Lafzullah

تفسير ابن عرفة — القلم 68:1 – الإخلاص 112:4

المؤلف / المصدر: أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803هـ) — تحقيق: جلال الأسيوطي · دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-555)

المحتويات
  1. القلم 68:1
  2. القلم 68:8
  3. القلم 68:14
  4. القلم 68:17
  5. القلم 68:22
  6. القلم 68:36
  7. القلم 68:38
  8. القلم 68:42
  9. القلم 68:50
  10. الحاقة 69:1
  11. الحاقة 69:8
  12. الحاقة 69:10
  13. الحاقة 69:11
  14. الحاقة 69:17
  15. الحاقة 69:26
  16. الحاقة 69:38
  17. الحاقة 69:45
  18. الحاقة 69:48
  19. المعارج 70:1
  20. المعارج 70:11
  21. المعارج 70:15
  22. المعارج 70:26
  23. المعارج 70:29
  24. المعارج 70:33
  25. المعارج 70:41
  26. نوح 71:1
  27. نوح 71:5
  28. نوح 71:12
  29. نوح 71:15
  30. نوح 71:17
  31. نوح 71:20
  32. نوح 71:22
  33. نوح 71:26
  34. نوح 71:28
  35. الجن 72:1
  36. الجن 72:5
  37. الجن 72:10
  38. الجن 72:13
  39. الجن 72:15
  40. الجن 72:19
  41. الجن 72:23
  42. الجن 72:25
  43. المزمل 73:2
  44. المزمل 73:9
  45. المزمل 73:10
  46. المزمل 73:16
  47. المزمل 73:20
  48. المدثر 74:1
  49. المدثر 74:24
  50. المدثر 74:31
  51. المدثر 74:33
  52. المدثر 74:49
  53. القيامة 75:5
  54. القيامة 75:18
  55. القيامة 75:33
  56. القيامة 75:38
  57. الإنسان 76:1
  58. الإنسان 76:3
  59. الإنسان 76:13
  60. المرسلات 77:1
  61. النازعات 79:33
  62. عبس 80:34
  63. المطففين 83:24
  64. الأعلى 87:4
  65. الغاشية 88:6
  66. الغاشية 88:11
  67. العاديات 100:1
  68. العاديات 100:4
  69. العاديات 100:10
  70. القارعة 101:1
  71. القارعة 101:6
  72. القارعة 101:9
  73. التكاثر 102:1
  74. التكاثر 102:4
  75. التكاثر 102:8
  76. العصر 103:1
  77. الماعون 107:1
  78. الماعون 107:6
  79. الماعون 107:7
  80. الكوثر 108:1
  81. الكافرون 109:1
  82. الكافرون 109:5
  83. النصر 110:1
  84. النصر 110:3
  85. المسد 111:1
  86. المسد 111:5
  87. الإخلاص 112:1
  88. الإخلاص 112:4

القلم 68:1

سُورَةُ (ن وَالْقَلَمِ) [(ن وَالْقَلَمِ... (١) *] النون والقلم إن فسرناه بالمعهودين، ليس منحصرا صدوره من القلم، بل بإيجاد الله تعالى أو بواسطة أداة غير القلم لم يقدم القلم على النون. قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾ انظر الزمخشري: ما اعترضه به أبو حيان وما أجاب به المختصر السفاقسي، وحاصله أن أبا حيان منع تسلط النفي على الشيء دون ما قيد به، والسفاقسي أجازه، والصواب أن يقال: إما أن يقدر ذلك القيد داخلا قبل النفي وبعده، فإن كان قبله لزم من نفي ما هو قيد فيه نفيه هو، وإن كان بعده فالقيد مثبت، والجنون [منفي*] أي ما أنت بسبب وجود نعمة ربك مجنون، فيكون قيدا في النفي، لَا في الجنون المنفي. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ الإتيان بلفظ (على) إشارة إلى حصول ذلك له دون [تكلف*]، وهذا إشارة إلى شدة جهلهم وغباوتهم؛ لأن الحق العظيم في غاية الجلاء والوضوح، فمن يكذب به في غاية الجهل والغباوة، قال عياض في الشفاء الخلق العظيم: قيل: هو القرآن، وقيل: الإسلام، وقيل: الطبع الكريم، وقيل: ليس لك همة إلا الله، قال الواسطي: أثنى عليه بحسن قبوله لما ابتدأه إليه من نعمه وفضله [بذلك*] على غيره، لأنه [جبله*] على [ذلك*] الخلق ثم أثنى على فاعله وجازاه عليه، ثم تلاه على قولهم بما وعده من عقباه وعقابهم بقوله تعالى: (فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ)، ثم عطف بذم عدوه فقال تعالى (فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ)، إلى قوله تعالى: (أسَاطِيرُ الأَوَّلينَ)، فذكر بضع عشرة خصلة من الذم [ختمت*] بتمام شقائه فقال تعالى (سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ)، فكانت نصرة الله [له*] أتم من نصرته لنفسه. قوله تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ... (٥)﴾ عبر بالمسقبل مع أنه ﷺ عالم بذلك في الحال، لأن الخطاب بذلك عام في جميع النَّاس، وكل واحد لَا يدري بماذا يختم له من ضلال أو هداية. قوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ﴾ عبر بالماضي لما كان الضلال راسخا فيهم ذاتيا لهم، وكذلك أبقى الجملة مؤكدة بـ (إِنَّ) والباء. قوله تعالى: (بِالْمُهْتَدِينَ).

القلم 68:8

عبر بالاسم هنا، وقال في سورة النجم (هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى)، فعبر بالفعل؟ والجواب: أن المراد بتلك الآية عموم تعلق علمه بمن اتصف بمطلق الضلال، ومن اتصف بمطلق الهداية، والمراد بهذا المدح والثناء على النبي صلى الله عليه وسلم، فعبر فيها بالاسم الدال على ثبوته على الهداية واتصافه بأكمل صفاتها وأبلغها. قوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾ الموافقة والمساعدة والطاعة مترادفة، فخصص الطاعة منها لاستلزامها سلب المشاركة في فعلهم ومعبودهم، فالنهي عنها أبلغ، وهذا الخطاب إن كان للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو لشدة [تأسفه*] على عدم إيمانهم، فهي من ذلك كما قيل له في الآية الأخرى (جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)، وإن كان الخطاب لغيره، فنهي عن الطاعة مطلقا، والطاعة عند الأصوليين موافقة الأمر، فيكون فيه دليل لقول ابن عرفة: [لا*] يشترط في الأمر العلو؛ بل الاستعلاء فقط، لأن هؤلاء ليس فيهم علو شرعا، وإنما فيهم الاستعلاء. قوله تعالى: (الْمُكَذِّبِينَ). دليل لصحة قول من قال: إن الحكم إذا علق بمشتق من صفة، فإنه غير معلل بتلك الصفة للإجماع لابن التلمساني، فإن قلت: هنا قرينة أفادت أن النهي عام؟ قلت: الأصل عدم القرينة. قوله تعالى: ﴿فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ إن قلت: لَا يصح أن يكون معطوفا على (تُدْهِنُ)، لأن التمني لَا يكون إلا فيما يمكن وقوعه، فيلزم أن يتمنى الإنسان فعل غيره، [والتمني*] لَا يتعلق بفعل غيره، قلت: هو مسبب ناشئ عن دهنه، فليس هو بفعل الغير صرفا، وفيه نظر لأنهم خلطوا بين التمني والترجي؛ بأن التمني يكون في الممكن وفي المستحيل؛ بخلاف الترجي، واحتجوا بقول الشاعر: يَا لَيْت أَيَّام الصِّبَا رَوَاجعَا وليت للتمني. قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ﴾

القلم 68:14

قيل: هو نهي عن الأخص، فلا يستلزم النهي عن الأعم، وفيه رد على من قال: إن (كل) إن كانت بعد نهي أو [نفي*] عمت، لأنها نزلت في شخص، وذكر ابن الصفار في شرح سيبويه أن الشلوبين نقل عن ابن أبي العافية: أن (كلًّا إذا كانت منصوبة لَا تفيد العموم، وإذا كانت مرفوعة تفيده [كقوله*]: قَدْ أصبحَتْ أمُّ الخِيارِ تَدَّعي؍ عليَّ ذَنْباً كلُّه لم أَصْنعِ؍ وفيه [... ] وتعقبه عليه الشلوبين، وقال: لم [يحكه*] سيبويه بوجه، قال ابن الصفار: بل حكاه سيبويه في باب المنصوب انتهى، والذي حكى الأصوليون أنها تفيد العموم مطلقا، وهي هنا كلية، فمن اتصف بإحدى هذه الصفات يكون منهيا عن طاعته، فإِن قلت: فما وقع منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم في صلح الحديبية من طاعتهم؟ قلت: إنما ذلك موافقة، [والموافقة لا تقتضي*] طاعة؛ كما هو موافق لهم في [الاعتراف*] بوجود الله تعالى، أو يكون ذلك بوحي، وقد وافقهم على أن [من يأتيه منهم*]، [يرده*] عليهم، وعلى ذلك وقع صلح الحديبية. قوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ إن قلت: يؤخذ منه ترجيح الفقر على الغَناء، لأن الغَناء سبب طغيان هذا؟ فالجواب: إن هذا إنما طغى بمجموع المال والبنين، وقدم هنا وفي سورة الكهف المال على البنين؛ بخلاف ما في آل عمران؟ والجواب: أن مناط الشهوة في الأعم النساء، ومناط الزينة في الغالب المال، وأما البنون فمحبتهم أشد من محبة المال، لأن الإنسان يفدي ولده بماله كله، وقدم هنا المال؛ لأنه أقوى الأسباب في الطغيان، قال السهيلي: [... ] الاتصاف إلا إلى ما هو أشرف منه وعكسه صاحب، فتقول أبو هريرة صاحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا تقول محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم صاحب [أبي*] هريرة، قال تعالى (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)، وقال تعالى (وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ)، انتهى، وانظر ما قال عياض في الشفا: فإِن صَاحبكم (١)، وانظر قوله تعالى: (وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ). قوله تعالى: ﴿عَلَى الْخُرْطُومِ﴾ إن قلت: لم عدل الإضافة فلم يقل على خرطومه؟ قلت: لأن الإضافة فيها نوع استحقاق واختصاص، فعدل عنها لسلب هذا المعنى حتى كأنه لَا يستحق أن [يُجعَل*] له خرطوم، لعدم المبالاة به، فيصير الأنف منه أجنبيا عنه. (١) النص في الشفاء هكذا: "وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ". اهـ.

القلم 68:17

قوله تعالى: ﴿كَمَا بَلَوْنَا﴾ التشبيه إما معنى بمعنى أو محسوس بمحسوس، لأن (ما) إما مصدرية، أو موصولة بمعنى الذي، ويقع [بمن تعلق سببه، وبمن لم يتعلق*]، قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) وقال تعالى (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا)، والعقوبة لَا تقع إلا بمن فعل [شبهها*]، وهم [لم يفعلوا*]، لكن عزموا على الفعل، قال القرطبي: [يؤخذ منه*] أن العزم على الفعل يؤاخذ به. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَثْنُونَ﴾ يحتمل أن يكون مقسما عليه [أو لَا*]، الزمخشري: فإن قلت: لم سمي استثناء، وإنما هو شرط؟ قلت: لأنه يؤدي [مؤدى*] الاستثناء من حيث إن [معنى قولك*] لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله. واحد انتهى، موجب هذا السؤال أن الاستثناء بالمشبه إن كان حقيقة لغوية فما وجهه، لأنه شرط الاستثناء، وإن كان في الشرع [مجازا*] فأين العلاقة. قوله تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ﴾ إن قلت: هلا قيل: من الله من العزيز الجبار، فإِن لفظ الرب يشعر بالرحمة والرأفة، والمحل محل العزة والانتقام؟ فالجواب: من وجوه: الأول: أنه تخويف لقريش، أي إذا نالهم هذا مع استشعار الرحمة، فأحرى مع استشعار العزة والانتقام. الثاني: أن السؤال إنما [يَرِدُ*] لو قال: طائف من ربهم، وإنما قيل: من ربك. الثالث: أن [مآلهم*] عاقبته الرأفة والرحمة، لَا العقوبة؛ لأنهم تابوا أو حسنت توبتهم. قوله تعالى: (وَهُمْ نَائِمُونَ). إن قلت: ما أفاد مع أنه مفهوم؟ فالجواب: من وجوه: الأول: أنه إشارة إلى أنهم أخذوا حالة أمنهم وطمأنينتهم. الثاني: [لما*] قصدوا صرامها في خفية عن المساكين، فعوقبوا بخسفها في خفية عنهم. الثالث: هو إشارة إلى أن السبب في عقوبتهم بذلك مجرد عزمهم على صرامها خفية عن المساكين، أي عوقبوا به وهم في حالة لم يشتغلوا فيها بمعصية ولا مخالفة،

القلم 68:22

بل كانوا نائمين فما الموجب لعقوبتهم إلا مجرد عزمهم وقسمهم، وعادة الله في إهلاك أكثر الأمم كونه على غرة وغفلة. قوله تعالى: ﴿أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ﴾ عداه بـ على، لأن الذي يقطع ثمر النخل يستعلي عليها. قوله تعالى: (إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ). صرام النخل بالفعل متأخر عن الغدو عليها، فلا يكون عليها شرطا في الغدو، ولأن الشرط متقدم على المشروط، فيتعين أن المراد إن كنتم عازمين على صرامها. قوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٩)﴾ وقال تعالى بعده (يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ) لأن الظلم معصية قاصرة على نفس الإنسان، والطغيان معصية متعدية لغيره، [وهم*] ظلموا أنفسهم بقسمهم وعدم استثنائهم، وطغوا على المساكين بعزمهم على منعهم من عادتهم. قوله تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّنَا﴾ قال ابن عصفور: [كل ما*] وقع في القرآن من عسى [فهي*] واجبة، إلا قوله تعالى: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ)، وتقدم الرد عليه، واستثناء هذه [لو كان*] صوابا، لأن التبديل هنا لم يقع إلا أن يجيب: بأن ذلك في عسى، إذا كانت من الله تعالى، وهذه من كلام أصحاب الجنة. قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ﴾ وقف بعضهم على أكبر، وجواب لو محذوف أي لاهتدوا، وهو حسن. قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ تقديم المجرور هنا واجب، لأن الضمير في (رَبِّهِمْ) يعود عليه، فلو أخر عليه لأدى إلى عود الضمير على ما بعده لفظا ورتبة. قوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥)﴾ ابن عطية: لما نزلت (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، قالت قريش: إن كانت جنات، [فلنا*] فيها [أكبر الحظ*]، فنزلت (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ) انتهى، لو كان كما قال: لقيل: أفنجعل المجرمين كالمسلمين، لأنهم أثبتوا للمسلمين فيها حظا، وادعوا أن لهم مثله [وأكبر منه*]، فلو روعي في الآية مقتضى السبب لقيل: أفنجعل

القلم 68:36

المجرمين كالمسلمين، وإنما رِوعي فيها مناسبتها لما قبلها، لأنه لما قال في آية المجرمين (وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ)، فأتى فيه مطلقاً غير محصور فيهم، وعقبه بقوله تعالى: (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ)، أتى بهذا التشبيه نفيا لما قد يتوهمه أحد من أن ذلك العذاب قد ينال المتقين بعضه، وإن قلَّ؛ أي [أفنجعل*] المسلمين في العذاب كالمجرمين، أي ليسوا مثلهم في لحوق العذاب، فلا [يلحقهم*] منه شيء ألبتَّة، قيل: [أفنجعل*] المتقين، وقال الزمخشري: معناه [أنحيف في الحكم*] فنجعل المسلمين كالمجرمين، فإن قلت: هلا قيل: أفنجعل المتقين كالمجرمين؟ قلت: كلما ناقض الأعم شيئا ناقضه الآخر. قوله تعالى: [(مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٦) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ... (٣٧) *] هذا الترتيب على ما يقوله الأصوليون من أن المنقولات السمعيات فرع للمعقولات، أي هل لكم على دعواكم دليل عقلي نظري؟ أم لكم دليل سمعي نقلي وجدتموه في كتبكم الذي تدرسونها؟ قوله تعالى: (فِيهِ تَدْرُسُونَ). لم يقل: [فيه تحفظون*]، فأجاب بعضهم: بأن الغزالي في المستصفي في باب الاجتهاد، وإمام الحرمين في البرهان: [أجابا*] بأن المجتهد لَا يجب عليه حفظ القرآن، وإنما [يطالب*] بحفظ آيات الأحكام فقط، قال الغزالي: وهي خمس مائة آية، ولا يلزمه حفظ آيات القصص والأخبار، وعبر بالدرس دون الحفظ أو القراءة إشارة إلى [قولهم:*] إن العلم لَا يحصل إلا بالتكرار والممارسة والدراسة، وكذا حكى ابن سهل في أحكامه: أن اللؤلؤي سئل [عمن*] يوصي بعبده لبعض ورثته، إن أجاز باقيهم، فإن لم يجيزوه له فقد أوصى بعتقه من ثلثه، فأفتى بأن الوصية ماضية، وخطأه فيها ابن زرب وغيره، والمسألة منصوصة في المدونة في آواخر العتق، الثاني: قال ابن سهل وما سبب ذلك إلا أنه كان في آخر عمره، ترك دراسة العلم ومطالعة الكتب لكبر سنه [فنسي*] كثيرا من مسائله، وحكى المازري في العلم في حديث: " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] "، أن شيخه عبد الحميد الصائغ انقطع في آخر عمره للعبادة، حتى كان إذا سئل عن بعض المسائل، يتوقف فيها ويحيلنا على غيره.

القلم 68:38

قوله تعالى: ﴿فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾ ظاهره حجة لمن يقول: بأن [في كل*] نازلة للمجتهد أن يحكم بما شاء على القول بأن ليس لله في كل نازلة حكما معينا، وأما على القول بأن له في [كل*] نازلة حكما معينا، فلا يحكم إلا بما أداه إليه اجتهاده. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ﴾ أي عهود ومواثيق، والمراد بالكتاب الذي فيه يدرسون ما اشتمل عليه الكتاب من الألفاظ الظاهرة الدلالة، والمراد بالأيمان [البالغة*] الألفاظ الدالة قضاء، أو المراد بالأول النص، وبالثاني [**تركيب الخصوص]، أو المراد بالأول: الدليل السمعي المعجزي، وبالثاني: الدليل السمعي غير المعجزي، فإِن الوحي قسمان، فالقرآن معجز، والسنة غير معجزة. قوله تعالى: (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ). يحتمل أن يكون ابتداء كلام، أي لكم لحكما إذا كان ذلك، والغرض أنه لم يكن فلا حكم لكم، وجعل الزمخشري الأول قسما وهذا جوابه، أي [أم ضمنا منكم*] وأقسمنا لكم بأيمان مغلظة [متناهية*] في التوكيد (إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ). قوله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (٤٠)﴾ لو قيل: أفيهم أو هل فيهم زعيم بذلك، لكان المعنى السؤال عن وجوه الزعيم فيهم بالأصالة، وإنما قيل: سلهم أيهم بذلك زعيم، فإِما أن يكون المعنى أنهم ادعوا أن فيهم زعيما بذلك، أي ضامنا متكفلا بتصحيح ما قالوه، فيسألوا عن تعيين ذلك الشخص الزعيم فالسؤال حقيقة، وإما أن لَا يكونوا ادعوا أن فيهم زعيما بذلك، فيكون السؤال مجازا من باب نفي الشيء بإيجابه، كقوله: عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ، أي ليس له منار فيهتدي به، والمعنى ليس لهم زعيم فيسألون عن تعيينه، فالسؤال تعجيز لهم، أو من باب انتفاء الشيء لانتفاء ملزومه، لأنه [تعالى*] أمره عليه الصلاة والسلام أن يسألهم عن تعيين، وكذلك الكلام في (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ)، وتفسير القرطبي الزعيم [بالرسول*] ضعيف، لأنهم ما ادعوا قط أن فيهم رسولا، وليس القرطبي من أهل التفسير (١)؛ لأنه يجلب الغث والسمين، وما زال الشيوخ لَا يعتبرون كلامه في التفسير. قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ﴾ (١) ذكر هذا التفسير بعض المفسرين غير القرطبي، منهم: الماوردي، والثعلبي، وابن الجوزي، والمراد بالرسول كما فسره مكي بن أبي طالب "المتكلم عن القوم" وهذا نصه في تفسيره: "زعيم" معناه: ضمين. والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم" اهـ، وبهذا لا وجه لما أبداه ابن عرفة من اعتراض وتحامل على القرطبي - رحمهم الله أجمعين. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).

القلم 68:42

حمله ابن عطية على أصنامهم وآلهتهم التي ادعوا أن لها نصيبا في العبادة، كما قال تعالى (وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ)، وحمله الزمخشري على الشركاء الموافقين لهم في العبادة، والظاهر الأول، إذ ليس ثم [كفارٌ ولا لهم*] نظائر في شركهم، وأيضا فيعكسون هم ويقبلون النكتة، فيقولون: هل لكم أنتم من يوافقكم في توحيدكم وعبادتكم، والسؤال هنا على حقيقته اللغوية، فالمراد به مطلق الطلب في اصطلاح الأصوليين، لأن السائل هنا أعلى من المسئول. قوله تعالى: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ الاستطاعة في اصطلاح المتكلمين هي القدرة على الفعل، ومن شرط القدرة عندهم مقارنتها لمقدورها، لأن الغرض عندهم لَا يبقى زمنين، فلا يقال في الجالس المتمكن من القيام، [لا يستطيع*] القيام حتى يقوم بالفعل، وأما في اللغة فهو التمكن من الفعل، فإذا فسرناه بالمعنى اللغوي فيصدق عليهم كانوا قبل ذلك مستطيعين، كما قال الزمخشري، ثم يعود ظهرهم طبقا، كما في البخاري في آخر كتاب منه. قوله تعالى: ﴿وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ كان بعضهم عند قراءة هذا المحل [يصيح*] ويقول: والله ما سلموا، وهذه [قَلقَةٌ*] لكن مراده صحيح، لأن معنى سالمون متمكنون من الإتيان بالتكليف حتى لَا عذر لهم، ومعنى قول القائل: ما سلموا، أي أن اللَّه علم أنهم لَا يؤمنون ولا [يهتدون*]، فهو من باب التكليف بما علم الله أنه لَا يقع، ولو لم يكن هذا مراده، [لكان*] كفرا لمخالفته صريح الآية، فحاصله عدم [اتحاد*] المثبت في (سالمون) والمنفي في ["ما سلموا"*]. قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ قيل: يؤخذ منه جواز إطلاق مثل هذا من غير توقف - على مقابله؛ كـ[(مَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ) *] أجيب: بأن القرينة السياقية كاللفظية. قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ الحكم هنا القضاء الذي هو صفة [فعل*] الخطاب المتعلق بأفعال المكلفين. قوله تعالى: (وَهُوَ مَكظُومٌ). كون الحال جملة، وهو أبلغ من كونها مفردا، لأن في الجملة إسنادين:

القلم 68:50

أحدهما: المحمول، والثاني: ضميره العائد على الموضوع، والموضوع مسند أيضا إلى صاحب الحال، ففيه التقوية، وزيادة الاعتناء ثلاث مرات، وذلك مفقود فيما إذا كانت مفردة. قوله تعالى: ﴿فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ إن قلت: القصد بذكر المشبه به الذي [هو*] حال صاحب الحوت للمشبه، وهو النبي ﷺ التنفير عن الاتصاف بحالته التي هو فيها [مملوء غيظا*]، وهذه الأوصاف لَا مدخل لها في التنفير، بل ربما يفهم منه نقيضه، فما وجه إردافها لحالة التنفير؟ فالجواب: أنه نفي لما يتوهم من [جعْلِ*] قدرٍ مناسبٍ للأنبياء من هذه الحالة من الغضب [يوجب*] نقصًا فيهم. * * *

الحاقة 69:1

سُورَةُ الْحَاقَّةِ فسر الزمخشري (الْحَاقَّةُ (١).. بثلاثة تفاسير: الأولان: حقيقة، والثالث: مجاز. قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (٤)﴾ القارعة من أسماء القيامة، ويرد في الآية [ما*] يذكره البيانيون في حسن الائتلاف، وهو أن الذي يقتضيه حسن الائتلاف، كذبت ثمود وعاد بالحاقة، والجواب من وجهين: الأول: أتى أولا بلفظ الحاقة دليلا على ثبوتها، [وتقرير*] حقيقتها في النفوس ثم عقب ذلك بلفظ القارعة الدالة على ما اشتملت عليه من الأهوال والقوارع والزواجر. الثاني: وصفها أولا فيما يرجع إلى حالها في نفسها، وهو كونها حقا ثابتا، وذكر ثالثا: حالها باعتبار صفتها، ولا شك أن حكم الذات متقدم [على*] حكم صفتها، فذكر أولا حكمها في ذاتها، ثم حكمها في صفتها. قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ﴾ لم يقل: سلطها عليهم لما يقتضي لفظ التسخير من سيرها على حكم الله تعالى. قوله تعالى: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ). اختلفوا في مسمى [اليوم*]، هل هو النهار أو مجموع الدورة، ووقع في كتاب العتق الثاني من المدونة ما يدل على أنه النهار، فيمن قال لعبده: إن أديت اليوم مائة دينار فأنت حر، [فمضى*] اليوم، ولم يؤد إليه شيئا فلابد من التَّلَوُّمِ له، وهذه الآية تدل على أنه النهار؛ لذكره في مقابلة الليل، فلو كان في اللغة [مجموع*] الدورة للزم هنا في إطلاقه على النهار، إما الاشتراك أو المجاز، وكلاهما مرجوح، لأن الأصل في الإطلاق الحقيقة، وروى ابن عطية عن ابن عباس: لم ينزل من السماء [قطرة ماء إلا*] بمكيال [على يد ملك*]، ولا هبت ريح إلا كذلك، إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإِن الله أذن لهما في الخروج من غير إذن الخزان، وقال الزمخشري: روي عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وذكر مثل ما تقدم، قال: فإن الريح [عتت*] على الخزان، فلم يكن لهم عليها سبيل، وكذلك الماء يوم نوح انتهى، فإن قلت: ابن رشد ذكر في جامع البيان أن الله تعالى ما أرسل على قوم عاد من الريح إلا مقدار الخاتم، فتراه أرسل عليهم بمقدار، فكيف يفهم ذلك مع قال المفسرون هنا؟ فالجواب: أنه فتح لها مقدار الخاتم ولا يدري مقدار ما يخرج، إلا الله عز وجل فهي تخرج بلا كيل، وفي العتبية سئل: هل

الحاقة 69:8

تكره الحجامة والاطلاء يوم الأربعاء ويوم السبت، لأن [الحسوم*] على هؤلاء دخلت بالأربعاء، فقال: لَا أرى بذلك بأسا. قوله تعالى: (حُسُومًا). أعربوه حالا مع أنه من المضاف إليه، لما تنزل المضاف منزلته صح وقوعه منه نحو (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا)، إذ مثل [الحمار حمار*]. قوله تعالى: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾ استفهام في معنى النفي، أي أهلك جميعهم، فلم يبق لهم شيء، فإِن قلت: قد قيل: إن هذه [... ] العادية التي عند قرطاجنة من بنائهم، وقد أخبر بذلك سيدي محمد نفع الله به في كتاب كراماته، أنه التقى عند المعلقة بالخضر عليه السلام، فأخبره بذلك وبأشياء من أمورها غير واحدة، قلت: المعنى أنهم لم تهلك منهم إلا الكفار، [فاستؤصلوا*] ولم يبق منهم، قال تعالى (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَبْلَهُ... (٩)﴾ هذا العطف يدل على أن الواو ليست للترتيب، لأن مجيء فرعون متأخر عن مجيء (مَنْ قَبْلَهُ)، إلا أن يقال: أنه ترتيب في اللفظ، [قال الفخر: قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَعَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ*]، (وَمَنْ قِبَلِهِ) والباقون (وَمَنْ قَبْلَهُ)، ولم يحك أبو عمر المدائني هذه القراءة عن عاصم، وسئل شيخنا ابن عرفة: هل السبع متواتر أو لَا، فقال: أما مصحف عثمان فلا خلاف أنه متواتر، وعثمان لم يضع غير الأحرف فقط، وأما الشكل والنقط فلم يضعه، وكان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أقرأ النَّاس بقراءات كثيرة، أنزل بها القرآن، فبعضهم نقل عنه قراءة، وبعضهم نقل عنه أخرى؛ كما في حديث حكيم بن حزام، أنه قرأ سورة الفرقان على غير ما كان عمر يقرأها، فاختلفا حتى قال لهما النبي صلى الله عليه وسلم: "إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه"، فنسخ منه عثمان رضي الله عنه سبع نسخ، وقيل: ست، وقيل: أربع، وبعث لكل قطر نسخة، وحرَّق ما خالفها لَا لكونه باطلا، بل لكونه غير مجمع عليه، ففي الشواذ ما هو صحيح لكنه غير مجمع عليه، كما أن في الأحاديث الصحاح ما ليس في كتاب مسلم والبخاري، فلما مر كل مصحف لقطر قرأها أهل ذلك القطر بتلك الأحرف، وقرءوا فيما يرجع إلى [التزام الضبط*]، كالمد [والقصر*] والإمالة والترقيق والتفخيم بما رواه بعضهم عن [بعضٍ*] بالسند الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما وقع في السبع من

الحاقة 69:10

زيادة الأحرف كقراءة [من سوى*] نافع وابن عامر (وَسَارِعُوا) بالواو، وقراءة ابن كثير (مِنْ تَحْتِهَا) في براءة، بزيادة (مِنْ)، وقراءة نافع وابن عامر في سورة الحديد (وَاللَّهُ الغنِي) بحذف [هو*]، [والباقون بزيادتها*]، فهو من اختلاف نسخ عثمان فثبتت من في المصحف المنفي دون ما عداه، [وأثبتها*] هو فيما عدا المصحف الثامن [ووجه الجمع*] أن عثمان أسقطها [قصدا*]؛ لكونه صح عنده إثباتها [وإسقاطها*]، واختلف النَّاس في القراءات السبعة بعد اتفاقهم على ما في مصحف عثمان على أربعة أقوال: الأول: أن الضبط والأداء بنية النطق من إعراب وإمالة ووقف وما يرجع [لإفادة*] الكلام في [ذاته*] [كـ (مَلِكِ)، [و (مَالِكِ)، (يَخْدَعُونَ) *] و (يُخَادِعُونَ) ظاهر نقل الإبياري في شرح البرهان عن الداوودي، أنها غير متواترة باعتبار الأمرين معا، وحكاه مكي في الكشف، وظاهر كلام ابن الحاجب: أنه لَا خلاف في تواتر مثل قراءة (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، و (مَلِكِ). الثاني: إنها متواترة باعتبار الأمرين مطلقا، نقله الإبياري عن إمام الحرمين أبي المعالي [القول*] الثالث: إنها متواترة عند القراء فقط، المازري في شرح البرهان الرابع [إن ما*] يرجع [... ] متواترة، وما يرجع [لكيفية*] النطق غير متواترة، قاله ابن العربي في القواصم والعواصم، والإبياري ومن قرأ في الصلاة بقراءة يعقوب فصلاته صحيحة، قاله مكي في الكشف، وكذلك من يقرأ بالشاذ فصلاته صحيحة، وهذا في الشاذ الذي لم يقرأ بواحد القراء السبعة باعتبار إعراب أو إمالة أو نحو ذلك مما يرجع [لكيفية*] النطق بالكلمة مع ثبوتها في مصحف عثمان، وأما الشاذ الذي هو بلفظ غير ثابت في المصحف كقراءة عمر (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فامضوا إلى ذكر الله)، فلا تجوز القراءة [به*] في الصلاة، قال المازري في شرح البرهان اتفاقا، وقال في شرح التلقين تخريج اللخمي عدم إعادة المصلي بها خطأ وزلة، وأما القراءة به في غير الصلاة فالأكثر على منعها، قاله مكي وعياض، اتفق فقهاء بغداد على [استتابة*] [**المبرد] أحد [المقرئين*] بها مع ابن مجاهد بشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وقال ابن عبد البر في التمهيد: روى ابن وهب عن مالك جواز القراءة في غير الصلاة، وكذا قال الإبياري: المشهور من مذهب مالك أنه لَا يقرأ بها، وحكى ابن العربي في القواصم والعواصم ومكي في الكشف: أن يعقوب كان في [السبع*] وأخرج وأدخل [**الكناني]، قيل: برشوة، وقيل: بالإنصاف. قوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا... (١٠)﴾ يدل على أن الفاء للجمع بين الشيئين من غير ترتيب، لأن العصيان واقع مع المجيء لَا بعده، ولا يتوهم في الآية التكرار، لأن [مجيئهم*] بالخاطئة وهو معصيتهم بعدم

الحاقة 69:11

إيمانهم، وعصيانهم الرسول هو عدم تصديقهم بالنبوات، فإن قلت: هلا قيل: رسول الله، [أو رسول*] الجبار فهو أبلغ في التخويف؛ لأن معصية الإنسان لمن يعلم أنه جبار منتقم أدل على [جرأته*] وعدم خوفه، فالجواب: أنه تقرير الفرق بين قولك عصى فلان فلانا فضربه، وبين قولك عصا أباه فضربه، فالثاني أشد؛ لأن ضرب الأب ولده، إنما يكون على شدة المخالفة، وهو في الأكثر يسمح له ويتجاوز عنه، فضربه له دليل على سوء عصيانه ومخالفته إياه. قوله تعالى: ﴿لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ﴾ فيه سؤال تقريره أن [**فوران الماء متأخر عن شرطها واقع بعقبه]، وطغيان الماء مسبوق بفورانه، فالحمل في السفينة بعد طغيان الماء المتأخر عن فورانه، وقال في هود (وَقَدْ أَفْلَحَ)، (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا)، فاقتضت الآية أن الحمل فيها يعقب الفوران، فهو قبل الطغيان لَا بعده، وجوابه: أن الحمل فيها حالة كونها سائرة لقوله تعالى: (فِي الْجَارَيةِ)، والحمل فيها المراد به أوائل الحمل، وهو حالة كونها [واقفة*]، وهو متقدم على حالة سيرها، ابن عطية: قال قتادة: علا الماء على كل شيء خمسة عشرة ذراعا، انتهى، مراده تحديد أقل العلو لَا أكثره، أي [أعلى*] شيء فعلا جبل في الأرض خمسة عشرة ذراعا، وأما أخفض بقعة [في*] الأرض فعلا عليها أكثر من ذلك، وحكى ابن عطية عن منذر أنها سفينة نوح، وعن المهدوي إن معناه في السفن الجارية. انتهى، والأول أصح لوجوه: أحدهما: أن الخطاب لأهل مكة وليس [عندهم نحوه*]. الثاني: قرينة قوله تعالى: (طَغَى الْمَاءُ)، فيدل على أنه زمن الطوفان في مدة نوح. الثالث: أن الجارية لفظ مفرد؛ إلا أن يقال: المراد به الجنس، وفيه بعد، فإن قلت: يلزم على الأول المجاز، أي حملنا إياكم، وعلى الثاني يكون حقيقة، قلت: بل هو حقيقة في الجميع لأنا كنا في ظهر نوح عليه السلام ومن معه. قوله تعالى: ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢)﴾ قيل: التذكر متأخر عن سماع الخبر، فهلا أخر عنه؟ أجيب: بأن التذكر لمن أدرك سفينة نوح وشاهدها، وكان فيها، وسماع الخبر لمن بعد، قيل: لو كان كذلك لقيل: "ليجعلها لهم" بضمير الغيبة؟ أجيب: بأنه لما [اشتمل*] اللفظ على مخاطب

الحاقة 69:17

وغائب، غلب ضمير المخاطب على الغائب، لأنه أبلغ حسبما نصوا عليه، وأورد الزمخشري سؤالين: لأي شيء [أُفردت*] أذن، ولأي شيء نكرت؟ وأجاب [عن*] الأول: بأن فائدة إفرادها الإيذان بأن [الوعاة*] فيهم قلة، فأفردت لتوبيخ النَّاس بقلة من يعي منهم، وعلل الثاني: بأنها نكرت للدلالة على أن الأذن الواحدة إذا [وعت وعقلت*] عن الله فهي السواد الأعظم، فنكرت للتعظيم. قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا﴾ قال الزمخشري: الملك أعم من الملائكة، واستدل بالنفي كقولك: ما من ملك إلا وهو شاهد، هو أعم من قولك: [ما من ملائكة*]، أبو حيان: لَا نسلم أعميته، بل هما متساويان؛ كما أشار إليه ابن الحاجب في باب العموم في الجمع المنكر انتهى، وهم الزمخشري، لأنه لَا يلزم من [أعمية*] النفي نقيضه، وهو الثبوت، والملك في الآية في ظرف الثبوت، لأن نقيض الأعم أخص من نقيض الأخص، ونقيض الأخص من نقيض الأعم. قوله تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ﴾ ابن عطية: الظن بمعنى اليقين، الزمخشري: بمعنى العلم، القرطبي: على بابه أي ظننت أن الله تعالى سيحاسبني ويعذبني، ولم أتحقق أنه يغفر لي انتهى، ويحتمل [أنه*] على بابه، كما تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: (يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ)، عقبه كما حكى عياض في المدارك عن أبي عبد الله التستري: أنه كان يقول: من أصبح وهو لَا يظن أنه يمسي، أو أمسى وهو يظن لَا يصبح، فليس بمؤمن أو فليس بمتقي، وقرأ حمزة بإسقاط الهاء من (كِتَابِيَهْ)، (مَالِيَهْ) وأثبتها في الباقي، وقرأ الباقي من القراء بإثباتها في الجميع وصلا ووقفا، اقتداء بخط المصحف، ابن عطية: قال الزهراوي: إثبات [الهاء*] في الوصل لحن لَا يجوز. انتهى، كيف يقال فيما ثبت في المصحف أنه لحن هذا لا يصح. قوله تعالى: ﴿دَانِيَةٌ (٢٣)﴾ لما وصفها بالعلو، وشأن المكان العالي أن تكون أشجاره كذلك، فأزال ذلك بأنها مع علوها، [فثمارها*] قريبة التناول سهلة المأخذ. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ الواو لازمة هنا؛ لأنها في التسمية من باب المفاعلة، ولا يصح هنا الفاء ولا غيرها، [والأظهر*] أن (مَن) موصولة، لأن [السالبة لَا تقتضي*] وجود الموضوع.

الحاقة 69:26

قوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦)﴾ إن قلت: لأي شيء عطفه بالواو ولم يعطفه بالفاء المقتضية للتسبب، لأن [إيتاء*] الكتاب سبب في [درايته حسابه*]، وعدمه سبب في عدم درايته حسابه، فالجواب: أنه لو عطف [بالفاء*] مثبتا، كان المتمني [سوى الأول*]، فعطفه بالواو على أنه تمنى كل واحد من الأمرين على حدته. قوله تعالى: ﴿يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧)﴾ إما أن المراد يا ليت الموتة الأولى كانت قاضية عليَّ، فيحتاج إلى تعذر وصفه، أي القاضية الأبدية التي لَا رجوع منها للحياة، وإما أن المراد يا ليت هذه الحالة التي أنا فيها من العذاب كانت تقضي [عليَّ*] [... ] ولا يحتاج في هذا إلى تقرير صفة الأبدية، لأن المعنى [يهدي*] لذلك، فإِن قلت: هذه الآية ترد قول المتكلمين: [الوجود*] خير [كلُّهُ*] والعدم شر [كلُّهُ*]، فإِن هذا قد تمنى العدم، وهو عنده خير من الوجود، فالجواب: أنه إنما تمنى العدم لما نابه من شدة العذاب في وجوده، وقولهم: العدم شر [كلُّهُ*] بالنظر لنفسه فقط؛ لَا لعارض يعرض. قوله تعالى: ﴿هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ﴾ أجاب بعض الشيوخ: الوقف [عَنِّي*] [ويبتدئ*] (سُلْطَانِيَهْ)، (خُذُوهُ) أي يقول [الكافر*]: سلطانيه خذوه، ويخاطب الملائكة فقط، سلطان: المراد به الجنس، ويكون أمرهم [بأخده*] [وهذا*] صحيح في المعنى، لكن فيه تكلف (خُذُوهُ) إن قلت: لأي شيء روعي في آية أهل اليمين لفظ [الجمع*]، [ومعناها تقيد (كُلُوا وَاشرَبُوا)، وهنا رد على لفظها فقط]، فالجواب: أن أهل اليمين المطلوب تكثيرهم فناسب الجمع، وأهل الشمال المطلوب تقليلهم فناسب الإفراد، وإن كانوا باعتبار الوجود أكثر [عددا*]. [(٣٤) *] [وانظر*] هل الحض على إطعام المسكين أعم من إطعامه، أو بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه، لاجتماعهما فيما إذا حض الإنسان نفسه على الإطعام وأطعم، أو هما ضدان، وهو الأظهر كما أن الصواب أن صفة العلم ليست أعم من صفة القدرة، بل هما صفتان متباينتان. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ جعله ابن عطية من باب القلب، أي اسلكوا السلسلة فيه وحده، الزمخشري: على ظاهره، وقال: إن السلسلة تحيط به ويلف فيها، وإطعام الطعام أشق على النفوس من مجرد الحض على إطعامه، [فالذم*] على تركه أشد وأولى من [الذم*] على ترك الأشق

الحاقة 69:38

الذي هو الإطعام وإطعام الطعام مقصد، والحض عليه وسيلة، والذم على ترك المقصد آكد، فإذا [ذموا*] على ترك الوسيلة، فأحرى أن يذموا على ترك المقصد، والوصف بالعظيم، وانظر هل واحد من الأمرين علمه [مستقل*]، فيستفاد منه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أو [**العلة، إنما قد عدم إيمانه]، والآية نزلت في أبي جهل، وليست خاصة به، لأن خصوص السبب لَا يمنع من عموم اللفظ. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ الفاء للتسبيب وتقرير السببية، أنه لما تقدم ذكر من أوتي كتابه بيمينه وفرحه وثوابه، ومن أوتي كتابه بشماله وحسرته وعقابه، وكان ذلك أمرا مغيبا لَا يصدق به إلا من آمن، أتى هنا بفاء السببية؛ إشارة إلى أنه بسبب ذلك وقع القسم على أن القرآن المتضمن لما تقدم قول صادق، ومنهم من جعل النفي لما تقدم، ووجهه أن المنكر للحشر والنشر والحساب، لَا بد أن يأتي بشبهة على مذهبه، وهؤلاء ليست لهم شبهة على تكذيبهم، وينبغي على هذا أن يوقف على قوله: (فلا)، وإن جعلت النفي متعلقا بالقسم، فيكون غير مراد حقيقة، أي هذا الأمر ظاهر بحيث لَا يحتاج إلى القسم عليه، وقرئ [(فلأقسم) *] على أنها لام الابتداء دخلت على فعل القسم. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ إن قلت: هلا قيل: لكلام رسول، لأن الكلام أخص من القول، لانطلاق القول على [المفيد*] وغيره في الاصطلاح؟ فالجواب: أنه إذا قيل هذا في القول المطلق على [المفيد*] وغيره، فأحرى الكلام، فإن قلت: هلا قيل: إنه لقول رسول أمين، [أو*] رسول صادق؟ فالجواب: أنه ليس المراد حقيقة الكلام، بل المعنى لقول رسول موصوف بالخير أو موصوف بالحسن والكمال. قوله تعالى: ﴿قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ فيه سؤال يورد في حسن الائتلاف، وهو ما الحكمة في تخصيص [الأول*] بـ (تؤمنون)، والثاني: [(تَذَكَّرُونَ) *]، وجوابه: أن الشعر لما كان أمرا ظاهرا يدركه كل أحد بفطنته، ويعرف أنه شعر، عبر عنه بالإيمان الذي هو محمود التصديق، ولما كانت الكهانة أمرا خفيا لَا يدرك إلا بفكر وتأمل [قرنها*] بالتذكير. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ تقرر أن (لو) عند النحاة منع فيها الثاني لامتناع الأول، لأن الأول سبب في الثاني، وعند الأصوليين يمتنع فيها الأول لامتناع الثاني، لأن الثاني لابد أن يكون متساويا

الحاقة 69:45

للأول أو أعم منه، ويلزم من نفي الأعم نفي الأخص، ولا ينعكس، وكذلك يلزم منه تقدم المسبب على [سببه*] إذا كان أخص، فإن قلت: هلا أفرد القول، فيقال: لو تقول علينا قولا، لأن العقوبة على الكذب في القول الواحد، تستلزم العقوبة على الكذب في الأقوال المتعددة من باب أحرى، فالجواب: أن القول تارة يكون مشتملا على جملة [واحدٌ*] مدلُولها، وتارة يشتمل على جمل بعضها صدق، وبعضها كذب، فتضمنت هذه الآية أنه لو تكلم بأقاويل تقول علينا في بعضها، وصدق في البعض، [لنلنا منه عقابه*] بالعقوبة الشديدة، فيستلزم من باب أحرى مخاطبته بالعقوبة، [لو تكلم بقول واحد كله كذب*]. قوله تعالى: ﴿لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥)﴾ استدل بعضهم بهذه على أن الفاء في جواب الشرط لتأكيد التعقيب، فضلا عن أن تكون للتعقيب، حسبما ذكر الأصوليون والفقهاء الخلاف في قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ)، وتقرير الدليل من هذه الآية، أَن جواب الشرط فيها لو لم يفهم على [أنه*] عقيب الشرط لما صح الاحتجاج على الكفار، لأنهم يقولون: تقوَّل، وعقوبته مؤخرة، وليست عاجلة في الدنيا، فلا يستقيم الاستدلال عليهم بهذا، فلولا أن جواب الشرط بذاته يقتضي التعقيب من غير احتياج إلى إدخال [العاقبة*] لما استقام هذا دليلا على الكافرين، فدخول الفاء مؤكدة للتعقيب، ويستحيل أن يكون الفاء غير مفيدة للتعقيب، لأنه يناقض معنى ملزومية الشرط لجوابه [... ]. بأن ذلك الاختلاف [**إنما موجب يكون جواب] الشرط أو نهيا، وأما إذا كان جوابه خبرا، فلا خلاف فيه، أو يقال إن التعقيب هنا مستفاد من القرينة لَا من نفس اللفظ، لكن يقال: الأصل عدم القرينة، قال القرطبي: يحتمل أن [يريد*] باليمين القوة، و (من) زائدة، أي [لأخذناه*] بالقوة، وحكى هذا في غاية الضعف، لأن (من) لَا تزاد في الواجب. قوله تعالى: ﴿فَمَا مِنْكُمْ﴾ إن قلت: [هلا عطفه بالإفراد كالأول*]؟ فالجواب: أن النصرة مهما تصورت، فلا تكون إلا من الجماعة عقب نزول البلاء، وإن تراخت [عنه*] وأبطأت، فلا فائدة فيها [**والقيام صح]. قوله تعالى: (حَاجِزِينَ).

الحاقة 69:48

مراعاة لمعنى (مِنْ أَحَدٍ) إشارة إلى أن الواحد لَا تعد منه النصرة، [وإن انتفت*] النصرة عمن هو في مظنة أن يقدر عليها، فأحرى أن [تنتفي عمن*] لَا يقدر عليها، فإن قلت: لم قال: (مِنْكُمْ)، والخطاب للكفار وليسوا بصدد أن ينصروه؟ فالجواب: أن فيهم أقاربه، كأبي طالب ونظائر له كانوا يناضلون مع كفرهم به، واحتج بهذا ابن عصفور في شرح الجمل الكبير على جواز تقديم خبر إن على اسمها، إذا كان ظرفا أو مجرورا، لأنه قدم هنا معمول الخبر على الاسم، مع أنه ليس باسم لـ (ما) ولا خبر لها، وقد منعوا كان طعامك زيدا [... ] كان ما ليس باسم لها، ولا خبر فإذا [جاز*] ذلك فأحرى في (إن). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ أي إن النَّاس نظروا فيه، فالمتقون تذكروا واعتبروا، والآخرون نظروا فلم يتذكروا أو لم يعتبروا بوجه. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ إن [كان*] الخطاب للكفار، فـ (مِن) لبيان الجنس، وليس هو إخبار بالمعلوم، لأنه على جهة التهديد والوعيد، وإن كان الخطاب لعموم النَّاس، فالمراد من سيكذب منهم في المستقبل. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ﴾ القرطبي: يحتمل أن يعود الضمير على (حسرة) باعتبار معناها، وهو [التكذيب*] المفهوم منها، لأنه مذكر. قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ... (٥٢)﴾ الفاء للتسبيب، وقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: لما نزلت "اجعلوها في ركوعكم"، أي اجعلوا مدلولها. * * *

المعارج 70:1

سُورَةُ الْمَعَارِجِ قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [ذكر*] ابن عطية القراءة [بتسهيل*] الهمزة، وهي قراءة نافع وابن عامر، (سَأَلَ)، ساكنة الألف، قال بعضهم: هي سال بالهمزة إلا أنها سهلة، وهي لغة مشهورة حكاها سيبويه، فالألف منقلبة عن واو، وأما قول الشاعر: سَالَتْ هذيلٌ رَسُولَ اللَّهِ فاحِشَةً؍ ضَلَّتْ هذيلٌ بِمَا سالَتْ وَلَم تُصِبِ؍ فقال سيبويه: هو على تسهيل الهمزة، وقال غيره: [على*] لغة من قال: سألت، ونقل ابن هشام في شرح الإيضاح في باب زيادة الهمزة عن سيبويه عكس هذا سواء، وجعله مثل أولج يولج، فإنه [مولج*]، وقرئ (سَألَ سَائِل)، بغير همز وحملوه على وجهين: إما أنه من السؤال أو من السيلان، وعلى هذا يكون من مجاز [المجاورة*]، واستدل بعضهم بالآية على صحة تنكير الفاعل. قوله تعالى: ﴿خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ وفي سِورة السجدة (أَلْفَ سَنَةٍ)، وفي الحج (وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ)، والجواب: أنها مواطن فهو [لأقوام*] في غاية الشدة والآخرين دون ذلك، وأجاب القرطبي: أن العروج هنا من قعر الأرض [السابعة*] وسطح الأرض، فيلزم على هذا أن يكون بين سطح الأرض والعرش مسيرة ألف سنة، وبين قعر الأرض السابعة وسطحها تسعة وأربعون ألف سنة، وهذا باطل [بالبديهة*]، ولا يفرق باعتبار المنتهي، لأن منتهي المسافة غير معين في الجميع، فلا تناقش، وكون العروج من قعر الأرض السابعة، كما قال مجاهد: [يصعب*] لأنها غير [معهودة*]، وهم إنما يعرجون بأعمال العباد أو [بأرواحهم*]، ابن عطية: قيل: المراد في يوم من أيامكم هذه، ومقدار المسافة أن لو [عرجها*] إذ هي خمسون ألف سنة من أيامكم، وقيل: المراد في يوم من أيامكم كان مقداره في نفسه ألف سنة من أيامكم انتهى، التأويل [الأول*] ظاهر، وأما الثاني فيستحيل فيه حمل اليوم على خمسين ألف سنة [حقيقة*]، ولا بد أن يراد به مطلق الزمان؛ لاستحالة مساواة الجزء للكل في القدر، ابن عطية: وقال عكرمة: أراد هذه الدنيا مقدارها خمسون ألف سنة، لَا يدري أحد ما مضى منها، ولا ما بقي انتهى، كذا ذكر المسعودي والمؤرخون، وذكر المنجمون وغيرهم، أن مقدارها سبعة آلاف [وخمسون*] ألف سنة، وهو ظاهر قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أجمعين: "ما من رجل لَا يؤدي زكاة ماله إلا جعل ماله له عقارب من

المعارج 70:11

نار يكوى بها جبهته وظهره وجنباه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة". انتهى، إن أراد أن هذا هو ظاهر لفظ اليوم، فلا حاجة إلى استدلاله بالحديث على الآية، وإن أراد أن هذا هو الذي يتأول عليه، [وفهم*] مدلوله ومعناه عليه، فكما [يتأويله*] في الآية، فكذلك يتأوله في الحديث، وعبر بالسَّنَة دون العام؛ لخروج الآية مخرج التخويف، فإِن قلت: ما فائدة (كان)، وهلا قيل: في يوم مقداره خمسين ألف سنة، فالجواب من وجهين: الأول: المعنى جعله الله في الأزل قدر خمسين ألف سنة، الثاني: الماضي محقق الوقوع، فالمراد أن هذا اليوم ثبت تقديره بذلك، واستقر بحيث لَا يتوهم فيه تغيير ولا نقص ولا تبديل، كما أن قول الصادق منا: قام زيد محقق الوقوع، بخلاف قوله: يقوم زيد، فإنه قد يبدأ له، أو يمنعه منه مانع. قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي﴾ من التمني في المستحيل الوقوع والممكن الوقوع، والترجي لَا يكون إلا في الممكن، والمحبة إلى الترجي أقرب، فهل الود راجع إلى معنى التمني أو المحبة، والظاهر الثاني، [فلَا يقال*] فيما يستحيل وقوعه ود فلان كذا، فإن قلت: قد قاله هؤلاء؟ قلت: هذا مستحيل في نفس الأمر، وهو في [اعتقادهم*] جائز ممكن غير مستحيل، و (لو) إن كانت بمعنى (إن)، فالمعنى يود المجرم الافتداء من العذاب ببنيه، وإن [كانت*] شرطية فالود متعلق بملازمته الشرط للجواب، أعني أنه متعلق بتقدير الافتداء، أي [يود المجرم تقديرا*] أنه يفتدي ويقبل منه الفداء، أعني يود أن يكون ذلك جائزا ممكنا، فهو أدق من الأول، لأنه على الأول يكون الافتداء غير واقع، وهذا الترتيب يمكن أن يكون متدليا، وأن يكون [ترقيا*]، فتقدير التدلي أن البنين أحظى وأحظ للنفس، والزوجة أحب من الأخ، بدليل جواز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا بخلاف زوجته، [وينفرد*] أيضا بأن الابن أقرب من غيره، بدليل منع الأب من التصرف في ماله، وإذا سرق الأب من مال ولده لَا يقطع، فحكم الأب على ابنه أقوى من زوجته، والزوجة تليه بدليل [أنه لا يملك*] التصرف فيما زاد على الثلث من مالها إلا بإذن زوجها، والأخ بعد ذلك لأنه ليس لأخيه عليه حكم، لكن هذا تقرير فقهي، وهذه الأمور إنما تجري على الأحكام اللغوية أو العرفية، وتقريره أنه ترقٍّ من وجهين: الأول: أنه اعتبر المعطوف والمعطوف عليه جملة، فجعل أنه يود أن يفتدي من عذاب [يومئذ*] ببنيه فقط، أو يفتدي عوضا عن ذلك مجموع صاحبته وأخيه وفصيلته، وهو أشرف من الأبناء؛ باعتبار الكثرة والتعدد، أو يود أنه يفتدي من العذاب ببنيه والزوجة،

المعارج 70:15

ثم يود أن يفتدي من ذلك بالأخ والفصيلة، وهو الأكثر من الأولين فهو أقوى في الحظوة. الوجه الثاني: أنه ترق باعتبار المحبة وتعلق النفس لقولهم: من أحب شيئا استكثر منه، فالإنسان ما يستحضر في ذهنه إلا من يحب [عند*] نزول البلاء، إنما يود الفداء بمن دونهم في المحبة، ثم بمن دونهم، فإن قلت: إنما جرت عادة العرب، أن يفتدوا آبائهم وأمهاتهم يقولون، كما في الحديث: بأبي أنت وأمي، قلت: [هذا*] بالعرف، وهذا باعتبار الحقيقة. قوله تعالى: ﴿كَلَّا... (١٥)﴾ قال الغزالي: لم تقع في القرآن إلا في النصف الثاني، والحكمة في ذلك أن الأول [أكثره*] مدني، والزجر في المدينة إنما كان بالسيف، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ)، (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ)، (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً)، والنصف الثاني: أكثره مكي، والزجر في الحكمة إنما كان بالقول. قوله تعالى: (إِنَّهَا لَظَى). قال بعضهم: هذا يدل على جواز عود الضمير على ما بعده لموافقة الاسم في الخبر للتأنيث. قوله تعالى: ﴿مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ﴾ يحتمل أن يكون العطف تأسيسا، ويكون المراد بمن (أدبر) من لم يزل كافرا وبـ (تولى) المرتد، أو المراد بمن (أدبر) الكافر، وبمن (تولى) المنافق، لأن أقبل على الإيمان بظاهره، وتولى عنه بباطنه، وكان القاضي أبو علي عمر بن الربيع يقول: إن (كلا) هنا ليست للزجر، لأن الزجر إنما يصلح، حيث يمكن الانزجار إلا أن لَا يكون الزجر على حقيقته، بل على سبيل التبكيت عليهم، قال شيخنا: بل هي للزجر، وتظهر فائدته في الدنيا، لأنهم إذا سمعوا هذه الآية قد ينزجر بعضهم عن كفره ومخالفته، فينجوا من العذاب. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾.. الزمخشري: المعنى [إن الإنسان لإيثاره*] الجزع والمنع وتمكنهما منه، [ورسوخهما فيه،*] صار كأنه مجبول عليهما [مطبوع*]، وكأنه أمر خلقي [وضروري*] غير اختياري، [كقوله تعالى (خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ) والدليل عليه أنه حين كان في البطن والمهد لم يكن به هلع، ولأنه ذمّ والله لا يذمّ فعله،*] انتهى، هذا من الكلام الموجه، فالمعتزلي يعني به أن الله لَا يخلق القبيح الموصوف بالذم،

المعارج 70:26

فيقول: لَا يذم فعله ونحن نحمله على أنه يخلق الخير والشر؛ [لكننا لا نصف*] فعله بالذم عقلا، بل الكل في حقه حسن، والعقل لَا يحسن ولا يقبح، وإنَّمَا الحسن ما حسَّنه الشرع والقبيح ما قبَّحه [الشرع*]، فإن قلت: يؤخذ من الآية أن الملائكة أفضل من البشر، لأن من خلق غير هلوع أفضل؟ قلت: إنما يصح هذا [لو كان التفضيل عندنا عقلا صحّ ما قلتَ؛ وإنما هو شرعي، ولا امتناعَ من خلقه هلوعا وضعيفا ومن عجَل، مع تشريفه!؛ لأن اللَّه تعالى يفعل ما يشَاء ويحكم ما يريد*]. قوله تعالى: (الَّذِينَ). الأظهر أن هذا من عطف الصفات لَا من عطف الموصوفات لسعة رحمة الله تعالى. قوله تعالى: ﴿يُصَدِّقُونَ... (٢٦)﴾ عبر بالفعل المضارع لتجرد تصديقهم مهما ورد عليهم خبر من أخبار يوم الدين، والإيمان أعم عندنا من التصديق لأنه أخص، لأن المعاد مستفاد من السمع لَا من العقل، فإن قلت: كلام ابن الحاجب في احتجاجه لأهل السنة على المعتزلة يقتضي أن التصديق عندهم هو الإيمان؟ قلت: نص ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية على أن التصديق من عوارض الخبر، وذكر المتكلمون في الإيمان بوجود الصانع ووحدانيته، هل [يدرك بالسمع*] أو الدليل البرهاني العقلي، وهو الصحيح فمن وحد الله مؤمن مع أنه لم يسمع من أحد دليلا على ذلك، فصدقه؛ بل علمه بدليل عقلي ظهر له، فإن قلت: صدق الدليل البرهاني، وقلت: لَا يسمى ذلك تصديقا، فإن قلت: قد قسم المنطقيون العلم إلى تصور وإلى تصديق، [**فترى] التصديق على نفس العلم بالشيء من غير سماع خبر، قلت: هذا كاصطلاح هؤلاء وما كلامنا إلا في اصطلاح أهل علم الكلام، وقول الزمخشري: يصدقون بيوم الدين تصديقا بأعمالهم واستعدادهم له إشارة إلى مذهبه ولا ينافى مذهبنا نحن. قوله تعالى: ﴿مُشْفِقُونَ (٢٧)﴾ عبر هنا بالاسم إشارة إلى أنهم مهما سمعوا وعظا وزجرا ثبت لهم الخوف دائما من غير زوال ولا انتقال، وذكر أبو طالب في القوت هنا كلاما [خَلِقًا*] لَا ينبغي، وحاصله أن صنفا من الملائكة حصل لهم كمال الخشية، بحيث لَا يعتقدون أنهم ينجوا من العذاب، والذي يجب اعتقاده أن الملائكة معصومون. قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾

المعارج 70:29

نزوله بمن اتصف بنقيض تلك، وهو جار مجرى التعليل للإشفاق، والعطف في هذين ترق، لأنه باعتبار الكسب العلمي، وما قبله باعتبار الكسب العملي. قوله تعالى: ﴿لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [... ]. قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ الظاهر أن (أو) للتخيير لَا [للتفصيل*]، فلا يكون حجة لوجوب نكاح الحرة مع الأمة، ولو كانت [للتفصيل*] لما جاز نكاح الأمة إلا لمن يجده، ولا للحرة؛ فإِن قلت: (أو) التي للتخيير لَا يجوز الجمع [فيها*] بين الشيئين المتأخر فيهما، وهنا يجوز الجمع بين الحرة والأمة، قلت: لَا يجوز الجمع هنا بين النكاح وبين [ملك*] اليمين والذات الواحدة، فلا تكون الأمة والحرة [... ] واحدة في حالة واحدة، والتخيير [المتضمن*] لعدم جواز الجمع في [المطلق*]، والمطلق يصدق بصورة فيكفي فيه صدقه في هذه، وإن كان لَا يصدق في الجميع، وذكر [ابن ناجي*] في شرح الجلاب كلاما استنبطه من هذه الآية، يتضمن جواز وطء الذكور بملك اليمين لَا يحل نقله. قوله تعالى: (إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِم). يدل على أن الاستثناء من الإثبات نفي، وهما مسألتان، أما الاستثناء من النفي قولان: قيل: نفي، وقيل: إثبات، وأما الاستثناء من الإثبات فالأكثرون يحكون فيه الاتفاق، وكذا ابن الحاجب، لأنه قال: الاستثناء من الإثبات نفي، وبالعكس خلاف للحنفية، فحمله الشراح على أن خلاف الحنفية في الأخير فقط، وقال القرافي: سألت عنها علماء الحنفية في زماننا، فقالوا: إن الخلاف فيه عندهم ثابت، وحكى أيضا [الآبذي*] في شرح الجزولية فيه الخلاف، فإِن قلت: فعلى مذهب الأكثرين أنه نفي ما فائدة قوله (غَيْرُ مَلُومِينَ)، قلت: [فائدته*] إما التأكيد، وإما التنبيه على أن [الاستثناءات*] المتقدمة ليست واجبة، بل جائزة. قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَىٰ﴾ ظاهره أن الإنسان يأثم بمجرد قصده، لكن يكون هذا قصدا صمم عليه. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٣٢)﴾ الأمانات: الودائع، يحفظونها ويحوطون عليها، والعهد: هو الميثاق، أي تارة يأتمنون ولا يستحلفون [فيؤدون*] الأمانة، وتارة يؤتمنون ويستحلفون فيحلفون على

المعارج 70:33

الوفاء بها والتحوط عليها، فيفون بذلك، فإِن قلت: وعلى هذا يكون عطف (وعهدهم) ترقيا، لأن العهد في الأشياء [المشقة*]، والأمانة المجردة في الأشياء الخفيفة، قلت: بل هو بدل؛ لأنهم إذ أوفوا مع عدم الاستحلاف، فأحرى مع الاستحلاف. قوله تعالى: ﴿بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ المراد تحملها على وجهها من غير تحريف فيها ولا نقصان ولا زيادة، فلا يشهد إلا بما يستشهد عليه، واحتج بها بعضهم على وجوب [الإدلاء*] والظاهر الأول. قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الفاء للتسبيب، وتقريره أنه لما تضمن الكلام السابق أن الجنات والنعيم لمن اتصف بالصفات المذكورة، هي أخص من الإيمان وأبلغ، ودل ذلك بمفهومه على أن من حصل مجرد الإيمان ولم يتصف بتلك الصفات لَا ينال ذلك النعيم ولا تلك الجنات، وكان الكفار طامعين بالجنة، أتى بفاء السبب، أي كيف يطمعون فيها والمؤمنون [الذين*] لم يحصلوا تلك الصفات، ليسوا على وثوق من دخولها. قوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ﴾ أي عن يمينك وشمالك، أو عن يمين كل واحد منهم وشماله. قوله تعالى: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ لم يقل: [أيطمعون*]؛ لئلا يتوهم أن الطمع إنما هو لردٍّ ما بهم، ومن له قرابة بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن قلت: إنما تعلق طمعهم بالجنة المقدرة الوجود لا بالجنة من حيث كونهم أثبتوها، لأنهم لم يقروا بوجودها، فهلا قيل: أيدخل جنة نعيم، إن كان ثم جنة؟ فالجواب: أنه رد عليهم، وإثبات للجنة، وتحقيق لوجودها. قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ﴾ النفي هنا كما تقدم [في قوله [(فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ) *] أنه لما راجع لما قبله أو نفي القسم، وهو الظاهر ويتأكد هنا؛ لأن المقسم عليه أوضح من الأول، بحيث لا يتصور فيه مخالف، لأن قدرة الله تعالى على هلاكهم وإيجاد غيرهم أمر [مشاهد*] مألوف غير مستغرب، [فإنا*] نجد الملوك والجبابرة الظالمين يهلكون، ويأتي خير منهم؛ بخلاف كون ذلك القول قول رسول كريم، فإنه لَا يعلمه ويقر به إلا المؤمنون، وأما الكافرون فإنهم يخالفون فيه. قوله تعالى: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ).

المعارج 70:41

جمع المشارق، لأن مشارق الشمس والقمر متعددة لهما في كل يوم مشرق، وكذا سائر الكواكب لكل منها في [كل*] يوم مشرق لَا يطلع منه إلا في مثله من عام آخر وفي سورة المزمل (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)، وفي الرحمن (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) والتثنية باعتبار مبتدأ المشرق في الصيف ومنتهاه في الشتاء، والإفراد إما على إرادة المبدأ أو المنتهى، وهو أصوب، لأن منتهاه غايته، وغايته تدل على أن له مبتدأ، فإِن قلت: هلا قال: فلا أقسم بمقدر المشارق أو خالقها؟ فالجواب: أنه عبر بلفظ الرب ليفيد نعمة الامتنان والرحمة في إحياء النبات والحيوان بانتقال الشمس في المشارق كل يوم، ليعم النفع بها كل قطر وإقليم. قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ أي لَا يسبقنا أحد لذلك، فإن قلت: تنفي المساواة، قلت: هي منفية بالدليل العقلي، لئلا يلزم عليه وجود مؤثر واحد بين مؤثرين، أعني مقدورين قادرين، فإن قلت: يكون الثاني معينا للأول، قلت: قد تقرر إبطال هذا في قول من فسر الكتب بأنه فعل فاعل [معين*]. قوله (حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ؍ (٤٢).. ، غاية للخوض لَا للترك.؍ قوله (يَوْمَ يَخْرُجُونَ... (٤٣).. يحتمل أن يكون على حذف حرف العطف، مثل كيف أصبحت؟ كيف أمسيت؟ [... ] إلى نصب الأولى تفسيره الخير؛ لأنه لا [يسرع*] أحد إلى الشر. * * *

نوح 71:1

سُورَةُ نُوحٍ - عَلَيهِ السَّلَامُ - [إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١) *] رسالة نُوحٍ - عَلَيهِ السَّلَامُ -[مقصورة*] على قومه، ومن قال بعمومها فهي للإنس فقط، وأما الرسالة [العامة*] فخاصة بنبينا صلى الله عليه وسلم، والفرق بينهما أيضا أن رسالة نُوحٍ - عَلَيهِ السَّلَامُ - أتت لجميع أهل زمانه دون من بعدهم، ونبينا ﷺ لَا تزال شريعته ورسالته إلى يوم قيام الساعة، [ولابن المنير*] في أول شرح البخاري عن [**هذا الجزية آخر، وكذا لابن أبي بجرة] في أول ترجمة البخاري، وأما آدم على نبينا وعليه السلام فأرسل لذريته خاصة بعد نزوله من الجنة، وإن تأكيد الإرسال [تنبيه*] على أنه أمر معهود وعادة مستمرة، والإنذار أخص من الموعظة، وأوقع الظاهر موقع المظهر، والأصل أن أنذرهم؛ لأنه حكاية للكلام الذي خوطبوا به وليس فيه مضمر، وأدخل (مِن) لابتداء الغاية إشارة إلى تأكيد الوعظ والإنذار والمبادرة به في أول [أزمنته*] القبلية، وقال (يَأْتِيَهُم) ولم يقل: ينزل بهم، إما إشارة إلى أنه يقصدهم وينزل بسببهم، أو أنه يأتيهم من كل الجهات، ويؤخذ من الآية ثبوت التعذيب قبل البعثة إذ المعنى: من قبل أن يأتيهم عذاب، [قبل*] الإنذار. [أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) *] العبادة هي النطق، فكلمة التوحيد الإيمان بالرسول، والطاعة اتباعه في الفرائض وأحكام الشريعة، وقيل: إن العطف تأكيد. قوله تعالى: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ... (٤)﴾ (مِنْ) يحتمل أن يكون للغاية أي للابتداء أو الانتهاء، وقول ابن عطية: هي للتبعيض، والمراد يغفر لكم من ذنوبكم وهو المهم الموبق الكبير؛ لأنهم أبهم عليهم بأنه لو غفرت الكبائر لغفرت الصغائر، فيلزم إما أن يغفر الكبائر فيغفر الصغائر من أجل ذلك، أو يغفر الجميع من أصل فلا تكون للتبعيض، وقيل: يغفر لهم ما مضى؛ لأن التوبة تجبُّ ما قبلها، ويبقى ما يأتي [ماصدق*] التبعيض، والمراد يغفر لكم. قوله تعالى: (إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ). ابن عطية: احتج بها المعتزلة في قولهم في المقتول: أن له أجلين وأنه مات قبل أجله، انتهى. تقرير حجتهم لو لم يكن أجل المقتول متعددا لما استقام نفي التأخير عنه، واللازم باطل فالملزوم مثله، بيان الملازمة أن التقدم والتأخر أمر نسبي، والأمور النسبية لَا تعقل إلا [بعد تعقل طرفيها*]، والجواب إما منع الملازمة وهو أن نقول الأصل متحد في علم الله ومتعدد في علمنا، نحن ما سمعنا دعاء [يصح*] له أجل واحد عند الله تعالى لا

نوح 71:5

يتقدم عنه ولا يتأخر، وأجلان في فهمنا نحن واعتقادنا يصح تقدمه على أحدهما وتأخره عنه، فإن قلت: كيف يتقرر معنى الآية وهو من تحصيل الحاصل كأنه قيل إذا جاء جاء؟ فالجواب أن الضمير عائد على الشخص المؤخر إلى الأجل المسمى، أي إن أجل الله إذا جاء لَا يؤخر صاحبه، أو يكون المراد بمجيء الأجل مقاربة مجيئه؛ لأن الأجل هنا المراد به إهلاكهم بالعذاب. أي إذا صار إهلاكهم بالعذاب لَا يؤخرون عنه كما جرى لقوم يونس لما رأوا العذاب آمنوا فكشف عنهم. قوله تعالى: (لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ). جوابها مقدر أي لعبدتم الله وآمنتم واتقيتموه. قوله تعالى: ﴿لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ والمراد الدوام المادي لَا العقلي، قال ابن رشد: فيمن [حلف*] أن لَا يفارق دار الحاكم مع عزيمة ليلا ولا نهارا، أنه [لا*] يلزمه المقام إلا وقت الحكم فقط، والعقلي كقولك: الإنسان حيوان ليلا ونهارا، فإن قلت: لم نكرهما مع أن التنكير أقل تقليل، والتعريف أعم فائدة؟ فالجواب أن الألف واللام للعهد فقد يتوهم معهود هناك، وأيضا فإن المعرف بالألف واللام لَا تدخل عليه أداة العموم؛ بخلاف المنكر، فلا نقول: كل الإنسان حيوان وكل الرجل إنسان. قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ﴾ عطفه بالفاء التي للتسبيب، أي بسبب الدعاء ازدادوا فرارا، فإن قلت: (لما) أبلغ في النهي؛ إذ هي تنفي الماضي المتصل بالحال، فلم يدل بها إلى لم؟ فالجواب أن لم لنفي قد فعل، وقلَّ فيها معنى التوقع، وهؤلاء لم يحصل لهم التوقع للخبر فقط، فإن قلت: لم أكد هذه الجملة بـ (إنَّ) مع [أن*] موجب التأكيد ينتفي عن*] الله تعالى، والقائل: من أعلم النَّاس بالله؟ فالجواب أنه جرى على عادة البشر في [مخاطباتهم*]، فإنهم يحترزون [**من أن يكون يحصر لهم] من يتعرض لهم بشيء، فيؤكدون كلامهم، [بإنَّ*]. قلت: يجاب بأنه لشدة خوفه من عدم الخروج من عهدة التبليغ ترك نفسه منزلة الشاك في حصول التبليغ، قلت: هذا ينتج العكس؛ لأن التأكيد ينافي الشك ويدل على التحقق. قوله تعالى: ﴿لِتَغْفِرَ لَهُمْ﴾ أوقع السبب موقع المسبب؛ لأن الدعاء إنما هو للإيمان لَا للمغفرة، لكن الإيمان سبب في المغفرة.

نوح 71:12

قوله تعالى: [(كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ) *]. عموم قوله (كُلَّمَا) ليس على حقيقته، وهو مخصوص بأول [قسم*] لهم فإِنهم لم يجعلوا أصابعهم في آذانهم حينئذٍ؛ [إذ*] لم يكن لهم علم بدعواه [الرسالة*] إليهم؟ قلت: بل هو على عمومه لوروده بعد قوله (إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا) أي دعوتهم دائما فلم يؤمنوا [ثم*] بعد ذلك دعوتهم فسدوا آذانهم وغطوا رؤوسهم؛ ولأنهم قد سمعوه أحيانا وأصغوا له وأجابوه، فقالوا (أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ)، وأيضا الأول مطلق يصدق بصورة، وهو [مطلق*] الدعوة في مطلق زمان فلا يفيد التكرار، فقال هنا (كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ) ليفيد التكرار، وأيضا يكون المراد [بالأول الآباء*]، والثاني آبائهم [وأبنائهم*]. قوله تعالى: (وَاسْتَكْبَرُوا). استكبروا: تأكيد الاستكبار [بالمصدر*] دون الإصرار، إما مراعاة لرؤوس الآي، وإما لأن الاستكبار [مدرك*] بالبديهة، والإصرار من أفعال القلوب، والاستكبار أشنع، [فلذلك*] أكده، ووجه الترتيب في هذه المعطوفات في جعل الأصابع في الآذان قدر مشترك بين جميعهم فقدم، وربما لم يكن عند بعضهم ثياب، فلا يتوجه طلب الاشتغال بالثياب فكان تابعا لأنه أخص، وقوله (وَأَصَرُّوا) لما كان دالا على وصفهم بالجفاء والبلادة، وتشبيههم بالحمر الوحشية كان تابعا لما قبله؛ لأنه ترق في الذم، وقوله (وَاسْتَكْبَرُوا) لما كان تجافيا للجهل والبلادة، وإنَّمَا يجب في حق الجاهل البليد أن يذل [... ] كان هذا دالا أن جهلهم مركب؛ فكان تابعا لأنه أبلغ في الذم وفيه تهكم بهم. قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ﴾ [أخبر في الأموال بالمد، وفي الجنات بالجعل*]، وفي سورة الشعراء (أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ).. فإِن قلت: لم قدم الجنات على الأنهار مع أن الأنهار سبب في حصول الجنات؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن الجنات مقصد والأنهار وسيلة، والمقصد أحق بالتقديم.

نوح 71:15

الثاني: أن الجنات ذكرت بعد إرسال السماء عليهم مدرارا؛ فكأن السامع يتوهم أن المطر لَا يدوم بل ينقطع أحيانا فتبقى الجنات بلا سقي؛ فاحترس من ذلك بقوله (وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا). قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ فيه سؤال وهو أن المعلوم للخلق بالضرورة إنما هو مجرد السماوات لَا كونها [سبعا*]، وأتى نوح عليه السلام بهذا الدليل تقريرا على قوله، فكأنه يقول لهم: ألم تعلموا أن الله خلق سبع سماوات طباقا فكيف تكفرون به؟ وهذا غير معلوم إلا من جهة السمع، أو من جهة النظر والرصد، وليس بأمر ضروري، والجواب أن علماء أهل الهيئة نصوا على أن ذلك يدرك بالرصد وأن القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشتري في السادسة، وزحل في السابعة، وأنها كلها تكسف فتحجب بعضها، ولا يدرك ذلك إلا بطول الأعمار، فالمتقدمون لطول أعمارهم رصدوا ذلك فعلموا منه عدد السماوات، وهذه الآية من كلام نوح عليه السلام لقومه، وقد كانت أعمارهم طويلة فهم ممن حصل لهم العلم الضروري بكون السماوات سبعا من الرصد والكسوفات. قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ الزمخشري: القمر في السماء الدنيا، وإنَّمَا قال (فِيهِنَّ) لأن بين السماوات ملابسة من حيث إنها طباق، فجاز أن يقال: فيهن كذا، وإن لم يكن في جميعهن، كما يقال في المدينة كذا، وهو في بعض [نواحيها*]، انتهى. هذا دليل على أن السماء عنده بسيطة، لقوله: [وإن*] لم يكن في جميعهن، [ولأنا*] إذا قلنا: إنها [كورية*] والقمر في السماء الدنيا، فهو في قلب السماوات السبع كلها، ولذلك قال ابن عطية: لأن القمر من حيث هو في آخرها فهو في الجميع عند ابن عطية [كورية*]، وعن ابن عمران: الشمس لها وجه وظهر، فوجهها ما يلي السماء، انتهى. يريد أن ضوءها مختلف فهو من جهة قوي ساطع فسماها وجها، ومن جهة ذلك فسماها ظهرا، وقيل: إنها من الجهتين على حد سواء، ابن عرفة؛ وقيل: إن الشمس في السماء الخامسة، وقيل: في الرابعة، وقال عبد الله بن عمر هي في الشتاء في السماء الرابعة، وفي الصيف في السماء السابعة، انتهى. وهذا عندنا جائز أعني انتقالها من سماء إلى سماء، وأما الطبائعون فيستحيل ذلك عندهم؛ ومراده بالسماء السابعة سماء الدنيا الموالية لنا فحينئذٍ يكون عندنا الصيف، ولو كانت في أعلى الفلك كما هو المتبادر للذهن لبعدت عنا، فإن قلت: كيف يفهم

نوح 71:17

هذا مع أن زمن الشتاء والصيف أمر نسبي يختلف باختلاف الأقطار، فإذا كانت الشمس في رأس السرطان كان عندنا أول الصيف، وعند أهل الجنوب أول الشتاء، وإذا كانت في رأس الجدي فعلى العكس؟، وكيف يفهم انتقالها وما تقول في زمن الربيع والخريف هل تنتقل فيه أو لَا؟ فإن قلتم الجنوب غير معمور وإنما كلامنا في معمور الأرض؟ قلت: السؤال واجب [رده*] من حيث الجملة لَا بالنظر إلى معمور وغيره وأيضا فنص بطليموس على أن بعض الجنوب معمور، وأيضا كيف انتقالها مع كونها قدر الدنيا مائة وستين مرة ونيف؟ فكيف تنتقل للسماء الدنيا؟ فالجواب: أن ذلك يفهم على أحد وجهين: إما بأن المنتقل شعاعها لَا ذاتها، وإما بأن مراده بالسماء السابعة [... ] وهو أعلى فلكها وأقصى ارتفاعها؛ لأن السماء يراد بها العلو فقط، وقيل في الصيف: تبلغ إلى أعلى الفلك فيكون في آخر [الجوزاء*]، وأول السرطان وهو أوجها. قوله تعالى: (وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا). أبو حيان: فيه الحذف من الثاني لدلالة الأول؛ أي وجعل الشمس فيهن سراجا، هذا لَا يصح؛ لأن الشمس ليست في جميعهن؛ لأنها في الفلك الرابع وما فوقه محتو عليه؛ بخلاف ما تحته وهو الفلك الأول والثاني والثالث فإنها خارجة عنهن وليست فيهن؛ فليس فيه الحذف من الثاني لدلالة الأول، وإنما تقدير المحذوف وجعل الشمس في بعضهن سراجا، فإن قلت: إن كانت جعل بمعنى خلق فما قلته ظاهر، وإن كانت بمعنى صير، فتقول: إن الشمس مصيرة في الجميع باعتبار كونها سراجا؛ لأن ضوءها يعم الجميع؟ قلت: إنها في ذاتها وصفتها، كما تقول: زيد في المدينة كريم، فكرمه وذاته في المدينة، وعبر بالسراج في الشمس إشارة إلى أن ما فيها من الحرارة كما في ضوء السراج، وأما القمر فلا حرارة فيه، فلذلك لم [يسمه*] سراجا. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ الزمخشري: (نَبَاتًا) مصدر من لفظ نبت أو من معناه، فتعقب أبو حيان قوله من معناه بأنه غير معقول، ويجاب بأنه أراد أن المصدر من المعنى هو الذي يستلزمه الفعل الأول، فلا يكون إلا أخص من الفعل، مثل: جلست القرفصاء، ولا يجوز أن يكون أعم منه، فلا تقول: قام زيد حركة؛ لأنه لَا يفسر الجلي إلا أجلى منه، وأنبت أخص من نبت، وقيل: (نَبَاتًا) بدل، ورد بأنه بدل الأعم من الأخص، وهو باطل حسبما نص عليه ابن عصفور في باب الاستثناء من مقربه وغيره. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (١٨)﴾

نوح 71:20

إن قلت: لم عطف الأول بـ ثم والثاني بالواو؟، فالجواب من وجهين: الأول: أنه لما كان الإخراج دفعة واحدة، والإنبات شيئا بعد شيء، والإعادة في الأرض كذلك أتى بـ ثم إشارة إلى المهلة بين أول الإنبات وأول الإعادة في الأرض لما كانت أمرا ضروريا مشاهدا لَا يخالف فيه أحد أتى به على حكم الوجود الخارجي بـ ثم التي للمهلة، ولما كان الإخراج من الأرض قد أنكروه، أتى به معطوفا بالواو؛ تحقيقا لوجوده إشارة إلى أنه لَا مهلة فيه حتى كأنه أقرب شيء، فإِن أجيب بأن المهلة الفاصلة بين الإنبات والموت هي في زمن الحياة؛ فهي مشاهدة ظاهرة يدركها كل أحد، والفصل بين الإعادة في الأرض والإخراج منها يوم القيامة ليس بظاهر فلذلك لم يأت فيه بالمهلة بأن هذا إنما يتم في الشخص الواحد بذاته فإِنه يدرك الفصل بين نشأته وموته، وأما الفصل بين موته وإخراجه من الأرض فلا يدركه، ونحن نجعله في أبناء جنس الإنسان المهلة الفاصلة بين نشأة جده وموته وسيشاهد المهلة عند موته. قوله تعالى: ﴿سُبُلًا فِجَاجًا﴾ وفي سورة (فِجَاجًا سُبُلًا) فكل منهما صفة وموصوف. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَصَوْنِي﴾ إن قلت: إنها تؤكد الجملة إذا كان المخاطب منكرا لها، أو ظهرت عليه مخائل الإنكار، والله أعلم بكل شيء، فلا يتم ذلك بالنسبة إليه؟ فالجواب: أن الإنكار قسمان: فهو بالمعنى المذكور مستحيل هنا. والقسم الثاني: أن يكون ما تعاطاه المكلف منكرا غير الموافق عليه للشريعة، وهو المراد هنا لقوله (عَصَوْنِي) مع أن طاعة الرسول واجبة، والآية تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جهة عصيان قوم نوح نوحا، وتخويف لقريش من جهة عقوبته قوم نوح على عصيانهم، والآية حجة لمن يقول: إن الأمر بالأمر بالشيء أمر بذلك الشيء؛ لأن نوحا هو مبلغ عن الله تعالى، فهم إنما عصوا الله تعالى لمخالفتهم أمره لهم على لسان رسوله، فلما قال (عَصَوْنِي) دل على أنه هو [الآمر لهم، بذلك الشيء*]؛ إلا أن يجاب بأنه أسند العصيان إلى نفسه على [جهة*] الأدب؛ لأن في إسناده إلى الله تعالى جفاء وغلظة في العبارة. قوله تعالى: (مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ). قال المفسرون: المراد به إسرافهم، فعلى ما قالوه تكون الآية دالة على عصيان الأشراف المتبوعين باللزوم لَا بالمطابقة؛ إن جعلنا ضمير اتبعوا عائدا على ما عاد عليه

نوح 71:22

ضمير فاعل عصوني، وإن جعلناه عائدا على بعضه كما قالوا في قوله تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) فيكون دلالة مطابقة، ويحتمل أن يكون المراد بالمتبوعين الأمم المتقدمة، ولم يذكره المفسرون. قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا﴾ إما معطوف على (لَمْ يَزِدْهُ) فيكون من فعل الأشراف، أو على (اتَّبَعُوا) فيكون من فعل الأتباع، أو على (عَصَوْنِي) فيكون صفة للجميع. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ إما الأشراف، أو الجميع بعضهم لبعض. قوله تعالى: ﴿كَثِيرًا... (٢٤)﴾ إما مفعول به أو [مصدر*]. قوله تعالى: (وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا). أورد الزمخشري هنا سؤالا يتقرر على مذهبه وعلى مذهبنا، وتقدم له نظيره في سورة يونس، وهو أنه لَا يصح [الدعاء*] على الكافرين بالموت على الكفر، ولا على العاصي بالموت على العصيان؛ لأنه مأمور في كل وقت بنهيه عن ذلك والتغيير عليه والدعاء بذلك إقرارا ورضا، وهو من باب طلب الكفر والمعصية؛ فكيف صح ذلك؟ وأجاب الزمخشري عن ذلك على مذهبه بأنه طلب الترك لَا الفعل، وطلب تخليتهم ومنعهم الألطاف فهو طلب العدم، وذلك لأنه يقول: إن الله تعالى يستحيل عليه أن يخلق الكفر والضلال، وجوابنا نحن على مذهبنا إما بأن نوحا عليه السلام غلب على ظنه بطول الممارسة لهم أنهم لَا يؤمنون فطلب ذلك، وإما بأنه أوحى الله تعالى إليه أنهم لا يؤمنون كما في سورة [هود*]، فإِن قلت: يلزم عليه تحصيل الحاصل، قلت: لم يطلب لازمه، وهو تضعيف العذاب عليهم في الدار الآخرة، وأجاب القرطبي بأن الممتنع إنما هو الدعاء على الشخص المعين، وهذا دعاء على جميع الكفار، ويقال لهم ولعلهم يسلمون، وعبر بالوصف الأعم وهو الضلال؛ لأن كل [ما*] لزم الأعم لزم الأخص. قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ أي من أجل خطيئاتهم، فهو إشارة إلى أنهم لم يعاقبوا على مجرد الكفر فقط؛ بل عليه وعلى جميع خطاياهم؛ فيدل على أنهم مخاطبون بفروع الشريعة.

نوح 71:26

قوله تعالى: (فَأُدْخِلُوا نَارًا). عطفه بالفاء إما لأن المراد عذاب [القبر*]؛ لأن (نَارًا) منكرة ولو أريد جهنم لعرفت، وقال الزمخشري: لاقترابه وتحقق وقوعه حتى كأنه قد كان، فإن قلت: هذا على مذهبه في [أنها الآن غير مخلوقة*]، قلت: بل وعلى مذهبنا؛ لأن المراد إدخال الأجسام لَا الأرواح، وقول القرطبي، قيل: المراد بالنار إغراقهم في البحر، لقول ابن عمر: "متى تعود يا بحر نارا" من بدع التفاسير، ويلزم عليه التكرار، قال: وقيل إن المراد أن كل واحد منهم عذب نصفه بالغرق، ونصفه بالنار. قوله تعالى: (فَلَمْ يَجِدُوا). فيه إشارة وهو أن العطف بالفاء المقتضية للتعقيب لَا تقتضي إلا عدم وجدان الناصر إثر دخولهم النار، لَا دائما، فهلا عطف بالواو المقتضية لعدم وجدان الناصر دائما؟ والجواب بأن هذا في أشخاصهم، والعام في الأشخاص عندنا عام في الأزمنة والأحوال، يرد بأنهم [موصوفون*] بـ (لم) التي هي لنفي الوجدان، لَا نفي الوجود، فظاهر الآية أن هناك أنصارا خفيت عنهم ولم يجدوهم؛ مع أن الثابت في نفس الأمر عدم الناصر بالإطلاق، ويحتمل أن [يكون تهكما*]، ويكون من باب نفي الشيء [بإيجابه*]، مثل: [لا أرينك هاهنا*]. قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ﴾ إن قلت: الأصل تقديم هذه الجملة على الذي قبلها؛ لأن دعاءه عليهم من جملة أسباب عذابهم؟ فالجواب أنه لو قدم على ذكر العقوبة، لأوهم أن العقوبة مترتبة على المجموع الذي هو دعاء عليهم وحسابهم، ومع التأخير يزول هذا التوهم، وهو أبلغ، [**ولهم من يتق]. قوله تعالى: (عَلَى الْأَرْضِ). يريد في ذلك الزمان، وإلا فيقال: قد وجد الكافر الآن. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا﴾ إن قلت: ما الجمع بينه وبين حديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ"؟ فالجواب أنه يولد على الفطرة ثم يصير في ثاني حال فَاجِرًا كَفَّارًا، القرطبي فإن قلت:

نوح 71:28

كيف يفهم ما ورد في حديث الشفاعة من أن الخلق يأتون إلى نوح عليه السلام ليشفع فيهم، فيذكر دعوته فيمتنع من الشفاعة مع أنه لم يدع إلا دعاء [؍ ] فيه؟ فالجواب أن تلك الشفاعة عامة تشتمل الخلائق كلهم، وفيهم قومه، وقد كان دعا عليهم فكيف يشفع حينئذ فيهم.؍ قوله تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ هذه ليست مغفرة الذنوب؛ لأن الأنبياء معصمون من ذلك، وإنَّمَا هو باعتبار تفاوت الدرجات؛ كما ورد "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، وبدأ بنفسه على سبيل الإقرار والاعتراف [بأنه*] أحوج النَّاس إلى ذلك، وذكر المؤرخون أن آباءه كانوا مؤمنين إلى آدم، والآية تدل على صحة ذلك؛ لأن المغفرة إنما يُدعَى بها للمؤمن، قال تعالى (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ) وما استثنوا من ذلكَ سوى إبراهيم، الزمخشري: أبوه لمك [بن متوشلخ*]، وأمه شمخا بنت أنوش كانا مؤمنين، انتهى الذي ذكر أبو عمر ابن عبد البر أن أباه لامك، وذكر البكري أن آدم عليه السلام عاش حتى رأى نوحا ولم يذكره غيره، قال شيخنا: لما قرأنا هذا المحل في مجلس السلطان ابن الحسن المريني، قال لبعض أولاده: يا ولدي الله الله [أكثِرْ*] من قراءة هذه السورة لاشتمالها على الدعاء، وكان بعض الشيوخ يقول: إذا قرأها بهذا القصد فإِنه يخرج الآية عن المعنى الذي سيقت [له*]، فإن المراد بالوالد فيها والد نوح قطعا، فإِذا دعا القارئ [نادي*] والده خرجت عن معناها فلا يسوغ له هذا وإلزامه بعضهم أنه لَا يصح دعاء من قرآن، فإنه كذلك مهما دعا به نفسه فقد أخرج الآية عما أريد بها، والصواب أن ذلك على قسمين: ففي الآيات العامة يجوز، وإلا فلا. قوله تعالى: (وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا). أي لمن دخل شريعتي مؤمنا، وهذه الحال إما مؤكدة؛ لأن دخول يستلزم الإيمان، وإما مبنية؛ لأن مؤمنا اسم فهو دال على الثبوت، أي لمن دخل شريعتي ثابتا على الإيمان فيرجع إلى كونها مؤكدة. قوله تعالى: (وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ). ابن عطية: هذا رد مطرد في كل ملة، والذي استجاب دعوة نوح فأغرق أهل الأرض جدير أن يستجيب له فيرحم بدعوته المؤمنين، انتهى، وهنا سؤال وهو أن دعاء نوح عليه السلام للمؤمنين بالمغفرة إما أن يراد به عدم مؤاخذة العصاة بذنوبهم أو لَا، وعلى كل تقدير فيشكل باعتبار الفهم بأن يقال: فلا يبقى لشفاعة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم الواردة في الحديث الصحيح؛ لأنه أريد بالمغفرة عدم المؤاخذة بالذنب أن تكون أمة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَا يدخلون النار فلا يحتاجون إلى الشفاعة؛ لأن الظن بهذه الدعوة أنها مستجابة، وإن أريد بالمغفرة الصفح عنهم بعد دخولهم النار؛ لزم أن يكون خروجهم منها بدعوة نوح عليه السلام لَا بشفاعة نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ والجواب: إما [أنَّ*] نوحا عليه السلام أراد مؤمني أهل زمانه، وإما بأن [تُأوَّل*] المغفرة على تخفيف العذاب؛ لَا على عدم المؤاخذة بالذنب فهم يخفف عنهم العذاب بدعوة نوح - عليه السلام -، ويخرجون من النار بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: (إِلَّا تَبَارًا). وقال قبله [(إِلَّا ضَلَالًا) *] فخص تلك بالضلال؛ لأنها في حال الحياة الدنيا وهذه في حال الموت؛ فناسب تعقبها بالهلاك، الزمخشري: فإن قلت: [ما فعل صبيانهم حين أغرقوا*]؟ فأجاب بأن غرقهم ليس عقابا؛ بل سبب من أسباب الموت كما يموتون بغيره من الأنواع، الطيبي، عن صاحب الانتصاف: هذا السؤال إنما يتقرر على قاعدة المعتزلة في التحسين والتقبيح؛ لأن هلاك الصبيان بغير سبب قبيح عندهم، انتهى. يرد بأن السؤال بالإطلاق لَا يتقرر إلا على قواعدهم، [وإنما*] باعتبار التفصيل فيتقرر عندنا وعندهم، فنقول أما باعتبار النقل فلا يلزم عندنا؛ بل قد يهلكون وهم لم يعلموا شيئا، وهم يقولون: إنما يهلكون لسبب، وأما باعتبار الشرع فالتلازم معتبر عندنا وعندهم؛ لأن الشرع ورد بتنعيم الطائع وتعذيب [العاصين*]، والأطفال [لم يعملوا*] ما يعذبون عليه، فيرد السؤال على مذهبنا وعلى مذهبهم.

الجن 72:1

سُورَةُ الْجَنِّ الإتيان بـ (قُلْ... (١).. دليل على [غرابة المقول*]، وأنه أمر عجيب، وقوله (أُوحِيَ) مع أن القرآن كله موحا به؛ لأنه لو قال اسمع؛ لأوهم أنه يخبر عن من شاهد منهم، وعلم، فقد يقال له حينئذ كيف يسمعهم وليسوا من جنسه ولا من نوعه. فاحترز من ذلك بأنه إنما حصل له معرفة ذلك بالوحي لَا بالمشاهدة، قال القرطبي: والآية تدل على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يرهم ولا سمع كلامهم، انتهى. يحتمل أن يكون لم يسمع كلامهم أولا، ثم سمع كلامهم آخرا لما أعلم به فأصغى إليه. قوله تعالى: (عَجَبًا يَهْدِي). عبر عن العجب [بأنه*] راجع له في نفسه. قوله تعالى: ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ ابن عطية: عطفه بالفاء التي للتعقيب مع أنهم ذكروا بين السماع والهداية والإيمان، وعطفه في الآيتين الأخريين بالواو، والجواب: أن هذه الآية في الجن وهو في أمورهم في غاية الإسراع فهو وإن كانت مهلة هو أقرب من غيره، وإعجاز القرآن باعتبار لفظه، ولذلك يقول الإمام فخر الدين: شرط المعجزة أن تكون حادثة، وأما معناها فهو الكلام القديم الأزلي، ونقل القاضي أبو بكر الوليد الباجي في البغية المسمى [التسديد في علم التوحيد*] أن القاضي أبا بكر الباقلاني ذهب إلى أن إعجاز القرآن باعتبار لفظه، وباعتبار معناه القديم الأزلي، والجمهور على خلافه، ونحوه ذكر القاضي أبو بكر الباقلاني في [تأليفه*] في إعجاز القرآن الكريم، وزاد أنه لا يشترط في إعجازه التحدي به إلا للعوام، وأما علماء العرب وفصحاؤهم فهم بنفس أن يسمعوا شيئا عنه يدركون إعجازه بفطرته لما جبلوا عليه من الفطنة. قوله تعالى: (فَآمَنَّا بِهِ). الضمير عائد على القرآن، أو على الله تعالى، فيكونوا آمنوا أولا بوجود الله تعالى ثم [وحَّدوه*]، وفي التعبير بلفظ الرب دليل على أن [ارتباط الدليل بالمدلول*]، أمر عادي لَا عقلي؛ خلافا للمعتزلة فهو إشارة إلى رأفته ورحمته بعباده، ولولا ما أرشدهم ما اهتدوا إلى الإيمان. قوله تعالى: ﴿جَدُّ رَبِّنَا﴾

الجن 72:5

أي تعاظمت عظمته وتفسير الخطيب: الجد بالأصل خطأ، واعتقاده كفر، وعبر بالولد ليشمل الذكر والأنثى فيكون ردا على الجاهلية في قولهم: الملائكة بنات الله، وعلى اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى النصارى في قولهم: المسيح ابن الله، فإن قلت: [نفي الصاحبة*] يستلزم [نفي الولد*]، فالجواب: إما أن نقول أنه دلالة [المطابقة*] أقوى من دلالة الالتزام، وإما كون الصاحبة سبب في وجود الولد، إنما هو سبب مادي لَا عقلي. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (٥)﴾ هذا اعتذار منهم؛ أي كنا نعتقد أن لَا يكذب أحد منا، ولا من غيرنا على الله، وهو ظاهر إن قلنا إن العقل خلا من سمع، وإن قلنا إنه لم يخل قط من سمع؛ فيكون المراد بعض الإنسان وبعض الجن، وهم الذين شاهدوهم ورأوهم، ويكون البعض الآخر وهم المؤمنون والمصدقون بوجود الله ووحدانيته لم يرهم ولا بلغتهم مقالتهم، فحينئذ يصح أن يكون هذا القول عذرا لهؤلاء، وإلا فيقال سمعتم [قول*] الكاذبين من الفريقين، وقول الصادقين، فصدقتم الكاذبين، واتبعتم قولهم [بغير*] موجب، وتركتم قول الصادقين فلا ظن لكم. قوله تعالى: ﴿حَرَسًا شَدِيدًا﴾ قيل: اسم جمع، وقيل: جمع حارس، فإن قلت: وصفه بالمفرد يدل على أنه ليس بجمع، قلت: نص المبرد على أنه يصح وصف جمع التكسير بالمفرد، وهذا خلاف كلام الزمخشري لاستدلاله على أنه اسم جمع بوصفه المفرد؛ فمفهومه أنه لو كان جمعا لما وصف بالمفرد. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ هذا دليل لأهل السنة في أنهم أجسام متحيزة خلافا للمعتزلة، وورد أنهم كانوا يقعدون واحدا فوق واحد [حتى يقرب للسمع*]. قوله تعالى: (فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ). (مَن) الشرطية تدل على الاستقبال دلالة ظاهرة، والآن تدل على الحال دلالة نص، فلا تناقض بينهم، فصح أنه حال، فإن قلت: على هذا يكون منع الشياطين بالشهب عن استراق السمع خاصا بذلك الزمان؛ مع أن المشاهد إقامته واستمراره في المستقبل؟ قلت: إنما جاء الخصوص من مفهوم الزمان في الآن، ولنا أن نقول: إن المفهوم هنا غير [معتبر*].

الجن 72:10

قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ﴾ تضمنت الآية أمرين: الأول: أنهم حصل لهم العلم بأن الله تعالى موصوف بالحياة والعلم والقدرة والكلام؛ لتعبيرهم بالإرادة، ولم يقولوا: أشر يقع بمن في الأرض، والإرادة تستلزم هذه الصفات كلها. الثاني: أنهم حذفوا الفاعل على جهة الأدب مع الله في نسبة الشر إليه؛ مع أن الكل من فعله وخلقه جل وعلا، وعمموا الإرادة، ولم يقولوا: أريد بنا، وحمل الزمخشري على ذلك عاقبة الأمر؛ أي لَا يعلم هل يختم لهم بالإيمان أو بالكفر، وهذا بناء منه على أنهم هدوا بعد ما آمنوا، وحمله ابن عطية على حالتهم تلك؛ أي لَا نعلم هل [يؤمن أهل الأرض*] أو يدوموا على كفرهم، وهم بناء على أنهم قالوا ذلك قبل أن يؤمنوا، أو تكون الآية حكاية حال [ماضية*]، وعبروا بالرشد؛ لأنه أخص، واستعمال الأخص في الثبوت أولى من الأعم، أو لأن ذلك كان في زمن النبوة حالة وجود المرشد إلى طريق الجنة، وأول الآية يقتضي عمومية الفاعل، والجهل بالمفعول وهو المراد، وآخرها وهو قوله تعالى: (أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا) يقتضي عمومية المفعول، وحذف الفاعل من الأول دون الثاني تأدبا مع الله تعالى في نسبة الخير إليه دون الشر، وإن كان الكل من فعله. قوله تعالى: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ﴾ إن كان المعنى، ومنا المقاربون لهم فلا يكون تقسيما مستوفيا، وإن كان المعنى: ومنا الكافرون فيكون مستوفيا. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ﴾ ابن عطية والزمخشري: الظن هنا بمعنى العلم، انتهى؛ بل هو على بابه، ويدل على ذلك ثلاثة أمور: الأول: أنه تقرر في علم أصول الدين الاختلاف فيمن يجزم بنفي الصفات عن البارئ تعالى، هل هو كافر أو لَا؟ [وكذلك*] أيضا من يشك فيها. الثاني: أنهم اعتقدوا ذلك في أول أمرهم من غير جزمهم، ثم لما تمكن الإسلام في قلوبهم جزموا بذلك، فقالوا: [وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا*].

الجن 72:13

الثالث: أن الظن ليس متعلقا بعدم الإعجاز المطلق؛ بل يفيد كونه في الأرض فهم جزموا بأنهم لَا يعجزون الله تعالى بالإطلاق، وظنوا أنهم لَا يعجزونه في الأرض؛ أي جزموا أنه يهلكهم، وينتقم منهم، وظنوا [أنه*] إنما ينتقم منهم في الأرض كما نعلم أن الله يميت زيدا، ونشك هل يميته [بمكة*] أو بالمدينة أو بغيرهما. قوله تعالى: (وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا). إما معطوف على (وَأَنَّا ظَنَنَّا) فلا يكون مظنونا بل [مستأنفا*]، وإما على أن (نُعْجِزَ اللَّهَ) فيكون مظنونا؛ أي وظننا أن لن نعجزه هربا، وفي الآية إبطال لمذهب الحكماء القائلين أن الجن جواهر مفارقة لَا متحيِّزةٌ ولا قائمةٌ [بالمتحيِّز*]، [فإن الهرب*] من عوارض الأجسام؛ إذ هو [انتقال*] بسرعة، وذلك عين الحركة. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ﴾ أي سبب الهدى. قوله تعالى: (فَلا يَخَافُ). الزمخشري: أي فهو لَا يخاف، قال: وفائدة تقرير الضمير الدلالة على تحقيق أن المؤمن ناج لَا محالة، وأنه هو المختص بذلك دون غيره، انتهى، يتقرر الأول بأن الشرط لما كان يصح ترتيب الأمر المحال عليه، قدر ذلك بما يدل على ثبوت عدم الخوف وتحقق الطمأنينة، وتقرير الثاني أن البناء على المضمر يفيد الاختصاص، فإِن قلت: لَا حاجة إلى المضمر؛ لأن الاختصاص مستفاد من مفهوم الشرط، قلت: يكون تأكيدا وتحقيقا، فإن قلت: البخس أعم فهلا اكتفى به عن الرهق، قلت: "البخس" للمؤمن المتقي، والرهق للفاسق، فلم يتحد المتعلق، [(فَلا يَخَافُ) *] إما نهي أو نفي، [فأما*] النهي [فظاهر*]، وأما النفي [فساقط*]، فإِن قلت: يلزم عليه الخلف في [الخبر*]، قلت: هو معلق على وصف مناسب [لمعانيه فثبت عدم الخوف*]، والآية في قراءة الشكل الأول وتقريره السامع للهدى آمن به، وكل من آمن به لَا يخاف بخسا، فالسامع للهدى لا يخاف بخسا. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ﴾ عبر أولا بالإيمان، وهنا بالأخص منه وهو الإسلام، كما في حديث [القَدَر*]. قوله تعالى: (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا).

الجن 72:15

الزمخشري: زعم من لَا يرى للجن ثوابا أن الله تعالى توعد القاسط بالعقاب، وما. وعد مسلميهم بالثواب، وكفى بقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) [فذكر سبب*] الثواب وموجبه، والله أعدل من أن يعاقب القاسط، ولا يثبت الراشد، انتهى، وجوب ثواب الراشد عنده عقلا، وعندنا نحن شرعا، فإن قلت: ورد في الشرع ثواب الطائعين من الإنس ولم يرد ثواب الجن؟ قلت: هذه المسألة في أسئلة المازري سئل هل الجن مكلفون يثابون أو لَا؟ وأجاب بأنهم مكلفون بالطاعة ومثابون عليها، وكذا قال ابن عطية القضاعي في موازنة الأعمال، ويحتمل أن تكون الآية من حذف التقابل؛ أي (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا) وكانوا منعمين في الجنة، (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ.. (١٥) فأولئك أساءوا وأجرموا (فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا). قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ... (١٦)﴾ فسر بوجهين: إما أن المعنى لو أطاعوا وتمادوا على الطاعة لَأَسْقَيْنَاهُمْ، أو المراد لو عصوا وتمادوا على طريقة العصيان لَأَسْقَيْنَاهُمْ، وأعاد ابن عطية الضمير في استقاموا على الإنس، وأعاده الزمخشري على الجن، ورجح الفخر الأول لقوله (لَأَسْقَيْنَاهُمْ) والجن لَا يسقون، وإنما يتم له ذلك على مذهب من يقول عنهم روحانيون لَا يأكلون ولا يشربون، ومذهبنا نحن أنهم أجسام، يجوز أكلهم وشربهم، كما ورد في الحديث. فإن قلت: يترجح أن المراد بالاستقامة الطاعة كون الألف واللام في الطريقة للعهد، فالمراد طريق الحق؟ قلت: الطريقتان معهودتان، لقوله (إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ)، وقال (يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ)، وإنَّمَا [يترجح كون المراد بالاستقامة*] الطاعة المتعدية بـ على المقتضية للاستيلاء والاستعلاء، فإِن قلت: يحتمل أن يكون المعنى: لو استقام الخلق كلهم على الطاعة لأسقيناهم ماء غدقا، يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم، كما ورد في الحديث: "لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، [وَلَجَاءَ*] بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ، فَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ"، قلت: هذا لم يقله أحد، ويلزم عليه جعل الاستقامة سببا في الذنب، فإِن قلت: جعل الاستقامة وهي الطاعة على أحد [التقديرين*] سببا في السقيا، والسقيا سببا في الفتنة، فهي سبب السبب، مشكل إذ لَا يعقل كون الطاعة سببا في [الذنب، وفي الطاعة*]؛ لأن فيه تحصيل الحاصل، قلت: هي سبب؛ لأن بعض المسلمين يرتد عن دينه، ولا يدوم على الإسلام. قوله تعالى: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ﴾

الجن 72:19

الذكر إما الطاعة، فالمصدر مضاف للمفعول، أو الوحي فهو مضاف للفاعل [وهذا أخص، فهو على الأول معصية*]، [وعلى*] الثاني كفر، ويحتمل أن يكون أراد الذكر حقيقة. أي عن أن يذكر الله (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، وفي الحديث: "وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ [مِنْهُمْ*] "؛ فيكون مضافا للفاعل. قوله تعالى: (يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا). إن أريد بالإعراض الكفر فظاهر، وإن أريد ما دونه من المعاصي فهو عام مخصوص؛ أي إن شئنا ذلك. قوله تعالى: ﴿عَبْدُ اللَّهِ... (١٩)﴾ الزمخشري: عبر بهذا اللفظ، ولم يقل: قام الرسول أو النبي؛ لأنه واقع في كلام النبي، فعبر بما يقتضي التواضع والتذلل، انتهى، وهذا مسامحة؛ لأنه ليس من كلامه إنما هو [محكي*] عن الله تعالى، وإنما الجواب أنه على سبيل التعليم له ولأمته في تعبير المتكلم عن نفسه بما يقتضي التواضع، واختلفوا في معنى (يَدْعُوهُ) فقيل: في الصلاة، وقيل: خارجها، وعلى الثاني يكون من المسألة المختلف فيها؛ لأن مالكا كره في التنبيه الدعاء قائما، ومنهم من جعل (قام) من [أفعال المقاربة*] كأخذ وانظر [**التقريب لابن الجزري]. قوله (إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي... (٢٠).. لفظ الرب تنبيه على أن اختصاص الله تعالى بعض خلقه بالنبوة محض تفضل منه ورحمة. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١)﴾ الزمخشري: أي لَا أستطيع أن أضركم [وأن أنفعكم*]، إنما الضار والنافع الله، [أو*] لا أستطيع أن [أقسركم على الغىّ*] والرشد، وإنما القادر على ذلك الله، انتهى، هذا اعتزال، والمعنى عندنا لَا أستطيع أن أخلق لكم ضررا أو نفعا إنما خالقهما الله تعالى. قوله تعالى: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي﴾

الجن 72:23

إن قلت: لم نفاه بـ لن، ونفى ملكه [الضر*] بـ لا؟ والجواب أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل وقت يستحضر الموت، ونظره إنما وقته الحالي، وليس له تعلق بالمستقبل بوجه، وملك الضر والرشد مضاف إليه، فنفى بـ لا التي هي غير صريحة في المستقبل، بل قد قيل: إنها [تنفي*] التي هي غير صريحة في الاستقبال، بل قد قيل: إنها تنفي الحال، ولما كان الذي [يجارُ منه هو الله تعالى*]، وكانت [الإجارة*] منسوبة إليه، [في الحال والاستقبال نفاه بـ لن*]، وأجيب أيضا لما كان ملك الضر والرشد مما قد يتوهم نسبته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقد رتبه عليه في الحال، لم يحتج إلى نفي [الإجارة*] من الله تعالى في الحال والاستقبال، نفي باللفظ العام، ولما كان صدور الذنب منه غير واقع في الحال، لم يحتج إلى نفي [الإجارة*] من الله تعالى في الحال، ثم نفى الاستقبال على تقدير فرض وقوعه قبل، وكذلك [بفرض*] وقوعه في الحال. قوله تعالى: (وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا). النفي الأول تعلق ببني آدم، والثاني بغيرهم؛ أي لن أجد مكان أختفي فيه وألجأ إليه. قوله تعالى: ﴿إِلَّا بَلَاغًا﴾ الزمخشري: أي لن أجد من دونه ملجأ إلا أن أبلغ عنه ما أرسلني به، وقيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالات، والمعنى: إلا أن أبلغ عن الله، فأقول: قال الله كذا، ناسباً لقوله إليه، وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان، انتهى. إن قلت: يلزم عطف الشيء على نفسه، كان معناه عنده وتبليغ رسالته، قلت: إنما معناه عنده إلا أن أبلغ عنده بلاغا من الله أو من رسالاته؛ لأن الشرائع التي أمر بتبليغها لنا قسمان، منها ما تلقاه من الله مباشرة، ومنها ما حفظه بواسطة الملك. قوله (حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ... (٢٤).. إن قلت: ما معنى الغاية هنا، وحتى من جهة مخالفة [ما*] بعدها لَا قبلها فيلزم انقطاع الخلود برؤيتهم ما يوعدون مع أنه دائم؟ فالجواب أن المراد أن زمن الغيبة وهو الذي كانوا يوعدون فيه بالخلود في النار، وهي غائبة عنهم فينقطع برؤيتهم لها. قوله تعالى: (فَسَيَعْلَمُونَ). الفاء جواب إذا، والسين للتحقيق لَا للاستقبال؛ لأنهم إذ رأوا العذاب يحصل لهم العلم الحالي لَا الاستقبالي؛ إذ تقول هي للاستقبال. لأن الشرط مقدر الوقوع لا واقع.

الجن 72:25

قوله تعالى: ﴿أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا﴾ إن قلت: فيه عطف الأعم على الأخص، وهو غير جائز لما فيه من تقسيم إلى نفسه وإلى غيره، وجعل قسما الشيء قسيما، فالجواب أن في الكلام تقدير صفة أي أمرا بعيدا، وأجاب الزمخشري بأن المراد بقريب الزمن الحالي، [وبالأمد*] الاستقبالي، فليس من عطفه الأعم على الأخص؛ بل من عطف الشيء على غيره، فيلزمه المجاز في حمل القريب على الحال، ويلزمنا نحن الإضمار وهو خير من المجاز، فإِن قلت: ليس مراد الزمخشري بالقريب الحال بل الزمن الذي يتوقع في كل وقت حضوره، أي لا تدري أهذا الذي تدعون أواقع بكم ليس له حد محدود؛ [أم هو واقع في زمن متوقع حلوله بكم*] إذ له أمر لَا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه كأجل الدَّين الحالِّ مع الدَّين المؤجل، قلت: إن أردت بالقريب أنه مؤخر عن زمن الحال، فيتناوله لفظ [الأمد*]، وإن أردت به الحال؛ فيلزمك المجاز، ونفي العلم بقربه وبعده؛ فيستلزم نفي العلم بعين وقته؛ بخلاف العكس، ولفظ الرب مناسب لما تضمنته الآية من الرحمة والشفقة عليه. قوله (فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦).. هذه الإضافة مجاز؛ لأن المضاف إليه يكتسي من المضاف إليه وصفا مناسبا بحق، [كقولك*] زيد صاحب عمرو [واكتسى*] منه وصف الصحبة، وكذا زيد ضارب عمرو، [اكتسى منه*] وصف الضرب، حسبما ذكر الفخر نحوه في [المحصول*] في إضافة أصول الفقه، فيلزم فيه أن يكون الغيب صفة لله وهو باطل، فإِن قلت: هو صفة له بمعنى أنه فاعله في قوم دون قوم؟ قلت: ذلك تغييب لَا غيب؛ لأنه من غيب، وهذا من [؍ ]. فيرجع إلى المجاز الذي قلناه.؍ قوله (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ... (٢٧).. استثناء متصل أو منفصل؛ باعتبار أن الغيب هو حالهم ينصب عليه دليل، وعلم الرسول للغيب بدليل، فليس من الغيب في شيء واحد. الزمخشري: في الآية إبطال كرامات الأولياء؛ يرد بأن لَا يلزم من نفي الخاص نفي العام، فلا يلزم من نفي هذا [بالاطلاع*] الخاص، أو نقول: هذا عام مخصوص بكرامات الأولياء، أو نقول: الحاصل لهم ظن لَا علم.

المزمل 73:2

سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ قال الزمخشري: مكية، ثم قال: وعن عائشة أنها سئلت ما كان تزميله، فقالت: كان مرطا طوله أربع عشرة ذراعا نصفه عليَّ [وأنا نائمة*] ونصفه عليه وهو يصلي، انتهى، وهذا مناقض لقوله [إنها مكية*]. لأن بناءه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعائشة كان بالمدينة. قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ الآية تقتضي أن [الجزء*] المأمور به من الليل شائع فيه [وقد يرجح*] آخره لما في الحديث، أبو حيان: المراد قم الليل كله؛ وهو ظرف عند البصريين ومفعول به عند الكوفيين؛ لاستغراق الفعل له، انتهى. ونقل ابن مالك عن سيبويه: لقيت زيدا الليلة، أن اللقاء في جميع الليل. قوله (نِصْفَهُ... (٣).. قيل: بدل من قليل، والضمير في (أَوِ انْقُصْ مِنْهُ) إما للنصف المقدم أو المتروك، والمعنى فيهما واحد، وقال الزمخشري: [(نِصْفَهُ) بدل*] من الليل، (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، قال: ولنا أن نجعل نصفه بدلا من النصف، أي قم أقل من نصف الليل، والضمير في (منه) [و (عليه) *] للنصف فهو مخير بين أن يقوم نصف الليل على [البتِّ*] وبين أن يختار النقصان من النصف [والزيادة عليه*]، وألزمه أبو حيان التكرار؛ لأن قوله: انقص من نصف الليل قليلا هو معنى قوله: قم نصف الليل إلا قليلا، قال المختصر: هذا لازم على أن (نصفه) بدل بعض من كل، و (إِلَّا قَلِيلًا) استثناء منه، قال: ولنا أن نجعل نصفه بدلا من الليل استثناء منه القليل بدل إضراب، انتهى، أراد أن النصف بدل من الليل باعتبار استثناء القليل منه؛ لأنه بدل منه قبل الاستثناء، فكأنه بعد الاستثناء، تقول مثلا: قم خمسة أسداس الليل نصف ذلك أو انقص منه أو زد عليه، أي قم سدسين ونصف سدس، أو أقل أو أكثر، ويلزمه التكرار لقوله: (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)؛ لأنه عين من الأول؛ لأن الزيادة عليه من قيام الليل إلا قليلا، وهو الذي فرض خمسة أسداس الليل. وانظر ابن الصائغ. قوله (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ... (٥).. إن قلت: ما معنى التأكيد بـ (إِنَّ) هنا، قلت: لأن المزمل مظنة الغفلة عن الشيء، فكأنه قيل: هذا قول [ثقيل*] يحتاج إلى تيقظ، واشتغال [والسين*] للتحقيق، وهذا من القول بنفسه وبغيره، كما قال ابن التلمساني: لأن هذه الآية من جملة ذلك القول، وعبر بالقول تنبيها بالأدنى على الأعلى؛ لأنه إذا كان القول [ثقيلا*] [**فالفعل أحرى].

المزمل 73:9

قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الأولى [تفسير*] الرب بالخالق؛ لأنه أعم فائدة، فإن قلت: لم قدم المشرق على المغرب والصواب العكس؛ لأن العرب إنما يؤخرون؛ فزمن الغروب متقدم على زمن الطلوع، قلت: الآية خرجت مخرج التعظيم لقدرة الله تعالى في إبدائه هذا الخلق العظيم الذي هو جرى في الشمس، فناسب البداية بالمشرق، و (رب) مبتدأ و (لا إله إلا هو) خبره، أو (رب) خبر مبتدأ مضمر أي هو رب، ويترجح الأول بعدم الحذف، وبأن الخبر محل الفائدة، والكفار موافقون على أنه رب المشرق، وإنما خالفوا في الوحدانية، فإِذا جعل (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) خبرا كان فيه زيادة فائدة، ويترجح الثاني بأنهم قالوا بأن المبتدأ يحذف إذا كان الخبر لَا يصلح إلا له، والمشرق والمغرب إما اسم زمان، أو اسم مكان، أو اسم مصدر، وهو الظاهر؛ لأن (رب) لزمن شروق الشمس وغيره من الأزمان، و (رب) لمكان طلوعها وغيره من الأمكنة، وأيضا فزمن الشروق مختلف باختلاف البلاد، وكذلك مكان شروقها فلا خصوصية فيه، فلا يقال: رب سائر الأزمنة والأمكنة، وإذا قلنا: المعنى رب الإشراق كان قائما في كل قطر وكل زمن. الزمخشري: وقرئ (ربُّ) مرفوعا على [المدح*]، ومجرورا على البدل (من (ربِّكَ)، وعن ابن عباس على القسم بإضمار حرف القسم، كقولك: الله لأفعلن، انتهى، إن أراد أن ابن عباس لم ينقل عنه غير القراءة فقط، فليس فيه دليل على أنه قسم، أو لعله بدل من (ربِّكَ) أو من الضمير في (إليه)، وإن أراد أنه قرأها وجمعها على القسم، فهذا لم ينقل مثله عن ابن عباس ولا عن عمر ولا غيرهما من الصحابة؛ لأنهم لم يكونوا يقرءون اصطلاح النحويين إذ النحو حادث [بعدهم*]، وإنما كانوا يتكلمون بطبعهم، ويحتمل أن يقال: إن ابن عباس فسر المعني ففهم عنه [حذفا*] على القسم. قوله تعالى: (لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ). اختلفوا في دليل الوحدانية هل هو مستفاد من السمع، وهو اختيار جماعة من المتأخرين، أو من النقل، وهو مذهب الأقدمين، أو منهما معا، وهو مذهب المحققين من المتأخرين، وسبب الخلاف: هل الإيمان بالرسول متوقف على وجود الصانع فقط، أو على وجود وحدانيته. قوله (فَاتخِذْهُ وَكِيلًا) أخص من توكل عليه، إن قلت: لم وصل هذا بما قبله بفاء العطف، [ووصل*] (لَا إله إلا هو) بما قبله فلم يعطفه عليه [والأنسب*] كان يكون العكس؛ فإن الأوليين جملتان اسميتان، والثانية فعلية، والجملتان الاسميتان متفق على

المزمل 73:10

جواز عطف أحدهما على الأخرى؛ بخلاف عطف الفعلية الطلبية على الاسمية الخبرية، فإن الأصح امتناعه؟ فالجواب أن الجملتين الأولتين لما كانتا صفة لموصوف واحد أو خبرا عن موضوع واحد، صارتا كالشيء الواحد، فأتى بهما غير مفصولتين بحرف العطف؛ لأنهما في مقام التوسط؛ لأن كونه رب المشرق والمغرب ينتج أنه لَا إله إلا هو، وإلا لزم عليه وجود مقدور واحد بين قادرين، ولما كان الموصوف [باتخاد*] الوكيل هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليس هو عين الموصوف بالربوبية والوحدانية، صارت هذه الجملة فائدة للأوليين، ففصلت عنها بحرف العطف، وهي مسببة عنهما؛ والمسبب غير السبب. قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ﴾ أمره بالصبر على القول دون الفعل؛ لأن القول أكثر من الفعل، ولتعلق إذايته بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبالله تعالى؛ إذ هو معنوي، والفعل إذايته حسية لا تتعلق بالله تعالى، والآية قيل: إنها منسوخة بآية السيف، وقيل: [محكمة*]، وقال ابن العربي: نسخ منها ما عدا المغلوب، فإنه إذا لم يقدر على تغيير المنكر لَا يجب عليه أن يغيره، وهو يعلم أنه إن غيَّر واقتحم [يقتل كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْكُفَّارِ حِينَ غَلَبُوهُ*] [فيصبر*] على ذلك (١)، فهذا تخصيص لا نسخ، ووصف الهجر بالجميل ولم يصف الصبر بذلك؛ لأن الصبر كله جميل. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ فيها دليل لصحة أحد القولين في الكائن في السفينة المتحركة هل له حركتان أو حركة واحدة؟ ذلك الخلاف في ذلك العجز، والآية تدل على القول الثاني: إذ لو كان رجف الأرض رجفا للجبال؛ لكان عطف الجبال عليها تأكيدا؛ لأن الرجف مستلزم للحركة. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا﴾ لما تضمن الكلام السابق الوعيد لهم بتعذيبهم على كفرهم، عقَّبه ببيان أن ذلك إنما كان بعد الإعذار إليهم برسول أرسل إليهم، وأكد الجملة بأن [لأن الخطاب يعم*] المنكرين لرسالته، والمقرين [بها*]. قوله تعالى: (شَاهِدًا عَلَيْكُمْ). شهادته لنا وعلينا، أو كلها لنا؛ لأنهم قالوا إن [أمته*]- ﷺ - يشهدون على الأمم ويزكيهم فهو شاهد لهم بالتزكية، لكن إنما قال: (عَلَيْكُمْ) [يخرج*] الآية مخرج الوعيد والتخويف، (١) نص المسألة عند ابن العربي هكذا: "الْآيَة الثَّامِنَة قَوْله تَعَالَى وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا}. فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ، وَكُلُّ مَنْسُوخٍ لَا فَائِدَةَ لِمَعْرِفَةِ مَعْنَاهُ، لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إلَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَرْءَ إذَا غُلِبَ بِالْبَاطِلِ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ الْكُفَّارِ حِينَ غَلَبُوهُ، وَهِيَ: الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فَأَمَّا الصَّبْرُ عَلَى مَا يَقُولُونَ فَمَعْلُومٌ. وَأَمَّا الْهَجْرُ الْجَمِيلُ فَهُوَ الَّذِي لَا فُحْشَ فِيهِ. وَقِيلَ: هُوَ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مُجَرَّدُ الْإِعْرَاضِ". اهـ (أحكام القرآن لابن العربي. ٤/ ٣٣٣).

المزمل 73:16

وانظر هل هذه شهادة اصطلاحية أو لغوية، فإِنهم قالوا: إن شهادة الإنسان لنفسه غير جائزة، وهذه شهادته لأمته؛ لأنهم صدقوه في رسالته وليبلوهم بتكذيبهم إياه؛ فهي في الاصطلاح دعوى الشهادة، لكن قال في المدونة في كتاب المحاربين: إن السلامة [إن شهد*] بعضهم لبعض جازت شهادتهم فسماها شهادة، وكذلك إذا شهد أنه أوصى بهذا المال له ولزيد، بطلت الشهادة فسماها أيضا شهادة. قوله تعالى: (أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ). قال الفخر: فيه دليل لصحة العمل بالقياس انتهى، إن قلت: تشبيه لَا يقاس؛ لأن من شرط القياس أن لَا يكون الحكم في الفرع منصوصا عليه، وقد نص عليه هنا فهو قياس تمثيلي، ولا خلاف فيه، وإنما الخلاف في غيره من الأقيسة، والمشبه هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمشبه به موسى، وجه الشبه الرسالة، وثمرة التشبيه عصيان هؤلاء كعصيان هؤلاء، قلت: بل هو قياس باعتبار قوله تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا) لأن عقوبة هؤلاء لم ينص عليها. قوله تعالى: ﴿فَعَصَى... (١٦)﴾ الفاء للتعقيب لَا للسبب بخلافها في (فَأَخَذْنَاهُ) هي للسبب، فإِن قلت: العصيان سبب عن الإرسال؛ لأن الطاعة موافقة [الأمر*]، والعصيان مخالفته فهي مسببةٌ عن الإرسال، قلت: لو كان كذلك للزم عليه أن يكون الإرسال سببا في الطاعة والمعصية، فيكون سببا في الشيء ونقيضه وهو باطل، وإنما المعصية [مفرعة*] عنه؛ لأنها مسببة. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ الإشارة للموعظة، وأكد الموعظة بثلاثة أمور: الأول: تصديقي، وهو التأكيد بـ (إِنَّ) المقتضية للتصديق والربط. والثاني: تصوري، وهو اسم الإشارة؛ لأن قوله: أكرم هذا العالم أبلغ من قوله: أكرم العالم. الثالث: أنه جعلنا نذكر بمبالغة في كونها سببا في التذكرة. قوله تعالى: (فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا). المشيئة هنا مجاز؛ لأنه يقال في الواجب أو المندوب: من شاء أن يفعل كذا فليفعل، فهذا خبرٌ، المراد به الأمر.

المزمل 73:20

ابن عطية: [وعد ووعيد*]، [ولو*] كان كذلك كان أمرا حقيقيا، مثل (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ)، أو يقال: المفعول محذوف وتقديره بأحد وجهين: من شاء النجاة اتخذ إلى ربه سبيلا، أيَّ سبيلٍ، وليس في هذا تكرار؛ لأن (سبيلًا) الثاني موصوف بصفة تقتضي تعظيمه، فتنكيره للتعظيم، أو نقول: متعلق التخيير تعيين [... ] (١) [إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ... (٢٠) *] التأكيد [بأنه*] مع أنه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عالم بأن الله يعلم ذلك باعتبار قدر قيامه؛ لأنه عليه السلام غير عالم بذلك، فإن قلت: لم أكد علم الله بذلك ولم يقل [... ]؟ قلت: لأنه يعلم إن ما علم الله وقوعه لابد منه، وما لم يعلم يستحيل وقوعه، وعلم الله تعالى بوجود الشيء مستلزم لوجود ذلك الشيء ضرورة، فلا فرق بين تأكيد علمه بوجود الشيء، وبين علمه بالشيء المؤكد وجوده، فإِن قلت: [**هو أنا يشك في قيامه هذا المقدار ولا ينكر، وهذا حرصا يأتي يبق فلا يحتاج؟ قلت: لما كان يحتقر يختص ما يصدر منه من الطاعة كان منكرا]. قوله تعالى: (وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ). الظاهر أن المراد بالطائفة هنا الجماعة الكبيرة؛ لأنها في معرض الثناء. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ). أي هو المخصوص بعلم مقاديرهما من غير مشارك له، وهذا كما قال أبو طالب في القوت: إن الشمس في وسط النهار لها ستة زوالات: زوال لَا يعلمه إلا الله تعالى، وزوال [أجلى*] منه يعلمه الملك الموكل بها فقط، وزوال [أجلى*] منه يعلمه سائر الملائكة، وزوال [أجلى*] من ذلك كله يعلمه الأولياء، وزوال [أجلى*] من الجميع يعلمه خواص النَّاس، وزوال [أجلى*] من الكل يعلمه سائر النَّاس، [**وبه عليهم] ما ورد في الحديث: "أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل جبريل هل زالت الشمس؟ فقال: لَا نعم"، وذكر القرافي في كتابه المسمى باليواقيت: أن فقيها كان ينكر على صالح في زمانه مبادرته بالصلاة أول الوقت، ويزعم أنه يصليها أحيانا قبل وقتها؛ فكان الصالح يستند في ذلك إلى العلم، ويقول: إنه لَا يصلي إلا في الوقت، فرصده بعض المؤقتين يوما فوجده قد صلى الظهر قبل الزوال؛ فسأله، فقال: إنما صليتها في الوقت بعد الزوال؛ فصوب الفقهاء رأي ذلك الفقيه المنكر، انتهى. والصواب: أنه يدينان كما قال مالك في التنبيه العتبية في رجلين أبصرا غرابا يطير، فحلف أحدهما بالطلاق الثلاث أنه ذكر، وحلف الآخر كذلك أنه أنثى، قال مالك: يدينان ولا يحنثان، فكذلك هذا قد يكون سمع الآذان من السماء فمعرفته أقوى من (١) يوجد سقط في هذا الموضع، والله أعلم. معرفة صاحب الوقت بدليل عادي، ومعرفته بالعيان والمشاهدة؛ كما نفرق بين مشي رجل بصير في طريق لَا يعلمها، وبين مشي رجل أعمى في طريق يعلمها من قبل. قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ). أي لن تقدروا زمن الإحصاء (فَتَابَ عَلَيْكُم) فلم يؤاخذكم، أعم من أن يكون لهم ذنب مغفور، أم لَا ذنب لهم. قوله تعالى: (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى). إشارة إلى أن الأمر بالصلاة، أو القراءة، عام في الأصحاء والمرضى، لكن [يصلي*] كل واحد جهة [استطاعته*]. قوله تعالى: (وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ). الترتيب بين هذين ترقٍّ؛ بخلاف الأول، فإنه مباين لهما؛ لأنه جبري، وهما كسبيان. * * *

المدثر 74:1

سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ [يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) *] قال بعضهم -أظنه السهيلي-: فائدة هذه الصفة ما أشار إليه في الحديث "أنا النذير العريان" فقال هنا المدثر على سبيل الحض له على التدثر كما أشار إليه الزمخشري في (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ). قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨)﴾ في الآية إشكالان، معنوي ولفظي، أما الأول: فإِذا ظرف بمعنى الوقت؛ فالمعنى: فإذا حضر وقت النقر في الناقور، فذلك الوقت وقت أن ينقر في الناقور، وقت تمييز؛ لأن التنوين في (يَوْمَئِذٍ) عوض من الجملة المحذوفة المفهومة من (إِذَا نُقِرَ). إلا أن يقال أن (يَوْمَئِذٍ) بدل من ذلك. الإشكال الثاني: أن [إذ*] ظرف لما يستقبل من الزمان و [إذا*]. ظرف لما مضى، فكيف صح اجتماعهما في كلام واحد؛ لأنه إن كان ماضيا فلا معنى لـ[إذ*]، وإن كان مستقبلا فلا معنى لـ[إذا*]، والجواب: أنه مستقبل وأدخلت [إذا*] لوجهين: إما لتحقيق وقوعه مثل (أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ)، وإما باعتبار ما يأتي بعده من الأمور المستقبلة عنه، فهو ماض بالنسبة إليها. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ﴾ من الأصوليين من جعل الفكر عين النظر، وهو الفخر، قال: النظر والفكر ترتيب أمرين ليتوصل بهما إلى ثالث، ومنهم من جعلهما متغايرين، وهو إمام الحرمين، فالفكر هو استحضار أمور ومعلومات، والنظر هو ترتيبها ليتوصل بها إلى نتيجة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قُتِلَ﴾ العطف بـ ثم إشارة إلى أنه لُعِنَ لعنًا بعد لعنٍ [... ] التكثير والتكرار مثل: [فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ*]، وقال مالك في كتاب الأيمان بالطلاق: وإذا قال لها: أنت طالق ثم طالق ثم طالق إنه يلزمه الثلاث، وتوقف في العطف بالواو. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نَظَرَ (٢١)﴾

المدثر 74:24

إما أن يراد الإبصار أي نظر إلى النبي ﷺ وإلى قومه، أو يراد بالنظر غير الفكر؛ فيكون أولا استحضر المعلومات فقط، فحكم بما حكم به من غير جزم، ثم نظر ثانيا ورتب الدلائل فحكم بما حكم جازما به ومعتقد أنه أحق. قوله (فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥).. إما أن يكون على معنى حرف العطف، فتكون الجملتان متباينتين، وإما أن نقول إنهما على حقيقتهما متصلتان؛ لأجل اشتراكهما في مخالفتهما القرآن وفي القدح فيه، فالأولى تضمنت أنه سحر، والثانية أنه مخلوق حادث لحصولهما [في] شيء واحد هو أنه مستفعل مختلف، ولا يصح أن تكون الثانية بدلا من الأولى؛ لأن القول أعم من السحر، والأعم لابد له من الأخص. قوله تعالى: ﴿لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ أي لَا تبقي شيئا حاصلا [فيها*] إلا محقته، ولا تذر شيئا خارجا منها يستحق الدخول فيها إلا أدخلته فيها. قوله تعالى: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال بعضهم: السر في تخصيص هذا العدد أن مجموع ساعات الليل والنهار أربع وعشرون ساعة، منها خمس ساعات للصلوات الخمس المفروضات، يبقى العدد المذكور في الآية. ابن عطية؛ قال بعض النَّاس: إنهم على عدد بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، [يريد*] على عددها مكتوبة، فيعد بسم ثلاثة أحرف، والله أربعة أحرف، والرحمن ستة، ولا يعد الألف المحذوفة ولا الحرف المشدد. ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى، قوله تعالى: (عَلَيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فسر بثلاثة أمور: أحدهما: أن اليوم [بليله*] أربع وعشرون ساعة، خمس منها مشغولة بالصلوات الخمس، وبقيت تسعة عشر خالية عن ذكر الله تعالى، فكان عدد الزبانية كعددها. الثاني: أبواب جهنم سبعة، [فَسِتَّةٌ*] مِنْهَا لِلْكُفَّارِ، وواحد للفساق، وأركان الإيمان ثلاثة: إقرار واعتقاد وعمل، فالكفار تركوا الثلاثة [فلهذا يحسب لتركهم ثلاثة*] من الزبانية على كل باب من الستة، فالمجموع ثمانية عشر، والفساق أتوا بالإقرار والاعتقاد دون العمل فلهم من الزبانية واحد، فالمجموع تسعة عشر.

المدثر 74:31

الوجه الثالث: أن عدد الزبانية في الآخرة على عدد القوى الجسمانية المانعة من [معرفة الله*]، وخدمتها النفس الناطقة، وتلك القوى تسعة عشر خمسة في الحواس الظاهرة، وخمسة في الحواس الباطنة، واثنان هما الشهوة والغضب، وسبعة في القوى الطبيعية، وهي: الجاذبة، والماسكة، والهاضمة، [وَالدَّافِعَةُ*]، [وَالْغَاذِيَةُ*] [وَالنَّامِيَةُ*]، [وَالْمُوَلِّدَةُ*]، فمجموع هذه القوى تسعة عشر، وهي الزبانية الواقعة على باب جهنم، وعلى وفق هذه العدة زبانية جهنم [في*] الآخرة. قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً﴾ الزمخشري: من إيقاع المسبب موقع السبب؛ أي وما جعلنا عدتهم إلا تسعة عشر، وكونهم [تسعة عشر*] هو سبب الفتنة؛ لأن الفتنة أعم من [كونها*] تسعة عشر أو أقل أو أكثر؛ [فالعدة*] بالإطلاق ليست فتنة، وإنما الفتنة هذه العدة الخاصة، فإن قلت: إضافتها إليهم تفيد [هذا*] المعنى فلا يحتاج إلى تقدير، قلت: الإضافة لَا عهد فيها، وإنما العهد في الألف واللام، وفرق ابن البناء في رفع الحجاب بين العدد والعدة، فانظره، وحمله ابن عطية على حذف الفتنة؛ أي وما جعلنا عدتهم هذا القدر المخصوص إلا فتنة، أو وما جعلنا عدتهم تسعة عشر إلا فتنة. قوله تعالى: (لِيَسْتَيْقِنَ). أبو حيان: يمتنع تعلقه بـ (جعلنا) لما يلزم عليه من تعليل الفعل الواحد بعلتين مستقلتين، انتهى. الحكم الشرعي: يجوز عندنا تعليله بعلتين مستقلتين، فالجمع يجوز ذلك فيه من باب [أحرى*]، لكن نص النحويون على منع إتيان حالين أو ظرفين أو مجرورين أو مفعولين لأجل [فعل واحد*] إلا بحرف العطف؛ إلا أن يكونا في معنى واحد، فلا يجوزون إكراما لك هيبة لعمرو؛ فلهذا قال: [ولكنه*] على تقدير فعلنا ذلك [ليستيقن*]. قوله تعالى: (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا). اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصه على ثلاثة أقوال: والثالث أنه يقبل الزيادة دون [النقص*] وهو ظاهر، وهو مشكل على قواعد الأصوليين؛ لأن الزائد على الإيمان، إما أن يكون مثله أو غيره، فإن كان غيره فليس [إيمانا*]، وإن كان مثله فيلزم عليه اجتماع المثلين في المحل الواحد وهو باطل؛ لأن الصفة إذا قامت بمحل أوجبت له الاتصاف بها؛ فذلك القدر الذي ازداد [هنا*] إيمانا إن كان بحيث لو زال عنه ثبت له ضده، وهو الكفر وهو إيمان، ويمتنع اجتماعه مع مثله؛ إذ لَا يقبله المحل؛ لأنا إن قلنا: الإيمان محله العقل، فنقول: الإيمان الأول قد تلا العقل [**وعيه]، وعبر جميعه فلا يجد الإيمان الثاني في العقل محلا يكون فيه إلا لو كان الإيمان الأول قام نصفه العقل، فيقوم الثاني بنصفه الآخر الذي هو فارغ منه، ومثاله الشيء الأحمر لا يقبل أن يقوم به حمرة أخرى إلا إذا أتى فيه جزء لم [تقم*] به الحمرة، فإن قلت: إنه يريد باعتبار المتعلقات، فمن ظهرت له ازداد تسبيحا وترنما تنزيها وتعظيما لله عز وجل كهذه الآية؛ لأن من آمن من أهل الكتاب وجدوا هذه الآية موافقة لما في كتبهم فازدادوا إيمانا إلى إيمانهم، قلت: الذي يطلب من المؤمن حين الإيمان وممن يعلمه زيادة، وإنما الجواب أن يقال: إن تلك الزيادة تكميل مجازي راجع إلى قوة الإيمان وضعفه باعتبار الظهور والجلاء. قوله تعالى: (وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ). فيها من أنواع البديع [**أبلغ من التفريق]؛ لأنه ذكر أولا كل صنف [... ] الخاصة به، قلت: فنسب لأهل الكتاب الاستيقان وللمؤمنين ازدياد الإيمان، وجمع الفريقين هنا في عدم الارتياب، وأورد الزمخشري هنا سؤالا، قال: ما الفائدة في نفي الريبة عنهما مع أن اليقين وازدياد الإيمان يستلزم ذلك؟ وأجاب ما حاصله أنه مبالغة للتأكيد، ويجاب أيضا بأن اليقين وزيادة الإيمان مثبت للفريقين، والفعل من سياق الثبوت مطلق، فلا يقتضي الدوام بوجه، والارتياب منفي، والفعل في سياق النفي عام، فأفاد الأول حصول زيادة الإيمان للمؤمنين، وأفاد الثاني دوام ذلك لهم إذ [العلة*] تحصل في زمن ثم يفرض فيه الشك في الزمن الثاني، وقول القرطبي المراد بذلك. ومن تأتي في المستقبل، وكل كتاب يرد بأن مالكا قال: إذا قال: كل مملوك لي حسن [حر*]، إنه إنما يتناول ما في ملكه حينئذ لَا ما حدث له بعد ذلك، والمؤمنون يحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص، فيكون المراد بأهل الكتاب المؤمنين، وبالمؤمنين من آمن من أهل الكتاب ومن غيرهم، وأورد الزمخشري هنا سؤالا وأجاب عنه، ونقل الطيبي عن صاحب الانتصاف: أن السؤال المذكور دائما يرد على قواعد المعتزلة، وبدأ بالمنافقين؛ لأن منه [... ] هذه المقالة منهم أغرب. قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ). تقديم المفعول واجب إن كان الفاعل مقرونا بإلا اتفاقا، وتقديم الفاعل واجب إن كان المفعول مقرونا بإلا على اختلاف، وسبب ذلك أنك في الأول استثنيت من كلام ناقص، وهنا استثنيت من كلام تام، ومثله: ما ضرب إلا عمرو زيدا، فاستثنيت من كلام

المدثر 74:33

غير تام؛ لأن رتبة الفاعل التقديم وقد قدمته؛ فهذا لَا يجوز؛ بخلاف ما ضرب إلا عمرا زيد، فإن الفاعل مقدم في المعنى فقد استثنيت من كلام تام في المعنى. قوله تعالى: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى). تحتمل عود الضمير على ["سقر"*] وتخصيص البشر بالذكر؛ [لأن النار فيهم أكثرُ تأثيرا*] في عذاب النار، لأن الجن [منها خلقوا*] والملائكة زبانيتها. قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ [عبر*] في الأول بإذ، وفي الثاني بـ إذا مع أن فعل القسم والشرط الأصل فيهما الاستقبال؛ لأن زمان الماضي متقدم على المستقبل، والإدبار اعتبار ماض أو مستلزم لأن الإسفار هو أول النهار، والإدبار في آخر الليل، وأورد الزمخشري في قوله تعالى: (وَالشَمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا) سؤالا [يرد*] مثله هنا، والجواب كالجواب، قال: إن جعلت الواو للقسم خالفت مذهب سيبويه والخليل، وإن جعلتها عاطفة وقعت في العطف على عاملين وهو فعل القسم والعامل في إذا، وأجاب بأن الواو نابت مناب فعل القسم وهو في إذا. قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧)﴾ هذا خبر في معنى الأمر الوارد للتهديد؛ لأنها إنذار لمن شاء الإيمان إن لم [يؤمن*]. قوله تعالى: ﴿بِمَا كَسَبَتْ... (٣٨)﴾ إن كان قيدا في المبتدأ، فلا تخصيص، وإن كان قيدا في الخبر، فيكون العموم مخصوصا بالأنبياء والشهداء. قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)﴾ يدل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة باعتبار تعذيبهم [**بالنار في الدار الآخرة]، كما [ذكر*] أكثر الأصوليون، واشتمل كلامهم على نفي وإثبات، فقوله (فَمَا تَنْفَعُهُمْ) راجع للنفي، وقوله (فَمَا لَهُمْ) راجع للإثبات. قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ يدل على إبطال الكفر عناداً لَا أن المعاند من يحصل له اليقين، ودلت الآية أن ذلك إنما يحصل لهم في الدار الآخرة. قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ﴾

المدثر 74:49

مفهومه أن المؤمنين تنفعهم أو يكون مثل "على لاحبٍ"، فإِن قلت: هلا قيل: فلا شافع لهم فهو أبلغ وأعم؟ قلت: هو تنبيه على حرمانهم من قبول الشفاعة فيهم مع قبولها في المؤمنين. فإِن قلت: هذا فعل في سياق النفي فهو عام، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن شفاعته نفعت أبا طالب؟ قلت: إنما الشفاعة في زوال ما وقع، وقد حصل تخفيف عذاب أبي طالب قبل الشفاعة، وهذه [حجة*] على المعتزلة النافين للشفاعة، وحمله الزمخشري على رفع الدرجات جريا على مذهبه، وهو باطل. [لأن*] الكفار لم يثبت لهم دخول الجنة؛ [فضلًا*] عن أن ننفي عنهم رفع الدرجات فيها. قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩)﴾ المراد بالتذكر الاعتبار لَا النسيان، فتدل على وجوب النظر لذمهم على تركه. قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ﴾ لما شبههم بالحمر، [وأنهم*] إذا نفذوا الأمر خافوه كالحمر فنفي هذا التوهم. قوله تعالى: ﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الزمخشري: (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) أي إلا أن [يقسرهم*] على الذكر ويلجئهم إليه؛ لأنهم مطبوع على قلوبهم معلوم أنهم لا يؤمنون اختيارا، انتهى. كأنه يقول: إلا أن يشاء الله ذكركم، واعتباركم [مشيئته قسرا*] لها، وهذا من ضعفهم في أصول الدين؛ لأن مذهب المعتزلة أن العبد يخلق أفعاله ويستقل بها، وهم يوافقونا في أن الداعي مخلوق لله؛ إذ لو كان [مخلوقا*] للعبد لاحتاج إلى داع، ويلزم التسلسل، ولذلك يقولون: لولا العلم والداعي لصح الاعتزال، [وثَم*] له سبب [... ] [يفرق*] بين الفعل وبين الداعي للفعل، وبين الحركة والداعي لها، ومعنى قولهم: القسر والإلجاء أن شرب الإنسان الشراب اللذيذ الطيب من فعله واختياره، وشراب المؤمنين الشراب الكريه الطعم بالقسر والإلجاء، ففسره على مذهبه الباطل في خلق الأفعال، ولا يحتاج إلى ذلك ولو أبقاه على ظاهره، فقال معناه: إلا أن يشاء الله مشيئتكم لصح عندنا [وعندهم*]؛ لأنه يرجع إلى خلق الداعي، وإن فسرناه نحن بالأفعال، فنقول معناه: إلا أن يشاء ذكركم؛ إلا أن يخلق الله في قلوبكم الذكر والاعتبار فتؤمنوا، والخطاب لهم باعتبار من لم يؤمن؛ لأن بعضهم آمن بعد نزول هذه الآية. * * *

القيامة 75:5

سُورَةُ الْقِيَامَةِ قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ﴾ الزمخشري: (بَلْ يُرِيدُ) عطف على (أَيَحْسَبُ) فهو إما مثله استفهام، وإما أن [يكون إيجابا*] على أن يضرب عن مستفهم عنه إلى آخر، أو يضرب عن مستفهم عنه إلى موجب، انتهى. [قيل*]: المعنى بل أيريد أو بل يريد، ويتعقب بأنه جعلها عاطفة مع مماثلة ما بعدها لما قبلها في الاستفهام، وقد نصوا على أن بل من الحروف [المشتركة*] في [اللفظ*]. لا في المعنى، فإن قلت: هو استفهام في معنى النفي فيرجع إلى مسألة سيبويه والمبرد وهي: ما قام زيد بل عمرو، معناه عند سيبويه: بل قام عمرو، وعند المبرد: بل قام عمرو، قلت: ما معنى التشريك إلا أن الحكم المسند للأول أبطل عنه، وحكم به للثاني من نفي أو إثبات، وهذه الآية ليس المراد فيها إبطال الأول؛ مثل الجمع بين الاستفهام عن الأول والثاني في الاستفهام. قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤)﴾ أي شاهد عليها، وهو من باب التجريد، أو يراد بالإنسان العقل، يعني أن العقل يشهد على النفس، ويصح كون (بَصِيرَةٌ) مبتدأ، و (عَلَى نَفْسِهِ) خبر إلا أن (بَصِيرَةٌ) خبر الإنسان كما جعله الزمخشري، لكن يرد على ما قلناه أن يكون مدلول هذه الجملة كمدلول التي قبلها؛ لأن يعني كون على نفس الإنسان بصيرة رقيب، فلابد أن [يُنَبَّأَ*] بما عمل، وعلى قول الزمخشري يكون تأسيسا، وهو أولى. قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ فيه دليل على أن القول بأن النهي عن الشيء أمر [بضدِّه*]، وأن السكون أمر عدمي مما لَا يجتمعان، فإِنهم اختلفوا [هل*] السكون عدمي أو وجودي، وهل متعلق النهي الترك أو فعل الصلاة، فإن قلت: هلا قيل: لَا تحرك به شفتيك كما في أول البخاري، عن ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، فالجواب أن [اللسان*] أكثر [ترادفًا*] من الشفتين، قال تعالى (وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ). قوله تعالى: (لِتَعْجَلَ بِهِ).

القيامة 75:18

هذا نهي تعليل، مثل: لَا تشرب الخمر لتسلم من العقوبة، فالنهي معجل باستعجال الحفظ، قال الفخر: احتج بها من [جَوَّزَ*] وقوع [الصغائر*] من الأنبياء، وأجاب عنه بجواب ضعيف، وإنما الجواب أنه نهي عن الاتصاف بالمرجوح دون الأرجح، باعتبار الانتقال من مقام إلى مقام أعلى منه؛ لأن في المقام الأول [... ] بوجه. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ أي قرأه جبريل. قوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠)﴾ فإن قلت: ما ضد المحبة إلا الكراهة، وما ضد الترك إلا الفعل، فالجواب أنه من حذف التقابل أي تحبون العاجلة وتقبلون عليها، وتكرهون الآخرة وتذرونها. قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ... (٢٢)﴾ فسر الزمخشري الوجه هنا بالذات، وهو من مجاز تسمية الكل باسم الجزء، ويدل على ذلك قوله (تَظُنُّ) لأن الظن من أعمال القلوب. قوله تعالى: (يَوْمَئِذٍ). أي يوم إذ تحضر الآخرة، أو يوم ينبأ الإنسان. قوله تعالى: ﴿إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ إن قلت: يرد على قولهم: الوجود مصحح للرؤية أن الوجود، إن قلنا: إنه نفس الموجود لزم إيجاب الشيء لنفسه وتصحيحه [لنفسه*]، وهو باطل، وإن قلنا: إنه غيره فيرجع إلى القول بالحال، والحال لَا توجب بغيرها حكما بوجه، فالجواب من وجهين: الأول: جدلي من باب المعارضة، وهو أنه يلزم مثله في الإمكان، فإنه إذا قام بشيء وجب له التسمية، فيمكن فيلزم إيجاب الشيء لنفسه؛ لأن الإمكان للجوهر صفة نفيسة. الثاني: حقيقي، وهو أن الوجود دليل على صحة الرؤية لَا أنه موجب لصحتها، فإن قلت: لَا معنى لمعارضة هذا بالإمكان؛ لأنا كذلك نعارضه بالتخيير للجوهر فإنه صفة نفسية له، قلت: الإمكان علة في وجود الممكن؛ بخلاف التخيير فإِنه ليس علة فما كل الصفات يعلل بها. قوله تعالى: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾

القيامة 75:33

يدل على أن النفوس بعد مفارقتها الأجسام لَا تنعدم؛ بل تنتقل من حالة إلى حالة؛ إذ لو كانت تنعدم لما أطلق عليها المفارقة. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَىٰ أَهْلِهِ﴾ يحتمل أن يريد عموم المقاربة والزوجة فقط، كما هو المراد في قول في المسافر: يمر ببلد فيها أهله أنه يقيم الصلاة ولا [يقصرها يخصص*] ذلك بالأهل؛ إشارة إلى تكرره [منه*]. قوله تعالى: ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ كان الفقيه أبو زكريا يحيى بن نوح [**البقريني] يقول: إن ذلك باعتبار الأزمنة، أي أولى الهلاك في الدنيا؛ فأولى لك الهلاك في القبر في زمن البرزخ، ثم أولى الهلاك يوم القيامة في الحشر؛ فأولى لك الهلاك حين [دخول*] النار، والأولان قرينتان متعاقبتان فعطفا بالفاء، ولما كان بين نزول القبر ويوم القيامة زمنا طويلا [أتى*] بقوله: (ثم)، وقيل: هو لف ونشر؛ لأنه تقدمت أربعة أمور، اثنان فيها في قوله تعالى: (فَلا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى) وهما متباينان فلذلك كرر فيها (لَا)، والثالث قوله (وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى) وهما كالشيء الواحد، فلذلك عطفه بالواو فقط، والرابع (ثُمَّ ذهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى) فقابلنا بأربع بكل واحدة منها هلاك علتها يخصها، وعلى قول ابن حبيب في أن تارك الصلاة كافر يكون تولى فلا صدق ولا صلى شيئا واحدا، أي فلا صدق بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ [... ] على الظن ليفيد التوبيخ على العلم من باب [أحرى*]، ولم يذكر الشك؛ لأن الأغلب في النَّاس هو ذلك لَا الشك، والإنسان إما للعهد، وهو أبو جهل أو للجليس المطلق، فلا يحتاج إلى التخصيص، أو للعموم، فيكون مخصوصا. قوله تعالى: (أَنْ يُتْرَكَ سُدًى). أن [يهمل*] في الدنيا من التكاليف، وفي الآخرة من المجازاة، قلنا: وفي الآية دليل على أصل ذلك، وهو جواز الإعادة مع المعجزات الواردة من الرسل واعتبارهم بوقوعها، فينتج [وجوبا*]، ولا يصح أن يكون ذلك على وجوب الإعادة على مذهب الحكماء، والمعتزلة القائلين بالتحسين والتقبيح، وأن ترك الإنسان سدى قبيح، ووجه الدليل منها أن خلقه وتطويره على هذه الحالة ينتج اعتقاد جواز إعادته، وهذه الآية ليست من أول ما نزل بل [إنما نزلت بعد ظهور*] المعجزات [وإخبار*] بالرسل بوقوع الإعادة في الدار الآخرة، فينتج القطع بوجوبها شرعا، في مذهب أهل السنة لَا عقلا.

القيامة 75:38

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً﴾ قول ابن عطية في هذه القطعة من الدم خطأ؛ إذ لَا خلاف أن الأمة إذا وضعت منه دما [أَنَّهُ وَلَدٌ]، فقال ابن القاسم: تكون أم ولد، ولم يرد أشهب، والمسألة في كتاب الاستبراء من المدونة، وعطف هنا بـ ثم للمهلة المعنوية بين النطفة والعلقة، وفي (قَدْ أَفْلَحَ) عطفه بالفاء [نظرا*] إلى الحالة؛ إذ لَا صلة في ذلك، وآدم وغيره [**أخل في ذلك هو إما عيني فيحتمل الدخول وإما لَا]؛ لأن قوله تعالى: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ) حمله جماعه إما حال من عيسى، فيكون مخلوقا من التراب، أو من آدم، ويكون عيسى مخلوقا من نطفة، وخلقه الله تعالى في رحم مريم، كما خلقها في ظهر الرجال، ونقلها إلى أرحام النساء. قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ﴾ رد على [الطبائعيين*] إذ لو كان بالطبيعة لكان الخلق صنعا واحدا. قوله تعالى: ﴿الْمَوْتَى (٤٠)﴾ الألف واللام إما للجنس، فتدخل البهائم والحشرات، وإما للعهد فلا تدخل. * * *

الإنسان 76:1

سُورَةُ الْإِنْسَانِ قوله تعالى: ﴿هَلْ... (١)﴾ ابن هشام: هل تأتي بمعنى قد، وذلك مع الفعل؛ وبه فسر قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) جماعة منهم ابن عباس رضي الله عنهما، والكسائي، والفراء، والمبرد، قال في مقتضبه: هل للاستفهام نحو هل جاء زيد ويكون بمنزلة قد، نحو قوله تعالى: (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ). وبالغ الزمخشري فزعم أنها أبدًا بمعنى قد، وأن الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدرة معها، ونقله في المفصل عن سيبويه أن هل بمعنى قد إلا أنهم تركوا الألف قبلها؛ لأنها لَا تقع إلا في الاستفهام، وقد جاء [**وهو لهما عليه] في قوله: "أهل رأونا [بسفع*] القاع ذي الأكم"، ولو كان كما ذكر لم تدخل إلا على الفعل كقد إذ [لم تأت*] في كتب سيبويه، وما نقله عنه إنما قال في [أبواب عدة*] ما يكون عليه الكلام، ما نصه، وهل هي للاستفهام؟ لم يرد على ذلك، وقال الزمخشري في كشافه: (هَل أَتَى) [أقد أتى؟ على التقرير والتقريب جميعا، أى: أتى على الإنسان قبل زمان قريب حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ فيه شَيْئاً مَذْكُوراً أى كان شيئا منسيا غير مذكور نطفة في الأصلاب والمراد بالإنسان: جنس بنى آدم، بدليل قوله إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ*]، انتهى. وفسرها غيره بـ قد خاصة، ولم يحملوا قد على معنى التقريب، وقال بعضهم: معناه التوقع، وكأنه قيل لقوم يتوقعون الخبر عن ما أتى الإنسان، وهو آدم عليه السلام، قال: والخبر من كونه طينا، وفي تسهيل ابن مالك: الآيتين [... ] هل [(قد) *] إذا دخل عليها الهمزة بمعنى كما في البيت ومفهومه أنها لَا تتعين لذلك إذا لم تدخل عليها؛ بل قد تأتي لذلك كما في الآية، وقد لَا تأتي لم، وقد عكس كونهم، قاله الزمخشري فزعموا أن مثل هل (لَا) تأتي بمعنى (قد) مثلا، وهذا هو الصواب عندي أن لَا يتمسك لمن أثبت ذلك لأحد ثلاثة أمور أحدهما: تفسير ابن عباس رضي الله عنهما ولعلمه إنما أراد أن الاستفهام في الآية للتقرير وليس باستفهام حقيقي، وقد صرح بذلك جماعة من المفسرين، فقال بعضهم: هل هنا للاستفهام التقريري والمقرر به من أنكر البعث، وقد علم أنهم يقولون: نعم قد مضى دهر طويل والإنسان فيه، فيقال لهم: فالذي أحدث النَّاس بعد أن يكونوا كيف يمتنع عليه إحياؤهم بعد موتهم، وهو معنى قوله تعالى: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى) أن من أنشأ شيئا بعد أن لم يكن، [قادرٌ*] على إعادته بعد موته، انتهى، وقال آخر؛ مثل ذلك إلا أنه فسر الحين بزمن التطوير في الرحم، فقال: المعنى ألم يأت على النَّاس [حين*] من الدهر كانوا نطفا، ثم علقا ثم مضغة إلى أن صاروا

الإنسان 76:3

شيئا مذكورا، وكذا قال الزجاج إلا أنه حمل الإنسان على آدم عليه السلام، فقال: المعنى ألم يأت على الإنسان حين من الدهر كان فيه ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح، انتهى، وقال بعضهم: لَا تكون هل للاستفهام التقريري وإنَّمَا ذلك من خصائص الهمزة، وليس كما قال، وذكر جماعة من النحويين أن هل بمنزلة إن في إفادة التأكيد والتحقيق، وحملوا على ذلك: (هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ) قدروه جوابا للقسم، وهو بعيد، والدليل الثاني: قول سيبويه وقد مضى أنه لم يقل ذلك، والثالث: دخول الهمزة على مثلها في البيت والحرف لَا يدخل على مثله في المعنى، وقد رأيت عن السيرافي أن الرواية الصحيحة [أم هل*] هذه منقطعة بمعنى بل، فلا دليل، وبتقدير ثبوت [تلك*] الرواية فالبيت شاذ فيمكن تخريجه على أنه من الجمع بين حرفين لمعنى واحد على سبيل التوكيد كقوله: هؤلاء [**للاهتمام بهم] [... ] الذي في ذلك البيت أممثل لاختلاف اللفظين، وكون أحدهما على حرفين، كقوله: فَأَصْبَحْنَ لَا يسألنه عَن بِمَا بِهِ؍ أصعد فِي علو الْهوى أم تصوبا.؍ قوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ فيه سؤال: وهو ما السر في العدول عن صريح المقابلة، فيقال: إما شاكرا وإما كفورا، ويقال: إما شكورا وإما كفورا؟ والجواب: أنه من حذف التقابل حذف شكورا لدلالة (كفورا) عليه، وحذف كافر لدلالة شاكر، والقسمة الممكنة باعتبار التقابل أربعة: شكور كفور، شاكر كافر، شاكر كفور، شكور كافر. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ﴾ إن قلت: لم عبر في ذكر تعذيب الكفار بالإعداد، ولم يقل في ذكر تنعيم المؤمنين: إنا أعتدنا للأبرار شرابا؟ فالجواب: أن اعتداد العذاب للمعذب أشد عليه؛ لأن انتظار العذاب أشد من حصوله، ولو ذكر في تنعيم المؤمنين لتألموا بعدم تعجيله، مع أن الإنعام على إنسان بما لم يسبق له شعور أكمل مما سبق له شعور. قوله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً﴾ إن كانت ((إِنَّمَا) [في*] قوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُم) للحصر فهذا تأكيد، وإلا فهو تأسيس، ويدل على أن إرادة وجه الله وإرادة الشكر والجزاء الآن لَا [... ]، فإن قوله في المدونة في السلم الأول: إن أسلمت ثوبا فسطاطيا في ثوب فسطاطي إلى أجل، فهو قرض؛ فإِن

الإنسان 76:13

ابتغيت نفع الذي أقرضته جاز، وإن ابتغيت به نفسك يظل السلم، وقالوا [**في إرادتهما هما] نفس المعاملة الآدمية [فأحرى*] معاملة الخالق. قوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا﴾ إن قلت: لَا يلزم من عدم الرؤية عدم الوجود؛ والآية إنما سيقت لبيان عدم وجود ذلك، كما قال الزمخشري، قلت: المقصود بيان تعديد النعم عليهم وعدم تألمهم بما ذكر، فالمعنى: [لَا يرون فيها حرّ شمس*]، كما يرونه في الدنيا مؤلما. قوله تعالى: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ استدلال الزمخشري ببيت الأعشى على كون الزنجبيل مستطابا عند [العرب*]، يرد بأن الآية مكية، والأعشى متأخر عنها، فيكون سمع الآية فأخذ [منها*] كونه مستطابا، والأعشى مات كافرا، وإنما يصح الاستدلال لو كان البيت لغيره سابقا على الآية. قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ نقل الطيبي في سورة الأنعام عن ابن الحاجب أن (أَوْ) هذه بمعناها وهو أحد الأمرين، وإنما جاء التعميم من [النفي*] الذي فيه معنى [النهي*]؛ لأن المعنى قبل وجود [النفي*] [تطع*] منهم آثما أو كفورا، أي واحدا منهما، فإِذا جاء [النفي*] ورد على ما كان ثابتا في المعنى فيصير المعنى، ولا [تطع*] واحدا منهما فيجيء التعميم من وجه [النفي*] الداخل بخلاف الإثبات، قال الطيبي: وهو معنى دقيق حسن. قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ هل معناه زمنا طويلا، أو المراد الليل الطويل من الليالي، وكان بعضهم يتحرى أطول ليل في العام، فيقومه [رَعْياً*] لهذين الاحتمالين. قوله تعالى: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ راجع لقوله تعالى: (حَكِيمًا). قوله تعالى: (وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ). راجع لقوله تعالى: (عَلِيمًا) فهو لف ونشر. * * *

المرسلات 77:1

سُورَةُ الْمُرْسَلَاتِ قوله تعالى: ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ قيل: الرياح، وقيل: الملائكة، وهو على هذا صفة، ولا يصح حذف الموصوف، وإبقاء [صفته*] إلا بدليل، إما اشتهار الأسماء أو معلومية الموصوف، أو نحو ذلك، وليس ذلك هنا إلا [بدليل*] على إرادة الرياح والملائكة؟ والجواب: بأحد أمرين: إما بكون الملائكة من نوع ما يرسل، وصار ذلك معلوما؟ فلذلك حذف، لكن الرياح ليست من نوع ما يرسل، وإما بأن المقصود من الكلام [دلالته*]، أما الموصوف [فهل يجوز*] حذفه وإبقاء الصفة؟ [يجوز*]، والكلام هنا في الثاني. أعني أن المقصود الصفة، فلذلك اعتنى بذكرها دون الموصوف، فإِن قلت: كيف يصح تفسير المرسلات بما لم يرد فيه حديث ولا أثر؟ قلت: يصح حمل ألفاظ القرآن على مدلولها لغة ما لم يعارض معارض. قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢)﴾ ما [ردَّ*] به الزمخشري هنا على الشاعر صحيح؛ لأن الشاعر قد ألف في معارضة القرآن و [... ]. البيت الذي ذكره، وزعم أنه أتى بأبلغ من تشبيه الآية، ولم يدر أن تشبيه الآية أبلغ من حيث اشتماله على [... ]، وأن في قوله: (كأنَّهُ) وفي البيت الكاف فقط، وقد تقرر أن قولنا: زيد كأنه الأسد، أبلغ من قولنا: زيد كالأسد (١). * * * سُورَةُ عَمَّ قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠)﴾ أخذ منه صحة صلاة العريان في الظلمة. قوله تعالى: ﴿كَانَ مِيقَاتًا (١٧)﴾ الوقت أخص من الزمان الواقع فيه مظروفه. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ... (١٨)﴾ عبر عن النفخ بالمضارع، ثم قال (وَفُتِحَتِ) (وَسُيِّرَتِ) بالماضي؛ لأن النفخ يتجدد شيئا بعد شيء، قال [تعالى*]: (ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى) وهي ثلاث نفخات، والنفخ والسير يقع [دفعة*]. (١) النص عند الزمخشري هكذا: وفي شعر عمران بن حطان الخارجي: دعتهم بأعلى صوتها ورمتهم؍ بمثل الجمال الصّفر نزّاعة الشّوى «١»؍ وقال أبو العلاء: حمراء ساطعة الذّوائب في الدّجى؍ ترمى بكلّ شرارة كطراف «٢»؍ فشبهها بالطراف وهو بيت الأدم في العظم والحمرة، وكأنه قصد بخبثه: أن يزيد على تشبيه القرآن ولتبجحه بما سوّل له من توهم الزيادة جاء في صدر بيته بقوله «حمراء» توطئة لها ومناداة عليها، وتنبيها للسامعين على مكانها، ولقد عمى: جمع الله له عمى الدارين عن قوله عز وعلا، كأنه جمالات صفر، فإنه بمنزلة قوله: كبيت أحمر، وعلى أن في التشبيه بالقصر وهو الحصن تشبيها من جهتين: من جهة العظم، ومن جهة الطول في الهواء. وفي التشبيه بالجمالات وهي القلوس: تشبيه من ثلاث جهات: من جهة العظم والطول والصفرة، فأبعد الله إغرابه في طرافه وما نفخ شدقيه من استطرافه. اهـ.

النازعات 79:33

قوله تعالى: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ فيه سؤال [تقريره*] أن عندنا قاعدتين ظرفية وبيانية؛ أما البيانية، فقالوا: إن الكلام المشتمل على أساليب يزداد تفننا وحسنا، وأما ظرفية فتقتضي أن دوام التماثلات كالمتخلفات في الاستماع، قلت: وجوابه أن الآية لم تدل على الحصر؛ بل هذا بعض ما ينعمون به، ولهم أنواع أخر من النعيم. * * * سُورَةُ النَّازِعَاتِ تأمل سر العدول عن صريح المطابقة اللفظية في التأكيد بالمصادر في (وَالنَّاشِطَاتِ) (وَالسَّابِحَاتِ) (فَالسَّابِقَاتِ) دون (وَالنازِعَاتِ... (١).. فلم يقل: والنازعات نزعا. قوله تعالى: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ فيه سؤالان: الأول: ما السر في التعبير عن المقول [ثانيا*] بـ (قالوا) بصيغة الماضي، بخلاف ما قبله؟ الثاني: ما وجه تكرير لفظ القول؟ وجواب الأول: أن المقول له حالتان: تارة يعبر عنه من حيث وقوعه متجردا شيئا فشيئا، وتارة باعتباره وصيرورتهم عظاما ليس دفعة؛ بل شيئا فشيئا، [فأشبه*] المضارع، وحالهم في الرجعة والكرة المنكرة لديهم دفعة واحدة، فجعل كالواقع فأشبه الماضي. وجواب الثاني: أنه لما كان المقول الثاني في غاية الشناعة أطنب فيه. قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)﴾ الظاهر أن هذا أول ما أنزل من قصص موسى - عليه السلام -؛ لأن السورة مكية، وانظر ما سر التعبير بالحديث دون النية. * * * سُورَةُ عَبَسَ (الأعمى) [عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) *] فيها دليل [لما استدل به*] ابن الحاجب في مسألة اجتهاده عليه السلام بـ (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ)، وما أخذه ابن عطية من لفظ [الأعمى*] لَا يصح؛ لأن هذا من الله لَا يقاس عليه، وبعض كلام الزمخشري هنا غير حسن. قوله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنْسَانُ... (١٧)﴾

عبس 80:34

خرج ابن خروف في أوائل شرح سيبويه أن مثل هذا في القرآن لَا يجوز أن يكون دعاء. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤)﴾ بعض هذه الأمور الستة متكررة منعكسة. قوله تعالى: ﴿الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ إن جعل الفجرة منه [لما صدق*] عليه الكفرة، يكون التقسيم غير مستوف؛ لأن [؍ ] قسم ثالث، وإن جعل غير تابع للكفرة كان مستوفيا.؍ * * * سُورَةُ (التَّكْوِيرِ) أكثر ما ذكر في المكي الوعد والوعيد وبراهين الحشر والنشر، وما أشبه ذلك؛ لأنه نزل بعد نزول كثير من الأحكام في المدني، وتقرر أيضا في السنة، وما نقض به ابن الحاجب على الزمخشري (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥).. لَا يتعين؛ لأن للزمخشري أن يقول قوله (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) وما بعده، هذا أول القسم؛ لأن قوله (فَلا أُقْسِمُ) حتى يلزم منه إظهار فعل القسم، ويتم جواب الزمخشري؛ لأنه ليس في (وَاللَّيْلِ) إلى آخره إظهار فعل القسم مع الواو. * * * سُورَةُ الانْفِطَارِ قوله تعالى: ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١)﴾ انظر ما ذكره ابن التلمساني في أول مسألة من الباب الخامس من شرح المعالم اللدنية، نقل عن بعض الحكماء أن الإنسان هو ذو القوة الفكرية، وعن بعضهم أنه الحيوان الناطق، ونقض بدخول الجن والملائكة فزاد الكاتب فرده ابن التلمساني بهذه الآية، وانظر هل الحفظة متجددون أو متعددون. قوله تعالى: ﴿مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ العمل أعم من الفعل. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ في الآية حذف التقابل؛ لأنه ذكر في القسم الأول ما يحصل لهم دون محله، وفي القسم الثاني العكس.

المطففين 83:24

سُورَةُ الْمُطَفِّفِينَ قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ إن قلت: لم عدل عن المناسبة اللفظية؛ لأن نضرة النعيم مدركة بحاسة البصر، قلت: لأن متعلق المعرفة أعم من كونه محسوسا أو معقولا، فإن قلت: قوله تعالى: (فِي وُجُوهِهِم) تقتضي قصره على إدراك العين؟ قلت: يكون بالوجوه الذوات، فإِن قلت: يلزم على هذا إضافة الشيء إلى نفسه؟ قلت: لَا يلزم؛ لأن الضمير راجع إلى الأبرار، وهو وصف عبر به عن الموضوع، وعنوان الموضوع غير الموضوع، ولا يمتنع صدق وصفين على ذات واحدة. * * * سُورَةُ الانْشِقَاقِ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ ففي الآية حذف التقابل المعنى (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا).. ويجزى جنة وحريرا، وأما من أوتي كتابه بشماله فسوف يحاسب حسابا [عسيرا*] ويدعو ويصلى سعيرا، والظاهر أن القسمة [ظاهرة*]. * * * سُورَةُ الْبُرُوجِ قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ انظر ابن خروف في باب [أَنْ]. قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ حجة لأهل السنة؛ لأنه في قوة كل مراد مفعول لكن ليشكل بالمعدوم الذي علم الله أنه لَا يكون فاته مراد العدم وليس بمفعول؛ أي فموجود حالة عدمه؛ لأن متعلق القدرة الإيجاد والعدم ليس بإيجاد. * * * سُورَةُ الطَّارِقِ [وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) *] قال شيخنا ابن عرفة: رأيت بالديار المصرية كتابا في علم الهيئة ذكر فيه عن بعض الملوك أنه سأل جماعة من العلماء لم تظهر الكواكب بالليل دون النهار؟ فقالوا يحجبها شعاع الشمس، وفي الليل تحول الأرض بينها وبين الشمس، فقال: قد ثبت أن الشمس قدر الأرض أربعمائة مرة ونيف، [والجرم الصغير*] لَا يحجب الكبير؛ فيلزم على قاعدتهم

الأعلى 87:4

أن الأرض إذا لم تمنع ضياء الشمس أن لَا ترى النجوم بالليل، قال شيخنا: والجواب أن هذا الظهور والانحجاب إنما هو باعتبار الرائي لَا المرئي، ونحن في مخروط ظل الأرض فلا يدرك ما يخرج عنه؛ لأن الخارج عنه من الشعاع مرافقنا عن أفقنا، ومعلوم أن من هو في الظلام يرى من هو في الضوء ألا ترى أنا نرى بالليل النار البعيدة عنا، ومن هو عندها لَا يرانا؛ فنظير الكلام الليل؛ لأنا حينئذ في مخروط ظل الأرض فلذلك رأينا النجوم، ولما كنا بالنهار في الضياء يمنعنا رؤية النجوم، وإنما عبر بالطارق؛ لأن النجوم تأتي في كل ليلة طروقا يطلع كل ليلة نجوم لم تطلع قبل، وكان الشيخ الفقيه أبو العباس أحمد بن إدريس يقول: من نظر إلى جدي بنات نعش، وقال أيضا (النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)، (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ) (فَسَيَكفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فإِنه لا يلدغه عقرب ما بقي من عمره، وإن لدغته لم تضره وذكر أنه جربه، فصح. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ الحفظ مقول بالتشكيك؛ فالمجنون محفوظ بأن يصاب بأكثر [مما به*]، أو المراد بالحفظ ما تضمن قوله تعالى: (وإنَّ عَلَيْكمْ لَحَافِظِينَ). * * * سُورَةُ الْأَعْلَى (سَبِّحِ) قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ فيه سؤالان: الأول: الخلق صفة فعل حادثة، والتقدير صفة فعل قديمة؛ لأنها إما بمعنى قضائه، أو بمعنى إرادته الشيء على صفة ما دعي سابقة على الخلق [فلم*] أخرت؟ والجواب: أن ذلك بالنسبة إلى الفاعل، وأما بالنسبة إلى المخاطب فينظر أولا إلى المخلوق وصفته، فيعتقد أن فعله كان عن إرادته. وتقدير السؤال الثاني لم كرر الموصول في الخلق والتقدير، ولم يكرره في التسوية والهداية؟ والجواب: أنه أشار إلى قرب التسوية من الخلق والهداية من التقدير، وقوله (خَلَقَ فَسَوَّى) إشارة إلى وقوع خلقه على وفق مراده فالأحدب خلق في أحسن تقويم؛ لأن ذاته أتت على وفق ما قدره الخالق وأراده.

الغاشية 88:6

[الثَّالِثُ*]: قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى) أي [مَآلُكَ*] عندنا [أَعْظَمُ*] مما أعطيت مِنْ كَرَامَةِ الدُّنْيَا. الرَّابِعُ قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى) قال [ابْنُ*] إسحاق: [يُرْضِيهِ بِالْفَلَجِ*] فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابِ فِي الْآخِرَةِ. وَقِيلَ: يُعْطِيهِ الْحَوْضَ وَالشَّفَاعَةَ، ولا يرضى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يدخل أحد من أمته النار. الخامس: ما عدده عليه من نعمه في آخر السورة. [السَّادِسُ: أَمَرَهُ بِإِظْهَارِ نعمته عليه، وشكر ما شرفه به بِنَشْرِهِ، وَإِشَادَةِ ذِكْرِهِ*] بِقَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [فَإِنَّ مِنْ شُكْرِ النِّعْمَةِ التَّحَدُّثَ بِهَا*] وهو خاص به عام لأمته، قال ابن عرفة: فإن قلت: الترك أعم من الخصوص، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فلو بدأ بنفي الأخص لكان تأسيسا، فلم عدل عنه إلى التوكيد؟ فالجواب أن التأكيد هنا أبلغ؛ لأنه في مقام الاعتناء والتعظيم للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتنزيهه من الخصال الذميمة كلها. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ في تفسيره وجوه أحسنها ما قاله الزمخشري: من أباه مات وهو في بطن أمه في سادس شهر، وماتت أمه وهو ابن ثمان سنين، فكفله أبو طالب وذلك من نعم الله عليه، قال ابن عطية: وقيل لجعفر الصادق: لم يُتِّم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟، فقال: لئلا يكون عليه حق للمخلوق، قيل لابن عرفة: العصمة تمنع ذلك؟ فقال: أجمع المسلمون على أن السلامة من التكليف أحسن من الدخول في عهدة التكليف [وقضائه*]، وقصارى العصمة إنما توجب اتصاف المعصوم بالكمال ولا توجب اتصافه بالأكمل [احتمالا*]. وقيل: لئلا يكون عليه سبيل وحق للمخلوق، ورده ابن عرفة بأن عمه كفله فيلزم أن يكون عليه الحق، قال ابن عرفة: وأورد سؤالا فقالوا [اليتم*] ماض فهلا عبر عنه بالماضي لمن يشاء، قال: وأما المتكلمون، فقالوا: إن القرآن على ثلاثة أقسام؛ قسم في [صفات الله وما يجوز له وما لَا يجوز*]، وقسم في أمور الدنيا، وقسم في أمور الآخرة، و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تضمنت القسم الأول فقط، ولذلك سميت سورة الإخلاص [لأنها جمعت أو خلصت لصفات الله*]، وأما (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) فيضاف إلى هذه الأقسام الثلاثة قسم رابع وهو أن التعبد لَا يصح له الإخلاص حتى يتبرأ من كل معبود سوى الله، و (قُلْ يَا أَيُّهَا

الغاشية 88:11

سُورَةُ الْغَاشِيَةِ قوله تعالى: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾ من باب نفي الشيء بنفي لازمه؛ أي لَا لغو فيها، فيسمع، مثل "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ". * * * سُورَةُ الْفَجْرِ [وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣) *] فسر بعضهم الشفع والوتر بمقدمتي القياس ونتيجته، [واعتُرِضَ*] بأنا نجد النتيجة غير وتر، وهي نتيجة الشرط في الجزاء التام فإِنها من [**كتبه]. * * * سُورَةُ اللَّيْلِ قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ كون السعي شتى معلوم، [والمقصود*] التهييج على العمل بدليل ما بعده. * * * سُورَةُ الضُّحَى [وَالضُّحَى (١) *] قال ابن عرفة: فيه مناسبة قسم بالمقسم به؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي وقت الضحى ويصلي في جوف الليل. قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) فهما وقتان ثبت لهما الفضيلة. قال الزمخشري: الأصل تقديم القسم بالضحى؛ لأنها الساعة التي كلم الله فيها موسى، وألقي السحرة فيها سجدا، بقوله (وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) قال ابن عرفة: ويخرج من هذا الجواب عن سؤال مقدر، وهو لأي شيء قدم الضحى على الليل مع أن الأصل تقديم الليل؟، وورد في صلاة الضحى أنها صلاة الأوابين، والصلاة في جوف الليل فضلها بأن ورد في الصلاة آخر الليل أنها معهودة، فقد قال تعالى (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ) قال عياض في الشفاء: [تضمنت هذه السورة من كرامة الله تَعَالَى لَهُ، وَتَنْوِيهِهِ بِهِ، وَتَعْظِيمِهِ إِيَّاهُ سِتَّةَ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: الْقَسَمُ لَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ مِنْ حَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى» أَيْ وَرَبِّ الضُّحَى. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ دَرَجَاتِ الْمَبَرَّةِ*]. الثاني: مكانته عنده بقوله (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ) أَيْ مَا تَرَكَكَ وَمَا أَبْغَضَكَ، وقيل: وَقِيلَ: مَا أَهْمَلَكَ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَاكَ.

العاديات 100:1

الْكَافِرُونَ) ليس أكبر من البراءة، وأما (إِذَا زُلْزِلَتِ) فالقرآن يشتمل على أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهذه لم تتضمن غير أمر الآخرة فكلفت بعدل نصفه، وانظر البيان والتحصيل لابن رشد في أول رسم [**التحريم] عند حرفه من كتاب الصلاة الثاني، وانظر العارضة لابن العربي [**والاعتناء من في كتاب]. * * * سُورَةُ (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا) (١) الظاهر أنها الإبل كما قال ابن [عباس*] ذلك إن صح ذلك عنه؛ لأن العاديات جمع عادية، وعادية جمع فهو جمع الجمع، وهو بعيد، وغزوة بدر على ما قال: لم يكن فيها إلا فرسان، قال ابن عرفة: والقسم يحتمل الجهاد والإبل مجازا، والمراد كأنها أولها حقيقة كما قال الفقهاء يسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه، فاعتبروا الفرس نفسه أو نعته، وحذف الموصوف هنا مع أن الصفة خاصة وهي للمدح؛ لأن هذه الموصوفات كلها اشتركت فيه بمعنى الذي قد أقسم لأجله، ونحوه قد تقدم في النازعات، وفي سورة (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى). قوله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ ابن عرفة: هو عندي اعتراض؛ لأن الخيل لَا تضبح إلا في وسط عدوها وفي آخره عند إخفاق نفسها وشدة جريها، وذلك مظنة [لكونها عانت*] العياء والكلل بحيث لَا تعدوا بعدوها الإبل، بدليل الواحد منا إذا توسط في الجري وأجهد نفسه فإنها مظنة لضعف قوته، قال (فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا) احتراسا من ذلك، وسبيلها على أن شدة جريها لم يزل بحيث يقدح الزناد نحو فرسها بحوافرها، وبالغ في وصفها

العاديات 100:4

بشدة الغور والقدح والضبح هديا كلها مشتغل بأمور الحرب والترتيب بالفاء موافقة لحالتها الوجودية فهي أولا تعدو ثم تقدح أواسط العدو، ثم تصل إلى محل العدو فتغير عليه في الضبح، وقال (ضَبْحًا)؛ لأن غزوة بني المصطلق كانت ضبحا وعلى غفلة العدو، وانتهازا لفرصة فيه. ابن عطية: [الْعادِياتِ في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها*] قوله تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا﴾ الفاء إما ظرفية والمعنى بذلك الوقت أو بالعدو أو بالمكان، وإما سببية، والمعنى فأثرن بالعدو والضبح، نقعا: أي غبارا. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ ابن عطية: الضمير هنا بلا شك عائد على الإنسان، والخير المال، ابن عرفة: ويحتمل أن يعود على الله تعالى، والخير الطاعة، كما ورد أن الله تعالى [يحب*] الطاعة، قال: وإذا كان الضمير للإنسان، كما قال الفراء، فالمراد بها الكثرة، أي وأمته لحب الخير لشديد حب الخير وهو من تكرار الظاهر بلفظه فأغنى عن الرابط، كقوله تعالى: (فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ) أي عاصف ريحه، وأبطله ابن عرفة بأن ريحه الفاعل فيه مضاف حذف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فأعرب بإعرابه فاستتر فلم يحذف منه فاعل في الحقيقة، بخلاف [**من]، فإِن الشدة من صفة الحب فإِضماره يؤدي الفاعل، وهو توكيد قوله تعالى: (يَعْلَمُ) أي جهل فلا يعلم، وأنكر عليهم عدم اعتقادهم ذلك علما، فيتناول إنكار من يظن ذلك، ومن يشك فيه، وفي سورة المطففين (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ) وتحصر على عدم ظنهم ذلك في أحد تفسيري الزمخشري، وابن عطية، قال: الظن هنا يعني العلم، وحكاه الزمخشري قولا. قوله تعالى: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾

العاديات 100:10

مع أن الغريق والحريق ومن أكله السباع والحوت ليس في القبر إما باعتبار الأعم الأغلب، وإما لأن الجميع مآلهم إلى الأرض فهي قبورهم. (وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠).. أي ظهر ما كان حاصلا في الصدور والتحصيل متعلق بالأقوال والأفعال، لكن لما كانت الأعمال كلها من طاعة وعصيان [لا تصح*] إلا بنية، لحديث: "إنَّما الأَعْمالُ بِالنِّيَّاتِ" أسند التحصيل إليها؛ لأنها رأس كل عمل. قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ قال: المراد أنه عليم علم المجازاة، وكذلك قيده بـ (يَوْمَئِذٍ) وإلا فهو عليم بهم مطلقا، فإِن قلت: هلا قيل: إن ربك، فإِن الآية وعد لنا ووعيد لهم، ولفظ الربوبية يقتضي الحنان والشفقة؟ فالجواب: إذا غلب مقام البشارة، وإذا كان خبيرا بهم خبر [المجازاة*] مع استحضار مقام التربية والحنان، فأحرى مع عدم ذلك. * * *

القارعة 101:1

سُورَةُ (الْقَارِعَةُ مَا الْقَارِعَةُ) [الْقَارِعَةُ (١) *] أورد ابن عرفة أن المبتدأ لابد أن يكون معلوما، والخبر مجهولا، فإن [كانت*] القارعة خبرا في الجملة الثانية بطل كونه مبتدأ في الأولى، وأجيب بوجهين: إما أنه فيهما مبتدأ [وخبره*] في الثانية (ما) فهو معلوم، وإما بأن ما تعملونه من حيث كونها قارعة بمعنى أنها تقرع الأسماع ومجهولة من حيث ما يشاء من قروعها من الخير [والشر*] وتفريق أجزاء [الجسم*]، وغير ذلك، قلت: وضعف بعض الأول بأن سيبويه نص أن الاستفهام هو المبتدأ، مثل: من زيد الآتي؟، مثل: كيف زيد؟؛ لأجل أن كيف ظرف، قال: ولا يصح تضعيفه بأن يقال: إنه وخبره خبر عن الأول، وانظر لما تقدم في الواقعة. قال أبو حيان: وقرأ عيسى بنصبهما على إضمار اذكروا القارعة، فـ (ما) زائدة للتوكيد، والقارعة توكيد لفظي للأول، ابن عرفة: الصواب أن (ما) نافية فيه، والفاعل فيه فعل، أي ما يعلم القارعة والأصل عدم الزيادة. قوله تعالى: [(يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ... (٤) *] ابن عطية: [يَوْمَ*]: ظرف العامل فيه القارعة، واعترضه أبو حيان بأنه إن أراد لفظ القارعة الأول وهو في صفة الألف واللام، فيلزم الفصل بين الصلة والموصول بآخر بأجنبي وأيضا فقد قيل: القارعة علم، وعلى هذا فلا [يعمل*] في الظرف وإن أراد الثاني فلا يعطيه المعنى، وأجاب ابن عرفة: عن كون القارعة علما، فلا يعلم أن الجوامد قد تعمل في الظروف نحو: أنا ابن مارية أنا [... ]، وقال الزمخشري: [الظرف نصب بمضمر*] بمعني دلت عليه القارعة أي يقرع يوم، وقيل: العامل مقدر أي اذكر يوم، ويكون العامل [مقدرا*] أي اذكر، قال ابن عرفة: فعلى هذا يكون عاملا فيه عمل الفعل في المفعول به، وعلى الأولين يعمل فيه عمل الفعل في الظرف، قلت: لأن الذكر لَا يكون في ذلك اليوم، وإنما يذكر اليوم نفسه. ونقل عن المفسر المشرقي أن (ما) في القارعة صفة للقارعة، (وَمَا أَدْرَاكَ) اعتراض، (يَوْمَ يَكُونُ) خبر القارعة الأولى، ورده ابن عرفة: بأن جملة الاستفهام غير خبرية، فلا يصح كونها صفة إلا على إضمار القول مثل: جاؤوا [بِمَذْقٍ*] هَلْ رَأَيْتَ الذِّئْبَ قَطْ؟، قال ابن عرفة: ويحتمل أن تكون الجملتان معا اعتراضا، كما قالوا في قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧). إلا ابن مالك فيما أظن، ذكر أنه بجملتين دليل. قوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾

القارعة 101:6

قيل العهن الصوف الأحمر، وقيل [الصوف المصبغ*] ألوانا، واحتج هؤلاء بقول زهير: كَأَنَّ فُتَاتَ العِهْنِ في كلِّ مَنْزِلٍ؍ نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ [الفَنَا*] لم يُحَطَّمِ؍ و [الفَنَا*] عنب الثعلب وحبه قبل التحطيم فيه الأصفر والأحمر والأخضر. ابن عرفة: هو عنب الذئب عندنا، وقال: لَا علم الذات [نفت] من الشيء، والعهن [الصوف المصبوغ*] المشبه بحب [الفَنَا*]، و [الفَنَا*] شجر له حب أحمر شبه ما تفت من العهن الذي يزين به الهودج إذا نزلت بغصون [الفَنَا*]، وقوله: لم يحطم أراد أنه إذا كسر ظهر له لون غير الحمرة، وإنما تشتد حمرته ما دام صحيحا. ابن عرفة: وذكر صاحب فقه اللغة أن البعض لَا يصدق إلا على الصوف الملون والمنقوش المتخلخل الأجزاء، وهو الذي ليست أجزاؤه متراصة ولا ينفصل بعضها من بعض، فإن فصل موضع شيء هنا وشيء هناك فذاك تفريق لَا نفش. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ ابن عرفة: الفاء إما للاستئناف، أو للسبب على وجهين: إما باعتبار الوجوه، مثل: قاتل زيد فظفر بعدوه، وإما باعتبار الذكر البعضي، مثل: نزل بزيد أمر مهول فقتل عدوه، وسبيت زوجته وسلب ماله؛ فالأول هنا غير الثاني؛ لاستحالة كون الشيء سببا في نفسه، وكذلك هو في هذه الآية، والموازين إما جمع موزون، أو جمع ميزان، فعلى الأول الله زاد الرجحان بخلاف الثاني، وهل الموزون الصحف أو الثواب [المعد*] على الأعمال، وأما على الأعمال أنفسها فيستحيل وزنها؛ لأنها [أعراض*] قد ذهبت، قال: وظاهر كلام ابن عطية أن المؤمنين لَا بد أن ترجح كفة حسناتهم، لكن من رجحت منهم حسناته على سيئاته لم يدخل النار بوجه، ومن ساوت حسناته سيئاته اقتص منه بقدر سيئاته، ثم يدخل الجنة، والكفار ترجح سيئاتهم على حسناتهم، قال: والمشهور عند أهل السنة أنه ميزان بكفين وعمود. قال ابن عرفة: والآية عندي من حذف [التقابل*] أي (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) ومرتبة خالية، (وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ) فهو في عيشة كارهة وأمه هاوية، قال:

القارعة 101:9

ومن الأظهر أن (ما) موصولة تقتضي وجود الموضوع للحكم عليه، والشرطية لَا تدخل على وجوده، ولا على إمكان وجوده، ومعنى (أُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩).. : إما أنها أم لهم مأوى، وإما أنها [جهنم*] وهو الأظهر، لقوله تعالى: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠).. قال: وعلى الأول يعود الضمير على المفهوم من السياق، أي ما هي منزلته، ووصفها بـ (حَامِيَةٌ (١١).. إشارة إلى التفاوت الذي بينها وبين نار الدنيا، فنار الدنيا بالنسبة إليها ساكنة. * * *

التكاثر 102:1

سُورَةُ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) قوله تعالى: ﴿(أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ ابن عرفة: الشغل: هو الإقبال على الأمر الدنيوي بالبدن والقلب بحيث يذهل عن الأثر المصلح جملة، قال: (شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا) فلا يحسن اعتذارهم بذلك إلا إذا فهم أن قلوبهم لم تزل عامرة بالجهاد راغبة فيه، ابن عرفة: وهذا خبر في معنى النفي، وهو قليل في الخبر المثبت، والأكثر في الخبر المثبت كونه يعني الأمر، مثل (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ)، وفي الخبر النفي كونه بمعنى النهي (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) ابن عرفة: وعادتهم يقولون: هل هذا من باب [لا أرينك*] هاهنا؛ لأن الفعل أسند لغير فاعله بخلاف: لَا تعد يا سيدي، كذلك هنا ليس المنهي التكاثر، وإنَّمَا المنهي المفعول. قال: وعادتهم يجيبون بأن ذلك إنما هو في الفاعل الذي يمكن وقوع الفعل منه؛ لأن وقوع الرؤية هنالك من كل واحد منهما ممكن حقيقة، وأما هنا فالتكاثر معنى لا يمكن وقوع الفعل منه بوجه، وانظر ما تقدم في [المنافقون*] (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ) وفي الغاشية (لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً). قوله تعالى: ﴿حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ إن أريد تفاخرهم بكثرة [الأحياء والأموات فما بعدها داخل فيما قبلها*]، وإن أريد تفاخرهم بكثرة المال إلى أن ماتوا فما بعدها غير داخل، وزيارة القبور محمودة، وكان بعضهم يقول إذا رأيت الطالب في ابتداء أمره يكثر من زيارة القبور، فاعلم أنه لَا يفلح لاشتغاله عن طلب العلم بما لَا يجدي شيئا. قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ قيل لابن عرفة: نص ابن مالك وغيره أن سوف أبلغ من التنفيس بالسين، فكيف يفهم من قول ابن عبد العزيز بعث بالقوم للقيامة ورب الكعبة، فإِن الزائر منصرف غير مقيم، فقال: لَا يتنافيان، والتنفيس يصدق بمطلق زمن موصوف بالطول. أو نقول: سوف للتحقيق، والعطف بـ ثم إما تأكيدا.

التكاثر 102:4

قال الزمخشري: ويكون التأكيد بالثاني أبلغ، وإمَّا لاختلاف المعنى، فالأول علمهم بالبرزخ، والثاني علمهم بالقيامة، وإمَّا لاختلاف العلمين، فالأول في الكفار والثاني في العصاة، نقله ابن عطية، وضعف ابن عرفة الأول؛ لأن النحويين فرقوا بين العطف والتوكيد اللفظي في الجمل، كقول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، وليس فيه، وضعف الأخير لقول الزمخشري: إن الإتيان مبالغة في التأكيد، وأن الثاني أبلغ من الأول فلو قال الأول في العصاة، والثاني في الكفار لكان صوابا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ (كَلَّا) زجر لما تقدم فيتوقف قبلها، ابن عرفة: ويحتمل أن يكون زجرا لمعنى لما بعد عاد لاسيما عند من يقول: إن لو أن نفيها إيجاب وإيجابها نفي؛ لأن المعنى: لو تعلمون علم اليقين لانزجرتم، فيدل على أنهم [لا*] يعلمون ذلك وغفلوا عنه فزجرهم على عدم العلم. قوله تعالى: ﴿عِلْمَ الْيَقِينِ (٥)﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف، ابن عرفة: فيه عندي دليل على أن العلوم الحادثة متفاوتة، وهي مسألة خلاف بين الأصوليين، وهما مسألتان في أصول الدين، فقيل: إن العلوم كلها متساوية، وقيل مختلفة، ومنهم من جعل الخلاف لفظا، وقال بعضهم: أما في دلالة العلم فلا تفاوت بينهما أصلا، وأما بالنسبة إلى الطرق المحصلة إلى العلم فلا يشك في [... ] ضروري ونظري، فالضروري لَا يعرض له وهم ولا تشكيك، والنظري يعرض فيه التشكيك والمخالفة في الاستدلال، فهذا إذا كان راجعا إلى الآخرة فهو ضروري، وهو أقوى العلوم فلذلك قال: علم اليقين، وقد تقدم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ) (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ) وتقدم أنه إن أريد نفس وقوع ما تعلق به الظن [فهو*] بمعنى العلم، وإن أريد بالظن وقته فهو على بابه. قوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

التكاثر 102:8

هذه رؤية [بصرية*]، فإن كانت للمؤمنين فهو أعم من المعاينة فقط، والدخول، وإن كانت للكافرين فهي دخول، والثاني للكافرين ولذلك عطفه بـ ثم، وإن كان الأول للجمع فيكون بالثاني للكافرين ولمن يدخلها من عصاة المؤمنين، ويجيء فيه تفكيك الضمائر، وتقدم الفرق بين علم اليقين، وعين اليقين ما هو الأبلغ فيهما وإن كان الثاني أبلغ. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ إن كان سؤال [توبيخ*] للكافر، فظاهر تأخيره عن رؤية الجحيم؛ لأنهم [يسألون، قال تعالى*] (إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ)، وإن كان سؤال حقيقة، فيكون بعد رؤية الجحيم الرؤية التي هي عرض ومعاينة، لَا بعد الدخول كما قال الزمخشري [(عَنِ النَّعِيمِ) عن اللهو والتنعم الذي شغلكم الالتذاذ به عن الدين وتكاليفه*]. * * *

العصر 103:1

سُورَةُ (وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) ابن عرفة: يحتمل أن يكون الإنسان عاما استثنى منه الذين آمنوا وعملوا الصَّالِحَاتِ وبقي ما عداهم مسكوت عنه، أو يكون ذكر الكافر والطائع وبقي العاصي، أو يكون العاصي متصفا بالخسران؛ لأن مذهبنا وجوب إنفاذ الوعيد في طائفة من المؤمنين، أو يكون بالإنسان الكافر، والخسران في الدنيا، إما باعتبار الإقبال عليها إقبالا موصوفا بالخسران، وإما في الآخرة، فإِن قلت: لم كرر (تَوَاصَوْا) مع أن السورة قصيرة فالأصل فيها الاختصار؟ فالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: كان بعضهم يقول: سعادة الإنسان في قوتيه العلمية والعملية، قال (تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) راجع للقوة العلمية الاعتقادية، وهو معرفة الأحكام الشرعية بالأدلة والبراهين أو معرفتها تقليدا بناء على أن الحاصل علم، والتواصي بالصبر راجع للعمل، للحديث: " [حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ*] " وهما شيئان متغايران. الثاتي: قال: وكان بعضهم يقول: الأمران راجعان للقوة العملية، لكن التواصي بالحق راجع لامتثال المأمورات، والتواصي بالصبر راجع لاجتناب الشبهات. الثالث: قال الزمخشري: (تَوَاصَوْا بِالْحَقِّ) أي بالأمر الثابت الذي لَا يسوغ إنكاره، وهو الخير كله من توحيد الله وطاعته، وتواصوا عن المعاصي والصبر على الطاعة وعلى البلاء. وقوله: لَا يسوغ إنكاره، أي عقلا على مذهبه، قلت: وقيده من شيخنا ابن عرفة [... ]. * * *

الماعون 107:1

سُورَةُ (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) قال ابن عرفة: الخطاب للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أو لكل واحد من النَّاس، وذكروا إنما نزلت في أبي سفيان، وخصوص السبب لَا يمنع من [عموم*] الحكم، وإنما قال (يُكَذِّبُ) بالمضارع مع أن السياق يدل على أنه ماض لأمرين: إما للتصوير حتى كأنه أمر مشاهد في الحال، وإمَّا إشعارا لتأكيد إنكار ذلك لما منع الشرع من فعله، فكأنه غير واقع، فإِن قلت: قوله تعالى: (يُكَذِّبُ) يتعدى بنفسه ومفعوله متأخر عنه، فلم عدي إليه بحرف الجر، ولا يصلح أن تكون الباء سببية، والمفعول مقدر أي يكذبك أو يكذب الرسول بسبب الدين؛ بل بسبب الإخبار بالدين فالدين نفسه ليس هو سببا في التكذيب؛ بل السبب الإخبار به أو الدعاء إليه، فالجواب: إما بأن الباء ظرفية أو الفعل مضمن معنى التساوي، أي روى في الدين أو المفعول محذوف والمجرور على تقدير مضاف كما قلتم. قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ الدع: إما الترك أو الدفع بعنف، وهنا قالوا في الواجب والمندوب: أما الواجب فظاهر؛ لأن الذم على الترك من خصائص الوجوب، وأما المندوب فمشكل، قيل لابن عرفة: لَا إشكال فيه إذا فسرنا الدع بالدفع بعنف. قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣)﴾ الطعام إما اسم فهو على حذف مضاف أي على إطعام طعام المسكين إضافة استحقاق، والمسكين إذا كان أحوج من الفقير، فلا يتناول الفقير، وإن كان الفقير منه يتناوله اللفظ من باب أحرى، قال ابن عرفة: وهذا ينظر إلى قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: " [الصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ*] ". قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ قال الزمخشري: يتركونها حتى تفوتهم، أو يصلونها من غير خشوع، لما يكره من العبث باللحية والثياب وكثرة التثاؤب والالتفات، قال ابن عرفة: المراد بقوله (سَاهُونَ) تركها بالكلية إذ لو تركها تركا كليا لما صدق أنهم مصلون فيما مضى وتاركون في الحال، قيل: [(سَاهُونَ) *] اسم الفاعل حقيقة في الحال بلا خلاف، واختلف فيه باعتبار المعنى إنما الخلاف في اسم الفاعل إذا أريد به الزمان، وإنما إذا استعمل مجردا من الزمان محكوما به، فلا حذف في صدقه على الماضي حقيقة كما يصدق على الحال والمستقبل. قوله تعالى: (فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ). الفاء إما جواب شرط مقدر، أي إذ لم تعرفه بهذه المقالة فاعرفه بدعه اليتيم، وإما عاطفة عطف الجمل، أو عطف المفردات. قال الزمخشري: وذلك إما عطف ذات على ذات أو صفة على صفة والموصوف محذوف، والتقدير: أرأيت الإنسان الذي يكذب بالدين، فذلك الإنسان الذي يدع اليتيم، وإن كان من عطف الذوات كان التقدير: أرأيت الشخصين اللذين أحدهما يكذب بالدين، والآخر يدع اليتيم، ولا يحض على طعام المسكين، وتعقبه أبو حيان بأن ذلك معربة عن الشخص الذي يدع اليتيم، فكيف يشار به إلى الشخص الآخر المكذب بالدين، وهو غيره، فيتعين أن يكون الذي يدع اليتيم هو الذي يكذب بالدين، وأجاب شيخنا ابن عرفة عن الزمخشري بأن الإشارة هنا إلى لفظ الاسم دون معناه لَا يعود الضمير على اللفظ دون المعنى، مثل: عندي درهم ونقود. قال النابغة: قالَت أَلا لَيتَما هَذا الحَمامُ لَنا؍ إِلى حَمامَتِنا وَنِصفُهُ فَقَدِ؍ وأنشد سيبويه: [أَرَى كلَّ قومٍ قاربُوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ؍ ونحنُ خَلَعْنا قَيْدَهُ فَهْوَ سَارِبُ*]؍ جعل ابن عصفور ذلك كله عائدا على اللفظ فقط، أي عندي درهم آخر فاستقدم أو وانتقد النَّاس عليه، قال: ويحتمل أن يريد ونصف مثله، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فيحتمل أن يكون أشار إلى لفظ الإنسان المكذب بالدين والمراد إنسان آخر. قال ابن عرفة: وفي الآية معنى آخر حسن وهو أن الإنسان له ثلاثة أشياء يحمد على استخدامها في أعمال البر والرشاد، ويؤمر على استخلاصها في ضد ذلك وهي: العلم، والقول، والفعل؛ فالعلم يوصل إلى التصديق بوحدانية الله تعالى، وأنه ليس في مكان ولا زمان، وغير ذلك مما يجب له ويستحيل عليه، وإن من ذلك جنة ونارا، وثوابا وعقابا، فهذا معلوم بالفعل أو بالعقل. والفعل أن يفعل الخيرات، والقول بأن يأمر بها ويحض عليها، وقد وضعوا في الآية بعكس الأمور الثلاثة، فكذبوا بالحساب والعقاب والثواب فهذا ودع اليتيم فعل؛ لأنه [الدفع*] بعنف، ولم يحض على طعام المسكين فهذا القول؛ يقرأ الحسن بفتح الدال وتخفيف العين، ابن عرفة: وهذا أبلغ من الذم؛ لأنهم إذا ذموا على ترك اليتيم

الماعون 107:6

وعدم إعطائه المال، فأحرى أن يذموا على دفعه بعنف وضربه؛ لأن يدع بالتشديد يقتضي الدفع بعنف. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ عبر بالفعل المقتضي للتقاطع والتجدد شيئا بعد شيء؛ لأن المراءات إنما يكون للناس الناظرين له، وهؤلاء يلامون، أو يلاقون التكلف في كل الأوقات بل في أقلها؛ لأنه في الليل وفي بعض النهار في داره لَا يراه أحد، بخلاف (سَاهُونَ) فإن ترك الصلاة ملازم له، فلذلك عبر فيه بالاسم فهذا مفاعلة. قال الزمخشري: فالمراد في النَّاس عمله وهم يرون الثناء عليه والإعجاب به، قيل لابن عرفة: أما ذم الذي يرائي النَّاس عليه فظاهر، وأما ذم القاصر الذي يثنون عليه فمشكل، وظاهر المفاعلة ترتب الذم على الجميع، فأجيب بوجهين: إما بأن المفاعلة تستلزم ذم الفاعل لَا ذم المفعول له كقوله "من قاتل عليا فهو مذموم" ولا يلزم منه طائفة على الذين من حزبه ونفر الذي يضارب زيد فلا يلزم مجيء زيد. الثاني: أن يقول الذم يتناول من يثني على المرائي ويشكره ويشكوه وهو يعلم أنه مرائي في عمله وعبادته، أما من يثني عليه وهو يظن أنه مخلص في عبادته فلا ذم عليه، قيل لابن عرفة: والمرائي مذموم مطلقا سواء أثنى عليه أحد وتعجب من عمله أو لم يثن؛ لأن الذم إنما هو على قصده ونيته، قال ابن عطية: أن يثني عليه فلذلك كانت مفاعلة، [... ] الأجزاء المراءاة حقيقة إنما هي بالفعل وفي المعنى المقصود ولم يتصفا هنا من ذلك إلا أنهما اتفقا في نفس القصد لَا في المعنى المقصود، انتهى، قلت: وتقدم لنا عند ابن عرفة في [الختمة*] الأولى في هذه الصورة ما نصه: الكذب عبارة عن عدم مطابقة الخبر مدلوله، ويستعمل في الماضي والمستقبل خلافا لابن قتيبة فإن الخبر بالمستقبل غير المطابق [... ] خلفا، وهذه الآية رد عليه؛ لأن الذي هو المجازاة بالثواب والعقاب في يوم القيامة، وإنَّمَا قال: يكذب بلفظ المضارع، ولم يقل: كذب؛ لأن فعل الحال يؤتى به عند تعظيم الأمر وتهويله فيقتضي ذلك الشيء في الذهن حتى كأنه كالحاضر بين يدي المخبر به، قال تعالى (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً) ولم يقل: فأصبحت، وقال هنا: (يُكَذِّبُ) بقبح مقالته وعظمها. قوله تعالى: (عَنْ صَلاتِهِمْ).

الماعون 107:7

معمول الساهون وتقديم المعمول إما لإفادة الحصر قاله حازم، أو لأجل رءوس الآي لأن الفواصل فيها بالنون والواو ولا يمكن الحصر هنا لاقتضائه أنهم ليسوا ساهين إلا عن صلاتهم وليس كذلك. قوله تعالى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ والماعون الزكاة أو الدلو والحبل والسرجة وهي الزناد يطلبه منك الجار فتمنعه إياه، قال ابن عرفة: وقد يكون إعارة الماعون واجبة ومندوب إليها مثل الأول: إعارة الإبرة لخياطة الجائفة [وغيرها*] من الجروح التي تكون بحيث لو ترك صاحبها لمات، وذكر القرطبي هنا وابن ماجه عن عائشة، قالت: "يا رسول الله، ما التي لا يحل منعه، قال: الماء والنار والملح، قلت: هذا الماء فما حال الملح والماء، قال: من أعطى ملحا فكأنما تصدق بما يطيب به، ومن أعطى نارا فكأنما تصدق بما يطبخ به، ومن أعطى ماء حيث يوجد فكأنما عتق سبعين نفسا، وإن كان حيث لَا يوجد الماء فكأنما أحيا نفسا، ومن أحياها فكأنما أحيا النَّاس جميعا". * * *

الكوثر 108:1

سُورَةُ (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) قال ابن عرفة: انظر هل لهذا خبرا وإنشاء، فإن قيل: الإنشاء هنا مستحيل؛ لأن كلام الله تعالى القديم الأزلي، فالجواب أنه باعتبارهم متعلقة، فإن التعلق فيه خلاف هل هو قديم أو حادث؟، قلنا: التعلق [التنجيزي*] حادث، وأما التعلق الصلاحي فيصح هنا، وكذلك الفاعل هنا تشريفا للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو أبلغ من قوله تعالى: (قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) بحذف الفاعل. قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الفاء للتسبيب، أي بسبب ذلك اشكر ربك وصل له، والشكر يكون بالقول وبالفعل، ولذلك يجب تخصيصه بالصلوات الواجبة، ولاسيما إذا قلنا إنها صلاة الفجر يقع بجمع، حكاه الزمخشري [وابن عطية*] قال: وقيل صلاة العيد والأضحية، وقيل: [أمر بالصلاة على العموم*]، والنحر وضع اليمين على الشمال عند النحر، قال ابن عطية: أمر بالصلاة على العموم ففيه المكتوبات بشرطها والنوافل على يديها، قلت: وتقدم لشيخنا ابن عرفة في الختمة الأولى في عام تسع وخمسين وسبعمائة في شهر شوال عن [... ] نصه قوله (فَصَلِّ) الفاء للسبب ولا تكون عاطفة، فإن قلت للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لَا يصل بسبب أن الله الكوثر بل يعبده لذاته، وأنه أهل لأن يعبد، فالجواب: أن المعنى (فَصَلِّ) لأن الله أكرمك وأعطاك خيرا كثيرا، وليست السببية منحصرة في هذا بل [يعبده*] لهذا، ولكونه أهل لأن يعبد، ولا تكون الفاء عاطفة؛ لأنك إن عطفتها على الجملة الاسمية لم يصح إذ لَا يصح عطف الفعلية على الاسمية فإن عطفها على الفعلية لم يصح أيضا إذ لَا يصح عطف الطلبية على الخبرية. قوله تعالى: (لِرَبِّكَ). التفات بالخروج عن التكلم إلى الغيبة، إذ لم يقل فصل لنا، ويحتمل أن يريد بالصلاة المفروضة والنافلة، فيكون من استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه؛ لأن صيغة [افْعَلْ*] حقيقتها للوجوب وهي للندب مجازا. قوله تعالى: (وَانْحَرْ). يريد الضحايا والهدايا، فإن قلت: ثم قد جعلت للندب؛ لأن الأضحية سنة فكيف يعطفها على [فَصَلِّ*] وهي للوجوب عندنا، والواو تشترك في الإعراب والمعنى، قلت: اختلف في الأضحية، قد قيل: إنها واجبة سلمنا أنه مندوب إليها لكن نقول: الواو تشترك في معنى القائل خاصة تقول: زيد العاقل وعمرو قائمان، فلا يلزم منه أن يكون عمرو عاقلا، وإنما [شركت*] بينهما في القيام خاصة، وكذلك هنا [شركت*] بينهما في مطلق الأمر بهما فقط، وبقي نظر على أن الأصوليين اختلفوا في الأمر إذا عطف على أمر، وكذلك قال ابن عرفة في كتاب الطهارة: لما ذكر الخلاف في النوم هل هو حدث أو سبب في الحدث. * * *

الكافرون 109:1

سُورَةُ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) قال [ابن*] عرفة: القرآن كله مأمور بقوله وتبليغه، وتخصيص ما خصص منه بالأمور بقوله [(قُلْ) *] [قيل*] إما تعظيما لأمره، أو تهويلا لحاله واعتناء بشأنه، وإما لأنه هو جواب عن سؤال مقدر كما قال (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا) (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) فهذه الآية [تدل*] على أن الكفار طلبوا من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يعبد آلهتهم [سنة*] ويعبدوا هم [إلهه سنة*] فقال: "معاذ الله أن نشرك بالله شيئا"، [فقالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ونعبد إلهك*] فنزلت السورة. قوله تعالى: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ هذه حقيقة وصفية، أي لَا أعبد ما أنتم عابدونه من حيث [كونكم*] كفارا، قيل لابن عرفة: إنهم كانوا يشركون بالله، قال (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَهُم لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) فهل [هم*] عابدون الله؟ قال: لَا يصدق عليهم ذلك، وإنما المعنى لَا أعبد ما تعبدونه من حيث إنكم كفار تشركون بالله، [ولا توحدونه*]، بل اعبدوا الله عبادة توحيد واختصاص، قال: واختلفوا هل هذا التكرار تأسيس وتأكيد؟ فمنهم من قال: إن المراد بالأول: الاستقبال، وبالثاني: الحال فهو تأسيس، وقيل: هما معا للاستقبال، وهو تأسيس؛ لأن الأول [تضمن*] نفي العبادة منه، والثاني تضمن نفيها عنهم، ونفي الشيء عن الشيء ليس هو نفيه عن غيره، وأجاب بعضهم بأنه تأكيد لا يستلزم الأول له؛ لأنه نفى عنه الذي سيعبدونه في المستقبل عن العموم، فيتناول كل معبوداتهم في المستقبل على الإطلاق، وقد يتوهم أنهم يسلمون في المستقبل، فعبادتهم في المستقبل يلزم منهم عدم إسلامهم في المستقبل، وأنهم لَا يعبدون في المستقبل الأصنام بقوله (وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣).. تأكيد بهذا الاعتبار إلا أنه ليس [صريحا*] بل مستفاد من اللزوم، فإن قلت: الجملة الأولى قابل فيها مضارعين بمضارعين، والجملة الثانية قابل فيها ماضياً بمضارع فما [السر*] في ذلك؟ وأجاب الزمخشري: فيه إساءة أدب، قال: لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يكن في ابتداء أمره يعبد الله عز وجل، والكفار لم يزالوا في بدايتهم يعبدون الأصنام، ورده شيخنا ابن عرفة، بأن أكثر الأصوليين قالوا بأنه لم يزل متشرعا بشريعة إبراهيم عليه السلام، قال: وإنما الذي عادتهم يجيبون به: أن عبادة الأصنام لما كانت مذمومة شرعا أتى بلفظ الماضي الذي وقع وانقطع، وعبادة الله تعالى لما كانت مطلوبة فرغب فيها شرعا، أتى بها بلفظ المضارع الذي وقع ودام إشعارا بالحض على هذه، وبالنهي

الكافرون 109:5

عن تلك، انتهى كلام شيخنا في هذه الختمة، وذلك في أول ذي القعدة في سنة ست وسبعين وسبعمائة، وتقدم لنا عنه في الختمة الأولى فيها سؤالا عام تسعة وخمسين وسبعمائة ما نصه قوله تعالى: (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ) فيه سؤال لم يذكروه وهو أنه نفيت علة العبادة عنه صلى الله عليه وعَلى آله وسلم بلفظ الفعل، ونفيت عنهم بلفظ الاسم المقتضي للتبري والممانعة، والفعل يقتضي التجدد والانقطاع فكان ينبغي العكس؟ قال: والجواب: أن ذلك في الثبوت، وأما في النفي [فلا أفعل*] أبلغ، ألا ترى أن قوله (لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ) [لَا أوصف بوصف*] عبادتكم ولا أنتم عابدون معبودي، فيكون [بمعنى المضي*] على ما قال الزمخشري، وأجاب طلبة ابن عرفة بجواب آخر، وهو لما عزم تفضيل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم واستدامته على دينه، ولم يحتج إلى نفي عبادته معبودهم عنه بلفظ الفعل، ولما كان الأمر في حق الكافر محتملا للدوام على دينهم أو الإسلام، بعد الله الإسلام عنهم بلفظ الاسم المقتضي للمبالغة واللزوم؛ ليزول الاحتمال الذي [يتطرق*] بالاستماع، قال ابن عرفة: واختلف نقل الزمخشري، وابن مالك، فقال الزمخشري: في أن [لَا مخلصات الفعل [للاستقبال*] [وأن*] (ما) من مخلصاته للحال، فقال ابن مالك: إنما الأغلب فيها الاستقبال وقد تخلص للحال، ابن عرفة: وقول الزمخشري أصوب؛ لأنه إذا تعارض عمل الكلية الواحدة على الاشتراك والانفراد، [فحملها*] على الانفراد أولى. قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥)﴾ أطلق [(مَا) على*] من يعقل منهم من جعلها مصدرية، أي عابدون عبادتي، ومنهم من قال موضوعة موضع الصفة، أي عابدون الحق الذي أنا أعبده، [كمن*] رأى [زيدا*] الشجاع؛ فإما أن يقول: رأيت رجلا شجاعا، أو يقول: رأيت الشجاعة فتضعها موضع الموصوف. قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ جعل الخطاب في أول السورة معلقه راجع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لكون أصل السورة خطابه، وختمها به أيضا. * * *

النصر 110:1

سُورَةُ النَّصْرِ قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ قال الزمخشري: إذا منصوبة بـ (سبح*]، وهو لما يستقبل، والإعلام بذلك قبل كونه من إعلام النبوة، قال ابن عرفة: أما قوله إنها منصوبة فرده عليه أبو حيان لأجل الفاصل بالفاء، وهي مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها، ونص ابن السيد في شرح آداب الكتاب على [... ]، واحتج بقول الشاعر: إذا مات من بني تميم [؍ ] أن يعني مجيء مراد؍ قال ابن عرفة: والمعنى يدل على [عمل*] سبِّح فيها؛ لأنه إما أمر بالتسبيح وقت النصر، قلت: وكذا قوله تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ)، قال: وقوله الإعلام بذلك قبل كونه، إن قلت: قبل كونه كان يحتمل الوقوع هلا عبر عنه بـ إن، قلت: لما كان محقق الوقوع عبر عنه بـ إذا، قال: وهي المجيء حقيقة، فيكون مجازا في الإسناد وبمعنى الحصول فيكون مجازا في الأفراد، وهو [الأصوب*]، لأن الأول مختلف فيه عند الأصوليين. قال ابن عطية: وقرأ ابن عباس (إذا جاء النصر والفتح). قال الزمخشري وقرأ ابن عباس: إذا جاء فتح الله والنصر، قال ابن عرفة: المشهور أصوب؛ لأن النصر سبب في الفتح، والأصل تقديمه عليه. قال الزمخشري: في قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم "أجد [نفير*] ربكم من قبل اليمن" يريد رحمة ربكم. وعن الحسن لما فتح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مكة أقبل العرب بعضهم على بعض، قالوا: أما [إذ*] ظفر [بأهل الحرم*] فليس له يدان، أي فليس بالحرم يدان، قيل لابن عرفة: نصر ربك هذا سبب لاقتضائه الرحمة، فقال: اسم الجلالة هو الأصل، وما ورد على الأصل فلا سؤال فيه. قوله تعالى: ﴿فِي دِينِ اللَّهِ﴾ هو الإسلام، قال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ)، وقال (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلامُ) والمبتدأ

النصر 110:3

عندهم لَا يكون إلا أعم من الخبر أو [مساويا*]، فلا يسمى غير الإسلام دينا، ولا إسلاما بعد نزول هذه الآية، قال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا) مسلما فقال: المراد الإسلام اللغوي، وهو [مجرد*] الانقياد، وليس المراد الشرعي بوجه، أو يقال: إن السؤال غير ما قيل؛ لأنه إنما سماه مسلما على مقتضى شريعته، وقد كان دينه إذ ذاك يسمى إسلاما، ولذلك قال (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ... (٣).. أي من ذلك إما [بلفظ*] التسبيح، أو يجعل على التعزية، والفاء للمصاحبةَ أو للسبب، ابن عرفة: فإِن قلت: الشكر لَا يكون إلا في مقابلة النعمة، والحمد إما قسيمه أو أعم منه، والنصر والفتح المنصوص [عليهما*] نعم عظيمة، فهلا قيل: فسبح بشكر ربك؟ فالجواب أن الحمد صفة من صفات الذات الراجعة لها، وحمد الله لذاته أولى من حمده لفعله، كما أن عبادة الله تعالى لذاته أولى من عبادته لإنعامه، فأمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بأشرف الأمور، وهو أن [يكون*] تسبيحه مصاحبا لحمده المتعلق بذاته؛ لأنه أهل لأن يحمد، والمراد بالتسبيح خاص بالنبي صلى - الله عليه وعلى آله وسلم من جعل النصر والفتح خاصين له، وأما من جعلهما تامين في كل أمر؛ فالخطاب أيضا بذلك لكل من انتصر وافتتح البلاد. وقوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرْهُ) إن أريد به كل إنسان فهو على حقيقته، وإن أريد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فهو على معنى يليق به، باعتبار الانتقال من مقام إلى مقام أعلى منه. قوله تعالى: (إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا). ولم [يزل*] والتواب: إما صفة فعل أو صفة معنى؛ لأنه إن أريد به الذي يخلق التوبة لعباده، فهو صفة فعل، وإن أريد به القبول والصفح عن الجرائم المتقدمة فهو حكم شرعي، والحكم الشرعي هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين على سبيل الاقتضاء والتخيير، وخطاب القديم الأزلي، فيرجع إلى صفة المعنى، فهو فعلي أو قولي معنوي، يصح الأمران، وقال الزمخشري: إن كان في الأزمنة الماضية مثل خلق المكلفين (توابا) عليهم إذا استغفروه قال ابن عرفة: وهذا جار على مذهبه؛ لأنه ينفي ما قلنا ولا يثبته، وقال الإمام فخر الدين [ابن*] الخطيب في شرح الأسماء الحسنى: توبة العبد عبارة عن عوده إلى الإحسان اللائق بالربوبية، قال: وقال الخطابي: التوبة تكون لازمة ومتعدية، يقال: تاب الله على العبد أي وفقه للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا)، ويقال: تاب الله عليه، أي قبل توبته، وهي من تسمية الشيء باسم [ملائم يلائمه*]. * * *

المسد 111:1

سُورَةُ (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (١) ولم تبت يدا أبي لهب؟؛ لأن اليد [محل القوة والتكسب*]، فإسناد التب إليهما يستلزم تباب الجميع، بخلاف ما لو قيل: تب أبو لهب لاحتمل أنه تب لتوب ولده أو جاريته أو ضاع بعض ماله، ثم قال (وَتَبَّ) لأحد معنيين: إما لنفي احتمال أن يكون تب يداه فقط، وإمَّا [لتحقق*] وقوع ذلك حتى كأنه موجود في الحال. قال الشاعر: جزى ربُّهُ عني عديَّ بن حاتم؍ جزَاء الكلابِ العاويات وقد فَعَلْ؍ قال الزمخشري [في*] قوله تعالى: (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ... (٢).. تقديم المجرور إشارة إلى أنه هو المقصود الأعم [بالذكر*]، قيل لابن عرفة: وما يحتمل أن يكون نافيها، واستفهامه في معنى النفي، فقال: كونها نافية أجود؛ لأن الاستفهام في معنى النفي يقتضي أن المخاطب به توافق، والمنقول في السير: أن ذلك لم يقع حتى يوافق المخاطب عليه، وإنما توعد بوقوعه في الآخرة هو نفي حقيقة، وقال هنا [مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ*]، [بلفظ الماضي*]: وفي سورة الليل (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى) بالمضارع؟ فالجواب أنه سابق إلى تحقيق وقوع ذلك، قلت: وأيضا فهو في سورة الليل معطوف على جملة مستقبلة وهي (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى)، أو معنى لجملة مستقبلة، وهنا أتى بجملة ماضية، فناسب فيه المعنى. قوله تعالى: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ هذا إما تفسير لـ (تَبَّتْ)، أو زيادة في ذمه، والنفي عليه؛ [لأنه إن كان التب أعم فيشمل*] دنياه وآخرته، وباعتبار تقديمه بالنار في الآخرة فهو تفسير؛ ولذلك أتت الجملة غير معطوفة، وإن كان التب في الدنيا أو في الآخرة على الجملة؛ فهو تأسيس، وبيان، ويكون خسرانه باعتبار ما يناله في عرصات القيامة من الأهوال. قوله تعالى: (ذَاتَ لَهَبٍ).

المسد 111:5

تعظيم لها، فهو أبلغ من لو قيل: ملتهبة، قال ابن عرفة: احتج بها الأصوليون على جواز تكليف ما لَا يطاق؛ لأن أبي لهب [مأمور*] بأن يؤمن بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بكل ما جاء به، ومن جملة ما أمر به إيمانا إجماليا، وإنما يلزم تكليف ما لَا يطاق لو كان مأمورا بأن يؤمن به بكل ما جاء به إيمانا تفصيليا، فالأمر بالإيمان هو مطلق إجمالي يصدق ببعض الصور، وإخباره له بأنه لَا يصدقه ليس من تلك الصور من صدق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في كل شيء، وكذبه في شيء واحد فهو كافر بإجماع، فصح أن أبي لهب كافر مكذب له، ولو في بعض الأشياء دون بعض، ولا يلزم التناقض، قلت: ولما ذكر ابن التلمساني في شرح المسألة الرابعة عشر من باب الأوامر ذكر الاحتجاج بهذه الآية على وقوع تكليف ما لَا يطاق، قال ما نصه: واعترض بمنع ورود التكليف له على هذا الوجه، ويفتقر إلى نقل قاطع، قالوا: وإنما كلف أن يؤمن به وهو مؤمن، والله أعلم نبيه عليه السلام أنه لَا يؤمن؛ كما أعلم نوحا عليه السلام [في*] تكليفه لقومه وأمر أمراءهم أنه لم يؤمن به من قومه إلا من قد آمن، قلت: وعبر ابن عرفة مرة أخرى عن الجواب الأول بأنه إنما يلزم التناقض [لو كان تكليفا*]، وبأن يؤمن وأن لَا يؤمن، وإنما هو مكلف بأن يصدقه في هذا الخبر المتضمن لعدم إيمانه به علي الجملة، قلت: وتقدم لابن عرفة في (مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ) ما استفهامية، وفائدة الاستفهامية يجيب المخاطب بما عنده، وليس عنده إلا الموافقة على أنه لم يغن عنه ماله شيئا. قوله تعالى: (سَيَصْلَى نَارًا). قال الزمخشري: السين للتحقيق، ابن عرفة: إنما دخلت للتحقيق، لقوله تعالى: (سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ)؛ لأن الكتب واقع في الحال، بخلاف هذا قال ابن عطية: روي أن أولاد أبي لهب اجتمعوا عند ابن عباس فتنازعوا وتدافعوا، فقام ابن عباس ليحجز بينهم فدفعه أحدهم فوقع على فراشه، وكان قد كُف بصره، فغضب وصاح أخرجوا عني هذا الكسب الخبيث، قال ابن عرفة: وكذا نقل الزمخشري، وابني أبي لهب احتكموا إليه فاقتتلوا فقام ليحجز بينهم، قال: فدفعه بعضهم فوقع وغضب، فقال: أخرجوا عني الكسب [الخبيث*]، ونقل عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام أنه سئل [لم*] قال (فِي جِيدِهَا... (٥).. ولم يقل: في عنقها؟، فقال: إن الجيد لما كان محلا [للعقد*]، ولا يذكر إلا للمدح تهكم بها بذكره، فقيل ذلك الموضع الرفيع [... ] من العذاب بحبل من المسد الأصل وأقلها المسد. * * *

الإخلاص 112:1

سُورَةُ الْإِخْلَاصِ قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ ذكر ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية في أوائل الباب السابع: أن كل ما لا يتوقف ثبوته على المعجز يصح إثباته بالسمع، فيصح بخلاف وجود الإله بأنه لَا يثبت إلا بالعقل. وقال في شرح المعالم اللدنية: إن ذلك مستفاد من [العقل والسمع*]، [وقال*] بعض [**شراحه] إنه لَا يصح إثبات الوحدانية بالسمع، وإنما تثبت بالعقل، وانظر ما تقدم في سورة الأنبياء. قوله تعالى: (اللَّهُ الصَّمَدُ (٢).. ولم يقل: هو الصمد؛ لأن هويتهم [... ] منهم فيمن يعود عليه الجلالة صريحة في معناها، فإِن قلت: لم نكر (أَحَدٌ) وعرف الصمد؟ فالجواب: أن تنكير أحد جاء على الأصل في الأسماء التنكير، وإنما عرف الصمد لاختصاصه بالله تعالى، ولا يوصف به غيره بوجه بخلاف الأحد، واعلم أن الأحد يطلق على معنيين: فتارة يراد به المنفرد في ذاته، وهو بهذا المعنى مشترك بين القديم والحادث، وتارة يراد به المنفرد بذاته وصفاته، وهو بهذا المعنى يختص بالقديم، قلت: وأخبرنا سيدنا الشيخ الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن إدريس الحارس المالكي أن شيخه الشيخ الفقيه الخطيب أبا محمد عبد الله بن محمد القرشي الرحبي، كان يقول: ﴿قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) نفي للكثرة والتعدد، (اللَّهُ الصَّمَدُ) نفِي للنقص والتقلب، (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣).. نفي للعلة والمعلول، (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾.. نفي [للأشباه*] والأضداد، قلت: وحكي أن الفقيه أبا القاسم [ابن البراء التنوخي*]، عن أبي العباس أحمد [**الغساني] أنه [كان*] يقرئ أصول الدين فأرسل وراءه ليختبره، فخاف منه، فدخل على سيدي الحسن الزبيدي، فقال له قبل أن يخبره بأمر: قل هو الله الصمد.. إلى آخر السورة، فلما اجتمع مع ابن البراء، فقال: ما خشية الله وما نسبته، فقال (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فسكت عنه، وأنكر ابن عرفة هذه الحكاية، وقال: هذا لفظ موحش، وإنما سمعت أنا أنه سئل سيدي الشيخ أبا محمد عبد الله المرجاني عنده وألهم في التفسير [... ] في الحديث، والدولة الأولى في الفروع وما مثالهم في ذلك، فقال له: هيئ لنا

الإخلاص 112:4

من المنقول في الكتب كذا وكذا [**ويظرفها] كذا وكذا فأعجبه كلامه، فأمر أن يعطى الثعالبي من مدرسة السماعين، قال ابن عرفة: ويدخل في قوله تعالى، صفات الغير وصفات الأفعال؛ لأن المتصف بصفات الكمال الذي لَا يفتقر إلى غيره، ويفتقر غيره إليه، ومن ذلك استقلاله بالخلق والقدرة، وغير ذلك. وقوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ) [صفة سلبية*]، وما قبلها ثبوت، وإما تنزيه بإثبات القدم فيدخل على [... ] وفي القدم خلاف، فقال أبو العالية: إنه ثبوتي، واختار المقترح أنه سلبي. قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ إن قلت (قُل هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يغني عنه، فإنه إذا ثبت أنه واحد في ذاته ثبت أنه [لا كفء له*]؟ فالجواب: أن المراد [بالكفاءة*] نفي المشابه، والمماثل المشابه للشيء لَا يكون [كفوا له*] فلا يلزم من إثبات الوحدانية نفي [الكفء*] المماثل، كما سبق تقديره في (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ولم يقل: ليس مثله شيء، إذا قلنا إن الكاف زائدة، ولذلك جعلوا افتتاح [الصلاة*] بـ الله أكبر ليعتقد المصلي أن جميع ما يخطر بباله فالله أكبر منه وأعلى، فيجمع جميع صفات التنزيه، قلت: تقدم فيها في الختمة الأولى قوله تعالى: [(أَحَدٌ)] هو ضمير الأمر والشأن، وقال أهل علم اللسان: إن ضمير الأمر والشأن يؤتى به مقدما للاهتمام والتعظيم. قوله تعالى: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ). (لَمْ) لنفي المنقطع، وهي هنا لنفي الماضي المنقطع، وهي هنا لنفي الماضي المتصل بالحال، قلت: ونقل عن القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام، أنه قيل له: ما السر في نفي الولادة والكفو بـ (لَمْ)، وهلا قيل: [لما يلد*] وهو أبلغ إذ هو نفي للماضي المتصل بزمن الحال؟، فأجاب بأن (لما) لنفي قد فعل، وقد فيها معنى التوقع، والبارئ جل وعلا لم يلد ولم يتوقع ذلك منه ألبتَّة، فحسن دخول (لَمْ)، قال الإمام فخر الدين ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فيها ثلاثة أسماء تنبيها على ثلاثة مقامات: الأول: مقام السابقين المقربين الناظرين إلى حقائق الأمور، فما سوى الله معدوم وليس في الوجود إلا هو. ثم [يليهم*] المقتصدون، وهم أصحاب اليمين، قالوا: الممكنات موجودة فتفتقر إلى [مميز*]، وهو الله ولم ينظروا للأشياء من حيث هي؛ بل ينظروا إلى ظواهرها، فلم تكن الإشارة كافية لهم، ولم يكن لفظه هو [تام*] الإفادة في حقهم، فافتقروا معها إلى مميز، فقيل: [... ] هو الله، إنه يفيد افتقار غيره إليه، واستغناؤه هو عن غيره. ثم [يليهم*] أصحاب الشمال، يجوز تعدد الإله، فقال (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لأجل هؤلاء، ولما كان الله أحد في ذاته؛ لزم أن لَا يكون [متحيزا*] ولا جوهرا ولا عرضا، ولا في مكان ولا جهة، ولا يشبه شبه أحد غني عن كل أحد، قال: وفيه سران معنوي، ولفظي، فلا [يخطر*] في عقولهم موجود لذاته سوى الأجل [الحق*]، فإن واجب الوجود لذاته واحد، وما عداه ممكن لذاته معدوم في نفسه؛ ولذلك قال (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) فكانت الإشارة بهذا كافية لهم في تفسير الشأن، وأما اللفظي عن وجوه: أحدها: أن لفظ (هو) مركب في الواو والهاء أصل لوجهين: أحدهما: أن الواو تسقط مع التثنية والجمع، تقول: هما وهم فإنها الأصل، [وهو*] حرف واحد، فدل على الواحد الشيء، وليس لشيء من الأسماء هذه الخاصية، ألا ترى أنه تعالى خلق جميع [الأعضاء*] كاليدين والرجلين ومدخل الغذاء والهواء ومخرجهما، ثم خلق القلب واحد؛ لأنه محل المعرفة، واللسان واحد؛ لأنه محل الذكر، والجبهة واحدة؛ لأنها محل السجود، فكانت [هذه*] الأعضاء أشرف من غيرها، وكذلك الهاء في قولنا: هو. الثاني: أدخل حروف الحلق، والواو حرف يتولد من الشفتين. والثالث: أن الهاء باطن، والواو ظاهر، هذان حرفان يتولدان من أول [المخرج*] وآخره، فيصدق عليهما كونهما أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، فكان الاسم الأعلى الحق الموصوف بذلك. قال الزجاج: وأما الأحد أصله لغة الواحد، أن يقال: وحد موحد فهو وحد كحسن محسن فهو حسن، ثم انقلبت الواو همزة، ومنه امرأة [أناة ووناة*]، والفرق بينهما [من وجوه*]: الأول: أن الواحد [مفتتح العدد*]، يقال: واحد اثنان، ولا يقال: أحد اثنان. الثاني: أن أحدا في النفي أعم، يقال: ما في الدار أحد؛ بل فيها اثنان بخلاف ما فيها أحد، فإِنه يعم. الثالث: أن الواحد يوصف به، يقال: رجل واحد، ولا يصح وصف شيء في جانب الإثبات بالأحد إلا الله، ولذلك لم يؤت به بلام التعريف لاختصاصه بالله فاستغنى عن التعريف، ويقال: كمال الوحدانية مثل (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) كاملة، قال ابن العربي في شرح الأسماء الحسنى: خص به البارئ من لفظ الواحد كما اختص. * * * انتهى ما وجد مكتوبا من هذا التفسير، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد النبي الأمي وعلى آله الطاهرين وصحابته المرضيين وعلى جميع إخوانه ساداتنا من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين وعلى آلهم وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا أبدا دائما إلى يوم الدين، آمين. * * *