Lafzullah

تفسير ابن عرفة — الواقعة 56:1 – الملك 67:29

المؤلف / المصدر: أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي (ت 803هـ) — تحقيق: جلال الأسيوطي · دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان · المصدر الرقمي: Quranpedia.net (dump 2026-08-29, tafsir-book-555)

المحتويات
  1. الواقعة 56:1
  2. الواقعة 56:18
  3. الواقعة 56:27
  4. الواقعة 56:30
  5. الواقعة 56:33
  6. الواقعة 56:39
  7. الواقعة 56:43
  8. الواقعة 56:53
  9. الواقعة 56:57
  10. الواقعة 56:60
  11. الواقعة 56:66
  12. الواقعة 56:72
  13. الواقعة 56:73
  14. الواقعة 56:93
  15. الواقعة 56:96
  16. الحديد 57:1
  17. الحديد 57:2
  18. الحديد 57:4
  19. الحديد 57:6
  20. الحديد 57:9
  21. الحديد 57:11
  22. الحديد 57:14
  23. الحديد 57:16
  24. الحديد 57:19
  25. الحديد 57:20
  26. الحديد 57:25
  27. الحديد 57:26
  28. الحديد 57:28
  29. الحديد 57:29
  30. المجادلة 58:1
  31. المجادلة 58:3
  32. المجادلة 58:4
  33. المجادلة 58:5
  34. المجادلة 58:9
  35. المجادلة 58:10
  36. المجادلة 58:11
  37. المجادلة 58:12
  38. المجادلة 58:14
  39. المجادلة 58:18
  40. المجادلة 58:20
  41. الحشر 59:1
  42. الحشر 59:5
  43. الحشر 59:7
  44. الحشر 59:9
  45. الحشر 59:10
  46. الحشر 59:12
  47. الحشر 59:13
  48. الحشر 59:19
  49. الحشر 59:21
  50. الحشر 59:22
  51. الحشر 59:23
  52. الحشر 59:24
  53. الممتحنة 60:1
  54. الممتحنة 60:2
  55. الممتحنة 60:3
  56. الممتحنة 60:5
  57. الممتحنة 60:10
  58. الممتحنة 60:11
  59. الممتحنة 60:13
  60. الصف 61:1
  61. الصف 61:4
  62. الصف 61:7
  63. الصف 61:8
  64. الصف 61:13
  65. الصف 61:14
  66. الجمعة 62:2
  67. الجمعة 62:5
  68. الجمعة 62:7
  69. الجمعة 62:9
  70. الجمعة 62:10
  71. الجمعة 62:11
  72. التغابن 64:1
  73. التغابن 64:3
  74. التغابن 64:4
  75. التغابن 64:6
  76. التغابن 64:10
  77. التغابن 64:11
  78. التغابن 64:15
  79. الطلاق 65:1
  80. الطلاق 65:2
  81. الطلاق 65:4
  82. الطلاق 65:6
  83. الطلاق 65:8
  84. التحريم 66:1
  85. التحريم 66:5
  86. التحريم 66:7
  87. التحريم 66:9
  88. التحريم 66:10
  89. الملك 67:1
  90. الملك 67:2
  91. الملك 67:3
  92. الملك 67:5
  93. الملك 67:16
  94. الملك 67:20
  95. الملك 67:22
  96. الملك 67:24
  97. الملك 67:29

الواقعة 56:1

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ [قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) الزمخشري: وَقَعَتِ الْواقِعَةُ كقولك: كانت الكائنة، وحدثت الحادثة، والمراد القيامة: وصفت بالوقوع لأنها تقع لا محالة، فكأنه قيل: إذا وقعت التي لا بدّ من وقوعها، ووقوع الأمر: نزوله*] [... ] ليس هذا من قولك: إذا كان هذا إنسانا فهو إنسان، حتى يكون من تحصيل الحاصل، بل هو من نحو قولك: إن كان هذا إنسانا فلا امتراء في إنسانيته. قوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً﴾ قد يؤخذ منه أن أقل الجمع ثلاثة. قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠)﴾ [أفرد*] هؤلاء مع أنهم من أصحاب اليمين، إما تشريفا لهم فالمراد أن أصحاب الميمنة منهم قوم جاوزوا السبقية، فانفردوا بها عن سائرهم، وإما إشارة إلى السابقين منهم الأولون لَا تقسيم فيهم، ومن عاداهم من الخلق يقسمون إلى أصحاب ميمنة، وأصحاب مشأمة، وتقديم أصحاب الميمنة على القسم السابقين باعتبار الكثرة، إما في نفس الأمر، أو في الخطاب، لأن المخاطبين بالآية أصحاب الميمنة منهم أكثر من السابقين، وتقديمهم على أصحاب المشأمة بالشرف، وتقديم أصحاب المشأمة على السابقين بالكثرة، كما قدموا في قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، وقال صاحب [... ] الأعمال: السابقون الأنبياء، [وأصحاب*] الميمنة من دونهم من الأولياء والمقربين، قال شيخنا: بل الظاهر أن السابقين أعم من ذلك وهم متقاربون فيما بينهم، بدليل قوله (وَكُنْتُمْ)، فالخطاب للجميع. وقوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣).. ، قلة من الآخرين، قيل: الثلة مطلق الجماعة، وقيل: يشترط الكثرة، فإِن قلت: ما الجمع بين هذا وبين قوله تعالى: (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)، وقليل ما هم؟ قلت: هم قليلون في أنهم بالنسبة إلى العصاة، وإما آحادهم في أنفسهم فأولهم كثيرون بالنسبة إلى آخرهم. قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ إما آخرها أو آحادها، فهل أخبر أن [واحدة*] منها منظومة، وكل واحد من السرر منظوم مع السرر الأخر. قوله تعالى: ﴿مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ لكيلا [يرى*] كل واحد منهم من الآخر إلا إلى وجهه الذي هو أحسن ما ينظر إليه. قوله تعالى: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾

الواقعة 56:18

إن قلت: ما أفاد مخلدون؟ قلت: لأن صفة ولدان عارضة يسرع زوالها بصيرورتهم رجالا وشيوخا، فأفاد ذلك وصفهم في الخلود في هذا الوصف. قوله تعالى: ﴿بِأَكْوَابٍ﴾ هو أحسن الأواني، وهو في المشرق كثير يسمونه [القدح*]، والترتيب في هذه المذكورات تدلي، لأن الأكواب فسروها الجرار، فهي أكبر [من*] الأباريق، والأباريق. أكبر من الكؤوس، قال الغزالي في آخر كتابه الإحياء: من يشتهي الولادة في الجنة يولد له، وقال عبد الحق: في العاقبة: يمكن أن تحمل وتلد ويشتد الولد في ساعة واحدة، ولكنهم لَا يشتهون ذلك، انتهى، وهذا أمر توقيفي لَا يصح الخوض فيه إلا بنقل صحيح. قوله تعالى: ﴿مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ﴾ إن قلت: هلا قيل: مما يختارون، لأن تفعل يقتضي تكلف الفعل، واختار يقتضي مجرد وقوع الفعل دون تكلف، قلت: المراد لازم التكلف، وهو كون الشيء المختار في أعلى درجات الحسن، فهي دلالة التزام لَا دلالة مطابقة، وعكس الفخر، وليس بصواب، فإِن قلت: لم خص التخيير بالفاكهة، والشهوة بلحم الطير، قلت: لأن ما يتفكه به يكون متنوعا متعددا، فتناسب التخير بخلاف لحم الطير، وأيضا فإن الفواكه قربته منهم، فإنها في الأشجار بين أيديهم، والطير بعيد عنهم، والعادة أن الشيء إذا كان قريبا فإِن الإنسان يسأم منه، وعمل فيتخير فيه بخلاف ما هم بعيد، فإِنه لا يخير فيه بل يشتهيه. قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ قرئ (وَحُورٍ عِينٍ) فلعله مراعاة لعين، وإلا فحور جمع [حوراء على وزن حمراء*]، وهو جمع [**على حمى]. قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ﴾ إن قلت: لم أتى هذا على الوجه الأضعف في التشبيه، لأن الأبلغ فيه قولك: أسد، ثم قولك: زيد كالأسد، فالجواب: أنهن لَا يشبهن اللؤلؤ إلا في وجه واحد، وهو صفاؤه وإشراقه، لَا في جميع صفاته، لأن منها كونه دقيق الحلقة، جمادا لا يعقل، وجمع أمثال لجمع الحور. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾

الواقعة 56:27

هذا يعبر عنه البيانيون، لأنه من باب نفي الشيء بإيجابه، مثل "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ، وإن شئت قلت في العبارة: أنه من باب نفي الشيء نفي لازمه، والمعنى واحد لأن قوله لَا يهتدى بمناره، يوهم في الظاهر أن له منارا، أو كذلك قوله تعالى: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا)، يوهم أن فيها لغوا وتأثيما غير مسموع لهم، والمقصود أنه ليس هو فيها بالأصالة، وفي سورة الطور (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ)، فلا يقال: لَا يلزم من نفي السماع نفي الوقوعِ، وذكر عدم السماع، لأن ما بعده وهو سماع السلام، وهذا كقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ)، فيقال: ما أفاد ذكر السيارة مع دخولهم في مدلول (لكم)؟ فيجاب: بأنه ذكر لأجل ما بعده من ذكر، ولما كان السيارة بفرضيته الترخص والتخفيف عليهم نص عليها مع دخولهم في قوله تعالى: (وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ)، واللغو أعم من التأثيم، لأنه قد لا يكون فيه إثم، فقدم عليه كما قدم في قوله تعالى: (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)، وقوله تعالى: (يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ)، [لإفادة*] المساواة بين اللغو والتأثيم، أو ليدل الكلام مرتين بالمطابقة والالتزام. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧)﴾ كررها في أول السورة وهنا، فهو إما أجمل أولا وفصَّل هذا، وذكره أولا من حيث الإجمال، وهنا من حيث [الجزاء*] المرتب عليه، والمراد [أن*] من يأخذ كتابه بيمينه، أو أصحاب اليمين محلهم عن يمين العرش، والأول أظهر، وقال عياض في الإكمال في كتاب الإمارة في حديث: " [إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ*] "، قال المفسرون: أصحاب اليمين أصحاب المنزلة الرفيعة، وقيل: يسلك بهم يمينا إلى الجنة، وقيل: لأن الجنة عن يمين النَّاس، وقيل: سموا بذلك، لأنهم [ميامين*] (١) على أنفسهم، وبعده أصحاب الشمال، وقيل: لأن أودعهم أول الخلق جانب آدم [الأيمن*]، وبعده أصحاب الشمال، انتهى، والمناسب حمله على مطلق الصحة ليتناول الملازم من باب أحرى، وذكر السدر [(٢٨)] إما لما قالوه: إن بعض النَّاس يتمنى أن (١) أي: مبارَكين.

الواقعة 56:30

يكون له في الجنة السدر، وإمَّا لأنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، لأنه إذا كان مثل ذلك في الجنة محصلا للنعيم، ونوعا من أنواعه، فأحرى ما هو أعلى منه. ومخضود، قيل: لَا شوك فيه، وقيل: لَا ثمر فيه، فعلى الأول: يكون الوصف بـ (مخضود) [حاجيًّا*] وعلى الثاني: يكون [تكميليا*]، واختلف الزمخشري وابن عطية في مسمى الطلح، فقال الزمخشري: شجر أم غيلان، وقال ابن عطية: شجر السدر، والصحيح الأول، وجعل السدر [ظرفا لهم*]، لأنه أشجار متعددة، وهم بينها، [وفي حديقتها*] وهي محتفة بهم. قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ أي لأنه تقلص فيه إذ لا شمس هنالك فكلها ظل. قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ وقال قبلها (وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ)، والتخيير على الكثرة، إذ لَا يتخير الإنسان إلا في الكثير، وتلك للسابقين، ففاكهتها كلها متخيرة، وهذه لمن دونهم ففاكهتها كثيرة يتخيرون فيها، والترتيب في هذه على سبيل الترتيب الوجودي، لأنه أول ما يدخل الإنسان [جنته*] في الدنيا، ينظر إلى أشجارها ثم يجلس في ظلها، [فينظر*] إلى الماء الجاري تحتها، ثم يطلب الفاكهة ليأكل منها، ثم إذا أكل يستريح، فيطلب الفرش لينام عليه (وَأَصْحَابُ اليَمِينِ مَا أَصْحَابُ اليَمِينِ)، وهذا [وأمثاله*] (الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ)، (الْقَارِعَةُ (١) مَا الْقَارِعَةُ (٢)، سؤال وهو أن المعلوم في أحد جزئي الجملة الابتدائية، يكون مبتدأ، والمجهول خبرا، لأن الخبر هو الجزء المستفاد من الجملة الابتدائية، وقد أتى أصحاب اليمين في الجملة الأولى مبتدأ، وفي الثانية خبرا، فإِما أن يكون معلوما أو مجهولا، وعلى كلا الأمرين فالسؤال وارد، وأجيب: [بأنه*] معلوم من حيث التصور، فصح كونه مبتدأ، ثم أخبر به بضمنه دلالته على التهويل والتعظيم، فإن قلت: إن ذلك إنما أتى مجموع العلة الدالة عليه وعلى إرادة الاستفهام، وكلامنا في الإخبار به وحده عن أداة الاستفهام، فالجواب: أن مجرد الإخبار به تعظيم؛ [كقوله*]: أنا أبو النجم وشعري شعري. قوله تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾ ابن عطية: المخضود هو قطع شوكه، الزمخشري: هو الذي لَا شوك له، كأنه خضد شوكه أي قطع، انتهى، وهذا أحسن لإفادته أنه [لم يخلق*] فيه شوك أصلا، وبدأ

الواقعة 56:33

بالمحل، فإن لذة الإنسان به أشد من لذته بالمأكل والمشرب، لملازمته للمحل دون المأكل. قوله تعالى: ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾ بدأ بالمقطوعة؛ لأنها أعم من الممنوعة، لأن الممنوعة قد تكون موجودة ويمنعون منها، والمقطوعة ليست موجودة ألبتة، ونفي الأعم عندهم أخص من نفي الأخص، والقاعدة عند البيانيين في الترتيب البداية بالأخص، ثم بالأعم، فمقطوع أعم من ممنوع، فنقيضه لا مقطوع أخص من نقيض لا ممنوع. قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾ التأكيد بـ (إِنَّ) إما لأن على المخاطب تحايل الإنكار، أو لأنه جواب عن سؤال، وقد ذكر ابن مالك: في وجوه التأكيد كون الكلام جوابا عن سؤال مقدر، وأنشد عليه: بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الهَجِيرِ؍ إِنَّ ذاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ؍ وهو من قول بشار. وعبر بالإنشاء لأنه خلق مبتدأ لم يسبق بشيء؛ كما [يقول*] الأصوليون، إن الإنشاء هو اللفظ الذي لَا يثبت معناه [لثبوت متعلقه*] بخلاف الخبر، فإن معناه ثابت قبل ذلك، وكذلك أيضا الإنشاء هنا مخالف للإنشاء المتقدم، لأنه تركيب غير قابل للعدم، [**والجزم بخلق الله تعالى]، لأن العقل اقتضى ذلك كما تقول المعتزلة. وقوله تعالى: (فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦).. ، إن أريد الحور العين فجعل بمعنى خلق، وإن أريد الآدميات، فهي بمعنى [صيَّر*]، لأن البكارة فيهن مسبوقة بالثيوبة، والآدميات أفضل لامتيازهن عن الحور العين، بالطاعة في الدنيا، [ويحتمل*] كون الحور العين أفضل، كما يجوز أن ينعم الله العاصي، ويعذب الطائع، فقد يكون [المفضول*] عندنا أفضل عند الله تعالى، الزمخشري: (وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ) [نضدت حتى ارتفعت*]، ومرفوعة على [الأسِرَّة*]، وقيل: هي إلينا لأن المرأة يكني عنها بالفراش، وعلى التفسير الأول اضمر لهن، لأن ذكر الفراش، وهي المضاجع دل عليهن، الطيبي: يحتمل أن يريد إضمار لفظة (لهن)، أي أنشأنا لهن، ويحتمل أن يكون الضمير في (أنشأناهن) عائدا على النشأ لدلالة الفراش عليهن، لملازمتهن للفراش، انتهى، هذا أنسب لما قاله المفسرون. قوله تعالى: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ﴾

الواقعة 56:39

إما موضع الحال أي أترابا حالة كونهن لأصحاب اليمين، وإما متعلق بـ (أترابا)، أي هن من تراب أصحاب اليمين الرجال، أي النشأ أتراب الرجال في السن والقد، فإن قلت: تقييده بأصحاب اليمين على كل تقدير [ينفي*] ذلك على السابقين، وقد قال في تنعيمهم (وَحُورٌ عِينٌ)؟ قلت: أصحاب اليمين أخفض رتبة من السابقين، فإذا ثبت لهم هذا فأحرى [للسابقين*]. قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ أي جماعة من الأولين في الجنة، وجماعة من هذه الأمة فيها، قيل: في الجمع بينها على هذا، وبين قوله تعالى: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ)، أجيب: احتمال أن يريد أهل الجنة بالنوع لَا بالشخص، أي منكم الثلثان، [ومنهم*] الثلث، فأنتم أكثر من كل أمة على حدتها، قيل: بل [ظاهره*] أنهم أكثر من مجموع الأمم، أجيب: بأن الثلة مقولة بالتشكيك تطلق على الجماعة الكثيرة والقليلة، ولا تنافي بين الاثنين. قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١)﴾ هذه الآية وأمثالها حجة لمن جعل الصحبة حقيقة في معناها الأخص لَا الأعم، فإن قلت: نقلها عندهم من التواطؤ أو التشكيك، فهي في الأخص أولى، قلت: إذا تعارض حمل اللفظ على معناه حقيقة أو بطريق التواطؤ أو التشكيك، فحمله على الحقيقة أولى، فإن قلت: لعله مشترك، أو منقول اصطلاحا من المعنى الأخص إلى الأعم، قلت: من شرط النقل اتفاق أهل الاصطلاح على الشيء الذي نقل إليه، كما في الصلاة والنكاح والغائط، والمحدثون مختلفون في مسمى الصاحب، وسماهم أصحاب الشمال، لما في حديث الإسراء في آدم عليه السلام: "أنه [عَلَى*] يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَسْوِدَةٌ"، أو لغير ذلك. قوله تعالى: ﴿فِي سَمُومٍ﴾

الواقعة 56:43

ابن عطية: هو الريح الحارة، الزمخشري: أي في حر نار تنفذ في المسام، انتهى، هذا أقرب إلى اللفظ، وهذا مقابل لنعيم أصحاب اليمين، [مقابل*] بثلاثة أوصاف: لأن السدر المخضود، والطلح المنضود، كالشيء الواحد، فإِن قلت: لم قدم الظل الممدود هنا على الماء المسكوب، وأخره هنا على الحميم المقابل للماء المسكوب؟ فالجواب: أن السموم وهي الريح الحارة تحدث وهجا ولهبا في الجسم فيلجئون إلى تبريدها بشرب الماء، فيجدونه حميما، فحينئذٍ يلجئون إلى الظل فالاحتياج إلى الماء أشد منه إلى الظل، بخلاف حالة النعم، فإِن المأكل فيها رطب لَا يلجأ إلى شرب الماء، فالحاجة إلى الماء تكميلية، والظل ملازم للجنة والشجر، فلذلك قدم. قوله تعالى: [(وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) *] فإِن قلت: هلا قيل (وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ)، [حارٌّ ضارٌّ*]، فلم أتى به منفيا؟ فأجاب الزمخشري عليه [باستعماله في معناه الأخص*]. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ علل عذاب هؤلاء ولم يعلل نعيم هؤلاء، لأن الثواب عندنا محض تفضل من الله تعالى، لَا جزاءً عن العمل، والعقاب محض عدل، وجزاء عن السيئات، وهذه أجزاء علة واحدة، وليست عللا متعددة، والآية حجة لمن يقول: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وحجة لمن يقول: إن عذاب أهل النار، ونعيم أهل الجنة حسي، ورد على من زعم أنه معنوي، وهو قول حكاه الفخر في المعالم بأن [... ]، فإِن قلت: لم قال مترفين [(٤٥) *] فعبر بالاسم؟ [وعادتهم*]: يعبرون بالفعل، قلت: إنه إشارة إلى تزايدهم في الأمر، أو أنهم مهما أتاهم النبي ﷺ بمعجزة أظهروا لها [**إنكارا يخصها] وزاد في تعنتهم، وأما الإتراف فهو ملازم لهم. قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا﴾ هذا فرق، لأن الوصف الأول تضمن تنعمهم بالحرام، والثاني: [الكفر بالإسلام*]، لإضافة الشريك إليه، وهو أشد، والثالث: نسبته إلى العجز عن إعادة المعدوم، وهو أشد من الأولين، فإِن قلت: لم قدم التراب على الطعام مع أن صيرورتهم ترابا في الوجود الخارجي متأخر عن صيرورتهم عظاما؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن التراب بالنسبة إلى لحومهم فقط، وهو مقارن للعظام. الثاني: أن الإنكار تعلق بإعادتهم بعدما صاروا ترابا وعظاما، فيدل من باب أحرى على إنكار الإعادة من الجسم الذي كله تراب، فإِن قلت: هؤلاء قالوا: أينا نبعث بلفظ

الواقعة 56:53

الفعل، فيكون [إنكارًا لمطلق البعث*]، فيستلزم إنكار البعث المؤكد، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، فالجواب: أن هذا من الإنكار الأخص لَا من إنكار الأخص، وتقريره أنه إنكار لَا يستلزم الأخص، [لأن إنكار الأخص، كمن أنكر قيام زيد*] المدلول عليه بقول القائل: إن زيدا قائم فأحرى أن ينكر قيامه المدلول عليه بقولك: قام زيد، فإِن قلت: ما الفائدة؟ فلو قدموا إنكار بعث آبائهم لكان أعم فائدة؛ لأن إنكارهم بعث آبائهم لَا يستلزم إنكارهم بعث أنفسهم، لأن آبائهم صاروا رميما، وطالت مدتهم، فلا يلزم من [استبعادهم*] بعثهم استبعادهم بعث أنفسهم بخلاف العكس؟ فالجواب: أن المستحيلات كلها متساوية لَا يقال في بعضها: إنه أولى، كاستحالة اجتماع النقيضين، فإِنه متساو في الجميع، فإِن قلت: إنما ذلك في المستحيلات العقلية التي تكلم فيها الحكماء، ومن له بصيرة، وهؤلاء لم يكن لهم معرفة بالعلوم [فلذلك نفوا البعث والإعادة*]، ولا شك أن المستحيلات بالإعادة متفاوتة فاستحالة بعث آبائهم أولى وأشد من استحالة بعثهم هم، فالجواب: أن ما نفوا ذلك إلا [عقلا*]، ولهم إدراك في ذلك، وأما الوجود فهو بالنسبة إلى الممكن متفاوت فإِطلاقه على الأب أولى من إطلاقه على الابن، وبالنسبة إلى الواجب شيء واحد لَا تفاوت فيه، وكذلك المستحيل عقلا واجب لَا تفاوت فيه من تعلقاته، لكن يجاب عن هذا كله بأن تعليل الحكم [بوصف*] حاصل أقوى من تعليله بوصف مقدر، فاستحالة بعث المعدوم الحصول أقوى من استحالة بعث ما قدر انعدامه، وهذا ذكره المنطقيون فقالوا: القضية المحصلة تنعكس كنفيها، وعكس النقيض [... ]. أخبار العذاب النازل بهم فناسب مفاجأتهم بالخطاب، لأنه أقوى، أو نقول هذا خطاب لمن [قاد*] المبطلين، كما أن عقوبة أبو الحسين البصري من المعتزلة أشد من عقوبة سائرهم، لأنه أول من [أقر*] حجج المبطلين، وكذلك هنا الخطاب لقريش [وأهل*] مكة، فإِنهم الذين [كفروا*]، وكانوا يأتون بالعظم الرميم، فيقولون هذا يبعث ويرجع حيا، والمهلة إما زمانية أو معنوية، أو هما معا، فيجيء فيه تعميم المشترك، إن كانت مشتركة، أو استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، إن كانت حقيقة في أحدهما مجازا للأخر، أو للقدر المشترك بينهما، والضال أعم من المكذب، لأن كل مكذب ضال، ولا ينعكس، فالمعتزلة ضالون مطلقا، وليسوا مكذبين إلا عند من يكفرهم. قوله تعالى: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣)﴾

الواقعة 56:57

الفاء للتعقيب، وهذا احتراس، فإن الأكل من الشيء القبيح لَا يستقبح منه ما قل، باعتبار العادة، إذ قد يكون في الدنيا للتداوى والاستكثار من ذلك غير معهود، فإِن قلت: لم قال: البطون، ولم يقل بطونكم؟ قلت: إشارة إلى أنهم لَا يأكلون في بطونهم المعهودة، بل في بطون أخر، لحديث "يعظم خلق الكافر في جهنم"، وجواب الفخر بحديث: "إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء، والمؤمن يأكل في معي واحد"، يرد بأن الحالة في هذه الدنيا والآخرة، ويجاب أيضا: بجواب آخر، وهو إشارة إلى أنهم لَا يراعون أنها بطونهم، فيتحفظون عليها من كثرة الأكل؛ بل يرضونها ويحثونها، ولا يتحفظون عليها، [ولا يتركون فيها فراغا للنَّفَس*]، حتى [كأنها*] بطون غيرهم، وفي سورة الصافات نظير هذه الآية وتقدم الكلام فيها. قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ﴾ يحتمل أن يراد التصديق الأصلي، أو المنطقي، فالأصلي من أقسام الخبر، لأنه هو الخبر المطابق، والمنطقي هو الحكم على الماهية بنفي أو إثبات، وهو ضد التصور، فإِن أريد تصديقهم بمقتضى هذا الخبر، وهو نحن خلقناكم فهو الأصلي كما تصدق زيدا في قوله: قام عمرو فإن أريد اعتقادهم أن لَا فاعل إلا الله فهو المنطقي، وهو أمر عقلي، والأول سمعي، ولولا للتخصيص، وذكر ابن بابشاذ وفي مقدمته أنها مع العاصي للتوبيخ، وجعلها ابن عطية: للتفريع والتقرير. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ قيل: المراد به آدم عليه السلام، لأنه خلق من تراب، فالاستدلال به على جواز الإعادة أقوى بالاستدلال من خلقنا نحن من النطفة، رد بأن خلق غير آدم عن عدم صرف فهو أقوى في الاستدلال مما خلق عن وجود. قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾

الواقعة 56:60

وقع الإنكار هذا [ترديد*] بين خلقهم، وخلق الله تعالى، وفي سورة الطور (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ)، بالترديد بين خلقهم من غير شيء، وخلق أنفسهم، والجواب: إن هذه مانعة الجمع، فإن قلت: لم عبر في الأول بالفعل، وفي الثاني بالاسم؟ قلت: كان المقصود بالأول نفي الخلق عنهم، فناسب الفعل، لأنه مطلق يصدق بصورة، فإذا انتفى [عم*]، لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص، والمقصود بالثاني: ثبوت الخلق لله تعالى، فناسب الاسم للثبوت والدوام، الزمخشري: ومنها دليل لمن يقول بالقياس، انتهى، يريد بالقياس المنطقي المضاد للتصور، وليس مراده الأصلي؛ لأن هذا ليس بقياس تمثيلي، وإنما هو استدلال. قوله تعالى: ﴿قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ دليل على أن الموت أمر وجودي بناء على أن العدم الإضافي لَا يكون [أثرا*] للقدرة. قوله تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فيه رد على [الطبائعيين*] القائلين: بأن النفوس البشرية ألفت أجسادها بالطبيعة، ولو تركبت في غيرها لما أمكن ذلك عندهم، ونحن نقول: الأجساد كلها متساوية في الحد والحقيقة. قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤)﴾ جاء على الأصل في كون الجملة الأولى: فعلية، لأن المراد نفيها، والثانية: اسمية؛ لأن المراد ثبوتها. قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ (لَوْ) حرف امتناع، قال النحويون: امتنع الثاني لامتناع الأول، ونص عليه ابن السراج، وابن مالك، وغيرهما، وأبو حيان في أول البقرة، وقيل: بل المراد أن الأول امتنع لامتناع الثاني، نص عليه ابن التلمساني، وابن الحاجب في شرح مفصل الزمخشري، وفي تأليف له خاص [**لوجد أن عن النحويين ما تقدم]، واختار هو أن الأول تمنع لامتناع الثاني، فإذا قلت: لو قام زيد لقام عمرو، معناه [أن امتناع*] عمرو من القيام دلني على امتناع زيد منه، فهو باعتبار العلم والاعتقاد ينتفي فيها الأول لانتفاء الثاني، وباعتبار السببية، والوجود الخارجي ينفي الثاني لانتفاء الأول، وقرره ابن الحاجب بأن انتفاء السبب لَا يدل على انتفاء المسبب، لجواز أن يكون ثَمَّ أسباب

الواقعة 56:66

أخر، وانتفاء المسبب يدل على انتفاء كل سبب، فإِنما يمتنع الأول لامتناع الثاني، لأن امتناع الثاني هو السبب، فيدل انتفاؤه على انتفاء السبب الأول. قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا). دل امتناع الفساد على امتناع الإلهية، وبدليل جواز، قولنا: لكان حيوانا فيقتضي كونه إنسانا لانتفاء الحيوانية، ولو كان كما قاله النحويون: لما [جاز*] أن يتكلم بذلك، انتهى، ويلزمه أيضا انتفاء اللازم لانتفاء الملزوم، لأن كونه حيوانا لازم لكونه إنسانا والحال الكلام عليها في الكتابين لما يرجع إلى هذا، والمقصود إنما هو العلم لا الوجود الخارجي، فعلمنا بأن النبات لم يجعل حطاما، دليل على أن الله تعالى لم يشأ حطاما، ولو شاءه لوقع كذلك. قوله تعالى: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ). أي تعجبون وتقدمون، وتقولون (إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦).. ، أي لملزومون [غرامة ما أنفقنا*]، وقيل: أي لمهلكون، والأول أصوب، لأن الإضراب يكون فيه الثاني أشد وأقوى من المضروب عنه، ولا أشد من الهلاك. قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ﴾ عين هنا المشروب، وقال: فيما سبق (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ)، ولم يقل: أفرأيتم الحب الذي تحرثون؛ لأن المحروث شيء واحد، وهو الحب، والمشروب متعدد فاللبن مشروب، وكذلك العسل، قال تعالى (يَخرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ)، فإِن قلت: لم قال (أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ) بلفظ الماضي، وقال: قبله (أَأنتُمْ تَزْرَعُونَهُ) بلفظ المستقبل؟ فالجواب: أن المراد أفرأيتم ما الذي أنتم متمكنون من شربه، والتمكن من شرب الماء متأخر عن [البذر حتى تحرث]، فإن قلت: يعارض هذا التقدير بأن الزراعة أيضا [متقدمة*] على الحرث، لأن الحب المحروث كان قبل ذلك زرعا، ثم صار حبًّا، قلت: يلزم على هذا الدور التسلسل، وذلك محال، لأن الحب المحروث متأخر عن كونه زرعا، وكونه زرعا متأخر عن كونه حبا، وكونه حبا متأخر عن كونه زرعا، إلى [ما لا*] نهاية [... ]. ؛ عمله فلذلك أكد جعله الزرع حطاما باللام، ولم يؤكد جعل الماء أجاجا؛ تأكيدا لكمال قدرة الله تعالى، وأنه لَا يعجزه شيء، وأجاب الزمخشري: بوجهين آخرين:

الواقعة 56:72

أحدهما: أن اللام أدخلت في الأولى جوابا، ثم حذفت في الثانية، وهو مرادة في المعنى اكتفى بذكرها أولا، وأنشد عليه: حتى إذا الكلَّاب قال لها؍ كاليوم مطلوبا ولا طلبا؍ أراد لم أر كاليوم، والكلاب [صاحب الكلاب*]، والمطلوب الصيد، والطالب الكلب يمدح كلابه، أي لم أر في القوة كالطالب، وفي الضعف كالمطلوب، الثاني: أن اللام في المطعوم للتأكيد، لأن الحاجة إليه أشد من الحاجة إلى المشروب، ألا ترى أنك إنما تسقي [ضيفك*] بعد أن تطعمه، ولو عكست قعدت نحو قول أبي العلاء، أي دخلت تحت قوله: [إذا سقيت ضيوف النّاس محضا؍ سقوا أضيافهم شبما زلالا*] (١)؍ أي إذا سقيت الضياف اللبن المحض، وهو غير المخلوط بالماء سقوهم أضيافهم الماء الخالص، فهو يذمهم على فعلهم ذلك، فإِن قلت: لم عقب نعمة المشروب بالشكر، ولم [يعقب*] نعمة المأكول مع [أن*] الإنسان مأمور في الشرع بالشكر، عقيب الأكل وعقيب المشروب؟ فالجواب: إن الأكل والشرب متلازمان، إذ لَا يكون الشرب غالبا إلا عقيب الأكل، فالأمر بالشكر إليه أمر بالشكر على الجميع، أي أفلا تشكرون على الأمرين معا، وخص هذا بالشكر، وقال قبله (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ)، ذلك محل اعتبار وتذكر، وهذا محل شكر وحمد. قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ عبر هنا بالإنشاء، وقال: قيل (أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ)، لأن ذلك الخلق مسبوق بنوعٍ ومثالٍ تقدَّمَه، وهذا ابتدائي إنشائي لم يسبق بشيء، فلذلك عبر عنه بالإنشاء، وقال هنا: (أَنْشَأْتُمْ) بلفظ الماضي، كما قال تعالى (أَنْزَلْتُمُوهُ)، فيرد السؤال المتقدم، والجواب كالجواب، والنار هل هي الجمرة، أو عرض قام بها، أو أي شيء هو الصواب، إنما هي جواهر لطيفة تحللت بين أجزاء الفحمة، بدليل أن الجمرة تستقر في الأرض، والنار من قواعدهم ترتفع إلى فوق كنار السراج، وبدليل عدم كونها في الحجر، لأن أجزاءه متراصة لَا خلل فيها، فالنار تحلل أجزاءها، وتحل فيها كما حلت الروح في الجسم، مع أنها جوهر لطيف [مسكنه العلو*]، وأما النار التي تخرج من الزناد، فلم تكن فيه؛ بل خلقها الله تعالى فيه عند القدح؛ لئلا يلزم عليه مذهب القائلين بالكون والظهور، ويحتمل أن تكون انفصلت من الزناد أجزاء تبدلت أعراضها عند القدح بإعراض النار، وقول ابن عطية في قوله (شَجَرَتَهَا) قيل: الشجرة، هي النار نفسها لا [يقال*] يلزم عليه إضافة الشيء إلى نفسه، لأنه من إضافة الأعم إلى الأخص، وهو جائز عندهم. (١) لأبي العلاء يمدح سعد الدولة أبا الفضائل، وعيب عليه حيث مدح بسقى الضيوف الماء قبل ذكر الطعام. والمخض -بمعجمتين-: اللبن المنزوع زبده، فهو بمعنى الممخوض. ويروى: محضا، بالحاء المهملة، أى: خالصا حلوا أو حامضا. والشبم -كحذر-: البارد. والزلال: العقب. هذا وحيث جعل علماء البلاغة للمقام مدخلا في الدلالة على المراد فنقول: إن معنى البيت: إذا عجلت الناس اللبن لأضيافهم واكتفوا به عن الإسراع بالطعام: عجلوا هم بالطعام لضيوفهم لاستعدادهم للضيفان، فيحتاجون لشرب الماء، فيسقونهم ماء قبل إطعام غيرهم الضيفان، فسقيهم الماء يفيد تعجيل الطعام قبله بمعونة المقام، لأنه يلزمه عادة فلا عيب فيه. اهـ

الواقعة 56:73

قوله تعالى: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ الزمخشري: أي تذكركم بنار الآخرة لتعتبروا، انتهى، إنما المراد أنها تذكركم بوجود الصانع لها ووحدانيته، واتصافه بصفات الكمال، [وكونها*] أخرجها من الشجر الأخضر، وأنها لَا تحرق [بالطبع*]، ولو كانت كذلك لما فارقها الإحراق، ويبعد لما قال الزمخشري: ومثله لابن عطية، لأن الدار الآخرة إنما علمناها، وعلمنا نارها، وعذابها سمعا لَا عقلا، فعبر بالاسم لملازمتهم للمداهنة، ثم قال (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ... (٨٢).. ، فعبر بالفعل [لتجدد الرزق*]، وتكرره واختلاف أنواعه. قوله تعالى: ﴿الْحُلْقُومَ (٨٣)﴾ ابن عطية: الحلقوم مجرى الطعام، وعند الفقهاء: مجرى النفس فقط، وهي الكرجومة، ومجرى الطعام هو [البلعوم، وهو [**أبو حشيشة]، ويسمونه المريء. قوله تعالى: ﴿وَلَٰكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ قيل: أي لَا تبصروننا، وقيل: لَا تبصرون ملائكتنا، قال السلمي في التذكرة: هذه الآية تبطل مذهب المجسمة [لأنا نرى*] أشخاصا متعددين يموتون في مواضع شتى متباعدة في زمن واحد، فلو كان الله تعالى جسما، للزم عليه حلول الواحد في الزمن الواحد في أماكن متعددة، انتهى، ويجاب بلزوم مثله في ملك الموت، لأنه جسم، وهو الذي يتولى قبض الأرواح كلها، والدنيا بين يديه كالطبق بين يدي من يأكل منه. قوله تعالى: [(غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) *] أي غير مملوكين، ولا مقهورين. قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢)﴾ عبر عنهم بوصفهم، وقال قبلها (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ)، (وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ)، فعبر عن الفريقين بحكمهم، فهلا قيل هنا: وأما إن كان من أصحاب الشمال، أو نحوه، والجواب: أنه عبر عن الأولين بحكمهم، لأنه لو عبر عنهم بوصفهم [لأوهم أن*] ما رتب على ذلك من الثواب جزاء عما اتصفوا به من الطاعة، ومذهبنا أن الثواب على الأعمال محض [تفضل*] من الله تعالى، وعبر عن هؤلاء بوصفهم إشارة إلى أن تعذيب العاصي عدل، وجزاء عن عمله، فإن قلت: لم قدم التكذيب على الضلال، وقال في أول السورة (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ)، فقدم الضلال؟ فالجواب: أن الضلال أعم من التكذيب، فيصدق على الضلال عن نفس الحق، [وعلى*] الضلال عن طرقه ودلائله، فبدأ هناك بالأعم

الواقعة 56:93

على الأصل، وبدأ هنا بالأخص، ووصفه بالضلال معرفا بالألف واللام التي للعهد مرادا به أخصه فهم عالمون مباهتون كافرون عنادا، ضالون عن الحق لَا عن دلائله وطرقه، أجاب الفخر: بجوابين آخرين: أحدهما: أن المراد هناك بالضلال إصرارهم [على*] الحنث العظيم، وهو الشرك بالله تعالى، والمراد بالتكذيب تكذيبهم الرسول في الحشر، والبعث بقولهم (أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ)، فجزاء على ترتيبه فيما قبلها جعل المتقدم [مقدما*]، وأما هنا فالمراد بها المكذبون بالحشر الضالون عن طريق الخلاص والنجاة، ويرد بأن ذلك كذب لَا تكذيب، ويجاب: بأنه مستلزم للتكذيب. الجواب الثاني: أن الخطاب في الأول للكفار، أي (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ) بالشرك المكذبون الرسالة، والخطاب في هذه مع النبي صلى الله عليه وسلم، أي وأما إن كان من الذين كذبوك فضلوا لسبب ذلك، فقدم تكذيبهم تكرمه له - ﷺ - حيث بين أقوى سبب في عقابهم [تَكْذِيبُهُمْ*]، ويدل على أن الخطاب له - ﷺ -. قوله تعالى: فيها (فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ). وهذا ينتج له بالعكس، لأنه يكون [ترقيا*] في وصف الذم، فهو أحسن من التدلي، [وإنما*] الجواب: ما تقدم. قوله تعالى: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾ فيه سؤال، وهو أن النزل أول ما تقدم للضيف عند قدومه، وقد أخبر عنهم أولا أنهم [إنما*] يشربون الحميم بعد أكلهم من شجرة الزقوم، فهو [ثانٍ لا أول*]، وجوابه: إما بأنهم يشربون الحميم أولا ثم يأكلون الزقوم، ثم [يعاودون*] شرب الحميم، وإما بأن هذا [؍ ]، فجعل أول متناولهم الحميم، كما نجد بعض النَّاس [يفطر*] على بعض الأشربة، ثم يأكل الطعام بعد ذلك.؍ قوله تعالى: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)﴾ أبو حيان: هو من إضافة الصفة إلى الموصوف، فيجوز عند الكوفيين، والبصريون يقدرون مضافا، أي حق الخبر اليقين، ابن عطية، قيل: إنه من باب دار الآخرة، ومسجد الجامع، وقيل: مبالغة وتأكيد؛ كقولك هذا يقين اليقين، وصواب الصواب، أي نهايته، وهو أحسن لأن دار الآخرة يقدر فيها مضافا، أي دار النشأة الآخرة أو [الرجعة*] الآخرة، وهذا لَا يتجه هنا، بل المعنى أن الخبر هو يقين اليقين، [وحقيقته*]، انتهى، تقرير الفرق بينهما أن الحق إما أعم من اليقين، أو مساو له، ولا يصح أن

الواقعة 56:96

يكون أخص منه، فإن كان أعم منه فهو ما قلناه: ولا يحتاج إلى تقدير مضاف، وإن كان مساويا لزم أحد الأمرين، إما كون الأحكام الشرعية كلها يقينية، وهو باطل، وإما كونها ليست حقا، فهو باطل، فهو أعم من اليقين بلا شك. قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ... (٩٦)﴾ هذا الخطاب عام في كل من قرأ هذه الآية، لأن الآيات العامة التعلق، إنما يخاطب بها العموم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا"، انتهى، هذا الحديث خرجه عبد الحق في الأحكام، وصححه وضعفه ابن القطان. * * *

الحديد 57:1

سُورَةُ الْحَدِيدِ قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ الزمخشري، والطيبي: ورد التسبيح في القرآن بلفظ الماضي، والمضارع والأمر [والمصدر*]، وقال (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى)، (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا)، انتهى، والتسبيح إما حقيقة [ويقع*] على أنواع، لأنهم متنوعون إلى ملائكة وإنس وجن، وإما مجازا، وقرره بوجهين: أحدهما: أن هذه الجمادات والأشجار إذا نظر إليها الناظر المعتبر، وفكر في إبقائها لأحكامها يعتقد أن لها خالقا متصفا بصفات الكمال، منزها عن النقائص، فهي سبب في التسبيح، ولا يصح أن تكون هي مسبحة حقيقة، لئلا يلزم عليه أحد أمرين، [إما*] وقوع التسبيح من الجماد، وإما قيام الحياة بالجماد، وكلاهما باطل، لأنه حالة التسبيح حي ليس [بجماد*]. والثاني: أنها مسبحة بلسان الحال؛ [لافتقارها*] في كل زمان إلى الاستمداد بالعرض من الطعم، واللون، والرائحة، وهذا هو الذي حكى المازري في الجوز في قضيته مع الشيخ أبي الحسن اللخمي، لما قال المازري: إن الموجودات كلها تسبح فألزمه اللخمي أن الحصى يسبح، وقال: نعم، ويدخل تحت عموم قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)، نفسها [والأرضون*] إلا الفلك الأعلى المحيط بها، فإِنه ليس مما فيها، وعطف الأرض على السماوات تأسيس، وقلنا: والسماء بسيطة لأنها ليست مما في السماوات، وتأكيد إن قلنا: إنها [كورية*]، وتنوع التأكيد [لأن دخولها في السماوات لا يدركه كل النَّاس*]، بل الأفراد منهم والعلماء، وهل التسبيح معنوي بلسان الحال، أو بلسان المقال؟ وكما تقرر أن الوجود على أربعة أقسام: وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، فإِن قلت: التسبيح إنما هو معنوي علمي، ولو كان بلسان المقال للزم عليه قدم العالم، لأن العالم [... ] قلت: هذا لَا يصح، لأنا نقول: إنه تعالى سبح نفسه بنفسه واللام في (لله) للعلة، والمعلول هو الله [تقديره*] سبح لله لأجل الله، أي نزه ذاته لذاته، وإن حمل التسبيح على لسان الحال، فلا تخصيص، وإن حمل على [لسان المقال*]، فيخصص بمن [يتأتى*] منه التسبيح، ولهذا أسند التسبيح للمظروف دون الظرف، في قوله تعالى: [(مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) *].

الحديد 57:2

قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). العزة الامتناع، وهو قسمان: إما يكون الشيء قليلا في ذاته لَا يمكن أن يكبر كثيرا، أو إما بكونه لَا يقدر أحد على الوصول إليه، والتسبيح يقتضي اتصاف الله تعالى بصفات الكمال لَا بعده عن النقائص، فهو ممتنع عن النقائص مرتفع عن درجتها فناسب العزة، ثم إن الصفات قسمان: ثبوتية وسلبية، والصفات السلبية أسهل من الصفات الثبوتية، ولأجل هذا لم يخالف أحد في السلبية، واختلفوا في الثبوتية، فأنكرها المعتزلة، وأثبتها أهل السنة، والحال أيضا اختلفوا فيها، فمنهم من أنكرها، ومنهم من أثبتها، ومنهم من وقف فيها، والتسبيح من الصفات السلبية، فإذا عقبت معناه السلبية بالعزة، وهو امتناعها من أن تعلم، ويدرك كنهها مع سهولتها، فأحرى الثبوتية [المخالفة لها*]، فإن قلت: المشاكلة بين المعطوفين، فإن المعطوف عليه جملة فعلية، والمعطوف جملة اسمية، قلت: المشاكلة معنوية ولفظية، فاللفظية الإعرابية، وهي مفقودة هنا، وأما المشاكلة المعنوية فموجودة، وتقديرها أن التسبيح معلل بمضمون جملة (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، أي سبح لكونه ذا العزة والحكمة، وهو دليل مدلول وبينهما تناسب في المعنى، فلذلك حسن العطف دون المشاكلة اللفظية. قوله تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ المراد بالملك إما المصدر، أو المملوك. قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ﴾ تقرر في المعقول أن الأولية على ثلاثة أقسام: إما بالزمان، أو بالوجود، أو بالذات، فبالزمان كالأب مع الابن، وبالوجود كالصانع بالنسبة إلى [مصنوعه*]، وبالذات كحركة الإصبع والخاتم في زمان واحد، إذ لو كان أحدهما قبل الآخر، للزم عليه تداخل الأجسام، وهو دخول الإصبع في جسم الخاتم، فدل على أن أولية الإصبع على الخاتم بالذات، والأولية هنا في الآية إما بالذات، أو بالموجود فقط. قوله تعالى: (وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ). الظاهر بما نصب من الأدلة الدالة على وجوده، وكمال صفاته، الباطن: فلا يدرك أحد كنه صفاته، ابن عطية: الباطن بلطفه وغوامض حكمته، وباهر صفاته التي لا تدركها الأوهام، الزمخشري: الباطن لكونه غير مدرك بالحواس، ورد بها على أهل السنة الذين جوزوا رؤية الله تعالى في الدار الآخرة بحاسة البصر، الطيبي: عن صاحب الانتصاف جوابه: أن هذه أدلة سمعية لَا تنتج إلا الظن، فما يصح الاستدلال بها في الأمور القطعية، الاعتقادية انتهى، يرد بلزومه في [غير هذا*]، لأن كثيرا من قواعد أصول الدين استدلوا فيها بالأدلة السمعية، ويجب الإيمان بها، وقبولها إلا أن يقال: إن الأدلة السمعية كثرت وانضاف إلى هذا الدليل السمعي دليل آخر حتى صار قريبا من القطعي، فحينئذٍ يتم ذلك، وإنما جاء هذا من تفسير الباطن لما قال الزمخشري، وأما على تفسير ابن عطية: فيسقط احتجاجه بالآية، ويجاب نصا: بأن هذه الصفة عامة في الأشخاص مطلقا في الأزمنة والأحوال، فيصدق وصفه بالباطن على نفي الرؤية في الدنيا فقط، وله أن [يجيب*] بأن هذه الصفات المعنوية التي لَا تقارن الذات فيستحيل عليها التبدل والزوال، وقوله تعالى: (لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ)، احتج بها المعتزلة على نفي الرؤية، وأجاب أصحابنا: بأنه إنما نفى الإدراك، وهو أخص من [مطلق الرؤية*]، وإنما يلزم نفي الرؤية، لو قال: [لَا تناله الأبصار*]، فإن قلت: [ما*] الحكمة إدخال الواو فهلا قيل: [(الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ) *]، فالجواب: أن الصفات عندهم إذا كانت متقاربة المعنى كانت بغير واو، وإن كانت متضادة المعنى فصل [بينها بالواو*] في الآية، قلت: معناها الجمعية، انتهى، أراد أنك إذا قلت: رأيت زيدا الخياط الحسن الفَارِه، أفاد الجمعية في الذات بمعنى أنه جمع هذه الأوصاف، وإن قلت: الخياط والنجار والحسن، أفاد الجمعية في الذات، بمعنى أنه في كل زمن له حسن، وخياطه، وفراهة، والله سبحان وتعالى موصوف بالأزلية حين اتصافه بالآخرية، وموصوف بالظهور حين اتصافه بالخفاء، قالوا: والأولى والثانية للجمع بين الصفتين، والواو الثانية للجمع بين مجموع الصفتين الأوليين، وبين مجموع الصفتين الآخرتين، وهذا احتراز من أن تكون الثانية للجمع بين الصفات الثلاث، والواو الثالثة للجمع بين الصفات الأربع، فقوله تعالى: (هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ)، جملة أصل في نفسها مستقلة، وقوله (وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ)، جملة أخرى مستقلة، فعطف الباطن فيها على الظاهر من عطف صفة مفردة على صفة مفردة، ثم جمعت الواو بين الجملتين، فتقول: جاء زيد الخياط، والنجار، والنساج، والجزار، لأنه لَا يمكنه الجمع بينها في زمن واحد، وتقول: جاء زيد المصلي، الصالح، [الداعي*]، الخاشع، لاجتماعها فيه في زمن واحد، وانظر ما قال الزمخشري في قوله تعالى: (غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ)، وما ذكروا في قول الشاعر: [النازلين بكلّ مُعْتَركٍ؍ والطيِّبُون مَعَاقِدَ الأُزْرِ*]؍ وتكلم عليها السماكي. قوله تعالى: (وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ).

الحديد 57:4

ابن عطية: هذا من العام الباقي على عمومه، انتهى، قال شيخنا: وكانوا يحكون عن الفقيه أبي فارس الزروالي عن الإمام أبي عمرو بن الحاجب، أنه قال: الأحسن يمتثل ذلك بآية يؤخذ منها حكم شرعي، قال: ومثاله قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ)، قال: وأخبرت به شيخنا أبا عبد الله محمد السبطي، فقال: الآية مخصوصة بمسلم له اختار ابنة نصرانية، فالمشهور أنه لا يزوجها من نصراني، لقوله تعالى: (مَا لَكُم مِنْ وَلَايَتِهِم مِن شَيْءٍ)، وقيل: إن له ذلك، فعلى هذا القول تكون الآية مخصوصة بهذا، قيل للسبطي: إنما معنى الآية ولا تنكحوا المشركات المسلمات، فأجاب: بأنهم ذكروا في صورة التخصيص كونه بالبدل أو بالاستثناء، أو بالصفة، والمسلمات هنا صفة لأن تقريره ولا تنكحوا النساء المسلمات، قيل: وهي أيضا مخصوصة بإنكاح المسلم [لبنت*] الكتابية من مشرك، على أن هذا قد اتفق عليه، وكذا قوله تعالى: (وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ)، [بأنه*] على عمومه إلا أن يقال: إنه مخصوص [بقوله*] (من النساء)، فيجاب: بأن ذلك ليس استثناء بل هو من أصل اللفظ، وكذا قوله تعالى: (وَلَا تَقْرَبُوا الزَنَى)، عام، ومثله بعضهم بقوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا)، ورد عليه [بالمكرَه على الزنا، لأنه لَا يجلد*]، قال شيخنا: ومثاله الحقيقي عندي قوله تعالى: (مَنْ يُضلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ). قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إسناد الفعل بطريق الخبر يتضمن الدعوى في أمرين: أحدهما: مجرد إسناد كمن قام به، والثاني: برهان كون هذا المسند إليه أهل للإسناد الحقيقي كقولك: صنع فلان قوسا يرى، أو تقول: صنع فلان قوسا، فالأول: يقتضي الإسناد، والبرهان، وهو كونه محكما في صنعته غاية بحيث لَا يصدر عن غيره، والثاني: ليس إلا مجرد الإسناد، فهل الآية من الأول، والثاني؟ فإن قال المجيب من الأول أخطأ، وإن قال من الثاني أخطأ، ولا بد من التفصيل، فيقال: إن نظرنا إلى أول الآية فمن الثاني، وإن نظرنا إلى آخرها، لقوله تعالى: (فِي سِتةِ أَيَّامٍ)، فمن الأول، وخص الستة. قال القرافي: لأنها أول الأعداد التامة، لأن لها نصف وثلث وسدس، وذلك يساوي جملتها، إذا جمعت تلك الأجزاء، والعدد على ثلاثة أقسام: تام الأجزاء كالستة، وناقص الأجزاء [كثمانية*]؛ لأن ثمنها ونصفها وربعها سبعة، وزائد الأجزاء كاثني

الحديد 57:6

عشر نصفها وربعها وسدسها، وحذف سدسها خمسة عشر حسبما ذكره العدديون، وذكر القرافي في قواعده: والخلق في مقدار هذه الأيام لَا فيها؛ إذ لَا أيام حينئذ، ولا شمس ولا قمر، وتحديد الخلق بهذا المقدار مع قدرته تعالى على أن يخلقها كلها في زمن واحد، [منهم من وقف فيه*]، وقال: لَا يدرك حكمته إلا الله عز وجل، وفيه تنبيه للإنسان على [التأني*] في أموره، والاهتداء والطمأنينة، كما ورد في الشرع ذم العجلة، قال تعالى (خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ)، وقال: (وَكَانَ الإنْسَانُ عَجُولًا). قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ أي يولج الليل في زمن النهار، أي أن الزمان الذي كان نهارا يصير بعضه ليلا، والزمان الذي كان ليلا يصير بعضه نهارا، وهذا إن قلنا: إن الأرض بسيطة، فهو متحد في كل البلاد، وإن قلنا: إنها [كورية*] فهو بحسب الأقطار، فإِيلاج كل قطر بحسبه، ونظير هذه الآية في سورة لقمان، وسيأتي الكلام فيها. [قوله تعالى (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ.. (٧).. ، قيل: ما أفاد المجرور وهو (مِنْكُمْ)؟ أُجيب بأن ذكره يتضمن إزالة الوحشة عن المخاطب، إذ كان سبق منه كثرة الرد والطعن في الإسلام، فصرح به ليقضي شوق المخاطب*]، [لما كان صدر منه فاستعار له الإسلام*]. قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ﴾ إما خطاب للمشركين أو للمؤمنين، أي ما لكم [لَا تدومون*] على إيمانكم، ويحتمل أن يكون خطابا للمنافقين الذين آمنوا في الظاهر، وكفروا في الباطن، الفخر: فيها دليل [للمعتزلة*] على أن العبد له قدرة واختيار، إذ لَا يقال ذلك إلا لمن يتمكن من [الفعل*] كما لَا يقال ما لك [لَا تَطُولُ وَلَا تَبِيضُ*] نقله عن القاضي عن الجبار، ويجاب: بأن ذلك إنما يقتضي أن للعبد في الفعل الكسب، وهو العلم بما في الفعل من مصلحة، أو مفسدة، وهو مذهبنا وحقه أن يقول فيها رد على المجبرة القائلين: بأن الإنسان حركته كحركة العرضي، الفخر: وفيها دليل على أن معرفة الله تعالى، والإيمان به لَا [يجبان*] إلا بالسمع، انتهى، أما ما يرجع إلى ذات الله تعالى وصفاته فمستفاد من العقل، وما يرجع إلى المعاد والدار الآخرة [فمستفاد*] من السمع. قوله تعالى: (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ). أعربوه حالا، ولا يرد عليه أن الشيخ في دلائل الإعجاز صرح بأن الموصوف [بوصف*] إذا توجه نحو الإنكار، لَا يلزم ثبوت الإنكار عليه مع عدم ذلك الوصف، مثاله قولنا: مالك يضرب زيدا، وعمرو حاضر، فلا يلزم منه إنكار ضربه مع غيبة عمرو عنه، وهنا في الآية أنكر عليهم عدم الإيمان مع الرسول داعيا لهم، ولا يلزم منه ذلك مع عدم الدعوة، فالجواب: أن الرسالة لما كانت لازمة الإيمان لَا ينفك عنه لم يتصور حصول إيمان بدونها، الزمخشري: الرسول يدعوكم إليه [وينبهكم عليه*]، انتهى، اعتزل في لفظ [وينبهكم*]، لأنه يقول: إن العقل وحده لَا يستقل بالدلائل على معرفة الله تعالى مع السمع، ونحن نقول: واحد منهما دليل على ذلك مستقل، فجعل هنا السمع منبها على ما فات العقل، ومذكرا لما نقصه. قوله تعالى: (وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ). الزمخشري: حيث ركبت فيكم العقول [ونصب*] لكم الأدلة، ومكنكم [من*] النظر، وأزاح عللكم، فما لكم لَا تؤمنون، ابن عطية: أخذ عليكم العهد حين الإخراج من ظهر آدم يوم قال (أَلَسْتُ بِرَبِّكُم)، انتهى، هذا ظاهر من لفظ الميثاق بعيد من المعنى، والأول ظاهر في المعنى بعيد من لفظ الميثاق، ونقل الفخر هذا التفسير عن عطاء، ومجاهد، والكلبي، وضعفه بأنه تعالى ذكر أخذ الميثاق عليهم إبطالا لما قد يعتذرون به عن عدم الإيمان، وأخذ الميثاق حين الإخراج من ظهر آدم لَا تعلم إلا بقول الرسول، فقيل: معرفة صدق الرسول لَا يكون ذلك سببا في وجوب تصديق الرسول، أما نصب الدلائل فمعلوم لكل أحد، فإن قلت: ما قاله ابن عطية يلزم عليه الدور، فإن [ما*] أخذ عليهم في ظهر آدم إنما علموه من السمع لَا من العقل، وهم [مكذبون*] للسمع مخالفون فيه؟ فالجواب: بأن ذلك إنما يلزم [لو قيل لهم*] وما لكم لَا تؤمنون بالله ورسوله، وهم إنما وبخوا على ترك الإيمان بالله حالة دعاء الرسول لهم، وإعلامه إياهم بتقدم وأخذ العهد عليهم يوم (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)، الطيبي: ويحتمل أن يريد أخذ ميثاقكم جميعكم إياه على السمع والطاعة، والخطاب للمؤمنين، انتهى، وقرأ الجمهور (أَخَذَ) مبنيا للفاعل، وقرأ أبو عمرو مبنيا للمفعول، ابن عطية: والمخاطبة بالبناء للمفعول أشد غلظة على المخاطب، ونحوه قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ)، وكما تقول [ألا تفعل ما قيل لك*]، فهو أبلغ من قولك افعل ما قلت لك، انتهى، بل الصواب [العكس*] بدليل أن ابن الحاجب: إذا [استبعد*] من قول يقول: قالوا: كذا وكذا، وإذا ارتضاه يقول قولنا: كذا.

الحديد 57:9

قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾ في لفظ العبد رد على الحكماء القائلين: بأن للأنبياء اختصاصا زيادة في ذاتهم بالطبع، ونحن نقول النبوة، إنما هي فضل الله يؤتيه من يشاء، ولا خصوصية لهم في ذواتهم، فعبر بلفظ العبد تنبيها على أنه من جنس العبيد. قوله تعالى: (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ). ويحتمل أن يريد القرآن والمعجزات، فإن قلت: كيف يفهم هذا مع قوله تعالى: (مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ)، [هو*] تنبيه على الجملة من حيث فصاحتها ورصافتها ودلالتها على حكمة منزلها. قوله تعالى: (لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ). أفعال الله الراجعة لذاته، غير معللة، وأما ما يتعلق بالمكلفين فهي معللة عند المعتزلة عقلا، وعندنا نحن يجوز تعليلها شرعا، فأتى هذا على أحد الجائزين فهو من باب ربط شيء بشيء، لَا على معنى التعليل، الفخر: قال القاضي: فيها حجة للمعتزلة القائلين بأن الله تعالى لم يرد الكفر، بقوله تعالى: (لِيُخْرِجَكُم مِنَ الظُّلُمَاتِ)، فظاهرها أنه أنزل الآيات ليؤمن الجميع، فآمن البعض، ودام الآخرون على كفرهم، انتهى، يجاب: بأن المراد آيات بينات صالحة لأن يخرجكم بها من الظلمات إلى النور، أو هي سبب لإخراجكم من الظلمات إلى النور. قوله تعالى: (وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ). تقدم في سورة براءة تقديم الرءوف على الرحيم في الذكر من كلام الفخر ابن الخطيب في شرح الأسماء الحسنى. قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إن قلت: لم قال [قبل*]: (وَمَا لَكُم لَا تُؤْمِنُونَ) بلفظ المضارع المحتمل للحال، والانتقال، وقال هنا: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا) بلفظ المستقبل، لأن (أنْ) تخلص الفعل للاستقبال بلا خلاف، وأما (لَا) فمختلف فيها، هل تلخصه للاستقبال أو لَا؟ وعلى تقدير تسليم أن (لَا) تخلص الفعل للاستقبال اكتفائها في الآيتين، فلم زيدت معها هنا (أنْ)، فالجواب: أن الإيمان يمكن حصوله من المكلف في الحال، لأنه من أفعال القلوب، فناسب لفظ الحال، والنفقة في سبيل الله لَا يقدر المكلف على فعلها حين الأمر بها، بل في الاستقبال، ولا سيما مع قولهم إن المراد النفقة في الجهاد، وهذا معلوم بالضرورة لأنا الآن في زمن جلوسنا إذا أمرنا أحدنا باعتقاد رجل أو تصديقه [أو تكذيبه*]، يمكننا تحصيل ذلك فأجزأ في الحال، وإذا قال لنا: أنفقوا كذا في كذا لَا يمكننا إيقاعه، إلا بعد تراخ، فناسب دخول (أنْ) هنا مخلصة للاستقبال، ومؤكدة له. قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). إشارة إلى أن المال الذي عندهم إنما هو عارية فعليهم بإنفاقه في سبيل الخيرات، لأنه زائل عنهم. قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي). الآية إن كانت نزلت قبل الفتح، فواضح كونها تحريضا على الإنفاق، والقتال في تحصيل ثوابها، وإن كانت بعد الفتح فَفَهْمُ كونها تحريضا فيه صعوبة، بل المتبادر للمفهوم أنها تحرض على تلافي ما مضى، فالجواب: أن الآية لما تضمنت تشريف القسم المقابل كان تحريضا، إذ [هو*] عام في البعدية إلى يوم القيامة أو مقابل قوله (مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)، وهذه البعدية صادقة في سائر الأزمان فينبغي للمكلف تحصيل صادقيتها ليكون أحد المقابلين للأفضل، ونص في الآية على نفي مساواة من جمع الوصفين، قبل الفتح لفعل مثله بعده، فمن أنفق قبله، ولم يقاتل، هل يساوي من قاتل بعده ولم ينفق؛ لأن بذل النفس أعظم ثوابا من بذل المال، فهل يعدل فضيلة ذلك فضل السبقية [أو لا؟] فيه نظر، فإن قلت: من في قوله (مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ)، وقوله (مِنْ بَعْدُ) لابتداء الغاية، فهي لأول أزمنة القبلية والبعدية، وتضمنت الآية نفي مساواة من أنفق في أول الأزمنة المتقدمة على الفتح، لمن أنفق في أول الأزمنة المتأخرة عنه، مع أن المساواة منتفية بين من أنفق قبله مطلقا، وبين من أنفق بعده مطلقا، فالجواب: أن كل ما ثبت لأحد المتساوين ثبت للآخر، و (مَن) إنما دخلت لتأكيد معنى السبقية، وهذا يقع في القرآن على وجهين، فتارة تنفي المساواة ويعين وجه المفاضلة بينهما كهذه الآية، وكقوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ)، وتارة لَا يعين وجه التفاوت بينهما، كقوله تعالى: (قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ)، وقوله تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ)، الفخر في المحصول: قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ) لفظ المساواة بينهم في الآية مطلق، فهو أعم من عدم استوائهم في الأحكام الأخروية من النعم والعذاب، أو في الأحكام الدنيوية من القصاص، والإجرام وغيره، والأعم لَا شعار له بالأخص، وبنى عليه مساواة الكافر للمؤمن في

الحديد 57:11

القصاص، وأورد عليه السراج تنكيتا بأن نفي الأعم أخص من نفي الأخص، فالنفي عام في جميع صور المساواة كقولك: لَا حيوان في الدار انتهى، ويرد أيضا على الفخر بهذه الآية لإجماعنا على مساواة من أنفق من قبل الفتح، لمن أنفق بعده في حكم القصاص، فترى نفس المساواة بينهما لم يعم جميع الوجوه، قلنا: يستدل بهذا على عدم تلك الآية، فينتج مساواة الكافر للمؤمن في القصاص. قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً). فإن قلت: قاعدة البيانيين في حسن الإيلاف مراعاة المشاكلة في الألفاظ، والمناسب للدرجات العلو، فيقال: درجة فلان، ومنزلته أعلى من درجة فلان، ويقال: قدر فلان أعظم من قدر فلان، فهلا قيل: هنا أولئك أعلى درجة، فالجواب: أن قوله أعظم اقتضى التفاوت بينهما في القدر وعلو الدرجات، فهو أعم فائدة. قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ﴾ إثباته بلفظ الاستفهام دليل على عظم هذه الفضيلة، لأن الغني بذاته إذا طلب شيئا بلفظ السؤال فهو تنبيه على عظم الثواب المعد عليه، وأنه محبوب له مرغب فيه، بحيث يسأل عمن يفعله مع علمه به، (حَسَنًا) أي لوقوعه بنية مخلصة، وذكر الفخر فيه وجوها كلها راجع إلى حسن النية، وهو مناسب لما تقدم، لأن أولئك إنما علت منزلتهم بالسبقية في الإيمان لبذلهم نفوسهم وأموالهم في نصرة دين الله، [حيثما يأمر*]؛ فدل على قوة إخلاصهم، وحسن نيتهم، وهذه الآية تذييل وتبيان لما أشعرت به الآية السابقة. قوله تعالى: ﴿يَسْعَىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ قيل: أخر النور هنا، وقدمه في سورة التحريم؟ أجيب: بأن المقصود هناك الذوات بخلاف هذه، فإن المقصود فيها بيان شرف المؤمنين، فناسب الاعتناء بذكر الصفة وغلب الإيمان على الشمائل، والمراد أن نورهم يعم جميع جهاتهم يمينا وشمالا، أو يقال: إن بين أيديهم يعم اليمين والشمال، وعطف عليه (بإيمانهم) تشريفا لجهة اليمين بالذكر، قيل: وفي الآية رد على ابن حزم القائل: إن العاصي يأخذ كتابه بشماله، لأنه تعالى جعل مجرد [الوصف*] سببا لأخذ الكتاب باليمين. قوله تعالى: (بُشرَاكُمُ الْيَومَ جَنَّات) أي دخول جنات. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ فيها سؤالان: الأول: لم عبر عن المنافقين بالاسم، وعن المؤمنين بالفعل؟ وهلا قال: الذين نافقوا كما قال: (لِلَّذِينَ آمَنُوا). السؤال الثاني: لم أسند الفعل في المنافقين للمذكر والمؤنث؟ وأسنده في المؤمنين للمذكر خاصة؟ وهلا قال (لِلَّذِينَ آمَنُوا) واللاتي آمنَّ؟ والجواب: عن الأول من ثلاثة أوجه: الأول: مراعاة المشاكلة بقوله فيما تقدم (يَومَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤمِنَاتِ). الثاني: أنهم طلبوا ذلك ممن اتصف بمطلق الإيمان، فيتناول [أعلى المؤمنين*]، وأدناهم، ولو قال (يَومَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ)، للمؤمنين، لما تناول الأول من اتصف بأعلى مراتب الإيمان، واعترض هذا بأنه يلزم عليه في [الطرف*] الآخر ألا يكون طلب هذا إلا من اتصف [بمطلق الإنفاق*]، [فاحتاج*] إلى طلب ذلك، أو [يطلب*] ذلك، فيستعف به، مع أن الكل لَا ينفعهم ذلك، الجواب الثالث: أن المؤمنين على مراتب، والمنافقون لَا يستطيعون الوصول إلى أعلاهم لبعدهم عنه، وإنَّمَا يصلون إلى أدناهم لقربهم منهم، فذلك قال: (لِلَّذِينَ آمَنُوا) فعلقه بمطلق الإيمان لكن يبقى فيه إن كان يقول يوم يقول الذين نافقوا، والجواب عن السؤال الثاني: إما بأن المذكور أعلى منزلة، والنساء لسن من جنس من يطلب منهن ذلك، وإما بأنهن محجوبات عنهن، فلا يصلون إليهن. قوله تعالى: (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ). ليس المراد الحقيقة، بل المجاز أي نستضيء بنوركم، لأن الاقتباس من السراج هو أن [؍ ] سراجك، وهم ليس عندهم سراج [يوقدونه*]، فإِنما هو [تهكم بهم*]، أو أمر بالرجوع ورائهم حقيقة.؍ قوله تعالى: (فَالْتَمِسُوا نُورًا). صيغة افعل هنا إما للإهانة أو للتعجيز، وهو الظاهر، والتنكير في (نُورًا) للتعليل أو تحقيرا لهم، وأنهم في التماسهم له غير صائبين، فإن قلت: عدل عن المطابقة، ولم يقل اقتبسوا نورا، وهو المطابقة لقولهم (نَقْتَبِسْ)، قلت: لأن الاقتباس يقتضي وجود المقتبس منه، وهو ثابت في حق المؤمنين موجود، ولما كان معدوما في جانب المنافقين خاطبهم بقوله (فَالْتَمِسُوا) لأن الالتماس لَا يقتضي الوجود. قوله تعالى: (نُورًا).

الحديد 57:14

ابن عطية: قيل: هو الحائط الشرقي من بيت المقدس، وهو بعيد انتهى، إنما استبعده لوقوفه مع الأمور العادية، والمحل محل خرق العادة، فلا مانع من أن يمد الله تعالى ذلك النور حتى يعظم في جرمه فيسترهم كلهم. قوله تعالى: (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ). إن قلنا: إنه الحائط الشرقي من بيت المقدس فظاهر، لأن باطنه هو الذي على مسجد الصلاة وعلى العبادة، فناسب أن تكون الرحمة، وإن قلنا: إنه سور خلقه الله تعالى حينئذٍ، فهو كما يقول في سور المدينة، إن باطنه [هو*] الذي على داخل البلد، لأنها هي الجهة المصونة بالسور المحفوظة به، كما أن باطن الحائط هو الذي نحوه [... ]، [وخص*] الرحمة بالباطن، لأنه هو الخفي المستور، ولما كان طرفه أقل من الظاهر قرن الأول بصريح البطن فيه دون الثاني. قوله تعالى: (مِن قِبَلِهِ). إشارة إلى أن العذاب بعيد عن السور لكونه للمؤمنين، حتى [لَا يفزعهم*] شيء من ذلك العذاب. قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَىٰ﴾ قيل: هذا التصديق إما أن يكون حقا، أو باطلا، لَا جائز أن يكون باطلا، لأن المؤمنين في دار الحق فلا يقرون إلا بالحق، ولا جائز أن يكون حقا؛ لأنهم ما سألوهم عن كونهم الكون الموجب [للنجاة*]، وهو الكون ظاهرا وباطنا، فصدقوهم على ذلك، قيل: التصديق مرتبط بالاستدراك الذي بعده، قيل: انتهى الكلام عندنا، قيل: مرادهم بالتصديق أنهم كانوا معهم في الظاهر فقط، قيل: فلم يصدقوهم إذًا في سؤالهم. قوله تعالى: (وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ). لم يقل: أمانيكم تهويلا عليهم وتعظيما لما صدر منهم، حتى [كأنها*] أماني أخر غير أمانيهم، مضافة لأمانيهم، وانظر [لم يقل: وأغررتم بالأماني*]؛ لأنه المطابق لما قبله. قوله تعالى: (حَتى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ) إن أريد به الموت فالغاية راجعة للمغرور، والتربص. قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ﴾ الفاء للتسبيب ويبعد كونها للتعقيب، لأن عدم الأخذ ليس متأخرا عن الغرور؛ بل متقدما، لأنه عدم قبل الحكم، [فعدم*] الأخذ متأخر عن الغرور، قيل: بل تقدم أيضا أولا، ويجاب: بأن الأخذ هنا تقيد باليوم، ولا شك أن ذلك اليوم متأخر عن الغرور، فصح أنها للتعقيب أو أعم منه، بدليل أن من وهب لرجل [جُبَّة*] فقبلها منه، ولم يأخذها حتى مات، أن [الهبة*] باطلة، فترى القبول لَا يستلزم الأخذ، ولو كان أخص لاستلزمه، لأن وجود الأخص يستلزم وجود الأعم، فالجواب بينهما [عموم وخصوص*] من وجه دون وجه، فتارة استعمل أحدهما، وتارة استعمل الآخر. قوله تعالى: (وَلَا مِنَ الَّذِين كَفَرُوا). من عطف الأعم على الأخص، لأن المنافقين من الكافرين، لكن لما كان جانب المنافقين أعظم لقوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، وكان عطف الكفار تأسيسا، ولَا يلزم من عدم أخذ الفدية من المنافقين عدم أخذها من الكافرين، قال الفخر (١): والفدية ما يفتدى به، فيتناول التوبة والإيمان، والمال، [وفيها*] حجة للمعتزلة في قولهم: إن قبول التوبة غير واجب عقلا، لأنا أجمعنا على أن التوبة من الذنوب تنفع في الدنيا، فلو كانت [عقلية*] لاستوي حالها في الدنيا والآخرة (١)، انتهى، يقول: إنها عقلية في الدنيا فقط، وأما في الآخرة فهي شرعية، لأن المكلف في الدنيا تمكن من المعاصي، ومن الكفر فيحتاج حين التوبة للتكليف الامتناع من المخالفات، وحبس نفسه عن شهواتها بخلاف الآخرة، فإنه غير متمكن من ذلك فيها. قوله تعالى: (مَأوَاكُمُ النارُ). إن قلت: هذا التركيب يقتضي الخلود، لأن مأواكم مبتدأ والنار خبره، والقاعدة: أن المبتدأ إما مساو للخبر، أو أخص منه فإن كان [مساويا*]، فالمأوى هو النار، وإن كان أخص [فإن*] وجد المأوى، وجدت النار، لأنه مهما وجد الأخص وجد الأعم، قلت: الخلود [يقضي بانعدامهم*]، لجواز أن يعذبهم الله تعالى فينعدم المأوى. قوله تعالى: (مَوْلاكُم). الزمخشري: أي هي أولى بكم، وأنشد قول لبيد: فَعَدَتْ كِلا الفَرجَينِ تَحْسِبُ أَنّه؍ مَوْلى المَخَافَةِ خَلْفُها وَأَمَامُهَا؍ (١) هكذا النص في مفاتيح الغيب: وَاعْلَمْ أَنَّ الْفِدْيَةَ مَا يُفْتَدَى بِهِ فَهُوَ يَتَنَاوَلُ الْإِيمَانَ وَالتَّوْبَةَ وَالْمَالَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَبُولَ التَّوْبَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَقْلًا عَلَى مَا تَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْفِدْيَةَ أَصْلًا وَالتَّوْبَةُ فِدْيَةٌ، فَتَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى أَنَّ التَّوْبَةَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ أَصْلًا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تَكُنِ التَّوْبَةُ وَاجِبَةَ الْقَبُولِ عَقْلًا. اهـ

الحديد 57:16

الطيبي: [يصف بقرة وحشية*] هربت من الصائد، فرأت فرجين: أي طريقين، حسبت أنهما منجاة لها منه. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا... أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾ ابن عطية: سمع الفضل بن موسى، وهو في معصية هذه [الآية*] فتاب، انتهى، ونحوه نقل القشيري في رسالته عن الفضيل بن عياض، ابن عطية، وحكى الطيبي عن ابن المبارك، انتهى، ونقله أيضا عياض في المدارك، وعبر في الآية بلفظ الفعل في قوله تعالى: [(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) *]، لأن ذلك لم يتصف به أعلاهم قبل أوسطهم وأدناهم. قوله تعالى: (لِذِكرِ اللَّهِ). الزمخشري: يجوز أن يراد بالذكر، وما نزل من الحق [القرآن*]، لأنه جامع للذكر والموعظة، وأنه حق من السماء، ويجوز أن يراد خشوع القلب، إذا ذكر الله، انتهى، فعلى الأول: هو من عطف الصفات، والمصدر مضاف للفاعل، وعلى الثاني: المصدر مضاف للمفعول، ويحتمل أن يريد [بالذكر*] التوحيد، وعدم الشرك وبما [نزل*] من الحق البراهين والدلائل الدالة على ذلك. قوله تعالى: (فَقَسَت قُلُوبُهُمْ). أوَذهلوا عن التأمل والنظر، فقست قلوبهم، لكن بعضهم لم يزل على دينه، وبعضهم [أوصلته الغفلة والذهول، إلى الفسق والفجور*]. قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا... (١٧)﴾ الزمخشري: هذا تمثيل لأثر الذكر في القلوب، وأن يحييها كما يحيي الغيث الأرض ونحوه، لابن عطية قال: أي لَا يبعد عليكم أيها التاركون للخشوع رجوعكم إليه، فإن الله يحيي الأرض بعد موتها، وكذلك يفعل بالقلوب، انتهى، فهذا أمر فرعي، ويحتمل بأن يكون المراد التنبيه على صحة الإعادة، بكمال قدرة الله تعالى على إحياء الأرض بعد موتها، فلذلك [... ] الخلائق فهذا أمر أصلي، وفي الآية رد على إمام الحرمين القائل: إن العلوم كلها ضرورية، لأن صيغة الطلب هنا إما للوجوب أو الندب، وليست للإنشاء، ولكون متعلقها أمرا دينيا، فهذا من أمور التكليف، واتفقنا على أن الأمور الضرورية لَا يجوز التكليف بها، فدل ذلك على أنه أمر نظري ولا معنى لكون العلوم بعضها ضروري، وبعضها نظري، إلا هذا. قوله تعالى: (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ).

الحديد 57:19

فيه رد على من يقول: بجواز أن يرد في القرآن ما لَا يفهم. قوله تعالى: (لَعَلَّكُم تَعْقِلُونَ)، فإن قلت: فيه دليل على أن العقل ليس معلوم ضرورة، فمن يجهل ذلك فإنه غير عاقل خلاف قول أبي المعالي: قلت: ليس مراد أبي المعالي العقل الذي يقع به التمييز، وهو شرط في التكليف، لأنه محصل للعلم ضرورة، وإنَّمَا مراده العقل الشرعي الجعلي النافع. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ وجه مناسبتها لما قبلها، أنه لما قدم ذكر [الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ*]، وما أعد الله لهم من الأجر، دلت هذه الآية على أن من دونهم ينال أجرا عظيما قريبا من أجرهم، ففيها إرجاء وإطماع لسائر المؤمنين، إن أريد إيمان خاص فيكون هؤلاء أعلى منهم منزلة، والصدِّيق في اللغة يقتضي أن المراد الذين صدقوا بالله تصديقا بعد تصديق، وليس المراد هنا بالصدِّيق ما يقوله المتصوفة من أنه أدنى رتبة من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ لأن ذلك اصطلاح وليس بلغة، وهذا موافق لما يقول المنطقيون: من أن التصديق راجع للجمع، والتصور للمفردات، فإذا قال الإنسان في نفسه العالم حادث فهو عندهم تصديق [لَا تصور*]، وإن لم ينطق به؛ ولذلك اعتقدوا الإيمان بالله ورسوله، وعبدوه تصديقا؛ لكن هذا راجع لما يخبر به الرسول، وهو أمر مسموع، فهو تصديق للخبر، لأنه راجع [لحديث النفس*]، ابن عطية: والصديقون باب لغة الصدق، أو التصديق وفعيل لَا يكون إلا من فعل ثلاثي، وأشار بعضهم إلى [مجيئه*] من غير الثلاثي، وقال: مسك من أمسك، وأقول أنه يقال: مسك، وفي هذا نظر، انتهى، النظر الذي هو فيه أنه يقال: مسك ولم [يذكره*] الجوهري في الصحاح وإنَّمَا ذكر أمسك، وانتقد ابن مكي: في تثقيف اللسان على الأطباء قولهم: القوة الماسكة، قال: إنما القوة الممسكة من أمسك فدل على أنه لَا يقال: أمسك عند ربهم أن رجع إلى المبتدأ، فالمراد في حكم ربهم، وإن رجع لما بعد، فالمراد لهم أجرهم عند ربهم حقيقة، وإضافة الأجر إليهم تعظيم لهم، وقال قيل: (وَلَهُم أَجْرٌ كَرِيمٌ)، فاكتفى هنا بوصفه هناك، فسر الزمخشري الآية بقوله (أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ)، فسوى بينهما في الأجر ولأنه من الالتفات، فأجاب: بأن أجر المؤمنين مضاعف مساو لأجر أولئك غير [مضاعف*]، انتهى، ولا يحتاج إلى هذا لأن المماثلة تكون في النوع، وفي

الحديد 57:20

النصف أنهم مساوون لهم في نوع من الأجر، لَا في قدره، ويلزمه هذا في الشهداء، فإنا أجمعنا على تماثلهم في الأجر، وأن منازلتهم متفاوتة. قوله تعالى: (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ). ولم يقل: أولئك هم أصحاب، فيدخل في ذلك المبتدعة المختلف في تكفيرهم، ومن كفر بالتأويل، [والصحبة هنا دوام الإقامة وليست من الصحبة في*] اصطلاح المحدثين، لأنهم يشترطون رؤية النبي صلى الله عليه وسلم، ولو مرة واحدة على الخلاف عندهم في ذلك. قوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ يحتمل أن يراد الأمر بلازم ذلك، وهو الاتعاظ، والإنابة، والتذكر، واللعب يشغل النفس بما يلهي على سبيل الفرح، [والفرح*] واللهو شغل النفس بما يلهي عن أمر يؤلم، الفخر: اللعب من فعل الصبيان، وهو الشغل المتعب لغير فائدة، واللهو من فعل الشباب، وهو لفائدة دنيوية فقط، انتهى، وحاصله أن اللعب هو إتعاب النفس لا لقصد تحصيل أمر ملائم، حاصل الآية أن الأمور المباحة إذا كانت لَا تحصل فائدة أخروية، فهي لعب ولهو؛ فينبغي للإنسان أن ينوي التقوِّي على الطاعة، وحكي عن سيدي الحسن بن علي المنتصر رحمه الله ونفع به، أنه كان يوما في الثانية عند سيدي حسن المريدي نفع الله به، فجلس يشرح التين، فمر به سيدي حسن فسأله عن سبب ذلك، فقال له: قعدت بطالا فأخذت [أشغل*] نفسي بهذا، فقال له: اقصد بفعلك ذلك أنك تشرحه ليأكل منه متعلم، أو مضطر لأكله، فيستعين به على عبادة الله تعالى، فكذلك ينبغي لكل أحد أن لَا يخلي فعله من نية الطاعة، ليخرج فعله المباح عن اللعب واللهو، قال كاتبه [عفا*] الله عنه، وهذه سيرة مولانا السلطان سلطان السلاطين، وسلطان الصالحين أبي فارس عبد العزيز ابن مولانا أمير المؤمنين أبي العباس أحمد في أفعاله كلها سفرا وحضرا، وقد ضمنت هذا المعنى في قصيدة نظمتها له، قلت فيها: وأفعاله ينوي بها البر كلها؍ في قصده صار المباح تعبُّدا؍ فإما رباطا إن أقام بساحل؍ وإما جهاداً إن توجَّه للْعِدا؍ وعادته أمتع الله المسلمين ببقائه إذا قدم من سفره قاصدا به جهاد المفسدين في الأرض الإقامة بساحل لقصد الرباط، إن قلت: هذا يوهم تحصيل الحاصل [كقولهم*]: قام القائم، فالجواب: أن ابن التلمساني قال: تعليق الحكم على موصوف

الحديد 57:25

يصفه، لَا يلزم منه دوام اتصافه بتلك الصفة، وإلا كان يمتنع أن يقال: [تحرك الساكن*] مع أنه جائز. قوله تعالى: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ هذا عند المعتزلة [قيل: ظاهره يعني الإرادة*]، وعندنا إن كان لفظ النَّاس عاما في الجميع، فهو إما بمعنى الحكم أي ليؤمن النَّاس بالقسط وليس بمعنى الإرادة، لئلا يلزم عليه الخلف في الخبر، إن لو أراد من الجميع القسط لما وقع إلا كذلك، وقد وجدنا كثيرا لَا يعدلون، وإن كان المراد بالنَّاس أهل الخير والصلاح، فقد يكون قوله تعالى: (لِيَقُومَ النَّاسُ)، بمعنى [الإرادة*] على حقيقته. قوله تعالى: (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ). الزمخشري قيل: نزل آدم عليه السلام من الجنة، ومعه خمسة أشياء من حديد، وهي السدان والكلبتان، والميقعة، والمطرقة، والإبرة، ولم يفسر الطيبي سوى الميقعة قال: هي المطرقة، قال شيخنا: وأخبرني السلطان أبو الحسن المريني بمحضر جماعة: أن صواعق نزلت عندهم بالحديد، فأمر من أتاه بذلك الحديد، وصنع فيه سيوفا، فلم تكن في القطع بذاك. قوله تعالى: (بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ). المراد بالبأس جهاد العدو، فهو من دفع المضار، فجاز تقديمه على الأصل. قوله تعالى: (وَلِيَعْلَمَ). معطوف على مقدر، أي لينتفعوا به وليعلم، ولم يقل: وليجاهدوا مع أنه [المقصد*]، لأن في لفظ الآية إغراء وتحريض على الجهاد، لأن العبد إذا استحضر أن سيده ينظر إليه، ويعلم ما هو يفعل، فإنه يجتهد في العمل. قوله تعالى: (وَرُسُلَهُ). تأكيد كقوله تعالى: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ)، أو هو كقولك أعجبني زيد وحسنه. قوله تعالى: (بِالْغَيْبِ). الزمخشري: حالة كونه غائبا عنهم. انتهى، ويحتمل أن يريد بسبب الغيب، لأن الحاصل على الاقتحام في القتال، إنما هو رجاء نيل درجة المجاهد، [والثواب*] المعد له

الحديد 57:26

في الدار الآخرة، وذلك أمر مغيب لَا نعلمه إلا من الرسول، فمن صدقه وآمن به ينال ذلك. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ). لا يمانع فيما أراده. قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [خصصهما أشبه باحتراس*]، لأنه لما أخبر أن الجهاد لنصرة الله ورسوله نبه على أنه قوي بذاته غير محتاج للنصرة، عزيز لَا يمانع [فيما أراده*]. قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ)، خصصهما بالذكر دون غيرهما، لأن نوحا عليه السلام أبو البشر بعد آدم عليه السلام عموما، فهو أب أو عم لغيره، وإبراهيم له أب أخص، فإن قلت: وإسماعيل أبوه، قلت: اختص إبراهيم بالذكر لاتفاق الملل كلها، وأهل كل ملة يؤمنون به، وكذا تسمية الأب الصالح بخلاف إسماعيل، ولأن شريعتنا موافقة لشريعة إبراهيم. قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ). قالوا: (جعل) بمعنى صيَّر أو بمعنى خلق، وهذا بيِّنٌ على مذهب المعتزلة، وأما على مذهب أهل السنة، فلا يصح كونها بمعنى خلق، لأن الكتاب قديم ليس بمخلوق إلا أن يراد به الألفاظ المكتوبة، [فيصح لأنها*] حادثة، وبها يقع الإعجاز، لكن الأول أولى لما في هذا من [الإيهام*]، وأنت تعلم فيمن حلف بالقرآن. قوله تعالى: (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ). هذا يعم صالح المؤمنين، وعصاتهم، لأن [العاصي*] مهتد بالإيمان، فيصدق عليه وصف الهداية مقيدة، وإذا صدق مقيدا صدق مطلقا، وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن آبائه الأنبياء قد جرى لهم مثل ما جرى له. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا﴾ الزمخشري، وابن عطية: التقفية مجيء الشيء، كأنه قفاه، انتهى، هذا إن كان ينقلانه لغة [مسلَّم*]، وإلا فيمكن أن تكون التقفية مجيء بعد الشيء من غير فاصل بينهما، سواء جاء بقرب مجيئه، أو بعد طول، وهو المناسب للفظ (ثم) المقتضية للمهلة، لكن يترجح ما قالوه بقوله تعالى: (عَلَى آثَارِهِم)، وفيه دليل على أن أقل الجمع اثنان، لأن الضمير في [(آثَارِهِم) *] عائد على نوح وإبراهيم، فإن قلت: لعله عائد [عليهما*] وعلى ذريتهما؟ قلت: ذريتهما داخلون في لفظ الرسول من قوله تعالى: (بِرُسُلِنَا)، فهم متبعون لَا تابعون، ويجاب [بأن لفظ الذرية*] [عام*] يشمل الأنبياء والرسل، لقوله (فِي ذُرِّيَّتِهِمَا)، فهو محصول فيه، ليكون هذا الضمير عائدا على بعضه، وهم ذووا النبوة فقط، أي ثم قفينا على آثار نوح وإبراهيم، ومن نشأ من ذريتهما بالرسل، وإعادة لفظ (قفينا) [في المعطوف تأكيدا*]، ولأجل ذلك عطف بالواو دون ثم. قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً). جعل عند أهل السنة بمعنى خلق، وعند المعتزلة بمعنى صير، ابن سلامة: الرأفة والرحمة يشتركان في رقة القلب، واختلف فيما يمتازان به فقيل: الرأفة أخص من الرحمة، وقيل: الرحمة أخص، وقيل: إنهما متغايران، فالرأفة الامتناع من المكروه، كامتناعك من ضرب زيد رأفة عليه، والرحمة إيصال الأمر الملائم كتصدقك على زيد رحمة له، وقال شيخنا: الرأفة هي أن تزيل عن الشخص ما يكرهه، مع بقاء تألمك منه، والرحمة أن تزيل عنه ذلك من غير تألم في نفسك، وهذا كحنانك على ولدك المسجون، وعلى أجنبي مسجون، وهو موافق لما ذكروا في الآية، من أن الجبابرة ظهروا على المؤمنين فبعضهم قاتلهم، وبعضهم جلس بين أظهرهم مؤمنا، ولم يقاتل، وبعضهم خرج عنهم وانقطع للرهبانية، فالمقاتلون اتصفوا بالرأفة لدين الله، والجالسون اتصفوا بالرحمة، والمنقطعون ترهبوا، وجعل الفارسي (رَهْبَانِيَّةً) منصوبا بفعل مضمر، أي وابتدعوا رهبانية، ولم يعطفه على (رَأْفَةً وَرَحْمَةً) اعتزالا منه، لئلا يكون مجعولا لله، لأن الرأفة والرحمة من الصفات [**الكلية]، فهي داخلة تحت القدرة القديمة يصح كونها مجعولة لله، والرهبانية من الصفات [**الكتبية] التي هي عندهم من متعلق الحادثة، فكانت من فعل العبد، فلذلك لم يعطفها على معمول (جعل)، وتكلم عليها ابن هشام في شرح الإيضاح في باب الاستقبال، وابن عصفور في شرحه أيضا بطويل من الكلام، وعلل الفارسي ما ذكره في الإيضاح بقوله: لأن الرهبانية لَا يستقيم حملها على (جعلنا) مع وصفها بقوله: ابتدعوها، لأن ما يجعله هو تعالى لَا يبتدعونه هم، ابن عصفور: جعل مفسروا هذا الكتاب هذا التعليل منه مبينا على أصول المعتزلة، إن ما يفعل العبد مقدور له فلا يفعله الله؛ لاستحالة مقدر بين قادرين، وما ذكروه ليس كذلك، بل إذا [ذهبوا إلى*] أن ما يجعله الله تعالى في القلوب [فلَا*] يوصف العبد بأنه اخترعه في عرف لغة العرب لَا حقيقة [ولا مجازا*]، [ولو أراد ما يتوهمونه لقال: إن*] ما يجعله هو تعالى حقيقة لَا يوصفون بابتداعه على طريق الحقيقة، ولا يمتنع في الآية وصفهم بابتداعها مجازا؛ إذ وصف الله تعالى بابتداعها حقيقة ولا يستحيل ذلك عند المعتزلة، والرهبانية لغة تعبد الراهب فهي من أفعال القلوب، وما ذكره المفسرون: أن معناها ما كان يفعله الرهبان من التزام الصوامع واعتزال النساء، وغير ذلك، إنما هي أشياء أحدثها الرهبان من عند أنفسهم، فسر بعضهم الرهبانية بالمعنى الذي ذكره المفسرون، وقدر حذف مضاف، وحب رهبانية، ولا يلزم على هذا أن يكون ما جعله الله في القلب موصوفا بأنهم ابتدعوه، وما ذكره أبو علي من حمل الآية على الاشتغال أولى، لأن حذف الفعل أولى من حذف المضاف، [إذ للفعل مفسر*]، ولا مفسر للمضاف في اللفظ، وأورد على أبي علي [أنه لا يفسر في الاشتغال إلا بما يعمل*]، والصفة لَا تعمل في الموصوف، وأجاب الشلوبين: بأن مراده الصفة المعنوية، لا الصناعية، وهذا [المراد عنه*] غير لازم لأبي علي، لأنه لم يجعل ابتداعها صفة في حال نصب (رهبانية)، بفعل مضمر، بل على تقدير جعل (رهبانية) معطوفة على (رأفة)، ابن سلامة: البدعة إحداث على لم يكن ثابتا والتزام ما لم يلزم بدعة انتهى، إن قلت: هل يؤخذ أن من ابتداء النافلة قائما أنه لَا يكون له إتمامها جالسا اختيارا لأن الله تعالى ذم هؤلاء على عدم الوفاء بالأمر الملتزم، قلت: لم يذمهم على ذلك، بل رتبه على أنهم مقصرون بفعلهم المرجوح دون الأرجح. قوله تعالى: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ). إن أريد به الحكم الشرعي بالإيتاء فهو حقيقة، وإن أريد به نيلهم ذلك [بالعمل*]، فيكون في معنى المستقبل مثل أتى الله، فإن قلت: إيتاء الأجر يشمل الدنيا والآخرة، قلت: أوتوا في الدنيا بعض الأجر لَا كله، وقد أخبر عنهم أنهم أتوا أجرهم كله، فلا بد من جعله في معنى المستقبل، فإن قلت: لم يؤتوا كل أجرهم؛ بل بعضه، [لأن ما*] في الآية إخبار عن قوم مضوا وانقطعوا، فقد [أوتوا*] أجرهم فيما مضى، قلت: لم يؤتوا كل أجرهم بل بعضه، لأنهم لم يدخلوا الجنة، بل نالوا أوائل النعيم، فلم يستكملوا أجرهم، وقول الزمخشري: إن الجبابرة ظهروا على المؤمنين بعد موت عيسى عليه السلام، فقاتلوهم ثلاث مرات، قد يقال: إنه غلط في قوله بعد موت عيسى، لكن وقع في أواخره في جامع العتبية في ترجمة ابن عيسى، قال مالك: كان عيسى عليه السلام يقول: يا ابن الثلاثين [مضت*] الثلاثون فما تنتظر، قال: فمات وهو ابن ثلاث وثلاثون سنة، ابن رشد: هذا مشكل مع قوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ)، وقوله تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ)، قال: لكن يحتمل أن يكون لم يمت، [عندما رفع إلى السماء*]، ونسب إليه الموت باعتبار رفعه من الأرض، ويحتمل أنه مات حقيقة، ورفعت روحه،

الحديد 57:28

انتهى، قال شيخنا: ولا يخالف ما ورد في الحديث: من نزوله الأرض في آخر الزمان لاحتمال أنه يجيء حينئذ بعد موته (١)، وينزل إلى الأرض، وانظر كلام ابن عطية في سورة آل عمران في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ). قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ ابن عطية: قيل: المخاطب بها أهل الكتاب، أي يا أيها الذين آمنوا بعيسى آمنوا بمحمد، وقيل: الخطاب للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أي دوموا على إيمانكم، انتهى، فالأمر على هذا بالإيمان مجاز، بمعنى الدوام، هذا إن قلنا: إن الإيمان لَا يزيد ولا ينقص، وإن قلنا: إنه يزيد وينقص، فيكون الأمر بالإيمان حقيقة، والآية دليل على أن الأمر للتكرار، إذ لو لم يكن [للتكرار*] لكان للمرة الواحدة، ولو كان للمرة الواحدة للزم عليه لحوق الرحمة، والثواب للمزيد، وهو باطل بالإجماع، فدل ذلك على أن الأمر بالتقوى والإيمان للتكرار والدوام عليه إلى الموت، ورد هذا بوجهين: الأول: أنه معارض بأن تقول ما ذكرته من الدليل، وإن دل على ثبوت الحكم في صورة النزاع [فثَمَّ ما ينفيه*]، وهو من مات إثر إسلامه فإنه تناله الرحمة والثواب إجماعا، ولو كان الأمر للتكرار للزم عليه ألا ينال ذلك إلا من تكرر منه الإيمان، وأجيب: بوجهين: الأول: أن ذلك إنما أتى من مفهوم الآية، وهو أن المعنى آمِنوا إيمانا دائما متكررا، ودليلنا نحن مستفاد من منطوق الآية، والمنطوق مقدم على المفهوم. الثاني: أن دوام كل شيء [**يُحس] فهذا دوام حكمي لَا وجودي، فيدخل في ضمن الآية. الوجه الثاني من الردين أن الخلاف إنما هو حيث يرد لفظ الأمر غريبا عن القرائن، وهذا السياق يدل على أنه للتكرار، أجيب: بأنه في اللفظ ما يدل عليه، وإنما القرينة من خارج تخصصه أو تقيده، وذلك لَا يمنع من جواز حمل اللفظ على التكرار، وقد قال الجدليون: جواز الإرادة موجب للإرادة، فجواز إرادة التكرار موجب لإرادة التكرار، بل التكرار مستفاد هنا من لفظ الأمر، لأن المراد بقوله (آمنُوا)، حصلوا الإيمان الشرعي، [وإلا فالشرعي*] هو الدوام عليه، أجيب: [بأنه ليس كذلك*]، بل المرتد قد حصل الإيمان الشرعي. (١) كلام في غاية البعد، وكان المتوقع من الإمام ابن عرفة -وهو المحقق المدقق- أن يرد هذا الكلام، لا أن يؤيده. اهـ (مصحح نسخة الشاملة).

الحديد 57:29

قوله تعالى: (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ). وفي سورة النساء (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) فجعل النصيب جزاء عن الحسنة، والكفل جزاء عن السيئة، وهنا جعله في جزاء السيئة، والجواب: أن الجمع بين الآيتين ينتج أن الكفل أعم، يصدق على جزاء السيئة، وجزاء الحسنة، والنصيب خاص بجزاء الحسنة، و (مِن) في (رحمته) إن كانت للسبب فالرحمة بمعنى الإرادة، أي [يثبكم*] عليه، بسبب [إرادته*] ذلك، وإن كانت للتبعيض فالرحمة راجعة لصفة الفعل. قوله تعالى: (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا). إن قلت: دفع المؤلم آكد من جلب الملائم، وإيتاء الرحمة وجعل النور أمر ملائم، والمغفرة من باب دفع المؤلم، فهلا قدمت؟ فالجواب: أنه من عطف الترقي. قوله تعالى: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ). إن قلت: الرحمة سبب، فهلا قدمت عليها؟ قلت: المغفرة راجعة لدفع المؤلم، والرحمة لجلب الملائم؛ فلذلك أخرت، وقال السماكي: لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة مطلوبة قبل الغنيمة، ثم قال: فإن قلت: لم ذكر في سبإ في قوله تعالى: (وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ)، فأجاب: بأن ذلك منتظما في تعداد الخلق من المكلفين، وغيرهم، فالرحمة [تشملهم جميعا*]، والمغفرة تخص بعضا دون بعض، والعموم قبل الخصوص. قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ﴾ إن قلت: فيها حجة على المعتزلة في قولهم: إن العبد يخلق أفعاله، قلت: لا دليل فيها لوجهين: الأول: اتفاقا على أن قدرة العبد قاصرة عليه، ولا [تَصَرُّفَ*] له في قدرة غيره، والقدرة هنا منسوبة لله تعالى، أي هم عاجزون عن كل ما تفضل الله به. الثاني: أن المراد من قوله (مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)، الحكم بالشيء من ثواب [وعقاب ونصرة*]، وغير ذلك، فيكون أمرا [حُكْمِيًّا*]؛ لَا أنه فعل وجودي، فإن قلت: فيها دليل على أن أهل الكتاب عناد؛ لاقتضاء أنهم سيعلمون بنصرة المؤمنين عليهم عجز به عن الأسباب المتحصلة، قيل: فضل الله ورحمته، وإذا علموا ذلك كان كفرهم عنادا، قلت: فرق بين عنادهم في الإيمان وبين عنادهم في حقيقة ما دل عليه القرآن الذي أخبرهم به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهم إن علموا ذلك بعد هذا تحققوا صدق ما أخبروا به في هذه الآية. قوله تعالى: (يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ). من خواص الإرادة الترجيح من غير مرجح. * * *

المجادلة 58:1

سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ تكرر فيها اسم الجلالة أربعين مرة. قوله تعالى: ﴿قَدْ... (١)﴾ الزمخشري: (قَدْ) معناها التوقع، قال هو والفخر، لأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والمرأة المجادلة كانا يتوقعان أن قد سمع الله بمجادلتهما وشكواهما، وينزل في ذلك ما يفرج عنهما، انتهى، هذا لَا يتم على قواعدنا، ولا على قواعد المعتزلة؛ لأنه إن أريد به السماع في نفس الأمر، فلا يصح فيه التوقع بل هو ثابت، وإن أريد به النسبة إلى المخاطب، فالنبي ﷺ وعلى آله والمسلمون، ما كانوا يتوقعون السماع، بل يحققونه، وأما على قواعد المعتزلة، فلأن الله تعالى عالم بذلك في نفس الأمر، وكذلك في اعتقاد النبي ﷺ من غير توقع، فلا بد من التجوز في الآية إما بأن يراد بـ (سَمِعَ) استمع إشارة إلى أنه سماع إجابته، أو يضمر في الآية فعل، أي سمع هو قولها وأجابها، والتوقع في هذا ممكن لكن يلزم على الأول المجاز، وعلى الثاني الإضمار فيتعارضان، وإن قلت: القول أعم من الكلام لصدقه على المفرد، وعلى المركب الغير مقيد، وسماع المركب مستلزم سماع المفرد، بخلاف العكس فهلا [عبَّر*] بالأخص؟ فالجواب: أنه عبر باللفظ الأعم، ليفيد عموم السماع في [المقيد*] وغيره، وذكر الخونجي أن الطلب من خصائص المركب، لأنه قسم المركب إلى الطلب، ونص الإبياري على كونه في المفرد. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ). الزمخشري: يصح أن يسمع كل مسموع، ويبصر كل مبصر، انتهى، هذه العبارة لا تجوز عندنا ولا عندهم، بل سماعه وإبصاره عندنا واجب غير ممكن، وعندهم راجع لصفة العلم، وعلمه بالأشياء واجب غير ممكن؛ إلا أن يجيبوا لهم عن مذهبهم، بأن بعض المعتزلة زعم أن العلم بالشيء مقارن لوجود ذلك النفي، فتعلق العلم بالحوادث مقارن لوجودها، وهي ممكنة، فيكون العلم بها ممكنا فتصح عبادته. قوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ هذه الجملة خبر عن الأولى، وهي موجبة [معْدولة*]، وليست سالبة؛ لأن الموضوع ليس هو الموضوع في الأولى فهي كقولك: زيد بصير، أي هن غير أمهاتهم، وهي من معنى قولك: زيد ما ضربته، ونفي الولادة والأمومة حكم شرعي لَا سلبي، لأنهم معلوم أنهم ليسوا بأولادهم، أي لَا يحكم لهم في الشرع بحكم الأمهات. قوله تعالى: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ). إن قلت: هذا الحصر تخرج عنه الأم من الرضاعة، وزوجات النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأنهن أمهات المؤمنين شرعا، لأنكم قلتم: المراد بالأمهات في الآية حكما لَا نسبا، فالجواب: أن تقول أن هذا الحصر عام مخصوص بما ذكروا أكثر عمومات القرآن مخصوصة، أو تقول إنه عام خرج على سبب، فيقصر عليه؛ لكن المشهور أن العلم الدال على سبب لَا يجب قصره عليه، وأجيب أيضا: بأن يكون هذا قبل نزول آية الرضاع، وقيل: نزول قوله (وَأزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)، ورد بأن آية الرضاع مكية، وأيضا فهذا خبر، والخبر لَا ينسخ، وأجيب: بأنه خبر تضمن حكما شرعيا فيصح نسخه، ورد بأنه لَا ينسخ الخبر مطلقا، فإن قلت: الظاهر شبه الزوجة بالأم، ولم يجعلها أمًّا حقيقة، فهلا قيل: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، قلت: التشبيه في اللفظ، والمقصود في المعنى؛ لتسوية الزوجة بالأم في التحريم وتنزيلها منزلتها، فأتت الآية ردا على اعتقادهم. قوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا). الزمخشري: (وَزُورًا)، أي كذبا باطلا منحرفا عن الحق، الفخر: الظاهر شبه زوجته بأمه، ولم يجعلها هي، فكيف قيل: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، وكذب في قوله، ثم أجاب: بأن لفظة إن كان خبرا فالكذب في تشبيه المتحللة بالمحرمة في الخطيئة والحرمة، وإن كان إنشاء، فمعناه أن الشرع جعل الظهار سببا في حصول الحرمة، فلما لم يرد الشرع بهذا التشبيه، كان جعله إنشاء في وقوع هذا الحكم كذبا، انتهى، الظهار إنشاء لأنه لَا يثبت معناه إلا به، والتكذيب من عارض الخبر، لَا من عوارض الإنشاء، فحينئذٍ تقول: الظهار إنشاء ولا شيء من الإنشاء بكذب، فلا شيء من الكذب بظهار، ثم يضم له مقدمة أخرى، فتقول: الظهار زور بمقتضى هذه الآية، ولا شيء من الزور بظهار بمقتضى المقدمة الأولى، فينتج لَا شيء من الظهار، والجواب: بأن الظهار له اعتباران فهو باعتبار التشبيه، خبر يعرض له التصديق، والتكذيب باعتبار التزام مقتضى التشبيه هو إنشاء لَا يقبل تصديقا ولا تكذيبا، يرد بأنه يلزم عليه الجمع بين الضدين، فإما أن يجعله إنشاء مجردا أو خبرا، والجواب: بأن الظهار كان في الجاهلية قبل نزول هذه الآية موجبا للتحريم، فتركت الآية ردا على اعتقاد ذلك، وإن وضع الظهار أو التحريم ليس بحكم شرعي، فلا يلزمه الشرع فيه ما التزمه من التحريم، وإذا لم يلزمه ذلك فيه خرج عما وصفه له، فبطل فيه حكم الإنشاء فيصح تعلق التكذيب به، وإما تعهد نزولها فالظهار لازم لمن التزمه فهو إنشاء لَا خبر يرد بأنه يلزم ذلك في هذه القصة التي نزلت الآية لأجلها، فإن كان إنشاء فقد سماه في القرآن زورا مع أنه ظهار على مقتضى فعل الجاهلية، ويجاب: بأنه يفهم تعلق التكذيب به بوجهين واعتبارين، فالمراد بالظهار في اللغة التحريم المؤبد، وهذا ما يطلقه الأمر بداية التحريم، وفي الشرع التحريم المعلق على إخراج الكفارة، فإِذا قال: أنت عليَّ كظهر أمي، فقصد به التحريم المؤبد، وهو كاذب شرعا، كمن قال في ثوب غيره: بعتك يا فلان هذا الثوب فهو صادق باعتبار اللفظ، والقصد كاذب من جهة المعنى مع إنشاء بلا خلاف، وهذا [محرم*]، قال ابن التلمساني في شرح المعالم: لما قال الفخر: [الأكثرون*] عرفوا الخبر بأنه ما احتمل الصدق والكذب، وأبطله الفخر بأن التصديق والتكذيب هو الإخبار عن كونه صدقا وكذبا فيلزم [الدور*]، وأجاب ابن التلمساني: بأنا لَا نسلم أن الصدق هو الخبر المطابق، بل مطلق المطابقة، وكذلك الكذب فلا يتوقف فيهما عليه، وقال القرافي في [فروقه*]: مما يتوهم أنه إنشاء، وهو خبر قول القائل: أنت عليَّ كظهر أمي، يعتقد الفقهاء أَنَّهُ إنْشَاءٌ لِلظِّهَارِ، [كَقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ*] إنْشَاءٌ لِلطَّلَاقِ [فَإِنَّ الْبَابَيْنِ فِي الْإِنْشَاءِ سَوَاءٌ*] وليسا سواء، والفرق بينهما [مِنْ وُجُوهٍ*] أحدهما: أن الخبر محتمل للصدق والكذب، والظهار موصوف بالكذب بالقرآن، بقوله تعالى: (وَزُورًا)، وبقوله تعالى: (مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ)، [فَكَذَّبَهُمْ اللَّهُ*]، وبقوله تعالى: (مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ)، والإنشاء للتحريم لَا يكون منكرا بدليل الطلاق. الثاني: أجمعنا أن الظهار يحرم، وليس للتحريم مُدْرَكٌ إلَّا أَنَّهُ كَذِبٌ، ورد عليه مختصره بأن مدركه تشبيه من يحل وطئه، بمن يحرم، فأتى بحكم يخالف حكم الله تعالى. الثالث: أن فيه الكفارة التي هي زاجرة ماحية للذنوب، [فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إذَا كَانَ كَذِبًا، ورده مختصره بما تقدم. الرابع: قوله تعالى: (ذَلِكُم تُوعَظُونَ بِهِ)، وَالْوَعْظُ إنَّمَا يَكُونُ [عَنْ*] الْمُحَرَّمَاتِ، وما ذاك إلا [لِكَوْنِهِ كَذِبًا*]، ورده أيضا المختصر بما سبق، وقال القرافي في الذخيرة: صيغ العقود، والطلاق والعتاق نحو بعت، وأنت طالق، وأنت عليَّ كظهر أمي، أصلها إخبارات ثم نقلت للإنشاء، انتهى، وقوله تعالى: (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ)، في [لفظه*] رد على ما قال الزمخشري: إن في التصريح بلفظ (منكم) [توبيخ*] لما عدل عنه في الآية إلى لفظ الغيبة، وإيجاب على البعد من ذكره، وعدم الاتصاف به إذ لو كان في الخطاب [توبيخ*] لما عدل عنه في الآية إلى لفظ الغيبة

المجادلة 58:3

وله أن يجيب: بأن هنا يغني عنه، وهو التصريح بكونه منكرا، أو زورا فهو إغناء عن التعبير عن ذلك بلفظ الخطاب. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ عطف هذا بالواو دون الأول، لأن الأول: جواب عن سؤال، لأن خولة سألت عن ذلك، وشكت أمرها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، الثاني: معطوف عليه وهو كالمبتدأ، لأن الأولى اقتضت تحليل المظاهر، وأن الظهار لَا يوجب تحريمها، فالتحليل سبب في الكفارة فعطف بالواو، والآية حجة لمن يقول: إن الظهار لَا يكون في الأَمَة، لأن الإضافة في قوله تعالى: (مِنْ نِسَائِهِم)، ليست للملك، وإنما هي للتشريف [فيقتضي*] الحرائر دون الإماء، والاستحقاق كذلك، لأن الحر إنما يستحق [النكاح*]، وبدليل قول مالك: إن الحرة تكون فراشا بنفس العقد عليها، بخلاف الأمة فإنها فراش للسيد بعد عقد الزوج عليها حتى يطأها الزوح، فقال ابن العربي: أجمعنا على أن العبد ليس من رجالنا، في قوله تعالى: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ)، فكذلك الأمة لَا تكون من نسائنا، ولذا قال: من النساء لضم الحرائر والإماء. قوله تعالى: (ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا). قال ابن رشد في المقدمات: اختلفوا في العود الموجب للكفارة على ستة أقسام أقوال أحدهما: إذا أراد الوطء واجتمع عليه لزمته الكفارة، وإن مات أو طلقها، قاله مالك في الموطأ. الثاني: إرادته الوطء وإجماعه عليه مع استدامة العصمة، فمتى انفرد أحدهما لم تجب الكفارة إن اجتمع على الوطء ثم قطع العصمة بطلاق، أو موت سقطت الكفارة، وإن كان قد عمل بعضها سقط سائرها، وكذلك إن استدامة العصمة، ولم يرد الوطء ولا اجتمع عليه لم تجب عليه الكفارة بل لَا تجز به إن فعلها وهو غير عازم على الوطء وغير مجمع عليه، قاله مالك في المدونة، وعليه جماعة أصحابه، قال ابن رشد: وهو أصح الأقاويل، وأجراها على القياس وأبينها لظاهرِ القرآن، لأنه إذا أراد الوطء وجب عليه تقديم الكفارة قبله لقوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أنْ يَتَمَاسَّا)، ما لم تنقطع العصمة ويرجع بنيته عن إرادة الوطء. والثالث: [أنه*] عودة الوطء نفسه روى عن مالك حكى الثلاثة أقاويل عنه عبد الوهاب، فقيل: هذا القول [لَا تجزئ*] به الكفارة قبل الوطء، وإن أراد الوطء وأجمع عليه واستدام العصمة، وله أن يطأ قبل الكفارة مرة، فإذا وطء وجبت عليه الكفارة إن أراد الوطء ثانية، فاستدام العصمة، فإن رجعت نيته عن الوطء وانقطعت العصمة بموت أو فراق، سقطت الكفارة ما لم يطأ ثانية، وحكى هذا القول أصبغ في العتبية عن أهل المشرق، ومن يرتضي من أهل المذهب. والرابع: استدامة العصمة، وترك الفراق قاله الشافعي رحمه الله قال: وأما من ظاهر ثم لم يطلق زوجته طلاقا متصلا بالظهار، فقد وجبت عليه الكفارة. قال الخامس: [أنه*] العود فيعود فيتكلم بالظهار مرة أخرى، وهو مذهب داود، وأهل الظاهر وبكير بن الأشج. السادس: قول ابن قتيبة: أنها العودة في الإسلام، أي نفس القول بالظهار الذي كانوا يظاهرون به في الجاهلية، ويعدونه طلاقا، ولما ذكر ابن رشد القول الرابع عن الشافعي رحمه الله قال: وهو فاسد يدل على فساده القرآن واللغة، على أن [أصحابه*] يدعون له علم اللغة، لأن الله تعالى قال (ثُمَّ يَعُودُونَ)، ثم للتراخي بلا خلاف، والعصمة لم تنقض بالظهار فمحال أن يقال: ثم يكون كذا لم يزل كائنا، وهو خطأ من وجه آخر؛ لأنه إنما أوجب عليه الكفارة لتركه الطلاق، فيكون معنى (ثُمَّ يَعُودُونَ) عنده، ثم لم يطلقوا، وقوله (ثُمَّ يَعُودُونَ)، إيجاب ولم يطلقوا نفي، ولو صح ذلك لكان الإيجاب نفيا، والنفي إيجابا، وهو محال، انتهى، قوله: إن أصحاب الشافعي رحمه الله يدعون له علم اللغة نحو ما قال ابن التلمساني في باب الأوامر في المسألة السابعة اعتمد بعض الأئمة في إثبات دلالة المفهوم على أنه قال به كثير من أئمة العربية، كأبي عبيدة، قال: رحمة منهم، وقد احتج الأصمعي، وصحح ديوان الهذليين، انتهى، وهذا خلاف في تقييده في باب العطف، لما حكى أن الواو للترتيب، وقول ابن رشد، أن ثم للتراخي، بلا خلاف غير صحيح، قال ابن عاصم وغيره: وقيل: إنها بمعنى الواو ولا مهلة فيها، وقوله: لَا يكون الإيجاب نفيا، إن أراد حقيقة النفي والإثبات فمسلم، وإن أراد باعتبار المعنى فممنوع إذ لَا يكون الإيجاب نفيا؛ إن أراد حقيقة النفي والإثبات فمسلم لَا يجوز أن يقال: هذا متحرك لأنه لم يسكن، هذا ساكن لأنه لم يتحرك، فيصح تفسير الإثبات بالنفي، وإنما الممنوع توارد النفي والإثبات على شيء واحد، لأنه تناقض، فإِن قلت: قد قال الفخر: في الآيات البينات أن الفصل لَا يكون عدميا، لأنه لَا يفسر الإثبات بالنفي، قلت: ما قاله غير صحيح، لأن الفصل أمر ذاتي للماهية، مقدم لها والماهية لَا تتقدم بالعدم، بخلاف الخاصة، فإِنها يصح أن تكون عربية لأنها خارجة عن الماهية لَا تتقدم بها، فحقه إن كان يقول الفصل لَا يكون عدميا، لأن الماهية لَا تتقدم بالعدم، ولا نتعلل بالإثبات والنفي، لأنه في الخاصة يفسر الإثبات بالنفي، وهذا ليس من ذلك القبيل. لأن ذلك في التصورات، وهذا من الرسم لَا من الحد. لأن معرفات الفقه كلها رسوم بالجنس، وخاصة [... ] بحدود. قوله تعالى: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ). العطف بالفاء دليل على أنها للترتيب؛ لأن الكفارة إنما تجب بالعودة، وإذا فعلت قبل العود، وكانت [نفلا*] يسد مسد الفرض، وقال في كفارة القتل (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ)، فهل يرد المطلق على المقيد أو لَا؟ فيه خلاف في أصول الفقه في المطلق والمقيد إذا اختلفا في السبب واتحدا في الموجب، هل يرد المطلق إلى المقيد أو لَا؟، قالوا: والصحيح أنه لَا يرد إليه، لأن المطلق أعم فيتناول صورة المقيد وغيرها، والأعم لَا إشعار له بالأخص، ومالك اشترط فيها الإيمان، وحجته إما [برد*] المطلق للمقيد، وإما بقاعدة الاحتياط في الخروج من العهدة. قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا). فائدة إدخال (مِنْ) لتدل على ابتداء أزمنة الصلة، فيكون الأمر بالكفارة على الفور، أي بنفس الفرد تجب الكفارة، ولذلك دخلت الفاء لتفيد أيضا التعقيب، وفي الآية سؤالان: الأول: لم قيل: (يَتَمَاسَّا)، ولم يقل: يتماسوا كما قال: يظاهرون؟ وجوابه: أن التماس صفة لَا تعقل إلا من اثنين [ماس وممسوس*]، والظهار من فعل الرجال فقط، وفعل الجماعة لَا يدل على [المشاركة*] بين اثنين، وإنما يدل على وقوع ذلك عن كل واحد على حدته، ولأن المظاهر منها يجب عليها أن تمنع زوجها من نفسها حتى يكفِّر، والمماسة من [فعلهما*] معا بخلاف الظهار. السؤال الثاني: قال ابن رشد في مقدماته في كتاب الطهارة في قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ)، الملامسة لَا تكون إلا عن قصد، والمماسة أعم، تكون عن قصد وغير قصد، فيقال: تماس الحجران، وكفارة الظهارة إنما تجب بالملامسة لَا بالمماسة، فهلا عبر باللفظ الأخص فهو أخص في بيان ما يقع به الوجوب، لأنهم قالوا: إذا مسها ناسيا فلا كفارة عليه، وجوابه من وجهين:

المجادلة 58:4

الأول: مادة التماس تقتضي أنه من اثنين لأنها مفاعلة، والغالب في فعل الاثنين أن يكون مقصودا. الثاني: أنه إشارة إلى أن الكفارة على الفور، وأنها تجب قبل القرب من المرأة بقصد، أو غيره، ويجاب أيضا: أنه من باب النفي، وهو المنع من الوطء حتى يكفِّر، والقاعدة استعمال الأعم في النفي، والأخص في الثبوت، قال شيخنا ابن عرفة: ولو قالت المرأة لزوجها أنت عليَّ كظهر أمي، فلا خلاف أنها لَا يلزمها شيء إلا أن ابن السيد حكى في شرح الموطأ عن الحسن: أنه يلزمها الكفارة. قوله تعالى: (ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ). الزمخشري: لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب [الجناية*] يعني الإثم، والكفارة راجعة للإثم، ويرد بالكفارة اليمين بالله تعالى، وبأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، حلف وكفَّر، وكذلك أبو بكر، ولا إثم هناك، وإنما الإثم الذي ترفعه الكفارة في الظهار فقط فحقه أن لَا يقول ذلك مطلقا بل مقيدا بهذا. قول (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)، أطلق هذا القول لأن العمل أعم يصدق على القول، والعمل. قوله (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ... (٤).. ، المراد بنفي الوجدان نفي الملك، فإِذا أعتق عنه الغير لا يجزئه، [لأنه لَا يكون له ولاء*]، بل للمعتق، والولاء تابع للملك ومستلزم له، لقوله: إذا اعتق أجنبي عن امرأة زوجها في كفارة عليها أن النكاح لَا ينفسخ على المشهور، بخلاف ما لو أعتقه عنها على مال دفعته فإنه ينفسخ النكاح، لأن الولاء لها حينئذ. قوله (مُتَتَابِعَيْنِ)، اللفظ يقتضي تتابع الشهرين أنفسهما فيما بينهما، وتابع أيامهما وتقييد الشهرين بالتتابع دليل على أن كل ما اختلف فيه من الصوم المطلق فإنه غير متتابع، كقوله لله عليَّ صوم شهر، إذ لو كان التتابع مفهوما من لفظ الشهر، لما احتيج إلى تقييده بالتتابع، ولكان وصفه بذلك تأكيد مع أن الأصل التأسيس، و (لم) هنا لنفي الماضي المتصل بالحال، لأنه إذا كان عديما حين اليمين ثم أيسر بعد ذلك، فعليه العتق، وإنما يعتبر يسره وعسره حين الحكم عليه، واختلفوا في الإطعام، وفيه طريقان فمن الشيوخ من يقول: يطعم مُدًّا بمد هشام، ثم يحكي الخلاف في قدر مُدِّ هشام، فقيل: هو مدان إلا ثلث بمده صلى الله عليه وسلم، وقيل: مد وثلث بمد هشام، ثم يقول: وفي قدر مد هشام قولان: قيل: مدان إلا ثلث، وقيل: مد وثلث، وأكثر الكفارات متفقة، وكفارة فدية الأذى مدان بمده صلى الله عليه وسلم، وجزاء صيد مد واحد بمده صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبمعنى ذلك أن

المجادلة 58:5

الحكمين يحكمان عليه بمثل ما قتل من النَّعَم أو قيمته طعاما فيطعم مدا واحدا لكل مسكين. قوله تعالى: (ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا). أي أنزل حكم الظهار [لتعملوا*] به فتؤمنوا بالله ورسوله، إذ لَا يعمل به إلا من صدق الرسول فيما أخبر به عن الله، [**ولا يصدقه الأمر من الفخر، أي ترتيب الكفارة أول، ثم ثان، ثم ثالث، لتؤمنوا]. قوله (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ)، ذكر هذا دليل على أن حدود الله لَا يتعداها إلا من قارب الدخول في الكفر، والرجوع عن الإيمان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: "المعاصي تزيد الكفر". قوله تعالى: ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ احتجوا بها على أنه لَا يجوز أن يرد في القرآن ما لَا يفهم، وأجيب: بأن قوله تعالى: (آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ)، مطلق يتناول بعض الآيات لَا كلها، ولا شك أن بعضها بين بلا خلاف. قوله تعالى: (مُهِينٌ). وقال تعالى قبله (عَذَابٌ أَلِيمٌ)، والجواب: [أما*] الأول فعلى الأصل، لأن كل عذاب أليم، وأما هذه فوجه مناسبتها أن المجادلة هي المشاقة، ومن لوازمها الظهور والارتفاع، والإهانة من لوازمها الذل والانخضاع. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾ الخطاب إما للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لخواص المؤمنين أو لعمومهم، ونزل الجاهل منزلة العالم؛ لظهور الدلائل الدالة على ذلك، بحيث لَا يخفى على أحد. قوله (يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ)، الزمخشري: لأن من علم بعض الأسباب بغير سبب فقد علمها كلها، ابن سلامة: هذا اعتزال لأنه ينفي الصفة، فيقول: إن الله عالم بلا علم، قال شيخنا: ليس باعتزال إذ لَا يصح أن يقول الحق إنه عالم بسبب، وإنَّمَا ذلك في العلم الحادث، وأما العلم القديم، فهو عالم لذاته، لَا بسبب، وقولنا عالم بعلم ليس بسبب بل الباء للمصاحبة. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾

المجادلة 58:9

المعنى [ألم تنظر*]، فلذلك عدى بإلى، والنظر سبب في الرؤية، وقد ينظر فيرى وقد لا يرى، والآية دليل على أن النهي للتكرار، وهو المشهور، ولذلك ذموا على عدم الانتهاء. قوله تعالى: (وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ). قال شيخنا: الذي يظهر أن الإثم هو تناجيهم في حالة نصرة المؤمنين وأمنهم، والعدوان هو تناجيهم حالة خوف المؤمنين وقتالهم؛ لكن في غيبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعصيته تناجيهم بحضرة النبي ﷺ في حالة خوف المؤمنين وقتالهم. قوله (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ)، دليل على أن ما في النفس يسمى قولا، إما بطريق الحقيقة، أو بطريق الاعتزال. قوله (لَولا)، تخصيص على معنى التهكم والاستهزاء. قوله (فَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، إذا علق الذم على الوصف الأعم، فأحرى الأخص، لأن المصير أعم من قوله: مصيرهم. قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا... (٩).. ، يحتمل أن يريد المؤمنين حقيقة، أو المنافقين، فالمعنى: يا أيها الذين آمنوا في الظاهر؛ لأن وصف الإيمان صادق عليهم مقيدا، وإذا صدق مقيدا صدق مطلقا، فإن قلت: لو أريد المنافقون للزم عليه التكرار، لتقدم نهيهم في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى)، قلت: ذلك نهي عن النجوى المستلزمة للوقوع في الإثم والقبح، وهذا أمر بالنجوى المستلزمة للبر والتقوى. قوله تعالى: (إِذَا تَنَاجَيْتُمْ). أي إذا أردتم التناجي. قوله تعالى: (وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى). إن قلت: يدل على أن النهي عن الشيء ليس بضده، والإيمان تأكيد، والأصل التأسيس، قلت: إنما ذلك حيث يكون له ضد واحد، وهنا له أضداد منها الإباحة فأفاد الأمر تعيين المراد من تلك الأضداد، ووقع النهي عن ثلاثة أشياء والأمر بشيئين، والواو في [وَتَنَاجَوْا*] بمعنى (أو) إذ لو كانت للجمع على حقيقتها للزم عليه أن يكونوا نهوا عن الجمع في التناجي بين الأمر، فيبقي التناجي الملزوم لأحدهما فقط، غير منهي عنه، لأنها قبل النهي كانت للجمع بينهما، فدخل النهي عليها فأفاد [التحذير*] منهما

المجادلة 58:10

عن أحدهما، فإن قلت: وقع في الحديث النهي عن التناجي مطلقا، بقوله: "لا يتناجى اثنان دون واحد"، وظاهر الآية خصوص النهي [بالتناجي بالإثم*] والعدوان، وجواز التناجي بغير ذلك؟ قلت: معنى الحديث النهي عن التناجي الملزوم للإثم، فإِن قلت: كيف يفهم هذا الترتيب بين المعطوفات على ما فسرته في الآية لأنك جعلت معصية الرسول أخصها، ثم العدوان ثم الإثم، والقاعدة في النهي والنفي البداية [بالأخص*]، والجواب: أن قصد المبالغة في الآية بذكر العدوان والمعصية مدلولا عليها بأمرين: بالمطابقة واللزوم، والشرط ما قلناه راجع للإثم، والتقوى راجعة للعدوان، لأنه إذا اتقى الله لم يعتد. قوله تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الإمام: إلا بخلقه وقدرته، (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، راجع لمعصية الرسول؛ لأن اعتقاد الحشر والنشر لَا يستفاد إلا من جهة الرسول، وليس للعقل مدخل فمن صدق الرسول، فقد اتقى، ومن كذبه فقد عصى الله ورسوله. قوله تعالى: (إِلَّا بِإِذنِ اللَّهِ). قال الإمام: إلا بخلقه وقدرته، الزمخشري: إلا بمشيئته وإرادته، السكوني: اعتزل هنا، لأنه ينفي الكلام، فالمراد بالإذن، قوله تعالى: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، قال شيخنا: عندنا أن الحوادث إنما هي متوقفة على العلم والقدرة والإرادة لَا على الكلام، هذا من جهة العقل، وأما

المجادلة 58:11

من جهة الشرع فيتوقف على الكلام لقوله تعالى: (نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)، فإنما اعتزل الزمخشري من جهة ناحية أنه يقول إن العبد يخلق أفعاله فلذلك قال: إلا بإرادته، ولم يقل: إلا بقدرته. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا﴾ الخطاب للمؤمنين أو للمنافقين، فإِن قلت: قوله تعالى: (يَفْسَحِ)، يدل على أن الخطاب للمؤمنين، قلت: [هو*] وعد على تقدير امتثالهم ذلك، ومن المنافقين من أسلم وحسن إسلامه، وامتثل ذلك وفعله حقيقة، فإِن قلت: يبقى من يفسح في المجلس ظاهرا، وهو في الباطن منافق، قلت: لَا يفعله إلا المؤمن حقيقة. قوله تعالى: (فِي الْمَجَالِسِ). صرح بالمجرور في هذا ولم يصرح به في قوله (انْشُزُوا)، والقول يتناول لسان الحال، فيجب على من أمكنه التفسح من الجالسين، أن يفسح للداخل عليه، ولم يصرح بطلب ذلك، [لكن الحال يقتضي طلبه*]. قوله تعالى: (فَافْسَحُوا). يؤخذ منه أن الأمر للفور، لأن الفاء للتعقيب، فإِن قلت: جواب الشرط في الآية يقتضي أنه غير مطابق لفعل الشرط، [لأن*] [(تَفَعَّل) يقتضي [تكلف*] الفعل، و [(افْعَلْ)] يقتضي الإتيان به من غير كلفة، فالجواب من وجهين: الأول: أن تعليق الثواب على الأعم أبلغ من تعليقه على الأخص، لأنه إذا رتب الثواب على الفعل الذي لَا كلفة فيه، أفاد ترتيب الثواب على ما فيه كلفة من باب أحرى. الثاني: أن (تفسحوا) يقتضي اتساعهم فيما بينهم، فيكون الداخل طلبوا أن يتسعوا فيما بينهم، ولم يطلب أن يوسعوا له، فيكون الأمر اقتضى أنهم إذا طلب منهم الاتساع في ما بينهم فليستحضروا في توسعهم اتساعهم لغيرهم، لأن [... ] غير متعدد فصح وجه مناسبة هذه الآية لما قبلها، أن التناجي مظنة [للاجتماع*] في المجلس، والازدحام، فيناسب الأمر بالإفساح في المجلس. قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا). ابن العربي: الإيمان في الدنيا نظري، لأن الدلائل الدالة عليه نظرية، [إذ لو*] أظهرها الله تعالى الظهورَ البَيِّنَ لصارت ضرورية، فكان يكون الإيمان [إلجَائِيّاً*] ضروريا،

المجادلة 58:12

انتهى، هذا هو مذهب المعتزلة، بل [لو*] أظهر الدلائل كلها؛ لجاز ألا يؤمنوا، ويدوموا على كفرهم، وإنما الأشياء [عندها لَا بها*]. قوله تعالى: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ الإضافة للتشريف، أي نجواكم الشرعية اللائقة بكم، وأخر الصدقة عن النجوى، وإن كانت هي المقصود، لأن المعلول متأخر عن علته، والصدقة معللة بالنجوى، وتنكير الصدقة تيسير رحمة، ولذا قال عليه السلام لعليٍّ - رضي الله عنه - ما قال، والأمر بتقديم الصدقة دليل على المراد تقليل المناجاة، لأن فعل ما ليس متوقفا على سبب للبشر من فعل ما هو متوقف على سبب، كما أن البسيط أجلى من المركب وأقرب، والمناجاة دون صدقة أهون على النفوس منها مع الصدقة، وعبر القاضي هنا: بأن عدم الصدقة [للشح*]، وهذا لَا يليق بالصحابة، بل عدم صدقتهم، إنما هو لكونهم رأوا أن إبقاء المال ليستعينوا به في الجهاد أولى من الصدقة، فيتركون المناجاة لأجل ذلك، وإن قلت: إذا كان الأمر بالصدقة إشارة إلى أن المطلوب تقليل المناجاة كما تقدم، فهلا عبر بـ (إن) دون (إذا) لدلالتها على أن ما دخلت عليه مطلوب عدمه، فالجواب من وجهين: الأول: أن المناجاة محققة لأن الصحابة - رضي الله عنهم - لمحبتهم في النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لابد لهم من مناجاته. الثاني: الجزاء مطلوب وجوده، وهو الصدقة، فإذا كان الجزاء مطلوبا كان الشرط كذلك. قوله تعالى: (فَإِنْ لَم تَجِدُوا). والمراد وجدان المطلق كما قال علي - رضي الله عنه - فيمن وجد حبة من شعير: أنه واجد بخلاف من يستحق الزكاة، لأن المطلوب فيها وصف التفرقة، فإذا وجد من يبلغه فهو واجد. قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فهل معناه: إن تركتم المناجاة لفقركم؟ أو معناه إن ناجيتم بغير صدقة لفقركم، وهو الظاهر. قوله تعالى: ﴿صَدَقَاتٍ... (١٣)﴾ فإن قلت: لم أفردت الصدقة، أولا وجمعت ثانيا؟ قلت: الأول تكليف فأفردت فيه الصدقة، إذ لو جمعت لتوهم أن المراد تقديم صدقات، لَا صدقة واحدة. قوله تعالى: (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ).

المجادلة 58:14

دليل على أن هذه الآية ناسخة للأمر بالصدقة، [وليس نسخًا إلى بدل*]، وهي الصلاة لأنهم كانوا مكلفين بها والمراد دوموا إقامة الصلاة. قوله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ الآية رد على الجاحظ القائل: بأن الكذب إنما هو في العمد لقوله (وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، فإن أجاب بأنه تأكيد، قلت: الأصل التأسيس، وقال الشريف الحسني في شرح الآيات البينات، [بأن*] الخطيب لما ذكر تعريفه للخبر بأنه ما احتمل الصدق أو الكذب، وحكى ما أورد عليه من أنه يلزم عليه الدور، لأن الصدق والكذب لَا يعرفان إلا بعد معرفة الخبر، أجاب: بأنهما معلومان بالضرورة، فلا دور فيه، انتهى، ويرد بأن الصدق والكذب أخص من الخبر، فإذا كان الأخص معلوما بالضرورة، كان الأعم معلوما بالضرورة، فما يحتاج إلى تعريف الخبر بوجه. قوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يحتج بها من يقول: إن الفاء كالواو، [لا تفيد ترتيبا*]؛ لتقدم صدهم على حلفهم، وهذا إن أريد أنهم صدوا في أنفسهم، ويجيب الآخرون: بأن المراد صدهم غيرهم، وهذا أحد التأويلين الذَين ذكر ابن عطية: أي حلفهم صدوا المسلمين عن قتالهم، والانتصاف منهم. قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ حجة الزمخشري: في أن لن أبلغ في النفي من لا؛ لأن [الصدَّ سابق على*] الإغناء مطلقا نفيا عاما، فإن قلت: العموم مستفاد من [قولهم]: الأصل [الدلالة*] بالوضع لَا بالقرينة، فإن قلت: لو كانت أبلغ احتيج (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، قلت: الخلود مثبت والإغناء منفي، فإن قلت: نفي الإغناء يستلزم الخلود، قلت: دلالة المطابقة أولى من دلالة الالتزام، فإن قلت: في سورة الكهف (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فجاء المال في الإثبات، وجاء هنا في النفي مجموعا، وتقرر أن الجمع أخص من الإفراد فكان المناسب العكس، وهو استعمال الأعم في النفي، والأخص في الثبوت، فالجواب: أنه نفي لاستلزام الأخص [لَا نفيا*] للأخص، أي إذا ما أغنت عنهم أموالهم فأحرى [أولادهم*]. قوله تعالى: (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).

المجادلة 58:18

الضمير هنا لمطلق الربط، كقول الزمخشري: في سورة البقرة في (وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)، لأن الخلود في النار ليس خاصا بالمنافقين. قوله تعالى: ﴿جَمِيعًا... (١٨)﴾ احتراس، لأنه تقرر أن الكذب فيما يبعد تواطؤ الجماعة عليه، وكذا أكد الإخبار عن كذبهم بـ (إنَّ) والبناء على المضمر، وتعريف الخبر واللام في (له) إما للتعدية، وإما للتعليل، وهو أصوب لأن لام التعدية تقتضي مباشرتهم إياه للحلف، وهو أحقر من ذلك، فإِن قلت: [الكاف*] في قوله (كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ)، [والتسوية*]، وهو مشبه به، قلت: التشبيه لَا يلزم أن يكون من كل الوجوه. قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ الزمخشري: استولى عليهم، وهو مِنْ حَاذَ الْحِمَارُ الْعَانَةَ، إذا جمعها [وسَاقَهَا غالبا*] لها، وهو حمار الوحش، والعانة جماعة [الحمر*]، أبو حيان: قياسه استحاذ مثل استقام، وهي قراءة أبي عمرو، واستحوذ [شاذ*] في القياس فصح الاستعمال، انتهى، هذا مما روعي فيه أصله وفرعه، لأن [حروف العلة إذا تحركت*] وانفتح ما قبلها تقلب ألفا، وهذا أصله استحوذ، فنقلت حركة حرف العلة إلى الحاء، وروعي في الحاء حركتها الآن المنقولة إليها، وفي الواو حركتها المنقولة عنها، الطيبي: روعي فيه ما روعي [في*] استفعل بمعنى فعل، [وجود*] حرف العلة فيها متحرك، الفخر: احتج بها القاضي عبد الجبار من المعتزلة، على أن أعمال الخلق مخلوقة، من وجهين: أحدهما: أن ذلك النيسان لو حصل بخلق الله لكانت إضافته إلى الشيطان كذبا. والثاني: أنه لو حصل بخلق لكان هؤلاء المذكورون كالمؤمنين في أنهم حزب الله، انتهى، وجه الاحتجاج أن المعتزلة اتفقوا على أن العبد يخلق أفعاله الراجعة إلى نفسه، واختلفوا فيما يتعلق منها بغيره، فمنهم من قال: بالتولد وأنه من فعل الفاعل الأول [فما*] يتم له الاستدلال بها إلا على القول بالتولد، وفي الآية دليل على الترك [في الفعل*]، لأن النسيان ترك، وقد قال قبلها (إِنهُم سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)، فسمى الصادر [عنهم*] عملا؛ إلا أن يجاب بأنهم ذموا بأمرين سواء فعلهم وبتركهم ذكر الله، والمصدر في ذكر الله تعالى مضاف للمفعول، ويحتمل أن يكون مضافا للفاعل، والمعنى [فإنساؤهم أنساهم*] أن الله يذكرهم، وأنه ليس بغافل عنهم، ويعلم سرائرهم وخفيات أمورهم.

المجادلة 58:20

قوله تعالى: ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أخص من قولك أولئك أذلاء، ووصف الذلة مقابل لوصف محادتهم، فإن قلت: ظاهرها يوهم كون الشيء ظرفا لنفسه، لأن الأذلين هم المحادون لله، قلت: المعنى على التجوز في جملة الأذلين في العذاب. قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ ابن عطية: أي قدر ذلك وأراده في الأزل، الزمخشري: كتبه في اللوح المحفوظ، انتهى، هذا جار على مذهبه، لأنه ينفي الإرادة في الأزل لكنه أقرب إلى ظاهر اللفظ، وعلى تفسير ابن عطية يكون الكتب مجازا، ودخلت اللام في (لأَغْلِبَنَّ) لتضمن الفعل معنى الإرادة، وهي لَا تقع جوابا إلا بعد أفعال القلوب، فإن قلت: لم أتى هذا الفعل بهمزة المتكلم وحده؟ وهلا كان بالنون لأنها للمتكلم، ومعه [غيره*]، أو للمعظم نفسه، ولا أعظم من الله عز وجل؟ فالجواب: أنه عدل عنها خشية إيهام الاشتراك في الغلبة؛ لقصد التنبيه عليه باستقلال الله تعالى واختصاصه بالغلبة دون وزير ولا معين. قوله تعالى: (قَوِيٌّ عَزِيزٌ). القوة راجعة للقدرة، [والعزة*] بمعنى أنه مستغن بإرادته وعلمه وممتنع عن [الاحتياج*] إلى غيره. قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا﴾ قيل: إنها نزلت في المنافقين، وقيل: في حاطب بن أبي بلتعة من المؤمنين ومخاطبته أهل مكة، وحديثه في مسلم، في كتاب فضائل الصحابة، وذكره الزمخشري في أول سورة الممتحنة، وجعله هنا من التخيل، وقال ابن عطية: المراد يؤمنون الإيمان الكامل، انتهى، وتحقيقه [أنَّا*] إن قلنا: أنها نزلت في المنافقين فينفي وجدان الموادة حقيقة، معناه لَا تجد مؤمنا يواد من حاد الله ورسوله من حيث كونه يحادد إليها مكافأة عن يد سلفت، أو نحو ذلك، فحينئذ لَا يكون المراد نفي الوجدان حقيقة؛ لأن ذلك قد وجد في المؤمنين، كحاطب ونحوه، فيحتاج إلى أحد أمرين: إما أن يجعله تخيلا، فالمراد نفي المراد الإيمان الكامل، ويؤخذ من الآية عدم تزويج الكتابية، لأن التزويج ملزوم للمودة، لقوله تعالى: (وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً)، وتقديره أن الكتابية محادة لله ورسوله، وكل من حاد الله ورسوله لَا يواد، فالكتابية لَا تواد، ثم تقول الزوجة تواد، وكل من يواد لَا يكون كافرا [فالزوجة*] لَا تكون كافرة، وقال مالك في [العتبية*] في كتاب النكاح الثاني: سماع أشهب، وابن نافع رسم الطلاق، وسئل عن النصراني يصنع صنيعا، فيختن ابنا له فيدعوا في دعوته مسلمين أو مسلما، أترى له أن يجيبه، فقال: إن ما جاء ليس عليه في ذلك ضيق، إن جاء فلا بأس به، قال ابن رشد: معناه لَا إثم عليه في ذلك ولا حرج إن فعله، وذلك إن كان له وجه من جوار أو قرابة، أو ما أشبه ذلك، والأحسن أن لَا يفعل لاسيما إذا كان ممن يقتدى به؛ لما في ذلك من التودد إلى الكفار، وقد قال تعالى (لَا تَجِدُ قَوْمًا)، الآية وفي العتبية أيضا في النكاح الأول، قال ابن القاسم: كره مالك الوصية إلى اليهودي والنصراني، وكان قد أجازها قبل ذلك، قال ابن القاسم: إذا كان على صلة رحم يكون أبوه وأخوه، أو أخواله نصارى فيصل بذلك رحمهم وهو أحسن، وأما لغير هذا فلا. قاله عنه عيسى: وأما الأباعد، فلا يعجبني، نقله ابن يونس في الوصايا، وفي النكاح الثالث من العتبية في رسم باع شاة من سماع عيسى ابن دينار، قال ابن القاسم: لَا أرى أن تجوز وصية المسلم إلى النصراني، إلا أن يرى السلطان لذلك وجها، فإن أجازها استخلف النصراني مسلما يزوج بنات الموصي بالمسلمات، ابن رشد، قوله: يرى لذلك وجها، مثل أن يكون قريبه أو مولاه، أو زوجته، فيزوجوا [حسب*] نظرهم لما في الحيلة من المودة والإشفاق على ذوي الرحم، وهو خلاف ظاهر المدونة إنه لَا تجوز الوصية إلى الْمَسْخُوطِ، ولا إلى الذمي، وقال أصبغ: إذا كان قريبا فلا ينزل، ويجعل معه من عدول المسلمين من ينظر معه، ويكون المال بيده وهو أحسن الأقوال وأولاها بالإتباع، وإليه ذهب ابن حبيب وحكاه عن مطرف وابن الماجشون [وابن شاش*]، وتصح الوصية بالمال للذمي، قال القاضي أبو الحسن القصار: ويكون للحربي عندي انتهى، وجوز وصية المسلم للكافر بالمال عللوه بأنه مكافأة عن يد [سلفت*]، فإن قلت: يعارضه قوله (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) الآية، قلت: إنما المراد بذلك المسالمة وترك القتال لا المواصلة والمودة، وفي جامع العتبية في رسم القضاء من سماع أشهب وابن نافع، قيل لمالك: أترى بأسا أن يهدي المسلم لجاره النصراني مكافأة؟ فقال: ما يعجبني ذلك، قال: قال تعالى (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ) الآية، ابن رشد: أي مكافأة على ما يجب عليه أن يكافئه لَا مكافأة على هدية أهداها إليه، أو لا ينبغي قبول هديته، لأن المقصود [من*] الهدايا التودد بها لحديث: "تَهَادَوْا تَحَابُّوا" فإن أخطأ، وقبل هديته، وكانت عنده، فالأحسن أن [ينبه عليها*]، ولما عرف القاضي في مداركه بأبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن علي المعروف بابن الحصار القرطبي، وكان من حفاظ الفقه ورواة الحديث، قال: كان له جار من النصارى [يقضي*] حوائجه، ومتى مر بدار الشيخ وقف به فيهش إليه الشيخ ويدعوا له، بأن يقول له: أبقاك الله وتولاك، أقر الله عينك، سرني ما يسرك، جعل الله يومي قبل يومك، والنصراني يفرح لذلك، فعوتب الشيخ في ذلك، فقال: إنما هي [معاريض*] علم الله [نبأني بها*]، فأما قولي أبقاك الله وتولاك، فأريد بقاؤه لعدم الجزية، وأن يتولاه بعذابه، وقولي أقر الله عينك، فإني أريد [قرار*] حركتها بشيء [يعرض*] لها، فلا تتحرك جفونها، وقولي يسرني ما يسرك، فالقافية تسرني وتسره، وأتى لي الله يومي قبل يومك، فيوم دخول الجنة قبل يوم دخوله النار، وقول الزمخشري: نزلت فيمن يصحب السلطان، غير صحيح؛ لأن مالكا [كان*] يصحب الملوك ويجلس معهم، وذكروا في سبب نزولها أمرين: أحدهما: يقتضي أنه ذم من واصل الكفار، وأظهر توددهم وعليه يدل أول الآية. والآخر: يقتضي أنها في مدح من عاداهم وعليه يدل آخر الآية، ونزلت الآية على منع المودة بلفظ المفاعلة فتتمتع مودة المسلم لمن لم يقدر له شبه. قوله تعالى: [(وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ) *] هذا من باب نفي ما يتوهم ثبوته أو من باب نفي المانع، كقولك: أكرم السائل ولو جاءك على فرس، والعطف [تدلي*] لا ترقي باعتبار رقة القلب على الأب أقوى منها على الابن، أو هو ترق باعتبار أن التعاضد بالآباء أقوى منه بالأبناء، لكثرة الأبناء وتعددهم؛ بخلاف الأب فإنه واحد، وكان القاضي أبو علي عمر بن عبد [الرفيع*] رحمه الله تعالى يقول: في الآية سؤال، كان الفقيه أبو عبد الله محمد بن علي بن يحيى ابن الفؤاد اللخمي يرده، وهو أن من حكم بحكم نفي أو إثبات ثم أخذ يذكر الموانع التي يستعيد معها وجود ذلك الحكم، فإنه يبتدئ بالأضعف منها ثم يترقى إلى ما هو أعلى منه وأبعد، أن يوجد معه الحكم ثم إلى ما هو أقوى في المنع من وجود ذلك الحكم، كقولك: أكرم السائل وإن أتاك على حمار، وإن أتاك على فرس، وإن علمت أن له دارا، ولَا شك أن رتبة الآباء أعلى من رتبة الأخوة وأشرف، بدليل الميراث ولأن ميل النفس إلى الابن أكثر، بدليل جواز شهادة الأخ لأخيه، ولا يجوز شهادة الأب لابنه، وجاءت هذه الآية على عكس هذا؛ لأنه سلك فيها مسلك التدلي، وقال: كنت أنا أجبته عن هذا السؤال، بأن الأب مفرد لا [يمكن*] فيه التعداد، والإنسان يركن إليه فبدئ به، والبنون يمكن أن يتعددوا ويكثروا فيحصل همٌّ لأبيهم كحال [التعاون*] والنصرة على هذا فيكون [ميل*] النفس إليهم أشد بهذا المعنى، وأما الآخرة فيتناولون آخرة النسب وآخرة الإسلام، أعني الأصحاب؛ لأن البنين يتفرعون منه وحده، والآخرة يتفرعون من أبيه وابنه ومن أبيه خاصة ومن أمه خاصة وما يتفرع من أصل [... ] أقل مما يتفرع من ذلك، والعشيرة أكثر من ذلك كله، فسلك في الآية على هذا مسلك الترقي، وانظر ما يأتي بعد هذا في سورة الممتحنة ويقرر كون العطف ترقيا من وجه آخر أيضا، وهو أنه إذا كان الإيمان مانعا من موادة الأب الذي لَا يمكن خلقه عقلا، [فأحرى*] أن يمنع مِن موادة من يمكن خلقه وهو الابن، وفي سورة عبس (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ) فقدم الأخ على الأب. قوله (أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ). قول النقاش: كتبه في [اللوح المحفوظ*]، اعتزال مع كونه سببا، وكذلك قول الطبري: قضى لقولهم الإيمان وكله بمعنى اللام، وكتب مشرب معنى قضى اعتزال أيضا، بل المراد خلق في قلوبهم الإيمان، وعبر عنه بالكتب؛ [ليفيد*] تحقيق ذلك وثبِوته، وكلام الزمخشري هنا أوله يوهم الصواب، وآخره اعتزال، في قوله في تفسير (وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)، أي بلطف من عنده، والمراد بالروح الهداية وسماها روحا؛ لأنها بها تحصل حياة النفوس حقيقة. قوله تعالى: (وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ). عطف المضارع على الماضي، إما لأن هذه جملة أخرى ابتدائية، فالمراد وهو يدخلهم، أي والله يدخلهم أو أن يدخلهم في معنى أدخلهم بإدخالهم لَا أنه أدخلهم بالفعل، لأن بعضهم [... ] حكى شيخنا أبو الحسن محمد ابن الشيخ أبي العباس أحمد البوني عن الشيخ الصالح أبي الحسن علي بن منتصر الصدفي: أنه حكى عن الشيخ الواعظ [أبي*] الحسن علي البوني كان ساكنا بحارة اليهود من تونس، وكان يقضي حوائجهم ويملأ لهم الماء من عنده ويسعفهم بمرادهم [ولا يكلهم إلى*] ما ينوبهم في رمي الزبل الذي هنالك، فلما مات تركوا ذلك كله، فطلبهم أهله بالرجوع إلى عادتهم، وقالوا لهم: إنه أوصانا عليكم فسألوهم عن موجب ذلك، فقالوا: موجبه من نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أوصى على الجار، وأكد حقه فأسلموا كلهم ببركة الشيخ رحمة الله عليه. * * *

الحشر 59:1

سُورَةُ الْحَشْرِ الزمخشري: [صالح بنو النضير رسول الله ﷺ على أن لا يكونوا عليه ولا له، فلما ظهر يوم بدر قالوا: هو النبي الذي نعته في التوراة لا ترد له راية، فلما هزم المسلمون يوم أحد ارتابوا ونكثوا، فخرج كعب بن الأشرف في أربعين راكبا إلى مكة فحالفوا عليه قريشا عند الكعبة فأمر عليه السلام محمد بن مسلمة الأنصارى فقتل كعبا غيلة*]، انتهى، أي قتله على غرة ولا يريد الغيلة الاصطلاحية، لأنها القتل خفية لأخذ المال. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾ ابن عطية: التسبيح إما بلسان الحال بمعنى أن الناظر لهذه الجمادات يسبح الله تعالى، أو بمعنى أنها مفتقرة إلى الاستمدادات [بالأعراض*]، وهو حقيقة بلسان المقال انتهى، فعلى هذا لَا يدخل فيه المشركون ولا الدهرية، لأنهم لَا يسبحون الله، وعلى الأول يدخلون، وإن كانوا متصفين بضد التسبيح، لأن حالهم يقتضي الافتقار إلى موجد أوجدهم، وقوله حقيقة نحوه، قال اللخمي للمازري: وهو مشكل، لأن الموجودات إما جسم أو حيوان أو إنسان، فالجماد مؤلف من الجسم والعرض فقط، والحيوان يزيد عليه بالحياة، والإنسان يزيد عليهما بالعلم، فإذا جعل التسبيح من الجماد حقيقة يلزمه إما قيام الحياة بالجماد، أو صدور الكلام من غير الحي [وهو*] باطل، لأن الكلام شرطه الحياة، وما ورد في الحديث من تسبيح الحصى وكلام الجذع، وغير ذلك، فمعجزة خارقة للعادة، و (سبح) متعد بنفسه، وتعديه هنا بحرف الجر شاذ، كقوله: فلمَّا أنْ تَواقَفْنَا قَليلاً؍ أنَخْنَا [للكَلاكِلِ*] فارْتَمَيْنَا؍ ويحتمل أن يكون تقديره المفعول محذوفا سبح الله لله أي سبحوه لأجله ولذاته لا لشيء، وهذا هو غاية التوحيد، وانظر أبا حيان في أول سورة الحديد. قوله تعالى: ﴿لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ الزمخشري: هذا أول حشرهم إلى الشام، السهيلي في كتاب التعريف والإعلام بما وقع في القرآن مبهما من [أعلام*] هو إنما الإعلام سبب دخول بني إسرائيل لأرض الحجاز أنهم كانوا بالشام، وكانت العمالقة تغير عليهم المرة بعد المرة، فبعث إليهم موسى عليه السلام جيشا من بني إسرائيل، وأمرهم أن يقتلوهم ويستأصلوهم ولا يتركوا منهم صغيرا ولا كبيرا، فخرجوا إليهم، وقاتلوهم وقتلوا جميعهم إلا طفلا صغيرا [ابن*] ملكهم حَسَنَ الصورةِ، فإنهم [استحيوا*] ورجعوا إلى الشام فوجدوا موسى عليه السلام قد مات، فمنعهم أهل الشام من المقام معهم مخافة أن تلحقهم عقوبتهم بعصيانهم أمر موسى عليه السلام، لأنهم على يقين من نزول العذاب بهم، فأخرجوهم من أرضهم فرجعوا إلى أرض الحجاز فاستوطنوها انتهى، وذكر ابن عطية هذا في سبب إجلاء اليهود من أرض الحجاز، في قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلاءَ). قوله تعالى: (مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا). المناسب أن يكون هذا خطابا خاصا بالمؤمنين، ولا يدخل فيه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لأن ظنه صادق، وإن كان لَا يعلم من الغيب إلا ما علمه الله تعالى، فظنه وفراسته صادقة. قوله تعالى: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ). الزمخشري: هلا قيل: وظنوا أن حصونهم مانعتهم، فهو أخص من قوله (أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ)، وأجاب: بأن في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط [وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم*] انتهى، أراد أن التقديم للاهتمام بوصف المنع، وهذا نص في أن حصونهم مبتدأ ومانعتهم خبره، واختار أبو حيان أن مانعتهم خبر أن وحصونهم فاعل به، فإن قلت: هلا كان مانعتهم مبتدأ وحصونهم خبر، فيجاب عنه بوجهين: الأول: أن المبتدأ يكون أخص من الخبر، ومانعتهم هنا أعم من الحصون؛ لأنهم لم يحصروا المنع في الحصون، بل ظنوا أنهم يتمتعون بها وبكثرة عُددهم وعَددهم وقوتهم، كما أشار إليه الزمخشري. الثاني: أن مانعتهم اسم فاعل بمعنى الحال أو الاستقبال، فإضافته [محضة*] على سبيل التنزل، والمراد [منه*] رسول الله - ﷺ -. قوله تعالى: (فَأَتَاهُمُ اللَّهُ). الزمخشري: [وقرئ: فآتاهم الله*] أي [أعطاهم الهلاك*] انتهى، وهذا تهكم [بهم*] لَا يوافق مذهب الزمخشري. قوله تعالى: (وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ). عبر بلفظ القذف لحكمة متعلقة، ولأنه يدل على شدة الرمي والإلقاء، وهو في مقابلة قوله تعالى: في سورة الفتح (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)، فإن قلت: قد قال تعالى (أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ)، قلت: القذف في التابوت من حيث هو مستقبح تكرهه النفوس البشرية، وكذا قال: [(فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ) *] لما كان الإلقاء في الساحل من اليم محبوبا [للنفوس*]، وكذلك القذف في اصطلاح الفقهاء ورمي الإنسان بما يكرهه على وجه خاص، فقوله: [... ]. قوله (يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ)، هذا من باب الاستدلال بالمسبب على السبب، لأن حصول الرعب في قلوبهم سبب في تخريبهم بيوتهم، وينبغي أن يكون التقدير ويخربونها بأيدي المؤمنين، وإلا لزم استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، لأن تخريبهم بيوتهم بأيديهم حقيقة، وأيدي المؤمنين مجازا، على ما قلناه يلزم الإضمار، وقد قالوا: إذا تعارض المجاز والإضمار، فالإضمار أولى وأحرى، [وإن*] كان المجاز مختلفا فيه، فإن استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه مختلف فيه، وذكر ابن عطية هنا سبب الجلاء قال: [أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه كتب على بني إسرائيل جلاء، وكانت بنو النضير ممن حل بالحجاز بعد موت موسى عليه السلام بيسير، لأنهم كانوا من الجيش الذي رجع وقد عصوا في أن لم يقتلوا الغلام ابن ملك العماليق لجماله وعقله، وقد كان موسى عليه السلام قال لهم لا تستحيوا أحدا، فلما رجع ذلك الجيش إلى بني إسرائيل بالشام وجدوا موسى ميتا، وقال لهم بنو إسرائيل أنتم عصاة والله لا دخلتم علينا بلادنا، فقال أهل ذلك الجيش عند ذلك ليس لنا أحب من البلاد التي غلبنا أهلها، فانصرفوا إلى الحجاز، فكانوا فيه فلم يجر عليهم الجلاء الذي أجراه بختنصر على أهل الشام، وقد كان الله تعالى كتب في الأزل على بني إسرائيل جلاء فنالهم هذا الْجَلاءَ على يدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا ذلك لَعَذَّبَهُمْ الله فِي الدُّنْيا بالسيف والقتل كأهل بدر وغيرهم*]. انتهى، هذا الخبر في نفسه يتفق، ولكنه لَا ينزل على لفظ الآية لاقتضاء الآية أن بني قريظة والنضير لم يعذبوا بالسيف بل أخرجوا من بلادهم، والخبر يقتضي أنهم قوتلوا واستؤصلوا ولم يبق منهم أحد، فإن قلت: هؤلاء ذريتهم، قلت: اقتضى الخبر استئصال جميعهم، ويجاب بما ذكر ابن عطية بعد هذا من أن [... ] أهل قريظة ونفاهم إلى الشام، ثم رجع بعضهم، فيحتمل أن يكون هؤلاء هم الذين أخرجوا ولم يعذبوا بالسيف من بني النضير، وبقايا بني النضير قريظة، والصواب الوقف على قوله (فِي الدُنْيَا)، خشية أن يتوهم دخول ما بعده في جواب (لولا)، فيكونوا في الآخرة غير معذبين، واستدل الأصوليون بقوله تعالى: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ)، على صحة العمل بالقياس اعتبارا وكل اعتبار مأمور به، فالقياس مأمور به، [أما أنه اعتبار فلأن الحكم*] الذي في الأصل معتبر في الفرع ومنقول إليه، ولكن ينازع الخصم في الكبرى، وهو كل اعتبار مأمور به فيمنع كليتها.

الحشر 59:5

قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الزمخشري: [وروى أن رجلين كانا يقطعان: أحدهما العجوة، والآخر اللون، فسألهما رسول الله ﷺ فقال هذا: تركتها لرسول الله، وقال هذا: قطعتها غيظا للكفار*]، قال: واستدلوا بها على جواز الاجتهاد بحضرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى أن كل مجتهد مصيب انتهى، لَا حجة فيها؛ لأن ذلك إنما هو حيث الاجتهاد [إن كان*] في شيء واحد على طرفي النقيض، وهنا تعدد متعلق الاجتهاد [وأحدهما*] قطع الجيِّد، والآخر قطع الرديء، فمتعلق الاجتهادين مختلف، ويحتمل أن يكون قطع الجميع جائز في نفس الأمر، وإنما يقال: كل مجتهد مصيب [أو لا]، كما قال ابن التلمساني في الاجتهاد في القبلة: أنه يجوز لأحدهما الاقتداء بالآخر، لأنها واحدة فأحدهما مخطئ، وأبطله ابن العربي: بأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان معهم [ولا اجتهاد*] مع حضوره، وأنه يدل على أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم مجتهد فيما ينزل عليه فيه وحي، أخذا بعموم الإذاية للكفار، ودخولا في الإذن الكلي بما يقضي عليهم ويهلكهم لقوله تعالى: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ)، فإِن قلت: ما أفاد قوله [عَلَى أُصُولِهَا*] مع أن (قائمة) تغني عنه؟ قلت: أفاد أنها باقية على حالها لم ينقص منها شيء، أو قد تكون قائمة ناقصة. قوله تعالى: (وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ). الزمخشري: أي يقطعها بإذن الله وأمره، انتهى، المراد بالإذن الإباحة، وليس المراد به الوجوب ولا الندب ولا الإرادة، أما الوجوب والندب فلأن الإذن هنا دائر بين أمرين متناقضين، أما القطع أو الترك، فترجيح فعل أحدهما يبطل فعل الآخر من أصل فرعه عن أرجحيته، وأما الإرادة فلأن الآية نزلت ردا على اليهود، واليهود موافقون على المعاصي [محادة*] لله تعالى، فيقولون هم: نعم أراد الله تعالى عصيانكم بذلك، فعصيتموه بإذنه وإرادته، فيتعين أن يراد بالإذن الإباحة، وفي الكلام حذف أي لينصركم [ويخزي*] الفاسقين. قوله تعالى: ﴿مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ قدم الخيل لأنها أخص؛ إذ لَا خلاف أنها نسبتهم لها، والخلاف في الإبل هل نسبتهم لها] [أو لا*]؟ [فعلى*] الأخص لَا يستلزم نفي الأعم، فمعناه لم توجفوا عليه بالخيل، ثم قال: ولم توجفوا عليه بالركاب، وهو من باب نفي الشيء لنفي موجبه، أي لَا حظ لكم في الفيء؛ لأنكم لم توجفوا عليه بخيل ولا ركاب.

الحشر 59:7

قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ). هو استدراك بين الشيء [ونقيضه*]، أي يسلط رسله وينصرهم من غير حاجة إلى معونتكم، فإِن قلت: لم قال (يُسَلِّطُ) بلفظ المضارع، وجمع الرسل مع أنهم قد [مضوا*] [والباقي*] إنما هو رسول واحد، قلت: هي حكاية حال ماضية، فإن قلت: فلا يدخل في ذلك نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، مع أن المراد الحالة، قلت: المراد ولكن العادة الجارية في رسله، أنه يسلطهم على من يشاء من عباده، ويحتمل أن يكون الجمع تعظيما له صلى الله عليه وسلم، والمراد بالرسل الملائكة، قوله (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ... (٧).. ، ذكر اسم الله [في*] الفيء، وفي الصدقات لم يذكره، فدل على أن [مستحق*] الفيء أفضل، لكونه لَا يختص [**بالتبيين] بخلاف الصدقة، وفاءَ بمعنى رجع، وأفاء أرجع، وتقرير معنى الرجوع فيهما أن أموال الكفار مستحقة للمسلمين في الفيء فهي بأيديهم [**كالمتعدي فيه]، فإذا حصلت بأيدي المؤمنين فقد رجعت. قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ الزمخشري: لَا يصح أن يكون بدلا من مجموع قوله (فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى) انتهى، لأنه يستحيل صدق صفة الفقر عليه عز وجل، ولا يوصف بها النبي ﷺ إعظاما له، ولأن في آخر الآية (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، فإِن قلت: لم قدم صفة الفقر على الهجرة، مع أنهم إنما اتصفوا بالفقر بعد الهجرة، وأما قبلها فكانوا أغنياء، فالهجرة سبب في الفقر، فهلا قدمت؟ فالجواب: أن استحقاقهم الأخذ من الغنيمة إنما هو [بوصف*] الفقر لَا بالهجرة، أو بمجموع الأمرين، ووصف الفقر [أولى بههم*]، ولا يقال: إن وصف الفقر يشاركهم فيه الأنصار، وأنهم إنما اختصوا عن الأنصار بالهجرة، لأن المفسرين ذكروا أن الأنصار كلهم كانوا أغنياء إلا ما قلَّ منهم، وقد أعطاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من الغنيمة لفقرهم، وعبر في المهاجرين بالاسم وفي الذين أخرجوا بالفعل، لدوام الهجرة وانقطاع الإخراج، ووصفهم بنصرة الله ورسوله احتراسا، خشية أن يتوهم أن ذلك خاص بالأنصار. قوله تعالى: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا). [ذكرهما تعظيما لهما*]، والعطف ترق؛ لأن الرضوان صفة معنى، والفضل صفة فعل. قوله تعالى: (وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ).

الحشر 59:9

المقصود بالإسناد هنا المعطوف، فهو من باب [أعجبتني*] الجارية حسنها، لأن الله تعالى غني عن نصرتهم، وصرح باسم الجلالة تشريفا للطاعة، وصرح باسم الجلالة تهييجا عليها. قوله تعالى: (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ). ابن عطية: في أقوالهم وأفعالهم، انتهى، هذا موافق لقول ابن التلمساني: أن الصدق هو مطلق المطابقة، لأنه مطابقة الخبر للمخبر عنه، ووقع التأكيد في هذه الجملة بأمور: الحصر، وكون الموضوع اسم إشارة، والفصل بالضمير، وكون الخبر اسما [وعلى الثبوت*]. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ فسره الزمخشري بثلاثة أوجه: إما أن المراد تبوءوا الدار وأخلصوا الإيمان، وجعلوا الإيمان مستقراً ومتوطنا لهم لتمكنهم منه [واستقامتهم عليه*]، كما جعلوا المدينة كذلك، فيكون التبوء على هذا مجازا، فهو في الدار على أصله، [وفي*] الإيمان معنوي، فيضعف هذا من وجهين: أحدهما: أن فيه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، أعني لفظ التبوء. الثاني: أنه حصل ملازمتهم للإيمان كملازمة المكان لهم، فلو أراد المكان المطلق لحسن التشبيه هنا، إنما وقع التشبيه على مكان معين، فلا يحسن التشبيه، لأنه لا يلازمهم عقلا، إذ لو أريد التبوء في مطلق مكان، لقلنا: إنه يلزمه الإيمان عقلا، وقيل: هو من عطف الصفات أي تبوء الدار، ودار الإيمان لأنها دار واحدة، [وصفها*] أولا بكونها الدار المعهودة، وثانيا: بأنها دار الإيمان. قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِهِمْ). قال الزمخشري: من قبل المهاجرين، واستشعر أن يورد عليه أن إيمان المهاجرين سابق، فأجاب: بأن المجموع، وهو التبوء، والإيمان سابق على إيمان المهاجرين وتبوؤهم، فالمجموع سابق على المجموع، وهو نحو ما أجاب به ابن التلمساني عن قول القاضي عبد الوهاب في تعريفه للقياس: هو حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، فأورد عليه لزوم كون حكم الأصل مثبتا بالقياس، [فيرد*] بأن المراد ثبوت المجموع، ويرد على هذا الجواب هنا أن المجموع المركب إنما يتم بآخر جزء منه، فما حصل لهم وصفا [ليس*] بأول التبوء بل بآخره، وهو بعد إيمان من آمن، وذلك متأخر عن إيمان المهاجرين، وجوابه: أن على كل تقدير متقدم على

الحشر 59:10

هجرة المهاجرين وإيمانهم، وأجاب الزمخشري والفخر بجواب آخر: وهو أن الضمير عائد على المهاجرين باعتبار وصفهم أي من هجرتهم. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ سَبَقُونَا﴾ فيه دليل من آية السبقية، كما قال الفقهاء في الإمامة: أنه يقدم الأقدم سناً في الإسلام، فإن كان الأكبر أحدث إسلاما قدم الأصغر. قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا). لما كان من طبع الإنسان الغل والحسد، وكان أولئك حازوا مزية السبقية، والمهاجرين مظنة أن يحسدوهم في ذلك، فتحرزوا من ذلك بعد الدعاء، والغل: هو تألم النفس على عدم المشاركة فيما اختص به ذو رئاسة وسوية، والغبطة: تألم النفس على ذلك، مع عدم تمني زوال [ذلك*] عن المختص به، والحسد: تألمها على ذلك، مع تمني زوال ذلك [عن*] المختص، والحقد: هو طلب [**الفرصة في المكروهات للمحقود]، فإن قلت: لم خبر هنا بالقلب دون [الصدر*]، وقال تعالى قبل هذا (وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً)، فعبر بالصدر؟ فالجواب: أن الآية المتقدمة الثناء فيها عليهم من الله تعالى، فناسب المبالغة فيها لمحو اقتضاء الحاجة عن القلب وعن [وعائه*]، وهذا دعاء منهم فاقتصروا فيه على القلوب، لأنها هي بمحل الغل، فإذا انتفى منها انتفى عما سواها. قوله تعالى: (رَءُوفٌ رَحِيمٌ). هاتان الصفتان منهما ترتبا في الذكر، كانت الرأفة راجعة لصفة الإرادة، والرحمة لصفة الفعل، فالرأفة سبب في الرحمة، وإن ذكرت الرحمة وحدها صح تأويلها، إما برجوعها للإرادة أو للفعل. قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ الاستفهام هنا للتقرير، دليل على وقوع ذلك، فلا يصح كون الرؤية علمية، لأنه لم يكن عالما بأعيان المنافقين إلا أن يقال: إنه علم بهم من حيث الجملة، وإلا ظهر أن الرؤية بصرية لتعديها بإلى، أي ألم تنظر إلى الذين نافقوا، وعبر عن نفاقهم بالفعل الماضي؛ لبعد تحقيق ذلك، فإن قلت: [هلا*] عبر بالاسم المقتضي [للثبوت والدوام، لأن الماضي منقطع*]؟ فالجواب: أن الماضي أفاد التحقيق وقوله تعالى: (يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِم)، أفادوا الدوام على ذلك في الحال والاستقبال، فأغنى عن التعبير بالاسم. قوله تعالى: (لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ).

الحشر 59:12

لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ حذف الفاعل لبعضهم له استعمالا لذكره، ولا يناسب هنا التحقيق، لأنهم أحقر من ينسب إليهم ذلك. قوله تعالى: (وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا). أي في عدم نصرتكم، وإذا لم يطيعون في [عدم*] نصرتهم، فأحرى أن لَا يطيعوا في قتالهم أبدا. قوله تعالى: (وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ). النصرة أخص من مقاتلتهم معهم، فأفاد المقاتلة من باب أحرى. قوله تعالى: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ). الشهادة أخص من [العلم*]، لأن علم الإنسان شيئا يسمعه ويشهد عليه أقوى من علمه شيئا يسمعه ولا يشهد عليه، فإِن قلت: فيها رد على ابن قتيبة في أن عدم المطابقة في الخبر المستقبل خلف لَا كذب لهؤلاء، [وعدوهم*] بالنصرة في المستقبل، فلم ينصروهم، فالجواب: أن المراد بكذبهم عدم مطابقة قولهم لما يقع منهم في المستقبل، فإِن قلت: نحن جعلنا الحكم بكذبهم راجعا لمدلول لفظهم، وأنتم جعلتوه للازم لفظهم، فما قلناه أولى، لأن اللفظ دال عليه بالمطابقة، فالجواب: أنه إذا جعلتم الكذب راجعا للمدلول يلزمكم أن قوله (لَئِنْ أُخْرِجُوا)، وما بعده تأكيد؛ لأنه أفاد عين ما أفاد الأول، وإن جعلتموه راجعا [بلازم اللفظ*]، كان جملة (لَئِنْ أُخْرِجُوا)، تأسيسا، والتأسيس أولى، [بأن يقال*]: إنه لَا يضرنا كونه تأكيدا، وتكون مفسرة لمتعلق التكذيب، بدليل إتيانها غير معطوفة لو كانت تأسيسية؛ لعطفت بالواو التي تقتضي المغايرة (لَئِنْ أُخْرِجُوا... (١٢).. ، عبر بأن هذا محقق الوقوع، لأنه رد على كلامهم بأن (وَلَئِن نَصَرُوهُم لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ)، الزمخشري: إن قلت: كيف (وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ)، بعد الإخبار؛ لأنهم لَا ينصرونهم، وخبر الله تعالى حق لَا شك فيه، فصار وقوع النصرة محالا، قلت: معناه (وَلَئِنْ نَصَرُوهُم)، على الفرض والتقدير كقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)، وأورد ابن عطية هنا سؤالا، وأجاب عنه: بأن المراد ولئن حاولوا نصرتهم وعلى هذا لَا يرد سؤال، الزمخشري: لأن محاولة النصرة أمر ممكن، وإنما المحال وقوع النصرة، وفي الآية سؤال آخر، وهو أن القاعدة أن جواب الشرط لَا يصح أن يكون مناقضا للشرط، فلا يقال: إن قام زيد لم يقم، فإِنه محال [للزوم*] اجتماع النقيضين، وتولي الأدبار نقيض النصرة، والجواب: أن الشرط يصح تركيب المحال عليه؛ لَا فرض المحال جائز، كما

الحشر 59:13

قال الجزري: ملزومية الشرط للجزاء لَا تدل على وقوعه ولا على إمكان وقوعه، ويجاب أيضا: بأن النصرة تكون في أول الأمر والتولي في آخره. قوله تعالى: ﴿لَا يَفْقَهُونَ (١٣)﴾ عبر أولا: بالفقه، وثانيا: بالعقل، لأنهم لما أخطاوأ أولا في كيفية الاستدلال [عبر عنهم*] بعدم الفهم، وثانيا: لما ظنوا بقتالهم في [القرى*] أو من وراء الجدار أنهم لَا يغلبون، وأن ذلك العقل يهدي [عبر عنهم*] بعدم العقل، " فأحرى أن لَا يوصف بذلك كل واحد على انفراده. قوله تعالى: ﴿ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ﴾ عبر بالذوق إشارة إلى أن ما نالوه من العذاب بالنسبة إلى ما بعده ذوق، فلم ينالوا عذابا في الدنيا، بل ذاقوا وسينالوه الآخرة لقوله تعالى: (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾ إن قلت: لم حذف المسند إليه [هنا*] فلم يقل: مثلهم كمثل الشيطان، وصرح به في سورة البقرة في قوله تعالى: (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا) قلت: تقدم ما يدل عليه في قوله تعالى: [(كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا) *]. قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ). قال: هو عند يأسه من رجوعه وثبوته، وذلك عند الاحتضار، وأما في الدنيا فلا يقول له ذلك خوف أن يتوب فينتفع بذلك. قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ دليل على أن التقوى أخص من الإيمان، وإلا لم يفد قوله (اتَّقُوا)، لَا يقال: المراد داوموا على التقوى؛ [لأنه*] مجاز، والأصل حقيقة، فإن قلت: إنما الخلاف بين المؤمن والمتقي، لأن لفظ الاسم المقتضي بالثبوت إذا نظر بين مطلق الإيمان، ومطلق التقوى، لأن الإيمان هنا بلفظ الفعل، فلا يفيد [أعلى*] مراتبه، قلنا: المختلفان إذا زيد عليهما مساو فإنهما [لَا يزالان*] مختلفين.

الحشر 59:19

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ قوله تعالى: (وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ). الزمخشري: تنكيرها [للتعظيم، أي تعليل الموصوف بذلك*] (١)، انتهى، يرد بأن [التعظيم*] إنما [يصح لو كانت في الخبر*]، وهو هنا بسياق الاسم التكليفي، فالمراد التكثير لعموم التكليف، [وإما لجواز*] أن النفس هنا أفردت، والمراد بها العموم؛ كما في قوله صلى الله عليه وسلم: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره". قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ المشبه بالشيء لَا يقوى قوة المشبه به، فهي هنا من [التشبيه*] بمن نسي الله، فيفيد النهي عن نسيان الله من باب أحرى، فهو من النهي عن القرب حول الحمى خشية الوقوع فيه، ومعنى (نَسُوا اللَّهَ)، أي غفلوا عن ذكره، والنسيان الثاني إما أن يراد به العقوبة، أي على الأول أي فعاقبهم على ذلك، فيكون من مجاز تسمية المسبب باسم السبب، أو يراد به النسيان حقيقة فزادهم [نسيانا*] إلى نسيانهم، فيكون من العقوبة على الذنب بالذنب، وهو أشد من الأول، لأنه يستلزم عقوبتين: العقوبة على الذنب بذنب آخر يعاقب عليه عقوبة أخرى، ابن عطية: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ اعرف نفسك تعرف ربك، ومن لم يعرف نفسه لم يعرف ربه انتهى، يعيدك إلى علم المنطق كان مذكورا في طباعهم، لأن مقتضى الآية أن من نسي الله نسي نفسه، فتنعكس جزئية بعض من نسي نفسه نسي الله، قالوا: وقد تنعكس كنفسها في بعض المراد، رد هذه الآية، وعكسها المستوى أي من نسي نفسه نسي الله، فهو منه كل من عرف نفسه عرف الله، والعكس نقيضها كل من لم ينس نفسه لم ينس الله فمن لم يعرف ربه مستفاد من منطوق كل من نسي الله نسي نفسه، ومن عرف نفسه عرف ربه مستفاد من مفهوم ذلك، وقال (بِمَا تَعْمَلُونَ)، ولم يقل: بما علمه، لأن العلم الحادث يتعلق بالحال والماضي، ولا يتعلق بالمستقبل، فإذا أفاد أنه عليم بالمستقبل، فأحرى الحال والماضي. قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ هذا تكميل للوعظ المتقدم أو لف ونشر، فأصحاب النار راجع للذين نسوا الله، وأصحاب الجنة للمأمورين بالتقوى، فإن قلت: نفي التسوية لَا يقتضي نفي الشركة، فلا يلزم عنه نفي اشتراكهم في الثواب والعقاب، قلت: الشركة في العبودية وفي التكليف لَا في الثواب والعقاب، فإِن قلت: إنما المراد الشركة فيما ثبت فيه للمساواة، قلت: السياق ينفيه [وأخذ*] الشافعي رضي الله عنه من هذه الآية أن المسلم لَا يقتل بالكافر، الفخر: بأنه عام، والأعم لَا إشعار له بالأخص، وأجاب عنه الأرموي: بأن (١) النص في الكشاف هكذا: "فإن قلت: ما معنى تنكير النفس والغد؟ قلت: أما تنكير النفس فاستقلالا للأنفس النواظر فيما قمن للآخرة، كأنه قال فلتنظر نفس واحدة في ذلك. وأما تنكير الغد فلتعظيمه وإبهام أمره، كأنه قيل: لغد لا يعرف كنهه لعظمه". اهـ.

الحشر 59:21

نفي العام في باب النفي يشعر بدخول الأخص، لأنه يستعمل العام في النفي والآخر في الثبوت، ويرد بأن المحكوم عليه إنما هو في الآية بصفة كونهم من أهل الجنة أو من أهل النار، والصفة هنا معتبرة، [ويحتمل*] أن يعتبروا إذا كان لذلك بطل الأخذ من الآية، إما باعتبارها، أو باحتمال اعتبارها، أو لقول المحكوم عليه إذا كان مفيدا بطل الأخذ من الآية بصفة، فإِنما يتناوله الحكم باعتبار تلك الصفة لزوما أو احتمالا فهؤلاء إنما انتفت عنهم التسوية من حيث كونهم أصحاب الجنة، وكون الآخرين أصحاب النار، والقصاص راجع للدنيا وهم في الدنيا لم يتعدوا تلك الصفة، بدليل قول الفقهاء: فمن حلف بالطلاق أنه من أهل الجنة حنث، لأنه لَا يدري بماذا يختم له. فإن قلت: إن الحكم لَا يتناولهم من هذه الحيثية، قلنا: يحتمل أن يتناولهم باعتبارها، أو إذا احتمل ما احتمل سقط الاستدلال، قيل: أخذ الشافعي رضي الله عنه من الآية إن كان [المراد*] عدم المساواة لزم [ألَّا يقتل*] الكافر بالمسلم، وإن كان بزيادة كون المساواة المنفية ملزومة لفضيلة المسلم، وعدمها في الكافر فيقتل الأدنى بالأعلى لَا العكس [**فيمن ذكر من الاستدلال]، الفخر: واحتج بها المعتزلة على أن العاصي لَا يدخل الجنة، لأن الآية دلت على أن أصحاب النار، وأصحاب الجنة لَا يستويان، وهو غير جائز وجوابه معلوم، انتهى، يريد لو دخل العاصي الجنة لساوى المؤمن الكافر، [في الاشتراك في النار*]، فدل على أن العاصي كافر لَا مؤمن، ويرد بأن العاصي حال حلوله في النار غير مساو للمؤمن، وحال حلوله في الجنة مساو، وقد ذكر المنطقيون المطلقة والدائمة والحقيقية، أو تقول المراد أن مجموع أصحاب النار لَا يساوي مجموع أصحاب الجنة، ويقولون: إن العام في الأشخاص مطلق في الأزمنة والأحوال، فإن قلت: لعل المراد نفي المساواة بين أصحاب النار فيما بينهم بدليل قراءة من قرأ (ولا أصحاب الجنة)، فكرر (لَا)، وقد قال السهيلي: إذا قلت: ما قام إلا زيد ولا عمرو، فالمراد نفي قيام كل واحد منهما مجتمعين ومفترقين بخلاف قولك: ما قام زيد وعمرو، فالجواب: أن السياق هنا ينفي هذا ويعين الأول، وقدم أصحاب النار، لأن الآية [وعظ*] وتذكير، فإن قلت: لم قال: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ)، ولم يقل: أصحاب النار هم الخاسرون، قلت: التصريح بفوز أصحاب الجنة يتضمن أمرين: جلب الملائم، وهي الأعمال الصالحة التي هي سبب في الجنة، ودفع المؤلم، وهو عمل نقيض، والتصريح بخسران أهل النار لَا يتضمن الأول المؤلم الذي دخلوا به النار، وما تضمن أمرين أوفى. قوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ﴾ جعله الزمخشري (جبلا) على مذهبه، لأن التمثيل يكون في الأمور المستحيلة الوجود، كالتشبيه بالصفاء والقول، والتمثيل يكون في الأمور الجائزة الممكنة الوجود، والزمخشري يشترط في الجمادات النية، فيستحيل فيها الخشوع عنده، ونحن لا نشترط ذلك؛ بل نشترط العلم والحياة فيصح عندنا وقوع الخشوع من الجمادات، خلق الله فيه العلم والحياة، ويمكن على مذهبه أن يكون تخيلا؛ بل هو من تعليق المحال على المحال، مثل (إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ)، ويجاب عنه؛ بأن الآية في سياق الوعظ والتخويف، ولا يقع ذلك إلا بالممكن لا بالمحال، وهذا نحو جواب شمس الدين الجزري لما احتج الفخر على جواز الشيخ في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)، ورد عليه السراج الأرموي: بأن لزوم الشيء بالشيء لَا يلزم منه وجوب وقوعه ولا إمكان وقوعه، فأجاب عنه الجزري: بأن الآية خرجت مخرج التمدح، والتمدح إنما يكون ممكن الوقوع، السماكي: التمثيل تصوير لحقيقة الشيء حتى يتوهم أنه [ذو*] صورة تشاهد، وأنه مما يظهر في العيان كقوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الآية، وقوله تعالى: (طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ)، ولا يكاد [يخلو منه باب في علم البيان*]، ولا أدق ولا أهون على تعاطي المتشابهات، وهذا نحو من كلام الزمخشري، وخلاف ما قال ابن أصبغ فإِن قلت: الآية دليل على أن القرآن اسم جنس، يصدق على الكثير والقليل، لأن اسم الإشارة يقتضي الحضور، ولم ينزل حينئذ إلا بعضه، فالجواب: أن المراد ما نزل وما ينزل، لكن يلزم عليه استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، فيجاب: بأن الإشارة لجميعه لوجوده حينئذ وإنزاله إلى السماء الدنيا، فإن قلت: الإشارة إليه إنما هي من حيث إنزاله الإنزال المحصل للخشوع، وذلك في إنزاله لتكليف به، قيل: لو أنزلنا على جبل هذا القرآن الموصوف بالإرسال إلى السماء الدنيا، فإِن قلت: في الآية رد على من عرف القرآن من الأصوليين، بأنه ما بين دفتي المصحف، لأنه يسمى قرآنا قبل وجود المصحف، قلت. سمي قرآنا قبل ذلك، ثم ثبت له هذه [الخاصية*] بعد ذلك عندنا معرفا بها، فإن قلت: في الآية حجة لمن ينفي الكفر عنادا لاقتضائها أن نفس نزول القرآن على تقدير كونه ذا فهم يحصل له الخشوع، ذلك هو نفس الإيمان ففسر نزوله غير مخص به للإيمان، فليس كل كفر عنادا، قلت: فرق بين حصول الخشوع في القلب وبين النطق بالشهادتين باللسان، فحصول العلم في القلب بنفس نزول الآيات، والإيمان اللفظي بسببه تكليف الرسول وطلبه ذلك وأمره به، فقد يمنع منه من حصل له العلم في القلب كأبي طالب.

الحشر 59:22

قوله تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ). جمع الأمثال مع أنه مثل واحد، كما قال [الآبذي*] في شرح الجزولية: أن الواحد قد يجمع باعتبار تعدد أوصافه كقوله: فقلت اجعلي ضوء الفراقد كلّها؍ يمينا ومهوى النّسر من عن شمالك؍ قوله تعالى: (لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)، لعل من الله تعالى واجبا مع أنهم لن يتذكروا وكلهم، فيكون عاما مخصوصا. قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ الضمير العائد على ذكره في قوله تعالى: (مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ)، ولا يقال: أنه يلزم عليه الإخبار في الشيء عن نفسه، لأن الجزء هو موصوف بصفة، فيقيد بتلك الصفة، أو يعود الضمير على المخشي المفهوم من خشية الله، أو على أن المنزل المفهوم من أن لو أنزلنا، أو على الذي يضرب المثل. قوله تعالى: (الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ). إن قلت: ما سر دلالة الموصوف، وهو الذي دون صلته، وهو جملة لَا إله إلا هو لو أتى بها إثر اسم، فقيل: (هُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ)، فالجواب: أن الرسول دلالته الإفراد آية جاءت من حيث هي في الاسم من حيث كونها دلالة بالنوع، أو بالشخص، وجملة الصلة أفادت وحدة الشخص، فكانت تأسيسا، ولو كان المفهوم من الموصول والصلة واحد، كان تأكيدا لكن يلزم على هذا بطلان قول النحاة: الموصول مع صلته كالزاي مع زيد، فكما أن الزاي وحدها دلالة لها فكذلك الموصول وحده، وكون الموصول دالا على الوحدة الأعمية ممنوع؛ بل الصلة تابعة للموصول إن نوعا فنوعا، وإن شخصا فشخصا، فاستدل بها الأصوليون على أن الاستثناء من النفي إثبات. قوله تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ). نعت، وهو معرفة، لأنه مجرد عن الزمان فإِضافته محضة، والغيب ما لم ينصب عليه دليل فمن أجاد خط الرمل، والنظر في النجوم وعلم التعديل وحساب زيادة [الشهور*] ونقصانها، فليس ذلك من الغيب لنصب الأدلة على معرفة ذلك. قوله تعالى: (هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ).

الحشر 59:23

فصل هنا بالضمير ولم يفصل به بين (عَالِمُ الْغَيبِ)، وما قبله ولا بين (الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ)، للتباين بين مجموع الصفتين إذا القرينتين الأولتين معنوية، وهاتين يرجعان لصفات الأفعال. قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ﴾ تأكيد وفيه ضرب من التأنيث، لأنه لما وصفه ب (الرَّحْمَن الرَّحِيمُ)، وهما صفتان يتوهم فيهما الشركة، قال تعالى (رُحَمَاءُ بَينَهُم)، وفي الحديث: "الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، [ارْحَمُوا*] أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ"، أتى بهذا ليفيد أن الرحمة بين العباد كلها مخلوقة لله تعالى، وهو الفاعل المختار لَا شريك له. قوله تعالى: (الْقُدُوسُ). الزمخشري: هو البليغ في النزاهة عما يستقبح و (السَّلامُ) مبالغة في وصف كونه [سليما*] من النقائص، انتهى. قوله تعالى: (السَّلامُ). راجع إلى سلامة ذاته الكريمة من النقائص، (الْقُدُوسُ)، راجع إلى تنزيهه الخارج له عن النقائص، أو إلى تنزيهه نفسه كما يقال: حمد نفسه بنفسه، قال شيخنا: وعندي نظر فيما يتجاوز النَّاس فيه من [التعظيم*] لبعضهم، فيقولون: المقدس المرحوم، فإنه راجع إلى كمال التنزيه الذي لَا يليق إلا بالله، قيل له: قد ورد روح القدس، وقال تعالى (إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)، وفي الحديث في وفاة موسى عليه السلام أنه قال: يدنيه إلى الأرض المقدسة رمية حجر، وما معناه إلا كمال الطهارة. قوله تعالى: (الْجَبَّارُ). الزمخشري: القاهر الذي جبر خلقه على ما [أراد*]، وهذا ترقيق على مذهبه كأنه يقول: إن العبد مستقل بفعله فتجيء هنا أن أفعاله الاختيارية من خلقه وقدرته، وأفعاله الجبرية خلق الله تعالى، كما يتصور دخول الإنسان بيتا اختياريا، ودخوله بيتا مكرها. قوله تعالى: (الْمُتَكَبِّرُ). أي البليغ الكبرياء والعظمة، فهما تصور في حقه صفة علية، فيعتقد أنه متصف بأكبر منها، وأعلى فهم إذا تصورت ما هو أعلى منها، تعتقد أنه متصف بأكبر من ذلك أيضا، ولا تزال تترقى في صفات العلو والكبرياء حتى تنتهي ما يعجز عنك إدراكه فتقف، فصل في شرح الأسماء، قال ابن العربي في كتاب [الأمد*] الأقصى في شرح الأسماء الحسنى: (عَالِمِ الْغَيب)، العلم هو إطلاع المرئي على ما لم يطلع عليه، وانكشاف ما غاب عند الله تعالى، وله أسماء كثيرة، منها الفضل والفطنة والدراية والخبرة، وعلم الله تعالى واحد، لتعلقه بكل شيء، قال علماؤنا: ويجوز أن يكون له علوم [لَا نهاية لها*] بعدد المعلومات، وإنما علمنا اتحاده شرعا لقوله تعالى: (أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ)، وحكمته تعالى ليس ضروريا لما في الضرر من النقص الذي يقال هذا لَا نظريا لما في النظر من الحاجة إلى المقدمات المحصلة للعلم، قال علماؤنا: ولا نصف البارئ بأنه عارف لعدم وروده، والمعرفة والعلم مختلفان فالمعرفة علم واحد، والعلم معرفتان، فهو أكمل ولذا سمي به، ويجوز عقلا أن يقال: فيه عارف لعلمه بالأوائل وعالم لعلمه بالأوائل والأواخر، انتهى، قلنا: (الرَّحْمَن الرَّحِيمِ)، فتقدم على ما في الكلام على البسملة وأما (الْمَلِكُ)، فقال ابن العربي: الملك والمالك مشتقان من الملك، والملك قبل التصرف، فهو صفة فعلية، وقال: أكثر علمائنا أنه القدرة على التصرف، الفخر: [هو*] صفة ذات، [وتعقب*] قبل التصرف فهو صفة فعلية، الأول: بأن الصبي والمجنون والراهن والمؤاجر ما [... ] ولا تصرف لهم، وعلى الثاني: قال الفخر: والأمر ملك الأشياء قبل وجودها، لأنه قادر على وجودها، وبعد وجودها لقدرته على إثباتها، إما بخلقه البقاء فيها عند من يقول باقية ببقاء أو بخلق الأمر من التي لَا يتم بقاء الجواهر إلا بها، وعبر ابن الخطيب عن هذا بقوله: وإما بأن لَا يعد بها عند من يقول أن القدرة لَا تتعلق بالعدم، وقال: قيل: (المَلِكُ) من ملك نفوس العارفين فأطلقها، وملك قلوب العارفين فأحزنها، وقيل: الملك من لَا يمازجه معارض ولا يمنعه مناقض، فهو تقديره منفرد وتدبيره متوحد ليس لأمره مرد ولا حكمه رد، وقيل: الملك من دار بحكمه الفلك وسبح بتقديسه الملك، وقال هو وابن العربي: قيل: المالك أعم من الملك لوجوده منها أنه يفيد حقيقة الملك، والملك لَا يقيده ويضاف إلى الخاص والعام، كمالك الدار، ومالك الأرض، والملك إنما يضاف إلى العام، وأنه ينطلق إلى تملك القليل والكثير، والملك خاص بالكثير تقول: مالك الأرض، ومالك الملوك، ولا تقول: مالك المليك، وقيل: الملك أعم وأبلغ ملك الطيور لجوارحها، كما تقول: ملك الآدميين، ولا تقول ملك الطيور، ولأن الملك يشعر بتعدد المملوكات، وأيضا مالك الأرض يطيع ملكها وهؤلاء يطيعه انتهى، وأما (الْقُدُّوسُ) فقال الفخر ابن الخطيب: القدوس [الطاهر*]، وقيل: للجنة [حظيرة*] القدس لطهارتها، [وجبريل*] روح القدس، وقول الملائكة: (نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ)، أي نطهر أنفسنا لك، والقدس: السطل الكبير، لأنه يتطهر به، ابن العربي: فظنه أولا وهو بمعنى المطهر لَا الطاهر، لأنه بمعنى من فعل متعد، والطاهر من فعل غير متعد، فهو مقدس نفسه أزلا [وأبدا*]، قيل: معناه البريء من المعائب، فيكون صفة نفي، وهو الذي له الكمال في وصف اختص به، وقيل: هو الذي لَا تحدده الأوهام ولا تصوره الأبصار، الغزالي: هو المنزه عن كل وصف يدركه حس، أو يصوره خيال أو يظنه الخلق كمالا، لأنهم نظروا إلى علمهم وقدرتهم وسمعهم وصفات كمالهم، فوصفوه بها وقدموه عن ضدها، مع أنه منزه عن صفات كمالهم، إذ هو أعلى من ذلك وأكمل، قال قلت: أقول أنه منزه عن العيوب والنقائص، إذ لَا يحسن أن يقال: ملك البلد ليس بحائك ولا حجام، فإن نفي الوجود يكاد يوهم الوجود، ابن العربي: مرتبة هذا القائل عظيمة ووهمه أعظم، بل نقدس الله عن كل عيب ونقص نسبه الكفار إليه، وقد نفى الله عن نفسه الشريك والولد والصاحبة، وكان ذلك غاية في التوحيد، وإنما ذاته دقيقة إنا لا ندري نحن بنفي وصفه عنه من الباطل، لم يقل به قائل ولا نسبه إليه مبطل انتهى، قلت: وفي البخاري في حديث الدجال وإن الله ليس بأعور، وأما كلام فقال ابن العربي: اتفقوا على أن معناه بالنسبة إلى ذو السلام، كامرأة فاسق وامرأة ضامر، واختلفوا في توجيهها، فقيل: السلام من العيب في ذاته، والنقص في صفاته، والظلم في أفعاله فهو بمعنى القدوس، وفرق ابن الخطيب بينهما باحتمال كون القدوس إشارة إلى تنزيهه من العيوب في المستقبل، وإلى تنزيهه عن صفات النفس، والسلام لتنزيهه عن أفعال النقص، وقيل: [ذو السلام*]، أي المسلم على عباده، قال تعالى (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ)، فهو صفة معنى كالعلم والقدرة، وهي صفات كمال، وقيل: سلم الخلق من ظلمه، الآمدي: أي أن السلامة به ومنه [فهو صفة فعل*]، وأما (المؤمن) قال الآمدي في إبكار الأفكار: قيل: الصدق لنفسه ورسله، إما بالقول فهو صفة كلامية، أو بخلق المعجزة فهو صفة فعلية، وقيل: معناه أنه يؤمن عباده من الفزع الأكبر، إما بأن يخلق لهم الطمأنينة من ذلك، فيرجع إلى صفة الفعل، وإما أن يخبرهم بالأمن من ذلك، ويرجع إلى صفة الكلام، وقيل: بمعناه أن الحقائق منكشفة له فيرجع إلى صفة العلم، وقيل: معناه أن القول قوله لَا خلاف عليه، فيرجع إلى صفة كلامية وسلبية، وقيل: معناه استحالة الزوال عليه فهو صفة سلبية، قال الغزالي: وإزالة الخوف لَا تعقل إلا إذا حصل الخوف، ولا خوف إلا عند إمكان العدم ولا مزيل [للعدم*] إلا الله تعالى، بيانه إنما يخاف [الأعمى] الهلاك من حيث إنه لم ير بعينيه ما يؤمنه من ذلك، [والأقطع*] يخاف [آفَةً لَا تنْدَفع*] إِلَّا بِالْيَدِ [فخالق*] الأعضاء كلها، [هو*] الذي أزال الخوف عن الإنسان بواسطة أعضائه، وأزال عنه ألم الجوع والعطش بخلقه الأغذية اللذيذة والأدوية النافعة والأعضاء والآلات الدافعة [عنه الآلام*] الدنيوية، كالفرق والخوف، ونصب له الدلائل، وقوى الفعل وهدى الخاطر إلى توحيده، وجعل ذلك حصنا من عذاب الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مخبرا عن الله تعالى: "لَا إله إلا الله حصني من دخل حصني أمن عذابي"، فثبت أنه لَا أمن في العالم إلا من الله تعالى، قال ابن الخطيب: وهذا حسن جيد، فإِن قيل: ولا خوف إلا من الله، قلنا: لَا منافاة بينهما كما أنه معز مذل انتهى، وأما (الْمُهَيمِنُ)، قال ابن الخطيب: قال أبو زيد البلخي: هذه لفظة غريبة لم تكن في ألفاظ العرب قبل نزول القرآن، وهي في اللغة السريانية مع مده في آخرها على عادتهم في الأسماء، يقال: [**لم يعمنا]، ويفسرونه بأنه المؤمن الصادق الإيمان، وقيل: إنها غريبة واختلفوا، معناها الشاهد على خلقه بما يصدر منهم من قول وفعل، قال: وما تكون في إشارة الآية فالمهيمن العالم بكل شيء، وقيل: هو المؤيمن، قلبت: الهمزة ياء لأنها أخف من الهمزة، كقولهم: هيهات وأيهات، فالمهيمن والمؤيمن، وقال الخليل: هو الترتيب الحافظ، وقال المبرد: الحذر المشفق تقول العرب للطائر إذا بسط جناحه يدب عن فرحة هيمن، وقال الحسن البصري: المهيمن المصدق، فالله تعالى مصدق لأنبيائه بكلامه أو بإظهار المعجزات على أيديهم، القول السادس، قال الغزالي: المهيمن اسم لموصوف بثلاثة أمور: العلم، والقدرة الثابتة على تحصيل مصالح الشيء، والمواطئة على تحصيل تلك المصالح، فالجامع هنه الصفات اسم المهيمن، وأما اسم (الْعَزِيزُ)، ففي اشتقاقه وجوه: الأول: أنه الذي لَا مثل له، الفخر: [**فيرجع إلى التنزيه]. الثاني: الغالب الذي لَا يغلب ومنه (وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ). الثالث: الشديد يقال: [... ] فيرجعان إلى صفات الذات، وهي القدرة. الرابع: أنه بمعنى المعز كالأليم بمعنى المؤلم، فهو [صفة فعل*]. الخامس: أنه عزيز عند [أوفيائه*]، أي لَا يؤثرون على طاعته شيئا، فهو فعيل بمعنى مفعول [كـ كف خضيب، ورجل فضيل*]. السادس: أنه بمعنى الإضافة أي عزيز عليه أولياءه، كما قال تعالى (أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ). السابع: العزيز الممتنع الذي لَا يدرك ولا ينال الأمدين، وقيل: هو الذي لا يخوف بالتهديد، وقيل: الذي لَا يحمد بحمد، الغزالي: العزيز الذي يقل وجوده وتشتد الحاجة ويضعف الوصول إليه، فكم من شيء يقل وجوده ولا يحتاج إليه فليس بعزيز، فمجموعها خاص بالله تعالى فلذلك سمي عزيزاً وتعقب عليه ابن العربي في كتاب الآمدي الأقصى تفسيره بشدة الحاجة، وقال: إنما يدل عليه لفظه باللزوم لا بالمطابقة في بعض الوجوه، وليس معنى الشيء كلما كان من لوازمه كلفظ البيت يفيد السقف والجدار، والسقف مطابقة، والبناء والنجار لزوما، وليس كل ممتنع يشتد إليه إنما يشتد للمعدوم نظره، ابن العربي: فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ)، فجعل العزة مربوبة، وهي من صفات الله تعالى، قال: أجاب عنه ابن فورك، فقال: ليس معناه تلك العزة التي هي صفته، وإنما معناه أنه عز عما يصفونه إنكارا على من وصفه من المشركين بالولد، أي سبحان ربك الذي عز عما يصفونه، ابن العربي: هذا لَا يتجه من السؤال، وإنما الجواب أن سائر الصفات قديمها ومحدثها كلها تضاف إلى الله تعالى والقديمة تضاف إليه تحقيقا ووصفا، والمحدثة تضاف تقديراً وخلقا وملكا، فالعلم له صفة وله خلق، والعزة كذلك أعطى منها العبد المحدث، فأما المتصف بالعزة القديمة الخالق المالك للمحدثة، قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا)، أي القديمة والمخلوقة المملوكة وأما (الجبار)، فقيل: العالي الذي لَا ينال، وقيل: المصلح للأمور، وقيل: من جبره على كذا، أي أكرم عليه، زاد ابن العربي: وقيل: إنه بمعنى المتكبر، قال: فإن قيل: فإِذا فسرتموه بأنه يجبر الخلق على مراده فأنتم تجبروه وأنتم قد نفيتم ذلك عن أنفسكم، فأجاب بوجهين: الأول: أنه يخلق في العباد ما يكرهون، وهم لَا يقدرون على دفعه كالحركات الضرورية ولا خلاف. الثاني: أنه إذا أراد شيئا كان، وإذا أراد العبد شيئا لَا يرده هو تعالى لم يكن يجبرهم على مراده، كما نهى آدم عليه السلام عن أكل الشجرة، وأراده فوافقه، قال ابن الخطيب: وسمعت أن الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني كان حاضرا في دار الصاحب إسماعيل بن عباد، فدخل القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني، وكان رئيس المعتزلة، فقال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، فقال الأستاذ: سبحان من لَا يجري في ملكه إلا ما يريد، فقال ابن الخطيب: فإن قيل: الجبروت في الخلق مذموم فلم يمدح الله به؟ فأجاب: بأن الخلق ناقصون مقهورون محجوبون تؤذيهم البقة، [وتشوشهم البعوضة، فلذلك كان مذموما في حقهم، وأما المتكبر، فقال ابن الخطيب: أحسن النَّاس فيه كلاما الشيخ الغزالي رحمه الله، قال: المتكبر هو الذي يرى الكل حقيرا، بالإضافة إلى ذاته، ولا يرى العظمة ولا الكبرياء إلا إلى نفسه، وينظر إلى غيره نظر المملوك إلى العبيد، فإن كانت صادقة كان المتكبر حقا، وإن كان صاحبها محقا في ذلك التكبر، فلا يتصور ذلك مطلقا إلا في حق الله تعالى، وإن كانت الرؤيا باطلة، ولم يكن ما يراه من التفرد بالعظمة؛ كما يراه كان المتكبر باطلا مذموما لحديث " [الْعَظَمَةُ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي جَهَنَّمَ*] "، فظهر أن المتكبر في حقه مدح وكمال، وفي حق غيره نقص، وقال مجاهد: التكبر من الكبرياء، بمعنى الملك، قال تعالى (وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ)، وقيل: هو بمعنى الكبير، قال تعالى (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ)، أي عظمنه، قال الزجاج: هو الذي يكبر عن ظلم عباده، قال الفخر: فإن قيل: المتكبر منفصل، وهو يفيد تكلف الفعل، يقال: فلان يتعظم وليس بعظيم يسخى وليس بسخي، فأجاب: بأن الأزهري، قال: التفعل قد يجيء لغير التكليف يقال: فلان يتظلم أي يظلم، ويتظلم أي يشكوا من الظلم، وهذه الكلمة من الأضداد، فقد يعني الظالم، وقد يعني الشديد من الظلم، وعبر عنه ابن العربي: بأن الفعل عبارة عن كونه على تلك الصفة، وهي في المخلوق حادث فكتب في الخالق النافية الاختصاص، فتكبر أي انفرد بالصفات العلى، وتكبر إذا اكتسب الكبرياء وتعاطاه، زاد الفخر جوابا آخر وهو أن المتفعل هو الذي يحاول إظهار الشيء ويبالغ فيه، فإن صدق كان ذلك الإظهار مدحا، وإن كذب فهو صفة ذم، وأما الخالق، فقال الفخر: هو على معنيين: إما المقدر وإما [الموجد*]، زاد ابن العربي: المعنى قال: وله معنى يستحيل هنا، وهو الكذب، الفخر: والتقدير تقدير الشيء على مقدار [معين*]، ولا بد فيه من صورة مؤثرة على [أن تتوقف*] على آلة مخصصة لذلك المقدار، وعلم بذلك القدر، فإن توقفت على آلة كتصوير أحدنا للخصم، فإِنه لَا يمكن بتحريك الأصابع، فتسمى تلك الحركة تقديرا أو تصويرا، قال: والعلم في حق القديم لَا يحتاج إلى فكرة ولا إلى نظر، قال: فإن فسرنا الخالق بالمقدِّر حسن الترتيب في الآية، لأن التقدير يرجع إلى العلم، فتقول: من قدر [من*] الفلاسفة من ظن أنه تعالى لَا يعلم الأشياء، وقصدوا علمه على ماهية معينة فلفظة الخالق يدل على علمه بحقائق الأشياء، ومنهم من سلم علوم علمه، لكنه يقول: الخيول قديمة والبارئ متصرف فيها، فقال البادي: زاد عليهم ليدل على إيجاده لها من عدم [محض*] لَا عن المادة، ومنهم من علمه وإيجاده لهذه الذوات، إلا أنه يقول صورة النبات والحيوان عن الطبيعة، والطبيعة هي التي تصور كل شيء على صورته الخاصة،

الحشر 59:24

[**فقر له] المصور [ردًّا*] على هؤلاء، فإِن فسره الخالق بالموجود المبدع، فيرجع إلى البارئ، فقيل: هو الموجد فيكونان مترادفين، وقال الأخفش: أصله القطع من بريت القلم إذا [فصلته*] فيرى الخلق أي فصل بعضهم من بعض، وصور كل واحدة على صورة خاصة، وقيل: مشتق من البرأ وهو التراب أي مبدعنا وموجدنا من تراب ومصورنا على صورة مخصوصة، قال الخطابي: واللفظ البرأ اختصاص بالحيوان، أن تقول برأ الله القسمة ولا تقول برأ الله السماء والأرض انتهى، قلت: ولبعضهم في عرض التجنيس إذا الترغيب، الزمخشري: الخالق المقدر لما يوجده، والبارئ ليميز بعضهم من بعض بالأشكال المختلفة والمصور الممثل، انتهى، أي عليها مماثلة الصور، بحيث إن الناظر إليها يظن أنها متماثلة وهي مختلفة. قوله تعالى: [(لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى... (٢٤) *] تقدم الكلام على الجملة، ذكر الخلاف في لفظة ذكر هل هي عبارة عن المسمى أو عن التسمية، ونقل الطيبي هنا حديثا عن مسند أحمد بن حنبل، والترمذي، قال: ""مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، ثُمَّ قَرَأَ الثَّلَاثَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْحَشْرِ، وَكَّلَ اللهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يُمْسِيَ، إِنْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مَاتَ شَهِيدًا،" انتهى. الظاهر أن أولها (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) إلى آخر السورة. * * *

الممتحنة 60:1

سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا﴾ ابن عطية: نزلت في غزوة الحديبية، وقال الزمخشري: يروى أن امرأة أتت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم [بالمدينة وهو يتجهز للفتح*] (١)، وهذا هو الصواب، لأن غزوة الحديبية لم ينقل أنها كانت فيها الكثرة من النَّاس، بحيث يحذر منهم حاطب بن أبي بلتعة بخلاف الفتح، وهنا ثلاثة أسئلة: الأول: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال لعمر: " [وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ*] "، فقبل عذره، ولم يقبل عذر الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في غزوة تبوك، مع أن فيهم من حضر بدرا؟ وجوابه: [أنه*] خاطبهم بالمفسدة وعافاه الله منها بإعلامه نبيه وإظهاره الكتاب قبل [وصوله*] إلى الكفار، والثلاثة المتخلفون وقع منهم التخلف [بالفعل*]، فالمراد بقوله: اعملوا ما شئتم، [الهمُّ*] بالمفسدة، [لا بقاؤها بالفعل*]، لأن قضية حاطب قضية [**في عين]، وليس فيها إلا الهم بالمفسدة، والمشهور عند الأصوليين في العام إذا ورد على سبب أنه [يقتصر*] على سببه. السؤال الثاني: كيف طلب عمر رضي الله عنه، أن يضرب عنقه بعد تصديق النبي ﷺ وعلى آله، لسارة: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. والخطاب بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)، تصديق له أيضا في أنه مؤمن، وجوابه: أنه توهم أن قتله حد وأدب لا أنه مرتد. الثالث: ذكر الزمخشري، قول رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسارة: أمسلمة جئت، قالت: لَا، قال: أمهاجرة جئت قالت: لَا، فيرد في هذا السؤال تقريره أنه يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط، والإسلام شرط في المعجزة، وقد سألها عنه أولا فنفته، فلم سألها ثانيا عن الهجرة؟ مع علمه بأنها غير مسلمة، فإِن أجيب: بأنه ليس المراد الهجرة الشرعية، بل لتحصيل حاجة، فإنها إنما خرجت لإلحاقها الفاقة، رد بأنه لو كان كذلك لما [أجابت*] بقولها: لَا، وهنا أيضا. سؤال رابع: وهو أن لفظ الآية منافٍ لسبب نزولها، وتقريره أن السبب يقتضي العتب، والخطاب في الآية بوصف الإيمان وعدم إفراد المنادى [ينافيه*]. قوله تعالى: (تُلْقُونَ). (١) النص في الكشاف هكذا: "روى أن مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هاشم يقال لها سارة أتت رسول الله ﷺ بالمدينة وهو يتجهز للفتح، فقال لها: أمسلمة جئت؟ قالت: لا. قال: أفمهاجرة جئت؟ قالت: لا. قال: فما جاء بك؟ قالت: كنتم الأهل والموالي والعشيرة، وقد ذهبت الموالي، تعنى: قتلوا يوم بدر، فاحتجت حاجة شديدة، فحث عليها بني عبد المطلب فكسوها وحملوها وزوّدوها، فأتاها حاطب بن أبي بلتعة وأعطاها عشرة دنانير وكساها بردا، واستحملها كتابا إلى أهل مكة نسخته: من حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، اعلموا أنّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يريدكم فخذوا حذركم، فخرجت سارة ونزل جبريل بالخبر، فبعث رسول الله ﷺ عليا وعمارا وعمر وطلحة والزبير والمقداد وأبا مرثد -وكانوا فرسانا- وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ، فإن بها ظعينة معها كتاب من حاطب إلى أهل مكة، فخذوه منها وخلوها، فإن أبت فاضربوا عنقها، فأدركوها فجحدت وحلفت، فهموا بالرجوع فقال على رضى الله عنه: والله ما كذبنا ولا كذب رسول الله، وسل سيفه، وقال: أخرجى الكتاب أو تضعي رأسك، فأخرجته من عقاص شعرها". اهـ

الممتحنة 60:2

الإلقاء أعم من الإيصال والحصول، فلا يلزم منه حصول المودة، كما وقع في هذه القصة. قوله تعالى: (تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ). ابن عطية: بدل من (تُلْقُونَ)، ويجوز أن [تكون*] في موضع خبر ابتداء، كأنه قال: أنتم تُسِرُّونَ، ويصح أن يكون فعلا مرسلا [ابتدئ*] به القول، والإلقاء بالمودة [معنى ما*] والإسرار بها معنى زائد على الإلقاء، فيترجح بهذا أن (تُسِرُّونَ) فعل [ابتدئ*] به القول، أي تفعلون ذلك وأنا أعلم، انتهى، أراد أنه أخص من الأول، لأن الإسرار إلقاء وزيادة، وجعله أبو حيان بدل اشتمال، وتقديره أن الإلقاء متناوله ومشتمل عليه باعتبار الصادقية، والثاني يشتمل على الأول باعتبار اللزوم ولا ضعف فيه، لأن بدل [الأخص من الأعم، إنما يراد به*] بدل بعض من كل. الزمخشري: [والباء في*] بالمودة إما زائدة مؤكدة [للتعدي*]، وإما ثابتة على أن مفعول (تلقون) محذوف، أي تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم بسبب المودة، ابن عطية: ألقيت يتعدى بحرف الجر، فدخول الباء وزوالها سواء ونظيره، قوله تعالى: (وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي)، انتهى، هذا كله إنما جاء من جعل المودة راجعة لموادتهم الكفار، ولنا أن نفهمه على أن المراد تسرون إليهم الحديث بسبب المودة بينكم وبين قرابتكم الذين معهم، لأن إسرارهم بسبب [مودتهم*] لم تقع؛ لأن حاطبا لم تحصل منه مودة. قوله تعالى: (سَوَاءَ السَّبِيلِ). أبو حيان: مفعول به أو ظرف انتهى، يرد كونه ظرفا بأن لَا يحسن أن يقال: [ضل*] في سواء السبيل، لأنه ظرف للرشاد لَا للضلال [ففيه*] تناقض، فإن قلت: سواء السبيل مشتمل على [طرف*] ضل في بعضها، واهتدى في البعض، لأنه مؤمن، قلت: طريق الحق واحدة، والضلال في بعضها مرتد إذا تعمد ذلك بعد هذه الآية، أو يقال: سواء السبيل هو وسط السبيل، فقد يضل عن الوسط، ويبقى في [طرفها*] فهو بهذا المعنى [طرف*]. قوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ﴾ فيه سؤال، وهو المرتب جوابا للشرط متأخر عنه، [وكونه*] أخذلهم ثابت سواء قاتلوهم وثقفوهم أم لَا، فكيف يصح ترتيبه عليه؟ والجواب من وجهين: متأخر عنه الأول أن المتقدم على الشرط كونهم أعداء فقط، والمتأخر عنه لمجموع عداوتهم

الممتحنة 60:3

وبسطهم ألسنتهم بالسوء، والشيء في نفسه ليس كموقع غيره، فإن قلت: قد تقرر في علم المنطق أن الشرطية المتصلة تتحد بعد تاليها بالسؤال، [فإن قلت*]: ذلك باعتبار [**الأمثل]، وأما هنا فالمعتبر المجموع الثاني أن المتأخر استصحاب عداوتهم أو شدتها وبسط الأيدي في بعض النَّاس أشد من بسط الألسن، وفي بعضهم على العكس. قوله تعالى: (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ). إن كان استئنافا [فظاهر*]، وإن كان معطوفا، فكيف جاء ماضيا والأول مستقبل؟ والجواب: أنه ماضٍ لفظا ومعنى، وقد ذكره، لكن إنما يصح حيث يكون فعل الشرط لفظا ومعنى، وأجاب الزمخشري: بأن تلك المودة ثابتة قبل. قوله تعالى: ﴿أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ إن قلت: لم قدم الأرحام وهي أعم، وقد تقرر أن نفي الأعم أحسن من نفي الأخص، فهلا اكتفى بذكر الأرحام عن ذكر الأولاد؛ لأن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص؟ فالجواب: أنه ذكر الأولاد خشية احتمال صورة التخصيص، لأنه قد يخصص ذلك العام بالأولاد، فإِن قلت: هلا ذكرت الأولاد قبل الأرحام؟ فيكون العطف تأسيسا، وأما هنا فنفي الأعم [أخص*] من نفي الأخص، قلت: قد تقرر في [علم*] المنطق في [العُكُوسات أن هذا] من باب استلزام الأعم [أمرا*] لعدم استلزام الأخص له، ورد الحديث: " ["إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ*] "، فإن كان (لن [تنفعكم) *] جواب (لو)، فظاهر لأنهم إذا كفروا لَا ينفعهم شيء من ذلك، وإن كان استئنافا؛ فيكون المراد نفي المنفعة عن الرحم، بما هو رحم، وعن الولد بما هو ولد، ومنفعة الولد الصالح لَا لمجرد كونه ولدا، بل بوصف الإيمان الخاص. قوله تعالى: (يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ). قال أبو حيان: لَا يصح أن يكون الظرف مقاما لأنه منصوب، ونقل في سورة الأنعام في قوله تعالى: (لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ)، عن الأخفش: أنه أجاز إقامته، وعلى أنه مقام هنا يرفع لإضافته إلى المبنى، ونقل السهيلي صحة إقامته، وإن كان غيره منصرف. قوله تعالى: ﴿فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ خصه بالذكر إما لأنه أول ما ابتدأ هذه المقالة، وإما لأن جميع الملل آمنوا ووافقوا عليه، ابن عطية: اختلفوا في الذين معه، فقيل: أراد من آمن به من النَّاس، وقال الطبري وغيره: أراد الأنبياء الذين كانوا في عصره وقريبا من عصره، وهذا القول أرجح التأويل، لأنه لم يروا أن إبراهيم كان له أتباع مؤمنون في مكافحتهم نمرود، وفي البخاري أنه قال لسارة حين رحل بها إلى الشام مهاجرا إلى بلاد النمرود: [لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ*]، قيل: لعل المراد من آمن به بعد ذلك، قيل: الأصل استصحاب الحال، وأنه لم يكن معه أحد قبل الأنبياء كانوا في زمانه مثل نوح ولوط، فصدق أنهم معه على دينه لأنهم قوم، ويحتمل أن المراد [بالمعية*] [المشاركة*] في الإيمان لَا في الزمان، قيل: من اتبعه وأتى بعده من الأنبياء [وقومهم معه*]. قوله تعالى: (وَمِمَّا تَعْبُدُونَ). كالتأكيد لما قبله، لأنهم إنما تبرءوا منهم لأجل عبادتهم غير الله، فإِذا تبرءوا منهم لأجل [شركهم*]؛ فأحرى أن يتبرءوا من معبودهم الذي أشركوه مع الله تعالى. قوله تعالى: (وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ). العداوة هي الانقطاع، وتكون بين المتحابين وبين المتباغضين، فقد تنقطع الوصلة بين المتحابين بالسفر ونحوه، وقد تنقطع وينشأ عنها [التباغض*] وقد لَا ينشأ، والبغضاء هي الكراهية القلبية [سواء كانت مع المواصلة*] أو مع الانقطاع، فقد تكره الشخص وأنت تواصله في الظاهر، فإِن قلت: إذا كانت البغضاء من الأمر القلبي، فكيف وصفها بالظهور؟ فقال: (وبدا بيننا وبينكم)، فالجواب: بما قال ابن التلمساني في الأمور القلبية: أنها قد تعرف بأمارات تظهر دليلا عليها كحمرة الخجل [وصفرته*]. قوله تعالى: (إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ). مستثنى العداوة والبغضاء. قوله تعالى: (عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا). تقديم المجرور للتشريف، والاعتناء للاختصاص، لأنه مستفاد من مادة التوكل، وقال صاحب لحن العوام: من لحنهم: قولهم: توكلت عليك وعلى الله، وإنما يقال: توكلت على الله ثم عليك، قال شيخنا: الصواب أنه لَا يطلق التوكل على المخلوق بوجه، والإنابة هي اعتقاد التوحيد والإيمان بالقلب والتوكل متأخر عن ذلك، لأنه إنما يكون بعد النظر في الحوادث، وفي الأمور الدنيوية بخلاف الإنابة، لأنها متقدمة و [الْمَصِيرُ*] المرجع متأخر عن الجميع، فهلا قدمت النيابة ووسط التوكل؟ والجواب: أن المراد [بالإنانة*] الانتقال من مقام إلى مقام، إن قلت: إنه من كلام إبراهيم عليه السلام، وإن قلنا: إنه من كلامنا بمعنى [نقول*] (رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا)، فإِن قلت: المراد بالإنابة

الممتحنة 60:5

التوبة من [**الفروع]، قلت: التوبة مذكورة في علم أصول الدين، وليس لها في كتب الفقهاء ذكر، وإن تكلموا في متعلقها بأن التوبة أمر اعتقادي قلبي. قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً﴾ فسره ابن عطية: بمتعلقين إما بأن [تغلبهم علينا*]، [فتكون لهم فتنة وسبب ضلالة*]، لأنهم يتمسكون بكفرهم، ويقولون: إنما غلبناهم لأنا على الحق وهم على الباطل، أو [لا تسلطهم*] علينا فيفتنوننا فكأنه قال: لَا تجعلنا مفتونين، انتهى، على الأول: يكون الدعاء راجع للكفار بالذات ولنا باللزوم، وعلى الثاني: هو دعاء لنا بالذات، ويتناول الكفار باللزوم. قوله تعالى: (وَاغْفِرْ لَنَا). الأول: دعاء بأمر راجع للدارين، والثاني: خاص بالآخرة، وعقبه بـ (الْعَزِيزُ)، لأنه مناسب لذكر الفتنة. قوله تعالى: ﴿لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ﴾ بدل اشتمال من (لكم)، وإلا لزم أن يكون [بدل*] كل من بعض، لأن الذين يرجون الله واليوم الآخر أعم من ضمير (لكم). قوله تعالى: (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). وفي سورة الحديد (فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)، وقرئ بإسقاط (هو)، فإِن قلت: الصيغ متواترة، وقد ورد النهي عن الاختلاف في القرآن بالزيادة والنقص؟ قلت: إنما ذلك حيث لم يرد ذلك اللفظ في مثل ذلك في غير الحديد سقطا وفي مثله من غيرها زائد، فليس من ذلك المعنى، وانظر ما تقدم في سورة الحديد. قوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ الحكم على موصوف لصفة على ثلاثة أقسام: فتارة يجب في ذلك الحكم مراعاة تلك الصفة، وتارة يستحب، وتارة يحرم، والآية من القسم الآخر، لأن جعل المودة بين المؤمنين والكافرين لأجل عداوتهم حرام، إنما المودة لأجل القرابة وكونها لأجل العداوة لَا تصدر إلا من منافق. قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي﴾ قال عياض في المدارك لما عرف بإسماعيل القاضي، قال: حكى الدارقطني عنه أنه دخل عنده عبدون بن صاعد الوزير، وكان نصرانيا، فقام له ورحب به فرأى إنكار

الممتحنة 60:10

الشهود لذلك، قال: قد علمت إنكاركم، وقال تعالى (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ) الآية، وهذا يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكت المعتضد عن ذلك. قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ). إن قلت: هلا قال: إن الله يحب البارين، فيكون راجعا للمعطوف عليه، وهو الأصل؟ فالجواب: أن تعليق الحكم على الأعم أبلغ، لأن المقسط أعم من البار، فإِن ثبت أنه محبوب فأحرى البار. قوله تعالى: (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ). يدل على نفي مفهوم المخالفة، لأن هذا مفهوم ما قبله. قوله تعالى: (وَأَخْرَجُوكُم مِنْ). عطف الصفات والواو بمعنى أو، لأنه إذا جعل من عطف الموضوعات، والواو على بابها يلزم عليه حذف الموصول والفاصلة، وهو غير جائز، واختلف الأصوليون في [لا تفعل*]، هل هي للتحريم أو للكراهة، وكذلك ذكر الفقهاء في لفظها، والآية حجة لمن يقول إن ذلك لَا يدل على التحريم، ولولا ذلك لما كان لقوله (فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فائدة، والمراد بالظلم هنا الشرك، لأن موالاتهم للكفار من حيث اتفاقهم بقتالهم إياهم في الدين، دليل على ردتهم وشركهم، ويحتمل أن تكون الموالاة لَا من هذه الحقيقة، ويكون المراد بالظلم المعاصي والمخالفة في الفروع لَا في الاعتقاد، لاقتضاء الآية الحصر لاسم الإشارة والمضمر وتعريف الخبر، فالمراد أن ليس بظالم، فإِذا [حملناه*] على المعاصي بالإطلاق صدق اختصاصهم بالظلم، وإذا [حملناه*] على الشرك لم يصح الحصر والعطف ترق، لأن المقاتلة أشد من الإخراج من الدار، وعطف الأشد على الأخف في باب النهي والنفي ترق، لأن نفي الأخص لَا يستلزم نفي الأعم. قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ أي النساء المدعيات الإيمان فهن مؤمنات باعتبار الدعوى، فاختبروا صحة دعواهم بإحلافهم على ذلك. قوله (مُهَاجِرَاتٍ)، حال، فإن قلت: الإيمان شرط في الهجرة، فيلزم مقارنة الشرط للمشروط، لأن الحال مقارنة لصاحبها، قلت: هي حال مقدرة. قوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ). احتراس وإشارة إلى أن التحليف في الامتحان، وأنه ليس المطلوب منكم غاية الامتحان [لتصلوا*] إلى العلم بذلك، بل المراد مطلق الامتحان ليحصل لكم الظن القوي. قوله تعالى: (بِإِيمَانِهِنَّ). وأما العلم فخاص بالله عز وجل، وهو منا بمعنى الظن. قوله (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، إن قلت: يلزم من عدم حليتهن لهم عكسه، فما [سر*] التصريح بالعكس؟ فالجواب: أنه لو لم يصرح بالعكس لفهم صدر الآية، أنه يجري مجرى الضرورة المثالية، [**وأنها لَا تعكس كيفها كما دلتها فتنعكس مثلا إلى الدائمة]، فتبين أنها تنعكس في الجهة ضرورة، وكان الشيخ أبو العباس ابن إدريس يقول: يؤخذ [من*] قوله (وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وإلا لم يكن لذكره بعد قوله (لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ)، فائدة لأنه يغني عنه. قوله تعالى: (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ). أي إذا ارتدت منكم امرأة، وهربت إلى الكفار، فاطلبوا من الكفار أن يدفعوا لزوجها مهرها. قوله (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا)، إذا ارتدت من الكفار امرأة إليكم، فادفعوا أنتم لزوجها مهرها، والأمر بسؤال الكفار من المؤمنين نفقة إذ راجعهم ظاهر، لأنه جزاء لسببه، وتقدم ذكره في الآية لقوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ)، وأما أمرنا نحن بأن [نطلب*] الكفار صفة من هربت منا إليهم، فلم يجر له سبب، لكنه ذكر باللزوم فحقه أن [يكون*] مؤخراً، فيقال (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا) أو (وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ)، لكن إنما قدم لأنه أهم، إذ هو راجع للمؤمنين في أخذهم [مهر من جاءتهم*]، والأخذ راجع لانتفاء الكفار لاسيما، إن قلنا: إنهم مخاطبون بفروع الشريعة، وهذا الأمر ليس للوجوب لأنه بلفظ السؤال، فدل على ضعفه، وهو للإباحة أو الندب، فإن قلت: يؤخذ من الإباحة عدم المتابعة في الذنوب، لأن غاية السؤالين قبض المسئول، قلت: لَا يلزم من السؤال حصول القبض هنا، الذي هو مناف للمقاصد، ولما عرف عياض في المدارك بأبي محمد عبد الله بن السماك قال: قال الداوودي: كان ابن السماك إذا سئل عن غيره، هل يقول هو مؤمن عند الله أو يسكت، فقال: يقول: هو مؤمن عند الله، ووافقه جماعة من القرويين، وخالفه ابن أبي زيد، وأكثر علماء القيروان، وقالوا: إنما يقال:

الممتحنة 60:11

إن كانت سريرتك مثل علانيتك فأنت مؤمن عند الله، ووقع بينهم بهذا مهاجر وتقاطع، فقلنا لابن التبان: كيف تقطع على غيبه فقال: فإِن كانت سريرته مثل علانيته كان كذلك يقال هو مؤمن من في حكم الله في مثل قوله (فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، فقال لي أبو محمد: ليس هذا أراد [فقلت*] كذلك، يقول: [ولما*] عرف بأبي الحسن علي بن محمد الدباغ، قال: سئل عنها، فقال: إذا وقفنا بين يدي الله تعالى لم نسأل [هل*] نحن مؤمنون عنده ولا عندكم؛ فأعيد عليه [الكلام*]، هل تقطع كغيرك بالإيمان عند الله، فقال: لَا إلا أني أقول له: إن كان ظاهرك وباطنك واحد، وكان ينهي عن الكلام فيها، ويقول: ما لنا ولشيء إذا أصبنا فيه لم نؤجر، وإن أخطأنا أثمنا، ويقول لأبي حسن الزيات: ذهبنا إلى العراق وأتينا بهذه البدعة، وهو الذي جاء بها وألقاها بالقيروان، قوله (يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ)، أتى به مستقبلا مع أن الحكم ماض، باعتبار ظهور متعلقين. قوله (وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ... (١١).. ، فإِن قلت: هذا تكرار؛ لأنه مستفاد من الأول؟ فالجواب: أن هذا أمر للمؤمنين بأن يدفعوا لبعضهم مهر زوجته الذاهبة، والأول أمر للمؤمنين بأن يدفعوا للكافرين مهر زوجته الذاهبة عنه، أو أمر للكفار أن يدفعوا للمؤمنين مهر زوجته الذاهبة، أي [وآتوا*] (الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ). قوله (الَّذِينَ آمَنُوا)، أنتم مصدقون [بوعدكم*] ووعيدهم، والذي عليه المفسرون [في*] الآية، أنه يدفع من الغنيمة للزوجة الذاهبة، [وزوجته المشركة*] مثل ما أنفق، وهذا التفسير إن كان إجماعا أو تفسيرا من النبي صلى الله عليه وسلم، فلا كلام وإلا فظاهرها أن المراد أن الذي فاتته زوجته إلى الكفار [فعاقبتموهم*]، أي أخذتم نساءهم فأعطوهم ما أنفقوا، ولا تكونوا [... ] (وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا)، فإِن ذلك قام للمعاقب وغيره، وبالجملة، فأحكام الآية منسوخة. قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ... (١٢).. ، اختلف المحدثون إذا ورد في الحديث، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل يصح للراوي أن يبدله؟ قال: الشيء أو العكس، على ثلاثة أقوال: الجواز، والمنع، وجواز تبديل النبي بالرسول دون العكس، فإن قلت: هلا قيل: يا أيها الرسول [فهو*] أخص، وكل ما ثبت للأخص لا ينعكس، قلت: تعليق الحكم على الأعم أعم من تعليقه على الأخص، لأنه ينتج الحكم للأخص من باب أحرى، فإذا بايعوه على الإيمان وفروعه مع استحضار كونه نبيا، فأحرى أن يبايعوه عليه مع استحضارهم كونه رسولا من الله؛ خلاف العكس،

الممتحنة 60:13

وقوله (الْمُؤْمِنَاتُ)، إن أريد مطلق التصديق، فيكون حقيقة، وإن أريد التصديق لكل ما جاء به، فيكون من تشبيته الشيء بها يؤول إليه لَا ينفي أنه لَا يعلم إيمانهن بذلك إلا بعد [إقرارهن*] بعدم الإشراك والسرقة والزنا، وقدم الإشراك؛ لأن [حفظ*] الأديان آكد، ويبقى النظر بين الأموال والزنا، فقد يقال اجتناب الزنا آكد، بأن حفظ الأنساب آكد من حفظ [الأموال*]، لكن يجاب عنه بما أجابوا عن قوله في المدونة في الكتابي إذا سرق أنه يقطع، وإن زنى لم يحد مع أن العكس كان يكون أولى، فأجابوا: [بأن*] السرقة راجعة إلى التظالم بينهم والفساد، فيحكم بينهم فيها وفيما هو [حق آدمي*] وحق الله، والزنا مجرد حق الله فقط، فيحكم فيه [بشرعهم*] [ولا حق*] في الزنا للآدمي، لأن غالب الأمر في المزني بها أن تكون طائعة، وإن كانت مكرهة فلا نسميه زنا، وهو المراد هنا أعني الزنا طوعا، [وأخَّر*] قتل الأولاد عن الزنا مع أن حفظ النفوس آكد، لأن قتل الأولاد [قليل*] فيهم بالنسبة إلى الزنا، إذ غالب الأمر في الأمهات الرأفة والحنان على أولادهم، فالعطف في الآية [بيان*]، قوله (وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ)، عبر فيه بالإثم، ولم يقل: ولا يأتين بسرقة ولا بزنا؛ إشارة إلى السبب الذي ذكر المفسرون في ذلك من [اختلاق*] الأولاد وجلبهم. قوله (فِي مَعْرُوفٍ)، إن قلت: ما أفاد، مع أن [أمر*] النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم معروف لَا منكر فيه؟ قلت: صدق التعميم الامتثال في أوامره كلها واجبها وندبها، [ولو لم*] يقل في معروف لأوهم أنهم لَا يعصونه في الأمر الواجب، لاسيما على ما قال الفخر، والأكثرون مع أن لفظ العصيان خاص بمخالفة الواجب، والقصد في الآية [مدحه*] في عدم مخالفته في الواجب والمندوب، وأجاب الزمخشري: على أنه تنبيه على أن [مطلق الطاعة منها معروف، ومنها منكر، وأوامر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دل الدليل على أنها كلها معروف*] (١). قوله تعالى: ﴿لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا﴾ وقال في أول السورة (لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ)؟ والجواب: أن هذا في عموم المؤمنين بالنسبة إلى المشركين، وتلك في قضية حاطب فيقيد في هذا النهي عن مطلق الموالاة، وفي تلك النهي عن اختصاصها، لأنا إن قلنا: إنها نزلت في اليهود من جهة أنهم كانوا يوالونهم بعض موالاة، فهو أتم حكما، فلم يقع [في*] أخص الموالاة، بل أعمها، وأما أخصها فمعلوم من المخاطب عدم الاتصاف به حيث ما شهد له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بحضوره بدرا، أو أنه مغفور له، فإن قلت: كيف ينهى عن مطلق الموالاة، وقال تعالى (إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ (١) النص في الكشاف هكذا: "نبه بذلك على أنّ طاعة المخلوق في معصية الخالق جديرة بغاية التوقي والاجتناب". اهـ. قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ)، أن تبروهم؟ قلت: المراد بذلك المسالمة والمشاركة لَا الموالاة، فإِن قلت: المراد بالإقساط الإعطاء، وقيل: المعروف [بالنفل*]، وقد ذكر عياض في المدارك أن القاضي إسماعيل قال لنصراني واحتج بالآية، قلت: لَا حجة في ذلك. قوله تعالى: (غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِم). إما راجع إلى صفة الإرادة، أي إرادة تعذيبهم، أو لصفة [**القتل]، أي عذبهم في الدنيا بالذل والرعب والقتل بأيديهم، لأن تعذيبهم بالآخرة [لم*] يكن واقعا حينئذ. قوله تعالى: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ). إن أريد المشركين، فهم يئسوا من [وقوعها*] حقيقة، وإن أريد اليهود فلم ييئسوا من [نعيمها*]، فإن قلت: كيف وهم يزعمون أن نعيمها خاص بهم؟ قلت؛ كفرهم عناد [وإسناد اليأس إليهم مجاز*]، فإذا أريد اليهود، فيكون التشبيه بالكفار حقيقة، وإن أريد العموم، فالتشبيه باعتبار اختلاف الصفة والحال، كقولك: هذا بُسْرا أطيب منه رطبا، أي يئسوا من أصحاب القبور أن يرجعوا إلى الدنيا أو ينعموا بالجنة. * * *

الصف 61:1

سُورَةُ الصَّفِّ ابن عطية: مكية، وقيل: بعضها مكي وبعضها مدني، الزمخشري: مكية ولم يحكي خلافا، ثم لما ذكر سبب نزول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ)، قال: إن المؤمنين قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى [لعملناه*] ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله على الجهاد، [فولوا يوم أحد فعيرهم*]، [وقيل*] لما أخبر الله تعالى بثواب شهداء بدر، [قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا*] (١)، بقولهم، فنزلت الآية فظاهر هذا أن بعضها مدني، لأن غزوة بدر وأُحد إنما كانت بعد الهجرة، فإن قلت: لَا يبعد أن تكون الآية نزلت عتابا لهم فيما سيقع منهم لَا ما وقع، قلت: قد قال الزمخشري: سبب نزولها عدم وفائهم بقولهم فهذا هو التناقض. قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ السبب القوي أدل على وجود السبب من السبب الذي لَا يساويه في تلك القوة، فإذا كان الناظر إلى السماوات والأرض يسبح الله، فأحرى الناظر لنفس السماوات والأرض، ويستفاد هذا أيضا من دلالة تركيب النصوص لقوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبَحُ بِحَمْدِهِ). قوله تعالى: (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). يجري مجرى العلة، ابن عطية: (الْعَزِيزُ) في سلطانه وقدرته (الحكيم) في أفعاله وتدبيره، المقترح في الأسرار العقلية، الحكمة راجعة للعلم بمعنى وضعه الأشياء في محلها، وإن قلت: المراد بها الانتقال يشتمل صفة العلم والإرادة، الآمدي في إبكار الأفكار: قيل: معناه الحاكم، وقيل: العليم فهو صفة علمية، وقيل: المتقن للأشياء فهي صفة فعلية، والحاكم الفاصل بالقول والأخبار أو بالقضاء والقدرة، وقيل: الحاكم المانع فالأول: صفة كلامية، والثاني: راجع للقدرة والإرادة. قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ حضهم على أمر مركب من القول وعدم الفعل، والمركب [... ] بأحد جزئيه، فهل المراد نفي القول أو نفي الفعل؟ فتوبيخهم على قولهم ما لَا يفعلونه، هل معناه قولوا لنا [لم لَا تفعلونه*]، أو أن الصواب أن لَا يقولوا [آمنا لما لَا يفعلونه*]، والظاهر الأول، لأن الثاني ينتفي فيه مصلحة القول، وكان بعضهم يورد في الآية سؤالا، تقريره أن ما لا [يلزمه*] فعل شيء فلم يفعله، إنما يعاقب على عدم الفعل لَا على التزام ما لَا يوف به، (١) النص في الكشاف هكذا: "روى أنّ المؤمنين قالوا قبل أن يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لعملناه ولبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، فدلهم الله تعالى على الجهاد في سبيله، فولوا يوم أحد فعيرهم. وقيل: لما أخبر الله بثواب شهداء بدر قالوا: لئن لقينا قتالا لنفرغن فيه وسعنا، ففروا يوم أحد ولم يفوا. وقيل: كان الرجل يقول: قتلت ولم يقتل، وطعنت ولم يطعن، وضربت ولم يضرب، وصبرت ولم يصبر. وقيل: كان قد أذى المسلمين رجل ونكى فيهم، فقتله صهيب وانتحل قتله آخر، فقال عمر لصهيب: أخبر النبي عليه السلام أنك قتلته، فقال: إنما قتله لله ولرسوله، فقال عمر: يا رسول الله قتله صهيب، قال: كذلك يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فنزلت «١» في المنتحل. وعن الحسن: نزلت في المنافقين. ونداؤهم بالإيمان: تهكم بهم وبإيمانهم". اهـ.

الصف 61:4

[وكأنَّ*] الجاري على هذا المعنى أن يقول: لم لم تفعلوا [ما تقولون*]؛ لأنهم قالوا نفعل ونفعل، والجواب من وجهين: أحدهما: أن العتب على القول يستلزم العتب على الفعل، لأن القول سبب في الفعل، فإِذا عتب على السبب استلزم العتب على المسبب، ومن هذا المعنى مسألة العريش في أكرية الرواحل من المدونة وهي من اكترى دابة ليحمل عليها، من مصر إلى فلسطين [فَانْكَسَرَ الدُّهْنُ*] منها فعثرت بالعريش [وَقِيمَتُهُ هُنَاكَ بِالْعَرِيشِ ضِعْفُ قِيمَتَهُ بِالْفُسْطَاطِ كَيْفَ يُضَمِّنُهُ؟ قَالَ: قِيمَتُهُ بِالْعَرِيشِ*]، وقال غيره: يغرم قيمته بمصر، لأنه منها تعدى. الجواب الثاني: أن الخطاب فيه رفق بالمؤمنين، وذلك أن الفعل أخص من القول، ولازم الأخص غير لازم الأعم، فلا يلزم من العتب على [الفعل*] العتب على القول. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ﴾ ابن عطية: المحبة هنا صفة فعل، ولا ترجع للإرادة؛ إذ لَا يصح أن يقع ما يخالفها، ونحن نجد المقاتلين على غير هذه الصفة كثيرا انتهى، العكس كان أولى، لأن صفة الفعل ظاهرة فلو كان المراد به أنه ينصر الذين يقاتلون في سبيله، للزم الخلف في الخبر، لأنا وجدنا بعض النَّاس يقاتل ولا ينصر بخلاف الإرادة، [فإنا*] لَا نطلع عليها ولا نعلمها، فيمكن أن يكون المقاتل مرادا أولا، فإن قلت: إنما مراد ابن عطية أن الإرادة يلزم وقوع متعلقها، فلو كان المعنى أنه إفراد القتال في سبيله للزم عليه الخلف في الجنة، لأن بعض النَّاس لم يقاتل في سبيله بل أكثرهم، قلت: فرق بين القتال وبين إرادته وبين الذين يقاتلون، فجاء معنى الآية إنما أراد من قاتل في سبيل الله فهو مراد الله ومحبوب له كقوله تعالى: (فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، أي أراد ثوابه، وفي كلام ابن عطية نظر من وجه آخر أيضا، لأنه قال: أكثر النَّاس يقاتل ولا ينتصر، ثم قال: المراد يقاتلون القتال بالجد والعزيمة، فكل النَّاس أو أكثرهم إذا قاتل بجد وعزيمة ينتصر، وأما قتال المنافقين فليس في سبيل الله. قوله تعالى: (بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ). التشبيه بالثبات وعدم الفرار؛ كثبوت البناء، وحمله المفسرين على أن معناه أن يكونوا متراصين كتراص البنيان، وهذا لَا يتصور في [**الحرمات]. قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فإن قلت: لم قال موسى: (يَا قَوْمِ)، وقال عيسى: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ)؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن موسى عبر بالقوم تنبيها على قبح ما فعلوه، لأن قوم الإنسان من حزبه وأشياعه، فحقهم أن ينصروه ويوالوه، ففعلوا ضد ذلك فآذوه بخلاف قوم عيسى، فإِنهم لم يفعلوا به ذلك. الثاني: أجاب الزمخشري: وهو أن عيسى لَا ولاء له في بني إسرائيل بخلاف موسى، فإِن قلت: قد تقرر أن الولاء يرجع لموالي الأم في أربع مسائل هذه منها؟ قلت: لم [ينسب*] هنا إلى الموالي بل إلى قومه، وقد يقال: إن عيسى إنما ينسب إلى أمه، كما في كثير من الآيات، وكانت أمه منهم أي من قومه. قوله تعالى: (إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ). الأقرب أنه خبر لَا إنشاء، بدليل التصديق والتكذيب، والتأكيد بـ (إِنّ). (مُصَدِّقًا) [حال*] مؤكدة، فإِن قلت: لعلها مبينة، لأن كونه رسولا أعم من أن يثبت التوراة، أو ينسخ حكمها، قلت: هذا لَا يقدح في التصديق، لأن النسخ ليس بتكذيب للمنسوخ، بل هو مصدق له، لكنه واقع لدوام حكمه؛ لأن من لوازم النسخ تصديق المنسوخ. قوله تعالى: (لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ). المراد الماضي أو الحال بخلاف قوله تعالى: (مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا)، فإنه هنا للاستقبال. قوله تعالى: (وَمُبَشِرًا). البشارة هي الإخبار بالأمر الملائم، وهذا ملائم لقوله تعالى: (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ). قوله تعالى: (اسْمُهُ أَحْمَدُ). السهيلي في كتاب الإخبار والإعلام: لما قال (اسْمُهُ أَحْمَدُ)؟ [مع أن*] الأشهر في أسمائه محمد، والقاعدة في التعبير مدح الشيء أو البشارة به أن يعبر عنه بأشهر أسمائه لا بالخفي منها؟ فأجاب بوجهين: أحدهما: أن هذا الاسم خاص لم يسم به أحد قبله بخلاف محمد، [وغيره]. الثاني: أن أحمد مأخوذ من [اسم*] الفاعل من حمد يحمد فهو حامد، ومحمد مأخوذ من اسم المفعول، لأنه من حمد محمد فهو محمود، فحمد متأخر عن الحمد، لأنه إنما يحمد جزاء عن حمده انتهى، ويجاب أيضا: بأن محمدا هو اسمه في ثاني أزمنته وجوده حين سمي، وأحمد اسمه الشرعي، وهو المتقدم في الوجود، لأن الله تعالى

الصف 61:7

سماه به، وأما محمد فأخبر الله تعالى عنه أنه سيولد ولد يسميه أبواه محمد، فهو مؤخر. وذكر عياض في الشفاء قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أنا محمد وأحمد وأنا الماحي وأنا الحاشر"، قال المازري: في التعليق الذي له على الجوزق: وإن اسمه في التوراة بحرف القاف والكاف، وتفسيره بالعبرانية محمد معلوم في التوراة، ابن عطية: والاسم هنا غير المسمى، [وليست على حد قولك جاءنا أحمد لأنك هاهنا أوقعت الاسم على مسماه، وفي الآية إنما أراد: اسمه هذه الكلمة*]؛ كما يفرق بين جاءني زيد، وبين هذا اسمه زيد. قوله تعالى: (هَذَا سِحْرٌ). الإشارة لما جاءهم به صلى الله عليه وآله في ذاته، أي هذا ساحر كقولك رجل عدل، ويؤيده من قرأها ذا ساحر مبين، أي لَا يحتاج إلى إقامة الدليل على كونه ساحر، وقال عياض في الشفاء في الباب الثالث من القسم الأول من فضل أسمائه، وما تضمنه في فضيلته صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ومن أسمائه في الكتب المتوكل والمختار ومقيم السنة، والمقدس، وروح الحق، وهو معنى الفارقليط في الإنجيل، وقال ثعلب: الفارقليط يفرق بين الحق والباطل. قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى﴾ مذهب الأكثرية القائلين بعموم إطلاق الكذب على العمد والسهو، [ظاهر*] لأن الكذب المفترى هو العمد وغير المفترى هو السهو، وأما على مذهب الجاحظ القائل بأن لفظ الكذب الخاص بالعمد، فيكون افترى الكذب هو المشاهدة في وجه المكذوب عليه، أو الكذب في الأمر الواضح الجلي المعلوم بطلانه بالضرورة، ومعنى الآية ليس في النَّاس أظلم ممن كذب على الله، لأن الكاذب على الله هو أظلم النَّاس [ولا*] يعارض قوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا)، فالجمع بين الآيتين ينتج تساويهما في الظلم، فالنفي بإرادة الاستفهام راجع لكونه لَا أظلم منه لَا أنه أظلم النَّاس؛ بخلاف قوله تعالى: (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا)، لأنه ليس المراد هنا أنه لَا أصدق منه، لئلا يلزم عليه احتمال كون غيره مساويا له في الصدق، بل المراد أنه أصدق من غيره حديثا، فليس في الوجود من يساويه في الصدق، بل الكل دونه، ويمكن الجمع أيضا بأن تلك يختص التفاوت فيها والشدة باعتبار نوعها، مثاله في هذه، الكذب في نوعه ظلم، وأشده الكذب على الله والرسول، وكذلك غيرها من الآيات التفاوت فيها نوع كل ما تضمنه.

الصف 61:8

قوله تعالى: (وَهُوَ يُدْعَى إِلَى الْإِسْلَامِ). قال ابن التلمساني في شرح المعالم اللدنية: أجمعوا على تكفير من كذَّب الله تعالى، واختلفوا في تكفير من كذب على الله انتهى، إما أن كذب على الله مستحل للكذب فهو كافر إجماعا، وإن كذب عليه غير مستحل، فإِن خالف الإجماع القطعي فكافر، وإلا فقولان، وحكى ابن الحاجب الأصل فيه ثلاثة أقوال: ثالثها: إن خالف الإجماع القطعي، كفر، وإلا فهو فاسق. قوله تعالى: (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). أي في حين ظلمهم، والهداية هي البيان والإرشاد، قال المقترح في شرح الإرشاد [والهادي*] يكون بمعنى الداعي، فيرجع إلى قول الله، ويكون معنى خالق الهدى، وانظر كلامه في الأسرار العقلية، وفسرها الشيخ أبو علي ناصر الدين في شرح الرسالة بكلام يدل على ضعفه في أصول الدين أن الهداية الإرشاد، وقيل: الدلالة الموصلة إلى [البغية*]، وقيل: خلق القدرة على الطاعة، وهذا مردود لأنه [قبل*] خلق القدرة لَا تكليف، فلا هداية ولا ضلال، وإذا خلق القدرة على الطاعة لم يلزم وجود الطاعة، إذ يلزم من وجود القدرة وجود المقدور، فالهداية والضلال مرتبان على خلق القدرة، فإذا وجدت القدرة والطاعة وبين له طريق الخير والشر، فمن سبقت له العناية اهتدى، ومن لَا فلا. انتهى قوله، وقيل: خلق القدرة على الطاعة هذا مذهب أهل السنة، وقوله في رده لأنه قبل خلق القدرة لَا تكليف باطل، لأنه إن كانت القدرة الصلاحية [فمسلم لَا يتناول محل النزاع*]، لأن الهداية إنما هي القدرة [التنجيزية*] وهذا كالعاجز عن القيام، لَا يكلف الصلاة قائما، فإن قدر على القيام كلف بذلك فالقدرة سابقة، وإن أراد القدرة [التنجيزية*] فالتكليف يعطيها من أهل الطاعة [حين*] عملوا بها والعصاة [... ]. قوله (يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا... (٨) الإرادة ليست على بابها من التخصيص، بل بمعنى التمني والشهوة، لأن الإرادة من شرطها التخصيص مقارنتها للفعل المريد، وهم لم يفعلوا الإطفاء، وإدخال اللام تهكم بهم وتأكيد للسببية، ولو اقتصر على الإرادة لاحتمل أن ذلك لم يخطر بعقولهم عند افتراء الكذب، فأدخلت اللام بيانا لأنهم أرادوا الكذب لأجل أن يطفئوا نور الله، تحقيقا لسخافة عقولهم، ونص النحويون على جواز دخول اللام على المفعول المؤخر على الفعل، إذا كان فعله مقدرا بأن المصدرية، كقوله: أريد لأنسى ذكرها، وأغفله أبو حيان هنا. قوله تعالى: (وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ).

الصف 61:13

قرأ نافع وأبو عمرو، وابن عامر. وأبو بكر عن عاصم (مُتِمٌّ نُورَهُ)، بالنصب، وقرأ الباقون بالإضافة، وهي في معنى الانفصال، ابن عطية: في هذا نظر انتهى، وجه النظر أن اسم الفاعل هنا [مجرد*] عن الزمان، لأنه مسند إلى الله تعالى، فليس بمعنى الحال والاستقبال ولا [المضي*]، وهذا نظرٌ إلى أنه صفة معنوية، والنصبُ نظرٌ إلى ظاهر لفظ الصفة وهي في اللفظ بمعنى الماضي، لأنه مسند إلى الله تعالى. قوله تعالى: (وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ). دليل على أن الظلم بمعنى الكفر، و (لو) هنا بمعنى (أن) لاستحالة كون نفيها إيجابا، وإيجابها نفيا؛ كما هو في قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ)، وهذا [تهكم بهم*]، لأن لو إنما تدخل على ما يتوهم كونه مانعا، فلا تقل أكرم السائل ولو كان عدوك، وكراهة الكافرين لإتمام النور ليست مانعة من إتمام النور، فلو دخلت تهكما بهم، فجعلها في صورة مانعة من إتمام النور، وقوله (وَدِينِ الْحَقِّ)، إن قلت: هذا يدل على تقدم الحق الذي إليه هذا الدين، فيدل على أن التحسين والتقبيح مشتقان من العقل، والحق نقيض الباطل، أي ذلك المتقرر في عقولكم الذي هذا الشرعي بمقتضاه مقدرا له ومصححا؟ فالجواب: أن التحسين والتقبيح قسمان، فمنه ما أجمعوا على إسناده للعقل، ومنهم اختلفوا فيه، فما يرجع إلى وجود الصانع ووحدانيته، وما يجب له وما يستحيل في حقه، أجمعوا على إسناد الحسن فيه والقبيح إلى العقل، لأن العقل اقتضى أن وجود الصانع ووحدانيته حسن، [وعدمه*] قبح، وما يرجع إلى غير ذلك من أمور الديانات، فليس [فيه*] للعقل مجال، [خلافا*] المعتزلة، والآية من القسم الأول. قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ابن هشام: معطوف على (تؤمنون)؛ لأنه في معنى آمنوا، ولا يقدح في ذلك أن المخاطبة بـ (تؤمنون)، [للمؤمنين وبـ (بشر) للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم*]، [ولا يقال*] في (تؤمنون): إنه تفسير للنجاة [لَا طلبا*]، وأن (يغفر لكم) جواب الاستفهام تنزيلا [للسبب منزلة المسبب*]، لأن تخالف الفاعل لَا يقدح، يقولون: قوموا واقعدوا يا زيد، ولأن [تؤمنون*] لَا يتعين [تفسيرا للنجاة*]، ولكن يحتمل أنه تفسير مع كونه أمرا، وذلك بأن يكون معنى الكلام السابق [ترجون*] (تِجَارَة تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) كما قال (فَهَل أَنْتُم مُنْتَهُونَ)، في معنى انتهوا، وأنَ يكون تفسيرا في المعنى دون الصناعة، لأن الأمر قد يساق لإرادة المعنى الذي يحصل من [المفسر*]، تقول هل أدلك على سبب نجاتك؟ آمن بالله، كما تقول تؤمن بالله، وحينئذ فيمتنع العطف، لعدم

الصف 61:14

دخول التبشير في معنى التفسير، وقد يكون معطوفا على أمر مقدر يدل عليه المعنى فافعل كذا أو كذا كما قيل (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا)، قال السكاكي: الأمر معطوف على قل مقدر، [قبل*]: (يَا أَيُّهَا) وحذف القول كثير، وقيل: معطوف على أمر محذوف تقديره [بشر*]، كما قال الزمخشري: في (وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) لدلالة [لَأَرْجُمَنَّكَ*] على التهديد. قوله تعالى: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ تقدم في قوله تعالى: (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ)، طلب الإيمان والجهاد بالأنفس والأموال، وهذا هنا آكد؛ لأن ذلك أمر بمطلق الجهاد، والمجاهد قسمان: تارة يجاهد [ليدفع*] العدو عنه، وتارة يجاهد ليطلب النصرة عليه، فهذا يكون قتاله وامتحانه في الحرب أشد من الأول، فأمروا في هذه الآية بالجهاد لطلب النصرة، وعبر بالفعل ليتناول الأمر كل من حصل مطلق الإيمان، و (كونوا) المراد به الدوام ويستفاد ذلك من صيغة الأمر، ومن لفظ كان، فإن الباجي والمنطقيين نصوا على أنها [... ] لما ذكروها في الروابط، فجاءت الآية على الوجه الأبلغ لاقتضائها الثبوت والدوام على النصرة، حتى كأنه وصف، وأتى بخلاف قولنا: انصروا فإنه لا يقتضي إلا مطلق إدخال الفعل في الوجود، ولا دلالة على اللزوم والدوام بوجه، وقرئ (أنصارُ الله) بالإضافة، وهو أبلغ من عدم الإضافة؛ لأن نصرة الله أقوى من نصرة غيره، وهذا مجاز واعتناء [بالنبي ﷺ وبالمؤمنين*]، فجعلت نصرتهم له كأنها لله، مع أن الله تعالى هو فاعلها أو [... ]. عليها، قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ)، فإن قلت: كيف [شبه*] نصرتهم بقول عيسى؟ قلت: هو تشبيه معنوي على حذف القول، والتقدير: قلنا لكم ذلك كما قال عيسى ابن مريم للحواريين، وأشار إليه أبو حيان، وقرر الزمخشري التشبيه، لأن معناه كونوا أنصار الله؛ كما قال الحواريون: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ)، حين قال لهم عيسى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ)، في التشبيه، ولم يقل: انصروني فبادر الحواريون إلى امتثال ذلك، والمؤمنون طلب منهم النصرة بلفظ الأمر المقتضي للوجوب، فحقهم أن يبادروا إلى [الامتثال*]؛ بل هم أجدر [بالمبادرة*]، وقول الحواريون: (نَحْنُ أنْصَارُ اللَّهِ)، بالإضافة أبلغ من طلب عيسى منهم، ومعناه نحن أنصار الله لك أو مع خلانك، [ولو*] قالوا: نحن أنصارك إلى الله؛ لكان مفهومه أنهم لَا ينصرون غيره إلى الله. قوله (فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ)، بعد أن نصره الحواريون افترق غيرهم، وهم [بنو*] إسرائيل على فرقتين، فطائفة آمنت بعيسى، وطائفة كفرت [به*]، قال شيخنا: كنت يوما جالسا عند الشيخ ابن سلامة، فجاءه رجلان قال له أحدهما: يا سيدي هذا قال لي [لَعَنَ اللَّه*] طائفتَك؟ فقال له: ارفعه للقاضي، وكان ابن عبد السلام حاضرا، فلما جلس بين يديه، قال له ما قاله، فأعرض عنه، وأخذ يبحث مع جلسائه [في مُسَمَّى الطائفة*]، [وكأنه*] لم ير [لمقالته*] مُوجباً، وتقدم الكلام على هذا في سورة براءة في قوله تعالى: (فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ). قوله (فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا)، إن قلت: كيف يفهم هذا التأييد مع ما قاساه عيسى عليه السلام منهم [حتى*] رفع، واتهموا بأنهم قتلوه، فيلزم فيه الخلف في الخبر؟ فالجواب من وجهين: إما بأن التأييد معنوي باعتبار قوة الكلمة، والدليل عليه الحجة. وإما أنه ظهور عيسى في زمنه وأنتم [... ] أو ظهور عيسى دائم بعد مدة عيسى زمن الفترة، وإن قلت: فالحواريون الذين قالوا هذا لعيسى هل نصروه؟ أو كيف يفهم؟ قلت: لعل المراد الحواريون بالنوع لَا بالشخص بأولادهم، أو من ينتمي لهم نصروا فانتصروا. قوله (عَلَى عَدُوِّهِمْ)، لم يقل: على الكافرين إشارة إلى أن التأييد محبوب لهم دنيوي وأخروي، لأن [قهر*] الإنسان لعدوه، [يحصل له فوزا دنيويا، وفوزا أخرويا*]، لأنه عدو الدِّين. * * *

الجمعة 62:2

سُورَةُ الْمُنَافِقُونَ [... ] [لتحقق*] وقوع مدلولها. قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾ أطلق على الاعتقاد عملا. قوله تعالى: ﴿آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا... (٣)﴾ الزمخشري: يحتمل أن يريد أنهم آمنوا في الظاهر، ثم كفروا ظاهرا وباطنا، ثم كفروا [بالردة*] كذلك (١)، انتهى، الصواب الأول؛ لأن الأصوليين ذكروا في القياس أن العلة إذا كانت مركبة من أمرين، فلابد أن يكون كل واحد منهما صالحا لأن يعلل به الحكم استقلالا، أو يكون التعليل بالمجموع، ويكون كل واحد ينافي الحكم ولا يضاهيه، [وهنا*] لَا يصح أن [تكون*] الأعمال ظاهرا أو باطنا، علة [مستقلة*] في ذمهم، والطبع على قلوبهم، ولآخر علة، لأنه مناقض [للزوم الطبع*]، فإِن قلت: [الذم*] إنما هو على الانتقال منه إلى الكفر، قلت: [الانتقال*] أمر نسبي فصدق أنه تعليل مركب. قوله تعالى: (فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ). إما أن يراد مطلق الفهم، وهو مطلق الشعور بالشيء، أو يراد فهم الأشياء الدقيقة، وهذا دليل على أن العقل في القلب، قال ابن رشد: وهو مذهب أكثر الفقهاء، وأقل الحكماء والفلاسفة. قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ... (٤)﴾ عبر بالقول إشارة إلى [أن*] كلامهم غير مفيد، فهو بمنزلة سماع الأجراس وغيرها وكذلك قال (تَسْمَعْ)، ولم يقل: تستمتع؛ لأنه إنما سمعه مجرد من غير قصد، ودخلت اللام للتعليل، أي سماعك إنما هو مجرد قولهم اللفظي الذي لَا معنى له؛ كسماع احتكاك الأجرام، وكان بعضهم يفرقه بين تعدي سمع بنفسه أو بالإنابة؛ [فالأول*] يقتضي الاعتناء بالمسموع بخلاف الثاني، وعبر في الأول: بـ[إِذَا*] والفعل الماضي، وفي الثاني: بـ (إِنْ) والفعل المستقبل؛ لأن إذا لتحقق الوقوع، والماضي محقق الوقوع بخلاف المستقبل، وخصص الأول بـ (إذا) والثاني بـ (إِنْ)؛ لأن أجسامهم [ليست*] من فعلهم، ولا صنع لهم فيها ولا [كسب*]، فهي أمر [جبري*]، فرؤيتها محققة لدوام وجودها مدة حياتها، وقولهم راجع إلى كسبهم واختيارهم، إن شاءوا نطقوا أو سكتوا، فليس بدوام لانقطاعه بسكوتهم، فتوجد أجسامهم وهم سكوت، فلذلك عبر بـ[(إِنْ) لأن*] سماع قولهم غير (١) النص في الكشاف هكذا: "فإن قلت: المنافقون لم يكونوا إلا على الكفر الثابت الدائم، فما معنى قوله آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟ قلت: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: آمنوا، أى: نطقوا بكلمة الشهادة وفعلوا كما يفعل من يدخل في الإسلام، ثم كفروا: ثم ظهر كفرهم بعد ذلك وتبين بما أطلع عليه من قولهم: إن كان ما يقوله محمد حقا فنحن حمير، وقولهم في غزوة تبوك: أيطمع هذا الرجل أن تفتح له قصور كسرى وقيصر هيهات. ونحوه قوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ) أى: وظهر كفرهم بعد أن أسلموا. ونحوه قوله تعالى (لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ) والثاني آمنوا: أى نطقوا بالإيمان عند المؤمنين، ثم نطقوا بالكفر عند شياطينهم استهزاء بالإسلام، كقوله تعالى (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا) إلى قوله تعالى (إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ) والثالث: أن يراد أهل الردة منهم". اهـ.

الجمعة 62:5

سُورَةُ الْجُمُعَةِ قوله (ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا... (٥).. العطف بـ ثم تنبيه على أنهم كفروا بعد تأمل ونظر، وهو أشد من كفر بالكتاب قبل أن يتأمله. قوله (كَمَثَلِ)، هو تشبيه أمرين حسي ومعنوي بأمرين حسيين. قوله (وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، أي حين ظلمهم. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ... (٦)﴾ يحتمل أن يكون هذا [وقوله*] (إِنْ زَعَمْتُمْ) شرطين، وقوله (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ)، أو يكون الشرط الثاني شرطا في جواب الشرط الأول. قوله (فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ... (٨).. ، ابن البناء: الجملة خبر (إِنَّ)، ودخلت الفاء لما [للذي*] من معنى الشرط، وضعفه آخرون بوجهين: الأول: أن الفاء إنما تدخل إذا كان الذي مبتدأ واسم (إِنَّ)، وهو هنا صفة لاسم (إِنَّ)، وأجيب: بأن الصفة والموصوف كالشيء الواحد. الثاني: إن الفرار من الموت ليس سببا في الموت، وإنما هو سبب في النجاة منه، فلا يصح أن يكون جوابا له. انتهى، قال شيخنا الفقيه عبد الله محمد بن محمد الخباب المعافري يقول: إن الفرار من الموت سبب في ملاقاة الموت، أي الموت الذي تفرون منه ويأتيكم من قدامكم وجهة وجوهكم، فإذا فررتم منه فإليه تفرون، ولذلك فإنه لم يقل فإنه مدرككم، لأن الذي يدرك الهارب يأتي فيه من خلفه. قوله (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ... (٩).. ، ابن رشد في رسم [سن*] من سماع ابن القاسم، كان النبي ﷺ إذا زالت الشمس أتى المنبر، فإذا رآه المؤذنون قاموا: فأذنوا في المئذنة واحد بعد واحد، وكانوا ثلاثة، فإذا فرغوا خطب ثم تلاه على ذلك أبو بكر وعمر، ثم زاد عثمان لما كثر النَّاس] [أذاناً بالزوراء عن زوال الشمس*]، [يؤذن*] النَّاس أن الصلاة قد حضرت، وترك الآذان في [المدينة*] بعد جلوسه على المنبر على ما كان عليه، فاستمر الأمر على ذلك إلى زمان [هشام*] بن عبد الملك، فنقل الآذان الذي كان [بالزوراء*] إلى [المدينة*]، [ونقل*] الآذان الذي كان في [المدينة*] بين يديه وأمرهم أن يؤذنوا وتلاه على ذلك من بعده من الخلفاء إلى زماننا، وهو بدعة. انتهى، وقال ابن العربي في الأحكام كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله سلم [يؤذن مؤذن واحد*] إذا جلس على المنبر، ولذلك كان عمر وعلي بالكوفة ثم زاد عثمان أذانا ثانيا على الزوراء إذا سمعه النَّاس أقبلوا حتى إذا جلس عثمان على المنبر، أذن مؤذن

الجمعة 62:7

محقق، فإن قلت: وكذلك رؤية أجسامهم غير محققة؛ لأنهم قد تغيبوا [عن*] العيون، قلت: الغيبة قدر مشترك بين الرؤية وسماع الكلام، فإذا غابوا لم يسمع كلامهم [وتمتاز*] الأجسام بتحقق الرؤية حال الحضور، سواء تكلموا أو سكتوا. قوله تعالى: (كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ). كان الفقيه القاضي أبو العباس ابنُ حَيْدَرَةَ رحمه الله يقول: أفاد ذكر (مُسَنَّدَةٌ)، أنها غير منتفع بها في شيء، لأنها إذا كانت غير مسندة تكون سقفا أو عمدا أو غير ذلك مما فيه منفعة. قوله تعالى: (قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ). الصواب أن فيه تقديما وتأخيرا، أي أنى يؤفكون قاتلهم الله، لأن بعد الدعاء طلبهم بالمقاتلة لَا يحسن التعجب من صرفهم، لأن من صرفه الله فهو مصروف، وأما قبل الدعاء فيحسن ذلك. قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا... (٧)﴾ الظاهر أنه حكاية معنى قوله لَا لفظه؛ لأنهم إنما قالوه في الخلاء، ولم يقولوه في الملأ، وهم في الخلاء لَا يقولون إنه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا يقرون بذلك، وفي الآية رد على من يقول المفهوم الغاية، لأن قصدهم بالنهي عن [الإنفاق*]، [التأبيد*] لَا إلى غاية إلا أن يقال من شرط مفهوم المخالفة، أن لَا يمكن حمل الكلام وتأويله إلا عليه، وهنا يحتمل مفهوم الموافقة، أو نقول بموجبه، [ولا يتناول*] محل النزاع، وهم ينفقون عليهم بعد الانفضاض، لأنهم إذا علموا أنهم لَا ينفقون عليهم حتى ينفضوا عنه، فإنهم ينفضوا عنه إن كانوا على طرف من الإيمان. قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا... (٨)﴾ أتى به غير معطوف، لأنه جواب عن سؤال مقدر، وكأنَّ قائلا قال: لم كانوا لا يفقهون، فقال: لأنهم يقولون (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ)، فإِن قلت: لم أتت مقالتهم أولا بأداة الحصر وهي [هُمْ*]، أو البناء على المضمر، وأتت هنا بغير حصر مع أن الجميع خاص بهم لم يقله غيرهم؟ فالجواب: أن هذا خبر مبتدأ مضمر، أي هم يقولون لئن رجعنا، وصح حذفه هنا؛ لأن الخبر لَا يصلح إلا له وكون الموصول يقتضي الحصر بين، وقد قال مالك في الوصايا: إذا أوصى بعبده مرزوق لفلان، ثم أوصى به لفلان، فإِنه يكون بينهما معا، فإن قال: عبدي الذي أوصيت به لفلان، أعطوه لفلان فهو للثاني، ويعد رجوعا عن الأول، وما ذلك إلا لاقتضاء الموصول في الحصر. قوله تعالى: (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ). قرئ بالنون ونصب الأعز على الاختصاص مثل "نحن معاشر الأنبياء لَا نورث"، ونصب (الْأَذَلَّ) على أنه حال، ومعنى هذه القراءة إن رجعنا إلى المدينة تحت طاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتركنا [قتاله*] ومعاندته [صرنا أذلاء*] بعد كوننا أعزاء. قوله تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ). هذا التشريف من الله تعالى لرسوله وللمؤمنين، حيث ذكرهم مع اسمه وشركهم معه في العزة، وهي هنا إما صفة نقل، أو صفة معنى، إما مشتركة أو للقدر المشترك، وهذا بالنسبة إلى عزة الله وعزة النبوة والمؤمنين، وأما كونها نقلية أو معنوية فهو مشتركة لَا للقدر المشترك، وجعل البيانيون هذا من القول الموجب، وهو تسليم الدليل مع بقاء الخلاف بعده، كما كان قبله وهو من القسم الثالث فيه، والصواب أنه من قلب النكتة، وهو تعليق دعوى المعترض على عين دليل المستدل، لأنه لم يبق خلاف هنا، بل دعواهم أن الأعز يخرج الأذل صحيح، وهم الأذلاء ونحن الأعزة. قوله تعالى: (وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ). خص هذا بـ (يعلمون)، والأول بـ (يفقهون)، لأن الفقه في اللغة فهم الأشياء الدقيقة، والعلم أعم منه؛ لأن كون العزة لله ولرسوله معلوم بالضرورة، فالمنازع فيه لَا علم له، فضلا عن أن يكون له فقه، فهو مسلوب عنهم العلم، فكأنهم مجانين لَا عقول لهم، وإن كانوا يعلمون بعض العلم، كقولك: أكلت شاة كل شاة، مع أنها ليست هي الكل ويجاب أيضا بأن قولهم (لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ)، لَا يصدر إلا بعد تأويل وتدبر، فناسب الفقه؛ لأنه يعم الأشياء الدقيقة، وقولهم (لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)، حكم على الغيب الذي لَا يعلمه إلا الله، فناسب نفي العلم. قوله تعالى: (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). ابن عطية: قال رجل لحاتم الأصم: من أين تأكل فقرأ (ولله خزائن السماوات والأرض) وقال الحسن: خزائن السماوات الغيوب، وخزائن الأرض القلوب انتهى، فعقب ابن الجوزي هذا في تلبيس إبليس فقال: قيل لعبد الله [بن الجلاء ما تقول في الرجال*] يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة، ويزعمون أنهم متوكلون فيموتون، قال: هذا فعل [رجال الله*] فأنكره ابن الجوزي (١) ["أجمع الفقهاء أن داخِلَ البادية بلا زَاد عاصٍ*] (٢)، وليس التوكل ترك الأسباب، وقد تزود رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لما خرج إلى الغار، وتزود موسى (١) النص في تلبيس إبليس هكذا: "أخبرنا أبو منصور القزاز نا أبو بكر أحمد بن علي الحافظ نا أبو نعيم الأصفهاني قال سمعت محمد بن الحسن بن علي اليعيظي يقول حضرت أبا عبد الله الجلاء وقيل له عن هؤلاء الذين يدخلون البادية بلا زاد ولا عدة يزعمون أنهم متوكلون فيموتون في البراري فقال هذا فعل رجال الحق فإن ماتوا فالدية على القاتل أخبرنا ابن ناصر أنبأنا احمد بن علي بن خلف نا أبو عبد الرحمن السلمي قال سمعت أبا الحسين الفارسي يقول سمعت أحمد بن علي يقول قال رجل لأبي عبد الله بن الجلاء ما تقول في الرجل يدخل البادية بلا زاد قال هذا من فعل رجال الله قال فإن مات قال الدية على القاتل". اهـ. (٢) تم جبر هذا النقص من كتاب (نكت وتنبيهات في تفسير القرآن المجيد، للبسيلي ٣/ ٥٩٥). اهـ.

الجمعة 62:9

عليه الصلاة والسلام الحوت لما خرج يطلب الخضر، وأطال الكلام في ذلك [وذكر*] حكايات وأنكرها، على أن هذا الكتاب قالوا: أضعف تواليف [ابن الجوزي*] رحمه الله. قوله تعالى: ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ... (٩)﴾ من باب [لَا أرينك ها هنا*] أي لَا تلهوا بأموالكم عن ذكر الله، فتلهكم عنه، قوله: لا تلتهوا، فهي عن الإلهاء حقيقة، وهذا نفي عنه باللزوم، فهو مجاز، ولا تبدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا لنكتة تتوخى، وتقريرها هنا إن ترك الاكتساب شيئا هو من نقله وكسبه هو أهون عليه من تركه شيئا هو من نقل غيره، فناسب أن يكون النهي عن الثاني أبلغ وأقوى لما في البعد منه وممانعته ودفعه من المشقة والتكلف، فهذا نهي أبلغ وأخص، لأنه نهي عن الأبلغ وعن الأخص، فيستلزم النهي عما هو من كسب الأنساب وفعله من باب أحرى، ابن عطية: قال الحسن وجماعة من المفسرين: ذكر الله عام في الصلوات والتوحيد والدعاء وغير ذلك من فرض ومندوب، وقال الضحاك وعطاء: المراد به الصلوات المفروضة، ابن عطية: والأول أظهر انتهى، بل الثاني أظهر لقوله تعالى: (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ)، فالذم على الشيء من خصائص الوجوب، لأن تارك المندوب غير مذموم، فإِن قلت: الذم على ترك مجموع الواجب والمندوب؟ قلت: يلزم عليه أنه إذا ترك الواجب وحده أن يكون غير مذموم، والإجماع على ذمه، إلا أن يجاب بأنه يكون خاسرا خسرانا أخص، فإِن قلت: في الآية حجة لمن يقول إن متعلق النهي [فعل*] وفيه خلاف، والمشهور أن الترك غير فعل، قلت: الإشارة إلى الإلهاء وهو فعل، وليست الإشارة إلى الترك. قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ... (١٠)﴾ ذكر ابن عطية في غير هذا أن الإنفاق عام في المال والبدن [؍ ]، فينفق الإنسان جوارحه في الطاعة، وماله في الطاعة.؍ قوله تعالى: (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ). يدل على أن الموت أمر وجودي، وهو مذهب أكثر أهل السنة، إلا أن يجاب: بأنه على حذف مضاف أي أسباب الموت. قوله تعالى: (إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ). وصفه بـ (قَرِيبٍ)، إما لأنه أيسر في الطلب وأرجى؛ لأن [يفز*] بنيل مطلوبه، وإما لسرعة المبادرة فيه إلى الطاعة بخلاف المتطاول، فإِن النفس تميل فيه إلى الراحة والتأخير، وإن قلنا: [إن ما بعدها*] داخل فيما قبلها، فيكون مطلوبهم أمرين: التأخير

الجمعة 62:10

النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفي الحديث: كان الآذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم واحد، ثم زاد عثمان النداء الثالث وسماه ثالثا؛ لأنه أضافه إلى الإقامة فجعله ثالث الإقامة فتوهم النَّاس أنه أذان [صلاة*]، فجعلوا المؤذنين ثلاثة فكان وهما، ثم جمعوهم في وقت واحد فكان وهما على وهم، ابن عطية: وقال أصحاب الرأي: يلزم أهل المدينة كلها السعي، [من سمع*] النداء ومن لم يسمع، وإن [كانت*] أقطارها فوق ثلاثة أميال، انتهى، هذا هو مذهبنا، وما [... ] أنه يعبر بأصحاب الرأي إلا عن الحنفية. قوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا... (١٠)﴾ الفاء بيان لكون المنهي في (وَذَرُوا الْبَيْعَ)، غير دائم [مغيًّا*] بانقضاء الصلاة، وأنه الانقضاء إلى الصلاة دون [الأشخاص*]، لأنه لو أسنده إليهم لكان [مغيًّا*] في كلهم لاحتمال كونه كلية، وإن من قضى صلاته دون الآخر يباح له الانتشار. ، فلما أسنده إلى الصلاة لزمه أن المراد إكماله للجميع حتى دعاؤها وثوابها، المازري في الجوزقي، قال ابن شعبان: ذهب بعض العلماء إلى وجوب الانتشار. قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا). الصواب أن المراد به الثلث من باقي النهار، [؍ ] بالذكر لحديث [الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ*].؍ قوله تعالى: ﴿تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا﴾ إن قلت: قدم التجارة على اللهو أولا، ثم أخرها ثانيا؟ فالجواب: أن التجارة أبلغ من اللهو، لأن تعلق الأغراض بها أشد من تعلقها باللهو، فالعطف في الوجهين تأسيس، لأنه لَا يلزم من الانفضاض من التجارة أن ينفضوا [للهو*]، ولا يلزم من كون ما عند الله خيرا من اللهو أن يكون خيرا من التجارة، مع أنه خير منهما معا في نفس الأمر. * * *

الجمعة 62:11

وكونه إلى أجل قريب، وإن لم نجعله داخلا فلا يكون القرب مطلوبا بل المطلوب التأخير إليه. قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا... (١١)﴾ إشارة إلى عدم [الفوز*] بالمطلوب حينئذ. قوله تعالى: (خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). تنبيه على الإخلاص في الأعمال، وإن جميع ما يظهر عليه فاللَّه تعالى مطلع على خفاياه. * * *

التغابن 64:1

سُورَةُ التَّغَابُنِ قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ﴾ عبر هنا وفي الجمعة عن التسبيح بالمستقبل، وفي الحديد والحشر والصف بلفظ الماضي، والجواب: أن الماضي [حقيقته*] الانقطاع وعدم التزايد، وعدم التغير والتجدد، والمستقبل من شأنه الدوام والتجدد والتغير، وهو قابل للتزايد، والعزة وصف ثابت للموصوف، لأنها من صفة ذاته لَا تتعلق بالغير، [**والملك معروض الغير، والزيادة والنقص لتعلقه بالغير]، تقول: ملك فلان أعظم من ملك فلان، قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ) الآية، فهو يتزايد بحسب متملكاته، والتسبيح في آية الماضي يعقب بوصف العزة، وفي آية المستقبل يعقب وصفه الملك، فإن قلت: في آخر سورة الحشر (يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، قلت: تقدمها (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) إلى آخره، عبر بالمضارع اعتبارا بما قبله، فإِن قلت: ذكر هنا متعلق التسبيح دون [وقته*]، وقال في الأنبياء (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)، فذكر وقته دون متعلقه؟ فالجواب: أن المسبح هناك الملائكة، وهم معصومون، فمعلوم أنهم إنما يسبحون الله، وإنما يتوهم ذهول الذهن عن دوام تسبيحهم وانقطاعه، فذكر ما يتوهم جهله، والغفلة عنه وعنا [... ]. في أن العبد يخلق أفعاله وهل [التسبيح*] إما في الحال، فيكون عاما في كل شيء، فهو [مجاز*]، أو بلسان المقال، فيكون خاصا بالعاقل، فيتعارض التخصيص والمجاز، فإِن قلت: كيف يصح المجاز مع أن الحقيقة موجودة في البعض، والمسبح بلسان المقال؟ قلت: يصح؛ ألا ترى أن الفخر قال: في دلالة المطابقة والتضمن من حيث هو جزاؤه وكذا في [دلالة الالتزام*]، فرآه من حيث هو في [الدلالات الثلاث*]، فإن قلت: لم أعاد لفظ (ما) هنا دون الحديد؟ فالجواب: أنه لما ذكر السماوات والأرض هناك في أربعة مواضع، كانت بمنزلة الشيء الواحد*]، فاستغنى عن إعادة الموصول. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ فصل هذه الجملة عما قبلها؛ لجريانها مجرى الدليل عليهما، كأنه قيل: [لِمَ*] يسبحونه؟ فقال: لأنه خلقهم.

التغابن 64:3

قوله تعالى: (فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ). وقال في سورة هود (فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ)، فأعاد المجرور هنا ولم يعده هناك؟ والجواب: أن المؤمنين هنا مخاطبون لقوله تعالى: (فَمِنْكُمْ)، فقصد كمال الفصل، لأنه بينهم وبين الكفار، لأنه من تمام الاعتناء بهم وتعظيمهم وتشريفهم بإفراد حكمهم، وهم هناك غائبون غير مقبل عليهم، فلم يحتج إلى الفصل بل جاء على الأصل؛ لأن حرف العطف ناب مناب تكرار الجار، وذكر البيانيون: الجمع والتفريق، ومثلوه بقوله تعالى: (وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ) الآية، وهذه الآية منه، وهو تقسيم مستوف إذ لَا ثالث، وقول ابن عطية: إن هذه الجملة في موضع الحال، وهْم لقول ابن مالك في آخر باب الحال: والجملة الحال لَا تقترن بها الفاء، فإن قلت: معلوم أن منهم المؤمن والكافر، فما فائدة الإخبار بهذا؟، قلت: أفاد باعتبار لازمه، أي كما تفقهون بأن خلقكم إنما هو بفعل الله، فكذلك خلق صفاتكم من الكفر والإيمان، ففيه رد على المعتزلة القائلين: بأن العبد يخلق أفعاله، فإن قلت: كيف يفهم هذا من حديث: "كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ" قلت: ليس المراد الإيمان الأصلي، بل المراد الإيمان التكليفي ضد الكفر. قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ نجد اللفظ ورد في القرآن كثيرا مقرونا بقوله (بِالْحَقِّ)، فإن قلت: ما أفاد مع أنه ظاهر في مذهب المعتزلة القائلين: بقاعدة التحسين والتقبيح ومراعاة الأصلح، ووجه الدليل من الآية أن الحق يستحيل أن يراد به أمر راجع إلى إنكار خلق الله تعالى لهما لاستحالة النقص عليه، فلم يبق أن يراد به إلا الأمر المصلح والحسن، وهذا مذهب المعتزلة القائلين: بأن الله لَا يفعل إلا الخير، ولا يخلق الشر بوجه؟ والجواب بأحد وجهين: إما بأن معناه أنه خلقها مصاحبة لتصديقه لتطابق فعله، وخلقه لها وإخباره تعالى في الأول بأنه سيخلقها بحكمة متقنة، وقال الزمخشري: (بِالحَقِّ)، أي بالغرض الصحيح والحكمة البالغة، وهو اعتزال على مذهبه الفاسد في التحسين والتقبيح، ليسلم من نسبة النقص إلى إضافة النقص إلى الله تعالى ونحن لَا نجعل الباء سبباً على المصاحبة، فإن قلت: قال (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ)، فأتى فيه بالفاء على المضمر المفيد للتحقير، ولم يقل هنا (هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ)، قلت: لمخالفة الحكماء في خلق الأنفس وفي الطبع والطبيعة دون هذا.

التغابن 64:4

قوله تعالى: (فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ). الزمخشري: جعلهم أحسن الحيوان [وأبهاه*]، ومن ذلك أنه خلق منتصبا قائما غير منكب، قال: فإِن قلت: كم من [دميم*] مشوَّه الصورة سمج الخلقة، قلت: لَا سماجة ثَمَّ، ولكن الحسن كغيره على مراتب فهم حسن وأحسن منه، والكل حسن بالنسبة إلى غيرهم من الحيوانات انتهى، يرد عليه هذا الجواب: بأن الدميم القبيح المنظر إن أطلق عليه أنه قبيح فالسؤال وارد، وإن قال: إنه حسن فباطل يصدق نقيضه عليه، وهو قبيح، وإنما الجواب: أن الحسن يطلق باعتبارين: أحدهما: ضد القبيح، تقول: هو في ذاته حسن، أي ليس بقبيح. الثاني: باعتبار وروده على وفق المراد، والخيال المتصور في الذهن، فتقول: أحسن فلان صورة أحدب أعرج أحسن، أي أنابها على نحو ما أريد منه فإِتيان الصورة هو أن [يتخيل*] شيئا في ذهنه فيأتي به على نحو ما تخيل وما بذلك عليه. قوله تعالى: [(وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ) *] [هذا*] هو المراد في الآية، أي صوركم على وفق ما أراد منكم، وهو حسن في نوعه، فصور الأعرج مثلا على أحسن صورته في نوعه، والأقطع والأشل كذلك، فإِن قلت: يفوت معنى التفضيل في مزية الإنسان وتفضيله على غيره، والآية خرجت مخرج الامتنان، وهذا المعنى يشترك فيه الإنسان مع غيره؟ قلت: إنما اختص الإنسان بالذكر، لأنه أقرب إلى الفهم، قال تعالى (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ). قوله تعالى: (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ). كالنتيجة لمن لَا يخالف في المقدمتين، أي كما وافقتم وتحققتم أنه الذي خلقكم فصوركم، فتحققوا أنه يعيدكم بعد الموت، لأن بعض النَّاس أنكروا الإعادة، وفسره الزمخشري وابن عطية: بأن المراد: إليه مرجعكم فيجازيكم بالثواب والعقاب، فعليكم بشكره على نعمه والإيمان به. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ لما تقدم أنه خلق السماوات فأتقنها، والإتقان دليل على العلم، فناسب تعقيبه به، وأتى أولا بعلم الذوات ثم بعلم الصفات، وهي القول سره وعلانيته، ثم [بعلم*] المعاني وهو ما في الصدور، وهو الكلام النفسي، وعبر عن الأولين بالفعل، [وفي*] الثالث بالاسم،

التغابن 64:6

لأنه أخفاها مبالغة في الإخبار بعلمه بالإخفاء، وهو خاص بالله تعالى لَا يشاركه غيره، أو يكون من عطف الخاص على العام. قوله تعالى: ﴿أَبَشَرٌ... (٦)﴾ إن كان استفهاما حقيقة فعطف (كفروا) عليه تأسيس، وإن كان بمعنى الإنكار فهو تأكيد؛ لإفادة الأول كفرهم، وعلى الأول يكون التولي حسيا، أي تولوا عن إتباعه ونصرته، وعلى الثاني: يكون معنويا، أي تولوا عن الإيمان به إلى الكفر. قوله تعالى: (وَاسْتَغْنَى اللَّهُ). ابن عطية: السين في استفعل للطلب، وهو هنا للتحقيق، انتهى، وعلى هذا يكون (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)، احتراسا خشية أن يتوهم أن السين هنا للطلب، وقول الزمخشري: الآية توهم وجود الاستغناء والتولي معا لَا وجه له، لقوله في مفصله مع سيبويه إن الواو لمطلق الجمع دون معية ولا ترتيب، إلا أن ابن مالك قال: ويترجح تأخير المؤخر بكثرة الاستعمال، فسؤال الزمخشري إنما هو على الأكثر. قوله تعالى: ﴿يَسِيرٌ (٧)﴾ إما باعتبار قرب زمنه، أو أنه هين كما قال ابن عطية. قوله تعالى: [(فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ... (٨) *] إن قلت: الأصل تقديم [القرآن*]؛ لأنه السبب فيما قبله، فالجواب: أن المعجزة ما تظهر إلا على [يد*] الرسول، [فوجود*] الرسول متقدم على وجود المعجزة، إلا أن يقال: فرق بين دعوى الرسالة وبين الإيمان بها، فدعوى الرسالة متقدم على المعجزة وما نحن نتكلم إلا في الإيمان بالرسول، فإِنه متأخر عن الإيمان بالمعجزة، فيجاب عن السؤال: أن الآية خرجت مخرج الرد عليهم في إنكار البعث والمعاد، فالقرآن إنما ذكر من حيث دلالته على صحة البعث والمعاد والإيمان بالبعث، والمعاد متأخر عن الإيمان بالرسول. قوله (يَوْمُ التَّغَابُنِ... (٩).. ، جعله الزمخشري: [تهكمًا*] لأن الغبن في البيع، هو البخس في ثمن السلعة، فكأنَّ هؤلاء يبخسوا بمالهم تهكما بهم على أن الحاكم عادل فلا [يبخس*]، وجعله ابن عطية مجازا في [إفادة*] لفظ التغابن، لأن التفاعل يقتضي أن الغبن في الجهتين، ويصح معنى التغابن باعتبار تفاوت درجات المؤمنين، أو على [**العجز به] بمعنى أن الإنسان مع نفسه [**يتجرد بها] [نفسا أخرى*] يتغابن معها.

التغابن 64:10

قوله تعالى: (يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ). هذان معلقان على مجموع الإيمان والعمل، ولا يصح أن يكون كل واحد من فعلي الشرط يترتب عليه كل من جوزي، الجواب: لأن الشرطية لَا تتعدد بتعدد المقدم، والتكفير مخصوص بحقوق الغير إذ لَا [تنفع*] التوبة إن [... ] العمل الصالح، أبو عبد الله محمد بن محمد: فأما وظاهره أن التكفير متوقف على الأمرين، فيكون تكفيرا خاصا، قال شيخنا: وفسره الفقيه الصالح أبو عبد الله محمد بن محمد بن سلامه الأنصاري: العمل الصالح بفعل المسنونات، وهو غفلة منه، لأن هذا هو مذهب المعتزلة لأنهم يشترطون في الإيمان فعل المفروضات من الطاعة. فمن لم يفعلها ليس بمؤمن عندهم فيكون عطْف، (ويعمل صالحا) عليه عندهم تأكيدا، فيحتاجوا أن يفسروا العمل الصالح بفعل المسنونات، ونحن نقول: إن الإيمان حاصل بمجرد النطق بالشهادتين والعمل الصالح [مترتب عليه*]، والأول ترهيب، وهذا ترغيب. قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ التكذيب بالآيات من لوازم الكفر؛ بخلاف العمل الصالح، فإنه ليس من لوازم الإيمان، فيرد السؤال لأي شيء رتب دخول الجنة وتكفير السيئات على الإيمان والعمل الصالح، ودخول النار على مجرد الكفر فقط، فيجاب: بأن الأول ترغيب في الطاعة، فناسب تكثير أسباب دخول الجنة تحريضا على فعلها، والثاني: ترهيب وتخويف، فناسب تقليل السبب على سبيل [التخويف والتفير عنه*]، والمعنى أن مجرد الكفر موجب لدخول النار، وإن لم يكن معه فسوق ولا فساد في الأرض ولا ظلم، فيقال للمؤمن: لَا [تكتف*] بإيمانك، وللكافر لَا [تعتقد*] أن مجرد كفرك لَا يضرك، فإن قلت: لم عبر في (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ) بالمضارع، وفي (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) بالماضي؟ فالجواب: أنه إشارة إلى أن ذلكَ خاص لمن سيحصل منه الإيمان إلى قيام الساعة، والإيمان وصف طرأ على الكفر، والكفر هو الأصل فيهم، لأنه أمر واقع منهم حاصل لهم، والإيمان طرأ عليه، وعبر في الأول: بـ (مَنْ) الشرطية، وفي الثاني: بالموصول، لأن الموصول أقرب للحصول من الشرطية، فإن قلت: لم قيد دخول المؤمنين بالأبدية ولم يقيد خلود الكافرين بها، مع أنه مؤبد، وكذلك قال في سورة هود (فَأما الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ)، الآية وزاد في [آخرها*] (عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ)، أي دائما غير منقطع عنهم؟ فالجواب: أنه زاد هنا (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)، فناب مناب الأبدية، لأنه لَا يقال: بئس المصير، بالإطلاق إلا فيما هو [أسوأ*] المصير [وأدومه*]، وأسند تكفير السيئات، وإدخال الجنات إليه، ولم يسند إليه إدخال الكافرين النار، فلم

التغابن 64:11

يقل: والذين كفروا يدخلهم النار تشريفا للمؤمنين وتحقيرا للكافرين وأدبا لهم، وإن كان الكل من فعله وخلقه. قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ يحتمل أن يعم اللفظ الخير والشر، وهو خاص بالشر، وهو الظاهر، ويتقرر وجه مناسبتها لما قبلها بأحد أمرين: إما بأنها تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله سلم، أي لا [تحزن*] على عدم إيمانهم، فإن ذلك بإرادة الله تعالى وإذنه. وإما بأنه احتراس؛ لأنه لما تقدم أن من يؤمن بالله ويعمل صالحا، يجازى بتكفير السيئات، ومن يكفر بالله يجازى بدخول النار، أوهَم ترتب ذلك الجزاء على ما ذكر أن الإيمان والكفر من فعل المكلف وكسبه واختياره، فاحترس عن هذا التوهم بأن جميع الحوادث من خير وشر من الله تعالى، فمن أصابه هم وحزن من موت حبيب أو ذهاب مال، فلا يهتم لذلك؛ وليعتقد أن الله تعالى قدره وأراده وعلم وقوعه، لأن الإذن يشمل العلم والإرادة المخصصة له والقدرة المبرزة من العدم إلى الوجود، والآية دليل على أن الاستثناء من النفي إثبات، لأنه ليس المقصود نفي المصيبة، وإنَّمَا المقصود حصرها بالإذن. قوله تعالى: [(وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) *]. إن قلت: الهداية متقدمة على الإيمان، وسبب فيه، فكيف رتبت عليه؟ فالجواب: إما أنه مثل (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى)، وإما بأن المراد بالإيمان مجرد التصديق، أي ومن يصدق بوجوده الله، يهده إلى التصديق بوحدانيته، لأنهما بابان في علم الكلام، [فالتصديق*] بالوجود غير التصديق بالوحدانية، ولا يقال: إنه يلزم عليه الخلف في الخبر من جهة أن المشركين بالله يصدقون بوجوده؛ لأنا نقول: المراد من يصدق بوجود الله في التصديق وحصول ذلك موجب للتصديق بالوحدانية. قوله تعالى: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ). إن قلنا: إن المعدوم لَا يطلق عليه شيء، فيكون تأكيدا؛ لأنه مستفاد من قوله: (بِإِذْنِ اللَّهِ)، لما تقدم من الإذن يشمل العلم والقدرة والإرادة، فكل حادث الله علمه بالحوادث بين الموجودات. قوله تعالى: ﴿فَاحْذَرُوهُمْ... (١٤)﴾

التغابن 64:15

الضمير المفعول، إما عائد على (عدوا)، فيكون الأمر بالحذر فيمن ثبت عداوته، أو عائد على الأزواج والأولاد، فالأمر بالمحاذرة عام في جميعهم، خشية أن يكون الذي وقع الركون إليه عدوا، والآية خطاب بالذات للرجال بالتحذير من زوجاتهم وأولادهم، ويحتمل أن يعم الخطاب الرجال والنساء، [فيكون مخصصا من ذلك بالتحذير من أزواجهم وأولادهم*]. قوله تعالى: (وَإِنْ تَعْفُوا). العفو ترك الحق بعد ثبوته عند الحاكم، والصفح تركه بعد المطالبة به قبل ثبوته عند الحاكم، والمغفرة ترك المطالبة به من أصل، فالعطف ترق ولذلك خصص الأخير بقوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ) وفي آية أخرى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، فينعقد من الآيتين الشكل الثالث، وذكر الأولاد في العداوة وفي الفتنة، دليل على شكيمتهم أشد من الزوجات، وذكر ابن عطية هنا والزمخشري من بعده؛ لأنه متأخر عنه حديث الله أعلم بصحته (١) عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يخطب إذ دخل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما الحمرة، فهبط ورفعهما" إلى آخره. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ دليل على عظم الشغل بهما، وخرج البخاري في كتاب الأنبياء عن أبي وائل عن حذيفة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: [أَيُّكُمْ يَحْفَظُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الفِتْنَةِ، قُلْتُ أَنَا كَمَا قَالَهُ: قَالَ: إِنَّكَ عَلَيْهِ أَوْ عَلَيْهَا لَجَرِيءٌ، قُلْتُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ، تُكَفِّرُهَا الصَّلاَةُ وَالصَّوْمُ وَالصَّدَقَةُ، وَالأَمْرُ وَالنَّهْيُ»، قَالَ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، وَلَكِنِ الفِتْنَةُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ، قَالَ: لَيْسَ عَلَيْكَ مِنْهَا بَأْسٌ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَيُكْسَرُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ، قَالَ: إِذًا لاَ يُغْلَقَ أَبَدًا، قُلْنَا: أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ البَابَ؟ قَالَ: نَعَمْ، كَمَا أَنَّ دُونَ الغَدِ اللَّيْلَةَ، إِنِّي حَدَّثْتُهُ بِحَدِيثٍ لَيْسَ بِالأَغَالِيطِ فَهِبْنَا أَنْ نَسْأَلَ حُذَيْفَةَ، فَأَمَرْنَا مَسْرُوقًا فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: البَابُ عُمَرُ.*]. قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (١) الحديث عند الإمام أحمد وابن ماجه: نصه عند الإمام أحمد: [٢٢٩٩٥ - حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بُرَيْدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا، فَجَاءَ الْحَسَنُ، وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمِنْبَرِ، فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "صَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] نَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا"]. اهـ وعند ابن ماجه: ٣٦٠٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ بَرَّادِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ: حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ، قَاضِي مَرْوَ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ، أَنَّ أَبَاهُ، حَدَّثَهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَأَقْبَلَ حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ، يَعْثُرَانِ وَيَقُومَانِ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَهُمَا فَوَضَعَهُمَا فِي حِجْرِهِ، فَقَالَ: «صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»، ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] «رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ» ثُمَّ أَخَذَ فِي خُطْبَتِهِ". اهـ عارضها ابن عطية بقوله تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَق تُقَاتِهِ)، وظاهرها عموم التقوى في المستطيع وغيره، فمنهم من قال: هذه ناسخة لتلك، ومنهم من [لم*] يجعلها ناسخة؛ لأن النسخ إنما هو حيث التعارض ولا تعارض إلا لو كانت تلك أمرا، وهذه نهيا عن شيء واحد، أو تلك إثباتا وهذه نفيا لشيء واحد، وأما هنا فلا تعارض بين اللفظين، وإنما التعارض بين مفهوم هذه الآية ونص تلك؛ لأن مفهوم هذه أن غير المستطاع من التقوى غير مأمور به، فيرجع إلى نسخ النص المتواتر بالمفهوم، وفيه خلاف بين الأصوليين. * * *

الطلاق 65:1

سُورَةُ الطَّلَاقِ أكثر ما وقع في القرآن أن مخاطبته صلى الله عليه وعلى آله وسلم بصفاته، فقال (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ)، وكذلك (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ)، (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ)، وغير ذلك من الآيات، وما وقع التعبير عنه باسم العلَم، إلا في نحو خمس آيات، وهي قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ)، وقوله تعالى: (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ)، وقوله تعالى: (وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ)، وقوله تعالى: (وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)، وسبب ذلك أن هذه الصفات ذكرت على سبيل المدح والتشريف، فلذلك كرر هنا ذكرها، والتصريح باسمه العلم إنما هو لتميزه عن غيره فقط، وعبر هنا بالنبي الذي هو أعم من الرسول ليعم الخطاب بحكم الطلاق له ولأمته، وعبر بـ إذا دون إن مع أن الطلاق مبغوض شرعا، لكن روعي فيه كثرة وقوعه في الوجود الخارجي، والمراد أردتم الطلاق، وليس في الآية ما يدل على إباحة الطلاق ولا عدم إباحيته. قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي لاستقبال عدتهن، والمطلقة في الحيض لَا تستقبل العدة؛ لأنها تمكث حتى تطهر، فحينئذ تبدأ بحسب العدة؛ بخلاف المطلقة في الطهر، فإنها تحسب بذلك الطهر فهي مطلقة في الزمن التي تستقبل فيه عدتها إثر الطلاق، وفيه دليل على منع الطلاق في الحيض، وهو مذهب مالك في جميع مسائل الفقه إلا في مسألة واحدة، وهي طلاق المولي إذا انقضى أمد الإيلاء وهي حائض، فاختلف قوله، فقال مرة: يطلق عليه الحاكم حينئذ، وقال مرة: يتربص حتى تطهر، فحينئذ يطلقها عليه، وهو مذهب ابن القاسم، وأما طلاق الحامل فعلى الاختلاف في دمها هل دم حيض أم لَا، قال مكي: ومعنى قوله تعالى: (لِعِدَّتِهِنَّ)، واعتيادهن، أي للأقراء التي اعتدتها ويرد باختلاف المادة، وإنما المعنى العدة أي للأقراء التي [يعدونها*] ويحسبونها، فإن قلت: يلزمك أن يكون عطف (وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ)، تكرار؟ قلت: المراد بالأول: العدة، وبالثاني: إحصاؤها، ويكون تأكيدا، أو أسند الطلاق إلى الرجال، والعدة إلى النساء؛ لأن طلاق العبد طلقتان، ولو كانت زوجته حرة، وعدة الأمة حيضتان ولو كان زوجها حرا.

الطلاق 65:2

قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ). اختلفوا هل الحد جزء من المحدود أو غيره؟ ذكر ابن سهل في أحكامه: أن ابن عتاب أفتى فيمن اشترى [أرضا*] موقعها حده القبلي أو الشرقي الشجرة الفلانية، بأن الشجرة داخلة في المبيع انتهى، وهذه الآية معضدة لقوله تعالى: (وَمَنْ يَتَعَدَّ)، فلو كان الحد غير المحدود؛ لكان الذي يصل إلى حدود الله ولا يتجاوزها إلى غيرها متعديا؛ لأنه تعد الشيء الذي هي حد له، فلما قال (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ)، دل على أنها جزء من المحدود. قوله تعالى: (فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ). لحديث: " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] "، وهو صحيح، إلى غير ذلك من الأحاديث. قوله تعالى: (لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا). فسره بالمراجعة أو الندم وانقلاب البغض محبة، والآية خرجت على سبب، وهو إرادة الرجعة، وهي قضية [في معين*]، والصحيح أن العام الخارج لَا يقصر على سبب بل يعم. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي قاربن انقضاء عدتهن، فراجعوهن إن شئتم، أو دوموا على فرقتكم لهن، وجعله هنا فراقا مع أن الفراق واقع فيما سبق، إشارة إلى أنه الزمن الذي ينتهي إليه [ما بيد الأزواج*] من الرجعة الجبرية، فإذا مر ذلك الزمن فلم يرتجعوهن فقد خرجن من عصمتهم. قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ). فيها دليل على منع أخذ الأجرة على الشهادة، إلا أن يقال: معنى إقامة الشهادة لله، أي في الإتيان بها على وجهها من غير اتباع هؤلاء [عَرضا دنيويا*]، [فذكرها*] لَا ينافى أخذ الأجرة عليها. قوله تعالى: (ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). إن قلنا: إن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، فيكون المراد: يوعظون الوعظ النافع، فإِن قلنا: إنهم ليسوا مخاطبين بالفروع، فيكون المراد مطلق الوعظ. في المدونة مسائل تدل على أنهم مخاطبون، منها قوله في كتاب السلم الثالث: وإذا ابتاع ذمي

الطلاق 65:4

طعاما من ذمي، فأراد بيعه قبل قبضه، لم أحب لمسلم أن يبتاعه، وفي التجارة بأن من الحرب، إذا فرق أهل الكتاب بين الأم وولدها وباعوا لنا الأم، قال: يكره لنا شراؤها، والكراهة للتحريم بخلاف التي في المسلم، وفي كتاب القيام منها ما يدل على أنهم غير مخاطبين بالفروع، وتكلم الباجي على ذلك في الصيام في المسافر: يقدم في رمضان فيريد أن يطأ زوجته الكافرة في النهار. قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا). في صدق بعض ما يلزم هذه الشرطية من المنفصلتين المانعتين الجمع والخلو نظر. قوله تعالى: ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إن قلت: ما أفاد مع أنه معلوم، لأنه لَا حيض إلا لهن؟ فالجواب: أنه يتضمن كون الخطاب للموجودين؛ لأن الإضافة في (مِن نِسَائِكُم)، للمخاطب والمخاطب لا يكون إلا موجود فقائدته إخراج المتوفى عنها؛ لأن عدتها أربعة أشهر وعشرا، إذ هي زوجة الميت والميت غير موجود. قوله تعالى: (فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ). وفي سورة البقرة (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ)، والجواب: أنه لو [قال*] هناك يتربصن ثلاثة أشهر [أوهَم*] أنها تجلس ثلاثة أشهر فقط، مع أنها إذا ارتابت تجلس سنة، لكن الثلاثة أشهر هنا عدة، ولذلك قال مالك: العدة في الطلاق قبل الريبة، وفي الوفاة بعد الريبة. قوله تعالى: (وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ). ابن عطية: المتوفى عنها إذا كانت حاملا فالمذهب أن عدتها [بوضعها*]، وقال علي وابن عباس: عدتها أقصى الأجلين، وحكاه بعضهم عن سحنون، قال: وسبب الخلاف تعارض الآيتين (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ)، مع هذه الآية عموم وخصوص من وجه دون وجه، واختلف الأصوليون في النصين إذا كان كل واحد أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه، [قيل*]: بالوقف، وقيل: [الآخر*] ينسخ الأول: فآية البقرة أعم في الزمان حاملا كانت أو غير حامل، وآية الطلاق أعم في الحوامل مطلقات أو متوفى عنهن، وأخص في الزمان فمن يجمع بينهما ولا ينسخ أحدهما بالأخرى فظاهر، ومن ينسخ أحدهما بالآخر يجعل هذه ناسخة لتلك، ومن لَا يقول بالنسخ يجعلها مخصصة لتلك، فيتعارض النسخ

الطلاق 65:6

والتخصيص، فالتخصيص أولى، والمشهور أنها إذا وضعت ولدا وبقي في بطنها آخر أن عدتها لَا تنقضي إلا [بوضع*] الولد الثاني انتهى، وعبر في الحوامل بالأجل دون العدة، فلم يقل: وأولات الأحمال عدتهن أن يضعن حملهن، وعبر في غير الحوامل بالعدة مع أن الجميع عدة. قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا). التقوى الأولى: في الأمر الدنيوي، والثانية: في الأخروي، أو هو إشارة إلى حالتي [المعتدة*] من الحوامل، فمنهن من اتقت الله تعالى فليس عليها مشقة في الولادة فلها الأجر العظيم، أي يتق الله فجزاؤه أحد أمرين: إما دنيوي بتسهيل الولادة وتيسيرها، وإما أخروي بتكفير السيئات وكثرة الأجر إذا عسرت عليها الولادة. قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ إن قلت: ما أفاد هذا مع قوله تعالى: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ)، قلت: فائدته إدخال صورة، وهي من يسكن بزوجته في دار بالكراء، ثم يطلقها في آخر مدة الكراء، فهذه الصورة غير داخلة في الآية الأولى، لأن ذلك المسكن ليس من بيوتهن، وهذه الآية تتناول الصورة المذكورة. قوله تعالى: (مِنْ وُجْدِكُمْ). أعربه الزمخشري: عطف بيان، واعترضه أبو حيان بتكرار العامل، ونص عليه ابن السيد في إصلاح الخلل، ويعترض أيضا بأنه يجب في عطف البيان عطف توافقهما في المعرفة والتنكير، فعلى هذا جرى قوله (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ)، عطف بيان، ورده ابن مالك بأنه خلاف إجماع الفريقين، وهنا الجملة التي أضيفت إليها حيث نكرة بدليل وصف النكرة بها، تقول: جاء رجل يضحك انتهى، ولا يحتاج إلى هذا بل يتعلق ب (سَكَنْتُمْ)، فيكون إشارة إلى أنه لَا يجب استواء المعتدة والزوج في السكنى في كل حالة من حالات السكنى، بل في حال الوجد، فإن كان مثلا يسكن في بيت بالكراء بدينار، فانقضت المدة قبل تمام العدة، ولم يجد إلا بأقل من دينار، فإِنه لَا يكلف أزيد منه. قوله (تُضَارُّوهُنَّ)، هذا [مفاعلة ينهي فيها عن مضارة من ضره*]، فأحرى [عدم*] مضارة من لم يضره، وهل المضارة سبب في التضييق في المضارة، فيه نظر. قوله تعالى: (فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى).

الطلاق 65:8

إن قلت: لم أفرد الضمير، وقد وقع الخطاب أولا بالجمع في قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ)؟ فالجواب: أنه لما كانت حالة العسر أقل من حالة اليسر، أفرد الضمير إشعارا بالوحدة الدالة على القلة. قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ كان بعضهم يقول: الظاهر أن الجواب: (أعد الله لهم) وقرره بأن الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمناسب في التسلية تكرير الأشياء والمتسلي بها وإعداد العقاب أخص من العتو عن أمر الله، فتعليق التسلية على الأخص أبلغ، لأن كل ما لزم الأخص لزم الأعم، دون رده عليه بأن التسلية إنما تكون بأمر نزل جنسه لغير المخاطب، وإما ذكر ما يحل من العذاب بقومه في [الدنيا*] فيزيده غما وتأسفا وحزنا عليهم، وإنما يتسلى بعتو [أمثالهم*] على كثير من الأنبياء، فإن قلت: لم قرن الشدة [بالحساب*]، [والنكر*] بالعذاب، فهلا قال: [(فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا نُكْرًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا شَدِيدًا) *]، قلت: الحساب ليس فيه ما ينكر، والعذاب غير المعهود منكر. قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا﴾ لأن الإنسان قد يذوق العذاب ثم يعقبه الخير والسلامة. قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ ابن عطية: لَا خلاف بين العلماء أن السماوات سبع، لقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا)، فسر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمرهن في حديث الإسراء حتى قال: "ثم صعدنا إلى السماء السابعة"، وقال لسعد: "حَكَمْتَ بِحُكْمِ الْمَلِكِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقُعَةٍ" انتهى، هذا ما يتم إلا على أصول الحكماء الفاسدة التي [نخالف*] نحن فيها، لأن كونها كذلك [حجة*]، إما للعقل أو للسمع، فالعقل لَا مدخل له في عددها، وإن ادعوا إسناد ذلك إلى العادة، فهي دعوى باطلة إذ لَا يعلم ذلك بالعادة بوجه فلم يبق إلا السمع، وهو مخالف لهم ومبني على أنها لَا تقبل الخرق، وأما عندنا فيصح قبولها للخرق، كما نشاهده في جرم السمع وجرم الميناء [تخرقه*] السفينة، ويرجع كما كان ففي الممكن أن تلك الكواكب والشمس والقمر [تخرقها*] كلها، وتنتقل من سماء إلى سماء، وإذا كان كذلك فيبطل استدلالهم على الطول، وغير ذلك بالرصد، ومذهب الحكماء أن السماوات كربطة البصلة، واحدة فوق أخرى متلاصقة، ومذهب أهل السنة أن بينها فضاء حاجزا، [وَرَدَ*] أن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام، وبين كل سماءين خمسمائة عام، لكنه لم يصح، وأشار له الزمخشري في سورة النازعات، وذكر الحكماء: أن الأفلاك تسعة منها السبعة المشهورة، [والفلك الأطلس، وفلك البروج [وذلك المسمى*] بفلك البروج هو الثامن، والأطلس فوقه ليس فيه كواكب بوجه، [**وفلك الوهم] محيط بالجميع حركته أسرع من طرفة العين، فإن قلت: هلا كانت الملائكة مخلوقين قبل السماوات [أو لا*]؟ فالجواب إن قلنا: بإثبات الجوهر الفارق، وهو موجود لَا يتحيز ولا قائم بالمتحيز، وهو مذهب الحكماء، فنقول: يصح أن يكونوا مخلوقين قبل ذلك، وإن منعنا ذلك فيمنع صحة خلقهم، قيل: لأن الموجود إما متحيز أو قائم بالمتحيز، فهو إما في مكان أو في حيز أو نقول: كانوا في الفضاء وهو حيزهم كما هي السماوات الآن في الحيز لا في المكان. قوله تعالى: (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، ابن عطية: روي عن قوم من العلماء أنهم قالوا: الأرض واحدة، وهي مماثلة لكل سماء بانفرادها في ارتفاع جرمها، وفي أن فيها عالما يعبد، كما أن في الأرض عالما يعبد، انتهى، لَا يصح أن تكون المماثلة في الذات والصفات، لأنهم قرروا في علم الهيئة، أن الشمس أكبر من الأرض، وهي أصغر من السماء، فكيف يكون جرم الأرض قدر جرم [السماء*]؟ المماثلة ليست من جميع الوجود، وهذا كقوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: إذا سمعتم النداء، فقولوا مثل ما يقول المؤذن، مع أنه لا يحاكيه في الحيعلة والحوقلة، وذكر ذلك ابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب الصرف في مسألة سعيد بن المسيب، وحكى ابن سينا الخلاف في الأرضين أنها سبع أو لَا؟ واختار أنها سبع، وقال المازري في المعلم: سألني عن ذلك شيخنا عبد الحميد الصائغ، وكتب لي بعد فراقي له، هل وقع في الشرع ما يدل على أن الأرضين سبع؟ فأجبته بقول الله تعالى (وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ)، وبحديث " [مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ*] " خرجه مسلم، قال [فأتم*] كتابه إلي، وقال: إن الآية محتملة هل مثلهن في الشكل والهيئة [أو*] في العدد، والحديث أخبار [آحاد، والقرآن*] إذا احتمل، والحديث إذا لم يتواتر، لم يصح القطع بذلك، والمسألة علمية ليست من العمليات، فلا يتمسك فيها بالظواهر، وبأخبار الآحاد، قال: فأعدت إليه المجاوبة [فاحتج*] ببعد الاحتمال من القرآن، وبسط القول في ذلك، وترددت له في آخر كتابي في احتمال ما قال: فقطع المجاوبة، قال في شرح الجوزقي: لأنه كان انقطع في آخر عمره للعبادة، ذكره لما تكلم في الأذان، انتهى، [إلا أن*] ظاهر كلامهما أن المسائل العلمية لَا تثبت إلا بالدلائل القطعية [مطلقا*]، ولذلك منعت فرقة التفضيل بين الصحابة، لأن ذلك أمر علمي عندهم [صرف*]، ودلائل التفضيل لَا تنهض للقطع، وإلا ظهر أن المسائل العلمية على قسمين فما يرجع منهما لأحكام العقائد، كالأحكام المتعلقة بالذات [العَليَّة*]، كالحكم بجواز [رؤيته*] عز وجل مع تنزيهه وتقديسه عن الجهة والمكان، والحكم بكونه سميعا بصيرا مع تنزيهه عن الجارحة وأعضاء السمع (يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) والبصر [وأحكام النبوة وختمها*]، وانقطاعها؛ [وهذا*] لَا يصح إلا بما يفيد القطع اتفاقا، وأما ما يرجع إلى ما ليس من أحكام العقائد [كـ كون*] الأرضين سبعا، وكأفضلية بعض الصحابة على بعض، والحكم بأن الكفار مخاطبون بالفروع [أم لا؟ *] على رأي القاضي أبي بكر الباقلاني، وأكثر الأصوليين من أن ثمرة ذلك إنما هي حاصلة في الدار الآخرة، وكالحكم بجواز كرامات الأولياء، وهو مذهب جمهور أهل السنة، وكون الذبيح إسماعيل أو إسحاق فهذا يصح إثباته بالدلائل الظنية [ولَا يلزم*] من تحصيله بها إخلال بواجب، ومعنى كونها علمية أنها اعتقادية فقط لَا عمل فيها بوجه. (الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ) قرره الغزالي في [**المضنون به] بكلام جار على قواعد الحكماء. قوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). ابن عطية: عام مخصوص بالواجب والمستحيل، ابن التلمساني في شرح المعالم الفقهية: أجمعوا على أن المعدوم المستحيل في نفيه كقلب الأجناس واللون في محلين في زمن واحد، لَا يتعلق به قدرة لَا قديمة ولا حادثة، وقال السراج في الموجز: قولك: (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، دال بالمطابقة على عموم العلم [لا [حادثه*]، [فقولك*] الله قادر عَلى كل شيء، دال بالتضمن، لأنه إنما يدل على بعض مسماه، لأن القدرة لَا تتعلق بالواجب ولا بالمستحيل، وقال القرافي: دلالة العالم على بعض أفراده، لَا يصح أن [تكون*] مطابقة ولا التزاما، لأنه داخل في المسمى، ولا تضمنا، لأنه كلية لَا كل. انتهى، ويرد بأنه إن أريد دلالته عليه من حيث كونه جزءا من كل فهي تضمن، وإن أريد دلالته عليه من حيث كونه [... ] فهي مطابقة فهل هو من قسم الجزئي والكلي، أو من قسم الجزء أو الكل، ابن التلمساني في فروع المسألة الرابعة من الباب الثالث: المخاطب يندرج في العموم على الأصح، قال تعالى (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)، وهو عليم بذاته وصفاته، واحتج المانع بقوله تعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ)، ويقول القائل: من دخل داري فأعطه درهما، فإنه يتناوله واجب بأن الأول: مخصوص بدليل العقل، والثاني: العرف، والحكم في ذلك كله للقرائن، انتهى، والقدرة مختصة بالله عز وجل، والعلم يشاركه فيه الغير، فكذلك عبر فيه بالإحاطة الخاصة بالله، والصفات على ثلاثة أقسام: صفة قاصرة على ذات الله تعالى، كالحياة والبقاء، وصفة متعلقة مؤثرة، كالقدرة، وصفة متعلقة غير مؤثرة، كالعلم، وأما الإرادة فاختلفوا هل هي من الصفات المؤثرة أو لَا؟ وسبب الخلاف النظر في [التأثير*] أعم من ذلك، ومن التخصيص فالإرادة مؤثرة. * * *

التحريم 66:1

سُورَةُ التَّحْرِيمِ [(١)] السؤال بـ (لم) عن صلة الحكم والعادة في خطاب الأشراف تقديم لفظ المخاطب أو زوال ما [يتوقَّاه*] ويخافه، كقوله تعالى: (عَفَا اللَّهُ عَنكَ) [التوبة: ٤٣]، وكذلك تصدير الخطاب هنا ب (أَيُّهَا النبِيِّ)، دال على الاعتناء بشأنه عظيم [تُحَرِّمُ*] وعبر هنا عن ما وقع العتب عليه بالمضارع، وفي قوله تعالى: (لِمَ أَذِنْتَ لَهُم)، بالماضي لدوام متعلق التحريم، وانقطاع [تعلق*] الإذن والتحريم قسمان حكمي والتزامي، [فقولك*] حرم أبو حنيفة هندا، أي أفتى أو حكم بتحريمها لا على بعلها، وحرم زيد هندا، أي التزم تحريمها، وهذه الآية من القسم الثاني، فإِن قلت: الاستمتاع بها جائز له فعله وتركه، فإذا حرمه فقد أخذ الجائزين فلم عوتب؟ قلنا: لَا تسلم أنه يجوز تركه بالتحريم، بل الفعل والترك من غير إضافة تحريم إليه هو المباح. قوله تعالى: (تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ). مفهومه منع التحريم لغير مرضاتهن من باب أحرى. قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الأصل [استعمال*] اللفظ في مفهومه الحقيقي، وتقرر أن الكلام لَا يتركب مع أجزاء متنافية، ومفهوم فرض الحقيقة [... ] مفهوم الحلية إما للإباحة أو ما هو أخص منها، فلو كان المراد [بالفرض*] والحلية مفهوميهما [الحقيقيين*]، للزم منه تنافي الكلام لتنافي أجزائه، فيكون واجبا مباحا، هذا [**خلف فلأجل دليلته] ما أريد بهما [مفهومهما الحقيقيان*]، بل أريد [بالفرض*] البيان، وبالحلية حلية العقد، أي قد بين الله لكم حل عقد أيمانكم، ويصح أن يقال للمباح واجب، لأنه قد يلحقه الوجوب لعارض، وإنما يمتنع ذلك في الواجب لذاته لَا لعارض، كما تقول أكل الجراد مباح، والمباح واجب على أنه محصل للواجب، وهو مدخلة الجوع، وفي الآية التفات لقوله تعالى: (لَكُمْ)، ولم يقل ذلك. قوله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا﴾ الأكثر في الخطاب التكليفي، أن يؤتى فيه بصيغة الأمر، كقوله تعالى: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا)، فأجيب: بأن الخطاب إن كان لمن يتأثر [به*] أتى به في سياق الشرط تشريفا له وتلطفا في الخطاب، وإن كان بحيث لَا يتأثر، أتى أمرا صريحا [نقض*] عليه بقوله تعالى في براءة (فَإِنْ تُبْتُم فَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ)

التحريم 66:5

وفي التنبيه في سماع ابن القاسم من كتاب الغائب، قال مالك: [فيمن*]، قال: إن فعلت كذا زوجتك ابنتي أو بعتك سلعتي، هذه فإِنه لَا يلزمه شيء، وكأنه قال: إن فعلت كذا، زوجتك، فهو وعد بالتزويج لَا [التزاما*]، وهذا عند النحويين أعني قوله: (قُلُوبُكُمَا) ما ورد في التشبيه بلفظ الجمع، قاله سيبوبه وغيره، وجعله الفخر جمعا حقيقة باختلاف حالات القلب وتبدلها وتقلبها فكأنها قلوب. قوله تعالى: (وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ). قيل: المراد به علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهذا عكس ما يقولون في الخبر والشهادة من أن متعلق الشهادة قاصر على المشهود، فلا يقبل فيه شهادة الرجل لنفسه، ومتعلق الخبر عام وجاء هذا الخبر بجر النفع للمخبر فقط، وقيل: المراد بصالحهم الأنبياء المتقدمون ونصرتهم النبي صلى الله عليه وسلم، بدعائهم له كما دعا له إبراهيم. قوله تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ﴾ ابن عصفور: كل ما في القرآن من عسى [فهي*] واجبة، لأن وعد الله تعالى حق لا بد من وقوعه، إلا هذه، فإنها على بابها من الترجي، انتهى، يرد بأنها هنا واجبة، وجوبا متوقفا على حصول ذلك الأمر المقدر وقوعه بإرادة الشرط، فلم يقع الطلاق فلم يقع التبديل، وانظر ما تقدم في سورة البقرة في قوله تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)، وقوله تعالى: (إِنْ طَلَّقَكُنَّ)، ولم يقل: حرمكن، فيه ترجية لأزواجه، والمراد أنه مستغني عنكن، فلا تعودن لمثل ما فعلتن من إفشاء سره، فهو عتب لأزواجه. قوله تعالى: (مُسْلِمَاتٍ). قدم الإسلام على الإيمان، لأن القصد الترقي، والإيمان أعم؛ لأنه من أفعال القلوب، والإسلام من أفعال الجوارح، فقد يظهر من الشخص أنه مسلم وهو منافق، والعبادة أخص مما قبلها، [وهي*] بمادتها تدل على الكثرة والملازمة، وجواب الزمخشري عن إدخال الواو في (وَأَبْكَارًا)، دون ما قبلها [منقوض*] بقوله تعالى: (الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ)، الأمر والنهي صفتان لَا يستحيل احتمالهما في موصوف واحد. قوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾

التحريم 66:7

يحتمل أن يراد بالأول: طاعتهم له في اجتناب ما نهاهم عنه، لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وبالثاني: طاعتهم في فعل يأمرهم به، وقال الفخر في المحصول: إن قال قائل: إن قوله (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)، تكرار؟ فالجواب: أن الأول: ماض، والثاني: مستقبل أي لَا يعصونه فيما أمرهم في الماضي، وهو في الحال (وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ)، ورده عليه القرافي: بأن (لَا) إنما تنفي المستقبل، فالأول مستقبل، والثاني كذلك، ويجاب: بأن الأول إخبار عن عدم عصيانهم فيما سيؤمرون به في المستقبل، ولم يقع منهم عصيان لما أمروا به، وهم من شأنهم أن لَا يعصون فيما سيأمرهم به. قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧)﴾ إن قلت: ما وجه المناسبة بين هاتين الجملتين مع أن [المتبادر*] للفهم أن يقال: لا يظلمون اليوم؟ فالجواب: أن العفو هو ترك المؤاخذة [بالذنب*] [... ] موجبا، والمعذرة هي إلقاء كلمة تمهيدا لرجاء عدم المؤاخذة بالذنب لعدم [**مزجها]، فالمراد أنا لم [نجركم*] إلا بما كسبتم وجنيتم، وجواب [آخر*]: وهو أن المعذرة تارة تكون لإسقاط المؤاخذة، [وتارة*] تكون لتخفيف العقوبة، فالآية كأنها أتت على قسم ثالث، وهو ليس بتخفيف، حتى [**ما جاز على بعض الذنب ولا الإسقاط؛ بل على العمل فقط]، ويصح أن [يكون*] الوقف على (لَا تعتذروا) ويتعلق (اليوم) بما بعده. قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ جعله المفسرون (يَوْمَ) متعلقا بـ (يُدْخِلَكُمْ)، والأولى أن يكون العامل فيه (اذكر) [مقدرا*]، فإن قلت: الإضمار على خلاف الأصل؟ قلت: فيه سلامة الآية من التكرار المعنوي، لأن قوله (عَسَى رَبُّكُمْ)، إلى آخره ملزوم لنفي الخزي، وقد [شرع*] به ثانية فيؤول إلى قولنا (عَسَى رَبُّكُمْ)، أن لَا [يخزيكم*] واحتج بها المعتزلة على أن [العاصي*] مخلد في نار جهنم بعد الجمع [بينها*]، وبين قوله تعالى: (رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ)، حسبما قرره ابن الحاجب، ووجه الدليل أن يقال: كل من دخل النار مخزي بآية آل عمران، ولا شيء من المؤمنين مخزي؛ عملا بهذه الآية فلا شيء ممن يدخل النار بمؤمن، ثم تنعكس [... ] فتقول لا شيء من المؤمن بداخل النار، وأجاب الشيرازي وغيره بوجهين: أحدهما: أن المراد بالذين آمنوا معه الصحابة فقط. والثاني: أن [(الذين آمنوا معه) *] مستأنف، وليس معطوفا على ما قبله بوجه، ويجاب أيضا بوجه ثالث: وهو أن الخزي مقيد بذلك اليوم، فيكون ذلك اليوم هو وقت دخولهم الجنة، فإنهم غير [مخزيين*] حينئذ، وأما قبل ذلك حين دخولهم النار فهو يوم آخر.

التحريم 66:9

قوله تعالى: (وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). إن قلت: المناسب إنك غفور رحيم؟ قلت: هو مرتب على [محذوف*] وهو قوله تعالى: (يَسْعَى نُورُهُم)، إلى آخره. في الآية معنى القلب أي يسعون بنورهم، فإِن سعي النور [إنما هو بقتال*] الكفار بالسيف والمنافقين بالاحتجاج. انتهى، فجيء فيه استعمال اللفظ الواحد يتبع انتقالهم إذ هو صفة لهم. قوله تعالى: [(جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ... (٩) *] الزمخشري: [جاهد*] الكفار بالسيف، والمنافقين بالاحتجاج انتهى، [جيء*] فيه استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه، [... ] بأن يكون من باب علفتها تبنا وماء باردا، أي جاهد الكفار وعارض المنافقين بالاحتجاج، وهو من عطف الخاص على العام، والجهاد أربعة أنواع: أحدها: قتال الكفار، والثاني: حضور معركة القتال للقتال، وإن لم يقاتل كما فعل كثير من أكابر الصحابة، والثالث: الدخول لأرض العدو للمقاتلة، كما قال مالك: فيمن دخل أرض العدو للإغارة عليهم، [وإضعافهم*] أنه مجاهد، فهذا كله جهاد، [**وغائر تلك بينه وبين الرباط بأرض الإسلام لحراسة الإسلام من العدو]، الرابع: الخروج برسم الجهاد، فقد قال مالك: فيمن خرجوا للجهاد [فتفرقوا*] فحضر بعضهم الغنيمة إن الجميع يشتركون فيها، وكذلك قال في السفن [إذا غمرتهم الريح*]، أن الغائبين عن الغنيمة يشاركون من [حضر*] فيها، فإن قلت: أعيان المنافقين من أين نعلمهم، فإن كانوا معلومين عنده، فليسوا بمنافقين، لأن المنافق هو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وإن لم يكونوا معلومين عنده فيلزمه تكليف ما لَا يطاق؟ فالجواب: إنما ذلك في التكليف التأثيري، كما لو أمر بقتالهم، فيقول: لَا يقاتلهم خشية أن [يقع*] في المؤمنين منهم [وهن*]، إنما أمر بإقامة الحجة [فيلقيها*] على الجميع يسمعها المنافق وغيره، لعلها تنفع المنافقين من باب ما لَا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب. قوله تعالى: (وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ). إن قلت: ما فائدة التغليظ عليهم، مع [عدم*] الامتثال؟ قلت: هو قطع لحجتهم وتعذرهم. قوله تعالى: (وَبِئْسَ الْمَصِيرُ).

التحريم 66:10

إن قلت: ما السر في العدول عن المشاكلة اللفظية إلى المنصوب، ولم يقل: وبئس المأوى؟ فالجواب: أنه علقه على الأعم، فيلزم ثبوته للأخص على [أن*] المصير أعم من المأوى. قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المثل مضروب للجميع، لكن خص بالأول الكافر؛ ولكونه مثلا لمن هو كافر من جنسهم، وخصص الآخر بالمؤمنين؛ لكونه مثلا لمن هو من جنسهم. قوله تعالى: (كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ). أفاد ذكر هذا [التشريف بوصفي العبودية والصلاح*]. قوله تعالى: (فَخَانَتَاهُمَا). ابن عطية: اختلفوا في خيانة هاتين المرأتين، فقال ابن عباس: ما بغت زوجة نبي قط، ولا ابتلى الأنبياء في نسائهم لهذا، وإنما خانتاهما في الكفر، وكانت زوجة نوح تقول إنه مجنون، وامرأة لوط كانت تنم إلى قومه متى أتاه ضيف، وقال الحسن: خانتاهما في الكفر والزنا وغيره. انتهى، وهذا خلاف في حال، فابن عباس رأى أن الزنا منهن [نقص*] في أزواجهن، فمنع من ذلك، وأما الحسن فلم ير ذلك موجبا للنقص في الأزواج. وقوله تعالى: (فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا)، يدل على ما قال ابن عباس: لأن تلك الفاحشة ليست [مشروعة*]، [فلا يغني فيها*] أحدٌ عن أحدٍ. قوله تعالى: (مَعَ الدَّاخِلِينَ). إشارة إلى كونهما في منزلتهم، وإن قرابتهما لَا تخفف عنهما شيئا. * * *

الملك 67:1

سُورَةُ الْمُلْكِ منها ابتدأت القراءة على شيخنا يوم السبت الثاني عشر شهر ربيع الآخر عام خمسة وسبعين وسبعمائة، الزمخشري: مكية، زاد ابن عطية: بإجماع. الزمخشري، وتسمى الواقية والمنجية، لأنها تقي قارئها من عذاب القبر، وذكر ابن عطية في ذلك أربعة أحاديث، وقد تقرر [أن*] أحاديث الفضائل كلها لم يصح [منها*] إلا أحاديث قليلة ليس هذا منها، ابن عطية: ويروى أن في التوراة سورة الملك من قرأها في ليلة فقد أجاد [وطيب*]. انتهى، الذي في التوراة الإخبار عنها لَا أنها كانت موجودة في التوراة، فهي [كوصفه*] ﷺ في التوراة. قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ... (١)﴾ ابن عطية: من البركة، وهي التزيد في الخيرات، الزمخشري: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين، قالوا: وهو خاص بأنه لَا يسند إلا إليه، انتهى، وهو من [الكلام*] المناسب لفظه معناه [... ] [**الباري وجرى للندب]، و (تبارك) غير منصرف، ولفظه بالله فمعناه، وهو البركة والنمو، ولا يعقل فيهما تغير ولا تبدل بوجه مناسب للفظه. قوله تعالى: (بِيَدِهِ). ابن عطية: عبارة عن تحقيق الملك، لأن اليد في عرف الآدميين هي آلة التملك فهي [اسْتِعَارَةٌ*]، وقال الزمخشري: [مجاز عن*] الإحاطة بالملك والاستيلاء [عليه*]. انتهى، ويحتمل على مذهب أهل السنة أن يراد باليد القدرة، ووقع التعبير عن اليد في القرآن تارة بالإفراد وتارة [بالتثبية*] وتارة بالجمع، ووجهه أنه إن كثرت متعلقات القدرة جمعت، وإن قلت: أفردت، وإن توسطت ثنيت، والمُلْك أعم من المِلْك؛ لأنه مهما وجد الأخص وجد الأعم، فمنهما وجد الملك ولا ينعكس، لأن سائر النَّاس يملكون العبيد والأرض والثياب [ولا مُلك لهم*]، فإن قلت: هل بينهما عموم [وخصوص*] من وجه دون وجه، لأنا قد نجد بعض السلاطين لَا تملك شيئا، مع [**أدلة] الملك؟ قلت: هذا محال وجوده أو قليل، وفي الآية المذهب الكلامي، وهو الإتيان بالحكم مقرونا بدليله، واختلف هل هو موجود في القرآن أو لَا؟ فمنع الجاحظ وجوده فيه وأثبته غيره، وتقدم القول فيه في سورة يس، وهو على قسمين: برهاني نظري، كقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ)، وبرهاني ضروري،

الملك 67:2

كقولك: ساد من اتصف بالصلاح والكرم والشجاعة، وهذه الآية البرهان فيها ضروري، وهو اقتران البركة والتنزيه بالملك بالقدرة، وهما معلولان بالضرورة. قوله تعالى: (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). الزمخشري: على كل ما لم يوجد مما يدخل تحت القدرة انتهى، مذهب أهل السنة: أن المعدوم الممكن يطلق عليه شيء، ومذهب المعتزلة: أنه لَا يطلق عليه شيء، فإن أراد الزمخشري بقوله: مما لم يدخل تحت القدرة، [أنه بعض تخصيص*] فكلامه خطأ؛ للإجماع على أن [المعدوم*] المستحيل لَا يطلق عليه شيء، وإن كان ذلك الكلام منه تحقيقا لبيان لفظة (شيء)، فهو صواب، ابن عطية: وهو على كل موجود قدير، انتهى، إن قلنا: إن الأعراض [لا*] تبقى زمنين فظاهر، وإن قلنا: ببقائها، فيكون المراد، وهو على إعدام كل موجود قدير؛ لكن يرد عليه أن المشهور عندهم أن العدم الإضافي لَا تتعلق به القدرة، فينحصر الأمر إلى لفظة موجودة من باب تسمية الشيء بما يؤول إليه، وهو على كل ما سيوجد قدير باعتبار إيجاده واختراعه، والآية حجة لأهل السنة في أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى؛ إلا أن يجيب الآخرون بأنها تنسب إليه، بأن خالق فاعلها فهو خالقها بواسطة، فهو قادر على كل شيء؛ إما مباشرة أو بواسطة، وإذا قلنا: إن المخاطب داخل تحت الخطاب، [فيكون*] دليلا على صحة إطلاق لفظة شيء على [القديم*] إلا أن يكون مخصوصا، وكذلك إن قلنا: يمنع إطلاق لفظة شيء على القديم، فإن الصفات عندنا كلها قديمة فيكون اللفظ مخصوصا بها. قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ الفخر في المحصول: مذهب أهل السنة: أن الموت أمر وجودي، ومذهب المعتزلة: أنه أمر عدمي، والآية حجة لأن الخلق هو الإبراز [من*] العدم إلى الوجود، الآخرون بأن خلق يكون بمعنى قدر، قال الله تعالى (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، انتهى، [نقول إن العدم الإضافي تتعلق به القدرة*]، ابن عطية: وما في الحديث من قوله الرسول صلى الله عليه وسلم: " [" يُجَاءُ بِالْمَوْتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ -زَادَ أَبُو كُرَيْبٍ: فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَاتَّفَقَا فِي بَاقِي الْحَدِيثِ- فَيُقَالُ: يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ: وَيُقَالُ: يَا أَهْلَ النَّارِ هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ قَالَ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا الْمَوْتُ، قَالَ فَيُؤْمَرُ بِهِ فَيُذْبَحُ*] "، فقال أهل العلم ذلك تمثال كبش يوقع الله العلم الضروري لأهل الدارين، إنه الموت الذي ذاقوه في الدنيا، ويكون ذلك التمثال حاملا للموت انتهى، وهو صحيح خرَّجه مسلمٌ، ووجه ما قال: إن الموت صفة معنوية وظاهر الحديث أنه مخصوص فتناول على أن الكبش حامل له في معناه أنه حامل لجوهر متصف بتلك الصفة المعنوية التي هي عرض من الأعراض وهي الموت، لأنه لو كان حاملا للموت لكان ميتا، ابن عطية: والموت والحياة نقيضان مهما عدم أحدهما وجد الآخر، فالحمل قبل نفخ الروح فيه ميت، لأنه ليس بحي انتهى، إن قلت: وكذلك الجمادات كلها؟ قلت: لَا يقال ميت إلا فيما [هو قابل*] للحياة إلا أن يكون مثل [قولك*]: الحائط لَا يبصر، ويكون من السلب [والإيجاب*] لَا من باب العدم والملكة بخلاف قولك: زيد لَا يبصر، وقال الفخر: هنا في بعض النسخ ما حاصله، أن الحياة أمر عدمي وهو إعدام الموت، والموت أمر وجودي انتهى، وهو هوس باطل، لأن الله تعالى موصوف بالحياة لَا بالموت بإجماع [... ]. ، أنها وجودية لاستحالة اتصافه بالعدم، ومن بدع التفاسير، قول القرطبي: إن الموت هنا فرس، والحياة رجل راكب عليه، ولقد أجاد الزمخشري في قوله تعالى: (خَلَقَ) موتكم وحياتكم، وفي الآية من أنواع البيان المطابقة، قال ابن مالك في المصباح: المطابقة أن يجمع في كلام بين متضادين، وهي على ثلاثة أضرب: الأول: ما لفظاه [حقيقيان*]، وهي مطابقة بين محسوسين مثاله في الإيجاب، قوله تعالى: (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ)، وقول الشاعر: [أما والَّذِي أبكَى وأضحكَ والَّذِي؍ أماتَ وأحيَا والَّذِي أمْرُه الأَمْرُ*]؍ وفي السلب قوله تعالى: [(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) *]. الثاني: ما لفظه مجاز كقوله تعالى: (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)، أي ضالا فهديناه ومثله: حلوُ الشمائِل وهوَ مرٌّ باسلٌ؍ يحمِي الذمارَ صبيحةَ الإرهاقِ؍ الثالث: ما [أحد*] لفظيه حقيقة، والآخر مجاز؛ كقول أبي تمام: له منظرٌ في العينِ أبيضُ ناصعٌ؍ ولكنّه في القلبِ أسودُ أسفَعُ؍ والطباق في الآية بين معنيين، وذكر هذين الطرفين لأنهما أصلا كل شيء، فيدل على اتصافه بخلق ما [وكذلك*] من الألوان والطعوم والروائح من باب آخر، أو اللام في [(لِيَبْلُوَكُمْ) *] للتعليل، وهو على مذهب المعتزلة، واجب ظاهر، وأما على مذهبنا أفعال الله غير معللة، والمتكلم تارة يذكر [الفعل معللا*] بأمر واجب لَا بد منه، وتارة يذكره بأمر جائز فتقول لمن [حصره*] الأسد [ولا نجاة له منه إلا بسُلَّمٍ يصعد به على السطح، اصعد السلم لتنجو من الأسد*]، وتقول لولدك: افعل لي كذا لأعطيك درهما، وأنت قادر

الملك 67:3

على إعطائه وإن لم يفعل، وكذلك هذا قد يفعل [الفعل*] لسبب، ولو شاء أن يفعله لغير ذلك السبب [لفعله*]، وهو من باب ربط الأسباب بمسبباتها؛ لَا من باب التعليل الواجب، وقول ابن عطية: و (لِيَبْلُوَكُمْ)، فينظر، أو يعلم أيكم أحسن عملا، يرد بأن النظر إن أراد به العلم فهو تكرار، وإن أراد به الإبصار الحقيقي أو القلبي [فهما*] مستحيلان في [حق*] الله تعالى، الزمخشري: ألا يسمى هذا في النحو [تعليقا*]؟ (١) وإنما [التعليق*] عن المفعولين معا بخلاف المفعول الثاني وحده، ولو كان [تعليقا*] لافترقت الحالتان؛ كما [افترقتا*] في قولك: علمت [أَزَيدٌ*] منطلق، [وعلمت*] زيدًا منطلقا؛ ووافقه الطيبي، وخالفهما أبو حيان، ويحتمل أن يكون مراد الزمخشري أن [التعليق*] في قولك: علمت [أزيدًا*] قائم، لَا يقع التفريق فيه بين اللفظين، [لأن ما قبل*] أداة الاستفهام [منصوب*]، وبعد دخولها مرفوع، [والتعليق*] في قولك: علمت أزيدا وهو قائم، لَا يقع التفريق فيه إلا بالمعنى، خاصة لأن اللفظ متحد قبل الاستفهام، وإذا لم يزل مرفوعا أو يفرق بينهما بأن قولك: علمت زيدا قائما إخبار من علمك بمعنى منصوص عليه، وقولك: علمت أزيد قائم، إخبار عن علمك بمعين [... ] عن المخاطب. قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ حديث الإسراء دال على [وجود*] الخرق بين السماوات. قوله تعالى: (مِنْ تَفَاوُتٍ). أي من [عدم*] الإتقان والإحكام. قوله تعالى: (هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ). [جاء*] بأداة الاستفهام، تنبيها على سؤال المخاطب، وأنه يجيب بالموافقة وكفى رؤية الفطور، لكنه من باب نفي الشيء بنفي الشيء، أو نفي الشيء بإثباته مثل "عَلَى لَاحِبٍ لَا يَهْتَدِي بِمَنَارِهِ"، أي ليس فطور [فتُرى*]. قوله تعالى: ﴿كَرَّتَيْنِ... (٤)﴾ الزمخشري: التثنية هنا [للتكثير*]، أي كرة بعد كرة، مثل لبيك وسعديك، يريد إجابات كثيرة بعضها في إثر بعض، ومن ذلك قولهم في المثل دهدرّين سعد القين أي باطلا بعد باطل. انتهى (٢)، القين هو الحذار، قال الأستاذ أبو محمد عبد الله ابن السيد البطليوسي في جوابه عن المسألة السادسة عشر من أسئلته: اختلف الرواة في حقيقة لفظ هذا المثل ومعناه وإعرابه فرده الأصمعي إلى دهدزين سعد القين ووجهه أنه كلمة واحدة، لأن أبا عبيدة صرح بأنه تثنية، وأهل اللغة ذكروا أنه يقال للباطل: دهدر (١) النص في الكشاف هكذا: "فإن قلت: أتسمى هذا تعليقا؟ قلت: لا، إنما التعليق أن توقع بعده ما يسدّ مسدّ المفعولين جميعا، كقولك: علمت أيهما عمرو، وعلمت أزيد منطلق. ألا ترى أنه لا فصل بعد سبق أحد المفعولين بين أن يقع ما بعده مصدرا بحرف الاستفهام وغير مصدر به، ولو كان تعليقا لا فترقت الحالتان كما افترقتا في قولك: علمت أزيد منطلق. وعلمت زيدا منطلقا". اهـ (٢) قوله «دهدرين... الخ» في القاموس بضم الدالين وفتح الراء المشددة: اسم لبطل، وللباطل والكذب كالدهدر. ودهدرين سعد القين: أى بطل سعد الحداد. أو أن فينا ادعى أن اسمه سعد زمانا، ثم تبين كذبه، فقيل له ذلك» أى: جمعت باطلا إلى باطل يا سعد الحصاد. ويروى منفصلا «ده» أمر من الدهاء، و «درين» من در: أى تتابع، أى: بالغ في الكذب يا سعد. وفيه غير ذلك. اهـ. ودهدن بالراء أو النون، وإعرابه اسم فعل بمنزلة هيهات، فمعناه بطل سعد القين، فنرد فاعل بدهدزين، وهو مضاف إلى القين، والمراد تبعد السعادة، ومعناه أن اليقين كان من عادته أن ينزل في الخفي، فيشيع أنه منحدر غير مقيم، ليبادر إليه العمل، فكانت له في كذبه سعادة، فلما علم بكذبه بطل سعده، ولم ينتفع بكذبه ولذلك قالوا: إذا سمعت بسعد القين فاعلم أنه مصبح، وروى عن الأصمعي برفع سعد، والقين، فيكون القين صفة لسعد وسعد اسم رجل قين، وفي الكلام مضاف مقدر، أي بطل كذب سعد القين، وهذا [التنوين تخفيفا*]؛ لالتقاء الساكنين كقراءة بعضهم، (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدْ * اللَّهُ الصَّمَدُ)، وكتب سيبويه ولا ذاكر الله إلا قليلا، ويجوز في هذا أن يكون سعد منادى مفرد والقين صفة ودهدر اسما وقع موقع المصدر كما وقعت الحافرة في قوله: أحافِرَةً على صَلَعٍ وشَيْبٍ؍ مَعاذَ الله منْ سَفَهٍ وعارِ؍ موقع الرجوع الذي هو مصدر صحيح، أي ارجع إلى الصبا رجوعا بعد ما شبت وصلعت، والمعنى أكذب كذبتين يا سعد القين، وروي برفع مقدر إضافة القين إليه ودهدزين في هذا كله متصل، ورواه قوم (ده) منفصلا من دزين، وكان أبو زيد الكلابي يقول: ده دريه كذا رواه أبو عبيد عنه، ورواه ابن الأعرابي دهدرين سعد، ورواه معمر ابن المسني في كتاب المثال: دهدين وسعد القين، ورواه بعضهم دهدري سعد القين، بحذف النون وخفض سعد، وترك تنوينه، وروى يعقوب في الأمثال له دهدرين ساعد القين، قال: يريد سعد القين ذكر ذلك عن الأصمعي عن خلف الأسمر: أنه سمع أعرابيا يرويه كذلك، وقال أبو يزيد الأنصاري، يقال: للرجل يا هذا منه دهدرين وطرطبين ودهدري ودهدري، فأما من رواه (ده) منفصلا، فمعناه بالغ في الدهاء والكذب، ودرين من در الشيء [يدر*] إذا تتابع [**فتنوه] ومبالغة في [... ] كـ لبيك وسعديك ودواليك عده [**أمر ودرين] مصدره محمول على المعنى، وسعد اسم رجل منادى مفرد، والقين صفة أي بالغ مبالغتين في الكذب يا سعد القين، ومن رواه دهدريه فما لها فائدة على الكذب، لأن ده دليل عليه كقولهم من كذب: كان شرا له، ومن رواه دهدري بحذف النون وخفض سعد والقين، فليس اسم فعل، لأن أسماء الأفعال لَا تضاف كما لا تضاف الأفعال، بل هو مصدر هنا والعامل فيه فعل مضمر، أي كذب كذبتي سعد اسم رجل والقين صفته، وحذف التنوين من سعد لالتقاء الساكنين، وأما [... ] دهدرين سعد القين، فدهدر اسم رجل معروف بالكذب، فإذا كذب رجل شبه به أي هو مثله، وأطال الكلام فيه بما يرجع أكثره إلى هذا.

الملك 67:5

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ تأكيد هذه الجملة باعتبار المعطوف، لأن المعطوف عليه معلوم بالضرورة. قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا؍ لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧)﴾؍ اقتضت هذه الآية سماعهم ذلك بعد الإلقاء في [النار*]، إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا، وهذا يقتضي سماعهم ذلك قبل الإلقاء، فيجعل سماعهم ذلك قبل وبعد. قوله تعالى: [وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ]، وعلقه على [نَسْمَعُ*] دون سمعنا؛ لأن [نَسْمَعُ*] أبلغ لإفادته التجرد، والماضي إنما يفيد مطلق الوقوع منه، ويؤخذ من الآية أن السمع أفضل من البصر، لأنهم حصروا ما يكونون به كما عبر في السمع والعقل، فلو كان البصر أفضل أو مساويا لذكروه، وما قيل: [أيهما*] أبلغ، هل قولك: زيد في أصحاب العلم، أو من أصحاب العلم. قوله تعالى: ﴿بِذَنْبِهِمْ... (١١)﴾ لم يقل: [بكفرهم*] بالوصف الأعم، لأنهم إذا [اعترفوا*] على الأعم، فأحرى الأخص، وأفرده تنبيها على أن المراد من ذلك الأعم أخصه، وهو شيء واحد، وهو الكفر، ويكون ذلك الذنب تنبيها على دخول العصاة. قوله تعالى: ﴿قَوْلَكُمْ... (١٣)﴾ [حقيقة القول*] الذي هو أعم؛ لإطلاقه على المفردات والمركبات، فيتناول ما دونه من باب أحرى، باعتبار الصدق، والعطف وصيغة أفعل للتسوية. قوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ الزمخشري: (مَنْ) لَا يصح أن [تكون فاعلا*]، والمفعول محذوف؛ لأنه يكون المراد ألا يعلم الخالق، أي لَا يتصف الخالق بالعلم، فلا يكون لقوله (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، فائدة (١)؛ فرده صاحب التقريب: بأنه من باب تقييد المطلق، أي لَا يتصف بمطَلق العلم من هو موصوف بعلم كل شيء، وأجاب الطيبي: بأن العلم هنا ليس مطلقا، بل المراد به أخصه، وهو علم السر، [هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا (١٥) *] (٢) الامتنان بكون الأرض ذلولا لَا يتبادر منه للفهم الأمر [بالمشي*] فيها، ووقع الامتنان بنعمة الجلب والنفع. (١) النص في الكشاف هكذا: "فإن قلت: قدرت في أَلا يَعْلَمُ مفعولا على معنى: ألا يعلم ذلك المذكور مما أضمر في القلب وأظهر باللسان من خلق، فهلا جعلته مثل قولهم: هو يعطى ويمنع، وهلا كان المعنى: ألا يكون عالما من هو خالق، لأنّ الخلق لا يصح إلا مع العلم؟ قلت: أبت ذلك الحال التي هي قوله وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ لأنك لو قلت: ألا يكون عالما من هو خالق وهو اللطيف الخبير: لم يكن معنى صحيحا، لأنّ ألا يعلم معتمد على الحال. والشيء لا يوقت بنفسه، فلا يقال: ألا يعلم وهو عالم، ولكن ألا يعلم كذا وهو عالم بكل شيء". اهـ. (٢) زيادة ضرورية.

الملك 67:16

قوله تعالى: (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)، ثم بنعمة النفع بالتأمين من الخسف، ثم من إرسال الحاصب فهو ترقٍّ، لأن دفع المؤلم أكد من جلب الملائم. قوله تعالى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ فيه وجهين: إما أنه من مجاز الأسماء، والتقدير من [في*] السماء أمره، لكن يلزم عليه حذف بعض الصلة. وإما من مجاز التمثيل، فيكون لفظ السماء كناية عن العلو، أي [أأمنتم*] من اتصف بالعلو والرفعة، أن يخسف بكم الأرض، وتأوله الزمخشري بوجهين: أحدهما: هذا، والثاني: أنه خطاب للكفار على دعواهم واعتقادهم أنه في السماء، ورد بأنه تفريع على دعوى باطلة، ولا يصح التفريع على الدعوى الباطلة، إلا بعد بيان الدليل على بطلانها، والمذهب الحق عند الأصوليين: أن الله منزه عن الجهة والمكان، إذ لو كان متصفا بالمكان للزم عليه إما عدم حدوث العالم، أو حدوث الذات الكريمة، لأن المكان من جملة مخلوقاته، فلو كان [في*] مكان للزم قدمه، أو حدوث من حل فيه، وغلط عياض في الإكمال في حديث سودة لما قال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: اعتقها فإِنها مؤمنة، فذكر عياض فيه كلاما حاصله عدم تكفير من أثبت [الجهة*]، وهو باطل، وذكر مسلم حديث سودة في كتاب الصلاة، ولابن عبد البر فيه كلام باطل، وحكى القرطبي هنا قولا: أن المراد في الآية ملك العذاب، وهو جبريل، قال: قيل: إنه على حذف مضاف أي [أأمنتم*] خالق من في السماوات، وإفراد [السماء*] لأن المشاهد لنا سماء واحدة، ولأنه إذا حصل التخويف بمن في السماء، فأحرى أن يحصل بمن في الجميع، فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، والمراد بالخسف، إما مكانهم، أو جميع الأرض، والمراد بالحاصب إنزال الحجر عليهم؛ [اهتماما لجهة الفوق*]، لأنها المقصود بالنظر، فإن قلت: في سورة ص (وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً)، بالإفراد، وقال: هنا (صَافَّاتٍ... (١٩).. ، بالجمع، قلت: لأن انعطاف الطير لازم لها دائما، بخلاف الحشر؛ فإنه خاص بزمن داود - عليه السلام - لبعض الطير، وهو طير وطنه الذي كان فيه، فناسب الإفراد. [وفي*] سورة النحل (مُسَخرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ)، والفرق [**أعم الجو]. قوله تعالى: (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ).

الملك 67:20

وفي سورة النحل (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)، والجواب: أن هذه الآية سيقت للتذكير بالنعمة، فناسب وصف الرحمة، وآية النحل سيقت لبيان الألوهية وكمال القدرة والاختراع، فناسب لفظ الله الدال على الذات المعظمة، لأنه تقدمها (أَخرَجَكُم مِن بُطُونِ أُمَّهَاِتكُم)، تعقبها بقوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)، وهذه الآية تدل على وحدانية للصانع من جهة حصر الإمساك فيه، [وجمع الآيات*] المراد به الكثرة [فقال (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)، لكنه إشارة، فكان الأصل أن يعاد عليه ضمير الكثرة فقال (مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ)، لكنه إشارة إلى أن أقل شيء منه يرشد الناظر إليه إلى الاهتداء، أو أن الناظر لَا ينظر إلا إلى بعضه، لَا إلى كله، واستدلال الفخر لأهل السنة في أن أعمال العباد مخلوقة لله تعالى ضعيف؛ لأن الإمساك ليس من قدرة الطير، [ولا من فعله، ولا يخالف فيه أحد*]، وإنما من فعله قبض جناحيه وبسطها، فلو قيل: ما يبسطهن ويقبضهن إلا الرحمن لصح له الاستدلال بها. قوله تعالى: (إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ). تفسير الفخر بعليم خطأ، لأن أهل السنة يفرقرن بين صفة العلم وصفة البصر، فإِن قلت: المناسب هنا العلم والقدرة لَا البصر، قلت: وجه المناسبة أن الإنسان لَا يبصر كل الطير، وإنما بعضها، فأشار إلى أن الله تعالى بصير بجميعها، والمراد بلفظة شيء هنا الموجود، لأن المعدوم [لَا يبصر*]. قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ [أَمْ مَنْ يُشَارُ إِلَيْهِ مِنَ الْمَجْمُوعِ*] المشار إليه هنا مقدار الوجود، والمعنى أن تكذيبهم بالآيات وعدم الالتفات إليها إما لضلالهم واغترارهم، وإما لاعتقادهم أن لهم ناصرا ينصرهم ويحميهم من عذاب الله، [فلما*] انتفى الناصر؛ تعين أن ذلك مجرد مثلا لهم واغترارهم. ترله تعالى: (أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ... (٢١) لم يقل: هو يرزقكم بالبناء على المضمر، كما في التي قبلها، لأن هذا لم يدعه أحد، ولا يخالف فيه؛ خلاف الأول ونحوه، قال ابن هشام في قوله تعالى: (وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى)، فإن قلت: لم قرن هذا بأداة الشرط فقال (إِنَّ أَمْسَكَ رِزقَهُ)، ولم يقرن الأول بها، فلم يقل: أم من هذا الذي ينصركم إن لم ينصركم الرحمن، [أوْ لا*] يذكر الشرط فيهما معا؟ فالجواب: أن الرزق لازم لهم لابد لهم منه، إذ لَا قوام لهم دونه، فإِمساكه عنهم مستبعد أو ممتنع، إذ لَا حياة لهم

الملك 67:22

إلا معه، فأتى فيه بأن الداخلة على المحال أو القريب منه، وأما النصرة على الأعداء فليست لازمة، بل قد [تكون وقد لَا تكون*]، فلذلك لم يقرن إمساكها بـ (إنْ) للدلالة على الحال، فإِن قلت: ما مناسبة تعقب الأول بقوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)، وتعقب هذا بقوله (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)، هلا كان الأمر بالعكس؟ فالجواب: أن النصرة دالة على العتو والقوة، وهم [ادعوهمها*] لأنفسهم وزعموا أنهم ينصرون فلو عقب بقوله (بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ)، لتوهم أن لهم قوة واستنفارا لأنفسهم، فتحرز من ذلك بقوله تعالى: (إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ)، إشارة إلى أنهم اغتروا، فتوهموا أن لهم قوة [وتجلدا، وأنهم*] لَا يغلبون، بل ينصرون، ولما كان الرزق محققا نسبة إلى الله تعالى وهم مقرون بذلك وما ادعوا نسبته إليهم أصلا، عقبوا ببيان أنهم تعنتوا أو كذبوا ونفروا، ويقال في البهائم: نفرت نفورا، وفي بني آدم: نفرت نفيرا ونفارا وقوله تعالى: (وَنُفُورٍ)، إشارة إلى شدة جهلهم وغباوتهم أنهم فعلوا فعل البهائم في القول. قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ إن قلت: هل هذا التركيب مضاد وتعكسه، وهو أفمن [يَمْشِي سَوِيًّا*] أهدى، أم من يمشي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ؟ فالجواب: أنه غير متناوله، لأنه يقرب التهكم بهم في كون حالتهم مساوية بحالة غيرهم، ولا يحصل ذلك إلا بالتصدير لهم، الزمخشري: يكب من أكب، وليس هو مطاوع كب انتهى، ولم يبين وجه كونه غير مطاوع، وبيانه أن فعل المطاوع هو الذي يقع سببه من غير فاعله، كقولك: كسرته فانكسر، وغير المطاوع منه مقصور على فعل فاعله، مثل قام وقعد، وأكب هذا، يقول: أكب لمن اتصف [بالانكباب*] ابتداء من غير أن يكبه أحد. قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ﴾ إنما أعاد لفظة (قُلْ)، هذه خاصة، لأن عرف القرآن أن لَا يعاد لفظ (قُلْ) إلا حيث يراد التشريف والتعظيم والتشديد في الحكم، ولما كان جميع الآيات المتقدمة الاتعاظ فيها بآي خارج عن ذات الإنسان، والوعظ في هذه في أمر راجع لذاته [فأفهم*]، وأبلغ في الاتعاظ، والحصر بالضمير، والموصول يقتضي ألا مصور إلا الله تعالى، فمن نظر وتأمل وتحقق أن ذلك لَا بد له من فاعل، والفاعل لَا يصح أن يكون له فاعل آخر، [لئلا*] يلزم عليه التسلسل، ودلالة التمانع تحقق أن لَا موجد له إلا الله عز وجل. قوله تعالى: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ).

الملك 67:24

أفرد السمع وجمع الأبصار، إما لأن السمع مصدر يقع على القليل والكثير من جنسه فلا يثنى ولا يجمع، وإما لعمومه في جميع الجهات من غير حاجة إلى زيادة معه، لأن الإنسان يسمع كلام من خلفه وفوقه وتحته ويمينه وشماله من غير أن يقبل إلى تلك الجهة، بخلاف البصر لَا يبصر إلا من هو أمامه، ويحتاج في إبصاره من خلفه إلى حالة أخرى، وهي تكلف الانتقال إلى تلك الجهة، أو لأن الغالب [تساويهم*] في السمع وعدم تساويهم في الإبصار، وتكرر ذكر السمع والبصر في القرآن في مواضع في سورة الأنعام، وفي النحل، وفي الإسراء، وفي السجدة في موضعين، وفي الجاثية في غير موضع، فإن قلت: تقديم الأبصار على الأفئدة دليل على أنه سلك في الآية مسلك الترقي، قلت: إنما قدم السمع والبصر عليهما؛ لأنهما مقدمان في الوجود، لأن الأفئدة إنما ذكرت من حيث التعقل بها والتفكر [والتأمل*]، فيسمع ويبصر ولا يعقل شيئا، فإِن قلت: قد ذكر الفخر، والأصوليون أن المحسوسات فرع المعقولات، فلا يبصر الإنسان الشيء أو يسمعه حتى يتعقله، والأصل [تقدمه*] فلم أخره عنه؟ فالجواب: [أن*] المعقولات على قسمين: فالأمر الضروري منها البديهي متقدم على المحسوسات، والنظري منها المحتاج إلى الفكر والتأمل متأخر عن المحسوسات. قوله تعالى: (قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ). إن أريد العموم في المسلمين والكافرين، فالتقليل على حقيقته، وإن أريد الخصوص بالكفار؛ فالتقليل بمعنى العدم، مثل مررت بأرض قل ما تنبت [البقل*]. قوله تعالى: ﴿ذَرَأَكُمْ... (٢٤)﴾ الذرأ ثاني رتبة عن الخلق. قوله تعالى: ﴿مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ سماه [وعدًا*] مع أنه وعيد، إما لأنهم يسألون المؤمنين عن الثواب الذي يناله المؤمنون متى يكون، وإما وعد للمؤمنين وتبشير لهم بنصرهم عليهم، أي هذا الذي بشرتم به من نصركم علينا متى هو. قوله تعالى: ﴿سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ المراد بالوجوه إما الحقيقة، والمراد أنهم نالهم عذاب حقيقي تغيرت منه وجوههم فقط لمعاينته دون الحلول فيه، وإما مجاز عن [عذابهم كليا*] فيكون العذاب حسيا في جميع أبدانهم، أي لما عاينوه نالهم دخانه [وشرره*]، وغالب

الملك 67:29

الاستعمال أن الوجه إنما يعبر عن الذات عند إرادة التشريف، فيعبر عنها بأشرف الأشياء، قال تعالى (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ)، وفي حديث مسلم [سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ*] وأوقع الظاهر موقع المضمر، فلم يقل وجوههم إنما تعظيما لهول ما اتصفوا به، وتنبيها على السبب الذي استحقوا به ذلك العذاب. قوله تعالى: ﴿آمَنَّا بِهِ... (٢٩)﴾ هذا ماض متصل بالحال، فهو بمعنى اسم الفاعل، وفيه دليل على جواز أن يقال: أنا مؤمن دون زيادة إن شاء الله تعالى، وتقدم الكلام على ذلك في سورة الأنفال، وأورد الزمخشري سؤالان: وهو لو قال (آمَنَّا بِهِ)، فأخر المجرور، ثم قال (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)، فقدمه، وأجاب: بأنه تعريض لهم لاتصافهم بعدم الإيمان انتهى، ويرد بأنه لو أريد التعريض بهم، لقيل به آمنا فيفيد الحصر والاختصاص، وإنما الجواب: أنه لما عهد في الشرع خصوصية التوكل بالله تعالى أتى به محصورا، وأتى به في الشرع عدم اختصاص الإيمان بالله تعالى، قال تعالى (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ)، وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) الآية، وفي حديث القدر "أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِيمَانِ، قَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ" الحديث فلذلك [لم يأت*] به محصورا. قوله تعالى: (فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ). استغنى بهذا عن ذكر [من لم يذمه*] أي ومن هو مهتدٍ. قوله تعالى: [(إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا... (٣٠) *] إن قلت: هلا قيل: إن أصبح ماؤكم عدما، فهو أعجب وأغرب، ولأن الزمخشري حكى عن بعض الشطار أنه قال: [تجيء به الفئوس*] والمعاول، فلو قيل: إن أعدم ماؤكم لما اغتر هذا الضال، وقال ما قال، لأن العدم لَا تخرجه [فئوس*]، بخلاف الغائر فإِنه يتوهم أن [الفئوس*] تكشف عنه؟ فالجواب: أن هذا أبلغ في باب التخويف، لأنهم إذا عجزوا وخوفوا بعدم إدراكهم الماء إذا غار في الأرض، فأحرى أن لَا يقدروا عليه إذا عدم من أصل. قوله تعالى: (مَعِينٍ). ابن عطية: فعيل من مَعَنَ الْمَاءَ، إذا [كَثُرَ*]، أو مفعول من العين أي جار على العين أصله معيون انتهى، اشتقاقه من العين الجارية صحيح، لكن كونه بمعنى مفعول باطل، لأن فعل العين غير متعد، [فيقال*] عان يعين، أي جرى يجري، والفعل القاصر لَا ينبني منه مفعول، [من*] فعل العين، فإن قلت: إنه متعد بحرف الجر؟ قلت: كان يجب ذكره معه، فيقال: معين فيه كما يقول: [ممرور به*] ولا يجوز [ممرور*]، وكان الشيخ عبد السلام القاضي يحكي عن سيدي أبي محمد المرجاني نفع الله به أنه كان يقول جواب هذا الاستفهام، وهو (الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). * * *