تفسير ابن عرفة — الأنفال 8:1 – يوسف 12:111
المحتويات
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:75
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:5
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:15
- التوبة 9:28
- التوبة 9:32
- التوبة 9:38
- التوبة 9:40
- التوبة 9:42
- التوبة 9:48
- التوبة 9:49
- التوبة 9:52
- التوبة 9:53
- التوبة 9:55
- التوبة 9:60
- التوبة 9:67
- التوبة 9:69
- التوبة 9:73
- التوبة 9:78
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:91
- التوبة 9:95
- التوبة 9:100
- التوبة 9:104
- التوبة 9:111
- التوبة 9:114
- التوبة 9:120
- التوبة 9:127
- يونس 10:3
- يونس 10:4
- يونس 10:5
- يونس 10:7
- يونس 10:8
- يونس 10:19
- يونس 10:28
- يونس 10:36
- يونس 10:42
- يونس 10:47
- يونس 10:57
- يونس 10:61
- يونس 10:62
- يونس 10:68
- يونس 10:88
- يونس 10:102
- هود 11:1
- هود 11:15
- هود 11:18
- هود 11:34
- هود 11:43
- هود 11:45
- هود 11:46
- هود 11:52
- هود 11:59
- هود 11:69
- هود 11:81
- هود 11:87
- هود 11:102
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:121
- يوسف 12:1
- يوسف 12:6
- يوسف 12:8
- يوسف 12:10
- يوسف 12:13
- يوسف 12:19
- يوسف 12:21
- يوسف 12:23
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:28
- يوسف 12:31
- يوسف 12:32
- يوسف 12:37
- يوسف 12:41
- يوسف 12:46
- يوسف 12:54
- يوسف 12:57
- يوسف 12:63
- يوسف 12:66
- يوسف 12:68
- يوسف 12:72
- يوسف 12:73
- يوسف 12:77
- يوسف 12:84
- يوسف 12:87
- يوسف 12:89
- يوسف 12:94
- يوسف 12:97
- يوسف 12:99
- يوسف 12:101
- يوسف 12:102
- يوسف 12:105
- يوسف 12:109
- يوسف 12:111
الأنفال 8:1
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قال الزمخشري: مدنية، وقال ابن عطية: إلا قوله (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ) ابن عرفة: وذكروا في سبب نزولها أنها نزلت لأجل خروجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من مكة مهاجرا إلى المدينة فمن رأى أن اسم الهجرة إنما يصدق عليه بعد استقراره في المكان الذي هاجر إليه جعلها مكية، ومن رأى أنه حين خروجه من مكة يسمى مهاجرا جعلها مدنية؛ لأن المدني هو ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة.
[قال ابن عطية: أسند الطبري عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما كان يوم بدر وقتل أخو عبيد قتلت [سعيد*] ابن العاصي وأخذت سيفه، [فطلبته*] من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: ليس ذلك إلي فاطرحه في [القبض*]، قال ابن عرفة: [القبض*] للغنيمة مثل الحمول للتمر، وهو [**المخل] الذي توضع فيه الغنائم.
ابن عرفة: وسمي ثقلا لأنه عن غير عوض فأشبه النافلة، قال أبو حيان: قرئ (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ (١).. بإسقاط عن وبإثباتها؛ فعلى الأول يكون سؤالها بمعنى طلبتم أخذها، وعلى الثاني [يكون*] يسألون عن حكمها.
قال ابن عرفة: فالمسئول عنه إن كان ذاتا تعدى الفعل إليه بنفسه، وإن كان معنى تعدى إليه بحرف الجر، ابن عرفة: قال بعضهم: وعرف الأقران أيضا أنه إن كان المسئول عنه معنى، فإن كان ناشئا عن اختلاف تعدي الفعل إليه بعن، وإن لم يكن ناشئا عن اختلاف تعدى إليه الفعل بنفسه، كقوله (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) قلت: والسؤال هنا نشأ عن اختلاف، لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ) وقال شيخنا أيضا: المعدى بعن يكون إلى الحسي وإلى المعنوي، وقال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُل هُوَ أذًى)، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ)، (وًيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ)، (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ)، (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا).
قوله تعالى: (قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ).
الأنفال 8:2
والأصل أن يقال: قل هي لله وللرسول، كما قال تعالى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُل هُوَ أَذًى) لكنه أعيد الظاهر هنا، والمعنى حكمها لله والرسول فحكمها لله باعتبار أصل الشريعة؛ لأنه يحكم ما يريد ويفعل ما يشاء، والرسول باعتبار التبليغ لأنه هو المبلغ [عن*] الله، فإن قلت: السؤال عن إعطائها فكيف طابق الجواب، قلنا؛ هو [بمنزلة*] من سأل رجلا أن يعطيه العبد الفلاني، فيقول له: كيف نعطيك وهو شركة بيني وبين فلان؟.
قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).
البين من أسماء الأضداد يطلق على الاجتماع وعلى الافتراق.
قوله تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
ابن عرفة: وعادتهم يوردون سؤالا وهو: لما أتى بالرسول أولا معرفا بالألف واللام وثانيا مضافا إلى الضمير بما ليس فيه، وعادتهم يجيبون بأن الحكم لَا يستدعي الإضافة، والطاعة الامتثال فناسب إضافة الرسول، كما تقول: امتثلت أمر رسول الخليفة فإن ذكره معين على الامتثال ومسبب فيه؛ لأنه يفيد التهييج على الطاعة من حيث كونه من عند الله فهو أبلغ من كونه مضافا، وأما في الأول فإنه أتى به لمجرد الإخبار فلم يفتقر إلى إضافة.
قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
إما أن يراد به مطلق الإيمان فيكون من خطاب التهييج والإلهاب مثل: إن كنت ولدي فبرني، وإما أن يراد بالإيمان الكامل فيكون الشرط على بابه.
قوله تعالى: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾
وقال تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)، وقال تعالى (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) والجمع بين هذه الآيات.
قوله تعالى: (ذِكْرِ اللَّهِ).
منه يحدث الطمأنينة واللين، وأسند الوجل هنا للقلب، وقال تعالى (مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى)، وقال تعالى (كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ)، وقال تعالى (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) فأسنده إلى الفؤاد، فإما أن يقول أن الفؤاد يجمع أعم الجميع، أو المراد به القلب، أو المراد هنا بالقلب باطنه وهناك ظاهره وباطنه، فكذلك عبر عنه بالفؤاد، وقال تعالى فى آخر سورة النور (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) قال ابن عرفة: فعادتهم يوردون فيها سؤالين؛ الأول: كيف الجمع بينها وبين هذه الآية؟، وهل هما متساويتان أم لَا في والجواب: أن المراد: إنما المؤمنون الكاملون الإيمان، ووصف الكمال يحتمل تناوبهما فيه ويحتمل التفاوت.
السؤال الثاني: لم خص الإيمان هنا بمن اتصف بالوجل؛ ولم يقل: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله؟ قال: وعادتهم يجيبون بأن الوصف المجرد هنا معنى راجع للقلوب وهو أمر باطن فلذلك أسنده إلى الوجل، والوصف هنا ظاهر حسي؛ فلذلك علقه بالإيمان القولي الظاهر وهو النطق باللسان لأن ما بعده أمر ظاهر وهو الاستئذان.
قوله تعالى: (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا).
ابن عرفة: الإيمان إن أريد به مجرد التصديق والاعتقاد القلبي؛ فهذا لا يزيد ولا ينقص، وإن أريد الإيمان باعتبار فعل العمل البدني فهذا يزيد وينقص، واختلفوا في تقرير زيادته فمنهم من جعله يزيد باعتبار المتعلقات مثل أن يكلف بشيء فيؤتى به، ثم يكلف بآخر فيؤتى به، ومنهم من جعله يزيد باعتبار كثرة الأعمال الصالحة، ومنهم من جعله يزيد بكثرة الأدلة وزيادة باعتبار الأدلة إنما تفعل عند من يجعل العلوم متفاوتة، وأما من يقول: إنها لَا تتفاوت فيمنع الزيادة، قال: والنقص فيه إنما يعقل باعتبار الأدلة وقلتها، وأما باعتبار المتعلقات فلا يعقل فيه النقص؛ لأن من لَا يؤمن ببعض التكاليف هو كافر؛ اللهم لو كان ذلك قبل البلوغ، فكلف بأمرين أمر بأخذهما دون الآخر فهذا يعقل.
قوله تعالى: (وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
عبر هنا بلفظ الرب المقتضي للرحمة والحنان والشفقة، وعبر في الأول، بقوله (إذَا ذُكِرَ اللَّهُ) لما عقبه بالخوف والوجل، فإن قلت: لم قال (وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) و (زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) فعبر فيهما بلفظ الماضي، وقال (يتوَكلُونَ) فعبر بالمستقبل؟ قلنا: الماضي يقتضي التحقيق والحصول؛ فناسب الأولين؛ لأنه أبلغ في المدح إشارة إلى سرعة الحصول، وعبر في الثالث بالمستقبل إشارة إلى التجرد والتصوير، كقوله
الأنفال 8:3
تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ولا يقال: يؤخذ من الآية أن الذكر أفضل من التلاوة لأجل تقديمه لجواز أن يكون العطف في الآية من باب الترقي.
قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾
احتج بها الفخر للمعتزلة في قولهم: إن الرزق إنما يطلق على الحلال؛ لأن الآية خرجت مخرج الثناء على المؤمنين، ولا يصح الثناء إلا بإنفاق المال الحلال، ورده ابن عرفة: بقوله: (وَمِمَّا) وهي للتبعيض، فهم أنفقوا بعض الرزق وذلك البعض هو الحلال.
قوله تعالى: ﴿لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾
الجمع إما للتوزيع، أو يكون لكل واحد درجات.
قوله تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾
لا يبعد أن يؤخذ منها أن الموت أمر وجودي، وفيه دليل على أن الوجود مصحح للرؤية وإلا لزم منه التشبيه بالمحال؛ هذا إن كان مفعول ينظرون ضميرا محذوفا عائدا على الموت، وإن لم يكن كذلك لم يؤخذ منه ما ذكر.
قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾
قلت: هذا تحصيل الحاصل إذ الحق لَا يحق قبل إحقاقه بمعنى إظهاره؛ أي يظهر الحق ويظهر الباطل؛ أي يظهر إبطاله.
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾
قال ابن عرفة: ما الفائدة في إمدادهم بالملائكة مع أن الله قادر على نصرتهم من غير إمداد، قال: فمنهم من أجاب بأنه إشارة إلى ترجيح اتخاذ الأسباب واعتبار الأمور العادية، وأن الإنسان إذا رأى عدوا لَا قدرة له عليه لم ينبغ له أن يقدم على قتاله حتى يكون معه من يعضده عليه، إلا أن تدعوه الضرورة إلى ذلك، ومنهم من قال: ليظهر امتنان الله تعالى على نبيه، وقيل: إن ذلك خشية أن لو اقتصروا عليهم من غير إمداد بالملائكة لتوهم شأن المسلمين ومن فيه نجدة أن ذلك بمجرد قدرتهم في ذواتهم، ولذلك حكى الزمخشري تلك الحكاية هنا، وإنما عبر بالاسم في قوله (مُمِدُّكُم) إشارة إلى ثبوت الإمداد وتحققه.
الأنفال 8:10
قوله تعالى: (مُرْدِفِينَ).
أي يردف بعضهم بعضا، وبهذا يجاب عن المعارضة بينها، وبين قوله تعالى: في آل عمران (يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ).
قوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠)﴾
احتراس خشية أن يتوهموا أن النصر بالملائكة، فأفاد أن هذه أمور عادية، والنصر عندها لَا بها.
قوله تعالى: ﴿وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾
ولم يقل: أقدامكم.
قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ منها جواز تعليل الحكم الواحد بعلتين. لأن سياق الكلام يدل على أن هذا الحكم المذكور معلل بالحكم؛ لأن ذلك الحكم عقب المناسب يشعر بالغلبة، والعلة الثانية قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُم).
قوله تعالى: (وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).
أدغم في سورة الحشر وأظهر هنا فأجاب صاحب المثل السائر: بأنه زاد هنا (وَرَسُولَهُ) فبالغ بالعطف فناسب المبالغة [بالتضعيف*]، وهناك حذف ورسوله، قال ابن عرفة رحمه الله: ووجه الإدغام إن تأولت منه الحركات لازمة جاز الأمران، مثل هذا فإن أصله يشاقق؛ فمن نظر إلى أنه يكسر إذا التقى مع ساكن جاء فيه توالي الحركات في بعض الأحوال فيدغم، ومن نظر إلى أن أحد الحرفين ساكن والكسر عارض، فلا يعتد به أظهر ولم يدغم.
والإدغام لغة أهل الحجاز، وليس عندهم إلا الإدغام، وبنو تميم يجيزون الأمرين.
قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
قال أبو حيان: هنا ضمير مستتر لَا بد منه، أي شديد العقاب له، ورده ابن عرفة بأنه اعتقد أنه خبر مَن، وتقرر في باب الأفعال أن خبرها إنما هو فعل الشرط، فالرابط إنما هو الضمير في يشاقق، قيل لابن عرفة: إنما قدره؛ لأن المعنى يقتضي أن المراد شديد العقاب له، فقال: لم يعتبر هو هذا.
الأنفال 8:14
قال ابن عرفة: واستدل الأصوليون بهذه الآية على أن الإجماع حجة.
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوهُ... (١٤)﴾
إذا كان هذا ذواقا فما بالك بما فوقه من العذاب، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ).
قوله تعالى: ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾
ولم يقل: أدباركم إشارة إلى أن الإنسان كلف بفعل نفسه وبفعل غيره فهو أبلغ؛ لأنه إذا ولى هو دبره كان ذلك سببا لتولي غيره، فصح نفيه عن فعل غيره بهذا المعنى، فينبغي له إذا رأى غيره ولى دبره أن لَا يولى هو بل يقف ويقاتل ويناضل عمن ولى دبره ليرجع ويقاتل، فما حكاه ابن عطية هنا لَا يناسب، وغزوة القادسية وغزوة مؤتة إنما ولوا فيها لقلة النَّاس حينئذ، ولم يكن لهم قدرة على المقاتلة فلهم عذر حينئذ، وإذا ولَّى أحد متحيزا إلى فئة مقاتلة لَا شيء عليه، وإن ولى إلى فئة واقفة غير مقاتلة فهو [مذموم*].
قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون لأي شيء لم يقل فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم ولكن الله قتلهم، كما قال (وَمَا رَمَيتَ إِذْ رَمَيتَ) قال: والجواب أنه إنما خصص الثاني تشريفا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إسناد الرمي إليه، وأما القتل هنا فهو مستتر لغيره، قال: ونظير إسناد الفعل لغير الله تعالى أن القاضي إذا رأى رجلا قتل آخر بأن استحضر مقام التوحيد لم يوجب عليه قصاصا؛ لأن الأشياء كلها بخلق الله وقدرته، وإن استحضر مقام التكليف واعتبر الأسباب العادية أوجب عليه القصاص أو الدية، قال: ومعنى الآية وما رميت الرمي المؤثر إذ رميت الرمي العادي ولكن الله رمى الرمي المؤثر، وإن لم يفهم كذلك لزم التناقض لتوارد النفي والإثبات على شيء واحد في حالة واحدة.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾
ابن عرفة: الصواب في الآية أنها خطاب للكافرين.
قال الزمخشري: على سبيل التهكم بهم، أي إن تطلبوا الفتح فقد جاءكم ما طلبتم؛ لأنهم دعوا الله؛ فقالوا: إن كان محمد على الحق فانصره وإن كنا على حق فانصرنا.
الأنفال 8:20
قال ابن عرفة: لأن الآية تكون على وتيرة واحدة؛ أي: وإن تنتهوا عما أنتم عليه، وعلى التأويل الآخر وهو أنها خطاب للمؤمنين يختلف التقدير؛ فيكون المراد: إن تطلبوا الحكم بينكم وبين الكفار فقد جاءكم الفتح، وإن تنتهوا عن المشاجرة والمخاصمة في أمر الغنائم فهو خير لكم، فمتعلق الفعل الثاني على هذا غير متعلق الفعل الأول ويؤيده أيضا قوله (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
دليل على أن الإيمان غير الطاعة.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٢١)﴾
الظاهر أيضا في المنافقين، ويحتمل أن يراد بها اليهود؛ لقوله تعالى: (قَالُوا سَمِعنَا وَعَصَينَا) والمراد السماع النافع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾
هذه الآية رد بها ابن هشام على كون الخبر أعم من المبتدأ؛ لأن الصم البكم أخص من شر الدواب على الصم البكم العمي، وعلى البكم العمي.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾
إن قلت: من شرط المقدمين في علم المنطق أن يصدقا في النتيجة وهي هنا كاذبة؛ لأنها تنتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا وهم معرضون، قال ابن عرفة: والجواب بأن القياس عند الأصوليين على ثلاثة أقسام: افتراضي، وشرطي، واستثنائي، مثل الاستثنائي: لو كان هذا إنسانا حيوانا لكنه ليس بحيوان فليس إنسانا، أو لكنه حيوان فهو إنسان؛ لأنه ينتج نقيض المقدم أو عينه وهو في الآية قياس اقتراني أن سور الكبرى فيه إن كان كليا أنتج، وإن كان مهملا لم ينتج مثال الأول لو كان هذا إنسانا لكان حيوانا، وكلما كان حيوانا كان جسما ينتج كلما كان إنسانا جسما، والمهمل هل هو مثل هذه الآية؛ لأن المهمل في قوة الجزية فلا ينتج فلا يرد علينا ما أورده فيها، قلت: وأجاب ابن عرفة وغيره: بأن الإسماع مختلف، فالإسماع الأول: بمعنى الإجابة، والثاني: بمعنى إفهام القول المأخوذ من السماع، وأيضا فشرط إنتاج الشكل الثاني في المنطق قول المقدمة الثالثة كلية، وأما إن كانت جزئية فلا يجتمعان.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾
الأنفال 8:27
كان بعضهم يقول: يحتمل رجوع الخيانة هنا إلى أمرين: خيانة فيما هو حق الله كقتل الحرابة فإنه حق لله لَا يجوز فيه العفو.
وخيانة فيما هو حق لآدمي كقتل القصاص فإنه يجوز فيه العفو، ويحتمل رجوعها إلى ثلاثة أمور: خيانة في حق الله الراجع للاعتقاد القطعي العقلي القلبي؛ كقول المعتزلة: إن العبد يستقل بفعله.
خيانة في حق الله الراجع للاعتقاد الظني كاعتقاد صحة المعاد.
وخيانة فيما هو حق الآدمي مستفاد من الشرع.
ابن عرفة: كقتل القصاص، والخيانة يتعدى إلى المخون بنفسه، وإلى المخون فيه بحرف الجر، كقوله: خان زيد عمرو في ماله، فإن قلت: فلم عدى الفعل أولا للمخون له وثانيا للمخون فيه؟؛ لأنه قال (لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ (٢٧).. فعداه للمخون، ثم قال (وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ) فعداه للمخون فيه بنفسه، فما السر في ذلك؟ قال: والجواب أن الأول لما كان حقا لله كان كالمستعظم فيه ذا الحق فذكر ذو الحق وهو المخون دون المخون فيه، ولما كان الثاني حقا للآدمي كان الاستعظام فيه أوقع في النفوس من استعظام صاحب الحق؛ لأن حرمة المال ومحبته أوقع في النفوس من محبة صاحبه، أو تقول في الأول لما كان المخون له أعظم مما فيه الخيانة وأشرف كان ذكره أبلغ في النفس بخلاف الثاني، أو يجاب بأنه على حذف مضاف؛ أي وتخونوا ذوي أماناتكم.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾
قال ابن عرفة: قدم المال على البنين وهو عرف القرآن في غير ما موضع، ولم يرد ما يخالفه في سورة آل عمران في قوله تعالى: (مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ) ابن عرفة: وكان بعض الشيوخ يحكي أنه رأى بعض أهل السواد يمشي بأولاد كثيرين بعضهم يحمله على عنقه، وبعضهم بين يديه، وبعضهم يمشي معه، ويقول: ارحموا من خالف كتاب الله عن ذلك، فقال: الله يقول (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ) فقدم المال على البنين، وخالفت أنا نصه فقدمت البنين على المال.
قال ابن عرفة: وأخذوا من هذه الآية تفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر؛ لأن المال سبب في الفتنة.
قوله تعالى: [(وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) *].
الأنفال 8:29
لأن المال زينة الحياة الدنيا التي هي زائلة منفصلة والآخرة فيها الثواب الباقي.
قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾
دليل على أن التقوى أخص من الإيمان خلافا لقول الإمام مالك رحمه الله في المتعة، ويجيب الآخرون بأن المراد: تدوموا على إيمانكم.
قوله تعالى: (وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ).
راجع إلى [الستر*]؛ ولذلك سمي الحراث كافرا، والمغفرة راجعة إلى عدم المؤاخذة [بالذنب فقط*]، فإن جعلنا العاصي متقيا لاجتنابه الكبائر كان داخلا في هذه الآية، وإن قلنا: إن التقوى إنما على التوبة من الذنوب لم يدخل فيها العاصي.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾
قال ابن عرفة: يدعى الباطل تارة يدعيه من غير تسمية، وتارة يدعيه على صفة، فهؤلاء اعتقدوا أنه باطل ودعوا على أنفسهم إن كان حقا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ... (٣٣)﴾
قال ابن عرفة: نفى الأول بالاسم، والثاني بالفعل، قال: فعادتهم يجيبون بأنه لما كان الاسم أبلغ من الفعل كان أخص منه، ونفي الأخص أعم من نفي الأعم، ونفي الأعم أخص من نفي الأعم، مثل: ليس في الدار إنسان وليس فيها حيوان؛ فنفى الأول بلفظ الفعل فكان نفيا أخص؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهم بوجوده فهم موجب لدفع العذاب عنهم مجرد فعلهم وكسبهم وهو الاستغفار فكان أضعف فعبر فيه بالنفي الأعم فهو دون النفي الأول، فإن قلت: أول الآية اقتضى نفي العذاب عنهم، وآخرها اقتضى صحة وقوع العذاب بهم، فالجواب: أن الأول اقتضى نفي عذاب الاستئصال عنهم، والثاني: ثبوت مطلق العذاب المهلك.
قوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾
إن قلت: هو من باب تعليل الحكم لعلتين: أحدهما: وصف الكفر، والآخر: صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، فالأولى منصوصة، والثانية موحى إليها لأن ذكر الحلم عقب الوصف المناسب يشعر بأنه علة له، وأيضا فإن الفاء للسبب.
قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
الأنفال 8:38
قال: ما وجه الجمع بين هذه الآية، وبين قوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ) فإن هذه الآية تقتضي أن الخبيث أكثر من الطيب؛ لأن الأَقل مخرج من الأكثر، والأخرى بالعكس.
فالجواب أن تلك شرطية على سبيل الفرض والتقدير، فلا يلزم منها الوقوع وهذه جملة [فعلية*]، ويؤخذ من الآية في باب التعديل والتجريح فيمن [دلت*] حاله أنه محمول على العدالة، خلاف مذهب مالك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾
قال الزمخشري: الحربي إذا أسلم لم يبق عليه تباعة، وأما الذمي فلا يلزمه قضاء حقوق الله تعالى وتبقى عليه حقوق الآدميين.
قال ابن عرفة: هذا مذهب أبي حنيفة؛ لأن الزمخشري حنفي المذهب.
وقال ابن العربي: إن الحربي إذا أسلم حفظت عنه الحقوق كلها إلا حد القذف، قال أشهب: وحد السرقة، قال ابن عرفة: وهذا غير صحيح والذي في المدونة أنه يسقط عنه الحدود كلها وهي مشكلة في المدونة؛ لأنه قال: سقط عنه حد القذف كما لا يطالب بالقتل، وتقدمنا مفارفتها للقتل بأنه إذا قذف وقتل فإنه يحد للقذف ثم يقتل فلم يجعل القتل مستلزما حد القذف، وتقدم الجواب بأنه إنما سقط عنه حد القذف وحد القتل يقتضي الآية؛ لأن سقوط القتل يستلزم سقوط ما دونه من باب أحرى؛ ولأن حصوله يستلزم حصول غيره.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾
ابن عرفة: يؤخذ منها من لوازم العلم العمل؛ لأنه المقصود في الآية لأنه إذا انتفى الملزوم فليس المراد علم ذلك على العلم به، فلولا أن العلم بالشيء يستلزم العمل به لما صح الاكتفاء به عنه، ويلزم من عدم العمل به عدم العلم به، ويلزم من نفي اللازم نفي الملزوم، وهل المراد العلم حقيقة أو المراد اعتقاد ذلك علما أو ظنا؟ قال: إما بالنسبة إلى الصحابة فهو علم حقيقة، وإما بالنسبة إلى من بعدهم فتقرر الخلاف في دلالة القرآن هل هي قطعية أو ظنية، والظاهر أنه علم حقيقة لما تقرر من أن أهل أصول الدين يحتجون بآية القرآن في المطالب العلمية، فلولا أنه يفيد العلم لما صح احتجاجهم بذلك، والغنيمة ما أخذ بمجادلة وتكتسب من غير بيع ولا شراء، وقيل: ما أوجف عليه بالخيل والركاب، والعطف في الآية تدل، وقوله: (مَا
الأنفال 8:43
[غَنِمْتُمْ) الظاهر في أن (مَا) شرطية فتعم*] كل غنيمة تأتي بعدها ولو كانت موصولة لما تناولت إلا ما نص قبلها فقط.
قوله تعالى: (وَالْمَسَاكِينِ).
إن الفقير هو المسكين، وأشد منه حاجة ليدخل في الآية من باب أحرى، ولو كان العكس أضعف منه لخرج الفقير من الآية.
قوله تعالى: (وَابْنِ السَّبِيلِ).
هو الملازم للسبيل، وهو المسافر، [إذا قدم على بلد هو فيها فقير ويكون في بلده غنيا، فإن كان فقيرا في بلده فهو (مسكين) *].
قوله تعالى: (يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ).
كان في غزوة أحد وغزوة بدر وغيرهما، فقال: الألف واللام للعهد، فالمراد الجمعان الخاصين، وذكر الزمخشري حديثا فيه "إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد" بالشين المعجمة، وذكر ابن دقيق العيد في الإلمام [بالسين المهملة*]، والشيء في اللغة: المثل؛ أي مثل واحد، والمراد هما متساويان.
قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾
ابن عرفة: وأنهم قليلين في العدد أو في القوة والنجدة.
قوله تعالى: (لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ).
إن قلت: التنازع والاختلاف سبب في القتل فهلا قدم عليه، فأجيب بأن القتل المراد به الجبن الطبيعي والهلع والخوف الحاصل في النفس، وهو سابق على التنازع، وإنما تتمة السؤال أن لو أريد القتل باعتبار الفعل وهو الكف عن المقاتلة لَا لخوف في النفس، قيل: لعدم الناصر والمعين.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾
ابن عرفة: في ظاهر الآية تناقض؛ لأن تقليل الكفار في أعين المسلمين نعمة على المسلمين، وسبب في هجومهم على الكفار وغلبهم لهم، ورؤية الكفار للمسلمين قليلين منافية لذلك؛ لأنها أيضا سبب في شدة الكفار وغلبتهم للمسلمين فيلزم التناقض، قال: وأجيب بأن تقليل كل فريق في أعين الفريق الآخر موجب لاجتماع الفريقين للحرب والقتال فيقع ما وعد الله به وأراده من نصرة المسلمين، وتقليل أحد
الأنفال 8:45
الفريقين في عين صاحبه دون الآخر موجب لهروب الفريق القليل من الكثير فلا يقع الاجتماع للحرب بوجه، وإنما جاء التناقض من جعل القليل موجب للغلبة؛ بل هو موجب للاجتماع الموجب للغلبة، قال: وعبر في الأول بالاسم وهو قوله تعالى: (فِي أَعْيُنِكُم قَلِيلًا) وقال في الثاني (وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ) فعبر عن تقليل المسلمين بالفعل، [وهنا*] إشارة أن تقليل [الكفار*] مستمر ثابت ليدوموا على القتال، ولا يدركهم هلع ولا قتل، وتقليل المسلمين في أعين الكفار [إنما يكون في أول الأمر؛ فإِذا التقى الجمعان ونشأ الحرب فإهم يرونهم حينئذٍ كثيرين فينهزموا*] ويدركهم الرعب والخوف.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾
قال ابن عرفة: الذكر مأمور به مطلقا، وهذا المحل مخصوص بكثرته؛ لقوله (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) لأن الطاعة مأمور بها مطلقا، ولا يؤخذ من الآية أن الأمر لا يقتضي التكرار، ولما احتيج إلى قوله (كَثِيرًا) لأن الكثرة أخص من مطلق التكرار.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
قال ابن عرفة: جعل التنازع سبب في القتل، وقال قبلها: (وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ) وتقدم الجواب بأن القتل أمر نفي جلي طبيعي وهو الخبر، والتنازع أمر فعلي ظاهر وهو المقابلة؛ فالفشل سبب في التنازع هنالك وأصابنا فالفشل ناشئ عن التنازع، وأنهم إما تنازعوا أو اختلفوا يقع الانهزام من طائفة منهم فيقع الفشل بالأخرى بقتلها.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
ابن عرفة: التحسين هو حالة ذاتية توجب الميل إلى الشيء لذاته، والتزيين حالة عرضية توجب الميل إلى الشيء؛ لأن التزيين يزول والتحسين ثابت، تقول: أعجبني حسن الجارية وأعجبتني زينتها؛ فحسنها بإجمالها، وزينتها جمال ثيابها وحليها.
قوله تعالى: (وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ).
الأنفال 8:49
ابن عرفة: صفة حيث لم يأت بالنفي الأبلغ، فلم يقل: أنتم تغلبون عدوكم ليلا يكذب في مقالته، فأتى كلام متوسط ليكون أدعى إلى القبول، فقال (لَا غَالِبَ لَكُمُ) فهو يحتمل لأن يغلبوا عدوهم أو لَا؛ فيغلبونه ولا يغلبهم.
وقوله تعالى: (مِنَ النَّاسِ) إشارة أنه فهم أن الملائكة قد يعينون المسلمين عليهم فينغلبونهم أن يكون رأى الملائكة أو لم يرهم.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾
هم الكافرون.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ... (٥٠)﴾
اختلفوا في فاعل يتوفى، فقيل: الملائكة، وقيل: هو الله، وقيل: الملائكة مبتدأ.
ابن عرفة: والظاهر الأول لوجهين؛ أحدهما: أنه قرئ [ترى بالتاء*] والفاعل فيها الملائكة، وإحدى القرائتين [تُفَسِّرُ*] الأخرى.
الثاني: أن في إسناد توفيهم إلى الله تعظيم لهم، فإسناده إلى الملائكة أولى [لتحقير*] الكافرين؛ فإذا كان الفاعل الملائكة، فقد يقال: كان الأولى تقدير على المفعول؛ لأنه الأصل، ولأنه الأشرف، فيجاب بأنه إنما قدم لأنه الأهم بالذكر.
قوله تعالى: (يَضرِبُونَ وُجُوهَهُم وَأَدْبَارَهُمْ).
هذا مثل: ضربته الظهر والبطن، ومطرنا السهل والجبل إشارة إلى العموم.
قوله تعالى: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ﴾
قال ابن عرفة: عادتهم يقولون: ما أفاد قوله تعالى: (أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ)؟ قال: وعادتهم يجيبون بأنه إشارة إلى تلك النعمة محض تفضل من الله تعالى [وليست*] جزاء بوجه فإذا لم يغير ما تفضل به عليهم من النعم، فأحرى إذا كانت نعمة عن سبب، ولذلك قال: لم يكن ليدل على نفي القابلية إن لم يفعل وليس هو قابلا لأن يفعل ذلك.
قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾
الأنفال 8:55
إن قلت: لم خص آل فرعون بالذكر دون غيرهم؟ قلنا: تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأنهم كانوا كثيرا ما يؤذون موسى عليه الصلاة والسلام فهم أشد أذية من قريش لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن غيرهم.
قوله تعالى: (فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ).
فيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، بقوله تعالى: (بِذُنُوبِهِمْ) وفي ذلك أربعة أقوال: قيل: إنهم مخاطبون بالفروع، وقيل: لَا، وقيل: [مخاطبون فيما عدا الجهاد*]، وقيل: [الْفَرْقُ بَيْنَ النَّوَاهِي، فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا دُونَ الْأَوَامِرِ*] (١).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ﴾
هذا مثل ما تقدم عن ابن هشام في أن شرط الجزاء أن يكون أعم من المبتدأ.
قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ﴾
أي فرق بهم وأبعدهم عن مقاتلتك من خلفهم، والمراد: وأبعدهم مسافتك ومخالفتك، فالإبعاد إما حسي وعليه جملة المفسرين، أو معنوي فإن كان الأولى دليل على أن قتل الأسارى هو المطلوب، وإن كان الثاني كان بارز في تخيير في الوجوه الخمسة، إما الأمر، وإما القتل، والمن والاسترقاق، أو ضرب الجزية.
قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ).
إشارة إلى تقدم الأدلة الدالة على الإيمان فكأن الإيمان كان حاصلا، قلت: وقيد بعضهم عن ابن عرفة هنا ما نصه قوله تعالى: (فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ) ليعذبهم من خلفهم عن مسافتك ومقاتلتك، قال: فعلى هذا القسم هذه الآية تخصيص لما ورد من التخيير بين القتل والأسر والفداء والمن وغير ذلك، فما يراد صلاحا وسدادا أو يتعين القتل في حق هؤلاء؛ لأنه هو البعد عن مقاتلته من سواهم، وقيل: معناه فأبعدهم عن الكفر وعدم الإيمان بك فلا تخصيص على هذه، ويكون التخيير بين ما تقدم باقيا، ويكون أمر الفعل الأصلح، فإن قلت: أن لَا تدخل إلا على غير المحقق؛ فهلا قيل: فإذا تثقفنّهم؛ لأنه محقق الوقوع، ابن عرفة: فعادتهم يجيبون بأن تأكيد الفعل بالنون الشديدة اعتناء عن ذلك وغيره؛ كالمحقق لأنه المشكوك فيه لَا يؤكد وأيضا فترتيب الأمر بالتشديد عليه بغيره محقق الوقوع، قلت: وأجاب بعض الطلبة إنما هو الغلبة لا النفاق لأنهم في الممكن أن يمتربوا ويؤخذوا.
قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
(١) قال القرافي في الفروق:
"فِي كَوْنِ الْكُفَّارِ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مُخَاطَبُونَ، لَيْسُوا مُخَاطَبِينَ، الْفَرْقُ بَيْنَ النَّوَاهِي فَهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا دُونَ الْأَوَامِرِ فَلَا يُخَاطَبُونَ بِهَا وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِالْإِيمَانِ وَبِقَوَاعِدِ الدِّينِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْفُرُوعِ". اهـ (الفروق. ١/ ٢١٨).
الأنفال 8:67
ابن عرفة: هذا تسمية احتراس لأنه قد تقدم، قوله (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا) فقد يتوهم أن ضعفهم وعدم قوتهم يوجب عدم الاستعداد لهم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ﴾
ابن عرفة: ما ذكره ابن عطية وغيره عن أبي بكر وعمر ينبغي حمله على وجهين؛ أحدهما: أن الخطأ في الجهاد ملزوم للتأثم، الثاني: ما ذكره ابن الحاجب من أنه قد تعرض له صلى الله عليه وعلى آله وسلم الخطأ في اجتهاده ولكنه لا يقر.
وقال الفخر في المحصول: الأكثرون على منع ذلك في حقه وهو الصحيح؛ لأن المعصية تمنع منه، وهذا كله إذا قلنا: إن كل مجتهد مصيب، قال: واحتجوا بهذه الآية على أن المصيب واحد؛ فدلت على أن عمر هو المصيب في اجتهاده، وأجاب الآخرون بأن أبا بكر أقره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على ما فعله فهر مصيب بإقراره له، وفرق بعضهم بين الحكم بالفداء، وبين أخذ الفداء. فأبو بكر حكم [بالفداء*] وغيره من الصحابة أخذه فوقع العتب على من أخذ الفداء؛ لأنه عرض دنيوي فأخذوه لمجرد ذلك فقط، وأبو بكر إنما حكم بالفداء لمصلحة الآخرة؛ وهو رجاء إسلامهم.
قوله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ).
أبلغ من قول القائل: لَا يفعل النبي كذا ولا يفعل كذا؛ لاقتضائه نفي القابلية للفعل.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
راجع للأمر الباطن وهو اختيار الفداء لأنه جائز في نفس الأمر، لقوله (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا؍ (٦٩).. راجع للأمر الظاهر وهو التوبيخ على أخذ الفداء، ثم بعد ذلك نسخ بالجواز.؍
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٧٢)﴾
[أخَّرُ*] (وَجَاهَدُوا مَعَكُم) وقال تعالى قبلها: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فذكر بأموالهم وأنفسهم الأولى دون الثانية.
ابن عرفة: فقدم الجواب بوجهين؛ الأول: أنه حذف من الثاني لدلالة الأول عليه إذ الآية الأولى في الميراث، قلت: فيها حذف المال لتناول جهاد الغني والفقير.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾
الأنفال 8:75
ابن عرفة: يؤخذ منه أن الكفر علة واحدة، وفيه قولان.
قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ﴾
هذه الآية منسوخة عند مالك وأصحابه، والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب وصلى الله على مولانا وسيدنا محمد وعلى آله الطيبين وسلم.
* * * سُورَةُ التَّوْبَةِ (بَرَاءَة)
تكلم ابن رشد في البيان على ترك البسملة من أولها في أوائل الجامع الأول وذكروا وجوه في سبب إسقاط التسمية من أولها، من ذلك قول ابن عباس: سألت عليا عن ذلك، فقال: لأن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أمان، وهذه السورة نزلت بالسيف ونبذ العهد وليس فيها أمان، قلت:
وهذا هو الذي اختار الشاطبي في قوله [وَمَهْمَا تَصِلْهَا أَوْ بَدَأْتَ بَرَاءَةً؍ لِتَنْزِيْلِهاَ بالسَّيْفِ لَسْتَ مُبَسْمِلَا*].؍
ابن هشام المصري: هذا البيت من المشكل وبيانه أن (مَهْمَا) في كلامه لَا يجوز أن يكون مفعولا لـ تصل؛ لاستيفائه مفعوله، ولا مبتدأ لعدم [الرابط*]، فإن قيل: [قدر مهما واقعة*] على براءة؛ [فيكون*] ضمير [تصلها راجعا*] إلى براءة، وحينئذ فهي مبتدأ، أو مفعول لمحذوف يفسره تصل، قلنا: اسم الشرط عام، وبراءة اسم خاص، [فضميرها*] كذلك فلا يرجع إلى العام، وبالوجه الذي بطل به ابتدائية مهما، بطل كونها [مشتغلا عنها*] العامل بالضمير، وهذه بخلافها في قوله: "ومهما تصلها مع أواخر سورة" فإنها هناك واقعة على البسملة التي في أول كل سورة فهي عامة، [فيصح*] فيها الابتداء [أو*] النصب بفعل يفسره تصل أي: [وأي*] بسملة [تصل*] تصلها، والظرفية بمعنى، وأي وقت تصل البسملة على القول بجواز ظرفيتها، [وأما هُنَا فَيتَعَيَّن*] كونها ظرفا لـ تصل بتقدير، وأي وقت تصل براءة أو مفعولا به [حذف عَامله*]، أي ومهما [تفعل*] ويكون تصل [وبدأت*] بدل تفصيل من ذلك الفعل، وأما ضمير تصلها؛ فلك أن [تعيده*] على اسم مظهر قبله محذوف، أي ومهما [تفعل*] في براءة تصلها أو بدأت بها، وحذف بها وَلما [خَفِي*] الْمَعْنى بِحَذْف [مرجع*] الضمير ذكر براءة بيانا له إما على أنها بدل منه، أو على إضمار، أعني، ولك أن [تعيده*] على ما بعده، وهو براءة، إما على [أنه*] بدل منه، مثل: رأيته زيدا؛ [فمفعول*] بدأت [محذوف*]، وإما على أن الْفِعْلَيْنِ تنازعاها، فأعمل الثاني [متسعا فيه بِإِسْقَاط الْبَاء*]، [وأضمر*] الفضلة في الأول على حد قوله:
إِذا كنت ترضيه ويرضيك صَاحب؍ [جهازا*] فَكُن [فِي الْغَيْب*] أحفظ [للود*]؍
الزمخشري؛ سأل ابن عباس عثمان رضي الله عنهما عن ترك التسمية أول هذه، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا نزلت عليه السورة أو الآية، قال: " [اجعلوها في الموضع الذي يذكر فيه كذا وكذا، وتوفى رسول الله ﷺ ولم يبين لنا أين نضعها، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، «٢» فلذلك قرنت بينهما، وكانتا تدعيان القرينتين*]. الطيبي: غير أنه غير مطابق للسؤال [فيجاب*] عن بيان عدم تصدير السورة بالبسملة، وأجاب من موقع السورة مع أختها، ويمكن أن يقال إن السؤال كان عن شيئين؛ فأولها ترى في السؤال على أحدها وفي الجواب عن الآخر يدل عليه ما روى الإمام أحمد بن حنبل في مسنده، والترمذي وأبو داود في سننهما، عن ابن عباس، قال: [قُلْتُ
التوبة 9:1
لِعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى أَنْ عَمَدْتُمْ إِلَى الْأَنْفَالِ وَهِيَ مِنَ الْمَثَانِي، وَإِلَى بَرَاءَةٌ، وَهِيَ مِنَ الْمِئِينَ، فَقَرَنْتُمْ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ تَكْتُبُوا - قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: بَيْنَهُمَا - سَطْرًا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وَوَضَعْتُمُوهَا فِي السَّبْعِ الطِّوَالِ، مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟
قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ مِمَّا يَأْتِي عَلَيْهِ الزَّمَانُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ مِنَ السُّوَرِ ذَوَاتِ الْعَدَدِ، وَكَانَ إِذَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يَدْعُو بَعْضَ مَنْ يَكْتُبُ عِنْدَهُ يَقُولُ: "ضَعُوا هَذَا فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا" وَيُنْزَلُ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، فَيَقُولُ: "ضَعُوا هَذِهِ الْآيَاتِ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا" وَيُنْزَلُ عَلَيْهِ الْآيَةُ، فَيَقُولُ: ضَعُوا هَذِهِ الْآيَةَ فِي السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَذَا وَكَذَا"، وَكَانَتِ الْأَنْفَالُ مِنْ أَوَائِلِ مَا أُنْزِلَ بِالْمَدِينَةِ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ، فَكَانَتْ قِصَّتُهَا شَبِيهًة بِقِصَّتِهَا، فَقُبِضَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا أَنَّهَا مِنْهَا، وَظَنَنْتُ أَنَّهَا مِنْهَا، فَمِنْ ثَمَّ قَرَنْتُ بَيْنَهُمَا، وَلَمْ أَكْتُبْ بَيْنَهُمَا سَطْرًا: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ ابْنُ جَعْفَرٍ: وَوَضَعْتُهَا فِي السَّبْعِ الطُّوَلِ*].
قلت: في الحديث دليل ظاهر على بيان ترتيب الآي والسور.
الزمخشري: وعن أبي وهب: إنما توهموا ذلك لأن في الأنفال ذكر اليهود وفي براءة نبذ اليهود، الطيبي: الأول إشارة إلى قوله (وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا)، والثاني: ما ذكره في آية السيف.
(١)
الزمخشري: فإن قلت: لم علقت البراءة بالله ورسوله والمعاهدة بالمسلمين.
الطيبي: كان المناسب ترتيب المعاهدة والبراءة كليهما إما إلى المؤمنين معا، أو إلى ذاته عز وجل معا، قال: ما سبب [الترتيب*]، [ولماذا*] [خص*] البراءة بالله ورسوله مع أن المعاهدة مع المسلمين، وحق البراءة أن تنسب إلى المعاهدة؛ لأن الله تعالى أذن في المعاهدة فكأنه خاص وبريء، وأجاب الزمخشري بأن ذلك إعلام بحسب الوقوع وترتيب الوجوه، أذن الله لرسوله والمؤمنين أولا بالمعاهدة فعاهدوا ثم لما نقض المشركون العهد خبره الله إعلاما آخر، وقال: اعلموا أن الله ووسوله بريء منهم فتبرأوا منهم أنتم أيضا، ويمكن أن يقال: المعاهدة لم تكن إلا بإذن الله وإباحته، فلما نبذ المشركون العهد نسب الله تعالى البراءة إلى نفسه وضم معه ذكر الرسول غضبا عليهم وتهديدا شديدا فيطلق عليه قول الزمخشري أولا أذن الله، وثانيا: أوجب الله النية]، وقال صاحب الانتصاف (١): فيه شيء وذلك أنه لا يستند العهد إلى الله تعالى في مقام توهم فيه شائبة النقص إجلالا وتعظيما لكبريائه، ألا ترى وصية رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لأمير السرايا، فإذا نزلت [بحصن فطلبوا*] النزول على حكم الله
(١) هكذا نص ابن المنير - رحمه الله -:
"وراء ما ذكره سر آخر هو المرعي، والله أعلم. وذلك أن نسبة العهد إلى الله ورسوله في مقام نسب إليه النبذ من المشركين، لا تحسن شرعا. ألا ترى إلى وصية رسول الله ﷺ لأمراء السرايا حيث يقول لهم: وإذا نزلت بحصن فطلبوا النزول على حكم الله فأنزلهم على حكمك، فإنك لا تدرى أصادفت حكم الله فيهم أولا؟ وإن طلبوا ذمة الله فأنزلهم على ذمتك، فلأن تخفر ذمتك خير من أن تخفر ذمة الله. فانظر إلى أمره عليه الصلاة والسلام بتوقير ذمة الله مخافة أن تخفر وإن كان لم يحصل بعد ذلك الأمر المتوقع، فتوقير عهد الله وقد تحقق من المشركين النكث، وقد تبرأ من الله ورسوله بأن لا ينسب العهد المنبوذ إلى الله أحرى وأجدر، فلذلك نسب العهد إلى المسلمين دون البراءة منه، والله أعلم» " اهـ (الانتصاف. ٢/ ٢٤٢).
التوبة 9:2
تعالى، فأنزلهم على حكمك، فإنك لَا تدري [أصادفت حكم الله فيهم أولا؟ *]، وإن طلبوا ذمة الله فأنزلهم على ذمتك، [فلأن تخفر ذمتك خير من أن تخفر ذمة الله*]، فتوقير عهد الله واجب، وقد تحقق من المشركين النكث، وتبرأ الله ورسوله منه، فأحرى أن لَا ينسب العهد [المنبوذ*] إلى الله تعالى.
الزمخشري: قال علي يوم النحر، قال: أمرت بأربع:
أن لَا يقرب هذا البيت بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يدخل الجنة إلا [كل*] نفس مؤمنة، وأن يتم إلى كل ذي عهد عهده.
الطيبي: قوله: أمرت بأربع؛ أي أن أنادي بأربع، فإن قلت: ما فائدة النداء بقوله: ولا يدخل الجنة إلا كل نفس مؤمنة، قلت: الإعلام بأن المشرك لَا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان، لقوله تعالى: (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ) إلى قوله (سَبِيلَهُم) وهو من باب [لا أرينك هاهنا*]؛ يعني أمرت بأن يتصفوا بما [يستحقوا*] به أن يكون أهلا إذ لَا يقبل منهم سواه].
قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾
إما أن يكون في الكلام حذف أي فقيل لهم: سيحوا، وهذا التفات خرج من الغيبة إلى الحضور وجعل الفرد في هذه الأربعة الأشهر المذكورة مناهي الأشهر الحرم المعلومة وليس كذلك.
قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ... (٣)﴾
عبر بالأذان دون الإعلام لما في الآذان من الاستغفار برفع الصوت.
الزمخشري: ارتفاعه كارتفاع براءة ولا وجه لقول من قال: معطوف على براءة، كما يقال: عمرو معطوف على زيد، في قولك: زيد قائم وعمرو قاعد.
الطيبي: ولقائل أن يقول: لم لَا يجوز أن يعطف على (براءة) على أن يكون من عطف الخبر على الخبر؛ لكن الأحسن كونه من عطف الجمل لئلا [تخلو*] من الحصر [بين*] جمل كثيرة أجنبية، ويفوت التطابق بين المبتدأ والخبر تأنيثا وتذكيرا.
الزمخشري: فإن قلت: أي فرق بين معنى الجملة الأولى والثانية، قلت: تلك إخبار ثبوت البراءة وهذه إخبار بوجوب الإعلام بما ثبت، فإن قلت: لم علقت البراءة بالذين عاهدوا من المشركين وعلق الأذان بالنَّاس؟ قلت: لأن البراءة مختصة بالمعاهدين والناكثين منهم، وأما الأذان فعام بجميع النَّاس من عاهد ومن لم يعاهد، ومن نكث من المعاهدين ومن لم ينكث، وجعل الفخر البراءة الأولى بمعنى البراءة من العهد، والثانية في قوله: (بَرِيء) نقيض الموالاة، قال: ويدل على هذا الفرق أنه في الأولى بريء إليهم وفي الثانية منهم.
الزمخشري: حذفت الفاء التي هي صلة الأذان تخفيفا؛ يعني أن التقدير: فإِن الله بريء، قال: وقرئ إن بالكسر لأن الأذان في معنى القول، ورسوله عطف على المنوي [في*] (بريء)، أو على محل إن المكسورة.
ابن هشام المصري: العطف على المحل له عند المحققين ثلاثة شروط:
إمكان ظهور ذلك المحل في الفصيح، فلا يجوز: مررت بزيد وعمرو خلافا لابن جني؛ لأنه لَا يجوز مررت زيدا، وأما تمرون الديار فضرورة، وأجاب الفارسي في قوله تعالى: (وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ) أن يكون عطفا على محل هذه.
الشرط الثاني: أن يكون الموضع بحق الأصالة فلا يجوز في ضارب زيدا وأخيه لأن الوصف المستوفي لشروط العمل، الأصل إعماله وأجازه البغداديون.
الشرط الثالث: وجوز المجوز أي الطالب بذلك المحل على هذا يمتنع مسائل منها أن زيدا قائم وعمرو إذا قدر معطوفا على المحل لَا مبتدأ؛ لأن الطالب لرفع زيد هو الابتداء الذي هو التجرد، وقد جاء بدخول أن وأجاز هذا بعض البصريين؛ لأنهم لم يشترطوا المجوز، وأجازه الكوفيون ولم يشترطوا المجوز.
قال: ومن الغريب قول أبي حيان إن من شرط العطف على الموضع أن يكون المعطوف عليه لفظ وموضع، فجعل صورة المسألة شرطا، ثم إنه أسقط الشرط الأول الذي ذكرنا، انتهى.
أبو البقاء: لَا يجوز عطف (وَرَسُولُهُ) على موضع أن المفتوحة؛ لأنها بتأويل المفسرة.
ونقل الطيبي، عن ابن الحاجب، أنه قال: النحاة يطلقون هذا، وليس بصحيح، قيل: هي قسمان، فإن كانت في تأويل الجملة صح العطف: كعلمت أن زيدا قائم وعمرو بالرفع؛ لأنه في تقدير أن زيد قائم وعمرو؛ بدليل أنك إذا قلت: علمت أن زيدا لقائم بكسر أن تدل على أنها في تأويل الجملة.
وإما يمتنع العطف في مثل: عجبت من أنك قائم إذ لَا يصح تقديره بالجملة، انتهى. قوله إنها في معنى إن المكسورة إن أراد بها في تأولها لجريان المسند والمسند
التوبة 9:5
إليه في صلتها، فمسلم، [ويمتنع العطف*] (١) إذ لَا موضع لها إلا النصب لكونها مفعولا لعلمت، وإذ أراد أنها في تأويل المكسورة بمعنى أنها جملة فلا نسلمه هي في معنى المفرد، وأما تنظيره بعلمت إذا علقت عن أن لدخول اللام في خبرها، فليست مثل المفتوحة؛ لأن هذه الجملة لَا عمل لعلمت فيها، قال: وقال ابن الحاجب في غير هذا الموضع: إنما لم تعطف على المفتوحة لفظا، ومعنى لأنها واسمها وخبرها بتأويل خبر واحد؛ فلو قدرت أنها في حكم العدم [**لأحكمت بموضع] بخلاف المكسورة لأنها لا تغير المعنى، فجاز تقدير عدمها؛ لكونها للتأكيد المحض؛ كما جاز تقدير عدم الباء المؤكدة في قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديد.
قوله تعالى: (وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ).
الزمخشري: عن التوبة، أو تبتم عن التولي والإعراض عن الإسلام والوفاء، قلت: فعلى هذا التفسير الثاني يدل على أن الدوام كالإيتاء.
قوله تعالى: ﴿حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾
فيه دليل على أن العام في الأشخاص غير عام في الأمكنة.
قوله تعالى: (كُلَّ مَرْصَدٍ).
الزمخشري: انتصابه على الظرف.
الطيبي على الانتصاف، ويحتمل أن يكون المرصد مصدر؛ لأن اسم الزمان والمكان والمصدر من فعله واحد، (وَاقْعُدُوا) في معنى ارصدوا، وتقرب الظرفية قوله (حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُم) ليطابق الظرفية في المكانين.
قوله تعالى: (فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ).
الفخر: احتج بها الشافعي على قتل تارك الصلاة، قال: لأنه تعالى أباح دماء الكفار مطلقا، ثم حرمها عند مجموع هذه الثلاثة: وهي التوبة عن الكفر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة؛ فعندما يحصل هذا المجموع وجبت أن يبقى [إِبَاحَةُ*] الدم على الأصل، فإن قيل: يحتمل أن يكون المراد [الْإِقْرَارَ بِهِمَا وَاعْتِقَادَ وُجُوبِهِمَا*] ويدل عليه أن [الزَّكَاةِ لَا يُقْتَلُ*]؟ فالجواب أن هذا عدول [عن*] الظاهر، وأما في تارك [الزَّكَاةِ*] فقد دخله التخصيص، فإن قيل: حمل الكلام على التخصيص؛ [أَوْلَى*] من حمله على اعتقاد وجوب الصلاة والزكاة؟ قلنا: لأنه ثبت في أصول الفقه مهما وقع التعارض بين المجاز [والتَّخْصِيصِ*] فإن [التَّخْصِيصَ أَوْلَى بِالْحَمْلِ*]، انتهى.
(١) في الكتاب المطبوع هكذا:
"ويمتنع عرفة العطف" بزيادة كلمة "عرفة" وهي إما زائدة أو مصحفة. والله أعلم.
التوبة 9:6
فمن حمله على اعتقاد قلنا: وأصل هذا الاستدلال يتقرر على ما تقرر في علم المنطق من أن المقدمة الشرطية لَا تتعدد بتعدد مقدمها، هنا مثله بتأصله، وقد يقال: إن هذا الاستدلال إنما ينتج أنه لَا يخلى سبيلهم، وذلك أعم من القتل، وما ذكره معه في أول الآية ولم يذكر في الآية الصوم والحج، فمع كونها من آخر ما أنزل، وكان الحج فذكر هو لأن المذكور أهمها.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ﴾
الزمخشري: (أَحَدٌ) مرتفع بفعل الشرط مضمرا يفسره الظاهر؛ تقديره: وإن استجارك أحد.
الفخر: (١) فَإِنْ قِيلَ: لَمَّا كَانَ التَّقْدِيرُ مَا ذَكَرْتُمْ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي تَرْكِ هَذَا التَّرْتِيبِ الْحَقِيقِيِّ؟، قلنا: الحكمة فيه ما ذكر سيبويه وهو أنهم يقدمون الأهم، ولما كان ظاهر الدليل يقتضي إباحة دم كل واحد من المشركين، فقدم ذكره ليدل على مزيد العناية لصون دمه عن الإهدار، وفي الآية دليل على أن التقليد [غَيْرُ كَافٍ فِي الدِّينِ*]، وأنه لَا بد من النظر والاستدلال؛ لأنه لو كان التقليد كافيا لوجب أن لَا [يُمْهَلَ*]؛ بل يقال إِمَّا أَنْ تُؤْمِنَ، وَإِمَّا أَنْ [نَقْتُلَكَ*]، وليس في الآية ما يدل على مقدار هذه المسألة المهملة، ويرجع في ذلك إلى العرف بحسب حال الشخص، والمذكور في الآية كونه طالبا لسماع الدلائل، والجواب عن الشبهات؛ والدليل عليه أنه تعالى علل وجوب تلك [الإجارة*] بكونه غير عالم، والمعنى [فَمَتَى ظَهَرَ عَلَى الْمُشْرِكِ عَلَامَاتُ كَوْنِهِ طَالِبًا*] للعلم مسترشدا للحق، وكل من حصلت فيه هذه العلة وجبت [إجارته*]، وليس في الآية ما يدل، هل المراد سماعه جميع القرآن أو بعضه؟ والظاهر ما يحصل لديه العلم غالبا، والحربي إذا دخل دار الإسلام كان [معصوما*] مع ماله إلا أن يدخل مستجيرا لغرض شرعي أو لتجارة أو رسولا أو ليأخذ ماله بدار الإسلام، وكما له أمان فأمان ماله أمان له، وانظر كلام مكي في الهداية في هذا الوجه حيث تكلم على إضافة كلام الله فهو مشكل؛ لأنه قال: إضافة [تخصيص*] بمعنى القيام به ليست إضافة ملك لملك ولا خلق لخالق، ولا إضافة تشريف؛ بل بمعنى إرادته غير متعدية عنه؛ فافهمه. قوله بمعنى إرادته؛ أي بمعنى إضافة الإرادة إليه في كونها غير متعدية عنه لا كما تقوله المعتزلة أنه تعالى خلق الكلام في السجود، هذا تقدير كلامه وبيانه على مذهب أهل السنة، وانظر ما ذكر أبو حيان من لزوم تقدير الضمير بعد حتى هو غير لازم بل القدر الفعل، ونص كلامه: حتى متعلقه بـ (أَجِرْهُ) ولا يصح تعلقها بـ (اسْتَجَارَكَ) على أنه من باب الشارع؛ لأنه لو أعمل الأول لَا ضمير في الثاني، وحتى لا يجر المضمر وعند من يجر بها يصح كونه من باب الشارع، انتهى.
(١) النص في مفاتيح الغيب هكذا:
"اعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّقْلِيدَ غَيْرُ كَافٍ فِي الدِّينِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ التَّقْلِيدُ كَافِيًا، لَوَجَبَ أَنْ لَا يُمْهَلَ هَذَا الْكَافِرُ، بَلْ يُقَالُ لَهُ إِمَّا أَنْ تُؤْمِنَ، وَإِمَّا أَنْ نَقْتُلَكَ فَلَمَّا لَمْ يُقَلْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ أَمْهَلْنَاهُ وَأَزَلْنَا الْخَوْفَ عَنْهُ وَوَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نُبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ أَنَّ التَّقْلِيدَ فِي الدِّينِ غَيْرُ كَافٍ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْحُجَّةِ وَالدَّلِيلِ فَأَمْهَلْنَاهُ وَأَخَّرْنَاهُ لِيَحْصُلَ لَهُ مُهْلَةُ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ.
إِذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَقُولُ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِقْدَارَ هَذِهِ الْمُهْلَةِ كَمْ يَكُونُ وَلَعَلَّهُ لَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهُ إِلَّا بِالْعُرْفِ، فَمَتَى ظَهَرَ عَلَى الْمُشْرِكِ عَلَامَاتُ كَوْنِهِ طَالِبًا لِلْحَقِّ بَاحِثًا عَنْ وَجْهِ الِاسْتِدْلَالِ أُمْهِلَ وَتُرِكَ وَمَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِ كَوْنُهُ مُعْرِضًا عَنِ الْحَقِّ دَافِعًا لِلزَّمَانِ بِالْأَكَاذِيبِ لَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ واللَّه أَعْلَمُ." اهـ (مفاتيح الغيب. ١٥/ ٥٣٠ ـ ٥٣١).
التوبة 9:7
وتنظر هل معنى الآية: وإن أحد من المشركين استجارك لكي يسمع كلام الله فأجره، والمعنى: استجارك لما هو أهم من ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾
يترجح كون ما مصدرية بوجهين؛ أحدهما: الدلالة على اتصال الأمر بالاستقامة لهم في جميع مدة استقامتهم لنا.
الثاني: أن الأصل في القضايا [الحملية*] لَا الشرطية.
قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ (١٢)﴾
يؤخذ منها أن دين الكافر لَا يلزمه خلافا للمغيرة حكاه ابن رشد، وهذه الجملة اعتراضية بين قوله (فَقَاتِلُوا) وبين قوله (لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ).
قوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾
ابن عرفة: إن أريد إخراجه من مكة، فيكون في الآية تقديم وتأخير؛ لأن نكثهم إيمانهم بعد ذلك، وإن أريد من المدينة، فالآية على ترتيبها، وإنما لم يقل وهموا بإخراج رسولهم؛ لأنهم خالفوه من حيث كونه رسولا، فخالفوا الرسول [بالنكران وهو أشد*].
قوله تعالى: (وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ).
ولم يقل: وهموا بإخراج الرسول، الفرق الحاصل بين الجملتين؛ لأن الجملتين الأولتين ترجعان إلى تكذيبهم بالرسول، والثانية: راجعة إلى قتالهم للمؤمنين، فهذه الثانية تحريض للمؤمنين على قتالهم، فإن قلت: ما أفاد قوله (أَوَّل مَرَّةٍ)، ولفظ البدء يقتضي الأولية، قال: فالجواب أن البداية تقتضي الكمية المنفصلة، لقولك: إذا كان بين بني تميم وبني قيس غير حروب، فتقول: بنو تميم هم البادئون بالقتال في الحرب الأول.
قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾
هذا صريح في مذهب أهل السنة القائلين بأن أفعال العباد كلها مخلوقة لله عز وجل، ولما تقدم الأمر بالقتل بلفظ العرض والتحضيض عقبه بصيغة الأمر بالقتال ضربا، أو ذكر الأمر بالقتال ليرتب عليه الوعد بالنصرة عليهم في قوله (يُعَذِّبْهُمُ)، فإن قلت: ما أفاد قوله تعالى: (وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ) بعد قوله (يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ)؟ قلت: لأنهم إذا عذبوا بأيديهم قد يساومهم فلا يغلبوا أو لَا يغلبوا.
التوبة 9:15
قوله تعالى: ﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾
يؤخذ منها أن العرض يبقى زمانين؛ لأن ذهاب الشيء يمكن ألا تعد حصوله فهو إذ استلزم لزمنين زمن الحصول وزمن الإذهاب، فإن قلت: لم أسند الغيظ إلى القلوب والشفاء للصدور، قلت: لما كان الغيظ سبب الحسد أو نحوه وهو مذموم شرعا وطبعا أسنده إلى محله وهو القلب خاصة تتغير عنه، ولما كان الشفاء محبوبا شرعا وطبعا أسنده إلى جميع الصدر وتخفيفا عليه، والشفاء أمر ملائم والغيظ أمر مؤلم، فسلك في الآية مسلك الترقي، قلت: ونظرة قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) أسند الزيغ للقلوب والهداية لجميع الذات، وتقدم الكلام عليه.
قوله تعالى: (وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
في الآية رد على المعتزلة القائلين بوجوب مراعاة الأصلح للعبد.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾
يؤخذ منها أن الكافر لَا تقبل صدقته على المسجد.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾
إلى (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ) فيه سؤال وهو أنهم توعدوا على تفضيل محبة هؤلاء على محبة الله، فهلا توعدوا على التسوية بينهما فهو أبلغ، ويفيد التوعد على التوهم من باب أحرى، فأجيب بأن محبة الله تعالى ليس بينهما وبين محبة غيره مساواة بخلاف من سواه؛ فإنه قد يستوفي المحبة فيهم، وبيانه أن الإنسان إن رجح الجهاد فقد أحب الله، وإن رجح القعود وترك الصلاة فقد أحب غير الله، فلهذا قيد بصنيعة المحل.
قوله تعالى: ﴿فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ... (٢٥)﴾
قال الزمخشري: إن قلت: لم عطف (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ) وهو ظرف مجرور على منصوب على المجرور، وأجيب بثلاثة أوجه:
الأول: قال [ابن عرفة*]: لَا يجوز أن يقول: جلست في الدار ويوم الجمعة؛ لأن العطف يقتضي المغايرة ولا [مغايرة بين الجلوس*] في الدار، والجلوس يوم الجمعة لاحتمال الجلوس في الدار كان يوم الجمعة، واستشكله أبو حيان وقال: في العربية يجوز عطف ظرف الزمان على ظرف المكان.
قوله تعالى: (إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ).
التوبة 9:28
بدل من (يوم حنين) وهو [**قيد للأخير فهل يرجع للأول أم لَا على الخلاف في الاستثناء إذا تعقب مجملا].
قوله تعالى: (اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنَا قَلِيلًا).
قلت لابن عرفة: اشتروا من الاشتراء، فقال: المراد هنا المسمَّون.
قوله تعالى: (سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
(ما) يكون متعديا نحو: ساء ما فعله فلان ويكون قاصرا [و (سَاءَ) بمعنى بئس*]، فالمراد [بئس*] العمل ما كانوا يعملون؛ لأنها تجري [مجرى نعم وبئس*]، قال ابن عرفة: إن هذا من التنزيل؛ لأن اشتروا واضحة، قيل: إن القاضي عبد السلام قال في قوله تعالى: (وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ) إنه من باب إضافة الموصوف إلى الصفة، قال: وذكر الفخر اتفاق النحاة على أنه لَا يجوز إضافة الموصوف إلى صفته، قال: وفي هذا نظر.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾
إلى قوله تعالى: (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ) أخذ برد المازري في كتاب التجارة بأن من الحرب أن المسلمين إذا نزلت بهم شدة فإنه لَا يجوز لأحدهم أن يدخل دار الكفر لشراء الطعام، وفرق ابن عرفة: بأن حرمة المسجد أقوى من حرمة المسلم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾
من باب الخاص، عطف الخاص على العام، وإن كانوا يدينون أعم من يحرمون؛ لأن نفي الأعم أخص، قال: وفي قوله تعالى: (وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده.
قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾
أي جعلناه ترقيا فيؤخذ منه تقديم الأصلح من باب الأمانة على الأعلم وإن جعلناه تدليا فيؤخذ منه تقديم الأعلم.
قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا).
الوصف بواحد إشارة إلى نفي الكمية المتصلة، والوصف بلا إله إلا الله لنفي الكمية المنفصلة.
التوبة 9:32
قوله تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ).
فائدة قوله (بِأَفْوَاهِهِمْ) إما التنبيه على أنه لم يقولوه في أنفسهم فقط؛ بل صرحوا به بألسنتهم، وإما التنبيه على [تفاهة*] عقولهم، وأنه قول [لَا دليل عليه*]، وإما أن يراد بالقول المذهب، أي دينهم بأفواههم، وإما أنه [تبكيت لهم وتوبيخ لهم*]؛ لأن الفم أشرف الأعضاء، فاستعاره فيما لَا يليق به [**وصحح جعل الأعرف وهو قولهم لأنه أعم من المبتدأ، ولا يضاف للمبتدأ فيه].
قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾
فأجاب الزبير بأن الاثنين جواب من قول الكافرين المشتمل هنا على ست كلمات، وهناك على ثلاث كلمات؛ لأن قبل هذه (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) وقيل تلك (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ) فناسب التطويل هنا زيادة (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا) وبإظهار أن في قوله (أنْ يُطْفِئُوا) وناسب الاختصار هناك، وقلت: وأيضا فإنه لما عبر هناك بالفعل المقتضي للتجدد وأتى معه بأداة الحصر واستغنى هنا عن ذلك لكونه عبر بلفظ الاسم المقتضي للثبوت واللزوم.
قوله تعالى (فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ (٣٥).. انظر هذه الآية مع ما في الحديث من أن النار لا ينال محل السجود، ويجاب بأن لَا تعارض بين العام والخاص.
قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾
فإن قلت: ما أفاد زيادة (وَاعْلَمُوا)؟ وهلا قيل: والله مع المتقين؟ فالجواب: إما بأنه تنبيه للعاقل فيحضر ذمته، وإما بأن المراد اعلموا ذلك بالدليل والبرهان إشارة إلى وضوح الدلائل الدالة عليه، وإمَّا أنه تأكيد في الإخبار.
قوله تعالى: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾.. عادة بعضهم يفرق بين في وعلى؛ بأن في تقتضي تكميل الكمية من جنسها، وعلى تقتضي الزيادة عليها مطلقا فقد يكون من غير الجنسين، ومثاله: إذا وجدت سلعة وقضت على عشرة دنانير فردت فيها إلى أن بلغت عشرين ورقمت العشرين، قلت: زدت في ثمنها لأن الزيادة هنا من الثمن؛ فإن الزيادة هنا ليست من الثمن، فدل هنا على أن النسيء كفر، لقوله: ولم يقل على الكفر.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
على معنى يضل به الذين كفروا واتباعهم؛ فالذين كفروا إما فاعل أو مفعول. ابن عرفة: فيه إشكال لأن ابن عصفور نص على أنه إذا كان حذف شيء من الكلام يصيره دائر بين معنيين متناقضين لم يجز الحذف، كقولك: رغبت زيدا فلا يدرى أرغبت عنه أم رغبت فيه، وأجيب بأن المراد الإخبار عنهم بكونهم ضالين في أنفسهم سواء ضلوا غيره أو ضلوا في أنفسهم فقط.
قوله تعالى: (يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا).
من باب عندي درهم ونصفه، فإن النسيء المحلل غير المحرم، ومنه قول النابغة:
قَالَت:
أَلا لَيْتَما هَذَا الْحمامُ لنا؍ إِلَى حمامتنا [أَو*] نِصْفُهُ فَقَدِ؍
وفي الآية إشكال لأنهم ذموا على التحليل والتحريم معا، قدمهم على تحريم ما أحل الله حسن، وذمهم على تحليل ما أحل الله قبيح، الحمد لله وقع الكلام بين ابن عرفة والطبري رحمهما الله تعالى بمحضر جماعة من فضلاء الطلبة في مدرسة ابن اللباد هذا حسي، وبمحضره على قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتقِينَ) قال ابن عرفة: لم قال: (وَاعْلَمُوا)؟ ولو قال: فإن الله ليحصل المقصود، فأجابه الخولاني بأنه تأكيد في الإخبار وتثبيت، فقال ابن عرفة: خبر الصادق لَا يحتاج إلى تأكيد؛ لأنه [مقبول*] بأول وهلة، وإنما الجواب: أنه تنبيه للغافل استحضارا له منه، ونقل عن الخولاني: أنه إنما الجواب بأن الدلائل على ذلك واضحة؛ فكأنه قال: اعلموا بالدليل لا بالتقليد ولم يرضه.
ابن عرفة: وقال: إنما الجواب اعلموه دائما.
قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ).
كلمة (إِنَّمَا) لَا يؤتى بها في كلام يستدعي الزيادة على المقصود فيؤتى بها للحصر، ولو قيل: النسيء زيادة في الكفر ليحصل المقصود من الرد عليهم إذ لا يصف له أحد مع كونه زيادة في الكفر شيء آخر، ولا يقول: إنه مع ذلك زيادة في غيره.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
قرأ حفص وحمزة والكسائي [(يُضَلُّ) *]، وقرأ الحسن (يُضِلُّ) على معنى يضل الله به الذين كفروا أتباعهم، فالذين كفروا إما فاعل أو مفعول، قال ابن عرفة: فيرد عليه إشكال وهو أن ابن عصفور، وغيره، قالوا: إذا كان حذف شيء من الكلام يصيره احتمال معنيين متناقضين فإنه لَا يجوز الحذف لما فيه من الإخلال بالفائدة المقصودة منه، نحو: رغبت زيدا، إذ لَا يدري هل المراد رغبت عن زيد أو رغبت في زيد، وهنا على أن الذين كفروا فاعل فهم مضلون، وعلى أنه مفعول فهم مضلون غيرهم، وذلك مناقض، وإجابة الخولاني بأن المقصود منهم بأنهم في أنفسهم ضالون سواء كانوا مضلين غيرهم إن كان الضلال واقعا بهم.
قال ابن عرفة: معلوم الفرق بين من وقع به الضلال وبين من وقع منه، كما أنه معلوم الفرق بين الجاني والمجني عليه أيضا؟ نقلته من خط شيخنا التلاوي رحمه الله.
قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ).
قوله تعالى: (ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ).
قال ابن عطية: إنما قال: (بِأَفْوَاهِهِمْ)؛ لأن القول يكون في النفس، وفي الأفواه؛ [فارغا، وهم قالوه بالأفواه*]، أو يكون تأكيدا (١)، وقال الزمخشري: إشارة إلى سخافة مقالتهم، وأنه قول لا يعضده برهان كما هو الأحفظ لَا معنى له، ووجه بأن المراد بالقول المذهب، كقولهم قول أبي حنيفة؛ أي مذهبه كان قبل ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لَا بقلوبهم، قلت لشيخنا: أو تقول إن الفم من أشرف الأعضاء بمن لا ينبغي أن يستعمل إلا فيما يليق، ولهذا يقال: إن البلاء موكل بالمنطق فذكر الفم على معنى التبكيت عليهم والتوبيخ لهم وذلك مبتدأ وقولهم خبر، قلت: كيف صح جعل الأعرف خبرا؟ فأجاب أن القاعدة بأن الخبر يكون أعم من المبتدأ أو القول أعم من اسم الإشارة، قلت له: ويعضدك أيضا الخبر فإن المبتدأ ينحصر في الخبر، فالمقصود حصر المشار إليه في مقالتهم، قال: فإِن قلت: كيف أفرد اسم الإشارة اثنان؟ فأجاب بأنه أفرده على معنى المذكور، أو على تنزيله منزلة المضمر وتقدم الزمخشري بنحوه، في قوله تعالى: (عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ).
قوله تعالى: (وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ).
قلت: آخر الآية كالمناقض لأولها، فإنه أفرد أول الآية عنهم، أنهم قالوا: المسيح ابن الله، والابن تابع للأب، وذلك يقتضي نفي كونهم سووا بينه وبين الله في العبادة فرضا على أن يكونوا عدوه من دونه، وآخرها يقتضي عبادتهم إياه من دونه، وأجاب بوجهين: الأول: أن ما المراد بقوله: (مِنْ دُونِ) مخصصة بالعبادة لا المساواة وإنَّمَا المراد أنهم مشابهون لمن عبد المسيح من دون الله؛ لأن من حق المعبود أن يشرك معه غيره.
(١) النص في المحرر الوجيز هكذا:
"وقوله (بِأَفْواهِهِمْ) يتضمن معنيين:
أحدهما إلزامهم المقالة والتأكيد في ذلك كما قال (يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ) [البقرة: ٧٩]، وكقوله (وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ) [الأنعام: ٣٨]، والمعنى الثاني في قوله (بِأَفْواهِهِمْ) أي هو ساذج لا حجة عليه ولا برهان غاية بيانه أن يقال بالأفواه قولا مجردا نفس دعوى". اهـ (المحرر الوجيز. ٣/ ٢٤). الثاني: أن يقول: التقدير واتخذوا المسيح ابن الله ربا، ولا يقدر من دون الله [... ].
قوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ).
كان العرب يسمون المحرم صفر ويسمون الربيع بصفر.
قال ابن عطية: لتجيء السنة ثلاثة عشر شهرا.
قال الفخر: يريد الحساب الذي بين الشمس والقمر وليس ذلك في كل سنة بل في بعض السنين.
وقال ابن عرفة: ليس مراده هذا وإنما أراد أنهم إنما سموا صفر بالمحرم وعدوا منه اثني عشر شهرا سموا المحرم الحقيقي بذي الحجة وينسون في العدد، ويجعلون المحرم في الثانية ربيع الأول، وفي الثالثة ربيع الآخر، وفي الرابعة جمادي فيبقى الشهر الذي أنفدوا منه زيادة في كل سنة وثلاثة عشر.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
على قراءة (يَضلُّ به الذين كفروا) بفتح الياء وضمها لَا يصح أن يكون الفاعل الذين لأنه معنى يضل، والذين مفعول، وإما على قراءة يضل بضم الياء وكسر الضاد، وله ثلاثة أوجه:
إما يضل الله به الذين كفروا، أو يضل الشيطان به الذين كفروا، أو يضل به الذين كفروا فأنعتهم وهو أقواها؛ لأنه لم يجز ذكر الله ولا ذكر الشيطان.
قوله تعالى: (يُحِلُّونَهُ عَامًا).
في موضع الحال.
قال الخولاني: أصل الحال أن يكون بالمفرد ليكون لفظها موافقا لمعناه في النصب فلم أتى بها هنا جملة، فقال ابن عرفة: لاقتضاء الفعل التجدد بخلاف الاسم.
قوله تعالى: (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ).
قال ابن عرفة: فيه سؤالان؛ الأول: لم كرر الجملة؟ فهلا قال: فيحلوه؟
السؤال الثاني: لم حذف، قلت: وقد ذكرهما في [... ] فانظرهما. قوله تعالى: (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ).
انظر لم حذف الفاعل؟ قال بعضهم: للتحقير، فرد عليه بأنه لَا يحذف إلا إذا كان المفعول عظيما فيحذف تحقيرا له أن يذكر معه، لقولك: طعن عمرو، والمفعول هنا حقير.
وقال ابن عرفة: حذف العلم به، فرد عليه الخولاني بأن المفسريين اختلفوا في المزين، فقيل: هو الله، وقيل: هو الشيطان [... ] انظر ابن عطية، قلت: إن كان المزين هو الله فالحذف للتعظيم، وإن كان الشيطان فالحذف للتحقير لأنه غير معظم.
قوله تعالى: (سُوءُ أَعْمَالِهِمْ).
قال: هو عندي من باب الصفة إلى الموصوف؛ لأن السوء من صفة الأعمال وهو عندهم ضعيف، والكثير الجائز إضافة الموصوف إلى صفته كصلاة الأولى، ونقله [... ].
قلت: وذكر الشيخ النووي الصالح في شرح مسلم في كتاب فضائل الصحابة حديث جرير بن عبد الله أن مذهب [... ]، وأجاز ذلك الكوفيون، فأجابه ابن عرفة: بأن عنهما عموم وخصوص من وجه دون وجه، فالشيء يطلق على الأعمال وغيرها؛ كما أن الأعمال منها السيئ والقبيح، قلت: وما قال عندي غير صحيح لجواز مررت برجل حسن الوجه، وهو باب متصور من أبواب [العربية*] فتأمله.
قوله تعالى: (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا).
[**إن جعلنا المعنى السيئ بمعنى النسيء]، فظاهر وإلا فقول بفعله، [والنسيء مصدر*].
والزمخشري وأبو حيان يشكلان، فإنهما ذكرا ثلاث قراءات، [الجمهور (النسيء) بالمد، وَوَرْشٌ (النَّسِيُّ)، وبتخفيف النسي كالنَّهيِ*] (١).
قال ابن عرفة: وهي والأول سواء، ولا فرق بينهما.
قوله تعالى: (مَا).
ما ظرف [والعمل في جميعه؛ لأنه محدود].
قوله تعالى: (لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ).
(١) النص في الكشاف هكذا:
"والنسيء مصدر نسأه إذا أخره. يقال نسأه نسأ ونساء ونسيئاً، كقولك:
مسه مساً ومساساً ومسيساً. وقرئ بهنّ جميعا. وقرئ النسى، بوزن الندى. والنسى بوزن النهى، وهما تخفيف النسيء والنسيء". اهـ (الكشاف. ٢/ ٢٧٠).
والنص في البحر المحيط هكذا:
"وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: النسيء مهموز عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ. وَقَرَأَ الزُّهْرِيُّ وَحُمَيْدٌ وَأَبُو جَعْفَرَ وَوَرْشٌ عَنْ نَافِعٍ وَالْحَلْوَانِيُّ: النَّسِيُّ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ سَهَّلَ الْهَمْزَةَ بِإِبْدَالِهَا يَاءً، وَأَدْغَمَ الْيَاءَ فِيهَا، كَمَا فَعَلُوا فِي نَبِيءٍ وَخَطِيئَةٍ فَقَالُوا: نَبِيٌّ وَخَطِّيَّةٌ بِالْإِبْدَالِ وَالْإِدْغَامِ. وَفِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ قَرَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالزُّهْرِيُّ.
وَقَرَأَ السُّلَمِيُّ وَطَلْحَةُ وَالْأَشْهَبُ وشبل: النسء بإسكان السين. وَالْأَشْهَبُ: النَّسِيُّ بِالْيَاءِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ مِثْلُ النَّدِيُّ. وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ: النَّسُوءُ عَلَى وَزْنِ فَعُولٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ، وَهُوَ التَّأْخِيرُ.". اهـ (البحر المحيط. ٥/ ٤١٦، ٤١٧).
وقال ابن عطية:
"وقرأ جمهور الناس والسبعة «النسيء» كما تقدم، وقرأ ابن كثير فيما روي عنه وقوم معه في الشاذ «النسيّ» بشد الياء، وقرأ فيما روى عنه جعفر بن محمد والزهري «النسيء»، وقرأ أيضا فيما روي عنه «النسء» على وزن النسع وقرأت فرقة «النسي». فأما «النسيء» بالمد والهمز فقال أبو علي هو مصدر مثل النذير والنكير وعذير الحي ولا يجوز أن يكون فعيلا بمعنى مفعول لأنه يكون المعنى إنما المؤخر زيادة والمؤخر الشهر ولا يكون الشهر زيادة في الكفر". اهـ (المحرر الوجيز. ٣/ ٣٢).
التوبة 9:38
ابن عرفة: هو من باب مطاوعة الفعل من التواطؤ مفاعلة، ولَا يكون إلا بين اثنين والبراءة هنا [مفعولة لَا مفاعلة*]، بقوله تعالى: (فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) ولم يقل: فيحرموا ما أحل الله، قلت له: لأن إحلال المحرم راجع للإيمان بالفعل، والترك المحرم راجع للترك، واختلف في الترك فهل هو فعل أم لا.
قال الفخر: لَا يحسن أن يقال: من زنا وأكل الحلوى فاجلدوه؛ لأن تعليق الحكم على الوصف المناسب لَا يوجب ذما، [ولم يختلفوا*] إلا في تحليل المحرم، فلم قال: [يحرمونه عاما*]؟ فالجواب أنهم ذموا على مخالفتهم حكم الله تعالى واستنباطهم حكما لأنفسهم من تحليل المحرم، وأوقع الظاهر موقع المضمر [نعيا*] عليهم ومبالغة في ذمهم.
قوله تعالى: (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ).
حذف الفاعل إما تحقيرا له إن كان المزين الشيطان، أو تعظيما؛ أو كان المزين الله.
قال ابن القصار: أو حذف للاهتمام حسبما ذكر البيانيون أنه إذا كان المقصود بالذات المفعولة يختص بالفاعل من اللفظ، ويكتفى بذكر المفعول إشارة إلى أنه هو الله.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾
قال الزمخشري: وكانت غزوة تبوك سنة عشر.
وابن عطية: سنة تسع، والصحيح ما قال ابن عطية، وانظر ما قيد على حاشية ابن بشير في أول الجهاد.
وقال الزمخشري: حذف الفاعل من قيل لكم تحقيرا للمفعول أن يذكروا معه، وقال ابن عطية: للتغليظ عليهم.
وقال الفخر: وهل حذف قصدا لعموم النهي للمؤمنين إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: (اثَّاقَلْتُمْ).
قال ابن عرفة: أصله تثاقلتم، قال ابن عرفة: فأدغمت التاء في الثاء واجتنبت الهمزة وصلة إلى النطق بالساكن. قال أبو حيان: اثاقلتم في موضع الحال أي تتثاقلون إذا قيل لكم، وقال أبو البقاء: في موضع نصب أو خفض كالفعل الذي حذفت منه، إن مذهب سيبويه أن يكون في موضع نصب، والخليل في موضع جر؛ قاله ابن الصائغ، [والآبذي*]، وغيره، لقوله (إِلَى الأرْضِ) قال الزمخشري: قيل: المراد به الحقيقة أي ملتم إلى الإقامة بأرضكم، وقيل: المجاز أي ملتم إلى الدنيا وشهواتها.
قال ابن عرفة: تعلق الأول بكون الألف واللام للعهد، وعلى الثاني للحقيقة الماهية.
وقوله تعالى: (مِنَ الآخِرَةِ) قال أبو حيان: من بمعنى بدل؛ فهو في موضع نصب على الحال، ورده ابن عرفة: بأنه إن جعلها بمعنى بدل فلا يقرر لفظ السؤال معا ويكون المجرور متعلقا بالظاهر، قال: ومن هنا سببية وهو على حذف مضاف أي سبب ترك الآخرة، قلت: إلا لابتداء الغاية، فقال: ليس ثم ينتهي إليه وهو على حذف مضاف، والمراد بالذكر.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ).
يؤخذ منها أن وصف الإيمان لَا ينتفي مع الكبائر [... ]، ومنها أن صيغة افعلْ للوجوب، والأصل عدم القرائن، قيل لابن عرفة: وفيها أن الأمر يقتضي الفور، ورد بأن بيان ذلك مستفاد من مادة (انفروا)، وأجيب بأنه إن أريد أن المادة تدل على الفور [**فيما بين أحرى] [... ] فمسلم ولا يدل، وإن أريد فيما بين الفعل وسببه فممنوع.
الزمخشري: غزوة تبوك سنة [عشر*]، ابن عطية: سنة تسع، ابن عرفة: هو الصحيح.
الزمخشري: وحذف الفاعل من قبل تحقير للمفعول أن يذكر معه ابن عطية تعظيما عليهم، الفخر: قصد العموم النهي إلى قيام الساعة (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) مخالف لقوله تعالى في سورة الرعد (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ)، وقوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)
التوبة 9:40
قال: والجواب بأن ذلك بالنظر إلى الحال، وهذا بالنظر إلى الحال.
قوله تعالى: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾
تكلم ابن عطية هنا في التوكل والمال، وحكى فيه عن والده وغيره كلاما كثيرا، وقال القاضي عياض في المدارك لما عرف بيحيى بن يحيى الليثي صاحب مالك: قال قوم ليحيى: يا أبا محمد، لو توكلنا على الله حق توكله لأتانا بالرزق إلى بيوتنا كما يأتي الطير، فقال: والله لما كان يأتي عيسى ابن مريم عليهما السلام البقل البري حيث هو جالس حتى يخرج إلى الصحراء يلتمسه.
وقيل ليحيى: إن من مضى كان يتمنى الفقر، فأنكر ذلك، وقال: لَا ينبغي لمن يعقل أن يتمنى ما تعوذ منه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: وكان يحيى يلبس الوشي الرفيع -يريد القطن- من المال العظيم في الأعياد والدخول على الأمراء، وانظر ما قيدت في سورة النساء في قوله تعالى: (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ) قال ابن عرفة: وفي الآية ثلاثة أسئلة، قال:
الأول: [إِذْ أَخْرَجَهُ*] بلفظ الماضي، (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ) بلفظ المستقبل مع أنه أيضا ماض؟ وجوابه أن الإخراج فعل الكفار فناسب فيه الانقطاع؛ فالقول من النبي ﷺ فناسب لفظ المضارع المقتضي الدوام لأنها حكاية حال ماضية.
الثاني: قال (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) ونصوا على أن المصيبة إن كانت ماضية التأسف عليها حزن، وإن كانت مستقبلة فالتفجع منها خوف، والتحسر في الآية إنما هو في أمر مستقبل متوقع لما ورد في الحديث عن أبي بكر، أنه قال: لو نظر أحدهم إلى قدميه، ولم يكن وقع شيء، فهلا قال له: لَا تخف إن الله معنا؟ قال: وجوابه أن هذا الكلام حالة الاستيلاء عليها والإحاطة بها؛ فمتعلق الحزن واقع، ولأنه إذا نهي عن التكليف على أمر واقع محقق فأحرى أن ينهي عن التقبيح من أمر مستقبل ممكن أن لا يقع، وأن لَا يقع فالنهي عن الحزن يستلزم النهي عن الخوف من باب أحرى، وأجاب بعضهم بأن الحزن متعلق بالغير، والخوف فيما يرجع للنفس، قال تعالى (وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) وكان أبو بكر إنما حزن على النبي ﷺ لَا على نفسه.
السؤال الثالث: أن الأمثل تقدم العلة على المعلول، وقال هنا: لَا تحزن الله معنا فقدم المعلول عليه، وجوابه أن المخاطب هنا أبو بكر وهو مصدق لنبينا صلى الله عليه
التوبة 9:42
وعلى آله وسلم في جميع إخباراته، ولا يحتاج إلى هذا الأخذ من يرتاب فيما يخبر به؛ فيحتاج إلى تقديم إذ هي الأهم المقصود.
قوله تعالى: ﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾
الزمخشري: إما بدل من سيحلفون أو حال، أبو حيان: يمتنع البدل؛ لأن الهلاك غير الحلف، قلت: قال صاحبنا أبو العباس أحمد بن القصار: وهو بدل اشتمال؛ لأن حلفهم للمؤمنين سبب في إهلاكهم، فالحلف يشتمل على الإهلاك بناء على الأول مشتمل على الثاني، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ﴾
ابن عرفة: عبر في الأول بالفعل وهو صدقوا، وفي الكاذبين بالاسم إشارة التحقق والتنقيل وإن أدنى وصف في الصدق في ذلك كاف؛ فجعل الحق متوقفا على يتبين أعم الصدق، لأن صدقوا أعم من الصادقين، [وجعل المبطل متوقفا*] على أخص الكذب، ولذلك في الأول التبيين، وفي الثاني العلم، والأول أعم للمعنى الذي قررناه، وأيضا فالآية وردت بالذات إنكار على المنافقين وذما لفعلهم، فناسب الإخبار عن صفتهم الذميمة مما يقتضي الثبوت، قلت: وتقدم لنا عند ابن عرفة في الختمة الأخرى في هذه أن ابن مالك قال: من الفصاحة أن يؤتى بجملتين مع جملتين متناسبتين، كقولك (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩). وقد علق التبيين بالصدق والعلم بالكذب فما السر في ذلك؟ قال: وجوابه أن التبيين إنما يكون فيما يظهر للوجود، والعلم يتعلق بالوجود والمعدوم، والصدق أمر وجودي، والكذب أمر عدمي؛ لأنه عبارة عن عدم مطابقة الخبر للمخبر عنه، فكذلك القدر المتعلق بالموجود والمعدوم.
قوله تعالى: ﴿أَنْ يُجَاهِدُوا... (٤٤)﴾
يحتمل أمرين متناقضين: إما أن يراد لَا يستأذنونك في القعود وكراهة أن يجاهدوا، أو لَا يستأذنونك في أن يجاهدوا.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾
ابن عرفة: فيها دليل لمالك القائل لاعتبار العادات ومراعاتها إذ بها تقرر الملازمة بين إرادة الخروج والإعداد، ففيها دليل على أن اعتبار العادة الفعلية وفيها قولان: لأن العادة جارية لمن يريد الخروج [يهيئ*] أسبابه.
قوله تعالى: (وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ). استشكل الزمخشري من ناحية أن لكن شرط الاستدراك لها معادة ما بعدها لما قبلها وهو هنا موافق، وأجاب بأن المعنى ما خرجوا ولكن تثبطوا [لكراهة انبعاثهم*]، ورده أبو حيان بأن التمكن أوقعت فيه بين متفقين في المعنى، وأجاب المختص بأن ما أحسن إلى أعم من كونه أشار إلى الأعم لَا إشعار له بالأخص المعني، وقول ابن عرفة: صحة الاستدراك في الآية بأنه استدراك نقيض الثاني، قال: والمعنى ما أرادوا الخروج [اختيارا*] ولكن ما أرادوه اضطرارا؛ مثل [ما قام زيد اختيارا؛ بل ما قام اضطرارا*]، فقد وقعت، لكن بين مختلفين.
وأخذ [المسيلي*] في التذكرة من هذه الآية أن الأمر لَا يستلزم الإرادة.
ابن عرفة: ويجاب بوجهين:
الأول: أن المكروه إنما هو انبعاثهم اللاحق لهم، وهو الانبعاث الذي لَا تصحبه بقلب مخلص، بل يخرجون بأجسادهم دون قلوبهم، والمراد الخروج بنية [الطاعة*].
الثاني: أن الكراهة إن كانت صفة [منع*]، فالأخذ صحيح، وإن كانت صفة فعل فلا يتم له ذلك؛ لأن المراد أن الله تعالى أمرهم بالخروج وأراد ذلك ومنعهم منه، هكذا [يقول*] المعتزلة.
قوله تعالى: (قِيلَ).
هذا (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُم) فقال ابن عرفة: هذا كلام ابن عطية، ثم قال: محصول كلامه هنا ثلاث حقائق مختلفة:
والارتياب: هو إتيان الحكم المتردد فيه.
والشك: هو الوقف من غير حكم.
والتردد هو الحكم أولا والانتقال عنه للآخر ثم الرجوع إلى الأول.
وقال الفخر في المحصول: حكم الذهن بأمر على أمر إما مع الجزم أو بدونه، والجزم إما مطابق أو لَا، والمطابق إما لموجب أو لَا، والموجب إما حسي أو عقلي أو هما، والجزم المطابق الذي [يوجبه هو العلوم الحسية والذي يوجبه*] عقلي إن كفي به جزاء القضية، ولم يحتج إلى وسط هو البديهي وإلا فهو النظر، والجزم المطابق الذي
التوبة 9:48
يوجب حسي وعقلي، إما حسي السمع والعقل وهي العلوم والتوابع، أو غير حسي السمع والعقل وهي العلوم التجريبية، والجزم المطابق الذي لَا موجب له هو التقليد، وإما غير مطابق مطلق وهو الجهل المركب والخالي عن الجزم مستوي الطرفين راجحة ظن ومرجوحة وهم، انتهى.
قال القرافي: جعل الشك به قسما من أقسام الحكم؛ لأنه قسم الحكم إلى جزم وغير جزم، وقسم غير الجزم إلى الشك وغيره مع أن الشك ليس فيه حكما أصلا، وأجيب بوجهين:
الأول: قال الأصفهاني: الوهم حالهم وكذلك الشك [... ].
الظان حاكم فيلزم معه وجود الوهم وحكمه بالطرف الآخر حكما بوجه.
الجواب الثاني: قال الفراء في إنما الثواب إن التقسيم قد يقع في الاسم مطلقا كتقسيم الحيوان إلى الناطق والبهيمي، وتقسيم الناطق إلى المؤمن والكافر فيلزم صدقه على المؤمن، وقد يقع في الأعم من وجه دون وجه؛ كتقسيم الحيوان إلى الأبيض والأسود، وتقسيم الأبيض إلى الحيوان والخبز واللبن؛ فالتقسيم أعم ليس الخبز واللبن بحيوان، وملتزم الأعم لَا يرد عليه ما يرد على الأخص كمن التزم أنه قتل حيوانا فإِنا لَا نلزمه القصاص لاحتمال كونه قتل [... ]، وهنا كذلك لَا يلزم التقسيم أصدق على أقسامه؛ لأنه لما التزم الأعم، فأورد الأصفهاني في هذا سؤالا ثم أجاب بعد كلام طويل بأن التقسيم في الأعم مطلق فلا بد من كونه مشتركا بين جائز الأقسام وإلا لم يصح القسمة.
قوله تعالى: ﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ﴾
ابن عرفة: لما تقدمها (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا) وهو تسلية له ﷺ بأمر لم يكن أن لو كيف كان يكون عقب بأمر واقع شاهد لأن التسلية بالواقع أقوى منها بالمقدرة فهر تقرير لما قرر وقوعه، قيل في قوله تعالى: (لَوْ خَرَجُوا) هذا شأنهم وقد سبق لهم فعل مثله، قال: وفي فهمهم الآية إشكال، وهو أن القاعدة أن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها؛ فيوهم ظاهر الآية أنهم لما جاء
التوبة 9:49
الحق ظهر أمر الله تابوا ورجعوا عن ابتغاء الفتنة، والفرض أنهم لم يزالوا منافقين، قال: وأجيب بوجهين:
الأول: إذا قلنا كانوا أولا يبغون الفتنة ويقاتلون ويضرون المؤمنين بفعل على أكثر الإسلام وضعف الكفر، صاروا يضرونهم بإيقاع الفتنة بينهم فقط لَا بنصرة الكفار عليهم فالغاية بينة، ورده ابن عرفة لَا ينتفي السؤال لأن أول الآية (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا).
الجواب الثاني: أن الآية راجعة إلى الأخير فقط لأن ابتغائهم الفتنة لم يزل واقعا منهم وتقلبهم الأمور وتجمعهم على المؤمنين انقطع يظهرون الحق فلم يقدروا عليه، قلت: وتقدم لابن عرفة في الختمة الأولى أن في الآية أسئلة:
الأول: أنه قال قبلها (يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) وهذا (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ) فعبر أولا بالأصل وهنا بالمطاوع، قال سيبويه: يقال عممته فانعم وغممته فاغتم، فمطاوعة الفعل وافتعل فانتفى مطاوعة نفي فالسر في ذلك؟ فالجواب أن ابتغى أخص من كسرته؛ لأن كسرته محتمل لأن يكون الكسر أولا؛ إذ لَا يدل إلا على محاولتك الانكسار فقط على أنه انكسر؛ فعبر بالإبغاء في الأولى، وبالأخص بالثاني ليكون بيانا عقيب إجمال.
السؤال الثاني: لم أفرد الفتنة وجمع الأمور، والمناسب كان العكس؛ لأن الفتنة مصدر محدود بالتاء الدالة على الواحدة، والأمر جنس فيه وعلى القليل والكثير، والجواب أن الأمر أسباب للفتنة، والفتنة [غيرٌ*] عنها والأصل اتحاد المسبب وتفرد سببه لا العكس، كما يستدل على مسألة بأوله جملة، ولا يرمى طائران بحجر واحد.
السؤال الثالث: لم عبر [بـ حتى*] المقتضية لدخول ما قبلها فيما بعدها، وهلا كانت الغاية بإلى لأنهم بنفس ظهور أمر الله ارتفع تغطيتهم الأمور، فقال: إشارة إلى ذواتهم على ذلك عند ظهوره بآدمي الأمر وأنهم لم يرتجعوا حتى ظهر صنع أمر الله.
قوله تعالى: ﴿أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾
ابن عرفة: هو عندي من باب قلب النكتة؛ وهو أن يستدل الخصم بدليل فيأخذ خصمه بذلك الدليل، ويستدل على نقض مدعاه، كقوله تعالى: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ... (٥٠)﴾
التوبة 9:52
ذكر الحسنة والمصيبة تقليلا إشارة إلى تأثرهم لأدنى شيء من ذلك، ولذلك عبر بإن دون إذا؛ إشارة لها ولم تكن محققة، وقدم الحسنة لأن فعبر [... ]. الحسنة حصلت لعدوه أشد من فرحته لمصيبة نزلت به؛ لأن رفع المؤلم آكد من جلب الملائم، فإن قلت: لم جعل الحسنة موجبة لوصف واحد، والمصيبة لوصفين؟ قلنا: لأن الإنسان إذا علم بحسنة نالت عدوه فإنه يتألم لذلك ويخفيه، وإذا علم بمصيبة نالت عدوه فإنه يفرح لذلك ويظهر للناس تشفيا فيه، فإن قلت: أصل الحال أن يكون تقريره، فهلا قال: وتولوا فرحين، قلنا: إشارة إلى ملازمة فرحهم كقولهم: من أوله إلى آخره؛ لأن جاء زيد ضاحكا أبلغ من جاء زيد ضحك.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾
إن قلت: لم أتى في الأول بأداة الحصر دون الثاني، فالجواب: أن الحصر في الأول وإن لم يؤت به في الثاني؛ لأن حالهم غير منحصر في أن يصيبهم العذاب، إذ قد يقولوا: فلا يصيبهم العذاب بوجه، فإن قلت: لم عدل من صريح النفي إلي مجازه المستفاد من الاستفهام؟ قلنا: لأن الاستفهام يقتضي الموافقة، إذ لَا يقول: هل زيد إلا قائم إلا من يعلم أنه يوافقك، فإن قلت: لم وصف حالتي المؤمنين [بالحسنيين، وعين*] حالتي حال المنافقين ولم يصفهما بالسوأتين؟ فالجواب: أن المنافقين كانوا يزعمون أن موت أحد المؤمنين ليس بحسن، وكذلك ظفرهم بالمؤمنين، فعبر عن هذين الوصفين الأخيرين بالحسنيين، ولما كان [نفس*] الوصفين الأخيرين [غير*] قبيحين عند المنافقين لم يحتج إلى وصفها [بالقبيحين*] اكتفاء بنفيهما.
قوله تعالى: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ).
قلت: في الآية ستة أسئلة:
السؤال الأول: لم يعطفه بالواو وهو من تمام قوله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)؟
وجوابه: أنك إذا قلت: إن جاءك زيد فأعطه درهما، أو أكرمه اقتضى الجمع والإفراد، وهنا لو عطف بالواو لتوهم أنه يخرج من عهدته بأن يقول: هم أشد الشيئين فقط.
التوبة 9:53
السؤال الثاني: (هل) استفهام فيه معنى النفي، فلم عدل من صريح النفي وحقيقته إلى مجازه؟
وجوابه: أن الاستفهام يقتضي أن المستفهم موافق. ألا ترى أنه لَا يجاب بنعم ولا بلا، فلا تقول: [هل زيد إلا قائم إلا من تعلم*] أنه يوافقك [فإِن لم يوافقك*]، قلت: ما زيد إلا قائم، والمنافقون يوافقون على أنهم ما يتربصون بهم إلا لأحد أمرين.
السؤال الثالث: لم أتى في الأول أداة الحصر ولم يأت بها في الثاني، فقال: ونحن نتربص بكم من غير حصر؟
وجوابه: أن المنافقين لما كانوا يتربصون واحدا من ثلاثة؛ إما الظفر بهم، أو الموت مجاهدين، أو الموت من غير ثواب؛ [احتيج*] للحصر، والمؤمنون يتربصون بالمنافقين المذكورين في الآية، وأمر ثان [هو*] أن يسلموا فيحسن حالهم، لم يؤت بالحصر لأجل هذا.
السؤال الرابع: [لم وصف حالتي المؤمنين بالحسنيين*]، [وعين حالتي حال المنافقين ولم يصفهما بالسوأتين*].
وجوابه: أن المنافقين لما كانوا يزعمون أن الظفر بالمؤمنين أو موت أحدهم ليس بحسن، عبر عنهما بالحسنيين، ولما كانا نفس الوصفين الأخيرين لم يحتج إلى [التعبير*] عنه بوصف القبح اكتفاء بنفيهما.
السؤال الخامس: الحسن تأنيث أحسن وهو يقتضي التفضيل وأنها أحسن العواقب والأخرى لذلك فكيف يتصور الجمع بينهما؟
وجوابه: أن الحسن والحسنى مستويان أو أحدهما أفضل وهو الموت مجاهدا، يفضل الآخر على ما سواه.
قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ﴾
إن قلت: لا يلزم من نفي القبول نفي الإجزاء، فالجواب: أن من لوازم الإجزاء رجاء القبول، فإذا انتفى القبول انتفى رجاؤه، فانتفى الإجزاء لضرورة أنه يلزم من نفي اللازم [نفي الملزوم*]، هذا إن قلنا: إن الإجزاء مغاير للقبول، وإن قلنا: إنهما متساويان فالسؤال [لم عبر بقوله تعالى*]: (لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) ولم يقل: [لَوَلَّوْا وَهُمْ يَجْمَحُونَ إليه*] مع أنهم لم يتقدم لهم استقرار فيه؛ لأن الأول أبلغ من حيث إن مضي الإنسان لما تقدم له [فيه*] استقرار أسرع منه لما لم يتقدم له منه استقرار فيها.
التوبة 9:55
قوله تعالى: ﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا... (٥٥)﴾
وقال تعالى بعدها [(إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ) *]؟.
قال ابن الخطيب: اللام هنا بمعنى (أَنْ)، فلا يصح أن تكون لام [كي*] لئلا يلزم عليه مذهب المعتزلة في أن [أفعاله تعالى*] معللة، وأنه إنما يفعل للغرض، قلت: أبطله الأستاذ أبو العباس ابن القصار بأنه لم يذكر أحد من النحاة كون اللام بمعنى إن، قال: والصواب إن كان يقول أنها زائدة، كما زيدت في قوله:
أريد لأنسى ذكرها فكأنما؍ تمثل لي ليلى بكل سبيلِ؍
قال: لكن يرد عليه أنها ناصبة بإضمار (أن) بعدها؛ [فلما بينت*] عن (أن) ضعف كونها زائدة إلا أن يجاب بأن هذا الموضع ما يصح فيه إظهار (أن) أو إضمارها.
قوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ).
ابن عرفة: قال في التي قبلها (لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ) فجعل الفسق علة في عدم القبول، وإن جعله هنا مانعا من القبول، وجوابه أن الفاء فيما يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل العدم، وهناك نفي القبول فعلله بعلة واحدة وهي الفسق وهنا أثبته؛ لأن المنع إنما يكون لما ثبت ولأن القبول في اللفظ مثبت، لقوله (أَن تُقْبَلَ) فاستدل عليه بثلاثة أدلة، ولأن المنع من وجود المفسدة أقوى من العلة في عدمها؛ لأن المانع دافع لها بعد أن كانت في مادة الثبوت، ولهذا استدل ثلاثة أمور، وهي: الكفر، والكسل في الصلاة، وكراهة النفقة، قلت له: وفي الآية أسئلة:
الأول: ما فائدة الحصر؟ فقال: احتمال كون المانع من القبول قصدهم، والنفقة الرياء والسمعة مع كفرهم وكسلهم في الصلاة.
الثاني: لم عدل عن المفعول الصريح إلى الجملة وهي (أَنْ تُقْبَلَ).
الثالث: لم أخر النفقات عن المجرور؟
الرابع: أن القبول أخص من الإجزاء، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص ولا ينعكس، فهلا قيل: وما منعهم أن يجزيهم.
الخامس: ما يصنع إلا ما هو في طاقته وقبول نفقتهم ليس من كسبهم، فقال: سنته من كسبهم، وهذا السؤال إنما يرد إذا جعلنا فاعل منعهم ضمير عائد على الله،
التوبة 9:60
و (أَنَّهُمْ كَفَرُوا) مفعولا من أجله، قلنا: لو جعلنا أنهم كفروا هو الفاعل فلا سؤال؛ لأن كفرهم من فعلهم.
السادس:
لم عبر عن كفرهم بالماضي [؍ ] كسالى بالمستقبل؟.؍
السابع:
لم أتى بالحال في (وَهُم كُسَالَى)، و (وَهُمْ كَارِهُونَ) جملة وأصلها أن تكون مفردة [؍ ] لَا يأتون الصلاة إلا كسالى ولا ينفقون إلا كارهون.؍
الثامن: لم أعاد حرف الجر، فقال (كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) [... ].
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾
قال ابن عرفة:
كان الفقيه أبو قاسم الغبريني يفتي في [؍ ] أنه يصح أن ينبني به السور.؍
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا﴾
قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن [مَن*] يخالف الإجماع كافر، كما قالوا في (وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى).
قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ﴾
يؤخذ منه أن شاهد الزور إن تاب وحسن حاله لَا تقبل له شهادة؛ لأن هؤلاء [عُيِّرُوا بكفرهم بعد إيمانهم*] ولم تقبل لهم معذرة، وهذا بناء على تفسير المعذرة [بالتوبة*].
قوله تعالى: (إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ).
قال ابن عرفة: تقدمنا فيها إشكال من ناحية أن [القضية*] الشرطية المتصلة يلزمها منفصلة مانعة الجمع من غير مقدمها ونقيض تاليها ومانعة [الخلو*] من نقيض مقدمها، وعين تاليها متعاكسين علمها هكذا ذكر الخونجي في [الجمل*] نحو: كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجوداً فيلزمها؛ وهي إما أن تكون الشمس
التوبة 9:67
طالعة، وإما أن لَا يكون النهار موجودا فيجيء هنا المنفصلة إما أن يعفو عن طائفة منكم، وإما أن لَا يعذب طائفة، وهذان ليسا بنقيضين فلا يمنع اجتماعهما وكان [الآبذي*] وبعض الطلبة أجابني بأن ذلك إنما هو في القضايا العقلية، وأما القضايا الشرعية فليست كذلك، ويكون اللزوم هنا إيقافيا لَا عقليا، مثل: كلما كان الإنسان ناطقا كان الحمار ناهقا، قال: وأجاب الحقيقي بما قال الزمخشري من أن وجه اللزوم بينهما مختلف؛ فلزوم العفو عن الأولى لهدايتهم، والعدل في الثانية ملزوم الطائفة الأولى عن الثانية، قلت: قال الزمخشري: إن يُعف عن طائفة منكم بتوبتهم تُعذب طائفة بإصرارهم على النفاق.
قوله تعالى: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ).
يؤخذ منه تعليل الحكم الواحد بعلتين منتقلتين؛ لأن سياق الآية أنهم عللوا بوصف النفاق؛ لأن ذكر الوصف المناسب عقيب الحكم يشعر بكونه علة له، ثم عللوا بالإحرام.
قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾
قال ابن عرفة: كان بعض الطلبة يرد بها على من قال: أن اقتلوا المشركين مخصوص بالنساء والصبيان، قال: لأن هذه دالة على عدم دخول النساء في جمع المذكر السالم، العطف المنافقات على المنافقين والعطف يقتضي المغايرة.
قوله تعالى: (بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ).
يحتمل أن يرى بعض الرجال من الرجال، وبعض النساء من بعض النساء، أو بعض المجموع من المجموع، والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: (يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ).
فيه أن النهي عن المعروف منكر.
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾
لما تقدمها (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم) يقتضي عدم الرحمة فقط، وعدم الرحمة لا يستلزم العذاب عنها ببيان أنهم مع ذلك معذبون، فإن قلت هلا قيل: والكافرون والكافرات، كما قال (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ)؟ فالجواب: أنه لما كان المقصود بالذم المنافقين بولغ في وصفهم ما لم يبالغ في الكافرين.
قوله تعالى: (هِيَ حَسْبُهُمْ).
التوبة 9:69
أي كافيتهم. لأن فيها من العذاب الشديد ما فيه كفاية، وينالهم مع ذلك ما هو أشد وهو العذاب المقيم القائم.
قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
إلى قوله (وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا) الزمخشري: إن قلنا: هلا قال: خضتم فخاضوا، كما قال (فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ)؟ وأجاب بوجهين قرره ابن عرفة بكلام الشيخ عز الدين؛ وهو أن الشارع إنما رتب الزواجر على ما تميل إليه النفس من المعاصي، وأما ما تنفر النفس عنه فلا يحتاج فيه إلى زاجر فإنه رتب الحد على شرب الخمر ولم يرتبه على شرب البول مع أن كلاهما نجس محرم، ولا شك أن التمتع بالملابس والمطاعم والمشارب أغلب وأكثر من الخوض في الكلام، فلذلك أطنب فيه [قصدًا*] للتيقن منه ما لم يطنب في الآخر.
ابن عرفة: وأجاب بعضهم بأنه حذف من الثاني لدلالة الأول عليه.
قال: وتقدمنا جواب ثالث، وهو أن التمتع له أثر فيما وقع به الذم لأن التمتع بالإنفاق مع كثرة المال وكثرة الولد أشد وأقوى منه قلتهما؛ فكذلك فيه [فوجه*] الذم هنا أنهم جعلوا حالهم في كثرة الإنفاق مع قلة المال وقلة الولد كحال أولئك في إنفاقهم مع كثرة ولدهم؛ بخلاف الخوض فإنه لَا أثر له في الوصف المذكور في الآية يستوي فيه قليل المال والولد مع كثير المال والولد.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾
ابن عرفة: أخذوا عنه أحد ثلاثة أمور:
إما أن خبر التواتر [يفيد*] العلم أو الظن، أو أن خبر الواحد يجب العمل به لأن هذا الخبر إن كان مستفادا بالتواتر أفاد العلم؛ [ذم*] هؤلاء على عدم العمل به، فلولا أنه يفيد العلم أو الظن [لما ذموا*] على عدم العمل به، وإن قلتم: إنه خبر واحد فينتج وجوب العمل به أي فعلتم به كفعل هؤلاء بك وقد [... ]. العذاب فلا تأمنوا من نزول العذاب بكم، قال: وفي الآية تمسك لصحة العمل بالقياس كما أخبره الخبر، من قوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ).
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ﴾
التوبة 9:73
ابن عرفة: [كان الطلبة*] يقولون: هذه الآية إما حجة مرضية [**ولا يعتزله] [فإن*] كان المراد الإيمان مجرد التصديق كانت حجة، وحبذا القائلين بأن كلمة التوحيد كافية في دخول الجنة، وإن كان المراد الإيمان مع العمل الصالح، كانت حجة للمعتزلة القائلين بأن العاصي مخلد في النار.
قال: وأجيب بأن الألف واللام في المؤمنين للعهد فالمراد المؤمنون المتقدم ذكرهم، في قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) إلى آخر الآية فهم المتصفون بهذه الصفات.
قوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾
الصواب: جعل مبتدأ الأخير لأن المأوى أعم، وجهنم أخص فيفيد الحصر أي [لا مأوى لهم إلا جهنم*]، وإن كان العكس لم يفد الحصر.
قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾
حكى ابن عطية هنا مقالين، قيل: إنها نزلت في [الجلاس بن سويد. ابن عرفة] [... ]. ، وقيل: في عبد الله بن أبي ابن سلول، فالحالف إما إنما هو رجل واحد فكيف [... ] الضمير في الآية، وأجاب ابن عرفة بوجهين: أنه [... ] واتباعهم من المنافقين [راجعون [... ] وراضون بيمينه].
الثاني: سمعه اعتبارا بخلاف اليمين فيكون حلف إيمانا، كما قال الفخر في (إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَت قُلُوبُكُمَا) أنه جميعه لاختلاف حالات القلب، وأسند عليه [الآبذي*] في شرح الجزولية، فقلت: [... ] الفراقد كلها يمينا، ويهوي النجم من غير شمالك، ابن عرفة وكلمة الكفر عندي من باب الأعمال لاحتمال كونها بما قالوا، أو لقوله (وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ) وجعل الشك في الكفر كفر؛ لأن الجلاس إنما قال: إن كان قول محمد حقا لنحن شر من حميرنا هذه.
قوله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا).
التوبة 9:78
أي وما أنكروا وما عابوا (إِلَّا أَن أَغنَاهُمُ اللَّهُ) والضمير عائد على المنافقين.
ابن عرفة: وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقوله:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم؍ بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ؍
ويحتمل أن من تأكيد الذم بما يشبه المدح، كقوله:
هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً؍ وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ؍
لكن هذا يحتاج إلى إضمار وعامة.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ﴾
ابن عرفة: السر والنجوى فيهما عموم وخصوص من وجه، فالسر مختص بحديث النفس، والنجوى مختص بحديث الجهر ويشتركان فيما يحدث به الإنسان بينه وبين آخر بحيث لَا يسمعهما غيرهما.
قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾
وقرره المفسرون بمساواة الاستغفار وعدمه، وعادتهم يقررونه بأنه جعل الاستغفار حالة كونه مأمورا مساويا للاستغفار لهم حالة كونه منهيا عنه؛ أي الأمر به مساو [للنهي*] في عدم الفائدة وهو أقوى، ومساواة الاستغفار [للعدم*]؛ لأن الأمر والنهي ضدان، والأمر بالاستغفار لمن لَا يقع فيه الاستغفار مساو للنهي عن الاستغفار.
قوله تعالى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ﴾
ابن عرفة: عادتهم يفرقون بين الفرح والسرور بأن غالب عرف القرآن، الفرح يطلق على الأمر الملائم الذي ما له [إلا*] السوء، قال تعالى (لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)، (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أخَذنَاهُم بَغْتَةً)، (ذَلِكُم بمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ)، فَرد عليه بقوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِ) قال: وما قال المخلفون باسم المفعول مع أن التخلف ما وقع منهم فهم الفاعلون له إشارة إلى أن صيغة الأفعال أبلغ من صيغة الفاعلية، وأيضا ففيه
التوبة 9:83
تنبيه على استغناء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمؤمنين عنهم [؍ ]. وعدم احتياجهم إليهم حتى كأنهم يخلفونهم بأنفسهم.؍
قوله تعالى: (وَكَرِهُوا).
إن جاء هذا ليس بتكرار لأن الفرح بالشيء لَا يستلزم كراهة ضده؛ بل قد يكرهه وقد لَا يكرهه، هذا إن قلنا: إن نقيض المستحيل ليس بمكروه.
قوله تعالى: (فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
إشارة إلى أنهم كفروا بالله ورسوله، فالكفر بالرسول في قوله (بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ)، والكفر بالله في قوله (رَسُولِ اللَّهِ) ولم يقل: مع رسوله فهم كرهوا الجهاد للإيمان بالرسول وبالإيمان بالله.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾
ابن عرفة: رجوعه من غزوة تبوك تحقيق الوقوع، فهلا عبر عنه بـ إذا، وأجيب بوجهين: أحدهما: أن الشرط مركب من جملتين؛ أحدهما: قوله (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ) استئذانهم له غير محقق.
الثاني: أن المحقق إنما هو الرجوع إلى بلده، وأما رجوعه إلى طائفة منهم فمعنى
محقق؛ لأن المرجوع إليهم هم المنافقون الذين [يخلفون*] لغير عذر إشارة إلى أن
الرجوع إليهم يوهم أن الحاجة إليهم داعية، وأنه مضطر إلى الاستعانة بهم؛ فعبر بإن
إشارة إلى أن لم يرجع إليهم وإنه إنما رجع إلى بلده فالرجوع إليهم غير واقع.
قوله تعالى: (فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ).
ولم يقل: فاستأذنوك في الخروج؛ لأن الكلام يحتمل [... ] بها أن يكون مرغوبا فيه، أو مرغوبا عنه، فيحتمل أن يكون مرغوبا فيه أو مرغوبا عنه، فيحتمل أن يكون قصدهم الإقامة.
ابن عرفة: وعادتهم يقولون لأي شيء أتى بالفعلين الأولين بصيغة الخبر وهما لم يخرجوا ولم يقاتلوا، وأتى في الثالث بصيغة الأمر، فهلا قيل: لن يخرجوا [ولن*] يقاتلوا معي عدوا فقعدوا مع الخالفين، أو يقال: لَا تخرجوا معي أبدا، ولا تقاتلوا معي عدوا فقعدوا مع الخالفين.
التوبة 9:84
ابن عرفة: والجواب أنه أتى في الأولين بلفظ الخبر تحقيقا لوقوع متعلقهما؛ بخلاف ما لو كانا بلفظ النهي.
وأتى في الثالث بلفظ الأمر المقتضي للذم والسخرية والاستهزاء، كقولك لمن يقصد السخرية به: اقعد مع النساء؟ فهذا أبلغ في الذم من قولك: أنت تقعد مع النساء.
قوله تعالى: (إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ).
ولم يقل: إنكم قعدتم ليتناول من خرج منهم راضيا بقعود من قعد منهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾
أخذوا منها وجوب الصلاة على المؤمنين من ناحية مفهوم الصفة، في قوله (مِنْهُم)؛ ولأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والعكس، قيل لابن عرفة: والآية حجة للقول الذي حكى ابن الحاجب في مختصره: الأصل من أنه ﷺ يجوز عليه الخطأ في اجتهاده، ولكن لَا يقر عليه، فقال ابن عرفة: ليس كذلك؛ لأنه إن لم يكن صلى عليهم فلا كلام، وإن كان صلى عليهم فنقول: هذا تجديد حكم في المنافقين وللمنافق أحكام كانت تجدد شيئا بعد شيء.
قوله تعالى: (وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ).
أخذوا منه جواز زيارة القبور كما أخذوا من الأول وجوب الصلاة على المؤمنين، وأجيب بأن المقام على القبر يصدق بالحضور وقت الدفن.
قال أبو جعفر ابن الزبير: وإنما قال هنا: (وَلَا تُعجِبكَ)، وقال في التي قبلها: (فَلا تُعْجِبكَ)؛ لأن الآية المتقدمة عليها (وَمَا مَنَعَهُم أَن تُقْبَلَ مِنْهُم نَفَقَاتُهُم) وهي كلها جملة خبرية منفية، فكان هذا النهي سببا عنها فناسب عطفها بالفاء؛ [لأن*] فيه معنى الشرط والجزاء؛ أي إذا كانت هذه حالهم فلا [تغتر*] بما لديهم من المال والولد، وهذه الآية تقدمها جمل طلبية لَا قبلها (وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا) فناسب عطف النهي على النهي بالواو المقتضية للجمع من غير ترتيب، ولذلك زيدت بها في الآية المتقدمة لما كان فيها معنى الشرط والجزاء المقتضي للتأكيد والإطناب، ولذلك قال فيها (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذبَهُم) باللام التي هي أصرح في تعجيل، وإذا أظهرت فيها معنى [التراخي*] حسبما نص على ذلك سيبويه في الجواب بالفاء من كتابه، ولذلك قال هناك (فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا) فأكد بزيادة لفظ الحياة لتجري الآية على وتيرة واحدة.
قوله تعالى: ﴿رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾
التوبة 9:91
ابن عرفة: الطبع سبب في رضاهم بالتخلف، فهلا قدم عليه، قلت: يجاب بأنه إشارة إلى دوام ذلك [والعبرة*] بالخاتمة.
قوله تعالى: ﴿إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ... (٩١)﴾
إن الحرج أخص من السبيل؛ فلذلك استعمله في الثبوت، واستعمل السبيل في [النفي*]؛ لأن الحرج هو نيلهم الألم الحسي، والسبيل يعم الألم الحسي والمعنوي، [**ومر عليهم ونائلتهم بالكلام فقط].
قوله تعالى: ﴿تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾
ابن عرفة: العين لها جمعان: قلة، وكثرة، وذكر المفسرون أن هؤلاء [البكاءون*] ستة كعيونهم اثنا عشر فهو يجمع جمع كثرة لَا قلة، قال تعالى (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) فلم جمعهم جمع قلة، وأجاب بأن المراد ذواتهم لَا تقر عيونهم؛ لأن الحزن إنما ألحق ذواتهم.
قوله تعالى: (أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ).
ابن عرفة: هلا قيل: ألا يجدوا عندك ما تحملهم عليه ليكون آخر الآية مطابقا، وأجاب بأن ما [يدفعدهم*] إلا التفقه، فكانوا أولا طائعين فيها من [... ].
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ﴾
ابن عطية: (إِنَّمَا) هنا ليست للحصر، وقال السفاقسي: بل هي للحصر ولم يبين ذلك، ابن عرفة: وجهه معرف بالألف واللام العهدية فهو السبيل المخصوص المتقدم الذكر وهو [ما لك عليهم سبيل آخر*].
قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾
[عبر هنا بـ[(إِذَا)] وقبلها، [فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ*]، فعبر بـ (إِنْ)، والجواب أن الفاعل في الأول هو الأول، والرجوع مستند إلى الطائفة، فقد يقال: إن الله تعالى رده إلى الطائفة اضطرارا لتستمد بهم وتستعين على أغراضه، وهذا مشكوك في وقوعه بل هو غير واقع ألبتَّة، فلذلك عبر بإن والرجوع هنا فاعله ضمير المؤمنين، ولا شك أن رجوعهم في الظاهر هو إليهم، أي إلى وطنهم ومحلهم، وهذا أمر واقع.
قوله تعالى: (قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ).
أتى بالاعتذار منهيا منه بالإيمان مخبرا عنه لَا منهيا؛ إشارة إلى تحقق وقوع عدم الإيمان بهم.
التوبة 9:95
قوله تعالى: (وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ).
الرؤية إما بمعنى العلم أو [أنها على*] بابها فإن كانت بمعنى العلم فإما أن تكون السين للتحقيق لَا الاستقبال، وإما أن يقال: مراد التعلق [التنجيزي لَا الصلاحي؛ لأنه قديم والتنجيزي*] حادث؛ فتكون الرؤية بمعنى الظهور، أي سيظهر لكم ما علمه الله من أعمالكم، وإن كانت الرؤية على بابها بصرية فتكون الآية حجة لأهل السنة، فإِن الوجود مصحح للرؤية؛ لأن العمل معنى من المعاني فيه تعلقت الرؤية بالمعنى.
قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ﴾
ثم قال (يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ) ابن عرفة: يحتمل أن يريد تكرير الحلف منهم؛ فيحلفون أولا طلبا للإعراض، وثانيا طلبا للرضى، ويحتمل أن يكون الحلف الأول لَا من اتباعهم؛ لأنهم في منزلة من يخاف العقوية فيحلفون قصدا للإعراض وطلبا للمسالمة فقط، والثاني من رؤسائهم؛ لأنهم في منزلة من لَا يخاف العقوبة فيحلف قصدا لرضاء المؤمنين عنه.
قوله (لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ... (٩٦)... بفتح الضاد مع أنه مضارع، وقال (رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ) بضم الضاد مع أنه ماض، فهلا كان العكس؛ فالجواب أن رضوا من رضي فأصله رضيوا؛ [فاستثقلت الضمة على الياء، ونقلت إلى الضاد وحذفت الياء لالتقاء الساكنين*].
وأما قوله: (فَإِنْ تَرْضَوْا) فأصله فإن ترضوا عنهم؛ لأنه من رضي يرضى فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، وهي ما قبلها مفتوح دليلا عليها.
قوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾
يحتمل أن يريد من يتخذ [مأخذه منكم فينفقه مغرما؛ لأن المؤمنين كانوا يعطونهم المال طلبا لاستيلائهم، ويحتمل أن يريد [(مَنْ يَتَّخِذُ) *] ما يعطيه [للجهاد*] والغزو مغرما، وهو الظاهر.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾
ابن عرفة: إيمانه باليوم الآخر دليل على إيمانه بالرسول من باب أحرى؛ لأن الدار الآخرة إنما علمت من الرسول.
قوله تعالى: (قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ).
التوبة 9:100
ثم قال (أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ) فجمعها أولا اعتبارا بحالات الإعطاء، وأفردها لأنها اعتبار بما عند الله تعالى؛ لأنها صدقة واحدة من شخص واحد.
قوله تعالى: (سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ).
إن أريد بالرحمة الجنة فالسين على بابها، وإن أريد نفس الرحمة فالسين للتحقيق، وهو إشارة إلى أنه لَا يجب على الله شيء، وأن التعميم والثواب اللاحق لهم بالصدقة، إنما هو محض لفضل من الله تعالى.
قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾
ابن عطية: قرأها عمر برفع الأنصار، فرد عليه زيد وقال: إنما هي بالخفض، فأرسل عمر إلى أُبي فوافق زيدا، فقال عمر: ما كنا نظن إلا أنا رفعنا رفعة لم يبلغها أحد؛ [إشارة إلى السبق*] لم يختص في الخفض بهم بل شاركهم فيها الأنصار، كان المراد الأولون من الجميع.
ابن عرفة: وكان تقدم لنا الرد عليه بأنه ليس المراد الأولين من هؤلاء؛ بل المراد الأولون من مجموع المهاجرين والأنصار، وإذا قيل: من هم الأولون من المجموع؟ قيل: المهاجرون فقط، كقولك: أكرم الصلحاء من بني فلان وبني فلان.
قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾
ابن عرفة: لفظ الأموال مخصوص؛ لأنه يخرج منه ما لَا زكاة فيه [كالثياب والرباع ونحوه*]؛ قاله ابن عطية.
ابن عرفة: بل هو محتمل فلا يحتاج إلى تخصيصه لدخول (مِن) عليه التي هو للتبعيض، فالأخذ من بعض الأموال لَا من كلها، قيل لابن عرفة: بل هو عام؛ لأنه جمع مضاف إلى مضمر، والمضمر كله لَا كل؛ أي خذ من أموال كل واحد منهم، فيأخذ بعض مال كل واحد منهم حسبما نص عليه الأصوليون في هذه الآية، وقالوا: يحتمل أنها تكون عامة أو مجملة، فقال ابن عرفة: الظاهر فيها الإجمال، وأن الأموال جمعت على التوزيع؛ فالمأخوذ بعض مال هذا وبعض مال هذا؛ لأن المأخوذ بعض أموال كل واحد.
قوله تعالى: (تُطَهِّرُهُمْ) أي من الذنوب.
قوله تعالى: (وَتُزَكِّيهِمْ).
أي تحصل لهم الأوصاف الجميلة.
التوبة 9:104
قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ).
فيه جواز الصلاة على غير الأنبياء، وقد يقال: لَا يلزم من إباحة ذلك للنبي ﷺ إباحته لغيره.
قوله تعالى: (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
أي سميع لأقوالكم عالم بسرائركم، فيعلم المنافق والمؤمن.
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
وصف الرحمة إشارة إلى أنه لَا ينتفع بالصدقة بوجه، وإن أخذه لها ليس حقيقة؛ بل هو على سبيل الرحمة بعباده في رجوع منفعتها إليهم.
قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾
ابن عرفة: التأكيد بقوله (أَبَدًا) يؤخذ منه أن النهي لَا يقتضي التكرار.
ابن عرفة: وكان بعضهم هذا جار على ما قرره أهل العلم المعقول من أن الموجبة الجزئية تناقضها السالبة الكلية؛ لأنهم على ما قال المفسرون طلبوا منه ﷺ أن يأتي لمسجدهم فيصلي لهم صلاة واحدة، فنهاه الله تعالى أن يصلي فيه دائما، وعليها في سورة الأنعام (إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ) فقد أتوا بالسالبة الكلية، وأجيبوا برفعها بالموجبة الجزئية.
قوله تعالى: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ).
جزء من اليوم فهي زمان، لذلك أضمروا مضافا لذلك، تقديره: من تأسيس أول يوم.
قوله تعالى: (أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ).
ابن عرفة: أخذوا منها أن صلاة النافلة في مسجد النبي ﷺ أولى منها في البيوت، خلافا لمالك فإنه كرهها إلا للغرباء؛ فإنه استحقها للغرباء وهذا خشية الوقوع في الرياء، والمراد بالمؤسَّس على التقوى مسجده ﷺ على أحد التفسيرين، ووجه الدليل من الآية أن [المفاضلة*] بين مسجد النبي ﷺ ومسجد الضرار لَا يصح؛ إذ ليس فيه حق بوجه بل هو باطل؛ فلم يبق أن يراد إلا أن الصلاة في مسجده أحق من الصلاة عنده، فتتناول النفل في البيوت.
قوله تعالى: (فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا).
التوبة 9:111
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: إنما قال (يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) ولم يقل: فيه رجال يتطهرون؛ لأن محبة التصديق تصديق وإن لم يحصل التطهر لعذر منه مانع؛ إذ يحب بعضهم التطهر ويمنعه منه عذر فالآية فيها تخفيف الرحمة من الله تعالى في الثناء على من هذه حالا.
قوله تعالى: (فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ).
قال ابن عرفة: رؤية الله لعملهم مجاز، ورؤية الرسول والمؤمنون له حقيقة، قال: وقرره بوجهين:
أحدهما: أن رؤية الله تعالى ليس المراد نفسها؛ وإنما المراد الجزاء على العمل بالثواب الجزيل والعقاب الشديد؛ بخلاف رؤية الرسول فإنه لَا يجازيهم بل يرى أعمالهم فقط، ومنهم من قرره بأن رؤية الله تعالى سابقة متقدمة إذًا فالاستقبال فيها غير حقيقي. بل السين للتحقيق لَا للاستقبال؛ بخلاف رؤية الرسول فإِنها حادثة فالاستقبال فيها حقيقة؛ واحتج بها الفخر على أن الوجود مصحح للرؤية لأن العمل معنوي.
قوله تعالى: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ).
ابن عرفة: هذه القضية ليست مانعة لخلو المنع الإصلاحي وإنما هي مانعة الجمع، وأما الخلو من الأمرين فلا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
قدم هنا الأنفس على الأموال، وقال فيها: يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فقدم الأموال، قال: وأجيب بوجهين:
الأول: أن الجهاد بالمال أخف على النفوس من الجهاد بالنفس، فسلك في الآية المتقدمة مسلك الترقي فيها، وأما هنا فلما ذكر اسم الجلالة قوبل بأشرف الأمور وأعزها وهي النفوس.
الثاني: أن كل أحد عنده نفس يجاهد فيها، وليس كل أحد عنده المال بل الأغلب كان في حقهم عدم الوجدان فبدأ بما هو الأغلب.
قوله تعالى: (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا).
قال الزمخشري: وعد ثابت قد أثبته في التوراة والإنجيل*، كما أثبته في القرآن.
ابن عرفة: إن إرادته وعد صدق لَا يصح الخلاف فيه فما قاله حق؛ فإن أراد به أصل التفضيل، فهو بقوله: إنه واجب على قاعدته عقلا، ونحن نقول: إنه واجب
التوبة 9:114
بإيجاب الله تعالى على جهة التفضل والإحسان لَا في مقابلة العمل إذ لَا يجب على الله شيء.
قوله تعالى: (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ).
هذا مثل: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا) فيقتضي نفي الأفضل ونفي المساوي.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه فائدتان أصوليتان. أحدهما: العمل بالقياس؛ لأنها اقتضت نفي ما يتوهم من القياس.
الثاني: إذ هداهم بطلان القياس لقيام الفارق.
قوله تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ... (١١٥)... أي ما كان الله ليحكم بإضلال قوم ضلوا بعد الهداية حتى يبين لهم ما يتقون؛ فإن ضلوا قبل البيان فإنه لا يحكم بإضلالهم شرعا، والزمخشري يقول: عقلا، فإن قلت: ما أفاد قوله (بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ) وهل مفهومه مفهوم مخالفة أو موافقة، لكن قد يقال: إن الهداية هي بعثة الرسل. قال تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)، فإِن فهمت الهداية على ظاهر لم يكن مفهوم مخالفة؛ لأن من ضل بعد الهداية قد بينت له الطرق والدلائل.
قوله تعالى: [(إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) *].
احتراس خشية أن يتوهم أن تأخر البيان لكون العلم لم يكن حاصلا فأخر حتى حصل العلم به.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ﴾
المراد: إما خلق الله في قلبه التوبة، أو قبل منه التوبة، وجعل ابن عطية قوله تعالى: (ثُمَّ تَابَ عَلَيهِم) تأكيدا، والصواب أنه تأسيس، والأول راجع لخلق التوبة في قلوبهم، والثاني راجع لقبولها منهم.
قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾
ابن عرفة: عادتهم [يقولون*] الغاية من شرطها مخالفة ما بعدها لما قبلها، وقد فسروا التخلف بوجهين: إما التخلف عن العذر، أو إما عن قبول عذرهم، وإن حملنا التخلف على عدم قبول العذر، فحالة التخلف هي حالة ضيق الأرض عليهم بما رحبت، فما الفائدة في كونه معناها.
قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ).
ابن عرفة: وقع هنا في كلام ابن عطية [لفطتان*] متقدمتان؛ إحداهما: أنه قال: هذا اللفظ يقتضي التأنيث، ومنع الاستغفار للمشركين مع ألا ييأس من إيمانهم ابن عرفة، وهذا فيه أدب على الأنبياء.
والثانية: أنه نقل عن الجمهور نزولها في أبي طالب، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك"، ثم قال: والآية على هذا ناسخة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
ابن عرفة: وهذا عند الأصوليين ليس بنسخ؛ لأن الحكم الشرعي إذا كان منفيا بغاية ومعلقا على أمر فغُيِّر فإنه لَا يسمى نسخا.
ابن عرفة: وكان [... ].
تقدمنا في معناها غير هذا، وهو أن هذا كله بناء على أن الاستغفار فيما مضى فيكون لوما للنبي ﷺ وعتبا لمن سواه من المؤمنين على ما فعلوه من الاستغفار لآبائهم، ويحتمل أن يراد به الدوام على ذلك في المستقبل، وأقروا على الماضي كما كانت الأحكام تتجدد شيئا بعد شيء، وفرق بين العلم بكونهم أصحاب الجحيم وبين غير العلم بذلك؛ لأنهم أولا علموا ذلك بأنفسهم، والآن تبين العلم بذلك؛ لأنهم أولا علموا ذلك بأنفسهم، والآن تبين لهم ذلك فحققوه وتيقنوه، واتضح عندهم صحة ما عملوه من موافاتهم على الكفر.
التوبة 9:120
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ).
ابن عرفة: يؤخذ منها صحة العمل بالقياس أنه حكم شرعي، ويؤخذ منه إبطال القياس بوجود الفارق.
أما الأول: فلأن الآية الثانية ذكرت جوابا عن سؤال مقدر؛ وهو أن المؤمنين يقولون: نستغفر لآبائنا قياسا على استغفار إبراهيم لأبيه؛ فرد عليهم ذلك بذكر الفارق، فلولا أن القياس معمول به ما صح ذكره، وإبداء الفارق، قال: وعداه بعن دون اللام المقتضية للعلة؛ لأن العلة في الاستغفار ليست هي الموعدة؛ بل هي دخول الموعدة والجنة، والموعدة سبب لَا علة، فكذلك عداه بعن المقتضية للتجاوز عن الموعدة والتخلص منه.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾
ابن عرفة: المجرور متعلق بمحذوف؛ أي ما صح لأهل المدينة، والتخلف إن لم يصدق إلا على القادر فليست مخصوصة، وإن صدق على القادر وغيره فهي مخصوصة بقوله تعالى: (لَيسَ عَلَى الأَعمَى حَرَجٌ) الآية.
قوله تعالى: (وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ).
تأسيس لأن الأولى اقتضت حضورهم أعم من أن يقاتلوا أولا، وهذه اقتضت المقاتلة.
قوله تعالى: (إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ).
هذه عكس ما يقول الأصوليون من أن الكلام على ترك الفعل يستلزم وجوبه، والمدح عليه لَا يقتضي وجوبه، فلو قيل هاهنا: ولا ينالون من عدو نيلا، إلا كتب لهم النجاة من النار، والتخلص من العذاب لاقتضى وجوب هذه الأمور، وأجيب بالفرق بين كون الثناء والمدح يقتضي الوجوب، وبين كونه لَا ينافي الوجوب.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
دليل على أن فاعل هذا أبلغ درجة المحسنين.
قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
وقوله تعالى: (أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا)
قال ابن عرفة: عادتهم يستشكلونها لاقتضائها أن الجزاء على الأحسن لَا على
التوبة 9:127
الحسن، فإِن قلت: إن المباح يصدق عليه أنه حسن فيزول السؤال؛ لأن الجزاء إنما هو على المندوب أو الواجب، أو يقال: إن الله يجزيهم بما فعلوا جزاء أحسن أفعالهم إكراما لهم وإحسانا لذميم لذمهم.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: يحتمل أن يكون هذا تقسيما أو تعميما؛ فإن كان تقسيما فيكون إما باعتبار أحوالهم وأنهم في حالة أخرى عند نزول سورة أخرى، ينظر بعضهم إلى بعض، وإن كان تعميما فهو إشارة إلى أنهم في كل سورة لينذر منهم هذا فبعضهم يقول: أيكم زادته هذه إيمانا، وبعضهم ينظر إلى بعض، إما من الخجل فيطلب الانسلاخ خوف الفضيحة بالذنب الذي عمل، وأنه يسخر فينظر لصاحبه على سبيل السخرية والاستهزاء كما يفعل مردة الطلبة عند تكلم بعضهم بالخطأ في العلم فيسخر به أو يتغامز عليه.
قوله تعالى: (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ).
ابن عطية: أسند الطبري هنا حديثا عن ابن عباس، أنه قال: "لَا تقولوا انصرفنا من الصلاة، فإن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم، ولكن قولوا قضينا الصلاة".
ابن عرفة: يؤخذ من هذا أن للأسماء اللغوية أثرا في التسمية في المعنى يجب اعتباره، ولذلك نقلوا في كتاب السلم عن عمر أنه كره تسمية، سلما قال: ويسمى تلفا؛ لأن السلم مشتق من الإسلام.
قوله تعالى: (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ).
ابن عرفة: تقدم فيها سؤال، وهو أن السبب مخالف لمسببه، و (صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) معناه عن الاهتداء بعدم الفقه، فكأنه يقول: صرفوا عن الاهتداء لعدم أهليتهم، وأجيب بوجهين: إما أن المراد بالفقه التدبر. أي صرفوا عن العلم بعدم تدبرهم وتفقههم [وبسوء*] نظرهم، وإما أن المراد أنهم غير قابلين للعلم، أي صرفوا عن الاهتداء لعدم قبولهم له، فإن قلت: سوءاتهما إنما هو عن رؤية المسلمين لجميعهم، فهلا قالوا: هل يرانا من أحد؟ فالجواب أنهم قالوا لأصحابهم إن ظهر لك منا الضحك والاستهزاء، فكذلك يكون ظهر للمؤمنين؛ لأنهم يرونا لرؤيتكم؛ بخلاف ما لو قال: هل يرانا من أحد.
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الخطاب لبني آدم أو لسائر العالم؛ فإن كان لسائر العالم دخل فيه الجن والإنس والملائكة، وكان بعضهم يقول: قراءة [(مِنْ أَنْفَسِكُم) *] تدل على الخطاب لبني آدم فيخرج الجن والملائكة.
قوله تعالى: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ).
لأنه مأمور بجهاد الكفار وقتالهم فهو رءوف بالمؤمنين رحيم، والرحمة أخص؛ لأن الرأفة هي مجرد رقة القلب أعم من أن يكون معها رحمة، وإلا فقد يرأف على الشخص ولا يرحمه إنسي؛ بخلاف إيصال الرحمة إليه فإنها تستلزم الرأفة؛ فلذلك بدأ بالرأفة قبل الرحمة.
يونس 10:3
سُورَةُ يُونُسَ - عَلَيهِ السَّلَامُ -
قوله تعالى: ﴿الر... (١)﴾.. قال الزمخشري: تقرير للحروف عن طريق التحدي بسببها. ابن عرفة: أراد أن دليل النبوة التعجيز بالآيات وتركيب حروفها؛ كالصانع النجار فإنه ليس من شرطه حسن الخشب بل حسن هيئتها في الصنع وشكلها، وكذلك الصلآل ليس من شرط صنعته طينة الطفل بل حسن العمل، وكذلك هنا إشارة إلى أن هذه الآيات أنزلت بحروف معهودة لكم تتكلمون بها إلا أن صيغة تركيبها يعجز كون التحدي بصفة التركيب لَا بالمادة.
قوله تعالى: (تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ).
قال ابن عطية: قيل: المحكم، وقال الزجاج: هو محكم، وهو صفة موصوف بصفة الله تعالى فهو محكم.
ابن عطية: فرجعت إلى قول واحد.
ابن عرفة: لم يفهم عنه مراده وإنما أراد ما قال الزمخشري من أنه من باب إسناد الشيء إلى غير فاعله، كقولهم: ليل قائم ونهار صائم، يوصف القرآن بصفة من هو كلامه كما وصف الليل والنهار بصفة يعتد فيها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾
حكى ابن سينا في تأليفه الخلاف هل الأرضين سبع أو لَا؟ والاختيار هو أنها سبع، وقال المازري في المعلم: سألت عنها شيخنا عبد الحميد، فقال: إنها سبع لحديث: " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] "، ولقوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) وتأول ابن رشد هذه الآية في البيان والتحصيل في مسألة سعيد بن المسيب من كتاب الصرف بأنه لا يلزم من لفظ المثل أن يكون قدرها، وبدليل حديث: "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن"، ومع أنه لَا يحاكيه في الحيعلة والحوقلة؛ بل يقول: لَا حول ولا قوة إلا بالله.
يونس 10:4
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ).
ابن عرفة: [يؤخذ منها الاستدلال*] على وجوده بالإمكان، وهو المناسب في الآية؛ لأنه أظهر والإمكان أغمض، قال: فإن قلت: الفائدة أن الخبر أعم من المبتدأ، كقولك: الإنسان حيوان، وجاء هذا على العكس؛ فيلزم أن يكون كقولك: الحيوان إنسان وهذا لَا يصح، قال: والجواب أن الرب كما لَا يؤخذ منه إلا واحدا كالإله، ومن يعرف المنطق لم يفهم هذا، فيصح الإخبار عنه [بالواجب*] وهو الله.
قوله تعالى: (فَاعْبُدُوهُ).
قال: قد يتمسك به من يقول بوجود شكر المنعم عليه؛ لأن الفاء تقتضي التثبت.
قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا﴾
يحتمل أن يريد بالرجوع ما ذكروه في الروح من أنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء حتى توقف بين يدي الجبار، جل وعلا ثم ترجع روح المؤمن إلى الموضع الذي فيه جسده، وترجع روح الكافر إلى سجين، ويحتمل ما ذكره المفسرون.
قوله تعالى: (وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا).
معناه لأنه صدق ولا يلزم عليه مذهب المعتزلة في أن الله تعالى لم يخلق الشر ولا أراده.
قوله تعالى: (إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ).
قرأ أنه بالفتح، فقيل: هو فاعل حقا، كقوله (وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ)، وقيل: مفعول فعله رباعي. أي أحق أنه يبدأ الخلق.
وقال ابن عطية: أنه بدل من وعد، ابن عرفة: أي بدل اشتمال، ابن عرفة: فيرد عليه أن الوعد إنما يكون بأمر مستقبل، وبدأ الخلق ماض فلا يتعلق به الوعد، قال: وعادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: أن المراد بالوعد الكلام القديم الأزلي والإبداء والإعادة مستقلان عنه.
يونس 10:5
الثاني: أن المراد بالوعد مجموع الإبداء والإعادة؛ لأن في كل واحد منهما نظر، والمجموع مستقل، كما قالوا في حد القياس: أنه حمل معلوم في إثبات حكم السماء وتقف عنهما، فأورد عليه أنه يلزم منه أن يكون حكم الأصل ثابتا بالقياس، وأجابوا بأن المراد ثبوت المجموع لَا ثبوت كل واحد.
وقال ابن عرفة مرة أخرى على هذا يكون الوعد تعلق بأمرين الإبداء والإعادة فمتعلقة بالإعادة ظاهر، وأما تعلقه بالإبداء ففيه نظر؛ لأن الوعد إنما يتعلق بالمستقبل، والجواب إما بأن الوعد قد حصل في الأولى فهو متقدم على الإبداء، وإما بأنه باعتبار المجموع فيكون تعلق بالمجموع من حيث كونه مجموعا.
قوله تعالى: (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ).
ابن عرفة: يحتمل أن يكون من باب حذف الفاعل فذكر في الثاني ما يقع به الجزاء، وحذف كيفه كدلالة الأول ما يقع به الجزاء لدلالة الثاني عليه، وذكر كيفه، والتقدير ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصَّالِحَاتِ بالقسط الثواب الجزيل، والذين كفروا بالقسط يجزيهم ولهم شراب من حميم وعذاب أليم.
وقوله: (بِالْقِسْطِ) يحتمل أن يرجع إلى عملهم أو إلى أجزاء عملهم.
وقوله: (وَعَذَابٌ أَلِيمٌ) من باب عطف العام على الخاص، وكان بعضهم يقول: [إنما أتى به*] كذلك؛ لأن الشراب أمر وجودي محسوس، والعذاب أمر معنوي، والوجودي لَا يدخل تحت المعنوي فهما مختلفان.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾
قال ابن عطية: النور أضعف من الضياء فكيف صح إسناده إلى الله تعالى في قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وفي الحديث "نورٌ أنَّى أراه" لما سئل هل رأى ربه أم لَا؟ وأجاب بأن الضياء عام يتعلق بكل شيء، والنور خاص ببعض دون بعض، ولذلك وجدنا نور السراج يشرق على موضع دون موضع، فلو نسب [الضياء*] إلى الله تعالى لكان الإيمان اضطراريا، فلأن يكون كل واحد مؤمنا إيمانا ضروريا لظهور الأشياء تأكيد بعضه بهيئة، فلذلك أسند النور إليه تنبيها على أنه تارة يظهر دلائل على وجوده ووحدانيته، وصفات كماله لقوم، وتارة يخفي عن آخرين.
يونس 10:7
ابن عطية: وهو [أضلنا*]، قيل لابن عرفة: يرد علي أنه إن أريد مطلق الضياء ومطلق النور فهما متساويان، فكما قلتم: إن النور يتعلق بشيء دون شيء، فكذلك الضياء وإن كان ذلك مضافا فيقال ضياء كذا ونور كذا، فهو مجتنب ما يضاف إليه.
ابن عرفة: إنما لَا ينافي مطلق الضياء ومطلق النور، ويقول: إنه في اللغة يعم الضياء ويخص النور.
قوله تعالى: (وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ).
ابن عطية: أعاد الضمير على القمر وحده فهو من إطلاق المفرد على الاثنين.
ابن عرفة: وعادتهم يقولون: إنما خص التقدير بالقمر دون الشمس فإن منازلها تعلم بالفصول علما ضروريا ظاهرا؛ لأن سيره في المنازل ظاهر معلوم [يدرك كل أحد ببصره*]؛ حتى البهائم ألا ترى أن كل أحد يعلم دخول الصيف والربيع والشتاء حتى أن الغرنوق يذهب [... ] ولا يبقى منه شيئا، والبلائع يأتينا في أول يوم من الربيع وكل حيوان يدرك [... ]. فضله [... ] القمر، فإن سيره في المنازل لَا يدركه إلا الخواص فكذلك أعاد الضمير عليه وحده دون [... ]، وقيل لابن عرفة: الخطاب إنما هو للعرب، والعرب إنما [يحسبون*] بالقمري لَا بالشمسي، فقال: قد تقدم؛ لأن ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب في كتاب الزكاة فيما إذا أخرج الزكاة بالقمري وخالف الشمسي، فكان بينهما أيام هل يعتد بها أو لَا يعتد بها، وتقدم لنا في تأليفنا الرد عليه.
قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ).
قدم العدد لأنه هو المتقدم في الوضع بوضع أولا العدد؛ ثم يقع عليه الحساب بعد ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا).
ابن عرفة: إن أريد بذلك فعل المعاصي فالرجاء بمعنى الخوف، وإن أريد به عدم فعل الطاعة، فالرجاء على بابه، وفسره الفخر بالطمع وهما بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾
يونس 10:8
أي رضوا بها حال كونهم مطمئنين إليها؛ فيكونوا ثلاثة أقسام: منهم من لم يرض ومنهم تراضى بالدنيا واطمأن، ومنهم من غفل عن الآية فيتناول هذا الوعيد هؤلاء الثلاثة والأولان راجعان لعدم الاهتداء بالدلائل العقلية، والثالث راجع لعدم الاهتداء بالدليل الشرعي.
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾
الصواب جعل النار مبتدأ ومأواهم خبر ليفيد حصر النار في مأواهم؛ فيكون حجة لأهل السنة على المعتزلة وتكون الآية في الكافرين.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾
ابن عرفة: يؤخذ منها العمل بالقياس لأنه به يحصل التخويف؛ فيأخذ أيضا منها القياس على أفعال الله فتكون حجة لمالك في حكمه في الرجم في اللواط قياسا على الرجم في الزنا.
قوله تعالى: ﴿لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾
قلنا: يؤخذ منه أن الوجود مصحح للرؤية.
قوله تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ... (١٥).. ابن عرفة: لما تضمن الكلام السابق أن الأمم السالفة أهلكوا بسبب عصيانهم عقبه بعبارات [قال*] هؤلاء لذلك عدل فأنت تغيره؛ لأن القادر عليه قادر على غيره، وإن كان من عند الله [فرده إليه وبدله*] بقرآن آخر، وهذا يدل على أن الدل بمعنى بدل، وكذلك سورة الكهف (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) لقراءة ابن كثير يبدلهما بالتخفيف والباقون بالتشديد.
قوله تعالى: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ).
دليل على نفي القياس والاجتهاد، وأجاب بأن ذلك من الوحي.
قوله تعالى: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ).
دليل على أن تارك المندوب لَا يسمى عاصيا؛ [لأن*] العذاب العظيم على العصيان.
يونس 10:19
خلافا لما حكى المازري في العلم في كتاب النكاح عن بعض البغداديين في حديث: " [وَمَنْ لَمْ يَأْتِ الدَّعْوَةَ، فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ*] ".
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾
ابن عرفة: إن قلت: لم قال في سورة البقرة (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) بغير أداة حصر، وقال: هنا (وما كان النَّاس إلا أمة واحدة) بأداة الحصر.
فالجواب: أن آية البقرة خرجت مخرج ذكر بعث النبيين فلم يحتج، وبالحصر كونهم أمة واحدة، وهذه الآية خرجت لبيان اختلاف الأمم بعد اتفاقهم، واحتج فيها إلى حصر كونهم أمة واحدة.
ابن عرفة: وتقدمنا فيها آية يؤخذ منها أن الإجماع حجة لَا يجوز مخالفته؛ لأنها اقتضت ذم الاختلاف بعد الاتفاق، ولا معنى مخالفة الإجماع إلا هذا، وقوله: قبل هذا (قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي)، قال بعض الطلبة: لَا يبعد أن يؤخذ منها جواز النسخ في القرآن؛ لأن مفهوم قوله: (مِنْ تِلْقَاءِ) يعني أن ذلك جائز من عند الله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾
ابن عرفة: يحتمل أن يريد الإحسان الأعم وهو مطلق الطاعة مع الإيمان، والأخص وهو ما في الحديث: "أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".
وسياق الآية يدل على أنه الأخص.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
يونس 10:28
يؤخذ منه أن الصحابة لَا تستلزم الرؤية؛ لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال، وهم حينئذ لم يروه وإنما يرونها في المستقبل.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ﴾
مناقض لقوله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ)، وأجاب ابن عرفة: بأن المراد: ما كنتم إيانا تعبدون عبادة مرضية لنا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
يحتمل أن يكون خطابا للنبي صلى الله عليه رسلم، أو خطابا للجميع، فأمر كل واحد بأن يقول ذلك، قال: ولما تقدمها إنذار المشركين بما لحقهم من العذاب عقوبة على فعلهم القبيح، عقبه ببيان البرهان الدال على إبطال [معتقدهم*].
قال: وهذا يحتمل أن يكون كلا أو كلية؛ فيتناول ثلاثة أمور:
الرزق الخاص بالسماء، والرزق الخاص بالأرض، والرزق المشترك بينهما وهو النبات فإِنه من المطر بعد تغذيه بالتراب.
قوله تعالى: (أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ).
بدأ أولا بالأمر الجلي الواضح لكل أحدث لأن كل أحد يحتاج إلى الغذاء، ولا يستطيع الصبر على الجوع بوجه فيظهر له الافتقار إليه بالبديهية في كل زمان بخلاف السمع والأبصار، فإِن دوامها غالب، وطرق الإعراض عنها قليلة ليس في كل زمان ولا لكل النَّاس بل لبعضهم فقط؛ فالافتقار إلى الغوث، ثم إن إخراج الحي من الميت أخفى فلا يدركه كل أحد، ثم تدبير الأمور وإرادتها أخفى من الجميع، ولذلك خالف فيها المعتزلة والقدرية.
ابن عرفة: وأفرد السمع وجمع الأبصار لوجهين: لفظي، ومعنوي؛ أما اللفظي؛ فلأن السمع مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه، والبصر اسم غير مصدري.
وأما المعنوي؛ فلأن السمع يدرك به الإنسان الصوت من الجهات الست، والبصر لا يدرك به إلا ما يقابله فقط، ولذلك قدم؛ لأنه أشرف، وهذا دليل على أن العرض لا يبقى زمنين، وأنه في كل زمن يقدم البصر ويمده بأبصار جديدة كإعدام لون الثوب فسيقولون الله؛ لأنه لم يخالف في ذلك أحد، كما قال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ).
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ... (٣٥)﴾
يونس 10:36
ابن عرفة: عدا الأول بإلى، والثاني باللام؛ لأن إلى للغاية تقتضي أنها ما قبلها عندها ومخالفته لما بعد، واللام للملك فالله تعالى يملك الحق ويمنحه ويعطفه ويخلقه في قلوبهم، فهدى له كله، والشركاء لَا يملكون شيئا، فعلى تقدير أن تكون لهم الهداية إنما يعدون الطريقة ولمبادئه ومقدماته فقط، قيل لابن عرفة: يبطل هذا بقوله (أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ) فقال: هذا تنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأن الشركاء لَا يهدون لحق بوجه، فمعناه إذا كان الذي يهدي لمقدمات الحق وأوائله أحق بالاتباع ممن لَا يستطيع شيئا بوجه، فأحرى أن لَا يكون الذي منح الحق كله، ويعطفه ويخلقه في قلوبكم أحق بالاتباع.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾
مصدر مولد للفعل المنفي فهو نفي أخص ولا نفي أخص.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ).
ولم يقل: بما يعملون؛ والعمل أبلغ ألا ترى أنهم قالوا في حديث الأعمال بالنيات يستثنى منه النية، وهي القصد إلى النظر، والنظر قبلوا النية عملا.
وأجيب بأنه إشارة إلى تعنتهم وأن حقهم إظهار الحق وفعله.
قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾
ابن عطية: هي دليل لمن يقول بالصرفة.
ابن عرفة: ومعنى الصرفة أن تقول دليل كرامتي أني أقوم من هناك إلى هنا وتعجزون أنتم عن ذلك، فحاصله أن تعجزهم عن شيء هو من مقدورهم.
وعين الصرفة مثل أن يقول: دليل كرامتي استطاعتي؛ أثبتها المعتزلة، ونفاها أهل السنة.
قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾
الزمخشري: أي بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن وفاجئوه في بديهة السماع قبل أن يفقهوه.
قوله تعالى: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ).
معناه أنه غير قابل لأن يكون مفترى، وأن يفترى مقدر بالمصدر؛ أي كان ذا افتراء، وما كان افتراء بمعنى مفترى، مثل: قتلته صبرا أي مصبورا، مثل: قال ابن عرفة: وتقدمنا فيها سؤال وهو أن ظاهر الآية أنه لم يكن مفترى على غير الله تعالى، وفرق بين قولك: هذا افتراء على فلان، أو هذا افتراء من غير فلان، فمعنى الآية أنه افتراء على الله، أي ليس المعنى أنه افتراء غير الله؛ فإِذا كان المعنى ما كان لأن يفتريه غير الله فمفهومه أن غير الله نقوله من غير افتراء، وهذا ممكن، وإنما المعنى ما كان لأن يفتري من غير أمر الله فمفهومه أنه يكون مفترى بأمر الله، وهذا المفهوم غير موجود لاستلزامه التناقض؛ لأنه من حيث كونه مفترى فهو لذنب على الله فكيف يكون بأمر الله. فيكون كما قالوا في قوله تعالى: (وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا).
قوله تعالى: (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ).
ابن عرفة: التفضيل إما راجع للكتب السابقة؛ فيرجع التصديق إلى ما أخبر به من الأمور المستقبلة كأشراط الساعة وغيرها، وإما أن يراد بالتفضيل أنه معجزة تتضمن الأحكام الاعتقادية فتوافق الكتب السالفة في أحكامها الاعتقادية لَا الشرعية؛ لأن الشرائع مختلفة وأحكام الاعتقاد متحدة.
قوله تعالى: (لَا رَيبَ فِيهِ).
أي عند من أنصف ونظر النظر السديد فأدرك أنه لَا ريب فيه.
قال أبو حيان: والاستدراك هنا في لكن على أصلها؛ لأنها بين متناقضين.
ابن عرفة: فإن قلت: بل هي بين متماثلين؛ لأنه إذا لم يكن مفترًى فهو مصدق لما بين يديه، فالجواب: أن الثناء باعتبار نفس الفعلين لَا بين الجملتين، كقولك: ما تحرك زيد لكن سكن.
قوله تعالى: (قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ).
وفي البقرة (مِن مِثلِهِ) فالمثلية هنا راجعة للقرآن، وهناك للشخص الآتي.
قال ابن عطية: السورة مأخوذة من سورة النبأ وهي في القرآن القطعة التي لها مبتدأ وبها ختم ابن عرفة، وكذلك الكلمة؛ والصواب: أنها القطعة التي لَا يصدق اسمها إلا على جملتها، ابن عرفة: والإعجاز في الكتب السالفة وقع بجملة كل كتاب منها، والإعجاز في القرآن وقع بكل آية منه.
ابن عرفة: وذكر ابن عطية هنا أن الإعجاز وقع بالكلام القديم الأزلي وهو باطل؛ لأن المعجزة من شروطها الحدوث. فكيف يقول: وقع الإعجاز بالمعاني من الغيب لما مضى، ولما يستقبل؛ لأنه معلوم أنهم لَا يقدرون على ذلك، وكذلك قال الشاطبي في قوله تعالى: (وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ) [**ومن يقل بعلوم الغيب]، قلت: وأثبته [... ]، لأنه فرق بين تكليف ما لَا يطاق وبين الإعجاز بتكليف ما لَا يطاق؛ فلم يعجزوا أصلا بالإتيان بمثل الكلام القديم الأزلي؛ لأنه ليس في قدرتهم ذلك بوجه؛ ولأن المعجزة من [شرطها*] الحدوث، فلو علله بكون المعجزة من شرطها الحدوث لصح له ذلك.
فكلام الشاطبي مثل كلام ابن عطية هنا؛ لأن الشاطبي فهم أن المراد فأتوا بكلام قديم أزلي من عند الله، كما أتى القرآن من عنده فأبطله الشاطبي بأنه من تكليف ما لا يطاق.
قال ابن عرفة: وهو ضعيف؛ لأن تكليف ما لَا يطاق عادة عندنا جائز، فكيف يبطله؟! فإنه من تكليف ما لَا يطاق، وفرق بين التكليف بالحال وبين إلزام الحال.
قوله تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ).
الزمخشري: بل سارعوا إلى التكذيب بالقرآن، وفاجئوه في بداهة السماع قبل أن يفقهوه ويعلموا [كنه*] أمره، وذلك لفرط نفورهم مما يخالف دينهم وخروجهم عن دين آبائهم كالناشئ على التقلد من الحشوية.
قيل لابن عرفة: الحشوية هم الحنابلة، والزمخشري حنفي.
ابن عرفة: الحشوية عندهم المخالفون لمذهبه، وعندنا هم المجسمة القائلون بالجثة والمكان، قلت: وفي تلبيس إبليس [لابن الجوزي*] الحشوية طائفة من المرجئة [قالوا بوجوب*] النافلة كالفريضة (١)، وانظر ما قيدت في سورة النمل في قوله تعالى: (قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا) ابن عرفة: وتكذيب الإنسان بما لم يعلم أشد؛ فنجا من تكذيبه بما علم، قدمهم أولا على التكذيب بما علموا ثم أضرب عنه بكونهم كذبوا به قبل العلم به، قال: وكان بعضهم يأخذ من الآية مطلبين أحدهما: أنه لَا يجوز لأحد أن ينكر علما من العلوم فلا يكذب به من يعلمه.
الثاني: إذا بحث ذاك فلا يرد عليه حتى يكرر كلامه ليعلم منه أنه فهمه، وحينئذ يقبل منه الجواب عنه؛ لأن الرد عليه تكذيب له وإبطال.
قوله تعالى: (وَلَمَّا يَأتِهِم تَأوِيلُهُ) أي لم يعلموه من حيث ليكمله لرجل لم يقرأ علم الفلسفة ولكن يعلم خاصيته؛ وهو أن من خصائصه نسبة التأثير لغير الله عز وجل
(١) النص في التلبيس هكذا:
"وانقسمت المرجئة اثنتي عشرة فرقة التاركية قالوا ليس لله عز وجل على خلقه فريضة سوى الإيمان به فمن آمن به وعرفه فليفعل ما شاء والسائبية قالوا إن الله تعالى سيب خلقه ليعملوا ما شاءوا والراجية قالوا لا نسمي الطائع طائعا ولا العاصي عاصيا لأنا لا ندري ما له عند الله والشاكية قالوا إن الطاعات ليست من الإيمان والبيهسية قالوا الإيمان علم ومن لا يعلم الحق من الباطل والحلال من الحرام فهو كافر والمنقوصية قالوا الإيمان لا يزيد ولا ينقص والمستثنية نفوا الاستثناء في الإيمان والمشبهة يقولون لله بصر كبصري ويد كيدي والحشوية جعلوا حكم الأحاديث كلها واحدا فعندهم إن تارك النفل كتارك الفرض والظاهرية وهم الذين نفوا القياس والبدعية أول من ابتدع الأحداث في هذه الأمة. اهـ (تلبيس إبليس. ٣١).
يونس 10:42
فيكذب به من أجل هذا، وقيل إن معناه: ولم يطلعوا على عاقبه، ومثاله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ... (٤٢).. ابن عرفة: إن قلت: ما السر في جمع ضمير المستمعين وإفراد ضمير الناظر؟
فالجواب: أن الاستماع يقع من الجهات الأربع، والنظر إنما يكون من جهة الأمام فقط، فخلقت العجائب مع كلامه، فيها كل من دار به لَا ينظر إلى أفعاله إلا من هو قبالته، فالسامعون لكلامه أكثر من الناظرين فنقله فكذلك جمعهم.
فإن قلت: لم أفرد السمع وجمع الأبصار مع أن متعلق السمع أكثر؟ فقال: لأن السمع مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه فلا يجمع، والبصر اسم [الجارجة*] التي يبصر بها فصح جمعه.
قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ).
قال ابن عرفة: هذا استفهام على سبيل الإنكار فهو في معنى النهي، كقولك (فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) قال: ولو إنما تدخل على ما تستبعد وقوعه، أو تستقرب؛ كقولك: أكرم السائل ولو أتاك على فرس؛ لأن إكرامه إذا أتى على فرس مستبعد، ونفي إسماع غير العقلاء أظهروا بين مما نفي سماع الصم العقلاء، فكيف أدخل عليه لو؛ فإنما كان يقال: أفأنت تسمع من يعقل ولو كان أصم فيكون ظاهرا؟ وأجيب بوجهين:
الأول: أنه تنبيه على حرص النبي ﷺ على إسماعهم وإيمانهم.
الثاني: أن لو إنما دخلت في الكلام المثبت غير المنفي، ودخل الاستفهام بعد ذلك على الجملة فهو نفي أخص لَا نفي أعم، فأصله أنت تسمع ولو كانوا لَا يعقلون، فدخل الاستفهام عليه فنفى الجملة، كقولك: ما ضربت زيدا ضربا، فنفيت الفعل المولد. لأنك أكدت الفعل المنفي، كقولك: أفأنت تقوم ولو كنت مقعدا، أنكرت قيامه في هذه الحالة كما نفيت الضرب المولد، وكذلك تقول: أفأنت تكرم زيدا وإن أساء إليك، أنكرت إكرامه في هذه الحالة فأنكر هنا إسماع الصم في حالة عدم العقل.
قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾
انظر ما الفرق بين هذه، وبين قوله في سورة القتال (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا) عطف الثاني هناك بـ إما وعطفه هنا بـ أو، قال: وأجيب بأن إما [للتفصيل*]؛ فتدخل بين المتغايرين وإن لم يكونا متناقضين، وأو لأخذ الشيئين أو الأشياء فتدخل بين النقيضين، ولا شك أن المن والفداء يجتمعان
يونس 10:47
فيمن على أشخاص ويفدي أشخاصا، فدخلت إما [لتفصيل*] حال هؤلاء من حال هؤلاء ورؤيته بعض الذي وعد لَا يجتمع مع وفاته بل تناقضها فحسنت فيه أوقف له ثم الله شهيد على ما يفعلون، وإما أن يريد في الآخرة فتكون حكاية حال ماضيه، أو يريد شهيد في الدنيا على ما يفعلون فيها؛ لأن الآخرة ليس فيها فعل بوجه يوجد إذ ليست دار تكليف.
وجعل أبو حيان جواب الشرط الأول مقدرا؛ أي: وإمَّا نرينك بعض الذي نعدهم، فذلك يعارض ابن عرفة؛ لأن قوله (فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) إنما يجيء جوابا عن الثاني.
ابن عرفة: وهذا لَا يلزم، ونظيره قوله تعالى: (وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ) لأن عذاب النار ثابت لهم مطلقا سواء كتب عليهم الجلاء، أو لم يكتب.
قوله تعالى: ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
إن أريد لَا يظلمون في القضاء فيكون تأكيد، وإن أريد لَا يظلمون مطلقا فيكون تأسيسا.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وقال في الأعراف (قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ) ابن عرفة: لما تقدم ذلك (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ) ناسب تعقيبها بقوله (وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ) ولما تقدم هذه (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) بقوله (لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ) قلت: ولهذا أجاب ابن الزبير عن تقدم النفع هناك على الضرر، وتأخيره هنا، فقال: لما تقدم آية الأعراف سؤالهم عن الساعة، وتكرر في قوله (كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا) أي عالم بها، وظاهر سياق الآية أنهم كانوا يظنون عليه بها، والعلم بالشيء يقع لصاحبه؛ قدم فيها نفي النفع، ولما تقدم لهذه طلبهم تعجيل العذاب، بقولهم (مَتَى هَذَا الْوَعْدُ) استهزاء وتكذيب قدم فيها نفي الضر.
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾
ابن عرفة: يؤخذ منه جواز حلف الشاهد على شهادته، قاله بعضهم وهو يفيد قوله (أَلَا إِن لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ... (٥٥).. قال: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدمها (وَلَو أَنَّ
يونس 10:57
لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ) فقد يتوهم أنه تعالى مفتقر إلى أخذ الفداء؛ فنفى ذلك بقوله (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ) الآية.
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾
نقل ابن عرفة هنا كلام الزمخشري وابن عطية، ثم قال: ويحتمل عندي أن يكون المراد بالموعظة المعجزة، وبالشفاء الإيمان، وبالهدى فروعه، وكانت هدى؛ لأنها موصلة للسعادة، وبالرحمة حفظ الأموال والنفوس، وهي عامة بجميع المؤمنين، ووقع العطف على الترتيب والتأخير كما هو في الوجود الخارجي.
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾
يحتمل أن يكون من باب إطلاق السبب على المسبب؛ فيكون الرزق حقيقة في الطعام وأطلق عليه اسم الإنزال، ويحتمل العكس فيكون الرزق مجازا في الماء، والإنزال حقيقة، ولا دليل في الآية على أن الأشياء على الحظر والإباحة.
وقوله (مِنْ رِزْقٍ) قال أبو حيان: للتبعيض أو لابتداء الغاية، قلت: بل لبيان الجنس، ولا يصح التبعيض؛ لأن رزقا مطلق إذ هو في سياق الثبوت فيصدق بصورة وبعض رزق واحد لَا يعينه ليس برزق، فإن قلت: إنه رزق، قلت: أقول لفظ البعض يتناوله، فإذا بعضته لم يكن جزاء رزقا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ﴾
قال أبو حيان: العامل في يوم ظن، قلت: هو المفعول الأول، والثاني: محذوفا.
قوله تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ).
وقال: في سبأ (وَقَلِيل مِنْ عِبَادِيَ الشكُورُ) فينفي الشكر الخاص عن القليل، وهل الكثير هو الأكثر أم لَا؟ قال ابن عرفة الكثير هو الأكثر.
قلت: بل هو لقوله تعالى: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ)، فسمى النصف قليلا؛ فإذا كان قليلا فليس هو كثير فالكثير أنه إنما يصدق على ما فوق النصف، وكذلك الأكثر.
قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا). ابن عرفة: يؤخذ منها بأن الأصل في الأشياء الإباحة؛ لأن الذم إنما ترتب على نفس التقسيم من غير اعتبار شيئين من الأقسام.
قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ).
إشارة إلى ذم الاتصاف بأدنى الظلمة.
قوله تعالى: (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ).
الزمخشري: ما الفائدة في إسرارها؟ وأجاب بأنهم لشدة ما نالهم من الهول لا يقدرون على إظهار الندامة، ورُد بأن مذهبه أن القادر على شيء قادر على ضده، وأجاب ابن عرفة: بأن ذلك عقلا، وهذا أمر عادي فقط.
قوله تعالى: (وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ).
القضاء بالقسط كان تأكيدا، وإن أريد لَا يظلمون مطلقا كان تأسيسا.
قوله تعالى: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
هذا احتراس؛ لأنه لما تقدمها (وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ) أوهم أن المفتدى منه ينتفع بذلك الفداء فنص هنا على أن الفداء به كله ملكة فلا حَاجة له في شيء من ذلك.
قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ).
قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: الموعظة هي المعجزة، والشفاء لما في الصدور هي دليلها، والإيمان بها والهدى هو الأحكام والشرائع التي بيانها، والرحمة حفظ الأموال والنفوس بالإيمان، كما في الحديث: " [أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ، وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ*] ".
يونس 10:61
قوله تعالى: (وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).
إشارة إلى أن كذبهم غير مسند إلى ظن ظنوه أو توهم توهموه بل هو مجرد عند وافتراء، أو يكون المعنى: أنهم كذبوا على الله وظنوا أنهم لَا يؤاخذون بذلك إلى يوم القيامة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾
إلى قوله (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) يؤخذ منه أن الله تعالى عالم بالجزئيات كعلمه بالكليات.
قوله تعالى: (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ).
ابن عرفة: هذا كقولك: أتعصي والله يراك. لأنه أزجر له من أن تنهاه عن العصيان، وإلا فرؤية الله تعالى سابقة قديمة، وتعليقها [بحالة*] العصيان تنفيرا للعاصي عن فعله.
قيل لابن عرفة الرؤية لَا تتعلق بالمعدوم على تقدير وجوده.
وقال الفخر: قوله تعالى: (شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) إن قلت: فيه إيهام، فالجواب أن الشهادة أخص من العلم، فلا يلزم من نفيها نفيه.
ابن عرفة: فيه نظر لبقاء السؤال في القدر الزائد، فإن قلت: الشهادة بمعنى البصر تتعلق بالمعدوم على أنه موجود، والعدم يتعلق به لَا على أنه موجود.
قال بعضهم: قد يجاب بأن الفرق بين العلم والشهادة إنما هو في التسمية فقط، فقيل: الوجود يسمى علما وبعده شهادة واستبعده ابن عرفة.
قوله تعالى: (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ).
فيها دليل لمن يقول بنفي الجوهر الفرد عند مثبته، فقوله تعالى: (وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ) يقتضي القيامة.
قوله تعالى: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم، وإن جعلنا الاستثناء متصلا لأنه يوهم أنه يعزب مع أنه معلوم له.
يونس 10:62
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
على فوات محبوبهم، أو لَا يخافون لأن تفوتهم الجنة، ولا يتعلق عزمهم إلا بطاعة الله لَا يطمعون في جنة، ولا يخافون فواتها، ولا يحزنون على نقص لذاتهم في الدنيا.
قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
بعصمة دمائهم وأموالهم إلا بحقها، وفي الآخرة بالنجاة من النار.
قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾
عبر بمن [... ]. إما تغليبا للعاقل، أو لأن العاقل أشرف، فإذا ملكه فأحرى أن يملك غيره، فهو تنبيه على الأعلى بالأدنى، أو لأن ملكه لغير العاقل مقدم التنبيه عليه، بقوله (أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) فإن قلت: لم كررت مَن في هذه الآية ولم يكررها في التي قبلها؟ فالجواب: أنه لما كانت أعم من التي قبلها أغنى ذلك العموم من تكرارها.
قوله تعالى: (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ).
ابن عرفة: هذه سالبة كلية، والسالبة الكلية، قال المنطقيون: إنها تكذب [**إذا فكيف هم]؟ هذا مع أنهم جعلوا لله شريكا، فكان بعضهم يقول: هؤلاء شركاء في اعتقادهم وليسوا شركاء في نفس الأمر.
قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾
من باب حذف التقابل؛ أي جعل لكم الليل مظلما لتسكنوا فيه، والنهار مبصرا لتبصروا فيه.
قوله تعالى: (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ).
عبر بالسمع لأنه أشرف وأعم من البصر، والعرب يؤرخون بالليالي [... ].
يونس 10:68
كذا [... ]. الأسبق في الأيكة وفي التاريخ؛ فلذلك قال (لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ) ولم يقل يبصرون؛ لأن الليل محل السماع فقط.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾
ابن عرفة: هذا أخف من أن لو قالوا: ولد الله ولدا.
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ﴾
ابن عرفة: إما تسلية له ﷺ بكون قوم نوح كفروا به [وضايقوه*] مضايقة شديدة، وإما تخويفا لقريش أن ينزل بهم ما نزل بقوم نوح.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ﴾
فأحرى أن يطلب السحَّار.
قوله تعالى: ﴿قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ... (٨١)﴾
قيل: ما موصولة مبتدأ والسحر خبر، أو العكس؛ لأن الموصولات في رتبة فاعل مؤخر بالألف واللام فقد تساويا؛ لكن الخبر لَا يكون إلا متاويا للمبتدأ، وأعم منه والسحر يصدق على ما جاءوا به وعلى غيره، فهو أعم لأن ما جاءوا به ليس إلا سحرا إن الله سيبطله.
قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ).
السين للتحقيق أو للاستقبال، قيل له: بل لهما معا، فقال: يلزم عليه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن كونها للتحقيق مجاز، وكونها للاستقبال حقيقة.
قوله تعالى: (لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ).
ولم يقل: يبطل عملهم، فالجواب: أن ما أتوا به باطل، والباطل قد ينصلح فأخبر عنه أنه يبطل ولا ينصلح.
قوله تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ﴾
أي يظهره.
يونس 10:88
قوله تعالى (بِكَلِمَاتِهِ) يحتمل معنيين: إما أن المراد بوعده أي الحق الثابت في نفس الأمر بوعده وهو يضرهم على الكفار، وتعجيزه لهم يظهره الآن، ويحتمل أن يكون بكلمته؛ أي بقوله (كُنْ فَيَكُونُ)، وقوله (بِكَلِمَاتِهِ) يحتمل أن يتعلق بحق أو بالحق، لكن قال الزمخشري في قوله تعالى: (ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ) هل يتعلق (مِنَ الْأَرْضِ) بـ (دَعْوَةً) أو بـ (دَعَاكُمْ)؟ قال [إذا جاء نهر الله*] بطل [نهر*] معقل، وكذلك هنا.
قال ابن عرفة: يحتمل أن يقال ذلك، إنما ذلك إذا اتخذ معنى التعلق فيهما، وهو هنا مختلف؛ لأن معناه في الأول: ويظهر الحق بكلمته الحق الثابت في نفس الأمر، ومعناه الثاني: ويظهر الله الحق المصاحب لكلماته أو نحوه.
قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ).
لو بمعنى إن، وليست مثل: أكرم السائل ولو أتاك على فرس؛ لأن تلك دخلت على ما يتوهم نفيه؛ لأنه إذا أتى على فرس لم يكرم، وكذلك (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ) وهنا إذا كره المجرمون فإظهار الحق ثابت ولا يتوهم نفيه.
والجواب أن المراد الإخبار بجهلهم وغباوتهم، وأنهم في مقام يظن الظان بهم لو كرهوا ظهور الحق لم يظهر.
قوله تعالى: ﴿آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
من عطف الخاص على العام.
قوله تعالى: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ).
يؤخذ منها جواز الدعاء على الكافر بالموت على الكفر، وأجيب باحتمال أن يكون أوحى إليه أنهم لَا يؤمنون؛ هذا إن كان (فَلا يُؤمِنُوا) منصوبا بالجواب، قوله (اطْمِسْ) يحتمل أن يعطف على قوله (لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) فلا يكون فيه دليل.
قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
يؤخذ منه جواز التقليد في العقائد؛ لقوله [(آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) *]: يدل على أنه لو قال هذه الكلمة قبل ذلك لَا ينتفع بها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾
يونس 10:102
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: معناه فإن كنت في شك من كيفية مما أنزلنا إليك من اختلافهم؛ لأنه أنزل إليه الآية التي قبلها، وهي (فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي فإن وقع عندك شك في كيفية اختلاف الأمم السالفة، (فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) يخبروك بكيفية اختلافهم، ابن عرفة: ويؤخذ من الآية أحد أمرين: إما أن خبر التوراة يفيد العلم، ولنا جواز العمل بخبر الواحد؛ لأن المسؤلين إما بالغون عدد التواتر أو لا.
قوله تعالى: (فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ).
ابن عرفة: الافتراء أخص من الشك؛ لأن الشك هو التردد في أمر دليل قابل للظهور والخفاء، والافتراء هو التردد في أمر دليله ظاهر قوي لَا يخفى على أحد، ويؤيد ذلك قوله (لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ).
قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
إما أن يراد فهل يقصدون في الانتظار بكم إلا مثل ما حل بالأمم السالفة، أو يراد فهل حالهم في الانتظار لما يحل بهم إلا حال الأمم السالفة فهذا انتظار عن غير قصد.
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ... (١٠٧)﴾
ابن عرفة: عادتهم يقولون: لم عبر في الأول بالمس وفي الثاني بالإرادة؟ فعادتهم يجيبون بأن المس أبلغ من إرادة المس، فقصد في الأول تعليق الشرط بأقوى الأمور؛ لأنه لَا يفتقر إلى الشفيع والمكاشف إلا [عند*] عظائم الأمور، وسرائرها وأما [الخير*] فقصد فيه التنبيه على أنه إذا وقع بك قليله، فلا راد لفضله، واسع كثير يأتي بأكثر منه [ولا راد له*].
قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾
يؤخذ منها منع الوصية بالحج مع أن مالكا أجازها ومنع الاستئجار على الحج في الحياة.
قوله تعالى: (وَاتَبعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ).
يؤخذ منه أنه - ﷺ - ليس بمجتهد، قلت: وتقدم لابن عرفة فيها في الختمة الأخرى بما نصه قوله (وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ) أي يظهره، قوله (بكَلِمَاتِهِ) يحتمل معنيين: إما بوعده بالنصر عليهم فيظهرهم الآن، وإما بقوله (كُنْ فَيَكُونُ) قوله (قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ) إما أن الرزق حقيقة في الطعام وأطلق عليه الإنزال من مجاز إطلاق اسم السبب على سببه أو العكس؛ فالإنزال حقيقة في الماء وإطلاق الرزق على الماء مجاز، قوله (وَلَكِنَّ أَكثَرَهُم لَا يَشكرُونَ) نفى عن الكثير مطلق الشكر، وقال في سورة سبأ (وَقَلِيلٌ مِن عِبَادِيَ الشكُورُ) فأثبت للقليل أخص الشكر؛ فدل بالمفهوم على نفيه عن الكثير وإثبات مطلق الشكر له، فهل الكثير هو الأكثر أم لَا؟ فيه نظر.
* * *
هود 11:1
سُورَةُ هُودٍ - عَلَيهِ السَّلَامُ -
قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾
أشار الزمخشري إلى أن في الآية الطباق واللف والنشر؛ أما الطباق فبين أحكام الآية وتفصيلها، فإن قلت: ليس أحدهما ضد الآخر، قلنا: أحدهما ليس نسب مع ضد الآخر، وأما اللف والنشر ففي (حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
قوله تعالى: ﴿نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾
قدم النذارة بوجهين. أحدهما: إن وقع المؤلم آكد من طلب الملائم.
الثاني: أن النذارة لمن خالف، والبشارة لمن امتثل، وحالهم ابتداء إنما هي الكفر والمخالفة.
قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾
إذا قلت: ما أفاد عطف التوبة على الاستغفار، قلت: الاستغفار الندم على فعل المعاصي وطلب سترها فقط، والتوبة كذلك مع زيادة العزم على ألا يعود، فإن قلت: كيف يفهم يمتع المؤمن متاعا حسنا مع ما ورد أن "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر وراحته"، فالجواب: إما بأن ما ناله كل فريق منهما في الدنيا بالنسبة إلى ما يناله في الآخرة ليس بشيء.
الثاني: أن [يمتع*] المؤمن موصوف بكونه حسنا بخلاف الكافر.
قوله تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾
ابن عرفة: الصواب في معناه أنتم تقولون إنه مفترًى فاعلموا أن الله أنزله عالماً [... ].
هود 11:15
(فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) قيل: أي منقادون، وقيل: أي مخلصون.
ابن عرفة: وهو أصوب لأنهم كانوا منقادين غير أن عبادتهم لله [أشركوا*] فيها غيره معه، فطلب منهم إخلاصه لله عز وجل.
قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾
ابن عطية: عن قتادة، والضحاك هي خاصة بالكفار، وعن مجاهد هي عامة فيهم، وفي أهل الرياء من المسلمين، قال: فعلى الأول معناه يتعمدها ويقصدها ولا يقصد به، وعلى الثاني معناه يجمعها [ويفضلها*] ويؤثرها على الآخرة.
قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾
هو في الأول على ظاهره، وفي الثاني عام باق على عمومه ويكون ليس لهم في الآخرة إلا النار مجاز فيتعارض فيه المجاز والتخصيص، وكان بعضهم يقول: معنى قوله (لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) أي ليس لأعمالهم جزاء بوجه؛ لأنها أعمال خالطها الرياء فليس لها ثواب بوجه، كقولك: ليس لفلان عندي إلا السيف، وأنه لا تعاقبه، وإنما تقصد عندك أنك لَا تعظم شيء بوجه.
قوله تعالى: (وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
قال ابن عرفة: هذا تأسيس وليس بتأكيد، فقوله (وَحَبِطَ) إشارة إلى ما هو صحيح باعتبار أصله، وعرض له ما أوجب فساده.
وقوله (وَبَاطِلٌ) إشارة إلى ما هو فاسد من أصله، فكذلك أتى بلفظ الاسم، والأول بالفعل هذا كعمل الكافر وعمل المسلم المرائي؛ فمن قوله (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ... (١٧).. والشرعي هو ما دل عليه كتاب موسى.
قوله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ).
إن قلت: ما أفاد قوله (مِنَ الْأَحْزَابِ)؟ فالجواب أن فيه [تبكيتا*] على صناديد الكفار كأبي جهل ونحوه، واختار ابن عرفة في (أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ) أنها عامة في جميع المؤمنين من الأمم كلهم، فقيل: فكيف يفعل في قوم نوح مع قوله (وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى) فقال: يتلوه شاهد منه هو النبي عليه السلام، ومن قبله عائد على الشاهد لَا على من كان على بينة.
قوله تعالى: (فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ).
هود 11:18
ابن عرفة: يؤخذ منها بأن الشك ليس هو أول الواجبات بل أولها النظر؛ لأنه في الآية منهي عنه، فلو كان واجبا لما صح النهي عنه يقول: الواجب غير منهي عنه فليس بواجب، وأجيب بأن ذلك في الشك المطلق، وهو في الآية مقيد بشيء خاص.
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ﴾
مع قوله (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ) متناقض والجمع بينهما بوجهين: إما بتساويهما، وإما بأن أحدهما عام مخصوص.
قوله تعالى: (أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ).
[لم يقل*] (على الله)، مع أنه المناسب في الآية، فالجواب أن عصيان المحسن إليك أشد وأشنع من عصيان العادل فيك، [فالعرض*] على من أسأت إليه، وهو يحسن إليك أشد بأسا من العرض على من أسأت إليه وهو يعدل فيك.
قوله تعالى: ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾
فسر ابن عرفة بوجهين: إما ويبغون العوج فيها، أو ويبغون العوج لغيرهم؛ وهو إبعاده عنها، وقال ابن عطية (وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا) أي يطلبون الوصول إليها بطريق وهو قولهم (مَا نَعْبُدُهُم إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾
أي خسروا نجاة أنفسهم وهذا مثل ما قالوا في قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) إلى قوله (ثُمَّ أنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) فيه الإنباء بما يأتي، أو التهكم بما يأتي؛ لأنه يأتي بلفظ يستدل به على ما يأتي بعده؛ فلذلك قال عبد الله بن سعد بن أبي سرح (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) قيل له: كذا [نزلت*] فارتد عن الإسلام ثم أسلم [وحسن*] إسلامه.
قوله تعالى: (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
تأسيس والمراد أن الإنسان في الدنيا إذا نالته مشقة فإنه تأتيه أصحابه وأقاربه فيسألونه ويصبرونه، ويأخذون بقلبه، وهؤلاء في الآخرة يذهب عنهم جميع من كانوا يعتقدون أنه ينفعهم.
قوله تعالى: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ﴾
هود 11:34
هذا تنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنهم إذا تضرعوا إليه مع استحضارهم رحمته ورأفته عليهم فأحرى مع استحضارهم قهره وعذابه، قيل لابن عرفة: ذكر في فريق الكافرين لازم الجزاء، وذكر هنا نفس الجزاء، فقال في الأول (أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا) ولم يقل (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُم فِيهَا خَالِدُونَ)، ولم يقل في الثاني (أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) فأجيب بوجهين:
الأول: أن في الآية حذف المقابل؛ أي وهم أصحاب النار، وفي الثاني (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهم المفلحون.
الثاني: أن مقام التخويف يكتفى فيه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ﴾
احتج هنا المقترح لأهل السنة في أن الله تعالى يخلق الخير والشر ويريدهما، وأجيب بما قال ابن الأثير من أن ملازمة الشيء للشيء لَا تدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه حسبما تقدم في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)، وتقدم الرد عليه بأن سياق الآية يدل على ذلك لأنها سيقت للمدح؛ وذلك دليل على الوقوع ولذلك هذه سيقت للذم فتدل على الوقوع، وأجاب بعض الطلبة بأن الشرط الثاني جواب للشرط الأول، والتقدير إن كان الله يريد أن يغويكم فلا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم، ونصحه وعدم نصحه واقع فوقوع الجواب يدل على وقوع الشرط، ورد ابن عرفة بأن الشرط ملزوم وجوابه لازم، ولا يلزم من وقوع اللازم وقوع ملزومه بوجه؛ بل يقع وقد لَا يقع.
قوله تعالى: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾
جمع الأعين، وقال في طه (وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَينِي) فأفرد الجواب أن الفلك هنا حفظ لنوح ولقومه، فلذلك جمع الأعين والحفظ في طه لموسى فقط.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾
الضمير عائد على نوح أو على الله وما قبله يدل على أنه لله تعالى، لقوله (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا) ويكون التفاتا بالخروج من التكلم إلى الغيبة، وما بعده يدل على أنه لنوح لقوله (إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ)، فإن قلت: المناسب هنا وصف القهر والغلبة، قلنا: وصف الرحمة أنسب لأنه نسب نوحا إلى عمل السفينة لينجو فيها هو وقومه.
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾
هود 11:43
ولم يقل: مع المغرقين إشارة إلى أن من له عقل وهمه ينبغي أن يكون تحفظه على صون نفسه؛ لأن حفظ الأديان له من حفظ النفوس، وذكر هنا الزمخشري وابن عطية أن هذا الولد لم يكن ابن رشد، وإنما كان ابن زنا، قال ابن عرفة: وعادتهم ينكرون هذا فإن الأنبياء معصومون من أن ينسبوا لأنفسهم ما ليس لهم، قال: والدليل على ذلك قوله في سورة التحريم (فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) فدل على أنه طلب نجاة زوجته من العذاب، فلم يسعف بمطلبه، فهو بريء من ذلك، ولو كان له في ذلك من ذلك ذنب لما كان في [وسعه*] أن يطلب نجاتها من العذاب.
قوله تعالى: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ... (٤٣)﴾
قال ابن عرفة: هذا على أسلوب المنطق من أن [الموجبة*] الجزئية ترتفع بالسالبة الكلية، قال: ويعصمني إنما هو بمعنى يحفظني، وإن [**جعلنا بمعنى] فيرد فيه إشكال وهو أن المتبادر للفهم إن كان يقال [**بمنع العاصم؛ لأنه هو الذي يتضرر بالماء، ويتسبب فيما يمنع العاصم أن يضره].
قوله تعالى: (لَا عَاصِمَ الْيَومَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ).
استثناء إما منفصل أو متصل؛ فإن كان المراد لَا معصوم؛ أي لأن العصمة [... ].
قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ رَحِمَ).
[لا عاصم اليوم من الطوفان إلا من رحم الله*] (١)، وإما أن المراد إلا الراحم، والراحم هو الله تعالى لَا غيره، وجعله ابن عطية مستثنى من المفهوم فهو، كما يقول الزمخشري: مستثنى من أعم الأعم؛ لأن نفي العاصم يستلزم نفي المعصوم باستثناء المرحوم من رحم لازم لَا بها، وقيل: إنه استثناء منقطع، قال: وعادة الطلبة يقولون: جاء الحكم في زيادة لفظ اليوم مع أن العاصم من أمر الله منفي مطلقا، قال: فمفهومه أنه موجود في غير ذلك اليوم، قال: وأجيب بأنه مفهوم موافقة؛ لأن الإنسان ما يطلب على العاصم والمنجي إلا عند نزول الشدائد به والمصائب، أما إذا كان بمنجاة منا فلا يطلب عليه بوجه فإذا انتفى العاصم حالة الحرص على طلبه والحاجة إليه فأحرى أن ينتفي حالة عدم الحرص على طلبه والبحث عنه.
قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾
(١) العبارة في المطبوع غير مفهومة، ونصها "أي ذو لبن وذو تمر" والمثبت من الكشاف. اهـ
هود 11:45
والماء فيها الجلال في إيضاح بيانه، ابن عرفة: وعادتهم يوردون فيها سؤالا وهو أن العادة المألوفة في الأراضي أن الإنسان يشتغل أولا بدفع الماء الوارد عليها قبل اشتغاله بزوال ما حصل فيها، وجاءت الآية على العكس، وأجيب بوجهين:
أحدهما: أن الماء كان يطلع من الأرض مثلما ينزل من السماء فهو أكثر لأن الأرض فيها ما فيها وما في السماء.
الثاني: أن المقصود حصول استقرار السفينة فكان الأهم البداء بالأرض التي تستقر فيها إذا بلغت ماءها، قال: وكان بعضهم يقول إن في الآية اللف والنشر، فقوله (وَغِيضَ الْمَاءُ) راجع لقوله (وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي).
قوله تعالى: ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾
ابن عرفة: هذا السؤال بعد وقوع ما وقع إنما هو ليبين له فهم ما وقع عنده فيه وهمٌ وإشكال، وأورد الزمخشري هنا سؤالا، قال: كيف عطف هذا بالفاء مع أن الجملة الثانية في معنى الأولى؛ فالمناسب فيها الوصل لَا الفصل؟ وأجاب بأن المعنى أراد النداء (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي) فهو من عطف المسبب على السببية ولو أراد النداء نفسه؛ لجاز بغير عطف كقوله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) ابن عرفة: وكان بعضهم يقول في هذا بإن كان النفع بالنداء راجعا للمنادي فإِنه لَا يؤتى فيه بحرف العطف ولا بلفظ قال، كقوله تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا)، وإن كان النفع راجعا للمنادي؛ فإن لم يَكن فيه بعد وغرابة فإنه يؤتى فيه بقال دون حرف العطف، كقوله (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) إذ لَا غرابة في تضرع المخلوق للخالق، وإن كان فيه بعد وغرابة فإنه يؤتى فيه بقال مع حرف العطف، فهذه الآية إشعار بأن هناك مقدر؛ أي ناداه وخشع له وأظهر الذلة والافتقار (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي).
قوله تعالى: (إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي).
[على*] معنى مقدمتين، أي وكل أهلي ناج بوعدك الحق الصدق فإنني ناج، قال: وكان بعضهم يقول: في الآية حجة للمعتزلة القائلين بأن الأمر يستلزم الإرادة؛ لأن قبلها (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ) ففهم نوح عليه السلام من أمره له بحمل أهله وعده له بسلامة من يحمله معه، فدل ذلك على أن الأمر يستلزم الإرادة إذ لو لم يستلزمها لما قال نوح (وَعْدَكَ الْحَقُّ) وأجيب بأنه إنما فهمه من القرائن
هود 11:46
الحالية لَا من لفظ الأمر، وأخطأ ابن عطية هنا في أمرين؛ أحدهما أنه قال: وقرأ بعضهم (٤٦) [(إنهُ عَمِلَ غَيرَ صَالِحٍ) *] وهي قراءة الكسائي: [وروت*] هذه القراءة أم سَلمة وعائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وضعفها الطبري وطعن في الحديث؛ لأنه من طريق شهر بن حوشب، قال ابن عرفة: فتح الميم غير متواترة وهذا خطأ، الثاني: قوله في ولد نوح [إنه ليس*] يؤكده، وأن امرأته خائنة فيه، وأخطأ أبو حيان وقال: قرأ حمزة والكسائي (تَسْأَلَنِّ) بالنون والياء وليس [كذلك*]. إنما قرآ بالنون لا غير*] (١).
قوله تعالى: (إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
وقال في سورة الأنعام (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ) وتكلم عليها ابن عطية هناك، وتقدم لنا نحن الكلام عليها بما فيه كفاية.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾
ابن عرفة: كان بعضهم يقول: معناه أن أسألك ما ليس لي به علم بإباحة السؤال عنه، ولا يسأل الإنسان إلا عن ما ليس له به علم، وقال (إِنِّي أَعُوذُ بِكَ) بلفظ المستقبل، وكذلك في سورة قد أفلح (وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ)، وقال في سورة الدخان (وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) بلفظ الماضي، فكان بعضهم يقول: حكمة ذلك أنه إن كان المستعيذ تقدمت منه حالة منافية لحالة الاستعاذة؛ فيؤتى بفعل الاستبعاد مستقبلا، ونوح عليه السلام تقدم عنه السؤال، وموسى عليه السلام ينتهي عنه سؤال.
قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ).
قال أكثر النحويين على أن حتى حرف غاية، وأن الغاية لازمة لها مطلقا، وقال ابن خروف في شرح سيبويه، قوله تعالى: (مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الزوج يطلق على الذكر وحده وعلى الأنثى وحدها، لقوله تعالى: (ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ)، ولو كان إنما يطلق على مجموع الزوجين لقال أربعة أزواج، وقدم الحيوان غير العاقل على الأهل؛ لأنه أقل لهم قدرة على القيام بأنفسهم بخلاف غير العاقل.
(١) في نسبة هذا الكلام إلى أبي حيان نظر.
وهذا نص في البحر المحيط هكذا:
"وَقَرَأَ الصَّاحِبَانِ: تَسْأَلَنِّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً، وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُمْ أثبتوا الياء بَعْدَ النُّونِ، وَابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِهَا مَفْتُوحَةً وَهِيَ قِرَاءَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَرَأَ الْحَسَنُ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: تَسَالْنِي مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ، مِنْ سَالَ يَسَالُ، وَهُمَا يَتَسَاوَلَانِ، وَهِيَ لُغَةٌ سَائِرَةٌ. وَقَرَأَ بَاقِي السَّبْعَةِ بِالْهَمْزِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَخْفِيفِهَا، وَأَثْبَتَ الْيَاءَ فِي الْوَصْلِ وَرْشٌ وَأَبُو عَمْرٍو، وَحَذَفَهَا الْبَاقُونَ". اهـ (البحر المحيط. ٦/ ١٦٢).
هود 11:52
قوله تعالى: (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ).
نص ابن عصفور على أنه لَا يجوز استثناء المجهول، فلا يقول: قام القوم إلا رجال، وأجيب بأن من سبق عليه القول مجهول الذات، معلوم الوصف، كما نقول: قام القوم إلا الغفلاء.
قوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا).
ابن عرفة: على مقتضى تركيب هذه الآية يكون قول القائل: بسم الله عند أكله مريدا به آكل بسم الله أبلغ من قوله: بسم الله يريد به أبدأ بسم الله؛ لأنه في الأول ناله بركة التسمية في جميع الطعام، وكذلك اقتضت [أن اسم الله*] مصاحب لها في [الطعام*] من أوله إلى آخره.
قوله تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾
قال ابن عطية: الاستغفار طلب [طلب المغفرة، وقد يكون ذلك باللسان، وقد يكون بإنابة القلب وطلب الاسترشاد والحرص على وجود المحجة الواضحة]، وهذه أحواله يمكن أن تقع من الكافرين، فكأنه قال لهم: اطلبوا غفران الله بالإنابة، وطلب الدليل في [نبوتي*] ثم توبوا بالإيمان من [كفركم*]، ثم تكلم ابن عطية بكلام كثير، ورده ابن عرفة: بأن التوبة من الكفر لَا يحتاج فيها إلى الندم على الكفر بوجه مغفور له كلما سلف فيه؛ لأن الإسلام يجبُّ ما قبله؛ بخلاف التوبة من المعاصي فإنها مظنونة فلا بد فيها من الندم على ما فات.
قوله تعالى: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعًا﴾
قال ابن عرفة: كان بعضهم يأخذ منه أنه أعم بالمعجزة؛ لأنه أمرهم بأن يكيدوه فلم يقدروا مع أن الجماعة إذا اجتمعوا على الواحد يغلبونه من غير كيد فأحرى مع الكيد.
قوله تعالى: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾
قال ابن عرفة: هذا من العام الباقي على عمومه، قيل له: إن الناموس والنحلة وغيرهما لَا ناصية لها، فقال: ناصية كل شيء بجنسه، أو ليس المراد حقيقة الناصية بل المراد القدرة على الأشياء والاستيلاء عليها.
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ﴾
هود 11:59
أورد الزمخشري هنا أن الجزاء متأخر عن الشرط مع أن التولي متقدم في الآية على التبليغ، وأجاب بأن المراد: فإن تولوا فلا حرج لأني قد أبلغتكم، قال ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بوجهين:
الأول: أن ذلك إنما هو في الأمر البسيط والتبليغ مركب [فالتبليغ*] متقدم على التولي أو بعده؛ فإن قلتم: إنه [منفي*] قبله فلا فائدة لنفيه بعده، وإن قلتم: إنه مثبت قبل التولي خالفتم الإجماع إذ هو منفي عنه بالإجماع فلا يزال السؤال واردا.
قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾
قال ابن عرفة: دخلت كل على جبار، ولم يقل: اتبعوا كل أمر جبار عنيد، هذا هو الصواب؛ لأن المراد أنهم اتبعوه فيما فيه مخالفة للشرع فلم يتبعوا كل أمره.
قوله تعالى: ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾
ثم قال (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ) عطف استغفروه بالفاء، والتوبة بـ ثم؛ لأن الاستغفار طلب ودعاء، والطلب لما يحتاج فيه الإنسان إلى تردد لَا إلى تأمل، والتوبة فعل، والفعل لَا يقدم عليه الإنسان إلا بعد تأمل وتدبر.
قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ).
ابن عرفة: إن قلت كان الأصل أن يقول: أرأيتم إن كنت على بينة من ربي فيستحيل رجوعي عنها لأن من فهم المقدمتين والنتيجة حصل له علم ضروري بمعلوم يستحيل زواله عقلا، فالجواب أن الدليل البرهاني لَا يجادل به العوام؛ فأتاهم بما يفهمونه وهو الدليل الخطابي.
قوله تعالى: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾
أخذوا منها أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، قال: لأنه قال لهم: اعبدوا الله، فأجابوه بأنه نهاهم عن عبادة غيره إنكارا عليه، وأجيب بأن النهي راجع لقوله (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
قوله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾
هذا الخطاب على سبيل التلطف؛ لأنه لو قال لهم: إنك على بينة من ربي لعائد وإن لم يرجعوا لقوله، وخاطبهم بـ[إن*] المقتضية للشك؛ لأنهم خاطبوه أيضا مخاطبة الشاك من ثلاثة أوجه:
هود 11:69
أحدها: خطابهم له بلفظ الرجاء، والثاني: قد المقتضية للتوقع مع الماضي دون التحقيق، فقالوا: (قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا)، والثالث: قولهم (وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) ابن عرفة: الريب أخص من الشك فلذلك وصف به، قلت: وانظر ما تقدم في براءة في قوله تعالى: (وَارْتَابَت قُلُوبُهُمْ).
قوله تعالى: (فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ).
إما أن المراد غير خسارة تنالكم وعدم إيمانكم بلحوق العذاب بكم، والإهلاك وصل فيَّ بالغمِّ اللاحق لي بسبب كفركم، أو يراد الجميع؛ أي خسارة لي ولكم.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ... (٦٩)﴾
قال ابن عرفة: قالوا [سلام الملائكة بليغ من جهة المصدر*]، وسلام إبراهيم بليغ من جهة إتيانه معبرا عنه بالاسم دون الفعل، والاسم يقتضي الثبوت واللزوم، ولذلك قال الشاعر:
[لَا يأْلَفُ الدرْهَمُ المَضْرُوبُ صُرّتَنا؍ لكنِ يمُرُّ عَليها وَهْوَ مُنْطَلِقُ*]؍
وكان بعضهم يقول: إنما إلى سلام الملائكة بالفعل، وسلام إبراهيم بالاسم من ناحية أن سلام الأشرف بعيد على المشروف فما يتوهم عدم وقوعه بالفعل المقتضي للوقوع والتجرد، وسلام المشروف على الأشرف لَا يستغرق وقوعه، وإنما يتوهم فيه عدم الدوام بحصوله ثابت في الذهن؛ وإنما المتوهم انقطاعه وعدم دوامه فعبر عنه بالاسم المقتضي للثبوت واللزوم دائما، وقيل لابن عرفة: هذا على القول بأن الملائكة أشرف من الأنبياء، فقال: وإذ قلنا إن الأنبياء أشرف؛ فسلام الملائكة مما يستغرب؛ لأنه من سلام الجنس على غير جنسه، أما الرد فلا يستغرب، وانظر ما تقدم في أول سورة الفاتحة، وفي سورة الأنعام قوله (فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ).
قوله تعالى: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا).
قال ابن عرفة: جرت عادة المفسرين في القرآن إما تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لتخويف الكفار وزجرهم لما جرى لمن قبلهم.
قوله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).
إشارة إلى كمال افتقارهم؛ لأن الإله هو المفتقر إليه، وقولكم له (لَكُم) إشارة إلى عدم استقلالهم، وكمال احتياجهم إليه.
قوله تعالى: (أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ). قال الزمخشري: أنشأ آباءكم.
وقال الفخر: أنشأنا من المني، والمني من الدم، والدم من الأغذية، والأغذية من النبات، والنبات من الأرض. قال ابن عرفة: وهذا أحسن ولا يحتاج فيه إلى إضمار.
قوله تعالى: (وَاسْتَعْمَرَكُمْ).
إما بمعنى أنه أعمركم، وإما من العمر أي أبقاكم فيها، أو جعلكم معمرين غيركم أي [**قصور الجنة]، ورده بأنه ليس في هذا نعمة، والآية خرجت مخرج الامتنان.
قوله تعالى: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ).
عطف استغفروه بالفاء للسبب؛ أي استغفروه بسبب هذه النعم، وعطف توبوا بـ ثم لأن الاستغفار دعاء وطلب والتوبة فعل، والإنسان ما يحتاج في المطلب إلى تروٍّ، وأما الفعل ولاسيما التوبة فإِنه لَا يقدم عليها حتى يتروى ويفكر.
قوله تعالى: (مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا).
قلت لابن عرفة: إن كان المراد به الزمن القريب من الحال فلا فائدة، فيدفع قوله (قَدْ كُنْتَ)، وإن أراد البعيد فذلك مناقض لمعنى قد، فقال: أتى به ليفيد أنه في الحال غير مرجو.
قوله تعالى: (أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ).
قال ابن عرفة: وذلك أن الإنسان إذا حصلت له [... ] يستحيل له [العلم الضروري*] الذي يستحيل زواله عقلا؛ بخلاف غير هذا، فإن الإنسان قد يكون يشرب الخمر ثم يتركه، ويكون يزني ثم يتوب، وصالح عليه السلام قال (إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ) قول يقال: كان الأصل أن يقول: إن كنت على بينة من ربي فيستحيل رجوعي عن ذلك؛ لأنه من الأمر الضروري الذي يستحيل زواله، فأجاب ابن عرفة: بأن الدليل البرهاني لَا يخاطب به العوام، فأتى بالدليل الخطابي، لأنه هو الذي يفهمونه.
قوله تعالى: (لَكُم آيَةً).
قال: آية حال، والحال من شرطها عند ابن عصفور الانتقال، وهذه ليست إلا آية، فأجاب بوجهين: الأول: أن ابن هشام في شرح [الإيضاح*]. نص على عدم اشتراط الانتقال فيها.
والثاني: أنها مثل خلق الله [زيدا أزرق]؛ لأن الناقة من حيث هي يمكن أن تكون آية، [أو لا*].
قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ).
راجع لقوله تعالى: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ).
قوله تعالى: (الْعَزِيزُ).
راجع لقوله (وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ) لأن الخزي يستلزم الإذلال والإهانة وذلك ضد العز، وعبر بالديار هنا لأن الصيحة صوت عام ليخص كل واحد في خزيه على حدته والرجفة حركة يقال بجميعهم، ولا يتخلف بل هي في حقهم واحدة.
قوله تعالى: (كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا).
شبه حالهم بعد الهلاك بحالهم قبل وجودهم، والوصف الجامع بينهم هو قوله تعالى: [(أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) *] قال أبو طالب في القوت: إن البعد من الله أشد من العقوبة بعذابه، واستدل بأن قصة صالح وقصة هود محتجا بهما، فقيل: ألا بعدا لعاد قوم هود ألا بعدا لثمود.
قوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا)
قيل: الظاهر أن اللام جواب قسم، وظاهر كلام الفخر أنها لام الابتداء، وهو غير صحيح؛ لأنها مع قد.
قوله تعالى: (رُسُلُنَا).
قال [الفخر: الصحيح أنهم ثلاثة لأنه المتعين*]، قال ابن عرفة: بل الصحيح أنهم اثنان؛ لأن أصل الجمع على أحد القولين؛ اثنان فهو يفيد الاثنين على كل مأول.
قوله تعالى: (قَالُوا سَلَامًا).
قال السكاكي وغيره من البيانيين: سلام إبراهيم أبلغ لأنه بالاسم والآخر بالفعل، فرده ابن عرفة بأن سلام الملائكة مؤكد بالمصدر فهو أبلغ؛ فصار كقوله تعالى: (وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)، وأجيب بأن المصدر إنما يؤكد
هود 11:81
الفعل المتقدم، والفعل يقتضي التجدد فأكده وبقي على ما هو عليه من اقتضائه التجدد، ورده ابن عرفة بأن قام زيد قياماً أبلغ من زيد قائم، قلت: وهنا ذكر أبو المطرف ابن عمير كلام السكاكي وهو أن الفعل يقتضي التجدد، والإخبار بالاسم يقتضي الثبوت، قال: هذا الرأي غريب ولا مستند له بعلمه إلا أن يكون قد سمع أن في مقولة أن يفعل وأن لَا يفعل، هذا المعنى من التجدد بحسب هذا الفعل القسيم للأسماء فذهب في غير طريق، ثم قال بعد كلام طويل: إن الثبوت صفة لَا بد لها من محل ومحلها السلام إذ هو الثابت، فهذا السلام إن كان المراد به المنطوق به المسموع بالصوت والحروف فقد تساوت السلامات في الحدوث؛ بل سلام الملائكة أسبق، وإن أراد به الكلام النفسي فقد تساوى أيضا في الشعور بدونها أن الإعراب هنالك، وإنما الإعراب للألفاظ المسموعة والمكتوبة، قال ابن عرفة: وهذا كلام في غاية الضعف، وعليه كان الفقيه أبو الطيب الفزاري: قال لي: لو مكني جمع نسخ ابن عميرة كلها لأحرقتها، وتعقبه عليه في قوله: إن الإخبار بالاسم يقتضي الثبوت غير صحيح.
قال الزمخشري: ذكره في قوله هذه السورة (ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ)، فانظر تجده فيه مستوفى، وذكر أيضا الزمخشري نحوه في أول سورة إبراهيم في قوله تعالى: (وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَاب شَدِيدٍ)، وذكره أيضا الزمخشري في سورة الفاتحة في قوله (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
قوله تعالى: (فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ).
قلت له: لَا يصح أن يكون ما موصولة بمعنى الذي؛ لأنكم قلتم: إن المراد هنا إبراهيم فلا يصح أن يقع إلا بها ما لَا يعقل، فإِن قلتم: المراد بها العجل فأين العائد، فإِن قلتم: العائد الذي في لبث، قلت: اللبث من صفة إبراهيم لَا من صفة العجل.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾
قرأ بالرفع والنصب، قال أبو عبد الله: ولو قرئ: ولا يلتفتُ برفع الفعل لصح رفع امرأتك ولكنه نهي؛ فلو استثنيت منه المرأة للزم إباحة الالتفات إليها فيفسد معنى الآية، قال ابن عطية: هذا مردود فإنه مستثنى من (أَحَدٌ) رُفعت التاء أو جزمت، وأجاب ابن عرفة: بأنه على قراءة الجزم يكون نهيا عن الالتفات؛ فيدل على إباحة ضده؛ بخلاف الرفع فإِنه نفي ونفي الشيء لَا يدل على ثبوت ما عداه بوجه.
هود 11:87
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾
ابن عرفة: في الآية دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده؛ لأن الصادر من شعيب عليه السلام هو الأمر بعبادة الله سبحانه، فأجابوه بقولهم (أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) فلو لم يكن الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان قولهم غير مطابق.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾
قال ابن عرفة: [إن قيل لأي شيء جاءت هذه الآية بالفاء في قصة هود عليه السلام*]؟ قالوا: قيل: لما [سيقت*] هذه الآية عقب ذكر الوعد، ناب الإتيان بالفاء المقتضية للتعقيب والإيجاز بخلاف الأخرى، وقال بعضهم: لما كان الوعد سببا في الإتيان بالموعود ناسب الإتيان بالفاء المقتضية للتسبب، وأما الآية الأخرى وهي آية هود عليه السلام فليس فيها ذكر الوعيد فجاءت على الأصل، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ﴾
قال ابن عرفة غير منقوص تأسيس لَا تأكيد؛ لأن قولك: أوفيت زيدا حقه محتمل أن يكون أوفيته إياه منقوصا أو غير منقوص.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾
الكاف إما للتعليل أو للسببية على أن ما موصولة والعائد محذوف؛ أي كما أمرت به، كقول الشاعر:
نُصَلِّي لِلَّذي صَلَّتْ قُرَيْشٌ؍ وَنَعْبُدُهُ وَإِنْ جَحَدَ العُمُومُ؍
أي صلت قريش له، وعلى الأول تكون مصدرية، انتهى ما تقدم لابن عرفة فيها، وفي هذه الختمة قلت: وقدمت عنه في الختمة الأخرى أن ما مصدرية.
قوله تعالى: (استَغفِرُوا رَبَّكُم).
أضاف الرب إليهم، ثم قال (إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) فأضافه إلى نفسه؛ لأن الأول طلب فناسب إضافته إلى وصف الربوبية المقتضي لرأفة المطلوب وضآلته على الطالب، ولا يقتضي حصول المطلوب، والثانية خبرية تقتضي حصول المخبر به؛ لأنها سبقته وحصول الرحمة من الله خاصة لشعيب، ولم يحصل منه لقومه؛ فلذلك أضاف الرب إليه فقط.
قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ). قلت لابن عرفة: هلا قال إن مولاي بما تعملون محيط؛ لأنه لفظ يدل على القهر؟ فقال: من نصرك على عدوك فقد رحمك برحمته لشعيب.
قوله تعالى: (هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ).
قالوا: المراد جميع بنات آدم، وقيل: المراد بنات لوط عليه السلام؛ فأورد على هذا أنه لم يكن له غير ابنتين فقط، وقد قال: (وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ) فكيف يعطي ابنتيه للجميع؟ فأجاب ابن عرفة بأن كلام لوط مع الأشراف الحاكمين على قومه، [ولم يخاطب بقوله*] (هَؤُلاءِ بَنَاتِي).
قوله تعالى: [(فَأَسْرِ).
قرئ [فاسر*] من [سرى*]، و (فأسر) من [أَسْرى*]، فقيل: ما الحكمة في قوله: (بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ) دون في والسري لَا يكون إلا بالليل؟، فقال: ظاهر لفظ السري أنه في أول أزمنة الليل، فقال: يقطع من الليل ليفيد التوسعة، فإِنه لو سرى قبل انقضاء آخر أزمنة الليل لعد متمهلا.
قوله تعالى: (وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ).
قرئ بالرفع بدل من أحد، قال ابن عطية: بل يلزم على القراءتين معا.
قال ابن عرفة: وهذا عندي غير صحيح؛ لأنه على قراءة الجزم يكون نهيا عن الالتفات والنهي عن الشيء يقتضي الإذن في ضده، بخلاف ما لو قرئ بالرفع فإِنه يكون خبرا منفيا، ونفي الشيء لَا يقتضي ما عداه، قال: إنه مثل قولهم: لَا لنهي لوط أي لَا تدع أحد منهم يلتفت، وحينئذ يصح الاستثناء ولا سؤال.
قوله تعالى: (وَاسْتَغفِرُوا رَبَّكُم ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ).
قال: لم أضاف الرب إليهم أولا ثم إليه ثانيا؟، فالجواب: أن الجملة طلبية فهو طلب منهم الاستغفار فناسب وصف الربوبية المقتضية للحنان والرأفة على طلب ذلك، والطلب لَا يقتضي حصول الجملة، والجملة الثانية خبرية تقتضي حصول المخبر به لأنها مثبتة [... ] لهم من الله رأفة ولا حنان فناسب إضافة الرب إليه في الخبر، وإضافته إليهم في الطلب [... ] لَا يقتضي حصول المطلوب؛ لأن الإنسان لا يطلب إلا ما لم يكن له حالا وقد يطلب ولا يحصل له شيء.
هود 11:102
قوله تعالى: (أَعَزُّ عَلَيْكُم مِنَ اللَّهِ).
قلت: [دليل*] على تفضيلهم رهطه عليه وهو بعيد. [... ] العزة مطلقا، كقولهم (وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) فهلا وبخهم على سلبهم عنه مطلق [العزة*] لا على سلب الأفضلية في العزة مطلقا.
قوله تعالى: (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى).
أي من أنباء أهل القرى، قيل: إنه من حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والبناء أخص من الجر، والجر الذي فيه غرابة، فقال المشاهد: هي القرى لأن أهلها دبروا وانعدموا.
قوله تعالى: (مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ).
قال أبو البقاء: ومنها حصيد، قال ابن عرفة: لم احتاج إلى تقدير ومنها؛ فجعله من عطف الجمل، وهلا عطفه على قائم لكون المعنى أن منها قائم وحصيد فيبقى البعض الآخر غير مخبر عنه بشيء، قوله تعالى: (مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى) ولم يقل: من أنباء أهل القرى؛ لانعدامهم والشاهد إنما هي محالهم.
قوله تعالى: (فَمَا أَغْنَت عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ).
يؤخذ منه أنه ينبغي للإنسان أن يستحضر في جميع أحواله وحي الله.
قوله (وَمَا زَادُوهُم غَيرَ تَتْبِيبٍ) من تأكيد الذم بما يشبه المدح، قيل:
هو الكلبُ إلاَّ أنَّ فيه ملالةً؍ وسوءَ مراعاةٍ وما ذاكَ في الكلبِ؍
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾
شبه إهلاكه كل القرى الظالمة بإهلاكه هذه القرى، فهو شبيه الكلي بالجزئي لا يشبه الشيء نفسه.
قوله (زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦).. الزمخشري: الزفير إخراج النفس، والشهيق رده، قال الشاعر يصف حمارا:
بعيدُ مَدَى التَّطْرِيبِ أوّلُ صَوْتِهِ؍ زفيرٌ ويتلوه شهيقٌ محشرج؍
هود 11:118
ابن عرفة: لأن الحمار في أول نهاقه ينتج ألقاب القديم تصح عند رفع النفس.
قوله تعالى: (إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ).
قيل: متصل، وقيل: منفصل، وقيل: ليس باستثناء، والقائلون بالاتصال اختلفوا، فقيل: أنه مستثنى من الأزمنة، والمراد أن أهل الشقاوة خالدون في جهنم أبدا إلا في بعض الأزمنة التي شاء وهذا يتناول الكافر [والعاصي*]، خرج الكافر بالإجماع؛ لأن العاصي هذا على مذهب أهل السنة في أن العاصي غير مخلد في النار، وقيل المراد به التي صح وهو ما بين الوجودين، وقيل: المراد زمن الحشر، وهذا لَا يصح؛ لأن زمن الحشر لَا يدخل في المستثنى منه؛ لأن المستثنى منه إنما يتناول زمن الخلود في النار فما بعده، وقال الزمخشري: المراد به الانتقال من العذاب بالنار إلى العذاب بالزمهرير ورد الزمخشري على أهل السنة بقوله تعالى: (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) وقال في مقابله (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ) فمعناه أنه يفعل بأهل النار ما يريد من العقاب كما يعطي لأهل الجنة عطاء الذي لَا انقطاع له، وأجاب ابن عرفة: بأنه جعل المراد الاستثناء الأول زمان الزمهرير فقد بأن انقطاع العذاب بالنار عنهم، وأن الخلود فيها غير محمول على ظاهره.
قال [الزمخشري: وما ظنك بقوم [نبذوا*] كتاب الله لما روي لهم بعض [النوابت*] عن عمرو بن العاص "ليأتي على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد"]، ابن عرفة، عن الجوهري: [النوابت*] هم [مِنَ الأَحداثِ: الأَغْمارُ*] من الذين، قال: والحديث حملته أهل السنة على الطبقة العليا من جهنم؛ وهي طبقة عصاة المسلمين، ونقل الطيبي، عن ابن الجوزي: أن هذا الحديث موضوع.
ابن عرفة: وهذا عبد الله بن عمرو هو الذي جرت المداولة بينه وبين النبي ﷺ في الصوم؛ لأنه كان صواما قواما، وكان مخلفا على غزوة حنين، يقول: والله ما ضربت فيها بسيف ولا طعنت فيها برمح، وقول [الزمخشري: ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقالته بهما علي بن أبي طالب ما شغله عن سوق هذا الحديث]، يحتمل أنه يريد بسيفيه لسانه وسيفه، أو رمحه وسيفه، والأول أظهر لمصاحبة [... ] الزمخشري هنا على من تقدم وتأخر وأساء الأدب وعبد الله بن عمرو من الصحابة لا ينفي أن يكلم فيه [... ] بخير.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
هود 11:119
أي لو شاء أن يجعلهم لجعلهم، فالأول راجع للإرادة، والثاني لإظهار متعلقها، ولما تقدمها (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ) وهو [تخليط] لَا يقال: غالب إلا على [... ] التفجع على المقول له، عقبه بهذا إشارة إلى أن الفعل الخير والشر فلولا أردنا ذلك منهم لوقع.
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ... (١١٩)﴾
قال ابن عرفة: لَا يقال إنها دالة على عدم وقوع الإجماع لأنا نقول: الاختلاف الذي اقتضت أنه لَا يزال هو في الاعتقاد فمع بعض الأنبياء الشخص الواحد فقط، والإجماع هو اتفاق بعض العصر على الحكم به.
قوله (إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) يدل على وقوع الإجماع؛ لأن المستثنى هم المتقون على كلمة التوحيد.
قوله تعالى: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُم).
قال ابن عطية: اللام للصيرورة، أي خلقهم ليصير أمرهم إلى ذلك وإن لم يقصد بهم الاختلاف، ابن عرفة: هذا اعتزال؛ ولهذا كان ابن عبد السلام يحذر منه ويقول إنه يضعفه في أصول الدين، فنقل أمورا عن الرماني وهو معتزلي فيعتزل من حيث لا يشعر، والحق أن الله تعالى أراد الخير والشر.
قوله تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ).
ابن عرفة: يرد هنا على ابن التلمساني في تعقبة قول الفخر باللفظ، إما أن يعتبر بالنسبة إلى تمام مسماه، وهو المطابقة بأن التمام يشعر بالتركيب لاستحالة التركيب في كلمة اللَّه، فما معناه إلا الفراغ والاقتضاء، لحديث: "هو العلم وفرع ديننا فيما كان وفيما يكون".
قوله تعالى: ﴿نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾
أي قلبك، واختلفوا في العقل هل محله الدماغ أو محله القلب؟ قلت: قال ابن رشد في المقدمات في آخر كتاب الجراحات: ذهب مالك إلى أن محله القلب وهو مذهب المتكلمين من أهل السنة، وذهب ابن الماجشون إلى أن محله الرأس وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الاعتزال.
هود 11:121
ابن عرفة: وثمرة الخلاف لو أوضح رجل موضحة ذهب بها عقله فعلى القول أن محلها الدماغ تكون فيه دية موضحة خاصة، وعلى القول بأن محله القلب يكون عليه ديتان؛ لأن مالكا قال: في العقل الدية.
قوله تعالى: (وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ).
ابن عرفة: الذكرى سبب في الموعظة إذ لَا يتعظ الإنسان حتى يتذكر، والأصل تقديم السبب، فالجواب: أن الوعظ للنبي صلى الله عليه وسلم، والذكرى للمؤمنين فاختلف بالمتعلق.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ﴾
إن قلت كيف يخاطب من لَا يؤمن في المستقبل وهو لَا يعلم ذاته؛ لأن قلنا: يخاطبه باعتبار وصفه، فيقول لهم: من يكثر منكم فليعمل على مكانته من النار، وقدم العمل إذ هو سبب في الانتظار. لأنه يعمل وينتظر عاقبة أمره في عمله من خير أو شر.
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[فيها رد على المنجمين*]؛ لأن الغيب هو ما لم ينصب عليه دليل وهم يسندون فيها أحكامهم إلى الدليل، وقال ابن رشد في المقدمات: إن معرفة الكسوفات لا يستثنى منها، وكذلك معرفة الأهلة وليست من الغيب في شيء، يؤخذ من الآية أن الولي لَا يطلع على الغيب، وما يخبر به إنما هو ظن كما أخبر أويس القرني ابن عمران، أو كان نقلا عن مالك كما يخبر كثير ممن رأى الخضر، ونقل الزمخشري هنا حديثا في فضل سورة هود، ابن عرفة: وقال [ابن الجوزي في الموضوعات*]: إن هذه الأحاديث التي في فضائل السور موضوعة والصحيح منها ما نقل في البخاري ومسلم، وكذا قال ابن الصلاح في علوم الحديث، وقال صاحب المنير والتونسي:
إنها منتهية إلى رجل سماه [؍ ]، نفسه أنه وصفها، وكذا قال الحاكم.؍
يوسف 12:1
سُورَةُ يُوسُفَ - عَلَيهِ السَّلَامُ -
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾
الزمخشري: تلك الآيات التي أنزلت عليه في هذه السورة.
الطيبي: سورة يوسف عليه السلام
إشارة إلى أن (تِلْكَ) مبتدأ والمشار إليه ما [في*] ذهن المخاطب.
قال ابن الحاجب: المشار إليه لَا يشترط أن يكون موجودا حاضرا؛ بل يكفي أن يكون موجود هنا.
(لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)
الزمخشري: من الجاهلين به.
الطيبي: هذه كبيرة منه توهم أن الغافل عن الشيء هو الجاهل به، ولم يكن رسول الله ﷺ ممن يطلق عليه اسم الجاهل ويخاطب به أبدا.
قال القاضي: (لمن الغافلين) عن هذه القصة لم يخطر ببالك ولم يفزع سمعك قط؛ وهو تعليل لكونه موحى.
قلت: ويمكن أن يقال: إن الشيء إذا كان بديعا وفيه نوع غرابة إذا وقف عليه، قيل للمخاطب: كنت عن هذا غافلا؛ أي كان يجب عليك أن تفتش عنه وأن تستوفي في تحصيله. الراغب: الغَفْلَةُ سهو [يعتري*] الإنسان من قلة التحفظ [واليقظ*]، [وأرض غُفْلٌ: لا منار بها*]، وإغفال الكتاب]؛ أي تركه غير معجم، قوله تعالى (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا) أي جعلناه غافلا عن الحقائق وتركناه غير مكتوب فيه الإيمان، كما قال تعالى (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ)، وحديث الكريم ابن الكريم الذي ذكره الزمخشري، رواه البخاري، ومسلم، والترمذي، عن أبي هريرة.
(أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ... (٤)
الطيبي: كان من حق الظاهر تقديم الشمس والقمر على الكوكب بعد إخراجهما من الجنس تقديما للفاضل على المفضول؛ كقوله تعالى (وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ) لكن خولف هذا الاعتبار بتأخيرهما قصدا؛ أي تغايرهما مطلقا بإخراجهما من الجنس رأسا بحيث لَا مناسبة بينهما؛ فيقدم الفاضل على المفضول.
فإن قلت: ما نحن بصدده ليس من قبيل (وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ)؛ لأنه من عطف الخاص على العام لأنهما داخلان في الملائكة بخلافه هنا.
قلت: يكفى في الشبه إخراجهما من جنس الكواكب وجعلهما مغايرين لها بالعطف.
فإِن قلت: لم لم يقل: إني رأيت الكواكب والشمس والقمر ليوازي تلك الآيات؟ قلت: القصد الأول في تلك الآية ذكر جبريل وميكائيل، كما دل عليه بسبب النزول، وذكر الملائكة، [للترقية والتمهيد*] بخلافه هنا؛ فسلك به مسلكا علم منه المقصود وأدمج التفضيل والاختصاص، وفيه أمثال؛ قال: إن الآخرة مع تلك البينة ما سلب عليهم نور الولاية والنبوة.
والزمخشري: ويجوز أن تكون الواو بمعنى مع.
قال صاحب التقريب: وفيه نظر لاتفاقهم على أن عمرا في: ضربت زيدا وعمرا ليس مفعولا معه.
ويجاب أن المعنى ليس أنه مفعول معه؛ فإن سؤاله لم أخر الشمس والقمر؟
ومعناه كيف أخرهما وموضعهما التقديم؟ وأجاب بجوابين:
أحدهما: فيه التزام التأخير لإفادة المبالغة في التغاير.
وثانيهما: أن الواو لَا توجب الترتيب لأن مقتضاها الجمعية؛ لأنها بمعنى مع؛ كأنه قيل: رأيت الشمس والقمر والكواكب دفعة واحدة.
يؤيده قوله في تفسير قوله تعالى (لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ) وإنما وجد الراجع في به؛ لأن الواو بمعنى مع فيتوحد المرجوع إليه.
وقوله بعد ذلك (يَخْلُ لَكُمْ... (٩)
إما مجرور بإضمار أن والواو بمعنى مع؛ كقوله تعالى (وَتَكْتُمُونَ الحَقَّ). قال شارح المبادئ: نزل على الجمع المطلق، ودلالتها على الجمع أقوى من دلالتها على العطف؛ فإِنها قد تعدى من معنى العطف ولا تعدى من معنى الجمع.
فإِن واو القسم وواو الحال بمعنى مع لَا تقيد العطف وتفيد الجمع لأنها في القسم نائبة عن التاء والباء للإلصاق، والحال مصاحبة لذي الحال، والواو في المختلفين بمنزلة التثنية، والجمع في المتفقين، وتلخيص الجواب يرجع إلى ما قال في سورة النمل.
فإِن قلت: ما الفرق بين هذا؛ أي بين تلك آيات القرآن وكتاب مبين، وبين قوله: تلك آيات الكتاب وقرآن مبين؟ قلت: لَا فرق بينهما إلا ما بين المعطوف والمعطوف عليه من التقديم والتأخير؛ وذلك على ضربين: ضرب جار مجرى التثنية لَا يترجح جانب عن جانب، وضرب فيه يترجح.
والأول نحو قوله تعالى (وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا).
والثاني نحو قوله تعالى (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ).
ونقل عن تلميذ ابن الحاجب، أنه قال: ظاهر كلام الزمخشري لَا يشترط في المفعول معه مصاحبة الفاعل، والحد المذكور في الكافية لَا يمنع من مصاحبة المفعول.
ونقل المالكي عن سيبويه، أنه قال: بعد تمثيله بما صنعت وأباك، ولو تركت الناقة وفصيلها لرضعها؛ فالفصيل مفعول معه، والأب كذلك.
وقال المالكي أيضا: ويترجح العطف إن كان بلا تكلف ولا مانع ولا موهن؛ فإِن خفت به فوات ما يضر فواته رجح النصب على المعية، كذلك هنا رجحنا المعية على العطف؛ لتوخي حصول الأفضلية؛ ليرجع معنى الآية إلى معنى قوله تعالى (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ).
(سَاجِدِينَ).
الزجاج: إذا جعل الله غير المميز كالمميز؛ كذلك تكون أفعالنا وأنباؤنا.
وأما ساجدين فحقيقته فعل كل من يعقل؛ فإِذا وصف به غيرهم فقد دخل في المميزين وجاز الإخبار عنه كالإخبار عنهم.
يوسف 12:6
(وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ... (٦)
يحتمل كون الكاف للتعليل. أي ولأجل رؤياك ذلك يجتبك ربك.
وقال ابن العريف: إن الكات إنما ترد لتعليل مع ما.
(وَيُعَلِّمُكَ).
قول ابن بزيزة: هو داخل في التشبيه؛ يرد بأنه؛ إما أن يشبه بالاحتمال، وبالرؤية؛ والأول باطل لأن العطف يقتضي المغايرة؛ فلا يصح أن يكون التقدير: وكاجتبائك يجتبيك بتعلم تأويل الأحاديث، والثاني باطل لأنه إنما يشبه الأخفى بالأجلى والرؤية هنا أخفى وأدون رتبة من النبوة؛ فهو العكس سواء، فالظاهر أنه استئناف كلام.
(مِنْ تَأوِيلِ الأَحَادِيثِ).
من ليست لبيان الجنس لأن مفسرها ما بعدها، والتي لبيان الجنس إنما يكون مفسرها قبلها؛ كقوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ) والمراد بالتأويل التفسير؛ وهي عبارة المتقدمين، وأما المتأخرين فيريدون بالتأويل حمل اللفظ على غير ظاهره.
الطيبي: التأويل من الأول؛ وهو الرجوع إلى الأصل، ومنه الموصل للموضع الذي يرجع إليه، وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علما كان أو فعلا؛ ففي العلم، قوله تعالى (وَمَا يَعلَمُ تَأوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ).
وفي الفعل قول الشاعر:
وللقوي قبل يوم البين تأويل
وقوله تعالى (هَل يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأوِيلَهُ يَومَ يَأتي تَأوِيلُهُ) أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه.
الزمخشري: الأحاديث جمع للحديث وليس بجمع أحدوثة.
الطيبي: وقال في موضع آخر: الأحاديث تكون جمعا للحديث، ومنه أحاديث الرسول، ويكون جمع للأحدوثة التي هي مثل الأضحوكة، والأعجوبة، وهي ما يتحدث به النَّاس تلهيا وتعجبا، وقد يظن أنه تناقض لأنه في المفصل، وقد يجيء الجمع مبينا على غير واحده المستعمل، وذلك نحو: أراهط، وأباطيل، وأحاديث.
قال الفراء: يرى أن واحد الأحاديث أحدوثة؛ ثم جعلوه جمعا للحديث.
يوسف 12:8
وقال علم الدين السخاوي في شرح المفصل: كأنهم جمعوا حديثا على أحدوثة، ثم جمعوا الجمع على أحاديث؛ كقطيع، وأقطعة، وأقاطيع؛ فعلى هذا يصح أن يقال: هو مبني على واحدة المستعمل، ورؤياه تدل على تشتت أمره أولا، ثم يجمع الله من شتاته بعد دهر طويل، وذلك أن سجود إخوته مع بعضهم إياه وحسدهم أمر بعيد، وسجود أبويه له أبعد وذلك لَا يحصل إلا بعد ضربات الدهر، وشتات الأمر، وتقلبات الأحوال.
(عَلَى أَبَوَيْكَ).
قال اللخمي: اختلف في قوله تعالى (وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) هل تدخل زوجة الجد وأبيه بالنص فهو حقيقة مشتركة أو بالقياس، أو بالإجماع.
(عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
الفخر: (عَلِيمٌ) إشارة لقوله (عَلِيمٌ) انتهى؛ فيكون معنى (حَكِيمٌ) أنه عليم بالوقت الذي يرسل فيه الرسول باعتبار الزمان، وباعتبار عمره، ولمن يرسله.
(لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)
الزمخشري: أي في ذهاب عن طريق الصواب في ذلك.
الطيبي: يعني أن نسبة الضلال إلى أبيهم إن كان مطلق يوهم سوء أدب؛ فهو مقيد [بقرينة*] الأحوال؛ كقوله تعالى (وَمَا كَانُوا مُهتَدِينَ)، أي في التجارة، وقوله تعالى (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا) أي رشدا في طريق التجارة.
(وَجْهُ أَبِيكُمْ... (٩)
أضاف الأب إلى المخاطبين، وقال أمور: أولا (أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا).
فأضافه إلى المتكلمين جميعهم، والجواب: أنهم أولا أخبروا أنه أبو جميعهم، فأضافوا الأب إلى المتكلم ومعه غيره، فعبروا بـ أبانا عنهم وعن يوسف وأخيه، ثم لما قالوا (يَخْلُ لَكُم وَجْهُ أَبِيكُم)، أضافوه إلى المخاطب؛ لأنهم إذا أذهبوا يوسف صار يعقوب أبا لهم فقط، وهو خطاب للحاضرين.
(قَوْمًا صَالِحِينَ).
يوسف 12:10
إذا وذكر قوم أنهم إذا تابوا يكونون كقومهم في ابتداء أمرهم صالحون، لم تصدر منهم معصية؛ لأن التوبة تجب ما قبلها.
(قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ... (١٠)
لم يقل: قال بعضهم إشارة إلى أنه لم يقل إلا واحد منهم، ولفظ بعض يصدق على الواحد وعلى أكثر منه.
الزمخشري: (الْجُبِّ) البئر، [لم تطو*] لأن الأرض تجب جبا.
الطيبي: يعني أنما سمي البئر غير المطوي جبا إذ ليس فيه غير جب الأرض؛ فإِنه لم يطو بعد الأساس طوي البناء باللبن، والبئر بالحجارة، وهو الطوي، والإطواء.
(مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا... (١١)
لك خبر ما، ولا تأمنا حال، كقولك ما لك ضاحكا، ما لك باكيا.
الطيبي: قال صاحب التفسير كلهم، قرأ [(مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا) *] بإدغام النون الأولى في الثانية، وإشمامها بالضم، وحقيقة الإشمام في ذلك أن يشار بالحركة إلى النون لا بالعضو إليها، فيكون ذلك أخفاء لَا إدغاما صحيحا؛ لأن الحركة لَا تسكن رأسا بل يضعف الصوت، فيفصل بين المدغم والمدغم فيه، لذلك هذا قول عامة، وهو الصواب لتأكيد دلالته وصحته في القياس.
وقال الجعبري: شارح القصيدة في قوله: وتأمننا للكل يخفي مفصلا، وقوله: وإدغام من إشمامها لبعض عنهم يريد بقوله إخفاء الحركة اختلاسها، ومعنى مفصلا؛ فصل إحدى النونين عن الأخرى وهي حقيقة الإظهار، وهذا معنى قول أبي علي الفارسي: ويجوز أن يبين ولا يدغم، ويخفي الحركة، وهو أن يختلسها، ومفهوم إطلاق السبب إلى أن كلا من النقلة رووه عن السبعة، وليس كذلك لإطباق العراقيين على خلافه، وقوله: التشديد من غير حركة النون، وبهذا قطع ابن مجاهد في قوله: وكلهم قرأ تأمنا بفتح الميم، وضم النون وإدغام النون الأولى في الثانية، والإشارة إلى إعراب النون المدغمة بالضم ونبه بقوله: وضم النون على أن الفعل مرفوع ليفهم علة الأسماء.
(وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ).
تمويه وتورية، أي وإنا لأجله لناصحون أنفسنا، وهذا لأنهم أنبياء يستحيل عليهم الكذب.
يوسف 12:13
(لَيَحْزُنُنِي... (١٣)
قيل: متعلق الحزن ماض، والخوف مستقبل، فكيف يفهم هنا، أجيب بوجهين:
الأول: أن يحزنني مستقبل، وذهابهم به كذلك، فمعناه إن قدرت وجود ذهابكم به فالحزن مبني موجود بلا شك، لوقوع موجبه، (وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ)، إن قدرت ذهابكم به ولا يحزن عليه، لأني لَا أدري لعله يسلم لام الابتداء الداخلة على خبري تخلصه للحال، قيل في ذلك قولان والصحيح أنها للاستقبال، وإن كان ابن مالك في التسهيل جعلها من المخلصات للحال فقد صح غيره أنها للاستقبال الثاني؛ أن الحزن واقع منه، لأنه لما آتوه عصبة واجتمعوا وتظافروا على طلبه الذهاب به علم يعقوب أنه لَا بد له من إسعافهم بمطلوبهم، فكان موجب الحزن، وهو الذهاب واقعا في الوجود، فوقع الحزن لأجل ذلك بخلاف سبب الخوف، وهو أكل الذئب إياه.
(وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)
الزمخشري: متعلق بـ (أَوْحَينَا)، لَا غير.
الطيبي: أي قراءة النون يعني أوحينا إلى يوسف هذا التهديد والوعيد في حقهم، والحال أنهم لَا يشعرون بهذا الوحي، لأن إنباء الله إياهم لَا يجتمع مع عدم شعورهم به بخلاف إنباء يوسف، لأنه حصل مع عدم شعورهم، وفيه نظر بجواز أن يتعلق بقوله (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ)، وأن يريد بأنباء الله أيضا جزاء فعلهم لهم وهم لَا يشعرون بذلك، والظاهر أن هذا الإنباء هو قوله (هَلْ عَلِمْتُم مَا فَعَلتُم بِيُوسُفَ).
(عِشَاءً... (١٦)
الزمخشري: رواه ابن جني [عُشى*] العين والقصر.
الطيبي: قال ابن جني: رواه عيسى بن ميمون، فيكون عشوا من البكاء، وطريق ذلك أنه جمع عاش وكان قياسه عشاة كعاش وعشاة؛ إلا أنه حذف الهاء تخفيفا، وهو يريدها، وفيه ضعف؛ لأنه قدر ما يكون هي ذلك اليوم لَا يعشو منه الإنسان، ويجوز أن يكون جمع عشوة أي ظلاما، وجمعه لتفرق أجزائه.
(بِدَمٍ... (١٨)
قال المفسرون: أن يعقوب لوث وجهه بذلك الدم.
فإِن قلت: كيف فعل هذا والدم نجس؟ قلت: ملاقاة النجس إنما هي مكروهة، وهذا محل حزن وذهول.
يوسف 12:19
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ).
لما ذكر ابن عصفور ما يلزم فيه حذف المبتدأ وما يلزم فيه حذف الخبر، قال: وقسم يجوز فيه الأمران، وهو ما عدا ذلك، ومثله هذه الآية.
وقال ابن هشام في شرح "الإيضاح"، وابن مالك: لَا خلاف أن المصدر المنصوب على إضمار الفعل المتروك إظهاره، إذا ارتفع على الابتداء، يجب حذف خبره، وإذا ارتفع على الخبر يجب حذف مبتدئه كقوله:
شكى إلي جملي طول السُّرى؍ صبرا جميلا فكلنا مبتلى؍
على رواية من رواه صبر جميل بالرفع، وهذا خلاف ورجح بعضهم الأول؛ لأنه على الثاني يكون مجرد دعوى، وكان الشيخ ابنِ عبد السلام يرجح الأول أيضا؛ لأن الثاني يخالف قوله بعد هذا (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُف)، فليس صبره صبرا جميلا.
(وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ).
على سبب وصفكم وهو الصبر.
(بِضَاعَةً... (١٩)
الزمخشري: نصب على الحالة، أي أخفوه متاعا للتجارة.
الطيبي: كذا عن أبي البقاء، قال صاحب "الفرائد": ويمكن أن يضمن (وَأَسَرُّوهُ) معنى جعلوه، أي جعلوه ميسرين، فهو مفعول ثان.
قال ابن الحاجب: يحتمل أن يكون مفعولا من أجله، أي كتموه لأجل تحصيل المال فيه، لأنه كان على حال تقتضي التجارة، وكتمانه خوفا من أن تمتد الأطماع من غيرهم، ولا يجوز أن يكون تمييز الماوردي إليه من أن الإسرار كان للبضاعة لَا له، وهو خلاف المعنى، وليس هو من باب عشرين درهما، ولا من باب حسن زيد وجها الراغب البضاعة قطعة وافرة من المال، يعني للتجارة، يقال: بضع بضاعة وابتضعها، والبضع بالكسر المقتطع من العشرة.
(وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)
الطيبي: قال صاحب "الفرائد": يمكن أن نقول تقديره، وكانوا من الزاهدين فيه، (مِنَ الزَّاهِدِينَ)، من قبيل الإضمار على شريطة التفسير، وقلت: الظاهر أنه ليس منه؛ لأنه ليس بمشتغل عنه بل لضمير، وإن الأصل كانوا من الزاهدين فيه على أن فيه ليس صلته؛ بل متعلق بجملة محذوفة على السؤال، كقوله تعالى (هَيْتَ
يوسف 12:21
لَكَ)، كأنه لما قيل: كانوا من الزاهدين لم يعلم في أي شيء اتجه لسائل أن يقول في أي شيء زهدوا، فقيل: زهدوا فيه، وهو من قول الزجاج فيه ليس بصلة الزاهدين؛ المعنى وكانوا من الزاهدين؛ ثم بين في أي شيء زهدوا؛ فإنه قال: زهدوا فيه وهذا في الظروف جائز، وإمَّا في المعقولات؛ فلا يجوز فيها؛ لَا يجوز كنت زيدا من الضاربين؛ لأن زيدا من صلة الضاربين، فلا يتقدم الوصول صلته.
وذهب ابن الحاجب إلى الجواز قائلا في قوله تعالى: (إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ)، الظاهر أن لكما في مثل هذا ونحوه، متعلق بالناصحين؛ لأن المعنى عليه، فإن [اللام*] إنما جيء بها لتخصيص معنى النصح بالمخاطبين، وإنَّمَا قرأ الأكثرون من هذا لأن صلة الموصول لَا تعمل فيما قبل الموصول، والفرق عندنا أن الألف واللام لما كانت صورتها صورة الحرف المنزل جزءا من الكلمة صارت كغيرها من الأجزاء التي لَا يمنع التقدم، ولذا لم يوصل بجملة اسمية لتعذر ذلك فيها، وهذا واضح فلا حاجة إلى التعسف.
(أَكْرِمِي مَثْوَاهُ... (٢١)
الفخر: هذا تعظيم؛ لأن المشارقة عادتهم يقولون: السلام على المقام العلي، تنزيها بالاسم المكتوب إليه أن يذكر، وتعظيما له، وكذلك هذا لأن مثواه موضع إقامته.
(أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا).
إن قلت: اتخاذهم إياه ولدا محقق، فكيف فيه معنى الترجي، قلت: إنما يتخذونه ولدا إذا ظهر) لهم نجابته ومنفعته.
(وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ).
الطيبي: الضمير إما لله عز وجل، فالجملة تذييل، أي لَا أحد فوقه فيفعل ما شاء لا [رادَّ*] لما أراده، وهذا صريح في مذهب أهل السنة، ولكن أهل الاعتزال لَا يعلمون، وأما ليوسف فيكون تتميما لما دبره الله فيه، أن العاقبة له ومعنى مغلوبية الأمر على التمثيل فإن المغلوب تذلل للغالب فيتصرف فيه من غير مانع.
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ... (٢٢)
اختلفوا في حد بلوغ الأشد، فقيل: ثلاثون، [وقيل*] ستة وثلاثون، وقيل: عشرون، ويدل على أنه ستة وثلاثون، قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً)، لأن العطف يقتضي المغايرة، واتفق الأطباء على أن بدن
يوسف 12:23
الآدمي لَا يزال فيه النمو والزيادة إلى أن يبلغ ستة وثلاثين سنة، لكنه نمو خفي لَا يظهر وأما النمو الظاهر فحده عند ابن سينا عشرون سنة خلافا للفارابي.
ابن عطية: وقيل: كان في الأسبوع الخامس وهو ثلاثة وثلاثون، لأن الأسبوع الرابع هو ثمانية وعشرون لاجتماعها في ضرب أربعة في سبعة، والخامس هو خمسة وثلاثون.
(وَرَاوَدَتْهُ... (٢٣)
الطيبي: عن الراغب: الرَّوْدُ: التردد في طلب الشيء برفق، يقال: [رَادَ وارْتَادَ، ومنه:*] [الرَّائِدُ، لطالب الكلإ*]، وباعتبار الرفق، قيل: [رَادَتِ الإبلُ*] في مشيها تَرُودُ رَوَدَاناً [ومنه بني المرْوَدُ*] والإرادة منقولة [من رَادَ يَرُودُ*]، إذا سعى في طلب شيء، وتارة يستعمل في [المبدإ*]، وهو نزوع النفس إلى الشيء، وتارة في المنتهى، وأنه تعالى يتعالى عن معنى النزوع فمعنى أراد الله كذا، [حكم فيه*] أنه كذا، وليس بكذا، وقد يراد بها معنى الأمر نحو أريد منك كذا؛ أي آمرك بكذا نحو تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، والمراودة أن تنازع غيرك في الإرادة فتريد غير ما يريده، أو يريد غير ما تريده.
الزمخشري: خادعته في نفسه أي فعل ما يفعل المخادع لصاحبه، الطيبي: قال صاحب "الفرائد": مراده تضمين راودت معنى خادعت، لأن في المخادعة معنى التبعيد، وهو متعد بعن، كأنه قال: بالتضمين، لأن التضمين هو أن يضمن فعل معنى فعل، ويعدي تعديته مع إرادة معناها، فلا بد من ذكرهما في التفسير معا.
قال الزمخشري في الكهف: الغرض في هذا الأسلوب إعطاء مجموع معنيين، وذلك أقوى من إعطاء معنى واحد، وأما التعدي فإن خدع ورد في الأساس على استعمالات شتى، وليس فيها تعدية بعن، وأما هذا فليس على حقيقته، لقوله: فعلت ما يفعل المخادع بصاحبه، لأنه وارد على التشبيه، وتمثيل حاله أيضا ما أتى به في هذا التركيب بلفظ المراودة، وقد مر أن شرحه أن يذكر معنى المضمن فيه، وذكر في الأساس أيضا راود رودانا جاء وذهب، وما لي أراك ترود منذ اليوم، وذكر في قسم المجاز، وراوده عن نفسه، خادعه عنها ثم مجموع التمثيل كناية عن التمحيل لمدافعته إياها.
(وَلَقَدْ هَمَّتْ... (٢٤) قال صاحب "المرشد": أن وقف عند قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ثم يبتدئ (وَهَمَّ بِهَا)، ليفرق بين ما كان منها وما كان منه، كان صالحا ليعلمَ أن المرأة همت على صفة، ويوسف على صفة أخرى.
وقال بعضهم: معناه اشتهته، واشتهاها، لأن الشهوة قد تجري مجرى الهم في سعة اللغة، واحتج بقولهم هذا أهم الأشياء إلي، أي أشهاها، وهذا أحسن الوجوه، قال صاحب "الفرائد": لولا مقدم بالطبع على الجواب؛ لأنه هو الذي يوجب الجواب، والموجب مقدم بالطبع على الموجب بالضرورة؛ فتقديمه عليه إخراج له من الأصل، والإخراج من الأصل لَا يجوز إلا لموجب راجح على ما يوجب الإبقاء على الأصل، وهو كونه أنهم بالذكر منه، ولما كان الاهتمام بذكره بعد لولا؛ لأنه هو الذي يقتضي ذكره ويوجبه، لم يوجد الموجب الراجح لتقديمه فوجب تأخيره عملا بالموجب السالم عن المعارض، هذا اختيار الإمام في تفسيره.
وأورد الزمخشري سؤالا، الطيبي حاصله لم علقت أولا بالجملة الثانية، ولم يعلق بالجملتين معاً؛ لأن الهم لَا يتعلق بالذوات، وإنما يتعلق بالمعاني كالمخالطة والمعانقة والملامسة والمباشرة ونحوها، وهذا المعنى فما لَا يحصل إلا من الجانبين، فينتزع من مجموع قوله تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) بها معنى المخالطة ثم يقيدهم يوسف، وقال الآخرون أنها معلومة بالسياق، فالسياق يبين المحرم وهو نكاحهن واختلفوا هل كان حينئذ نبيا أو لَا؟ فعلى تقدير كونه نبيا لَا يجوز صدور هذا منه لأنه نبي معصوم فلابد من تأويله، وأحسن التأويلات ما قاله الزمخشري وهو إما حضور ذلك بالبال أو مروره به كمن رأى البرق الخاطف ثم يذهل عنه يريد في الحال، وإما أن هم بمعنى قارب الفعل ولم يخطر بباله شيء، وقال ابن عطية: إن هذا من الصغائر المستهلة، ابن عرفة، وهذا خطأ لأنهم أجمعوا أن الأشياء المباحة في حق الأنبياء أن ذكرت على معنى النقيض، قيل: قابلها وإن ذكرت على معنى التسلية أدب قائلها وهذا كمن يقول إنه ﷺ رعى الغنم، وقال الفخر: [وَهَمَّ بِهَا] أي وهم بطريقها وبمدافعتها بالأمر الخفي، أو بما لَا يصح توجب فيه [ضعفا*]، لأنه لَا يجوز أن يقول هممت بقتل زيد، وهم هؤلاء وأنت تريد وهمَّ هو بقتلي، قال: أردت وهم هو بالعفو عني لم يجز حذف ذلك، وقال [ابن زيتون*]: وهم بها أي [... ].
ابن عرفة: [وهذا*] كله لَا يصح منه شيء، وأطنب الزمخشري هنا في الرد على الحشوية وغيرهم لأنه [معتزلي*] ومن قواعدهم التحسين والتقبيح فصدور الصغائر من النبي قبيح عندهم عقلا، وعندنا جائز عقلا لَا شرعا؛ لأن الشرع أخبر بعدم وقوع ذلك
يوسف 12:25
فهذه الآية قوية في الرد عليهم. وقال الفخر: في غير هذا الموضع اختلفوا هل يصح صدور المعصية من العالم أم لَا؟ واحتج من منع صدورها منه بأن الفعل متوقف على القدرة والإرادة والداعي، وقالوا: في أصول الدين أن الداعي هو العالم بما في الفعل من مصلحة أو مفسدة كالمكلف لَا بد له من مرجح يترجح به عنده الفعل أو عدمه وهو الداعي، قال المعصية عنده راجعة للفعل فهو جاهل أعماه الشيطان وأشغل فكره حتى ظهر له أن مصلحة المعصية أرجح وإن كانت عنده مرجوحة فهو عالم فيستحيل صدور المعصية منه حينئذ، ابن عرفة: وفي الآية سؤال وهو أن همها هي بمعمول من قوله (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ).
فلم احتيج إلى أن القسم عليه، ويؤكد السؤال على ما قال الزمخشري: من أنه يحسن الوقف عليه (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ) لأن همها هي به دائم لَا ينقطع إلا إضرارا من غير اختيارها [وهمه هو بها خطر بباله*] مرة ثم زال [فهو مباين لهمها*]، والجواب: عن السؤال من وجوه، الأول: لما كان نبيا معصوما [ومن حاله هذه يجب أن لا يظن بباله معصية الله تعالى*] فقد يقال إنها يستبعد منه الموافقة على ذلك فلا تهم بذلك، فكذلك أقسم على همها به، الثاني: أنها أنزلته منزلة الولد [بقول*] العزيز لها (عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا)، ورده ابن عرفة: بأنه من قول العزيز لَا من قولها.
قوله تعالى: (لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ).
اختلف فيه المفسرون عامله يرجع لثلاثة أحوال: إما أنه رأى البرهان بالقول، أو بالفعل، أو بالفكر وهو أنها سترت الصنم منه فتذكر هو وخاف من رؤية الله له.
قوله تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ﴾
قال الزمخشري: أفرد الباب هنا لأن المراد الباب البراني، ابن عرفة: إنما أفرده هنا وجمعه في قوله: (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ) لوجهين الأول أن قوله: (وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ) اختياري وهو من مختار تعلق الجميع ليتمكن من غرضه [... ] نعت، وأما قوله (وَاسْتَبَقَا الْبَابَ) فخروج يوسف اضطرارا والمضطر يتشبث بأدنى سبب فأفرد الباب إشارة إلى أن يوسف أراد أن [يهرب منها*] بأول ما تلقاه من الأبواب خوف أنه إن فر إلى غيره لحقته ولم يقصد الخروج للعزيز لأنه لم يعلم أنه عند الباب ولكنها اضطرته ولحقته حتى خرج من باب إلى باب إلى أن فتح الباب البراني فوجد العزيز هناك مصادفة، الجواب الثاني: أنه أتى به مفردا لأنه أبلغ كقول الزمخشري في (وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي) أن عموم المفرد المحلى بالألف واللام أقوى من عموم الجمع.
يوسف 12:26
قوله تعالى: (وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ).
ولم يقل: [سيدهما*] لوجهين، أحدهما: أنه لو قال كذلك للزم منه استعمال اللفظ المشترك في مفهومه معا أو استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه لأنه مجاز في الزوجة، فإِن قلت: البادئ بالمسابقة إنما هو يوسف فلم قال استبقا وهي إنما خرجت تتبعه؟ فالجواب: أنه إشارة إلى أنها سبقته بالجري لترده وتعارضه وقد قميصه، قيل: كان [طُولًا*]، وقيل: كان عرضا، والمناسب قوله [طُولًا*] لأنه إن كان عرضا فيحتمل أن يكون [يقطع بجره هو فيتعثر فيه*].
قوله تعالى: (قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا).
قال الزمخشري: أتت باللفظ العام وهو أبلغ من الخاص، ابن عرفة: بل الخاص أبلغ لأن العام يقبل التخصيص فقد تكون تلك الصورة المفهومة من العام فخرجه مخصصة غير مرادة بدلالة قولك أكرم زيد العالم، فالدلالة على إكرامه أقوى لأنه قولك أكرم العلماء على إكرام زيد، وقولها: (مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ) هو مغالطة منها لأن المنازع قد يستدل [بمقدمتين*] وتكون الصغرى منها ضعيفة [حيث إذا ذكرها يتأملها خصمه*] أو يبطلها، فيترك ذكرها حكما لَا على فهم السامع وكذلك فعلت هي لأن الأمثل أن يقول يوسف أراد بأهلك سوءا ولو قالت كذلك لوقعت ريبة في كذبها.
قال تعالى: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦).. إن قلت: فهلا قال [لم أردها بسوء، فيجد من كلامها مطابقة*]، فالجواب بوجهين الأول: قال ابن عرفة: لما ظهرت عليه مخائل تهمته بأحد أمرين إما أنها بدأته بالسوء ووافقها أو العكس فتوهم بدايته هو لها [... ] مما رآه منها وخروجه قبلها فلم يبق إلا توهم موافقته لها أن كانت هي البادئة فلذلك: (قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي) الثانية: قال بعض الطلبة إنه تقدم في قوله: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) أن ذلك مر بفكره كمرور البرق الخاطف، فلو قال: لم أراودها بسوء لوقع في الكذب المستحيل على الأنبياء.
قوله تعالى: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا).
إن قلت: كيف [سُمِّيَ شاهدًا*] وأصل الشهادة أن يقول كان ذلك أو لم يكن، فأجاب ابن عرفة: إنه مجاز والمعنى وذكر إنسان قام يفصل عنهما كما يفصل الشاهد بشهادته بين الخصمين، فقال كذا وكذا.
قوله تعالى: ﴿فَصَدَقَتْ وَهُوَ﴾
يوسف 12:28
إن قلت: لم دخلت الفاء؟ فالجواب: بوجهين الأول: قال ابن عرفة: عن بعض المتأخرين أن الفاء تلزم في جواب الشرط إذا كان ماضيا لفظا ومعنى وهذا كذلك، قلت: وذكره الجزولي، قال: ومع الماضي لفظا ومعنى ولا بد معه من قد ظاهرة أو مقدرة، التالي قلت: أن لما كان المراد أنه يعلم أن قميصه قُدَّ من دبر يعلم إنها صدقت أتى بالفاء لثبوت مناسب يعلم واستدل المبرد بهذه الآية على أن إرادة الشرط لَا تخلص كان للاستقبال، فأجابه [الآبذي] والزمخشري: بأن التقدير أن يعلم أنه كان. قال الزمخشري: وعن النبي ﷺ "تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى"، قال ابن عرفة: الذي في مسلم "تكلم ثلاثة ابن ماشطة فرعون، وعيسى وصاحب جريج"، قال ابن عرفة: فإِن قلت: لم [عبّر*] في جهتها بالفعل، فقال: صدقت فكذبت وفي حق يوسف بالاسم، فقال (مِنَ الصَّادِقِينَ) من الكاذبين، فأجيب من وجهين الأول قال ابن عرفة: لأن صدق زليخا [... ] غير محقق عند العزيز فأخبر فيه بالفعل لكنه إذا ثبت صدقها فالمخالف لها من الكاذبين وكذلك المخالف لم يثبت كذبه من الصادقين لأنه لَا يتجرأ على هذا وينازع فيه إلا من أولع به وأما من جُرّب ذلك منه مرة فإِنه يخاف ويستريب. الجواب الثاني: لأجل رؤوس الآي، فإن قلت: [لم بدأ بها*]، فقال: (فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) قلنا: [**لأنها من دم عليه المبادئة] في قوله (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ)، ولأنها البادئة بالشكوى.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَىٰ قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾
إن قلت: لم أسند القول الواحد والأصل في مثل هذا ما يقع به التبكيت أن يسند القول فيه إلى كل من حضر؛ ولأنه مرئي مشاهد رآه الشاهد والعزيز لأنهم ذكروا أن الشاهد كان حاضراً، فالجواب: أن الأمور قسمان ضرورية ونظرية، فالأمور الضرورية لا يحتاج الإنسان فيها إلى غاية ولا إلى تأمل، فلو قيل: (فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ) قالا يتوهم أن قطع القميص كان من جهة يمكن أن تضاف [إلى*] القبل وإلى الدبر بحيث لا يقطع الرأي الواحد بإضافتها إلى أحد الجهتين حتى يشترك في ذلك مع غيره ويتدابرا فيعلما، أسند ما إلى [**الواجد إفاداته] من جهة الدبر صرفا بحيث لَا يحتاج فيه إلى تأمل لا إلى مشاركة الغير.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ﴾
قال المفسرون: كن جيرانها، فإن قلت: تجريح الأقارب والجيران أو من يقرب لهم أقوى من تجريح الأجانب فهلا قال، وقال نسوة في حارتها أو في جيرانها، [فأجيب*]: بأنه إشارة إلى اشتهار هذا الأمر وانتشاره في المدينة ورد أنه يقال قلتم
يوسف 12:31
أنه شاع هل قالت هؤلاء خمس فممنوع وإن كان بعد مقالتهم فمسلم ولا يتناول محل النزل لأنه حين مقالته من لم يوجد يكن ذلك غيرهن، وأجيب: بأنه شاع واشتهر إشهارا كان ابتداوه من أولئك النسوة، واتساع الظرف يدل على اتساع المظروف فأشار إلى كثرة القائلين في المدينة.
قوله تعالى: (فَتَاهَا).
ظاهره أنها إضافة ملك وتقدم لنا في قوله (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ) متعلق يقال هذا يدل على أن هناك متعلق بـ اشتراه، وقال الفخر: القطبي أنه اشتراه لنفسه ثم وهبه لامرأته، وقوله (تُرَاوِدُ) أتوا به مضارعا تشريفا عليها أي إنها مداومة على ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).
فيه سؤالان الأول لم أكذبن رؤيتهن لها في ضلال، ولم يؤكدن مراوداتها له في نفسه؟ وجوابه: أنه لما يكنَّ من أقاربها وجيرانها تلطفن بحالها ولم يؤكدن وقوع ذلك منها لمعرفتهن الأسباب الحاملة لها على مستنكر ففيه ضرب من العذر لها بخلاف الأجانب فإنهن يأخذن بالظن إذا سمعن بالفعل القبيح عن غيرهن ينكرن عليه لجهلن بعذره فأكدن الكلام ليفيد أنهن مع قربهن لها يظهر لهن وجه قدرها ولا قلن لها موجبا يتلفظن به بحالها فأحرى الأجانب بخلاف مراوداتها إياه عن نفسه فإِنها واقعة لَا ينكرها أحد ولا يحتجن إلى تأكيدها لثبوت ذلك عندهن وتحققه وظاهره أنها لم تكن تظهره لهن وهو شأن المحب إذا غار على محبوبه ويحتاط عليه خيفة أن يتصل به غيره، السؤال الثاني: أنهن قلن: (إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) وأسندن رؤية ذلك إلى تفسيرين وهلا قلن أنها لفي ضلال مبين فهو أبلغ، وجوابه: أنه إنصاف منهن وإشارة إلى أنهن في اعتمادهن لم يعلمهن لذلك وجها ولعل له وجها في نفس الأمر، وانظر هل الرؤية بصرية أو علمية، فقيل علمية لأن الضلال معنى والبصر لَا يتعلق بالمعاني، ابن عرفة: مفعولها هو الضمير لَا غير فلم تتعلق الرؤية إلا بها فقط حالة كونها هي في ضلال مبين لَا أنها تعلقت بها وبالضلال.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾
أي فلما أُخبرت بمكرهن فلذلك [عديت هنا إلى*] حرف الجر؛ لأن (سمعت) من أخوات، (قلت) تتعدى إلى مفعولين بنفسها فهي متعلقة بالمسموع [**سائره مجيب بلو] قال الكلام الأول [... ] وهذه إنما عرضه ممن نقل له كلام النسوة. قوله تعالى: (كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا).
ابن عرفة: اختلف إذ قال لكل واحدة منهن [سِكِّينًا*] أو يعطي لكلهم درهماً واحدا يقسمونه بخلاف قولهم درهما درهما، هلا قال لكل واحدة منهن سكينا بأنه فعلهم من قولهم وكل واحدة أخذت سكينا؛ لأن قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ)، وهو أبلغ في حق يوسف؛ لأنه بنفس خروجه أكبرنه ولا يعدل عن ذلك إلا لنكتة [... ] والجواب أنه قد يخرج وتذهل إحداهن عن رؤيته وإنَّمَا يقع الإكبار بالرؤية أو يقع بنفس الرؤية، وإن لم يستوف الخروج عليهن فقد رأوه وهو في الغمامات أو من طاق أو من خلف حائل، وإن لم يخرج.
قوله تعالى: (مَا هَذَا بَشَرًا).
قال الأصوليون في الفرق بين الحقيقة والمجاز وهو ما صح بجهة وهو زيد أسد يقول زيد ليس بأسد ولا يقول ليس زيد رجل، وقول يوسف بشر [... ] وقال وأجيب الوجوه الأول قال عادتهم يقولون هو على حذف الصفة أي ما هذا بشر معمول الثاني أن هذا النفي مجاز ورده ابن عرفة: بأنه يلزم عليه الدور لأنه لم يكن مجازا إلا يكون إبانة حقيقة لكن الحقيقة لَا يعلمها إلا بعد معرفة كون نفيها مجازا الثالث أن النفي حقيقة لأنه في محل الدهش والغفلة والذهول لما جرت لهن من رؤيته.
قوله تعالى: (أَكْبَرْنَهُ).
ابن عطية عن الجمهور أي أعظمنه فاستهولن كماله، وقال عبد الصمد بن علي الإمام عن أبيه عن جده: أي حضن له، ابن عرفة: وهذا لَا يتم إلا بزيادة هاء السكت كما قال الزمخشري لأن حاض لَا يعدى، وأنشد الزمخشري شاهدا عليه بيت المتنبي، وهو:
[خفِ اللهَ واستُر ذا الجمالَ ببرقُعٍ؍ فإنْ لُحتَ حاضتْ في الخدور العواتقُ*]؍
وأنشد ابن عطية:
تَأْتِي النِّسَاءَ عَلَى أَطْهَارِهِنَّ وَلَا؍ تَأْتِي النِّسَاءَ إِذَا أَكْبَرْنَ إِكْبَارَا؍
ثم قال وهذا البيت مصنوع وليس عبد الصمد من ذوات العلم، قلت قال عبد الصمد لابن عباس ونسب البيت لأبي ذؤيب
يوسف 12:32
قال [... ]
يغشى النسا على أولادهن ولا؍ يغشى النسا إذا أكبرن إكبارا؍
وزاد عن بعضهم بيتا آخر:
إذا نظرت أم الحسين مجاشعا؍ ضحى أكبرن حتى نقضن المجاسدا؍
قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) قال ابن عرفة: يؤخذ منه أن الملك أفضل من النبي قال السكاكي أتى بالجملة غير معطوف لَا في معنى أتى قبلها والعطف يقتضي المغايرة، ابن عرفة [... ]: معنوي والحسي بذل المال والمعنوي بذل العرض إشارة إلى عفوه عن زليخا، وصفحه وإعراضه.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾
قال ابن عرفة: لما أخبرت أن الأمر لَا يخلو من أحد شيئين إما أن يفعل ما تأمره به أو السجن. اختار هو السجن قال: وتقريره على [قاعدة*] المنطق إن هذه قضية شرطية متصلة تلزمنا منفصلة مركبة من غير [تاليها*] ونقيض مقدمها وهو إما أن يفعل ما آمره به، وإما أن يسجن، وقوله السجن (أحب إليَّ) إن قلنا إنها فعل وليست ما فعل من فلا إشكال وإن قلنا إنها على ما بها فتكون المحبة هنا الطبيعية لأنها بمعنى الإرادة ولا إرادة له فيما أرادت منه زليخا واكتفى يوسف بقوله السجن أحب إلي من أن يقول السجن والصغار أحب ولأنه خاطب به الله تعالى العالم بخفيات الأمور والأول من كلام زليخا تخويفا ليوسف وإنذارا فيه مبالغة وإطناب.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾
قال ابن عرفة: اختلف في الخطاب وأجاب هل هما بمعنى واحد أو متغايران فأجاب بأمر الآيتان بآيتان الموافق للمقصود والمخالف، واستجاب خاص بالموافق والآية عندي حجة للقول بها وبما أن استجابة أعم بعطف قوله (فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ)، والعطف يقتضي المغايرة.
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ﴾
قال ابن عرفة: ودخل معه مستعمل في قطع المسافة بين الداخل والمدخول إليه، وفي دوام الاستقرار في الشيء عليهما من حلف ألَّا يدخل على فلان دارا تفضل عليه فلان وأقام معه هل حنث أم لَا فيها قولان بناء على أن الدوام [..... ] عدم الحث قال
يوسف 12:37
لأن الدخول هو قطع المسافة من خارج الباب إلى داخله وأخوك لم [؍ ] إلا قبل دخول فلان عليه.؍
قوله تعالى: (أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا).
ابن عرفة: [... ] على المقالة.
قوله تعالى: (نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ).
قال طلب منه واحد أن ينبئه عن رؤياه بالذات، وعن رؤيا صاحبه بالعرض.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
قال ابن عرفة: أطلق الملة هنا على الكفر، وكذا ما يطلق على دين الإسلام والشيوخ فيها اختلاف، والأكثر في كشف الحقائق يطلقها على الجماعة المستندين ما مذهبهم إلى السمع لأنه يقول ودليل الملتين وكان بعضهم يقول إنما يطلق على غيره من الإسلام ملة، وإن الملة هي العقدة يناسب قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ)، وتقدم الإشارة إلى بعضه في آخر سورة الأنعام، قوله تعالى: (أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ... (٣٩).. أي مختلفون إشارة إليه لأنه من المتمانع، وتقول إنهما لو كانا إلهين لم يخل من أن يتفقا [أو يختلفا*] فلذلك قال متفرقون ولم يقل مجتمعون لأنهما لو اتفقا لتجوز اختلافهما.
قوله تعالى: (أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ).
جرى مجرى التطبيق فقوله أم الله تتابع لقوله أرباب وقوله القهار راجع لقوله متفرقون لأن اختلافهم يؤذن بعجز من لم ينفد أمره منهم فجاء وصف القهر مقابله. ابن عرفة إن في الآية دليل على أن أول الواجبات النظر. في المسألة شبه أقوال منقولة في أول شرح الأوتار قيل النظر، وقيل المعرفة، وقيل القصد إلى النظر، وقيل غيره لك.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ﴾
[... ] ثلاثة أوجه إما أن يراد ذوي أسماء فإما أن الاسم هو المسمى قل إن المراد الأسماء فقط وهو أنها لم تكن [آلهة*] إلا لمجرد قولهم وتسميتهم لها؛ لهذا فهم لا يعبدون إلا أسماء سموها فقط، ابن عرفة قال: قلت لو خاطب بالموعظة هذين الرجلين فقط ومعه في السجن كثير من النَّاس فأجيب باحتمال كونه رأى في هذين الرجلين من القول الهداية ما لم ير في غيرهما لأن غيرهما متعنت، وقد قال أبو المعالي في الإتيان، وانتظر في التي يعتاد العلم بالمتطور فيه ويعاد الجهل به والسبب
يوسف 12:41
فيه يريد الجهل المركب لأن الناظر في التي يستحيل أن يكون جاهلا به الجهل المركب لأن الجاهل الجهل المركب لَا ننظر لاعتقاده أنه عالم فلذلك خاطب هذين دون غيرهما، وتكلم الزمخشري هنا بكلام سيئ، ابن عرفة: لكن هذه المتروكات هي عندهم أفقه من المفعولات.
قوله تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾
ابن عرفة: اللذان حرصا على تنبيه المخاطب [... ] عنه لئلا يذهل عن سماع ما يلقى إليه. قلت له تقدم لك إنه ما خصهما بالخطاب إلا لصلتهما بذلك وأنه رأى فيهما القابلية إليه فهلا نادى لهما بالهمزة أو [الياء المشعرين*] بالقرب الحسي أو المعنوي فقال العبد مقول بالتشكيك في قرب بعيد وأبعد منه كما أن ثم جاهلا الجهل البسيط وأجهل منه، وهو من جهله مركب.
قوله تعالى: (قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ).
الضمير عائد على السجن الذي كان سببا في استفتائهما فقوله فيه أي بسببه قلت أو يعود على الأمر قوله تستفتيان حكاية حال مضت.
قوله تعالى: ﴿ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ﴾
وُجّه بأن الظن بمعنى العلم، وقال ابن عطية في غير هذا الموضع إن الظن لا يجوز بأَن يجعل بمعنى اليقين إلا في الأمور الفردية قلت له بل هو نظري لأن الأولين لا يعلمون إلا من علمهم الله فقال وكذلك أنت لولا أن الله علمك أن الواحد نصف الاثنين ما علمته. قلت له الله خلق لي إدراكا أعلم به ذلك [ما*] علمته إلا بواسطة خلق الله لَا الإدراك ولا [... ] بالوحي لَا بالإدراك العقلي هذا نظري.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾
ابن عرفة: الأمثل تقديم السبب على مسببه والإدراك النجاة فهلا قدم علتها؟ فأجيب بأن السبب قسمان منه مقدم في زمانه كتقدم الأب على ولده، وسبب مقدم بالذات كحركة الخاتم بالنسبة إلى حركة الإصبع إذا لو كان متقدما في الزمان للزم عليه تداحل الإحساس لكن ورد في الآية الحث على المبادرة وأنه بادر إلى النجاة [عبر*] الإدراك حتى أنه فعلها قبله.
قوله تعالى: (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ).
يوسف 12:46
وفيه [نقول*] إن الملك عبر عن تعبير الرؤيا بالفتيا، والملأ عبروا عن ذلك بالتأويل والأصل [فيه*] مقاولة، وليس [للقوم أن يجيبوه*] على وفق ما تكلم به، فأجيب بأنه قصد الرد على الملأ في كونهم سبقوا على الملك وأخرجوا رؤياه عن التعبير في الأحكام [الفاسدة* فأجابوه*] على وفق قولهم (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) قوله تعالى: قبل هذا (بضع سنين) انظر ما قال ابن عطية. قال القاضي في الإكمال في كتاب الفضائل على حديث ابن مسعود وفيه [فَلَقَدْ قَرَأْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً*] وذهب ابن ثابت في روايتان مع العلم أن [ابن عباس زاد*] أن في البضع قولين آخرين أحدهما أنه من الثلاثة إلى الخمسة، والثاني أنه من السبعة إلى التسعة.
قوله تعالى: ﴿أَيُّهَا الصِّدِّيقُ﴾
ابن عرفة: إنما ينادى الشخص بالوصف المناسب لمقتضى الحال فلا يقال: للفارس في الحرب يا كريم يا حليم، وإنما يقال له: يا شجاع فلذلك قال أيها الصديق إشارة إلى ما قد علمنا منك الصدق في مقالتك. قال ابن عرفة: وفي الآية سؤالان الأول: عادتهم يقولون من القواعد المعرفة في كتب العبارة أن الرؤيا إذا قال المعبر إنها أضغاث أحلام فإنه لَا يقدر أحد على تعبيرها فلم فسرها يوسف، وجوابه أن قول الملأ لم يكن لديهم علم تام بالعبارة بل كانوا [يعرفون مبادئها*] بخلاف يوسف. السؤال الثاني: قال سبع بقرات سمان وسبع سنبلات وقال اكتفى بالبقرات عن السنبلات والعكس فأجيب بأنه لو قال سبع بقرات سمان لأفاد أنها سبع سنين خصبة وسبع مجدبة، وكلٌّ [يكون*] حصدها في الزرع أو في الغلة أو في [**اللبن]، فقال سبع سنبلات ليدل على أن خصبتها إنما هي في الزرع، ابن عرفة: لكن يرد على هذا أن يقال هلا اكتفى بذكر سبع بقرات لأنها تفيد سبع سنين خصبة في الزرع فأجبت بأنها إذا كان حصادها في السبع الأول وجوب الأخرى في الطعام فقالا وبذلك على حد قوله تعالى: (وَفِيهِ يَعْصِرُونَ) قال المفسرون يعصرون الزيت.
قوله تعالى: (لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ).
أي يعلمون الصدق في قول (أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ) ابن عرفة: فيؤخذ منه أن غير الواحد يفيد العلم، وقال ابن العربي إن كان الَمراد لعلهم يعلمون مكانتك فالعلم عنها بدا وإن كان المراد لعلهم يعلمون صدقك فيكون بمعنى العلم، ورد ابن عرفة: بأنه لا يعلم مكانه حتى صدقه في الأمر، وفي تفسير الرؤيا.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ... (٥٣)﴾
يوسف 12:54
ابن عرفة: يؤخذ منها عندي شيئان أحدهما أنه لَا ترجيح بين البينتين بالكثرة، والثاني:
أن الأصل الجرحة حتى تبين العدالة [؍ ] إخراج الأقل من الأكثر يدل على أن أكثر النفوس أمارة بالسوء.؍
قوله تعالى: ﴿مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾
أي ذو مكانة ومنزلة ابن مؤمن على كل شيء، ابن عرفة: حصول الفضيلة للإنسان والمزية على غيره بالعلم والعمل به فقوله (مَكِينٌ) ترجع للقوة العلمية كالصلاة والزكاة والصوم، وقوله (أَمِينٌ) ترجع للعلم أي عندك من العلم ما يتفضل لنا به والثقة بك واشتماله كل جميع الأمور، وذكر المفسرون أن ملك دخل عليه بالعبراني فلم يكن الملك يعرفها مع وجود أنه كان يعرف سبعين لسانا لم يكن هذا منها، ابن عرفة: ولا يؤخذ منها من الآية تعليم العجمية والألسن بمخاطبة العدو في الجهاد، وعند المقاومة ولا يجوز التكلم له بهذا مطلقا لأن فيه إجمالا وتدليل على من لا يعرفها.
قوله تعالى: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾
يجوز للإنسان أن يقول أنا فقيه إذا علم أنه لَا يلزم العجب والرياء، وقوله: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) قالوا إنه لَا يحمل على ظاهره منهم، ومن قال ما من علم ولو كان أعلم النَّاس إلا وقد يجد ما هو دونه يختص عنه ويمتاز بمثيلة لَا يعرفها هو، ابن عرفة: ولا يؤخذ من الآية جواز خدمة الكفار فإن الملك كان قد أسلم. كذا قال المفسرون. قال وعلى تقدير إذا لو كان كافراً قال النقص الذي يلبي المسلم في خدمته للكافر تقابله الزيادة في إسلام يوسف لأنه كان نبيا فقد يقال أنه يؤخذ عند الجواز، ولو كان أسلم فإن إسلامنا ليس كإسلامه.
قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾
ابن عرفة: [إنما يشبه الأخفى بالأخفى*]، والتمكين في الأرض ليوسف على ظاهر معرفة كل أحد، وهو أظهر من امتناعه من زليخا، وتنجيته من السجن، ابن عرفة: وعادتهم يجيبون بأن الامتناع من زليخا من باب حفظ الأعراض، والنجاة من السجن من باب رفع المؤلم وتمكينه في الأرض من باب حفظ جلب الملائم، ورفع المؤلم آكد من جلب الملائم فكذلك جعل الأصل، وشبه هذا أنه قيل لابن عرفة، وهل تكون الكاف في ذلك للتعليل أي ولأجل حفظ عموم عرضه وخوفه مكنا له في الأرض فقال: لَا يعرف أن الكاف ترد للتعليل إلا إذا لم يكن يحتمل أن يرجع هذا ليوسف والله تعالى لأن الخير من فعل الله والشر من فعل العبد، ابن عطية، وهذه نزعة اعتزالية، ابن عرفة: ليس باعتزال وإنَّمَا التفريق بينهما باعتبار الإرادة فالمعتزلة يقولون إن الله تعالى ما أراد الشر ولا قدره في الأزل ونحن نقول تعالى الله أن يكون في الله ما لا يريد، وأما باعتبار الفعل فلا فرق بين الخير والشر وهما من فعل الله عندنا ومن ثم من فعل العبد فإنما هذا كقوله (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ)، قلت: قال بعض الطلبة [... ] ابن عرفة: نجيب عن مثل هذا بأن من علم من حب الاعتزال إذا ذكره [... ] هو خلاف مذهبه بأنه يناول له ويرد إلى مذهبه والقاضي من كبار المعتزلة. قال ابن عرفة: والذي تعلقت به المسببة غير الذي تعلق به الأجر في قوله (أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) لأن إرادة الله كانت مرجح لما وجد ذلك المرجح إلا بإرادة، والإرادة الأخرى لَا بد لنا من مرجح بإرادة فيلزم التسلسل فإذا كانت الإرادة متساوية فالرحمة تصيب [الطائع والعاصي*] ولا تفاوت بينهما.
قوله تعالى: (وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
فهو [... ] غير المحسن لَا أجر له فيلزم عليه تناقضه مع قوله (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ) أما أن المراد به النور المشتملة على المؤمن والكافر وأن الكافر منعم عليه في الدنيا حسبما قال ﷺ في حديث الإفك لعمر "أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا"، وقال أيضا " [الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ، وَجَنَّةُ الْكَافِرِ*] ". قيل لابن عرفة: ليس هو منعما عليه لقوله تعالى: (إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا). قال ابن عرفة: وإمَّا أن المراد بالرحمة الإيمان والخلوص من الكفر. قال ابن عرفة: ومنهم من قال [المؤمن*] منعم عليه في الدنيا والآخرة لأنه ما من عذاب يصيبه إلا في علم الله وقدرته [... ] ومنه قول المحسنين. انظر هل المراد الإحسان المذكور وفي حديث القدرة وهو أن تعبد الله كأنك تراه. قال [... ]: إن لم تكن تراه فإنه يراك، والمراد به بحور الهداية وهو أصوب لعمومه في جميع المؤمنين فهو داخل في باب الطمع والرجاء ويكون العصاة محسنين لأنهم آمنوا فالإحسان مجرد الإيمان. قيل لابن عرفة: هلا قال أجر الصابرين فهو النسبة لسياق الآية. قال علي بن أبي طالب: الصبر أساس كل عبادة فأجاب ابن عرفة: بأن الإحسان يشمل الصبر وغيره واختلف هنا نقل الزمخشري، وابن عطية. فقال الزمخشري: إن يوسف عليه السلام باع من أهل مصر الطعام بكل شيء حتى برقابهم بابتياع [... ] أعني أهل مصر عن آخرهم ورد عليهم أملاكهم، وقال [لابن عطية:
إن أرض مصر لَا يتقرر عليها ملك لأنه قال مت نفسه] وروى ليوسف عليه السلام [؍ ] في الملك السنين أموال النَّاس [لم أملاكهم] فمن هنالك وليس لأحد في أرض مصر ومزارعها ملك.؍
يوسف 12:57
قوله تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾
قيل لابن عرفة هذا دليل على أن المراد بقوله (أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) الأمر في الدنيا فقال لَا بل في الآخرة، وأكد هذا قوله (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) إشارة إلى هذا حالهم الدائم إلى أن ماتوا كما إذا قال الصحابي كان محمد رسول الله ﷺ [يفعل*] كذا، وكان رسول الله ﷺ يفعل كذا فإِنه إشارة إلى حالته [**المتعرنن] فهو أبلغ من أن لو قال الذين آمنوا واتقوا وليتوفى عند ابن عطية مراده للإيمان، وعند الزمخشري والمعتزلة إنها أخص من الإيمان والقاضي عندهم غير متفق.
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾
قال أفاد المجرور أنه الجهاز الآتي بهم مثل (إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا) أو (عَلَى قُلُوبٍ أَقفَالُهَا).
قوله تعالى: (بِأَخٍ لَكُمْ).
نكرة، ولم يقل بأخيكم لئلا [... ].
قوله تعالى: (وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ).
[ولم يقل وأنا خير منزل*]، وقال والموفين فأجاب بأن الإنزال والإكرام [عليَّ إذ هو عن غير معاوضة*] [والتوفية في الكيل*] أصلها عن عوض فإِذا كان خير المنزلين المعلمين المنزلين متصلا قادر على أن يكون خير الموفين فهو تنبيه بالأدنى على الأعلى.
وذكر ابن عطية هنا أن الصواع كان عند يوسف يختبر به بأن [ينقر*] عليه [ويفهم من طنينه صدق ما يحدث به أو كذبه فسئلوا عن أخبارهم، فكلما صدقوا قال لهم يوسف: صدقتم، فلما قالوا: وكان لنا أخ أكله الذئب، طن يوسف الصاع وقال: كذبتم، ثم تغير لهم، وقال: أراكم جواسيس، وكلفهم سوق الأخ الباقي ليظهر صدقهم في ذلك*] (١). ابن عرفة: هذا [... ] عليهم وتخويف وليس يوسف عليه السلام ممن يركن إلى ذلك.
قوله تعالى: ﴿فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ﴾
قيل مرفوع، وقيل مجزوم فالمجزوم إما معطوف على فلا كيل، وإما أنه يعني لا نفي؛ ورده ابن عرفة. الأول قال معطوف حكمه حكم المعطوف فيكون الناقد رحل على الجواب ولا يصح جزم الجواب مع الفاعل؛ وأجيب بأنه معطوف على محل الفاء وما دخلت عليه ومحلها جزم.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾
(١) العبارة في الأصل مضطربة وبها سقط، والتصويب من (المحرر الوجيز. ٣/ ٢٥٨).
يوسف 12:63
[وقوله لفتيته*] وارد على اتباع جمع الكثرة موقع جمع القلة وإما على أن قراه غنية روعي فيها مخاطبة خواص خدمه وقرئ [فتيانه*] وروعي فيها مخاطبة عموم خدمه ويصح إيقاع أحد الجمعين موقع الآخر مجازا.
قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا).
أي يعرفون قدرها وقدر ما صنعت معهم فيها. قال ابن عرفة أيضا، وقال لفتيانه إذ أريد المباشرون بالخطاب وهم الخواص لجمع القلة وإذ أريد الممتثلون له وكل من بلغه ذلك إما مباشرة أو بواسطة فجمع الكثرة ابن عرفة مثبتا عنهم. إما على التوزيع أي اجعلوا بضاعة كل واحد منهم في رحله أو على نسبة المجموع للجموع.
قوله تعالى: (إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ).
غير في الثاني بالرجوع لأنه من قصد؛ لأن يوسف عليه السلام أراد رجوعهم إليه، وعبر في الأول بالانقلاب لأنه غير مقصود لأن يوسف لَا يريد انقلابهم إلى أهلهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَىٰ أَبِيهِمْ﴾
عطفه [بالفاء*]؛ لظهور السببية وكذلك لم يعطف بها في قوله (وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُم) لخفاء السببية.
قوله تعالى: (مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ).
هل هو من باب القلب مثل كسر الزجاج الحجر فالأصل يقال منعنا من الكيل. قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول راعيت حالهم إنما عدلوا عن الحقيقة إلى المجاز لقصدهم المبالغة في المنع. فإن قلت، [وما كالوا لأنفسهم*]؟ قلنا منعوا من آخر [يريدون حظ أخيهم لغيبته*].
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَىٰ أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾
ابن عرفة: أنظن هذا كما يقال أن البلاء موكل بالنطق، وقد قال لهم في يوسف (وَأَخَافُ أَن يَأكُلَهُ الذَئبُ) فلما رجعوا إليه قالوا أكله الذئب.
قوله تعالى: (وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ).
فيحفظني [... ] ويرحمني من صبري على يوسف.
قوله تعالى: (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا).
يوسف 12:66
قال ابن عرفة كان ابن عبد السلام يحكي أن الفقيه أبا العباس أحمد بن علي بن عبد الرحمن التماري ولي قضاء بجاية وكان بها عبد الحق بن معمر موثقا وشاهدا فجرت بينهما مكالمة ومناقشة ثم أخلي التماري عن القضاء مدة ثم أعيد إليها فلما قدم عليه، وخرج أهلها للقائه، وفيهم عبد الحق سمعه القاضي وهو يقول (هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا) فقال له القاضي (وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا) قال ابن عرفة وإنَّمَا فسرنا البضاعة بالدنانير والدراهم فيؤخذ من الآية [... ].
قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾
استشكل الزمخشري هذا الاستثناء أجاب بأنه مستثنى من أعم العام أي لَا تتركن في حال من الأحوال إلا في حال الإحاطة بكم فالترك عام لنفسه بلا، وقوله في جميع الأحوال عموم آخر واستثنى هذا من أعم العام وهو الأحوال ونحوه.
وللزمخشري في سورة الأحزاب في قوله: (إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفا)، وقوله (لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ) [... ].
قوله تعالى: (فَلَمَّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ).
قيل له لم أضاف الموثق إليهم وإنَّمَا هو موثق يعقوب فالأصل أضافه إليه ليفيد حينئذ أنهم آتوه موثقهم اللائق به وأجاب أن موثقا غير مصدر لمطلع ومذهب تلك إضافة المصدر إلى الفاعل دون المفعول، وقد قال ابن عبد السلام في شرح ابن الحاجب في كتاب [... ]، وحكى فيه حكاية الأول.
قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾
وقيل لابن عرفة ما يقال إن كان يقسمون نصفين ويدخلون منها بينها فإذا لأمرائهم بأن يدخل كل واحد من باب؛ فإِن قلت هلا قال ادخلوا من أبواب متعددة؟ قلت التفرق يقتضى بعد ما بينهما بخلاف التعدد فهو أبلغ في حصول مراده. فإن قلت هلا أمرهم بالدخول واحد بعد واحد من باب واحد قلنا تفرقهم في الأمكنة أشد عليهم من تفرقهم في الأزمنة [والوجود يشهد له*].
قوله تعالى: (وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ).
أي القائلون للتوكل لئلا يلزم منه تحصيل حاصل. قال ابن عطية التوكل أقسام أحدها [توكل مع تسبب*]، ابن عرفة وبين [؍ ] ولا يخرج لقوله (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا).؍
يوسف 12:68
قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ﴾
[بالدخول*]؛ لأن حيث لَا يضاف إليها ظرف يكون محلا للفعل العامل فيها وأمر ليس محلا للدخول وإنَّمَا محله متعلق وأمر بالدخول من أبواب مفتوحة فأطلق الأمر على متعلقه مجازا لأن المراد (وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ)
قوله تعالى: (مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُم مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ).
أي دخولهم غير قابل لأن يغني عنهم شيئا لأن اقترانه بكان يدل على نفي القول قلت لأن هو لَا يغني شيئا مطلقا دخلوا من حيث أمرهم أو لَا فقال هو تنبيه بالأعلى على الأدنى لأن هذا دخول اختاره لهم أبوهم وتوخاه فإذا لم يغن عنهم شيئا قادرا أن لا يغني عنهم غيره.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ﴾
قال ابن عرفة عطف الأولى بالواو بعده بفاء السبب بسبب ما وقع من المقاولة بين يوسف وأخيه المتضمنة [... ] بنية السرقة إليه حرصا على عدم مفارقة. ذكرها الزمخشري والظاهر أن هذا الجهاز أكثر من الأول [لوجوه*]: منها أن الكريم إذا كره الإعطاء يزيد وغيره يقطع، وأيضا فإن قدومهم الثاني محصل له [المعرفة بهم*] (١). قوله (جَعَلَ السِّقَايَةَ) أي أمر من جعلها إذا الغالب أنه لَا يجلس في مجلس الطعام ولا يجول إليه [لئلا يفطن*] (ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ) قال الزمخشري: ومنه المؤذن لكثرة ذلك عنه وتبعه في ذلك أبو حيان المختص، وقال: إن التضعيف للمبالغة والتكثير، ورد ابن عرفة بأنه إنما يكون للمبالغة في فعل كفتح من فتح كان متعديا لواحد فلم يزده التضعيف تعديا فساد تضعيفه للمبالغة لأجل زيادة الحرف، وأما هذا فوزن أذن فعل ووزن أَذن أفعل وكلاهما رباعي فلم يزده التضعيف فإن المبالغة قبله لعلم في أذن بالتخفيف فقال لَا يقال أذن وإنما يقال في الثلاثي أذن قلت ووافق الحق لابني وابن القصار على هذا التضعيف، قال الخولاني: أذن وزنها فعل كأعرب وليس وزنه فاعل لأن الهمزة الأولى زائدة والثانية أصلية، وأصله أذن فهملت الثانية، وأما أذن فوزنه فعل لأن الهمزة الأولى أصلية لأنه مضاعف وأحد الحرفين المدغمين زائدا وأقل الأصول ثلاثة فلابد أن تكون الهمزة أصلية فصح أن وزنه فعل فالفعلان رباعيان فأين فائدة التضعيف، وإنما كانت الهمزة الثانية في أذن أصلية لتوافقها في الاشتقاق أو خوص الأذان والأذان انتهى.
قلت: ونظرته مع صاحبنا ابن القصار حفظه الله في المنع لابن عصفور فوجدناه ذكر لأفعل أحد عشر معنى وأفعل ثمانية معان أحداها أن يكون للتنكير، قال: وذلك
(١) في المطبوع العبارة هكذا:
"أنال المعرفة بهم".
يوسف 12:72
في فعل المضاعف من أفعل كفتح من فتح، فكلامه مصحح لما قال شيخنا الإمام أبو عبد الله محمد ابن عرفة حفظه الله. قلت وفي صحاح الجوهري: [أذن لها في [الشيء*] إذْنًا [يقال: ائْذَنْ لي*] على الأمر، وأذن يعني علم، ومنها (فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) وأذن له أذنا أسمع.
قال الشاعر:
صمٌّ إذَا سمعُوا خيراً ذكرتُ بهِ؍ وإنْ ذكرتُ بسوءٍ عندهمْ أذنُوا؍
قلت يذكر أذن بوجه، إنما ذكر أذن قال ابن [عرفة*]: كان بعضهم يقول لَا يقال قام زيد إذ لا فائدة فيه فما فائدة قوله (فَآفنَ مُؤَذِنٌ) فأجيب بأنه إن المراد أذن رجل ومادته الإعلام والمقاولة، وإما بأنه يجوز أن يقال قام قائم لمن هو متوقع ذلك ومنتظر له وقد كان يوسف وأخاه ينتظرانه.
استشكل الفخر إطلاق السرقة عليهم مع أن يوسف ما أمر بذلك أو علم به وأذن؛ وأجاب إما بأن حملهم لرحل أخيهم وفيه السقاية تشبه بفعل السارق، وإما بأنه من تسمية الكل [وإرادة البعض*]. وقيل لابن عرفة حفظ الأعراض واجب فكيف رضي أخو يوسف قذفاً عليه؟ فقال ليس واجب لاسيما على أحد القولين في أن القذف حق للمقذوف فإذا عفى عن قاذفه صح وسقط الحد، قوله تعالى: (نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ... (٧٢).. قال الزمخشري: [وقرئ: صواع، وصاع، وصوع. بفتح الصاد وضمها، والعين معجمة وغير معجمة*]، ابن عرفة يريد معجمة في اللغتين لفظتين فقط وهما [صواع وصوع*] كذا في طي كتاب الزمخشري، وقيل إن الصواع كان مستطيله أشبه [بالمكوك*]، قلت وسمعت ابن عرفة ينطق به بتخفيف الكاف. الزمخشري: وقيل هو المكوك الفارسي الذي يلقى طرفاه، ابن عرفة: وقيل إن الصواع كانت من مَسك بفتح الميم، وهو الجلد والمِسك بالكسر الطيب المعروف.
قوله تعالى: (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ).
قال [ابن العربي: يؤخذ من الآية [جَوَاز الْإِجَارَةِ*] واتفقوا على ذلك إلا الأهم وهو من الشريعة أهم] وجواز الجعل وجواز [الجعالة*] لقوله (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) إن الإجارة والجعالة متباينان وهذه مثله [... ] فالثابت فيها أحد السندين لَا كلاهما أعني إما الإجارة أو الجعالة فكيف يؤخذ من الآية جوازهما معا. قلت أنا له يؤخذ منها جواز الجعل وقد قال مالك في كتاب الجعل والإجارة كلما جاز فيه الجعل جازت فيه الإجارة، والفرق بينهما أن الإجارة من شرطها ضرب الأجل وإن منعه من التمام مانع فلا شيء له. ابن عرفة: وفي الآية لأن أحدها قال في كتاب الغرر من المدونة لَا يجوز أن يقول له أبيعك ملء هذه الغرارة لأن طيها مجهول، وهذا في الآية جعل وشرط الجعل أن يكون المجعول له معلوما، وأجيب بأن حمل البعير معلوما عندهم أنه قفيزان أو نحوهما. الثاني أن المجعول عليه من شرطه عند مالك أن يكون فيه شفعة، وما به للجاعل فلا يجوز [أن يجعل لرجل دينارا*] أو يقول من [يخبرني*]، بموضعه فله كذا لأنه عاجز بموضعه وكذلك لَا يقول لرجل اطلع هذا الجبل أو هذه الصخرة ولك كذا لأنك لَا تنتفع في طلوعه بشيء نص على ذلك ابن رشد في البيان والتحصيل، وذكر فيه قولين وذكر ابن يونس في فروع زادها في آخر كتاب الجعل والإجارة.
قال ابن عرفة: أيضا الأصل في جواز الجعالة [(وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) *] فهذه حالة الوجه أما الآية الأولى فقال المازري في شرح التلقين لا يتم الاستدلال بها إلا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا حتى ينفع في شرعنا ما ينسخه ولم يقع ما ينسخ جوازها له بل ورد ما يؤكدها.
ابن عرفة: وكان ابن عبد السلام يقول ليس في الآية دليل مطلقا وقلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا أو لَا قال لأن مذهب مالك مخالف لمقتضى الآية لأن الجعالة عنده لا تجوز إلا على ما فيه منفعة للجاعل، وهذا لَا فائدة له فيه فنحن نقول كان يكون جائزا في شرعنا لجوازه في شرعنا إلا أنه ورد عليه النسخ بدليل مسألة الجعالة فيمن أخفى ثوبا، وقال من يخبرني بموضعه فله كذا لَا يجوز عند مالك. قال: لَا [... ] إلا ابن عرفة، وكنا نحن نجيبه بأن الآية اشتملت على أمرين على حمالة وجهالة أننسخ فيها حكم الجعالة، وبقي حكم الحمالة قائماً يرد في شرعنا ما ينسخه. قيل لابن عرفة: الحمالة في الآية منه على الجعالة فإِذا انتسخ الأصل [انتسخ*] الفرع فقال فنقول إن شرع من قبلنا شرع لنا فيما ورد فيه نسخ دون ما عداه. ابن عرفة ويفتقر إلى سؤال في الأبد من هذه [... ] ليست بحمالة وإنما على التزام على تقدير، وقيل لابن عرفة: ليس هذا عنه، وإنما نظير الآية يقول لك أي [... ] إنما قيل لك عنه [**بدينا] فقال ليس عندكم أن الحمالة يشترط فيها رضى المحتمل عنه بها فقال [... ] يدلنا على أن يوسف عليه السلام علم بذلك ورضي به فما قاله ذلك الرجل إلا بعد علمه ورضاه فقال الآية محتملة أن يكون يوسف أمره بذلك أو لَا إذا احتملت احتمل سقط الاستدلال وعلى تقدير ثبوت الأمر فهل أمر بحمل بعير أو أقل أو أكثر أو لم يعني له شيئا.
ومذهب [... ] أنه لابد من التفسير وأيضا قال قائل ذلك حمل من اعتبر يوسف غير معصوم فلا يحتج بقوله فقال قد [تقرر*] وثبت أن صدور الحكم من [... ] لَا يتنافى زمانهم إذا اشتهر به وانتشر ولم ينقل عنهم إعادة أنه تنزل منزلة إقراره له نصا؛ فإِن قلت
يوسف 12:73
ما [فائدة قوله*] (وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ) بعد قوله (وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ) قلنا حقيقة أن يتوهم أن الملك لَا يرضى بذلك ولا [... ] لمن جاء بالصواع.
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ﴾
ابن عرفة: هذا يسميه البيانيون المذهب الكلامي وهو الإتيان بالدعوى مصاحبة بالدليل وعلى طريقة المتكلمين لذلك سموها المذهب الكلامي، الزمخشري:
ثم دخلوا على [؍ ] من حصيد النَّاس.؍
قوله تعالى: ﴿قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ﴾
فهو جزاؤه قيل خبرا مبتدأ ومن وجد مبتدأ ثاني خبره فهو جزاؤه والجملة كلها خبر جزاؤه الأول، ابن عرفة ورده أبو حيان بعدم الرابط؛ [وأجيب بأوجه*] الأول، لابن عرفة: الرابط الضمير المضاف فهو جزاؤه لأنه عائد على المكان إلى جزائه الأول أي فهو جزاء السارق أو فهو جزاء ذلك الفعل، وقد ذكر النحويون في أقسام الضمير الرابط أن لَا يكون ضميرا ما عائدا على ما اتصل بالمبتدأ مثل غلام الجارية صديقها وهذا هنا عائد على ما عاد عليه الضمير المتصل بالمبتدأ قلت: قال ابن القصار: هذا جائز عند الأخفش واستدل له بقوله:
وَذي إخْوَة قطعت أَقْرَان بَينهم؍ كَمَا تركوني وَاحِدًا لَا [أخا ليا*]؍
فأعاد الضمير في بينهم على المضاف إلى الموصوف بتلك الجملة وظاهر كلام سيبويه المنع لأنه منع الربط مثل زيد [... ]، أبو عبد الله فأحرى هذا. الثاني: لابن عصفور في شرح مقربه في عدم الموصولات أو المبتدأ ذكر هذه الآية وقال: الرابط لفظ الجزاء [كرر*] مثل زيد قام زيد، فردها ابن عرفة: بأن الخبر الثاني غير الأول، قلت: أراد بالأول عقوبة الفعل، وبالثاني غير الأول، قلت: محل العقوبة.
قوله تعالى: [(وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ) *].
نقل أبو حيان أنه يجيز [الوقف*] على قوله (قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ) يكون (جَزَاؤُهُ) الأول خبر مبتدأ مضمرا في المسئول عنه جزاؤه، قال المختص: فيه لَا فائدة فيه لأن قوله (فما جزاؤه) يغني عنه، ابن عرفة: ويحتمل أن يجاب: بأن قوله [(فما جَزَاؤُهُ) أفاد فائدة*] يضمن إحديهما بالمطابقة وهي السؤال [عن*] نفس الجزاء، والآخرة [يضمن*] وهي السؤال عمن أضيف إليه الجزاء؛ لأن الجزاء تارة يضاف إلى السارق لَا عن جزاء غيره؛ فقوله المسئول عنه جزاؤه إذ وإن السؤال الحقيقة إنما هو من جزاء السارق وهو الذي اقتضى السؤال الأول بالتضمن أي المسئول عنه جزاء السارق من حيث هو
يوسف 12:77
جزاؤه لَا الجزاء من حيث هو مثل ما إذا سألت عن قيام زيد فأنت سائل عن زيد القائم بالتضمن وهذه فائدة دقيقة [فتأملها*] [**نصب أن إما الله تعالى] قوله: (فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ... (٧٧).. ابن عرفة: [لما أتوا بالمضارع*] صار جواب الشرط ماضيا لفظا ومعنى لتحقق [علمهم*] [ونكروا (أَخٌ) ليأتوا*] مع الضمير بلام الاختصاص على جهة التبرئ منه والبعد عنه أي (أَخٌ لَهُ) فقط لاعتقادهم أنه يشاركه في السرقة [التي لم تم براءته منها*] قوله (فَأَسَرَّهَا) إضمار على شريطة التفسير، وفسره قوله (أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا) الزمخشري: [أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً بدل من (أسرَّها) *] واستبعده ابن عرفة لقوله: (وَلَم يُبْدِهَا لَهُمْ).
قوله تعالى: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾
أي [**نعت لقد رأي نومه (نَجِيًّا) أو يصدر] فيتعارض فيه المجاز والإضمار [ولأبي سعيد*] شارح سيبويه أنه جمع [أَنْجِيَةٍ*] فهو جمع الجمع.
قوله تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ).
أضاف الأب إليهم دونه لَا يساعد من الرجوع إليه أو لأنهم لم يحزنوا لحزنه.
قوله تعالى: (فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ).
أي فلن أفارق الأرض مفعول له (١) لأن الفعل لَا يتعدى إلى ظرف المكان المختص إلا بواسطة في قوله: (حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي) فإن ظاهره أنه جعل قسم الشيء قسما له؛ لأن إذن الأب إنما هو بحكم الله، وأجيب: بأن المراد أو حكم الله لي بغير ذلك.
قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾
سؤال القرية إما حقيقة فيكون خرقا للعادة لأنه شيء [وردَّه*] ابن عرفة: بأن الأمور الخفية لَا تحتاج فيها لسؤال ما لَا يعقل لإطلاعه على الغيوب بالوحي، وإما أن يراد وَاسْأَلِ أهل القرية بنكرة سيبويه، أو له كناية، [وقيل*] القرية اسم للجماعة، ابن عرفة: فإن قلت: لم قدم سؤال الغير والمناسب العكس لأن الغير أقرب إليه وأهون وإنما يبدوا في الأمور لحين فالجواب: أن هذا أبعد عن التهمة إشارة إلى نعم السؤال فإنه إذا ابتدأ بالآباء قد يكون تنبيها منهم بأول مهلة على عدم الافتقار على من قدم معهم بخلاف ما لو بدءوا بالقادمين معهم فإنه قد يتوهم أنهم أرادوا الاقتصار على سؤالهم فقط.
قوله تعالى: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾
(١) في الكتاب المطبوع العبارة هكذا [ولأمر] ولا معنى لها، ولعلها زائدة، ومن ثم تم حذفها.
يوسف 12:84
ذكر ابن عصفور في الشرح الكبير عن الجمل أن هذه الآية مما يجوز فيها حذف المبتدأ وإثباته وحذف الخبر وإثباته، قال: والتقدير فأمري صبر جميل أو فصبر جميلا مثل لي. قال الخولاني: وهو خلاف ما قال ابن هشام في شرح الإيضاح وابن مالك فإِنهما قالا لَا خلاف أن المصدر المنصوب على إضمار الفعل المتروك إظهاره إذا ارتفع على الابتداء يجب حذف خبره ولو ارتفع على الخبر أوجب حذف مبتدأيه كقوله:
شَكَا إِلَيَّ جَمَلِي طُولَ [السُّرَى*]؍ صَبْرًا جَمِيلا فَكِلانَا مُبْتَلَى؍
على رواية من رواه صبر جميل (يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ... (٨٤)... إن قلت: كيف تأسف على يوسف وأن فيه مع تقادم عهده كان مضيا عنده [... ]، وأجاب ابن عرفة: بأنه عليه السلام كان يظن أن يوسف هلك حسبما ذكره الزمخشري أنه [رأي*] ملك الموت في النوم فسأله هل قبضت روح يوسف فقال لَا وأخوه بنيامين قد أخبرني أنه محبوس وقالوا له: إن يوسف أكله الذئب وتأسف الإنسان على من مات وانقطع منه أشد من تأسفه على من هو حي محبوس يرجو رجوعه ويطمع فيه.
قوله تعالى: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ).
إن الحزن سبب في البكاء إذ البكاء سبب في الحزن، [البياض فهو من إقامة **المسبب مقام السبب].
قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّىٰ تَكُونَ حَرَضًا﴾
ابن عرفة: القسم على الأمر المحقق جاز بلا خلاف واختلف في القسم على المظنون واختيار ابن الحاجب، لأنه قال: ومن حلف على ما شك فيه فتبين علاقة [... ] سلم، قلت: والظاهر أن الظن كذلك وهو أنهم أقسموا على أمر مظنون أو لم يكن منه شيء لأنهم أقسموا على أنه لَا يزال فيما يستقبل من الزمان يذكر يوسف حتى شارف الهلاك أو يهلك وهو لم يهلك بذلك ولا شارف الهلاك، لأن حزنه هذا لم [يبق*] هذه إلا يسيرا، واجتمع [بيوسف*] فإذا كان حزنه الماضي على طول زمانه وهو ثمانون سنة لم يهلك به ولا [شارف*] الهلاك فأحرى هذا، قيل له: إنه اتصاف إلى ما حكى فصار كثيرا وانضاف إليه حزنه على الأخوين الآخرين، فقال: إنما المعتبر ما أقسموا عليه وهو يوسف.
قوله: (أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ) (أَوْ) مانعة الجمع فقط [وليست مانعة الجمع والخلو*].
يوسف 12:87
قوله تعالى: ﴿فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ﴾
انظر في آل عمران في قوله (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) قال الجوهري في الصحاح: وتحسست من الشيء أي [تخبرت خبره*] وحسست له أحِسّ بالكسر أي رفعت له وحسست بالخير وأحست به أي تعقبته وقال زَيْد بْنُ [صُوحانَ*] حين [ارْتُثَّ*] يوم الجمل [ادْفِنوني*] في ثيابي ولا تحسوا عني [تُراباً، أي لا تَنْفُضوه]، ابن عطية: [فَتَحَسَّسُوا*] أي استقصوا [ونقروا*] [والتحسس الشيء بالحواس من البصر والسمع*]، وقوله (من يوسف) متعلق بمحذوف يعمل فيه (تحسسوا) حقيقة من أمر يوسف، أبو حيان: وفيه [نظر*] لم يبين [وجهة*] النظر، فقال ابن عرفة: لعله يريد [أن مِن هنا بمعنى عن*] لأن هذا إنما يتعدى باللام أو بمن قلت وهذا لَا يصح لأن الجوهري قال في الصحاح وحسست عن الشيء تخبرت خبره.
قوله تعالى: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾
إن قلت: قال في سورة الأنبياء (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) فأكد أيوب شكواه بأن هؤلاء لم يؤكد وأن المناسب كان العكس لأن هؤلاء يخاطبون يوسف الذي لَا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه وأيوب يشكو لحاله إلى الله تعالى العالم بخفيات الأمور، فأجيب: بأن سبب الشكوى في أيوب أشد من سبب الشكوى في إخوة يوسف لكن لما ورد أن الدود أكل جميع بدنه حتى وصل إلى قلبه [... ]، الزمخشري قيل: [إنها الصنوبر وحبة الخضراء. وقيل: المقل*]. ابن عرفة ودهن المقل.
قوله تعالى: (فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ).
ابن عطية: يؤخذ عنه أن الكيل على البائع ولو كان على المبتاع لقالوا فاسمح لنا بالوفاء في الكيل، وقال مالك: الكيل على البائع، وقال فيما إذا قطع يد رجل أو رجله أنه ليس له أن يلي القصاص لنفسه بل تنبيهه من له. [... ]. بذلك قال مالك: وجزاء ذلك النائب على المقتص له ومذهب غيره أنه المقتص فيه، وحجة مالك: أنه بنفس الجنايات صارت اليد للمجني عليه وأجره قطعها عليه وحجة المخالف أن المجني عليه يقول للجاني أعطني يدا عوضا عن يدي ولا يمكن إعطاؤها إلا مقطوعة فبغى فيها حق التوفية وهو القطع، ابن عرفة: فجعل مالك الجزاء [... ]، المالك على المقتص له ومذهب غيره الحق للمجني عليه فيها قبل القطع بدليل أنه في أوسط كتاب الديات
يوسف 12:89
فمن قطع يد رجل أو فقأ عينه فقطع آخر عين القاطع إن قبل المجني عليه أن غيره من يفعل في القاطع الجزاء أو نص في الخصوم بأحد الفعل في الخطأ فهذا يدل على أنه تعلق هذه بها قبل القطع.
قوله تعالى: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾
قلت لابن عرفة: فرق بين الاستفهام، أبو جعفر [... ] هذا السؤال هل الهمزة في تفيد له محطة بأن هل لَا يسئل هنا إلا الجاهل والهمزة يهملها من بين من لَا يعلم ومن يعلم على سبيل التقرير والتوبيخ رده بقوله تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) قال: إلا أن يريد أن (هَلْ) الاستفهام من الهمزة لكثرة حروفها، قلت: وقال صاحب الإسناد أبو العباس أحمد ابن القصار المعروف أن (هَلْ) في الاستفهام بمنزلة قد في الخبر أعني أنها لَا ينال بها إلا عن شيء متوقع، وهذا قد تلخص للتوقع إذا دخلت إليها همزة الاستفهام وأنشدوا...............
سَائل فوارس يَرْبُوع بشدتنا؍ أهل رأونا بسفح القاع ذِي الأكم؍
قوله تعالى: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾.. قدره الزمخشري: (إِنَّكَ لأَنْتَ يُوسُفُ) فأنت يوسف، وابن عطية: إنك غير يوسف أو أنت يوسف.
قوله تعالى: (قَالَ أَنَا يُوسُفُ).
احتج بها ابن مالك على أن العلم أعرف من المضمر لأن الخبر محل الفائدة إما يعرف الشيء بما هو [أجلى منه*]، ابن عرفة إن أراد الإعراف قبل الإخبار علم وليس هو كذلك في الآية وإن أراد الإعراف بعد الإخبار فليس هو مراد النحويين بقولهم أن هذا الشيء أعرف من هذا الشيء لأن خبر المبتدأ عندهم لَا يكون إلا مجهولا فلا يعتبر معلوما إلا بعد الإخبار.
قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾
ابن عرفة: إن قلت: لم أكدوا هذا بالقسم وهو أمر واقع محقق، وأجاب: بأنه لما كانت فيه غرابة بوقوع الإخبار على خلاف ما كانوا يظنون، أكده بالقسم والأثرة في الدنيا بالصبر على المنزلة، وفي الآخرة بكثرة الثواب وحمله الفخر على الدنيا فقط، وقوله (وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ) قال: والتفضيل نوعان فتفضيل يوجب الخزي للمفضول [كتفضيل المسلم على الكافر*] وتفضيل لَا يوجبه كتفضيل الأعلم على العالم فلما قالوا: (لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ) أي فضلك الله، أجابهم يوسف بأن ذلك التفضيل لَا يوجب لهم تحريما ولا نقيضه؛ بل ثم نزل منزلتهم شريفة.
يوسف 12:94
قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ﴾
ابن عرفة: جعل خروج (الْعِير) موجبا لوجدانه ريح يوسف، وليس كذلك إنما الموجب خروجهم بالثوب فوجدان الريح من لوازم الخروج بالثوب لَا من لوازم مطلق الخروج فلم عدل عن اللازم النسبي إلى اللازم الأعم، قال: والجواب: أن [ذلك مبالغة في وجدان الريح*]؛ لأنه إذا كان الموجب له مطلق الخروج للسيارة فأحرى أن يوجبه الخروج بالثوب، فإن قلت: لم قال (لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) وهلا قال [أشم*] ريح يوسف؟ والجواب: [قال هو أبلغ لأن الوجد يكون*] بالقلب والتذكير [**ويرويا يوميه] فهو أضعف من الشم، قلت: جواب بوجهين: الأول: أن هذا من وجه أن المسألة إشارة إلى أنه وجد فسألته التي كاد يجب عليها، والثاني: أنه تلطف في الإخبار بما يدل على مبادي الشم ولو صرح لهم بالشم لبالغوا في شدة الإحكام عليه وكان بعضهم يحكي عن سيدي أبي محمد عبد الله المرجاني أنه كان يقول: ما يدرك [عادات الصديق إلا صديق لَا يعرف دلائل الولي إلا ولي*] لَا يستلذ برائحه المسك كاستلذاذ الخضري بها والخضري العطار ضده أنفس مما هو عند غيره لعلة يقدرها فيوسف وإن كان صديقا نبيا، وأبوه يعقوب كذلك فلذلك أدرك مماثله [وأماراته*] ولم يذكرها أحد من أهله الذين معه لأنهم ليسوا بأنبياء إذ هم حفدته وقرابته [وإما أساءوه فلم يجد*] حينئذ منهم أحد بل كانوا عند يوسف].
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾
[**إنما قال جهدته والآية عد من قرابته وهم غير معصومين؛ لأن النبي لَا يتصف بالضلال ولا ببينة لَا يجوز عليه] وفيه دليل على أن هذا لما كان يقال للأنبياء من أهلهم وغيره لأنه أصيب في ولده بسببهم، وهم مع ذلك ينكرون عليه حزنه.
قوله تعالى: ﴿أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾
الزمخشري: طرح البشير القميص على وجه يعقوب أو الفاعل يعقوب، ابن عرفة: طرح أي ألقاه على وجهه بلين ورفق (أَلْقَاهُ) أي وضعه على وجهه من بعد وكلاهما [قوي*] وقوله: (إِنِّي لأَجدُ رِيحَ يُوسُفَ) لَا يبعد أن يكون جواب قسم مقدر لأنه فهم عنهم الإنكار وقوله: (لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ) أن (لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ) لما رأيتكم في ذلك الزمخشري: (لَوْلا) تفنيدكم لصدقتموني ورده ابن عرفة: بأنه بمعنى الأول فلا فائدة فيه، أبو حيان لولا تفنيدكم لقلت لكم أجد ريح يوسف، ورده ابن عرفة: بأنه قد قال ذلك قال ولهذا كانوا يفندون على الحريري في قوله في المقامة الدينارية:
يوسف 12:97
وحقِّ موْلًى أبدَعَتْهُ [فِطْرَتُهْ*]؍ لوْلا التُّقَى لقُلتُ جلّتْ قُدرتُهْ؍
وقال: ذلك مما أحرز منه وقع فيه إلا أن يجاب بأن المراد لقلت جلت قدرته وعظمته معتقدا ذلك.
قوله تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾
إن قلت: خطابهم عام في الاستغفار والأصل تقديمه، والجواب: أنه أخر قصد العموم والاستغفار من ذلك الذنب وغيره فلذا قالوا: (ذُنُوبَنَا) ولو قدموا السبب لكان في ذلك الاستغفار [مقصور*] على سببه، فإِن قلت: يوسف دعا بالمغفرة في الحال، فقال (يغفر الله لكم) ويعقوب [وعدهم*] بالدعاء بها فقال: (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٩٨).. فما السر في ذلك؟ فالجواب: أن يوسف لشدة ما فعلوا به مع ما [... ] له لأن من الملك [... ] أن يقع عندهم منه هلع [**وجوب أن هو وعدهم بالمغفرة ولم يخبرهم ذلك لهم في الحال] فلذلك (قَالَ لَا تَثرِيبَ عَلَيْكُمُ) وأما يعقوب فهو من أمره في أمن ومعاتبة. فإِن قلت: هلا قال (أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ) ربما فهو أقرب لإيقاع الأمن والطمأنينة لهم، قلنا: أضافه إلى نفسه لاختصاصه حينئذ بفرصة منه حيث جمع عليه [... ]، فإن قلت: حذفه من الجملة الأولى ما ذكر في الثانية وهو المفعول الأول لاستغفر، ومن الثانية ما ذكرِ في الأولى وهو المفعول الثاني لاستغفر فالأصل استغفر لنا ربنا ذنوبنا (قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي) [ذنوبكم*] فما السر في ذلك.
قوله تعالى: (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
إن قلت: الرحمة سبب المغفرة لأنه إذا [حن*] له ورق عليه ستره، والأصل تقديم السبب، والجواب من وجهين: أنه قدم للاهتمام تقديم المغفرة، وإما [لذكر*] الرحمة مرتين أولا باللزوم وثانيا بالمطابقة، قال ابن العربي في رحلته بل في قانون التأويل بل سمعت بعض الزهاد يقول: إن الله رد على موسى أمه في لحظة، ورده يوسف على يعقوب في مدة طويلة قال فيه سبعة أوجه من الحكمة، الأول: أن أم موسى كانت ضعيفة لأنها أنثى وكان يعقوب قويا لأنه ذكر، الثاني: رمي موسى كان من الله، وذهاب يوسف كان من النَّاس لأنه استحفظه إخوته فخانوا فيه فأدب لأن لَا يستحفظ أحد غير الله، الثالث: أن أم موسى وثقت بوعد الله، ويعقوب بقي يرجى شفقة الإخوة، الرابع: أن أم موسى وعدها الله بإنجازه وعده، ويعقوب لم يكن له من الله وعد، الخامس: أن موسى رمي صغيرا فسبب إليه كفيلا، السادس أن يوسف لو قال حين أخرج من الجب أنا حر وابن نبي وهؤلاء إخوتي وهذه قريتي لما اشتروه ولكنه
يوسف 12:99
استسلم فأسلمه الله تعالى إلى الحكمة، السابع: أن إخوة يوسف [قالوا*] (اطرَحُوهُ أَرْضًا) والأرض [أم الآدمي ومقره*] فلم [يلق بمضيعة*]، وموسى رمي في البحر فلم يكن له [بدٌّ*] من هلكته أو نجاة، فكانت النجاة السابقة في علم الله.
قوله تعالى: [(فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ*]... (٩٩)
ابن عرفة: قال: أولا فلما دخلوا عليه فأضمره لتقدم ذكر يوسف بالقرب وهنا لما بعد ذكره ووقع الفصل ليعقوب أظهره، وأيضا فإِن يعقوب هنا أول ما دخل عليه خلاف الأول فإِن [الأول*] تكرر دخولهم عليه، ابن عرفة: وكان بعضهم يقول إذا قلت: لما قام زيد قام عمرو يكون نصا في أن الأول سببا في الثاني، وإذا قلت: قام زيد فقام عمرو وقد يكون الأول سببا وقد لَا يكون والدخول ليس بسبب حسي.
قوله تعالى: (وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ).
يحتمل أن يريد مجرد الدخول فقط أو الدخول والسكنى [والإقامة*] وصيغة افعل هنا للإكرام [والمشيئة للتبرك*].
قوله تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾
ولم يقل ساجدين لأن إخوته أحد عشر مع أبويه فلذلك غير [جمع الكثرة*].
قوله تعالى: (هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ).
أي هذا مدلول تأويلها، قالوا: والمجرور متعلق برؤياي، وقيل: تأويل ابن عرفة معلقة بتأويل بني على صحة أن الرؤيا كانت قبل التأويل بهذا ولم يرد في ذلك حتى صحح.
قوله تعالى: (وَقَدْ أَحْسَنَ بِي).
الإحسان أكثر من الإنعام لأنه مشتق من الحسن فالشكرية أقوى، فإِن قلت: فهلا قال في الفاتحة صراط الذين أحسنت إليهم لأنه دعاء، وإنما يدعو الإنسان بالوصف [... ]، قلنا: الإنعام هناك قدر مشترك بين [... ] المسلمين والطائعين منهم وأتى فيه بالمعنى الأعم الذي اشتركوا فيه بخلاف الإحسان فإِنه لم يحصل لجميعهم وهو المفسر في الحديث بقوله "أن تعبد الله كأنك تراه فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك"، قيل لابن عرفة: دلالة في أنهم ما خروا له سجدا إلا بعد دخولهم مصر، ولم يسجدوا له عند أول [... ]
يوسف 12:101
فإنهم له مع أنهم كانت تحيتهم السجود، فقال: لأنه خرج هو وفرعون [مصر عن ملكها*] فأخَّروا السجود حتى انفردوا بيوسف وحده.
قوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي).
قال الفخر: احتج بها المعتزلة على أن الشر ليس مخلوقا لله ولا أراده، وأجيب: بأن إسناده للشيطان تأدب منه، وعلى مذهب الأشعري القائل بالكسب كما نقول قتل زيد عمراً وأفاد ذلك من فعل الله، ابن عرفة: وفي هذا احتراس روعي منه [**لستر إخوته] ويحتمل أن يقول بكون قوله (من السجن) تورية وإيماء للجب لصدقه على السجن الحقيقي بالمطابقة وعلى الجب مجازا.
قوله تعالى: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾
ابن عرفة: إن قلت لم ذكر متعلق لعلم ولم يذكر متعلق الملك، فالجواب: أن الملك كله في نفسه شريف فلذلك لم يحتج أن يقول رب قد آتيتني ملك مصر والعلم منه الشريف والساقط فلذلك ذكر متعلقه، فإن قلت: لم قدم الملك على العلم، والأولى العكس لوجهين أحدهما: أن العلم أشرف لأن الملك أمر [دنيوي*] والعلم موصل إلى الآخرة، الثاني: أن العلم سبب في ذلك لأنه به حصل له الملك وهو تأويله لرؤيا الملك، فالجواب: أنه قصد في الآية التي في ذكر الأوصاف النسبية في محل الشكر أو قدم الملك لأنه نعمة ظاهرة لجميع الخلق، والعلم بتأويل الأحاديث نعمة خفية لم تظهر إلا لبعضهم، إن قلت: لم ذكر هاتين النعمتين في وصف الشكر وترك النعمة العظمى، وهي النبوة وهي أولى بأن يذكرها ويشكر عنها، فالجواب: إنه في مقام النأي به والتعليم لغيره فذكر النعمة التي شارك فيها غيره ليقتدي به من حصل له شيء منها يشكر عليه، وأما النبوة فصاحبها معصوم لَا يحتاج تنبيهه للشكر عليه بوجه.
قوله تعالى: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).
أي مبتدعها، قال ابن عباس: ما كنت أعرف ما معنى (فَاطِرَ) حتى اختصم إلي أعرابيان في بير فقال أحدهما: أنا فطرتها أي ابتدأتها.
قوله تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا).
قيل لابن عرفة: فيه سؤالان الأول الشيء معصوم [... ] على الإسلام وهلا دعا بأن على النبوة؟ فأجاب بوجهين: أحدهما أن الدعاء يكون لوجهين إما لتحصيل المطلوب وإما لإظهار التذلل والخضوع، وذلك فيما هو محقق الوقوع عند الداعي. الثاني أن هذا على سبيل التعليم لغيره، كما قال: [قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ*] وأن
يوسف 12:102
الإنسان لَا يركن إلى الواقع بل يدعو ما استطاع، السؤال الثاني أن الإيمان أخص من الإسلام (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)، ولحديث ابن عمر "الإسلام أن تشهد أن لَا إله إلا الله [وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة*] وتؤتي الزكاة وتحج البيت، والإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره فمن حصل الإيمان حصل الإسلام" بخلاف العكس ألا ترى أن القدرية ليسوا بمؤمنين مع أن بعضهم يظهر له من التقشف والعبادة ما لم يظهر على بعض المؤمنين، فقال ابن عرفة: أما الآية فإنما ذلك فيها باعتبار الظاهر فالأعراب ظهر منهم الاقتفاء بالنبي وذلك هو الإسلام، وكذبوا في قولهم آمنا وانظر حديث أبي موسى وبلال في الأعرابي القائل للنبي ﷺ ["أَلَا تُنْجِزُ لِي، يَا مُحَمَّدُ مَا وَعَدْتَنِي؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «أَبْشِرْ» فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ: أَكْثَرْتَ عَلَيَّ مِنْ «أَبْشِرْ» فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي مُوسَى وَبِلَالٍ، كَهَيْئَةِ الْغَضْبَانِ، فَقَالَ: «إِنَّ هَذَا قَدْ رَدَّ الْبُشْرَى، فَاقْبَلَا أَنْتُمَا» فَقَالَا: قَبِلْنَا، يَا رَسُولَ اللهِ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ، وَمَجَّ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «اشْرَبَا مِنْهُ، وَأَفْرِغَا عَلَى وُجُوهِكُمَا وَنُحُورِكُمَا، وَأَبْشِرَا"*]. (١)
أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة،
وكذلك الأعرابي الذي جذب النبي ﷺ في رواية بشدة حتى أثر في عنقه
وطلب منه أن يعطيه. ابن عرفة: وأما الحديث فالإسلام أخص ولا سيما على مذهب
أهل السنة القائلين بأن المعاصي في المشيئة وأنه مؤمن مع وجود أنه تارك للصلاة
والزكاة فليس بمسلم، والمعنى أنهم يقولون أنه كافر فترى الإسلام عنده أخص لا
يصدق إلا على الطائع فما طلب يوسف إلا الأخص.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾
قال الزمخشري: هذا تهكم بهم، ابن عرفة أراد أنه ما يقال ما كنت تدري قيام زيد، وما كنت تعرف الفقه إلا لمن يظن به علم ذلك والنبي ﷺ لا طريق له إلى معرفة ذلك إلا من الوحي فإتيانه بالقصة على الوجه الأكمل الصحيح من أدل دليل على صدقه فالمخالف فيه مخالف للضرورة.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾
هذا تمهيد عذر للنبي - ﷺ - لأنه قد يتوهم أن عدم إيمانهم سبب تقصير النبي ﷺ في التبليغ لهم؛ لأن الملك إذا أمر حاجبه أن يبلغ أمرا إلى الرعية فيسر لهم أسباب القبول فلم يمتثلوا لقربهم منه في التقصير.
قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ﴾
(١) تم تصحيح ألفاظ الحديث من صحيح مسلم. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).
يوسف 12:105
أي بالتمكن لَا بالفعل بمعنى أنهم متمكنون من النظر في هذه الآيات فلو نظروا وتأملوا لتذكروا بالفعل فآمنوا.
قوله تعالى: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
قرئ والأرضُ بالرفع على الابتداء وخبره يمترون عيها فعلى الرفع يكون في الآية الحذف من الأول لدلالة الثاني، (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) يعلمونها أو يرونها، والأرض يمرون عليها.
قوله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو﴾
ابن عرفة: إن قلت: كلما ورد فعلى هذا مصدرا بكلمة قل مثل (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، (قلْ أُعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ) هل أمر به بتبليغ الضمير القول والمقول له فيقرأ عليهم الآية بكمالها، ويصير كأنه يقول لهم: قيل لي (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي)، أو قل هذه سبيل، أو أمر بتبليغ المقول له فقط فيقرأ عليهم الآية ويحذف منها كلمة (قُلْ)، فالجواب: إن القرآن كله هو مأمور تبليغه فما نزلت معه كلمة (قُلْ) أمر بتبليغ القول والمقول له وما لم ينزل معه كلمة (قُلْ) أمر فيه بتبليغ المقول له فقط والسبب في ذلك أنه إن فهم من الحاضرين الامتثال بأمره لم يحتج إلى التصريح بأنه أمر بأن يترك لهم ذلك إن فهم عنهم عدم الركون إلى مجرد قوله أسند ذلك لمرسله، وعينه ولأنه إنما أمر يحكي ذلك عنهم لهم، ابن عرفة: والإشارة إلى القصة أو الحالة والظاهر أن (سَبِيلِي) مبتدأ وهو خبر لأنه أعرب ولأن المبتدأ منحصر في الخبر وقد فرق القرافي وغيره بين زيد صديقي وصديقي زيد، فالخبر لَا بد أن يكون أعم من المبتدأ وذكر ابن هشام في شرح الإيضاح في قوله (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ) فالمراد الإخبار بأنه ليس سبيله إلا هذه، وليس المراد الإخبار بأنه ليست هذه إلا سبيله لأنها سبيل غيره من الأنبياء ونقل بعض الطلبة: أن [... ] شارح البرهان أنكر التفريق بين زيد صديقي، وصديقي زيد، وقال:
لم يرد ذلك عن العرب ولا عن النحويين، ورده ابن عرفة [؍ ] من أن الخبر لَا بد أن يكون أعم من المبتدأ.؍
قوله تعالى: (أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي).
حكى الزمخشري في (أَنَا) ثلاثة أوجه: أحدهما: قال (أَنَا) تأكيد الضمير في أدعوا (وَمَنِ اتَّبَعَنِي) معطوف عليه، قلت لابن عرفة: هذا لَا يصح لأن الهمزة للمتكلم وحده وحرف العطف مشترك في الإعراب والمعنى، فقال لي أنت إذًا تمنع أن
يوسف 12:109
تجوز أقوم أنا وزيد، قلت له نعم، ومن قال بجوازه ما أظن أنه يجوز أصلا للتناقص، فقال لي لَا يخالف أحد في أن ذلك جائز وإنما الذي قاله الزمخشري بعيد من ناحية أن يخرج عنه التمثلة في الإيمان لأنه ليس على بصيرة.
قوله تعالى: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
انظر هل فيه تعريض لكفار قريش هذا بناء على أن المراد بقوله (وَمَا يُؤمِنُ أَكثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُشرِكُونَ) أهل الكتاب وأما إن قلنا: إن المراد به مشركوا مكة فلا حاجة للتعريض هنا لأنه قد تقدم التنصيص على شركهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ﴾
أفادت من أول أزمنة القبلية فهي أبلغ من قيل قبلك.
قوله تعالى: (إِلَّا رِجَالًا).
احتج بها المعتزلة بمذهبهم في إنكار نبوة النساء عقلا ونحن نجوزها لولا أن الشرع لم يرد بها، وأجاب أصحابنا بأنه نفيت في الآية الرسالة ولا خلاف أن النساء ليست فيهن رسولة؛ لأن المقصود من الرسالة التبليغ إلى النَّاس وليس ذلك في شأن النساء. قوله: (مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) قال ابن عطية: إن يعقوب لم يكن ساكنا بالبادية أعني بيت العمود وهي بيت الشعر، وإنما كان ساكنا بقرية من قرى الشام وهي بادية بالنسبة إلى أرض مصر [كما هي بنات الحواضر بدو بالإضافة إلى الحواضر*]. ابن عرفة ذكره معاذ بن جبل الغزي، وقال: أنه يستفيق من صلاة العشاء الآخرة، وابن رشد يريد في جماعة لأن الحاضرة فيها المستأجر يجتمع فيها النَّاس، وقال بعض المصريين: إن يعقوب عليه السلام كان من أهل العمور فيرد الإشكال في الآية، لكن يجاب: بأن الصواب أن يعقوب لم يثبت أنه كان رسولا وإنَّمَا الثابت أنه كان نبيا.
قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ).
ابن عرفة: كان بعضهم يقول يحتمل أن يراد به السير في الأمكنة أو في الأزمنة ففي الأمكنة هو السير في الأرض حقيقة وقطع مفاوزها للتفكر والاعتبار، وفي الأزمنة هو أن ينظر في الكتب أخبار الأمم السابقة وما جرى لهم.
قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾
يوسف 12:111
قال ابن عرفة: ذكر ابن خروف في شرح سيبويه أنه حتى التي هي حرف ابتداء لا يلزمها الغاية ولا يحتاج إلى ما تكلفه المفسرون من أن التقدير هنا يوحي إليهم فتراخى نصرهم (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ).
قوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا).
أي نسبوا في قولهم إلى الكذب وقرئ بالتخفيف [على البناء*] للفاعل والمفعول فعلى قراءة التشديد الظن إما على بابه لأن الرسل لما أخبروا المؤمنين بالنصر على الكفار في المستقبل وطال ذلك ارتابوا فظن الرسل أنهم قد كذبوا ولم يصدر منهم تكذيب حقيقة لأنهم مؤمنون.
قوله تعالى: (فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ).
ابن عرفة: إن قلت هلا أسند الإنجاء لعموم المؤمنين كما نفى رد البأس [عن*] عموم المجرمين؟ (١): فالجواب أنه إشارة إلى قول أهل السنة من أنه لَا ينجينا من الله شيء، وأن كل نعمة منه فضل، وكل نقمة منه عدل، فننجي من نشاء [**بجانبه بعد آتيه] إلى الإيمان، ولا يرد بأسنا عمن اتصف بالإجرام الثابت الدائم عليه اللازم إلى الخاتمة فلذلك عبر عنه بالاسم، وذكر ابن عطية في قوله: " (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا) ما لَا ينبغي أن يقال على رءوس العوام ولا على غيرهم فمن أراد فلينظر فيه.
قوله تعالى: ﴿عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ... مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾
ابن عرفة: يحتمل أن يريد غيره بالفعل أو بالإمكان والقوة وإن كانت بالفعل والمراد (عِبْرَةٌ) كما لأولي العقول النافعة ولا يلزم عليه الحلف في الأخير لأنه لو اتعظ به جميعهم واعتبروا لآمنوا كلهم، فإن كان المراد أنه بحيث يعتبروا به من عامله ونظر فيه فيكون المراد به جميع أولي الألباب والحقيقة ثابتة لهم لكنهم لم يحصل لجميعهم الاعتبار بالفعل وأشار الفخر إلى هذا.
قوله تعالى: (وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ).
هذا تأكيد المدح بما يشبه الذم مثل:
ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم؍ بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ؍
الزمخشري: (تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) أي الذي قبله من الكتب السماوية، وقال ابن عطية: في قوله تعالى: (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ) يحتمل أنه يراد بما بين يديه المستقبل باعتبار يوم القيامة.
* * *
(١) في الأصل المطبوع هكذا [فكان يقال] وهي عبارة غير مفيدة في السؤال، والسياق يقتضي حذفها.