليل في الآية، قال: وإن لم يجعلها بمعنى الواو ولم يعن الآية؛ لأن المتصف بالأمرين هذا أظلم ممن اتصف بأحدهما بلا شك فيبقى من اتصف بأحدهما بلا شك أظلم من جميع النَّاس بل أظلم من بعضهم فقط.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾
ابن عرفة: اختلف في العامل في يوم، فقيل: قوله (لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) وعبر بالشركاء إما لأن المراد ظلمهم.
قوله تعالى: (شُرَكَاؤُكُمُ).
سؤال توبيخ وتبكيت.
ابن عرفة: وتقدم لنا في الآية سؤال وهو أن جوابها مخالف للسؤال لوقوع السؤال بالفعل مثبتا وهو (ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشرَكُوا)، والجواب بالاسم منفيا وهو (وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣).. ، ولم يقل: ما أشركنا مع أن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم فلا يلزم منه نفي مطلق الإشراك عنهم، قال: وتقدم الجواب بأن المراد نفي الإشراك الأخص الموجب للخلود في النار، وهو الإشراك المتصل بالنار، وأما نفي مطلق الإشراك فلا لأن من أشرك وتاب من شركه لَا يعذب.
الأنعام 6:24
قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ﴾
قال ابن عرفة: تقدمنا فيها سؤال، وهو أنهم كذبوا لأنفسهم لَا عليها لكونهم قصدوا به منفعة أنفسهم لَا مضرتها، قال: والجواب أن الكذب هو الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به فهم أخبروا عن أنفسهم بغير ما اتصفوا به فهم كاذبون عليها، فإن قلت: هلا قيل: كذبوا وضل عنهم، وما أفاد زيادة قوله (أَنْفُسِهِم)، قلنا: فائدة التشنيع عليهم في أنفسهم؛ لأنهم كذبوا عمدا عدوانا؛ لأن الكذب على الأجنبي يوهم فيه النسيان والخطأ، وهؤلاء كذبوا على من هم عاملون حقيقة.
ابن عطية: وقال كذبوا في أمر لم يقع إذ هو حكاية عن يوم القيامة، فوضع الماضي موضع المستقبل تحقيقا لوقوع الفعل، وإن كان في الدنيا فظاهر.
ابن عطية: وأضاف الشرك إليهم؛ لأنه لَا شركة في الحقيقة بين الأصنام وبين شيء.
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: إذا بنينا على الخلاف المذكور في الأصول في التقييد، بالحكم المشتمل على وصف مناسب إما أن يراعى فيه ذات الشيء، أو الوصف المناسب فإن روعي هنا ذات الشيء فهو سؤال عن الشركاء حقيقة وهم موجودون، وإن روعي هنا الوصف فليس ثم شركه ولا شركاء بوجه.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾
قال الزمخشري: سبب نزولها أن أبا سفيان والوليد، والنضر، وعقبة، وشيبة، وأبا جهل استمعوا قراءة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقالوا للنضر: يا أبا [قتيلة *] ما يقول محمد؟ قال: والذي جعلها [بيته*] يعني مكة ما أرى ما يقول محمد إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين، فقال أبو سفيان: إني لا أراه إلا حقا، فقال أبو جهل: كلا فنزلت الآية، قال ابن عرفة: قول أبي سفيان إني لَا أراه إلا حقا محتمل أن يكون تصديقا كقول النضر، وهو الظاهر، أو لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو الظاهر لقول أبي جهل كلا، ابن عرفة: والآية إما حكاية حال ماضية للتصوير مثل (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً)، أو حال حقيقة؛ لأن ذلك وقع ولم يزل مشاهدا.
قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً).
قرره الزمخشري على مذهبه.
الأنعام 6:29
قيل لابن عرفة: أكنة جمع قلة، وقلوبهم جمع كثرة، فكيف يسر القليل الكثير؟ فقال: استعمل جمع القلة هنا من أدائه الكثرة.
قال ابن عرفة: وتقدمنا سؤال وهو أن السمع متقدم في الوجود على الفهم إذ لا يفهم الإنسان الشيء حتى يسمعه، فقدم في اللفظ ما هو متأخر في الوجود.
قيل لابن عرفة: فقد يفهم من لَا يسمع وذلك من الكتب، فقال: الكتب من السمع إلا يرى أن الدلائل السمعية منها مسموع ومنها مكتوب، وكلها راجعة للسمع؛ لأن المكتوب يسمع قبل كتبه وحينئذ يكتب، وتقدم الجواب بما أجيب به في قوله تعالى: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ) من أن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم ولا ينعكس، والمسموع أعم؛ لأن منه ما يفهم، ومنه ما لَا يفِهم، فلو قدم أولا لكان نفي الفهم عنه تأكيدا، فلما قيل (وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ) انتفى عنهم الفهم، وبقي السمع بلا فهم، فبقي ثانيا وكان تأسيسا، قلت: وأجاب بعضهم بأن المراد الفهم بقصد والسمع وصله، والمقصد أشرف من الوسيلة فقدر للاهتمام.
قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا).
هذا زيادة في التشنيع عليهم بأنهم لَا يؤمنون إلا بالمسموع أو بالمرئي، وعبر بأن الدلالة على الشك وعدم الوقوع؛ لأن رؤيتهم لكل الآية لم تقع وإنما الواقع رؤيتهم لبعضها، قال ابن عرفة: وكل هذه كما ذكر النحويون أنها إن ارتفعت تقتضي العموم، وإن انتصبت لم تعم، ذكروه في قوله:
قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي؍ عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ؍
وقال السكاكي: من البيانين أنها إن دخلت على كلام منفي اقتضت العموم، وإن دخل المنفي عليها لم تقتضي العموم.
قال ابن عرفة: والصحيح أيضا إن دخلت على أعم كانت كلية فلم تقتضى نحو كل حيوان، وإن دخلت على شخص كانت تقتضي العموم نحو: كل الرغيف أكلته.
قوله تعالى: [(وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩) *] قال الزمخشري: إما أنه من تمام الأول، ولو ردوا لقالوا: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا)، وإما أنه قولهم في الآخرة، فيرجع لقوله (وَإِنَّهُم لَكَاذِبُونَ).
ابن عرفة: أو استئناف كلام أي واساهم هذا، فيرجع إلى قولهم في الدنيا.
الأنعام 6:30
قال ابن عرفة: والنَّاس على ثلاثة أقسام:
قوله: يقول هذا بلسان مقاله والآخر يقول بلسان حاله
وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو، وآخر لَا يقول شيئا، وحال النَّاس على ثلاثة أقسام: فالظالم المنهمك في ظلمه بأخذ أموال النَّاس ويفعل المحرمات شرعا مع علمه بتحريمها حاله كحال، من قال: (مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا)..
والزاهد في الدنيا المقبل على عبادة ربه والوقوت عند أمره ونهيه حاله كحال من قال: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ).
والمتوسط الحال كمن لم ينطق.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَىٰ رَبِّهِمْ﴾
أتى بلفظ الرب مع أن المقام مقام عذاب وانتقام.
قال ابن عرفة: فيجاب بما أجابوا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) بأن كرمه ورحمته يوحيان الغرور به فلا سبيل يضل عنه، فأجابوا ثم إن المراد: ما غرك بربك المنعم عليك بإرسال الرسل، وبيان الدلائل والمواعظ والزواجر بحيث لَا عذر لك في المخالفة وكذلك هنا.
قوله تعالى: (أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ). إنما قاله لهم مباشرة وهو ظاهر الآية أو على لسان ملك وهو المناسب لحال المواددين.
قوله تعالى: (فَذُوقُوا الْعَذَابَ).
إلى شدة عذابهم؛ لأنه لما سمى هذا [عذابا *] دل على أن ما بعده أشد منه.
قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ).
قيل لابن عرفة: احتج بها الفخر الخطيب على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فقال: هذا كفر أخص.
قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً... (٣١)﴾
قال أبو حيان: الغاية هنا مجاز؛ لأن ما قبلها لَا ينقطع هنا عندها.
الأنعام 6:32
قال ابن عرفة: بل يقول: ينقطع ويكون من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح كقوله:
هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً؍ وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ؍
قوله تعالى: (يَا حَسْرَتَنَا).
قلت: الحسرة اللائقة بهم فلذلك أضافوها إليهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾
اللعب: الاشتغال بما لَا يفيد بأمر عن أمر ملائم، ولذلك أكثر ما يطلق اللعب على فعل الأطفال واللهو على الرجال.
قوله تعالى: (أَفَلا تَعْقِلُونَ).
المراد عقل النجاة والفوز لَا عقل التكليف وفعل المجانين من غير قصد، وفعل العقلاء عن قصد وكسب وأعذار، كان الكسب الرأي وهو العلم بما في العمل من مصلحة أو مفسدة، فالفعل إن كانت فيه مصلحة لَا يشهد الشرع باعتبارها فهو لعب ولهو، فمن يأكل ليتقوى على الطاعة فهو مندوب إليه وله فيها الثواب، ومن يأكل لإقامة بدنه خاصة فهذا لمصلحة خاصة فهو سبب النهي، ومن يأكل لمجرد الالتذاذ فهذا يشبه، ووقع في القرآن اللعب مقدما على اللهو مرة، ومؤخرا عنه أخرى فهو دليل على التسوية بينهما في المفسدة.
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾
احتجوا لهذا القائل بأن الكذب إنما يطلق على من تعمد الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به.
وأجاب ابن عرفة: بأن هذا تكذيب لَا كذب، والتكذيب قد يكون فيما قد طابق وفيما وافق.
قوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها عندي أن الإنسان إذا استحضر مقام التوحيد علم أن الأشياء كلها خلق الله تعالى وفعله واختراعه، قيل لابن عرفة: قد يحتج بها من يمنع النسخ في القرآن، فقال: النسخ بحقيقة؛ لأن المنسوخ لم يزل ثابتا في الذهن فلم ينسخ من جميع الوجوه، قيل له: فاليهود بدلوا وغيروا في التوراة، يقال: بدلوا ألفاظها، وأما معناها وهو الكلام القديم الأزلي فلم يقع فيه تبديل بوجه.
الأنعام 6:35
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ﴾
المراد الهداية بالفعل واعتزل [المهدوي*] هنا، فقال: لاضطرهم إلى الهداية فاهتدوا.
قيل لابن عرفة: قال بعضهم: لو شاء الله لنصب لهم الدلائل المتوسطة ليظهر الحكمة في ذلك فيؤمن بعضهم ويكفر بعضهم فيقع الثواب والعقاب بسبب.
قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
وقال لنوح: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) فأورد المفسرون سؤالا من ناحية أن [الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم*]، والمراد أمته، وإما أن نوحا خوطب بهذا السند وسببه، وإما لأن القريب المحبوب ليشدد عليه النهي أكثر ممن ليس كذلك كراهة أن يقع المحظور، قلت: ونحوه نقل القاضي عياض في مداركه عن بعضهم لمن عرف بالسهروردي المالكي فقيه بغداد، وأنشدوا:
[لا تصيب*] الصديق قارعة التأنيب؍ إلا من الصديق الرغيب؍
وأخبر ابن عطية بأن الأمر الذي نهى عنه نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكبر وأعظم من الذي نهى عنه نوح عليه السلام، فكان النهي في [الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما*] بحسب تعلقه (١)، ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بوجهين:
أحدهما أن نوحا خوطب بهذا حيث لم يكن هنالك كفار بوجه؛ لأنه خوطب به بعد أن غرق الكفار، ولم يبق سوى هو وقومه، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خوطب بذلك في محل الكفار. [ليعتبروا*] بهم، فشدد عليه في النهي لينزجر الكفار ويتعظوا.
الثاني: أن هذا ينتج العكس سواء، فيعجل نهيه مقرونا بالتخويف، لقوله (إِنِّي أَعِظُكَ) هو أكثر من نهي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قلت: وكذا قال القاضي عياض في مداركه لما ذكر ما نقلنا عنه، ثم قال: والصحيح أن الآيتين بمعنى وانظر كتاب الشفاء لعياض.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى... (٣٦)﴾
قال ابن عرفة: هذا يحتمل وجهين:
(١) قال القاضي أبو محمد: والوجه القوي عندي في الآية هو أن ذلك لم يجئ بحسب النبيين، وإنما جاء بحسب الأمرين اللذين وقع النهي عنهما والعتاب فيهما، وبين أن الأمر الذي نهى عنه محمد ﷺ أكبر قدرا وأخطر مواقعة من الأمر الذي واقعه نوح صلى الله عليه وسلم. اهـ (المحرر الوجيز. ٢/ ٢٨٨).
الأنعام 6:37
أحدهما: أن المراد الذين يسمعون السماع النافع.
والثاني: أن يريد نفي السماع عنهم من أصل إشارة إلى أنهم لما لم ينفعهم السماع صاروا كأنهم لَا يسمعون شيئا.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾
قال ابن عرفة: فيه سؤالان:
الأول: أنهم طلبوا تنزيل آية فما جوابهم إلا أن يقال: إن الله يفعل ما يشاء؛ لأنهم لا ينكرون أن الله قادر على تنزيل آية، وإنما طلبوا أن ينزل الله على نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم آية فهذا راجع للإرادة لَا للقدرة، فكيف أجيبوا بالقدرة، قال: والجواب أن القدرة تستلزم الإرادة له لَا قدرة إلا بإرادة، وإن أريد التعلق الصلاحي فليست مستلزمة لها.
السؤال الثاني: أن الاسم إذا كرر فإنما يكون معرفا، كقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) والجواب أنه قصد هنا عدم المبالاة بكلامهم، فالمراد أن الله قادر على أن ينزل آية، فالإطلاق أعم من الآية التي طلبوا إنزالها أو غيرها، فإن قلت: النكرة في سياق الثبوت، فهلا قيل: إن الله قادر على تنزيل الآية، فالجواب أنهم طلبوا آية خاصة عظيمة.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾
في الافتقار والخلق.
قوله تعالى: (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ).
قال أبو البقاء: في موضع المصدر أي تفريطا، فيبطل القول بأن الكتاب يحتوي على شيء مثل: لَا يضركم كيدهم شيئا أي ضرا.
واعترضه أبو حيان بأن النفي إذا تسلط على المصدر انتفى.
وأجاب ابن عرفة بأنه رآها أن النفي دخل على الفعل المؤكد بالمصدر فنفاه، ونحن نقول: دخل على الذي قبل التأكيد ثم أكد بعد ذلك، وهو نفي أعم لَا نفي أخص.
قوله تعالى: ﴿صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾
قال ابن عرفة: الصمم ظاهر والبكم إما لَا كلام لهم في الظاهر، وإن أريد النطق القولي فليس مبين، وإن أريد النطق القلبي فبين.
الأنعام 6:40
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ﴾
قال ابن عرفة: إن قلت: لم أعاد الفعل والأصل في المعطوفات المتفقة الألفاظ الاكتفاء بالأول، فيقال: أرأيتم إن أتاكم عذاب اللَّه أن الساعة، فأجاب بأنه إذا كان صدور الفعل الأول من فاعله أقوى بالمعنى من صدور الثاني عن فاعله أو العكس فيعاد لفظ الفعل الأول، وإن لم يكن بينهما تفاوت ولا اختلاف في إحداث الفعل فيكتفى بالأول، ولا شك أن إتيان عذاب الله مغاير لإتيان الساعة، قوله (إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ). جوابه محذوف أي فبينوا ذلك أو قدموه على تكذيبكم أو كفركم.
قوله تعالى: (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ).
قال: الساعة إما يوم القيامة أو موت كل إنسان، قال: وكان يجيء لنا فيها سؤال بياني، وهو أنه إذا عطفت جملة فعلية على جملة فعلية موافقة لها في اللفظ وفي المعنى فإنه يحذف الفعل الثاني اكتفاء بالأول، فتقول: قام زيد وعمرو فلم أعيد الفعل هنا في الجملة الثانية، قال: وتقدم الجواب بوجهين:
أما إذا كان اللفظان متفاوتين في المعنى فيعاد الثاني إشعارا بالتفاوت، ولا شك أن إتيان العذاب أشد من إتيان الساعة، وإما إشعار لما بينهما من البعد فإنه إن أريد بالساعة القيامة، وبعذاب الله المحق والرزايا في الدنيا فيعقبها بعد كثير ومهلة تامة، وإن أريد بالساعة الموت فالمحن الدنيوية كثير منها متقدم ومنها متأخر إلى الموت فالبعد ظاهر.
قيل لابن عرفة: وكيف يحسن أن يعاقب ذلك، بقوله تعالى: (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) سواء فسرنا الساعة بالقيامة أو الموت إذ لَا يكون الدعاء إلا في الدنيا، قال: قد قالوا (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) قيل: هذا دعاء لَا يفيد، فقد قال: فيكشف ما تدعون إليه، قلت: ويمكن الجواب بأن يهلك بعضهم فيتعظ به من يبقى منهم ويدعوا.
قوله تعالى: (إِنَّ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
جوابه فدوموا على كفركم وإلا فتبينوا إلى ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
الأنعام 6:42
قال ابن عرفة: قلت: علق هنا بالمشيئة، وقال في البقرة (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) ولم يقل: إن شئت، قال: وتقدم الجواب بوجهين:
الأول: أن تلك في المؤمنين، وهذه في الكفار.
الثاني: إن ذاك السؤال تضرع وتذلل في الدنيا لتعجيل الإجابة المحققة التي لَا يرد فيها وهذا ليس كذلك، فناسب أن يكون معلقا على المشيئة.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَىٰ أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾
هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم.
قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُمْ).
ابن عطية: أي فكذبوا فأخذناهم.
ابن عرفة: ويحتمل أن لَا حذف فيها؛ لأن الكل عبيده يفعل فيهم ما شاء، هذا مذهب أهل السنة، قال تعالى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ) قيل له: قلى قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) فقال: هذا بلاء.
قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ).
أي أخذناهم أخذا متراخيا معه الناظر لحالهم تضرعهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
إما راجع إلى نفس التضرع فهو ترك فيكون دليلا على أن الترك فعلا، لقوله تعالى: (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ﴾.. ابن عرفة: وقال قبلها: (قُلْ أرَأَيْتَكُمْ) ووجهه أنه لما كانت الأولى مبدأ الخطاب بولغ في الخطاب فيها، والثانية: اكتفى فيها بالخطاب الأول فلم يحتج إلى المبالغة، والثانية: وقع الفصل بينها وبين الأول [وفيه شبه طول*]؛ فأعيدت الكاف فيها للخطاب، وقدم السمع إشارة إلى أنه أشرف لتعلقه بالغائب، والبصير لَا يرى إلا الحاضر.
ابن عرفة: وعادتهم يقولون في هذه الآية دليل لمن يقول: إن العرض ينفى زمانين؛ لأن السمع والبصر صفتان ليس منهما الحدقة بل الصفة المتعلقة بهما عرضان، فالذي تعلق به الآخر إما موجود أو معدوم، فالمعدوم لَا يتعلق به أحد وإنما
الأنعام 6:47
يتعلق الآخر بالموجود، وهذا هو عين القول بأن العرض يبقى زمانين، قيل: معنى عدم الأخذ عدم الإيراد بعرض آخر، فقال: ليس هذا هو حقيقة الأخذ فيلزمك المجاز، والأصل حمل اللفظ على حقيقته.
قوله تعالى: (وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم).
فيه سؤال وهو هلا قيل: أخذ الله سمعكم وأبصاركم وعقولكم، أو كما قال في البقرة (خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِم وَعَلَى سَمْعِهِم وَعَلَى أَبْصَارِهِم)؟ وأجيب بوجهين:
الأول: أن العقل شرط في التكليف فلو أخذ العقل لسقط التكليف.
الثاني: أن العقول بها تنافي العقوبة على السمع والبصر، ألا ترى أن في المدونة في جلد من يجن أحيانا ويفيق أحيانا أنه إنما يجلد حالة إفاقته من سكره، فإذا أخذ السمع والبصر بقي العقل يتألم بما فيه، ويذوق العقوبة ويعلم قدرها، وأما المجنون أخذ له لذلك عنده بوجه.
قوله تعالى: (مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ).
إشارة إلى أنكم كما تعلمون أن الله خالق كل شيء فاعلموا أن من تمام ذلك توحيده ونفي الشريك عنه.
قوله تعالى: (انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ).
إن أريد الصفة التي وقعت بها الشركة فالتصرف بمعنى [التقريع*]، وإن أريد أشخاص الآيات فالتصرف بمعنى التنكير والتكوين.
قوله تعالى: (ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ).
العطف بثم إشارة إلى أنهم بعد تأملهم وتأنيهم يبعدون عن الآيات.
قوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ﴾
وقال في الحديث: "أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث"، فالجواب أن ذلك إهلاك بموت، وفي الآية إهلاك عقوبة.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٤٩)﴾
الأنعام 6:50
قال ابن عرفة: تقدم لنا فيها سؤال وهو أنهم كفار فعبر عن عذابهم بالمس وهو أوائل العذاب، فهلا قيل: محيط بهم العذاب؟ قال: وتقدم لنا الجواب بأنه يناله مقدمات العذاب بأعم وصف، وإن شئت أن تقول وصفهم بأخص وصف وهو التكذيب، والكفر اعتبارا بأعمه وهو الفسق، ومجرد الخروج عن طاعة الله، ورتب على ذكر الأعم مقدمات العذاب وعلله بالوصف الأعم وهو الفسق فيتناول ما فوقه من باب أحرى.
وقال الزمخشري: جعل العذاب ماسا كأنه يفهم بهم ما يرى من الألم، ومنه قوله: ليست الأوامر إلا بعد مسّ.
قال ابن عرفة: هذا خلاف ما قاله ابن رشد في المقدمات في الفرق بين الملامسة والمماسة، فقال: الملامسة لَا تكون إلا عن قصد بخلاف المماسة، فيقال: تماس الحجران، ولا يقال: تلامس الحجران، ابن عرفة: إلا أن يجاب بأن العذاب يعقل فيه الفاعلية، والحجر لَا يعقل فيه الفاعلية فلا يلامس الحجر الحجر، ويقال: تماس الحجران.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ... (٥٠).. ابن عطية: سببها أن الكفار، قالوا (لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا)، (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ).
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: هذا بسبب ماض، فهلا قال: ما قلت لكم خزائن الله؟، قال: وتقدم الجواب بأنه لو قال كذلك لما تناول النهي إلا القول اللفظي الماضي فقط، وقد ينفي الإنسان الشيء فيما مضى ويفهم من حاله أنه سيقوله في المستقبل، إذ دل الحال على أنه يقول ذلك لهم فيه فقد نفى، بقوله الصدق: لَا أقول لكم عندي كذا، فإن قلت: هلا قال لهم: ليست عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب فهو أقوى وأبلغ من نفي القول، أو لعلهم يتوهمون أن ذلك عنده وإنما دليل حالهم أنهم نسبوا إليه أنه ادعى أن ذلك في قدرته.
قوله تعالى: (إِنَّ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ)
وقد يحتج بها من ينفي القياس، فيجاب بأن القياس من الوحي، لقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) وقد يحتج بها من ينفي كونه
الأنعام 6:51
مجتهدا فيه، فيجاب بأن الاجتهاد من الوحي، لقوله تعالى: (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾
ابن عرفة: الإنذار عام للجميع وتخصيصه [في هؤلاء*] إما لأنه إنذار خاص وهو الإنذار المؤثر النافع، أو لأن مفهومه عدم إنذار غيرهم فيعارض منطوق الآية الأخرى المتطابق لإنذار الجميع، أو بين المفهوم والإنذار لغير الخائنين من باب أحرى.
ابن عرفة: وتقدم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ) إما أنه راجع لملازمين فهم في كل زمان لَا يطمعون في الحياة إلى الوقت الذي بعده، وكذلك حري هاهنا، قال: وعبر بلفظ الرب تنبيها على أنهم إذا خافوا مولاهم مع استحضارهم ما عنده من الحنان والشفقة فأحرى أن يخافوا مع استحضارهم أنه عزيز ذو انتقام.
قوله تعالى: (لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ).
الولي هو الناصر مقيد بكونه قريبا، أو يكون بينه وبين وليه لحمة بوجه، والشفيع هو الناصر مطلقا قريبا كان أو أجنبيا وهو من عطف الأعم على الأخص.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾
لما ذكر ابن عرفة اختلاف طريق المفسرين في سبب نزول الآية، وأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحكم أحيانا باجتهاده من غير وحي عملا بتقديم أرجح المصلحتين ودرء المفسدتين؛ لأنه لَا يرى إبعاد أولئك يوجب كفرهم لقوة إيمانهم، ويوجب إيمان كثير من صناديد قريش.
قال أبو نعيم في الحلية: وكان سفيان الثوري يتحلى بهذه الصفة المذكورة في هذه الآية فيفضل في مجلسه الفقراء على الأغنياء، ابن عرفة: إنما دلت الآية على التسوية بين الأصلح والصالح، وبين الفقير الصالح والغني.
الأنعام 6:53
قال ابن عرفة: وشرفوا هؤلاء بأمرين بالنهي عن طردهم، وبالثناء عليهم لصلاتهم بالغدو والعشي، قال ابن الخطيب: وأخذ منها بعضهم كلمن قوله (فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) حجة القول بإمكان الخطأ عليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في اجتهاده ووقوعه، وهو قول حكاه ابن الحاجب، ورده ابن عرفة بأنه هم بذلك ولم يفعله فعصمه الله من فعله فكيف يأخذ منه وقوع ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾
قال ابن عرفة: أكثر المفسرين على أن الكاف للتشبيه أي مثل طلب صناديد الكفار منك أن تطرد ضعفاء المؤمنين فتنا بعضهم ببعض طلبوا منك طرد المؤمنين، كما نقول: لأجل فتنة زيد لعمرو قتله.
قوله تعالى: (أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا).
قال ابن عطية: اللام للصيرورة.
ابن عرفة: هذا إنما يقوله الفلاسفة الطبائعيون، ولا يقوله سني ولا معتزلي لاستلزامه نسبة الجهل إلى الله تعالى لمخالفته لقواعد أهل السنة من وجهين: من نسبة الجهل إلى الله تعالى، ومن تعليل أفعال الله تعالى ومخالفته لغير أهل السنة من نسبة الجهل إلى الله تعالى فقط.
قوله تعالى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ).
قالوا: دخل النفي على الأخص فكان نفي أخص، فدخلت الهمزة عليه فأثبته على ما هو عليه فصار إثباتا لبعض.
قوله تعالى: ﴿فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون أمر بأن يقول لهم ذلك على أنه من عند نفسه تحية لهم، أو يقوله تبليغا عن الله تعالى، كما تقول لصاحبك: إذا رأيت فلانا فسلم عليه أي عني فبلغه سلامي، والظاهر الثاني لوجهين: لأن فيه تشريفا لهم وتعظيما، وأيضا فإن الأول مخالف للحكم الشرعي بأن الداخل هو المأمور بالسلام على المدخول عليه.
قال ابن عرفة: وتقدمنا في ذلك قوله تعالى: (إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ) إن الرفع أبلغ من النصب لاقتضاء الاسم الثبوت بخلاف الفعل، قال السكاكي: فسلام إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم أبلغ من سلام الملائكة، وتقدم الجواب بأن الملائكة لما دخلوا
الأنعام 6:55
على إبراهيم وكان جاهلا بهم ففزع منهم حسبما قال (قَوْمٌ مُنْكَرُونَ)، فقالوا (سَلامًا) بلفظ المصدر المؤكد بفعل مقرر منسوب إليهم، أي قالوا: سلمنا سلاما فنطقوا بالسلام ونسبوا الفعل إلى أنفسهم مؤكدا بالمصدر لتحصل له الطمأنينة منهم، فلذلك أكده بالمصدر المقتضي لإزالة الشك عن الحديث من حيث نسبته للمحدث عنه ليزول عنه فزعه ويعتقد سلامته منهم، بخلاف ما لو قال: سلام لاحتمال أن يكون منسوبا لهم أولا فالنصب أبلغ.
قوله تعالى: (كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ).
قال إمام الحرمين في باب الصفات الصحيح جواز إطلاق النفس على الله تعالى واحتج بهذه الآية، والواجب قسمان: واجب لذاته، وواجب لعارض كالمعاد فإنه لذاته جائز وبإخبار الشرع واجب، وكذلك الرحمة واجبة بإيجاب الله تعالى لها.
قوله تعالى: (ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ).
ابن عرفة: التوبة بذاتها كافية في حصول المغفرة، فما أفاد قوله (وَأَصْلَحَ)؟، قال: وتقدم لنا الجواب بأن هذه توبة لغوية، ومجموع قوله (ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ) توبة إصلاحية، قيل له: ألفاظ الشرع إنما تحمل على حقائقها الشرعية، فقال: ليس بمعنى الاصطلاح اصطلاح الشارع، وإنما يعني اصطلاح جملة الشريعة.
قوله تعالى: (فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
إما تفسير الكتاب نفسه، أو تفسير لبعض جزئياته.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: ما الفرق بين قولك: عليٌّ كالأسد، وقولك: كالأسد عليٌّ، وضربت زيدا في الدار، وفي الدار ضربت زيدا؟، الفرق بينهما إنما هو الاهتمام بالشيء والاعتناء به، فإن كان المقصود الأهم الاعتبار بالتشبيه العارض للذات، والذات معلومة للمخاطب لكن مخاطب به قريب المخبر عنه أو صديقه قدم المجرور، فيقال: كالأسد علي، وإن كان المقصود الأمران وهو التعريف بالذات بوصفها العارض وهو الشبه قدم المبتدأ، فيقال: عليٌّ كالأسد، وكذلك قولك: ضربت زيدا في الدار كان الأهم الإخبار بالضرب فقدم، وإن كان المقصود الإخبار بمحله، قلت: في الدار ضربت زيدا، والخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والآية هي الآية البينة الواضحة معلومة.
قوله تعالى: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ).
الأنعام 6:56
في كلام الشاطبي هنا إشكال؛ لأنه قال: [وَإِنَّ بِفَتْحٍ... *] البيت، وهذا البيت للتأنيث وأصحابه قرأوا (يستبين) بالياء والباقون بالتاء، لكن نافع منهم بتاء الخطاب لنصبه سبيل، وغيره بتاء التأنيث لكن [الشاطبي*] اعتبر اللفظ، ولفظ (تَسْتَبِينَ) في القراءتين واحد.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: أتت هذه الجملة مفصولة غير معطوفة. لأن الأول خبر وهذه طلب.
وقال المازري: الخلاف في قول الراوي نهى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن كذا هل يحمل على التحريم أم على الكراهة.
قوله تعالى: (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ).
جمعها إما لتفرقها واختلافها فمن لوازم اتباعها الجمع بين النقيضين وهو محال.
قوله تعالى: (قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ).
انظر ما أفاد هذا العطف، أجاب ابن عرفة: بأنه أفاد التنبيه على أنه متصف بأخص الهداية على سبيل الاحتراز خوف أن يتوهم أدناها؛ لأن قولك: زيد من المهتدين أخص من قولك زيد مهتد، فالأول أفاد مطلق نفي الضلال عنه، والثاني أفاد أيضا أنه بأخص الهداية فدخل النفي عليه فنفاه على حالته، بخلاف مها لو قال: ومها أهتديت؛ لأئه يكون داخلا في الأول لَا يفيد ما قلناه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾
قال ابن عرفة: تقرر في علم البيان أن الوصف الذي يتوهم حصوله بأنه إذا نفي عمن نسب إليه تارة يكون نفيه محصلا، وتارة يكون مفروضا مقدرا، فيقول لمن تَوَهّم أنك أسأت إليه: ما أسأت إليك إذا كان النفي مفروضا مقدرا إن قصد الاعتبار بالنفي عنه بعد النفي بجائز، لذلك النفي يقول: لو أسأت إلي عاقبتك لكني بذاك منك، هذا جائز يزيل الروع عن قلب المخاطب، وتارة يقول: لو أسأت عاقبتك ولا يذكر له جائزا، وهنا قال: (قُلْ لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا) أي: لو اتبعت أهواءكم لضللت وما اهتديت وما بجائز، فقال: ولكني على بينة من ربي وأنتم لستم كذلك.
قوله تعالى: (وَكَذَّبْتُمْ بِهِ).
الأنعام 6:58
قال ابن عطية: الضمير عائد على بينة أو على البيان، أو على الرب، أو على القرآن، أو على النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
ابن عرفة: والصواب عندي أن يعود على الكون أو على الاتصاف فيتناول الجميع، أو كذبتم بكوني على بينة وكذبتم باتصافي بذلك.
قوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ).
أي باعتبار الأصالة والحقيقة، وإما باعتبار الظهور والوجود فهو له فليظهر على يديه، وأخذ الخوارج على علي بن أبي طالب رضي الله عنه بظاهر هذه الآية في قضية التحكيم.
قوله تعالى: (يَقُصُّ الْحَقَّ).
قال الزمخشري: يتبع الأمر والحكمة فاعتزل في قوله: والحكمة.
قال ابن عرفة: ومن هنا كان بعضهم يقول: لَا يحل نظره إلا لمن شارك في أصول الدين مشاركة جيدة وقرئ (يقض الحق)، فأعربه الزمخشري إعرابين:
أحدهما: أن الحق مصدر أي يقضي القضاء.
والثاني: أنه مفعول فلا يصح صنعه هذا على مذهبنا وهو على مذهبنا ظاهر لا يحتاج إلى تأويل.
قوله تعالى: (وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ).
خير إما فعل أو افعل في هذا وهذا احتراز يرد به على الخوارج في قضية التحكيم في استدلالهم، بقوله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) والجمع بين الآيتين، مما تقدم من أن ذلك باعتبار الحقيقة، وهذا باعتبار قوله تعالى: (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ... (٥٨).. ، أي: لو مكنت على عقوبتكم لفعلت من ذلك التعجيل فأعاجلكم غضبه عز وجل ولكني ليس ذلك إلي.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ).
ولم يقل: أعلم بالمؤمنين مع أن الظالمين أكثر، وقد تقدم في قوله تعالى: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ)؛ لأن الأقل المخرج من الأكثر، فالجواب أن ذلك باعتبار الأمر الظاهر، وهذا باعتبار الباطن.
قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾
الأنعام 6:61
يحتمل أن يكون مما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بتبليغه، أي قل لهم (قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ)، وقل لهم (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ) أو هو كلام ابتداء الكلام، فإن قيل: المفاتح يوهم السبب، والله عالم بالغيب من غير احتياج إلى سبب لذلك ولا إلى مفتاح، قلنا: هذا إشارة إلى وصوله إلى ما لَا يقدرون على التوصل إليه فهو تنزل معهم على ما يفهمونه، وقوله (لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) دليل على أن الله عالم بالجزئيات كما يعلم بالكليات، ففيه رد على الحكماء بالجزئيات والطبائعيين، ورد على المنجمين وأجابوا هم بأن الغيب ما لم ينصب عليه دليل.
قوله تعالى: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ).
من عطف التسوية.
قوله تعالى: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
ابن عرفة: يحتمل أن يكون من التقسيم المستوي، ويحتمل أن يكون مثل: مطرنا السهل والجبل، وضربت الظهر والبطن بناء على أن الرطب واليابس هل بينهما واسطة أم لَا؟.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾
قال ابن عطية: القاهر إن كان صفة فعل أي مظهر القدرة بالرياح والصواعق فيصح أن يجعل فوق نظر قاله؛ لأن هذه الأشياء تتنزل من فوق، وإن جعل صفة ذات من القدرة والاستيلاء كانت الفوقية معنوية.
فرده ابن عرفة بأن ذلك إنما هو في القهر، وأما القاهر فهو صفة لله تعالى واسم من أسمائه فلا يصح تعلق الفوقية به على أنه حقيقة؛ لأنا إذا قلنا: زيد القائم فوق السطح فالسطح ظرف له وللقيام.
وابن عطية أخذ الصفة مجردة عن الذات، فقيل له: عد المتكلمون في الأسماء القادر والقاهر، فعل القادر أعم؛ لأن فاعل الفعل تارة يكون محبا فيه، وتارة يفعله كارها له، وتارة يتوسط حاله، فالقدرة تشمل الثلاثة، والقهر يختص بفعله كارها له، والقادر إن كان معناه مظهر القدرة فهو صفة فعل حادث، وإن كان بمعنى القدرة فهو صفة معنى قوية.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾
هذا من الكلام الذي لَا يسمع سامعه إلا الواقعة، والآية محتملة لثلاثة معان:
الأنعام 6:64
أحدها: أن تكون مشتملة على وعظ مشعر بأن الله هو المستحق للعبادة فحقكم ألا تشركوا به أحدا.
الثاني: أن يكون فيها التذكير بنعمته رفع المؤلم وغلب الملائم بما قبلها تخويف بأنه هو القاهر الضار، والتذكير بذلك على قسمين: تذكير باتصافه بذلك على الإطلاق، وتذكير باتصافه بذلك فيما يرجع إلى نفس المذكر، كذلك قولهم: إن زيدا شجاع فاضل عندي وأنقذك عن المهالك فالتذكير يعد أقوى من الأول.
قوله تعالى: (تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً)
هذا تقسيم بين الشيء ولهم عنهم؛ لأن التضرع ملزوم للاحتياج والتكرار والإلحاح مظنة للجهرية، فكأنه تدعونه جهرة وخفية، ولا يكون فيه الحذف من الأول لدلالة الثاني لئلا يكون تكرارا.
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا﴾
إن عاد الضمير على المهلكة الشخصية النازلة منها يريد في البلد الفلاني في الوقت الفلاني فيكون، ومن كل كرب تأسيسا، وإن جعلناه على نوع البلايا والرزايا دون شخصها فيكون العطف تأكيدا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَىٰ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ﴾
قال ابن عرفة: وصانهم عن إشراكهم بأمرين:
أحدهما: (قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا)، أي: الله هو الذي أذهب منكم الآلام الواقعة بكم ثم خوفوا بأمر آخر وهو أن الله قادر على أن ينزل عليكم عذابا لَا تطيقونه.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ﴾
أي: كذبوا بما خوفهم من أنواع الهلاك ثم أتى بالفاعل ظاهرا، فإن قلت: هلا قال: وكذبوا به؟ قال ابن عرفة: فعادتهم يجيبون بأنه إشارة إلى أنهم مخالطون لك عالمون بما جئت عليه من الصدق والأمانة، ومع هذا فهم يكذبون لك.
قوله تعالى: (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ).
إما أن المراد لست برافع عنكم ما نزل بكم من العذاب، أو لست مطالبا بمخالفتكم ومعاندتكم.
قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾
الأنعام 6:68
أي لكل نبإٍ ثبوت وخبر صدق وقوع إشارة إلى أن جميع ما خوفهم وتوعدهم بوقوعه بهم في المستقبل فإنه يقع لَا محالة، وكل خبر صدق فهو واقع لَا محالة، والمراد لكل نبإٍ عن المستقبل، وأما الماضي فمعلوم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾
ابن عرفة: إنما قال: رأيت يصدق على كل من كان بعيدا منهم بحيث لَا يسمع كلامهم لكنهم علموا بالقرائن الحالية أنهم يخوضون في آيات الله تعالى، واشتملت الآية على مطلبين:
الأول: رؤيتهم، والثاني: الجلوس معهم في قوله تعالى: (فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُم) والخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، وعام فيه وفي كل مؤمن هذا في اللفظ، وأما في المعنى وهو عام في الجميع.
قوله تعالى: (فِي آيَاتِنَا). الخوض في الآيات إما البحث فيها بالنظر والاستدلال، وإما الخوض فيها بالأمر الباطن وهو المراد هنا.
قوله تعالى: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ).
إن قلت: الإعراض عنهم مرتفع بأحد أمرين:
إما بخوضهم في حديث آخر، وإما بسكوتهم فلم خصصه بالأول دون الثاني؟ فأجيب بوجهين:
أحدهما: أن الاجتماع مظنة لعدم السكوت فعلل بما هو الأكثر الإيجاب.
الثاني: أن السكوت لَا يؤمن منه الرجوع إلى الحديث الأول الذي كانوا فيه بخلاف ما إذا خرجوا إلى حديث آخر، فإِن ذلك قاطع على الرجوع إلى الأول.
قوله تعالى: (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ).
قال أبو حيان: قرئ بالتشديد والتخفيف.
قال بعضهم: هما بمعنى واحد فمن جعلها بمعنى واحد راعى المعنى، ومن خالف بينهما راعى اللفظ والمقدمة، والنسيان إن استلزم مفسدة بينة فهو من الشيطان وإلا فهو، وهذا من النفس عليه قول أبي بكر رضي الله عنه: أقول هذا فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فهو مني ومن الشيطان.
قوله تعالى: (فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى).
الأنعام 6:69
إما أن تكون هذه تذكير ووعظ للمؤمنين في عدم الجلوس معهم، أو تذكير ووعظ للكافرين.
قوله تعالى: (مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
قيل لابن عرفة: هذا عدول عن المضمر إلى الظاهر فهو يستحيل عليهم بوصف الظلم.
ابن عرفة: ليس كذلك إنما عبر بالظلم إشارة إلى أن هذا النهي يتناول كل من اتصف بمطلق الظلم، فمن جلس مع المؤمنين يغتاب يتناوله هذا النهي.
قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾
قال ابن عرفة: (مِن) الثانية زائدة، أي: ما عليهم شيء من حسابهم.
قوله تعالى: (وَلَكِن ذِكرَى).
إما تذكيرا للمؤمنين أو للكافرين، قال أبو حيان: ولا يصح رجوع القيد إلى الثاني وعطفه عليه.
ابن عرفة: يصح إذا جعلنا الذكرى للكافرين، ويكون من في (مِن حِسَابِهِم) للسبب أي ولكن ذكر السبب حسابهم.
قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا﴾
ابن عرفة: هذا عندي راجع للذين يخوضون في آيات الله، فالمراد بذكرهم في هذه الحالة عدم المبالاة بما هم عليه وأنهم على أنفسهم.
وقال الزمخشرى: معناه لَا تبال بتكذيب المشركين واستهزائهم فجعل ابتداء كلام لهم.
وقال ابن عطية عن قتادة: إنها منسوخة بآية السيف، وعن مجاهد إنها تهديد ووعيد ولا نسخ فيها لتضمنها الخبر وهو التهديد.
ابن عرفة: ليست منسوخة لَا لأصل كونها خبرا بل لكون التهديد لَا ينافي القتال.
قال ابن عطية: و (دِينَهُم) هو المفعول الأول، و (لَعِبًا). هو المفعول الثاني.
أبو حيان: الصواب العكس، ولم يبين وجهه بأن قال الجملة الابتدائية إذا نصبها الفعل ينظر المقصود الأهم فيها، والذي يكون المقصود منها يجعل مفعولا أولا
الأنعام 6:71
ويكون الثاني خبره بالتبعية [... ] [والفرض*]، فقولك: اتخذت زيدا رفيقا؛ إن كان المراد بقرينة، [إذا سافرت*]، وقلت: اتخذت زيدا رفيقا كان السفر إما [بالفرض*]؛ لكونه رفيقا، إذا كان كذلك، لَا أن مراده بقرينة مطلقا، وتارة يكون المقصود الأهم اتخاذ الرفيق زيدا، وكذلك ركبت فرسا وأعطيتها، تقول: أعطيت الفرس زيدا إلا إن قصدت إعطاءه [... ] [وأردت الامتنان*] عليه بفرس [تحبه*]، قلت: أعطيت زيدا الفرس؛ وهذا بياني لا يراعى فيه كون الأول فاعلا في المعنى كما يقول النحويون: وهؤلاء لم يكن مقصدهم اتخاذ اللعب واللهو بوجه وإنَّمَا مقصدهم التدين والإيمان فصيروه لعبا ولهوا، فالمفعول الأول هو دينهم وإضافته إليهم إشارة إلى أن دينهم اللائق.
قوله تعالى: (وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ).
ابن عرفة: هذه موصولة بمعنى الذي أو مصدرية، قال: كان بعض الشيوخ يرجح كونها مصدرية؛ لأن التعليل بالموصوف أولى من التعليل بالذات.
قوله تعالى: (لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ).
الولي أخص من الشفيع فجاء على الأخص؛ لأن نفي الأخص [بالكسب*] وشرابهم الحميم وتعذيبهم العقاب الأليم بالكفر، وأجاب بأنه في غاية المناسبة؛ لأن الإبسال هو الجنس المطلق فعلق بالكسب المطلق المتناول بجميع المعاصي من الكفر وما دونه، وشراب الحميم العذاب الأليم؛ عذابه أخص فعلل بعقاب أخص وهو الكفر؛ ففيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾
قال ابن عرفة: هذا تلطف في العبارة؛ لأنهم لما أخبروا عنهم فعلوا فعلا قصدوا به تنقيص معبود النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله تعالى: (وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا) رد عليهم بما يوجب تنقيص معبودهم، وهذا تقسيم ومعاندة بين الشيء ولازم ضده؛ لأنه ليس المعنى ندعو من دون الله ما لَا يحصل لنا نفعا ولا يدفع عنا ضرا.
ابن عرفة: وانظر هل هنا من باب السلب والإيجاب مثل: الحائط لَا يبصر، أو من باب العدم والملكة مثل: زيد لَا يبصر؛ والظاهر الأول أتدعو من دون الله ما ليس
الأنعام 6:72
بقابل لأن ينفع ولا يضر، قيل: يلزمك المفهوم فيمن هو قابل لذلك من البهائم وغيرها على مذهب الآخرين ينفع ويضر، فقال: يكون في اللفظ من باب العدم والملكة.
قوله تعالى: (وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا).
قيل: فما فائدة قوله: (وَنُرَدُّ) ولم يقل: ونرجع مع أن نرجع مقصد قال تعالى (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُم) قال: فائدة ذلك أن نرد لذاته يقتضي الانفعال سواء بني للمفعول أو للفاعل ونرجع لَا يقتضي الانفعال إلا إذا بني للمفعول فنرد أقوى في الانفعال.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ﴾
ابن عرفة: خصت بالذكر؛ لأنها أهم شرائع الإسلام، ولذلك قال عمر: لَا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة.
ابن عرفة: قال: وإنما لم يقل: صلوا مع أنه أخص لوجهين:
أحدهما: أن الصلاة لما كانت متكررة فهى مطلقة أن تترك فأفاد لفظ الإقامة المواظبة عليها وعدم الإخلال بشيء منها.
الثاني: إنما يحتاج إلى شرائط وأركان من الطهارة وستر العورة وغير ذلك فأفاد لفظ الإقامة التوفية لجميع شرائطها وأركانها.
ابن عرفة: (وَأَن أَقِيمُوا) إما من عطف المفردات أو من عطف الجمل؛ فهو إما معطوف على أمرنا أو معمول داخل تحت متعلق لفظ أمرنا.
ابن عطية: ولا يصح عطفه على التسليم إذ لا يجوز عطف المبني على المعرب.
فتعقبه أبو حيان بجواز قام زيد وهذا.
وأجاب السفاقسي بأن المعطوف شريك المعطوف عليه ومن شرط المعطوف أن يجعل محل المعطوف عليه، وهذا لَا يجوز أن يقال وأمرنا لأن أقيموا، ورده ابن عرفة بأن أجازوا رُبَّ شاة ومخلتها مع أن رُبَّ لَا تدخل إلا على النكرات، أبو حيان وقال: المعطوف إن وحدها وفيه خلاف.
ابن عرفة: كيف يعطف الحرف وحده، قال: فأجاب بعضهم: بأن مراده أن الحرف هو أن لكونها مصدرية فالمعطوف المصدر وحده فكأنها هي المعطوفة وحدها.
قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
الأنعام 6:73
قيل لابن عرفة: إنما خالف الكفار في الحشر من أصله، ولم يقل أحد منهم ممن أثبت الحشر أن غير الله فهو الذي يحشرهم، فأجيب بوجهين:
الأول: الحصر لمطلق الربط مثل:
[هما تفلا في فيَ من فمويهما؍ على النابح العاوي أشد رجام*]؍
قاله الزمخشري في (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ).
الثاني: أن الكفار لما عبدوا الأصنام كانت عبادتهم لها مستلزمة لاعتقادهم فيها حصول مجازاتها إياهم على ذلك من الثواب أو العقاب، والجزاء إنما هو في الدار الآخرة فكان إثبات الشر له في الحشر لغير الله من لازم فعلهم لَا من نفس فعلهم فلذلك احتيج لأداة الحصر.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾
ففي جمعه ضمنه أنه خلقكم، قال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ) فكذلك تعلمون أنكم إليه تحشرون فأتت الجملة الثانية دليلا على الأولى.
قوله تعالى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ).
ابن عرفة: الباء للمصاحبة أي مصاحبة للجواز.
الزمخشري يناسب أن يكون على مذهبه المسبب؛ لأنه يقول تعليل الأفعال ووجوب مراعاة الأصلح والخفاء في اللغة هو مقرر أمر مطابق للاعتقاد متفقد تقرره، وفي الاصطلاح كذلك بزيادة لمصلحة دينية فينبغي كفر الكافر على الأول حق وعلى الثاني باطل، وهو هنا باعتبار اللغة وقولنا تقرر أمر ليدخل الوجودي والعدمي كقولك دفع النقيضين حق.
قوله تعالى: (قَوْلُهُ الْحَقُّ).
المراد بالحق الصدق الثابت.
قال الزمخشري: وقوله محتمل لأن يكون فاعلا بقوله (فَيَكُونُ).
ورده ابن عرفة بأنه يلزم عليه حدوث القول لكنه جاز على مذهب الزمخشري، قال: وجاوبنا نحن إما أن المراد بقوله (فَيَكُونُ) ظهور ذلك أو المراد متعلق القول لا تفسير القول، قال: وتقدمنا معارضتها، بقوله تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا) ولم يقل: تبدلوا قول الله، ولم يقل هنا: علامة
الأنعام 6:80
الحق والقول أعم من الكلام، قال: وجوابه أن القول أعم باعتبار فهمنا لمفهوم الأعم فقدم الأعم ولازم الأخص يلزم الأخص باعتبار فهمنا.
قوله تعالى: (وَلَهُ الْمُلْكُ).
هذا من باب تكميل التكميل؛ لأن الأول أفاد أن قوله نافذ، والثاني أفاد أن فعل نافذ فصح أنه هو لَا إله غيره؛ لأن له الملك والملك يستلزم الملك فهو له الملك، وحقيقته التصرف في الشيء لَا نفس التصرف فيه؛ لأن له الملك في الأزل، ولا تصرف هنالك بالفعل فيه، والمراد: الملك المنفرد عن الدعوى وإلا فله الملك الآن وفي كل وقت لكنه معه دعوى المخلوق له.
قال: وهو ملك خاص لَا يدعيه أحد.
قال ابن عطية: وقرأ الحسن والأعمش: (عَالِم الْغَيبِ) بالخفض على النعت للمضمر الذي في له أو على البدل منه.
ابن عرفة: انظر لهذا كان بعضهم يقول أن ابن عطية ضعيف في العربية أن الضمير لا ينعت ولا ينعت به، قلت له: قد قاله الزمخشري في آخر سورة العقود.
قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾
قال ابن عرفة: تقدم لنا في مثل هذا أن الفاعل البادئ بالفعل واستشكلوا قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ)، ثم قال (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) فدل على أن إبراهيم هو البادئ، وتقدير الجواب بأن إبراهيم بدأ بالمقاولة وهي الدعوى ونمرود بدأ بالمحاجة في تلك الدعوى والرد عليها، أو نقول: إن قوله: (إِذ قَالَ إِبْرَاهِيمُ) ظرف للمحاجة أي حاج إبراهيم حين قال إبراهيم: (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) فحاجه في ذلك الوقت فلا يلزم فيه تقدم كلام إبراهيم.
قوله تعالى: (أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ).
المتبادر للفهم إن كان يقال: وقد هداكم وأما هدايته فلا تصح المحاجة بها، والجواب أن المراد وقد هداني بالدلائل الظاهرة الواضحة البينة التي لَا تخفى على أحد، قال: وقد تقدم الخلاف في قراءة علم أصول الدين وقد يحتج بهذه الآية من يتبع قراءته، ويجاب بأن المحاجة في الله لمن هو محق جائزة، أعني أن المحاجة
الأنعام 6:87
لإظهار الحق وتكريمه عما يقدح في التوحيد جائزة، والمحاجة لمن هو مبطل وهي المؤديات إلى القدح في قواعد العقائد باطلة ممنوعة.
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾
أخذوا من عموم الضمير المضاف إلى الذرية أن الحال أب؛ لأنه يعود على جميع ما تقدم وذريتهم عيسى عليه الصلاة والسلام ولا ذرية له.
قال ابن عرفة: والآية حجة لمالك في أن الرجل يعتق عليه عمود النسب والأخوة دون نبيهم فلاختصاصهم بالذكر في التشريف.
قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي﴾
قال ابن عرفة: المهدي يحتمل أن يكون اسما، وأن يكون مصدرا، والظاهر الأول؛ لأنه إذا كان مصدرا، [وعاد*] عليه الضمير في قوله تعالى: [(يَهْدِي) *] [ففيه*] إيهام التسلسل وهذه الآية احتراس؛ لأنه قد يتوهم أن الوصف في القرابة هو الذي حصل للذرية، والأخوة هنا للتشريف والاختصاص فاحترس من ذلك، بقوله (يَهْدِي بِهِ مَن يَشَاءُ) هذا يتم أنه يجيء بتوفيق الله ومشيئته لَا بوصف القرابة.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى... (٩١)﴾
قال ابن عرفة: حكوا عن الفخر ابن الخطيب أن هذه الآية دليل على أن السالبة الكلية تناقضها الموجبة الجزئية.
قوله تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾
قال أبو حيان: هذه الآية تبطل قول ابن عصفور في النعت أنه يبدأ فيه بالمفرد ثم بالمجرور ثم بالجملة.
وأجاب ابن عرفة: بأن يكون (مُبَارَكٌ) خبر مبتدأ تقديره أي فهو مبارك قال: وإنما الرد عليه بقوله تعالى: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ﴾
ابن عرفة: هذا من عطف الخاص على العام؛ لأنه من افتراء الكذب.
الأنعام 6:94
وحكى ابن عطية عن سيدي عبد الله بن سعد بن أبي سرح أنه كان يكتب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما نزلت (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَان مِنْ سُلالَةٍ مِن طِينٍ) إلى قوله (ثُمَّ أَنشَأنَاهُ خَلْقًا آخَرَ). فقال ابن سعد (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "اكتبها فهكذا نزلت، فقال عبد الله: أنا أصنع مثل القرآن" وارتد ولحق بدار الحرب ثم أسلم وحسن إسلامه وهذا توهم خطأ؛ لأن من قواعد علم البيان الإرصاد وهو أن يكون الكلام دالا على معنى الذي بعده وهذا أحد معجزات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأحد معجزات القرآن، فجعل هذا عبد الله بن سعد وتوهم أن ذلك من عنده.
قال ابن عطية: وروي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أملى عليه (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فبدلها هو (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ذلك هوى".
قال ابن عرفة: هذا لَا يصح وعبد الله بن سعد هو الذي افتتح إفريقية في زمن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وببركته المسلمون فيها إلى الآن.
قوله تعالى: (وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ).
هذا ممن افتري على الله الكذب فهو يوهم أن كلام الله غير معجز فصح عدم إمكان معارضته، ولو علم أنه معجز لافتقد العجز عن مصارحته.
قوله تعالى: (بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ).
قال: فعادتهم يجيبون بأنه لو قال: تقولون على الله الباطل لما تناول إلا من قال متعمدا متحققا أنه باطل ويبقى المتصف بالوهم والشك، أو من قاله غير مستند لدليل فهذا قال غير الحق، ولا يصدق أنه قال الباطل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَىٰ﴾
قالوا: هذا القول من الملائكة لهم إما عند الموت أو يوم القيامة.
ابن عرفة: قالوا: فإن قلت القسم إنما هو لمن ينكر أو ظهر عليه مخايل الإنكار؛ فأجيب التشبيه في الانفراد بالخلق لَا من جميع الوجوه.
الأنعام 6:95
قوله تعالى: (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ).
إسناد التحويل إليه مجاز.
قوله تعالى: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ).
نقل أبو حيان عن بعضهم: أن معكم حال من شفعاءكم، وألزمه أبو حيان المفهوم، وهو وجود شفعائهم لَا في حال كونهم معهم.
وأجاب ابن عرفة: النفي إذا تسلط على مركب من جزأين قد يكون أحد جزئيه موجودا، وقد لَا يكون كذلك؛ لأنه مطلق في الأجزاء فقد تنتفي الأجزاء وقد لا تنتفي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ﴾
قال ابن عرفة: وجه التأكيد بإن مع أن المخاطب غير منكر ولا عليه مخايل الإنكار، ولكنه نافل من ذلك مشتغل بدنياه، فالتأكيد تشبيه له من فعلته فكأنه كالمنكر.
قوله تعالى: (الْحَبِّ).
القمح والشعير ونحوهما، (وَالنَّوَى) نوى التمر والخوخ ونحوهما.
قوله تعالى: (يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ).
قيل لابن عرفة: لم قال (فَالِقُ الْحَبِّ) بلفظ الاسم؛ فأجاب بأنه مخرج للتصوير والتعجيب، وإخراج الحي من الميت أغرب وأعجب من إخراج الميت من الحي، وفلق الحب والنوي إنما يكون تحت الأرض فهو غير مشاهد. فلذلك لم يؤت فيه بلفظ البقل؛ لأنه يقتضي التصوير والمشاهدة، كقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) قلت: وأجاب أبو جعفر الزبير بأن هذه الآية توسطت بين أسماء الفاعلين الواقعة إخبارا؛ لأن قبلها (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) وبعدها (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) فلذلك قال: (وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ). بلفظ الاسم، قال: وإنَّمَا قال: (يُخْرِجُ الْحَيَّ) بلفظ الفعل لما أجاب به الزمخشري من أنه أتي بيانا، لقوله تعالى: (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى)؛ لأن فالق الحب اليابس بالنبات من جنس إخراج الحي من الميت.
قوله تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
قال ابن عرفة: أورد فيها سؤالا نحويا هو: أن المبتدأ لَا يكون إلا معلوما والخبر مجهولا لم يجز جعله في الجملة الأولى مبتدأ، قال: وأجيب بأنه معلوم من جهة ذاته
الأنعام 6:96
مجهول من جهة اتصافه بهذه الأمور، وهذا ينتهي عليه لكن يرد على هذا أنه لما أخبر عنه بهذه الأشياء صار معلوما من الجهتين، فلم تكن للجملة الثانية فائدة؛ فأجيب بأنها أفادت الحصر وهذا معلوم لمن قرأ علم المنطق؛ لأن القضايا على قسمين فمنها قضية تنعكس كنفسها وأخرى تنعكس فتقول كل حيوان متحرك بالإرادة وكل متحرك بالإرادة حيوان، وتقول: كل إنسان حيوان، وأن المتسبب بذلك هو الله تعالى لَا غير.
قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾
لما كان الحسبان يقع بهما والشمس راجعة للحسبان، الشمس والقمر للحساب القمري برؤية الأهلة.
قوله تعالى: (ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ).
قال ابن عرفة: إن قلت: هل قيل: ذلك خلق العزيز العليم كما قال (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) فالجواب أن التقدير بمعنى الإرادة، والإرادة فائدتها التخصيص، فلو قيل: ذلك خلق العزيز العليم لما أفاد تخصيصهم صفة دون صفة، وقيدت من بعض كلام أصحابنا في هذه الآية ما نصه:
قال الزمخشري: يصح عطف الشمس على موضع والليل؛ لأن موضعه نصب، فإِن قلت: كيف صح عطفه عليه واسم الفاعل للمضي فلا يعمل، فأجاب بأنه إذا عمل لكونه دالا على معنى في الأزمنة المختلفة.
قال أبو الحسن الطيبي: يعني أن في إضافته اعتبارين:
أحدهما: أنها محضة باعتبار معنى المضي فيه وبهذا الاعتبار يقع صفة للمعرفة.
وثانيها: أنها غير محضة باعتبار معنى الاستقبال فهذا الاعتبار يعمل فيما أضيف إليه، ونظيره قوله تعالى: (أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) كان (أَيًّا). من حيث تضمنها معنى الشرط عاملة في تدعوا ومن جهة كون إنما متعلقا بـ تدعوا معمولا له.
قال ابن القصار: وهذا في غاية الإشكال؛ لأن اعتبارين متضادين في حيز واحد في محل واحد غير مفعول وإضافة الشيء الواحد في خبر واحد لَا تكون متصلة؛ لأنها باعتبار المضي حقيقة وباعتبار الاستقبال غير حقيقة فكيف يلاحظ فيها اعتباران متضادان بخطاب (أَيًّا مَا تَدْعُوا). لأن المحل مختلف والعمل كذلك فأحد المحلين العاملين أي وعلة الجزم، والآخر تدعوا ومحله النصب وهنا المحل واحد وهو الإضافة، انتهى. ورد الشيخ أبو حيان على الزمخشري بأن اسم الفاعل إذا لم يتقيد بزمان فلا يعمل وليس المجرور في محل، كقولك:
أَلْقَيْتَ كَاسِبَهَمْ فِي [قَعْرٍ*] مَظْلَمَةٍ
أجاب أبو إسحاق إبراهيم السفاقسي بأن مراد الزمخشري إنما هو بدلالته على الاستمرار في الأزمنة أبدا ومستقبلا؛ لأنه في كل آنٍ جاعل الليل سكنا إما حالا أو مستقبلا لعمل؛ لأنه بمعنى الحال والاستقبال.
قال صاحبنا ابن القصار: والحق ما قاله أبو حيان؛ لأن مراد النحاة بقولهم اسم الفاعل إذا لم يقيد بالزمان لَا يعمل أي إذا لم يتقيد بزمان متعين إما حال أو مستقبل، فقول الزمخشري: أنه دال على جعل معتبر في الأزمنة المختلفة تقتضي غيرها اعتبره النحاة من كونه لا يعمل؛ لأنه قيد بزمان معين وهو نظير قول الحطيئة:
أَلْقَيْتَ كَاسِبَهَمْ فِي [قَعْرٍ*] مَظْلَمَةٍ
أي الذي من شأنهم أي يكسب لهم في الماضي والحال والاستقبال فهو أيضا لم يتعين بزمان معين إذ الكسب لابد أن يكون في زمان فالمراد غير دال على زمان معين فهو مراد الزمخشري بقوله: دال على عمل مستمر في الأزمنة المختلفة أي أنه مسلوب الدلالة على الزمان المعين، انتهى.
ولما ذكر ابن القصار في شرح سر الخلاف في اسم الفاعل المتعدي لمفعولين إذا كان بمعنى المضي هو الناصب للمفعول الثاني، أو فعل مقدر دل عليه. الأول للسيرافي، قال: قلت لابن عصفور: لَا يوجد هذا في كلامهم أصلا، فاستشهد بقوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) فقلت له: لعلها بمعنى خلق، و (سَكَنًا) حال، فقال: إنه كان من الليل سكنا لَا في حينه، فقلت له: هي حال مقدرة، فقال: يلزمك ادعاء كون الله تعالى موصوفا بهذه الصفة، وصفات الله تعالى توقيفية فلا يوصف إلا بما ورد أنه وصف به نفسه، فقلت: الذي يدل على وصفه يقدر أنه الآن كذلك قد قدره، فقال: لَا دليل لك إذ يمكن أن يكون خلقه أولا لهذا ثم جعله هكذا يعني الخلق، انتهى.
قلت: قال ابن القصار: هذا البحث بناء على إنما جعل سكنا حالا من اسم الفاعل وهو غير جائز عند البصريين؛ لأنها تكون صفة جرت على غير من هي له، فيجب إبراز الضمير عند البصريين؛ لأن السكون من جهة الليل والمعنى جاعل الليل ذا سكون
الأنعام 6:97
أو سكونا فيه، وليس المعنى جاعل الليل مقدرا فيه السكون حتى يلزم منه وصف الله تعالى، المعنى جاعل الليل مقدرا فيه السكون ومقدرا اسم مفعول، فلا يلزم منه هذا بالنص لكن باللزوم من جهة أن الله هو الفاعل لكل شيء، قال: ونص النحويون في خبر المبتدأ والحال والصفة إنما يمتنع جريانها على غير من هي له وإنَّمَا يجب إبراز الضمير فيها مطلقا، والكوفيون يجوزونه إذا أمن اللبس، انتهى.
قوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
قال الزمخشري: خصص الأول (يَعْلَمُونَ)، والثاني (يَفْقَهُونَ)؛ لأن إنشاء الإنسان من نفس واحدة، ونظيره إلى حالات مختلفة ألطف وأدق صنعة وتدبيرا فناسب تخصيصه بالفقه المقتضي لاستعمال الفطنة وتدقيق النظر.
ابن عرفة: وتقدمنا تقريره بوجهين: المعنى أن العلم راجع للتصور، والفقه راجع للتصديق فتناسب أن يعقب الأول بـ (يَعْلَمُونَ)؛ لأنه بدئ به فعقبه بما هو سابق على التصدق.
قال: وعكس آخرون، فقالوا: العلم راجع لعلم الكلام وغيره من العلوم، وعلم الكلام إنما يتكلم فيه باليقين المحقق لَا بالظن، والفقه أحكامه كلها ظنية فيعلمون أبلغ من يفقهون.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
ابن عرفة: وقع التذكير بآية سماوية، ثم تخلف أنفسهم، ثم تقوم أنفسهم.
قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ).
هذا التفات، فإن قلت: ما فائدة الالتفات هنا في الانتقال من الغيبة إلى المتكلم، قلنا: فائدته أن هذا الباب أعجب وأغرب من الأول ففيه رد على [الطبائعيين*] إذ لو كانت هذه الأشياء أصل بالطبيعة لكان الشجر المسقي بالماء الحلو حلو أكله، والمسقي بالماء المالح مالحا أكله، قال تعالى (يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) فأسند تعالى فعلها إليه إشارة إلى أنه خالق كل شيء.
قوله تعالى: (فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا).
لأن الجداول ما ينشق يخرج نباته أبيض، ثم يخرج من هذا الأبيض شيء أخضر وانظر نواة التمر كيف يخرج منها بالجمار.
قوله تعالى: (نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا).
الأنعام 6:100
هذا زيادة وعظ وتذكير بهذه النعمة.
قوله تعالى: (انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ).
قال ابن عرفة: النظر للتمر فيه في فائدتان: وهي النظر فيه للذة الأكل في الدنيا، والاعتبار والاستدلال على أن له خالقا موجودا وهذا منفعة أخروية ويستوي فيه العظيم والحقير والمالك وغيره، فنظر الإنسان في ملك غيره ليعتبر والأولى قاعدة على المالك.
قوله تعالى: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.. قال: هذا يدل على أن أقل الجمع اثنان.
وأجاب ابن عرفة بما قال ابن التلمساني في قوله [(بَنِينَ) *] خيار للرجال بالنكاح وهي إنما يتوجب لواحد.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قال ابن عرفة: إن قلت: ما أفاد قوله: (بِغَيْرِ عِلْمٍ) مع أن هذا ليس من قبيل المعلوم؛ لأنه محال؟، فالجواب بوجهين:
الأول: أن هذا مما لَا يصح فيه إلا بعلم وليس هذا من الأمر الذي يتكلم فيه بالظن، والحدس.
الثاني: التنبيه على أن ليس لهم في ذلك شبهة ولا مستند بل هو مجرد افتراء وجهالة.
قوله تعالى: (سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى).
ابن عرفة: قالوا: فإن قوله (وَتَعَالَى) نفي القابلية، فسبحان لنفي الواقع الموجود (وَتَعَالَى) لنفي القابلية، كقولك: حاش لزيد أن يفعل القبائح.
قوله تعالى: (عَمَّا يَصِفُونَ).
أتى فيه بلفظ المضارع مع أن ذلك ماض قد وقع، ابن عرفة: الجواب أن فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإعلام بأنهم ندموا على ذلك فلا يتأسف على كفرهم فإِن الله تعالى منزه عن ذلك لَا يضره شيء من فعلهم.
قوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
الأنعام 6:102
قال الزمخشري: هذه صفة مشبهة باسم الفاعل أي بديعة سماواته، مثل: حسن الوجه أي حسن وجهه، أو خبر لمبتدأ مضمر أي: هو بديع السماوات، كقولك: فلان ثبت العذر.
ابن عرفة: قال صاحب مختصر العين: العذر هو الموضع الكثير الحجارة، وثبت العذر أي لَا نظير معنى أنه لَا يغلب في القتال والحروب أشار إلى أن موضع الأحجار موضع الزهو وعدم الثبات فلا يقدر فيه على متابعة العذر إلا الرجل النحرير الشجاع فهذا الرجل يثبت وكذلك هنا لَا نظير له في إبداعه.
قوله تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ).
استدل في الآية على نفي الولد إما بالبرهان العقلي أو بالخطابة أما البرهان فتقديره أنه مبتدع الشهوات إبداعا لَا نظير له، فدل على أنه الإله والإله موصوف بالكمال منزه عن النقائص، والولد مناف لذلك، وأما الخطابة: فلأن الولد من صفات الأجسام إذ لا ولد في الحقيقة إلا لمن له صاحبة وهو سبحانه منزه عن المجانس.
قوله تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ).
قال ابن عطية: هذا اللفظ عام لكل ما يجوز أن يدخل تحته ولا يجوز أن يدخل تحته صفات الله تعالى وكلامه، فليس هو عموما عن مخصوص كما ذهب إليه قوم. لأن العموم المخصوص أن يتناول العام شيئا يخرجه التخصيص فهذا لم يتناوله قط، وإنما هو قولك: قتلت كل فارس وأثخنت كل خصيم فلم يدخل المتكلم بهذا بوجه.
ابن عرفة: هذا خطا؛ لأنه فهم أنه داخل في متعلق لفظ خلق، ونحن نقول هو داخل في قوله: (كُلَّ شَيْءٍ)؛ لأن ذاته تعالى تدخل فيه إن قلنا إنها يصدق عليها لفظ شيء، وإسناد الخلق إلى ذاته قرينة في أنه عام مخصوص لَا يتناوله الذات ولا ما اتصف به.
قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
قيل لابن عرفة: أن ابن دهمان قال في شرح الإرشاد: أن هذا عام مخصوص؛ لأنه تعالى لَا يعلم له صاحبة، ولا يعلم له شريك، فقال ابن عرفة: يريد أنه مخصوص بالمستحيل فهذا غير صحيح؛ لأن المستحيل لَا يطلق عليه لفظ شيء بوجه.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ... (١٠٢)﴾
الأنعام 6:103
أعاده بلفظ الاسم؛ لأنه أبلغ وليرتب عليه الأمر بالعبادة.
قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ).
وعد ووعيد.
قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾
إن قلت: الإدراك أخص من الرؤية فهي نفي للجواز ويتم على مذهبنا ومذهب المعتزلة، وإن قنا: إن الإدراك مساو للرؤية فهي نفي للوقوع عندنا في دار الدنيا على قول عائشة رضي الله عنها وغيرها خلافا لابن عباس - رضي الله عنه -.
قال أثير الدين الأبهري في تأليفه في أصول الدين: لَا تدركه بالأبصار وإنما يدركه ذو الأبصار.
قوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
قال ابن عرفة: هذا من إقامة السبب مقام مسببه أي قد جاءتكم الآية البينة التي ليست في البصائر، ولفظ الرب مناسب على مذهبنا؛ لأن بعثه الرسل محض بفضل من الله تعالى إذ لَا يجب عليه شيء، ولفظة (قَدْ) هنا مناسبة؛ لأن المؤمنين كانوا يتوقعون مجيء ذلك وتذكير العقل.
قال أبو حيان: إما للفصل، وإما لأن التأنيث غير حقيقي.
ابن عرفة: ويرجح الثاني بقوله تعالى: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ) إلا أن يقال: أن الإشارة للمتقدم لَا إلى ما بعده.
قوله تعالى: (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ).
قال أبو حيان: (فَلِنَفْسِهِ) إما خبر عن مبتدأ مقدر أي إبصاره لنفسه، وإما متعلق بفعل مقدر أي فلنفسه أبصر، ورجح الأول ثلاثة أوجه:
الأول: أنه على تضمن كلمتين مضاف ومضافا إليه، وعلى الثاني: تضمن كلمة واحدة وهي أبصر.
الثاني: أن الفاء لَا تدخل في جواب الشرط إذا كان ماضيا إلا بشرطين:
أحدهما: أن يكون مستفهما عنه والآخر وليس هنا.
وأجاب ابن عرفة بأنهم زادوا شرطا ثالثا، وهو: أن يكون ماضيا، ومعنى قوله تعالى: (وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ... (١٠٥)
الأنعام 6:106
قال الزمخشري: واللام للصيرورة.
قال ابن عرفة: هذا يناسب مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله تعالى لَا يخلق الشر ولا أراده؟ لأنه قبيح فجعلها للصيرورة أي فعل ذلك ليؤمنوا، قال: أمرهم إلى الكفر.
قال ابن عرفة: ولا يناسب أن يكون للصيرورة لَا عندنا ولا عند المعتزلة؛ لأن من لوازم لام الصيرورة الجهل بالعاقبة، والله تعالى عالم بكل شيء مستحيل عليه الجهل بالعاقبة.
قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾
قال ابن عرفة: لما تقدم التنبيه على انقسام الأمة إلى قسمين: فمنهم قسم مكذب يقول: إن تلك الآية يسمعها من غيره ودرسها عليه، ومنهم: مؤمن مصدق لكل ما جاء به أنه من عند الله، أتى بهذا الأمر في معرض الرد على الفريق الأول إشارة إلى أن ذلك وحي من الله تعالى؛ لأنه يسمعه من غيره ودرسه عليه.
قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
أمر بالتوحيد على سبيل التوحيد أو دليل على الأمر بالاتباع، أي إذا كان منفردا بالألوهية وجب عليك اتباعه فيما كلفك به، قالوا: وهذا دليل على عدم ورود النسخ في القرآن؛ لأنه أمر باتباع الوحي ناسخه ومنسوخه فيفيد الجمع بين النقيضين، وأجاب الآخرون بأنه أمر باتباع المنسوخ إلى وقت معين وباتباع النَّاسخ دائما.
قوله تعالى: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ).
ابن عرفة: ارض بفعلهم باعتبار الخلق والاختراع، واعلم أن الله تعالى قدره عليهم وأراده منهم وأقدرهم عليه، وإما باعتبار الحكم الشرعي فهو مأمور بقتالهم ونظيره تغيير المنكر واجب مع اعتقاد أن الله تعالى قدر المعصية وأرادها من فاعلها وأقدر عليها، قلت: وجرت هذه الآية في ميعاد الفقيه أبي القاسم الغبريني.
قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ).
أن يكون حالا وأن يكون اعتراضا.
فرده عليه الفقيه أبو زيد عبد الرحمن الحلواني بأن ابن أم قاسم نص في شرح ألفية ابن مالك على أن الجملة المنفية بـ لا لَا تأتي حالا إلا بالواو، وأن المضارع بالنفي لا
الأنعام 6:107
يستعمل بالواو إلا قياسا، فأجابه أبو العباس أحمد بن القصار عن قوله الأول بقول الشاعر:
رب مهزولٍ سمين [عرضه*]؍ وسمين [الجسم*] مهزول [الحسب*]؍
أكسبته الورق البيض أباً؍ ولقد كان وما يدعى لأب؍
وأجاب عن قوله ولا تستعمل إلا قياسا بقول الشاعر:
تفانى مصعب وبنو أبيه؍ وكنت لا ينهنهني الوعيد؍
أنشدها ابن عصفور في شرح مقربه.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾
ابن عرفة: لو شاء الله عدم إشراكهم.
قوله تعالى: (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ).
لأن الوصي أخص من الوكيل، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم؛ لأنه إذا أطلق في الوصية عمت في كل شيء، وإذا أطلق في الوكالة لم تعم إلا على رأي الأندلسيين، والوصية من فعل غير المنوب؛ لأنها من فعل الأدب، والوكالة شيء من فعل المنوب عنه لَا من فعل الشخص نفسه فليس هذا تأكيدا وإنما هو تأسيس، قلت: وقال الفقيه الغبريني: لو قال قابل وصالح لأن تكون وكيلا عليهم، قال: ولا يكون تكرارا فحمل الحفيظ على الوكيل.
ابن عرفة: وفيه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كما قال تعالى (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ).
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
إبلاغ هذا إما راجع للعصاة وإما للمشركين، وظاهر الآية رجوعه للمشركين، لقوله تعالى: (فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ)، وأورد الزمخشري سؤالا سب الآلهة طاعة فكيف نهي عنه، وأجاب بأنها تستلزم مفسدة فكذلك شرع كتغيير المنكر إذا أدى إلى الوقوع في مفسدة.
قال: وحضر الحسن ومحمد بن سيرين في جنازة فرأى محمد بن سيرين نساء فرجع، فقال الحسن: لو تركنا الطاعة لأجل المعصية لأسرع ذلك في ديننا.
ابن عرفة: لأسرع في ديننا بالنقض والاختلال بالطاعة إن كان فعلها يقارن المعصية لم ينبغِ تركها، وإن فعلها يوجب نهي عنها ولم ينبغِ فعلها كما قالوا في حضور الوليمة.
الأنعام 6:109
قوله تعالى: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ).
قال الفخر: فيها حجة لأهل السنة في قولهم: إن الله خالق الخير والشر، ابن عرفة: بل هي حجة للمعتزلة لقوله (عَمَلَهُمْ) فنسبة العمل إليهم، وإنما فيها حجة لأهل السنة من وجه آخر وهي قاعدة مراعاة الأصلح، بمعنى أن الله يجب عليه مراعاة الأصلح للعبد؛ لأن كفر الكافر ليس بأصلح شرعا.
قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾
قال أبو حيان: الجهد بالفتح هو المشقة، وبالضم بلوغ الطاعة.
ابن عرفة: المناسب العكس وعليه تدل الآية إلا أن يقولوا: يصح إيقاع أحدهما موقع الآخر، حسبما قال ابن قتيبة في (أدب الكاتب) وذكر أبو حيان في إعراب جهد أيمانهم وجوها، وزاد ابن عرفة أن يكون معنى المصدر محذوفا أي قسما جهد أيمانهم.
قوله تعالى: (لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا).
ذكرا المفسرون في سبب نزولها أن المشركين طلبوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصير لهم الصفاء ذهبا ويؤمنوا.
وأورد ابن عرفة هنا سؤالا قال: أنه لو جاءتك آية على وفق تمنيهم لكانت معرفة، فكان يقال: (لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا) فلم نكرت؟، وأجيب بأنها نكرت تنكير تعظيم وتخصيص بالصفة أي آية مصرحة، كما قالوا في قوله تعالى: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ).
قوله تعالى: (وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ).
قال ابن عرفة: الشعور: هو إدراك أوائل الشيء، فالشعور هو أوائل التصور ومبادئه فهو أعم من التصور الحقيقي والتصديق، فكذلك النفي؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
قال ابن عرفة: وأشعر من أخوات ظننت، قلت: [رده*]، وقال: بل هو من أخوات [دريت*]، قلت: وفي صحاح الجوهري ما نصه أشعرته فشعر أي من أدريته فدرى، وأشعرته ألبسته الشعار، وأشعره فلان شرا: غشيه به، يقال: أشعره الحبُّ مرضا.
وذكر أبو حيان في إعرابه وجوها: منها: أن لَا زائدة وأن بمعنى لعل،
الأنعام 6:110
ابن عرفة: والخطاب على هذا لم يجز بعدم إيمانهم فيكون في هذا عذر لهم. في طلبهم الآية المتقدمة.
قوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾
وقال في سورة الأحقاف (وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً) فقدم الأفئدة هنا على الأبصار وأخرها هناك في الأحقاف، قال: وعادتهم يجيبون أن السمع والبصر طريقان إلى القلب، وآية الأحقاف خرجت مخرج نفي الطرق والأسباب لقوله تعالى: (فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ) فاعتبرت فيه السببية، وهذه الآية خرجت مخرج إثبات المعنى الذي في القلب والإعدام بأن حصوله فيه إنما هو من الله تعالى لَا من غيره، فالله تعالى خلق في قلوبهم ضد الإيمان فلا يقابل غيره بوجه؛ لأن المقصود فيه الضد، فلا فائدة في الوسيلة أثر بوجه؛ لأن المقصود فيه الضد فلا فائدة في الوسيلة.
قوله تعالى: (كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
في هذا تنبيه على أن الإنسان ينبغي له أن يعتقد كمال التوحيد لله عز وجل، وأن لا فرق بين حالتهم قبل نزولها ولا بعد نزولها فدل على أن جميع ذلك بخلق الله تعالى وإرادته فلا يؤمنون بعد صيرورة الصفاء ذهبا كما لم يؤمنوا قبل ذلك، ومنهم من جعل الكاف للتعليل ويكون من المعاقبة بالذنب على الذنب.
قوله تعالى: (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
هذا أيضا من المعاقبة من الذنب بذنب آخر وهو أشد من العقوبة بالفعل لاستلزامه العقوبة على الأول والثاني.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ﴾
ابن عرفة: أخذا به؛ لأن قوله (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) يقتضي في غمة وحيرة، فقد يتوهم أن عدم إيمانهم بعد مجيء الآية التي طلبوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأجل شبهة تعرض لهم فيكون في غمة وحيرة بسببها، وإلا فقد حصل لهم العلم، فأفاد هذا أنهم يمتنعون لَا لأجل شبهة بل لكون الله تعالى أحيا لهم الأموات فكلموهم.
قيل لابن عرفة: هذا إن أريد الكلام من الحجر والحمار وهو الحروف والأصوات لا كلام النفس.
الأنعام 6:113
قوله تعالى: ﴿وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾
هذا راجع إلى استماع الآية.
قوله تعالى: (وَلِيَرْضَوْهُ).
راجع إلى التصديق بها.
قوله تعالى: (وَلِيَقْتَرِفُوا).
راجع إلى العمل بمقتضاها.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾
هذا إما لعلة الحكم، كما تقول: أتزني وأنت شيخ، أتكذب وأنت ملك، أتتكبر وأنت عائل، والخطاب عام في المسلمين وأهل الكتاب.
قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).
فهي أخص، فإن قلت: هلا قيل فلا تكونن ممتريا؟، فالجواب أنه شبه ما قالوه في قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) أي لو وقع منه [ظلم*] [كان كذلك*].
قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾
قال ابن عطية: تمت أي استمرت، وصحت في الأول وليس بتمام من نقص عارض لها في ذاتها.
ابن عرفة: أو يكون من نقص يتوهمه متوهم؛ لأنه من نقص عارض لها في ذواتها، وقرئ كلمة بالإفراد.
ابن عرفة: فالجمع؛ لأنها متعددة باعتبار متعلقها، والإفراد بكونها مفردة بالنوع، كذلك تقول: قرأت كلمة فلان يعني قصدته.
قوله تعالى: (صِدْقًا وَعَدْلًا).
قال الزمخشري، وابن عطية عن الطبري: إنهما على التمييز زاد ابن عطية إنها مصدر في موضع الحال، أبو حيان: حال من ربك أي حال كونها من ذي صدق أو حال من كلمات، أو مفعول من أجله، ورده ابن عرفة بأنه لَا يقال: ثم صدقها [فتمت*]
الأنعام 6:116
هي في نفسها والصدق من صفاتها بعد التمام، وقال: وصدقا راجعا للخبر وبعضها أخبار وبعضها أحكام.
قوله تعالى: (لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ).
قال ابن عرفة: فيه حجة لأهل السنة القائلين بأن الأمر ملزوم للإرادة فلا يأمر إلا بما يريد، فالكفار مأمورون بالإسلام وقد كفروا وكذلك العصاة، فقد وقع التبديل فكيف ينفي التبديل، قال ابن عرفة: هذه الآية خرجت مخرج التهييج والإلهاب (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) تهييج وإلهاب على الأمور العلية.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: هذه الآيات خرجت مخرج التهييج على الأمور العملية، وعبر بأن الداخلة على المحال والمشكوك فيه دون إذا الداخلة على المحقق الوقوع أو الراجح الوقوع، ابن عرفة: وفي الآية حجة لمذهب أهل السنة القائلين بأن الأمر يشترط فيه الاستعلاء دون العلو؛ لأن الطاعة من موافقة الأمر، والآمرون هنا متصفون بالاستعلاء فقط؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلى منهم.
ابن عرفة: وقد يجيبون بأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعلى من الكفار في نفس الأمر باعتبارهم دعواهم أنهم أعلى.
قال ابن عرفة: والأكثر يطلق باعتبار الكمية وباعتبار الصفة والكيفية ومثله إذا جعلت دنانير مغربية في جهة، ودنانير تونسية [هي*] أقل عددا من المغربية، وقلت لرجل أعط لفلان أكثر تلك الدنانير فإن حملت الأكثر على الكمية صح أن تعطيه من هذه ومن هذه عددا يكون أكثر من باقي مجموعها، وإن حملت على الكيفية إنما تعطيه الدنانير المغربية والكثرة هنا إنما هي باعتبار الكيفية وهم المشركون وكثرتهم إما باعتبار أن يكونوا رؤساء قومهم فهم أكثر باعتبار الشهرة والرفعة، كما قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا)، وإما باعتبار عددهم.
قوله تعالى: (إِنَّ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ).
أخذوا منه نفي العمل بخبر الواحد ونفي العمل بالقياس، وأجيب بأن المراد إلا الظن الذي دل على بطلانه.
قوله تعالى: (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ).
الأنعام 6:117
إن كان حالا من ضمير [لهم*] فيكون جوابا لمن استدل بها على إبطال الخبر بعمل الواحد والقياس، وإن لم يكن حالا منه، فيجاب عن ذلك بما قلناه.
قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ... (١١٧)﴾
ابن عرفة: هذا فعل من يقتضي المشاركة لكن باعتبار الحقيقة لَا مشاركة، وباعتبار القسم المشاركة حاصلة.
قوله تعالى: (مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ)
عبر هنا بالفعل، ثم قال (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) فعبر بالاسم؛ لأنه لما كان الاهتداء مأمورا به مطلوبا تحصيله جعل كالأمر الثابت المحقق فعبر فيه بأخص أوصافه وهو الاسم الدال على ثبوته وتحققه، ولما كان الضلال منهيا عنه مطلوبا عدمه عبر فيه باللفظ الأعم الدال على المطلق على ضلال منه، فجعل على ما قالوا من استعمال الأعم في النفي؛ لأن نفيه يستلزم نفي الأخص في الثبوت؛ لأن ثبوته يستلزم ثبوت الأعم؛ لأنه إذا نهي عن مطلق ضلال فأحرى أن ينهي عن الحصة الثابت المحقق، وإذا أمر بالهداية الكاملة المحققة فأحرى أن يؤمر بما دونها.
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾
ذكره الزمخشري هنا للمشركين دليلا خطابيا وهو أنهم قالوا: أنتم تعبدون الله فحقكم أن تأكلوا الميتة؛ لأن أكلكم مما قتل الله أولى مما قتلتموه أنتم؛ لأن الشيء يشرف بفاعله فنزلت الآية، وهذا الأمر إما للإباحة والامتنان إن لم يعتبر فيه قيده، وإما للندب أو الوجوب إن اعتبرناه؛ لأن التسمية إما مندوب إليها أو واجبة، فإن جعلناه مأمورا بالأكل كما أمر بالتسمية، كان الأكل واجبا، أو مندوبا، فلا يحل له إذا ذبح شاة أن يتركها؛ لأنها من باب إضاعة المال، ونظيره قولك: [ادخل المسجد*] فإن [اعتبرت قيده*] كنت قد أمرته بالدخول والصلاة، وإن لم يعتبر القيد، [فقد*] أمرته بالدخول فقط.
قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.. حمله ابن عطية
بوجهين:
أحدهما: أنه نهى عن ترك الأكل مما ذكر اسم الله عليه وفي ضمنه الأمر بالأكل مما ذكر اسم الله، بناء على أن النهي عن الشيء أمر بضده.
الأنعام 6:120
والثاني: أنه أمر بالتسمية بناء على أن الأمر بالشيء أمر بما لَا يتم ذلك الشيء إلا به كالأمر بالأكل مما ذكر اسم الله أمر بالتسمية عليه عند الذبح.
قوله تعالى: (إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ).
الاستثناء إما متصل أو منفصل، فإن كان متصلا فهو مستثنى من الضمير القائم مقام الفاعل في (حَرَّمَ عَلَيْكُمْ) على قراءة البناء للمفعول، أو في الضمير للمفعول به على قراءة البناء للفاعل..
قوله تعالى: (بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
قال ابن عرفة: الفعل على الميتة أقسام فإن كان لمجرد هوى النفس من غير اتباع علم لم يجز، وإن كان لمجرد العلم من غير اتباع هوى فهو المطلوب المثاب عليه وإن كان لهما معا فإن كان الوارد على فعله هوى النفس فهو مأثوم بما فعل منها كالقاضي يحكم بالحق تشيعا فيه وإذا كان الوارد على فعله العلم فهو جائز.
قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾
قالوا: ورود النهي عن الشيء بصيغة لَا تفعل أبلغ من وروده بصيغة اترك، فقولك: لَا تقم أبلغ من قولك: اترك القيام فما الحكمة في العدول عنها في هذه الآية، قال: وأجيب بأن ذلك إنما هو إذا لم يعقب لك الأمر بجزاء يقتضي تأكيده، وهنا عقب الأمر بجزاء، ولا شك أن ترتيب الجزاء على الفعل باعتبار الوجود الخارجي أظهر من أن يغفل ترتيبه على الترك.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾
قال ابن عرفة: الآية دليل على أن الاسم غير المسمى؛ لأنه ما المراد هنا إلا الذكر اللفظي واختلفوا، فقال بعضهم: الآية إنما هي في الميتة وحجته أن المفسرين ذكروا في سبب نزولها أن الكفار قالوا: كيف تأكلون مما قتلتم ولا تأكلون مما قتله الله؟؛ فنزلت الآية ردا عليهم؛ فدل على أن المراد بما مات حتف أنفه لَا ما ذبح ولم يسم عليه.
قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ).
قال ابن عرفة: القاعدة أن يأتوا به مفصولا لَا موصولا بحرف العطف، قال: والجواب أن الأول أتى للتعليل؛ لأن ذكره الوصف المناسب عقيب الحكم يشعر بكونه علة للحكم؛ فلذلك عطف عليه هذا ليفيد أن الحكم معلل بعلتين:
الأنعام 6:122
أحدهما: الترك وهي عدم التسمية، والأخرى منصوص عليها.
قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾
هذا إنكار للتسمية؛ فانظر هل هو من عكس التشبيه؛ لأنه تشبيه الحقير بالعظيم لا تشبيه العظيم بالحقير أو لَا؟.
قوله تعالى: (كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ).
إن قلت: هلا قيل كمن هو في الظلمات؟ قال: والجواب أن هذا أبلغ، لأن قولك: مثلك لَا يفعل أبلغ من قولك: أنت لَا تفعل هذا؛ لاقتضاء الأول نفي الفعل ونفي القابلية للفعل، والثاني إنما يقتضي نفي الفعل، وجمعت الظلمات لتشعب طرق الشرك وتعددها، وأفرد النور لَا في طريقة واحدة، قلت: لأنه إذا أنكر تشبيه أيما شيء في مطلق كالمخلد في الظلمات.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾
قال ابن عرفة: انظر هل المراد أكابرهم مجرمون فيكون من إضافة الصفة للموصوف، مثل دار الآخرة وجانب الكرسي؛ أي جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها فعلى الأول يكون ليس في كل قرية مجرمون إلا أكابرها، وعلى الثاني المجرمون منها أعم.
ابن عرفة: والظاهر الأول تنعمهم وإترافهم وجاههم يحملهم على الإجرام والمعصية، قال تعالى (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ)
قوله تعالى: (لِيَمْكُرُوا فِيهَا).
قال ابن عطية: (لِيَمْكُرُوا) نصب بلام الصيرورة.
قال ابن عرفة: هذا اعتزال؛ لأن المعتزلة يقولون: إن الله تعالى [يجب عليه مراعاة الأصْلح*]، يخصهم [به*] ليطيعوه.
ابن عرفة: أي أن تكرار أن لام الصيرورة من لوازمها الجهل بالعاقبة، والله تعالى عالم بكل شيء؛ فلا يتم هذا التفسير لَا على مذهبنا ولا على مذهب المعتزلة.
قوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾
الأنعام 6:125
قال ابن عرفة: حتى أبلغ في الغاية من إلى، قال: وهذا تهكم وإخبار بأن إيمانهم به محال؛ لأنهم إذا أوتوا مثل ما أوتي رسل الله فلم يؤمنوا بالرسل وإنما آمنوا بما أوتوا إلا بما جاء به الرسول؛ فكأنهم يقولون: لن نؤمن أبدا.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾
قال ابن عرفة: المراد الغاية الأخصية لَا الأعمية المذكورة أي (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) والإسلام هنا بمعنى الإيمان إذا لوَ لم يكن بمعناه للزم عليه وجود الإيمان دون هداية، واللازم باطل فالملزوم مثله بيان والملازمة؛ إذ الآية دلت على أن [كلما وجدت إرادة الهداية وجد الإسلام*]، والإسلام راجع إلى الأعمال الصالحة، والإيمان راجع إلى الاعتقاد القلبي وهو مجرد التصديق فلو لم يكن هناك شيء لكانت الهداية مستلزمة لوجود الإسلام الذي هو من فعل الجوارح فيكون الإيمان وجد قبلها دون هداية.
قال: والجواب أن الهداية مستلزمة لشرح الصدر للإسلام كأنها مستلزمة للإسلام يكون محصول الإيمان قبل الإسلام.
قوله تعالى: (يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا).
قال ابن عرفة: كان بعض الشيوخ يقول: إن الضيق راجع إلى أمر محسوس وهو أن المظروف فيه أكثر من الظرف حسا، والحرج راجع إلى أمر معنوي وهو نفي القابلية عن اتساع الظرف للمظروف إما بعدم خلق الهداية في القلب؛ وإما بخلق الضد فيه فلا يقبل الهداية، قال: وكان مثل الضيق الحسي بيت صغير أردت أن تدخل فيه جملا فلم يسعه، وكذلك دخول الجمل في سم الخياط فإنه يضيق عنه، ومثل الحرج المعنوي ببيت كبير يسع الجمل حسا، وعدم هدايته لَا يسمع بمعنى أنه لَا يستطيع يقاوم فيه؛ فكذلك قلب من أضله الله.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ).
عبر هنا بالإيمان وهو أعم، وقال قبله (يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ) فأتى هذا كله على الأصل مثل استعمال الأخص وهو الأعم في الثبوت والأَعم في النفي، (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ).
قوله تعالى: ﴿وَهَٰذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا﴾
الإشارة إلى مطلق حكم الله الأعم في إضلال من أضل الله وهداية من اهتدى.
الأنعام 6:127
وكان بعضهم يقول: إنه لف ونشر، فالصراط المستقيم لقوله تعالى: (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا) أي هذا حكم العذر في عباده.
قوله تعالى: (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ).
راجع لقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ) بأن التذكير راجع للاهتداء، وتفصيل الآيات يحتمل أن يكون ابتدائيا، ويحتمل أن يكون مسبوقا بإجمال، فإن كان التفصيل يستلزم تقدم الإجمال فيكون حجة لمن يقول من المبتدعة: إن العلوم كلها تذكيرية.
وحكى الأصوليون الخلاف في البيان يقتضي تقدم الإجمال أم لا.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلَامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
إن كان تقديم المجرور لحصر الضمير عاما في المؤمنين طائعهم وعاصيهم؛ أي دار السلام والنجاة ليست إلا لهم لَا لغيرهم، وإن يكن للحصر فيكون الضمير عائدا على المؤمنين الطائعين فدار السلام لهم ولا بد أن يكون ذلك لغيرهم وهم العصاة من المؤمنين.
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾
قيل: العامل فيه وليهم.
ابن عرفة: فلابد من إضمار بما يعطف عليه، أي: وهو وليهم في الدنيا ويوم نحشرهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾
وتبعه في دخول النار، والاثنان راجعان للدنيا
أحدهما: العبادة أيضا بعضهم ولي بعض في الكفر والظلم، والثاني عكسه لابن زيد أن يسلط بعضهم على بعض ويجعله وليا في القهر منتقما منه.
ابن عرفة: فاسم الإشارة على الأول راجع لقوله تعالى: (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا)؛ لأنه أمر أخروي، وعلى الوجه الثاني والثالث يرجع لقوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ)، (وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ)؛ لأنه أمر دنيوي، والآية تدل على إطلاق البعض على الأكثر، فإن قلت: قد يكون نفي بعض ثالث مسكوت عنه كما تقدم في قوله تعالى: (وَأَقْبَلَ بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ) قلنا: هنالك يمكن الجواب بهذا، وأما هنا فهذا تقسيم مستوي.
قوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾
الأنعام 6:131
المعشر هم الجماعة، وتصدير الآية بها توطئة لما رتب عليها وبه يترجم تأويلها، بأن المراد بقوله (رُسُلٌ مِنْكُمْ) أنهم من الإنس فقط، كقوله (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ) وهو إنما يخرج من البحر المالح.
قوله تعالى: (قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا).
ابن عطية: هذا إقرار منهم بالكفر.
ابن عرفة: باعتبار شهادة كل واحد على نفسه، ويحتمل أن يكون شهادة حقيقية باعتبار شهادة كل واحد على غيره.
قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ﴾
ابن عطية: حملته على معنيين:
أحدهما: أن الله تعالى لم يكن ليظلم القرى فيهلكهم دون أن يبعث إليهم رسولا يبين لهم الشرائع والأحكام وينذرهم والباء على هذا للسبب، ابن عطية: وهذا هو البين القوي.
ابن عرفة: هذا المعنى لَا يهلك القرى بظلم منه لهم أو بظلم من بعضهم لبعض، ابن عرفة: والتأويل الأول لَا بشيء إلا على قواعد المعتزلة القائلين بوجوب بعثة الرسل عقلا، ونحن نقول: إنما يجب شرعا وهي محض تفضل من الله تعالى عز وجل، وفي الجائز أن يعذب الطائع وينعم العاصي وليس ذلك [ظلما*] بوجه؛ لأن الكل ملكه وهم يقولون: ذلك قبيح ويستحيل عليه فعله، ونحن نقول: الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه، وحتى ابن عطية كان يبين هذا.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾
قال ابن عرفة: ذكر ابن العربي هنا في الأحكام والقرافي وغيرهما أن هذه الآية احتج بها من أنكر الاستحسان، ووجه الدليل ما قاله أشهب في كتاب الخيار فيما إذا ورث قوم خيارا فاختلفوا فالقياس أن لهم ألا يأخذوا جميعا أو يردوا جميعا، والاستحسان إن لمن أراد منهم أن يأخذ نصيب الراد إن شاء يفرق بينه وبين القياس وما الفرق بينهما إلا أن القياس مستند إلى حكم شرعي معبر عنه مصرح به، والاستحسان مستند إلى شيء قليل.
الأنعام 6:139
ابن عرفة: بل الفرق بينهما أن القياس مستند إلى حكم شرعي معبر عنه مصرح، والاستحسان مستند إلى ذلك لكنه في خاطر المجتهد ولا يقدر على التعبير عنه، فقد خالف بينهما أشهب فجعلهما متباينتين وما قلتموه ليس بمخالفة.
قوله تعالى: (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا).
قيل لابن عرفة: وهلا قيل: وأنعام يذبحونها لآلهتهم ويذكرون اسم آلهتهم عليها، فقال: ذموا على الوصف الأعم ليدل على الأخص من باب أحرى.
قيل لابن عرفة: أول الآية حكاية من مقالتهم وآخرها خبر عنهم، لقوله تعالى: (هَذِهِ أَنْعَامٌ)، ثم قال (وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا) فقال: هذا التفات في الأخبار وهذا كثير شائع، وعنه قوله تعالى: (افْتِرَاءً عَلَيْهِ).
قال ابن التلمساني في باب الفتح: اختلف في تكذيب من كذب على الله وأجمعوا على تكفير من كذب على الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا﴾
ابن عرفة: إن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا)، فالجواب أن الأول أفاد وجوده للذكور وبقي الأمر محتمل هو مباح للإناث أم لَا، كما قال مالك: واجب لك ولا يمنع أن تعطيه لغيرك هبة أو صدقة أو تبيعه له.
قوله تعالى: (وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ).
ابن عرفة: قد يقال: إن أول الآية مناقض لآخرها فأولها مقتضٍ خلوصه للذكور دون الإناث مطلقا، وآخرها يقتضي اشتراك الكل في الميتة منه شركة التساوي، لكن الجواب قوله تعالى: (سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ)، وقال تعالى (سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ)، والجواب بأن الأول راجع للذوات وهذا حكم راجع لأوصاف الذوات؛ لأن الأول (وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ) (لَا يَطْعَمُهَا) فهذا راجع لذوات الأنعام، وقال هنا: (وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ) فهو وصف بالمحرمات، وفي حكمها لقوله (وَمُحَرَّمٌ) والتحريم وصف شرعي، وما في بطون وصف في المحرم، وهناك لم يقل: ومحرم إطعامها، وإنما قال: (لَا يَطعَمُهَا) فناسب الأول لفظ الافتراء، والثاني الوصف.
قوله تعالى: ﴿سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾
الأنعام 6:142
القتل قسمان: قتل مستند إلى شبهة، وقتل غير مستند إلى شبهة فهذا تغيير لاحتمال أن يظن أحد أنهم قبل ذلك مهتدين.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾
(مِن) إما للتبعيض أو لبيان الجنس.
قيل لابن عرفة: شرطها تقدم الجنس البين، قال؛ إن لم يتقدم لفظا فهو متقدم معنى، والحمولة: ما تحمل الأثقال من الإبل والبقر عند من عادتهم يحملون عليها.
قال أبو حيان: واتفقوا، قال ابن عرفة: إنما يريد واتفقوا أنهم اتفقوا على دخولها هنا معها لَا على أنها تصدق عليها لغة.
قال ابن عرفة: ويحتمل عندي أنه يريد بالحمولة ما يحمل المشقة عن الإنسان بتناول البقر وإلإبل؛ لأنها تحمل عليها مشقة الحرث، فلا يريد بالحمل الحسي بل يريد الحمل المعنوي، قال: وجعلها ابن عطية من عطف الموصوفات، والزمخشري من عطف الصفات.
فعلى قول الزمخشري يرد السؤال؛ لأن القاعدة في الصفات أنها إن كانت متناقضات فالأصل بالواو، كقولك: زيد قائم وقاعد ولا يذكر بغير واو إلا على سبيل المجاز، وإن كانت غير متناقضة فالأصل إثباتها غير معطوفة، كقولك: زيد قائم ضاحك مثلا، وهذه الصفات غير متناقضة فلم جيء بها معطوفة؟، قال: وأجيب بأن الصفات لها اعتباران: اعتبار من حيث ذاتها، واعتبار من حيث نسبتها للموصوف بها؛ فمن حيث نسبتها للموصوف بها هي واحدة فتكون غير معطوفة، ومن حيث ذواتها هي متعددة مختلفة فتأتي معطوفة.
قوله تعالى: (كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ).
هذا الأمر للإنسان، وجعلها الفخر حجة للمعتزلة في أن الرزق لَا يطلق إلا على الحلال، وقرره ابن عرفة بالشكل المثالي وهو أن الرزق مأمور بأكله ولا شيء من الحرام مأمور بأكله فينتج لَا شيء من الحرام برزق، وزاده بأن ذلك إذا لم يكن للتبعيض، وإن جعلها للتبعيض لم تكن فيه دليل لهم.
قوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ).
قال ابن عرفة: الخطوة ما بين القدمين، والخطوة ما بين نقل القدم إلى القدم.
قوله تعالى: (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).
الأنعام 6:143
هذا أخف من قوله تعالى: (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا).
قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ... (١٤٣)﴾
قال ابن عرفة: الزوج هو الواحد باعتبار ما أضيف إليه، ولذلك كانت ثمانية أزواج وإلا أربعة خاصة، ومنه النقيضين داخلين، ولذلك [من سرق لرجل فردة فرق، ولم يكن عنده غيرها، فإنه يغرم له قيمتها مفردة، وإن سرق له فردة واحدة من فردتين فرق كانتا عنده فإنه يغرم له قيمتها باعتبار كونها مع أخرى؛ لأنه أفسده عليه وهو أكثر من قيمتها، وبه يفهم قول إمام الحرمين: الجوهران إذا تآلفا كانا جسمين، وهكذا آخرون؛ لأنه أطلق على كل واحد منهما أنه جسم.
قوله تعالى: (قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ).
كأنه يقول الذكرين حرم بالتعيين أم الأنثيين أم أحدهما من غير تعيين، والاستفهام للإنكار، قيل لابن عرفة: قال ابن خروف: إن (أم) المتصلة لَا يتقدمها الاستفهام الحقيقي، قال ابن عرفة: وأخذوا من الآية إبطال الحسي المشكل وأنه ليس في المأخوذ، [فالإنسان*] إما ذكر أو أنثى.
قوله تعالى: (نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ).
يرد عليه أن هذا إنشائي لَا خبري، والصدق والكذب من عوارض الخبر فقط، والجواب أنه خبر عما حكم به آباؤهم من تحريم السائبة والوصيلة والحام.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾
قال ابن عرفة: وجه الترتيب في هذا بين الحمولة والفرش مراعاة كون استعمال الإنسان بالنقلة إلى الموضع الذي تعلق غرضه به أنهم عليه من اشتغاله بالأكل فترتيب الانتقال من موضع إلى موضع عن الأكل أولى من العكس، وجه الترتيب بين الضأن والمعز والإبل والبقر أن الضأن فيها منفعة الأكل ومنفعة الأكل عامة. وهي أعم على الإنسان من منفعة الحمل؛ ولأن الأجمل في الضحايا الضأن، ووجه تقديم الإبل والبقر أن الحمل عليها أكثر وأعم من البقر وهي أقوى على الحمل من البقر.
قوله تعالى: (إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا).
قال ابن عرفة: الوصية على الشيء أقوى من الأمر به.
قوله تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا).
الأنعام 6:145
أي لَا أظلم ممن كذب على الله كذبا لَا شبهة له فيه؛ فهذا هو الافتراء وله نظائر في القرآن، وتقدم لنا في الجمع مثلها أن ينتج مساواتها في الظلم إلا ما قام الدليل فيه على عدم المساواة.
قوله تعالى: (لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ).
كان بعض الشيوخ يقول: إنه لَا يتناول من يقضي بغير علم ومن يدرس بغير علم؛ لأنه يقتدى به في ذلك ويعمل عليه فينتج مفسدة عظيمة، قال: وأما العلم الديني فكان ابن عبد السلام يقول: هو جائز عقلا لكنه لم يقع بوجه، فما رأينا ولا سمعنا وليا صالحا لم يحضر ميعادا قط، ولا قرأ على شيخ صار فقيها بوجه، وإنَّمَا يخلق الله له العلم مسألة مخصوصة معينة فيتكلم فيها بالصواب إما أنه يعلم مسائل المدونة كلها من أولها إلى آخرها، ومسائل البخاري كلها، فهذا أمر جائز عقلا محال عادة لم يقع بوجه.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
إن كانت الألف واللام للعهد يبقى الذي علم دوام ظلمهم فهو عام، وإن كانت للجنس فهو مخصوص.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾
قال ابن عرفة: هذا أمر قاض به بخلاف سائر الأمور، مثل (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فإنه أمر لَه ولسائر أمته بالتبعية له، وتقدم الكلام هو مأمور بتتابع الآية بكمالها، أو مأمور بقوله (لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا). إلى آخر الآية، وتقدم أن لَا لنفي المستقبل بالذات وقد ينفي الحال، وهي هنا لنفي الحال؛ لأن الوحي إليه ماض ولا يصح أن يريد ما أوحي إليه به في المستقبل؛ لأنه قد أوحي إليه بعد بتحريم أمر آخر ليست في هذه الآية، قالوا: وأخذوا من الآيتين مطلبين:
أحدهما: أن الأشياء على الإباحة بدليل استثناء ما استثنى منها، والقاعدة أنه إنما يخرج القليل من الكثير ولا يخرج الكثير من القليل، وأجيب بأنه قيل بأنها للحصر، وذكرت المحرمات فكونه استثنى منها حالة الاضطرار.
الأمر الثاني: الآية دالة على أن أحكامه صلى الله عليه وعلى آله وسلم كلها مسندة إلى الوحي لَا إلى الاجتهاد بوجه، وأجيب بأن الاجتهاد مستند أصله إلى الوحي.
الأنعام 6:146
ورده ابن عرفة؛ لأن ظاهر الآية استثناؤه في أحكامه إلى الوحي بالنص على كل حكم لَا بالاجتهاد، فإن قلت: ما أفاد قوله: (يَطعَمُهُ) مع أنه لو أسقط لم يختل المعنى.
قال ابن عرفة: عادتهم يجيبون بأنه أفاد دخول ما يطعمه الوصي لولده من مال محجوره، وقوله: (عَلَى طَاعِمٍ) إنما يتناول أكله هو بنفسه، ورد بأن ذلك إنما يتجه لو قال: على طاعم يطعمه بالفم، وأجاب ابن عرفة: بأن طاعم [تعدَّى*] بنفسه، وأجاب ابن المنير بأنه أتى به ليدخل فيه المأكول والمشروب، قال تعالى (فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي)، ورده ابن عرفة: بأن ذلك مستفاد من لفظ طاعم، فإن قلت: ما أفاد قوله: (إلا أَنْ يَكُونَ). وأنت إنما تقول: أكرم الرجال إلا الجاهل، ولا تقول: إلا أن يكون جاهلا؟ قال: قلت: الجواب أن هذا فيمن اتصف بكون التناول، اتصف بكون الذبح، فهو حلال، أو اتصف بكون موته حتف أنفه، فهو حرام، فهو كون مختلف.
قوله تعالى: (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ).
غير باغٍ في سفره ولا عاد في أكله في الميتة فوق الحاجة منها مقدار الحاجة فقط.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾
ابن عرفة: إنما استثنى هذه الصعوبة تخليصه من اللحم والعظم لاختلاطه بهما.
قوله تعالى: (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ).
قال ابن عرفة: المراد به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) أي: وإنك لصادق إثباته على المعجزة لَا يصح نسبته إلى السمع؛ إذ لو صح ذلك للزم الدور أو التسلسل.
قيل لابن عرفة: نص المقترح وابن التلمساني على أن الكلام النفسي لَا يقال في صدق ولا كذب، وفرق بين التصديق والصدق، وأنه لَا يلزم من الصدق التصديق بوجه.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾
الأنعام 6:148
قال ابن عرفة: تكذيبهم له حق واقع، فإن عبر عنه بأن على جهة التلطف في العبارة؛ لأن في خطابه التكذيب المعبر عنه بما يدل على وقوعه حقيقة إيحاش وجفاء وغلظة، كما تقول لمن مات أخوه: إن أخاك شديد المرض فامض إليه.
قوله تعالى: (ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
ابن عرفة: منهم من قال الخطاب بذو أبلغ من اسم الفاعل، ومنهم من عكس فحجة الأولين قوله تعالى: (وَفَوْقَ كُل ذِي عِلْم عَلِيمٌ)، وقوله تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) لأنه لو قيل: وفوق كل عالم عليم لم يكن فيه فائدة وإنَّمَا الفائدة في الإخبار بأن من يظن بلوغه النهي في الغاية في العلم فوقه من هو أعلم منه، وكذلك ليس المراد بمن اتصف بمطلق الإعسار إنما المراد من به اعتبار متحقق ثابت فهو الذي قال بإنظاره.
وحمله الزمخشري على أنه ذو رحمة لمن أطاعه وعقابه لمن أجرم، وحمله ابن عطية إلى أنه إشارة إلى إمهاله لهم وعدم معاجلته لهم بالعقوبة، ثم أتى بقوله (وَلَا يُرَدُّ) احتراسا خشية أن يتوهم أنه يرحمهم دائما فأفاد أنه سيعاقبهم بعد إمهالهم.
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾
السين إما للتحقيق والاستقبال، والظاهر الأول؛ لأنهم قالوا ذلك في الآية، والآية تقديرها بإضمار مقدمة لابد من تقديره أي: سيقولون إشراكنا مراد الله تعالى فهو غير فهي عنه، وإشراكنا غير منهي عنه، وقرره الزمخشري بمنع الصغرى جريا على مذهبه في أن الله تعالى لم يرد القبائح، وتقديره على مذهب أهل السنة بمنع الكبرى، ورد التكذيب إليها فيعارض من الإقرار لكن دليلنا نحن أنه لو كان راجعا إلى منع الصغرى لقال: (كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ) بتخفيف الذال من (كَذَّبَ) وإنما التلاوة بتشديد الذال وهو تكذيب لَا كذب إشارة إلى أنهم قالوا: وكل مراد الله غير منهي عنه، وأخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالنهي عن هذه الأشياء المحرمة على اليهود، وبالنهي عن الميتة، والدم المسفوح، ولحم الخنزير فكذبوه فيما أخبر به، وقالوا: كل مراد الله غير منهي عنه، وقال الله تعالى (بمِثْلِ) تكذيبهم يا محمد كذبت الأمم المتقدمة لأنبيائهم، فإن قلت: قد قرئ في الشاذ (كَذَبَ) بالتخفيف، قلنا: القراءة النادرة ليست معتبرة في الأمور الظنية فأحرى الاعتقادية.
قوله تعالى: (حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا).
الأنعام 6:149
إما غاية للتكذيب، أو غاية للاحتمال على إضمار فأهملناهم حتى ذاقوا بأسنا.
قوله تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
ابن عرفة: أقل الجمع هنا إثباتا لآية جاءت تعجيزا لهم، وتعجيزهم بأن يطلب منهم الإتيان بشاهدين يعجزون عنهما أبلغ مما طلب منهم الإتيان بأكثر من الشاهدين فعجزوا عن ذلك.
قيل له: إنما جمع الشهداء لتعدد أنواع المحرمات فلهم على كل محرم شاهدان، فقال: قد قال الزمخشري: فإِن قلت: لم أضاف الشهداء إليهم، ولم يقل: شهداءه بالإطلاق؟ فأجاب بأن المراد شهداؤكم المتعصبون لكم الذين هم من جهتكم، فرده ابن عرفة: بأنه لَا يلزم من عجزهم عن الشهداء المتعصبين لهم عجزهم عن الشهداء بالإطلاق.
قيل له: يلزم ذلك من باب أحرى، فقال: إنما عادتهم يجيبون بأن المراد شهدائكم الذين تنفعكم شهادتهم، بخلاف ما لو قال: هم شهداء بالإطلاق؛ فإِن حرص الإنسان على طلب الشهادة لمن تنفعه شهادته أقوى من حرصه على شهادته لمن لَا تنفعه شهادته، من قوله (الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا... (١٥٠).. فقال: إما المراد الإتيان بلفظ خبر يفيد ذلك المعنى، قال: والآية دلت على تعجيزهم بالدليل العقلي وبالدليل السمعي وإمَّا بالشهادة أو بالخبر كلاهما كما في قوله: (هَلْ عِنْدَكُم مِنْ عِلْمٍ) راجع للدليل العقلي.
وقوله (هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ) راجع للدليل السمعي على قسمين منه ما يستند للشهادة، ومنه ما يستند بخبر الواحد، فلم عجزوا بعلم الإتيان بالشهادة مع أنه أجدر من الإتيان بالخبر، ونفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، والجواب أن هذا في مقام الخصومة بينه وبينهم، ومقام الخصومة إما طلب فيه الشهادة لَا الخبر، قيل له: وأيضا فمتعلق الخبر عام، ومتعلق الشهادة خاص فهذه شهادة تقوية، ومعناها الخبر الاصطلاحي لعموم متعلقها؛ لأنه تحريم عام في جميعهم، فقال: وكذلك إذا شهد على شخص أنه قال: كل مملوك أملكه حر فهو عام، فكذلك هلا قيل لهم: من يشهد لكم على الله على أنه حرم ذلك عليكم.
قال: قلت: لم قال: (فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)، فهلا قيل: فإن شهدوا فلا تقبل شهادتهم؛ لأنه نفي الشهادة معهم لَا يستلزم نفي قبولها، والجواب في عدم قبول الشهادة لأحد أمرين:
الأنعام 6:151
إما لفسق الشاهد، وإما لظنه أو تهمة كشهادة الولد لأبيه أو لأخيه.
وقوله (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ)
وهو حاكم، والحاكم يقبل شهادة الشك إما لعلمه بعدالته أو بكونه عدله غيره عنده أو يعلم عدالته الحاكم بعلمه في التعديل والتجريح جائز، ولو قيل: فلا يقبل شهادتهم أمرين:
أحدهما: فسقهم مع احتمال كونهم شهدوا بالحق، أو عدالتهم مع التهمة لمن يتهم العدل على الشهادة له، فلم قال: (فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ) أفاد عدم قبولها؛ لأن تعديل الحاكم الشاهد شهادة معه بدليل قوله: (مَعَهُم)، ولم يقل: فلا تشهد بالإطلاق.
قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا... (١٥١)﴾
قال ابن عرفة: المحرم إنما هو الإشراك لَا عدم الإشراك، فكان يقال: أن تشركوا، قال: وجوابه إما أن يكون مفسدة للمحرم فهي بدل من تلك الحجة؛ أي أتل عليكم أن لَا تشركوا بالله شيئا، وعبر عنه منفيا؛ لأن المراد عدم الإشراك فهو مكروه شرعا، وإما أن تكون ناهية معمولة المحرم ولا زائدة، قال: ويؤخذ من الآية أن دليل الوحدانية يصح إثباته بالسمع؛ لأن الآية نهي عن الشرك بالله.
قال: وجوابه أنها خاصة بقريش، وقريش كانوا يتخذون شركاء ليقربوهم إلى الله، قيل له: أو يجاب بأن النهي لَا يدل على عدم وجود المنهي. عنه بل يدل على وجوده، كنهي العصاة عن شرب الخمر والشركاء غير موجودين في نفس الأمر بوجه، قال: وإنما قال: (عَلَيْكُم)، ولم يقل: حرم بالإطلاق مع أنه محرم على الجميع؛ لأن الخطاب وهم الذين كانوا عصوا بذلك وغيرهم لم يعص.
وقوله (شَيْئًا).
مصدر أو نعت لمصدر محذوف، وهو نهي أخص لَا نهي عن أخص فالمصدر دخل على الفعل فأكده؛ لأن النهي دخل على الفعل المؤكد.
قوله تعالى: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا).
قال ابن عرفة: هذا أبلغ من أن لو نهوا عن عصيان الوالدين؛ لأنه يقبل عدم العقوق وزيادة الأمر بالإحسان إليهم.
قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ).
الأنعام 6:152
وقال في سبحان (١) (وَلَا تَقْتُلُوا أَوَّلادَكُم خَشيَةَ إِمْلاقٍ) ووجهه أن الإملاق هنا موجود وهناك متوقع؛ فلما كان موجودا أو الإنسان قبل نزول البلاء به ينوي الخلاص من بغى عليه ويناضل عنه بنفسه، وبعد نزول البلاء إنما الأهم خلاص نفسه؛ كما ذكروا في قصة أصحاب الأخدود في المرأة التي ألقيت في النار أو في الماء أنها كانت ترفع ولدها على عنقها لئلا يناله [الماء*] والماء يعلو لصدرها حتى لا يصل الماء إلى ترائبها، فلذلك قال (نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ) فقدم ضمير المخاطبين، ودلت هذه الآية على حفظ الكليات الخمس التي اجتمعت الملل على حفظها.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
لما كانت مفسدة هذه الأمور ضرورية مدركة بالبديهة يدركها كل أحد لَا تخفى عليه، قال: ولعلكم تعقلون بخلاف مفسدة ما بعدها؛ فإنها خفية لَا تدرك إلا بعد تأمل ونظر.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾
بمبالغة، ولم ينه عن قرب القتل، فالجواب من وجهين:
الأول: أن القتل له صائن؛ لأن كل أحد يصون نفسه منه ومال اليتيم لَا صائن له.
الثاني: أن القتل لَا منفعة فيه للقاتل بل هو مجرد مفسدة تنشأ عن عدم خوف، وأخذ مال اليتيم مفسدة ينشأ عنها منفعة لأخذه في أكله والتلذذ به؛ فبولغ النهي عنه بلفظ القرب.
قوله تعالى: (إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).
ليدخل خلط الوصي مال بمال يتيمه، فإنه جائز إذا كانت فيه منفعة لليتيم، وهي الحالة التي هي أحسن، ولو اتجر الوصي بمال اليتيم فربح فيه فالمذهب على أن الربح للوصي، وكذلك الناصب المذهب أن الربح له لَا لليتيم.
قوله تعالى: (حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ).
مذهبنا أنه إذا بلغ اليتيم فإن تحقق رشده أو سفهه عمل ذلك، وإن شك في أمره فهو محمول على الرشد حتى يتبين الثقة.
قيل لابن عرفة: إن عندنا يتيم يقرأ في الكتاب وعليه وصي يوفي للمؤدب في أجرته ويزيد على القدر المعتاد، فقال ابن عرفة: إذا كان الوصي ذو مال فللمؤدب قبول تلك الزيادة.
(١) سبحان: يعني سورة الإسراء [قاله معد الكتاب للشاملة]
الأنعام 6:153
قوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ).
فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (بِالْقِسْطِ). قلنا: فائدته لو لم يذكر للزم عليه أن لَا يخرج من العهدة إلا بالزيادة الكثيرَة على الواجب، فلما قال (بِالْقِسْطِ) أفاد أن أول جزء زائد يخرجه عن عهدة الوفاء بالعدد الواجب؛ لأن ما لَا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب؛ كأخذ جزء من الرأس في غسل الوجه، والزيادة على المرفقين في غسل الذراعين، وصوم جزء من الليل في رمضان، فإن قلت: عبر في الكيل بالمصدر دون لفظ الآلة التي يقع بها الكيل، وعبر في الوزن باسم الآلة دون المصدر، هلا قيل: فأوفوا المكيال والميزان، أو يقال: أوفوا الكيل والوزن بالقسط؛ فما السر في ذلك؟ فعادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: أنه من حذف التقابل، أي وأوفوا الكيل والميزان بالقسط.
والثاني: أن الخبث يقع في الكيل باعتبار الوجود الخارجي أكثر من الخبث في الوزن، والخبث في الميزان باعتبار الوجود الخارجي أكثر من المكيال؛ فالخبث أكثر وجودا يقع في الكيل لَا في المكيال وفي الميزان لَا في الوزن.
قوله تعالى: (لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) ظاهره
تكليف ما لَا يطاق غير واقع، وهذه تدل على عدم جوازه أم لا؛ الظاهر أنها دالة على اعتقاد جوازه إذ لو لم يكن جائزا لما احتيج إلى نفيه، وهل هو راجع للجزء الثاني أو للجميع، الظاهر رجوعه للجميع بأن الأحسنية في قرب مال اليتيم مقولة بالتشكيك ولها درجة، ثم أحسن من شيء في أول درجة الحسن، وأن التكليف إنما وقع في الدرجة الأولى في الأحسنية.
قوله تعالى: (وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا).
هذا في حفظ الأعراض وهو واجب، فهو راجع إلى عدم القرب بالقول.
قوله تعالى: (وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا).
إما أن المراد الوفاء بالأيمان وعدم الحنث فيها أو العهد هو الحكم (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾
ابن عرفة: فيه قراءات:
الأنعام 6:154
فمن فتح الهمزة وشدد النون فمعناه: ولأن هذا صراطي مستقيما؛ أي اتبعوه لكونه مستقيما، هذا عطف جملة على جملة.
قال بعضهم: ويحتمل أن يكون هناك مقدر. أي: لأن هذا صراطي مستقيما يتبع فاتبعوه، فلو أن الفاء عاطفة ما بعدها على فعل مقدر وهو أولى من الأول؛ لأنه علة لما بعده فلا يتقدم على الفاء، ابن عطية: وصف الله تعالى طريقا واحدة هو صراطا مستقيما طريق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وشرعه ونهايته الجنة، وتتشعب منه طرق في سلك المارة فحال من خرج إلى تلك الطرق ابعث به إلى النار.
ابن عرفة: هذا كما تقدم في أول السورة، في قوله تعالى: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) فقيل له: كيف تعمل في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) طريق الحق متعددة، فقال: نعم ولكنها مآلها إلى شي واحد وهو التوحيد بالله والتصديق بأنبيائه، وطرق الباطل كل واحد منها مستقل بنفسه لا يؤول إلى شيء واحد؛ لأن قوما يعبدون النجوم، وآخرون يعبدون الأصنام، وآخرون يعبدون الربوبية.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ﴾
دليل على أن المعاد مستفاد من السمع؛ لأن الإيمان هو التصديق، والتصديق على أنه مصدق به وهو الدليل السمعي الخبري لَا العقلي.
قوله تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾
قال ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق تفضيل بني إسرائيل بإرسال موسى إليهم، وتفضيل موسى بالكتاب المنزل عليه؛ عقبه ببيان تفضيل هذه الأمة بإرسال محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم إليهم وأنزل القرآن عليه، وظاهر كلام المفسرين أن الإشارة إلى جميع القرآن وليست الآية من آخر ما أنزل، فيكون كقول سيبويه: هذا باب كذا فهو إشارة إلى المستقبل المقدر الوجود، كقول الموثقين: هذا ما أصدق فلان.
قوله تعالى: (فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا).
يحتمل أن يرجع اتبعوه إلى امتثال أوامره، (وَاتَّقُوا) إلى اجتناب مناهيه، ويحتمل أن يكون الأمر بالاتباع عاما في امتثال أوامره واجتناب نواهيه، واتقوا راجعة إلى التحرز من عقاب الله عند عدم امتثال أمره ونهيه.
قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾
الأنعام 6:157
أي: أنزلنا القرآن عليكم لئلا تقولوا: أنزلنا الكتاب على موسى ولم ينزل علينا ولا قرأه علينا أحد من الطائفة المنزل عليهم بحيث نسمعه، والكتاب هنا واحد بالنوع فيتناول هنا اليهود والنصارى.
قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾
القرآن بينة لكونه بإعجازه شاهدا على صدق الرسول فالرسول مدع له على دعواه، بينة وهدى؛ لأنه مرشد إلى الطريق الحق، ورحمة إشارة إلى أن بعثه الرسل وإنزال الكتاب محض تفضل من الله تعالى أن لَا يجب عليه شيء.
قيل لابن عرفة: أو يريد البينة دليل التوحيد، وبالهدى الأحكام، وبالرحمة المواعظ والمذكرات على الثلاثة.
قوله تعالى: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ).
قال ابن عرفة: تقدمنا فيها سؤال أن التكذيب بالآية أعم من الصدف عنها؛ لأن المكذب بالآية قد يصدف وقد لَا يصدف، والمصدف هنا مكذب بها لَا محالة، وترتيب الجزاء على الأعم يستلزم ترتيبه على الأخص من باب أحرى، فهلا قيل: سنجزي الذين يكذبون بآياتنا سوء العذاب؟، قال: وعادتهم يجيبون بأن الصدق أعم وبيانه بامتثال إذا سألت عن القراءة على زيد، فتقول: إنه لَا يدري شيئا بوجه، فهذا التكذيب يستلزم الصدق بلا شك، وتارة تقول للسائل بالإجابة لك بالقراءة عليه: اترك ذلك واشتغل بما هو أهم عليك فأنت صدقته ولم تكذب بعلمه، ويحتمل أن يكون معتقدا علمه وكرهت قراءته عليه، ويحتمل أن يكون معتقدا أنه جاهل فظهر أن الصدق أعم من التكذيب.
قيل لابن عرفة: بأن ذلك لو رتب على الأخص مطلق الجزاء فلا يرد السؤال إلا لو قيل: (سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا) وهنا إنما رتب على الأخص من العذاب، فقال: بل الأخص هو أخذ سوء العذاب لَا العذاب.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾
قرئ لَا تنفع.
قال ابن عطية: وأنث الفعل؛ لأن فاعله مضاف إلى ضمير النفس وهي مؤنثة، ورده أبو حيان بأن ذلك إذا كان المضاف جزءا من المضاف إليه، كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، قال: وإنما وجهه عندي أنه على تقدير لَا تنفع نفسا ثبوت إيمانها ومنفعة إيمانها، وأجاب ابن القصار بأنه لما أضيف الفاعل إلى الضمير حصلت بينهما ملابسة بالإضافة فأنث الفعل لأجل ذلك، ونظير قول الشاعر، وقول الآخر:
لما أتَى خبرُ الزبيرِ تواضعتْ؍ سورُ المدينةِ والجبالُ الخشعُ؍
وقوله:
[إذا بعض السنين تعرقتنا*]
فيصح تأنيث الفعل إذا كان فاعله المذكر مضافا إلى مؤنث بشرطين:
أحدهما: أن يكون المضاف بعض المضاف إليه، أو كبعضه.
والثاني: أن يصح إطلاق الثاني، والمراد الأول.
قوله تعالى: (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا).
قال الزمخشري: (أَوْ كَسَبَتْ) عطف على (آمَنَتْ) والمعنى أن اشتراط الساعة إذا جاءت وهي آية ملجئة ذهب أوان التكليف عندنا فلم ينفع الإيمان غير متقدمة إيمانها غير كاسبة خيرا ولا بين النفس الكافرة إذا آمنت في غير وقت الإيمان.
قال الطيبي عن صاحب الإنصاف: أراد الزمخشري الاستدلال على أن الكافر والعاصي في الخلق سواء حيث سوَّى بينهما في الآية في عدم الانتفاع إنما يستدرك أنه بعد ظهور الآية ولا يتم ذلك، فإن هذا في البلاغة يلقب في اللف والنشر وأصله: يوم تأتي بعض آيات ربك لَا ينفع نفسا لم تكن مؤمنة من قبل إيمانها بعد ولا نفس لم تكسب في إيمانها خيرا، قيل: ما تكسب من الخير بعد، ويظهر بذلك أنها لَا تخالف مذهب أهل الحق فلا ينفع بعد ظهور الآية اكتساب الخير وإن نفع الإيمان المتقدم، انتهى.
قال ابن القصار: وما قاله تفسير بالمعنى وهو حق، وأما ما يقتضيه الإعراب على هذا التغيير فإنه والله أعلم حذف حرف العطف والمعطوف لدلالة ما بعده عليه، والتقدير لَا ينفع نفسا إيمانها أو كسبتها في إيمانها خيرا ما لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا، فيكون كما قال: من باب اللف والنشر، فعطف كسبتها على إيمانها الفاعل في ينفع، ثم حذف لدلالة قوله: (أَوْ كَسَبَتْ) وحذف حرف العطف والمعطوف جائز إذا فهم المعنى، قال: (وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ) أي: والبرد، ومنه قول العبيدي:
فما أدري إذا [وجهت*] وجهاً؍ أريد الخير [أيهما*] يليني؍ [أالخير*] الذي أنا أبتغيه؍ [أم*] الشر الذي هو يبتغيني؍
أي أريد الخير أو الشر.
قال الطيبي، وقال ابن الحاجب: في الأمالي قيل: معنى الآية الإيمان نافع وإن لم يكن معه عمل صالح، ومعنى الآية لَا تنفع نفسا إيمانها ولا كسبها وهو العمل الصالح، (لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ) الآية.
قال ابن القصار: هذا ما يقتضي أن قوله: (أَوْ كَسَبَتْ) معطوف على إيمانها فهو فاعل مثله وهذا مذهب كوفي.
ذهبت طائفة من الكوفيين منهم: هشام، ومحمد بن يحيى إلى أن الجملة تكون فاعلا، فأجازوا [يعجبني يقوم زيد، ويسرني قيام عمرو*]، وظهر لي أقام زيد أم عمرو، واحتجوا بقوله تعالى: (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ).
قال الشاعر:
[وما راعني إلّا يسير بشرطة*]
ومنع من ذلك البصريون، وتأولوا الآية إذا الفاعل بدا مضمر تقديره: بدا لهم بدا، وليسجننه تفسيرا لذلك البداء المضمر وما قوله: وما راعني الأيسر بشرطه، فالتقدير عندهم الأيسر بشرطه فإن مع الفعل بتأويل المصدر فاعل راع، ابن عرفة: ثم حذفت أن فارتفع الفعل والدليل على حذف أن المصدرية وقعا مع الفعل قول الشاعر:
أَلا أَيُّهَذَا الزَّاجِرِي أحْضُرُ الوَغَى؍ وَأَن أشْهَدَ اللَّذَّاتِ هَلْ أَنْت مُخْلِدِي؍
التقدير: إن أحضر بدليل عطف المنصوب عليه ويمكن تأويل الآية على هذا التقدير: لَا ينفع نفسا وإن اكتسبت في إيمانها خيرا فحذف إن، كما حذف في قوله: أحضر الوغا، ولا تحذف من الماضي كما حذفت في المستقبل حسبما أنشد عليه ابن عصفور في شرح الإيضاح:
قَالَت أُمَامَة لما جِئْت زائرها؍ هلا رميت بِبَعْض الأسهم السود؍
لَا در دَرك إِنِّي قد رميتهم؍ لَوْلَا حددت وَلَا عذرى لمحدود؍
قال ابن عصفور: لولا جددت فحذف إن والمعنى يدل عليها أي لولا مدى أنشده في لولا أنها لَا تقع بعدها عند البصريين إلا المبتدأ، انتهى.
الأنعام 6:159
وقال أبو حيان: قوله تعالى: (أَو كَسَبَتْ) عطف على قوله (آمَنَتْ) والظاهر من الآية أن نفي سبق الإيمان فقط، وإما نفيه مع نفي كسبت الخبر، ومفهومه أنه يقع الإيمان السابق وحده أو سبق ومعه الخبر، انتهى.
قال ابن القصار: معناه أنه إذا انتفى الإيمان السابق قبل ظهور الآية كان معناه الخبر أو لم يكن ينفي أيضا الإيمان الذي معه الخبر لَا ينفعها ما أحدثت منهما بعد ظهور الآية؛ أي من الإيمان المقارن للخير أو غير المقارن، أو من الإيمان المقارن للخير، وانظر كيف يفهم هذا من الآية فإن هذا التفسير بعيد من الأعراب جدا والذي يلتمس له، والله أعلم أنه لما جعل (أَو كسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا) معطوفا على (آمَنَتْ) الذي هو خبر، لقوله: (لَمْ تَكُنْ) فهو منفي مثله صار تقديره: أو لم تكن كسبت في إيمانها خيرا وهو من باب.
عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ
أي لَا يتأوله ولا يقع الهداية، ومنه: هذا يوم لَا ينادي وليده؛ أي لَا يحضر وليد فيناديه، فيكون التقدير: لم يكن لها إيمان فيقع بسببه كسب الخير، قال ابن القصار: والآية يجب تأويلها وإخراجها عن ظاهرها، لقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من كان آخر قوله لَا إله إلا الله دخل الجنة". أما ما ورد من أحاديث الشفاعة التي كادت أن تبلغ مبلغ التواتر والعموم.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ).
قال الطيبي: قال الإمام ابن الخطيب يعني أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف عندها لَا ينفع الإيمان نفسا ما آمنت من قبل وما كسبت في إيمانها خيرا من قبل ذلك، قال ابن القصار: مراده لَا ينفع الإيمان نفسا لم تجمع بين أمرين لَا ينفعها إيمان بعد ذلك، ولو أراد توزيع الصنفين على شخصين للزمه مذهب المعتزلة.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا﴾
قال ابن عرفة: أفاد قوله أنهم تنوعوا طوائف طوائف وهو أشنع ممن لو كان كل واحد منهم يتبع دينا؛ لأنهم في هذه الحالة اجتمعوا جماعة الضلال.
قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾
الأنعام 6:161
قال ابن عرفة: هذا على سبيل الفرض والتقدير لئلا يلزم عليه التسلسل.
قوله تعالى: (وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ).
لئلا يتوهم أن جزاء السيئة عشرة أمثالها.
قوله تعالى: (وَهُمْ لَا يُظلَمُونَ).
أما بالنسبة إلى السيئة فظاهر، وأما بالنسبة إلى الحسنة فجعل كأن الجزاء عليها بعشرة أمثالها واجب أوجبه الله تعالى على نفسه تفضلا، وكأنه واجب بالأصالة فالنقص منه ظلم فلذلك وهم لَا يظلمون.
قوله تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا... (١٦١)﴾
يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه قائم دائم إلى قيام الساعة لَا ينسخه شيء من الأديان.
الثاني: أن برهانه دائم والأدلة الدالة على حقيقته قائمة يوصف هو بوصف دليله ويجعل قائما.
قوله تعالى: (مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ).
أي المتمسك به إبراهيم، ولذلك قال الأثيري في كشف الحقائق لما تكلم في التوحيد: قال المليون المتمسكون بشريعة ما بالإطلاق.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
إن قيل: يلزم عليه المفهوم، فهلا قيل: وما كان مشركا، فيجاب بأنه كما قيل (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) والجواب كالجواب أي لو تصور في حقه إشراك لما كان إلا هكذا؛ لأن قليل الذنب من العظيم عظيم.
قوله تعالى: ﴿وَمَحْيَايَ... (١٦٢)﴾
فيه التقاء الساكنين على قراءة قالون، ومن وافقه في التقاء الساكنين وهو كثير في حروف المد واللين، وأما في غيرها فورد في إدغام أبي عمرو.
وقال الشاطبي في قراءة البزي: [وَفي التَّوْبَةِ الْغَرَّاءِ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُو... نَ عَنْهُ وَجَمْعُ السَّاكِنَيْنِ هُنَا انْجَلَى*] وجمع الساكنين هذا بخلاف، كذلك ذكروا في (مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ) على أحد الروايتين عن أبي عمرو.
وقوله تعالى: (رَبِّ الْعَالَمِينَ).
الأنعام 6:163
ابن عرفة: هذا من المذهب وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله؛ لأنه إذا كان رب العالمين والصلاة والنسك له لَا لغيره.
قوله تعالى: ﴿وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ﴾
فيه أن النهي عن الشيء غير الأمر بضده، بقوله (لَا شَرِيكَ لَهُ) فهو منهي عن الإشراك فسمي النهي عن الإشراك أمر بتركه، قيل له: هذا إذا كان مأمورا بهذا اللفظ، وهو أن يقول: (لَا شَرِيكَ لَهُ).
قال ابن عرفة: وفيها أن المندوب غير مأمور به؛ لأن ظاهر الآية وجوب التبري من الشرك، ولو كان المندوب مأمورا به لما اقتضت الآية وجوب التبري من الشرك واللازم باطل، والملزوم مثله.
قوله تعالى: (وَأَنَا أَوَّل الْمُسْلِمِينَ).
الأولية إما حقيقة، وإما باعتبار الشرف، قيل له: إبراهيم هو الأول، فقال: الإسلام راجع للأحكام التكليفية وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخالفة لشريعة إبراهيم صلى الله على نبينا محمد وعليه وعلى آلهما وسلم.
قيل له: قد قال (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) فقال: إسلامه غير إسلام نبينا، وشرعه مخالف لشرعه.
[... ] (١)
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾
قال ابن عرفة: الغيران أعم من المخالفين ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
قوله تعالى: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ).
يؤخذ من ظاهر الآية مرجوحية إطلاق لفظ أبغي على الله تعالى، ومرجوحية إطلاق لفظ الرب على غير الله تعالى، ولا يقال: رب الجنان ولا رب الدار؛ وقيل الأولى ملك الجنان ومالك الدار.
قيل له: قد قال تعالى (قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ)، وقال النبي صَلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَالدِّرْهَمِ*] " وهذا دليل على الجواز، فقال: إنما قلنا الأولى عدمه.
(١) ما بين المعكوفين مكرر في الآية التالية. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).
الأنعام 6:165
قوله تعالى: (وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ).
لا تدخل فيه ذات الله ولا صفاته لئلا يلزم حدوثها.
قوله تعالى: (وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا).
أخذ منه ابن العربي أن بيع الفضولي لَا يصح وإن أجازه ربه.
ابن عرفة: والمفعول محذوف أي ولا تكسب كل نفس سيئة إلا عليها.
قوله تعالى: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
فيكون الفاعل ضميرا عائدا على النفس وهو أحرى؛ لأن النفس الوازرة معلوم أنها لا تحمل؛ لأنها مثقلة، والنفس المثقلة لَا تحمل شيئا شرعا. لأن من أتى بضامن أو حميل إنما يقبل من حميل له ذمة خالية من الدين ولا يقبل منه حميل مديان بوجه، وأما هنا فلأن النفس المثقلة بالحمل لَا يستطيع أن يزاد عليها غيره.
قيل لابن عرفة: ينكر عليك هذا، فيقال: قد التزمت الوازرة الحمل فهي قادرة على الزيادة وعلى الحمل، أو يقول: ولا تزر وازرة أو قابلة الوزر، قلت: الجواب بحديث "من سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة لَا ينقص من أوزارهم شيئا" فلو لم توازه لتوهم أن النفس لَا تحمل وزر غيرها هي التي لم تتسبب في فعل معصيته ولا حديث ظلما، فلما قال: (وَازِرَةٌ). أفاد أن النفس التي أحدثت المعصية فاتصفت بسببها بالوزر لَا لحمله.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ﴾
يخلف بعضكم بعضا.
قوله تعالى: (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ).
ابن عرفة: (بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ) في العلم ودونه في الدين، والآخر فوقه من الدين ودونه من المال إذا لم يكن أخذ في شيء.
قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ).
ابن عطية: أي ليختبر الله تعالى الخلق فيرى المحسن من المسيء.
ابن عرفة: هذا خطأ والصواب أن يقال كما عادة الزمخشري يقول في كل موضع يفعل بكم فعل المختبر.
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ). أكد المغفرة باللام ولم يؤكد بها سريع العقاب، لحديث: "سبقت رحمتي غضبي".
قلت: قال القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الأسماء الحسنى في الاسم الثالث والأربعين، وفي كتابه المسمى بقانون التأويل: كنا يوما بمجلس الكوفي في الثغر فتذاكرنا، فسئل الشيخ أبو بكر بن الفهري والطرطوسي عن الفرق بين قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ) بغير لام، وفي الأعراف (لَسَرِيعُ الْعِقَابِ) باللام؟، فقال الطرطوسي: حكم اللام التأكيد، وآية الأنعام دخلت أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيها في الخطاب وهي أمة مرحومة معصومة في الدنيا لَا تعاقب إلا في الآخرة فسقطت اللام، وآية الأعراف خوطب بها بنو إسرائيل وقد عجلت عقوبتهم في الدنيا بالمسخ والخسف فدخلت اللام المؤكدة للخبر.
وأجاب أبو جعفر أحمد بن الزبير بأن آية الأنعام تقدمها (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ) وهو خطاب له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولأمته في الخبر بغير لام التأكيد لكونهم ليسوا بحملتهم ممن استحق عقابا، ومن عوقب من أهل القبلة فعقابه منقطع بفضل الله عز وجل، وآية الأعراف قبلها (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) فهي لبني إسرائيل [مفصحة*] بكفرهم وعنادهم؛ فجاءت اللام مؤكدة للجنس المبين بعقابهم كلهم دائما وسوء ما لهم.
* * *
الأعراف 7:1
سُورَةُ الْأَعْرَافِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما.
قوله تعالى: ﴿المص (١)﴾
قال ابن عرفة: الظاهر أن هذه الحروف اسم للسورة، واختلف الأصوليون هل يرد في القرآن ما لَا يفهم أو لَا، والظاهر عدمه.
قيل لابن عرفة: إن ابن الحاجب قال: هو بعيد، ولم يجعله من [... ] اعتبر الألفاظ؛ لأن الإنزال حقيقة إنما هو في الألفاظ المعبر بها عن الكلام القديم الأزلي بمطابقة الإعجاز؛ لأن المعجزة حادثة وعداه هنا بـ إلى اعتبارا بمنتهى الإنزال، وعداه في موضع آخر بـ على اعتبارا بمبدأ الإنزال، وعدَّاه بـ مِن لكونه من فوق إلى أسفل وهو على المحل المنزل عليه.
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾
أي ضيق؛ أي أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا حفظ القرآن ما هو مأمور بتبليغه لأمته فإذا بلغه ولم يؤمنوا مع حرصه على إيمانهم، وتعلق قلبه بذلك يقع في قلبه لأجل ذلك غمَّ، لأجل أن تبليغه ذلك لهم لم ينفع فيهم.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾
احتج به من قال: إن الفاء لَا تفيد الترتيب.
وأجاب ابن عطية أن المراد بقوله تعالى: (أَهْلَكْنَاهَا) خذلان أهلها.
ابن عرفة: وهذه عبارة اعتزالية، والصواب أن يقال: خلقنا في أهل الفسق والمخالفة فجاءها بأسنا.
وأجاب ابن عصفور بـ أو، والمعنى أردنا إهلاكها فجاءها بأسنا.
وقال الأستاذ أبو زكريا يحيى بن فرج العربي في تفسيره: وهذا الجواب فيه نظر من المتعلق التنجيزي؛ فمجيء البأس مقارن للإرادة فليس يعقبها، وإن أراد التعلق الصلاحي والإرادة القديمة فإن كان مجيء البأس بعقبها لزم عليه قدم العالم، وإن كان متأخرا عنها بمهلة لزم أن يكون بـ ثم، وأجيب بأن الإرادة قديمة مستمرة، وأنه إلى حين مجيء البأس فينقطع مجيء البأس بعقب آخر مدتها.
الأعراف 7:6
ورده ابن عرفة بأنك إذا قلت: قام زيد فأكرمته، فالإكرام لَا يلزم أن يكون بعد تمام القيام بل قد يكون قبل كماله.
وأجاب أيضا ابن عصفور: بأن المراد أهلكنا هذا لَا من غير استقبال فجاءنا بأسنا فهلك هلاك استقبال.
قيل لابن عرفة: في الآية تقديم وتأخير والتقدير أهلكنا بياتا وهم قائلون فجاءنا بأسنا بياتا يكون؛ والمراد أهلكناها في الدنيا وجاءها في الآخرة العذاب في الدارين، فقال آخر: الآية تدل على أنه في الدنيا، لقوله تعالى: (فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥).
قوله تعالى: (بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ).
قال ابن عرفة: تقدمنا فيها سؤال وهو هلا قيل: فجاءهم بأسنا بياتا أو قيلولة فجاءها بأسنا بياتا وهم بائتون فما السر في ذلك؟ وما الفرق بين قولك: جاء زيد ضاحكاً، وبين قولك: جاء زيد وهو ضاحك؟ قال: وتقدم لنا الجواب بأن قولك: جاء زيد ضاحكا تقييد، وبأن قولك: جاء زيد وهو ضاحك حكم إسنادي، والوصف التقييدي راجع لقسم [التصور*]، والحكم الإسنادي راجع لقسم التصديق، ولا شك أن تأثير مجيء البأس في الليل أشد من تأثير مجيئه في القائلة، فلما كان مجيئه في الليل أشد عبر عنه بالتقييدي الراجع لبأس التصور؛ لأنه متصور بالبديهة، وعبر عن الآخر بالحكم الإسنادي التصديقي لما فيه من احتمال عدم التأثير.
قوله تعالى: (أَوْ هُم قَائِلُونَ).
قال ابن عرفة: الجملة إذا وقعت حالا فإن كان في صدرها ضمير اختلف هل يلزم الواو معها أم لَا؟؛ فنقول: جاء زيد يده على رأسه وإن لم يكن فيها ضمير فلا بد من الواو، ويقال: جاء زيد وعمرو ضاحكا، وعليه نزل سيبويه في قوله تعالى: (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) أنه حال، وعليه أورد الزمخشري هنا سؤالا، قال: لأي شيء.
قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾
وهذا سؤال توبيخ، وقوله (فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ) هذا استعلام.
قوله تعالى: (وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ).
الأعراف 7:7
هذا سؤال شهادة، كقوله تعالى: (يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ).
قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾
احتراس لأن قوله (فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ)
إن ذلك سؤال استعلام فنفاه بهذا، ولذلك أكد الفعل بالنون الشديدة، وفيه رد على المعتزلة القائلين بأن الله عالم لَا يعلم.
قوله تعالى: (وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ).
إشارة إلى أنه علم متيقن شاهد.
قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾
والوزن يحتمل معنيين:
أحدهما: أن الوزن يومئذ يقع بالعدل والقسط.
الثاني: أن وزن أعمال العباد يومئذ ثابت وأنه لَا شك فيه بحال، وعرف الحق إشارة إلى أنه الحق اليقين الواضح الذي لَا مراء فيه.
قال: ونسب الثقل والخفة لكفة الحسنات، لقوله تعالى: (مَوَازِينُهُ) فإضافتها إليه على تقدير اللام، وكفة السيئات إنما هي موازين عليه، واختلفوا في ذلك، فقيل: إنه ميزان واحد، وقيل: لكل شخص ميزان أخذ بظاهر الآية، والصحيح الأول، وعندي أنه جمع في هذه الآية.
قال الإمام فخر الدين في (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا) جمع [القلب*] لاختلاف حالاته وتقلباته؛ فكذلك يقال هنا.
قال ابن عرفة: ومفهوم أول الآية مناقض لمفهوم آخره، لأن مفهوم قوله تعالى: (فَمَنْ ثَقُلَتْ). يقتضي أن من تساوت كفات موازينه ليس بخاسر نفسه، قيل: بهن (١).
ابن عرفة: [فالأنبياء*]، ومن لَا سيئة لهم بماذا توزن حسناته؟ قال: توضع حسناته في كفة ولا يوضع في الكفة الأخرى شيء، أو يوضع في الأخرى [... ] أو حجارة يوزن بها حسناته، فقال: الآية إنما تضمنت وزن الحسنات والسيئات، وقال هنا (فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فعبر بجملة اسمية مقرونة بأداة الحصر وهي اسم الإشارة والبنائي المضمر، وتعريف الخبر دون ذكر علة هذا الحكم.
(١) أجاب عن ذلك البسيلي بما نصه:
"ونسب الثقل والخفة لكفة الحسنات. وهو معنى إضافة الموازين بتقدير اللام، لأن وزن السيئات عليه لا له. اهـ (التقييد الكبير للبسيلي)
الأعراف 7:10
وقال في الجملة: (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم)، فغير لفظ الفعل مع ذكر علة هذا الحكم.
قال ابن عرفة: وجوابه أن المراد حصول الكلام الثابت اللازم؛ والمراد في الآخر حصول مطلق الخسران فيتناول العاصي والكافر وهي في سورة قد أفلح (فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ) فقال: تلك فيها قرينة أخرجت العاصي من اللفظ، وهنا نقول إنه داخل، قال: وإنما علل حصول الخسران لهم بالظلم ولم يعلل حصول الفلاح للآخرين بالطاعة إشارة إلى أن الثواب على الطاعة محض تفضل من الله عز وجل وحساب الآخرين وخسرانهم معلل بظلمهم إشارة إلى أن ذلك عدل من الله تعالى لأجل كسبهم السيئات.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ﴾
قال ابن عرفة: فائدة التقسيم تكون المخاطبين ظهرت عليهم مخائل الإنكار لأجل تماديهم على المعاصي وعدم تذكرهم واتعاظهم، وفيها سؤال وهو أن التمكين في الأرض أخص من وجود المعايش بأمة لكل أحد إذ لَا يستغني أحد عن القوت، والتمكين أخص مزيد في الأمراء والسلاطين، والامتنان الأهم أقوى وأعم فائدة فهلا قدم عليه، وأيضا فلأن المعايش أمر حاجي والتمكين في الأرض أمر تكميلي، فالأمر الحاجي أعم على التقوي من الأمر التكميلي، فالامتنان به أعظم منه، وأجيب بأنه قدم لأحد أمرين:
أحدهما: أنه يدل على المعايش دلالتين باللزوم والمطابقة، وقد تقدم نظيره غير ما مرة في عطف الأعم على الأخص بخلاف الخاص على العام والعكس فيهما (فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ).
الثاني: التمكين في الأرض لما كان خاصا بالبعض دون الكل وكانت المعايش أئمة صار نسبتها إليه نسبة الجزء إلى الكل والجزء قبل الكل فكذلك بدأ به في الآية.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾
الخلق راجع للقدرة والتصوير للإرادة وهي الكيفية الخاصة.
(ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ).
احتجوا به على أن إبليس من الملائكة.
الأعراف 7:12
وأجاب ابن عرفة: بأنه إذا كان في المجلس أشراف واتباع فأمر الأشراف يأمر كأنه يتأول الاتباع من باب أحرى بدلالة الالتزام لَا المطابقة، وكذلك هذا لما أمر الملائكة السجود لآدم على شرفهم فيتناول الأمر إبليس وإن كان إبليس ليس منهم من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾
هذا سؤال توبيخ لَا يستحق جوابا فظن إبليس أنه سؤال حقيقي. فأجاب عنه بمقدمتين حذف أحدهما لدلالة الكلام عليها والتقدير أنا خير، والفاضل لَا يسجد للمفضول فأنا لَا أسجد إما أنا خير منه فبينه بكونه خلق من نار وآدم من طين، وإما أن الفاضل لَا يسجد للمفضول، قيل: وجوابه أن هذا على قاعدة التحسين والتقبيح باطل وإنما يتم على مذهب المعتزلة، لكن جاء بموضع المقدمة الصغرى وموضع كونه خير من آدم، وإلا كان يقول الملائكة: نحن خير منه؛ لأنا خلقنا من نور.
(قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا... (١٣)
ابن عرفة: أفاد الجنة فيكون باعتبار الوجود لَا باعتبار الحكم؛ لأنه قد وسوس فيها آدم، وإن أريد السماء فيكون باعتبار أي، فما يجوز لك أن تتكبر فيها. لأنه قد امتنع من السجود لآدم.
قوله تعالى: (فَاخْرُجْ).
إما تكرار للتأكيد، وإما تأسيس والأول هبوط حسي، وهذا خروج من حكم الاعتناء والمراعاة إلى حكم الصغار والإذلال والاحتقار.
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
[الزمخشري: حكي عن طاوس*]: إبليس [أفقه*] بالتورية [من القدرية*].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾
قال ابن عرفة: إنما لم يقل: ومن فوقهم ومن تحتهم. لأن جهة الفوق منها الرحمة، وجهة التحتية داخلة في الإتيان من باب أحرى؛ لأنها محل إبليس.
قال ابن العربي في سراج المريدين في الاسم الثامن والعشرين: حضرت يوما مجلس الإمام أبي منصور الشيرازي وعادته أن يرقى المنبر ويجيب عن كل سؤال، أو يصعد المنبر ويأخذ القارئ بالقراءة وترمى الرقاع بالأسئلة من كل جانب وتتناولها الأيدي حتى تصل إليه فيجعلها تحت ركبتيه؛ فإذا سمع القارئ أخذها واحدة واحدة،
الأعراف 7:18
وهذا يسأل عن كذا وجوابه كذا، فيأتي بأحسن الجواب، فكتبت له وأنا صغير: ما الحكمة في أن الله تعالى قال مخبرا عن إبليس (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ) ولم يقل: من فوقهم ولا من تحتهم؟، فلما بلغ إليها، قال: يا حبيبي هكذا قد مكنه الله تعالى من أربع جهات تكون تسعمائة وتسعين إلى النار وواحدة إلى الجنة، فكيف لو جاء من الجهات كلها ما رأى أحد الجنة أبدا، ولكن إذا غشي من الجهات الأربعة غشيت الرحمة من فوقنا وثبتتنا السكينة من أقدامنا فنجونا، فعجبت من قوله: يا حبيبي إذ نادى مناداة الصبيان وهذا يسمونه الكلام على الخواطر.
قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إن كانت الذءامة والدحور أخص من الصغار فهو تأسيس، وإلا فالجواب بأن قوله بـ (إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) مطلق يقتضي اتصافه بذلك وقياما.
قوله تعالى: (مَذْءُومًا مَدْحُورًا).
فإذا اتصافه بذلك في الحال، و (مَذْءُومًا) راجع لأمر حسي، (مَدْحُورًا) لأمر معنوي.
قوله تعالى: (لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ).
معارض بقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنها تمتلئ حتى يضع الجبار فِيهَا قَدَمَهُ فَتَقُولُ: قَطْ قَطْ وَعِزَّتِكَ، وَيُزْوَى بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ".
أخرجه مسلم، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعن قتادة، عن أنس بن مالك، عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأجيب بأن القاضي عياض، قال: حكوا فيها تأويلات:
أحدها: أن القدم عبارة عن السابق المتقدم حتى يضع فيها من قدم من أهل العذاب، قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ) وقيل: القدم عبارة عن طائفة يخلقهم الله في الآخرة لها يسميهم قدما فلا تملأ إلا بهم، وقيل: المراد بالجبار السلطان أو أحد الجبابرة المتقدمين، وعلى رواية رجله يحتمل أن يريد الجماعة، يقال: رجل من جراد أي مثل جماعة منه، ويحتمل أن يريد بقوله تعالى: (لأَمْلأَنَّ) كثرة الداخلين لَا ملأها حقيقة.
قوله تعالى: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا﴾
الأعراف 7:22
قال الفخر: اللام للصيرورة.
ابن عرفة: إن كان الإيراء معنويا فليست للصيرورة؛ لأنه غير مقصود قصد إبليس شيئا، ووجد خلافه.
قوله تعالى: (إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ).
فيها النظر إلى حالتي الإقبال والإدبار، وفيها إشارة إلى أنهما استشعرا حالة الموت إن أريد الخالدين بالإطلاق فيتناول الخلود في الجنة، فإن قلت: ظاهر الآية أن الملائكة أفضل من بني آدم، قلنا: باعتبار الوهم والاعتقاد لَا في نفس الأمر، فإِن قلت: هلا قيل: إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، أو يقال: إلا أن تكونا من الملائكة أو من الخالدين؟ قلنا: لأجل رءوس الآي.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ﴾
الذوق هنا أوائل الإحساس بالشيء.
قوله تعالى: (بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا).
الظاهر أنها كلية لَا كل والمراد: بدت لكل واحد منهما سوأة صاحبه، ويحتمل أن يريد بدت لكل واحد منهما سوأة نفسه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ﴾
إن أريد مطلق الحياة فالمعنى فيها يدومون على الحياة أحياء، وإن أريد حياة خاصة فيكون الاستقبال على حاله.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا﴾
قد للتحقيق ويبعد كونها للتوقع.
فإن قلت: الآية خرجت مخرج الامتنان عليهم، واللام للاختصاص أو للملك أو للتعليل أنسب من عطاء؛ لأن الامتنان عليهم أو لأجلهم أقوى بالمنزل عليهم، وأجيب بأنه إشارة إلى بعد المحل المنزل منه على المحل المنزل إليه، قال تعالى (وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ) لاقتضائه العلو والارتفاع التام، وهذه الآية يعدها ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية مجاز إيقاع السبب برفع المسبب، وقدره بأن أنزلنا موضوع موضع أعطينا لباسا؛ لأن إنزال المنازل في إعطاء اللباس فنزل أنزلنا منزلة أعطينا، وتكون سببا غائبا؛ لأن اللباس سبب في الماء بمعنى أنه باعث عليه، كما أن الاستمكان من الحر والبرد سبب في بناء البيت مع أنه متأخر عنه.
الأعراف 7:26
قوله تعالى: ﴿يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ... (٢٦)﴾
إشارة إلى وجوب ستر العورة دون ما سواها من البدن.
قوله تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).
إشارة إلى أن من اللباس ما هو محرم كالحرير [وخزه*] واللباس منه مباح، ومنه ما هو مندوب إليه، واللباس الحسن في الأعياد والجمع، فإن أريد اللباس الواجب فخير فعل لأفعل، وإن أريد المندوب فخير أفعل من الخير ذلك خير من المباح.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾
قال البيانيون: فائدة النداء الاهتمام بالمنادى وتعظيمه.
قوله تعالى: (لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ).
قال الجوهري: فتن إذا اختبر، وقال غيره: إذا امتحن، والفتنة من الشيطان فكيف نهي الإنسان عما ليس من فعله ولا في قدرته؟؛ فأجاب ابن عطية: من باب لألزمنك هاهنا؛ أي لَا تكن هنا فأراك أي لَا تتبعوا الشيطان فيفتنكم.
ابن عرفة: وعادتهم يقولون: ليس مثله أن الرؤية مسببة عن الكون هناك والشيطان سبب في الاتباع، وأجيب بأن المعنى أي لَا تتبعوا هوى لنفسكم، وهوى النفس سبب في الوسوسة. لأنه إذا علم ميل النفس إلى الشهوات حمله ذلك على وسوستها على القدوم فيها، ويحتمل أن يكون من تكليف ما لَا يطاق على القول به؛ فنهى الإنسان عن فتنة الشيطان إياه.
قوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم).
قال أبو حيان: الكاف نعت لمصدر محذوف.
قلت: قال ابن عرفة في الختمة الأخرى التي قبل هذه: ويحتمل أن يكون من حذف التعليل أي فتتبعوه فيفتنكم كما فتن أبويكم، فاتبعاه؛ فأخرجهما من الجنة، ونظيره (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ).
قوله تعالى: (يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا).
قال أبو حيان: حكاية حال.
قال ابن عرفة: هذا إن قلنا: إن الدوام ليس كالابتداء، وإن قلنا: إنه كالابتداء فنقول إن النزع دام فليس بحكاية، قال: بل إخبار عن حالتهم الوقتية الدائمة.
الأعراف 7:28
قوله تعالى: (لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا).
دل على عدم جواز نظر عورة زوجته؛ لأن الشيطان إنما يوسوس على فعل ما لا يجوز.
قال تعالى (إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ).
قرئ بالنصب.
قال أبو حيان: على أنه مفعول معه.
ورده ابن عرفة: بأن ابن السراج فرق بين واو العطف وواو المفعول معه باقتضاء واو العطف الشركة في الفعل دون واو المفعول معه، وواو المفعول معه لَا يقتضيه، نحو: جلست والسارية.
والثاني: أن الأول في المفعول أو تابع وما بعده متبوع والشيطان متبوع لَا تابع، ولأنه يرانا كما نرى قبيله.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يكون وجدنا عليها بالشخص، أو على الفاحشة بالإطلاق، وإن أريد على شخصها فالضمير عائد لفظا دون معنى من باب عندي درهم ونصف.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ).
فيه سؤالان:
الأول: هلا قيل: قل إن الله ما أمر بالفحشاء فيكون النفي مطابقا للأول لأن الأول معنى ولا يجيء فيه شبهة النسخ؛ لاحتمال أن يكون الله أمر بها في الماضي لَا يعيدها؛ أي ليس يقابل شرعا لأن يأمر بالفحشاء، ولا يجوز ذلك شرعا عليه عندنا وعقلا عند المعتزلة.
السؤال الثاني: نفي الأمر لَا يفيد نفي الإباحة، والآية خرجت مخرج ذمهم في فعلهم ما هو محرم، فهلا قيل: إن الله لَا يبيح الفاحشة لأن نفي الأمر لَا يستلزم نفي الإباحة؟ وأجيب بأن قوله (بِالْفَحْشَاءِ) يفيد نفي الإباحة لأن لفظ الفحشاء إنما يطلق على المحرم.
قيل لابن عرفة: أو يجاب بأن قوله: (يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ) بمعنى أوجبها علينا؛ فيرد بنقيضه وهو أنه لم يوجبها عليكم، وأورد الفخر سؤالا، قال: (لَا يَأْمُرُ
الأعراف 7:29
بِالْفَحْشَاءِ)، وهلا قال: لَا يأمر بالفاحشة فهو أبلغ في النفي؛ لأن نفي الواجد يستلزم نفي ما عداه.
وأجاب ابن عرفة بأنه لو قال: إن الله لَا يأمر بالفاحشة لأفاد نفي فاحشة مستحقة، فلما قال: الفحشاء أفاد نفي القدر المشترك بين الفواحش كلها فيعم الجميع.
قوله تعالى: (أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
قال ابن عرفة: إن قلنا: إن الحاصل للمقلد علم فلا دليل، وإن قلنا: إنه ليس بعلم فيكون دليلا لمن ينفي التقليد، فإن المقلد قال على الله ما لَا يعلم، ويدخل فيه من يفتي في مسألة الحدس وإن صادف الحق وهو بحيث لو سئل عن سنده لتوقف.
قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾
معطوف على قوله (بِالْقِسْطِ)، أي: أن أمر أن تقسطوا وتقيموا وجوهكم فأمر بالمصلحة القاصرة والمتعدية فالمتعدية على القسط، والقاصرة ما بعدها.
قوله تعالى: (كَمَا بَدَأَكُمْ).
الظاهر أن الكاف للتعليل مثل: (وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيكَ) أي: لأجل بدايتكم تعودون؛ فالعود للانتفاع والحساب.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾
قال: في القرآن ثلاثة ألفاظ: منها (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ)، (يَا بَنِي آدَمَ)، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا). أخصها بذكر الحكم في المشتق، و (يَا أَيُّهَا النَّاسُ) يليها، و (يَا بَنِي آدَمَ) أعمها [... ] ببني آدم؛ لأن الخطاب بها على وفق المراد؛ لأن النفوس تتشوق للزينة.
قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ).
قال ابن العربي: منهم من قال إن الآية عامة في كل مسجد فلا يصح أن يكون سبب نزولها أن قريشا كانت تطوف عراة.
ابن عرفة: خصوص السبب لَا يمنع من عموم الحكم وهذا منافيه على أن المراد بالمسجد ذو البناء الخاص مثل شكل مساجد، ولنا أن نقول: المراد به مواضع السجود فقط فلا يحتاج إلى ما قال.
قال ابن العربي: والصحيح أن ستر العورة مستجد.
الأعراف 7:32
ابن عرفة: بل هو واجب أو سنة، ولو كان تعداديا، لقلنا: أراد المستحب السنة.
قال ابن عرفة: والظاهر عندنا أن الأمر هنا للندب؛ لأن خارج من ذلك لأنه أمر بالزينة لَا بستر العورة؛ لكنه يستلزم الستر من باب أحرى، قال: وقول القائل: خذ زينتك أبلغ من قوله: تزين، وإضافة الزينة إشارة إلى أن كل واحد منا يأخذ زينته اللائقة بحاله.
قوله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا).
قال ابن عرفة: تقدم لنا أن الاستثناء لإخراج الصالح، أو يكون لإخراج الدخول، ومنه ابن التلمساني باستثناء ما زاد على العشرة على وجه البدل من جموع القلة واستشكله الشيوخ؛ والصواب تمثيله بما قاله هو في مواضع أخر، وهو أن الاستثناء من النكرة المطلقة، كقولك: أكرم رجلا من بني تميم إلا زيدا.
قال ابن عرفة: وكذلك التقييدات تكون داخلة، وتكون صالحة للدخول، كقولك: أكرم النَّاس ولا تسرف، وأكرم بنيك ولا تسرف، فالأول: صالح، والثاني: داخل؛ لأن الأمر بإكرام [البنين*] مظنة الإسراف؛ لما في النفس من الشفقة عليهم، وأما هنا فالأكل محبوب للنفس بالطبع فإذا أمر به تأكد وكأنه مظنة للإسراف في الزائد على الشبع إذ لم يتوق النفس الشهوة فإنه محرم، وإن شبع الإنسان ولم تزل شهوته في الطعام فالظاهر أن أكله مكروه وليس بحرام بدليل أن الواحد يأكل الطعام ويشتهي الفواكه ويأكل منها.
قوله تعالى: (وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) النهي للتحريم، كقولهم: لَا حبذا زيد فإنه للذم والذم على فعل الشيء دليل على تحريمه.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: الخطابات في القرآن على ثلاثة أنواع: فمنها ما هو صريح العموم، مثل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، ومنها ما هو صريح الخصوص بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مثل (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ)، ومنها ما هو محتمل كهذه الآية.
قوله تعالى: (الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ).
إن أريد التي خلق الله لعباده فلا يكون فيه دليل لمن يقول: إن الأشياء على الحصر، وإن أريد التي شرع لعباده فيكون دليلا على أن الأشياء على الحصر.
الأعراف 7:33
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾
الحصر إما بحسب السياق أو على ظاهره. لأن الآية مكية، وقد حرم بعد ذلك أمور أخر، قيل: إن أريد به التحريم فظاهر، وإن أريد الحكم في الأزل فكلها محرمات، فكان لفظ حرم خبر عن ماضي فلا يتناول ما بعد ذلك.
قال ابن عطية: الفواحش ما فحش وشنع فهو إشارة إلى ما نص الشارع على تحريمه.
ابن عرفة: فالمعنى عنده إنما حرم ربي المحرمات. وصوابه أن نقول كلما نهى الشارع عنه، فيكون المراد إنما حرم ربي ما نهى عنه بناء على أن المكروه ليس منهيا عنه.
قوله تعالى: (مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ).
ابن عرفة: المراد عندي بما ظهر ما دليله قوي، نص علي وعليه ما ذكر الأصوليون في القياس استعمال العين في العين، وما بطن ما استفيد بالقياس والنظر.
ومنه قول الأصوليين: استعمال الجنس في الجنس:
فالأول: دليل ظاهر، والثاني: قلت: ذكره ابن التلمساني في باب القياس في المسألة الثالثة منه، وحمله المفسرون الظهور والخفاء بالنسبة إلى الفاعل وفعله، وقالوا: في الآية عطف العام على الخاص، وعطف الخاص على العام، والإثم أعم من الفواحش؛ لأنه يشمل الصغائر والكبائر بخلاف الفواحش، والبغي أخص من الإثم.
قوله تعالى: (بِغَيْرِ الحَقِّ).
ليس بتأكيد؛ لأن السيد إذا بغى على عبده فضربه فهو باغ بالحق.
قوله تعالى: (وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا).
راجع إلى الدليل العقلي.
(وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
راجع إلى الدليل السمعي النقلي.
الأعراف 7:34
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾
استشكل أبو حيان ترتيب يستقدمون جوابا للشرط بأنه أمر بديهي ظاهر؛ وتقديره أنهما شرطان وجوابان حسبما تقرر في المنطق أن الشرطية تتعدد بتعدد تاليها، وأجاب بأن الشرط أمر تقديري وليس بوجودي فيصح ترتيبه عليه بهذا الاعتبار.
قال: أو يجاب بأن العطف للتسوية، أي كما تعلمون أنتم لَا يستقدمون عليه؛ كذلك فاعلموا أنهم لَا يستأخرون عنه.
قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾
قيل: المراد ببني آدم هذه الأمة، والرسل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وجمعه لاختلاف حالاته، كما قال الشاعر: أنشده [الآبذي] في شرح الجزء عليه:
[فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها؍ يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك*]؍
فإن قلت: إتيان الرسل محقق فهلا عبر بـ إذا؟، قال: فعادتهم يجيبون بأنه إشارة إلى مذهب أهل السنة في أصل بعثه الرسل أنها محض تفضل من الله تعالى، فإن ذلك ممكن جائز وليس بواجب وزيادة فأشار إلى وقوع ذلك وتحققه.
قوله تعالى: (فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ).
التقوى راجعه إلى اجتناب المنهيات والاصطلاح لامتثال المأمورات، ومن موصول الأجواب الأشرطية؛ لأنها لَا تقتضي وقوع الشيء لَا إمكان وقوعه.
قوله تعالى: (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
إن قلت: لم نفى الخوف بالاسم، والحزن بالفعل؟ فأجاب ابن عرفة بوجهين:
الأول: متعلق الحزن ماض، ومتعلق الخوف مستقبل والأمور المستقبلة أكثر من الأمور الماضية فأشبهت غير المتناهي ألا ترى أن الإنسان يخاف العذاب في الدنيا وفي الآخرة، وأمر الآخرة غير متناه لأنه بدخول الجنة يذهب عنه الخوف دائما.
الثاني: أن سبب الخوف يمكن دفعه والتحرز منه؛ لأن متعلقه مستقبل، وسبب الحزن لَا يمكن رفعه والماضي لَا يرتفع.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾
قال ابن عرفة: هذه الآية إذا كانت في النزول متصلة بما قبلها فالفاء للاستئناف، وعلى الأول في الآية التفات بالخروج من التكلم إلى الغيبة؛ وهذا إن أريد أنه أظلم منِ غيره على سبيل العموم فيكون مخصوصا، بقوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ).
قال ابن عرفة: وكان بعضهم يرد على الجاحظ بهذه الآية، في قوله: إن الكذب إنما يطلق على من تعمده؛ فدلت الآية على أن من أخبر بالشيء على خلاف ما هو عليه ناسيا فهو كذب، وإن كان عامدا فهو افتراء وأجيب بالفرق بين مطلق الكذب وافتراء الكذب؛ وهو أن من أخبر بمجيء زيد وهو معتقد أنه لم يجئ وصادف في نفس الأمر أنه جاء فليس مفتر بالكذب ولا يسمى كاذبا بوجه؛ كمن حلف عليه بالطلاق أنه قد جاء معتقدا أنه لم يجئ وقد صادف أنه جاء.
قوله تعالى: (أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ).
يحتمل أن يرجع إليهم بمعنى أنهم تارة يقولون على الله ما لم يقله، فيقولون: حرم علينا السائبة والوصيلة والحام، وتارة ينسبون إليه ما هو منزه عنه؛ كجعلهم له شريكا، ونسبتهم إليه الولد؛ فهذا افتراء الكذب، ذكره الفخر.
وتارة يكذبون بالآيات والمعجزات الظاهرة على يد رسوله وهذا تكذيب، ويحتملِ أن تكون الآية خرجت مخرج الإنصاف، كقوله تعالى: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) فالمعنى: قل لهم يا محمد إن كنت أنا مفتريا على الله فلا أَظلم مني، وإن كنت صادقا وأنتم تكذبون بي فلا أظلم.
قوله تعالى: (أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ).
قالوا: المراد بذلك الأصنام.
ابن عرفة: وكان بعضهم يقول: يحتمل أن يريد به كل ما يشتمل عن الطاعات من الشهوات والأمور الدنيوية، كما قال تعالى (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا).
وقال تعالى (وَضَلَّ عَنْهُم مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
إشارة إلى أن أعمالهم الدنيوية تذهب عنهم فلا يجدون لها أثرا بخلاف الأعمال الصالحة.
قوله تعالى: (وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِم).
إن أريد شهادة بعضهم على بعض فهذه شهادة حقيقية، وإن أريد واحد منهم يشهد على نفسه فهو إقرار وليس بشهادة لاستلزامه العقوبة.
الأعراف 7:38
قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ ضِعْفٌ... (٣٨)﴾
كيف نفهم مع حديث: "من سن في الإسلام [سنة*] سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة".
وأجاب ابن عرفة بأحد وجهين:
إما أن يراد لكل ضعف ما في اعتقادكم، أو ضعف ما يتوهمون.
قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾
الفاء إما للتسبيب فهو معطوف على قوله (لِكُلٍّ ضِعْفٌ)، أو على مقدر؛ أي [مَا دُعَاؤُكُمُ اللَّهَ بِأَنَّا أَضْلَلْنَاكُمْ وَسُؤَالُكُمْ مَا سَأَلْتُمْ *] (١) [فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ*].
قال ابن عرفة: على التقديرين مسألة كانت تقدمت لنا فيما إذا قال عمرو: إن زيدا زنا، فيقول خالد: وسرق، فإن كان معطوفا على كلام عمرو لم يلزمه شيء، وإن كان معطوفا على مقدر؛ أي زنا وسرق لزمه حد القذف.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا﴾
قال: الظاهر أن التكذيب أعم من الاستكبار؛ لأن المكذب قد يكون مستكبرا وقد لا يكون.
قوله تعالى: (وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ).
دليل على أن الجنة في السماء.
قوله تعالى: (حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ).
ولم يقل: دخول الجنة مع أنه أجلى وأبين تشديدا عليهم في العذاب؛ لأن الرجاء يتعلق بما هو معيبا بزمان، ولو كانت عائبة لَا يمكن كأنه يتطرق إمكانها، فإذا تعلق الرجاء بها على استحالتها عادة، ولم يقع ذلك؛ كان ذلك أشد على الراجي في حينه حسه مطعمه، وإنما قال: يلج الجمل، ولم يقل: الفيل وهو أكبر. لأن العرب إنما يعرفون الجمل.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ﴾
(١) العبارة بها اضطراب وسقط، تم جبره، وتصويبه من (البحر المحيط. ٥/ ٥٠).
الأعراف 7:42
عبر بـ لهم على جهة التهكم بهم فهو إليهم لَا لهم، والمهاد إنما يطلق في الأمر الملائم للحال الموصوفة؛ فإن كانت حالا حسنة فهو دليل على شدة حسنها، وإن كانت قبيحة فهو دليل على شدة قبحها.
وقال تعالى في سورة (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) فقدم هنا لفظة فوق وأخر هاهنا، وأجيب بأنه هنالك روعي فيه لفظ المهاد. والمهاد غالبا يقتضي المكان الذي يمتهد عليه فهو تحت والظلال من تحت، فعذاب الله تلك أشد؛ لأنها نار تحت المهاد.
قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).
المشبه بالشيء لَا يقوى قوته فدل على أن عذاب هؤلاء أشد من عذاب الظالمين.
قوله تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[دليل*] على أن القادر على الشيء يطاق وسعه بلا شك.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾
دليل على صحة القول بأن العرض يبقى زمانين؛ لأن الفعل معنى من المعاني ولا عرض ولا ينزع إلا ما هو قابل للبقاء.
فرد عليه ابن عرفة النزع بمعنى الإعدام، والمراد نزع نوع الغل مطلقا لَا شخصه، قال: هذا مجاز والأمثل حقيقة، قيل له: لَا بد في الآية من المجاز. لأنهم أجمعوا على أن العرض لَا يقوم بنفسه، وإذا حملت النزع على حقيقته يلزمك مخالفة الإجماع فلا بد من حمله على معنى الإعدام، فقال: هذا الذي أجمعوا عليه تحمل الآية عليه وتبقى على حقيقتها فيما اختلفوا فيه، قيل له: إنما حملناها على الإعدام زال المعنى الذي قلتم.
قال: والآية دلت على أن كل صدر فيه الغل فهو أمر جلي لَا يقع فيه التكليف. وإنما التكليف بأسنا به؛ ولذلك يقال: ما علا عبد من حسد فواحد يخفيه وآخر يفشيه.
قوله تعالى: [(أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) *].
إسقاط الفاء هنا، وأثبتها الفاء في قوله (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛ لأن الإنسان إذا وجد شيئا قد يصدق به، وقد يبقى على شك، وإذا خوف من شيء يستقر في نفسه الخوف منه ويسرع إليه الهلع والفزع،
الأعراف 7:46
فثبوت الخوف للنفس أقوى من ثبوت الرجاء لما توعد به، فأدخلت الفاء هناك تحققا لوقوع الموعود به ولم تدخل هنا لثبوته في النفوس.
قال: [ويحتمل أن يكون في الآية حذف التقابل؛ أي من اتقى وأصلح (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) [أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، وَلاَ خَوْفَ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (أي لا حزن عليهم) وَالَّذينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، وعليهم الخوف وهم يحزنون*] (١)
قوله تعالى: ﴿لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ﴾
قال ابن عرفة: لما كانت حسناتهم مساوية لسيئاتهم فلم يبق لهم سبب إلا الرجاء في دخول الجنة، والرجاء إنما يكون فيما قدم الإنسان سببا فهو خير الطمع لَا في خير الرجاء.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ﴾
بناؤه للمفعول دون الفاعل لأن المعرفة إليه مستقرة للنفس دائما، وإنما يقضي حين الاختيار.
قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
ولم يقل: من القوم الظالمين؛ لأن كونه معهم أعم بنفيه يستلزم نفي الأخص أعني الكفر عنهم.
قوله تعالى: ﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ﴾
فأتاه بالاسم ونفى الحزن بالفعل؛ لأن متعلق الخوف مستقبل، ومتعلق الحزن ماض والأمور المستقبلة غير متناهية، والأمور الماضية متناهية لانقطاعها.
قوله تعالى: ﴿أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾
يدخل فيه الماء وغيره.
قوله تعالى: (حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ).
ليس المراد التحريم الشرعي؛ لأنها ليست دار تكليف؛ فيتعين أن المراد به المنع؛ أي منع الكافرين منها.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾
(١) في العبارة سقط واضطراب، تم جبره وتصويبه من (تفسير سورة البقرة لابن عرفة. ١/ ١٠٦).
الأعراف 7:53
الأمر الباطل إن قصد به [الاشتغال مطلقا*] فهو لهو، وإلا فلعب؛ كما يلعب الشطرنج، ولا يقصد به [التلهي*].
قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾
يحتمل أن يكون إشارة إلى تكذيبهم وأنهم ليس حالتهم حالة من ينتظر المال والعاقبة، وهذا يشمل الشاك للتوهم.
قوله تعالى: (فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا).
إما للتوزيع، وإما لأنه مقام لَا يشفع فيه إلا الشفعاء لَا الشفيع الواحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
يحتمل أن يكون تهييجا وحقا للمظلوم في أن يدعو على الظالم لأن دعاه في مظنة الاستجابة والقبول فإن الله لَا يحب المعتدين.
قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾
تشنيع على من يفعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾
قال: لما تقدمها الأمر بالدعاء والنهي عن الإفساد في الأرض عقبه ببيان الدليل والبرهان على أن الله تعالى هو الفاعل المختار الذي لَا إله غيره، أو يكون إشارة إلى أن الدنيا سبب في الرحمة كما أن الريح الطيب سبب في الرحمة.
قوله تعالى: (سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ).
ولم يقل: أرضٍ ميت، والضرر إنما هو لعمار الأرض لَا للأرض.
قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾
يحتمل أن يكون مثالا لحال الدعاء فمنه ما يكون من صادق مقال ما منع فهذا يخرج نباته بإذن ربه إشارة إلى قرب الاستجابة، ومنه ما يكون من خبيث غير متصف في مكانه يتذلل ولا خشوع فهذا لَا تحصل له إجابة ولا برجاء؛ فإن قلت: لم قال: (وَالْبَلَدُ) فعبر بالاسم، فقال (وَالَّذِي خَبُثَ) فعبر بالفعل؟ قلت: لأن متعلق الذم على الأعم يستلزم تطبيقه على الأخص فإِذا ثبت الذم على مطلق الخبث فأحرى ما
الأعراف 7:59
فرقه، ولا يثبت المدح إلا على أخص الوصف تخصيصا على الاتصاف، قلت: وأورد ابن عرفة: قبل هذا سؤالين:
أحدهما: هذا وأجاب عنه بأن الخبر نص على أن الفعل إنما يطلق على من تناوله الفعل طبعا وغريزة، فمساواة الاسم بهذا الاعتبار في معناه لمعنى الخبيث.
السؤال الثاني: أتى في الثاني بأداة الحصر دون الأول، وأجاب بأن الحصر راجع إما للمشبه أو المشبه به. فإِن الأرض الخبيثة قد تنبت الطيب قليلا؛ فالمراد للمشبه مما لا تنبت إلا خبيثا بالكفر نوع واحد كله مذموم، ولما كان المسلمون نوعين: منهم من أسلم أولا ولم يعاند؛ كأبي بكر، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنهما - والإسلام يجبُّ ما قبله، ومنهم بعد ما أذى النبي - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وعاند وكفر، فلم يؤت فيه بالحصر ليعم اللفظ هذين؛ بخلاف الكفر فإِنه نوع واحد كله مذموم، والخبيث في النبات له حالات زمن خروجه، وزمن تمامه، وزمن يبسه؛ فلو قيل: يخرج لكثر التوهم أنه إذا صار إلى حالة التمام يحسن حاله؛ فأتى بالحصر تنبيها على أنه يخرج خروجا لَا يعقبه حسن.
قوله تعالى: ﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾.. ، وفي آية أخرى (فَقَالَ يَا قَوْمِ) محذوف الياء.
قوله تعالى: ﴿يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ﴾
قال ابن عرفة: ابتدأ بلفظة (يَا قَوْمِ) على سبيل الترحم عليهم والتلطف في العبارة استجلابا لهم.
قال الزمخشري: فإِن قلت: قال: (لَيسَ بِي ضَلالَة) فأفرد، ولم يقل: ليس بي ضلال، كما قال تعالى (إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
قال: قلت: الضلالة أخص من الضلال، كما لو قيل: لك تمر فتقول ما لي تمرة.
ورده ابن عرفة بأن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم إلا أن يكون تجوز في الأخص وأراد به التعليل القليل، ويرد عليه المثال الذي ذكره.
قوله تعالى: (وَلَكِنِّي رَسُولٌ).
قيل: إن ما بعد لكن هنا مخالف لما قبلها لأن ما قبلها منفي وما بعدها مثبت، ومتعلق النفي غير متعلق الإثبات، وقيل: موافق؛ لأن نفي الضلالة يستلزم ثبوت
الأعراف 7:63
الرسالة، والصواب أنه مضاد لما قبلها؛ لأنه لَا يشرط الموافقة والمضادة إلا في الفعل الذي دخل عليه النفي لَا في معنى النفي، ألا ترى أنهم مثلوا التضاد، بقوله؛ ما قام زيد ولكن قعد عمرو.
قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾
قال الزمخشري: معطوف على مقدر؛ أي أكذبتم وعجبتم.
ابن عرِفة: هو أنه أنكرتم وعجبتم لأن التكذيب يأتي بعده في قوله تعالى: (فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ).
قوله تعالى: (عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ).
أي: تعلمون صدقه ولا تنكرونه. لأنه من جنسكم.
قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ﴾
عطفه بالفاء وفي الآية الأخرى بالواو، إما لطول مكث نوح، وإما أنه قال لهم قولا لم يحتج إلى ذكره، أو لم يقل لهم شيئا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾
التنكير للتعظيم.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾
التنكير للتقليل.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾
عبر هنا بالاسم، وقال في نوح: (وَأَنْصَحُ) فعبر بالفعل؛ لأن نوحا أول رسول بعث في الأرض [فلم يتقدمه رسل*]، أما هود عليه السلام فتقدمه رسل بعثوا إلى قومهم وأهلك من كفر بهم؛ فعاقبة أمر قوم نوح عليه الصلاة السلام وسائر أمرهم مسندة بها إلى نوح عليه السلام خاصة، وكذلك قال: (وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) وعاقبة أمر قوم هود مسندة إلى علمه في علم قومه بما جرى إلى من سبقهم من الأمم مع قومهم لما خالفوهم.
قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ﴾
قال ابن عرفة: يحسن أن يقدر هنا أكذبتم وعجبتم، الآية، لم يذكر هنا بعد التكذيب.
الأعراف 7:70
قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذ جَعَلَكُم خُلَفَاءَ).
قال الزمخشري: إنه مفعول.
ابن عرفة: أو ظرف تقديره واذكروا حالكم إذ جعلكم.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾
ولم يقولوا: أرسلت إلينا؛ لأنهم ينكرون رسالته فهو احتراس منهم؛ ونظيره قوله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) برفع أساطير، وقال في المؤمنين (وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا).
قوله تعالى: (وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا).
أتوا به مع أنه داخل في الأول إما تشنيعا منهم عليه، أو إشارة إلى مسندهم في عبادتهم وفيه دليل على عدم التقليد في الأمر الباطل.
قوله تعالى: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ﴾
أتى بلفظ الرب، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) تنبيها على أنه المنعم عليهم فلا يحل لهم عصيانه، والرجس والغضب بمعنى [وهما*] حسيان؛ فالرجس راجع لعذاب الدنيا؛ والغضب لعذاب الآخرة، ويكون الرجس حسيا راجع للعذاب النازل بهم، والغضب معنويا إلى إرادة الله تعالى ذلك بهم في الأزل؛ فيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه.
قوله تعالى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا).
قال ابن عرفة: في إما للسببية؛ أي ما يسبب فيكون مجازا أو على حقيقتها وهنالك مضاف مقدر؛ أي في حال أسماء فيتعارض المجاز، والإضمار فيه خلاف.
قوله تعالى: (سَمَّيْتُمُوهَا).
إن قلنا: إن الاسم هو المسمى، فظاهر، وإن قلنا: إنه غيره، وأن الاسم هو التسمية فلابد أن يكون على هذا تقدير حذف المجاز، أي: سميتم.
قوله تعالى: (أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم).
مع أن الذي سماها إنما هو آباؤهم هم الذين سموا الوصيلة والبحيرة والسائبة والحام.
الأعراف 7:74
وأجاب ابن عرفة بأن ذلك إنما هو في أسماء الأعلام، وهنا إنما المراد الصفات وهم سموا الأصنام آلهة معبودة كما فعل آباؤهم فيما ليس لهم فيه دليل بخلاف عوام المسلمين؛ فإنهم مقلدون الأهل الذين إمامهم أبو المعالي، والشيخ أبو الحسن الأشعري، ولهما على التوحيد أدلة ظاهرة.
قوله تعالى: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا﴾
ولم يقل: من جبالها؛ لأن الجبال ليست من الأرض.
قوله تعالى: (مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ).
أي: من دليل فيستفاد منها ذم التقليد، وأجيب بأنهم في محل المجادلة والمخاصمة؛ والمجادل لَا بد له من دليل، بخلاف المقلد فإِنه لَا يجادل.
قوله تعالى: (وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا).
أي: آخرهم؛ فدل على قطع أولهم من باب أحرى.
قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ).
قال الزمخشري: إن قلت: ما فائدة قوله تعالى: (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا)؟ فأجاب بأنه تعويض بمن آمن بهم؛ أي ولم يكذبوا، مثل: من آمن بهم.
وأجاب ابن عرفة بثلاثة أوجه: يتناول الآية من لم يحرم بالكذب ولكنه بقي شاكا فهو أيضا غير مؤمن، وإن كان غير مكذب.
الثاني: أن التكذيب يتناول من كذب الرسل وهو مؤمن بالله موحد، وهؤلاء كانوا مشركين بالله، حسبما (قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فأفاد قوله تعالى: (وَمَا كَانُوا مُؤمِنِينَ) أنهم كذبوا الرسل ولم يؤمنوا بالله.
الثالث: أن المراد ولم يكونوا قابلين إلى الإيمان فأخر عنهم العذاب حتى آمنوا به؛ لأن قوله: وما كان زيد ليؤمن يدل على نفي قبوله، فدلت الآية بمفهومها على أن من كذب وكان قابلا إلى الإيمان لم يقطع دابره.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾
فجمع الديار مع الصيحة وأفردها مع الرجفة.
قال ابن عرفة: تقدمها الجواب بأن الصيحة إنما تنال قلوبهم [فتحدث*] فيها تقطعا، والرجفة تنال أبدانهم، [وأماكنهم فتزلزل*] الأرض، وهي مسببة؛ فما كانت تنال إلا قلوبهم
الأعراف 7:80
خاصة. لأنها لَا تسمع ولا تعقل، وجمع الديار فهي تنال كل واحد في داره على حدته، ولما كانت الرجفة راجعة لأبدانهم وأماكنهم فتزلزل وتخرب حتى تصير كأنها دار واحدة بعد موت، واختلاطها أفرد الديار.
قلت: ونقل ابن عبد السلام إلى أنه أجاب بأن الرجفة عقوبة أرضية؛ فنسبت الديار إليها نسبة واحدة، والصيحة عقوبة سماوية فتخص كل دار على حدتها.
وأجاب صاحب درة التنزيل بأن الآية التي جمعت فيها الديار، وذكر فيها نجاة النبي وقومه، ولا شك أنهم كانوا يجتمعون لأجله ليسمعوا قوله، ويختبروا أحواله، فلما ذهب المعنى الذي لأجله كانوا يجتمعون فرقوا في البلاد، فناسب جمع الديار، والآية التي أفردت فيها الرجفة لم يذكر فيها نجاة النبي صلى الله عليه وسلم، وإذا لم يزل النبي بين أظهرهم لم يزالوا مجتمعين، فكأنهم في دار واحدة، وعذابهم في ذلك عذاب واحد.
قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾
قال الزمخشري: وأرسلنا و (إِذ). ظرف لـ أرسلنا، أي واذكر لوطا، أو بدل بمعنى واذكر وقت قال لقومه.
قال ابن عرفة: يريد أنه ظرف كان منسوبا، واذكر مفعولا إن كان بدلا من لوطا. وأورد الطيبي كونه بدلا بأنه يقتضي بأن القول وقع حين الإرسال مع قبله بلا شك، وأجاب بأن وقت القول خير من يوم أو شهر أو عام، وذلك اليوم أو الشهر لجمع الإرسال والقول، قلت: فاعتبر هنا الكل وجعل وقت الإرسال لاجتماعها في وقت آخر يجمع الوقتين، كما أعيد الضمير في قوله (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) على العشية لاجتماعها في يوم واحد يجمعها.
قال ابن عرفة: ويحتمل أن يقال: ليس المراد ابتداء الإرسال فقط؛ لأنه حين القول يسمى مرسلا وقبله وبعده؛ فهو حين يرسل أي دائم الإرسال، قال: لكن يرد على هذا أن قوله: (وَأَرسَلْنَا). هل هو حقيقة في أول أزمنة الإرسال مجاز فيما بعدها أو حقيقة في الجمع؟ وإذا قلنا: إنه مجاز فيكون المجاز فيه من حيث جعلنا لفظ أرسل متناولا زمن القول وما بعده.
وما قال الطيبي: مجاز من حيث جعل زمان القول ظرفا له، والرسالة لاجتماعها في زمن يشتمل عليها؛ فيتعارض المجاز في الفعل وهو إذ.
وقال الأصوليون وغيرهم: إن المجاز في الأسماء أكثر.
الأعراف 7:81
قوله تعالى: (مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).
قال الزمخشري: هذه جملة مستأنفة.
قال الطيبي: أراد أن هذا ابتداء كلام وليس المراد حقيقة الاستئناف.
ابن عرفة: لأن الاستئناف عند البيانيين هو الواقع جوابا لسؤال مقدر ويبعد أن يكون حالا؛ لأنه تعبير للكلام جملة واحدة، وجعله جملة أبلغ في التأكيد والإطناب.
قوله تعالى: (مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ).
قال الزمخشري: من الأولى زائدة لتأكيد النفي، والثانية للتبيين.
قال الطيبي: والثاني بدل من الأول، ورده ابن عرفة. بأن (مِنْ أَحَدٍ) فاعل لـ سبقكم و (مِنَ الْعَالَمِينَ) لَا يصح أن يكون فاعلا؛ لأنه لتبيين نكرة، ولا يكون الاسم الواقع بعد النفي في موضع الفاعل إلا إذا كان نكرة قد دخلت عليه من نحو ما جاء من رجل، أو من أحد.
قال بعض الطلبة: ما قاله أيضا باطل من جهة أن المعنى ما سبقكم بها بعض العالمين؛ فدل بالمفهوم أن فريقا آخر من العالمين سبقهم بها إلا أن يجعل البعض عاما.
وأجاب ابن عرفة بأن المنطقيين، قالوا: إن السالبة الجزئية لها ثلاثة صور: ليس بعض، وبعض ليس، وليس كل، وفرقوا بين بعض ليس وليس بعض. بأن ليس بعض على نوعين: فنقول: ليس بعض إلا ليس عالما؛ فيكون خصوصا حقيقة، وتقول: ليس بعض [الأشياء*] بحجم فيكون خصوصية عاما؛ فانظر هل هذا مما خصوصه عموما أم لَا؟ والظاهر أن خصوصه باق على حقيقته فيلزم المفهوم فلا يصح ما قاله الطيبي.
قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾
الزمخشري: مفعول من أجله أو حال.
ابن عرفة: هو عندي بعد الفريضة فيجري فيه الأوجه الثلاثة، إما مصدر للأول، أو نعت لمصدر من لفظ الأول، أو مصدر لفعل مقدر من لفظه بعد الفرق بين كونه مفعولا من أجله وكونه حالا، فالفرق بين كل شيء علة كاملة، وبين كونه صفة الفاعل، كما يفرق بين الصاحب الغريب وبين من يمتثل أمرك، تقول: فلان يضجر السفهاء، وفلان يمتثل أمر السفهاء؛ فالذم بهذا الثاني أشد؛ فجعله مفعولا من أجله أبلغ من الذم، معناه أنتم ممتثلون أمر شهوتكم وطابعون عليها.
الأعراف 7:85
قوله تعالى: (بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ).
الإضراب للانتقال من الذم، وأخص الأوصاف إلى الذم بأعيانها وهو أبلغ؛ لأن الشاهد بأنه رأى فلان في وقت كذا يشرب الخمر قد يعرض لخبره التكذيب لشاهد آخر يشهد بأنه رآه في ذلك الوقت بعية غير شارب الخمر، والشاهد بأن فلانا فاسق أو شارب خمر بالإطلاق؛ خبره أقرب إلى الصحة.
قوله تعالى: ﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ﴾
إن قلت: لم عبر في الأول بالمصدر وفي الثاني بالاسم؟ فالجواب بثلاثة أوجه:
الأول: أنه من حذف التقابل؛ أي أوفوا الكيل بالمكيال والوزن بالميزان.
الثاني: أن البخس الغالب أن يكون في الكيل والميزان لَا في الوزن.
الثالث: أن الوفاء من جهة المكيال أن يفعل في الكيل لَا في المكيال والوفاء من جهة الميزان أن يكون فيه لَا في الوزن.
قوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ).
أخذ منه بعض الموثقين أن من أحدث حفرة بإزاء دار فإِنه يمنع ولو لم يضر بها لأنه يبخس من ثمنها.
قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
إن كان شرطا في الأمر دل على أن الكفار غير مخاطبين.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾
إن قلت: لَا يلزم من النهي من الكل النهي عن البعض، قلت: قد تقدم أن ليس كل من أسرار الجزئية السابقة، و (إِنْ) دلالتها على سبيل الحكم من الكل مطابقة، وعن البعض التزام، فإِن قلت: لأي شيء عدل عن الأمثل؟ قلت للتشنيع عليهم، وأنهم كانوا يقعدون بكل صراط يوعدون؛ (وَتَصُدُّونَ): أي توعدون من لَا حكم لكم عليه ولا سلطان، وتصدون من ينقاد لكم [ويطيع*] أمركم، وتبتغون عوجا لمن يطالبكم بالدليل، وتعلمون أن له نظرا واعتبارا وتأملا، وهو إشارة إلى اختلاف حالهم باعتبار من يصدونه ممن لَا علم عنده ولا فطنة يكتفون فيه بالصد والتوعد، ومن له بعض ممارسة يظهرون له اعوجاجا؛ فاصبروا على أن الخطاب للفريقين يكون وعدا للمؤمنين ووعيدا للكافرين، وتكون صيغة أفعل حينئذ مشتركة بين التهديد والإشارة.
قوله تعالى: ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾
الأعراف 7:92
قال: أو هنا للتخيير بين إخراجهم من القرية أو عودهم إلى دين الكفر.
قوله تعالى: (أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ).
ولم يقل: مكرهين. لأن الإكراه أعم إذ قد لَا يكون المكره كارها بل راضيا، وهذا قال في الزاني فكره أنه يحد، وهذا مثل ما قال اللخمي في طلاق المكره: أنه يجب عليه أن ينوي أنه لم يطلق، فدل على أنه يكون غير كاره.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ﴾
ابن عرفة: هذا يسمى قلب النكتة؛ لأنهم قالوا: (لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ)، فإن قلت: ما جواب القسم؟ قلت: إنكم لخاسرون سد مسد الجوابين.
وتعقبه أبو حيان وتعقبه غير صحيح؛ لجواز أن يكون مراد الزمخشري سد مسدهما أن الشرط وجوابه في موضع جواب القسم.
قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾
المراد به الكفر الأخص وهو تكذيبه في تبليغه ونصحه.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا﴾
تقدم أن الرسول أخص من النبي، وهو المأمور بالتبليغ، والنبي ينزل عليه لكنه لم يؤمر بتبليغ ما ينزل عليه، ووقع في كلام الغزالي: أن الرسول أعم من النبي؛ ذكره في بداية الهداية وصرح به ابن عطية هنا وهو خطأ.
قوله تعالى: (إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا).
حال إلا منتقمين منهم.
قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ).
الرجاء بلعل مصروف للمنزل إليه؛ أي ليحصل لنبيهم المرسل إليهم.
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
قال ابن عرفة: هذا تأسيس لأن الأخذ بغتة هو الأخذ على غرة وغفلة من غير أن يتيقن لهم علم بالأخذ والشعور وهو مبادئ العلوم، فأفاد أنهم لم يتقدم لهم علم بذلك ولا مبادئ العلم به، فأخذوا من غير علم لهم بالشيء، ولم يقل: بما كانوا يكذبون؛ لأن الكسب أعم، ولتناول الآية سبب تكذيبهم وما نشأ عنه؛ لأن الكسب مشتمل على التكذيب وغيره لأنه يتناول عمل النفس وعمل الجوارح.
الأعراف 7:97
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧)﴾
قال ابن عرفة: تكلم الطيبي هنا كلاما.
قال ابن عرفة: لم خصص الإتيان بهذين الزمنين دون غيرهما؟ ثم أجاب بأنه من باب قولهم: ضربته الظهر والبطن، ومطرنا السهل والجبل؛ فعبر بالبيات عن زمن سكونهم، وبالضحى عن زمن اجتماعهم فيه؛ لأن أول ظهورهم وبعده يتفرقون في أشغالهم، قلت له: ولم قال: (وَهُم نَائِمُونَ). ؟ فأخبر بالاسم، وقال: (وَهُمْ يَلْعَبُونَ). فأخبر بالفعل، فأجاب بأن الاسم يقتضي الثبوت؛ والنائم ساكن، والفعل يقتضي التجدد؛ واللعب حركة تتجدد شيئا فشيئا.
قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ... (٩٩)﴾
قال الزمخشري: هذا إشعار لأخذ العبد من حيث لَا يشعر.
قال ابن عرفة: الأمر يقتضي أن عنده مضاف إلى الفاعل.
وقال ابن عطية: أمنوا عقوبة مكر الله فراجع للأول وموافق له.
ابن عرفة: ويحتمل عندي أن يكون غيره بأن الإنسان يتذكر حلول البأس والعقوبة في الدنيا، وتارة ينعم عليه في الدنيا فيتذكر الإملاء هنا، قال تعالى (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا) فقوله: (مَكرَ اللَّهِ) إشارة إلى الإمهال؛ فإن من أنعم على شخص وأمهله وأقره فقد مكر به، فإن قلت: لم قال (فَلا يَأمَنُ مَكرَ اللَّهِ)، ولم يقل: فلا يأمن بأسنا؟ فالجواب: أن المكر خسران وحلول البأس بهم غير متيقن؛ منهم من أمنه ليس كمن أمن المكر والإمهال، قلت: ولأن المكر راجع إلى العقوبة الآخرة وعذابها لَا ينقطع والمكر في الدنيا فمن أمن المكر فهو الخاسر حقيقة.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ﴾
الزمخشري فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه معطوف على مدلول معنى (أَوَلَمْ يَهْدِ) أي: [يغفلون*] عن الهداية [ونطبع*] على قلوبهم، أو معطوف على (يَرِثُونَ).
الأعراف 7:101
ورده ابن عرفة لأنه [يلزم عليه الفصل بين الصلة*] بأجنبي، وهو قوله تعالى: (لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ) قيل: له اعتراض فيصح كقولك: ذلك الذي [... ] ملكا والحق يدفع بتعداد الباطل، فقال: انظر هل فيها معنى التشديد أم لَا؟.
قال الزمخشري: ولا يصح عطفه على (أَصَبْنَاهُمْ). على أن يكون نطبع ماضيا في المعنى الأول، ونفيها إيجاب، وإيجابها نفي فيلزم أن يكون الطبع غير واقع، قال: وأجاب صاحب الانتصاف بأن الكفر قسمان: قسم حالي، وكفر دائم، والطبع عبارة عن الكفر الدائم الذي قدر لصاحبه بالممات عليه وهو لأمنهم من آمن؛ فالمراد في حقه الكفر الحالي، وأن الله لم يصبهم فيما سلف بذنوبهم ولا طبع ما آمن منهم أحد.
ورده الطيبي بأن سياق الآية أنهم أهلكوا بدليل توبيخهم وذمهم.
قال ابن عرفة: وهذا لَا ينهض، وإنما الجواب أن الآية [سيقت*] للتوبيخ والوعيد والإنسان ما يخوف ويزجر إلا بما هو مكروه له إذ لَا يحسن أن يقول للنصراني: إن لم تفعل كذلك نسقيك الخمر أو نطعمك الخنزير؛ لأنه يقول هو مرادي، ولا يقول له إذا ادعى عليه أنه يؤمن على ذلك ويفرح [... ].
وقال لي بعض الطلبة: وتقدم أن المقدم إن كان أخص من التالي لاستثناء نقيض التالي أنتج عين المقدم، واستثناء عين المقدم ينتج عين التالي، نحو: لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا لكنه ليس بحيوان فليس بإنسان، أو يقال: لكنه إنسان فهو حيوان وإن كانا متساويين أنتج أربع مطالب فاستثناء عين المقدم أو نقيضه، نحو: كلما كانت الشمس طالعة فإِن النهار موجودا.
قوله تعالى: (فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ).
الزواجر والمواعظ الواقعة على ألسنة الرسل إليهم.
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَىٰ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾
قال الزمخشري: يصح أن تكون (الْقُرَى) خبرا، و (نَقُصُّ عَلَيكَ) حالا، أو تكون (الْقُرَى) نعتا، و (نَقُصُّ) خبرا، أو تكون (الْقُرَى) خبرا، و (نَقُصُّ) خبرا بعد خبر، قلت: لَا يصح الأول؛ لأن الحال لَا يأتي إلا بعد تمام الكلام وهو هنا لم تحصل الفائدة إلا بها، فقال: خبر المبتدأ لَا يتم إلا بصفته، والحال من صفته على
الأعراف 7:102
أن منهم من منع اشتراط ذلك مستدلا بأنه لم يتم إلا بالحال وإلا يلزم عليه الكفر ورد بعضهم، الثالث: بأن الكلام لَا يستقل إلا بالخبر الأول.
وأجاب الطيبي: بأنه يستقل بالمجموع لكن لَا يتم هذا إلا على اشتراط ابن عصفور كون الخبرين في معنى خبر واجد، نحو: هذا حلو حامض، ولا يأتي هنا.
قال ابن عرفة: بل يصح هنا، ونقول: التقدير تلك الأمور المخبر عنها وعن أنبائها.
قوله تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (١٠٢)﴾
قلت: هذا في اللام الفارقة، وإنما تدخل على خبر إن؛ وهنا دخلت على خبر المبتدأ وهو خبر من خبر إن.
قوله تعالى: (تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ).
فإِن قلت: لم أتى بالجملة الثانية معطوفة مع أنها مفسرة للأولى؟ قلت: لأن القصص لم تقع بكل الأشياء بل ببعضها، فالعطف دال ومؤذن بمعطوف عليه لم يذكر.
قوله تعالى: (كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ).
إما أن تكون بمعنى الصائرين إلى الكفر، كما قال الزمخشري: قوله تعالى: (لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) تحصيل الحاصل، أو على حاله، ويراد بالطبع طبع خاص.
قوله تعالى: قيل هذا (وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ).
ولم يقل: لَا يعقلون؟؛ لأن المراد هنا السمع النافع لَا مطلق السمع.
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَىٰ﴾.. لم يأت لفظ (بعثنا) إلا مقيدا بقوله تعالى: (بَعدِهِم) وذلك للتبيين أن المبعوث من جنس الرسل (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) ولم يقل: الظالمين. ليشملهم وغيرهم ممن تقدم ذكره.
قوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَىٰ أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾
قال الزمخشري: في القراءة المشهورة إشكال ولا يخلو من وجوه: أحدها: أن يكون مما [لأمن الإلباس*]، كقوله:
[وَتَشْقَى*] الرّماحَ بالضيّاطِرَةِ الحُمر......................
أي [وَتَشْقَى*] بالضياطرة الحمر بالرماح
الأعراف 7:106
الثاني: أن ما لزمك فقد لزمته فلما كان من الحق حقيقا عليه كان هو حقيقا على قول الحق لازما له.
ورده ابن عرفة بالواجب [المخير*]؛ إذ لو كان كذلك لما وجد في الدنيا واجب [مخير*] أصلا.
قوله تعالى: (فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
ولم يقل: فابعث معي؛ لأن أرسل قد وجد منه رسول ومرسل ولم يشتق من بعث شيء.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾
دليل على خبثه؛ حيث أتى بـ إن المقتضية للشك وصيرورة ما دخل عليه في خبر المحال بخلاف إذا لأن وقوعه عنده غير محقق، وتنكير آية للتعليل أو للعموم، فإن قلت: لم قال: (إِنْ كُنْتَ)، ولم يقل: إن جئت؟ قلت: هذا أبلغ في النفي؛ لأنه أعم، وقد تقرر أن قولك: ليس هذا بحيوان، أبلغ من قولك: ليس هذا بإنسان، فإن قلت: لم قال: (مِنَ الصَّادِقِينَ) مع أنه أخص من قوله: إن كنت صادقا؟ قلت: الجواب كالجواب في قوله تعالى: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ) أو عام، أما إذا علقنا (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ)، بقوله: (فَأْتِ) كان فيه ما يدل على أن الصدق يكون في الأقوال والأفعال، إلا أن يكون قوله: (إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي: في دعوى الرسالة في يجيئك بالآية، والظاهر أن موسى عليه الصلاة السلام أتى بالمطلوب وزيادة؛ لأنه إنما طلب منه آية واحدة وفيه أن الشيء يستدل عليه بدليلين.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾
تقدم لابن عرفة فيها ما نصه: أي ظاهر قاله الزمخشري.
وقال الفخر: إنه إشارة إلى مذهب أهل السنة. لأنهم يقولون: إن الأجسام متساوية في الحقيقة فلا فرق بين الحمار والإنسان؛ لأن كلا منهما جسم متحيز عندهم، فيجوز عندهم أن يرد الله تعالى الحمار إنسانا أو ثعبانا حقيقة.
وقال المعتزلة والحكماء: إن الأجسام متباينة، ونسبة أحدهما إلى الآخر كنسبة الجوهر إلى العرض؛ إذ لَا يصح عندهم صيرورة الجوهر عرضا ولا العكس، قالوا: فكذلك الأجسام؛ فلا يجوز عندهم أن تصير العصا ثعبانا، وأيضا فهي تخييلات، فقوله: (مُبِين). إن التشكيك على قسمين: تشكيك في الأمور الضرورية، وتشكيك في النظريات فإنه تشكيك في الأمور البديهة لَا يصح لأنه إبطال لما علم ثبوته
الأعراف 7:108
بالضرورية، فيكون الإتيان بقوله (مُبينٌ) ليدل على أن قول الملأ من قوم فرعون (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ). من باب إنكار العلوم البديهية، (فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ). يعلم كل أحد له نظر وبصيرة أنه لَا يكون من فعل الساحر.
قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾
أي: لمن ينظر إليها ويتناقلها؛ لأن من لَا ينظر ولا يتأمل في الشيء قد تظنه بحمرة أو بسواد؛ ألا ترى أن البصر يغلط في السراب فيظنه ماء.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ﴾
نقل أبو حيان أن (وَأَخَاهُ) مفعول معه، ورده بأنه يلزم عليه أن يكون موسى تابعا لهارون.
قال بعضهم: هو المناسب لهذه المادة؛ لأن إرجاء هارون أخف من إرجاء موسى، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾
هذا أبلغ، من لو قيل: يأتوك بكل سحَّار عليم؛ لأنهم إذا أتوا بالساحر فأحرى أن يأتوا بالسحار؛ لأنه يلزم من أمرهم بالإتيان بالسحار بخلاف العكس، ووقع التأكيد في قولهم (إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ). حسب التصور والتصديق، فالتصور بأن واللام، والتصديق بعليم، وكان بعضهم يقول في قول الشاطبي: [وَعى نَفَرٌ أَرْجِئْهُ... *] البيت.. أنه يوهم أن قراءة الباقين بالهمز غير ساكن، وجوابه: أن القراءة دخلت عليه الياء وهو الهمز.
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾
ابن عرفة: هذا قاله إنسان منهم لموسى ولفرعون؛ فلموسى من حيث إتيانهم بـ إن دون إذا إشارة إلى أنهم ليسوا على وثوق من [غلبهم لموسى *]، وإنصافهم لفرعون من حيث التأكيد بالضمير وتعريف الخبر منه فما يأخذون منه الأجر إلا إذا غلبوا غلبة بينة.
قوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾
الظاهر أنها مانعة خلو.
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقُوا﴾
الأعراف 7:117
(قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) صيغة أفعل هنا للتحقير، وانظر قولهم (إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ) فإنه يقتضي إظهار القوة منهم، وقولهم: (إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ) يقتضي الاستبداد والضعف؛ فيحتمل أن يكون حالهم تغيرت أو أن وقت المبادرة محل إظهار القوة.
قوله تعالى: (وَاسْتَرْهَبُوهُمْ).
إن قلت: المناسب الفاء؛ لأن الاسترهاب سبب عن سحر أعين النَّاس، قلت: إنما يفتقر إلى الفاء فيها سببية غير ظاهرة.
قال ابن عرفة: وفي قولهم: (وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ) أي: [لن نترك موسى يبتدئ بالإلقاء]، [ولما فهم*] (١) ذلك عنهم موسى، قال لهم ألقوا، قال: وانظر هل القضية مانعة الجمع أو مانعة الخلو، والظاهر أنها مانعة الخلو فلا يخلو المخلي على أن يلقي هو قبلهم أو يلقون هم قبله، ويحتمل أن يقع منهم الإلقاء جميعا في زمن واحد.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾
يحتمل أن يكون من الموحَى وإخبار عن حال العصا.
قوله تعالى: (مَا يَأفِكُونَ).
أي ما أفكوا، كقوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) للتصويرِ، أو على بابه إن جعلنا فإذا هي من تمام الموحَى، كقوله تعالى: في الآية الأخرى (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا).
قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾
هذا يدل على أن الإضافة [يعتبر*] فيها حال المضاف إليه، وإلا لما تخلصوا من الدعوى. لأن فرعون قد يقول: أنا رب موسى وهارون؛ فالمعنى ذلك الرب الذي يدعيه موسى وهارون ربا.
قوله تعالى: ﴿آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾
قيل: إنه لم يقع إذن منه لهم قبل ولا بعد، فهذا يدل على أن مثل قولك: كان كذا قبل كذا لا يقتضي وقوع الثاني، ولذلك كان ابن عبد السلام ينتقد على الطاعنين في قوله: ويؤمر الجنب بالوضوء قبل الغسل، فإِن أخره بعد ذلك أجزأه؛ وهذا يقتضي أنه لا يتوضأ قبل الغسل إذ لَا فائدة في الوضوء بعد الغسل، ونظيره قوله تعالى: (لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي).
(١) قال الزمخشري:
"وقولهم وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ فيه ما يدل على رغبتهم في أن يلقوا قبله من تأكيد ضميرهم المتصل بالمنفصل وتعريف الخبر، أو تعريف الخبر وإقحام الفصل، وقد سوّغ لهم موسى ما تراغبوا فيه ازدراء لشأنهم، وقلة مبالاة بهم، وثقة بما كان بصدده من التأييد السماوي، وأنّ المعجزة لن يغلبها سحر أبداً". اهـ (الكشاف. ٢/ ١٤٠).
الأعراف 7:126
قوله تعالى: ﴿لَمَّا جَاءَتْنَا... (١٢٦)﴾
ولم يقل: لما ظهرت لنا؛ لأن مجيئها لهم لم يستلزم ظهورها لهم لأجل مجيئها إليهم مع أنها جاءت لهم ولغيرهم؛ لكن تخصيص نسبة مجيئها إليهم على أن المراد مجيء وقع لهم وإفادة وظهور.
قوله تعالى: ﴿وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ﴾
يؤخذ منه عدم التعزية في النساء، كما قال عمر بن عبد العزيز في كتاب الجنائز: لأن ظاهر الآية أن إحياءهم عذاب ونقمة؛ يدل عليه أن موتهن رحمة ونعمة؛ ورد بأن إحيائهن دون رجال عذاب، كما أن إحياء الرجال دون النساء عذاب.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا﴾
جعله ابن عطية ضجرا منهم، وجعله الزمخشري طرديا، فكأنهم يقولون: مجيئك لنا وصف طردي، لم يفدنا شيئا، وهذا كفر.
ابن عرفة: والصواب غير هذا، وهو أنهم قصدوا الاعتراف باتصافهم بالصبر مطلقا، ومساواة حالهم في ذلك قبل مجيئهم كحالهم بعد مجيئه، وأخبروا أن شأنهم وديدنهم الصبر.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾
كان بعضهم يقول: يؤخذ من هذا أن المصائب والآلام النازلة بالإنسان نعمة ورحمة في حقه لأن نالها التذكير وهو يصبر على مرارته فيعقبه صحة وعافية.
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ... (١٣١)﴾
قال ابن عرفة: أتي في الحسنة بإذا وعرفها وجعل فعلها ماضيا بلفظ جاء، وأتى في السيئة بإن وذكره ونكرها وجعل فعلها مستقبلا، فقال تعالى (وَإِنْ تُصِبْهُمْ) إشارة إلى أنهم لَا يعتبرون إلا الحسنة الثابتة المحققة وأنهم يتطيرون بأدنى سيئة وأقلها ولو لم تكن محققة.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾
قال ابن عرفة: لفظة ما لَا يقتضي التكرار بذاتها.
قال ابن مالك: قوله تعالى: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) هذا ما توصل منهم بذلك، أو طلبوا منه أن يدعو متوسلا لربه بما عهد عنده [وأقسموا] بذلك على [أن*] يؤمنوا
الأعراف 7:133
له، قلت: فعلى هذا الأخير توقف ضدهما تجيء وجئتك؛ فأنت طالق أنه لَا يتكرر عليه الطلاق ولكنها قد تستعمل التكرار هذه الآية.
قال: والآية في المعجزة الخارقة للعادة وأطلقوا عليها آية باعتبار اعتقاد موسى فيها وهي ليست عندهم آية.
قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ... (١٣٣)﴾
ذكروا في إسناده وجهين متعاقبين ولا مانع لاجتماعهما.
قوله تعالى: (وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ).
أي: كانوا على إجرامهم واستكبارهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾
عبر بلفظ (وَقَعَ) إشارة إلى ثقل الأمر النازل بهم وشدته.
قال ابن عطية: والظاهر أن المراد بالرجز العذاب [... ].
ما قاله أبو حيان في قوله تعالى:
(فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ) من أن لما تقتضي تعلق ما دخلت بأوائل الأمر فقط [؍ ] [بالرجز آحاد ما عذبوا به لَا مجموعه فيراد به أولا ما نزل بهم من ذلك].؍
قوله تعالى: (ادْعُ لَنَا رَبَّكَ).
ابن عرفة: فعلى الأول: يتعلق بقالوا، وعلى الثاني: (ادع) فتكون المسألة من باب الأعمال، وعلى الثالث: يتعلق بمقدر؛ أي علقوا بما عدد عنده.
قوله تعالى: (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ).
لقوله: (وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) [ولو وافقتم في الحكم لما أتوا بقولهم: (مَعَكَ)].
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾
قالوا: الكشف متعلق بالأجل؛ أي: كشفناه مغيا كشفه بغاية إذا بلغوها [هلكوا].
الأعراف 7:136
وقال ابن عرفة: يحتمل أن يتعلق إلى أجل، بقوله: (الرِّجْزَ) أي: كشفنا عنهم الرجز المغيا بغاية فيكون المراد بذلك ما في نفس الأمر.
قوله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾
أي: فأردنا الانتقام منهم فأغرقناهم؛ والمراد انتقمنا منهم بأنواع العذاب المتقدمة فأغرقناهم بعد ذلك في اليم، أو يكون العطف تفسيريا، كما قال ابن رشد في المقدمات في قوله تعالى: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) فإِن تذكر الإنسان ما أنعم الله وما أعد له من الحسنات وما يناله من السيئة فإنه ينزجر عما هو عليه من المعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾
سماه ميراثا ولم يسمه إعطاء؛ لأنهم قالوه بعد موت القبط وكذلك هو الميراث، ولأنهم نالوه بغير سبب لهم ولا للقبط، فيه خلاف الإعطاء فإنهم ينالون ما أخذ بسبب وما أخذ من غير سبب.
قال ابن عرفة: إذا قلنا: فلان ضعيف؛ فهو ضعيف في نفسه، وإذا قلت: فلان متضعف؛ فهو محتقر أعم من أن يكون في نفسه ضعيفا أو قويا، واحتقر؛ لأنه ليس له قرابة ولا أصدقاء يحمونه.
قوله تعالى: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ).
يقتضي ذهاب كل ما صنعوا وعدم بقائه.
قوله تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا)
يقتضي البقاء، قلت: يحتمل أدط يكون المعنى دمرنا كل ما صنع من استخدام بني إسرائيل واستضعافهم.
قوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى).
فيه رد على ابن التلمساني في قوله في أول شرح المعالم الفقهية: إن لفظ التمام يشعر بالتركيب، ولأن كلمة الله غير مركبة؛ إذ ليس بحرف ولا صوت، وأجيب بأن المراد العبارة عن الكلمة لَا معنى الكلمة باللفظ؛ والمعنى غير مركب، وأورد عليه أنه تقدم في قولهم (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا).
وتقدم لابن عطية أنه على سبيل التضجر، فأين الصبر هنا؟ وأجاب ابن عرفة بوجهين: إما أن ذلك في أول أمرهم ثم صبروا، وإما أن التضجر من عوامهم والصبر من خواصهم فببركة صبرهم غفر لعوامهم، وصار الجميع كأنهم صبروا، وحكم العوام لحكمهم.
وتقدم لابن عرفة مرة أخرى قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) يحتمل أن يكون من كلام الله؟ يعني داخلا في الأمر فيكون من جملة الموحى به، ويحتمل أن يكون خبرا عما وقع في الوجود؛ أي: فألقاها فإِذا هي تلقف، والظاهر الأول لقوله تعالى: في سورة طه (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا).
قوله تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨)﴾
مع أن وقع الحق يقتضي ما عداه، فالجواب: أن المراد وقع الشعور بالحق والشعور بالحق لَا يستلزم بطلان ما عداه بل قد يكون ما سواه مرجوحا غير باطل [... ] فيكون الواقع هو الراجح، لقوله تعالى: (رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢). احتراس؛ لأن فرعون كان يقول: هو ربهم.
قوله تعالى: (قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ).
دليل على أن من قال: جاء زيد قبل عمرو أنه لَا يلزم منه مجيء عمرو لعله لم يجيء البتة؛ لأن فرعون لم يأذن لهم أولا ولا آخرا.
قوله تعالى: (وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا) [... ].
قوله تعالى: (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا).
المجاز إما في: (أَفْرِغْ)، أو في (صَبْرًا)، المعنى إما هيئ لنا صبرا، أو أفرغ علينا صبرا ما.
قوله تعالى: (أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ).
قال ابن عرفة: اللام للصيرورة، وهو المناسب لمقالتهم؛ فالمعنى أتذرهم [ليصلحوا*]، قال: أمرتهم [بالفساد*] في الأرض.
الأعراف 7:138
قوله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾
أي جوزنا.
قال أبو حيان: وهو من باب فاعل بمعنى فعل. لأن أصل فعل إنما يقتضي تكليف الفعل؛ وصعوبته تارة بكون النسبة إلى الفاعل وهو مستحيل هنا، وتارة يكون بالنسبة إلى المفعول، وهو المراد هنا.
قوله تعالى: (فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ).
قال ابن عرفة: ما الفائدة في قوله: (لَهُم). ؟ قال: عادتهم يجيبون بأنه زيادة تشنيع وتنبيه على جهلهم وغوايتهم في عبادتهم ما هو ملك لهم عليهم أشد، ويؤخذ من الآية أن [تغيير*] المنكر خاص بمن أرسل إليه المغير؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يغير على القوة بالآخرين وهم الكنعانيون.
قال الزمخشري: وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن يهوديا قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه، قال: وأنتم قلتم: اجعل لنا إلها ولم تجف أقدامكم من اليم.
قال ابن عرفة: جدلي وهو من باب مقابلة الفاسد بالفاسد فلا ينتج غرضا بوجه؛ إذ لَا تبطل حجة الخصم لكنهم لغوايتهم يكفي فيه هذا الجواب، قال: والجواب البرهاني الحقيقي أن يقال: جادلتم أنتم بالباطل وكفرتم ونحن إنما قصدنا الحوطة على ديننا فكذلك اختلفنا فيمن يكون إماما بعد نبينا حوطة على ديننا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾
قال ابن عرفة: دلت الآية على إبطال فعلهم وهلاكه بالمطابقة، وعلى إبطال الفعل وهلاكه باللزوم؛ لأنه إذا دمر فعلهم فقد دمرهم.
قوله تعالى: ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا﴾
أعاد لفظة قال مع أنه من كلام موسى لما بين المقالتين من البون والاختلاف، فالأول راجع إلى الاستدلال على بطلانه، قال: واستدل على بطلانه بالخطابة لأنهم عوام يكفي فيهم الاستدلال بمجرد تفضيلهم على العالمين؛ ولذلك لم يستدل على ذلك بدلالة التمانع التي هي عقلية.
قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾
إن قلت: لم عبر بالليالي دون الأيام. الثاني: أن المتصوفة قالوا: الوصال الجيد أربعون يوما فناسب هذا الإخبار بوقوع الليالي التي هي محل الفطر فيها، قال: وهذا إن صح أنه صامها.
قال الفخر: إن قلت: لَا فائدة لقوله (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)؛ لأن ما قبلها ينفى عنه؛ فالجواب: أن العشرة لَا تحتمل أن تكون من الثلاثين، أي: أتممنا الثلاثين بعشرة، فالكلام محتمل هنا كملت الثلاثون بعشر من جنسها أو من غير جنسها، فقال: قال: أتممنا احتمل كون العشرة داخلة في الثلاثين.
الجواب الثاني: أن العشر يحتمل أن تكون ساعات، وهذا لَا يصح؛ لأن تمييز العدد لَا يحذف إلا لدليل.
الجواب الثالث: أن معنى قوله (فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ) فثبت ووقع واستقر؛ فهو إشارة إلى أن موسى فعله ووفاء به؛ لأن الكلام كان محتملا هل وفاء بالعهد أم لَا؟.
قوله تعالى: (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي).
قال ابن عرفة: يؤخذ من الآية جواز الوكالة إن قلنا: إن شرع من قبلنا شرع لنا، كما قالوا في قوله تعالى: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ).
قال ابن الخطيب: لَا يصح أن يكون الاستثناء به في النبوة.
وقال ابن عرفة: بل يصح عقلا وشرعا؛ لأن مذهب مالك - رحمه الله - جواز توكيل أحد الوصيين لشريكه في الإيصاء بأن يجعل ما بيده تحت يد شريكه، قال: ويؤخذ من الآية انعقاد الوكالة بقوله: كن وكيلي وهي دائرة بين أمرين:
فقال في المدونة: زوجني ابنتك بكذا، فقال: قد فعلت، فقال: لَا أرضى أنه يلزمه النكاح ولا مقال له، وكذلك إذا قالت له: بما يعني بكذا، فقال: قد فعلت، فقالت: لَا أرضى أنه يلزمها الخلع ولا مقال لها، فوجه الأول أن [هزل*] النكاح جد.
الثاني: أنها دخلت في عهدة الطلاق، وقال: إذا قال له: بعني سلعتك، فقال: قد فعلت فقال: لَا أرضى أنه يلزمه ويحلف على ذلك. ذكرها في كتاب بيع الغرر من التهذيب؛ [فانظر هل له حق الوكالة بالبيع أو النكاح*].
قوله تعالى: (وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ).
ابن عرفة: يؤخذ أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، وإلا كان يكون.
قوله تعالى: (وَلَا تَتَّبِعْ).
الأعراف 7:143
تأكيد، قال: وأجيب بأن (أَصْلِحْ) مطلق؛ فإن الأمر لَا يقتضي التكرار فيصدق بصورة، والنهي يقتضي الانتهاء دائما، فإِن قلت: هلا قال: وأصلح وأنه من المفسدين عن الإفساد فإنه هو المقصود في هذا المقام؟، فالجواب: أنه اكتفى عنه بقوله: (وَأَصْلِحْ) لأنه من جملة الإصلاح، وليس المراد الاتباع الاصطلاحي، وهو أن يفعل فعل المتبوع لأجل أنه فعله ونهاه عن اتباع سبيله مطلقا.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا﴾
أي: للوقت الذي وعد به.
قوله تعالى: (وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ).
أي: أزال الحجب المانعة من سماع الكلام القديم الأزلي فسمعه، أو خلق له سمعا هو ولهذا أدركه الكلام القديم.
قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ). إن قلت: النظر هو الرؤية؛ فكيف قال أرني أنظر إليك؟ قلت: أجيب بالنظر مطاوع، وأرني هو الفعل الأول، كقولك: أخرجني لمخرج، وأدخلني لمدخل.
قوله تعالى: (جَعَلَهُ دَكًّا).
قال الفقيه أبو القاسم بن أحمد الغبريني: أخذ بعضهم من هذا أن جميع الأفعال لله تعالى، ورده بأن هذا جبل جماد ولا يكون منه فعل؛ فلذلك أسند الفعل معه، بدليل قوله تعالى: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) فأسند الفعل لموسى، وأجاب الغبريني: بأن خرَّ مطاوع، يقول آخر: صير وهو في الثلاثي مقيس ويجوز كيف ما كان أخرجته فخرج، وإذا كان كذلك فالفعل لله.
وتحامل الزمخشري هنا وأساء الأدب على أهل السنة وأنكر الرؤية، ثم قال: ولا يغرنك تسترهم بالبلكفة فإنها من منصوبات [أشياخهم *]، والقول: ما قال بعض العدلية فيهم: [لجماعة سموا هواهم سنّة... وجماعة حمر لعمري موكفه قد شبّهوه بخلقه وتخوّفوا... شنع الورى فتستّروا بالبلكفه*] أي: تستروا بقولهم بلا كيف.
قال الطيبي: فأجابه بعض أهل السنة بقوله: [عجبًا*] لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمري معرفة قد جاءهم من حيث لَا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفة. قال: وأجاب صاحب الانتصاف وهو ناصر الدين بن المنير: [وجماعة كفروا برؤية ربهم... حقاً ووعد الله ما لن يخلفه وتلقبوا عدلية قلنا أجل... عدلوا بربهم فحسبهمو سفه وتلقبوا الناجين كلا إنهم... إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه*].
وأجاب الشيخ أبو علي عمر بن محمد بن مطيل السكوني الأصولي: [سميت جهلا صدر أمة أحمد... وذوي البصائر بالحمير الموكفة وزعمت أن قد شبهوه بخلقه... وتخونوا فتستروا بالبلكفة ونطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى... فهو في الْهُويبك في المهاوي المتلفة أترى الكليم أتى بجهل ما أتى... وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفة*].
وأجاب القاضي الفقيه أبو علي بن عبد الرفيع، بقوله: جورية وتلقبت عدلية... وعن الصواب عدولها للسفسفة نفوا الصفات وعطلوا وتمجسوا... ويكابرون وشأنهم خلق السفه*].
وأجاب الفقيه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق [وجماعة عرفت لعمري بالسفه... وتمسكت بضلال أهل الفلسفة عدلت عن النهج القويم فلقبت... عدلية وعدولها عن معرفة ضلت وقالت لن يرى رب الورى... يوم الجزاء فألزمت نفي الصفة وكم من زلة زلت وكم... من مذهب ذهبت به في متلفة وكذلك أسلمت الأمور لنفسها... هيهات تنقذ نفسها من متلفة كيف السبيل لصرفهم عن غيهم... والعدل هل يمنع صرفهم والمعرفة*].
وأجاب شيخنا العالم أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة [لحثالة سموا عماهم معْدَلا... وحثالة حُمُرٌ لكي وقفه قد شبهوه بالمحال فعطلوا... وتستروا بالذات عن نفي الصفة الحثالة ما لَا خبر فيه، وعماهم في الدنيا؛ لمخالفتهم الحق، وفي الآخرة لأنهم لَا يرونه على مذهبهم الفاسد، وحمر جمع حمار، [وقوله "لكي وقفه" أي وقفت لتكوى، بخلاف الحمار الموكي*]، [وقوله: "قد شبهوه بالمحال"؛ لأن نفي الرؤية عنهم، يستلزم كونه محالا، لأن كل موجود يجوز أن يرى*].
قال ابن عرفة: والنظر [عين*] الرؤية فالنظر تحديق الحدقة ونحو المنظور [... ] لا تقول: نظرت فلم أره، والرؤية إنما تصدق عند المشاهدة، فالمعنى مكني عن الرؤية لا نظر قارئ، والمعتزلة ينكرونه في الدنيا عقلا ونحن نجيزها في الدارين [لكن نقول: لا تقع إلا في الآخرة*]، ووجه الجواز عند المتقدمين كإمام الحرمين أن كل موجود فرؤيته ممكنة لذاته، ولا يستلزم عليه ما قال المعتزلة من أن الرؤية تقتضي كون المرئي في مكان والله تعالى يستحيل عليه المكان؛ فإِن ذلك من لوازم المرئي لَا من لوازم الرؤية وهذا أن المرئي لَا يكون إلا في مكان؛ لأن المكان من ضرورياته لَا في زمن الرؤية، ولا في غيره؛ فلهذا كان المرئي لَا يرى إلا في مكان فالله تعالى يستحيل عليه
الأعراف 7:144
المكان؛ فالرؤية جائزة في حقه، ووجهه عند المتأخرين أن الشرع أخبر بأنه لَا يرى في الدنيا، ويرى في الآخرة.
وقوله تعالى: (لَنْ تَرَانِي).
استدل به الزمخشري مطلقا؛ لأن (لن) عنده للنفي الدائم، ونحن نقول: لنفي غير دائم.
قوله تعالى: (فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ).
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي
دليلِ على الرؤية ممكنة؛ لأن استقرار الجبل في مكان [ممكن عقلا*]، وقد علق عليه (فَسَوْفَ تَرَانِي) فدل على مكان الرؤية إذ لَا يصح تعلق المستحيل على الممكن، فلا تقول: إن جئتني فأنا أجمع بين النقيضين.
قوله تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا).
ابن عرفة: المعتزلة ينفون الرؤية ويشترطون البينة وهي البلة والرطوبة المزاجية وكان الجهلة تظن أن البينة هي الشكل الخاص؛ فإِما أن يكون خلق في الجبل حياة وإدراكا؛ فلما ناله التجلي صار دكا أو صيره الله تعالى حينئذ دكا.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾
المراد ناس زمانه، واصطفاه عليهم بالمجموع، وإلا فقد أرسل إليهم أنبياء كثيرين.
وكان بعضهم يقول: يؤخذ من الآية أن الكلام يتعلق بنفسه؛ لأن جملة الكلام الذي اصطفاه ربه.
قوله تعالى: (إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ).
قيل له: هذا إن ثبت أنه قاله لموسى عليه السلام مباشرة، فقال: هو ظاهر الآية.
قوله تعالى: (فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ).
ظاهر الآية ينتج تحصيل الحاصل. فإن الاصطفاء والكلام قد أوتيهما وأخذهما فكيف يقول: خذ ما آتيتك؟ قالوا: والجواب من وجهين:
إما بالتجوز في لفظ خذ؛ فيكون بمعنى اقنع بما آتيتك ولا تطلب أكثر منه، وإما أن تكون آتيتك ماضيا بمعنى المستقبل أي: ما يأتيك من الوحي.
قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ كان بعضهم يستشكله؛ لأن كل نقيض العموم، ومن نقيض التبعيض، والجمع بينهما جمع بين الضدين وهو محال عقلا وشرعا، ويجاب بأن العموم في الأجناس والتبعيض في الأنواع، أو العموم في الأنواع والتبعيض في أشخاص الأنواع ومن يعرف التفريق بين الجنس والنوع لَا يفهم هذا.
قوله تعالى: (مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ).
أخذوا منه أنه ينبغي للرسول أن يقدم الموعظة والتذكير على التكليف بالشرائع والأحكام.
قالوا: وفي الآية رد على ما قاله مالك رحمه الله في العتبية: من أنه يكره أن يكتب القرآن في الأجزاء، وقال: نجمعه وأنتم تفرقونه. فقد نزلت التوراة مفرقة في الألواح، فإن قلت: هذا استدلال بقول الله فهو ممنوع عند الأصوليين، قلنا: قد استدل به مالك في قياسه حد اللواطة على حد الزنا.
قوله تعالى: (فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ).
أي: بعزيمة واجتهاد.
قوله تعالى: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا).
تقدم استشكالا قبل هذا، وأنه يلزم عليه في الخبر؛ لأن معناه: أن يأمرهم يأخذوا بأحسنها، وقد أمرهم ولم يعطه جميعهم بل بعضهم.
وتقدم جواب ثان لابن عصفور في شرح الجمل الكبير في باب ما يتحرم من الجوابات، في قوله تعالى: (قُل لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ) أجاب عنه بأن لفظ العباد لَا يتناول إلا الصالحين الممتثلين للأمر.
ورده ابن الصائغ بأن هذا خاص بتلك الآية فقط فلا يتم له في غيرها، قال: وإنَّمَا الجواب بأن في الآية حذفا، أي: قل لهم يقيموا الصلاة أو يعاقبوا، وكذلك هنا التقدير وأمر قومك. يأخذوا بأحسنها أو يعاقبوا.
قلت: وأجاب بعضهم بأنه في معنى الآية، فقوله (وَأْمُرْ قَوْمَكَ) بمعنى قل لقومك، وقوله (يَأْخُذُوا) بمعنى خذوا؛ أي: قل لقومك يأخذوا بأحسنها.
قال ابن عرفة: وقوله (يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا).
تقدم استشكال مثله في قوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا) إنه يلزم بالمفهوم ألا يتقبل عنهم [ما*] هو دونه في الحسن؛
الأعراف 7:146
فإن كان حسنا وتقدم الجواب عنه بأن المباح يصدق عليهما أنه حسن فيكون الأحسن هو المندوب وما فوقه فهو المتقبل، وكذلك إنما كلفوا بالمندوب لَا بالمباح.
قوله تعالى: (سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ).
يحتمل أن يريد يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ﴾
أي: سأخلق في قلوبهم شيئا يمنعهم من الإيمان بها، متخذا مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة؛ سأمنعهم الألطاف والأسباب المحصلة للإيمان بها.
قال: وهو على سبيل التحذير لهم والتخويف، قال: والتحذير بذكر ما يتوقع منها أبلغ وأقرب لمكان التحصين، كما نقول: لَا تمش هذه الطريق فإنها مخوفة، وتقول لآخر: لَا تمش من هذه الطريق فإن مشيت منها تجد فيها طريقين؛ أحدهما وهي اليسرى مخلوقة فهذا أقرب للتخويف من الأول، وكذلك هذا لما أمر؛ وقيل له: (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) أتى عندنا على سبيل التحذير لقومه من سبيل هؤلاء؛ لأنه لما قيل له: وأمر قومك تعلق قلبه بإيمان جميعهم، فقيل له: فيهم من لَا يؤمن بك فلا تتهالك عليهم وكن على بصيرة من ذلك.
قوله تعالى: (عَنْ آيَاتِيَ).
قال ابن عطية: أي: عن الإيمان بالوحي وما في الكتب المنزلة.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
قال ابن عرفة: التكبر في الأرض قسمان:
تكبر بالحق، وقد يكون واجبا أو مباحا كمن يكون إذلالك له لم يوجب أن يحملك على ارتكاب معصية من شرب الخمر أو الزنا وتكبر بغير الحق.
وقال الزمخشري: سأصرف عن الطعن في آياتي.
فقال الطيبي: إنما قال عن الطعن؛ لأن مذهبه أن اللَّه لَا يخلق الشر؛ ولذلك تأول بالطعن.
وأورد عليه ابن المنير أن الطعن في الآيات محال عقلا لَا يقع بوجه، والصرف يقضي إمكان وقوعه فعلا وهو غير ممكن بوجه.
الأعراف 7:148
قيل لابن عرفة: إن أراد الطعن اللازم المؤثر في نفس الأمر فمسلم، ولكن نقول: نحن إنما أراد الطعن بمعنى الشبهة واقفا غير مصروف حسبما ذكر الفخر كثيرا منه في نهاية [المحصول*]، وقد وعد الله بصرفه فيلزم عليه [الخلف*] في الخبر؛ فلا بد أن يراد الطعن التام فيبقى السؤال واردا، قال: وظهر لي أن المراد سأصرفهم عن نيلهم طمعهم في الطعن في آيات اللَّه تعالى، ونيلهم طمعهم في ذلك ممكن باعتبار اعتقادهم، كما يطمع الإنسان أن ينزع ولا يصرح شيئا فصرفوا عن نيلهم ذلك الطمع الذي اعتقدوا فيه القدرة على الطعن في الآيات، وجعل المفسرون هذه المعطوفات تأكيدا وظهر لي أنها تأسيس:
فالأول: [الصرف عن الآيات بها تصديقا*].
والثاني: [تصورا*]، وهو قوله تعالى: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا) أي: لا يتصورون طريق الإيمان بها؛ فهذا الصرف عن تصور طريق الإيمان بها.
والثالث: [الصرف عن*] الإيمان بها تقليدا.
قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا).
في ظاهره تعليل الشيء بنفسه، وقد ذكر الأصوليون أن العلة غير المعلول؛ إلا أن يقال: المراد بهذه الآيات المعجزات، والأول الآيات المنزلة على الرسل.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ﴾
[قال أبو حيان: أصله [اأتخذ*].
قال ابن عرفة: أصله [اأتخذ*]؛ لأنه من أخذ فأبدلت الهمزة تاء وأدغمت التاء في التاء ولفظ القوم يدخل فيهم هارون، فإن قلنا: إن أشراف النَّاس لَا يدخلون في مسمى القوم، فنقول: هو عام باق عمومه، وإن قلنا: إنهم يدخلون فيكون عاما مخصوصا بهارون.
قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِهِ).
دليل على مبادرتهم بذلك في أول أزمنة البعدية.
قوله تعالى: (مِنْ حُلِيِّهِمْ).
الإضافة إما بمعنى الملك، أو إضافة ملابسة، فهو مملوك لهم، إما تنقلا بمعنى أنهم [أخذوه حكما في غنيمة*] القتال، أو ورثوه عنهم، وإما ملابسة لأنهم لما استعاروه من [القبط*] صار كأنه لهم، والاتخاذ إما [فعلي أو معنوي*]، فإن كان فعليا [فما فعله غير*]
الأعراف 7:150
السامري، فإنه هو الذي صنعه ونسب فعله إلى جميعهم؛ إما لأن السامري منهم فهو من مجاز تسمية الكل باسم البعض على جهة التقليب، وإما أنهم رضوا بفعله فهو من باب استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وإما معنوي ونسبة الكل إليهم حقيقة لأنهم انخذوه إلها..
قوله تعالى: (جَسَدًا).
قالوا: أفاد الوصف به أنه لَا روح فيه، وقيل: إثارة إلى أنه لَا رأس له.
ورده ابن عرفة بقوله تعالى: (وَمَا جَعَلنَاهُم جَسَدًا لَا يَأكُلُونَ الطعَامَ) قال: وعندي أنه أفاد التبكيت عليهم من أنهم عبدوا من لَا يستحق العبودية؛ لأن الإله منزه عن الجسمية والتحيز.
قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا).
ابن عرفة: أخذوا منه إثبات صفة الكلام لله تعالى.
قوله تعالى: (وَلَا يَهْدِيهِم سَبِيلًا).
يتضمن العلم والقدرة والإرادة، وكان بعضهم يستشكل الآية، ويقول: ظاهرها أن وجود الكلام وهداية السبيل علامة على الألوهية، وهذا المعنى ثابت في الرسل فيلزم أن كل واحد منهم إلها.
وأجيب بأنه استدلال بنفي الإلزام على نفي الملزوم، ولأن من لوازم الإله أن يكون متكلما هاديا السبيل، فإذا انتفى هذا اللازم من الشيء انتفى عنه ملزومه وهو الألوهية؛ فيلزم من نفي اللازم نفي الملزوم ولا يلزم من ثبوته ثبوته.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الآية دلت على أن عدم الكلام نفي الملزوم وهو عدم الكلام وعدم الهداية؛ لأنه إذا انتقى عدم الألوهية ثبتت الألوهية؛ فكل من ثبتت له الألوهية ثبت له الكلام والهداية، ولا يلزم من نفي الملزوم نفي اللازم؛ لأنه لا يلزم من نفي عدم الكلام نفي عدم الألوهية؛ أي: لَا يلزم من ثبوث الكلام ثبوت الألوهية.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يوردون في هذه الآية استشكالين:
أحدهما: أن حكم الحاكم من باب تغيير المنكر حسبما ذكره الشيخ عز الدين، فيقال: الحاكم إذا عرض له طريقان قريبة وبعيدة أنه ينبغي له أن يسلك القريبة ويترك البعيدة؛ لأن حكم الحاكم من باب تغيير المنكر واجب على الفور، وتقدم حديث: "لَا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان"، وقد صدرت هذه المقالة من موسى عليه السلام حالة غضبه وهو تغيير منكر، قال: وأجيب بوجهين:
أحدهما: الأول: أن ذلك في غير النبي، وأما النبي فهو معصوم، والخطأ والتجاوز في حكمه فلا يؤثر فيه الغضب حسبما ذكر نحوه عياض في آخر الأجوبة عن حديث الزبير في شراج الحرة حين غضب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقال: " [اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ*].
الثاني: أن حكم الحاكم أخص من تغيير المنكر؛ لأن حكم الحاكم لَا يقع إلا ممن هو معين لذلك، وتغيير المنكر يقع في سائر النَّاس؛ كما يلزم من اشتراط السلامة من الغضب والشواكل في حكم الحاكم اشتراطه في تغيير المنكر على هذا؛ فيعم ذلك جميع النَّاس من الفسقة وغيرهم.
الإشكال الثاني: أن الإنكار إن وقع على أمر محرم فيكون راجعا لذاته، وإن وقع على أمر جائز فهو إما لقوته أو لمحله. والإنكار وقع عليهم في نفس معبودهم وهو العجل.
وقوله (أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ) فزعم أن الإنكار وقع على الاستعجال دون الشيء المستعمل؛ ألا ترى أن الإنسان لو جهل في رمضان فأفطر على مباح قبل مغيب الشمس لحسن أن يقول: لما تعجلت الفطر قبل الغروب، ولو شرب الخمر أو أكل الخنزير لما حسن أن يقول له ذلك، قيل: إنما ينكر عليه نفس الفعل ولا ينكر عليه الزمان بوجه.
قال: والجواب أن تحمل الآية على غير ما قاله المفسرون في الاستعجال وهو أن الناظر قد يظهر له شبهة فيستعجل عليها من غير إعادة نظر ولا تأمل؛ ولذلك يقولون في الشعر: هذا شعر جبلي أي: معاود لها ولا ظهرت له شبهة؛ فبادروا إلى اتباعه والعمل بها بأول وهلة، ولو أعادوا النظر لظهر لهم فيها الحال؛ فمعنى الآية عندي: أعجلتم من أمر ربكم أي: تعديتم عنه وخرجتم عنه وخالفتموه، ويكون المراد بأمر ربكم توحيده وعبادته.
قوله تعالى: (وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ).
الأعراف 7:151
قال ابن الخطيب: يؤخذ منه جواز إلقاء المصحف؛ فرده ابن عرفة بأن موسى عليه السلام إنما ألقاها اضطرار كي يتأتى له الأخذ برأس أخيه؛ فجره إليه لأنها كانت في يده.
قوله تعالى: (وَأَخَذَ بِرَأسِ أَخِيهِ).
قال ابن عرفة: يؤخذ منه ومن قوله في سورة طه: (يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي) إن الأذنين ليسا من الرأس؛ لأن موسى عليه الصلاة السلام إنما أخذ بأحد أذنيه، ابن عرفة: وهذا لو قام الدليل على أن موسى امتثل لقول هارون له (لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي). ولعله لم يمتثل أمره ولم يسمع منه، قيل لابن عرفة: هذه معصية فكيف وقع فيها هارون وموسى معصوم؟ وتقديره أن موسى عليه الصلاة والسلام غضب عليه وأدبه بالقول والفعل، والتأديب يقتضي التأثيم وهما من خواص ترك الواجب، والنبي معصوم من الوقوع في ذلك، وقد تقرر في مسألة ترك الوتر أن التأديب يقع على ترك المندوب، فقد قال أصبغ: يؤدب تاركه وهارون قد غير عليهم أولا، فقد قال في طه (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي) فما عاتبه موسى عليه الصلاة والسلام إلا على الدوام على التغيير.
قوله تعالى: (قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا).
قال ابن عرفة، عن سيبويه: في (ابْنَ أُمَّ) [ابن أم ثلاث لغات: ابْنَ أُمِّي، وابن أمَّ، وابْنَ إِمِّ*]، قال: سمعتها من الخليل، قال ابن عرفة: هذه عندي الصحيحة لكون سيبويه لم يذكر غيرها.
قوله تعالى: (فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ).
قال ابن عرفة: هذا نفي أعم، ولو قال: من القوم الظالمين لكان نفي أخص، قلت: قال لي بعض النَّاس: ابن عبد السلام كان ينشد قول الشاعر:
يقول العاذلون تَسلَّ عنها؍ وداوِ غليل قلبك بالسُّلوِّ؍
وكيف ولمحة منها اختلاسا؍ ألذُّ من الشماتة بالعدوِّ؍
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾
الأعراف 7:153
قال ابن عرفة: قدم المغفرة على الرحمة مع أن الرحمة سبب في المغفرة، فأجابوا بأنه يعتبر تقديم الرحمة باللزوم وتأخيرها بالمطابقة؛ فيفيد الدعاء بها مرتين.
قوله تعالى: (وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
إن أريد الرحمة الحقيقية في نفس الأمر فلا اشتراك فيها بوجه، وإن أريد الرحمة باعتبار الظاهر فيعقل فيها الاشتراك.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا﴾
قال ابن عرفة: تقدم لنا فيها تمسك للمعتزلة بأن السيئات لفظ عام يتناول الكفر وسائر المعاصي، فقوله تعالى: (تَابُوا). راجع إلى التوبة مما سوى الكفر، وقوله تعالى: (وَآمَنُوا). راجع إلى التوبة مما سوى الكفر من المعاصي فكان تأسيسا، وعلى مذهب أهل السنة يكون تأكيدا، قال: وأجيب بأن الشيء في نفسه ليس هو كغيره، فقوله (وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ). متصفون بالإيمان مع السيئات، وقوله (ثُمَّ تَابُوا). أي: تابوا مع تحصيلهم الإيمان، وقوله (وَآمَنُوا). أي: آمنوا إيمانا خالصا لَا يشوبه عمل سيئ بوجه، فلذلك كرره، قال: وتقدمنا سؤال وهو لأي شيء لم يقل: والذين أساءوا، كما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) أو كان يقول: من عمل صالحا فلنفسه ومن عمل سيئا فعليها، قال: وتقدم الجواب بأن التقبيح تارة يرجع إلى المفعول، كما تقول: تأكل مال اليتيم ظلما، وتارة يرجع إلى الفعل، كما تقول: كيف تأكل بشمالك.
وتقبيح المفعول يستلزم تقبيح الفعل ولا ينعكس، فقوله تعالى: (وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيهَا). تعيين الأعم فيتناول الأخص من باب أحرى لأنه إذا كان عليها مطلق إساءة فأحرى ما فوقها، وهنا عبر بالأخص فيستلزم الأعم لأنه إذا كان غفورا رحيما لمن مات بعد اتصافه بأخص القبيح؛ فأحرى أن يغفر لمن تاب بعد اتصافه بما دونه في القبيح.
قوله تعالى: (ثُمَّ تَابُوا مِن بَعدِهَا).
قلت: وتقدم لنا في الختمة الأخرى أن العطف هنا [بـ (ثُمَّ) *] لأجل أن من تاب [فإن اقتراته*] بالمعصية أخف ممن تاب بعدما تمالأ عليها وأصر عليها؛ فأتى بـ ثم ليفيد أن توبة هذا الثاني مقبولة فأحرى الأول، وقوله (مِن بَعدِهَا). أتى به رفعا للمجاز؛ لأنه يحتمل أن يكون تابوا بعدما عملوا [أو سعوا وهموا بفعلها*].
قوله تعالى: (مِن بَعْدِهَا).
الأعراف 7:154
إن قلت: ما فائدته؟ قلنا: أفاد اتصافهم بأخص المغفرة، كقولك: فلان [يَتَنَفَّل*] إذا عسعس الليل؛ فإنه أخص من قولك: فلان [يَتَنَفَّل*].
قوله تعالى: ﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾
مع أنه أخص، قال: وعادتهم يجيبون بأنه [احتراس خشية أن يتوهم أنه تعليل بالمخل*]؛ لأن هذه لما كانت ألواحا نزلت من السماء من الجنة، قد يتوهم أن الهدى والرحمة فيها أنفسها، فقيل (وَفِي نُسْخَتِهَا) ليفيد أن الرحمة والهدى في المكتوب منها، [وفي النسخ منها، لا فيها أنفسها لذاتها*].
قوله تعالى: (أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا).
ليس باستفهام عن الإهلاك؛ لأنه قد وقع، والواقع لَا يسئل عنه؛ وإنَّمَا هو استفهام عن الجواز الحكمي؛ معناه: أيجوز في حكمك أن [تهلك*] البريء بما فعل العاصي، وهذا جائز عند أهل السنة فإنه يجوز عندهم أن يعذب الله الطائع ويعذب العاصي، وأفعال الله غير معللة وكلها بالنسبة إليه حسن.
قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا).
الرحمة سبب في المغفرة؛ فهلا قدمت عليها، وأجيب: بأن المراد تكرير الدعاء بها لتكون [المغفرة*] متقدمة ومتأخرة.
قوله تعالى: (وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ).
إن اعتبرنا ما في نفس الأمر فلا مشاركة، وباعتبار الظاهر هي أفعل، من قوله تعالى: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً... (١٥٦).. لَا يصح أن يكون الكتب حقيقة لأنه إن كان قديما امتنع لقوله (فِي هَذِهِ الدُّنْيَا). ، وإن كان حادثا امتنع لقوله (وَفِي الآخِرَةِ). فالمراد بالكتب إما ثبوت ذلك، أو الحكم بثبوته.
قوله تعالى: (قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ).
اختلفوا هل اتصل موسى بمطلوبه أم لا.
قوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ).
قال ابن عرفة: إنما كرر الموصول؛ لأن هذه الأمور اعتقادية راجعة للتوحيد، والأولى أمور عقلية؛ فكررها لما بين العمل والاعتقاد من التفاوت.
الأعراف 7:157
قول تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ... (١٥٧).. قال - ابن عرفة: النبي هو اختصاص الله لبعض خلقه بالوحي على لسان الملك؛ فإن أمر بالتبليغ فهو رسول، فالرسول أخص من النبي، وقيل: هما سواء، ونقل الإمام الغزالي، وابن العربي في بعض تعاليقه قولان: بأن النبي أخص ووجهه؛ بأنك تقول: فلان رسول فلان، ولا تقول: فلان نبي، وجاءت هذه الآية على العكس؛ لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، فما السر في تقديم الرسول على النبي؟ وأجيب: بأن اتباعه من حيث كونه مرسلا لَا يلزم منه اتباعه من حيث كونه نبيا فقط، ولا يلزم منه اتباعه من حيث كونه أميا فقط فكان العطف ترقيا في المدح، فهو من باب الانتقال من الدليل الأوضح إلى الدليل الواضح، ثم إلى الدليل الخفي، - فالإيمان به من حيث كونه رسولا يستلزم الإيمان به من حيث كونه نبيا فقط، والإيمان به من حيث كونه نبيا فقط لا يستلزم الإيمان به من حيث كونه أميا فقط، والمراد هنا الاتباع الاصطلاحي؛ وهو أن يفعل مثل ما فعل المتبوع لأجل أنه فعله، وهذا على سبيل التوزيع؛ لأن الذي يجدونه عندهم في التوراة هم اليهود، وأهل الإنجيل هم النصارى.
قوله تعالى: (يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ).
قد يقال: فيه دليل على أن الأمر بالشيء ليس نهيا عن ضده، لقوله تعالى: (وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ).
قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾
قال ابن عرفة: كثيرا ما يقع هذا في القرآن فهو مأمور بأن يقول: يا أيها النَّاس، ويسقط لفظ قل، ولكنه هنا مأمور بتبليغ الجميع آيات القرآن، هو مأمور بتبليغها للناس، وكان بعضهم يقول: اختصاص بعضها بلفظ قل نبه على أنه أمران: يقول ذلك ليكون إبراء لساحته وأقلع لنفي التوهم عنه و (النَّاسُ). ، قيل: يشمل الجن والإنس، وقيل: خاص بالإنس، والفرق بين هذا وبين رسالة نوح بوجهين:
أحدهما: أن رسالة نوح كانت للإنس فقط.
الثاني: أنها كانت لأهل زمانه فقط؛ وهذه عامة إلى قيام الساعة.
قوله تعالى: (الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ).
قال الزمخشري: قيل: هي الكلمة التي تكون عند عيسى وجميع خلقه وهي كن.
قال ابن عرفة: هذا غير جار على مذهبه؛ لأنه ينفي الكلام، ولذلك قالوا: إنه ضعيف في أصول الدين.
الأعراف 7:159
قوله تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾
قال ابن عرفة: يحتمل أن يهدون غيرهم وبه يعدلون في القسم أو العكس، أو يرجع الأول للأمور الاعتقادية، والثاني للأعمال؛ فيحتمل أن يكون من العدل، أو من العدول، قال: الذين هم بربهم يعدلون، ولذلك كان رجل دلال في سوق الكتبيين يسمى عدلان، وكان ابن عبد السلام يمزح معه: أنت عدلك عن الحق إلى الباطل أو العكس، وإما لأن الحق يصدق على ما في الاعتقاد، وإن كان في نفس الأمر، قال: وعادتهم يوردون سؤالا مذكورا في نفس الائتلاف وهو لم قال (وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ). وهلا قال: من أمة موسى قوم، فإن الأمة أكثر من القوم والقوم أقل، وعادتهم يجيبون بأن [لفظ الأمة يشعر بالاجتماع*] واتحاد الكلمة أكثر مما يشعر به لفظ قوم، ولذلك يجمع على أمم، ولذلك قال: "ستفترق هذه الأمة على اثنتين وسبعين فرقة"؛ والافتراق دليل على ما تقدم الاجتماع.
قوله تعالى: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ... (١٦٠)﴾
قال: معطوف على محذوف؛ أي: فضرب فانبجست قيل له: قال ابن عصفور إن المحذوف ضرب والفاء المتصلة بـ انبجست، وأما الفاء الملفوظ بها فهي داخلة على ضرب مقدر بين الفاء وبين انبجست، فقال: ليتأتى له ما يعطفه عليه مثل (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ)..
قال الزمخشري: فإن قلت: ما فائدة هذا الحذف؟ فأجاب: بأنه إشعار بسرعة الانبجاس بنفس الأمر حتى كأنه سابق على الضرب، قال ابن عرفة: ويذكر فيه جوابا آخر لبعض المتقدمين؛ وهو أنه مشبهة على إسناد الكائنات إلى الله تعالى، وأن الضرب إنما هو سبب عادي، والانبجاس عنده لَا به.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَٰذِهِ الْقَرْيَةَ﴾
قال ابن عطية: العامل في إذ فعل مقدر تقديره: واذكر إذا قيل لهم، قال ابن عرفة: فعلى هذا يكون إذ مفعولا به، والصواب أن يقدر أن يكون ظرفا، لأن وقت القول لهم متقدم الأمر والسكن، قال: وقد ذكر الوجهان في غير ما وضع إذ هي منصرفة، فالجواب أن يقدر بها فعل يعمل فيها على أنها ظرف تقديره: أنعمنا عليهم، إذ قيل لهم: اسكنوا، قال: والدخول أعم من السكن فهو من التعبير بالأعم مطلقا، أو بالأعم من وجه دون وجه فيستلزم الأخص، وعبر في البقرة بالدخول، لقوله: (رَغَدًا) والرغد يستلزم دوام الإقامة؛ واستغنى عنها بلفظ اسكنوا.
الأعراف 7:162
قال ابن عرفة: (وَكُلُوا). إن قلنا: أن أصل الأشياء على الحصر فيكون الأمر في كلوا على الإباحة، وإن قلنا: أن أصل الأشياء على الإباحة فيكون الأمر به الامتنان.
قوله تعالى: (وَقُولُوا حِطَّةٌ).
أخذوا منها مع آية البقرة أن الواو لَا تفيد الترتيب، وأجاب ابن التلمساني: بأنا إذا قلنا: أن المراد بقوله (حِطَّةٌ). كلمة التوحيد فيكونوا أمروا بأن يقولوها قبل الدخول وبعده، قال ابن عرفة: وكذلك إذا لم يكن المراد بها كلمة التوحيد، فأجيب بأنها إن كانت كلمة التوحيد فيكون دوامها ضروريا وغيرها ليس بضروري.
قوله تعالى: (سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ).
هو هنا بإسقاط الواو، وفي البقرة بالواو، وقال البيانيون: إن كان الفعل الثاني قريبا من معنى الأول جدا وبعيدا منه جدا أو دخلت الواو بينهما، وإن كانت منافاته له في حيز التوسط حذف الواو وهناك عبر بالدخول، وهو أعم من السكنى فقد ثبت لهم المعنى الأخص فحذفت الواو.
قوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
ابن عطية: يدل معناه غير اللفظ دون أن يذهب بجميعه، وأبدل إذا ذهب به وجاء بلفظ آخر، فرد عليه أبو حيان، بقوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ)، وبقوله (فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، وبقوله (عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا) قال ابن عرفة: هذا يقتضي كله تبديل الذات، وإنما حقه أن يرد عليه، بقوله تعالى: (ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ) فإن التبديل هناك تغيير بعض اللفظ دون أن يذهب بالمعنى، قيل له: بنو إسرائيل غيروا اللفظ كله والمعنى لأنهم أمروا أن يقولوا حطة فدخلوا يزحفون على استاههم وقالوا: حبة في شعيرة.
قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾
قال ابن عرفة: هذا مخالف لما يقول المنطقيون والنحويون من أن الطلب من الأعلى للأدنى يسمى أمرا، أو عكسه يسمى مسألة؛ فكان يقول على هذا: أو أمرهم بأن يخبروك بخبر القرية التي كانت حاضرة البحر.
قوله تعالى: (حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ).
الأعراف 7:165
ليست إضافة ملك ولا استحقاق؛ لأنهم لَا يملكون الحيتان ولا يستحقونها في السبت، والظاهر إضافة ملابسة.
قوله تعالى: (وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ).
ابن عرفة: عبر في الأول بالاسم، وفي هذا بالفعل، وهلا قال: وغير يوم سبتهم لا تأتيهم؟ قال ابن عرفة: وأجيب بوجهين؛ الأول:
أن الجملة الأولى مثبتة وهذه منفية، والفعل أعم من الاسم، وثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص.
الثاني: أن قوله (وَيَومَ لَا يَسْبِتُونَ). يشعر باشتغالهم بالأعمال؛ أي: ويوم اشتغالهم وإقبالهم على العمل الذي من جملته الاصطياد لَا تأتيهم؛ بخلاف ما لو قيل: ويوم غير سبتهم فإنه لَا يشعر بذلك.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ... (١٦٥)﴾
قال ابن عرفة: عبر في (يَنْهَوْنَ). بالفعل المضارع، وفي (ظَلَمُوا).
بالماضي؛ لأنهما متلازمان؛ فالنهي إنما هو لمن ظلم.
قال: والجواب ظلموا لأنه أخص، وينهون أعم لأنه مضارع محتمل للحال والاستقبال، فناسب استعمال الأخص في العذاب ليدل على أنهم إنما عذبوا بما صدر منهم، واستعمال الأخف في الإنجاء ليدل على إنجاء من اتصف بما فوق ذلك من باب أحرى.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ﴾
أتت هذه كالتفسير لما قبلها، وأن هذا هو العذاب الذي عذبوا به في الدنيا.
قوله تعالى: (خَاسِئِينَ).
إشارة إلى عذاب يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ﴾
فسره ابن عطية بأربعة أمور: إما [أعلم، وإما قال، وإما أمر، تألَّى*]
الأعراف 7:168
وقال الزمخشري: [عزم ربك*]، وتقدم النقد على مسلم في مقدمة كتابه، وظننت حين سألني أن لو عزم الله لي عليه؟ قال المازري: هناك لَا يظن أن لو عزم الله عليه لأراده الله تعالى منهم عزما، فالحاصل أن نسبة العزم إلى الله تعالى لَا تصح، قال المازري: إنما أراد لو سهل لي سبيل العزم؛ أو خلق لي قوة عليه.
قال عياض: قالت أم سلمة في كتاب الجنائز: ثم عزم الله لي فقتلتها، وأصل العزم القوة ويكون بمعنى الصبر وتوطين النفس؛ وحملها على الشيء والمعنى متقارب، ومنه قوله تعالى: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
قال ابن عرفة: والصواب عندي في قوله تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ). أن معناه زاد مواعد ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا﴾
قال ابن عرفة: عبر بالتقطيع دون التفريق؛ لأن لفظ التقطيع أصرح وأشفع لاقتضائه تفريقا بعد كمال اتصال، فإن قلت: لم قال: أمما، وتقطيعهم آحاد مفترقين أنحى وأبلغ من تقطيعهم؟ فالجواب: أن هذا أبلغ في كمال الإعجاز؛ لأن كونهم أمما يقتضي الطمع في وقوع القلب، ولكنهم بعجزهم في هذه الحالة أبلغ وأدل على كمال العجز.
قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ).
قال ابن عطية: إما أن المراد ومنهم غير الصالحين أي: من الكفار، وإما أن المراد ومنهم من اتصف بما دون الصلاح.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.. ابن عرفة: هذا على سبيل الاحتراس لما استغفروا وتابوا؛ اقتضى ذلك عدم رجوعهم إلى العصيان، ومن تاب عن المعصية يبعد رجوعه إليها كمن زنا بامرأة جميلة فإنه لَا يسترجع زناه بعد ذلك بامرأة جميلة الصورة، وكذلك من تاب عن سرقة دينار إذا وجدها بعد ذلك، وهؤلاء لو قيل في حقهم، ويقولون: سيغفر لنا قوله استغفارهم من ذلك الذنب، وأنهم لم يرجعوا إلى مثل الذنب الذي استغفروا منه بل إلى ما هو أخف إلى النفس منه، فقيل: لا يأتيهم من حيث لو آتاهم عرض مثله لأخذوه.
قوله تعالى: (أَلَمْ يُؤخَذ عَلَيهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ).
إما تقرير لأخذ الميثاق عليهم وإنكار لما ادعوه من عدم أخذ الميثاق عليهم.
الأعراف 7:172
قوله تعالى: (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ).
قال ابن عرفة: تقدم فيها سؤال وهو أنه قد رد المدح في حقهم بما اتصفوا به من فعل وقول، فقال: يأخذون عرض هذا الأدنى، ويقولون: سيغفر لنا، وأكد تقرير الذم بالفعل بتكراره، لقوله (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ). ثم لما انتقل لمقام الرد عليهم ذكر فيه تقبيح قولهم دون فعلهم وهو: (أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ)، قال: وأجيب بوجهين: الأول:
أن القول يستلزم الفعل وهو سبب فيه، فاكتفى بالسبب عن مسبه.
الثاني: قوله (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ). وتلك الجملة هي معمولة لقوله (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ). أيضا أن الدار الآخرة خير ولم يعملوا بها بل عملوا بنقيضها، وهذا هو الفعل وهو أخذهم عرض الدنيا ونبذهم عرض الآخرة.
قوله تعالى: (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ).
ولم يقل ودرسوه إشارة إلى أنهم حفظوه، ولو قال: ودرسوه لكانوا حفظوا لفظه ولم يتدبروا معناه.
قوله تعالى: (وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ).
وذلك أنهم مأثورون بأن يتصفوا بالجودة والطاعة وعدم المخاِلفة؛ فاتصفوا بالعصيان ورجاء المغفرة؛ لقوله تعالى: (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا).
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾
ورد في الحديث الصحيِح أن الله تعالى لما خلق آدم أخرج ذريته من ظهره كالذر فاستعهدهم على أنفسهم (ألَسْتُ بِرَبَكُم قَالُوا بَلَى). فهذه الآية اقتضت الإخراج من بني آدم، والحديث اقتضى أن الإخراج من ظهر آدم لَا من ظهر ذريته، والجمع بينهما بأن المخرج من المخرج من الشيء مخرج من الشيء، فإذا خرجت سلعة من الصندوق فيها دنانير، قلت: أخرجت هذه الدنانير من الصندوق، والآية اقتضت إخراج ذرية بني آدم، وزاد الحديث بإخراج الوسط وهم بنو آدم من ظهره وإشهادهم على أنفسهم.
قوله تعالى: (وَأَشْهَدَهُم).
الأعراف 7:173
إما اشهد بعضهم على بعض، أو أشهد كل واحد على نفسه.
قوله تعالى: (قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
أي: حملناكم ذلك لئلا يقولوا يوم القيامة (إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ﴾
ابن عرفة: فيه دليل على أن التقليد غير كاف في الأمور الاعتقادية.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾
ابن عرفة: انظر هل ذكر المتلو أم لَا؛ فيحتمل أنه ذكر المتلو وأن هنالك مضمر تقديره: الذي آتيناه آياتنا انسلخ منها، ابن عرفة: ولم يقل: انقطع عنها لأن الانسلاخ أبلغ كانسلاخ الجلد من الجسد فلا يرجع إليه أصلا بخلاف الانقطاع.
قوله تعالى: (فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ).
أتبعه أي: ساواه؛ بخلاف أتبعه فإنه من رواية متبع له ولا يراه.
قوله تعالى: ﴿وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ﴾
احتراس لأنه لما تكرر ذمهم في الآية بوصف التكذيب، وأنهم صدوا غيرهم؛ احترس من ذلك بأن حال تكذيبهم راجع عليهم.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾
قال ابن عرفة: الهداية قسمان: فالهداية الأعمية هي مجرد الإلهام والإعلام بطريق الحق.
والأخصية هي الإعلام بها، والحمل على سلوكها بالفعل، كما يقول الشخص: هذه طريق الحق وهذه طريق الباطل، وتارة يقول له: هذه طريق الحق فاسلكها وتجعله سالكا فيها بالفعل، فالأعمية هي قوله تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، والأخصية (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم)، وبقي هنا أخصية قوله تعالى: (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). عبر في الأولى بالملزوم وهي الهداية، وفي الثاني باللازم وهو الخسران؛ ففيه حذف التقابل. أي: من يهدي الله فهو المهتدي الراجح، ومن يضلل فهو الضال الخاسر، وأولئك هم الخاسرون، فإِن قلت: لم أفرد المعتدي وجمع الضال. وجوابه عند النحويين: أنه جاء على الأصل في معلولة لفظ
الأعراف 7:179
من أولا ومعناها ثانيا، وعند البيانيين: أن المهتدي أقل من الضال فناسب منه الإفراد، وأتى في الأول بالضمير الدال على القرب، وفي الثاني باسم الإشارة الدال على البعد.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾
يؤخذ منه أن البصر أشرف من القلب فهو ترق، أو يقال: أن هذه الحواس كلها خدمة القلب؛ فالقلب أشرفها.
قوله تعالى: (بَلْ هُمْ أَضَلُّ).
قال ابن عطية: فيها الشهوة ولا عقل لها، فليس لها منع يمنعها عن شهوتها والإنس والجن فيهم الشهوة، والعقل المانع من اتباعها، فالعصاة منهم أضل إذ لم يمنعهم عقلهم من شهوتهم.
قيل لابن عرفة: كان القاضي ابن حيدرة يأخذ من هذه الآية أن بني آدم أفضل من الملائكة؛ لهم العقل ولا شهوة فيهم؛ فليس لهم داعٍ يدعوهم إلى المعصية، وبنو آدم فيهم الشهوة التي تحضهم على المعصية، فإِذا أطاعوا الله وتركوا شهواتهم كانوا أفضل من الملائكة.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا﴾
المراد إما المسميات أو التسميات على الخلاف في ذلك، والفاء في قوله (فَادْعُوهُ بِهَا). إما للتعدية؛ والمراد فتوسلوا إليه بها، وقال: وحديث الترمذي تعيين الأسماء الحسنى حسن لكن تلقته الأمة بالقبول فكان كالتصحيح له، وليس في التصحيح تعيينها، وإنما قال في الصحيح: "إن لله تسعة وتسعين اسما" من غير تعيين، [لكن ذكر المتكلمون*] أن من أسمائه واجب الوجود، ولم يرد ذلك في الحديث وجوزوا إطلاقه.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢)﴾
الأعراف 7:183
هو الإنعام عليهم بنعمة استدراجا لهم في المعاصي.
قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾
هو عدم مؤاخذتهم بالذنب في الحال وتأخيرهم إلى أجل مسمى، فإن قلت: عبر في (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ). بالنون الدالة على المتكلم ومعه غيره، وفي (أُمْلِي لَهُم). بهمزة المتكلم وحده، فأجيب بوجوه؛ الأول: قال ابن عرفة: المشاهد في الدنيا أن إعطاء النعم في الملوك أكثر من الحلم والصفح والعفو عن [المجرم؛ فلا نجد منهم من يعفو عن المجرم*] إلا القليل بحيث يعد عدًّا كمعاوية ونحوه، ونجد الكثير منهم يعطي العطاء الجزيل فلما كان الإنعام أكثر ناسب أن يعبر عنه بالنون التي للمتكلم ومعه غيره، وكانت هنا للعظمة فقط.
الثاني: أن الاستدراج نعم دنيوية والإملاء تأخير إلى أن يعذبوا عذابا أخرويا.
الثالث: أن الاستدراج فعل يستدعي فاعلا فناسب نون العظمة والإملاء ترك وتأخير وعدم مؤاخذة، والعدم لَا يتعلق به القدرة فناسب همزة المتكلم وحده.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١٨٤)﴾
قال ابن عرفة: وتقدم المبالغة في النفي بأربعة أوجه: الأول: إدخال لفظه من، الثاني: إفراد لفظة جنة فهو أعم من لو قيل: جنون، الثالث: بلفظ صاحب المضاف إليهم فهو إشارة إلى أنهم غافلون به وهو بين أظهرهم قديما وحديثا.
قوله تعالى: (إنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ).
الحصر بحسب السياق؛ أي: هذين لمن كذب وخالف وطعن فيه بالجنون.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
قال القرافي: الملك راجع للأمر الظاهر، والملكوت راجع للأمر الباطن، وهو ظاهر كلام البيضاوي؛ لقوله في خطبة كتابه الطوالع المطلع بشواهد الملك وغياهب الملكوت، فالملك ما تعلق بظواهر الملك الأمر، والملكوت ما تعلق بخفياتها.
وقال ابن عرفة: بل الفرق بينهما أن المخلوقات إن نظرناها باعتبار ذواتها فقط فهو نظر في ملك، وإن نظرناها من جهة افتقارها إلى موجد أوجدها فهذا نظر في ملكوت؛ فيستدل به على وحدانية الصانع وقدرته وإرادته وغير ذلك، فإن قلت: لم قرن الأول بالتفكر والثاني بالنظر؟، فالجواب: أن الأول ماض فناسب التفكر كما يتفكر الإنسان شيئا نسيه، والثاني حالي فناسب النظر.
الأعراف 7:186
وقال بعض الطلبة: إن الأول معنوي وهو الجنون، والثاني حسي، قال: وعطف هذه المذكورات ترق لأن الأول خاص بمن نسب النبي ﷺ إلى الجنون والثاني عام في النَّاس أجمعين بالنظر في ملكوت السماوات والأرض ليهتدوا إلى توحيد الله وعبادته، والثاني بمن حصل الإيمان بالله لأنه مأمور بطاعة الله خشية أن يموت قبل استيفاء ما كلفه به من العبادة، قال: وجمع السماوات وأفرد الأرض؛ لأن دليل تعدد السماوات ظاهر مدرك بالرصد والهندسة، ودليل تعدد الأرض خفي لا تدركه إلا من جهة السمع.
قوله تعالى: (قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ).
قال: الفرق بين قرب، واقترب أن القرب يقتضي مقاربة الشيء مع كون ذلك الشيء طالبا للمقاربة، فكان أجلهم يطلبهم ويستدعي أن يقرب منهم، وهذا مبالغة في طلبه لهم وقربه منهم.
ابن عرفة: وقال هنا (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا). لأنه موضع المستقبل، وقال قبلها (أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا) لأن متعلقه ماض بحيث بعد.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾
قال ابن عرفة: لم يفصل هذه الجملة عما قبلها بالواو، إما لكمال المباينة بينهما أو لكمال المقاربة بينهما في المعنى، ولو كانتا في مقام التوسط لفصلا بالواو، وهذه الآية احتج بها أهل السنة على المعتزلة في أن الضلالة خلق الله تعالى؛ لأن ما المراد هنا إلا الإضلال بالفعل، وقد يجيب الآخرون بما أجابه سراج الدين الإمام الفخر: حيث استدل على وقوع النسخ في القرآن، بقوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فقال السراج: ولقائل أن يقول: ملزومية الشيء للشيء لَا تدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه، فأجاب شمس الدين الجزري: بأن تلك الآية سيقت مساق المدح، والمدح إنما يكون بالواقع لَا بالمنكر، يجيب أهل السنة بمثل هذا الجواب؛ لأن سياق الآية دل على أنها جاءت في معرض المدح، قال: ولا بد فيها من تقييد السنة، ولا يصح بقاؤها على الإطلاق، فإن أريد فلا هادي له بالإطلاق تكون حينئذ حينية؛ أي من يضلل الله حين إضلاله فلا هادي أو فلا هادي له وقت إضلاله، وإن لم تكن مطلقة فالمعنى فلا هادي له غير الله ولا ينفي عنه نفي الهداية مطلقا؛ لأنه فريضة في وقت، والمراد من يضله عند الخاتمة فلا هادي له، وهذه القضية تعكس عكس النقيض؛ أي من له هاد فلا مضل له.
قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ هذا دليل على أن الأمور الاعتقادية لَا يصح أن يكتفي فيها بغلبة الظن بوجه؛ لقوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي) فالمحصول إنما هو العلم فدل على أن الظن يشاركه فيه الغير، قال: ويجيب الآخرون بأن السؤال في الآية إنما وقع عن علمها؛ أعني عما يفيد علمها لَا عما يحصل طلبها، فلذلك أجابوا بإسناد علمها الله تعالى، قيل له: قد ذكر السهيلي أنها تعلم بأوائل السور فأسقط مدتها منها بعد أن جمع حروف، وأسقط المكرر منها، وذكر نحوه ابن إسحاق في السير عن اليهود، وذكره السكوكي وأسنده حديثا، فقال ابن عرفة: هذا كله غير صحيح.
قوله تعالى: (ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
الثقل فيها لأحد وجهين: إما لشدة أمرهما بأن النفس تنفر منها، إذ لَا يعلم أنها تخلد في النار أو في الجنة، وإما لنقل الدلائل والطرق إلى العلم بتوقيتها، فليس ثم دليل موصل إلى ذلك بوجه بخلاف غيرها.
قوله تعالى: (لَا تَأتِيكُم إِلَّا بَغْتَةً).
حكم على الغائب بحكم المخاطب مع أن الإتيان إنما هو لذرية المخاطبين النافين لآخر الزمان؛ فغلب المخاطب الحاضر.
قوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا).
قال ابن عرفة: فصلت هذه الجملة عما قبلها لكمال مفارقتها لها في المعنى.
قال الزمخشري: فإِن قلت: لم كرر (يَسْأَلُونَكَ)، و (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) قلت: للتأكيد لما جاء بزيادة كأنك حفي عنها، وعلى هذا تقرير العلماء الحذاق في كتبهم لَا يخلو المكرر من فائدة زيادة، قال ابن عرفة: وكان يمشي لنا نحن أنها ليست مكررة، وأن الأول سؤال من العوام، والثاني سؤال من الخواص على أن فيه تفكيك الضمائر لكنه مغتفر وهو أولى من التكرار، ومما يؤيد هذا ويستأنس به بعض تأنيس العقيب الأول، بقوله (قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي)، والعقيب الثاني، بقوله (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ) فالعوام بجهلهم قوبلوا بلفظ الرب المستضيء للإحسان والرحمة والحنان، والعلماء قوبلوا باللفظ المستضيء للحلال والقهر والغلبة.
قوله تعالى: (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا).
هل معناه شبيه بالحقير عنها، أو أنه مشبه بالحفي عنها إيمانهم يعتقدون شبهه بالحفي، أو أنه في نفس الأمر شبيه بالحفي، والظاهر الأول.
الأعراف 7:188
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أكثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ).
إن أريد أنهم لَا يعلمون وثبتها؛ فالأكثر بمعنى الكل، وإن أريد لَا يعلمون خفيات ولا يعلمون دقائق المعلومات؛ فالأكثر على بابه لأن الخواص من الأنبياء والعلماء يعلمون ذلك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
قال ابن عرفة: هذا أبلغ من لو قيل: لَا أملك نفعا ولا ضرا بالإطلاق؛ لو كان كذلك لأمكن تخصيصهم بالغير، فيقال: إنه يملك النفع والضر لنفسه ولا يملك لغيره، فلما قال: (لَا أَمْلِكُ لِنَفسِي) دل باللزوم على أنه لَا يملك ذلك لغيره من باب أحرى، والمراد بالضر هنا دفعه لَا جلبه؛ لأن لَا أملك جلب نفع ولا دفع ضرر، والمنفي هنا الملك الفعلي.
قيل لابن عرفة: فالقابلية، قال: القابلية العرضية منافية والذاتية ثابتة.
قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ).
إن أريد الملك الأعم من الاستقلالي والكسبي فالاستثناء متصل، وإن أريد الملك الاستقلالي فقط فالاستثناء منفصل؛ لأن الذي يملك عندنا هو الكسبي ولا يملك إلا بقدرة الله تعالى وخلق الداعي عليه له.
قوله تعالى: (لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ).
فسر بوجهين. أحدهما: لتحررك في قتالهم واستكثرت من الخير فكنت غالبا وما مسني السوء، ولم أكن مغلوبا قط.
الثاني: لاستكثرت بالتجر في المال والربح فكنت رابحا وما مسني السوء؛ أي وما كنت خاسرا في تجارتي قط.
ووجد مناسبتها لما قبلها أنهم لما سألوا عن الساعة، قال: هذا أمر مغيب، ولا طريق لي إلى العلم بالمغيبات؛ لأني لو كنت أعلم عواقب الأمور لجزت منها في أحوالي كلها.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾
الخطاب لقريش، وقيل: المراد بالنفس آدم أو قصي بن كلاب [وعبَّر*] في الأول بـ خلق، وفي الثاني بـ[جعل*] لأن الخلق في اللغة هو التقدير.
قال الشاعر:
الأعراف 7:190
ولأَنْتَ تَفْري ما خَلَقْتَ وبَعْ؍ ضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لاَ يَفْري؍
والأول: مستند إلى جماعة فناسب الخلق؛ لأنه قدرهم على صفات عظيمة مختلفة، وأوصاف منوعة.
والثاني: يتعلق بشيء واحد وهو حواء.
قوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوجَهَا).
إن أريد به آدم فهو على ظاهره، وإن أريد به قصي بن كلاب فالمعنى: وجعل من أمثالها زوجها، وكلام الزمخشري هنا حسن، وكلام ابن عطية فيه تسامح، وكذلك حكاية وسوسة الشيطان فإنها من الخرائف الباطلة.
قوله تعالى: (لِيَسْكُنَ إِلَيهَا).
اختلفوا فيما الأولى في النكاح، هل النكاح القرابات أو الأجانب؟، واستحسن الإمام الغزالي نكاح الأجانب فإن الولد منها يكون أكمل حلية وأحسن؛ لأن الشهوة إلى الأجنبية أشد من الشهوة إلى القريبة، والآية حجة لترجيح نكاح القرابات، لقوله تعالى: (وَجَعَلَ مِنْهَا) وعلله، بقوله (لِيَسْكنَ إِلَيهَا).
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾
ابن عرفة: قالوا: إذا تقدم الاسم النكرة فأعيد ذكره، فإنما يعاد معرفا بالألف واللام، كقوله تعالى: (كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ)، وكذلك قال سيدنا عمر - رضي الله عنه - في قوله تعالى: (مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) لن يغلب عسر يسرين؛ لأنه إنما أعيد العسر معرفا كان شيئا واحدا، فيرد السؤال هنا لم أعيد هنا نكرة؟ قال: وتقدم الجواب بأن ذلك إذا كان في كلام واحد، وهنا في كلامين لقائلين.
قوله تعالى: (جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا).
قال ابن عرفة: اختلفوا في لفظ شرك هل يحمل على النصف فيقتضي التساوي، أو على ما هو أعم، وهذه الآية حجة لمن يحمله على المعنى الأعم، ومسألة كتاب القرض في المدونة دليل على أنه عنده أعم لأنه جعله فاسدا، فقال: وإن أقرضت على أن له شركاء في المال لم يسمه كان على قراض مثله إن عمل، وقال غيره: له النصف.
الأعراف 7:191
وقال في كتاب السلم الثالث: وإن ابتاع رجلان عبدا فسألهما رجل أن يشركاه فالعبد بينهم ثلاثا، فهذه تدل على التساوي، وفرق بأن لفظ اشتركا يقتضي التسوية، ولفظ شرك مرادف للتصريف والنصيب مجهول، قال ابن عرفة: وحكى لي الفقيه الأعدل ابن العباس أحمد بن سليمان البرمكي، قال: كنت أتلو القرآن في زاوية بجامع الزيتونة بإزاء سيدي سليمان الزيات؛ فمرت به هذه الآية فوقع في النفس إشكال في فهمها بالنسبة إلى آدم، فقال لي سيدي سليمان: في الحال لم يحتمل الشرك آدم وإنما ذلك منسوب لذريته فعددتها له كرامة ومكاشفة.
قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾
قيل: الضمير عائد على الأصنام، وأجراهم مجرى من يعقل لمعاملتهم إياه معاملة من يعقل، قيل: على المشركين.
ابن عرفة: فعلى الأول يكون وهم يخلقون علة مانعة من الإشراك؛ أي المشركون أصناما مخلوقين مفتقرين إلى موجود أوجدهم، والإله من شرطه ألا يكون مفتقرا لغيره، وعلى الثاني يكون دليلا للتوحيد راجعا لدلالة التمانع، أي أتشركون أصناما لَا تخلق شيئا، والغرض إن هؤلاء الكفار في ذواتهم مخلوقين فمن الخالق لهم ليس هو أحد إلا الله تعالى وقال في هذه الآية: إيماء لتكفير بعض غلاة المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله فسموا ذلك خلقا.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا﴾
لا يلزم من عدم القدرة على نصرة الغير أن لَا يقدر على النصرة لنفسه.
قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّبِعُوكُمْ﴾
أي لَا يجيبوكم.
قوله تعالى: (سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ).
فإن قلت: لم عبر في الأول بالفعل وفي الثاني بالاسم؟ فأجاب بأنه يفيد بأنهم صامتون دائما على الدعاء إليهم.
قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بما ذكر المنطقيون في العكوسات من أنه إذا لم يستلزم الأخص أمرا لم يستلزم الأعم، وإذا ثبت استلزام الأخص أمرا لم يلزم منه ثبوت استلزام الأعم له بوجه، فكما انتفى لزوم العلم للإنسان انتفى لزومه للحيوان،
الأعراف 7:201
ولا يلزم من ثبوته للإنسان ثبوته للحيوان، وكذلك هذا إذا ثبت أن مطلق الدعاء لمطلق الصمت، وهو الأعم في عدم الإجابة من باب أحرى.
قيل لابن عرفة: ينتفي أخص الدعاء، فقال: ما ثبت عنهم أنهم كانوا يدعونهم، عرفة إلا بمطلق الدعاء لَا بأخصه.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾
هذه دليل لسيبويه في مسألة كنت أظن العقرب أشد لسعة من الزنبور فإذا هو هي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي﴾
يؤخذ منها أنه - ﷺ - لَا يحكم بالاجتهاد، وأن أحكامه كلها مستندة للوحي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾
حكى الفخر في الأصول الخلاف في القرآن هل هو اسم جنس يصدق على القليل والكثير، أو اسم كل، وتظهر ثمرة الخلاف في قوله تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩).. قال: وهذه الآية دليل علَى أنه اسم جنس؛ لاتفاقهم على أن من سمع أنه من القرآن يؤمر بالإنصات يتناول القارئ بعينه؛ لأنا نجد بعض الصناع يعمل صنعة وهو يقرأ ويأمر وينهى في قراءاته، قال: كان ذلك خفيفا فهو مفتقر وإلا لم يجز، قال: والإنصات متقدم على الاستماع وسبب فيه فهلا قدم عليه في الآية.
قال: وعادتهم يجيبون لأن الاعتناء بطلب فعل ما لم يكن فعل أقوى من الاعتناء لطلب المداومة على فعل ما كان واقفا؛ لأن هذا أخف على النفوس من الأول، ومجرد الإنصات شأن الإنسان، والاستماع هو استحضار الذهن لسماع القرآن فلم يكن هذا مفعولا، قيل بوجه، قيل لابن عرفة: هذا إن سلمنا أن الإنصات والصمت بمعنى واحد، ولنا أن نقول: الإنصات هو القصد إلى الصمت لَا مجرد الصمت، فقال: لا بل هما بمعنى واحد.
قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
لفظ الآية يدل على أن الإنصات والاستماع مطلوبان طلبا لَا ينتهي إلى الوجوب، ومفهومهما يدل على أنهما واجبان، وإذا لم ينصتوا لم يرحموا، وترتيب الثواب على
الأعراف 7:205
الفعل لَا يدل على وجوب، وترتيب الذم على تركه يدل على وجوبه وإذا لم يرحموا عذبوا.
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾
قال ابن عرفة: قالوا: تناقض الشاطبي في قوله: [وَلاَ عَمَلٌ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِهِ... غَدَاةَ الْجَزَا مِنْ ذِكْرِهِ مُتَقَبَّلَا*] مع قوله وَمَا أَفْضَلُ الأَعْمَالِ إِلاَّ افْتِتَاحُهُ... مَعَ الْخَتْمِ حِلاًّ وَارْتِحاَلاً مُوَصَّلَا فدل قوله ولا عمل إنجاء له على أن ذكر الله هو أفضل الأعمال، وأفضل الأعمال قال: والجواب أن مجرد الذكر هنا قبل الأعمال، ودل البيت الثاني أن الافتتاح بالقرآن هو أفضل الأعمال، وأفضل من القراءة، ومجموع الافتتاح بالقراءة بها أفضل من الذكر.
قوله تعالى: (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
إشارة إلى استحضار الإنسان حالتي الإيجاد والإعدام إنما هو حالة القيام من القيام؛ فكأنه تغير من موت إلى حياة فالأصل حالة التغيير من حاله إلى الموت.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾
تنبيه على إمكان القدرة على الذكر دائما فإن الذي أقدر الملائكة على المداومة على الذكر من غير فتور قادر على أن يقدرك على المداومة عليه من غير فتور.
* * *