تفسير مقاتل بن سليمان — آل عمران 3:1 – المائدة 5:120
المحتويات
- آل عمران 3:1
- آل عمران 3:2
- آل عمران 3:3
- آل عمران 3:4
- آل عمران 3:5
- آل عمران 3:6
- آل عمران 3:7
- آل عمران 3:8
- آل عمران 3:9
- آل عمران 3:10
- آل عمران 3:11
- آل عمران 3:12
- آل عمران 3:13
- آل عمران 3:14
- آل عمران 3:15
- آل عمران 3:16
- آل عمران 3:17
- آل عمران 3:18
- آل عمران 3:19
- آل عمران 3:20
- آل عمران 3:21
- آل عمران 3:22
- آل عمران 3:23
- آل عمران 3:24
- آل عمران 3:25
- آل عمران 3:26
- آل عمران 3:27
- آل عمران 3:28
- آل عمران 3:29
- آل عمران 3:30
- آل عمران 3:31
- آل عمران 3:32
- آل عمران 3:33
- آل عمران 3:34
- آل عمران 3:35
- آل عمران 3:36
- آل عمران 3:37
- آل عمران 3:38
- آل عمران 3:39
- آل عمران 3:40
- آل عمران 3:41
- آل عمران 3:42
- آل عمران 3:43
- آل عمران 3:44
- آل عمران 3:45
- آل عمران 3:46
- آل عمران 3:47
- آل عمران 3:48
- آل عمران 3:49
- آل عمران 3:50
- آل عمران 3:51
- آل عمران 3:52
- آل عمران 3:53
- آل عمران 3:54
- آل عمران 3:55
- آل عمران 3:56
- آل عمران 3:57
- آل عمران 3:58
- آل عمران 3:59
- آل عمران 3:60
- آل عمران 3:61
- آل عمران 3:62
- آل عمران 3:63
- آل عمران 3:64
- آل عمران 3:65
- آل عمران 3:66
- آل عمران 3:67
- آل عمران 3:68
- آل عمران 3:69
- آل عمران 3:70
- آل عمران 3:71
- آل عمران 3:72
- آل عمران 3:73
- آل عمران 3:74
- آل عمران 3:75
- آل عمران 3:76
- آل عمران 3:77
- آل عمران 3:78
- آل عمران 3:79
- آل عمران 3:80
- آل عمران 3:81
- آل عمران 3:82
- آل عمران 3:83
- آل عمران 3:84
- آل عمران 3:85
- آل عمران 3:86
- آل عمران 3:87
- آل عمران 3:88
- آل عمران 3:89
- آل عمران 3:90
- آل عمران 3:91
- آل عمران 3:92
- آل عمران 3:93
- آل عمران 3:94
- آل عمران 3:95
- آل عمران 3:96
- آل عمران 3:97
- آل عمران 3:98
- آل عمران 3:99
- آل عمران 3:100
- آل عمران 3:101
- آل عمران 3:102
- آل عمران 3:103
- آل عمران 3:104
- آل عمران 3:105
- آل عمران 3:106
- آل عمران 3:107
- آل عمران 3:108
- آل عمران 3:109
- آل عمران 3:110
- آل عمران 3:111
- آل عمران 3:112
- آل عمران 3:113
- آل عمران 3:114
- آل عمران 3:115
- آل عمران 3:116
- آل عمران 3:117
- آل عمران 3:118
- آل عمران 3:119
- آل عمران 3:120
- آل عمران 3:121
- آل عمران 3:122
- آل عمران 3:123
- آل عمران 3:124
- آل عمران 3:125
- آل عمران 3:126
- آل عمران 3:127
- آل عمران 3:128
- آل عمران 3:129
- آل عمران 3:130
- آل عمران 3:131
- آل عمران 3:132
- آل عمران 3:133
- آل عمران 3:134
- آل عمران 3:135
- آل عمران 3:136
- آل عمران 3:137
- آل عمران 3:138
- آل عمران 3:139
- آل عمران 3:140
- آل عمران 3:141
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:177
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:190
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
- النساء 4:1
- النساء 4:2
- النساء 4:3
- النساء 4:4
- النساء 4:5
- النساء 4:6
- النساء 4:7
- النساء 4:8
- النساء 4:9
- النساء 4:10
- النساء 4:11
- النساء 4:12
- النساء 4:13
- النساء 4:14
- النساء 4:15
- النساء 4:16
- النساء 4:17
- النساء 4:18
- النساء 4:19
- النساء 4:20
- النساء 4:21
- النساء 4:22
- النساء 4:23
- النساء 4:24
- النساء 4:25
- النساء 4:26
- النساء 4:27
- النساء 4:28
- النساء 4:29
- النساء 4:30
- النساء 4:31
- النساء 4:32
- النساء 4:33
- النساء 4:34
- النساء 4:35
- النساء 4:36
- النساء 4:37
- النساء 4:38
- النساء 4:39
- النساء 4:40
- النساء 4:41
- النساء 4:42
- النساء 4:43
- النساء 4:44
- النساء 4:45
- النساء 4:46
- النساء 4:47
- النساء 4:48
- النساء 4:49
- النساء 4:50
- النساء 4:51
- النساء 4:52
- النساء 4:53
- النساء 4:54
- النساء 4:55
- النساء 4:56
- النساء 4:57
- النساء 4:58
- النساء 4:59
- النساء 4:60
- النساء 4:61
- النساء 4:62
- النساء 4:63
- النساء 4:64
- النساء 4:65
- النساء 4:66
- النساء 4:67
- النساء 4:68
- النساء 4:69
- النساء 4:70
- النساء 4:71
- النساء 4:72
- النساء 4:73
- النساء 4:74
- النساء 4:75
- النساء 4:76
- النساء 4:77
- النساء 4:78
- النساء 4:79
- النساء 4:80
- النساء 4:81
- النساء 4:82
- النساء 4:83
- النساء 4:84
- النساء 4:85
- النساء 4:86
- النساء 4:87
- النساء 4:88
- النساء 4:89
- النساء 4:90
- النساء 4:91
- النساء 4:92
- النساء 4:93
- النساء 4:94
- النساء 4:95
- النساء 4:96
- النساء 4:97
- النساء 4:98
- النساء 4:99
- النساء 4:100
- النساء 4:101
- النساء 4:102
- النساء 4:103
- النساء 4:104
- النساء 4:105
- النساء 4:106
- النساء 4:107
- النساء 4:108
- النساء 4:109
- النساء 4:110
- النساء 4:111
- النساء 4:112
- النساء 4:113
- النساء 4:114
- النساء 4:115
- النساء 4:116
- النساء 4:117
- النساء 4:118
- النساء 4:119
- النساء 4:120
- النساء 4:121
- النساء 4:122
- النساء 4:123
- النساء 4:124
- النساء 4:125
- النساء 4:126
- النساء 4:127
- النساء 4:128
- النساء 4:129
- النساء 4:130
- النساء 4:131
- النساء 4:132
- النساء 4:133
- النساء 4:134
- النساء 4:135
- النساء 4:136
- النساء 4:137
- النساء 4:138
- النساء 4:139
- النساء 4:140
- النساء 4:141
- النساء 4:142
- النساء 4:143
- النساء 4:144
- النساء 4:145
- النساء 4:146
- النساء 4:147
- النساء 4:148
- النساء 4:149
- النساء 4:150
- النساء 4:151
- النساء 4:152
- النساء 4:153
- النساء 4:154
- النساء 4:155
- النساء 4:156
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:161
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:167
- النساء 4:168
- النساء 4:169
- النساء 4:170
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:9
- المائدة 5:10
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:17
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:40
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:53
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:69
- المائدة 5:70
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:74
- المائدة 5:75
- المائدة 5:76
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
- المائدة 5:79
- المائدة 5:80
- المائدة 5:81
- المائدة 5:82
- المائدة 5:83
- المائدة 5:84
- المائدة 5:85
- المائدة 5:86
- المائدة 5:87
- المائدة 5:88
- المائدة 5:89
- المائدة 5:90
- المائدة 5:91
- المائدة 5:92
- المائدة 5:93
- المائدة 5:94
- المائدة 5:95
- المائدة 5:96
- المائدة 5:97
- المائدة 5:98
- المائدة 5:99
- المائدة 5:100
- المائدة 5:101
- المائدة 5:102
- المائدة 5:103
- المائدة 5:104
- المائدة 5:105
- المائدة 5:106
- المائدة 5:107
- المائدة 5:108
- المائدة 5:109
- المائدة 5:110
- المائدة 5:111
- المائدة 5:112
- المائدة 5:113
- المائدة 5:114
- المائدة 5:115
- المائدة 5:116
- المائدة 5:117
- المائدة 5:118
- المائدة 5:119
- المائدة 5:120
آل عمران 3:1
سورة آل عمران مدنية كلها، وهي مائتا آية باتفاق.
قال: حدثنا عبيد الله، حدثني أبي، عن الهذيل، عن مقاتل، أنه اجتمعت نصارى نجران، فمنهم السيد والعاقب، فقالوا: نشهد أن عيسى هو الله، فأنزل الله عز وجل تكذيبا لقولهم: ﴿الم﴾، يخبره أنه ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾
آل عمران 3:2
﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾، يعني الحي الذي لا يموت، ﴿القيوم﴾، يعني القائم على كل نفس بما كسبت.
آل عمران 3:3
﴿نزل عليك الكتاب﴾ يا محمد ﴿بالحق﴾، لم ينزله باطلا يعني القرآن، ﴿مصدقا لما بين يديه﴾ من الكتاب، يقول: محمد، عليه السلام، مصدق للكتب التي كانت قبله، ﴿وأنزل التوراة﴾ على موسى، ﴿والإنجيل﴾ على عيسى.
آل عمران 3:4
﴿من قبل﴾ هذا القرآن، ثم قال: ﴿التوراة والإنجيل﴾ هما ﴿هدى للناس﴾، يعني لبنى إسرائيل من الضلالة.
قال سبحانه: ﴿وأنزل الفرقان﴾، يعني القرآن بعد التوراة والإنجيل، والفرقان يعني به المخرج في الدين من الشبهة والضلالة، فيه بيان كل شيء يكون إلى يوم القيامة، نظيرها في الأنبياء: ﴿ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان﴾ (الأنبياء: 48)، يعني المخرج من الشبهات، وفي البقرة: ﴿وبينات من الهدى والفرقان﴾ (البقرة: 185)، ثم قال سبحانه: ﴿إن الذين كفروا بآيات الله﴾، يعني القرآن، وهم اليهود كفروا بالقرآن، منهم: حيي، وجدي، وأبو ياسر بنو أخطب، وكعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وزيد بن التابوه وغيرهم، ﴿لهم عذاب﴾ في الآخرة ﴿شديد والله عزيز ذو انتقام﴾، يعني عزيز في ملكه، منيع شديد الانتقام من أهل مكة، هذا وعيد لمن خالف أمره.
آل عمران 3:5
﴿إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء﴾، يعني شيء من أهل السماء، ولا من أهل الأرض، كل ذلك عنده.
آل عمران 3:6
﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء﴾، نزلت في عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، خلقه من غير أب، ذكرا وأنثى، سويا وغير سوى، ﴿لا إله إلا هو العزيز﴾ في ملكه، ﴿الحكيم﴾ في أمره، نزلت هذه الآية في قولهم، وما قالوا من البهتان والزور لعيسى صلى الله عليه وسلم.
آل عمران 3:7
ثم قال سبحانه: ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات﴾، يعمل بهن، وهن الآيات التي في الأنعام قوله سبحانه: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا﴾ إلى ثلاث آيات آخرهن: ﴿لعلكم تتقون﴾ (الأنعام: 151- 153)، يقول: ﴿هن أم الكتاب﴾، يعني أصل الكتاب، لأنهن في اللوح المحفوظ مكتوبات، وهن محرمات على الأمم كلها في كتابهم، وإنما تسمين أم الكتاب، لأنهن مكتوبات في جميع الكتب التي أنزلها الله تبارك وتعالى على جميع الأنبياء، وليس من أهل دين إلا وهو يوصي بهن.
ثم قال عز وجل: ﴿وأخر متشابهات﴾، ﴿الم﴾ ﴿المص﴾ ﴿المر﴾ ﴿الر﴾، شبه على اليهود كم تملك هذه الأمة من السنين، والمتشابهات هؤلاء الكلمات الأربع، ﴿فأما الذين في قلوبهم زيغ﴾، يعني ميل عن الهدى، وهو الشك، فهم اليهود، ﴿فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة﴾، يعني إبتغاء الكفر، ﴿وابتغاء تأويله﴾، يعني منتهى ما يكون وكم يكون، يريد بذلك الملك، يقول الله عز وجل: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾، كم يملكون من السنين، يعني أمة محمد، يملكون إلى يوم القيامة، إلا أياما يبتليهم الله عز وجل بالدجال.
ثم استأنف، فقال: ﴿والراسخون في العلم﴾، يعني المتدارسون علم التوراة، فهم عبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل التوراة، ﴿يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾، يعني قليله وكثيره من عند ربنا، ﴿وما يذكر إلا أولوا الألباب﴾ فما يسمع إلا أولو الألباب، يعني من كان له لب وعقل، يعني ابن سلام وأصحابه، فيعلمون أن كل شيء من هذا وغيره من عند الله.
آل عمران 3:8
قال ابن سلام وأصحابه: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا﴾، لا تمل قلوبنا، يعني لا تحول قلوبنا عن الهدى بعدما هديتنا كما أزغت اليهود عن الهدى، ﴿وهب لنا من لدنك رحمة﴾، يعني من عندك رحمة، ﴿إنك أنت الوهاب﴾ للرحمة.
آل عمران 3:9
ثم قال ابن سلام وأصحابه: ﴿ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه﴾، يعني ليوم القيامة، ﴿إن الله لا يخلف الميعاد﴾ في البعث بأنك تجمع الناس في الآخرة.
آل عمران 3:10
﴿إن الذين كفروا﴾، يعني اليهود خاصة، نزلت في كعب بن الأشرف. ﴿لن تغني عنهم﴾ يعني لا ﴿أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار﴾ يعني اليهود.
آل عمران 3:11
﴿كدأب آل فرعون﴾ يعني كأشباه آل فرعون في التكذيب، ﴿والذين من قبلهم﴾ من الأمم الخالية قبل آل فرعون والأمم الخالية قبل آل فرعون: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، ﴿كذبوا بآياتنا﴾ يعني بأنهم كذبوا أيضا بالعذاب في الدنيا بأنه غير نازل بهم، ﴿فأخذهم الله بذنوبهم﴾ يعني في الدنيا، فعاقبهم الله، ﴿والله شديد العقاب﴾، يعني إذا عاقب.
آل عمران 3:12
﴿قل للذين كفروا﴾ من أهل مكة يوم بدر، ﴿ستغلبون وتحشرون إلى جهنم﴾ في الآخرة، ﴿وبئس المهاد﴾، يقول: بئسما مهدوا لأنفسهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للكفار يوم بدر: "إن الله غالبكم، وسوف يحشركم إلى جهنم"، فقال أبو جهل: يا ابن أبي كبشة، هل هذا إلا مثل ما كنت تحدثنا به.
آل عمران 3:13
وقوله سبحانه: ﴿قد كان لكم آية في فئتين﴾، وذلك أن بني قينقاع من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بعد قتال بدر يوعدونه القتال كما قتل كفار مكة يوم بدر، فأنزل الله عز وجل: ﴿قد كان لكم آية﴾ معشر اليهود، يعني عبرة ﴿في فئتين﴾ ﴿التقتا﴾ فئة المشركين وفئة المؤمنين يوم بدر، التقتا ﴿فئة تقاتل في سبيل الله﴾ وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم بدر، ﴿وأخرى كافرة﴾، أبو جهل والمشركين، ﴿يرونهم مثليهم﴾، رأت اليهود أن الكفار مثل المؤمنين في الكثرة، ﴿رأي العين﴾، وكان الكفار يومئذ سبعمائة رجل، عليهم أبو جهل، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، بين كل أربعة بعير، ومعهم فرسان، أحدهما مع أبي مرثد الغنوى، والآخر مع المقداد بن الأسود الكندي، ومعهم ستة أدراع، والمشركون ألف رجل، سبعمائة دراع، عليهم أبو جهل، وثلاثمائة حاسر، ثم حبس الأخنس بن شريق ثلاثمائة رجل من بني زهرة عن قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فبقى المشركون في سبعمائة رجل.
يقول الله تعالى: ﴿والله يؤيد بنصره﴾، يعني بنصره ﴿من يشاء﴾، فينصره الله عز وجل القليل على الكثير، ﴿إن في ذلك﴾، يعني يقوى في نصرهم، نصر المؤمنين وهم قليل، وهزيمة الكفار وهم كثير، ﴿لعبرة لأولي الأبصار﴾ يعني الناظرين في أمر الله عز وجل وطاعته لعبرة وتفكرا لأولي الأبصار، حين أظهر الله عز وجل القليل على الكثير.
آل عمران 3:14
﴿زين للناس﴾، يعني الكفار، ﴿حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة﴾، يعني المال الكثير ﴿من الذهب والفضة﴾، فأما الذهب، فهو ألف دينار ومائتا دينار، والفضة ألف ومائتا مثقال، ﴿والخيل المسومة﴾، يعني السائمة، وهي الراعية، ﴿والأنعام﴾، وهي الإبل والبقر والغنم، ﴿والحرث ذلك﴾ الذي ذكر في هذه الآية، ﴿متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب﴾، يعني حسن المرجع، وهي الجنة.
آل عمران 3:15
﴿قل﴾ للكفار: ﴿أؤنبئكم بخير من ذلكم﴾، يعني ما ذكره في هذه الآية ﴿للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، وذلك أن العيون تجري من تحت البساتين، ﴿خالدين فيها﴾ لا يموتون، ﴿وأزواج مطهرة﴾ من الحيض والغائط والبول والبزاق والمخاط ومن القذر كله،
﴿ورضوان من الله﴾ أكبر، يعني رضي الله عنهم، ﴿والله بصير بالعباد﴾، يعني بأعمالهم.
آل عمران 3:16
ثم أخبر سبحانه عن فعلهم، فقال: ﴿الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار﴾.
آل عمران 3:17
ثم نعت أعمالهم، فقال: الجنة هي ل ﴿الصابرين﴾ على أمر الله وفرائضه، ﴿والصادقين﴾ بكتاب الله ورسله، ﴿والقانتين﴾، يعني المطيعين لله، ﴿والمنفقين﴾ أموالهم في حق الله، ﴿والمستغفرين بالأسحار﴾ يقول: المصلين لله بالأسحار، يعني المصلين من آخر الليل.
آل عمران 3:18
قوله سبحانه: ﴿شهد الله﴾، وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه مؤمنى أهل التوراة، قالوا لرءوس اليهود: إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودينه الحق، فاتبعوه، فقالت اليهود: ديننا أفضل من دينكم، فقال الله تبارك وتعالى: ﴿شهد الله﴾ ﴿أنه لا اله إلا هو والملائكة﴾ يشهدون بها، ﴿وأولوا العلم﴾ بالتوراة ابن سلام وأصحابه يشهدون أنه لا إله إلا هو، ويشهدون أن الله عز وجل ﴿قائما بالقسط﴾، يعني قائم على كل شيء بالعدل، ﴿لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾ في أمره.
آل عمران 3:19
شهدوا ﴿أن الدين﴾، يعني التوحيد ﴿عند الله الإسلام﴾، ثم قال: ﴿وما اختلف الذين أوتوا الكتاب﴾، يعني اليهود والنصارى في هذا الدين،
﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم﴾، يعني بيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم من قبل أن يبعث رسولا، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم، من ولد إسماعيل، تفرقوا ﴿بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله﴾، يعني القرآن، يعني اليهود، ثم خوفهم، ﴿فإن الله سريع الحساب﴾، كأنه قد جاء.
آل عمران 3:20
﴿فإن حاجوك﴾، يعني اليهود خاصموك يا محمد في الدين، ﴿فقل أسلمت وجهي لله﴾، يقول: أخلصت ديني لله، ﴿ومن اتبعن﴾ على ديني فقد أخلص، ﴿وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين﴾، يعني أهل التوراة والإنجيل، اليهود والنصارى، ﴿أأسلمتم﴾، والإسلام اسم مشتق من اسم الله عز وجل، أمر الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوهم إلى الإسلام، فقال: أسلمت، يعني أخلصت، يقول: ﴿فإن أسلموا﴾، يعني فإن أخلصوا له، يعني لله عز وجل بالتوحيد، ﴿فقد اهتدوا﴾ من الضلالة، ﴿وإن تولوا﴾، يقول: فإن أبوا أن يسلموا، ﴿فإنما عليك البلاغ﴾، يعني بلاغ الرسالة، ﴿والله بصير بالعباد﴾ بأعمال العباد.
آل عمران 3:21
﴿إن الذين يكفرون بآيات الله﴾، يعني بالقرآن، وهم ملوك بني إسرائيل من اليهود ممن لا يقرأ الكتاب، ﴿ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس﴾ يعني بالعدل بين الناس من مؤمني بني إسرائيل من بعد موسى، ﴿فبشرهم﴾ يا محمد ﴿بعذاب أليم﴾، يعني وجيع، يعني اليهود، لأن هؤلاء على دين أوائلهم الذين قتلوا الأنبياء والآمرين بالقسط.
آل عمران 3:22
ثم قال عز وجل: ﴿أولئك الذين﴾ فعلوا ذلك ﴿حبطت﴾، يعني بطلت ﴿أعمالهم﴾، فلا ثواب لهم، ﴿في الدنيا و﴾ لا في ﴿الآخرة﴾، لأن أعمالهم كانت في غير طاعة الله عز وجل، ﴿وما لهم من ناصرين﴾، يعني من مانعين يمنعونهم من النار ،
آل عمران 3:23
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾، يعني أعطوا حظا من التوراة، يعني اليهود: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، ويحيى بن عمرو، ونعمان بن أوفى، وأبو ياسر بن أخطب، وأبو نافع بن قيس، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "أسلموا تهتدوا، ولا تكفروا"، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن أهدى وأحق بالهدى منكم، ما أرسل الله نبيا بعد موسى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لم تكذبون وأنتم تعلمون أن الذي أقول حق، فاخرجوا التوراة نتبع نحن وأنتم ما فيها، وهي بينكم، فإني مكتوب فيها أني نبي ورسول"، فأبوا ذلك فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾ ﴿يدعون إلى كتاب الله﴾، يعني التوراة، ﴿ليحكم بينهم﴾، يعني ليقضي بينهم، ﴿ثم يتولى﴾، يعني يأبى ﴿فريق﴾، يعني طائفة ﴿منهم وهم معرضون﴾.
آل عمران 3:24
﴿ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار﴾ بأن العذاب واجب عليهم، فيها تقديم لقولهم: ﴿إلا أياما معدودات﴾، يعني الأربعين يوما التي عبد آباؤهم فيها العجل، لأنهم قالوا: إنهم أبناء الله وأحباؤه، يقول: ﴿وغرهم في دينهم﴾ عفو الله ﴿ما كانوا يفترون﴾، يعني الذين كذبوا لقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه.
آل عمران 3:25
خوفهم الله، فقال: ﴿فكيف﴾ بهم ﴿إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه﴾، يعني يوم القيامة لا شك فيه بأنه كائن، ﴿ووفيت﴾ ﴿كل نفس﴾ بر وفاجر ﴿ما كسبت﴾ من خير أو شر، ﴿وهم لا يظلمون﴾ في أعمالهم.
آل عمران 3:26
﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل ربه عز وجل أن يجعل له ملك فارس والروم في أمته، فنزلت:
﴿قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك﴾ ﴿من تشاء﴾، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته، ﴿وتنزع الملك ممن تشاء﴾، يعني الروم وفارس،
﴿وتعز من تشاء﴾ محمدا وأمته، ﴿وتذل من تشاء﴾، يعني الروم وفارس، ﴿بيدك الخير إنك على كل شيء﴾ من الملك والعز والذل ﴿قدير﴾.
آل عمران 3:27
﴿تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل﴾، يعني ما تنقص في الليل داخل في النهار، حتى يصير الليل تسع ساعات والنهار خمس عشرة ساعة، فذلك قوله سبحانه: ﴿يكور الليل على النهار ويكور﴾، يعني يسلط ﴿النهار على الليل﴾ (الزمر: 5) وهما هكذا إلى أن تقوم الساعة.
قوله سبحانه: ﴿وتخرج الحي من الميت﴾، فهو الناس والدواب والطير، خلقهم من نطفة وهي ميتة، وخلق الطير من البيضة وهي ميتة، ﴿وتخرج الميت من الحي﴾، يعني يخرج الله عز وجل هذه النطفة من الحي، وهم الناس والدواب والطير، ﴿وترزق من تشاء بغير حساب﴾ يقول سبحانه: ليس فوقي ملك يحاسبني، أنا الملك أعطي من شئت بغير حساب، لا أخاف من أحد يحاسبني.
آل عمران 3:28
قوله سبحانه: ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾، نزلت في حاطب بن أبي بلتعة وغيره، كانوا يظهرون المودة لكفار مكة، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، ﴿ومن يفعل ذلك﴾، فيتخذونهم أولياء من غير قهر، ﴿فليس من الله في شيء﴾، ثم استثنى تعالى، فقال: ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾، فيكون بين أظهرهم فيرضيهم بلسانه من المخافة، وفي قلبه غير ذلك، ثم خوفهم، فقال: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾، يعني عقوبته في ولاية الكفار، ﴿وإلى الله المصير﴾ في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم.
آل عمران 3:29
﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿إن تخفوا ما في صدوركم﴾، يعني إن تسروا ما في قلوبكم من الولاية للكفار، ﴿أو تبدوه﴾، يعني أو تظهروا ولايتهم، يعني حاطب وأصحابه، ﴿يعلمه الله ويعلم ما في السموات وما في الأرض والله على كل شيء﴾، من المغفرة والعذاب ﴿قدير﴾، نظيرها في آخر البقرة.
آل عمران 3:30
ثم خوفهم ورغبهم فقال: ﴿يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا﴾، يعجل لها كل خير عملته، ولا يغادر منه شيء، ﴿وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا﴾، يعني أجلا بعيدا بين المشرق والمغرب، ﴿ويحذركم الله نفسه﴾، يعني عقوبته في عمل السوء، ﴿والله رءوف بالعباد﴾ يعني بربهم، حين لا يعجل عليهم بالعقوبة، لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم كعبا وأصحابه إلى الإسلام، قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه، ولنحن أشد حبا لله مما تدعونا إليه.
آل عمران 3:31
فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ على ديني، ﴿يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم﴾ ما كان في الشرك، ﴿والله غفور رحيم﴾ ذو تجاوز لما كان في الشرك، رحيم بهم في الإسلام.
آل عمران 3:32
﴿قل﴾ لليهود ﴿أطيعوا الله والرسول فإن تولوا﴾ يعني أعرضوا عن طاعتهما، ﴿فإن الله لا يحب الكافرين﴾ يعني اليهود.
آل عمران 3:33
﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا﴾، يعني اختار من الناس لرسالته آدم ونوحا، ﴿وآل إبراهيم﴾، يعني إبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط، ثم قال: ﴿وآل عمران﴾، يعني موسى، وهارون، ذرية آل عمران اختارهم للنبوة والرسالة ﴿على العالمين﴾، يعني عالمي ذلك الزمان.
آل عمران 3:34
وهي ﴿ذرية بعضها من بعض﴾، وكل هؤلاء من ذرية آدم، ثم من ذرية نوح، ثم من ذرية إبراهيم، ﴿والله سميع عليم﴾ لقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، ونحن أشد حبا لله، عليهم بما قالوا، يعني اليهود.
آل عمران 3:35
﴿إذ قالت امرأت عمران﴾ بن ماثانا، اسمها حنة بنت فاقوز، وهي أم مريم، وهي حبلى، لئن نجاني الله عز وجل ووضعت ما في بطني، لأجعلنه محررا، وبنو ماثان من ملوك بني إسرائيل من نسل داود، عليه السلام، والمحرر الذي لا يعمل للدنيا ولا يتزوج، ويعمل للآخرة، ويلزم المحراب: فيعبد الله عز وجل فيه، ولم يكن يحرر في ذلك الزمان إلا الغلمان، فقال زوجها: أرأيت إن كان الذي في بطنك أنثى؟ والأنثى عورة، كيف تصنعين؟ فاهتمت لذلك، فقالت حنة: ﴿رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم﴾ لدعائهما، العليم بنذرهما، يعنى بالتقبل والاستجابة لدعائهما.
آل عمران 3:36
﴿فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى﴾، والأنثى عورة، فيها تقديم يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿والله أعلم بما وضعت﴾، ثم قالت حنة: ﴿وإني سميتها مريم﴾، وكذلك كان اسمها عند الله عز وجل، ﴿وإني أعيذها بك وذريتها﴾، يعني عيسى ﴿من الشيطان الرجيم﴾ يعني الملعون، فاستجاب الله لها، فلم يقربها ولا ذريتها شيطان، وخشيت حنة ألا تقبل الأنثى محررة، فلفتها في خرق ووضعتها في بيت المقدس عند المحراب، حيث يدرس القراء، فتساهم القوم عليها، لأنها بنت إمامهم وسيدهم، وهم الأحبار من ولد هارون أيهم يأخذها.
قال زكريا، وهو رئيس الأحبار: أنا آخذها، أنا أحقكم بها، لأن أختها أم يحيى عندي، فقال القراء: وإن كان في القوم من هو أقرب إليها منك؟ فلو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها، ولكنها محررة، ولكن هلم نتساهم عليها، من خرج سهمه فهو أحق بها، فاقترعوا، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وما كنت لديهم﴾، يعني عندهم فتشهدهم، ﴿إذ يلقون أقلامهم﴾، حين اقترعوا ثلاث مرات بأقلامهم التي كانوا يكتبون بها الوحي أيهم يكفلها؟ أيهم يضمها؟ فقرعهم زكريا فقبضها، ثم قال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وما كنت لديهم إذ يختصمون﴾ (آل عمران: 44) في مريم، فذلك قوله: ﴿وكفلها زكريا﴾.
آل عمران 3:37
﴿فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا﴾، يقول: رباها تربية حسنة في عبادة وطاعة لربها، فبنى لها زكريا محرابا في بيت المقدس، وجعل بابه وسطه، لا يصعد إليه أحد إلا بسلم، واستأجر لها ظئرا ترضعها حتى تحركت، فكان يغلق عليها الباب ومعه المفتاح، لا يأمن عليها أحدا، يأتيها بطعامها ومصالحها، وكانت إذا حاضت أخرجها إلى منزله، فتكون مع أختها أيليشفع بنت عمران، وهي مريم بنت عمران، أم يحيى، فإذا طهرت ردها إلى محراب بيت المقدس، وكان زكريا يرى عندها العنب في الشتاء الشديد البرد، فيأتيها به جبريل، عليه السلام من السماء،
﴿وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال﴾ لها زكريا: ﴿يا مريم أنى لك هذا﴾، يعني من أين هذا في غير حينه؟
﴿قالت﴾ هذا الرزق ﴿هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾.
فطمع عند ذلك زكريا في الولد، فقال: إن الذي يأتي مريم بهذه الفاكهة في غير حينها لقادر أن يصلح لي زوجتي ويهب لي منها ولدا. فذلك قوله :﴿هنالك﴾.
آل عمران 3:38
﴿هنالك﴾، يعني عند ذلك ﴿دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك﴾، يعني من عندك، ﴿ذرية طيبة﴾، تقيا زكيا، كقوله: ﴿واجعله رب رضيا﴾ (مريم: 6)، ﴿إنك سميع الدعاء﴾، فاستجاب الله عز وجل، وكانا قد دخلا في السن.
آل عمران 3:39
﴿فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب﴾، فبينما هو يصلي في المحراب، حيث يذبح القربان، إذا برجل عليه بياض حياله، وهو جبريل، عليه السلام، فقال: ﴿أن الله يبشرك بيحيى﴾، اشتق يحيى من أسماء الله عز وجل، ﴿مصدقا بكلمة من الله﴾، يعني من الله عز وجل، وكان يحيى أول من صدق بعيسى، عليهما السلام، وهو ابن ثلاث سنين، قوله الأول وهو ابن ستة أشهر، فلما شهد يحيى أن عيسى من الله عز وجل، عجبت بنو إسرائيل لصغره، فلما سمع زكريا شهادته، قام إلى عيسى فضمه إليه، وهو في خرقة، وكان يحيى أكبر من عيسى بثلاث سنين، يحيى وعيسى ابنا خالة، ثم قال الله سبحانه: ﴿وسيدا﴾، يعني حليما، ﴿وحصورا﴾ لا ماء له، ، والحصور الذي لا حاجة له في النساء ﴿ونبيا من الصالحين﴾.
آل عمران 3:40
فلما بشر زكريا بالولد، قال لجبريل، عليه السلام في المخاطبة: ﴿قال رب أنى﴾، يعني من أين ﴿يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾، يقول ذلك تعجبا، لأنه كان قد يبس جلده على عظمه من الكبر، ﴿قال﴾ جبريل، عليه السلام، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا قال ربك، إنه يكون لك ولد، ﴿الله يفعل ما يشاء﴾، أن يجعل ولدا من الكبير، والعاقر، لقوله: ﴿وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر﴾.
آل عمران 3:41
﴿قال رب اجعل لي آية﴾، يعني علما للحبل، ﴿قال آيتك﴾ إذا جامعتها على طهر فحبلت، فإنك تصبح لا تستنكر من نفسك خرسا ولا سقما، ولكن تصبح لا تطيق الكلام، ﴿ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾، يعني إلا إشارة يومئ بيده، أو برأسه من غير مرض، ولم يحبس لسانه عن ذكر الله عز وجل، ولا عن الصلاة، فكذلك قوله سبحانه: ﴿واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار﴾، يقول: صل بالغداة والعشي، فأتى امرأته على طهرها فحملت، وكان آية الحبل أنه وضع يده على صدرها، فحملت فاستقر الحمل في رحمها، فحبلت بيحيى، فأصبح لا يستطيع الكلام، فعرف أن امرأته قد حبلت، فولدت يحيى عليه السلام، فلم يعص الله قط.
آل عمران 3:42
﴿وإذ قالت الملائكة﴾، وهو جبريل، عليه السلام، وحده: ﴿يا مريم﴾، وهي في المحراب، ﴿إن الله اصطفاك﴾، يعني اختارك، ﴿وطهرك﴾ من الفاحشة والألم، ﴿واصطفاك﴾، يعني واختارك، ﴿على نساء العالمين﴾ بالولد من غير بشر.
آل عمران 3:43
﴿يا مريم اقنتي لربك﴾، يعني لربك، ﴿واسجدي واركعي مع الراكعين﴾، يعني مع المصلين في بيت المقدس.
آل عمران 3:44
﴿ذلك﴾ أن الذي ذكر في هؤلاء الآيات، ﴿من أنباء الغيب﴾، يعني حديثا من الغيب لم تشهده يا محمد، فذلك قوله: ﴿نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم﴾ في القرعة، ﴿أيهم يكفل مريم﴾، يعني يضم مريم إلى نفسه، ﴿وما كنت لديهم﴾ يا محمد، ﴿إذ يختصمون﴾ في مريم، يعني القراء أيهم يكفلها.
آل عمران 3:45
﴿إذ قالت الملائكة يا مريم﴾، وهو جبريل وحده، عليه السلام، ﴿إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها﴾، يعني مكينا عند الله عز وجل، ﴿في الدنيا والآخرة﴾ فيها تقديم، ﴿ومن المقربين﴾ عند الله في الآخرة.
آل عمران 3:46
﴿ويكلم الناس في المهد﴾، يعني حجر أمه في الخرق طفلا، ﴿و﴾ يكلمهم ﴿كهلا﴾، يعني إذا اجتمع قبل أن يرفع إلى السماء، ﴿ومن الصالحين﴾.
آل عمران 3:47
﴿قالت ربي أنى﴾، يعني من أين ﴿يكون لي ولد ولم يمسسني بشر﴾، يعني الزوج، ﴿قال كذلك الله يخلق ما يشاء﴾، ويخلق من يشاء، فشاء أن يخلق ولدا من غير بشر، لقولها: ﴿ولم يمسسني بشر﴾، ﴿إذا قضى أمرا﴾ كان في علمه أن يكون عيسى في بطن مريم من غير بشر، ﴿فإنما يقول له كن فيكون﴾ لا يثنى.
آل عمران 3:48
﴿ويعلمه الكتاب﴾، يعني خط الكتاب بيده بعدما بلغ أشده، وهو ابن ثماني عشرة سنة، والمرأة بعدما تبلغ الحيض، ﴿والحكمة﴾، يعني الحلال والحرام والسنة، ﴿والتوراة والإنجيل﴾.
آل عمران 3:49
ويجعله ﴿ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم﴾، يعني بعلامة، ثم بين الآية، ﴿أني أخلق لكم﴾، يعني أجعل لكم ﴿من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا﴾، فخلق الخفاش ﴿بإذن الله﴾، لأنه أشد الخلق، إنما هو لحم وشيء يطير بغير ريش فطار بإذن الله، ﴿وأبرئ الأكمه﴾ الذي ولدته أمه أعمى، الذي لم ير النور قط، فيرد الله بصره، ﴿و﴾ أبرىء ﴿الأبرص﴾، فيبرأ بإذن الله، ﴿وأحيي الموتى بإذن الله﴾، فتعيش، ففعل ذلك وهم ينظرون، وكان صنيعه هذا آية من الله عز وجل بأنه نبي ورسول إلى بني إسرائيل، فأحيا سام بن نوح بن لمك من الموت بإذن الله، فقالوا له: إن هذا سحر، فأرنا آية نعلم أنك صادق.
وقال عيسى صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أنا أخبرتكم ﴿وأنبئكم بما تأكلون﴾ في بيوتكم من الطعام، فيها تقديم ﴿وما تدخرون في بيوتكم﴾، يعني وما ترفعون في غد، تعلمون أني صادق؟ قالوا: نعم، قال عيسى صلى الله عليه وسلم: فلان أكلت كذا وكذا، وشربت كذا وكذا، وأنت يا فلان أكلت كذا وكذا، وأنت يا فلان، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، يقول الله عز وجل: ﴿إن في ذلك لآية﴾، يعني لعلامة، ﴿لكم﴾ فيما أخبرتكم به ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، يعني مصدقين بعيسى بأنه رسول.
آل عمران 3:50
﴿ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم﴾ من اللحوم، والشحوم، وكل ذي ظفر، والسمك، فهذا البعض الذي أحل لهم غير السبت، فإنهم يقومون عليه فوضع عنهم في الإنجيل ذلك، ﴿وجئتكم بآية من ربكم﴾ بعلامة من ربكم، يعني العجائب التي كان يصنعها الله، ﴿فاتقوا الله﴾، يعني فوحدوا الله، ﴿وأطيعون﴾ فيما آمركم به من النصيحة، فإنه لا شريك له.
آل عمران 3:51
وقال لهم عيسى صلى الله عليه وسلم: ﴿إن الله ربي وربكم فاعبدوه﴾، يعني فوحدوه، ﴿هذا صراط مستقيم﴾، يعني هذا التوحيد دين مستقيم، وهو الإسلام، فكفروا.
آل عمران 3:52
﴿فلما أحس﴾، يعني فلما رأى ﴿عيسى منهم الكفر﴾، يعني من بني إسرائيل، كقوله عز وجل: ﴿هل تحس منهم من أحد﴾ (مريم: 98) يعني هل ترى منهم من أحد؟ فمر عيسى صلى الله عليه وسلم على الحواريين، يعني على القصارين غسالى الثياب، ﴿قال من أنصاري إلى الله﴾، يعني من يتبعني مع الله، كقوله: ﴿فأرسل إلى هارون﴾ (الشعراء: 13)، يعني معي هارون، وكقوله سبحانه: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾ (النساء: 2)، يعني مع أموالكم، ﴿قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله﴾، يعني بتوحيد الله، ﴿واشهد﴾ يا عيسى ﴿بأنا مسلمون﴾ يعني مخلصين بتوحيد الله عز وجل.
آل عمران 3:53
ثم قالوا: ﴿ربنا آمنا بما أنزلت﴾، يعني صدقنا بالإنجيل الذي أنزلت على عيسى، ﴿واتبعنا الرسول﴾، يعني عيسى على دينه، ﴿فاكتبنا مع الشاهدين﴾، يقول: فاجعلنا مع الصادقين، نظيرها في المائدة، هذا قول الحواريين.
آل عمران 3:54
﴿ومكروا ومكر الله﴾، وذلك أن كفار بني إسرائيل عمدوا إلى رجل، فجعلوه رقيبا على عيسى ليقتلوه، فجعل الله شبه عيسى على الرقيب، فأخذوا الرقيب فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى، ورفع الله عز وجل عيسى إلى سماء الدنيا من بيت المقدس ليلة القدر في رمضان، فذلك قوله سبحانه: ﴿ومكروا﴾ بعيسى ليقتلوه، يعني اليهود، ﴿ومكر الله﴾ بهم حين قتل رقيبهم وصاحبهم، ﴿والله خير الماكرين﴾ يعني أفضل مكرا منهم.
آل عمران 3:55
﴿إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي﴾، فيها تقديم، يقول: رافعك إلي من الدنيا، ومتوفيك حين تنزل من السماء على عهد الدجال، يقول: إني رافعك إلي الآن ومتوفيك بعد قتل الدجال، يقول: رافعك إلي في السماء، ﴿ومطهرك من الذين كفروا﴾، يعني اليهود وغيرهم،
﴿وجاعل الذين اتبعوك﴾ على دينك يا عيسى، وهو الإسلام، ﴿فوق الذين كفروا﴾، يعني اليهود وغيرهم، وأهل دين عيسى هم المسلمون فوق الأديان كلها ﴿إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم﴾ في الآخرة ﴿فأحكم﴾، يعني فأقضي ﴿بينكم﴾، يعني بين المسلمين وأهل الأديان ﴿فيما كنتم فيه﴾ من الدين ﴿تختلفون﴾، وهو الإسلام، فأسلمت طائفة وكفرت طائفة.
آل عمران 3:56
ثم أخبر الله عز وجل عن منزلة الفريقين في الآخرة، فقال: ﴿فأما الذين كفروا﴾، يعني كفار أهل الكتاب، ﴿فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا﴾، يعني القتل أو الجزية، ﴿و﴾ في ﴿والآخرة﴾ عذاب النار، ﴿وما لهم من ناصرين﴾، يعني من مانعين يمنعونهم من النار.
آل عمران 3:57
﴿وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿فيوفيهم أجورهم﴾، يعني فيوفوا أجورهم في الآخرة، ﴿والله لا يحب الظالمين﴾.
آل عمران 3:58
﴿ذلك﴾ الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآيات ﴿نتلوه عليك﴾ يا محمد ﴿من الآيات﴾، يعني من البيان ﴿والذكر الحكيم﴾، يعني المحكم من الباطل.
آل عمران 3:59
﴿إن مثل عيسى عند الله﴾، وذلك أن وفد نصارى نجران قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، منهم السيد، والعاقب، والأسقف، والرأس، والحارث، وقيس، وابنيه، وخالد، وخليد، وعمرو، فقال السيد والعاقب، وهما سيدا أهل نجران: يا محمد، لم تشتم صاحبنا وتعيبه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما صاحبكم؟"، قالوا: عيسى ابن مريم العذراء البتول، قال أبو محمد بن ثابت، قال: العذراء البتول، المنقطعة إلى الله عز وجل، لقوله عز وجل: ﴿وتبتل إليه تبتيلا﴾ (المزمل: 8).
قالوا: فأرنا فيما خلق الله عبدا مثله يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين طيرا، ولم يقولوا: بإذن الله، وكل آدمي له أب، وعيسى لا أب له، فتابعنا في أن عيسى ابن الله ونتابعك، فإما أن تجعل عيسى ولدا وإما إلها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله أن يكون له ولد، أو يكون معه إله"، فقالا للنبي صلى الله عليه وسلم: أنت أحمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أحمد، وأنا محمد"، فقالا: فيم أحمد؟ قال: "أحمد الناس عن الشرك" قالا: فإنا نسألك عن أشياء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أخبركم حتى تسلموا فتتبعوني"، قالا: أسلمنا قبلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكما لم تسلما، حجزكما عن الإسلام ثلاثة: أكلكما الخنزير، وشربكما الخمر، وقولكما: إن لله عز وجل ولدا".
فغضبا عند ذلك، فقالا: من أبو عيسى؟ ائتنا له بمثل، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن مثل عيسى عند الله﴾ ﴿كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾.
آل عمران 3:60
هذا الذي قال الله في عيسى هو ﴿الحق من ربك فلا تكن من الممترين﴾ يا محمد، يعني من الشاكين في عيسى أنه مثله كمثل آدم.
آل عمران 3:61
فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ليس كما تقول، ما هذا له بمثل، فأنزل الله عز وجل: ﴿فمن حاجك فيه﴾، يعني فمن خاصمك في عيسى ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾، يعني من البيان من أمر عيسى، يعني ما ذكر في هذه الآيات، ﴿فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل﴾، يعني نخلص الدعاء إلى الله عز وجل، ﴿فنجعل لعنة الله على الكاذبين﴾.
آل عمران 3:62
﴿إن هذا﴾ الذي ذكرته في عيسى، ﴿لهو القصص الحق﴾، والذي تقولون هو الباطل، ﴿وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز﴾ في ملكه ﴿الحكيم﴾ في أمره، حكم عيسى في بطن أمه.
آل عمران 3:63
﴿فإن تولوا﴾، يعني فإن أبوا إلا أن يلاعنوا، ﴿فإن الله عليم بالمفسدين﴾ في الأرض بالمعاصي.
آل عمران 3:64
قال الله عز وجل: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء﴾، يعني كلمة العدل، وهي الإخلاص، ﴿بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا﴾ من خلقه، ﴿ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله﴾، لأنهم اتخذوا عيسى ربا، ﴿فإن تولوا﴾، يعني فإن أبوا التوحيد، ﴿فقولوا﴾ لهم أنتم: ﴿اشهدوا بأنا مسلمون﴾، يعني مخلصين بالتوحيد، فقال العاقب: ما نصنع بملاعنته شيئا، فوالله لئن كان كاذبا ما ملاعنته بشيء، ولئن كان صادقا لا يأتي علينا الحول حتى يهلك الله الكاذبين.
قالوا: يا محمد، نصالحك على ألا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك ألف حلة في صفر، وألف حلة في رجب، وعلى ثلاثين درعا من حديد عادية، فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، فقال: "والذي نفس محمد بيده، لو لاعنوني، ما حال الحول ويحضرني منهم أحد، ولأهلك الله الكاذبين"، قال عمر، رضى الله عنه: لو لاعنتهم بيد من كنت تأخذ، قال: "آخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، عليهم السلام، وحفصة، وعائشة، رحمهما الله".
آل عمران 3:65
﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون﴾، يعني تخاصمون ﴿في إبراهيم﴾، وذلك أن رؤساء اليهود: كعب بن الأشرف، وأبا ياسر، وأبا الحقيق، وزيد بن التابوه، ونصارى نجران، يقولون: إبراهيم أولى بنا، والأنبياء منا كانوا على ديننا، وما تريد إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت النصارى عيسى ربا، وقالت النصارى: ما تريد بأمرك إلا أن نتخذك ربا كما اتخذت اليهود عزيرا ربا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "معاذ الله من ذلك، ولكني أدعوكم إلى أن تعبدوا الله جميعا، ولا تشركوا به شيئا"، فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أهل الكتاب لم تحاجون﴾، يعني تخاصمون ﴿في إبراهيم﴾، فتزعمون أنه كان على دينكم، ﴿وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده﴾، أي بعد موت إبراهيم، ﴿أفلا تعقلون﴾.
آل عمران 3:66
﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم﴾، يعني خاصمتم ﴿فيما لكم به علم﴾ مما جاء في التوراة والإنجيل، ﴿فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم﴾ بما ليس في التوراة والإنجيل، ﴿والله يعلم﴾ أن إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ﴿وأنتم لا تعلمون﴾ أنه ما كان يهوديا ولا نصرانيا.
آل عمران 3:67
ثم أخبر الله عز وجل، فقال: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا﴾، يعني حاجا ﴿مسلما﴾، يعني مخلصا، ﴿وما كان من المشركين﴾، يعني من اليهود ولا من النصارى.
آل عمران 3:68
ثم قال: ﴿إن أولى الناس بإبراهيم﴾ لقولهم: إنه كان على دينهم، ﴿للذين اتبعوه﴾ على دينه واقتدوا به، ﴿وهذا النبي والذين آمنوا﴾، يقول: من اتبع محمدا صلى الله عليه وسلم على دينه، ثم قال الله عز وجل: ﴿والله ولي المؤمنين﴾ الذين يتبعونهما على دينهما.
آل عمران 3:69
﴿ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم﴾، يعني يستنزلونكم عن دينكم الإسلام، ﴿وما يضلون﴾، يعني وما يستنزلون ﴿إلا أنفسهم وما يشعرون﴾، إنما يضلون أنفسهم، فنزلت في عمار بن ياسر، وحذيفة بن اليمان، وذلك أن اليهود جادلوهما ودعوهما إلى دينهم، وقالوا: إن ديننا أفضل من دينكم، ونحن أهدى منكم سبيلا، فنزلت: ﴿ودت طائفة من أهل الكتاب...﴾ إلى آخر الآية، ونزلت: ﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾
آل عمران 3:70
﴿يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾، يعني القرآن ﴿وأنتم تشهدون﴾ أن محمدا رسول الله، ونعته معكم في التوراة.
آل عمران 3:71
﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق﴾، يعني لم تخلطون الحق ﴿بالباطل وتكتمون الحق﴾، وذلك أن اليهود أقروا ببعض أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضا ﴿وأنتم تعلمون﴾ أن محمدا نبي ورسول صلى الله عليه وسلم.
آل عمران 3:72
﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب﴾، كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف اليهوديان لسلفة اليهود ﴿آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا﴾، يعني صدقوا بالقرآن، ﴿وجه النهار واكفروا آخره﴾ أول النهار، يعني صلاة الغداة، وإذا كان العشي قولوا لهم: نظرنا في التوراة، فإذا النعت الذي في التوراة ليس بنعت محمد صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله سبحانه: ﴿واكفروا آخره﴾، يعني صلاة العصر، فلبسوا عليهم دينهم لعلهم يشكون في دينهم، فذلك قوله: ﴿لعلهم يرجعون﴾، يعني لكي يرجعوا عن دينهم إلى دينكم.
آل عمران 3:73
وقال السفلة اليهود: ﴿ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم﴾، فإنه لن يؤتى أحد من الناس مثل ما أوتيتم من الفضل والتوراة والمن والسلوى والغمام والحجر، اثبتوا على دينكم، وقالوا لهم: لا تخبروهم بأمر محمد صلى الله عليه وسلم فيحاجوكم، يعني فيخاصموكم عند ربكم، قالوا ذلك حسدا لمحمد صلى الله عليه وسلم، لأن تكون النبوة في غيرهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿قل إن الهدى هدى الله أن يؤتي أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل﴾ يا محمد ﴿إن الفضل﴾، يعني الإسلام والنبوة ﴿بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسع﴾ لذلك ﴿عليم﴾ بمن يؤتيه الفضل.
آل عمران 3:74
﴿يختص برحمته﴾، يعني بتوبته، ﴿من يشاء﴾ فاختص الله عز وجل به المؤمنين، ﴿والله ذو الفضل﴾، يعني الإسلام ﴿العظيم﴾ على المؤمنين.
آل عمران 3:75
﴿ومن أهل الكتاب﴾، يعني أهل التوراة، ﴿من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك﴾، يعني عبد الله بن سلام وأصحابه، ﴿ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك﴾، يعني كفار اليهود، يعني كعب بن الأشرف وأصحابه، يقول: منهم من يؤدي الأمانة ولو كثرت، ومنهم من لا يؤديها ولو ائتمنته على دينار لا يؤده إليك، ﴿إلا ما دمت عليه قائما﴾ عند رأسه مواظبا عليه تطالبه بحقك، ﴿ذلك﴾ استحلالا للأمانة، ﴿بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين﴾، يعني في العرب ﴿سبيل﴾، وذلك أن المسلمين باعوا اليهود في الجاهلية، فلما تقاصهم المسلمون في الإسلام، قالوا: لا حرج علينا في حبس أموالهم، لأنهم ليسوا على ديننا يزعمون أن ذلك حلال لهم في التوراة، فذلك قوله عز وجل: ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ أنهم كذبة، وأن في التوراة تحريم الدماء والأموال إلا بحقها، ولكن أمرهم بالإسلام وأداء الأمانة وأخذ على ذلك ميثاقهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿بلى من أوفى بعهده﴾.
آل عمران 3:76
﴿بلى من أوفى بعهده﴾ الذي أخذه الله عليه في التوراة وأدى الأمانة، ﴿واتقى﴾ محارمه، ﴿فإن الله يحب المتقين﴾، يقول: الذين يتقون استحلال المحارم.
آل عمران 3:77
﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا﴾، يعني عرضا من الدنيا يسيرا، يعني رءوس اليهود، ﴿أولئك لا خلاق لهم في الآخرة﴾، يعني لا نصيب لهم في الآخرة، ﴿ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم﴾ بعد العرض والحساب، ﴿ولهم عذاب أليم﴾، يعني وجيع.
آل عمران 3:78
﴿وإن منهم﴾، يعني من اليهود ﴿لفريقا﴾، يعني طائفة، منهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وأبو ياسر، وجدى بن أخطب، وشعبة بن عمرو، ﴿يلوون ألسنتهم بالكتاب﴾، يعني باللي التحريف بالألسن في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿لتحسبوه من الكتاب﴾، يعني التوراة، يقول الله عز وجل: ﴿وما هو من الكتاب﴾ كتبوا يعني في التوراة من غير نعت محمد صلى الله عليه وسلم ومحوا نعته، ﴿ويقولون هو﴾ هذا النعت ﴿من عند الله وما هو من عند الله﴾، ولكنهم كتبوه، ﴿ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون﴾ أنهم كذبة، وليس ذلك نعت محمد صلى الله عليه وسلم.
آل عمران 3:79
﴿ما كان لبشر﴾، يعني عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ﴿أن يؤتيه الله﴾، يعني أن يعطيه الله ﴿الكتاب﴾، يعني التوراة والإنجيل، ﴿والحكم﴾، يعني الفهم، ﴿والنبوة ثم يقول للناس﴾، يعني بني إسرائيل، ﴿كونوا عبادا لي من دون الله ولكن﴾، يقول لهم: ﴿كونوا ربانيين﴾، يعني متعبدين لله عز وجل، ﴿بما كنتم تعلمون الكتاب﴾، يعني التوراة والإنجيل، ﴿وبما كنتم تدرسون﴾، يعني تقرءون.
آل عمران 3:80
﴿ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا﴾، يعني عيسى، وعزير، ولو أمركم بذلك لكان كفرا، فذلك قوله: ﴿أيأمركم بالكفر﴾، يعني بعبادة الملائكة والنبيين، ﴿بعد إذ أنتم مسلمون﴾، يعني مخلصين له بالتوحيد، فقال: الإصبغ بن زيد، وكردم بن قيس، أيامرنا بالكفر بعد الإيمان، فأنزل الله عز وجل: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾.
آل عمران 3:81
﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾، على أن يعبدوا الله، ويبلغوا الرسالة إلى قومهم، ويدعوا الناس إلى دين الله عز وجل، فبعث الله موسى ومعه التوراة إلى بني إسرائيل، فكان موسى أول رسول بعث إلى بني إسرائيل، وفي التوراة بيان أمر محمد صلى الله عليه وسلم، فأقروا به، ﴿لما﴾، يعني للذي
﴿آتيتكم﴾، يعني بني إسرائيل ﴿من كتاب﴾، يعني التوراة، ﴿وحكمة﴾ يعني ما فيها من الحلال والحرام، ﴿ثم جاءكم﴾ يعني بني إسرائيل،
﴿رسول﴾ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ﴿مصدق لما معكم﴾، يعني تصديق محمد صلى الله عليه وسلم لما معكم في التوراة، ﴿لتؤمنن به﴾، يعني لتصدقن به إن بعث، ﴿ولتنصرنه﴾، إذا خرج، يقول عز وجل لهم: ﴿قال أأقررتم﴾ بمحمد في التوراة بتصديقه ونصره، ﴿وأخذتم على ذلكم إصري﴾، يقول: وقبلتم على الإيمان بمحمد عهدي وميثاقي في التوراة، ﴿قالوا أقررنا﴾، يقول الله: ﴿قال فاشهدوا﴾ على أنفسكم بالإقرار، يقول الله عز وجل: ﴿وأنا معكم﴾، أي إقراركم بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿من الشاهدين﴾.
آل عمران 3:82
ثم قال: ﴿فمن تولى بعد ذلك﴾، يعني فمن أعرض عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد إقراره في التوراة، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ يعني العاصين.
آل عمران 3:83
﴿أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات﴾، يعني الملائكة، ﴿والأرض﴾، يعني المؤمنين، ﴿طوعا﴾، ثم قال سبحانه: ﴿وكرها﴾، يعني أهل الأديان، يقولون: الله هو ربهم، وهو خلقهم، فذلك إسلامهم، وهم في ذلك مشركون، ﴿وإليه يرجعون﴾.
آل عمران 3:84
ثم أنزل الله عز وجل في آل عمران: إن لم يؤمن أهل الكتاب بهذه الآية التي في البقرة، وأمر المؤمنين أن يقرءوها، فنزل: ﴿قل آمنا بالله﴾، يعني صدقنا بتوحيد الله، ﴿وما أنزل علينا﴾، يعني الإقرار بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى﴾، يعني وما أعطي موسى، ﴿وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم﴾، يقول: لا نكفر ببعض ونؤمن ببعض، ﴿ونحن له مسلمون﴾، يعني مخلصين.
آل عمران 3:85
﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، نزلت في طعمة بن أبيرق الأنصاري من الأوس من بني صقر، ارتد عن الإسلام ولحق بكفار مكة.
آل عمران 3:86
﴿كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات﴾، يعني البيان، ﴿والله لا يهدي﴾ إلى دينه ﴿القوم الظالمين﴾.
آل عمران 3:87
﴿أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله و﴾ لعنة ﴿الملائكة والناس أجمعين﴾ يعني والعالمين كلهم.
آل عمران 3:88
﴿خالدين فيها﴾ في اللعنة، مقيمين فيها، ﴿لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾، يعني لا يناظر بهم العذاب، نزلت في اثني عشر رجلا ارتدوا عن الإسلام، وخرجوا من المدينة كهيئة البداة، ثم انصرفوا إلى طريق مكة، فلحقوا بكفار مكة، منهم: طعمة بن أبيرق الأنصاري، ومقيس بن ضبابة الليثى، وعبد الله بن أنس بن خطل من بني تيم بن مرة القرشي، ووجوج بن الأسلت الأنصاري، وأبو عامر بن النعمان الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت الأنصاري من بني عمرو بن عوف أخو الجلاس بن سويد بن الصامت.
ثم إن الحارث ندم فرجع تائبا من ضرار، ثم أرسل إلى أخيه الجلاس: إني قد رجعت تائبا، فسل النبي صلى الله عليه وسلم هل لي من توبة وإلا لحقت بالشام؟ فانطلق الجلاس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره فلم يرد عليه شيئا، فأنزل الله عز وجل في الحارث، فاستثنى: ﴿إلا الذين تابوا﴾.
آل عمران 3:89
﴿إلا الذين تابوا﴾، فلا يعذبون ﴿من بعد ذلك﴾، يعني من بعد الكفر، ﴿وأصلحوا﴾ في العمل فيما بقي، ﴿فإن الله غفور﴾ لكفره، ﴿رحيم﴾ به فيما بقي.
آل عمران 3:90
فبلغ أمر الحارث الأحد عشر الذين بمكة، فقالوا: نقيم بمكة ما أقمنا ونتربص بمحمد الموت، فإذا أردنا المدينة فسينزل فينا ما نزل في الحارث ويقبل منا ما يقبل منه، فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا﴾، قالوا: نقيم بمكة كفارا، فإذا أردنا المدينة، فسينزل فينا كما نزل في الحارث، ﴿لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون﴾.
آل عمران 3:91
ثم أخبرهم عنهم وعن الكفار وما لهم في الآخرة، فقال عز وجل: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾، فيود أحدهم أن يكون له ملء الأرض ذهبا، يقدر على أن يفتدى به نفسه من العذاب لافتدى به، ﴿فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به﴾ ما قبل منه، ﴿أولئك لهم عذاب أليم﴾، وله عذاب، وجميع نظيرها في المائدة، ﴿وما لهم من ناصرين﴾، يعني من مانعين يمنعونهم من العذاب.
آل عمران 3:92
قوله سبحانه: ﴿لن تنالوا البر حتى تنفقوا﴾، يقول: لن تستكملوا التقوى حتى تنفقوا في الصدقة ﴿مما تحبون﴾ من الأموال، ﴿وما تنفقوا من شيء﴾، يعني من صدقة، ﴿فإن الله به عليم﴾، يعني عالم به، يعني بنياتكم.
آل عمران 3:93
﴿كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة﴾، وذلك أن يعقوب بن إسحاق خرج ذات ليلة ليرسل الماء في أرضه، فاستقبله ملك، فظن أنه لص يريد أن يقطع عليه الطريق، فعالجه في المكان الذي كان يقرب فيه القربان يدعى شانير، فكان أول قربان قربه بأرض المقدس، فلما أراد الملك أن يفارقه، غمز فخذ يعقوب برجليه ليريه أنه لو شاء لصرعه، فهاج به عرق النساء، وصعد الملك إلى السماء، ويعقوب ينظر إليه، فلقي منها البلاء، حتى لم ينم الليل من وجعه، ولا يؤذيه بالنهار، فجعل يعقوب لله عز وجل تحريم لحم الإبل وألبانها، وكان من أحب الطعام والشراب إليه، لئن شفاه الله.
قالت اليهود: جاء هذا التحريم من الله عز وجل في التوراة، قالوا: حرم الله على يعقوب وذريته لحوم الإبل وألبانها، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل﴾ لليهود ﴿فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ فاقرءوها ﴿إن كنتم صادقين﴾ بأن تحريم لحوم الإبل في التوراة، فلم يفعلوا.
آل عمران 3:94
يقول الله عز وجل يعيبهم: ﴿فمن افترى على الله الكذب﴾ بأن الله حرمه في التوراة، ﴿من بعد ذلك﴾ البيان، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾.
آل عمران 3:95
﴿قل صدق الله﴾، وذلك حين قال الله سبحانه: ﴿ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا...﴾ (آل عمران: 67) إلى آخر الآية، وقالت اليهود والنصارى: كان إبراهيم والأنبياء على ديننا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "فقد كان إبراهيم يحج البيت وأنتم تعلمون ذلك، فلم تكفرون بآيات الله "، يعني بالحج، فذلك قوله سبحانه: ﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا﴾.
﴿قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا﴾، يعني حاجا، ﴿وما كان من المشركين﴾ يقول: لم يكن يهوديا ولا نصرانيا.
آل عمران 3:96
﴿إن أول بيت﴾، يعني أول مسجد، ﴿وضع للناس﴾، يعني للمؤمنين، ﴿للذي ببكة مباركا﴾، وإنما سمي بكة، لأنه يبك الناس بعضهم بعضا في الطواف، ومباركا فيه، البركة مغفرة للذنوب، ﴿وهدى للعالمين﴾، يعني المؤمنين من الضلالة لمن صلى فيه، وضلالة لمن صلى قبل بيت المقدس، وذلك أن المسلمين واليهود اختصموا في
أمر القبلة، فقال المسلمون: القبلة الكعبة، وقالت اليهود: القبلة بيت المقدس، فأنزل الله عز وجل أن الكعبة أول مسجد كان في الأرض، والبيت قبلة لأهل المسجد الحرام، والحرم كله قبلة الأرض
آل عمران 3:97
ثم قال عز وجل: ﴿فيه آيات بينات مقام إبراهيم﴾، يعني علامة واضحة أثر مقام إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ﴿ومن دخله﴾ في الجاهلية ﴿كان آمنا﴾ حتى يخرج منه، ﴿ولله على الناس﴾، يعني المؤمنين ﴿حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾، يعني بالاستطاعة الزاد والراحلة، ﴿ومن كفر﴾ من أهل الأديان بالبيت ولم يحج واجبا فقد كفر، فذلك قوله سبحانه: ﴿ومن كفر﴾ ﴿فإن الله غني عن العالمين﴾.
آل عمران 3:98
﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله﴾، يعني بالقرآن، ﴿والله شهيد على ما تعملون﴾ ،
آل عمران 3:99
﴿قل يا أهل الكتاب﴾، يعني اليهود، ﴿لم تصدون عن سبيل الله﴾ أهل الإيمان، نزلت في حذيفة، وعمار بن ياسر حين دعوهما إلى دينهم، فقالوا لهما: ديننا أفضل من دينكم، ونحن أهدى منكم سبيلا.
فقال عز وجل: ﴿لم تصدون عن سبيل الله﴾، عن دين الإسلام، ﴿من آمن تبغونها عوجا﴾، يعني بملة الإسلام زيغا، ﴿وأنتم شهداء﴾ أن الدين هو الإسلام، وأن محمدا رسول الله ونبي، ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾.
آل عمران 3:100
﴿يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب﴾، يعني طائفة من الذين أوتوا الكتاب، يعني أعطوا التوراة، ﴿يردوكم بعد إيمانكم كافرين﴾.
آل عمران 3:101
﴿وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله﴾، يعني القرآن، ﴿وفيكم رسوله﴾، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم، ﴿ومن يعتصم بالله﴾، يعني يحترز بالله فيجعله ثقته، ﴿فقد هدي إلى صراط مستقيم﴾ يعني إلى دين الإسلام.
آل عمران 3:102
﴿يأيها الذين آمنوا﴾، يعني الأنصار، ﴿اتقوا الله حق تقاته﴾، وهو أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وان يشكر فلا يكفر، نسختها: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾ (التغابن: 16) وذلك أنه كان بين الأوس والخزرج عداوة في الجاهلية في دم شمير وحاطب، فقتل بعضهم بعضا حينا، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أصلح بينهم، فلما كان بعد ذلك، تفاخر منهم رجلان أحدهما ثعلبة بن غنيمة من الأوس، والآخر سعد بن زرارة من بني الخزرج من بني سلمة بن جشم، فجرى الحديث بينهما فغضبا، فقال الخزرجي: أما والله لو تأخر الإسلام عنا وقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا لقتلنا سادتكم، واستعبدنا أبناءكم، ونكحنا نساءكم بغير مهر، فقال الأوسي: قد كان الإسلام متأخرا زمانا طويلا، فهلا فعلتم، فقد ضربناكم بالمرهفات حتى أدخلناكم الديار، وذكرا الأشعار والموتى، وافتخرا وانتسبا، حتى كان بينهما دفع وضرب بالأيدي والسعف والنعال، فغضبا فناديا، فجاءت الأوس إلى الأوس، والخزرج إلى الخزرج بالسلاح، وأسرع بعضهم إلى بعض بالرماح، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فركب حمارا وأتاهم، فلما أن عاينهم ناداهم: ﴿يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾ ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ يعني معتصمين بالتوحيد.
آل عمران 3:103
﴿واعتصموا بحبل الله﴾، يعني بدين الله، ﴿جميعا ولا تفرقوا﴾، يعني ولا تختلفوا في الدين كما اختلف أهل الكتاب، ﴿واذكروا نعمت الله عليكم﴾ الإسلام، ﴿إذ كنتم أعداء﴾ في الجاهلية يقتل بعضكم بعضا، ﴿فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾، يعني برحمته إخوانا في الإسلام، ﴿وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها﴾، يقول للمشركين: الميت منكم في النار، والحي منكم على حرف النار، إن مات دخل النار، ﴿فأنقذكم منها﴾، يعني من الشرك إلى الإيمان، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا، ﴿يبين الله لكم آياته﴾، يعني علاماته في هذه النعمة، أعداء في الجاهلية، إخوانا في الإسلام، ﴿لعلكم﴾، لكي ﴿تهتدون﴾، فتعرفوا علاماته في هذه النعمة.
فلما سمع القوم القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم تحاجزوا، ثم عانق بعضهم بعضا، وتناول بخدود بعض بالتقبيل والالتزام، يقول جابر بن عبد الله، وهو في القوم: لقد اطلع إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أحد هو أكره طلعة إلينا منه لما كنا هممنا به، فلما انتهى إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال: "اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم".
آل عمران 3:104
﴿ولتكن منكم أمة﴾، يعني عصبة، ﴿يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾.
آل عمران 3:105
فوعظ الله المؤمنين لكي لا يتفرقوا ولا يختلفوا كفعل أهل الكتاب، فقال: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا﴾ في الدين بعد موصى، فصاروا أديانا ﴿من بعد ما جاءهم البينات﴾، يعني البيان، ﴿وأولئك لهم عذاب عظيم﴾.
آل عمران 3:106
﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾.
آل عمران 3:107
﴿وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة﴾، يعني في جنة ﴿الله هم فيها خالدون﴾ يعني لا يموتون.
آل عمران 3:108
﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين﴾ فيعذب على غير ذنب.
آل عمران 3:109
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وإلى الله ترجع الأمور﴾، يعني تصير
أمور العباد إليه في الآخرة، وافتخرت الأنصار، فقالت الأوس: منا خزيمة بن ثابت صاحب الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن الأفلح الذي حمت رأسه الدبر، يعني الزنابير، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز العرش لموته، ورضي الله عز وجل بحكمه، والملائكة في أهل قريظة، وقالت الخزرج: منا أربعة أحكموا القرآن، أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنا سعد بن عبادة صاحب راية الأنصار وخطيبهم الذي ناحت الجن عليه، فقالوا :
نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة *** فرميناه بسهمين فلم تخط فؤاده
آل عمران 3:110
قوله سبحانه: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾، يعني خير الناس للناس، وذلك أن مالك بن الضيف، ووهب بن يهوذا قالا لعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حنيفة: إن ديننا خير مما تدعونا إليه، فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾ في زمانكم كما فضل بنى إسرائيل في زمانهم، ﴿تأمرون﴾ الناس ﴿بالمعروف﴾، يعني بالإيمان، ﴿وتنهون عن المنكر وتؤمنون﴾ بتوحيد ﴿بالله﴾ وتنهوهم عن الظلم وأنتم خير الناس للناس، وغيركم من أهل الأديان لا يأمرون أنفسهم ولا غيرهم بالمعروف، ولا ينهونهم عن المنكر، ثم قال: ﴿ولو آمن﴾، يعني ولو صدق ﴿أهل الكتاب﴾، يعني اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من الحق، ﴿لكان خيرا لهم﴾ من الكفر، ثم قال: ﴿منهم المؤمنون﴾، يعني عبد الله بن سلام وأصحابه، ﴿وأكثرهم الفاسقون﴾ يعني العاصين، يعني اليهود.
آل عمران 3:111
﴿لن يضروكم إلا أذى﴾، وذلك أن رؤساء اليهود: كعب بن مالك، وشعبة، وبحرى، ونعمان، وأبا ياسر، وأبا نافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن صوريا، عمدوا إلى مؤمنيهم فآذوهم لإسلامهم، وهم عبد الله بن سلام وأصحابه، فأنزل الله عز وجل: ﴿لن يضروكم﴾ اليهود ﴿إلا أذى﴾ باللسان، ﴿وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون﴾.
آل عمران 3:112
ثم أخبر عن اليهود، فقال سبحانه: ﴿ضربت عليهم الذلة﴾، يعني المذلة، ﴿أين ما ثقفوا﴾، يعني وجدوا، ﴿إلا بحبل من الله وحبل من الناس﴾، يقول: لا يأمنوا حيث ما توجهوا إلا بعهد من الله، وعهد من الناس، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ﴿وباءو بغضب من الله﴾، يعني استوجبوا الغضب من الله، ﴿وضربت عليهم﴾ الذلة و ﴿المسكنة﴾، يعني الذل والفقر، ﴿ذلك﴾ الذي نزل بهم ﴿بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبياء بغير حق ذلك﴾ الذي أصابهم ﴿بما عصوا وكانوا يعتدون﴾ في دينهم بما خبر عنهم.
آل عمران 3:113
فقال سبحانه: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب﴾، وذلك أن اليهود قالوا لابن سلام وأصحابه: لقد خسرتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره، وقد عاهدتم الله بعهد ألا تدينوا إلا بدينكم، فقال الله عز وجل: ﴿ليسوا سواء﴾، يقول: ليس كفار اليهود والذين في الضلالة بمنزلة ابن سلام وأصحابه الذين هم على دين الله، منهم ﴿أمة﴾ عصابة ﴿قائمة﴾ بالحق على دين الله عادلة، ﴿يتلون آيات الله﴾، يعني يقرءون كلام الله ﴿آناء الليل﴾، يعني ساعات الليل، ﴿وهم يسجدون﴾ يعني يصلون بالليل.
آل عمران 3:114
﴿يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، يعني يصدقون بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿ويأمرون بالمعروف﴾، يعني إيمانا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وينهون عن المنكر﴾، يعني عن تكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ويسارعون في الخيرات﴾، يعني شرائع الإسلام، ﴿وأولئك من الصالحين﴾.
آل عمران 3:115
﴿وما يفعلوا من خير فلن يكفروه﴾، فلن يضل عنهم، بل يشكر ذلك لهم، ﴿والله عليم بالمتقين﴾ يعني ابن سلام وأصحابه.
فقال: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
آل عمران 3:116
﴿وما يفعلوا من خير فلن يكفروه﴾، فلن يضل عنهم، بل يشكر ذلك لهم، ﴿والله عليم بالمتقين﴾ يعني ابن سلام وأصحابه.
فقال: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
آل عمران 3:117
ثم ذكر نفقة سفلة اليهود من الطعام والثمار على رؤوس اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه، يريدون بها الآخرة، فضرب الله عز وجل مثلا لنفقاتهم. فقال: ﴿مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا﴾، وهم كفار، يعني سفلة اليهود، ﴿كمثل ريح فيها صر﴾، يعني بردا شديدا، ﴿أصابت﴾ الريح الباردة، ﴿حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾، فلم يبق منه شيئا، كما أهلكت الريح الباردة ﴿حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته﴾، فلم يبق منه شيئا، كما أهلكت الريح الباردة حرث الظلمة، فلم ينفعهم حرثهم، فكذلك أهلك الله نفقات سفلة اليهود، ومنهم كفار مكة التي أرادوا بها الآخرة، فلم تنفعهم نفقاتهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿وما ظلمهم الله﴾ حين أهلك نفقاتهم، فلم نتقبل منهم، ﴿ولكن أنفسهم يظلمون﴾.
آل عمران 3:118
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يعني المنافقين عبد الله بن أبى، ومالك بن دخشم الأنصاري وأصحابه، دعاهم اليهود إلى دينهم، منهم: إصبغ ورافع ابني حرملة، وهما رؤوس اليهود، فزينوا لهما ترك الإسلام، حتى أرادوا ن يظهروا الكفر، فأنزل الله عز وجل يحذرهما ولاية اليهود، ﴿يأيها الذين آمنوا﴾ ﴿لا تتخذوا بطانة﴾، يعني اليهود، ﴿من دونكم﴾، يعني من دون المؤمنين، ﴿لا يألونكم خبالا﴾، يعني غيا، ﴿ودوا ما عنتم﴾، يعني ما أثمتم لدينكم في دينكم، ﴿قد بدت البغضاء﴾، يعني ظهرت البغضاء، ﴿من أفواههم﴾، يعني قد ظهرت العداوة بألسنتهم، ﴿وما تخفي صدورهم﴾، يعني ما تسر قلوبهم من الغش، ﴿أكبر﴾ مما بدت بألسنتهم، ﴿قد بينا لكم الآيات﴾، يقول: ففي هذا بيان لكم منهم، ﴿إن كنتم تعقلون﴾.
آل عمران 3:119
ثم قال سبحانه: ﴿ها أنتم﴾ معشر المؤمنين ﴿أولاء تحبونهم﴾ تحبون هؤلاء اليهود في التقديم لما أظهروا من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ﴿ولا يحبونكم﴾، لأنهم ليسوا على دينكم، ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾، كتاب محمد صلى الله عليه وسلم والكتب كلها التي كانت قبله، ﴿وإذا لقوكم قالوا آمنا﴾ يعني صدقنا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وهم كذبة، يعني اليهود، مثلها في المائدة: ﴿وإذا جاؤوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر...﴾ (المائدة: 61) إلى آخر الآية، ثم قال: ﴿وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل﴾، يعني أطراف الأصابع، ﴿من الغيظ﴾ الذي في قلوبهم، ودوا لو وجدوا ريحا يركبونكم بالعداوة، ﴿قل موتوا بغيظكم﴾، يعني اليهود، ﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾ يعني يعلم ما في قلوبهم من العداوة والغش للمؤمنين.
آل عمران 3:120
ثم أخبر عن اليهود، فقال سبحانه: ﴿إن تمسسكم حسنة﴾، يعني الفتح والغنيمة يوم بدر، ﴿تسؤهم وإن تصبكم سيئة﴾، القتل والهزيمة يوم أحد، ﴿يفرحوا بها﴾ ثم قال للمؤمنين: ﴿وإن تصبروا﴾ على أمر الله، ﴿وتتقوا﴾ معاصيه ﴿لا يضركم كيدهم شيئا﴾، يعني قولهم، ﴿إن الله بما يعملون محيط﴾، أحاط علمه بأعمالهم.
آل عمران 3:121
﴿وإذ غدوت من أهلك﴾ على راحتك يا محمد يوم الأحزاب، ﴿تبوئ المؤمنين﴾، يعني توطن لهم، ﴿مقاعد للقتال﴾ في الخندق قبل أن يستبقوا إليه ويستعدوا للقتال، ﴿والله سميع عليم﴾.
آل عمران 3:122
﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا﴾، يعني ترك المركز، منهم بنو حارثة بن الحارث، ومنهم أوس بن قيظي، وأبو عربة بن أوس بن يامين، وبنو سلمة بن جشم، وهما حيان من الأنصار، ﴿والله وليهما﴾ حين عصمها فلم يتركا المركز، وقالوا: ما يسرنا أنا لم نهم بالذي هممنا إذا كان الله ولينا، ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾، يعني فليثق المؤمنون به.
آل عمران 3:123
﴿ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة﴾، وأنتم قليل، يذكرهم النعم، ﴿فاتقوا الله﴾ ولا تعصوه، ﴿لعلكم تشكرون﴾، ربكم في النعم.
آل عمران 3:124
﴿إذ تقول﴾ يا محمد ﴿للمؤمنين﴾ يوم أحد: ﴿ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين﴾ عليكم من السماء، وذلك حين سألوا المدد.
آل عمران 3:125
فقال سبحانه: ﴿بلى﴾ يمددكم ربكم بالملائكة، ﴿إن تصبروا﴾ لعدوكم ﴿وتتقوا﴾ معاصيه، ﴿ويأتوكم من فورهم هذا﴾، يعني من وجههم هذا، ﴿يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة﴾، فزادهم ألفين ﴿مسومين﴾، يعني معلمين بالصوف الأبيض في نواصي الخيل، وأذنابها عليها البياض، معتمين بالبياض، وقد أرخوا أطراف العمائم بين أكتافهم.
آل عمران 3:126
﴿وما جعله الله﴾، يقول: وما جعل المدد من الملائكة ﴿إلا بشرى لكم ولتطمئن﴾، يعني ولكي تسكن ﴿قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله﴾، يقول: النصر ليس بقلة العدد ولا بكثرته، ولكن النصر من عند الله ﴿العزيز﴾، يعني المنيع في ملكه، ﴿الحكيم﴾ في أمره حكم النصر للمؤمنين، نظيرها في الأنفال.
آل عمران 3:127
﴿ليقطع﴾ لكي يقطع ﴿طرفا من الذين كفروا﴾ من أهل مكة، ﴿أو يكبتهم﴾، يعني يخزيهم، ﴿فينقلبوا﴾ إلى مكة ﴿خائبين﴾، لم يصيبوا ظفرا ولا خيرا، فلم يصبر المؤمنون وتركوا المركز وعصوا، فرفع عنهم المدد، وأصابتهم الهزيمة بمعصيتهم، فيها تقديم.
آل عمران 3:128
﴿ليس لك﴾ يا محمد ﴿من الأمر شيء﴾، وذلك أن سبعين رجلا من أصحاب الصفة فقراء، كانوا إذا أصابوا طعاما فشبعوا منه تصدقوا بفضله، ثم إنهم خرجوا إلى الغزو محتسبين إلى قتال قبيلتين من بني سليم: عصبة وذكوان، فقاتلوهم فقتل السبعون جميعا، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قتلهم، فدعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم أربعين يوما في صلاة الغداة، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ ﴿أو يتوب عليهم﴾، فيهديهم لدينه، ﴿أو يعذبهم﴾ على كفرهم، ﴿فإنهم ظالمون﴾.
آل عمران 3:129
ثم عظم نفسه تعالى، فقال: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ من الخلق عبيده وفي ملكه، ﴿يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم﴾ في تأخير العذاب عن هذين الحيين من بني سليم.
آل عمران 3:130
﴿يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة﴾، وذلك أن الرجل كان إذا حل ماله طلبه من صاحبه، فيقول المطلوب: أخر عني وأزيدك على مالك، فيفعلون ذلك، فوعظهم الله تعالى، وقال: ﴿واتقوا الله﴾ في الربا ﴿لعلكم تفلحون﴾.
آل عمران 3:131
ثم خوفهم، فقال: ﴿واتقوا النار التي أعدت للكافرين﴾.
آل عمران 3:132
﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾، يعني لكي ترحموا فلا تعذبوا.
آل عمران 3:133
ثم رغبهم، فقال سبحانه: ﴿وسارعوا﴾ بالأعمال الصالحة ﴿إلى مغفرة﴾ لذنوبكم ﴿من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض﴾، يقول: عرض الجنة كعرض سبع سماوات وسبع أرضين جميعا لو ألصق بعضها إلى بعض، ﴿أعدت للمتقين﴾.
آل عمران 3:134
ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين ينفقون في السراء والضراء﴾، يعني في اليسر والعسر، وفي الرخاء والشدة، ﴿والكاظمين الغيظ﴾، وهو الرجل يغضب في أمر، فإذا فعله وقع في معصية، فيكظم الغيظ ويغفر، فذلك قوله: ﴿والعافين عن الناس﴾، ومن يفعل هذا فقد أحسن، فذلك قوله: ﴿والله يحب المحسنين﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني أرى هؤلاء في أمتي قليلا، وكانوا أكثر في الأمم الخالية".
آل عمران 3:135
﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾، وذلك أن رجلا خرج غازيا وخلف رجلا في أهله وولده، فعرض له الشيطان في أهله، فهوى المرأة، فكان منه ما ندم، فأتى أبا بكر الصديق، رضي الله عنه، فقال: هلكت، قال: وما هلاكك، قال: ما من شيء يناله الرجل من المرأة، إلا وقد نلته غير الجماع، فقال أبو بكر، رضى الله عنه: ويحك، أما علمت أن الله عز وجل يغار للغازي ما لا يغار للقاعد، ثم لقي عمر، رضي الله عنه، فأخبره، فقال له مثل مقالة أبى بكر، رضي الله عنه، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له مثل مقالتهما، فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿والذين إذا فعلوا فاحشة﴾، يعني الزنا ﴿أو ظلموا أنفسهم﴾ ما كان نال منها دون الزنا، ﴿ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا﴾ يقيموا ﴿على ما فعلوا وهم يعلمون﴾ أنها معصية.
آل عمران 3:136
فمن استغفر ف ﴿أولئك جزاؤهم مغفرة﴾ لذنوبهم ﴿من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾، يعني مقيمين في الجنان لا يموتون، ﴿ونعم أجر العاملين﴾ يعني التائبين من الذنوب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ظلمت نفسك، فاستغفر الله وتب إليه"، فاستغفر الرجل، واستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم، نزلت هذه الآية في عمر بن قيس، ويكنى أبا مقبل، وذلك حين أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد صدمه حائط، وإذا الدم يسيل على وجهه عقوبة لما فعل، فانتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأذن بلال بالصلاة، صلاة الأولى، فسأل أبو مقبل النبي صلى الله عليه وسلم ما توبته، فلم يجبه، ودخل المسجد وصلى الأولى، ودخل أبو مقبل وصلى معه، فنزل جبريل، عليه السلام، بتوبته، ﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات﴾، يعني الصلوات الخمس ﴿يذهبن السيئات﴾، هود يعني الذنوب التي لم تختم بالنار، وليس عليه حد في الزنا وما بين الحدين فهو اللمم، والصلوات الخمس تكفر هذه الذنوب، وكان ذنب أبي مقبل من هذه الذنوب، فلما صلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال لأبي مقبل: "أما توضأت قبل أن تأتينا؟"، قال: بلى، قال: "أما شهدت معنا الصلاة؟"، قال: بلى، قال: "فإن الصلاة قد كفرت ذنبك"، وقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية.
آل عمران 3:137
﴿قد خلت من قبلكم سنن﴾، يعني عذاب الأمم الخالية، فخوف هذه الأمم بعذاب الأمم ليعتبروا فيوحدوه، قوله سبحانه: ﴿فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ للرسل بالعذاب، كان عاقبتهم الهلاك.
آل عمران 3:138
ثم وعظهم، فقال سبحانه: ﴿هذا﴾ القرآن ﴿بيان للناس﴾ من العمى ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿وموعظة﴾ من الجهل ﴿للمتقين﴾.
آل عمران 3:139
﴿ولا تهنوا﴾ ولا تضعفوا عن عدوكم ﴿ولا تحزنوا﴾ على ما أصابكم من القتل والهزيمة يوم أحد ﴿وأنتم الأعلون﴾، يعني العالين ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، يعني إن كنتم مصدقين.
آل عمران 3:140
ثم عزاهم، فقال: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾، يعني إن تصبكم جراحات يوم أحد فقد مس القوم، يعني كفار قريش، قرح مثله، يقول: قد أصاب المشركين جراحات مثله يوم بدر، وذلك قوله سبحانه: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ يوم لكم ببدر، ويوم عليكم بأحد، مرة للمؤمنين ومرة للكافرين، بديل للكافرين من المؤمنين، ويبتلى المؤمنين بالكافرين، ﴿وليعلم الله﴾، يعني وليرى إيمان ﴿الذين آمنوا﴾ منكم عند البلاء فيتبين إيمانهم أيشكوا في دينهم أم لا، ﴿ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين﴾ يعني المنافقين.
آل عمران 3:141
﴿وليمحص الله الذين آمنوا﴾ بالبلاء ليرى صبرهم، ﴿ويمحق الكافرين﴾، يعني ويذهب دعوة الكافرين الشرك، يعني المنافقين، فيبين نفاقهم وكفرهم، ثم بين للمؤمنين أنه نازل بهم الشدة والبلاء في ذات الله عز وجل، فقال: ﴿أم حسبتم﴾، يعني أحسبتم، وذلك أن المنافقين قالوا للمؤمنين يوم أحد بعد الهزيمة: لم تقتلون أنفسكم، وتهلكون أموالكم، فإن محمدا لو كان نبيا لم يسلط عليه القتل؟ قال المؤمنون: بلى، من قتل منا دخل الجنة، فقال المنافقون: لم تمنون أنفسكم بالباطل؟
آل عمران 3:142
فأنزل الله تعالى: ﴿أم حسبتم﴾ معشر المؤمنين ﴿أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله﴾، يعني ولما يرى الله ﴿الذين جاهدوا منكم﴾ في سبيل الله ﴿و﴾ لما ﴿ويعلم﴾، يعني يرى ﴿الصابرين﴾ عند البلاء، وليمحص، أي يقول: إذا جاهدوا وصبروا رأى ذلك منهم، وإذا لم يفعلوا لم ير ذلك منهم.
آل عمران 3:143
﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾، وذلك حين أخبر الله عز وجل عن قتلى بدر، وما هم فيه من الخير، قالوا: يا نبي الله، أرنا يوما كيوم بدر، فأراهم الله عز وجل يوم أحد، فانهزموا فعاتبهم الله عز وجل، فقال سبحانه: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ ﴿من قبل أن تلقوه﴾، يعني القتال من قبل أن يلقوه، ﴿فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾، وقالوا يومئذ: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بشر بن النضر الأنصاري، وهو عم أنس بن مالك: إن كان محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فإن رب محمد حي، أفلا تقاتلون على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلقوا الله عز وجل. ثم قال النضر: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد عليهم بسيفه فقتل منهم من قتل، وقال المنافقون يومئذ: ارجعوا إلى إخوانكم فاستأمنوهم، فارجعوا إلى دينكم الأول، فقال النضر عند قول المنافقين تلك المقالة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾.
يقول: وهل محمد، عليه السلام، لو قتل إلا كمن قتل قبله من الأنبياء، ﴿أفإين مات﴾ محمد ﴿أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾، يعني رجعتم إلى دينكم الأول الشرك، ثم قال: ﴿ومن ينقلب على عقبيه﴾، يقول: ومن يرجع إلى الشرك بعد الإيمان، ﴿فلن يضر الله شيئا﴾ بارتداده من الإيمان إلى الشرك، إنما يضر بذلك نفسه، ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾، يعني الموحدين لله في الآخرة.
آل عمران 3:144
﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾، وذلك حين أخبر الله عز وجل عن قتلى بدر، وما هم فيه من الخير، قالوا: يا نبي الله، أرنا يوما كيوم بدر، فأراهم الله عز وجل يوم أحد، فانهزموا فعاتبهم الله عز وجل، فقال سبحانه: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت﴾ ﴿من قبل أن تلقوه﴾، يعني القتال من قبل أن يلقوه، ﴿فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾، وقالوا يومئذ: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فقال بشر بن النضر الأنصاري، وهو عم أنس بن مالك: إن كان محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، فإن رب محمد حي، أفلا تقاتلون على ما قاتل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تلقوا الله عز وجل. ثم قال النضر: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء، ثم شد عليهم بسيفه فقتل منهم من قتل، وقال المنافقون يومئذ: ارجعوا إلى إخوانكم فاستأمنوهم، فارجعوا إلى دينكم الأول، فقال النضر عند قول المنافقين تلك المقالة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل﴾.
يقول: وهل محمد، عليه السلام، لو قتل إلا كمن قتل قبله من الأنبياء، ﴿أفإين مات﴾ محمد ﴿أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾، يعني رجعتم إلى دينكم الأول الشرك، ثم قال: ﴿ومن ينقلب على عقبيه﴾، يقول: ومن يرجع إلى الشرك بعد الإيمان، ﴿فلن يضر الله شيئا﴾ بارتداده من الإيمان إلى الشرك، إنما يضر بذلك نفسه، ﴿وسيجزي الله الشاكرين﴾، يعني الموحدين لله في الآخرة.
آل عمران 3:145
﴿وما كان لنفس أن تموت﴾، يعني أن تقتل، ﴿إلا بإذن الله﴾ حتى يأذن الله في موته، ﴿كتابا مؤجلا﴾ في اللوح المحفوظ، ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾، يعني الذين تركوا المركز يوم أحد وطلبوا الغنيمة، وقال سبحانه: ﴿ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها﴾، الذين ثبتوا مع أميرهم عبد الله بن جبير الأنصاري من بني عمرو حتى قتلوا، ﴿وسنجزي الشاكرين﴾ يعني الموحدين في الآخرة.
آل عمران 3:146
ثم أخبر بما لقيت الأنبياء والمؤمنون قبلهم يعزيهم ليصبروا، فقال سبحانه: ﴿وكأين من نبي﴾، وكم من نبي ﴿قاتل معه﴾ قبل محمد ﴿ربيون كثير﴾، يعني الجمع الكثير، ﴿فما وهنوا﴾، يعني فما عجزوا لما نزل بهم من قبل أنبيائهم وأنفسهم، ﴿لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا﴾، يعني خضعوا لعدوهم، ﴿وما استكانوا﴾، يعني وما استسلموا، يعني الخضوع لعدوهم بعد قتل نبيهم، فصبروا ﴿والله يحب الصابرين﴾.
آل عمران 3:147
﴿وما كان قولهم﴾ عند قتل أنبيائهم ﴿إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا﴾، يعني الخطايا الكبار في أعمالنا، ﴿وثبت أقدامنا﴾ عند اللقاء حتى لا تزل، ﴿وانصرنا على القوم الكافرين﴾، أفلا تقولون كما قالوا، وتقاتلون كما قاتلوا، فتدركون من الثواب في الدنيا والآخرة مثل ما أدركوا. فذلك قوله عز وجل: ﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا﴾.
آل عمران 3:148
﴿فآتاهم الله ثواب الدنيا﴾، يقول: أعطاهم النصر والغنيمة في الدنيا، ﴿وحسن ثواب الآخرة﴾ جنة الله ورضوانه، فمن فعل ذلك فقد أحسن، فذلك قوله عز وجل: ﴿والله يحب المحسنين﴾.
آل عمران 3:149
وأنزل الله عز وجل في قول المنافقين للمؤمنين عند الهزيمة: ارجعوا إلى إخوانكم فادخلوا في دينهم، فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا﴾، يعني المنافقين في الرجوع إلى أبي سفيان، ﴿يردوكم على أعقابكم﴾ كفارا بعد الإيمان، ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾ إلى دينكم الأول.
آل عمران 3:150
﴿بل الله مولاكم﴾، يعني يقول: فأطيعوا الله مولاكم، يعني وليكم، ﴿وهو خير الناصرين﴾ آية من أبي سفيان وأصحابه ومن معه من كفار العرب يوم أحد.
آل عمران 3:151
﴿سنلقى في قلوب الذين كفروا الرعب﴾، فانهزموا إلى مكة من غير شيء، ﴿بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾، يعني ما لم ينزل به كتابا فيه حجة لهم بالشرك، ﴿ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين﴾ يعني مأوى المشركين النار.
آل عمران 3:152
﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾، يعني تقتلونهم بإذنه يوم أحد، ولكم النصر عليهم، ﴿حتى إذا فشلتم﴾، يعني ضعفتم عن ترك المركز، ﴿وتنازعتم في الأمر وعصيتم﴾ كان تنازعهم أنه قال بعضهم: ننطلق فنصيب الغنائم، وقال بعضهم: لا نبرح المركز كما أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿من بعد ما أراكم ما تحبون﴾ من النصر على عدوكم، فقتل أصحاب الألوية من المشركين، ﴿منكم من يريد الدنيا﴾ الذين طلبوا الغنيمة، ﴿ومنكم من يريد الآخرة﴾ الذين ثبتوا في المركز حتى قتلوا، ﴿ثم صرفكم عنهم﴾ من بعد أن أظفركم عليهم، ﴿ليبتليكم﴾ بالقتل والهزيمة، ﴿ولقد عفا عنكم﴾ حيث لم تقتلوا جميعا عقوبة بمعصيتكم، ﴿والله ذو فضل﴾ في عقوبته ﴿على المؤمنين﴾ حيث لم يقتلوا جميعا.
آل عمران 3:153
﴿إذ تصعدون﴾ من الوادي إلى أحد، ﴿ولا تلوون على أحد﴾، يعني بأحد النبي صلى الله عليه وسلم ﴿والرسول يدعوكم في أخراكم﴾، يعني يناديكم من ورائكم: يا معشر المؤمنين، أنا رسول الله، ثم قال: ﴿فأثابكم غما بغم﴾، وذلك أنهم كانوا يذكرون فيما بينهم بعد الهزيمة ما فاتهم من الفتح والغنيمة، وما أصابهم بعد ذلك من المشركين، وقتل إخوانهم، فهذا الغم الأول، والغم الآخر إشراف خالد بن الوليد عليهم من الشعب في الخيل، فلما أن عاينوه ذعرهم ذلك وأنساهم ما كانوا فيه من الغم الأول والحزن، فذلك قوله سبحانه: ﴿لكيلا تحزنوا على ما فاتكم﴾ من الفتح والغنيمة، ﴿ولا ما أصابكم﴾ من القتل والهزيمة، ﴿والله خبير بما تعملون﴾.
آل عمران 3:154
﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا﴾، يعني من بعد غم الهزيمة أمنة نعاسا، وذلك أن الله عز وجل ألقى على بعضهم النعاس فذهب غمهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿يغشى﴾ النعاس ﴿طائفة منكم﴾ نزلت في سبعة نفر، في: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، والحارث بن الصمة، وسهل بن ضيف ،
ورجلين من الأنصار، رضي الله عنهم، ثم قال سبحانه: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم﴾، يعني الذين لم يلق عليهم النعاس، ﴿يظنون بالله غير الحق﴾ كذبا يقول المؤمنون: إن محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، ﴿ظن الجاهلية﴾، يقول: كظن جهال المشركين أبو سفيان وأصحابه، وذلك أنهم قالوا: إن محمدا قد قتل، ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء﴾، هذا قول معتب بن قشير، يعني بالأمر النصر، يقول الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل إن الأمر﴾، يعني النصر ﴿كله لله﴾.
ثم قال سبحانه: ﴿يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا﴾، يقول: يسرون في قلوبهم ما لا يظهرون لك بألسنتهم، والذي أخفوا في أنفسهم أنهم قالوا: لو كنا في بيوتنا ما قتلنا ها هنا، قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿لو كنتم في بيوتكم لبرز﴾ كما تقولون لخرج من البيوت ﴿الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾، فمن كتب عليه القتل لا يموت أبدا، ومن كتب عليه الموت لا يقتل أبدا، ﴿وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾، يقول: الله عليم بما في القلوب من الإيمان والنفاق، والذين أخفوا في أنفسهم قولهم: إن محمدا قد قتل، وقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا، يعني هذا المكان، فهذا الذي قال الله سبحانه لهم: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿لو كنتم في بيوتكم﴾ كما تقولون ﴿لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾.
آل عمران 3:155
قوله سبحانه: ﴿إن الذين تولوا منكم﴾، يعني انهزموا عن عدوهم مدبرين منهزمين ﴿يوم التقى الجمعان﴾، جمع المؤمنين وجمع المشركين يوم أحد، ﴿إنما استزلهم الشيطان﴾، يعني استفزهم الشيطان ﴿ببعض ما كسبوا﴾ من الذنوب، يعني بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم وتركهم المركز، منهم: عثمان بن عفان، ورافع بن المعلى، وخارجة بن زيد، وحذيفة بن عبيد بن ربيعة، وعثمان بن عقبة، ﴿ولقد عفا الله عنهم﴾ حين لم يقتلوا جميعا عقوبة بمعصيتهم النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿إن الله غفور﴾ لذنوبهم ﴿حليم﴾ عنهم في هزيمتهم فلم يعاقبهم.
آل عمران 3:156
ثم وعظ الله المؤمنين ألا يشكوا كشك المنافقين، فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا﴾ في القول ﴿كالذين كفروا﴾، يعني المنافقين، ﴿وقالوا لإخوانهم﴾، يعني عبد الله بن أبي، وذلك أنه قال يوم أحد لعبد الله بن رباب الأنصاري وأصحابه: ﴿إذا ضربوا﴾، يعني ساروا ﴿في الأرض﴾ تجارا ﴿أو كانوا غزى﴾ جمع غاز، ﴿لو كانوا عندنا ما ماتوا﴾، يعني التجار، ﴿وما قتلوا﴾، يعني الغزاة، قال عبد الله بن أبي ذلك حين انهزم المؤمنون وقتلوا، يقول الله عز وجل: ﴿ليجعل الله ذلك﴾ القتل ﴿حسرة﴾، يعني حزنا ﴿في قلوبهم والله يحي﴾ الموتى ﴿ويميت﴾ الأحياء لا يملكهما غيره، وليس ذلك بأيديهم، ﴿والله بما تعملون بصير﴾.
آل عمران 3:157
﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم﴾ في غير قتل ﴿لمغفرة من الله﴾ لذنوبكم ﴿ورحمة خير مما يجمعون﴾ من الأموال.
آل عمران 3:158
ثم حذرهم القيامة، فقال: ﴿ولئن متم﴾ في غير قتل ﴿أو قتلتم﴾ في سبيله ﴿لإلى الله تحشرون﴾ فيجزيكم بأعمالكم.
آل عمران 3:159
﴿فبما رحمة من الله لنت لهم﴾، فبرحمة الله كان إذ لنت لهم في القول، ولم تسرع إليهم بما كان منهم يوم أحد، يعني المنافقين، ﴿ولو كنت فظا﴾ باللسان ﴿غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ لتفرقوا عنك، يعني المنافقين، ﴿فاعف عنهم﴾، يقول: اتركهم ﴿واستغفر لهم﴾ لما كان منهم يوم أحد، ﴿وشاورهم في الأمر﴾، وذلك أن العرب في الجاهلية كان إذا أراد سيدهم أن يقطع أمرا دونهم ولم يشاورهم شق ذلك عليهم، فأمر الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم أن يشاورهم في الأمر إذا أراد، فإن ذلك أعطف لقلوبهم عليه، وأذهب لضغائنهم، ﴿فإذا عزمت﴾، يقول: فإذا فرق الله لك الأمر بعد المشاورة فامض لأمرك، ﴿فتوكل على الله﴾، يقول: فثق بالله، ﴿إن الله يحب المتوكلين﴾ عليه، يعني الذين يثقون به.
آل عمران 3:160
﴿إن ينصركم الله﴾، يعني يمنعكم، ﴿فلا غالب لكم﴾، يعني لا يهزمكم أحد، ﴿وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده﴾، يعني يمنعكم من بعد الله، ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.
آل عمران 3:161
﴿وما كان لنبي أن يغل﴾، يعني أن يخون في الغنيمة يوم أحد ولا يجور في قسمته في الغنيمة، نزلت في الذين طلبوا الغنيمة يوم أحد، وتركوا المركز، وقالوا: إنا نخشى أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له، ونحن ها هنا وقوف، فلما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألم أعهد إليكم ألا تبرحوا من المركز حتى يأتيكم أمري؟"، قالوا: تركنا بقية إخواننا وقوفا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ظننتم أنا نغل"، فنزلت: ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾، ثم خوف الله عز وجل من يغل، فقال: ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس﴾ بر وفاجر ﴿ما كسبت﴾ من خير أو شر، ﴿وهم لا يظلمون﴾ في أعمالهم.
آل عمران 3:162
ثم قال سبحانه: ﴿أفمن اتبع رضوان الله﴾، يعني رضي ربه عز وجل ولم يغلل، ﴿كمن باء بسخط من الله﴾، يعني استوجب السخط من الله عز وجل في الغلول، ليسوا سواء، ثم بين مستقرهما، فقال: ﴿ومأواه﴾، يعني ومأوى من غل ﴿جهنم وبئس المصير﴾، يعني أهل الغلول.
آل عمران 3:163
ثم ذكر سبحانه من لا يغل، فقال: ﴿هم﴾، يعني لهم ﴿درجات﴾، يعني لهم فضائل ﴿عند الله والله بصير بما يعملون﴾ من غل منكم، ومن لم يغل فهو بصير بعمله.
آل عمران 3:164
﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته﴾، يعني القرآن، ﴿ويزكيهم﴾، يعني ويصلحهم، ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، يعني القرآن ﴿والحكمة﴾، يعني المواعظ التي في القرآن من الحلال والحرام والسنة، ﴿وإن كانوا من قبل﴾ أن يبعث محمدا صلى الله عليه وسلم ﴿لفي ضلال مبين﴾، يعني بين مثلها في الجمعة.
آل عمران 3:165
﴿أو لما أصابتكم مصيبة﴾، وذلك أن سبعين رجلا من المسلمين قتلوا يوم أحد يوم السبت في شوال لإحدى عشرة ليلة خلت منه، وقتل من المشركين قبل ذلك بسنة في سبع عشرة ليلة خلت من رمضان ببدر سبعين رجلا، وأسروا سبعين رجلا من المشركين، فذلك قوله سبحانه: ﴿قد أصبتم مثليها﴾ من المشركين يوم بدر بمعصيتكم النبي صلى الله عليه وسلم وترككم المركز، ﴿قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾ من النصرة والهزيمة قدير.
آل عمران 3:166
﴿وما أصابكم﴾ من القتل والهزيمة بأحد ﴿يوم التقى الجمعان﴾ جمع المؤمنين وجمع المشركين، ﴿فبإذن الله﴾ أصابكم ذلك.
آل عمران 3:167
ثم قال: ﴿وليعلم﴾، يقول: وليرى إيمانكم، يعني ﴿المؤمنين﴾ صبرهم، ﴿وليعلم﴾، يعني وليرى ﴿الذين نافقوا﴾ في إيمان أهل الشك عند البلاء والشدة، يعني عبد الله بن أبي بن ملك الأنصاري وأصحابه المنافقين، ﴿وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا﴾ المشركين عن دياركم وأولادكم، وذلك أن عبد الله بن رباب الأنصاري يوم أحد دعا عبد الله بن أبي ملك يوم أحد للقتال، فقال عبد الله بن أبي: ﴿قالوا لو نعلم قتالا﴾، يقول: لو نعلم أن يكون اليوم قتالا ﴿لاتبعناكم﴾، يقول الله عز وجل: لو استيقنوا بالقتال ما تبعوكم، ﴿هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون﴾، يعني من الكذب.
آل عمران 3:168
فرجع يومئذ عبد الله بن أبي في ثلاثمائة ولم يشهدوا القتال، فقال عبد الله بن رباب وأصحابه: أبعدكم الله، سيغني الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن نصركم، فلما انهزم المؤمنون وقتلوا يومئذ، قال عبد الله بن أبي: لو أطاعونا ما قتلوا، يعني عبد الله بن رباب وأصحابه، فأنزل الله عز وجل في قول عبد الله بن أبي: ﴿الذين قالوا لإخوانهم﴾ في النسب والقرابة، وليسوا بإخوانهم في الدين، ولا الولاية، كقوله سبحانه: ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾ (هود: 61)، ليس بأخيهم في الدين ولا في الولاية، ولكن أخاهم في النسب والقرابة، ﴿وقعدوا﴾ عن القتال، ﴿لو أطاعونا ما قتلوا﴾، فأوجب الله لهم الموت صفرة قمأة والإيجاب لمن كرهوا قتله من أقربائهم، فقال سبحانه: ﴿قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾.
آل عمران 3:169
﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾، يعني قتلى بدر من قتل من المسلمين يومئذ، وهم أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين: مهجع بن عبد الله مولى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر: "سيد شهداء أمتي مهجع"، وهو أول قتيل قتل يوم بدر، رضي الله عنه، وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف القرشي، وعمير بن أبي وقاص بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، وذو الشماليل عبد عمرو بن نضلة بن عمرو بن نضلة بن عبد عمرو القيساني، وعقيل بن بكير، وصفوان ابن بيضاء، رضي الله عنهم، وثمانية من الأنصار: حارثة بن سراقة، ويزيد بن الحارث بن جشم، ومعوذ بن الحارث، وعوف بن الحارث بن رفاعة ابنا عفراء، الاسم اسم أمهما عفراء، ورافع بن المعلى، وسعد بن حنتمة، وعمرو بن الحمام بن الجموح، ومبشر بن عبد المنذر.
فقال رجل: يا ليتنا نعلم ما لقي إخواننا الذين قتلوا ببدر، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله﴾، يعني قتلى بدر، ﴿أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ الثمار في الجنة، وذلك أن الله تعالى جعل أرواح الشهداء طيرا خضرا ترعى في الجنة، لها قناديل معلقة بالعرش تأوى إلى قناديلها، فاطلع الله عز وجل عليهم، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئا فأزيدكم؟ قالوا: أولسنا نسرح في الجنة حيث نشاء؟ ثم اطلع عليهم أخرى، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئا فأزيدكم؟ ثم اطلع الثالثة، فقال سبحانه: هل تستزيدوني شيئا فأزيدكم؟ قالوا: ربنا، نريد أن ترد أرواحنا في أجسادنا فنقاتل في سبيلك مرة أخرى لما نرى من كرامتك إيانا، ثم قالوا فيما بينهم: ليت إخواننا الذين في دار الدنيا يعلمون ما نحن فيه من الكرامة والخير والرزق، فإن شهدوا قتالا سارعوا بأنفسهم إلى الشهادة، فسمع الله عز وجل كلامهم، فأوحى إليهم: أني منزل على نبيكم ومخبر إخوانكم بما أنتم فيه، فاستبشروا بذلك، فأنزل الله عز وجل يحبب الشهادة إلى المؤمنين: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ من الثمار.
آل عمران 3:170
ثم قال سبحانه: ﴿فرحين بما آتاهم الله﴾، يعني راضين بما أعطاهم الله ﴿من فضله﴾، يعني الرزق، ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾، يعني من بعدهم من إخوانهم في الدنيا أنهم لو رأوا قتالا لاستشهدوا ليلحقوا بهم، ثم قال سبحانه: ﴿ألا خوف عليهم﴾ من العذاب، ﴿ولا هم يحزنون﴾ عند الموت.
آل عمران 3:171
﴿يستبشرون بنعمة من الله﴾، يعني رحمة من الله ﴿وفضل﴾ ورزق، ﴿وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين﴾ يعني أجر المصدقين بتوحيد الله عز وجل.
آل عمران 3:172
﴿الذين استجابوا لله والرسول﴾، وذلك أن المشركين انصرفوا يوم أحد ولهم الظفر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني سائر في أثر القوم"، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد على بغلة شهباء، فدب المنافقون إلى المؤمنين، فقالوا: أتوكم في دياركم فوطئوكم قتلا، وكان لكم النصر يوم بدر، فكيف تطلبونهم وهم اليوم عليكم أجرأ وأنت اليوم أرعب؟ فوقع في أنفس المؤمنين قول المنافقين، فاشتكوا ما بهم من الجراحات، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله...﴾ (آل عمران: 140) إلى آخر الآية.
وأنزل الله تعالى: ﴿إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون...﴾ (النساء: 104)، يعني تتوجعون من الجراحات، إلى آخر الآية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لأطلبنهم ولو بنفسي"، فانتدب مع النبي صلى الله عليه وسلم سبعون رجلا من المهاجرين والأنصار، حتى بلغوا سفراء بدر الصغرى، فبلغ أبا سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم يطلبه، فأمعن عائدا إلى مكة مرعوبا، ولقى أبو سفيان نعيم بن مسعود الأشجعي وهو يريد المدينة، فقال: يا نعيم، بلغنا أن محمدا في الأثر، فأخبره أن أهل مكة قد جمعوا جمعا كثيرا من قبائل العرب لقتالكم، وأنهم لقوا أبا سفيان، فلاموه بكفه عنكم بعد الهزيمة حتى هموا به فردوه، فإن رددت عنا محمدا فلك عشر ذود من الإبل إذا رجعت إلى مكة، فسار نعيم فلقى النبي صلى الله عليه وسلم في الصفراء، فقال: "ما وراءك يا نعيم؟"، فأخبره بقول أبي سفيان، ثم قال: أتاكم الناس، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "﴿حسبنا الله ونعم الوكيل﴾"، نعم الملتجأ ونعم الحرز"، (آل عمران: 173).
فأنزل الله سبحانه: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح﴾، يعني الجراحات، ﴿للذين أحسنوا منهم﴾ الفعل ﴿واتقوا﴾ معاصيه ﴿أجر عظيم﴾ وهو الجنة.
آل عمران 3:173
﴿الذين قال لهم الناس﴾، يعني نعيم بن مسعود وحده، ﴿إن الناس قد جمعوا لكم﴾ الجموع لقتالكم، ﴿فاخشوهم فزادهم إيمانا﴾، يعني تصديقا، ﴿وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم، فأصابوا.
آل عمران 3:174
﴿فانقلبوا﴾، يعني فرجعوا إلى المدينة ﴿بنعمة من الله وفضل﴾، يعني الرزق، وذلك أنهم أصابوا سرية في الصفراء، وذلك في ذي القعدة، ﴿لم يمسسهم سوء﴾ من عدوهم في وجوههم، ﴿واتبعوا رضوان الله﴾، يعني رضي الله في الاستجابة لله عز وجل، وللرسول صلى الله عليه وسلم في طلب المشركين، يقول الله سبحانه: ﴿والله ذو فضل عظيم﴾ على أهل طاعته.
آل عمران 3:175
قال: حدثنا عبيد الله بن ثابت، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا هذيل، قال مقاتل: فنزلت هذه الآيات في ذي القعدة بذي الحليفة حين انصرفوا عن طلب أبي سفيان وأصحابه بعد قتال أحد، ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ندب الناس يوم أحد في طلب المشركين، فقال المنافقون للمسلمين: قد رأيتم ما لقيتم لم ينقلب إلا شريد، وأنتم في دياركم تصحرون وأنتم أكلة رأس، والله لا ينقلب منكم أحد، فأوقع الشيطان قول المنافقين في قلوب المؤمنين، فأنزل الله عز وجل: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه﴾، يعني يخوفهم بكثرة أوليائه من المشركين، ﴿فلا تخافوهم وخافون﴾ في ترك أمري ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، يعني إذ كنتم، يقول: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ فلا تخافوهم.
آل عمران 3:176
ثم قال: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر﴾، يعني المشركين يوم أحد، ﴿إنهم لن يضروا الله شيئا﴾، يقول: لن ينقصوا الله شيئا من ملكه وسلطانه لمسارعتهم في الكفر، وإنما يضرون أنفسهم بذلك، ﴿يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة﴾، يعني نصيبا في الجنة، ﴿ولهم عذاب عظيم﴾.
آل عمران 3:177
ثم قال سبحانه يعنيهم: ﴿إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان﴾، يعني باعوا الإيمان بالكفر، ﴿لن يضروا الله﴾، يعني لن ينقصوا الله من ملكه وسلطانه ﴿شيئا﴾ حين باعوا الإيمان بالكفر، إنما ضروا أنفسهم بذلك، ﴿ولهم عذاب أليم﴾، يعني وجيع.
آل عمران 3:178
﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ أبا سفيان وأصحابه يوم أحد، ﴿أنما نملي لهم﴾ حين ظفروا ﴿خير لأنفسهم إنما نملي لهم﴾ في الكفر، ﴿ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾ يعني الهوان ،
آل عمران 3:179
﴿ما كان الله ليذر المؤمنين﴾ يا معشر الكفار ﴿على ما أنتم عليه﴾ من الكفر، ﴿حتى يميز الخبيث من الطيب﴾ في علمه حتى يميز أهل الكفر من أهل الإيمان، نظيرها في الأنفال. ثم قال سبحانه: ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾، وذلك أن الكفار قالوا: إن كان محمد صادقا، فليخبرنا بمن يؤمن منا ومن يكفر فأنزل الله عز وجل: ﴿وما كان الله ليطلعكم على الغيب﴾.
يعني ليطلعكم على غيب ذلك، إنما الوحي إلى الأنبياء بذلك، فذلك قوله سبحانه: ﴿ولكن الله يجتبي﴾ يستخلص ﴿من رسله من يشاء﴾، فيجعله رسولا فيوحي إليه ذلك، ليس الوحي إلا إلى الأنبياء، ﴿فآمنوا بالله ورسله﴾، يعني صدقوا بتوحيد الله تعالى وبرسالة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وإن تؤمنوا﴾، يعني تصدقوا بتوحيد الله تعالى، ﴿وتتقوا﴾ الشرك، ﴿فلكم أجر عظيم﴾.
آل عمران 3:180
﴿ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله﴾، يعني بما أعطاهم الله من فضله، يعني من الرزق، وبخلوا بالزكاة، إن ذلك ﴿هو خيرا لهم بل﴾ البخل ﴿هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾، وذلك أن كنز أحدهم يتحول شجاعا أقرع ذكر، ولفيه زبيبتان كأنهما جبلان، فيطوق به في عنقه فينهشه، فيتقيه بذراعيه فيلتقمهما حتى يقضي بين الناس، فلا يزال معه حتى يساق إلى النار ويغل، وذلك قوله سبحانه: ﴿سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة﴾، ثم قال سبحانه: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾، يقول: إن بخلوا بالزكاة فالله يرثهم ويرث أهل السموات وأهل الأرضين، فيهلكون ويبقى، ﴿والله بما تعملون خبير﴾، يعني في ترك الصدقة، يعني اليهود.
آل عمران 3:181
﴿لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب مع أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، إلى يهود قينقاع يدعوهم إلى إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا، قال فنحاص اليهودي: إن الله فقير حين يسألنا القروض ونحن أغنياء، ويقول الله عز وجل: ﴿سنكتب ما قالوا﴾، فأمر الحفظة أن تكتب كل ما قالوا، ﴿و﴾ نكتب ﴿وقتلهم الأنبياء بغير حق﴾، أي تقول لهم خزنة جهنم في الآخرة :﴿ونقول ذوقوا عذاب الحريق﴾.
آل عمران 3:182
﴿ذلك﴾ العذاب ﴿بما قدمت أيديكم﴾ من الكفر والتكذيب، ﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ فيعذب على غير ذنب.
آل عمران 3:183
ثم أخبر عن اليهود حين دعوا إلى الإيمان، فقال تبارك وتعالى: ﴿الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار﴾، فقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل﴾ لهم ﴿قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات﴾، يعني التبيين بالآيات، ﴿وبالذي قلتم﴾ من أمر القربان، ﴿فلم قتلتموهم﴾، فلم قتلتم أنبياء الله من قبل محمد صلى الله عليه وسلم ﴿إن كنتم صادقين﴾ بما تقولون.
آل عمران 3:184
﴿فإن كذبوك﴾ يا محمد، يعزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم، فلست بأول رسول كذب، فذلك قوله سبحانه: ﴿فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات﴾، يعني بالآيات، ﴿والزبر﴾، يعني بحديث ما كان قبلهم والمواعظ، ﴿والكتاب المنير﴾، يعني المضيء البين الذي فيه أمره ونهيه.
آل عمران 3:185
ثم خوفهم فقال: ﴿كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم﴾، يعني جزاء أعمالكم، ﴿يوم القيامة فمن زحزح﴾، يعني صرف ﴿عن النار وأدخل الجنة فقد فاز﴾، يعني فقد نجى ثم وعظهم، فقال: ﴿وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور﴾، يعني الفاني الذي ليس بشيء.
آل عمران 3:186
﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم﴾، نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق، رضي الله عنه، يعني بالبلاء والمصيبات، ﴿ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ حين قالوا: إن الله فقير، ثم قال: ﴿ومن الذين أشركوا﴾، يعني مشركي العرب، ﴿أذى كثيرا﴾ باللسان والفعل، ﴿وإن تصبروا﴾ على ذلك الأذى، ﴿وتتقوا﴾ معصيته، ﴿فإن ذلك من عزم الأمور﴾، يعني ذلك الصبر والتقوى من خير الأمور التي أمر الله عز وجل بها.
آل عمران 3:187
﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب﴾، يعني أعطوا التوراة، يعني اليهود، ﴿لتبيننه للناس﴾، يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم في التوراة، ﴿ولا تكتمونه﴾، أي أمره وأن تتبعوه، ﴿فنبذوه﴾، يعني فجعلوه ﴿وراء ظهورهم واشتروا به﴾ بكتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ثمنا قليلا﴾، وذلك أن سفلة اليهود كانوا يعطون رءوس اليهود من ثمارهم وطعامهم عند الحصاد، ولو تابعوا محمدا صلى الله عليه وسلم لذهب عنهم ذلك المأكل، يقول الله عز وجل: ﴿فبئس ما يشترون﴾.
آل عمران 3:188
﴿لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا﴾، وذلك أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم حين دخلوا عليه: نعرفك نصدقك وليس ذلك في قلوبهم، فلما خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم المسلمون: ما صنعتم؟ قالوا: عرفناه وصدقناه، فقال المسلمون: أحسنتم، بارك الله فيكم، وحمدهم المسلمون على ما أظهروا من الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم فذلك قوله سبحانه :
﴿ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا﴾ يا محمد، ﴿فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم﴾، يعني وجيع.
آل عمران 3:189
ثم عظم الله نفسه، فقال: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾ وما بينهما من الخلق عبيده وفي ملكه، ﴿والله على كل شيء قدير﴾.
آل عمران 3:190
﴿إن في خلق السماوات والأرض﴾ خلقين عظيمين، ﴿واختلف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب﴾، يعني أهل اللب والعقل.
آل عمران 3:191
ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا﴾، يقول: عبثا لغير شيء، لقد خلقتهما لأمر قد كان، ﴿سبحانك فقنا عذاب النار﴾.
آل عمران 3:192
﴿ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته﴾، يعني من خلدته في النار فقد أهنته، ﴿وما للظالمين من أنصار﴾، يعني وما للمشركين من مانع يمنعهم من النار.
آل عمران 3:193
قالوا: ﴿ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان﴾، فهو محمد صلى الله عليه وسلم داعيا يدعو إلى التصديق، ﴿أن آمنوا بربكم﴾، يعني صدقوا بتوحيد ربكم، ﴿فآمنا﴾، أي فأجابه المؤمنون، فقالوا: ربنا آمنا، يعني صدقنا، ﴿ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا﴾، يعني امح عنا خطايانا، ﴿وتوفنا مع الأبرار﴾، يعني المطيعين.
آل عمران 3:194
قالوا: ﴿ربنا وآتنا﴾، يعني وأعطنا ﴿ما وعدتنا على رسلك﴾، يقول: أعطنا من الجنة ما وعدتنا على ألسنة رسلك، ﴿ولا تخزنا﴾، يعني ولا تعذبنا ﴿يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد﴾.
آل عمران 3:195
فأخبر الله عز وجل بفعلهم وبما أجابهم، وأنجز الله عز وجل لهم موعوده، فذلك قوله سبحانه: ﴿فاستجاب لهم ربهم﴾، فقال: ﴿أني لا أضيع عمل عامل منكم﴾ في الخير، ﴿من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا﴾ إلى المدينة، ﴿وأخرجوا من ديارهم﴾، وذلك أن كفار مكة أخرجوا مؤمنيهم من مكة، ثم قال سبحانه: ﴿وأوذوا في سبيلي﴾، يعني في سبيل دين الإسلام، ﴿وقاتلوا﴾ المشركين، ﴿وقاتلوا لأكفرن عنهم﴾، يعني لأمحون عنهم ﴿سيئاتهم﴾ يعني خطاياهم، ﴿ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، يعني بجنات البساتين، ذلك الذي ذكر كان ﴿ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب﴾، يعني الجنة، نزلت في أم سلمة أم المؤمنين، رضي الله عنها، ابنة أبي أمية المخزومي حين قالت: ما لنا معشر النساء عند الله خير، وما يذكرنا بشيء، ففيها نزلت: ﴿إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات﴾ (الأحزاب: 35) في الأحزاب إلى آخر الآية، فأشرك الله عز وجل الرجال مع النساء في الثواب كما شاركن الرجال في الأعمال الصالحة في الدنيا.
آل عمران 3:196
﴿لا يغرنك﴾ يا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿تقلب الذين كفروا في البلاد﴾، نزلت في مشركي العرب، وذلك أن كفار مكة كانوا في رخاء ولين عيش حسن، فقال بعض المؤمنين: أعداء الله فيما ترون من الخير وقد أهلكنا الجهد، فأخبر الله عز وجل بمنزلة الكفار في الآخرة، وبمنزلة المؤمنين في الآخرة، فقال سبحانه: ﴿لا يغرنك﴾ يا محمد صلى الله عليه وسلم ما فيه الكفار من الخير والسعة.
آل عمران 3:197
فإنما هو ﴿متاع قليل﴾ يمتعون بها إلى آجالهم، ﴿ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد﴾، فبين الله تعالى مصيرهم.
آل عمران 3:198
ثم بين منازل المؤمنين في الآخرة، فقال سبحانه: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم﴾ وحدوا ربهم، ﴿لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ لا يموتون، كان ذلك ﴿نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار﴾، يعني المطيعين.
آل عمران 3:199
﴿وإن من أهل الكتاب﴾، يعني ابن سلام، ﴿لمن يؤمن بالله﴾، يعني يصدق بالله، ﴿وما أنزل إليكم﴾، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن، ﴿وما أنزل إليهم﴾ من التوراة، ثم نعتهم، فقال: ﴿خاشعين لله﴾، يعني متواضعين لله، ﴿لا يشترون بآيات الله﴾، يعني بالقرآن ﴿ثمنا قليلا﴾، يعني عرضا يسيرا من الدنيا كفعل اليهود بما أصابوا من سفلتهم من المأكل من الطعام والثمار عند الحصاد، ثم قال يعني مؤمني أهل التوراة ابن سلام وأصحابه، ﴿أولئك لهم أجرهم﴾، يعني جزاؤهم في الآخرة ﴿عند ربهم﴾، وهي الجنة، ﴿إن الله سريع الحساب﴾، يقول: كأنه قد جاء.
آل عمران 3:200
﴿يا أيها الذين آمنوا اصبروا﴾ على أمر الله عز وجل وفرائضه، ﴿وصابروا﴾ مع النبي صلى الله عليه وسلم في المواطن، ﴿ورابطوا﴾ العدو في سبيل الله حتى يدعوا دينهم لدينكم، ﴿واتقوا الله﴾ ولا تعصوا، ومن يفعل ذلك فقد أفلح، فذلك قوله: ﴿لعلكم تفلحون﴾.
قال: حدثنا عبد الله بن ثابت، قال: حدثني أبي، قال: حدثني الهذيل، قال: سمعت أبا يوسف يحدث عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، رضي الله عنه، قال: كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل نجران: "هذا ما كتب محمد لأهل نجران في كل ثمرة، وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق، فأفضل عليهم وترك ذلك كله على ألفي حلة من خلل الألوان، في كل صفر ألف حلة، كل حلة أوقية، وفي كل رجب ألف حلة، كل حلة أوقية، فما زاد من حلل الخراج على الأواق فبحسابه، وما قصر من درع، أو حلة، أو خيل، أو ركاب، أو عرض، أخذ منهم بحسابه، وعلى نجران مثوبة رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرين ليلة، ولا تحبس رسولي فوق شهر، وعليهم عارية ثلاثين درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا إذا كان كبد باليمن ذو معذرة، ولنجران وحاشيتها جوار الله عز وجل، وذمة محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم، ومالهم، وأرضهم، وأموالهم، وغائبهم، وشاهدهم، وتابعهم، ولا يغير ما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا ملة من مللهم، ولا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، وعلى ما تحت أيديهم من قليل وكثير، وليس عليهم ربا ولا دم جاهلية، ولا يحسرون، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم حاشر، ومن سأل فيهم حقا أنصف، غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل ربا من ذي قبل، فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بطلب آخر، وكل ما كان في هذه الصحيفة جوار الله عز وجل، وذمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما لهم وعليهم غير متغلبين بظلم".
شهد أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف النضري، والأقرع ابن حابس، والمغيرة، وكتب علي بن أبي طالب، وزعم أن أبا بكر، رضي الله عنه، كتب لهم كتابا من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الهذيل: سمعت المسيب والضرير يحدثان عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، قال: لو كان عليا طاعنا على عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، لطعن عليه حين جاء أهل نجران ومعهم قطعة أيدم فيه كتاب عليه خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا لعلي، عليه السلام: ننشدك الله كتابك بيدك، وشفاعتك بلسانك، ألا ما رددتنا إلى نجران، فقال علي، رضي الله عنه: دعوني، فإن عمر، رضي الله عنه، كان رشيد الأمر.
قال الأعمش: فسألت سالما: كيف كان إخراج عمر، رضي الله عنه، إياهم؟ قال: كثروا حتى صاروا أربعين ألف مقاتل، فخاف المسلمون أن يميلوا عليهم، فوقع بينهم شر، فجاءوا إلى عمر، رضي الله عنه، فقالوا: قد فسد الذي بيننا، فذهبوا، فاغتنمها عمر، رضي الله عنه، ثم جاءوا إليه، فقالوا: قد اصطلحنا فأقلنا، فقال: لا والله لا أقيلكم أبدا، فأخرج فرقة إلى الشام، وفرقة إلى العراق، وفرقة إلى أرض أخرى.
قال: حدثنا عبيد الله بن ثابت، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الهذيل في قوله عز وجل: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور﴾ (آل عمران: 186)، فيها تقديم، ولم أسمع مقاتل.
النساء 4:1
سورة النساء مدنية وهي مائة وستة وسبعون آية كوفية.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم﴾ يخوفهم، يقول: اخشوا ربكم ﴿الذي خلقكم من نفس واحدة﴾، يعني آدم، ﴿وخلق منها زوجها﴾، يعني من نفس آدم من ضلعه حواء، وإنما سميت حواء لأنها خلقت من حي آدم، قال سبحانه: ﴿وبث منهما رجالا كثيرا ونساء﴾، يقول: وخلق من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء، هم ألف أمة، ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾، يقول: تسألون بالله بعضكم ببعض الحقوق والحوائج، واتقوا الأرحام أن تقطعوها وصلوها، ﴿إن الله كان عليكم رقيبا﴾، يعني حفيظا لأعمالكم.
النساء 4:2
﴿وآتوا اليتامى﴾، يعني الأوصياء، يعني أعطوا اليتامى ﴿أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب﴾، يقول: ولا تتبدلوا الحرام من أموال اليتامى بالحلال من أموالكم، ولا تذرو الحلال وتأكلوا الحرام، ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾، يعني مع أموالكم، كقوله سبحانه: ﴿فأرسل إلى هارون﴾ (الشعراء: 13)، يعني مع هارون، ﴿إنه كان حوبا كبيرا﴾، يعني إثما كبيرا بلغة الحبش، وقد كان أهل الجاهلية يسمون الحوب الإثم، نزلت في رجل من غطفان، يقال له: المنذر بن رفاعة، كان معه مال كبير ليتيم، وهو ابن أخيه، فلما بلغ طلب ماله فمنعه، فخاصمه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أن يرد عليه ماله، وقرأ عليه الآية، فلما سمعها قال: أطعنا الله وأطعنا الرسول، ونعوذ بالله من الحوب الكبير، فدفع إليه ماله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هكذا من يطع ربه عز وجل، ويوق شح نفسه، فإنه يحل داره، يعني جنته، فلما قبض الفتى ماله، أنفقه في سبيل الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثبت الأجر، وبقى الوزر"، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: قد عرفنا ثبت الأجر، فكيف بقى الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال الأجر للغلام، والوزر على والده.
النساء 4:3
﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾، نزلت في خميصة بن الشمردل، وذلك أن الله عز وجل أنزل: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾، يعني بغير حق، ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾ (النساء: 10)، فخاف المؤمنون الحرج، فعزلوا كل شيء لليتيم من طعام، أو لبن، أو خادم، أو ركوب، فلم يخالطوهم في شيء منه، فشق ذلك عليهم وعلى اليتامى، فرخص الله عز وجل من أمولهم في الخلطة، فقال: ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ (البقرة: 220)، فنسخ من ذلك الخلطة، فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما ليس به بأس، وتركوا أن يسألوه عما هو أعظم منه، وذلك أنه كان يكون عند الرجل سبع نسوة، أو ثمان، أو عشر حرائر، لا يعدل بينهن، فقال سبحانه: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى﴾، يقول: ألا تعدلوا في أمر اليتامى، فخافوا الإثم في أمر النساء، واعدلوا بينهن، فذلك قوله عز وجل: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾، يعني ما يحل لكم ﴿من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾، ولم يطب فوق الأربع، ثم قال سبحانه: ﴿فإن خفتم﴾ الإثم ﴿ألا تعدلوا﴾ في الاثنين والثلاث والأربع في القسمة والنفقة، ﴿فواحدة﴾، يقول: فتزوج واحدة ولا تأثم، فإن خفت أن لا تحسن إلى تلك الواحدة، ﴿أو ما ملكت أيمانكم﴾ من الولائد، فاتخذ منهن ﴿ذلك أدنى ألا تعولوا﴾، يقول: ذلك أجدر ألا تميلوا عن الحق في الواحدة وفي إتيان الولائد بعضهم على بعض، ولما نزلت: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾، كان يومئذ تحت قيس بن الحارث ثمان نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "خل سبيل أربعة منهن وأمسك أربعة"، فقال للتي يريد إمساكها: أقبلي، وللتي لا يريد إمساكها: أدبري، فأمسك أربعة وطلق أربعة.
النساء 4:4
﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾، وذلك أن الرجل كان يتزوج بغير مهر، فيقول: أرثك وترثيني، وتقول المرأة: نعم، فأنزل الله عز وجل: ﴿وآتوا النساء﴾، يعني أعطوا الأزواج النساء ﴿صدقاتهن﴾، يعني مهورهن ﴿نحلة﴾، يعني فريضة، ﴿فإن طبن لكم﴾، يعني أحللن لكم، يعني الأزواج ﴿عن شيء منه﴾، يعني المهر، ﴿نفسا فكلوه هنيئا مريئا﴾، يعني حلالا، مريئا يعني طيبا.
النساء 4:5
﴿ولا تؤتوا السفهاء﴾، يعني الجهال بموضع الحق في الأموال، يعني لا تعطوا نساءكم وأولادكم ﴿أموالكم التي جعل الله لكم قياما﴾، يعني قواما لمعاشكم، فإنهن سفهاء، يعني جهالا بالحق، نظيرها في البقرة: ﴿سفيها أو ضعيفا﴾ (البقرة: 282)، ولا يدري الصغير ما عليه من الحق في ماله، ولكن ﴿وارزقوهم فيها﴾، يقول: أعطوهم منها ﴿واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا﴾، يعني العدة الحسنة أني سأفعل، وكنت أنت القائم على مالك.
النساء 4:6
﴿وابتلوا اليتامى﴾، يقول: اختبروا عقولهم، ﴿حتى إذا بلغوا النكاح﴾، يعني الحلم، ﴿فإن آنستم منهم رشدا﴾ معشر الأولياء والأوصياء صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم، ﴿فادفعوا إليهم أموالهم﴾ التي معكم ﴿ولا تأكلوها إسرافا﴾، يعني بغير حق، ﴿وبدارا أن يكبروا﴾، يقول: يبادر أكلها خشية أن يبلغ اليتيم الحلم فيأخذ منه ماله، ثم رخص
للذي معه مال اليتيم، فقال سبحانه: ﴿ومن كان غنيا فليستعفف﴾ عن أموالهم، ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾، يعني بالقرض، فإن أيسر رد عليه، وإلا فلا إثم عليه، ﴿فإذا دفعتم﴾، يعني الأولياء والأوصياء، ﴿إليهم﴾، يعني إلى اليتامى ﴿أموالهم﴾ إذا احتلموا، ﴿فأشهدوا عليهم﴾ بالدفع إليهم، ﴿وكفى بالله حسيبا﴾، يعني شهيدا، فلا شاهد أفضل من الله بينكم وبينهم، نزلت في ثابت بن رفاعة وعمه، وذلك أن رفاعة توفي وترك ابنه ثابت، فولى ميراثه، فنزلت فيه: ﴿وابتلوا اليتامى﴾، يقول: واختبروا، يعني به عم ثابت بن رفاعة ﴿اليتامى﴾، يعني ثابت بن رفاعة، الآية كلها، حتى قال سبحانه: ﴿وكفى بالله حسيبا﴾.
النساء 4:7
وقوله سبحانه: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، نزلت في أوس بن مالك الأنصاري، وذلك أن أوس بن مالك الأنصاري توفي وترك امرأته أم كحة الأنصارية، وترك ابنتين إحداهن صفية، وترك ابنى عمه عرفطة وسويد ابنى الحارث، فلم يعطياها ولا ولداها شيئا من الميراث، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الولدان الصغار شيئا، ويجعلون الميراث لذوي الأسنان منهم، فانطلقت أم كحة وبناتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أباهن توفي، وإن سويد بن الحارث وعرفطة منعاهن حقهن من الميراث، فأنزل الله عز وجل في أم كحة وبناتها: ﴿للرجال نصيب﴾، يعني حظا ﴿وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون﴾، يعني حظا ﴿مما قل منه﴾، يعني من الميراث، ﴿أو كثر نصيبا مفروضا﴾، يعني حظا مفروضا، يعني معلوما، فأخذت أم كحة الثمن وبناتها الثلثين، وبقيته لسويد وعرفطة.
النساء 4:8
﴿وإذا حضر القسمة﴾، يعني المواريث، فيها تقديم، وإذا حضر ﴿أولوا القربى﴾، يعني قرابة الميت، ﴿واليتامى والمساكين﴾ قسمة المواريث، ﴿فارزقوهم منه﴾، يعني فأعطوهم من الميراث، وإن قل، وليس بموقت هذه قبل قسمة المواريث، ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾، يقول سبحانه: إن كانت الورثة صغارا فليقل أولياء الورثة لأهل هذه القسمة: إن بلغوا أمرناهم أن يدفعوا حقكم ويتبعوا وصية ربهم عز وجل، وإن ماتوا ورثناهم وأعطيناكم حقكم، فهذا القول المعروف، يعني العدة الحسنة.
النساء 4:9
ثم قال عز وجل: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا﴾، فهو الرجل يحضر الميت، فيقول له: قدم لنفسك، أوص لفلان وفلان، حتى يوصي بعامة ماله، فيزيد على الثلث، فنهى الله عز وجل عن ذلك، فقال: وليخش الذين يأمرون الميت بالوصية بأكثر من الثلث، فليخش على ورثة الميت الفاقة والضيعة، كما يخشى على ذريته الضعيفة من بعده، فكذلك لا يأمر الميت بما يؤثمه، فذلك قوله سبحانه: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا﴾، يعني عجزة، لا حيلة لهم، نظيرها في البقرة، ﴿خافوا عليهم﴾ الضيعة ﴿فليتقوا الله وليقولوا﴾ إذا جلسوا إلى الميت ﴿قولا سديدا﴾، يعني عدلا، فليأمره بالعدل في الوصية، فلا يحرفها، ولا يجر فيها.
النساء 4:10
﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ بغير حق، ﴿إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا﴾، وذلك أن خازن النار يأخذ شفتيه، وهما أطول من مشفري البعير، وطول شفتيه أربعون ذراعا، أحداهما بالغة على منخره، والأخرى على بطنه، فيلقمه جمر جهنم، ثم يقول: كل بأكلك أموال اليتامى ظلما، فنسخت هذه الآية: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾ (الأنعام: 152)، ﴿وإن تخالطوهم فإخوانكم﴾ (البقرة: 220)، فرخص في المخالطة ولم يرخص في أكل أموال اليتامى ظلما.
النساء 4:11
ثم بين قسمة المواريث بين الورثة، فقال عز وجل: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين﴾، يعني بنات أم كحة، ﴿فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت﴾ ابنة ﴿واحدة فلها النصف ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك﴾ الميت ﴿إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث﴾، وبقية المال للأب، ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾، وما بقي فللأب ﴿من بعد وصية يوصي بها أو دين﴾، يعني إلى الثلث أو دين عليه، فإنه يبدأ بالدين من ميراث الميت بعد الكفن، ثم الوصية بعد ذلك، ثم الميراث.
﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا﴾، يعني في الآخرة، فيكون معه في درجته، وذلك أن الرجل يكون عمله دون عمل ولده، أو يكون عمله دون عمل والده، فيرفعه الله عز وجل في درجته لتقر أعينهم، ثم قال في التقديم لهذه القسمة: ﴿فريضة﴾ ثابتة ﴿من الله إن الله كان عليما حكيما﴾ في الميراث، ﴿حكيما﴾ حكم قسمته.
النساء 4:12
﴿ولكم نصف ما ترك أزواجكم﴾ إذا متن، ﴿إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين﴾ عليهم، ثم قال سبحانه: ﴿ولهن الربع مما تركتم﴾ بعد الموت من الميراث، ﴿إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم﴾ من المال، ﴿من بعد وصية توصون بها أو دين﴾.
ثم قال عز وجل: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة﴾ فيها تقديم، ﴿يورث كلالة﴾، والكلالة الميت يموت وليس له ولد ولا والد ولا جد، ﴿وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، فهم الإخوة لأم، والذكر والأنثى في الثلث سواء، ولا يوصى لوارث، ولا يقر بحق ليس عليه مضارة للورثة، فذلك قوله سبحانه: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله﴾، يعني هذه القسمة فريضة من الله، ﴿والله عليم﴾ بالضرار، يعني من يضار في أمر الميراث، ﴿حليم﴾ حين لا يعجل عليهم بالعقوبة.
النساء 4:13
﴿تلك حدود الله﴾، يعني هذه القسمة فريضة من الله، ﴿ومن يطع الله ورسوله﴾ في قسمة المواريث، ﴿يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ لا يموتون، ﴿وذلك﴾ الثواب ﴿الفوز العظيم﴾.
النساء 4:14
﴿ومن يعص الله ورسوله﴾ في قسمة المواريث، فلم يقسمها، ﴿ويتعد حدوده﴾، يعني يخالف أمره وقسمته إلى غيرها، ﴿يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين﴾، يعني الهوان.
فلما فرض الله عز وجل لأم كحة وبناتها انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: إن المرأة لا تركب فرسا ولا تجاهد، وليس عند الصبيان الصغار منفعة في شيء، فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾، يعني ما بين في قسمة المواريث في أول السورة، ويفتيكم في بنات أم كحة ﴿في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن وترغبون أن تنكحوهن...﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فإن الله كان به عليما﴾ (النساء: 127).
النساء 4:15
قوله سبحانه: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم﴾، يعني المعصية، وهي الزنا، وهي المرأة الثيب تزني ولها زوج، ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾ عدولا، ﴿فإن شهدوا﴾ عليهن بالزنا ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت﴾، وإن كان لها زوج وقد زنت أخذ الزوج المهر منها من غير طلاق ولا حد ولا جماع، وتحبس في السجن حتى تموت، ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، يعني مخرجا من الحبس، وهو الرجم، يعني الحد، فنسخ الحد في سورة النور الحبس في البيوت.
النساء 4:16
ثم ذكر البكرين اللذين لم يحصنا، فقال عز وجل: ﴿واللذان يأتيانها منكم﴾، يعني الفاحشة، وهو الزنا، منكم ﴿فآذوهما﴾ باللسان، يعني بالتعيير والكلام القبيح بما عملا، ولا حبس عليهما، لأنهما بكران، فيعيران ليندما ويتوبا، يقول الله عز وجل: ﴿فإن تابا﴾ من الفاحشة ﴿وأصلحا﴾ العمل فيما بقي، ﴿فأعرضوا عنهما﴾، يعني فلا تسمعوهما الأذى بعد التوبة، ﴿إن الله كان توابا رحيما﴾.
ثم أنزل الله عز وجل في البكرين: ﴿فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة﴾، (النور: 2)، فنسخت هذه الآية التي في النور: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة﴾، فلما أمر الله عز وجل بالجلد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، جاء الله بالسبيل، البكر بالبكر جلد مائة ونفى سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة"، فأخرجوا من البيوت، فجلدوا مائة وحدوا، فلم يحبسوا، فذلك قوله عز وجل ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾، يعني مخرجا من الحبس بجلد البكر ورجم المحصن.
النساء 4:17
﴿إنما التوبة على الله﴾، يعني التجاوز على الله، ﴿للذين يعملون السوء بجهالة﴾، فكل ذنب يعمله المؤمن فهو جهل منه، ﴿ثم يتوبون من قريب﴾، يعني قبل الموت، ﴿فأولئك يتوب الله عليهم﴾، يعني يتجاوز عنهم، ﴿وكان الله عليما حكيما﴾.
النساء 4:18
﴿وليست التوبة للذين يعملون السيئات﴾، يعني الشرك، ﴿حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن﴾، فلا توبة له عند الموت، ﴿ولا﴾ توبة ﴿الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما﴾.
النساء 4:19
﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾، نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري، من بني الحارث بن الخزرج، وفي امرأته هند بنت صبرة، وفي الأسود بن خلف الخزاعي، وفي امرأته حبيبة بنت أبي طلحة، وفي منظور بن يسار الفزاري، وفي امرأته ملكة بنت خارجة بن يسار المرى، تزوجوا نساء آبائهم بعد الموت، وكان الرجل من الأنصار إذا مات له حميم، عمد الذي يرث الميت، وألقى على امرأة الميت ثوبا، فيرث تزويجها، رضيت أو كرهت، على مثل مهر الميت، فإن ذهبت المرأة إلى أهلها قبل أن يلقى عليها ثوبا، فهي أحق بنفسها، فأتين النبي صلى الله عليه وسلم، فقلن: يا رسول الله، ما يدخل بنا ولا ينفق علينا ولا نترك أن نتزوج، فأنزل الله عز وجل في هؤلاء النفر: ﴿لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾، يعن وهن كارهات، ولكن تزوجوهن برضى منهن، وكان أحدهم يقول: أنا أرثك لأني ولي زوجك، فأنا أحق بك ثم انقطع الكلام.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ولا تعضلوهن﴾، كان الرجل يفر بامرأته لتفتدى منه، ولا حاجة له فيها، يقول: لا تحبسوهن ﴿لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾، يقول: ببعض ما أعطيتموهن من المهر، ثم رخص واستثنى، ﴿إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾، يعني العصيان البين، وهو النشوز، فقد حلت الفدية إذا جاء العصيان من قبل المرأة، ثم قال تبارك وتعالى: ﴿وعاشروهن بالمعروف﴾، يقول: صاحبوهن بإحسان، ﴿فإن كرهتموهن﴾ وأردتم فراقهن، ﴿فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا﴾ يعني في الكره خيرا كثيرا، يقول: عسى الرجل يكره المرأة، فيمسكها على كراهية، فلعل الله عز وجل يرزقه منها ولدا، ويعطفه عليها، وعسى أن يكرهها، فيطلقها فيتزوجها غيره، فيجعل الله للذي يتزوجها فيها خيرا كثيرا، فيرزقه منها لطفا وولدا.
النساء 4:20
ثم قال سبحانه: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج﴾، يقول: وإن أراد الرجل طلاق امرأته ويتزوج أخرى غيرها، ﴿وآتيتم إحداهن قنطارا﴾، يقول: وآتيتم إحداهن من المهر قنطارا من ذهب، والقنطار ألف ومائتا دينار، ﴿فلا تأخذوا منه شيئا﴾ إذا أردتم طلاقها، يقول: فليس له أن يضر بها حتى تفتدي منه، يقول: ﴿أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا﴾ يعني بينا.
النساء 4:21
﴿وكيف تأخذونه﴾ تعظيما له، يعني المهر، ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ يعني به الجماع، ﴿وأخذن منكم ميثاقا غليظا﴾، يعني بالميثاق الغليظ ما أمروا به من قوله تبارك وتعالى فيهن: ﴿فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾ (البقرة: 231)، والغلظ يعني الشديد، وكل غليظ في القرآن يعني به الشديد.
النساء 4:22
﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾، نزلت في محصن بن أبي قيس بن الأسلت بن الأفلح الأنصاري، وفي امرأته كبشة بنت معن بن معبد بن عدي بن عاصم الأنصاري من الأوس من بني خطمة بن الأوس، ﴿إلا ما قد سلف﴾، لأن العرب كانت تفعل ذلك قبل التحريم، وذلك أن محصن مات أبوه، فشد على امرأته فتزوجها، وهو محصن بن أبي قيس بن الأسلت الأنصاري، من بني الحارث بن الخزرج، وكبشة بنت معن بن معبد، وفي شريك وفي امرأته كحة، ﴿إنه كان فاحشة﴾، يعني معصية، ﴿ومقتا﴾، يعني وبغضا، ﴿وساء سبيلا﴾، يعني وبئس المسلك، وقال سبحانه: ﴿إلا ما قد سلف﴾، لأن العرب كانوا ينكحون نساء الآباء، ثم حرم النسب والصهر، ولم يقل: ﴿إلا ما قد سلف﴾، لأن العرب كانت لا تنكح النسب والصهر، وقال عز وجل في الأختين: ﴿إلا ما قد سلف﴾، لأنهم كانوا يجمعون بينهما.
النساء 4:23
ثم بين ما حرم، فقال تعالى ذكره: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾، فهذا النسب، ثم قال سبحانه: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن﴾، يعني جامعتم أمهاتهن، ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن﴾، يقول: إن لم تكونوا جامعتم أمهاتهن، ﴿فلا جناح عليكم﴾، يقول: فلا حرج عليكم في تزوج البنات، ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾، يقول: وحرم ما تزوج الابن الذي خرج من صلب الرجل ولم يتبناه، فهذا الصهر، ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾، فحرم جمعهما، إلا أن يكون إحداهما بملك، فزوجها غيره، فلا بأس، ﴿إلا ما قد سلف﴾ قبل التحريم، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾ لما كان من جماع الأختين قبل التحريم.
النساء 4:24
﴿والمحصنات من النساء﴾، يعني وكل امرأة أيضا فنكاحها حرام مع ما حرم من النسب والصهر، ثم استثنى من المحصنات، فقال سبحانه: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ من الحرائر مثنى وثلاث ورباع، ﴿كتاب الله عليكم﴾، يعني فريضة الله لكم بتحليل أربع.
﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾، يعني ما وراء الأربع، ﴿أن تبتغوا بأموالكم محصنين﴾ لفروجهن ﴿غير مسافحين﴾ بالزنا علانية، ثم ذكر المتعة، فقال: ﴿فما استمتعتم به منهن﴾ إلى أجل مسمى، ﴿فآتوهن أجورهن فريضة﴾، يعني أعطوهن مهورهن، ﴿ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة﴾، يقول: لا حرج عليكم فيما زدتم من المهر وازددتم في الأجل بعد الأمر الأول، ﴿إن الله كان عليما﴾ بخلقه ﴿حكيما﴾ في أمره، نسختها آية الطلاق وآية المواريث.
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المتعة بعد نزول هذه الآية مرارا، والله تعالى يقول: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾(الحشر: 8)
النساء 4:25
ثم قال سبحانه: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا﴾، يقول: من لم يجد منكم سعة من المال، ﴿أن ينكح المحصنات المؤمنات﴾، يعني الحرائر، فليتزوج من الإماء، ﴿فمن ما ملكت أيمانكم﴾، يعني الولائد، فتزوجوا ﴿من فتياتكم المؤمنات﴾، يعني الولائد، ثم قال سبحانه: ﴿والله أعلم بإيمانكم﴾ من غيره، فيكره للعبد المسلم أن يتزوج وليدة من أهل الكتاب، لأن ولده يصير عبدا، فإن تزوجها وولدت له، فإنه يشتري من سيده رضى أو كره، ويسعى في ثمنه، ﴿بعضكم من بعض﴾ يتزوج هذا وليدة هذا، وهذا وليدة هذا.
ثم قال سبحانه: ﴿فانكحوهن بإذن أهلهن﴾، يقول: تزوجوا الولائد بإذن أربابهن، ﴿وآتوهن أجورهن﴾، يقول: وأعطوهن مهورهن ﴿بالمعروف محصنات﴾ عفائف لفروجهن، ﴿غير مسافحات﴾ غير معلنات بالزنا، ﴿ولا متخذات أخدان﴾، يعني
أخلاء في السر، فيزني بها سرا، ﴿فإذا أحصن﴾، يعني أسلمن، ﴿فإذا أتين بفاحشة﴾، يقول: فإن جئن بالزنا، ﴿فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾، يعني خمسين جلدة، نصف ما على الحرة إذا زنت، ﴿ذلك﴾ التزويج للولائد، ﴿لمن خشي العنت منكم﴾، يعني الإثم في دينه، وهو الزنا، ﴿وأن﴾، يعني ولئن ﴿تصبروا﴾ عن تزويج الأمة، ﴿خير لكم﴾ من تزويجهن، ﴿والله غفور﴾ لتزويجه الأمة، ﴿رحيم﴾ به حين رخص له في تزويجها إذا لم يجد طولا، يعني سعة في تزويج الحرة.
النساء 4:26
﴿يريد الله ليبين لكم﴾، يعني أن يبين لكم، ﴿ويهديكم سنن الذين من قبلكم﴾، يعني شرائع هدى من كان قبلكم من المؤمنين من تحريم النسب والصهر، ﴿ويتوب عليكم﴾، يعني ويتجاوز عنكم من نكاحكم، يعني تزويجكم إياهن من قبل التحريم، ﴿والله عليم حكيم﴾.
النساء 4:27
﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات﴾، يعني به الزنا، وذلك أن اليهود زعموا أن نكاح ابنة الأخت من الأب حلال، فذلك قوله سبحانه: ﴿أن تميلوا﴾ عن الحق ﴿ميلا عظيما﴾ في استحلال نكاح ابنة الأخت من الأب.
النساء 4:28
﴿يريد الله أن يخفف عنكم﴾ إذ رخص في تزويج الأمة لمن لم يجد طولا لحرة، وذلك قوله سبحانه: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا﴾، لا يصبر عن النكاح، ويضعف عن تركه، فلذلك أحل لهم تزويج الولائد لئلا يزنوا.
النساء 4:29
﴿يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، يقول: لا تأكلوها
إلا بحقها، وهو الرجل يجحد حق أخيه المسلم، أو يقتطعه بيمينه، ثم استثنى ما استفضل الرجل من مال أخيه من التجارة، فلا بأس، فقال سبحانه: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم﴾، يقول: لا يقتل بعضكم بعضا، لأنكم أهل دين واحد، ﴿إن الله كان بكم رحيما﴾، إذ نهى عن ذلك.
النساء 4:30
﴿ومن يفعل ذلك﴾، يعني الدماء والأموال جميعا، ﴿عدوانا وظلما﴾، يعني اعتداء بغير حق وظلما لأخيه، ﴿فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا﴾، يقول: كان عذابه على الله هينا.
النساء 4:31
ثم قال سبحانه: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه﴾ من أول هذه السورة إلى هذه الآية، ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾، يعني ذنوب ما بين الحدين، ﴿وندخلكم مدخلا كريما﴾، يعني حسنا، وهي الجنة لما نزلت: ﴿للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ (النساء: 11)، قالت النساء: لم هذا؟ نحن أحق أن يكون لنا سهمان ولهم سهم، لأنا ضعاف الكسب والرجال أقوى على التجارة والطلب والمعيشة منا، فإذا لم يفعل الله ذلك بنا، فإنا نرجو أن يكون الوزر على نحو ذلك علينا وعليهم، فأنزل الله في قولهم: كنا نحن أحوج إلى سهمين.
النساء 4:32
قوله سبحانه: ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض﴾، يقول: فضل الرجال على النساء في الميراث، ونزل في قولهن: نرجو أن يكون الوزر على نحو ذلك: ﴿للرجال نصيب﴾، يعني حظا ﴿مما اكتسبوا﴾ من الإثم، ﴿وللنساء نصيب﴾، يعني حظا ﴿مما اكتسبن﴾ من الإثم، ﴿واسألوا الله من فضله﴾، يعني الرجال والنساء، ﴿إن الله كان بكل شيء﴾ من قسمة الميراث ﴿عليما﴾ به.
النساء 4:33
﴿ولكل جعلنا موالي﴾، يعني العصبة بني العم والقربى، ﴿مما ترك الوالدان
والأقربون والذين عقدت أيمانكم﴾، كان الرجل يرغب في الرجل، فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده، فلما نزلت هذه الآية آية المواريث ولم يذكر أهل العقد، فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾ ﴿فآتوهم نصيبهم﴾، يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث، ﴿إن الله كان على كل شيء﴾، من أعمالكم ﴿شهيدا﴾ إن أعطيتم نصيبهم أو لم تعطوهم، فلم يأخذ هذا الرجل شيئا حتى نزلت: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ (الأحزاب: 6)، فنسخت هذه الآية: ﴿والذين عقدت أيمانكم﴾.
النساء 4:34
قوله عز وجل: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾، نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو، من النقباء، وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن أبي زهير، وهما من الأنصار من بني الحارث بن الخزرج، وذلك أنه لطم امرأته، فأتت أهلها، فانطلق أبوها معها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أنكحته وأفرشته كريمتي فلطمها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لتقتص من زوجها"، فأتت مع زوجها لتقتص منه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ارجعوا، هذا جبريل، عليه السلام، قد أتاني، وقد أنزل الله عز وجل: ﴿الرجال قوامون على النساء﴾"، يقول: مسلطون على النساء، ﴿بما فضل الله بعضهم على بعض﴾، وذلك أن الرجل له الفضل على امرأته في الحق، ﴿وبما أنفقوا من أموالهم﴾، يعني وفضلوا بما ساق إليها من المهر، فهم مسلطون في الأدب والأخذ على أيديهن، فليس بين الرجل وبين امرأته قصاص إلا في النفس والجراحة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: "أردنا أمرا وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خيرا".
ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿فالصالحات﴾ في الدين، ﴿قانتات﴾، يعني مطيعات له ولأزواجهن، ﴿حافظات للغيب﴾ لغيبة أزواجهن في فروجهن
وأموالهم، ﴿بما حفظ الله﴾، يعني بحفظ الله لهن، ثم قال: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾، يعني تعلمون عصيانهن من نسائكم، يعني سعدا، يقول: تعلمون معصيتهن لأزواجهن، ﴿فعظوهن﴾ بالله، فإن لم يقبلن العظة، ﴿واهجروهن في المضاجع﴾، يقول: لا تقربها للجماع، فإن رجعت إلى طاعة زوجها بالعظة والهجران، وإلا ﴿واضربوهن﴾ ضربا غير مبرح، يعني غير شائن، ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾، يعني عللا، يقول: لا تكلفها في الحب لك ما لا تطيق، ﴿إن الله كان عليا﴾، يعني رفيعا فوق خلقه، ﴿كبيرا﴾.
النساء 4:35
﴿وإن خفتم﴾، يعني علمتم ﴿شقاق بينهما﴾، يعني خلاف بينهما، بين سعد وامرأته، ولم يتفقا، ولم يدر من قبل من منهما النشوز من فبل الرجل أو من قبل المرأة؟ ﴿فابعثوا﴾، يعني الحاكم، يقول للحاكم: فابعثوا ﴿حكما من أهله وحكما من أهلها﴾، فينظرون في أمرهما في النصيحة لهما، إن كان من قبل النفقة أو إضرار وعظا الرجل، وإن كان من قبلها، وعظاها لعل الله أن يصلح على أيديهما، فذلك قوله عز وجل: ﴿إن يريدا إصلاحا﴾، يعني الحكمين، ﴿يوفق الله بينهما﴾ للصلح، فإن لم يتفقا وظنا أن الفرقة خير لهما في دينهما، فرق الحكمان بينهما برضاهما، ﴿إن الله كان عليما﴾ بحكمهما ﴿خبيرا﴾ بنصيحتهما في دينهما.
النساء 4:36
﴿واعبدوا الله﴾، يعني وحدوا الله، ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾، لأن أهل الكتاب يعبدون الله في غير إخلاص، فلذلك قال الله: ﴿ولا تشركوا به شيئا﴾ من خلقه، ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، يعني برا بهما، ﴿وبذي القربى﴾ والإحسان إلى ذي القربى، يعني صلته، ﴿و﴾ الإحسان إلى ﴿واليتامى والمساكين﴾ أن تتصدقوا عليهم، والإحسان إلى ﴿والجار ذي القربى﴾، يعني جارا بينك وبينه قرابة، ﴿والجار الجنب﴾، يعني من قوم آخرين، ﴿والصاحب بالجنب﴾، يقول: الرفيق في السفر والحضر، ﴿وابن السبيل﴾، يعني الضيف ينزل عليك أن تحسن إليه، ﴿و﴾ إلى ﴿وما ملكت أيمانكم﴾ من الخدم وغيره، وعن على وعبد الله، قالا: ﴿والصاحب بالجنب﴾ المرأة، فأمر الله عز وجل بالإحسان إلى هؤلاء، ﴿إن الله لا يحب من كان مختالا﴾، يعني بطرا مرحا ﴿فخورا﴾ في نعم الله، لا يأخذ ما أعطاه الله عز وجل فيشكر.
النساء 4:37
﴿الذين يبخلون﴾، يعني رءوس اليهود، ﴿ويأمرون الناس بالبخل﴾، وذلك أن رءوس اليهود كعب بن الأشرف وغيره، كانوا يأمرون سفلة اليهود بكتمان أمر محمد صلى الله عليه وسلم خشية أن يظهروه ويبينوه، ومحوه من التوراة، ﴿ويكتمون ما آتاهم الله﴾ عز وجل، يعني ما أعطاهم ﴿من فضله﴾ في التوراة من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونعته، ثم أخبر عما لهم في الآخرة، فقال: ﴿وأعتدنا﴾ يا محمد ﴿للكافرين﴾، يعني لليهود، ﴿عذابا مهينا﴾، يعني الهوان.
النساء 4:38
ثم أخبر عنهم، فقال سبحانه: ﴿والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس﴾، يعني اليهود، ﴿ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾، يقول: لا يصدقون بالله أنه واحد لا شريك له، ولا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنه كائن، ﴿ومن يكن الشيطان له قرينا﴾، يعني صاحبا، ﴿فساء قرينا﴾، يعني فبئس الصاحب.
النساء 4:39
ثم قال عز وجل: ﴿وماذا عليهم﴾، يعني وما كان عليهم ﴿لو آمنوا بالله واليوم الآخر﴾، يعني بالبعث، ﴿وأنفقوا مما رزقهم الله﴾ من الأموال في الإيمان ومعرفته، ﴿وكان الله بهم عليما﴾ أنهم لن يؤمنوا.
النساء 4:40
﴿إن الله لا يظلم مثقال ذرة﴾، يعني لا ينقص وزن أصغر من الذرة من أموالهم، ﴿وإن تك حسنة﴾ واحدة ﴿يضاعفها﴾ حسنات كثيرة، فلا أحد أشكر من الله عز وجل، ﴿ويؤتي من لدنه أجرا عظيما﴾، يقول: ويعطي من عنده في الآخرة جزاء كثيرا، وهي الجنة.
النساء 4:41
ثم خوفهم، فقال تعالى: ﴿فكيف﴾ بهم ﴿إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾، يعني نبيهم، وهو شاهد عليهم بتبليغ الرسالة إليهم من ربهم، ﴿وجئنا بك﴾ يا محمد ﴿على هؤلاء شهيدا﴾، آية يعني كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم بتبليغ الرسالة.
النساء 4:42
ثم أخبر عن كفار أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال سبحانه: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض﴾، وذلك بأنهم قالوا في الآخرة: والله ربنا ما كنا مشركين، فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت ألسنتهم من الشرك، فودوا عند ذلك أن الأرض انشقت فدخلوا فيها فاستوت عليهم، ﴿ولا يكتمون الله حديثا﴾ يعني الجوارح حين شهدت عليهم.
النساء 4:43
﴿يا أيها الذين آمنوا ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾، لما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد قدم الله عز وجل تحريم الخمر إلينا"، وذلك أن عبد الرحمن بن عوف الزهري صنع طعاما، فدعا أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، رحمهم الله جميعا، فأكلوا وسقاهم خمرا، فحضرت صلاة المغرب، فأمهم علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقرأ: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ (الكافرون: 1)، فقال في قراءته: نحن عابدون ما عبدتم، فأنزل الله عز وجل في علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وأصحابه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ في صلاتكم، فتركوا شربها إلا من بعد صلاة الفجر إلى الضحى الأكبر، فيصلون الأولى وهم أصحياء.
ثم إن رجلا من الأنصار يسمى عتبان بن مالك دعا سعد بن أبي وقاص إلى رأس بعير مشوى، فأكلا ثم شربا فسكرا، فغضب الأنصاري، فرفع لحى البعير فكسر أنف سعد، فأنزل الله عز وجل تحريم الخمر في المائدة بعد غزوة الأحزاب، ثم قال سبحانه: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾ ﴿ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾، ثم استثنى المسافر الذي لا يجد الماء، فقال سبحانه: ﴿إلا عابري سبيل﴾، ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر﴾، نزلت في عبد الرحمن بن عوف، أصابته جنابة وهو جريح، فشق عليه الغسل، وخاف منه شرا، أو يكون به قرح أو جدري، فهو بهذه المنزلة، فذاك قوله سبحانه: ﴿وإن كنتم مرضى﴾، يعني به جرحا فوجدتم الماء، فعليكم التيمم.
وإن كنتم على سفر وأنتم أصحاء، نزلت في عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾، يعني الخلاء، ﴿أو لمستم النساء﴾، يعني جامعتم، ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾، يقول: الصحيح الذي لا يجد الماء، والمريض الذي يجد الماء يتيمموا ﴿صعيدا طيبا﴾، يعني حلالا طيبا، ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم﴾ إلى الكرسوع، ﴿إن الله كان عفوا﴾ عنكم ﴿غفورا﴾ لما كان منكم قبل النهى عن السكر والصلاة والتيمم بغير وضوء، وقد نزلت آية التيمم في أمر عائشة، رضي الله عنها، بين الصلاتين.
النساء 4:44
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا﴾، يعن حظا، ألم تر إلى فعل الذين أعطوا نصيبا، يعني حظا ﴿من الكتاب﴾، يعني التوراة، ﴿يشترون﴾، يعني يختارون، وهم اليهود، منهم إصبغ ورافع ابنا حريملة، وهما من أحبار اليهود ﴿يشترون﴾ ﴿الضلالة﴾، يعني باعوا إيمانا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، بتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد بعثته، ﴿ويريدون أن تضلوا السبيل﴾، يعني أن تخطئوا قصد طريق الهدى كما أخطأوا الهدى، نزلت في عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، حين دعوهما إلى دين اليهودية وعيروهما بالإسلام وزهدوهما فيه، وفيهما نزلت: ﴿والله أعلم بأعدائكم﴾
النساء 4:45
﴿والله أعلم بأعدائكم﴾، يعني بعداوتهم إياكم، يعني اليهود، ﴿وكفى بالله وليا﴾، فلا ولى أفضل من الله عز وجل، ﴿وكفى بالله نصيرا﴾، فلا ناصر أفضل من الله جل ذكره.
وفيهما نزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم...﴾ (آل عمران: 118)، نزلت في عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وفي بني حريملة.
النساء 4:46
﴿من الذين هادوا﴾، يعني اليهود، ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾، يعني بالتحريف نعت محمد صلى الله عليه وسلم، عن مواضعه، عن بيانه في التوراة، ليا بألسنتهم، ﴿ويقولون﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم ﴿سمعنا﴾ قولك ﴿وعصينا﴾ أمرك، فلا نطيعك، ﴿واسمع﴾ منا يا محمد تحدثك ﴿غير مسمع﴾ منك قولك يا محمد، غير مقبول ما تقزل، ﴿وراعنا﴾، يعني ارعنا سمعك، ﴿ليا بألسنتهم وطعنا في الدين﴾، يعني دين الإسلام، يقولون: إن دين محمد ليس بشيء، ولكن الذي نحن عليه هو الدين.
يقول الله عز وجل: ﴿ولو أنهم قالوا سمعنا﴾ قولك ﴿وأطعنا﴾ أمرك ﴿واسمع﴾ منا ﴿وانظرنا﴾ حتى نحدثك يا محمد، ﴿لكان خيرا لهم﴾ من التحريف والطعن في الدين ومن راعنا، ﴿وأقوم﴾، يعني وأصوب من قولهم الذي قالوا، ﴿ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا﴾، والقليل الذي آمنوا به، إذ يعلمون أن الله ربهم، وهو خالقهم ورازقهم، ويكفرون بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، نزلت في رفاعة بن زيد بن السائب، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، كلهم يهود، مثلها في آخر السورة.
النساء 4:47
ثم خوفهم، فقال: ﴿يا أيها الذين أوتوا الكتاب﴾، يعني كعب بن الأشرف، يعني الذي أعطوا التوراة، ﴿آمنوا بما نزلنا﴾، يعني بما أنزل الله من القرآن على محمد، ﴿مصدقا لما معكم﴾، يقول: تصديق محمد معكم في التوراة أنه نبي رسول، ﴿من
قبل أن نطمس وجوها﴾، يقول: نحول الملة عن الهدى والبصيرة التي كانوا عليها من إيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ﴿فنردها على أدبارها﴾ بعد الهدى الذي كانوا عليه كفارا ضلالا، ﴿أو نلعنهم﴾، يعني نعذبهم ﴿كما لعنا﴾، يعني كما عذبنا ﴿أصحاب السبت﴾، يقول: فنمسخهم قردة كما فعلنا بأوائلهم، ﴿وكان أمر الله مفعولا﴾ يقول: أمره كائن لا بد، هذا وعيد.
النساء 4:48
﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، فيموت عليه، يعني اليهود، ﴿ويغفر ما دون ذلك﴾ الشرك ﴿لمن يشاء﴾ لمن مات موحدا، فمشيئته تبارك وتعالى لأهل التوحيد، قال: حدثنا عبيد الله بن ثابت، قال: حدثني أبي، عن الهذيل، عن مقاتل بن سليمان، عن رجل، عن مجاهد، أن الاستثناء لأهل التوحيد، ﴿ومن يشرك بالله﴾ معه غيره، ﴿فقد افترى إثما عظيما﴾، يقول: فقد قال ذنبا عظيما.
النساء 4:49
﴿ألم تر﴾، يعني ألم تنظر ﴿إلى﴾، يعني فعل ﴿الذين يزكون أنفسهم﴾، يعني اليهود، منهم بحرى بن عمرو، ومرحب بن زيد، دخلوا بأولادهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أهل لهؤلاء ذنوب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا"، فقالوا: والذي تحلف به ما نحن إلا كهيئتهم، نحن أبناء الله وأحباؤه، وما من ذنب نعمله بالنهار إلا غفر لنا بالليل، وما من ذنب نعمله بالليل إلا غفر لنا بالنهار، فزكوا أنفسهم، يقول الله عز وجل: ﴿بل الله يزكي من يشاء﴾، يعني يصلح من يشاء من عباده، ﴿ولا يظلمون﴾، يعني ولا ينقصون من أعمالهم ﴿فتيلا﴾، يعني الأبيض الذي يكون في شق النواة من الفتيل.
النساء 4:50
يقول الله عز وجل: يا محمد، ﴿انظر كيف يفترون على الله الكذب﴾، لقولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، ﴿وكفى به﴾، يعني بما قالوا، ﴿إثما مبينا﴾ يعني بينا.
النساء 4:51
﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾، وذلك أن كعب بن الأشرف
اليهودي، وكان عربيا من طيئ، وحيى بن أخطب، انطلقا في ثلاثين من اليهود إلى مكة بعد قتال أحد، فقال أبو سفيان بن حرب: إن أحب الناس إلينا من يعيننا على قتال هذا الرجل، حتى نفنى أو يفنوا، فنزل كعب على أبي سفيان، فأحسن مثواه، ونزلت اليهود في دور قريش، فقال كعب لأبي سفيان: ليجيء منكم ثلاثون رجلا، ومنا ثلاثون رجلا، فنلصق أكبادنا بالكعبة، فنعاهد رب هذا البيت، لنجتهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك.
قال أبو سفيان لكعب بن الأشرف: أنت امرؤ من أهل الكتاب تقرأ الكتاب، فنحن أهدى أم ما عليه محمد؟ فقال: إلى ما يدعوكم محمد؟ قال: إلى أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، قال: فأخبروني ما أمركم؟ وهو يعلم ما أمرهم، قالوا: ننحر الكوماء، ونقرى الضيف، ونفك العاني، يعني الأسير، ونسقى الحجيج الماء، ونعمر بيت ربنا، ونصل أرحامنا، ونعبد إلهنا ونحن أهل الحرم، فقال كعب: أنت والله أهدى مما عليه محمد، فأنزل الله عز وجل: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب﴾، يقول: أعطوا حظا من التوراة، ﴿يؤمنون بالجبت﴾، يعني حيى بن أخطب القرظي، ﴿والطاغوت﴾، وكعب بن الأشرف، ﴿ويقولون للذين كفروا﴾ من أهل مكة ﴿هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا﴾، يعني طريقا.
النساء 4:52
يقول الله: ﴿أولئك الذين لعنهم الله﴾، يعني كعبا وأصحابه، ﴿ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا﴾، فلما رجع كعب إلى المدينة، بعث الني صلى الله عليه وسلم إلى نفر من أصحابه بقتله، فقتله محمد بن مسلمة الأنصاري، من بني حارثة بن الحارث تلك الليلة، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم سار في المسلمين، فحاصر أهل النضير حتى أجلاهم من المدينة إلى أذرعات وأريحا من أرض الشام.
النساء 4:53
﴿أم لهم﴾، تقول: ألهم، والميم ها هنا صلة، فلو كان لهم، يعني اليهود، ﴿نصيب﴾، يعني حظا ﴿من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا﴾، يعني لا يعطون الناس من بخلهم وحسدهم وقلة خيرهم، نقيرا يعني بالنقير النقرة التي في ظهر النواة التي ينبت منها النخلة.
النساء 4:54
﴿أم يحسدون الناس﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ﴿على ما آتاهم الله من فضله﴾ يعني ما أعطاهم من فضله، وذلك أن اليهود قالوا: انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من الطعام، ما له هم إلا النساء، يعنون النبي صلى الله عليه وسلم، فحسدوه على النبوة وعلى كثرة النساء، ولو كان نبيا ما رغب في النساء، يقول الله عز وجل: ﴿فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة﴾، يعني النبوة، ﴿وآتيناهم ملكا عظيما﴾، وكان يوسف منهم على مصر، وداود وسليمان منهم، وكان لداود تسعة وتسعون امرأة، وكان لسليمان ثلاثمائة امرأة حرة، وسبعمائة سرية، فكيف تذكرون محمدا في تسع نسوة، ولا تذكرون داود وسليمان، عليهما السلام، فكان هؤلاء أكثر نساء، وأكثر ملكا من محمد صلى الله عليه وسلم.
ومحمد أيضا من آل إبراهيم، وكان إبراهيم، ولوطا، وإسحاق، وإسماعيل، ويعقوب، عليهم السلام، يعملون بما في صحف إبراهيم.
النساء 4:55
﴿فمنهم﴾، يعني من آل إبراهيم ﴿من آمن به﴾، يقول: صدق بالكتاب الذي جاء به، ﴿ومنهم من صد عنه﴾، يعني أعرض عن الإيمان بالكتاب ولم يصدق به، ﴿وكفى بجهنم سعيرا﴾، يقول: وكفى بوقودها وعذابها وقودا لمن كفر بكتاب إبراهيم، فلا وقود أحر من جهنم لأهل الكفر.
النساء 4:56
ثم أخبر بمستقر الكفار، فقال سبحانه: ﴿إن الذين كفروا﴾، يعني اليهود، ﴿بآياتنا﴾، يعني القرآن، ﴿سوف نصليهم نارا كلما نضجت﴾، يعني احترقت ﴿جلودهم بدلناهم جلودا غيرها﴾، جددنا لهم جلودا غيرها، وذلك أن النار إذا أكلت جلودهم بدلت كل يوم سبع مرات على مقدار كل يوم من أيام الدنيا، ﴿ليذوقوا العذاب﴾ عذاب النار جديدا، ﴿إن الله كان عزيزا﴾ في نقمته، ﴿حكيما﴾ حكم لهم النار.
النساء 4:57
ثم أخبر بمستقر المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات﴾، يعني البساتين، ﴿تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا﴾، لا يموتون، ﴿لهم فيها أزواج﴾، يعني النساء، ﴿مطهرة﴾، يعني المطهرات من الحيض والغائط والبول والقذر كله، ﴿وندخلهم ظلا﴾، يعني أكنان القصور، ﴿ظليلا﴾، يعني لا خلل فيها.
النساء 4:58
﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، نزلت في عثمان بن طلحة بن عبد الله القرشي، صاحب الكعبة في أمر مفاتيح الكعبة، وذلك أن العباس بن عبد المطلب، رضي الله عنه، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اجعل فينا السقاية والحجابة لنسود بها الناس، وقد كان أخذ المفتاح من عثمان حين افتتح مكة، فقال عثمان بن طلحة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فادفع إلى المفتاح، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح، ثم أخذه ثلاث مرات، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بالبيت، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان: "خذه بأمانة الله"، حيث دفع إليه المفتاح، فقال العباس، رضي الله عنه، للنبي صلى الله عليه وسلم: جعلت السقاية فينا والحجابة لغيرنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أما ترضون أني جعلت لكم ما تدرون، ونحيت عنكم ما لا تدرون، ولكم أجر ذلك؟"، قال العباس: بلى، قال: "بشرفهم بذلك، أي تفضلون على الناس، ولا يفضل الناس عليكم".
ثم قال عز وجل: "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا﴾، فلا أحد أسمع منه، ﴿بصيرا﴾، فلا أحد أبصر منه، فكان من العدل أن دفع السقاية إلى العباس بن عبد المطلب، والحجابة إلى عثمان بن طلحة، لأنهما كانا أهلها في الجاهلية.
النساء 4:59
﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خالد بن الوليد على سرية فيهم عمار بن ياسر، فساروا حتى دنوا من الماء، فعرسوا قريبا، وبلغ العدو أمرهم فهربوا، وبقى منهم رجل، فجمع متاعه، وجاء ليلا فلقى عمارا، فقال: يا أبا اليقظان، إن القوم سمعوا بكم، فهربوا ولم يبق غيري، وقد أسلمت، وشهدت ألا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فهل الإسلام نافعي؟ فقال عمار: ينفعك، فأقم، فلما أصبح خالد غار بخيله، فلم يجد إلا هذا الرجل وماله، فقال عمار: خل عن هذا الرجل وماله، فقد أسلم وهو في أماني، قال خالد: فبم أنت تجير دوني وأنا أمير عليك، فاستبا، فلما رجعا إلى المدينة أجاز النبي صلى الله عليه وسلم أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فقال خالد: يا نبي الله، يسبني هذا العبد الأجدع، وشتم خالد عمارا.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد: "لا تسب عمارا، فمن سب عمارا سب الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله"، فغضب عمار، فقام فذهب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخالد: "قم فاعتذر إليه"، فأتاه خالد فأخذ بثوبه، فاعتذر إليه، فأعرض عنه، فأنزل الله عز وجل في عمار: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم﴾، يعني خالد بن الوليد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ولاه أمرهم، فأمر الله عز وجل بطاعة أمراء سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
﴿فإن تنازعتم في شيء﴾ من الحلال والحرام، يعني خالدا وعمارا، ﴿فردوه إلى الله﴾، يعني إلى القرآن، ﴿والرسول﴾، يعني سنة النبي صلى الله عليه وسلم، نظيرها في النور، ثم قال: ﴿إن كنتم تؤمنون بالله﴾، يعني تصدقون بالله بأنه واحد لا شريك له، ﴿واليوم الآخر﴾، يعني باليوم الذي فيه جزاء الأعمال، فليفعل ما أمر الله، ﴿ذلك﴾ الرد إليهما ﴿خير وأحسن تأويلا﴾ يعني وأحسن عاقبة.
النساء 4:60
﴿الم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا﴾، يعني صدقوا ﴿بما أنزل إليك﴾ من القرآن ﴿و﴾ صدقوا ب ﴿وما أنزل من قبلك﴾ من الكتب على الأنبياء، وذلك أن بشر المنافق خاصم يهوديا، فدعاه اليهودي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاه المنافق إلى كعب، ثم إنهما اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لليهودي على المنافق، فقال المنافق لليهودي: انطلق أخاصمك إلى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال اليهودي لعمر، رضي الله عنه: إني خاصمته إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فقضى لي، فلم يرض بقضائه، فزعم أنه مخاصمني إليك، فقال عمر، رضي الله عنه، للمنافق: أكذلك؟ قال: نعم، أحببت أن أفترق عن حكمك، فقال عمر، رضي الله عنه: مكانك حتى أخرج إليكما، فدخل عمر، رضي الله عنه، فأخذ السيف، واشتمل عليه، ثم خرج إلى المنافق فضربه حتى برد، فقال عمر، رضي الله عنه: هكذا أقضى على من لم يرض بقضاء الله عز وجل وقضاء رسوله صلى الله عليه وسلم.
وأتى جبريل، عليه السلام، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، قد قتل عمر الرجل، وفرق الله بين الحق والباطل، فسمى عمر، رضي الله عنه، الفاروق، فأنزل الله عز وجل في بشر المنافق: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾ ﴿يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت﴾، يعني كعب بن الأشرف، وكان يتكهن، ﴿وقد أمروا أن يكفروا به﴾، يعني أن يتبرأوا من الكهنة، ﴿ويريد الشيطان أن يضلهم﴾ عند الهدى ﴿ضلالا بعيدا﴾، يعني طويلا.
النساء 4:61
﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله﴾ في كتابه، ﴿وإلى الرسول رأيت المنافقين﴾، يعني بشرا، ﴿يصدون عنك صدودا﴾، يعني يعرضون عنك يا محمد إعراضا إلى غيرك، مخافة أن تحيف عليهم.
النساء 4:62
﴿فكيف﴾ بهم، يعني المنافقين، ﴿إذا أصابتهم مصيبة﴾ في أنفسهم بالقتل، ﴿بما قدمت أيديهم﴾ من المعاصي في التقديم، ثم انقطع الكلام، ثم ذكر الكلام، فقال عز ذكره: ﴿ثم جاءوك يحلفون بالله﴾ نظيرها في سورة براءة، ﴿إن أردنا﴾ ببناء مسجد القرار، ﴿إلا إحسانا وتوفيقا﴾، يعني إلا الخير والصواب، وفيهم نزلت: ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى﴾، يعني إلا الخير، ﴿والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ (التوبة: 107) في قولهم الذي حلفوا به.
النساء 4:63
﴿أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم﴾ من النفاق، ﴿فأعرض عنهم
وعظهم﴾ بلسانك، ﴿وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا﴾، نسختها آية السيف.
النساء 4:64
﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع﴾، يعني إلا لكي يطاع، ﴿بإذن الله﴾، يقول: لا يطيعه أحد حتى يأذن الله عز وجل له في طاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك﴾ بالذنوب، يعني حين لم يرضوا بقضائك جاءوك، ﴿فاستغفروا الله﴾ من ذنوبهم، ﴿واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما﴾.
النساء 4:65
﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾، وذلك أن الزبير بن العوام، رضي الله عنه، وهو من بنى أسد بن عبد العزى، وحاطب بن أبي بلتعة العنسي من مذحج، وهو حليف لبني أسد بن عبد العزى، اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الماء، وكانت أرض الزبير فوق أرض حاطب، وجاء السيل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير: "اسق، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فغضب حاطب وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أما إنه ابن عمتك، فتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم، ومر حاطب على المقداد بن الأسود الكندي، فقال: يا أبا لتعة، لمن كان القضاء، فقال: قضى لابن عمته، ولوى شدقه، فأنزل الله عز وجل، فأقسم: ﴿فلا وربك لا يؤمنون﴾ ﴿حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾، يعني اختلفوا بينهم، يقول: لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شيء، ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت﴾، يقول: لا يجدون في قلوبهم شكا مما قضيت أنه الحق، ﴿ويسلموا﴾ لقضائك لهم وعليهم ﴿تسليما﴾.
النساء 4:66
فقالت اليهود: قاتل الله هؤلاء، ما أسفههم، يشهدون أن محمدا رسول الله ويبذلون له دماءهم وأموالهم، ووطئوا عقبه، ثم يتهمونه في القضاء، فوالله لقد أمرنا موسى، عليه السلام، في ذنب واحد، أتيناه فقتل بعضنا بعضا، فبلغت القتلى سبعين ألفا حتى رضى الله عنا، وما كان يفعل ذلك غيرنا، فقال عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري: فوالله، إن الله عز وجل ليعلم أنه لو أمرنا أن نقتل أنفسنا لقتلناها، فأنزل الله عز وجل في قول ثابت: ﴿ولو أنا كتبنا﴾، يقول: لو أنا فرضنا ﴿عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم﴾، فكان من ذلك القليل عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وثابت بن قيس، فقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: والله لو فعل ربنا لفعلنا، فالحمد لله الذي لم يفعل بنا ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده، للإيمان أثبت في قلوب المؤمنين من الجبال الرواسي".
ثم قال: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به﴾ من القرآن، ﴿لكان خيرا لهم﴾ في دينهم، ﴿وأشد تثبيتا﴾ يعني تصديقا في أمر الله عز وجل.
النساء 4:67
﴿وإذا لآتيناهم من لدنا﴾، يعني من عندنا، ﴿أجرا عظيما﴾، يعني الجنة.
النساء 4:68
﴿ولهديناهم صراطا مستقيما﴾، فلما نزلت: ﴿إلا قليل منهم﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وثابت بن الشماس من أولئك القليل".
النساء 4:69
﴿ومن يطع الله والرسول﴾، نزلت في رجل من الأنصار يسمى: عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري، قال للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي رأى الأذان في المنام مع عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما: إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فلم ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، فذكرت درجاتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ومن يطع الله والرسول﴾ ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين﴾ بالنبوة، ﴿والصديقين﴾ بالتصديق، وهم أول من صدق بالأنبياء، عليهم السلام، حين عاينوهم، ﴿والشهداء﴾، يعني القتلى في سبيل الله بالشهادة، ﴿والصالحين﴾، يعني المؤمنين أهل الجنة، ﴿وحسن أولئك رفيقا﴾.
النساء 4:70
﴿ذلك﴾، يعني هذا الثواب هو ﴿الفضل من الله وكفى بالله عليما﴾، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتاه ابنه وهو في حديقة له، فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال عند ذلك: اللهم اعمني، فلا أرى شيئا بعد حبيبي أبدا، فعمى مكانه، وكان يحب النبي صلى الله عليه وسلم حبا شديدا، فجعله الله عز وجل مع النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة.
النساء 4:71
﴿يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم﴾، يعني عدتكم من السلاح، ﴿فانفروا ثبات﴾، عصبا سرايا جماعة إلى عدوكم، ﴿أو انفروا﴾ إليهم ﴿جميعا﴾ مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذا نفر.
النساء 4:72
﴿وإن منكم لمن ليبطئن﴾، يعني ليتخلفن النفر، نزلت في عبد الله بن أبي بن ملك بن أبي عوف بن الخزرج رأس المنافقين، ﴿فإن أصابتكم مصيبة﴾، يعني بلاء من العدو أو شدة من العيش، ﴿قال﴾ المنافق، ﴿قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا﴾، يعني شاهدا فيصيبني من البلاء ما أصابهم.
النساء 4:73
﴿ولئن أصابكم فضل﴾، يعني رزق، ﴿من الله﴾ عز وجل، يعني الغنيمة، ﴿ليقولن﴾ ندامة في التخلف، ﴿كأن لم تكن بينكم وبينه مودة﴾ في الدين والولاية، ﴿يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾، فالحق من الغنيمة نصيبا وافرا.
النساء 4:74
﴿فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب﴾، فيقتل في سبيله أو يغلب عدوه، ﴿فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾ في الجنة، لقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: إن نقاتل فنقتل ولا نقتل؟ فنزلت هذه الآية، فأشركهم جميعا في الأجر.
النساء 4:75
﴿وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله﴾، وتقاتلون عن، ﴿والمستضعفين﴾، يعني المقهورين ﴿من الرجال والنساء والولدان﴾ المقهورين بمكة حتى يتسع الأمر، ويأتي إلى الإسلام من أراد منهم.
ثم أخبر عنهم، فقال سبحانه: ﴿الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية﴾، يعني مكة، ﴿الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا﴾، يعني من عندك وليا، ﴿واجعل لنا من لدنك نصيرا﴾ على أهل مكة والمستضعفين من الرجال، يعني المؤمنين، قال
ابن عباس، رحمه الله: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان.
النساء 4:76
ثم قال: ﴿الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله﴾، يعني طاعة الله، ﴿والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت﴾، يعني في طاعة الشيطان، ثم حرض الله عز وجل المؤمنين، فقال: ﴿فقاتلوا أولياء الشيطان﴾، يعني المشركين بمكة، ﴿إن كيد﴾، يعني إن مكر ﴿الشيطان كان ضعيفا﴾، يعني واهنا، كقوله سبحانه: ﴿موهن كيد الكافرين﴾ (الأنفال: 18)، يعني مضعف كيد الكافرين، فسار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة ففتحها، وجعل الله عز وجل للمستضعفين مخرجا.
النساء 4:77
﴿ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم﴾ عن القتال، نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهما، وهما من بني زهرة، وقدامة بن مظعون الجمحي، والمقداد بن الأسود الكندي، رضي الله عنهم، وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "مهلا، كفوا أيديكم عن قتالهم، ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾، فإني لم أومر بقتالهم"، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، أمر الله عز وجل بالقتال، فكره بعضهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فلما كتب عليهم القتال﴾، يعني فرض القتال بالمدينة، ﴿إذا فريق منهم﴾، نزلت في طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، ﴿يخشون الناس﴾، يعني كفار مكة، ﴿كخشية الله﴾، فلا يقاتلونهم، ﴿أو أشد خشية وقالوا﴾، وهو الذي قال: ﴿ربنا لم كتبت علينا القتال﴾، يعني لم فرضت علينا القتال، ﴿لولا أخرتنا إلى أجل قريب﴾ هلا تركتنا حتى نموت موتا وعافيتنا من القتل، ﴿قل متاع الدنيا قليل﴾، تتمتعون فيها يسيرا، ﴿والآخرة خير﴾ من الدنيا، يعني الجنة أفضل من الدنيا، ﴿لمن اتقى ولا تظلمون﴾ من أعمالكم الحسنة ﴿فتيلا﴾، يعني الأبيض الذي يكون في وسط النواة حتى يجازوا بها.
النساء 4:78
ثم أخبر عن كراهيتهم للقتال ذاكرا لهم أن الموت في أعناقكم، فقال سبحانه: ﴿أينما تكونوا﴾ من الأرض ﴿يدرككم﴾، يعني يأتيكم ﴿الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾، يعني القصور الطوال المشيدة إلى السماء في الحصانة حين لا يخلص إليه ابن آدم يخلص إليه الموت حين يفر منه، وقال عبد الله بن أبي، لما قتلت الأنصار يوم أحد، قال: لو أطاعونا ما قتلوا، فنزلت: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة﴾، يعني القصور.
ثم أخبر سبحانه عن المنافقين عبد الله بن أبي وأصحابه، فقال: ﴿وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله﴾ ببدر، يعني نعمة، وهي الفتح والغنيمة، يقول: هذه الحسنة من عند الله، ﴿وإن تصبهم سيئة﴾، يعني بلية، وهي القتل والهزيمة يوم أحد، ﴿يقولوا هذه من عندك﴾ يا محمد، أنت حملتنا على هذا، وفي سببك كان هذا، فقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل كل﴾، يعني الرخاء والشدة ﴿من عند الله فمال هؤلاء القوم﴾، يعني المنافقين ﴿لا يكادون يفقهون حديثا﴾، آية أن الشدة والرخاء والسيئة والحسنة من الله، ألا يسمعون ما يحذرهم ربهم في القرآن؟ يعني عبد الله بن أبي.
النساء 4:79
فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ما أصابك من حسنة﴾، يعني الفتح والغنيمة يوم بدر، ﴿فمن الله﴾ كان، ﴿وما أصابك من سيئة﴾، يعني البلاء من العدو، والشدة من العيش يوم أحد، ﴿فمن نفسك﴾، يعني فبذنبك، يعني ترك المركز، وفي مصحف عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب: "فبذنبك، وأنا كتبتها عليك"، ﴿وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا﴾، يعني فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله.
النساء 4:80
﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المدينة: "من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله"، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى هذا الرجل وما يقول؟ لقد قارب الشرك، وهو ينهى ألا يعبد إلا الله، فما حمله على الذي قال إلا أن نتخذه حنانا، يعنون ربا، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا، فأنزل الله عز وجل تصديقا لقول نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله﴾ ﴿ومن تولى﴾ عرض عن طاعتهما، ﴿فما أرسلناك عليهم حفيظا﴾، يعني رقيبا.
النساء 4:81
ثم أخبر عن المنافقين، فقال سبحانه: ﴿ويقولون طاعة﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم حين أمرهم بالجهاد، وذلك أنهم دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مرنا بما شئت: فأمرك طاعة، فإذا خرجوا من عنده خالفوا، وقالوا غير الذي قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ويقولون طاعة﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم، ﴿فإذا برزوا من عندك﴾، يعني خرجوا من عندك يا محمد، ﴿بيت طائفة﴾، يقول: ألفت طائفة، ﴿منهم غير الذي تقول والله يكتب ما يبيتون﴾، يعني الحفظة، فيكتبون ما يقولون من الكذب، ﴿فأعرض عنهم﴾، يعني الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد، فلا تعاتبهم، ﴿وتوكل على الله﴾، يعني وثق بالله عز وجل، ﴿وكفى بالله وكيلا﴾، يعني وكفى به منيعا، فلا أحد أمنع من الله عز وجل، ويقال: وكيلا، يعني شهيدا لما يكتمون.
النساء 4:82
ثم وعظهم، فقال سبحانه: ﴿أفلا يتدبرون﴾، يعني أفلا يسمعون ﴿القرآن﴾ فيعلمون أنه، ﴿ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾، يعني كذبا كبيرا، لأن الاختلاف في قول الناس، وقول الله عز وجل لا اختلاف فيه.
النساء 4:83
﴿وإذا جاءهم﴾، يعني المنافقين، ﴿أمر من الأمن﴾، يعني شيئا من الأمر يسر المؤمنين من الفتح والخير، قصروا عما جاءهم من الخير.
ثم قال سبحانه: ﴿أو الخوف﴾، يعني فإن جاءهم بلاء أو شدة نزلت بالمؤمنين، ﴿أذاعوا به﴾، يعني أفشوه، فإذا سمع ذلك المسلمون كاد أن يدخلهم الشك، ﴿ولو ردوه إلى الرسول﴾ حتى يخبر الرسول صلى الله عليه وسلم بما كان من الأمر أو ردوه، ﴿وإلى أولي الأمر منهم﴾، يقول: أمراء السرايا، فيكونون هم الذين يخبرون ويكتبون به، ﴿لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾، يعني الذين يتبينونه منهم، يعني الخير على وجهه، ويحبوا أن يعلموا ذلك فيعلمونه، ثم قال سبحانه: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾، يعني ونعمته فعصمكم من قول المنافقين، ﴿لاتبعتم الشيطان إلا قليلا﴾، نزلت في أناس كانوا يحدثون أنفسهم بالشرك.
النساء 4:84
ثم قال عز وجل: ﴿فقاتل في سبيل الله﴾، فأمره أن يقاتل بنفسه، ﴿لا تكلف إلا نفسك﴾، يعني ليس عليك ذنب غيرك، ﴿وحرض المؤمنين﴾، يعني وحرض على القتال، يعني على قتال العدو، ﴿عسى الله أن يكف بأس﴾، يعني قتال ﴿الذين كفروا والله أشد بأسا﴾، يعني أخذا، ﴿وأشد تنكيلا﴾، يعني نكالا، يعني عقوبة من الكفار، ولو لم يطع النبي صلى الله عليه وسلم أحدا من الكفار، لكفاه الله عز وجل.
النساء 4:85
وقوله سبحانه: ﴿من يشفع شفاعة حسنة﴾ لأخيه المسلم بخير، ﴿يكن له نصيب منها﴾، يعني حظا من الأجر من أجل شفاعته، ﴿ومن يشفع شفاعة سيئة﴾، وهو الرجل يذكر أخاه بسوء عند رجل فيصيبه عنت منه، فيأثم المبلغ، فذلك قوله سبحانه: ﴿يكن له كفل منها﴾، يعني إثما من شفاعته، ﴿وكان الله على كل شيء مقيتا﴾ من الحيوان، عليه قوت كل دابة لمدة رزقها.
النساء 4:86
﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها﴾، نزلت في نفر بخلوا بالسلام، فحيوا بأحسن منها، ﴿أو ردوها﴾، يقول: فردوا عليه أحسن مما قال، قال: فيقول: وعليك
ورحمة الله وبركاته، أو يرد عليه مثل ما سلم عليه، ﴿إن الله كان على كل شيء﴾ من أمر التحية، إن رددت عليها أحسن منها أو مثلها، ﴿حسيبا﴾، يعني شهيدا.
النساء 4:87
﴿الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة﴾، نزلت في قوم شكوا في البعث، فأقسم الله عز وجل بنفسه ليبعثهم إلى يوم القيامة، ﴿لا ريب فيه﴾، يعني لا شك في البعث، ﴿ومن أصدق من الله حديثا﴾، يقول: فلا أحد أصدق من الله حديثا إذا حدث، يعني في أمر البعث.
النساء 4:88
﴿فما لكم﴾ صرتم ﴿في المنافقين﴾ نزلت في تسعة نفر، منهم: مخرمة بن زيد القرشي، هاجروا من مكة إلى المدينة، فقدموا وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم: نخرج كهيئة البداة، فإذا غفل عنا مضينا إلى مكة، فجعلوا يتحولون منقلة منقلة، حتى تباعدوا من المدينة، ثم إنهم أدلجوا حتى أصبحوا قد قطعوا أرضا بعيدة، فلحقوا بمكة، فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنا على ما فرقناك عليه، ولكنا اشتقنا إلى بلادنا وإخوتنا بمكة، ثم إنهم خرجوا تجارا إلى الشام، واستبضعهم أهل مكة بضائعهم، فقالوا لهم: أنتم على دين محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلا بأس عليكم، فساروا وبلغ المسلمين أمرهم، فقال بعضهم لبعض: أخرجوا إلى هؤلاء فنقاتلهم، ونأخذ ما معهم، فإنهم تركوا دار الهجرة وظاهروا عدونا.
وقال آخرون: ما حلت دماؤهم ولا أموالهم ولكنهم فتنوا، ولعلهم يرجعوا للتوبة، والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فأنزل الله عز وجل يخبر عن التسعة رهط ويعظ المؤمنين ليكون أمرهم جميعا عليهم، فقال الله عز وجل: ﴿فما لكم﴾ صرتم ﴿في المنافقين﴾ ﴿فئتين﴾ تختصمون، ﴿والله أركسهم﴾، يعني أضلهم فردهم إلى الكفر، ﴿بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله﴾ عن الهدى، ﴿فلن تجد له سبيلا﴾.
النساء 4:89
ثم أخبر عن التسعة، فقال سبحانه: ﴿ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء﴾ أنتم وهم على الكفر، ﴿فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله﴾، يعني حتى يهاجروا إلى دار الهجرة بالمدينة، ﴿فإن تولوا﴾، فإن أبوا الهجرة، ﴿فخذوهم﴾، يعني فأسروهم، ﴿واقتلوهم حيث﴾، يعني أين ﴿وجدتموهم﴾ من الأرض في الحل والحرم، ﴿ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا﴾، يعني ولا ناصرا.
النساء 4:90
ثم استثنى، فقال: ﴿إلا الذين يصلون﴾، يعني التسعة المرتدين، ﴿إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾، يعني عهد خزاعة وبني خزيمة، وفيهم نزلت: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ (التوبة: 4)، إن وصل هؤلاء التسعة إلى أهل عهدكم وهم خزاعة، منهم: هلال بن عويمر الأسلمى، وسراقة بن مالك بن جشم، وبنو مدلج، وبنو جذيمة، وهما حيان بن كنانة، فلا تقتلوا التسعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صالح هؤلاء على أن من يأتيهم من المسلمين فهو آمن، يقول: إن وصل هؤلاء وغيرهم إلى أهل عهدكم، فإن لهم مثل الذي لحلفائهم.
ثم قال عز وجل: ﴿أو جاءوكم﴾، يعني بني جذيمة، ﴿حصرت صدورهم﴾، يعني ضيقة قلوبهم، ﴿أن يقاتلوكم﴾، يعني ضاقت قلوبهم أن يقتالوكم، ﴿أو يقاتلوا قومهم﴾ من التسعة، ثم قال: ﴿ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم﴾، يخوف المؤمنين، ثم قال: ﴿فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم﴾، يعني الصلح، يعني هلالا وقومه حزاعة، ﴿فما جعل الله لكم عليهم سبيلا﴾ في قتالهم.
النساء 4:91
﴿ستجدون آخرين﴾ منهم أسد غطفان، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "أجئتم مهاجرين؟"، قالوا: بل جئنا مسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم، قالوا: آمنا بالعقرب والخنفساء إذ تعود، فقال: ﴿ستجدون آخرين﴾ ﴿يريدون أن يأمنوكم﴾، يعني يأمنوا فيكم معشر المؤمنين بأنهم مقرون بالتوحيد، ﴿ويأمنوا قومهم﴾ المشركين، لأنهم على دينهم، ﴿كل ما ردوا إلى الفتنة﴾، يعني كلما دعوا إلى الشرك، ﴿أركسوا فيها﴾، يقول: عادوا في الشرك، ﴿فإن لم يعتزلوكم﴾ في القتال، ﴿ويلقوا إليكم السلم﴾، يعني الصلح، ﴿ويكفوا أيديهم﴾ عن قتالكم، ﴿فخذوهم واقتلوهم﴾، يعني أأسروهم
واقتلوهم، ﴿حيث ثقفتموهم﴾، يعني أدركتموهم من الأرض في الحل والحرم، ﴿وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا﴾، يعني حجة بينة. ثم صارت منسوخة ،
النساء 4:92
﴿وما كان لمؤمن﴾، يعني عياش بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، يقول: ما كان ينبغي لمؤمن ﴿أن يقتل مؤمنا﴾، يعني الحارث بن يزيد بن أبي أنيسة من بني عامر بن لؤي، ﴿إلا خطئا﴾، وذلك أن الحارث أسلم في موادعة أهل مكة، فقتله عياش خطأ، وكان عياش قد حلف على الحارث بن يزيد ليقتلنه، وكان الحارث يومئذ مشركا، فأسلم الحارث ولم يعلم به عياش فقتله بالمدينة، ﴿ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة﴾، أي التي قد صلت لله ووحدت الله، ﴿ودية مسلمة إلى أهله﴾، أي المقتول، ﴿إلا أن يصدقوا﴾، يقول: إلا أن يصدق أولياء المقتول بالدية على القاتل، فهو خير لهم، ﴿فإن كان﴾ هذا المقتول ﴿من قوم عدو لكم﴾ من أهل الحرب، ﴿وهو﴾، يعني المقتول ﴿مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة﴾ نزلت في مرداس بن عمر القيسي، ولا دية له، ﴿وإن كان﴾ هذا المقتول وكان ورثته ﴿من قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾، يعني عهد ﴿فدية مسلمة إلى أهله﴾، أي إلى أهل المقتول، يعني إلى ورثته بمكة، وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة يومئذ عهد، ﴿و﴾ عليه ﴿وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد﴾ الدية ﴿ف﴾ عليه ﴿فصيام شهرين متتابعين توبة من الله﴾، تلك الكفارة تجاوز من الله في قتل الخطأ لهذه الأمة، لأن المؤمن كان يقتل بالخطأ في التوراة على عهد موسى، عليه السلام، ﴿وكان الله عليما حكيما﴾، حكم الكفارة والرقبة.
النساء 4:93
﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾، نزلت في مقيس بن ضبابة الكناني، ثم الليثي ،
قتل رجلا من قريش، يقال له: عمرو مكان أخيه هشام بن ضبابة، وذلك أن مقيس بن ضبابة وجد أخاه قتيلا في الأنصار في بني النجار، فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الأنصار رجلا من بني فهر مع مقيس، فقال: ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه، إن علمتم ذلك، وإلا فادفعوا إليه ديته، فلما جاءهم الرسول، قالوا: السمع والطاعة لله ولرسوله، والله ما نعلم له قاتلا، ولكنا نؤدي ديته، ودفعوا إلى مقيس مائة من الإبل دية أخيه، فلما انصرف مقيس عمد إلى رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتله وفر وارتد عن الإسلام، ورحل من المدينة، وساق معه الدية، ورجع إلى مكة كافرا، وهو يقول في شعره :
قتلت به فهرا وحملت عقله *** سراة بني النجار أرباب فارع
وأدركت ثأري واضطجعت موسدا *** وكنت إلى الأوثان أول راجع
فنزلت فيه بعدما قتل النفس وارتد عن الإسلام، وساق معه الدية إلى مكة، نزلت فيه الآية: ﴿ومن يقتل مؤمنا﴾، يعني الفهرى ﴿متعمدا﴾ لقتله﴾ فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾ وافر الانقطاع له بقتله النفس وبأخذه الدية.
النساء 4:94
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث سرية، وبعث عليها غالب بن عبد الله الليثي أخا ثميلة بن عبد الله، فلما أصبحوا رأوا رجلا يسمى مرداس بن عمرو بن نهيك العنسي من بني تيم بن مرة من أهل فدك، معه غنيمة له، فلما رأى الخيل ساق غنيمته حتى أحرزها في الجبل، وكان قد أسلم من الليل وأخبر أهله بذلك، فلما دنوا منه كبروا، فسمع التكبير، فعرفهم، فنزل إليهم، فقال: سلام عليكم، إني مؤمن، فحمل عليه أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من بني عبد ود، فقال مرداس: إني منكم أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله.
فطعنه أسامة برمحه فقتله وسلبه وساق غنمه، فلما قدم المدينة أخبر أسامة النبي صلى الله عليه وسلم، فلامه النبي ملامة شديدة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قتلته وهو يقول: لا إله إلا الله؟"، قال: إنما قال ذلك أراد أن يحرز نفسه وغنمه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلا شققت عن قلبه، فتنظر صدق أم لا؟"، قال: يا رسول الله، كيف يتبين لي؟ وإنما قلبه بضعة من جسده، فقال: "فلا صدقته بلسانه، ولا أنت شققت عن قلبه فيبين لك"، فقال: استغفر لي يا رسول الله، قال: "فكيف لك بلا إله إلا الله"، يقول ذلك ثلاث مرات، فاستغفر له النبي صلى الله عليه وسلم الرابعة.
قال أسامة في نفسه: وددت أني لم أسلم حتى كان يومئذ، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبة. قال مقاتل، رحمه الله: فعاش أسامة زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، رضي الله عنهم، حتى أدرك على بن أبي طالب، رضي الله عنه، فدعاه على، رحمه الله، إلى القتال، فقال أسامة: ما أحد أعز على منك، ولكن لا أقاتل مسلما بعد قول النبي صلى الله عليه وسلم: "كيف لك بلا إله إلا الله؟".
فإن أتيت بسيف إذا ضربت به مسلما، قال السيف: هذا مسلم، وإن ضربت به كافرا، قال لي: هذا كافر، قاتلت معك، فقال له علي: اذهب حيث شئت، فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله﴾، يعني سرتم غزاة في سبيل الله، ﴿فتبينوا﴾ من تقتلوا، ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام﴾، يعني مرداس، وذلك أنه قال لهم: السلام عليكم إني مؤمن، ﴿لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا﴾، يعني غنم مرداس، ﴿فعند الله مغانم كثيرة﴾ في الآخرة والجنة، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا، ﴿كنتم من قبل﴾ الهجرة بمنزلة مرداس تأمنون في قومكم بالتوحيد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقوكم، فلا تخيفون أحدا بأمر كان فيكم تأمنون بمثله قبل هجرتكم، ﴿فمن الله عليكم﴾ بالهجرة فهاجرتم، ﴿فتبينوا﴾ إذا خرجتم فلا تقتلوا مسلما، ﴿إن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ فقال أسامة: والله لا أقتل رجلا بعد هذا يقول: لا إله إلا الله.
النساء 4:95
وقوله سبحانه: ﴿لا يستوي القاعدون﴾ عن الغزو ﴿من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم﴾، يعني عبد الله بن جحش الأسدي، وابن أم مكتوم من أهل العذر.
قال أبو محمد: هم ثلاثة منهم عبد الله بن جحش، عقد له النبي صلى الله عليه وسلم وعبيد الله مات نصارنيا، وعبد الله بن جحش هو الضرير الذي نزل فيه قوله عز وجل: ﴿غير أولي الضرر﴾.
يقول عز وجل: لا يستوي في الفضل القاعد الذي لا عذر له، والمجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، وهي غزوة تبوك، قال عز وجل: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين﴾ من أهل العذر، ﴿درجة﴾، يعني فضيلة على القاعدين، ﴿وكلا﴾، يعني المجاهد والقاعد المعذور، ﴿وعد الله الحسنى﴾، يعني الجنة، ثم قال سبحانه: ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين﴾ الذين لا عذر لهم ﴿أجرا عظيما﴾.
النساء 4:96
﴿درجات منه﴾، يعني فضائل من الله في الجنة سبعين درجة بين كل درجتين مسيرة سبعين سنة، ﴿ومغفرة﴾ لذنوبهم، ﴿ورحمة وكان الله غفورا رحيما﴾، يعني أبا لبابة، وأوس بن حزام، ووداعة بن ثعلب، وكعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن ربيعة من بني عمرو بن عوف، كلهم من الأنصار.
النساء 4:97
﴿إن الذين توفاهم الملائكة﴾، يعني ملك الموت وحده، ﴿ظالمي أنفسهم﴾، وذلك أنه كان نفر أسلموا بمكة مع النبي صلى الله عليه وسلم، منهم الوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاطه بن المغيرة، والوليد بن عقبة بن ربيعة بن عبد شمس، وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية بن عبد شمس، والعلاء بن أمية بن خلف الجمحي.
ثم إنهم أقاموا عن الهجرة، وخرجوا مع المشركين إلى قتال بدر، فلما رأوا قلة المؤمنين شكوا في النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: غر هؤلاء دينهم، وكان بعضهم نافق بمكة، فلما قتل هؤلاء ببدر، ﴿قالوا﴾، أي قالت الملائكة لهم، وهو ملك الموت وحده: ﴿فيم كنتم﴾؟ يقول: في أي شيء كنتم، ﴿قالوا كنا مستضعفين في الأرض﴾، يعني كنا مقهورين بأرض مكة لا نطيق أن نظهر الإيمان، ﴿قالوا﴾، أي قالت الملائكة لهم: ﴿ألم تكن أرض الله واسعة﴾ من الضيق، يعني أرض الله المدينة، ﴿فتهاجروا فيها﴾، يعني إليها، ثم انقطع الكلام، فقال عز وجل: ﴿فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا﴾، يعني وبئس المصير صاروا.
النساء 4:98
ثم استثنى أهل العذر، فقال سبحانه: ﴿إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان﴾، فليس مأواهم جهنم، ﴿لا يستطيعون حيلة﴾، يقول: ليس لهم سعة للخروج إلى المدينة، ﴿ولا يهتدون سبيلا﴾، يعني ولا يعرفون طريقا إلى المدينة.
النساء 4:99
﴿فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم﴾، والعسى من الله واجب، ﴿وكان الله عفوا﴾ عنهم ﴿غفورا﴾، فلا يعاقبهم لإقامتهم عن الهجرة في عذر.
النساء 4:100
فقال ابن عباس، رضي الله عنه: أنا يومئذ من الولدان، وأمي من النساء، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية إلى مسلمي مكة، فقال جندب بن حمزة الليثي، ثم الجندعي لبنيه: احملوني فإني لست من المستضعفين، وإني لهاد بالطريق ولو مت لنزلت في الآية، وكان شيخا كبيرا، فحمله بنوه على سريره متوجها إلى المدينة، فمات بالتنعيم، فبلغ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم موته، فقالوا: لو لحق بنا لأتم الله أجره، فأراد الله عز وجل أن يعلمهم أنه لا يخيب من التمس رضاه، فأنزل الله عز وجل: ﴿ومن يهاجر في سبيل الله﴾، يعني في طاعة الله إلى المدينة، ﴿يجد في الأرض مراغما كثيرا﴾، يعني متحولا عن الكفر، ﴿وسعة﴾ في الرزق ﴿ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما﴾.
النساء 4:101
ثم قال سبحانه: ﴿وإذا ضربتم﴾، يعني سرتم ﴿في الأرض﴾، يعني غزوة بني أنمار ببطن مكة، ﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾.
يعني أن يقتلكم، كقوله: ﴿على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم﴾ (يونس: 83)، يعني أن يقتلكم الذين كفروا من أهل مكة، فيصيبوا منكم طائفة، ﴿إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا﴾.
النساء 4:102
﴿وإذا كنت فيهم﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك﴾، وليأخذوا حذرهم من عدوهم، ﴿وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون﴾، يعني تذرون ﴿عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون﴾، يعني فيحملون ﴿عليكم﴾ جميعا ﴿ميلة واحدة﴾، يعني حملة واحدة، يعني كرجل واحد عند غفلتكم، ثم رخص لهم في وضع السلاح عند المطر أو المرض، فقال: ﴿ولا جناح﴾، يعني لا حرج ﴿عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم﴾ من عدوكم عند وضع السلاح، ﴿إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا﴾، يعني الهوان.
وكان تقصير الصلاة بعسفان، بين مكة والمدينة، والنبي صلى الله عليه وسلم بإزاء الذين خافوه وهم غطفان.
النساء 4:103
﴿فإذا قضيتم الصلاة﴾، يعني صلاة الخوف، ﴿فاذكروا الله﴾ باللسان، ﴿قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة﴾، إذا أقمتم في بلادكم فأقيموا الصلاة، يعني فأتموا الصلاة كاملة ولا تقصروا، ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾، يعني فريضة معلومة، كقوله: ﴿كتب عليكم القتال﴾ (البقرة: 216)، يعني فرض عليكم القتال.
النساء 4:104
﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم﴾، يقول: ولا تعجزوا، كقوله: ﴿فما وهنوا﴾ (آل عمران: 146)، يعني فما عجزوا في طلب أبي سفيان وأصحابه يوم أحد بعد القتل بأيام، فاشتكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجراحات، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن تكونوا تألمون﴾، يعني تتوجعون، ﴿فإنهم يألمون كما تألمون﴾، يعني يتوجعون كما تتوجعون، ﴿وترجون من الله﴾ من الثواب والأجر، ﴿ما لا يرجون﴾، يعني أبا سفيان وأصحابه، ﴿وكان الله عليما﴾ بخلقه ﴿حكيما﴾ في أمره.
النساء 4:105
﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق﴾، وذلك أن يهوديا يسمى زيد بن السمين، كان استودع طعمة بن أبيرق الأنصاري من الأوس من بني ظفر بن الحارث درعا من حديد، ثم إن زيدا اليهودي طلب درعه فجحده طعمة، فقال زيد لقومه: قد ذكر لي أن الدرع عنده، فانطلقوا حتى نلتمس داره، فاجتمعوا ليلا فأتوا داره، فلما سمع جلبة القوم أحس قلبه أن القوم جاءوا من أجل الدرع، فرمى به في دار أبي مليك، فدخل القوم داره، فلم يجدوا الدرع، فاجتمع الناس.
ثم إن طعمة اطلع في دار أبي مليك، فقال: هذا درع في دار أبي مليك، فلا أدري هي لكم أم لا؟ فأخذوا الدرع، ثم إن قوم طعمة، قتادة بن النعمان وأصحابه، قالوا: انطلقوا بنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلنبرئ صاحبنا، ونقول: إنهم أتونا ليلا ففضحونا، ولم يكن معهم رسول من قبلك ونأمرهم أن يبرءوا صاحبنا لتنقطع ألسنة الناس عنا بما قذفونا به، ونخبره أنها وجدت في دار أبي مليك، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه فصدق النبي صلى الله عليه وسلم طعمة وأبرأه من ذلك، وهو يرى أنهم قد صدقوا، فأنزل الله تعالى: ﴿إنا أنزلنا إليك الكتاب﴾، يعني القرآن ﴿بالحق﴾ لم ننزله باطلا عبثا لغير شيء، ﴿لتحكم﴾، يعني لكي تحكم ﴿بين الناس بما أراك الله﴾، يعني بما علمك الله في كتابه، كقوله سبحانه: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم﴾ (سبأ: 6)، ﴿ولا تكن للخائنين خصيما﴾، يعني طعمة.
النساء 4:106
ثم قال: ﴿واستغفر الله﴾ يا محمد عن جدالك عن طعمة حين كذبت عنه، فأبرأته من السرقة، ﴿إن الله كان غفورا رحيما﴾، فاستغفر النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك ،
النساء 4:107
﴿ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم﴾، يعني طعمة، ﴿إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما﴾ في دينه أثيما بربه.
النساء 4:108
﴿يستخفون﴾، يعني يستترون بالخيانة ﴿من الناس﴾، يعني طعمة. ﴿ولا يستخفون من الله﴾، ولا يشترون بالخيانة من الله، ﴿وهو معهم إذ يبيتون﴾، يعني إذ يؤلفون ﴿ما لا يرضى من القول﴾، لقولهم: إنا نأتي النبي صلى الله عليه وسلم فنقول له كذا وكذا، فألقوا قولهم بينهم، يعني قتادة وأصحابه ليدفعوا عن صاحبهم ما لا يرضى الله من القول، ﴿وكان الله بما يعملون محيطا﴾، يعني أحاط علمه بأعمالهم، يعني قوم الخائن قتادة بن النعمان وأصحابه.
النساء 4:109
ثم قال يعينهم: ﴿ها أنتم هؤلاء﴾ قوم الخائن ﴿جادلتم عنهم﴾ نبيكم ﴿في الحياة الدنيا﴾ عن طعمة، ﴿فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا﴾ يعني به قومه، يقول: أم من يكون لطعمة مانعا في الآخرة.
النساء 4:110
ثم عرض على طعمة التوبة فقال: ﴿ومن يعمل سوءا﴾، يعني إثما، ﴿أو يظلم نفسه﴾، يعني قذف البرئ أبا مليك، ﴿ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما﴾.
النساء 4:111
﴿ومن يكسب إثما﴾، يعني طعمة، ﴿فإنما يكسبه على نفسه وكان الله عليما حكيما﴾، في أمره.
النساء 4:112
﴿ومن يكسب﴾ لنفسه ﴿خطيئة أو إثما﴾، يعني قذف البريء، ﴿ثم يرم به بريئا﴾، يعني أنه رمى به في دار أبي مليك الأنصاري، ﴿فقد احتمل بهتانا﴾، يعني قذفه البرئ بما لم يكن، ﴿وإذنا وإثما﴾، يعني بينا.
النساء 4:113
ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ولولا فضل الله عليك ورحمته﴾، يعني ونعمته بالقرآن حين بين لك أمر طعمة، فحولك عن تصديق الخائنين بالقرآن، ﴿لهمت طائفة منهم أن يضلوك﴾، يقول: لكادت طائفة من قوم الخائنين أن يستنزلوك عن الحق، ﴿وما يضلون﴾، يعني وما يستنزلون ﴿إلا أنفسهم وما يضرونك من شيء﴾، يعني وما ينقصونك من شيء ليس ذلك بأيديهم، إنما ينقصون أنفسهم، ثم قال: ﴿وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة﴾، يعني الحلال والحرام، ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ من أمر الكتاب وأمر الدين، ﴿وكان فضل الله عليك عظيما﴾، يعني النبوة والكتاب.
النساء 4:114
ثم قال سبحانه: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾، يعني قوم طعمة قيس بن زيد، وكنانة بن أبي الحقيق، وأبو رافع، وكلهم يهود، حين تناجوا في أمر طعمة، ثم استثنى، فقال: ﴿إلا من أمر بصدقة أو معروف﴾، يعني القرض، ﴿أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما﴾، يعني جزاء عظيما ،
النساء 4:115
فأنزل الله عز وجل في قولهم: ﴿ومن يشاقق﴾، يعني يخالف ﴿الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل﴾، يعني غير دين ﴿المؤمنين نوله ما تولى﴾ من الآلهة، ﴿ونصله جهنم وساءت مصيرا﴾، يعني وبئس المصير.
النساء 4:116
فلما قدم طعمة مكة، نزل على الحجاج بن علاط السلمى، فأحسن نزله، فبلغه أن في بيته ذهبا، فلما كان من الليل خرج فنقب حائط البيت، وأراد أن يأخذ الذهب وفي البيت مسوك يابسة مسوك الشاء قد أصابها حر الشمس ولم تدبغ، فلما دخل البيت من النقب وطئ المسوك، فسمعوا قعقعة المسوك في صدره عند النقب، وأحاطوا بالبيت، ونادوه: اخرج فإنا قد أحطنا بالبيت، فلما خرج إذا هم بضيفهم طعمة، فأراد أهل مكة أن يرجموه فاستحيا الحجاج لضيفه، وكانوا يكرمون الضيف فأهزوه وشتموه، فخرج من مكة، فلحق بحرة بني سليم يعبد صنمهم، ويصنع ما يصنعون حتى مات على الشرك، فأنزل الله عز وجل فيه: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به﴾، يعني يعدل به، فيموت عليه، ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾، يعني ما دون الشرك لمن يشاء، فمشيئته لأهل التوحيد، ﴿ومن يشرك بالله فقد ضل﴾ عن الهدى، ﴿ضلالا بعيدا﴾.
النساء 4:117
ثم إن أبا مليك عاش حتى استخلف عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فحلف بالله لعمر، رضي الله عنه، لا يولى راجعا، فلما كان يوم القادسية انهزم المشركون إلى الفرات وجاءت أساورة كسرى، فهزموا المسلمين إلى قريب من الجيش، فثبت أبو مليك حتى قتل، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فقال أبو مليك: صدق الله وعده: ﴿إن يدعون من دونه إلا إناثا﴾، يعني أوثانا، يعني أمواتا اللات والعزى، وهي الأوثان لا تحرك ولا تضر ولا تنفع، فهي ميتة، ﴿وإن يدعون﴾، يعني وما يعبدون من دونه، ﴿إلا شيطانا﴾، يعني إبليس، زين لهم إبليس طاعته في عبادة الأوثان ﴿مريدا﴾، يعني عاتيا تمرد على ربه عز وجل في المعصية.
النساء 4:118
﴿لعنه الله﴾ حين كره السجود لآدم صلى الله عليه وسلم، ﴿وقال﴾ إبليس لربه جل جلاله: ﴿لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا﴾، يعني حظا معلوما من كل ألف إنسان واحد في الجنة وسائرهم في النار، فهذا النصيب المفروض.
النساء 4:119
﴿و﴾ قال إبليس: ﴿ولأضلنهم﴾ عن الهدى، ﴿ولأمنينهم﴾ بالباطل، ولأخبرنهم ألا بعث ولا جنة ولا نار، ﴿ولأمرنهم فليبتكن﴾، يعني ليقطعن، ﴿آذان الأنعام﴾، وهي البحيرة للأوثان، ﴿ولأمرنهم فليغيرون خلق الله﴾، يعني ليبدلن دين الله، ﴿ومن يتخذ الشيطان﴾، يعني إبليس ﴿وليا﴾، يعني ربا ﴿من دون الله﴾ عز وجل، ﴿فقد خسر خسرانا مبينا﴾، يقول: فقد ضل ضلالا بينا.
النساء 4:120
﴿يعدهم﴾ إبليس الغرور إلا بعث، ﴿ويمنيهم﴾ إبليس الباطل، ﴿وما يعدهم الشيطان إلا غرورا﴾، يعني إلا باطلا، الذي ليس بشيء.
النساء 4:121
وقال: ﴿ومن يتخذ الشيطان وليا﴾ ﴿أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا﴾، يعني مقرا يلجئون إليه، يعني القرار.
النساء 4:122
ثم أخبر بمستقر من لا يتولى الشيطان، فقال: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا﴾، يعني صدقا أنه منجز لهم ما وعدهم، ﴿ومن أصدق من الله قيلا﴾، فليس أحد أصدق قولا منه عز وجل في أمر الجنة والنار والبعث وغيره.
النساء 4:123
﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾، نزلت في المؤمنين واليهود والنصارى، قالت اليهود: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا قبل نبيكم، فنحن أهدى وأولى بالله منكم، وقالت النصارى: نبينا كلمة الله وروح الله وكلمته، وكان يحيى الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، وفي كتابنا العفو، وليس فيه قصاص، فنحن أولى بالله منكم معشر اليهود ومعشر المسلمين.
فقال المسلمون: كذبتم، كتابنا نسخ كل كتاب، ونبينا صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، وآمنا بنبيكم وكتابكم، وكذبتم نبينا وكتابنا، وأمرتم وأمرنا أن نؤمن بكتابكم، ونعمل بكتابنا، فنحن أهدى منكم وأولى بالله منكم، فأنزل عز وجل: ﴿ليس بأمانيكم﴾ معشر المؤمنين ﴿ولا أماني أهل الكتاب﴾
﴿من يعمل سوءا يجز به﴾، نزلت في المؤمنين مجازات الدنيا تصيبهم في النكبة بحجر، والضربة واختلاج عرق أو خدش عود، أو عثره قدم فيدميه أو غيره، فبذنب قدم وما يعفو الله عنه أكبر، فذلك قوله سبحانه: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم﴾ (الشورى: 30).
ثم قال: ﴿ولا يجد له من دون الله وليا﴾، يعني قريبا ينفعه، ﴿ولا نصيرا﴾ يعني ولا مانعا يمنعه من الله عز وجل.
النساء 4:124
فلما افتخرت اليهود على المؤمنين بالمدينة بين الله عز وجل أمر المؤمنين فقال سبحانه: ﴿ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن﴾ بتوحيد الله عز وجل، ﴿فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا﴾، يعني ولا ينقصون من أعمالهم الحسنة نقيرا حتى يجازوا بها، يعني النقير الذي في ظهر النواة التي تنبت منه النخلة.
النساء 4:125
ثم اختار من الأديان دين الإسلام، فقال عز وجل: ﴿ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله﴾، يعني أخلص دينه لله، ﴿وهو محسن﴾ في عمله، ﴿واتبع ملة إبراهيم حنيفا﴾، يعني مخلصا، ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، يعني محبا، وأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿هذان خصمان﴾، يعني كفار أهل الكتاب، ﴿واختصموا﴾، يعني ثلاثتهم: المسلمين واليهود والنصارى، ﴿في ربهم﴾ أنهم أولياء الله، ثم أخبر بمستقر الكافر، فقال: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار﴾ (الحج: 19)، يعني جعلت لهم ثياب من نار، إلى آخر الآية، ثم أخبر سبحانه بمستقر المؤمنين، فقال: ﴿إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار...﴾ إلى آخر الآية.
قوله: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، والخليل الحبيب، لأن الله أحبه في كسره الأصنام، وجداله قومه، واتخذ الله إبراهيم خليلا قبل ذبح ابنه، فلما رأته الملائكة حين أمر بذبح ابنه، أراد المضي على ذلك، قالت الملائكة: لو أن الله عز وجل اتخذ عبدا حليلا لاتخذ هذا خليلا محبا، ولا يعلمون أن الله عز وجل اتخذه خليلا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه، رضي الله عنهم: "إن صاحبكم خليل الرحمن"، يعني نفسه، فقال المنافقون لليهود: ألا تنظرون إلى محمد يزعم أنه خليل الله، لقد اجترأ، فأنزل الله عز وجل: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾، وإنما إبراهيم عبد من عباده مثل محمد، واتخذ إبراهيم خليلا حين ألقى في النار، فذهب حر النيران يومئذ من الأرض كلها.
النساء 4:126
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ من الخلق عبيده، وفي ملكه، ﴿وكان الله بكل شيء محيطا﴾، يعني أحاط علمه.
النساء 4:127
﴿ويستفتونك في النساء﴾ نزلت في سويد وعرفطة ابنى الحارث، وعيينة بن حصن الفزاري، وذلك أنه لما فرض الله عز وجل لأم كحة وبناتها الميراث انطلق سويد وعرفطة وعيينة بن حصن الفزاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن المرأة لا تركب فرسا ولا تجاهد، وليس عند الولدان الصغار منفعة في شيء، فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿ويستفتونك﴾، يعني يسألونك عن النساء، يعني سويدا وصاحبيه، ﴿قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب﴾، يعني ما بين من القسمة في أول هذه السورة، قال: ويفتيكم ﴿في يتامى النساء﴾، يعني بنات أم كحة ﴿اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن﴾، يعني ما فرض لهن من أنصبائهن من الميراث في أول السورة.
ثم قال عز وجل: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾، يعني بنات أم كحة، وكان الرجل
يكون في حجره اليتيمة ولها مال، ويكون فيها موق، فيرغب عن تزويجها، ويمنعها من الأزواج من أجل ما لها رجاء أن تموت فيرثها، فذلك قوله عز وجل: ﴿وترغبون أن تنكحوهن﴾ لدمامتهن، ﴿و﴾ يفتيكم في ﴿والمستضعفين من الولدان﴾ أن تعطوهم حقوقهم، وكانوا لا يورثونهم ﴿و﴾ يفتيكم ﴿وأن تقوموا لليتامى﴾ في الميراث، ﴿بالقسط﴾، يعني بالعدل، ﴿وما تفعلوا من خير﴾ مما أمرتم به من قسمة المواريث، ﴿فإن الله كان به عليما﴾ فيجزيكم به.
النساء 4:128
﴿وإن امرأة﴾، واسمها خويلة بنت محمد بن مسلمة ﴿خافت﴾، يعني علمت ﴿من بعلها نشوزا﴾، يعني زوجها، ﴿أو إعراضا﴾ عنها لما بها من العلة إلى الأخرى، نزلت في رافع بن خديج الأنصاري وفي امرأته خويلة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، وذلك أن رافعا طلقها ثم راجعها وتزوج عليها أشب منها، وكان يأتي الشابة ما لا يأتي الكبيرة، يقول: ﴿فلا جناح عليهما﴾ الزوج والمرأة الكبيرة ﴿أن يصلحا بينهما صلحا﴾ أن ترضى المرأة الكبيرة بما له، على أن يأتي الشابه ما لا يأتي الكبيرة، يقول: فلا بأس بذلك في القسمة، فذلك قوله عز وجل: ﴿والصلح خير﴾ من المفارقة، ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾، يعني الحرص على المال، يعني الكبيرة يرضيها الزوج من بعض ماله، فتحرص على المال وتدع نصيبها من زوجها، ﴿وإن تحسنوا﴾ الفعل فلا تفارقها، ﴿وتتقوا﴾ الميل والجور، ﴿فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾ في أمرهن من الإحسان والجور.
النساء 4:129
ثم قال عز وجل: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء﴾ في الحب أن يستوي حبهن في قلوبكم، ﴿ولو حرصتم﴾، فلا تقدرون على ذلك، ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ إلى التي تحب، وهي الشابة، ﴿فتذروها كالمعلقة﴾، أي فتأتيها وتذر الأخرى، يعني الكبيرة كالمعلقة، لا أيم ولا ذات بعل، ولكن اعدلوا في القسمة، ﴿وإن تصلحوا﴾ أمرهن ﴿وتتقوا﴾ الميل والجور، ﴿فإن الله كان غفورا﴾ حين ملت إلى الشابة برضى الكبيرة، ﴿رحيما﴾ بك حين رخص لك في الصلح، فإن أبت الكبيرة الصلح إلا أن تسوى بينها وبين الشابة أو تطلقها كان ذلك لها.
النساء 4:130
ثم إنه طلقها، فنزلت: ﴿وإن يتفرقا﴾، يعني رافع وخويلة المرأة الكبيرة، ﴿يغن الله كلا﴾، يعني الزوج والكبيرة، ﴿من سعته﴾، يعني من فضله الواسع، ﴿وكان الله واسعا﴾ لهما في الرزق جميعا، ﴿حكيما﴾ حين حكم فرقتهما.
النساء 4:131
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض﴾ من الخلق عبيده وفي ملكه، ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا﴾ عن عباده وخلقه ﴿حميدا﴾ عند خلقه في سلطانه.
النساء 4:132
﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا﴾، يعني شهيدا، فلا شاهد أفضل من الله عز وجل أن من فيهما عباده وفي ملكه.
النساء 4:133
ثم قال عز وجل: ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ بالموت ﴿أيها الناس ويأت بآخرين﴾، يعني بخلق غيركم أطوع منكم، ﴿وكان الله على ذلك قديرا﴾ أن يذهبكم ويأت بغيركم إذا عصيتموه.
النساء 4:134
﴿من كان يريد ثواب الدنيا﴾ بعمله فليعمل لآخرته، ﴿فعند الله ثواب الدنيا﴾، يعني الرزق في الدنيا وثواب ﴿والآخرة﴾، يعني الجنة، ﴿وكان الله سميعا بصيرا﴾ بأعمالكم.
النساء 4:135
﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين﴾، يعني قوالين ﴿بالقسط شهداء لله﴾، يقول سبحانه: أقيموا الشهادة لله بالعدل، ﴿ولو﴾ كانت الشهادة ﴿على أنفسكم أو﴾ على
﴿الوالدين والأقربين إن يكن﴾ أحدهما ﴿غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما﴾ بالغنى والفقير من غيره، ﴿فلا تتبعوا الهوى﴾ في الشهادة والقرابة، واتقوا ﴿أن تعدلوا﴾ عن الحق إلى الهوى، ثم قال: ﴿وإن تلوا﴾، يعني التحريف بالشهادة، يلجلج بها لسانه فلا يقيمها ليبطل بها شهادته، ﴿أو تعرضوا﴾ عنها فلا تشهدوا بها، ﴿فإن الله كان بما تعملون﴾ من كتمان الشهادة وإقامتها ﴿خبيرا﴾ نزلت في رجل كانت عنده شهادة على أبيه، فأمره الله عز وجل أن يقيمها لله عز وجل، ولا يقول: إني إن شهدت عليه أجحفت بماله، وإن كان فقيرا هلك وازداد فقره، ويقال: إنه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، الشاهد على أبيه أبي قحافة.
النساء 4:136
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، نزلت في مؤمني أهل الكتاب، كان بينهم وبين اليهود كلام لما أسلموا، قالوا: نؤمن بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم ونكفر بما سواه، فقال تعالى: ﴿آمنوا بالله﴾ وصدقوا بتوحيد الله عز وجل، ﴿ورسوله﴾، أي وصدقوا برسوله محمدا صلى الله عليه وسلم، ﴿والكتاب الذي نزل على رسوله﴾، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ﴿والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ نزول كتاب محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر كفار أهل الكتاب، فحذرهم الآخرة، يعني البعث، فقال الله تعالى ذكره: ﴿ومن يكفر بالله﴾، يعني بتوحيد الله، ﴿وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر﴾، يعني البعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿فقد ضل﴾ عن الهدى، ﴿ضلالا بعيدا﴾، وبما أعد الله عز وجل من الثواب والعقاب.
النساء 4:137
ثم ذكر أهل الكتاب، فقال: ﴿إن الذين آمنوا﴾ بالتوراة وبموسى، ﴿ثم كفروا﴾ من بعد موسى، ﴿ثم آمنوا﴾ بعيسى صلى الله عليه وسلم وبالإنجيل، ﴿ثم كفروا﴾ من بعده، ﴿ثم ازدادوا كفرا﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن، ﴿لم يكن الله ليغفر لهم﴾ على ذلك، ﴿ولا ليهديهم سبيلا﴾ إلى الهدى، منهم: عمرو بن زيد، وأوس بن قيس، وقيس ابن زيد.
النساء 4:138
ولما نزلت المغفرة للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين في سورة الفتح، قال عبد الله بن أبي ونفر معه: فما لنا؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿بشر المنافقين﴾، يعني عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وجد بن قيس، ﴿بأن لهم﴾ في الآخرة ﴿عذابا أليما﴾ يعني وجيعا.
النساء 4:139
ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين يتخذون الكافرين﴾ من اليهود ﴿أولياء من دون المؤمنين﴾، وذلك أن المنافقين قالوا: لا يتم أمر محمد، فتابعوا اليهود وتولوهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾، يعني المنعة، وذلك أن اليهود أعانوا مشركي العرب على قتال النبي صلى الله عليه وسلم ليتعززوا بذلك، فقال سبحانه: ﴿أيبتغون عندهم العزة﴾، يقول: أيبتغي المنافقون عند اليهود المنعة، ﴿فإن العزة لله جميعا﴾، يقول: جميع من يتعزز، فإنما هو بإذن الله.
النساء 4:140
وكان المنافقون يستهزءون بالقرآن، فأنزل الله عز وجل بالمدينة: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب﴾، يعني في سورة الأنعام بمكة، ﴿أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾، يقول: حتى يكون حديثهم، يعني المنافقين في غير ذكر الله عز وجل، فنهى الله عز وجل عن مجالسة كفار مكة ومنافقي المدينة عند الاستهزاء بالقرآن، ثم خوفهم: إن جالستموهم ورضيتم باستهزائهم، ﴿إنكم إذا مثلهم﴾ في الكفر ﴿إن الله جامع المنافقين﴾، يعني عبد الله بن أبي، ومالك بن دخشم، وجد بن قيس من أهل المدينة، ﴿والكافرين﴾ من أهل مكة ﴿في جهنم جميعا﴾.
النساء 4:141
ثم أخبر سبحانه عن المنافقين، فقال عز وجل: ﴿الذين يتربصون بكم﴾ الدوائر ،
﴿فإن كان لكم﴾ معشر المؤمنين ﴿فتح من الله﴾، يعني النصر على العدو يوم بدر، ﴿قالوا ألم نكن معكم﴾ على عدوكم، فأعطونا من الغنيمة، فلستم أحق بها، فذلك قوله سبحانه في العنكبوت: ﴿ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم﴾ (العنكبوت: 10) على عدوكم.
﴿وإن كان للكافرين نصيب﴾، يعني دولة على المؤمنين يوم أحد، ﴿قالوا﴾ أي المنافقون للكفار: ﴿ألم نستحوذ عليكم﴾، يعني ألم نحظ بكم من ورائكم، ﴿ونمنعكم من المؤمنين﴾، وتجادل المؤمنين عنكم فنحبسهم عنكم ونخبرهم أنا معكم، قالوا ذلك جبنا وفرقا منهم، قال الله تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا﴾، يعني حجة أبدا، نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه.
النساء 4:142
﴿إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم﴾ حين أظهروا الإيمان وأسروا التكذيب، ﴿وهو خادعهم﴾ على الصراط في الآخرة حين يقال لهم: ﴿ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا﴾ (الحديد: 113)، فبقوا في الظلمة، فهذه خدعة الله عز وجل لهم في الآخرة، ثم أخبر عن المنافقين، فقال سبحانه: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى﴾، يعني المنافقين متثاقلين لا يروا أنها حق عليهم، نظيرها في براءة.
النساء 4:143
﴿يراءون الناس﴾ بالقيام بالنهار، ﴿ولا يذكرون الله﴾، يعني في الصلاة، ﴿إلا قليلا﴾، يعني بالقليل، الرياء ولا يصلون في السر، ﴿مذبذبين بين ذلك﴾، يقول: إن المنافقين ليسوا مع اليهود فيظهرون ولايتهم، ولا مع المؤمنين في الولاية، ﴿لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله﴾ عن الهدى، ﴿فلن تجد له سبيلا﴾ إليه.
النساء 4:144
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾ يرغبهم، نزلت في المنافقين، منهم: عبد الله بن أبي، ومالك
بن دخشم، وذلك أن مواليهما من اليهود أصبغ ورافع عيروهما بالإسلام، وزينوا لهما ترك دينهما وتوليهما اليهود فصانعا اليهود، فقال الله: ﴿لا تتخذوا الكافرين﴾ من اليهود ﴿أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا﴾، يعني حجة بينة يحتج بها عليكم حين توليتم اليهود ونصحتموهم.
النساء 4:145
﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾، يعني الهاوية، ﴿ولن تجد لهم نصيرا﴾ يعني مانعا من العذاب، ولما أخبر بمستقر المنافقين، قال ناس للنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان فلان وفلان منافقين فتابوا منه، فكيف يفعل الله بهم؟ فأنزل الله جل ذكره.
النساء 4:146
﴿إلا الذين تابوا﴾ من المنافقين، ﴿وأصلحوا﴾ العمل ﴿واعتصموا﴾، يعني احترزوا ﴿بالله وأخلصوا دينهم﴾ الإسلام ﴿لله﴾ عز وجل ولم يخلطوا بشرك، ﴿فأولئك مع المؤمنين﴾ في الولاية، ﴿وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما﴾، يعني جزاء وافرا.
النساء 4:147
﴿ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم﴾ نعمته، ﴿وآمنتم﴾، يعني صدقتم، فإنه لا يعذب شاكرا ولا مؤمنا، ﴿وكان الله شاكرا عليما﴾، بهم.
النساء 4:148
﴿لا يحب الله الجهر بالسوء من القول﴾ لأحد من الناس، ﴿إلا من ظلم﴾ ،
يعني اعتدى عليه، فينتصر من القول مثل ما ظلم، ولا حرج عليه أن ينتصر بمثل مقالته، نزلت في أبي بكر، رضي الله عنه، شتمه رجل والنبي صلى الله عليه وسلم جالس، فسكت عنه مرارا، ثم رد عليه أبو بكر، رضي الله عنه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك، فقال أبو بكر، رضي الله عنه: يا رسول الله، شتمني وأنا ساكت، فلم تقل له شيئا، حتى إذا رددت عليه قمت، قال: "إن ملكا كان يجيب عنك، فلما أن رددت عليه، ذهب الملك وجاء الشيطان، فلم أكن لأجلس عند مجيء الشيطان"، ﴿وكان الله سميعا﴾ بجهر السوء. ﴿عليما﴾ به.
النساء 4:149
ثم أخبر أن العفو والتجاوز خير عند الله من الانتصار، فقال سبحانه: ﴿إن تبدوا خيرا﴾، يعني تعلنوه، ﴿أو تخفوه﴾، يعني تسروه، ﴿أو تعفوا عن سوء﴾ فعل بك، ﴿فإن الله كان عفوا قديرا﴾، يقول: فإن الله أقدر على عفو ذنوبك منك على العفو عن صاحبك.
النساء 4:150
﴿إن الذين يكفرون بالله ورسله﴾، يعني اليهود، منهم: عامر بن مخلد، ويزيد بن زيد، كفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض﴾ الرسل، يعني موسى، ﴿ونكفر ببعض﴾ الرسل، يعني عيسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم، ﴿ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا﴾، يعني دينا، يعني إيمانا ببعض الرسل، وكفرا ببعض الرسل.
النساء 4:151
﴿أولئك هم الكافرون حقا﴾ حين كفروا ببعض الرسل، لا ينفعهم إيمان ببعض، ﴿وأعتدنا للكافرين﴾ في الآخرة، ﴿عذابا مهينا﴾، يعني الهوان.
النساء 4:152
ثم ذكر المؤمنين، فقال سبحانه: ﴿والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم﴾، يعني بين الرسل، وصدقوا بالرسل جميعا، ﴿أولئك سوف يؤتيهم أجورهم﴾، يعني جزاء أعمالهم، ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾.
النساء 4:153
﴿يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء﴾، نزلت في اليهود، وذلك أن كعب بن الأشرف، وفنحاص اليهودي، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت صادقا بأنك رسول، فائتنا بكتاب غير هذا، مكتوب في السماء جملة واحدة كما جاء به موسى، فذلك قوله: ﴿يسألك أهل الكتاب...﴾ إلى قوله سبحانه: ﴿فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة﴾، يعني معاينة، ﴿فأخذتهم الصاعقة﴾، يعني الموت، ﴿بظلمهم﴾ لقولهم: أرنا الله جهرة معاينة، ﴿ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات﴾، يعني الآيات التسع، ﴿فعفونا عن ذلك﴾، فلم نستأصلهم جميعا عقوبة باتخاذهم العجل، ﴿وآتينا موسى سلطانا مبينا﴾، يعني حجة بينة، يعني اليد والعصى.
النساء 4:154
﴿ورفعنا فوقهم الطور﴾، يعني الجبل فوق رءوسهم، رفعه جبريل، عليه السلام، وكانوا في أصل الجبل، فرفع الطور فوق رءوسهم، ﴿بميثاقهم﴾، لأن يقروا بما في التوراة، ﴿وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا﴾، يعني باب حطة، ﴿وقلنا لهم لا تعدوا في السبت﴾، أي لا تعدوا في أخذ الحيتان يوم السبت، ﴿وأخذنا منهم ميثاقا غليظا﴾، يعني شديدا، والميثاق إقرارهم بما عهد الله عز وجل في التوراة.
النساء 4:155
﴿فبما نقضهم ميثاقهم﴾، يعني فبنقضهم إقرارهم بما في التوراة، ﴿وكفرهم بآيات الله﴾، يعني الإنجيل والقرآن، وهم اليهود، ﴿وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا
غلف﴾، وذلك حين سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وقتلهم الأنبياء﴾ عرفوا أن الذي قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم حق، وقالوا: ﴿قلوبنا غلف﴾، يعني في أكنة عليها الغطاء، فلا تفقه ولا تفهم ما تقول يا محمد، كراهية ما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم من كفرهم بالإنجيل والفرقان، يقول الله تعالى: ﴿بل طبع الله عليها بكفرهم﴾، يعني ختم على قلوبهم، ﴿فلا يؤمنون إلا قليلا﴾، يقول: ما أقل ما يؤمنون، فإنهم لا يؤمنون البتة.
النساء 4:156
﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما﴾، وذلك أن اليهود قذفوا مريم، عليها السلام، بيوسف بن ماثان بالزنا، وكان ابن عمها، وكان قد خطبها، ومريم ابنة عمران بن ماثان.
النساء 4:157
﴿وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم﴾، ولم يقولوا: رسول الله، ولكن الله عز وجل قال: ﴿رسول الله﴾، ثم قال تعالى: ﴿وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم﴾ بصاحبهم الذي قتلوه، وكان الله عز وجل قد جعله على صورة عيسى فقتلوه، وكان المقتول لطم عيسى، وقال لعيسى حين لطمه: أتكذب على الله حين تزعم أنك رسوله، فلما أخذه اليهود ليقتلوه، قال لليهود: لست بعيسى، أنا فلان، واسمه يهوذا، فكذبوه وقالوا له: أنت عيسى، وكانت اليهود جعلت المقتول رقيبا على عيسى صلى الله عليه وسلم، فألقى الله تعالى ذكره شبهه على الرقيب فقتلوه.
ثم قال سبحانه: ﴿وإن الذين اختلفوا فيه﴾، يعني في عيسى، وهم النصارى، فقال بعضهم: قتله اليهود، وقال بعضهم: لم يقتل، ﴿لفي شك منه﴾ في شك من قتله، ﴿ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا﴾، يقول: وما قتلوا ظنهم يقينا، يقول: لم يستيقنوا قتله، كقول الرجل: قتلته علما.
النساء 4:158
فأكذب الله عز وجل اليهود في قتل عيسى صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: ﴿بل رفعه الله إليه﴾ إلى السماء حيا في شهر رمضان في ليلة القدر، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، رفع إلى السماء من جبل بيت المقدس، فذلك قوله سبحانه: ﴿بل رفعه الله إليه﴾، ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾، يعني عزيزا منيعا حين منع عيسى من القتل، حكيما حين حكم رفعه، قال: وترك عيسى صلى الله عليه وسلم بعد رفعه خفين، ومدرعة، وحذافة يحذف بها الطير، وقالت عائشة، رضي الله عنها: وترك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته إزارا غليظا، وكساء، ووسادة أدم حشوها ليف.
النساء 4:159
﴿وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن﴾، يعني وما من أهل الكتاب، يعني اليهود، إلا
ليؤمنن ﴿به﴾، يعني بعيسى صلى الله عليه وسلم، ﴿قبل موته﴾ أنه نبي رسول قبل موت اليهودي، يعني عند موته، لأن الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، وتقول: يا عدو الله، إن المسيح الذي كذبتم به، هو عبد الله ورسوله حقا، فيؤمن به ولا ينفعه، ويؤمن به من كان منهم حيا إذا نزل عيسى صلى الله عليه وسلم، فينزل عيسى صلى الله عليه وسلم على ثنية يقال لها: أفيق، دهين الرأس، عليه ممصرتان، ومعه حربة يقتل بها الدجال، فقيل لابن عباس، رحمه الله: فمن غرق من اليهود، أو أحرق بالنار، أو أكله السبع، قال: لا تخرج روحه حتى يؤمن بعيسى صلى الله عليه وسلم، ثم قال تعالى: ﴿ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا﴾، أنه قد بلغهم الرسالة.
النساء 4:160
قوله سبحانه: ﴿فبظلم من الذين هادوا﴾، يعني اليهود، ﴿حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾، يعني في الأنعام، يعني اللحوم والشحوم وكل ذي ظفر لهم حلال، فحرمها الله عز وجل عليهم بعد موسى، ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيرا﴾، فيها إضمار، يقول: ﴿وبصدهم عن سبيل الله كثيرا﴾، يعني دين الإسلام، وعن محمد صلى الله عليه وسلم.
النساء 4:161
﴿وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل﴾، وهو محرم بغير حق، ﴿وأعتدنا للكافرين منهم﴾، يعني اليهود ﴿عذابا أليما﴾، يعني وجيعا، فهذا الظلم الذي ذكره في هذه الآية.
النساء 4:162
ثم ذكر مؤمني أهل التوراة، فقال سبحانه: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم﴾، وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن اليهود لتعلم أن الذي جئت به حق، وأنك لمكتوب عندهم في التوراة، فقالت اليهود: ليس كما تقولون، وإنهم لا يعلمون شيئا، وإنهم ليغرونك ويحدثونك بالباطل، فقال الله عز وجل: ﴿لكن الراسخون في العلم﴾، منهم يعني المتدارسين علم التوراة، يعني ابن سلام وأصحابه، ﴿منهم﴾، يعني من اليهود، ﴿والمؤمنون﴾، يعني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من غير أهل الكتاب، ﴿يؤمنون بما أنزل إليك﴾ من القرآن، ﴿وما أنزل من قبلك﴾ من الكتب على الأنبياء: التوراة والإنجيل.
ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة﴾، يعني المعطون الزكاة، ﴿والمؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ أنه واحد لا شريك له، والبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿أولئك سنؤتيهم أجرا﴾، يعني جزاء ﴿عظيما﴾.
النساء 4:163
﴿إنا أوحينا إليك﴾، وذلك أن عدى بن زيد وصاحبيه اليهود، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: والله ما أوحى الله إليك ولا إلى أحد من بعد موسى، فكذبهم الله عز وجل، فقال: ﴿إنا أوحينا إليك﴾ ﴿كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده﴾، يعني من بعد نوح: هود وصالح، ﴿وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط﴾، يعني بني يعقوب: يوسف وإخواته، وأوحينا إليهم في صحف إبراهيم، ثم قال: ﴿و﴾ أوحينا إلي ﴿وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا﴾، ليس فيه حد، ولا حكم، ولا فريضة، ولا حلال، ولا حرام، خمسين ومائة سورة، فأخبره الله بهن ليعلموا أنه نبي.
النساء 4:164
فقالت اليهود: ذكر محمد النبيين ولم يبين لنا أمر موسى أكلمه الله أم لم يكلمه؟ فأنزل الله عز وجل في قول اليهود: ﴿ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل﴾، هؤلاء بمكة في الأنعام وفي غيرها، لأن هذه مدنية، ﴿ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما﴾، يعني مشافهة، وهو ابن أربعين سنة ليلة النار، ومرة أخرى حين أعطى التوراة.
النساء 4:165
﴿رسلا مبشرين﴾ بالجنة، ﴿ومنذرين﴾ من النار ﴿لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾، فيقولوا يوم القيامة: لم يأتنا لك رسول، ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾، حكم إرسال الأنبياء إلى الناس.
النساء 4:166
فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "إنكم لتعلمون حق ما أقول، وإنه لفي التوراة، فإن تتوبوا وترجعوا يغفر لكم ذنوبكم"، قالوا: لو كان ما تقول في التوراة لاتبعناك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "والله إنكم لتشهدون بما أقول"، قالوا: ما عندنا بذلك شهادة، قال الله عز وجل: فإن لم يشهد لك أحد منهم، فإن الله وملائكته يشهدون بذلك، فذلك قوله عز وجل: ﴿لكن الله يشهد بما أنزل إليك﴾ من القرآن، ﴿أنزله بعلمه والملائكة يشهدون﴾ بذلك، ﴿وكفى بالله شهيدا﴾، يقول: فلا شاهد أفضل من الله بأنه أنزل عليك القرآن.
النساء 4:167
ثم قال يعنيهم: ﴿إن الذين كفروا﴾، يعني اليهود كفروا بمحمد والقرآن، ﴿وصدوا عن سبيل الله﴾، يعني عن دين الإسلام، ﴿قد ضلوا﴾ عن الهدى، ﴿ضلالا بعيدا﴾، يعني طويلا.
النساء 4:168
ثم قال: ﴿إن الذين كفروا﴾، يعني اليهود كفروا بمحمد والقرآن، ﴿وظلموا﴾، يعني وأشركوا بالله، ﴿لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا﴾ إلى الهدى.
النساء 4:169
ثم استثنى: ﴿إلا طريق جهنم خالدين فيها﴾، يعني طريق الكفر، فهو يقود إلى جهنم خالدين فيها ﴿أبدا وكان ذلك على الله يسيرا﴾، يعني عذابهم على الله هينا.
النساء 4:170
﴿يا أيها الناس قد جاءكم الرسول﴾، يعني محمدا ﴿بالحق﴾، يعني بالقرآن، ﴿من ربكم فآمنوا خيرا لكم﴾، يعني صدقوا بالقرآن، فهو خير لكم من الكفر، ﴿وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات والأرض﴾ من الخلق، ﴿وكان الله عليما حكيما﴾.
النساء 4:171
﴿يا أهل الكتاب﴾، يعني النصارى، ﴿لا تغلوا في دينكم﴾، يعني الإسلام، فالغلو في الدين أن تقولوا على الله غير الحق في أمر عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله﴾، وليس لله تبارك وتعالى ولدا، ﴿وكلمته﴾، يعني بالكلمة، قال: كن فكان، ﴿ألقاها إلى مريم وروح منه﴾، يعني بالروح أنه كان من غير بشر، نزلت في نصارى نجران في السيد والعاقب ومن معهما.
ثم قال سبحانه: ﴿فآمنوا﴾، يعني صدقوا ﴿بالله﴾ عز وجل بأنه واحد لا شريك له، ﴿ورسله﴾، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه نبي ورسول، ﴿ولا تقولوا ثلاثة﴾، يعني لا تقولوا: إن الله عز وجل ثالث ثلاثة، ﴿انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد﴾، يعني عيسى صلى الله عليه وسلم، ﴿له ما في السماوات وما في الأرض﴾ من الخلق عبيده، وفي ملكه عيسى وغيره، ﴿وكفى بالله وكيلا﴾، يعني شهيدا بذلك.
النساء 4:172
ثم قال عز وجل: ﴿لن يستنكف المسيح﴾، يعني لن يأنف، ﴿أن يكون عبدا لله ولا﴾ يستنكف ﴿الملائكة المقربون﴾ أن يكونوا عبيدا لله ؛ ليعتبروا بكون الملائكة أقرب إلى الله عز وجل منزلة من عيسى ابن مريم وغيره، فإن عيسى عبد من عباده، ثم أوعد النصارى، فقال: ﴿ومن يستنكف﴾، يعني ومن يأنف، ﴿عن عبادته ويستكبر﴾، يعني ومن يأنف عن عبادة الله، يعني التوحيد ويستكبر، يعني ويتكبر عن العبادة، ﴿فسيحشرهم إليه جميعا﴾، فلم يستنكف ويستكبر غير إبليس.
النساء 4:173
وأخبر المؤمنين بمنزلتهم في الآخرة ومنزلة المستنكفين، فقال: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم﴾، يعني فيوفى لهم جزاءهم، ﴿ويزيدهم﴾ على أعمالهم ﴿من فضله﴾ الجنة، ﴿وأما الذين استنكفوا﴾، يعني أنفوا ﴿واستكبروا﴾ عن عبادة الله بالتوحيد، ﴿فيعذبهم عذابا أليما﴾، يعني وجيعا، ﴿ولا يجدون لهم من دون الله وليا﴾، يعني قريبا ينفعهم، ﴿ولا نصيرا﴾ يعني مانعا يمنعهم من الله عز وجل.
النساء 4:174
﴿يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم﴾، يعني بيان، وهو القرآن، ﴿وأنزلنا إليكم نورا مبينا﴾، يعني ضياء بينا من العمى، وهو القرآن.
النساء 4:175
﴿فأما الذين آمنوا بالله﴾، يعني صدقوا بالله عز وجل بأنه واحد لا شريك له، ﴿واعتصموا به﴾، يعني احترزوا به، يعني بالله عز وجل، ﴿فسيدخلهم في رحمة منه﴾، يعني الجنة، ﴿وفضل﴾، يعني الرزق في الجنة، ﴿ويهديهم إليه صراطا مستقيما﴾.
النساء 4:176
﴿يستفتونك﴾، نزلت في جابر بن عبد الله الأنصاري من بني سلمة بن جشم بن سعد بن علي بن شاردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج وفي أخواته، ﴿قل الله يفتيكم في الكلالة﴾، يعني به الميت الذي يموت وليس له ولد ولا والد، فهو الكلالة، وذلك أن جابر بن عبد الله الأنصاري، رحمه الله، مرض بالمدينة، فعاده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إني كلالة لا أب لي ولا ولد، فكيف أصنع في مالي، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن امرؤا هلك﴾، يعني مات، ﴿ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك﴾ الميت من الميراث، ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ إذا ماتت قبله، ﴿فإن كانتا اثنتين﴾، يعني أختين ﴿فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء
فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا﴾، يقول: لئلا تخطئوا قسمة المواريث، ﴿والله بكل شيء﴾ من قسمة المواريث، ﴿عليم﴾، نظيرها في الأنفال.
المائدة 5:1
سورة المائدة مدنية، نهارية كلها، عشرون ومائة آية كوفية
إلا قوله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ الآية، فإنها نزلت بعرفة
بسم الله الرحمن الرحيم
قال مقاتل: قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾، يعني بالعهود التي بينكم وبين المشركين، ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام﴾، يعني أحل لكم أكل لحوم الأنعام، الإبل، والبقر، والغنم، والصيد كله، ﴿إلا ما يتلى عليكم﴾، يعني غير ما نهى الله عز وجل عن أكله مما حرم الله عز وجل، من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، ثم قال: ﴿غير محلي الصيد﴾، يقول: من غير أن تستحلوا الصيد، ﴿وأنتم حرم﴾، يقول: إذا كنت محرما بحج أو عمرة، فالصيد عليك حرام كله، غير صيد البحر، فإنه حلال لك، ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾، فحكم أن يجعل ما شاء من الحلال حرما، وجعل ما شاء مما حرم في الإحرام من الصيد حلالا.
المائدة 5:2
قال تعالى ذكره: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾، يعني مناسك الحج والعمرة، وذلك أن الحمس، قريشا، وخزاعة، وكنانة، وعامر بن صعصعة، كانوا يستحلون أن يغير بعضهم على بعض في الأشهر الحرم وغيرها، وكانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكانوا لا يرون الوقوف بعرفات من شعائر الله، فلما أسلموا أخبرهم الله عز وجل بأنها من شعائر الله، فقال عز وجل: ﴿الصفا والمروة من شعائر الله﴾ (البقرة: 158).
وأمر سبحانه أن يسعى بينهما، فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾ ﴿ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد﴾، يقول: لا تستحلوا القتل في الشهر الحرام، وذلك أن أبا ثمامة جنادة بن عوف بن أمية من بني كنانة كان يقوم كل سنة في سوق عكاظ، فيقول: ألا إني قد أحللت المحرم، وحرمت صفرا، وأحللت كذا، وحرمت كذا، ما شاء، وكانت العرب تأخذ به، فأنزل الله تعالى: ﴿إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا﴾، يعني جنادة بن عوف، ﴿يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطؤوا عدة ما حرم الله﴾، يعني خلافا على الله جل اسمه وعلى ما حرم، ﴿فيحلوا ما حرم الله﴾ (التوبة: 37) من الأشهر الحرم.
ثم رجع إلى الآية الأولى في التقديم، فقال تعالى: ﴿ولا القلائد﴾، كفعل أهل الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يصيبون من الطريق، قال: وكان في الجاهلية من أراد الحج من غير أهل الحرم، يقلد نفسه من الشعر والوبر، فيأمن به إلى مكة، وإن كان من أهل الحرم، قلد نفسه وبعيره من لحيا شجر الحرم، فيأمن به حيث يذهب، فهذا في غير أشهر الحرم، فإذا كان أشهر الحرم، لم يقلدوا أنفسهم ولا أباعرهم وهم يأمنون حيث ما ذهبوا.
قال عز وجل: ﴿ولا آمين البيت الحرام﴾، يعني متوجهين نحو البيت، نزلت في الخطيم، يقول: لا تتعرضوا الحجاج بيت الله، ﴿يبتغون فضلا من ربهم﴾، يعني الرزق في التجارة في مواسم الحج، ﴿ورضوانا﴾، يعني رضوان الله بحجهم، فلا يرضى الله عنهم حتى يسلموا، فنسخت آية السيف هذه الآية كلها.
قوله سبحانه: ﴿وإذا حللتم﴾ من الإحرام، ﴿فاصطادوا﴾، يقول: إذا حللتم من إحرامكم فاصطادوا، ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾، يقول: ولا يحملنكم عداوة المشركين من أهل مكة، ﴿أن صدوكم عن المسجد الحرام﴾، يعني منعوكم من دخول البيت الحرام أن تطوفوا به عام الحديبية، ﴿أن تعتدوا﴾، يعني أن ترتكبوا معاصيه، فتستحلوا أخذ الهدى والقلائد والقتل في الشهر الحرام من حجاج بكر بن وائل من أهل اليمامة، نزلت في الخطيم، واسمه شريح بن ضبيعة بن شرحبيل بن عمر بن جرثوم البكري، ومن بني قيس بن ثعلبة، وفي حجاج المشركين، وذلك أن شريح بن ضبيعة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا محمد، اعرض علي دينك، فعرض عليه وأخبره بما له وبما عليه، فقال له شريح: إن في دينك هذا غلظا، فأرجع إلى قومي فأعرض عليهم ما قلت، فإن قبلوه كنت معهم، وإن لم يقبلوه كنت معهم.
فخرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد دخل بقلب كافر، وخرج بوجه غادر، وما أرى الرجل بمسلم"، ثم مر على مسرح المدينة فاستاقها، فطلبوه فسبقهم إلى المدينة، وأنشأ يقول :
قد لفها الليل بسواق حطم *** ليس براعي إبل ولا غنم
ولا بجزار على ظهر وضم *** خدلج الساق ولا رعش القدم
قال أبو محمد عبد الله بن ثابت: سمعت أبي يقول: قال أبو صالح: قتله رجل من قومه على الكفر، وقدم الرجل الذي قتله مسلما، فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم معتمرا عام الحديبية في العام الذي صده المشركون، جاء شريح إلى مكة معتمرا، معه تجارة عظيمة في حجاج بكر بن وائل، فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بقدوم شريح وأصحابه، وعرفوا بنبئهم، فأراد أهل السرح أن يغيروا عليه كما أغار عليهم من قبل شريح وأصحابه، فقالوا: نستأمر النبي صلى الله عليه وسلم، فاستأمروه، فنزلت الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله﴾، يعني أمر المناسك.
ولا تستحلوا في الشهر الحرام أخذ الهدى ولا القلائد، يقول ولا تخيفوا من قلد بعيره، ولا تستحلوا القتل آمين البيت الحرام، يعني متوجهين قبل البيت الحرام من حجاج المشركين، يعني شريح بن ضبيعة وأصحابه يبتغون بتجاراتهم فضلا من الله، يعني الرزق والتجارة ورضوانه بحجهم، فنهى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن قتالهم، ثم لم يرض منهم حتى يسلموا، فنسخت هذه الآية آية السيف، فقال عز وجل: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (التوبة: 5)، ثم قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾.
المائدة 5:3
قوله سبحانه: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، يعني أكل الميتة، ﴿والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به﴾، يعني الذي ذبح لأصنام المشركين ولغيرهم، هذا حرام البتة إن أدركت ذكاته أو لم تدرك ذكاته، فإنه حرام البتة، لأنهم جعلوه لغير الله عز وجل، ثم قال عز وجل: ﴿والمنخنقة﴾، يعني وحرم المنخنقة، الشاة، والإبل، والبقر التي تنخنق أو غيره حتى تموت، ﴿والموقوذة﴾، يعني التي تضرب بالخشب حتى تموت، ﴿والمتردية﴾، يعني التي تردى من الجبل، فتقع منه أو تقع في بئر فتموت، ﴿والنطيحة﴾، يعني الشاة تنطح صاحبتها فتموت، ﴿وما أكل السبع﴾ من الأنعام والصيد، يعني فريسة السبع.
ثم استثنى، فقال سبحانه: ﴿إلا ما ذكيتم﴾، يعني إلا ما أدركتم ذكاته من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، فما أدركتم ذكاته من المنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع مما أدركتم ذكاته، يعني بطرف، أو بعرق يضرب، أو بذنب بتحرك، ويذكي فهو حلال، ﴿وما ذبح على النصب﴾، يعني وحرم ما ذبح على النصب، وهي الحجارة التي كانوا ينصبونها في الجاهلية فيعبدونها، فهو حرام البتة، وكان خزان الكعبة يذبحون لها، وإن شاءوا بدلوا تلك الحجارة بحجارة أخرى، وألقوا الأولى.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وأن تستقسموا بالأزلام﴾، يعني وأن تستقسموا الأمور بالأزلام، والأزلام قدحان في بيت أصنامهم، فإذا أرادوا أن يركبوا أمرا أتوا بيت أصنامهم، فضربوا بالقدحين، فما خرج من شيء عملوا به، وكان كتب على أحدهما: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، فإذا أرادوا سفرا أتوا ذلك البيت، فغطوا عليه ثوبا، ثم يضربون بالقدحين، فإن خرج السهم الذي فيه: أمرني ربي، خرج في سفره، وإن خرج السهم الذي فيه: نهاني ربي، لم يسافر، فهذه الأزلام.
﴿ذلكم فسق﴾، يعني معصية حراما، ﴿اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم﴾، يعني لا تخشوا الكفار، ﴿واخشون﴾ في ترك أمري، ثم قال سبحانه: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، يعني يوم عرفة، لم ينزل بعدها حلال ولا حرام، ولا حكم، ولا حد، ولا فريضة، غير آيتين من آخر سورة النساء: ﴿يستفتونك...﴾ (النساء: 176)، ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، يعني شرائع دينكم أمر الحلال والحرام، وذلك أن الله جل ذكره كان فرض على المؤمنين شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، والإيمان بالبعث، والجنة، والنار، والصلاة ركعتين غدوة وركعتين بالعشي شيئا غير مؤقت، والكف عن القتال قبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم، وفرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج، وهو بعد بمكة، والزاكة المفروضة بالمدينة، ورمضان، والغسل من الجنابة، وحج البيت، وكل فريضة.
فلما حج حجة الوداع، نزلت هذه الآية يوم عرفة، فبركت ناقة النبي صلى الله عليه وسلم لنزول الوحي بجمع، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها إحدى وثمانين ليلة، ثم مات يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول، وهي آخر آية نزلت في الحلال والحرام، ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، يعني شرائع دينكم أمر حلالكم وحرامكم، ﴿وأتممت عليكم نعمتي﴾، يعني الإسلام إذ حججتم وليس معكم مشرك، ﴿ورضيت لكم الإسلام دينا﴾، يعني واخترت لكم الإسلام دينا، فليس دين أرضى عند الله عز وجل من الإسلام.
قال سبحانه: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ (آل عمران: 85)، ثم قال عز وجل: ﴿فمن اضطر في مخمصة﴾، يعني مجاعة وجهد شديد أصابه من الجوع، ﴿غير متجانف لإثم﴾ غير متعمد لمعصية، ﴿فإن الله غفور رحيم﴾، إذا رخص له في أكل الميتة، ولحم الخنزير، حين أصابه الجوع الشديد والجهد، وهو على غير المضطر حرام.
المائدة 5:4
﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ من الصيد، وذلك أن زيد الخير، وهو من بني المهلهل، وعدي بن حاتم الطائيان، سألا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، كلاب آل درع وآل حورية يصدن الظباء والبقر والحمر، فمنها ما تدرك ذكاته فيموت، وقد حرم الله عز وجل الميتة، فماذا يحل لنا؟ فنزلت: ﴿يسألونك ماذا أحل لهم﴾ من الصيد ﴿قل أحل لكم الطيبات﴾، يعني الحلال، وذبح ما أحل الله لهم من الصيد مما أدركت ذكاته.
ثم قال: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين﴾، يعني الكلاب معلمين للصيد، ﴿تعلمونهن مما علمكم الله﴾، يقول: تؤدبوهن كما أدبكم الله، فيعرفون الخير والشر، وكذا الكاتم أيضا، فأدبوا كلابكم في أمر الصيد، ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾، يقول: فكلوا مما أمسكن، يعني حبسن عليكم الكلاب المعلمة، ﴿واذكروا اسم الله عليه﴾ إذا أرسلتم بعد أن أمسك عليكم، ﴿واتقوا الله﴾، فلا تستحلوا أكل الصيد من الميتة، إلا ما ذكى من صيد الكلب المعلم، ثم خوفهم، فقال: ﴿إن الله سريع الحساب﴾ لمن يستحل أكل الميتة من الصيد إلا من اضطر.
المائدة 5:5
قوله: ﴿اليوم أحل لكم الطيبات﴾، يعني الحلال، أي الذبائح من الصيد، ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، يعني بالطعام ذبائح الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى، ذبائحهم ونساؤهم حلال للمسلمين، ﴿وطعامكم حل لهم﴾، يعني ذبائح المسلمين وذبائح نسائهم حلال لليهود والنصارى، ثم قال عز وجل: ﴿والمحصنات من المؤمنات﴾، يعني وأحل لكم تزويج العفائف من المؤمنات، ﴿والمحصنات من الذين أوتوا
الكتاب من قبلكم﴾، يعني وأحل تزويج العفائف من حرائر نساء اليهود والنصارى، نكاحهن حلال للمسلمين، ﴿إذا آتيتموهن أجورهن﴾، يعني إذا أعطيتموهن مهورهن، ﴿محصنين﴾ لفروجهن من الزنا، ﴿غير مسافحين﴾ يعني غير معلنات بالزنا علانية، ﴿ولا متخذي أخدان﴾، يعني لا تتخذ الخليل في السر فيأيتها، فلما أحل الله عز وجل نساء أهل الكتاب، قال المسلمون: كيف تتزوجوهن وهن على غير ديننا، وقالت نساء أهل الكتاب: ما أحل الله تزويجنا للمسلمين إلا وقد رضى أعمالنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿ومن يكفر بالإيمان﴾، يعني من نساء أهل الكتاب بتوحيد الله، ﴿فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، يعني من الكافرين.
المائدة 5:6
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا﴾، يعني إن أصابتكم جنابة، ﴿فاطهروا﴾، يعني فاغتسلوا، ﴿وإن كنتم مرضى﴾، نزلت في عبد الرحمن بن عوف، رضي الله عنه، أو أصابكم جراحة، أو جدري، أو كان بكم قروح وأنتم مقيمون في الأهل، فخشيتم الضرر والهلاك، فتيمموا الصعيد ضربة للوجه وضربة للكفين، ﴿أو﴾ إن كنتم ﴿على سفر﴾، نزلت في عائشة، رضي الله عنها، حين أسقطت قلادتها وهو مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة بني أنمار، وهم حي من قيس عيلان.
﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ في السفر ﴿أو لامستم النساء﴾، يعني جامعتم النساء في السفر، ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾، يعني من الصعيد ضربتين، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الكرسوع، ولم
يؤمروا بمسح الرأس في التيمم، ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج﴾، يعني ضيق في أمر دينكم، إذ رخص لكم في التيمم، ﴿ولكن يريد ليطهركم﴾ في أمر دينكم من الأحداث والجنابة، ﴿وليتم نعمته عليكم﴾، يعني إذ رخص لكم في التيمم في السفر، والجراح في الحضر، ﴿لعلكم تشكرون﴾ رب هذه النعم فتوحدونه، فلما نزلت الرخصة، قال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه، لعائشة، رضوان الله عليها: والله ما علمتك إلا مباركة.
المائدة 5:7
قوله سبحانه: ﴿واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به﴾، يعني بالإسلام يوم أخذ ميثاقكم على المعرفة بالله عز وجل والربوبية، ﴿إذ قلتم سمعنا وأطعنا﴾، ذلك أن الله عز وجل أخذ الميثاق الأول على العباد حين خلقهم من صلب آدم، عليه السلام، فذلك قوله عز وجل: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا﴾ (الأعراف: 172) على أنفسنا، فمن بلغ منهم العمل، وأقر لله عز وجل بالإيمان به، وبآياته، وكتبه، ورسله، والكتاب، والملائكة، والجنة، والنار، والحلال، والحرام، والأمر، والنهى أن يعمل بما أمر، وينتهي عما نهى، فإذا أوفى لله تعالى بهذا، أوفى الله له بالجنة..
فهذان ميثاقان، ميثاق بالإيمان بالله، وميثاق بالعمل، فذلك قوله سبحانه في البقرة: ﴿سمعنا وأطعنا﴾ (البقرة: 285)، سمعنا بالقرآن الذي جاء من عند الله، وأطعنا الله عز وجل فيه، وذلك قوله سبحانه في التغابن: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا﴾ (التغابن: 16)، يقول: اسمعوا القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله عز وجل، وأطيعوا الله فيما أمركم، فمن بلغ الحلم والعمل ولم يؤمن بالله عز وجل ولا بالرسول والكتاب، فقد نقض الميثاق الأول بالإيمان بالله عز وجل، وبما أخذ الله تعالى عليه حين خلقه وصار من الكافرين، ومن أخذ الله عز وجل عليه الميثاق الأول، ولم يبلغ الحلم، فإن الله عز وجل أعلم به.
قال: وسئل عبد الله بن عباس عن أطفال المشركين، فقال: لقد أخذ الله عز وجل الميثاق الأول عليهم، فلم يدركوا أجلا، ولم يأخذوا رزقا، ولم يعملوا سيئة، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (الإسراء: 15)، وماتوا على الميثاق الأول، فالله أعلم بهم، ﴿واتقوا الله﴾، ولا تنقضوا ذلك الميثاق، ﴿إن الله عليم بذات الصدور﴾، يعني بما في قلوبهم من الإيمان والشك.
المائدة 5:8
قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط﴾، يعني قوالين بالعدل، شهداء لله، ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم﴾، يقول: لا تحملنكم عداوة المشركين، يعني كفار مكة، ﴿على ألا تعدلوا﴾ على حجاج ربيعة، وتستحلوا منهم محرما، ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله﴾ فاعدلوا، فإن العدل أقرب للتقوى، يعني لخوف الله عز وجل، ﴿إن الله خبير بما تعملون﴾، يعظهم ويحذرهم.
المائدة 5:9
ثم قال سبحانه: ﴿وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾، يعني وأدوا الفرائض، ﴿لهم مغفرة﴾ لذنوبهم، ﴿وأجر عظيم﴾، يعني جزاء حسنا، وهو الجنة.
المائدة 5:10
﴿والذين كفروا﴾ من أهل مكة، ﴿وكذبوا بآياتنا﴾، يعني القرآن، ﴿أولئك أصحاب الجحيم﴾، آية يعني ما عظم من النار.
المائدة 5:11
قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم...﴾ الآية، نزلت هذه الآية، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد بعث المنذر بن عمرو الأنصاري في أناس من أصحابه إلى بئر معوتة، وهو ماء بني عامر، فساروا حتى أشرفوا على الأرض، فأدركهم الماء فنزلوا، فلما كان المساء، أضل أربعة منهم بعيرا لهم، فاستأذنوا أن يقيموا، فأذن لهم المنذر، ثم سار المنذر بمن معه، وأصبح القوم وقد جمعوا لهم على الماء، وكانت بنو سليم هم الذين آذنوا بني عامر بهم، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل المنذر بن عمرو ومن معه، وأصاب الأربعة بعيرهم من الغد، فأقبلوا في طلب أصحابهم، فلقيتهم وليدة لبني عامر في غنيمة ترعاها، فقالت لهم: أمن أصحاب محمد أنتم؟ قالوا: نعم، رجاء أن تسلم، فقالت: النجاء، فإن إخوانكم قد قتلوا حول الماء، قتلهم عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر.
فقال أحد الأربعة: ما ترون؟ قالوا: نرى أن نرحل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنخبره بالذي كان، قال: لكني والله لا أرجع حتى انتقم من أعداء أصحابي اليوم، فامضوا راشدين واقرأوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام كثيرا، فأشرف على الخيل، فنظر إلى أصحابه مقتلين عند الماء، فأخذ سيفه، فضرب به حتى قتل، رحمه الله، ورجع الثلاثة إلى المدينة، فأتوها حين أمسوا، فلقوا رجلين من بني سليم وهما خارجان من المدينة، فقالوا لهما: من أنتما؟ قالا: نحن من بني عامر، فقالوا: أنتما ممن قتل إخواننا، فأقبلوا عليهما فقتلوهما.
ثم دخلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبروه الخبر فوجدوا الخبر قد سبق إليه، فقالوا: يا رسول الله، غشينا المدينة ممسين، فوجدنا رجلين من بني عامر، فقتلناهما وهذا سلبهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بئس ما صنعتما، فإنهما كانا من بني سليم"، قال: وكان بين بني سليم وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة وعهد، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله﴾، يقول: لا تعجلوا بأمر ولا بفعل حتى يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿واتقوا الله﴾ ولا تخالفوا على نبيكم، ﴿إن الله سميع﴾ لما تقولون، ﴿عليم﴾ (الحجرات: 1) بما تفعلون.
وجاء أهل السليميين، فقالوا: يا محمد، إن صاحبينا أتياك فقتلا عندك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن صاحبيكما اعتزيا إلى عدونا حتى قتلا، ولكنا سنعقل صاحبيكم"، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل عهده، فبدأ ببني النضير، فقال: "أنتم جيراننا وحلفاؤنا، والأيام دول، وقد رأيتم الذي أصابنا، فاتخذوا عندنا يدا نجزكم بها غدا إن شاء الله"، فقالوا: مرحبا بك وأهلا، إخواننا بنو قريظة لا نحب أن نسبقهم بأمر، ولكن ائتنا يوم كذا وكذا، وقد جمعنا لك الذي تريد أن نعطيك.
فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من عندهم، فأرسلوا إلى بني قريظة: أن محمدا مغرور، يأتينا في الرجل والرجلين، فاجتمعوا له فاقتلوه، فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لميعادهم، ومعه ثلاثة نفر :
أبو بكر، وعمر، وعلي، رضي الله عنهم، وهو صلى الله عليه وسلم رابعهم، فأجلسوه في صفة لهم، ثم خرجوا يجمعون السلاح له، وكان كعب بن الأشرف عند ذلك بالمدينة، فهم ينتظرونه حتى يأتيهم، فأوحى الله عز وجل إلى نبيه، فأتاه جبريل، عليه السلام، فأخبره بما يراد به وبأصحابه، فقام نبي الله صلى الله عليه وسلم، ولم يؤذن أصحابه مخافة أن يثوروا بهم، فأتى باب الدار، فقام به.
فلما أبطأ على أصحابه، خرج على لينظر ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو على الباب، فقال: يا رسول الله، احتبست علينا، حتى خفنا عليك أن يكون قد اغتالك أحد، قال: "فإن أعداء الله قد أرادوا ذلك، فقم مكانك بالباب حتى يخرج إليه بعض أصحابك، فأقمه مكانك وأخبره بالذي أخبرتك، ثم الحقني"، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام الآخر بالباب، حتى خرج إليه صاحبه، فقال: احتبست أنت ورسول الله، حتى خفنا عليكما، فأخبره الخبر، فمكث مكانه ولحق الآخر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أبطأوا على صاحبهم خرج، فاتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم﴾، وهم اليهود، ﴿أن يبسطوا إليكم أيديهم﴾ بالسوء، ﴿فكف أيديهم عنكم﴾ ﴿واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾.
المائدة 5:12
قوله سبحانه: ﴿ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا﴾، يعني شاهدا على قومهم، من كل سبط رجلا ليأخذ هذا الرجل على سبطه الميثاق، وشهداء على قومهم، وكانوا اثنى عشر سبطا، على كل سبط منهم رجلا، فأطاع الله عز وجل منهم خمسة، فكان منهم طالوت، ممن أطاع الله عز وجل، وعصى
منهم سبعة، فنقبوا على أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، ﴿وقال الله﴾ عز وجل للنقباء الاثنى عشر، ﴿إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي﴾، يعني الذين بعثتهم إليكم، وفيهم عيسى، ومحمد صلى الله عليه وسلم، فكفروا بعيسى ومحمد، صلى الله عليهما وسلم.
قال الله تعالى: ولقد أخذ الله ميثاقكم على أن تعملوا بما في التوراة، فكان الإيمان بالنبيين من عمل التوراة، ثم قال سبحانه: ﴿وعزرتموهم﴾، يعني وأعنتموهم حتى يبلغوا الرسالة، ﴿وأقرضتم الله قرضا حسنا﴾، يعني طيبة بها أنفسكم، وهو التطوع، ﴿لأكفرن عنكم سيئاتكم﴾، يقول: أغفر لكم خطاياكم الذي كان منكم فيما بينكم وبيني، ﴿ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾، يعني الساتين، ﴿فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل﴾، يعني فقد أخطأ قصد الطريق، طريق الهدى، فنقضوا العهد والميثاق. فذلك قوله سبحانه: ﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾
المائدة 5:13
﴿فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم﴾، فبنقضهم ميثاقهم لعناهم بالمسخ، ﴿وجعلنا قلوبهم قاسية﴾، يعني قست قلوبهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿يحرفون الكلم عن مواضعه﴾، والكلم صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ونسوا حظا مما ذكروا به﴾، وذلك أن الله عز وجل أخذ ميثاق بني إسرائيل في التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويصدقوا به، وهو مكتوب عندهم في التوراة، فلما بعثه الله عز وجل كفروا به وحسدوه، وقالوا: إن هذا ليس من ولد إسحاق، وهو ولد من إسماعيل، فقال الله عز وجل: ﴿ولا تزال تطلع على خائنة منهم﴾، وهو الغش للنبي صلى الله عليه وسلم، ﴿إلا قليلا منهم﴾، والقليل مؤمنيهم عبد الله بن سلام وأصحابه. يقول الله عز وجل: ﴿فاعف عنهم واصفح﴾، حتى يأتي الله بأمره في أمر بني قريظة والنضير، فكان أمر الله فيهم القتل والسبي والجلاء، يقول: فاعف عنهم حتى يأتي، يعني يجيء ذلك الأمر، فبلغوه فسبوا وأجلوا، فصارت آية العفو والصفح منسوخة، نسختها آية السيف في براءة، فلما جاء ذلك الأمر قتلهم الله تعالى وسباهم وأجلاهم، ﴿إن الله يحب المحسنين﴾.
المائدة 5:14
ثم ذكر أهل الإنجيل، فقال سبحانه: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى﴾، إنما سموا نصارى، لأنهم كانوا من قرية يقال لها: ناصرة، كان نزلها عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ﴿أخذنا ميثاقهم﴾، وذلك أن الله كان أخذ عليهم الميثاق في الإنجيل بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، كما أخذ على أهل التوراة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويتبعوه ويصدقوه وهو مكتوب عندهم في الإنجيل، يقول الله تعالى: ﴿فنسوا حظا مما ذكروا به﴾، يعني فتركوا حظا مما أمروا به من إيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والتصديق به، ولو آمنوا لكان خيرا لهم، وكان لهم حظا.
يقول الله عز وجل: ﴿فأغرينا بينهم﴾، يعني بين النصارى، ﴿العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة﴾ النسطورية والماريعقوبية، وعبادة الملك، فهم أعداء بعضهم لبعض إلى يوم القيامة، ﴿وسوف ينبئهم الله﴾ في الآخرة، ﴿بما كانوا يصنعون﴾، يعني بما يقولون من الجحود والتكذيب، وذلك أن النسطورية، قالوا: إن عيسى ابن الله، وقالت الماريعقوبية: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقالت عبادة الملك: إن الله عز وجل ثالث ثلاثة، هو إله، وعيسى إله، ومريم إله، افتراء على الله تبارك وتعالى، وإنما الله إله واحد، وعيسى عبد الله ونبيه صلى الله عليه وسلم، كما وصف الله سبحانه نفسه: أحد، صمد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد.
المائدة 5:15
﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾، يعني التوراة، أخفوا أمر الرجم، وأمر محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ويعفوا عن كثير﴾، يعني ويتجاوز عن كثير مما كتمتم، فلا يخبركم بكتمانه، ﴿وقد جاءكم من الله نور﴾، يعني ضياء من الظلمة، ﴿وكتاب مبين﴾، يعني بين.
المائدة 5:16
﴿يهدي به الله﴾، يعني بكتاب محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿من اتبع رضوانه سبل السلام﴾، يعني من اتبع دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين الإسلام، يهديه الله إلى طريق الجنة، ﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾، يعني من الشرك إلى الإيمان، ﴿بإذنه﴾، يعني بعلمه، ﴿ويهديهم إلى صراط مستقيم﴾.
المائدة 5:17
قوله سبحانه: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾، نزلت في نصارى نجران الماريعقوبيين، منهم السيد والعاقب وغيرهما، ﴿قل﴾ لهم يا محمد، ﴿فمن يملك﴾، فمن يقدر أن يمتنع، ﴿من الله شيئا﴾ من شيء من عذابه، ﴿إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا﴾ بعذاب أو بموت، فمن الذي يحول بينه وبين ذلك؟ ثم عظم الرب جل جلاله نفسه عن قولهم حين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، فقال سبحانه: ﴿ولله ملك السماوات والأرض﴾، يقول: إليه سلطان السموات والأرض، ﴿وما بينهما﴾ من الخلق، ﴿يخلق ما يشاء﴾، يعني عيسى، شاء أن يخلقه من غير بشر، ﴿والله على كل شيء قدير﴾ من خلق عيسى من غير بشر وغيره من الخلق قدير، مثلها في آخر السورة.
المائدة 5:18
﴿وقالت اليهود﴾ يهود المدينة، منهم: كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وبحرى بن عمرو، وشماس بن عمرو، وغيرهم، ﴿والنصارى﴾ من نصارى نجران السيد والعاقب ومن معهما، قالوا جميعا: ﴿نحن أبناء الله وأحباؤه﴾، وافتخروا على المسلمين، وقالوا: ما أحد من الناس أعظم عند الله منزلة منا، فقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿قل﴾ للمسلمين يردوا عليهم، ﴿فلم يعذبكم بذنوبكم﴾، حين زعمتم وقلتم: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة، يعني عدة ما عبدوا فيها العجل، إن كنتم أبناء الله وأحباؤه، أفتطيب نفس رجل أن يعذب ولده بالنار؟ والله أرحم من جميع خلقه.
فقال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم قل لهم: ﴿بل أنتم بشر ممن خلق﴾ من العباد، ولستم بأبناء الله وأحبائه، ﴿يغفر لمن يشاء﴾، يعني يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه، ﴿ويعذب من يشاء﴾ فيميته على الكفر، ثم عظم الرب نفسه عز وجل عن قولهم: نحن أبناء الله وأحباؤه، فقال سبحانه: ﴿ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما﴾ من الخلق يحكم فيهما ما يشاءهم عبيده وفي ملكه، ﴿وإليه المصير﴾ في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم.
المائدة 5:19
﴿يا أهل الكتاب﴾، يعني اليهود، منهم: رافع بن أبي حريملة، ووهب بن يهوذا، ﴿قد جاءكم رسولنا﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿يبين لكم﴾ الدين، ﴿على فترة من الرسل﴾ فيها تقديم، وكان بين محمد وعيسى، صلى الله عليهما وسلم ستمائة سنة، ﴿أن تقولوا﴾، يعني لئلا تقولوا: ﴿ما جاءنا من بشير﴾ بالجنة، ﴿ولا نذير﴾ من النار، يقول: ﴿فقد جاءكم بشير ونذير﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿والله على كل شيء قدير﴾، إذ بعث محمدا رسولا.
المائدة 5:20
﴿وإذ قال موسى لقومه﴾، وهم بنو إسرائيل، ﴿يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم﴾ ،
يعني بالنعمة، ﴿إذ جعل فيكم﴾ السبعين الذي جعلهم الله ﴿أنبياء﴾ بعد موسى وهارون، وبعدما أتاهم الله بالصاعقة، ﴿وجعلكم ملوكا﴾، يعني أغنياء، بعضكم عن بعض، فلا يدخل عليه أحد إلا بإذنه بمنزلة الملوك في الدنيا، ثم قال: ﴿وآتاكم﴾، يعني وأعطاكم، ﴿ما لم يؤت﴾، يعني ما لم يعط ﴿أحدا من العالمين﴾، يعني الخير والتوراة، وما أعطاكم الله عز وجل في التيه من المن والسلوى، وما ظلل عليهم من الغمام وأشباه ذلك مما فضلوا به على غيرهم.
المائدة 5:21
فقال موسى: ﴿يا قوم﴾ بني إسرائيل، ﴿ادخلوا الأرض المقدسة﴾، يعني المطهرة ﴿التي كتب الله لكم﴾، يعني التي أمركم الله عز وجل أن تدخلوها وهي أريحا أرض الأردن وفلسطين، وهما من الأرض المقدسة، ﴿ولا ترتدوا على أدباركم﴾، يعني ولا ترجعوا ورائكم بترككم الدخول، ﴿فتنقلبوا خاسرين﴾، يعني فترجعوا خاسرين.
وذلك أن الله عز وجل قال لإبراهيم، عليه السلام، وهو بالأرض المقدسة: إن هذه الأرض التي أنت بها اليوم هي ميراث لولدك من بعدك، فلما أخرج الله عز وجل موسى، عليه السلام، من مصر مع بني إسرائيل، وقطعوا البحر، وأعطوا التوراة، أمرهم موسى أن يدخلوا الأرض المقدسة، فساروا حتى نزلوا على نهر الأردن في جبل أريحا، وكان في أريحا ألف قرية، في كل قرية ألف بستان، وجبنوا أن يدخلوها، فبعث موسى، عليه السلام، اثنى عشر رجلا، من كل سبط رجلا، يأتونه بخبر الجبارين، وأمرهم أن يأتوه منها بالثمرة.
فلما أتوها خرج إليهم عوج بن عناق بنت آدم، فاحتملهم ومتاعهم بيده حتى وضعهم بين يدي الملك بن بانوس سشرون، فنظر إليهم، فأمر بقتلهم، فقالت امرأته: أيها الملك، أنعم على هؤلاء المساكين، فدعهم فليرجعوا وليأخذوا طريقا غير الذي جاءوا فيه، فأرسلهم لها، فأخوا عنقودا من كرومهم، وحملوه على عمودين بين رجلين، وعجزوا عن حمله، وحملوا رمانتين على بعض دوابهم، فعجزت الدابة عن حملهما حتى أتوا به أصحابهم وهم بواد يقال له: جبلان، فسموا ذلك المنزل وادى العنقود.
المائدة 5:22
﴿قالوا يا موسى﴾ وجدناها أرضا مباركة تفيض لبنا وعسلا كما عهد الله عز وجل إليك، ولكن ﴿إن فيها قوما جبارين﴾، يعني قتالين أشداء يقتل الرجل منهم العصابة منا، فإن كان الله عز وجل أراد أن يجعلها لنا منزلا وسكنا، فليسلطك عليهم فتقتلهم وإلا فليس لنا بهم قوة، وحصنهم منيع، فتتابع على ذلك منهم عشرة، فقالوا لموسى: ﴿إن فيها قوما جبارين﴾، طول كل رجل منهم سبعة أذرع ونصف من بقايا قوم عاد، وكان عوج بن عناق بنت آدم فيهم، ﴿وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها﴾، وهي أريحا، ﴿فإن يخرجوا منها فإنا داخلون﴾.
المائدة 5:23
قال يوشع بن نون، وهو من سبط بنيامين، وكالب بن يوقنا، وهو من سبط يهوذا، ﴿قال رجلان﴾، وهما الرجلان من القوم، ﴿من الذين يخافون﴾ من العدو وقد ﴿أنعم الله عليهما﴾ بالإسلام، قالا: ليس كما يقول العشرة، سيروا حتى تحيطوا بالمدينة وبأبوابها، فإن القوم إذا رأوا كثرتكم بالباب وكبرتم رعبوا منكم، فانكسرت قلوبهم وانقطعت ظهورهم، وذهبت قوتهم، ف ﴿ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا﴾، يقول: وبالله فلتتقوا، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ بقتلهم بأيديكم، وينفيهم من أرض هي ميراثهم.
المائدة 5:24
﴿قالوا يا موسى﴾ أتصدق رجلين وتكذب عشرة يا موسى، ﴿إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك﴾ ينصرك عليهم، ﴿فقاتلا إنا هاهنا قاعدون﴾ يعني مكاننا، فإننا لا نستطيع قتال الجبابرة.
المائدة 5:25
فغضب موسى عليهم، و ﴿قال رب إني لا أملك﴾ من الطاعة ﴿إلا نفسي وأخي﴾ هارون، ﴿فافرق بيننا﴾، يعني فاقض بيننا ﴿وبين القوم الفاسقين﴾، يعني العاصين الذين عصوا أن يقاتلوا عدوهم، وهم كلهم مؤمنون.
المائدة 5:26
فأوحى الله عز وجل إلى موسى، عليه السلام: أما إذا سميتهم فاسقين، فالحق أقول: لا يدخلونها أبدا، وذلك قوله عز وجل: ﴿قال فإنها محرمة عليهم﴾ دخولها البتة أبدا، ﴿أربعين سنة﴾ فيها تقديم، ﴿يتيهون في الأرض﴾ في البرية، فأعمى الله عز وجل عليهم السبيل، فحبسهم بالنهار، وسيرهم بالليل، يسهرون ليلهم، فيصبحون حيث أمسوا، فإذا بلغ أجلهم، وهو أربعون سنة، أرسلت عليهم الموت، فلا يدخلها إلا خلوفهم، إلا يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، فهما يسوقان بني إسرائيل إلى تلك الأرض، فتاة القوم في تسع فراسخ عرض وثلاثين فرسخا طول، وقالوا أيضا: ستة فراسخ عرض في اثنى عشر فرسخا طول، فقال القوم لموسى، عليه السلام: ما صنعت بنا دعوت علينا حتى بقينا في التيه؟ وندم موسى، عليه السلام، على ما دعا عليهم، وشق عليه حين تاهوا، فأوحى الله عز وجل إليه: ﴿فلا تأس على القوم الفاسقين﴾، يعني لا تحزن على قوم أنت سميتهم فاسقين أن تاهوا.
ثم مات هارون، عليه السلام، في التيه، ومات موسى من بعده بستة أشهر، فماتا جميعا في التيه، ثم إن الله عز وجل أخرج ذرياتهم بعد أربعين سنة وقد هلكت الأمة العصاة كلها، وخرجوا مع يوشع بن نون ابن أخت موسى، وكالب بن يوقنا بعد وفاة موسى، عليه السلام، بشهرين، فأتوا أريحا، فقاتلوا أهلها ففتحوها، وقتلوا مقاتلهم، وسبوا ذراريهم، وقتلوا ثلاثة من الجبارين، وكان قاتلهم يوشع بن نون، فغابت الشمس، فدعا يوشع بن نون، فرد الله عز وجل عليه الشمس، فأطلعت ثانية، وغابت الشمس الثانية، ودار الفلك فاختلط على الحساب حسابهم منذ يومئذ فيما بلغنا، ومات في التيه كل ابن عشرين سنة فصاعدا، وموضع التيه بين فلسطين وإيلة ومصر، فتاه القوم بعصيانهم ربهم عز وجل، وخلافهم على نبيهم، مع دعاء بلعام بن باعور بن ماث عليهم فيما بين ستة فراسخ إلى اثنى عشر فرسخا، لا يستطيعون الخروج منها أربعين سنة، ومات هارون حين أتم ثمانية وثمانين سنة، وتوفي موسى بعده بستة أشهر، واستخلف عليهم يوشع بن نون، وحين ماتوا كلهم أخرج ذراريهم يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا.
المائدة 5:27
﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم﴾، يقول: اتل يا محمد على أهل مكة نبأ ابنى آدم، ﴿بالحق﴾ ليعرفوا نبوتك، يقول: اتل عليهم حديث ابنى آدم هابيل وقابيل، وذلك أن حواء ولدت في بطن واحد غلاما وجارية، قابيل وإقليما، ثم ولدت في البطن الآخر غلاما وجارية، هابيل وليوذا، وكانت أخت قابيل أحسن من أخت هابيل، فلما أدركا، قال آدم، عليه السلام، ليتزوج كل واحد منهما أخت الآخر، قال قابيل: لكن يتزوج كل واحد منهما أخته التي ولدت معه، قال آدم، عليه السلام: قربا قربانا، فأيما تقبل قربانه كان أحق بهذه الجارية.
وخرج آدم، عليه السلام، إلى مكة، فعمد قابيل، وكان صاحب زرع، فقرب أخبث زرعه البر المأكول فيه الزوان، وكان هابيل صاحب ماشية، فعمد فقرب خير غنمه مع زبد ولبن، ثم وضعا القربان على الجبل، وقاما يدعوان الله عز وجل، فنزلت نار من السماء، فأكلت قربان هابيل، وتركت قربان قابيل، فحسده قابيل، فقال لهابيل: لأقتلنك، قال هابيل: يا أخي، لا تلطخ يدك بدم برئ، فترتكب أمرا عظيما، إنما طلبت رضا والدي ورضاك، فلا تفعل، فإنك إن فعلت أخزاك الله بقتلك إياي بغير ذنب ولا جرم، فتعيش في الدنيا أيام حياتك في شقوة ومخافة في الأرض، حتى تكون من الخوف والحزن أدق من شعر رأسك، ويجعلك إلهي ملعونا.
فلم يزل يحاوره حتى انتصف النهار، وكان في آخر مقالة هابيل لقابيل: إن أنت قتلتني كنت أول من كتب عليه الشقاء، وأول من يساق إلى النار من ذرية والدي، وكنت أنا أول شهيد يدخل الجنة، فغضب قابيل، فقال: لا عشت في الدنيا، ويقال: قد تقبل قربانه ولم يتقبل قرباني، فقال له هابيل: فتشفى آخر الأبد، فغضب عند ذلك قابيل، فقتله بحجر دق رأسه، وذلك بأرض الهند عشية، وآدم، عليه السلام، بمكة، فذلك قوله عز وجل: ﴿إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين﴾.
المائدة 5:28
﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين﴾، ﴿إني أريد أن تبوأ بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين﴾، ﴿فطوعت له نفسه قتل أخيه﴾، يقول: فزينت له نفسه قتل أخيه، ﴿فقتله فأصبح من الخاسرين﴾.
قال: وكان هابيل قال لأخيه قابيل: ﴿لئن بسطت إلي يدك لتقتلني...﴾ إلى قوله: ﴿بإثمي وإثمك﴾
المائدة 5:29
يعني أن ترجع بإثمي بقتلك إياي، وإثمك الذي عملته قبل قتلي، ﴿فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين﴾، يعني جزاء من قتل نفسا بغير جرم.
المائدة 5:30
فلما قتله عشية من آخر النهار، لم يدر ما يصنع، وندم ولم يكن يومئذ على الأرض بناء ولا قبر، فحمله على عاتقه، فإذا أعيى وضعه بين يديه، ثم ينظر إليه ويبكي ساعة، ثم يحمله، ففعل ذلك ثلاثة أيام.
المائدة 5:31
فلما كان في الليلة الثالثة، بعث الله غرابين يقتتلان، فقتل أحدهما صاحبه وهو ينظر، ثم حفر بمنقاره في الأرض، فلما فرغ منه، أخذ بمنقاره رجل الغراب الميت، حتى قذفه في الحفيرة، ثم سوى الحفيرة بالأرض، وقابيل ينظر، فذلك قوله تعالى: ﴿فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال﴾ قابيل: ﴿يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب﴾، يقول: أعجزت أن أعلم من العلم مثل ما علم هذا الغراب، ﴿فأواري سوءة أخي﴾، يقول: فأغطى عورة أخي كما وارى الغراب صاحبه، ﴿فأصبح من النادمين﴾ بقتله أخاه.
فعمد عند ذلك قابيل، فحفر في الأرض بيده، ثم قذف أخاه في الحفيرة، فسوى عليه تراب الحفيرة كما فعل الغراب بصاحبه، فلما دفنه ألقى الله عز وجل عليه الخوف، يعني على قابيل، لأنه أول من أخاف، فانطلق هاربا، فنودي من السماء: يا قابيل، أين أخوك هابيل؟ قال: أو رقيبا كنت عليه؟ ليذهب حيث شاء، قال المنادي: أما تدري أين هو؟ قال: لا، قال المنادي: إن لسانك وقلبك ويديك ورجليك وجميع جسدك يشهدون عليك أنك قتلته ظلما، فلما أنكر شهدت عليه جوارحه، فقال المنادي: أين تنجو من ربك؟ إن إلهي يقول: إنك ملعون بكل أرض، وخائف ممن يستقبلك، ولا خير فيك، ولا في ذريتك.
فانطلق جائعا، حتى أتى ساحل البحر، فجعل يأخذ الطير، فيضرب بها الجبل، فيقتلها ويأكلها، فمن أجل ذلك حرم الله الموقوذة، وكانت الدواب، والطير، والسباع، لا يخاف بعضها من بعض، حتى قتل قابيل هابيل، فلحقت الطير بالسماء، والوحش بالبرية والجبال، ولحقت السباع بالغياض، وكانت قبل ذلك تستأنس إلى آدم، عليه السلام، وتأتيه، وغضبت الأرض على الكفار من يومئذ، فمن ثم يضغط الكافر في الأرض حتى تختلف أضلاعه، ويتسع على المؤمن قبره حتى ما يرى طرفاه، وتزوج شيت بن آدم ليوذا التي ولدت مع هابيل، وبعث الله عز وجل ملكا إلى قابيل فعلق رجله، وجعل عليه ثلاث سرادقات من نار، كلما دار دارت السرادقات معه، فمكث بذلك حينا، ثم حل عنه.
المائدة 5:32
﴿من أجل ذلك﴾، يعني من أجل بني آدم، تعظيما للدم، ﴿كتبنا على بني إسرائيل﴾ في التوراة ﴿أنه من قتل نفسا بغير نفس﴾ عمدا، ﴿أو فساد في الأرض﴾، أو عمل فيها بالشرك، وجبت له النار، ولا يعفى عنه حتى يقتل، ﴿فكأنما قتل الناس جميعا﴾، أي كما يجزي النار لقتله الناس جميعا لو قتلهم، ثم قال سبحانه: ﴿ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا﴾، وذلك أنه مكتوب في التوراة أنه من قتل رجلا خطأ، فإنه يقاد به، إلا أن يشاء ولى المقتول أن يعفو عنه، فإن عفا عنه، وجبت له الجنة، كما تجب له الجنة لو عفا عن الناس جميعا، فشدد الله عز وجل عليهم القتل، ليحجز بذلك بعضهم عن بعض، ثم قال سبحانه: ﴿ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات﴾، يعني بالبيان في أمره ونهيه، ﴿ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك﴾ البيان ﴿في الأرض لمسرفون﴾، يعني إسرافا في سفك الدماء واستحلال المعاصي.
المائدة 5:33
قوله سبحانه: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، يعني بالمحاربة الشرك، نظيرها في براءة، وإرصادا لمن حارب الله ورسوله، وذلك أن تسعة نفر من عرينة وهم من بجيلة، أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة فأسلموا، فأصابهم وجع شديد، ووقع الماء الأصفر في بطونهم، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى إبل الصدقة ليشربوا من ألبانها وأبوالها، ففعلوا ذلك، فلما صحوا عمدوا إلى الراعي، فقتلوه وأغاروا على الإبل، فاستاقوها وارتدوا عن الإسلام، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم على بن أبي طالب، رضي الله عنه، في نفر فأخذهم.
فلما أتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم وسملت أعينهم، فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله﴾، يعني الكفر بعد الإسلام، ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾ القتل وأخذ الأموال، ﴿أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف﴾، يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى، فالإمام في ذلك بالخيار في القتل والصلب، وقطع الأبدي والأرجل، ﴿أو ينفوا من الأرض﴾، يقول: يخرجوا من الأرض، أرض المسلمين، فينفوا بالطرد، ﴿ذلك﴾ جزاءهم الخزي ﴿لهم خزي في الدنيا﴾ قطع اليد والرجل والقتل والصلب في الدنيا، ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾، يعني كثيرا وافرا لا انقطاع له.
المائدة 5:34
ثم استثنى، فقال عز وجل: ﴿إلا الذين تابوا﴾ من الشرك ﴿من قبل أن تقدروا عليهم﴾، فتقيموا عليهم الحد، فلا سبيل لكم عليهم، يقول: من جاء منهم مسلما قبل أن يؤخذ، فإن الإسلام يهدم ما أصاب في كفره من قتل أو أخذ مال، فذلك قوله سبحانه: ﴿فاعلموا أن الله غفور﴾ لما كان منه في كفره ﴿رحيم﴾ به حين تاب ورجع إلى الإسلام، فأما من قتل وهو مسلم، فارتد عن الإسلام، ثم رجع مسلما، فإنه يؤخذ بالقصاص.
المائدة 5:35
وقوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾، يعني في طاعته بالعمل الصالح، ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿في سبيله﴾، يعني في طاعته، ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تفلحون﴾، يعني تسعدون، ويقال: تفوزون.
المائدة 5:36
وقوله سبحانه: ﴿إن الذين كفروا﴾ من أهل مكة، ﴿لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به﴾، أي فقدروا أن يفتدوا به ﴿من عذاب﴾ جهنم ﴿يوم القيامة﴾، يقول: لو كان ذلك لهم وفعلوه، ﴿ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم﴾.
المائدة 5:37
﴿يريدون أن يخرجوا من النار﴾ بالفداء، ﴿وما هم بخارجين منها﴾ أبدا ﴿ولهم عذاب مقيم﴾، يعنى دائم.
المائدة 5:38
وقوله سبحانه: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾، يعني أيمانهما من الكرسوع، يقول: القطع ﴿جزاء بما كسبا﴾، يعني سرقا، ﴿نكالا من الله﴾، يعني عقوبة من الله قطع اليد، ﴿والله عزيز حكيم﴾.
المائدة 5:39
﴿فمن تاب من بعد ظلمه﴾، يقول: من تاب من بعد سرقته، ﴿وأصلح﴾ العمل فيما بقى، ﴿فإن الله يتوب عليه إن الله غفور﴾ لذنبه، ﴿رحيم﴾ به، وأما المال، فلا بد أن يرده إلى صاحبه.
المائدة 5:40
وقوله سبحانه: ﴿ألم تعلم﴾ يا محمد ﴿أن الله له ملك السماوات والأرض﴾ يحكم فيهما بما يشاء، ﴿يعذب من يشاء﴾ من أهل معصيته، ﴿ويغفر لمن يشاء﴾، يعني به المؤمنين، ﴿والله على كل شيء﴾ من العذاب والمغفرة ﴿قدير﴾.
المائدة 5:41
وقوله سبحانه: ﴿يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا ءامنا بأفواههم﴾، يعني صدقنا بألسنتهم، ﴿ولم تؤمن قلوبهم﴾ في السر، نزلت في أبي لبابة، اسمه: مروان بن عبد المنذر الأنصاري، من بني عمرو بن عوزف، وذلك أنه أشار إلى أهل قريظة إلى حلقه أن محمدا جاء يحكم فيكم بالموت، فلا تنزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكان حليفا لهم، ثم قال سبحانه: ﴿ومن الذين هادوا﴾، أي ولا يحزنك الذين هادوا، يعني يهود المدينة.
﴿سماعون للكذب﴾، يعني قوالون للكذب، منهم: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة، وسعيد بن مالك، وابن صوريا، وكنانة بن أبي الحقيق، وشاس بن قيس، وأبو رافع بن حريملة، ويوسف بن عازر بن أبي عازب، وسلول بن أبي سلول، والبخام بن عمرو، وهم ﴿سماعون لقوم آخرين﴾، يعني يهود خيبر، ﴿لم يأتوك﴾ يا محمد ﴿يحرفون الكلم﴾، يعني أمر الرجم، ﴿من بعد مواضعه﴾ عن بيانه في التوراة. وذلك أن رجلا من اليهود يسمى يهوذا، وإمرأة تسمى بسرة من أهل خيبر من أشراف اليهود، زنيا وكانا قد أحصنا، فكرهت اليهود رجمهما من أجل شرفهما وموضعهما، فقالت يهود خيبر، نبعث بهذين إلى محمد صلى الله عليه وسلم، فإن في دينه الضرب، وليس في دينه الرجم، ونوليه الحكم فيهما، فإن أمركم فيهما بالضرب فخذوه، وإن أمركم فيهما بالرجم فاحذروه، فكتب يهود خيبر إلى يهود المدينة، إلى كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وأبي لبابة، وبعثوا نفرا منهم، فقالوا: سلوا لنا محمدا، عليه السلام، عن الزانيين إذا أحصنا ما عليهما؟ فإن أمركم بالجلد فخذوا به، والجلد الضرب بحبل من ليف مطلي بالقار، وتسود وجوههما ويحملان على حمار، وتجعل وجوههما مما يلي ذنب الحمار، فذلك التجبية.
﴿يقولون﴾، أي اليهود، ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا﴾، أي إن أمركم بالرجم فاحذروه على ما في أيديكم أن يسلبكموه، قال: فجاء كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأبو لبابة، إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أخبرنا عن الزانيين إذا أحصنا ما عليهما، فأتاه جبريل، عليه السلام، فأخبره بالرجم، ثم قال جبريل، عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، وسلهم عنه، فمشى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى أحبارهم في بيت المدارس، فقال: "يا معشر اليهود، أخرجوا إلى علماءكم"، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا، وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، ثم حصر أمرهم، إلى أن قالوا لعبد الله بن صوريا: هذا أعلم من بقى بالتوراة، فجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان ابن صوريا غلاما شابا، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو إله بني إسرائيل، الذي أخرجكم من مصر، وفلق لكم البحر، وأنجاكم وأغرق آل فرعون، وأنزل عليكم كتابه يبين لكم حلاله وحرامه، وظلل عليكم المن والسلوى، هل وجدتم في كتابكم أن الرجم على من أحصن؟"، قال ابن صوريا: اللهم نعم، ولولا أني خفت أن أحترق بالنار، أو أهلك بالعذاب، لكتمتك حين سألتني، ولم أعترف لك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، فأنا أول من أحيا سنة من سنن الله عز وجل"، ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده في بنى غنم بن مالك بن النجار.
فقال عبد الله بن صوريا: والله يا محمد، إن اليهود لتعلم أنك نبي حق، ولكنهم يحسدونك، ثم كفر أبن صوريا بعد ذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾، يعني مما في التوراة من أمر الرجم، ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ﴿ويعفو عن كثير﴾، فلا يخبر به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود: "إن شئتم أخبرتكم بالكثير"، قال ابن صوريا: أنشدك بالله أن تخبرنا بالكثير مما أمرت أن تعفو عنه.
ثم قال ابن صوريا للنبي صلى الله عليه وسلم أخبرني عن ثلاث خصال لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هات سل عما شئت"، قال: أخبرني عن نومك؟ قال: "تنام عيني وقلبي يقظان"، قال ابن صوريا: صدقت، قال: فأخبرني عن شبه الولد، من أين يشبه الأب أو الأم؟ قال: "أيهما سبقت الشهوة له كان الشبه له"، قال: صدقت، قال: أخبرني ما للرجل وما للمرأة من الولد، ومن أيهما يكون؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللحم والدم والظفر والشعر للمرأة، والعظم والعصب والعروق للرجل"، قال: صدقت، قال: فمن وزيرك من الملائكة، ومن يجيئك بالوحي؟ قال: "جبريل عليه السلام"، قال: صدقت يا محمد، وأسلم عند ذلك. قوله سبحانه: ﴿إن أوتيتم هذا فخذوه﴾، يقول ذلك يهود خيبر ليهود المدينة، كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأبي لبابة: إن أمركم محمد
بالجلد فاقبلوه، وإن لم تؤتوه، يعني الجلد، وإن أمركم بالرجم فاحذروا، فإنه نبي، قال الله عز وجل: ﴿ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين﴾ يعني اليهود، ﴿لم يرد الله أن يطهر قلوبهم﴾ من الكفر حين كتموا أمر الرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿لهم في الدنيا خزي﴾، يعني به اليهود، وهم أهل قريظة، أما الخزي الذي نزل بهم، فهو القتل والسبي، وأما خزي أهل النضير، فهو الخروج من ديارهم وأموالهم وجناتهم، فأجلوا إلى الشام، إلى أذرعات وأريحا، ﴿ولهم في الآخرة عذاب عظيم﴾ [آية :41]، يعني ما عظم من النار.
المائدة 5:42
ثم قال: ﴿سماعون﴾، يعني قوالون ﴿للكذب﴾ للزور، منهم: كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، ووهب بن يهوذا، ﴿أكالون للسحت﴾، يعني الرشوة في الحكم، كانت اليهود قد جعلت لهم جعلا في كل سنة، على أن يقضوا لهم بالجور، يقول الله عز وجل: ﴿فإن جاءوك﴾ يا محمد في الرجم، ﴿فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط﴾، يعني بالعدل، ﴿إن الله يحب المقسطين﴾ [آية :42]، يعني الذين يعدلون في الحكم، ثم نسختها الآية التي جاءت بعد، وهي قوله: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ إليك في الكتاب أن الرجم على المحصن والمحصنة، ولا ترد الحكم، ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾، يعني كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف.
المائدة 5:43
قال تعالى: ﴿وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله﴾، يعني الرجم على المحصن والمحصنة، والقصاص في الدماء سواء، ﴿ثم يتولون من بعد ذلك﴾، يعني يعرضون من بعد البيان في التوراة، ﴿وما أولئك بالمؤمنين﴾ [آية :43]، يعني وما أولئك بمصدقين حين حرفوا ما في التوراة.
المائدة 5:44
ثم أخبر الله عن التوراة، فقال سبحانه: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور﴾ وضياء من الظلمة، ﴿يحكم بها النبيون﴾ من لدن موسى عليه السلام، إلى عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، ألف نبي، ﴿الذين أسلموا﴾، يعني أنهم مسلمون، أو أسلموا وجوههم لله، ﴿للذين هادوا﴾، يعني اليهود يحكمون بما لهم وما عليهم، ﴿و﴾ يحكم بها ﴿والربانيون﴾، وهم المتعبدون من أهل التوراة من ولد هارون، يحكمون بالتوراة، ﴿والأحبار﴾، يعني القراء والعلماء منهم، ﴿بما استحفظوا من كتاب الله﴾ عز وجل من الرجم، وبعث محمد صلى الله عليه وسلم في كتابهم، ثم قال يهود المدينة، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وأصحابهم، ﴿وكانوا عليه شهداء فلا تخشوا الناس﴾، يقول: لا تخشوا يهود خيبر أن تخبروهم بالرجم، ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿واخشون﴾ إن كتمتموه، ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا﴾ عرضا يسيرا مما كانوا يصيبون من سفلة اليهود من الطعام والثمار، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ في التوراة بالرجم ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، ويشهد به، ﴿فأولئك هم الكافرون﴾ [آية :44].
ولما أرادوا القيام، قالت بنو قريظة، أبو لبابة، وشعبة بن عمرو، ورافع بن حريملة، وشاس بن عمرو، للنبي صلى الله عليه وسلم: إخواننا بني النضير، كعب بن الأشرف، وكعب بن أسيد، ومالك بن الضيف، وغيرهم، أبونا واحد، وديننا واحد، إذا قتل أهل النضير منا قتيلا، أعطونا سبعين وسقا من تمر، وإن قتلنا منهم قتيلا، أخذوا منا مائة وأربعين وسقا من تمر، وجراحاتنا على أنصاف جراحاتهم، فاقض بيننا وبينهم يا محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن دم القرظى وفاء من دم النضيرى، وليس للنضيرى على القرظي فضل في الدم ولا في العقل" قال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، وأصحابهم: لا نرضى بقضائك، ولا نطيع أمرك، ولنأخذن بالأمر الأول، فإنك عدونا، وما تأول أن تضعنا وتضرنا.
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، يعني حكمهم الأول، ﴿ومن أحسن من الله حكما﴾، يقول: فلا أحد أحسن من الله حكما، ﴿لقوم يوقنون﴾، وعد الله عز وجل ووعيده.
المائدة 5:45
ثم أخبر عن التوراة، فقال سبحانه: ﴿وكتبنا عليهم فيها﴾، يعني وفرضنا عليهم في التوراة، نظيرها في المجادلة: ﴿كتب الله﴾ [المجادلة: 21]، يعني قضى، ﴿أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له﴾، يقول: فمن تصدق بالقتل والجراحات، فهو كفارة لذنبه، يقول: إن عفى المجروح عن الجارح، فهو كفارة للجارح من الجرح، ليس عليه قود ولا دية، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ في التوراة من أمر الرجم والقتل والجراحات، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ [آية: 45].
المائدة 5:46
ثم أخبر عن أهل الإنجيل، فقال: ﴿وقفينا على آثارهم﴾، يعني وبعثنا من بعدهم، يعني من بعد أهل التوراة، ﴿بعيسى ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة﴾، يقول: عيسى يصدق بالتوراة، ﴿وآتيناه الإنجيل﴾، يعني أعطينا عيسى الإنجيل، ﴿فيه هدى﴾ من الضلالة، ﴿ونور﴾ من الظلمة، ﴿ومصدقا لما بين يديه من التوراة﴾، يقول: الإنجيل يصدق التوراة، ﴿و﴾ الإنجيل ﴿وهدى﴾ من الضلالة، ﴿وموعظة﴾ من الجهل، ﴿للمتقين﴾ [آية :46] الشرك.
المائدة 5:47
ثم قال عز وجل: ﴿وليحكم أهل الإنجيل﴾ من الأحبار والرهبان، ﴿بما أنزل الله فيه﴾، يعني في الإنجيل من العفو عن القاتل أو الجارح والضارب، ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله﴾ في الإنجيل من العفو واقتص من القاتل والجارح والضارب، ﴿فأولئك هم الفاسقون﴾ [آية: 47]، يعني العاصين لله عز وجل.
المائدة 5:48
قوله سبحانه: ﴿وأنزلنا إليك الكتاب﴾ يا محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿بالحق﴾، يعني القرآن بالحق، لم ننزله عبثا ولا باطلا لغير شيء، ﴿مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه﴾، يقول: وشاهدا عليه، وذلك أن قرآن محمد صلى الله عليه وسلم شاهد بأن الكتب التي أنزلت قبله أنها من الله عز وجل، ﴿فاحكم بينهم بما أنزل الله إليك﴾ في القرآن، ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾، يعني أهواء اليهود، ﴿عما جاءك من الحق﴾، وهو القرآن، ﴿لكل جعلنا منكم شرعة﴾، يعني من المسلمين وأهل الكتاب، ﴿شرعة﴾، يعني سنة، ﴿ومنهاجا﴾، يعني طريقا وسبيلا، فشريعة أهل التوراة في قتل العمد القصاص ليس لهم عقل ولا دية، والرجم على المحصن والمحصنة إذا زنيا.
وشريعة الإنجيل في القتل العمد العفو، ليس لهم قصاص ولا دية، وشريعتهم في الزنا الجلد بلا رجم، وشريعة أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قتل العمد القصاص والدية والعفو، وشريعتهم في الزنا إذا لم يحصن الجلد، فإذا أحصن فالرجم، ﴿ولو شاء الله لجعلكم﴾ يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأهل الكتاب، ﴿أمة واحدة﴾ على دين الإسلام وحدها، ﴿ولكن ليبلوكم﴾، يعني يبتليكم ﴿في ما آتاكم﴾، يعني فيما أعطاكم من الكتاب والسنة من يطع الله عز وجل فيما أمر ونهى، ومن يعصه ﴿فاستبقوا الخيرات﴾، يقول: سارعوا في الأعمال الصالحة يا أمة محمد، فيما ذكر من السبيل والسنة، ﴿إلى الله مرجعكم جميعا﴾ في الآخرة أنتم وأهل الكتاب، ﴿فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون﴾ آية في الدين.
المائدة 5:49
قوله سبحانه: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ إليك في الكتاب، يعني بين اليهود، وذلك أن قوما من رءوس اليهود من أهل النصير اختلفوا، فقال بعضهم لبعض: انطلقوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه ونرده عما هو عليه، فإنما هو بشر إذن فيستمع، فأتوه فقالوا له: هل لك أن تحكم لنا على أصحابنا أهل قريظة في أمر الدماء كما كنا عليه من قبل، فإن فعلت، فإنا نبايعك ونطيعك، وإنا إذا بايعناك تابعك أهل الكتاب كلهم، لأنا سادتهم وأحبارهم، فنحن نفتنهم ونزلهم عما هم عليه حتى يدخلوا في دينك.
فأنزل الله عز وجل يحذر نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ولا تتبع أهواءهم﴾ في أمر الدماء، ﴿واحذرهم أن يفتنوك﴾، يعني أن يصدوك، ﴿عن بعض ما أنزل الله إليك﴾ من أمر الدماء بالسوية، ﴿فإن تولوا﴾، يقول: فإن أبوا حكمك، ﴿فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم﴾، يعني أن يعذبهم في الدنيا بالقتل والجلاء من المدينة إلى الشام، ﴿ببعض ذنوبهم﴾، يعني ببعض الدماء التي كانت بينهم من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وإن كثيرا من الناس﴾، يعني رءوس اليهود، ﴿لفاسقون﴾، يعني لعاصون حين كرهوا حكم النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الدماء بالحق.
فقال كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، وكعب بن أسيد، للنبي صلى الله عليه وسلم: لا نرضى بحكمك، فأنزل الله عز وجل: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾
المائدة 5:50
﴿أفحكم الجاهلية يبغون﴾، الذي كانوا عليه من الجور من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ومن أحسن من الله حكما﴾، يقول: فلا أحد أحسن من الله حكما، ﴿لقوم يوقنون﴾ بالله عز وجل.
المائدة 5:51
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، نزلت في رجلين من المسلمين، ﴿لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾، قال: لما كانت وقعة أحد، خاف ناس من المسلمين أن يدال الكفار عليهم، فقال رجل منهم: أنا آتي فلانا اليهودي فأتهود، فإني أخشى أن يدال الكفار علينا، قال الآخر: أما أنا، فإني آتى الشام فأنتصر، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ ﴿ومن يتولهم منكم﴾، يعني من المؤمنين، ﴿فإنه منهم﴾، يعني يلحق بهم ويكون معهم ؛ لأن المؤمنين لا يتولون الكفار، ﴿إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
المائدة 5:52
ثم ذكر أنه إنما يتولاهم المنافقون، لأنهم وافقوهم على ما يقولون، قال سبحانه: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض﴾، وهو الشك، فهم المنافقون، ﴿يسارعون فيهم﴾، يعني في ولاية اليهود بالمدينة، ﴿يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة﴾، يعني دولة اليهود على المسلمين، وذلك أن نفرا من المنافقين، أربعة وثمانين رجلا، منهم: عبد الله بن أبي، وأبو نافع، وأبو لبابة، قالوا: نتخذ عند اليهود عهدا، ونواليهم فيما بيننا وبينهم، فإنا لا ندري ما يكون في غد، ونخشى ألا ينصر محمد صلى الله عليه وسلم، فينقطع الذي بيننا وبينهم، ولا نصيب منهم قرضا ولا ميرة، فأنزل الله عز وجل: ﴿فعسى الله أن يأتي بالفتح﴾، يعني بنصر محمد صلى الله عليه وسلم الذي يئسوا منه، ﴿أو﴾ يأتي ﴿أمر من عنده﴾، قتل قريظة، وجلاء النضير إلى أذرعات، فلما رأى المنافقون ما لقي أهل قريظة والنضير، ندموا على قولهم، قال: ﴿فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين﴾.
المائدة 5:53
فلما أخبر الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم عن المنافقين، أنزل هذه الآية: ﴿ويقول الذين آمنوا﴾ بعضهم لبعض: ﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله﴾، يعني المنافقين، ﴿جهد أيمانهم﴾، إذ حلفوا بالله عز وجل، فهو جهد اليمين، ﴿إنهم لمعكم﴾ على دينكم، يعني المنافقين، ﴿حبطت أعمالهم﴾، يعني بطلت أعمالهم، لأنها كانت في غير الله عز وجل، ﴿فأصبحوا خاسرين﴾ في الدنيا.
المائدة 5:54
قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه﴾، وذلك حين هزموا يوم أحد، شك أناس من المسلمين، فقالوا ما قالوا، ﴿فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه﴾، فارتد بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنو تميم، وبنو حنيفة، وبنو أسد، وغطفان، وأناس من كندة، منهم الأشعث بن قيس، فجاء الله عز وجل بخير من الذين ارتدوا، بوهب بطن من كندة، وبأحمس بجيلة، وحضرموت، وطائفة من حمير وهمذان، أبدلهم مكان الكافرين.
ثم نعتهم، فقال سبحانه: ﴿أذلة على المؤمنين﴾ بالرحمة واللين، ﴿أعزة على الكافرين﴾، يعني عليهم بالغلظة والشدة، فسدد الله عز وجل بهم الدين، ﴿يجاهدون في سبيل الله﴾ العدو، يعني في طاعة الله، ﴿ولا يخافون لومة لائم﴾، يقول: ولا يبالون غضب من غضب عليهم، ﴿ذلك فضل الله﴾، يعني دين الإسلام، ﴿يؤتيه من يشاء والله واسع﴾ لذلك الفضل، ﴿عليم﴾ لمن يؤتى الإسلام، وفيهم نزلت وفي الإبدال: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ (محمد: 38).
المائدة 5:55
وقوله سبحانه: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة والزكاة وهم راكعون﴾، وذلك أن عبد الله بن سلام وأصحابه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم عند صلاة الأولى: إن اليهود أظهروا لنا العداوة من أجل الإسلام، ولا يكلموننا، ولا يخالطوننا في شيء، ومنازلنا فيهم، ولا نجد متحدثا دون هذا المسجد، فنزلت هذه الآية، فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء، وجعل الناس يصلون تطوعا بعد المكتوبة، وذلك في صلاة الأولى.
وخرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى باب المسجد، فإذا هو بمسكين قد خرج من المسجد، وهو يحمد الله عز وجل، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "هل أعطاك أحد شيئا؟"، قال: نعم يا نبي الله، قال: "من أعطاك؟"، قال: الرجل القائم أعطاني خاتمه: يعني علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "على أي حال أعطاكه؟"، قال: أعطاني وهو راكع، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: "الحمد لله الذي خص عليا بهذه الكرامة"، فأنزل الله عز وجل: ﴿والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾
المائدة 5:56
﴿ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا﴾، يعني علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾، يعني شيعة الله ورسوله والذين آمنوا هم الغالبون، فبدأ بعلى بن أبي طالب، رضي الله عنه، قبل المسلمين، ثم جعل المسلمين وأهل الكتاب المؤمنين، فيهم عبد الله بن سلام وغيره هم الغالبون لليهود، حين قتلوهم وأجلوهم من المدينة إلى الشام وأذرعات وأريحا.
المائدة 5:57
قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يعني المنافقين الذين أقروا باللسان وليس الإيمان في قلوبهم، ﴿لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم﴾ الإسلام ﴿هزوا ولعبا﴾، يعني استهزاء وباطلا، وذلك أن المنافقين كانوا يوالون اليهود فيتخذونهم أولياء، قال: ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾، يعني اليهود، ﴿من قبلكم﴾، لأنهم أعطوا التوراة قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: لا تتخذوهم أولياء، ﴿و﴾ لا تتخذوا ﴿والكفار أولياء﴾، يعني كفار اليهود ومشركي العرب، ثم حذرهم، فقال: ﴿واتقوا الله إن كنتم مؤمنين﴾، يعني إن كنتم مصدقين، فلا تتخذوهم أولياء، يعني كفار العرب، حين قال عبد الله بن أبي، وعبد الله بن نتيل، وأبو لبابة، وغيرهم من اليهود: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، حين كتبوا إليهم.
المائدة 5:58
ثم أخبر عن اليهود، فقال سبحانه: ﴿وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا﴾، يعني استهزاء وباطلا، وذلك أن اليهود كانوا إذا سمعوا الأذان، ورأوا المسلمين قاموا إلى صلاتهم، يقولون: قد قاموا لا قاموا، وإذا رأوهم ركعوا، قالوا: لا ركعوا، وإذا رأوهم سجدوا ضحكوا، وقالوا: لا سجدوا، واستهزءوا، يقول الله تعالى: ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾، يقول: لو عقلوا ما قالوا هذه المقالة.
المائدة 5:59
﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون﴾، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم أبو ياسر، وحيي بن أخطب، ونافع بن أبي نافع، وعازر بن أبي عازر، وخالد وزيد ابنا عمرو، وأزر بن أبي أزر، وأشيع، فسألوه عن من يؤمن به من الرسل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نؤمن ﴿بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون﴾" (البقرة: 136)، فلما ذكر عيسى ابن مريم جحدوا نبوته صلى الله عليه وسلم، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به، فأنزل الله عز وجل هذه الآية: ﴿قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله﴾، يعني صدقنا بالله بأنه واحد لا شريك له، ﴿و﴾ صدقنا ب ﴿ما أنزل إلينا﴾، يعني قرآن محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿و﴾ صدقنا ب ﴿وما أنزل من قبل﴾ قرآن محمد صلى الله عليه وسلم، الكتب التي أنزلها الله عز وجل على الأنبياء، عليهم السلام، ﴿وأن أكثركم فاسقون﴾، يعني عصاة.
المائدة 5:60
قالت اليهود للمؤمنين: ما نعلم أحدا من أهل هذه الأديان أقل حظا في الدنيا والآخرة منكم، فأنزل الله عز وجل: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك﴾، يعني المؤمنين، ﴿مثوبة عند الله﴾، يعني ثوابا من عند الله، قالت اليهود: من هم يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿من لعنه الله﴾، وهم اليهود، ﴿وغضب عليه﴾، فإن لم يقتل أقر بالخراج وغضب عليه، ﴿وجعل منهم القردة والخنازير﴾، القردة في شأن الحيتان، والخنازير في شأن المائدة، ﴿وعبد الطاغوت﴾، فيها تقديم، ﴿وعبد الطاغوت﴾، يعني ومن عبد الطاغوت، وهو الشيطان، ﴿أولئك شر مكانا﴾ في الدنيا، يعني شر منزلة، ﴿وأضل عن سواء السبيل﴾، يعني وأخطأ عن قصد الطريق من المؤمنين.
فلما نزلت هذه الآية، عيرت اليهود، فقالوا لهم: يا إخوان القردة والخنازير، فنكسوا رءوسهم وفضحهم الله تعالى، وجاء أبو ياسر بن أخطب، وكعب بن الأشرف، وعزر بن أبي عازر، ونافع بن أبي نافع، ورافع بن أبي حريملة، وهم رؤساء اليهود، حتى دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد صدقنا بك يا محمد، لأنا نعرفك ونصدقك ونؤمن بك.
ثم خرجوا من عنده بالكفر، غير أنهم أظهروا الإيمان، فأنزل الله عز وجل فيهم: ﴿وإذا جاءوكم قالوا آمنا﴾
المائدة 5:61
﴿وإذا جاءوكم﴾ اليهود، ﴿قالوا آمنا﴾، يعني صدقنا بمحمد صلى الله عليه وسلم، لأنهم دخلوا عليه وهم يسرون الكفر، وخرجوا من عنده بالكفر، فذلك قوله سبحانه: ﴿وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به﴾، يعني بالكفر مقيمين عليه، ﴿والله أعلم بما كانوا يكتمون﴾، يعني بما يسرون في قلوبهم من الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، نظيرها في آل عمران.
المائدة 5:62
ثم أخبر عنهم، فقال سبحانه: ﴿وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم﴾، يعني المعصية، ﴿والعدوان﴾، يعني الظلم، وهو الشرك، ﴿وأكلهم السحت﴾، يعني كعب بن الأشرف، لأنه كان يرشى في الحكم ويقضي بالجور، ﴿لبئس ما كانوا يعملون﴾.
المائدة 5:63
ثم عاتب الله عز وجل الربانيين والأحبار فقال: ﴿لولا﴾، يعني فهلا ﴿ينهاهم الربانيون والأحبار﴾، يعني بالربانيين المتعبدين والأحبار، يعني القراء الفقهاء أصحاب القربان من ولد هارون، عليه السلام، وكانوا رءوس اليهود، ﴿عن قولهم الإثم﴾، يعني الشرك، ﴿وأكلهم السحت﴾، يعني الرشوة في الحكم، ﴿لبئس ما كانوا يصنعون﴾، حين لم ينهوهم، فعاب من أكل السحت: الرشوة في الحكم، وعاب الربانيين الذين لم ينهوهم عن أكله.
المائدة 5:64
﴿وقالت اليهود﴾، يعني ابن صوريا، وفنحاص اليهوديين، وعازر بن أبي عازر، ﴿يد الله مغلولة﴾، يعني ممسكة، أمسك الله يده عنا، فلا تبسطها علينا بخير، وليس بجواد، وذلك أن الله عز وجل بسط عليهم في الرزق، فلما عصوا واستحلوا ما حرم عليهم، أمسك عنهم الرزق، فقالوا عند ذلك: يد الله محبوسة عن البسط، يقول الله عز وجل: ﴿غلت أيديهم﴾، يعني أمسكت أيديهم عن الخير، ﴿ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان﴾ بالخير، ﴿ينفق كيف يشاء﴾، إن شاء وسع في الرزق، وإن شاء قتر، هم خلقه وعبيده في قبضته.
ثم قال: ﴿وليزيدن كثيرا منهم﴾، يعني اليهود من بني النضير، ﴿ما أنزل إليك من ربك﴾، يعني أمر الرجم والدماء، ونعت محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿طغيانا وكفرا﴾ بالقرآن، يعني جحودا به، ﴿وألقينا بينهم﴾، يعني اليهود والنصارى، شر ألقاه عز وجل بينهم: ﴿العداوة والبغضاء﴾، يعني يبغض بعضهم بعضا، ويشتم بعضا، ﴿إلى يوم القيامة﴾، فلا يحب اليهودي النصراني ولا النصراني اليهودي، ﴿كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله﴾، يعني كلما أجمعوا أمرهم على مكر بمحمد صلى الله عليه وسلم في أمر الحرب، فرقه الله عز وجل، وأطفأ نار مكرهم، فلا يظفرون بشيء أبدا، ﴿ويسعون في الأرض فسادا﴾، يعني يعملون فيها بالمعاصي، ﴿والله لا يحب المفسدين﴾، آية يعني العاملين بالمعاصي.
المائدة 5:65
وقوله سبحانه: ﴿ولو أن أهل الكتاب﴾، يعني اليهود والنصارى، ﴿آمنوا﴾، يعني صدقوا بتوحيد الله، ﴿واتقوا﴾ الشرك، ﴿لكفرنا عنهم سيئاتهم﴾، يعني لمحونا عنهم ذنوبهم، ﴿ولأدخلنهم جنات النعيم﴾.
المائدة 5:66
﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل﴾، فعملوا بما فيهما من أمر الرجم والزنا وغيره، ولم يحرفوه عن مواضعه في التوراة التي أنزلها الله عز وجل، فأما في الإنجيل، فنعت محمد صلى الله عليه وسلم، وأما في التوراة، فنعت محمد صلى الله عليه وسلم، والرجم والدماء وغيرها، ولم يحرفوها عن مواضعها، ﴿و﴾ أقاموا ب ﴿وما أنزل إليهم من ربهم﴾ في التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى الله عليه وسلم، ومن إيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولم يحرفوا نعته، ﴿لأكلوا من فوقهم﴾، يعني المطر، ﴿ومن تحت أرجلهم﴾، يعني من الأرض: النبات، ثم قال عز وجل: ﴿منهم أمة مقتصدة﴾، يعني عصبة عادلة في قولها من مؤمني أهل التوراة والإنجيل، فأما أهل التوراة، فعبد الله بن سلام وأصحابه، وأما أهل الإنجيل، فالذين كانوا على دين عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، وهم اثنان وثلاثون رجلا، ثم قال سبحانه: ﴿وكثير منهم﴾، يعني من أهل الكتاب، يعني كفارهم، ﴿ساء ما يعملون﴾، يعني بئس ما كانوا يعملون.
المائدة 5:67
قوله سبحانه: ﴿يا أيها الرسول بلغ﴾، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ﴿ما أنزل إليك من ربك﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا اليهود إلى الإسلام، فأكثر الدعاء، فجعلوا يستهزئون ويقولون: أتريد يا محمد أن تتخذك حنانا كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا؟ فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، سكت عنهم، فحرض الله، يعني فحضض الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم على الدعاء إلى الله عز وجل، وألا يمنعه ذلك تكذيبهم إياه واستهزاؤهم، فقال: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾ ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾، يعني من اليهود، فلا تقتل، ﴿إن الله لا يهدي القوم الكافرين﴾، يعني اليهود، فلما نزلت هذه الآية، أمن النبي صلى الله عليه وسلم من القتل والخوف، فقال: "لا أبالي من خذلني ومن نصرني"، وذلك أنه كان يخشى أن تغتاله اليهود فتقتله.
المائدة 5:68
ثم أخبره ماذا يبلغ، فقال تعالى: ﴿قل يا أهل الكتاب﴾، يعني اليهود والنصارى، ﴿لستم على شيء﴾ من أمر الدين، ﴿حتى تقيموا التوراة والإنجيل﴾، يقول: حتى تتلوهما حق تلاوتهما كما أنزلهما الله عز وجل، ﴿و﴾ تقيموا ﴿وما أنزل إليكم من ربكم﴾ من أمر محمد صلى الله عليه وسلم، ولا تحرفوه عن مواضعه، فهذا الذي أمر الله عز وجل أن يبلغ أهل الكتاب، ﴿وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك﴾، يعني ما في القرآن من أمر الرجم والدماء، ﴿طغيانا وكفرا﴾، يعني وجحودا بالقرآن، ﴿فلا تأس على القوم﴾، يعني فلا تحزن يا محمد صلى الله عليه وسلم على القوم ﴿الكافرين﴾، يعني أهل الكتاب إذ كذبوك بما تقول.
المائدة 5:69
قوله سبحانه: ﴿إن الذين آمنوا﴾، يعني الذين صدقوا، ﴿والذين هادوا﴾، يعني
اليهود، ﴿والصابئون﴾، هم قوم من النصارى صبأوا إلى دين نوح وفارقوا هذه الفرق الثلاث، وزعموا أنهم على دين نوح، عليه السلام، وأخطأوا، لأن دين نوح، عليه السلام، كان على دين الإسلام، ﴿والنصارى﴾، إنما سموا نصارى، لأنهم ابتدعوا هذا الدين بقرية تسمى ناصرة، قال الله عز وجل: ﴿من آمن﴾ من هؤلاء ﴿بالله واليوم الآخر وعمل صالحا﴾، وأدى الفرائض من قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فله الجنة، ومن بقي منهم إلى أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، فلا إيمان له، إلا أن يصدق بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن صدق بالله عز وجل أنه واحد لا شريك له، وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿فلا خوف عليهم﴾ من العذاب، ﴿ولا هم يحزنون﴾ من الموت.
المائدة 5:70
قوله سبحانه: ﴿لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل﴾ في التوراة على أن يعملوا بما فيها، ﴿وأرسلنا إليهم رسلا﴾، يعني وأرسل الله تعالى إليهم رسلا، ﴿كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم﴾، يعني اليهود، ﴿فريقا كذبوا﴾، يعني اليهود، فريقا كذبوا عيسى صلى الله عليه وسلم ومحمدا صلى الله عليه وسلم، ﴿وفريقا يقتلون﴾، يعني اليهود، كذبوا بطائفة من الرسل، وقتلوا طائفة من الرسل، يعني زكريا، ويحيى في بني إسرائيل.
المائدة 5:71
قوله عز وجل: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة﴾، يعني اليهود، حسبوا ألا يكون شرك ولا يبتلوا ولا يعاقبوا بتكذيبهم الرسل وبقتلهم الأنبياء، أن لا يبتلوا بالبلاء والشدة من قحط المطر، ﴿فعموا﴾ عن الحق، فلم يبصره، ﴿وصموا﴾ عن الحق، فلم يسمعوه، ﴿ثم تاب الله عليهم﴾، يقول: تجاوز عنهم، فرفع عنهم البلاء فلم يتوبوا بعد رفع البلاء، ﴿ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون﴾ من قتلهم الأنبياء وتكذيبهم الرسل.
المائدة 5:72
قوله عز وجل: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم﴾، نزلت في نصارى نجران الماريعقوبيين، منهم السيد والعاقب وغيرهما، قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، ﴿وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم﴾، يعني وحدوا الله ربي وربكم، ﴿إنه من يشرك بالله﴾، فيقول: إن الله هو المسيح ابن مريم، فيموت على الشرك، ﴿فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين﴾، يعني وما
للمشركين ﴿من أنصار﴾، يعني من مانع يمنعهم من النار.
المائدة 5:73
﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة﴾، يعني الملكانيين، قالوا: الله والمسيح ومريم، يقول الله عز وجل تكذيبا لقولهم: ﴿وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون﴾ من الشرك ﴿ليمسن﴾، يعني ليصيبن ﴿الذين كفروا منهم عذاب أليم﴾، يعني وجيع، والقتل بالسيف، والجزية على من بقي منهم عقوبة.
المائدة 5:74
ثم قال سبحانه يعيبهم: ﴿أفلا يتوبون إلى الله﴾، يعني أفهلا يتوبون إلى الله، ﴿ويستغفرونه﴾ من الشرك، فإن فعلوا غفر لهم، ﴿والله غفور﴾ لذنوبهم ﴿رحيم﴾ بهم.
المائدة 5:75
ثم أخبر عن عيسى صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة﴾، يعني مؤمنة كقوله سبحانه: ﴿إنه كان صديقا نبيا﴾ (مريم: 56)، يعني مؤمنا نبيا، وذلك حين قال لها جبريل، عليه السلام: ﴿إنما أنا رسول ربك﴾ (مريم: 19)، وفي بطنك المسيح، فآمنت بجبريل، عليه السلام، وصدقت بالمسيح ابن مريم، عليه السلام، ثم سميت الصديقة، وهي يومئذ في محراب بيت المقدس، ﴿كانا يأكلان الطعام﴾، فلو كانا إلهين ما أكلا الطعام، ﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف نبين لهم الآيات﴾، يعني العلامات في أمر عيسى ومريم أنهم كانا يأكلان الطعام والآلهة لا تأكل الطعام، ﴿ثم انظر أنى يؤفكون﴾، يعني من أين يكذبون، فأعلمهم أني واحد.
المائدة 5:76
﴿قل﴾ لنصارى نجران، ﴿أتعبدون من دون الله﴾، يعني عيسى، ﴿ما لا يملك لكم ضرا﴾ في الدنيا، ﴿ولا نفعا﴾ في الآخرة، ﴿والله هو السميع﴾ لقولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، وثالث ثلاثة، ﴿العليم﴾ بمقالتهم.
المائدة 5:77
﴿قل يا أهل الكتاب﴾، يعني نصارى نجران، ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ عن دين الإسلام فتقولوا ﴿غير الحق﴾ في عيسى ابن مريم، ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا﴾ عن الهدى، ﴿من قبل وأضلوا﴾، عن الهدى ﴿كثيرا﴾ من الناس، ﴿وضلوا عن سواء السبيل﴾، يعني وأخطأوا عن قصد سبل الهدى نزلت في برصيصا.
المائدة 5:78
﴿لعن الذين كفروا﴾ اليهود ﴿من بني إسرائيل﴾، يعني من سبط بني إسرائيل، ﴿على لسان داود﴾ ابن أنبشا، وذلك أنهم صادوا الحيتان يوم السبت، وكانوا قد نهوا عن صيد الحيتان يوم السبت، قال دواد: اللهم إن عبادك قد خالفوا أمرك وتركوا أمرك، فاجعلهم آية ومثلا لخلقك، فمسخهم الله عز وجل قردة، فهذه لعنة داود عليه السلام، ﴿وعيسى ابن مريم﴾، وأما لعنة عيسى صلى الله عليه وسلم، فإنهم أكلوا المائدة، ثم كفروا ورفعوا من المائدة، فقال عيسى: اللهم إنك وعدتني أن من كفر منهم بعدما يأكل من المائدة أن تعذبه عذابا لا تعذبه أحدا من العالمين، اللهم العنهم كما لعنت أصحاب السبت، فكانوا خمسة آلاف، فمسخهم الله عز وجل خنازير، ليس فيهم امرأة ولا صبي، ﴿ذلك بما عصوا﴾ في ترك أمره، ﴿وكانوا يعتدون﴾ في دينهم.
المائدة 5:79
﴿كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون﴾ حين لم ينهوهم عن المنكر.
المائدة 5:80
ثم قال عز وجل: ﴿ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا﴾، يعني من قريش، ﴿لبئس ما قدمت لهم أنفسهم﴾، لأنهم ليسوا بأصحاب كتاب، ﴿أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون﴾.
المائدة 5:81
﴿ولو كانوا﴾، يعني اليهود، ﴿يؤمنون بالله﴾، يعني يصدقون بالله عز وجل بأنه واحد لا شريك له، ﴿و﴾ ب ﴿والنبي﴾ صلى الله عليه وسلم ﴿وما أنزل إليه﴾ من القرآن، ﴿ما اتخذوهم أولياء﴾، يقول ما تخذوا مشركي العرب أولياء، ﴿ولكن كثيرا منهم﴾ من اليهود ﴿فاسقون﴾، يعني عاصين.
المائدة 5:82
(لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا)،
كان اليهود يعاونون مُشركِي العرب على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، ويأمرونهم بالمسير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، (والذين أشركوا)، يعني مشركي العرب أيضا، كانوا شديدي العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، رضي الله عنهم، (ولتجدن أقربهم مودة)، وليس يعني في الحب، ولكن يعني في سرعة الإجابة للإيمان، (للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى)، وكانوا في قرية تُسمَّى ناصرة، (ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا)، يعني مُتعبِّدين أصحاب الصَّوامع، (وأنهم لا يستكبرون)، يعني لا يتكبَّرون عن الإيمان.
نزلت في أربعين رجلا من مؤمني أهل الإنجيل، منهم اثنان وثلاثون رجلا، قدموا من أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، رضي الله عنه، وثمانية نفر قدموا من الشام، معهم بحيرى الراهب، وأبرهة، والأشرف، ودريس، وتمام، وقسيم، ودريد، وأيمن، والقسيسون الذين يحلقون أواسط رؤوسهم، وذلك أنهم حين سمعوا القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: ما أشبه هذا بالذي كنا نتحدث به، عن عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم، فبكوا وصدقوا بالله عز وجل ورسله، فنزلت فيهم: (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول)
المائدة 5:83
(وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول) من القرآن، (ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا)، يعني صدقنا بالقرآن أنه من الله عز وجل، (فاكتبنا)، يعني فاجعلنا (مع الشاهدين)، يعني مع المهاجرين، يعني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نظيرها في المجادلة: (كتب في قلوبهم الإيمان) (المجادلة: 22)، يقول: جعل في قلوبهم الإيمان، وهو التوحيد.
المائدة 5:84
وقالوا: (وما لنا لا نؤمن بالله)، وذلك أنَّهم لما أسلموا ورجعوا إلى أرضهم، لامهم كُفَّار قومهم، فقالوا: أتركتم مِلَّةَ عيسى صلى الله عليه وسلم، ودين آبائكم، قالوا: نعم، (وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق) مع محمد صلى الله عليه وسلم، (ونطمع)، يعني: ونرجو (أن يدخلنا ربنا) الجنة (مع القوم الصالحين)، وهم المُهاجرين الأُوَل، رضوان الله عليهم.
المائدة 5:85
(فأثابهم الله بما قالوا) من التصديق، (جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها)، لا يموتون، (وذلك) الثواب (جزاء المحسنين).
المائدة 5:86
ثم قال سبحانه :
(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا)، يعني بالقرآن، بأنه ليس من الله عز وجل، (أولئك أصحاب الجحيم)، يعني ما عظم من النار، يعني كفار النصارى الذين لاموهم حين أسلموا وتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم.
المائدة 5:87
قوله سبحانه :
(يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم) من اللباس والنساء، نزلت في عشر نفر، منهم: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعمر، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وعثمان بن مظعون، والمقداد بن الأسود، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، وحذيفة بن اليمان، وسالم مولى أبي حذيفة، ورجل آخر. اجتمعوا في بيت عثمان بن مظعون رضي الله عنهم، ثم قالوا: تعالوا حتى نحرم على أنفسنا الطعام واللباس والنساء، وأن يَقطَع بعضُهم مَذاكِيرَه، ويلبس المسرح، ويَبنُوا الصوامع، فيترهَّبوا فيها، فتفرَّقوا وهذا رأيُهم.
فجاء جبريل عليه السلام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأتى منزل عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فلم يجدهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لامرأة عثمان: "أحق ما بلغني عن عثمان وأصحابه؟"، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم الذي بلغه، فكرهت أن تكذب النبي صلى الله عليه وسلم، أو تفشي سر زوجها، فقالت: يا رسول الله، إن كان عثمان أخبرك بشيء، فقد صدقك، أو أخبرك الله عز وجل بشيء، فهو كما أخبرك ربك تعالى ذكره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قولي لزوجك إذا جاء: إنه ليس مني من لم يَسْتَنَّ بسُنَّتي، ويَهْتَدِ بهَدْينا، ويأكل من ذبائحنا، فإن من سُنَّتنا اللباس، والطعام، والنساء، فأعلمي زوجك، وقولي له: من رَغِب عن سُنَّتي فليس منِّى".
فلما رجع عثمان وأصحابه، أخبرته امرأته بقول النبي صلى الله عليه وسلم، فما أعجبه، فذروا الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا)، فتُحرِّموا حلاله، (إن الله لا يحب المعتدين) من يُحرِّم حلالَه، ويعتدي في أمره عز وجل.
المائدة 5:88
(وكُلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا) اللباس والنساء والطعام، (واتقوا الله)، ولا تُحرِّموا ما أَحَلَّ اللهُ لكم، واتقوا الله، (الذي أنتم به مؤمنون)، يقول: الذي أنتم به مُصدِّقون.
المائدة 5:89
قوله سبحانه:
(لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)، وهو الرجل يَحلِف على أمرٍ، وهو يرى أنه فيه صادق وهو كاذب، فلا إثم عليه ولا كفارة، (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان)، يقول: بما عقد عليه قلبُك، فتحلف وتعلم أنك كاذب، (فكفارته)، يعني: كفارة هذا اليمين الذي عقد عليها قلبه وهو كاذب، (إطعام عشرة مساكين)، لكل مسكين نصف صاع حنطة، (من أوسط ما تطعمون)، يعني من أعدل ما تطعمون (أهليكم) من الشبع، نظيرها في البقرة: (جعلناكم أمة وسطا) (البقرة: 143)، يعني عدلا، قال سبحانه في ن: (قال أوسطهم) (القلم: 28)، يعني أعدلهم، يقول: ليس بأدنى ما تأكلون ولا بأفضله.
ثم قال سبحانه: (أو كسوتهم)، يعني: كسوة عشرة مساكين، لكل مسكين عباءة أو ثوب، (أو تحرير رقبة) ما، سواء أكان المحرر يهوديا، أو نصرانيا، أو مجوسيا، أو صابئيا، فهو جائز. وهو بالخيار في الرقبة، أو الطعام، أو الكسوة، (فمن لم يجد) من هذه الخصال الثلاث شيئا، (فصيام ثلاثة أيام)، وهي في قراءة ابن مسعود متتابعات، (ذلك) الذي ذكر الله عز وجل (كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم)، فلا تتعمَّدوا اليمينَ الكاذبة، (كذلك يُبيِّن الله لكم آياته لعلكم تشكرون) ربكم في هذه النعم، إذ جعل لكم مخرجا في إيمانكم فيما ذكر في الكفارة.
المائدة 5:90
قوله سبحانه:
(يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر)، نزلت في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وفي رجل من الأنصار، يقال له: عتبان بن مالك الأنصاري. وذلك أن الأنصاري صنع طعاما، وشوى رأس بعير، ودعا سعد بن أبي وقاص إلى الطعام، وهذا قبل التحريم، فأكلوا وشربوا حتى انْتَشَوا، وقالوا الشعر، فقام الأنصاريُّ إلى سعد، فأخذ إحدى لِحْيَي البعير، فضرب به وجهه فشجَّه، فانطلق سعدٌ مُستعدِيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل تحريمُ الخمر.
فقال سبحانه :
(يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر)، يعني: به القمار كله، (والأنصاب)، يعني: الحجارة التي كانوا ينصبونها ويذبحون لها، (والأزلام)، يعني: القدحين الذين كانوا يعملون بهما، (رجس)، يعني: إثم، (من عمل الشيطان فاجتنبو)، يعني: من تزيين الشيطان، ومثله في القصص: (هذا من عمل الشيطان) (القصص: 15)، (فاجتنبوه)، فهذا النهي للتحريم، كما قال سبحانه: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) (الحج: 30)، فإنه حرام، كذلك فاجتنبوا الخمر، فإنها حرام، (لعلكم تفلحون) يعني لكي.
المائدة 5:91
(إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة)، يعني أن يغرى بينكم العداوة، (والبغضاء) الذي كان بين سعد وبين الأنصاري حتى كسر أنف سعد، (في الخمر والميسر)، ورث ذلك العداوة والبغضاء، ويريد الشيطان أن (يصدكم عن ذكر الله)، يقول: إذا سكرتم لم تذكروا الله عز وجل، (وعن الصلاة)، يقول: إذا سكرتم لم تصلوا، (فهل أنتم منتهون)، فهذا وعيد بعد النهي والتحريم، قالوا: انتهينا يا ربنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الذين آمنوا، إن الله حرم عليكم الخمر، فمن كان عنده منها شيء، فلا يشربها، ولا يبيعها، ولا يسقيها غيره".
قال: وقال أنس بن مالك: لقد نزل تحريمُ الخمر وما بالمدينة يومئذ خمر، إنما كانوا يشربون الفَصِيح، وأما المَيْسر، فهو القِمار، وذلك أن الرجل في الجاهلية كان يقول: أين أصحاب الجزور، فيقوم نفر، فيشترون بينهم جزورا، فيجعلون لكل رجل منهم سهم، ثم يقرعون. فمن خرج سهمه برئ من الثمن، وله نصيب في اللحم، حتى يبقى آخرهم، فيكون عليه الثمن كله، وليس له نصيبٌ في اللحم، وتُقسَم الجزورُ بين البَقيَّة بالسَّوية.
وأما الأزلام، فهي القداح التي كانوا يقتسمون الأمور بها، قَدَحَيْن مكتوبٌ على أحدهما: أمرني ربي، وعلى الآخر: نهاني ربي، فإذا أرادوا أمرا أتوا بيت الأصنام، فغطوا عليه ثوبا، ثم ضربوا بالقِداح، فإن خرج أمرني ربي، مضى على وجهه الذي يريد، وإن خرج نهاني ربي، لم يخرج في سفره، وكذلك كانوا يفعلون إذا شكوا في نسبة رجل، وأما الأنصاب، فهي الحجارة التي كانوا ينصبونها حول الكعبة، وكانوا يذبحون لها.
المائدة 5:92
ثم قال عز وجل :
(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول) في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام، إلى آخر الآية، (واحذروا) معاصيهما، (فإن توليتم)، يعني أعرضتم عن طاعتهما، (فاعلموا أنما على رسولنا) محمد صلى الله عليه وسلم، (البلاغ المبين) في تحريم ذلك، فلما نزلت هذه الآية في تحريم الخمر، قال حُيَي بن أخطب، وأبو ياسر، وكعب بن الأشرف للمسلمين: فما حال من مات منكم، وهم يشربون الخمر؟ فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن إخواننا ماتوا وقُتِلوا، وقد كانوا يشربونها، فأنزل الله عز وجل: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح)
المائدة 5:93
(ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح)، يعني حرج، (فيما طعموا)، يعني شربوا من الخمر قبل التحريم، (إذا ما اتقوا) المعاصي، (وآمنوا) بالتوحيد، (وعملوا الصالحات)، يعني أقاموا الفرائض قبل التحريم، (ثم اتَّقوا) المعاصي، (وآمنوا) بما يجيء من الناسخ والمنسوخ، (ثم اتَّقوا) المعاصي بعد تحريمها، (وآمنوا)، يعني وصدقوا، (ثم اتَّقوا) الشِّرك (وأحسنوا) العمل بعد تحريمها، فمن فعل ذلك، فهو محسن، (والله يحب المحسنين)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للذي سأله: "قيل لي إنك من المُحسِنين".
المائدة 5:94
وقوله سبحانه:
(يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد)، يعني: ببعض الصيد، فخص صيد البر خاصة، ولم يَعمَّ الصيدَ كلَّه ؛ لأن للبحر صيدا، (تناله أيديكم)، يقول: تأخذون صغار الصيد بأيديكم أخذاً بغير سلاح، ثم قال سبحانه: (ورماحكم) يعني: وسلاحكم النبل والرماح، بها يصيبون كِبَار الصيد، وهو عام حُبِس النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن مكة عام الحديبية، وأقام بالتنعيم، فصالَحَهم على أن يرجع عامَّة ذلك، ولا يدخل مكة، فإذا كان العام المُقبِل، أَخْلَوا له مكة فدخلها في أصحابه رضي الله عنهم، وأقام بها ثلاثا، ورضي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فنحر البُدُن مائة بَدَنة، فجاءت السِّباعُ والطيرُ تأكل منها، فنهى الله عز وجل عن قتل الصيد في الحرم، (ليعلم الله)، لكي يرى الله، (من يخافه بالغيب)، يقول: من يخاف الله عز وجل ولم يره، فلم يتناول الصيد، وهو مُحرِم، (فمن اعتدى بعد ذلك)، يقول: فمن أخذ الصيدَ عمداً بعد النهي، فقتَلَ الصيدَ وهو مُحرِم، (فله عذاب أليم)، يعني ضربا وجيعا، ويسلب ثيابه، ويغرم الجزاء، وحُكْم ذلك إلى الإمام، فهذا العذاب الأليم.
المائدة 5:95
قوله سبحانه :
(يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، وذلك أن أبا بشر، واسمه: عمرو بن مالك الأنصاري، كان محرما في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمارَ وحشٍ، فنزلت فيه: (ولا تقتلوا الصيد وأنتم حرم)، (ومن قتله منكم متعمدا) لقتله ناسيا لإحرامه، (فجزاء)، يعني: جزاء الصيد، (مثل ما قتل من النعم)، يعني: من الأزواج الثمانية، إن كان قتَلَ عمداً أو خطأً، أو أشار إلى الصيد فأُصيب، فعليه الجزاء، (يحكم به ذوا عدل منكم)، يعني: يحكم بالكفارة رجلان من المسلمين عدلين فقيهين، يحكمان في قاتل الصيد جزاء مثل ما قتل من النعم. إن قتل حمار وحش، أو نعامة، ففيها بعيرٌ ينحره بمكة، يطعم المساكين ولا يأكل هو، ولا أحد من أصحابه، وإن كان من ذوات القرون الأيل والوعل ونحوهما، فجزاؤه أن يذبح بقرة للمساكين، وفي الطير ونحوها جزاؤه أن يذبح شاة مُسنَّة، وفي الحمام شاةٌ، وفي بيض الحمام إذا كان فيه فرخ درهمٌ، وإن لم يكن فيه فرخ، فنصفُ درهم، وفي ولد الحمار الوحش ولدُ بعيرٍ مثلُه، وفي ولد النعامة ولدُ بعيرٍ مثلُه، وفي ولد الأيل والوعل ونحوه ولدُ بقرةٍ مثلُه، وفي فرخ الحمام ونحوه ولدُ شاةٍ مثلُه، وفي ولد الظبي ولدُ شاةٍ مثلُه.
(هديا بالغ الكعبة)، يعني ينحر بمكة، كقوله سبحانه في الحج: (ثم محلها إلى البيت العتيق) (الحج: 33)، تذبح بأرض الحرم، فتطعم مساكين مكة، (أو كفارة طعام مساكين)، لكل مسكين نصفُ صاعٍ حنطةً، (أو عدل ذلك صياما)، يقول: إن لم يقدر على الهدي ولا على ثمنه، ولا على إطعام المساكين، فلْيَصُم مكان كل مسكين يوما، ينظر ثمن الهدي فيجعله دراهم، ثم ينظر كم يبلغ الطعام بتلك الدراهم بسعر مكة، فيصوم مكان كل مسكين يوما، وبكل مسكين نصف صاع حنطة، (ليذوق وبال أمره)، يعني: جزاء ذنبه، يعني: الكفارة عقوبة له بقتله الصيد، (عفا الله عما سلف)، يقول: عفا الله عما كان منه قبل التحريم، يقول: تجاوز الله عما صنع في قتله الصيد متعمدا قبل نزول هذه الآية، (ومن عاد) بعد النهي إلى قتل الصيد، (فينتقم الله منه) بالضرب والفدية وبنزع ثيابه، (والله عزيز)، يعني: منيع في ملكه، (ذو انتقام) من أهل معصيته فيمن قتل الصيد، نزلت هذه الآية قبل الآية الأولى: (فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم).
المائدة 5:96
ثم قال عز وجل:
(أُحلَّ لكم صيدُ البحر)، يعني: السمك الطري، وشيءٌ يفرخ في الماء، لا يفرخ في غيره، فهو للمُحرِم حلال، ثم قال: (وطعامه)، يعني مليح السمك، (متاعا لكم)، يعني: منافع لكم، يعني للمقيم، (وللسَّيَّارة)، يعني للمسافر، (وحُرِّم عليكم صيدُ البر ما دمتم حرما)، يعني: ما دمتم مُحرِمين، (واتقوا الله)، ولا تستحلوا الصيد في الإحرام، ثم حذَّرهم قتل الصيد، فقال سبحانه: (الذي إليه تحشرون) في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم.
المائدة 5:97
قوله سبحانه: ﴿جعل الله الكعبة البيت الحرام﴾، أنها سميت الكعبة، لأنها منفردة من البنيان، وكل منفرد من البنيان فهو في كلام العرب الكعبة، قال أبو محمد: قال ثعلب: العرب تسمى كل بيت مربع الكعبة، ﴿قياما للناس﴾، يعني أرض الحرم أمنا لهم وحياة لهم في الجاهلية. قال: كان أحدهم إذا أصاب ذنبا أو أحدث حدثا يخاف على نفسه، دخل الحرم فأمن فيه، ﴿والشهر الحرام﴾، قال: كان الرجل إذا أراد سفرا في أمره، فإن كان السفر الذي يريده يعلم أنه يذهب ويرجع قبل أن يمضي الشهر الحرام توجه آمنا، ولم يقلد نفسه ولا راحلته، وإن كان يعلم أنه لا يقدر على الرجوع حتى يمضي الشهر الحرام، قلد نفسه وبعيره من لحا شجر الحرم فيأمن به حيث ما توجه من البلاد، فمن ثم قال سبحانه: ﴿والهدي والقلائد﴾ كل ذلك كان قواما لهم وأمنا في الجاهلية، نظيرها في أول السورة، ﴿ذلك﴾، يقول: هذا ﴿لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض﴾، قبل أن يكونا، ويعلم أنه سيكون من أمركم الذي كان، ﴿وأن الله بكل شيء﴾ من أعمال العباد، ﴿عليم﴾.
المائدة 5:98
ثم خوفهم ألا يستحلوا الغارة في حجاج اليمامة، يعني شريحا وأصحابه، فقال: ﴿اعلموا أن الله شديد العقاب﴾ إذا عاقب، ﴿وأن الله غفور رحيم﴾ لمن أطاعه بعد النهى.
المائدة 5:99
ثم قال عز وجل: ﴿ما على الرسول﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿إلا البلاغ﴾ في أمر حجاج اليمامة، شريح بن ضبيعة وأصحابه، ﴿والله يعلم ما تبدون﴾، يعني ما تعلنون بألسنتكم، ﴿وما تكتمون﴾ من أمر حجاج اليمامة والغارة عليهم.
المائدة 5:100
﴿قل﴾ لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿لا يستوي الخبيث والطيب﴾، يعني بالخبيث الحرام، والطيب الحلال، نزلت في حجاج اليمامة حين أراد المؤمنون الغارة عليهم، ﴿ولو أعجبك كثرة الخبيث﴾، يعني الحرام، ثم حذرهم، فقال سبحانه: ﴿فاتقوا الله﴾ ولا تستحلوا منهم محرما، ﴿يا أولي الألباب﴾، يعني يا أهل اللب والعقل، ﴿لعلكم تفلحون﴾.
المائدة 5:101
قوله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسوءكم﴾، نزلت في عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي، من بنى غنم ابن دودان، وفي عبد الله بن حذافة القرشي، ثم السهمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج"، فقال عبد الله بن جحش: أفي كل عام؟ فسكت عنه صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد قوله، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ونخسه بقضيب كان معه، ثم قال: "ويحك، لو قلت نعم لوجبت، فاتركوني ما تركتكم، فإذا أمرتكم بأمر فافعلوه، وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس، إنه قد رفعت لي الدنيا، فأنا أنظر إلى ما يكون في أمتي من الأحداث إلى يوم القيامة، ورفعت لي أنساب العرب، فأنا أعرف أنسابهم رجلا رجلا".
فقام رجل، فقال: يا رسول الله، أين أنا؟ قال: "أنت في الجنة"، ثم قام آخر، فقال: أين أنا؟ قال: "في الجنة"، ثم قام الثالث، فقال: أين أنا؟ فقال: "أنت في النار"، فرجع الرجل حزينا، وقام عبد الله بن حذافة، وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبى؟ قال: "أبوك حذافة"، وقام رجل من بني عبد الدار، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: "أبوك سعد"، نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله، استر علينا يستر الله عليك، أنا قوم قريبو عهد بالشرك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خيرا"، فأنزل الله عز وجل: ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾، يعني إن تبين لكم فلعلكم إن تسألوا عما لم ينزل به قرآنا فينزل به قرآنا مغلظا لا تطيقوه، قوله سبحانه: ﴿وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن﴾، يعني عن الأشياء حين ينزل بها قرآنا، ﴿تبد لكم﴾ تبين لكم، ﴿عفا الله عنها﴾، يقول: عفا الله عن تلك الأشياء حين لم يوجبها عليكم، ﴿والله غفور حليم﴾، يعني ذو تجاوز حين لا يعجل بالعقوبة.
المائدة 5:102
ثم قال عز وجل: ﴿قد سألها قوم﴾، يقول: قد سأل عن تلك الأشياء، ﴿من قبلكم﴾، يعني من بني إسرائيل، فبينت لهم، ﴿ثم أصبحوا بها كافرين﴾، وذلك أن بني إسرائيل سألوا المائدة قبل أن تنزل، فلما نزلت كفروا بها، فقالوا: ليست المائدة من الله، وكانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم، ولم يصدقوهم، فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين.
المائدة 5:103
قوله سبحانه: ﴿ما جعل الله﴾ حراما، ﴿من بحيرة﴾ لقولهم: إن الله أمرنا بها، نزلت في مشركي العرب، منهم: قريش، وكنانة، وعامر بن صعصعة، وبنو مدلج، والحارث وعامر ابنى عبد مناة، وخزاعة، وثقيف، أمرهم بذلك في الجاهلية عمرو بن ربيعة بن لحى بن قمعة بن خندف الخزاعي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "رأيت عمرو بن ربيعة الخزاعي رجلا قصيرا، أشقر، له وفرة، يجر قصبة في النار، يعني أمعاءه، وهو أول من سيب السائبة، واتخذ الوصيلة، وحمى الحامي، ونصب الأوثان حول الكعبة، وغير دين الحنفية، فأشبه الناس به أكثم بن لجون الخزاعي"، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: "لا أنت مؤمن وهو كافر".
والبحيرة الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، فإذا كان الخامس سقيا، وهو الذكر، ذبحوه الآلهة، فكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كان الخامس ربعة، يعني أنثى، شقوا أذنيها، فهي البحيرة، وكذلك من البقر، لا يجز لها وبر، ولا يذكر اسم الله عليها إن ركبت، أو حمل عليها، ولبنها للرجال دون النساء، وأما السائبة، فهي الأنثى من الأنعام كلها، كان الرجل يسيب للآلهة ما شاء من إبله وبقره وغنمه، ولا يسيب إلا الأنثى، وظهورها، وأولادها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وألبانها للآلهة، ومنافعها للرجال دون النساء، وأما الوصيلة، فهي الشاة من الغنم إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع، فإن كان جديا ذبحوه للآلهة، وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كانت عتاقا استحيوها، فكانت من عرض الغنم.
قال عبد الله بن ثابت: قال أبي: قال أبو صالح: قال مقاتل: وإن وضعته ميتا، أشرك في أكله الرجال والنساء، فذلك قوله عز وجل: ﴿وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء﴾ (الأنعام: 139)، بأن ولدت البطن السابع جديا وعتاقا، قالوا: إن الأخت قد وصلت أخاها، فرحمته علينا، فحرما جميعا، فكانت المنفعة للرجال دون النساء، وأما الحام، فهو الفحل من الإبل إذا ركب أولاد أولاده، فبلغ ذلك عشرة أو أقل من ذلك، قالوا: قد حمى هذا ظهره، فأحرز نفسه، فيهل للآلهة ولا يحمل عليه، ولا يركب، ولا يمنع من مرعى، ولا ماء، ولا حمى، ولا ينحر أبدا حتى يموت موتا، فأنزل الله عز وجل: ﴿ما جعل الله﴾ حراما، ﴿من بحيرة﴾ ﴿ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا﴾ من قريش وخزاعة من مشركي العرب، ﴿يفترون على الله الكذب﴾، لقولهم: إن الله أمرنا بتحريمه حين قالوا في الأعراف: ﴿والله أمرنا بها﴾ (الأعراف: 28)، يعني بتحريمها، ثم قال: ﴿وأكثرهم لا يعقلون﴾ أن الله عز وجل لم يحرمه.
المائدة 5:104
قوله سبحانه: ﴿وإذا قيل لهم﴾، يعني مشركي العرب، ﴿تعالوا إلى ما أنزل الله﴾ في كتابه من تحليل ما حرم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، ﴿وإلى الرسول﴾ محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا﴾ من أمر الدين، فإنا أمرنا أن نعبد ما عبدوا، يقول الله عز وجل: ﴿أولو كان آباؤهم﴾، يعني فإن كان آباؤهم، ﴿لا يعلمون شيئا﴾ من الدين، ﴿ولا يهتدون﴾ له، أفتتبعونهم؟
المائدة 5:105
﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، فلما أسلم العرب طوعا وكرها قبل الجزية من مجوس هجر، فطعن المنافقون في ذلك، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم﴾، يقول: اقبلوا على أنفسكم، فانظروا ما ينفعكم في أمر آخرتكم، فاعملوا به، ﴿لا يضركم من ضل﴾ من أهل هجر، نزلت في رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿إذا اهتديتم إلى الله﴾ عز وجل ﴿مرجعكم﴾ في الآخرة، ﴿جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون﴾.
المائدة 5:106
﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾، نزلت في بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، كان خرج مسافرا في البحر إلى أرض النجاشي ومعه رجلان نصرانيان، أحدهما يسمى تميم بن أوس الداري، وكان من لخم، وعدى بن بندا، فمات بديل وهم في البحر فرمى به في البحر، قال: ﴿حين الوصية﴾، وذلك أنه كتب وصيته، ثم جعلها في متاعه، ثم دفعه إلى تميم وصاحبه، وقال لهما: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي، فجاءا ببعض المتاع وحبسا جاما من فضة مموها بالذهب، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية﴾، يقول: عند الوصية يشهدون وصيته.
﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾ من المسلمين في دينهما، ﴿أو آخران من غيركم﴾، يعني من غير أهل دينكم النصرانيين، تميم الداري وعدى بن بندا، ﴿إن أنتم ضربتم في الأرض﴾ يا معشر المسلمين للتجارة، ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾، يعني بديل بن أبي مارية حين انطلق تاجرا في البحر، وانطلق معه تميم وعدى صاحباه، فحضره الموت، فكتب وصيته، ثم جعلها في المتاع، فقال: أبلغا هذا المتاع إلى أهلي، فلما مات بديل، قبضا المتاع، فأخذا منه ما أعجبهما، وكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلاثمائة مثقال منقوش مموه بالذهب، فلما رجعا من تجارتهما دفعا بقية المال إلى ورثته، ففقدوا بعض متاعه، فنظروا إلى الوصية، فوجدوا المال فيه تاما لم يبع منه، ولم يهب، فكلموا وتميما وصاحبه، فسألوهما: هل باع صاحبنا شيئا أو اشترى شيئا فخسر فيه، أو طال مرضه فأنفق على نفسه؟ فقال: لا، قالوا: فإنا قد فقدنا بعض ما أبدى به صاحبنا، فقالا: ما لنا بما أبدى، ولا بما كان في وصيته علم، ولكنه دفع إلينا هذا المال، فبلغناكم إياه.
فرفعوا أمرهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت﴾، يعني بديلب بن أبي مارية، ﴿اثنان ذوا عدل منكم﴾، يعني من المسلمين عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، ﴿أو آخران من غيركم﴾ من غير أهل دينكم، يعني النصرانيين، ﴿إن أنتم﴾ معشر المسلمين ﴿ضربتم في الأرض﴾ تجارا ﴿فأصابتكم مصيبة الموت﴾، يعني بديل بن أبي مارية مولى العاص بن وائل السهمي، ﴿تحسبونهما﴾، يعني النصرانيين تقيمونهما، ﴿من بعد الصلاة﴾ صلاة العصر، ﴿فيقسمان بالله﴾، فيحلفان بالله، ﴿إن ارتبتم﴾، يعني إن شككتم، نظيرها في النساء القصرى، أن المال كان أكثر من هذا الذي أتيناكم به، ﴿لا نشتري به ثمنا﴾، يقول: لا نشتري بأيماننا عرضا من الدنيا، ﴿ولو كان ذا قربى﴾، يقول: ولو كان الميت ذا قرابة منا، ﴿ولا نكتم شهادة الله إنا إذا﴾ إن كتمنا شيئا من المال، ﴿لمن الآثمين﴾ بالله عز وجل.
فحلفهما النبي صلى الله عليه وسلم عند المنبر بعد صلاة العصر، فحلفا أنهما لم يخونا شيئا من المال، فخلى سبيلهما، فلما كان بعد ذلك، وجدوا الإناء الذي فقدوه عند تميم الداري، قالوا: هذا من آنية صاحبنا الذي كان أبدى بها، وقد زعمتما أنه لم يبع ولم يشتر ولم ينفق على نفسه، فقالا: قد كنا اشتريناه منه، فنسينا أن نخبركم به، فرفعوهما إلى النبي صلى الله عليه وسلم الثانية، فقالوا: يا رسول الله، إنا وجدنا مع هذين إناء من فضة من متاع صاحبنا، فأنزل الله عز وجل: ﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾
المائدة 5:107
﴿فإن عثر على أنهما استحقا إثما﴾، يقول: فإن اطلع على أنهما، يعني النصرانيين كتما شيئا من المال أو خانا، ﴿فآخران﴾ من أولياء الميت، يعني عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب بن أبي وداعة السهميان، ﴿يقومان مقامهما﴾، يعني مقام النصرانيين، ﴿من الذين استحق﴾ الإثم، ﴿عليهم الأوليان فيقسمان بالله﴾، يعني فيحلفان بالله في دبر صلاة العصر أن الذي في وصية صاحبنا حق، وأن المال كان أكثر مما أتيتمانا به، وأن هذا الإناء لمن متاع صاحبنا الذي خرج به معه، وكتبه في وصيته، وأنكما خنتما، فذلك قوله سبحانه: ﴿لشهادتنا﴾، يعني عبد الله بن عمرو بن العاص، والمطلب، ﴿أحق من شهادتهما﴾، يعني النصرانيين، ﴿وما اعتدينا﴾ بشهادة المسلمين من أولياء الميت، ﴿إنا إذا لمن الظالمين﴾.
المائدة 5:108
﴿ذلك أدنى﴾، يعني أجدر، نظيرها في النساء، ﴿أن يأتوا﴾، يعني النصرانيين، ﴿بالشهادة على وجهها﴾، كما كانت ولا يكتمان شيئا، ﴿أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم﴾، يقول: أو يخافوا أن يطلع على خيانتهم فيرد شهادتهما بشهادة الرجلين
المسلمين من أولياء الميت، فحلف عبد الله والمطلب كلاهما أن الذي في وصية الميت حق، وأن هذا الإناء من متاع صاحبنا، فأخذوا تميم بن أوس الداري، وعدى بن بندا النصرانيين بتمام ما وجدوا في وصية الميت حين اطلع الله عز وجل على خيانتهما في الإناء، ثم وعظ الله عز وجل المؤمنين ألا يفعلوا مثل هذا، وألا يشهدوا بما لم يعاينوا ويروا، فقال سبحانه يحذرهم نقمته: ﴿واتقوا الله واسمعوا﴾ مواعظه، ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾، وأن تميم بن أوس الداري اعترف بالخيانة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ويحك يا تميم، أسلم يتجاوز الله عنك ما كان في شركك"، فأسلم تميم الداري، وحسن إسلامه، ومات عدى بن بندا نصرانيا.
المائدة 5:109
قوله سبحانه: ﴿يوم يجمع الله الرسل﴾، يعني الأنبياء، عليهم السلام، ﴿فيقول ماذا أجبتم﴾ في التوحيد، ﴿قالوا لا علم لنا﴾، وذلك أول ما بعثوا عند زفرة جهنم، لأن الناس إذا خرجوا من قبورهم تاهت عقولهم، فجالوا في الدنيا ثلاثين سنة، ويقال: أربعين سنة، ثم ينادي مناد عند صخرة بيت المقدس: يا أهل الدنيا، ها هنا موضع الحساب، فيسمع النداء جميع الناس، فيقبلون نحو الصوت، فإذا اجتمعوا ببيت المقدس، زفرت جهنم زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ظن أنه لو جاء بعمل سبعين نبيا ما نجا، فعند ذلك تاهت عقولهم، فيقول لهم عند ذلك، يعني المرسلين: ﴿ماذا أجبتم﴾ في التوحيد، ﴿قالوا لا علم لنا﴾ ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾، ثم رجعت عقولهم بعد ذلك إليهم، فشهدوا على قومهم أنهم قد بلغوا الرسالة عن ربهم، فذلك قوله سبحانه: ﴿ويقول الأشهاد﴾، يعني الأنبياء، ﴿هؤلاء الذين كذبوا على ربهم﴾ (هود :
18).
المائدة 5:110
قوله سبحانه: ﴿إذ قال الله يا عيسى ابن مريم﴾ في الآخرة، ﴿اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك﴾، يعني مريم، عليهما السلام، ﴿إذ أيدتك بروح القدس﴾، فالنعمة على عيسى حين أيده بروح القدس، يعني جبريل، عليه السلام، ﴿تكلم الناس في المهد﴾ صبيا ﴿و﴾ تكلمهم ﴿وكهلا وإذ علمتك الكتاب﴾، يعني خط الكتاب بيده، ﴿والحكمة﴾، يعني الفهم والعلم، ﴿والتوراة والإنجيل﴾، يعني علم التوراة والإنجيل، وجعله نبيا ورسولا إلى بني إسرائيل، ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾، يعني الخفاش، ﴿بإذني فتنفخ فيها﴾، يعني في الهيئة، ﴿فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه﴾، يعني الأعمى الذي يخرج من بطن أمه أعمى، ﴿و﴾ يبرئ ﴿والأبرص﴾، يمسحها بيده فيبرئها ﴿بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني﴾ أحياء، ﴿وإذ كففت بني إسرائيل عنك﴾، أي عن قتلك، ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾، وهي أحياء سام بن نوح بإذن الله.
فيقوم عيسى صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بهؤلاء الكلمات خطيبا على رءوس الخلائق، ويخطب إبليس، لعنه الله، على أهل النار بهذه الآية: ﴿إن الله وعدكم...﴾ إلى قوله: ﴿بمصرخكم﴾، يعني بمانعكم من العذاب، ﴿وما أنتم بمصرخي﴾، يعني بمانعي من العذاب، ﴿إني كفرت﴾، يعني تبرأت ﴿بما أشركتمون من قبل﴾ (إبراهيم: 22)، أي في الدار الدنيا، وأما النعمة على مريم، عليها السلام، فهي أنه اصطفاها ،
يعني اختارها، وطهرها من الإثم، واختارها على نساء العالمين، وجعلها زوجة محمد صلى الله عليه وسلم في الجنة.
قوله سبحانه: ﴿تكلم الناس في المهد﴾، يعني تكلم بني إسرائيل صبيا في المهد حين جاءت به أمه تحمله، ويكلمهم كهلا حين اجتمع واستوت لحيته، ﴿وإذ علمتك الكتاب﴾، يعني خط الكتاب بيده، ﴿والحكمة﴾، يعني الفهم والعلم، وإذ علمتك التوراة والإنجيل، ﴿وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير﴾، يعني الخفاش، ﴿فتنفخ فيها﴾، يعني في الهيئة، ﴿فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه﴾ الذي يخرج من بطن أمه أعمى، فكان عيسى، عليه السلام، يرد إليه بصره بإذن الله تعالى، فيمسح بيده عليه، فإذا هو صحيح بإذن الله، وأحيا سام بن نوح بإذن الله، حيث كلمه الناس، ثم مات فعاد كما كان، ﴿وإذ كففت بني إسرائيل عنك﴾، يعني عن قتلك حين رفعه الله عز وجل إليه، وقتل شبيهه، وهو الرقيب الذي كان عليه، ﴿إذ جئتهم بالبينات﴾ يعني بالعجائب التي كان يصنعها من إبراء الأكمه والأبرص والموتى والطير ونحوه.
﴿فقال الذين كفروا﴾، منهم يعني من اليهود من بني إسرائيل، ﴿إن هذا إلا سحر مبين﴾، آية يعني ما هذا الذي يصنع عيسى من الأعاجيب إلا سحر مبين، يعني بين، نظيرها في الصف.
المائدة 5:111
﴿وإذا أوحيت إلى الحواريين﴾، وهم القصارون مبيضو الثياب، وكانوا اثنى عشر رجلا، والوحى إليهم من الله عز وجل هو إلهام قذف في قلوبهم التصديق بالله عز وجل، بأنه واحد لا شريك له، فذلك قوله عز وجل: ﴿أن آمنوا بي﴾ أن صدقوا بأني واحد ليس معي شريك، ﴿وبرسولي﴾، عيسى ابن مريم أنه نبي رسول، ﴿قالوا آمنا﴾، يعني صدقنا بما جاء به من عند الله، ونشهد أن الله عز وجل واحد لا شريك له، وأنك رسوله، ﴿واشهد﴾ يا عيسى ﴿بأننا مسلمون﴾، يعني مخلصون بالتوحيد.
المائدة 5:112
﴿إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك﴾، يقول: هل يقدر على أن يعطيك ربك إن سألته ﴿أن ينزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله﴾، فلا تسألوه البلاء، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾، فإنها إن نزلت ثم كذبتم عوقبتم.
المائدة 5:113
﴿قالوا نريد أن تأكل منها﴾، فقد جعنا، ﴿وتطمئن قلوبنا﴾، يعني وتسكن قلوبنا إلى ما تدعونا إليه، ﴿ونعلم أن قد صدقتنا﴾ بأنك نبي رسول، ﴿ونكون عليها من
الشاهدين﴾، يعني على المائدة عند بني إسرائيل إذا رجعنا إليهم، وكان القوم الذين خرجوا وسألوا المائدة خمسة آلاف بطريق، وهم الذين سألوا المائدة مع الحواريين.
المائدة 5:114
﴿قال عيسى ابن مريم﴾ صلى الله عليه وسلم عند ذلك، ﴿اللهم ربنا أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا﴾، يقول: تكون عيدا لمن كان في زماننا عند نزول المائدة، وتكون عيدا لمن بعدنا، ﴿و﴾ تكون المائدة ﴿وآية منك وارزقنا﴾، يعني المائدة، ﴿وأنت خير الرازقين﴾ من غيرك، يقول: فإنك خير من يرزق.
المائدة 5:115
﴿قال الله﴾ عز وجل، ﴿إني منزلها﴾، يعني المائدة، ﴿عليكم﴾، فنزلها يوم الأحد، ﴿فمن يكفر بعد﴾ نزول المائدة، ﴿منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين﴾، فنزلت من السماء عليها سمك طرى، وخبز رقاق، وتمر، وذكروا أن عيسى صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه وهم جلوس في روضة: هل مع أحد منكم شيء؟ فجاء شمعون بسمكتين صغيرتين، وخمسة أرغفة، وجاء آخر بشيء من سويق، فعمد عيسى صلى الله عليه وسلم فقطعهما صغارا وكسر الخبز، فوضعها فلقا فلقا، ووضع السويق فتوضأ، ثم صلى ركعتين، ودعا ربه عز وجل، فألقى الله عز وجل على أصحابه شبه السبات، ففتح القوم أعينهم، فزاد الطعام حتى بلغ الركب، فقال عيسى صلى الله عليه وسلم للقوم: كلوا وسموا الله عز وجل، ولا ترفعوا، وأمرهم أن يجلسوا حلقا حلقا، فأكلوا حتى شبعوا، وهم خمسة آلاف رجل، وهذا ليلة الأحد ويوم الأحد.
فنادى عيسى صلى الله عليه وسلم، فقال: أكلتم؟ قالوا: نعم، قال: لا ترفعوا، قالوا: لا نرفع، فرفعوا، فبلغ ما رفعوا من الفضل أربعة وعشرين مكتلا، فآمنوا عند ذلك بعيسى صلى الله عليه وسلم، وصدقوا به، ثم رجعوا إلى قومهم اليهود من بني إسرائيل، ومعهم فضل المائدة، فلم يزالوا بهم حتى ارتدوا عن الإسلام فكفروا بالله، وجحدوا بنزول المائدة، فمسخهم الله عز وجل وهم نيام خنازير، وليس غيهم صبى ولا امرأة.
المائدة 5:116
﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس﴾، يعني بني إسرائيل في الدنيا، ﴿اتخذوني وأمي﴾ مريم ﴿إلهين من دون الله قال سبحانك﴾، فنزه الرب عز وجل، أن يكون أمرهم بذلك، فقال: ﴿ما يكون لي﴾، يعني ما ينبغي لي ﴿أن أقول ما ليس لي بحق﴾، يعني بعدل أن يعبدوا غيرك، ﴿إن كنت قلته﴾ لهم ﴿فقد علمته تعلم ما في
نفسي﴾، يعني ما كان مني وما يكون، ﴿ولا أعلم ما في نفسك﴾، يقول: ولا أطلع على غيبك، وقال أيضا: ولا أعلم ما في علمك، ما كان منك وما يكون، ﴿إنك أنت علام الغيوب﴾، يعني غيب ما كان وغيب ما يكون.
المائدة 5:117
﴿ما قلت لهم﴾ وأنت تعلم، ﴿إلا ما أمرتني به﴾ في الدنيا، ﴿أن اعبدوا الله﴾، يعني وحدوا الله، ﴿ربي وربكم﴾، قال لهم عيسى صلى الله عليه وسلم ذلك في هذه السورة، وفي كهيعص، وفي الزخرف، ﴿وكنت عليهم شهيدا﴾، يعني على بني إسرائيل بأن قد بلغتهم الرسالة، ﴿ما دمت فيهم﴾، يقول ما كنت بين أظهرهم، ﴿فلما توفيتني﴾، يقول: فلما بلغ بي أجل الموت، ﴿فمت كنت أنت الرقيب عليهم﴾، يعني الحفيظ، ﴿وأنت على كل شيء شهيد﴾، يعني شاهدا بما أمرتهم من التوحيد، وشهيد عليهم بما قالوا من البهتان، وإنما قال الله عز وجل: ﴿وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم﴾، ولم يقل: وإذ يقول: يا عيسى ابن مريم، لأنه قال سبحانه قبل ذكر عيسى يوم يجمع الله الرسل، فيقول: ماذا أجبتم؟ قالوا: يومئذ، وهو يوم القيامة، حين يفرغ من مخاصمة الرسل، فينادى: أين عيسى ابن مريم، فيقوم عيسى صلى الله عليه وسلم شفق، فرق، يرعد رعدة حتى يقف بين يدي الله عز وجل، يا عيسى: ﴿أأنت قلت للناس أتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾.
وكما قال سبحانه: ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾ (الأعراف: 50)، فلما دخلوا الجنة، قال: ﴿ونادى أصحاب النار﴾ (الأعراف: 50)، فنسق بالماضي على الماضي، والمعنى مستقبل، ولو لم يذكر الجنة قبل بدئهم بالكلام الأول لقال في الكلام الأول: ﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار﴾ (الأعراف: 44)، وكل شيء في القرآن على هذا النحو.
ثم قال عيسى صلى الله عليه وسلم لربه عز وجل في الآخرة: يا رب، غبت عنهم وتركتهم على الحق الذي أمرتني به، فلم أدر ما أحدثوا بعدى.
المائدة 5:118
ف ﴿إن تعذبهم﴾ فتميتهم على ما قالوا من البهتان والكفر، ﴿فإنهم عبادك﴾، وأنت خلقتهم، ﴿وإن تغفر لهم﴾، فتتوب عليهم وتهديهم إلى الإيمان والمغفرة بعد الهداية إلى الإيمان، ﴿فإنك أنت العزيز الحكيم﴾ في ملكك، الحكيم في أمرك، وفي قراءة ابن مسعود: "فإنك أنت الغفور الرحيم"، نظيرها في سورة إبراهيم، عليه السلام، في مخاطبة إبراهيم: "ومن عصاني فإنك غفور رحيم﴾ (إبراهيم: 36)، وهي كذلك أيضا في قراءة عبد الله بن مسعود.
المائدة 5:119
﴿قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾، يعني النبيين بما قالوا في الدنيا، فكان عيسى صادقا فيما قال لربه في الآخرة، ﴿ما قلت لهم إلا ما أمرتني به﴾، فصدقه الله بقوله في الدنيا، وصدقه في الآخرة حين خطب على الناس، ثم قال: ﴿لهم﴾، يعني للصادقين، ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا﴾، لا يموتون، ﴿رضي الله عنهم﴾ بالطاعة، ﴿ورضوا عنه﴾ بالثواب، ﴿ذلك﴾ الثواب ﴿الفوز العظيم﴾، يعني النجاء العظيم.
المائدة 5:120
ثم عظم الرب جل جلاله نفسه عما قالت النصارى من البهتان والزور أنه ليس كما زعمت، وأنه واحد لا شريك له، فقال سبحانه: ﴿لله ملك السماوات والأرض وما فيهن﴾ من الخلق، عيسى ابن مريم وغيره من الملائكة والخلق عباده وفي ملكه، ﴿وهو على كل شيء﴾ من خلق عيسى من غير أب وغيره، ﴿قدير﴾.