تفسير مقاتل بن سليمان — الأنعام 6:1 – التوبة 9:129
المحتويات
- الأنعام 6:1
- الأنعام 6:2
- الأنعام 6:3
- الأنعام 6:4
- الأنعام 6:5
- الأنعام 6:6
- الأنعام 6:7
- الأنعام 6:8
- الأنعام 6:9
- الأنعام 6:10
- الأنعام 6:11
- الأنعام 6:12
- الأنعام 6:13
- الأنعام 6:14
- الأنعام 6:15
- الأنعام 6:16
- الأنعام 6:17
- الأنعام 6:18
- الأنعام 6:19
- الأنعام 6:20
- الأنعام 6:21
- الأنعام 6:22
- الأنعام 6:23
- الأنعام 6:24
- الأنعام 6:25
- الأنعام 6:26
- الأنعام 6:27
- الأنعام 6:28
- الأنعام 6:29
- الأنعام 6:30
- الأنعام 6:31
- الأنعام 6:32
- الأنعام 6:33
- الأنعام 6:34
- الأنعام 6:35
- الأنعام 6:36
- الأنعام 6:37
- الأنعام 6:38
- الأنعام 6:39
- الأنعام 6:40
- الأنعام 6:41
- الأنعام 6:42
- الأنعام 6:43
- الأنعام 6:44
- الأنعام 6:45
- الأنعام 6:46
- الأنعام 6:47
- الأنعام 6:48
- الأنعام 6:49
- الأنعام 6:50
- الأنعام 6:51
- الأنعام 6:52
- الأنعام 6:53
- الأنعام 6:54
- الأنعام 6:55
- الأنعام 6:56
- الأنعام 6:57
- الأنعام 6:58
- الأنعام 6:59
- الأنعام 6:60
- الأنعام 6:61
- الأنعام 6:62
- الأنعام 6:63
- الأنعام 6:64
- الأنعام 6:65
- الأنعام 6:66
- الأنعام 6:67
- الأنعام 6:68
- الأنعام 6:69
- الأنعام 6:70
- الأنعام 6:71
- الأنعام 6:72
- الأنعام 6:73
- الأنعام 6:74
- الأنعام 6:75
- الأنعام 6:76
- الأنعام 6:77
- الأنعام 6:78
- الأنعام 6:79
- الأنعام 6:80
- الأنعام 6:81
- الأنعام 6:82
- الأنعام 6:83
- الأنعام 6:84
- الأنعام 6:86
- الأنعام 6:87
- الأنعام 6:88
- الأنعام 6:89
- الأنعام 6:90
- الأنعام 6:91
- الأنعام 6:92
- الأنعام 6:93
- الأنعام 6:94
- الأنعام 6:95
- الأنعام 6:96
- الأنعام 6:97
- الأنعام 6:98
- الأنعام 6:99
- الأنعام 6:100
- الأنعام 6:101
- الأنعام 6:102
- الأنعام 6:103
- الأنعام 6:104
- الأنعام 6:105
- الأنعام 6:106
- الأنعام 6:107
- الأنعام 6:108
- الأنعام 6:109
- الأنعام 6:110
- الأنعام 6:111
- الأنعام 6:112
- الأنعام 6:113
- الأنعام 6:114
- الأنعام 6:115
- الأنعام 6:116
- الأنعام 6:117
- الأنعام 6:118
- الأنعام 6:119
- الأنعام 6:120
- الأنعام 6:121
- الأنعام 6:122
- الأنعام 6:123
- الأنعام 6:124
- الأنعام 6:125
- الأنعام 6:126
- الأنعام 6:127
- الأنعام 6:128
- الأنعام 6:129
- الأنعام 6:130
- الأنعام 6:131
- الأنعام 6:132
- الأنعام 6:133
- الأنعام 6:134
- الأنعام 6:135
- الأنعام 6:136
- الأنعام 6:137
- الأنعام 6:138
- الأنعام 6:139
- الأنعام 6:140
- الأنعام 6:141
- الأنعام 6:142
- الأنعام 6:143
- الأنعام 6:144
- الأنعام 6:145
- الأنعام 6:146
- الأنعام 6:147
- الأنعام 6:148
- الأنعام 6:149
- الأنعام 6:150
- الأنعام 6:151
- الأنعام 6:152
- الأنعام 6:153
- الأنعام 6:154
- الأنعام 6:155
- الأنعام 6:156
- الأنعام 6:157
- الأنعام 6:158
- الأنعام 6:159
- الأنعام 6:160
- الأنعام 6:161
- الأنعام 6:162
- الأنعام 6:163
- الأنعام 6:164
- الأنعام 6:165
- الأعراف 7:2
- الأعراف 7:3
- الأعراف 7:4
- الأعراف 7:5
- الأعراف 7:6
- الأعراف 7:7
- الأعراف 7:8
- الأعراف 7:9
- الأعراف 7:10
- الأعراف 7:11
- الأعراف 7:12
- الأعراف 7:13
- الأعراف 7:14
- الأعراف 7:15
- الأعراف 7:16
- الأعراف 7:17
- الأعراف 7:18
- الأعراف 7:19
- الأعراف 7:20
- الأعراف 7:21
- الأعراف 7:22
- الأعراف 7:23
- الأعراف 7:24
- الأعراف 7:25
- الأعراف 7:26
- الأعراف 7:27
- الأعراف 7:28
- الأعراف 7:29
- الأعراف 7:30
- الأعراف 7:31
- الأعراف 7:32
- الأعراف 7:33
- الأعراف 7:34
- الأعراف 7:35
- الأعراف 7:36
- الأعراف 7:37
- الأعراف 7:38
- الأعراف 7:39
- الأعراف 7:40
- الأعراف 7:41
- الأعراف 7:42
- الأعراف 7:43
- الأعراف 7:44
- الأعراف 7:45
- الأعراف 7:46
- الأعراف 7:47
- الأعراف 7:48
- الأعراف 7:49
- الأعراف 7:50
- الأعراف 7:51
- الأعراف 7:52
- الأعراف 7:53
- الأعراف 7:54
- الأعراف 7:55
- الأعراف 7:56
- الأعراف 7:57
- الأعراف 7:58
- الأعراف 7:59
- الأعراف 7:60
- الأعراف 7:61
- الأعراف 7:62
- الأعراف 7:63
- الأعراف 7:64
- الأعراف 7:65
- الأعراف 7:66
- الأعراف 7:67
- الأعراف 7:68
- الأعراف 7:69
- الأعراف 7:70
- الأعراف 7:71
- الأعراف 7:72
- الأعراف 7:73
- الأعراف 7:74
- الأعراف 7:75
- الأعراف 7:76
- الأعراف 7:77
- الأعراف 7:78
- الأعراف 7:79
- الأعراف 7:80
- الأعراف 7:81
- الأعراف 7:82
- الأعراف 7:83
- الأعراف 7:84
- الأعراف 7:85
- الأعراف 7:86
- الأعراف 7:87
- الأعراف 7:88
- الأعراف 7:89
- الأعراف 7:90
- الأعراف 7:91
- الأعراف 7:92
- الأعراف 7:93
- الأعراف 7:94
- الأعراف 7:95
- الأعراف 7:96
- الأعراف 7:97
- الأعراف 7:98
- الأعراف 7:99
- الأعراف 7:100
- الأعراف 7:101
- الأعراف 7:102
- الأعراف 7:103
- الأعراف 7:105
- الأعراف 7:106
- الأعراف 7:107
- الأعراف 7:108
- الأعراف 7:109
- الأعراف 7:110
- الأعراف 7:111
- الأعراف 7:112
- الأعراف 7:113
- الأعراف 7:114
- الأعراف 7:115
- الأعراف 7:116
- الأعراف 7:117
- الأعراف 7:118
- الأعراف 7:119
- الأعراف 7:120
- الأعراف 7:122
- الأعراف 7:123
- الأعراف 7:124
- الأعراف 7:125
- الأعراف 7:126
- الأعراف 7:127
- الأعراف 7:128
- الأعراف 7:129
- الأعراف 7:130
- الأعراف 7:131
- الأعراف 7:132
- الأعراف 7:133
- الأعراف 7:134
- الأعراف 7:136
- الأعراف 7:137
- الأعراف 7:138
- الأعراف 7:139
- الأعراف 7:140
- الأعراف 7:141
- الأعراف 7:142
- الأعراف 7:143
- الأعراف 7:144
- الأعراف 7:145
- الأعراف 7:146
- الأعراف 7:147
- الأعراف 7:148
- الأعراف 7:149
- الأعراف 7:150
- الأعراف 7:151
- الأعراف 7:152
- الأعراف 7:153
- الأعراف 7:154
- الأعراف 7:155
- الأعراف 7:156
- الأعراف 7:157
- الأعراف 7:158
- الأعراف 7:159
- الأعراف 7:160
- الأعراف 7:161
- الأعراف 7:162
- الأعراف 7:163
- الأعراف 7:164
- الأعراف 7:165
- الأعراف 7:166
- الأعراف 7:167
- الأعراف 7:168
- الأعراف 7:169
- الأعراف 7:170
- الأعراف 7:171
- الأعراف 7:172
- الأعراف 7:173
- الأعراف 7:174
- الأعراف 7:175
- الأعراف 7:176
- الأعراف 7:177
- الأعراف 7:178
- الأعراف 7:179
- الأعراف 7:180
- الأعراف 7:181
- الأعراف 7:182
- الأعراف 7:183
- الأعراف 7:184
- الأعراف 7:185
- الأعراف 7:186
- الأعراف 7:187
- الأعراف 7:188
- الأعراف 7:189
- الأعراف 7:190
- الأعراف 7:191
- الأعراف 7:192
- الأعراف 7:193
- الأعراف 7:194
- الأعراف 7:195
- الأعراف 7:196
- الأعراف 7:197
- الأعراف 7:198
- الأعراف 7:199
- الأعراف 7:200
- الأعراف 7:201
- الأعراف 7:202
- الأعراف 7:203
- الأعراف 7:205
- الأعراف 7:206
- الأنفال 8:1
- الأنفال 8:2
- الأنفال 8:3
- الأنفال 8:4
- الأنفال 8:5
- الأنفال 8:6
- الأنفال 8:7
- الأنفال 8:8
- الأنفال 8:9
- الأنفال 8:10
- الأنفال 8:11
- الأنفال 8:12
- الأنفال 8:13
- الأنفال 8:14
- الأنفال 8:15
- الأنفال 8:16
- الأنفال 8:17
- الأنفال 8:18
- الأنفال 8:19
- الأنفال 8:20
- الأنفال 8:21
- الأنفال 8:22
- الأنفال 8:23
- الأنفال 8:24
- الأنفال 8:25
- الأنفال 8:26
- الأنفال 8:27
- الأنفال 8:28
- الأنفال 8:29
- الأنفال 8:30
- الأنفال 8:31
- الأنفال 8:32
- الأنفال 8:33
- الأنفال 8:34
- الأنفال 8:35
- الأنفال 8:36
- الأنفال 8:37
- الأنفال 8:38
- الأنفال 8:39
- الأنفال 8:40
- الأنفال 8:41
- الأنفال 8:42
- الأنفال 8:43
- الأنفال 8:44
- الأنفال 8:45
- الأنفال 8:46
- الأنفال 8:47
- الأنفال 8:48
- الأنفال 8:49
- الأنفال 8:50
- الأنفال 8:51
- الأنفال 8:52
- الأنفال 8:53
- الأنفال 8:54
- الأنفال 8:55
- الأنفال 8:56
- الأنفال 8:57
- الأنفال 8:58
- الأنفال 8:59
- الأنفال 8:60
- الأنفال 8:61
- الأنفال 8:62
- الأنفال 8:63
- الأنفال 8:64
- الأنفال 8:65
- الأنفال 8:66
- الأنفال 8:67
- الأنفال 8:68
- الأنفال 8:69
- الأنفال 8:70
- الأنفال 8:71
- الأنفال 8:72
- الأنفال 8:73
- الأنفال 8:74
- الأنفال 8:75
- التوبة 9:1
- التوبة 9:2
- التوبة 9:3
- التوبة 9:4
- التوبة 9:5
- التوبة 9:6
- التوبة 9:7
- التوبة 9:8
- التوبة 9:9
- التوبة 9:10
- التوبة 9:11
- التوبة 9:12
- التوبة 9:13
- التوبة 9:14
- التوبة 9:15
- التوبة 9:16
- التوبة 9:17
- التوبة 9:18
- التوبة 9:19
- التوبة 9:20
- التوبة 9:21
- التوبة 9:22
- التوبة 9:23
- التوبة 9:24
- التوبة 9:25
- التوبة 9:26
- التوبة 9:27
- التوبة 9:28
- التوبة 9:29
- التوبة 9:30
- التوبة 9:31
- التوبة 9:32
- التوبة 9:33
- التوبة 9:34
- التوبة 9:35
- التوبة 9:36
- التوبة 9:37
- التوبة 9:38
- التوبة 9:39
- التوبة 9:40
- التوبة 9:41
- التوبة 9:42
- التوبة 9:43
- التوبة 9:44
- التوبة 9:45
- التوبة 9:46
- التوبة 9:47
- التوبة 9:48
- التوبة 9:49
- التوبة 9:50
- التوبة 9:51
- التوبة 9:52
- التوبة 9:53
- التوبة 9:54
- التوبة 9:55
- التوبة 9:56
- التوبة 9:57
- التوبة 9:58
- التوبة 9:59
- التوبة 9:60
- التوبة 9:61
- التوبة 9:62
- التوبة 9:63
- التوبة 9:64
- التوبة 9:65
- التوبة 9:66
- التوبة 9:67
- التوبة 9:68
- التوبة 9:69
- التوبة 9:70
- التوبة 9:71
- التوبة 9:72
- التوبة 9:73
- التوبة 9:74
- التوبة 9:75
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:78
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:85
- التوبة 9:86
- التوبة 9:87
- التوبة 9:88
- التوبة 9:89
- التوبة 9:90
- التوبة 9:91
- التوبة 9:92
- التوبة 9:93
- التوبة 9:94
- التوبة 9:95
- التوبة 9:96
- التوبة 9:97
- التوبة 9:98
- التوبة 9:99
- التوبة 9:100
- التوبة 9:101
- التوبة 9:102
- التوبة 9:103
- التوبة 9:104
- التوبة 9:105
- التوبة 9:106
- التوبة 9:107
- التوبة 9:108
- التوبة 9:109
- التوبة 9:110
- التوبة 9:111
- التوبة 9:112
- التوبة 9:113
- التوبة 9:114
- التوبة 9:115
- التوبة 9:116
- التوبة 9:117
- التوبة 9:118
- التوبة 9:119
- التوبة 9:120
- التوبة 9:121
- التوبة 9:122
- التوبة 9:123
- التوبة 9:124
- التوبة 9:125
- التوبة 9:126
- التوبة 9:127
- التوبة 9:128
- التوبة 9:129
الأنعام 6:1
سورة الأنعام مكية كلها، إلا هذه الآيات، نزلت بالمدينة، ونزلت ليلا
وهي خمس وستون ومائة آية كوفى
والآيات المدنية هي: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم...﴾ إلى قوله {... لعلكم تعقلون﴾، وهي الآيات المحكمات.
وقوله: ﴿وما قدروا الله حق قدره...﴾ إلى آخر الآية.
وقوله: ﴿ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي...﴾ نزلت في مسيلمة، ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله...﴾، نزلت في عهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح.
وقوله: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت...﴾.
وقوله: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق...﴾، ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾.
هذه الآيات مدنيات، وسائرها مكي، نزل بها جبريل، عليه السلام، ومعه سبعون ألف ملك، طبقوا ما بين السماء والأرض، لهم زجل بالتسبيح والتمجيد والتحميد، حتى كادت الأرض أن ترتج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله العظيم وبحمده"، وخر النبي ساجدا، فيها خصومة مشركي العرب وأهل الكتاب، وذلك أن قريشا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من ربك؟ فقال: "ربي الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد"، فقالوا: أنت كذاب، ما اختصك الله بشيء، وما أنت عليه بأكرم منا فأنزل الله عز وجل: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الحمد لله﴾.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الحمد لله﴾، فحمد نفسه ودل بصنعه على توحيده، ﴿الذي خلق السماوات والأرض﴾، لم يخلقهما باطلا، خلقهما لأمر هو كائن، ﴿وجعل الظلمات والنور﴾، يعني الليل والنهار، ثم رجع إلى أهل مكة، فقال: ﴿ثم الذين كفروا﴾ من أهل مكة، ﴿بربهم يعدلون﴾، يعني يشركون.
الأنعام 6:2
﴿هو الذي خلقكم من طين﴾، يعني آدم، عليه السلام، لأنكم من ذريته، ﴿ثم قضى أجلا﴾، يعني أجل ابن آدم من يوم ولد إلى أن يموت، ﴿وأجل مسمى عنده﴾، يعني البرزخ منذ يوم ولد إلى يوم يموت، إلى يوم القيامة، ﴿ثم أنتم تمترون﴾، يعني تشكون في البعث، يعني كفار مكة.
الأنعام 6:3
﴿وهو الله في السماوات﴾ أنه واحد، ﴿وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾، يعني سر أعمالكم وجهرها، ﴿ويعلم ما تكسبون﴾، يعني ما تعملون من الخير والشر.
الأنعام 6:4
﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم﴾، يعني انشقاق القمر، ﴿إلا كانوا عنها معرضين﴾، آية فلم يتفكرون فيها، فيعتبروا في توحيد الله.
الأنعام 6:5
﴿فقد كذبوا بالحق لما جاءهم﴾، يعني القرآن حين جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، استهزءوا بالقرآن بأنه ليس من الله، يعني كفار مكة، منهم: أبو جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، والعاص بن وائل السهمي، وأبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعبد الله بن أبي أمية، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو البحتري بن هشام بن أسد، والحارث بن عامر بن نوفل، ومخرمة بن نوفل، وهشام بن عمرو بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، وسهل بن عمرو، وعمير بن وهب بن خلف، والحارث بن قيس، وعدي بن قيس، وعامر بن خالد الجمحي، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، ومطعم بن عدي، وقرط بن عبد عمرو بن نوفل، والأخنس بن شريق، وحويطب بن عبد العزى، وأمية بن خلف، كلهم من قريش، يقول الله عز وجل: ﴿فسوف يأتيهم أنباء﴾، يعني حديث، ﴿ما كانوا به﴾ بالعذاب ﴿يستهزءون﴾ بأنه غير نازل بهم، ونظيرها في الشعراء، فنزل بهم العذاب ببدر.
الأنعام 6:6
ثم وعظهم ليخافوا، فقال: ﴿ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم﴾، كفار مكة، ﴿من قرن﴾ من أمة، ﴿مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم﴾، يقول: أعطيناهم من الخير والتمكين في البلاد ما لم نعطكم يا أهل مكة، ﴿وأرسلنا السماء عليهم مدرارا﴾ بالمطر، يعني متتابعا، ﴿وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم﴾، يعني فعذبناهم، ﴿بذنوبهم﴾، يعني بتكذيبهم رسلهم، ﴿وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين﴾، يقول: وخلقنا من بعد هلاكهم قوما آخرين.
الأنعام 6:7
﴿ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم﴾، ما صدقوا به، و﴿لقال الذين كفروا﴾ من أهل مكة، ﴿إن هذا﴾، يقول: ما هذا القرآن، ﴿إلا سحر مبين﴾، يعني بين.
الأنعام 6:8
﴿وقالوا لولا﴾، يعني هلا، ﴿أنزل عليه ملك﴾، يعينه ويصدقه بما أرسل به، نظيرها في الفرقان، نزلت في النضر بن الحارث، وعبد الله بن أمية بن المغيرة، ونوفل بن خويلد، كلهم من قريش، يقول الله: ﴿ولو أنزلنا ملكا﴾ فعاينوه، ﴿لقضي الأمر﴾، يعني لنزل العذاب بهم، ﴿ثم لا ينظرون﴾، يعني ثم لا يناظر بهم حتى يعذبوا، لأن الرسل إذا كذبت جاءت الملائكة بالعذاب.
الأنعام 6:9
يقول الله: ﴿ولو جعلناه﴾، هذا الرسول، ﴿ملكا لجعلناه رجلا﴾، يعني في صورة رجل حتى يطيقوا النظر إليه، لأن الناس لا يطيقون النظر إلى صورة الملائكة، ثم قال: ﴿وللبسنا عليهم﴾، يعني ولشبهنا عليهم، ﴿ما يلبسون﴾، يعني ما يشبهون على أنفسهم بأن يقولوا: ما هذا إلا بشر مثلكم.
الأنعام 6:10
﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾، وذلك أن مكذبي الأمم الخالية، أخبرتهم رسلهم بالعذاب فكذبوهم، بأن العذاب ليس بنازل بهم، فلما كذب كفار مكة النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب حين أوعدهم استهزءوا منه، فأنزل الله يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم إياه بالعذاب، فقال: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك﴾ يا محمد كما استهزئ بك في أمر العذاب، ﴿فحاق﴾، يعني فدار ﴿بالذين سخروا منهم﴾، يعني من الرسل، ﴿ما كانوا به﴾، يعني بالعذاب، ﴿يستهزءون﴾ بأنه غير نازل بهم.
الأنعام 6:11
ثم وعظهم ليخافوا، فقال: ﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ بالعذاب كان عاقبتهم الهلاك يحذر كفار مكة بمثل عذاب الأمم الخالية.
الأنعام 6:12
﴿قل﴾ لكفار مكة ﴿لمن ما في السماوات والأرض﴾ من الخلق، فردوا عليه في الرعد، قالوا: الله، في قراءة أبي بن كعب، وابن مسعود في تكذيبهم بالبعث، قالوا: الله ﴿قل لله كتب على نفسه الرحمة﴾ في تأخير العذاب عنهم، فأنزل ا الله في تكذيبهم بالبعث، ﴿ليجمعنكم إلى يوم القيامة﴾ أنتم والأمم الخالية، ﴿لا ريب فيه﴾، يعني لا شك فيه، يعني في البعث بأنه كائن، ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين خسروا﴾، يعني غبنوا، ﴿أنفسهم فهم لا يؤمنون﴾، يعني لا يصدقون بالبعث بأنه كائن.
الأنعام 6:13
ثم عظم نفسه لكي يوحد، فقال: ﴿وله ما سكن﴾، يعني ما استقر، ﴿في الليل والنهار﴾ من الدواب والطير في البر والبحر، فمنها ما يستقر بالنهار وينتشر ليلا، ومنها ما يستقر بالليل وينتشر نهارا، ثم قال: ﴿وهو السميع﴾ لما سألوا من العذاب، ﴿العليم﴾ به.
الأنعام 6:14
﴿قل أغير الله﴾، وذلك أن كفار قريش قالوا: يا محمد، ما يحملك على ما أتيتنا به، ألا تنظر إلى ملة أبيك عبد الله وملة جدك عبد المطلب وإلى سادات قومك يعبدون
اللات والعزى ومناة، فتأخذ به، وتدع ما أنت عليه، وما يحملك على ذلك إلا الحاجة، فنحن نجمع لك من أموالنا، وأمره بترك عبادة الله، فأنزل الله: ﴿قل أغير الله﴾ ﴿أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض﴾، فعظم نفسه ليعرف توحيده بصنعه، ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾، وهو يرزق ولا يرزق، لقولهم: نجمع لك من أموالنا ما يغنيك، ﴿قل﴾ لهم ﴿إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾، يعني أول من أخلص من أهل مكة بالتوحيد، ثم أوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ولا تكونن من المشركين﴾، لقولهم للنبي، عليه السلام: ارجع إلى ملة آبائك.
الأنعام 6:15
﴿قل﴾ لهم يا محمد، ﴿إني أخاف إن عصيت ربي﴾، إن رجعت إلى ملة آبائي، ﴿عذاب يوم عظيم﴾، يعني بالعظيم الشديد يوم القيامة، وقد نسخت: ﴿إنا فتحنا﴾ (الفتح: 1)، ﴿إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم﴾، يعني الشديد يوم القيامة.
الأنعام 6:16
﴿من يصرف﴾ الله ﴿عنه﴾ العذاب ﴿يومئذ﴾ يوم القيامة، ﴿فقد رحمه وذلك﴾ الصرف، يعني صرف العذاب، ﴿الفوز المبين﴾، يعني النجاة العظيمة المبينة.
الأنعام 6:17
ثم خوف النبي صلى الله عليه وسلم ليتمسك بدين الله تعالى، فقال: ﴿وإن يمسسك الله بضر﴾، يعني يصبك الله بضر، يعني بلاء وشدة، ﴿فلا كاشف له إلا هو﴾، يقول: لا يقدر أحد من الآلهة ولا غيرهم كشف الضر إلا الله، ﴿وإن يمسسك بخير﴾، يعني يصبك بفضل وعافية، ﴿فهو على كل شيء قدير﴾ من ضر وخير.
وأنزل الله في قولهم: ﴿قل﴾ يا محمد ﴿إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله﴾، يعني يعبدون من دون الله من الآلهة، ﴿قل لا أتبع أهواءكم﴾ في ترك دين الله، ﴿قد ضللت إذا﴾، إن اتبعت دينكم، ﴿وما أنا من المهتدين﴾، يعني من المرشدين، و﴿قل﴾ لهم ﴿إني على بينة من ربي﴾، يعني على بيان من ربي، وأنزل الله في ذلك: ﴿قل أغير الله أبغي ربا...﴾ إلى آخر السورة.
الأنعام 6:18
﴿وهو القاهر﴾ لخلقه، ﴿فوق عباده﴾، قد علاهم وقهرهم، ﴿وهو الحكيم﴾ في أمره ﴿الخبير﴾ بخلقه.
الأنعام 6:19
﴿قل أي شيء أكبر شهادة﴾، وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: أما وجد الله رسولا غيرك ما نرى أحدا يصدقك بما تقول، وقد سألنا عنك أهل الكتاب، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فمن يشهد لك أن الله هو الذي أرسلك؟ فقال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قل﴾ لهم ﴿أي شيء أكبر شهادة﴾، قالوا: الله أكبر شهادة من غيره، فقال الله: ﴿قل﴾ لهم يا محمد ﴿الله شهيد بيني وبينكم﴾ بأني رسول، ﴿و﴾ أنه ﴿وأوحي إلي هذا القرآن﴾ من عند الله، ﴿لأنذركم به﴾، يعني لكي أنذركم بالقرآن يا أهل مكة، ﴿ومن بلغ﴾ القرآن من الجن والإنس، فهو نذير لهم، يعني القرآن إلى يوم القيامة، ثم قال: ﴿أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى﴾؟ قالوا: نعم نشهد، قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قل﴾ لهم ﴿لا أشهد﴾ بما شهدتم، ولكن أشهد ﴿قل إنما هو إله واحد﴾، قل لهم: ﴿وإنني برئ مما تشركون﴾ به غيره.
الأنعام 6:20
وأنزل في قولهم: لقد سألنا عنك أهل الكتاب، فزعموا أنه ليس لك عندهم ذكر، فقال: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه﴾، أي صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم ﴿كما يعرفون أبناءهم﴾.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا الهذيل، عن مقاتل، قال: إن عبد الله بن سلام، قال: لأنا أعرف بمحمد، عليه السلام، منى بابني، لأني لا أعلم ما أحدثت فيه أمه، ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين خسروا أنفسهم﴾، يعني غبنوا أنفسهم، ﴿فهم لا يؤمنون﴾، يعني لا يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم، بأنه رسول الله، وأنزل الله في قولهم أيضا: ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه﴾، يعني القرآن، ﴿منزل من ربك بالحق فلا تكونن من الممترين﴾ (الأنعام: 114)، يعني من الشاكين بأن القرآن جاء من الله، نظيرها في يونس.
الأنعام 6:21
﴿ومن أظلم﴾، يقول: فلا أحد أظلم ﴿ممن افترى على الله كذبا﴾ بأن معه شريكا لقولهم: إن مع الله آلهة أخرى، ثم قال: ﴿أو كذب بآياته﴾، يعني بالقرآن أنه ليس من الله، ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾، يعني المشركين في الآخرة يعيبهم، نظيرها في يونس.
الأنعام 6:22
﴿ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا﴾، وذلك أن المشركين في الآخرة لما رأوا كيف يتجاوز الله عن أهل التوحيد، فقال بعضهم لبعض: إذا سئلنا قولوا: كنا موحدين، فلما جمعهم الله وشركاءهم، قال لهم: ﴿أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون﴾ آية في الدنيا بأن مع الله شريكا.
الأنعام 6:23
﴿ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا﴾، يعني معذرتهم إلا الكذب حين سئلوا فتبرأوا من ذلك، فقالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾.
الأنعام 6:24
قال الله: ﴿انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم﴾ في الآخرة، ﴿ما كانوا يفترون﴾ آية من الشرك في الدنيا، فختم على ألسنتهم، وشهدت الجوارح بالكذب عليهم والشرك.
الأنعام 6:25
﴿ومنهم﴾، يعني كفار مكة، ﴿من يستمع إليك﴾ وأنت تتلو القرآن، يعني النضر بن الحارث، إلى آخر الآية، ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه﴾، يعني الغطاء عن القلب، لئلا يفقهوا القرآن، ﴿وفي آذانهم وقرا﴾، يعني ثقلا، فلا يسمعوا، يعني النضر، ثم قال: ﴿وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها﴾، يعني انشقاق القمر، والدخان، فلا يصدقوا بأنها من الله عز وجل، ﴿حتى إذا جاءوك يجادلونك﴾ في القرآن بأنه ليس من الله، ﴿يقول﴾ الله: قال: ﴿الذين كفروا﴾، يعني النضر: ﴿إن هذا﴾ القرآن ﴿إلا أساطير الأولين﴾، آية يعني أحاديث الأولين، حديث رستم واسفندياز.
الأنعام 6:26
﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب بن عبد المطلب، يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش إلى أبي طالب ليريدوا بالنبي، عليه السلام، سوءا، فسألوا أبا طالب أن يدفعه إليهم فيقتلوه، فقال أبو طالب: ما لي عنه صبر، قالوا: ندفع إليك من سبايانا من شئت مكان ابن أخيك، فقال أبو طالب: حين تروح الإبل، فإن جاءت ناقة إلى غير فصيلها دفعت إليكم، وإن كانت الناقة لا تحن إلا إلى فصيلها، فأنا أحق من الناقة، فلما أبى عليهم، اجتمع منهم سبعة عشر رجلا من أشرافهم ورؤسائهم، فكتبوا بينهم كتابا ألا يبايعوا بني عبد المطلب، ولا يناكحوهم، ولا يخالطوهم، ولا يؤاكلوهم، حتى يدفعوا إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم، فيقتلوه، فاجتمعوا في دار شيبة بن عثمان صاحب الكعبة، وكان هو أشد الناس على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو طالب :
والله لن يصلوا إليك بجمعهم *** حتى أغيب في التراب دفينا
فانفذ لأمرك ما عليك غضاضة *** أبشر وقر بذاك منك عونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي *** فلقد صدقت وكنت قدما أمينا
وعرضت دينا قد علمت بأنه *** من خير أديان البرية دينا
لولا الدمامة أو أخادن سبة *** لوجدتني سمحا بذاك مبينا
فأنزل الله في أبي طالب، واسمه: عبد مناف بن شيبة، وهو عبد المطلب: ﴿وهم ينهون عنه وينأون عنه﴾، كان ينهى قريش عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم، ويتباعد هو عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعه على دينه، ﴿وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون﴾، يعني أبا طالب.
الأنعام 6:27
﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ وقفوا على النار﴾، يعني كفار قريش هؤلاء الرؤساء تمنوا، ﴿فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا﴾، يعني القرآن بأنه من الله، ﴿ونكون من المؤمنين﴾، يعني المصدقين بالقرآن في قولهم: ﴿بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل﴾.
الأنعام 6:28
﴿بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل﴾، وذلك أنهم حين قالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾، أوحى الله إلى الجوارح، فشهدت عليهم بما كتموا من الشرك، فذلك قوله: ﴿بل بدا لهم﴾، يعني ظهر لهم من الجوارح ﴿ما كانوا يخفون من قبل﴾ بألسنتهم من قبل أن تنطق الجوارح بالشرك، فتمنوا عند ذلك الرجعة إلى الدنيا، ﴿فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا...﴾ إلى آخر الآية، فأخبر الله عنهم، فقال: ﴿ولو ردوا﴾ إلى الدنيا كما تمنوا وعمروا فيها، ﴿لعادوا لما﴾، يعني لرجعوا لما ﴿نهوا عنه﴾ من الشرك والتكذيب، ﴿وإنهم لكاذبون﴾ في قولهم حين قالوا: ﴿ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين﴾، بالقرآن.
الأنعام 6:29
لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كفار مكة بالبعث كذبوه، ﴿وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين﴾ بعد الموت.
الأنعام 6:30
فأخبر الله بمنزلتهم في الآخرة، فقال: ﴿ولو ترى﴾ يا محمد ﴿إذ وقفوا﴾، يعني عرضوا ﴿على ربهم قال أليس هذا بالحق قالوا بلى وربنا﴾ إنه الحق، ﴿قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون﴾ بالعذاب بأنه غير كائن، نظيرها في الأحقاف.
الأنعام 6:31
﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله﴾، يعني بالبعث، ﴿حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة﴾، يعني يوم القيامة بغتة، يعني فجأة، ﴿قالوا يا حسرتنا﴾، يعني كفار قريش، ﴿على ما فرطنا فيها﴾، يقولون: يا ندامتنا على ما ضيعنا في الدنيا من ذكر الله، ثم قال: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون﴾، وذلك أن الكافر إذا بعث في الآخرة، أتاه عمله الخبيث في صورة حبشى، أشوه، منتن الريح، كريه المنظر، فيقول له الكافر: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، قد كنت أحملك في الدنيا بالشهوات واللذات، فاحملني اليوم، فيقول: وكيف أطيق حملك؟ فيقول: كما حملتك، فيركب ظهره، فذلك قوله: ﴿وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون﴾، يعني ألا بئس ما يحملون.
الأنعام 6:32
﴿وما الحياة الدنيا إلا لعب﴾، يعني إلا باطل، ﴿ولهو﴾ يكون في الدنيا ،
﴿وللدار الآخرة خير﴾، يثنى على الجنة، يقول: ولدار الجنة أفضل من الدنيا، ﴿للذين يتقون﴾ الشرك، ﴿أفلا﴾، يعني فهلا ﴿تعقلون﴾ أن الدار الآخرة أفضل من الدنيا، لأنها بعد دار الدنيا، وإنما سميت الدنيا، لأنها أدنى إلينا من دار الآخرة.
الأنعام 6:33
﴿قد نعلم إنه يحزنك الذي يقولون﴾، نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصى، كان الحارث يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في العلانية، فإذا خلا مع أهل ثقته، قال: ما محمد من أهل الكذب، وإني لأحسبه صادقا، وكان إذا لقي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنا لنعلم أن هذا الذي تقول حق، وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس، يعني العرب، من أرضنا إن خرجنا، فإنما نحن أكلة رأس، ولا طاقة لنا بهم، نظيرها في القصص: ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا﴾ (القصص: 57)، فأنزل الله: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون﴾ في العلانية بأنك كذاب مفتر، ﴿فإنهم لا يكذبونك﴾ في السر بما تقول بأنك نبي رسول، بل يعلمون أنك صادق، وقد جربوا منك الصدق فيما مضى، ﴿ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون﴾، يعني بالقرآن بعد المعرفة.
الأنعام 6:34
﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾، وذلك قبل كفار مكة، لأن كفار مكة، قالوا: يا محمد، ما يمنعك أن تأتينا بآية كما كانت الأنبياء تجئ بها إلى قومهم، فإن فعلت صدقناك، وإلا فأنت كاذب، فأنزل الله يعز نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم إياه، وأن يقتدى بالرسل قبله: ﴿ولقد كذبت رسل من قبلك﴾ ﴿فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا﴾ في هلاك قومهم، وأهل مكة بمنزلتهم، فذلك قوله: ﴿ولا مبدل لكلمات الله﴾، يعني لا تبديل لقول الله بأنه ناصر محمد صلى الله عليه وسلم، ألا وقوله حق كما نصر الأنبياء قبله، ﴿ولقد جاءك من نبأي﴾، يعني من حديث ﴿المرسلين﴾ حين كذبوا وأوذوا ثم نصروا.
الأنعام 6:35
﴿وإن كان كبر عليك﴾، يعني ثقل عليك ﴿إعراضهم﴾ عن الهدى، ولم تصبر على تكذيبهم إياك، ﴿فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض﴾، يعني سربا، ﴿أو سلما في السماء﴾، أي فإن لم تستطع فأت بسلم ترقى فيه إلى السماء، ﴿فتأتيهم بآية﴾ فافعل إن استطعت، ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم، فقال: ﴿ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين﴾، فإن الله لو شاء لجعلهم مهتدين.
الأنعام 6:36
ثم ذكر إيمان المؤمنين، فقال: ﴿إنما يستجيب الذين يسمعون﴾ الهدى، يعني القرآن، ثم قال: ﴿والموتى يبعثهم الله﴾، يعني كفار مكة يبعثهم الله في الآخرة، ﴿ثم إليه يرجعون﴾، يعني يردون فيجزيهم.
الأنعام 6:37
﴿وقالوا لولا﴾، يعني هلا ﴿نزل عليه﴾ محمد كما أنزل على الأنبياء ﴿آية من ربه﴾ للكفار، ﴿قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ بأن الله قادر على أن ينزلها.
الأنعام 6:38
﴿وما من دابة في الأرض﴾، ولا في بر، ولا في بحر، ﴿ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾، يعني خلقا أصنافا مصنفة تعرف بأسمائهم، ﴿ما فرطنا في الكتاب﴾، يعني ما ضيعنا في اللوح المحفوظ، ﴿من شيء ثم إلى ربهم يحشرون﴾ في الآخرة، ثم يصيرون من بعد ما يقتص بعضهم من بعض ترابا، يقال لهم: كونوا ترابا.
الأنعام 6:39
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني القرآن، ﴿صم﴾ لا يسمعون الهدى، ﴿وبكم﴾ لا يتكلمون به، ﴿في الظلمات﴾، يعني الشرك، ﴿من يشإ الله يضلله﴾ عن الهدى، نزلت في بني عبد الدار بن قصى، ﴿ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم﴾، يعني على دين الإسلام، منهم: علي بن أبي طالب، والعباس، وحمزة، وجعفر.
الأنعام 6:40
ثم خوفهم، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله﴾ في الدنيا كما أتى الأمم الخالية، ﴿أو أتتكم الساعة﴾، ثم رجع إلى عذاب الدنيا، فقال: ﴿أغير الله﴾ من الآلهة ﴿تدعون﴾ أن يكشف عنكم العذاب في الدنيا، ﴿إن كنتم صادقين﴾ بأنه معه آلهة.
الأنعام 6:41
ثم رجع إلى نفسه، فقال: ﴿بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون﴾ ،
يعني وتتركون ﴿ما تشركون﴾ بالله من الآلهة، فلا تدعونهم أن يكشفوا عنكم ولكنكم تدعون الله.
الأنعام 6:42
﴿ولقد أرسلنا﴾ الرسل ﴿إلى أمم من قبلك﴾، فكذب بهم قومهم كما كذب بك كفار مكة، ﴿فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم﴾ لكي ﴿يتضرعون﴾ إلى ربهم فيتوبون إليه.
الأنعام 6:43
يقول: ﴿فلولا إذ جاءهم بأسنا﴾، يعني الشدة والبلاء، ﴿تضرعوا﴾ إلى الله وتابوا إليه لكشف ما نزل بهم من البلاء، ﴿ولكن قست﴾، يعني جفت ﴿قلوبهم﴾، فلم تلن، ﴿وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون﴾ من الشرك والتكذيب.
الأنعام 6:44
﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾، يعني فلما تركوا ما أمروا به، يعني وعظوا به، يعني الأمم الخالية مما دعاهم الرسل فكذبوهم، ف ﴿فتحنا عليهم﴾، يعني أرسلنا عليهم، ﴿أبواب كل شيء﴾، يعني أنواع الخير من كل شيء بعد الضر الذي كان نزل بهم، نظيرها في الأعراف، ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا﴾، يعني بما أعطوا من أنواع الخير وأعجبهم ما هم فيه، ﴿أخذناهم بغتة﴾، يعني أصبناهم بالعذاب بغتة، يعني فجأة أعز ما كانوا، ﴿فإذا هم مبلسون﴾، يعني فإذا هم مرتهنون آيسون من كل خير.
الأنعام 6:45
﴿فقطع دابر القوم﴾، يعني أصل القوم، ﴿الذين ظلموا﴾، يعني أشركوا، فلم يبق منهم أحد، ﴿والحمد لله رب العالمين﴾ في هلاك أعدائه، يخوف كفار مكة.
الأنعام 6:46
﴿قل﴾ لكفار مكة يا محمد: ﴿أرأيتم إن أخذ الله سمعكم وأبصاركم﴾، فلم تسمعوا شيئا، ﴿وختم﴾، يعني وطبع ﴿على قلوبكم﴾، فلم تعقلوا شيئا، ﴿من إله غير الله
يأتيكم به﴾، يعني هل أحد يرده إليكم دون الله، ﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف نصرف الآيات﴾، يعني العلامات في أمور شتى فيما ذكر من تخويفهم من أخذ السمع والأبصار والقلوب، وما صنع بالأمم الخالية، ﴿ثم هم يصدفون﴾، يعني يعرضون، فلا يعتبرون.
الأنعام 6:47
ثم قال يعنيهم: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله بغتة﴾، يعني فجأة لا تشعرون حتى ينزل بكم، ﴿أو جهرة﴾، أو معاينة ترونه حين ينزل بكم القتل ببدر، ﴿هل يهلك﴾ بذلك العذاب، ﴿إلا القوم الظالمون﴾، يعني المشركون.
الأنعام 6:48
﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين﴾ بالجنة، ﴿ومنذرين﴾ من النار، ﴿فمن آمن﴾، يعني فمن صدق، ﴿وأصلح﴾ العمل، ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، نظيرها في الأعراف.
الأنعام 6:49
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني بالقرآن، يعني كفار مكة، ﴿يمسهم﴾، يعني يصيبهم ﴿العذاب بما كانوا يفسقون﴾، يعني يعصون، فلما خوفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب، سألوه العذاب استهزاء وتكذيبا: إلى متى يكون هذا العذاب الذي تعدنا به إن كنت من الصادقين؟
الأنعام 6:50
فقال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قل لا أقول لكم عندي خزائن الله﴾، يعني مفاتيح الله بنزول العذاب، ﴿ولا أعلم الغيب﴾، يعني غيب نزول العذاب متى ينزل بكم، ﴿ولا أقول لكم إني ملك﴾، لقولهم في حم السجدة: ﴿لو شاء ربنا لأنزل ملائكة﴾ (فصلت: 14) رسلا فتؤمن بهم، فأما أنت يا محمد، فلا نصدقك فيما تقول، ﴿إن أتبع﴾، يقول: ما أتبع، ﴿إلا ما يوحى إلي﴾ من القرآن، ﴿قل هل يستوي الأعمى﴾ بالهدى فلا يبصره، وهو الكافر، ﴿والبصير﴾ بالهدى، وهو المؤمن، ﴿أفلا﴾، يعني فهلا ﴿تتفكرون﴾ فتعلمون أنهما لا يستويان.
الأنعام 6:51
ثم قال: ﴿وأنذر به﴾، يعني بالقرآن، ﴿الذين يخافون﴾، يعني يعلمون، ﴿أن يحشروا إلى ربهم﴾، يعني الموالى وفقراء العرب، ويعلمون أنه ﴿ليس لهم من دونه﴾ ،
يعني من دون الله ﴿ولي﴾، يعني قريب ينفعهم، ﴿ولا شفيع﴾ في الآخرة يشفع لهم إن عصوا الله، ﴿لعلهم﴾، يعني لكي ﴿يتقون﴾ المعاصي، نزلت في الموالي عمارة، وأبي ذر الغفاري، وسالم، ومهجع، والنمر بن قاسط، وعامر بن فهيرة، وابن مسعود، وأبي هريرة، ونحوهم، وذلك أن أبا جهل وأصحابه، قالوا: انظروا إلى هؤلاء الذين اتبعوا محمدا من موالينا وأعرابنا رذالة كل حي وسفلتهم، يعنون الموالى، ولو كان لا يقبل إلا سادات الحي وسراة الموالي تابعناه، وذكروا ذلك لأبي طالب، فقالوا: قل لابن أخيك أن يطرد هؤلاء الغرباء والسفلة، حتى يجيبه سادات قومه وأشرافهم.
الأنعام 6:52
قال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم: لو طردت هؤلاء عنك، لعل سراة قومك يتبعونك، فأنزل الله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾، يعني الصلاة له، ﴿بالغداوة والعشي﴾ طرفي النهار، ﴿يريدون وجهه﴾، يعني يبتغون بصلاتهم وجه ربهم، ﴿ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين﴾، قال: وكانت الصلاة يومئذ ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس بعد ذلك.
الأنعام 6:53
﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض﴾، يقول: هكذا ابتلينا فقراء المسلمين من العرب والموالي بالعرب من المشركين: أبي جهل، والوليد، وعتبة، وأمية، وسهل بن عمرو، ونحوهم، ﴿ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم﴾، يعني أنعم الله عليهم بالإسلام، ﴿من بيننا﴾، يقول الله: ﴿أليس الله بأعلم بالشاكرين﴾، يعني بالموحدين منكم من غيره، وفيهم نزلت في الفرقان: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة...﴾ (الفرقان: 20)، إلى آخر الآية.
الأنعام 6:54
ثم قال يعنيهم: ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا﴾، يعني يصدقون بالقرآن أنه من الله، ﴿فقل سلام عليكم﴾، يقول: مغفرة الله عليكم، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام، وقال: "الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرت أن أصبر معهم وأسلم عليهم"، وقال: ﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده﴾، نزلت في عمر بن الخطاب، تاب من بعد السوء، يعني الشرك، ﴿وأصلح﴾ العمل، ﴿فأنه غفور رحيم﴾.
الأنعام 6:55
﴿وكذلك نفصل الآيات﴾، يعني نبين الآيات، يعني هكذا نبين أمر الدين، ﴿ولتستبين﴾، يعني وليتبين لكم ﴿سبيل المجرمين﴾، يعني طريق الكافرين من المؤمنين حتى يعرفهم، يعني هؤلاء النفر أبا جهل وأصحابه.
الأنعام 6:56
﴿قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله﴾ من الآلهة، ﴿قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين﴾ إن اتبعت أهواءكم، وذلك حين دعي إلى دين آبائه.
الأنعام 6:57
قوله: ﴿قل إني على بينة من ربي﴾، يعني بيان من ربي بما أمرني من عبادته وترك عبادة الأصنام، حين قالوا له: ائتنا بالعذاب إن كنت من الصادقين، ﴿وكذبتم به﴾، يعني بالعذاب، فقال لهم، عليه السلام: ﴿ما عندي ما تستعجلون به﴾ من العذاب، يعني كفار مكة، ﴿إن الحكم إلا لله﴾، يعني ما القضاء إلا الله في نزول العذاب بكم في الدنيا، ﴿يقص الحق﴾، يعني يقول الحق، ومن قرأها: "يقضي الحق"، يعني يأتي بالعذاب ولا يؤخره إذا جاء، ﴿وهو خير الفاصلين﴾ بيني وبينكم، يعني خير الحاكمين في نزول العذاب بهم.
الأنعام 6:58
﴿قل﴾ لهم ﴿لو أن عندي﴾، يعني بيدي، ﴿ما تستعجلون به﴾ من العذاب، ﴿لقضي الأمر﴾، يعني أمر العذاب، ﴿بيني وبينكم﴾، وليس ذلك بيدي، ﴿والله أعلم بالظالمين﴾.
الأنعام 6:59
﴿وعنده مفاتح الغيب﴾، يعني وعند الله خزائن العذاب، متى ينزله بكم، ﴿لا يعلمها﴾ أحد ﴿إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة﴾ من شجرة، ﴿إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض﴾ كلها، ﴿ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين﴾، يقول: هو بين في اللوح المحفوظ.
الأنعام 6:60
﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل﴾، يعني يميتكم بالليل، ﴿ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾، يعني ما كسبتم من خير أو شر بالنهار، ﴿ثم يبعثكم فيه﴾، يقول: يبعثكم من منامكم بالنهار، ﴿ليقضى أجل مسمى﴾، يعني منتهيا إليه، ﴿ثم إليه مرجعكم﴾ في الآخرة، ﴿ثم ينبئكم بما كنتم تعملون﴾ في الدنيا من خير أو شر، هذا وعيد.
الأنعام 6:61
قوله: ﴿وهو القاهر﴾ لخلقه، ﴿فوق عباده﴾، قد علاهم، ﴿ويرسل عليكم حفظة﴾ من الملائكة، يعني الكرام الكاتبين يحفظون أعمال بني آدم، ﴿حتى إذا جاء أحدكم الموت﴾ عند منتهى الأجل، ﴿توفته رسلنا﴾، يعني ملك الموت وحده، عليه السلام، ﴿وهم لا يفرطون﴾، يعني لا يضيعون ما أمروا به، يعني ملك الموت وحده.
الأنعام 6:62
ثم قال: ﴿ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق﴾، ثم ردوا من الموت إلى الله في الآخرة، فيها تقديم، ﴿ألا له الحكم﴾، يعني القضاء، ﴿وهو أسرع الحاسبين﴾ يقول: هو أسرع حسابا من غيره، وذلك قوله: ﴿وكفى بنا حاسبين﴾ (الأنبياء: 47).
الأنعام 6:63
قل يا محمد لكفار مكة: ﴿من ينجيكم من ظلمات البر والبحر﴾، يعني الظلل والظلمة والموج، ﴿تدعونه تضرعا﴾، يعني مستكينين، ﴿وخفية﴾، يعني في خفض وسكون، ﴿لئن أنجانا من هذه﴾ الأهوال، ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ لله في هذه النعم، فيوحدوه.
الأنعام 6:64
﴿قل الله ينجيكم منها ومن كل كرب﴾، يعني من أهوال كل كرب، يعني من كل شدة، ﴿ثم أنتم تشركون﴾ في الرخاء.
الأنعام 6:65
﴿قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم﴾، يعني الحصب بالحجارة كما فعل بقوم لوط، فلا يبقى منكم أحد، ﴿أو من تحت أرجلكم﴾، يعني الخسف كما فعل بقارون ومن معه، ثم قال: ﴿أو يلبسكم شيعا﴾، يعني فرقا أحزابا أهواء مختلفة كفعله بالأمم الخالية، ﴿ويذيق بعضكم بأس بعض﴾، يقول: يقتل بعضكم بعضا، فلا يبقى منكم أحد إلا قليل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو يجر رداءه، وذلك بالليل، وهو يقول: "لئن أرسل الله على أمتي عذابا من فوقهم ليهلكنهم، أو من تحت أرجلهم، فلا يبقى منهم أحد"، فقام صلى الله عليه وسلم فصلى ودعا ربه أن يكشف ذلك عنهم، فأعطاه الله اثنتين الحصب والخسف، كشفهما عن أمته، ومنعه اثنتين الفرقة والقتل، فقال: "أعوذ بعفوك من عقابك، وأعوذ بمعافاتك من غضبك، وأعوذ بك منك، جل وجهك، لا أبلغ مدحتك والثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك".
قال: فجاءه جبريل، عليه السلام، فقال: إن الله قد استجاب لك وكشف عن أمتك اثنتين ومنعوا اثنتين، ﴿انظر﴾ يا محمد ﴿كيف نصرف الآيات﴾، يعني العلامات في أمور شتى من ألوان العذاب، ﴿لعلهم﴾، يقول: لكي، ﴿يفقهون﴾ عن الله فيخافوه ويوحدوه.
الأنعام 6:66
﴿وكذب به﴾ بالقرآن ﴿قومك﴾ خاصة، ﴿وهو الحق﴾ جاء من الله، ﴿قل لست عليكم بوكيل﴾، يقول بمسيطر، نسختها آية السيف.
الأنعام 6:67
﴿لكل نبإ مستقر﴾، يقول: لكل حديث حقيقة ومنتهى، يعني العذاب منه في الدنيا، وهو القتل ببدر، ومنه في الآخرة نار جهنم، وذلك قوله: ﴿وسوف تعلمون﴾، أو عدهم العذاب، مثلها في اقتربت.
الأنعام 6:68
﴿وإذا رأيت﴾، يعني سمعت يا محمد، ﴿الذين يخوضون في آياتنا﴾، يعني يستهزءون بالقرآن، وقالوا ما لا يصح، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾، يعني فقم عنهم لا تجالسهم حتى يكون حديثهم في غير أمر الله وذكره، ﴿وإما ينسينك الشيطان﴾، يقول: فإن أنساك الشيطان فجالستهم بعد النهى، ﴿فلا تقعد بعد الذكرى﴾، يقول: إذا ذكرت فلا تقعد، ﴿مع القوم الظالمين﴾، يعني المشركين.
فقال المؤمنون عند ذلك: لو قمنا عنهم إذا خاضوا واستهزءوا، فإنا نخشى الإثم في مجالستهم، يعني حين لا نغير عليهم، فأنزل الله: ﴿وما على الذين يتقون﴾
الأنعام 6:69
﴿وما على الذين يتقون﴾، يعني يوحدون الرب، ﴿من حسابهم من شيء﴾، يعني من مجازاة عقوبة خوضهم واستهزائهم من شيء، ثم قال: ﴿ولكن ذكرى لعلهم يتقون﴾ إذا قمتم عنهم منعهم من الخوض والاستهزاء الحياء منكم والرغبة في مجالستكم، فيذكرون قيامكم عنهم، ويتركون الخوض والاستهزاء، ثم نسختها الآية التي في النساء: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره...﴾ (النساء: 140) الآية.
الأنعام 6:70
﴿وذر الذين اتخذوا دينهم﴾ الإسلام ﴿لعبا﴾، يعني باطلا، ﴿ولهوا﴾، يعني لهوا عنه، ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾، عن دينهم الإسلام، ﴿وذكر به﴾، يعني وعظ بالقرآن، ﴿أن تبسل نفس﴾، يعني لئلا تبسل نفس، ﴿بما كسبت﴾، يعني بم عملت من الشرك والتكذيب، فترتهن بعملها في النار، ﴿ليس لها من دون الله ولي﴾، يعني قريبا ينفعهم، ﴿ولا شفيع﴾ في الآخرة يشفع لهم، ﴿وإن تعدل﴾، يعني فتفتدى هذه النفس المرتهنة بعملها، ﴿كل عدل﴾، فتعطى كل فداء ملء الأرض ذهبا، ﴿لا يؤخذ منها﴾، يعني لا يقبل منها، ﴿أولئك﴾ يعنيهم، ﴿الذين أبسلوا﴾، يعني حبسوا في النار، ﴿بما كسبوا لهم شراب من حميم﴾، يعني النار التي قد انتهى حرها، ﴿وعذاب أليم﴾، يعني وجيع، ﴿بما كانوا يكفرون﴾.
الأنعام 6:71
﴿قل أندعوا من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا﴾، وذلك أن كفار مكة عذبوا نفرا من المسلمين على الإسلام، وأرادوهم على الكفر، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل أتعبدون من دون الله﴾ من آلهة، يعني الأوثان، ﴿ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا﴾ (المائدة: 76)، في الآخرة، ولا يملك لنا ضرا في الدنيا، ﴿ونرد على أعقابنا﴾، يعني ونرجع إلى الشرك، ﴿بعد إذ هدانا الله﴾ إلى دينه الإسلام، فهذا قول المسلمين للكفار حين قالوا لهم: اتركوا دين محمد صلى الله عليه وسلم واتبعوا ديننا، يقول الله للمؤمنين: ردوا عليهم: فإن مثلنا إن اتبعناكم وتركنا ديننا، كان مثلنا ﴿كالذي استهوته الشياطين﴾ وأصحابه على الطريق يدعونه إلى الهدى: أن ائتنا، فإنا على الطريق، فأبى ذلك الرجل أن يأتيهم، فذلك مثلنا لإن تركنا دين محمد صلى الله عليه وسلم، ونحن على طريق الإسلام، وأما الذي استهوته الشياطين، يعني أضلته، ﴿في الأرض حيران﴾، لا يدري أين يتوجه، فإنه عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أضلته الشياطين عن الهدى، فهو حيران، ﴿له أصحاب﴾ مهتدون، ﴿يدعونه إلى الهدى﴾، يعني أبويه، قالا له: ﴿ائتنا﴾، فإنا على الهدى، وفيه نزلت، والذي قال لوالديه: ﴿أف لكم﴾ (الأنبياء: 67)، فذلك قوله: ﴿قل إن هدى الله هو الهدى﴾، يعني الإسلام هو الهدى، والضلال الذي تدعونا الشياطين إليه هو الذي أنتم عليه، قل لهم: ﴿وأمرنا لنسلم﴾، يعني لنخلص، ﴿لرب العالمين﴾، فقد فعلنا.
الأنعام 6:72
ثم أمرهم بالعمل، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿وأن أقيموا الصلاة﴾ لمواقيتها، يخبرهم أنه لا تنفعهم الصلاة إلى مع الإخلاص، ﴿واتقوه﴾، يعني وحدوه، ﴿وهو الذي إليه تحشرون﴾.
الأنعام 6:73
ثم خوفهم، فقال: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض بالحق﴾، يعني بأنه لم يخلقهما باطلا لغير شيء، ولكن خلقهما لأمر هو كائن، ﴿ويوم يقول﴾ الله للبعث مرة واحدة: ﴿كن فيكون﴾، لا يثنى الرب القول مرتين، ﴿قوله﴾ في البعث ﴿الحق﴾، يعني الصدق، وأنه كائن، ﴿وله الملك يوم ينفخ﴾، أي ينفخ إسرافيل، ﴿في الصور عالم الغيب﴾، يعلم غيب ما كان وما يكون، ثم قال: ﴿والشهادة﴾، يعني شاهد كل نجوى وكل شيء، ﴿وهو الحكيم﴾، يعني حكم البعث، ﴿الخبير﴾ بالبعث متى يبعثهم.
الأنعام 6:74
﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر﴾، اسمه بكلام قومه: تارح: ﴿أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ (آية: 74)، وولد إبراهيم بكوتي، وذلك أن الكهنة قالوا لنمروذ الجبار: إنه يولد في هذه السنة غلام يفسد آلهة أهل الأرض، ويدعو إلى غير آلهتكم، ويكون هلاك ملكك وهلاك أهل بيتك بسببه، فقال نمروذ: إن دواء هذا لهين، نعزل الرجال عن النساء، ونعمد إلى كل غلام يولد في هذه السنة فنقتله إلى أن تنقضي السنة، فقالوا: إن فعلت ذلك، وإلا كان الذي قلنا لك.
فعمد نمروذ، فجعل على كل عشرة رجال رجلا، وقال لهم: إذا طهرت المرأة فحولوا بينها وبين زوجها إلى أن تحيض، ثم يرجع إلى امرأته إلى أن تطهر، ثم يحال بينهما، فرجع آزر إلى امرأته، فجامعها على طهر فحملت، قالت الكهنة: قد حمل به الليلة، قال نمروذ: انظروا إلى كل امرأة استبان حملها، فخلوا سبيلها، وانظروا بقيتهن، فلما دنا مخاض أم ابراهيم، عليه السلام، دنت إلى نهر يابس، فولدت فيه، ثم لفته في خرقة، فوضعته في حلفا، ثم رجعت إلى بيتها، فأخبرت زوجها بمكانه، فعمد أبوه فحفر له سربا في الأرض، ثم جعله فيه وسد عليه بصخرة مخافة السباع، فكانت أمه تختلف إليه وترضعه حتى فطمته وعقل، وكان ينبت في اليوم نبات شهر، وفي الشهر نبات سنة، وفي السنة نبات سنتين، فقال لأمه: من ربي؟ قالت: أنا، قال: من ربك؟ قالت: أبوك، قال: فمن رب أبي؟ فضربته، وقالت له: اسكت، فسكت الصبي.
ورجعت إلى زوجها، فقالت: أرأيت الغلام الذي كنا نخبر أنه يغير دين أهل الأرض؟ فهو ابنك، وأخبرته الخبر، فأتاه أبوه وهو في السرب، فقال: يا أبت، من ربي؟ قال: أمك، قال: فمن رب أمي؟ قال: أنا، قال: فمن ربك؟ فضربه، وقال له: اسكت.
الأنعام 6:75
﴿وكذلك﴾، يعني هكذا، ﴿نرى إبراهيم ملكوت﴾، يعني خلق ﴿السماوات والأرض﴾، وما بينهما من الآيات، ﴿وليكون﴾ إبراهيم ﴿من الموقنين﴾ بالرب أنه واحد لا شريك له. وذلك أن إبراهيم سأل ربه أن يريه ملكوت السماوات والأرض، فأمر الله جبريل، عليه السلام، فرفعه إلى الملكوت ينظر إلى أعمال العباد، فرأى رجلا على معصية، فقال: يا رب، ما أقبح ما يأتي هذا العبد، اللهم اخسف به، ورأى آخر فأعاد الكلام، قال: فأمر الله جبريل، عليه السلام، أن يرده إلى الأرض، فأوحى الله إليه: مهلا يا إبراهيم، فلا تدع على عبادي، فإني من عبادي على إحدى خصلتين: إما أن يتوب إلى قبل موته فأتوب عليه، وإما أن يموت فيدع خلفا صالحا فيستغفر لأبيه فأغفر لهما بدعائه.
الأنعام 6:76
﴿فلما جن عليه الليل﴾، دنا من باب السرب، وذلك في آخر الشهر، فرأى الزهرة أول الليل من خلال السرب ومن وراء الصخرة، والزهرة أحسن الكواكب، ﴿رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل﴾، يعني غاب، ﴿قال﴾ إبراهيم: ﴿لا أحب الآفلين﴾، يعني الغائبين الذاهبين، وربى لا يذهب ولا يغيب.
الأنعام 6:77
﴿فلما﴾ كان آخر الليل، ﴿رأى القمر بازغا﴾، يعني طالعا أعظم وأضوأ من الكواكب، ﴿قال هذا ربي﴾، وهو ينظر إليه، ﴿فلما أفل﴾، يعني غاب، ﴿قال لئن لم يهدني ربي﴾ لدينه ﴿لأكونن من القوم الضالين﴾ عن الهدى.
الأنعام 6:78
﴿فلما رأى الشمس بازغة﴾، يعني طالعة في أول ما رآها ملأت كل شيء ضوءا، ﴿قال هذا ربي هذا أكبر﴾، يعني أعظم من الزهرة والقمر، ﴿فلما أفلت﴾، يعني غابت، عرف أن الذي خلق هذه الأشياء دائم باق، ورفع الصخرة، ثم خرج فرأى قومه يعبدون الأصنام، فقال لهم: ما تعبدون؟ قالوا: نعبد ما ترى، ﴿قال يا قوم﴾، عبادة رب واحد خير من عبادة أرباب كثيرة، و﴿إني بريء مما تشركون﴾ بالله من الآلهة، قالوا: فمن تعبد يا إبراهيم؟ قال: أعبد الله الذي خلق السماوات والأرض حنيفا، يعني مخلصا لعبادته، وما أنا من المشركين.
الأنعام 6:79
وذلك قوله: ﴿إني وجهت وجهي﴾، يعني ديني ﴿للذي فطر السماوات والأرض حنيفا﴾، يعني مخلصا، ﴿وما أنا من المشركين﴾.
الأنعام 6:80
ثم إن نمروذ بن كنعان الجبار خاصم إبراهيم، فقال: من ربك؟ قال إبراهيم: ربى الذي يحيى ويميت، وهو قوله: ﴿وحاجه قومه﴾، فعمد نمروذ إلى إنسان فقتله، وجاء بآخر فتركه، فقال: أنا أحييت هذا وأمت ذلك، قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، يعني نمروذ، قوله: ﴿وحاجه قومه﴾، وذلك أنهم لما سمعوا إبراهيم، عليه السلام، عاب آلهتهم وبرئ منها، قالوا لإبراهيم: إن لم تؤمن بآلهتنا، فإنا نخاف أن تخبلك وتفسدك فتهلك، فذلك قوله: ﴿وحاجه قومه﴾، يعني وخاصمه قومه، ﴿قال أتحاجوني في الله وقد هدان﴾ لدينه، ﴿ولا أخاف ما تشركون به﴾، يعني بالله من الآلهة، وهي لا تسمع ولا تبصر شيئا، ولا تنفع ولا تضر، وتنحتونها بأيديكم، ﴿إلا أن يشاء ربي شيئا﴾، فيضلني عن الهدى، فأخاف آلهتكم أن تصيبني بسوء، ﴿وسع﴾، يعني ملأ ﴿ربي كل شيء علما﴾، فعلمه، ﴿أفلا﴾، يعني فهلا ﴿تتذكرون﴾ فتعتبرون.
الأنعام 6:81
ثم قال لهم: ﴿وكيف أخاف ما أشركتم﴾ بالله من الآلهة، ﴿ولا تخافون﴾ أنتم ب ﴿أنكم أشركتم بالله﴾ غيره، ﴿ما لم ينزل به عليكم سلطانا﴾، يعني كتابا فيه حجتكم بأن معه شريكا، ثم قال لهم: ﴿فأي الفريقين أحق بالأمن﴾، أنا أو أنتم؟ ﴿إن كنتم تعلمون﴾ من عبد إلها واحدا أحق بالأمن أم من عبد أربابا شتى، يعنى آلهة صغارا وكبارا، ذكورا وإناثا، فكيف لا يخاف من الكبير إذا سوى بالصغير؟ وكيف لا يخاف من الذكر إذا سوى بالأنثى؟ أخبروني أي الفريقين أحق بالأمن من الشر إن كنتم تعلمون.
الأنعام 6:82
فرد عليه قومه، فقال: ﴿الذين آمنوا﴾ برب واحد، ﴿ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾، يعني ولم خلطوا تصديقهم بشرك، فلم يعبدوا غيره، ﴿أولئك لهم الأمن وهم مهتدون﴾ من الضلالة، فأقروا بقول إبراهيم، وفلح عليهم، فذلك قوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء...﴾
الأنعام 6:83
﴿إن ربك حكيم﴾ في أمره ﴿عليم﴾ بخلقه.
الأنعام 6:84
ثم قال: ﴿ووهبنا له﴾، يعني إبراهيم، ﴿إسحاق ويعقوب كلا هدينا﴾ للإيمان، ﴿ونوحا هدينا﴾ إلى الإسلام ﴿من قبل﴾ إبراهيم، ﴿ومن ذريته﴾، يعني من ذرية نوح، ﴿داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك﴾، يعني هكذا، ﴿نجزي المحسنين﴾ يعني هؤلاء الذين ذكرهم الله.
الأنعام 6:86
﴿وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا﴾ بالنبوة من الجن والإنس ﴿على العالمين﴾
الأنعام 6:87
﴿ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم﴾، يعني واستخلصناهم بالنبوة، ﴿وهديناهم إلى صراط مستقيم﴾، يعني الإسلام.
الأنعام 6:88
﴿ذلك هدى الله يهدي به من يشاء﴾، يعني ثمانية عشر نبيا، ﴿من عباده﴾، فيعطيه النبوة، ﴿ولو أشركوا﴾ بالله، ﴿لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾.
الأنعام 6:89
ثم ذكر ما أعطى النبيين، فقال: ﴿أولئك الذين آتيناهم الكتاب﴾، يعني أعطيناهم الكتاب، يعني كتاب إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل، ﴿والحكم﴾، يعني العلم والفهم، ﴿والنبوة فإن يكفر بها هؤلاء﴾ من أهل مكة بما أعطى الله النبيين من الكتب، ﴿فقد وكلنا بها﴾، يعني بالكتب، ﴿قوما ليسوا بها بكافرين﴾، يعني أهل المدينة من الأنصار.
الأنعام 6:90
ثم ذكر النبيين الثمانية عشر، فقال: ﴿أولئك الذين هدى الله﴾ لدينه، ﴿فبهداهم اقتده﴾، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: فبسنتهم اقتد، ﴿قل لا أسألكم عليه﴾، يعني على الإيمان بالقرآن، ﴿أجرا﴾، يعني جميلا، ﴿إن هو﴾، يعني ما القرآن ﴿إلا ذكرى﴾، يعني تذكرة ﴿للعالمين﴾.
الأنعام 6:91
﴿وما قدروا الله حق قدره﴾، يعني ما عظموا الله حق عظمته، ﴿إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء﴾، يقول: على رسول من كتاب، فما عظموه حين كذبوا بأنه لم ينزل كتابا على الرسل، نزلت في مالك بن الضيف اليهودي حين خاصمه عمر بن الخطاب في النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكتوب في التوراة، فغضب مالك، فقال: ما أنزل الله على أحد كتابا ربانيا في اليهود، فعزلته اليهود عن الربانية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا﴾، يعني ضياء من الظلمة، ﴿وهدى للناس﴾ من الضلالة، ﴿تجعلونه قراطيس﴾، يعني صحفا ليس فيها شيء، ﴿تبدونها﴾ تعلنونها، ﴿وتخفون﴾، يعني وتسرون، ﴿كثيرا﴾، فكان مما أخفوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأمر الرجم في التوراة، ﴿وعلمتم﴾ في التوراة ﴿ما لم تعلموا أنتم ولا﴾ ولم يعلمه ﴿آباؤكم﴾، ثم قال في التقديم: ﴿قل الله﴾ أنزل على موسى، عليه السلام، ﴿ثم ذرهم﴾، يعني خل عنهم إن لم يصدقوك، ﴿في خوضهم يلعبون﴾، في باطلهم يلهون، يعني اليهود، نزلت هذه الآية بالمدينة، ثم إن مالك بن الضيف تاب من قوله، فلم يقبلوا منه، وجعلوا مكانه رجلا في الربانية.
الأنعام 6:92
﴿وهذا كتاب أنزلناه﴾ على محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿مبارك﴾ لمن عمل به، وهو ﴿مصدق الذي بين يديه﴾، يقول: يصدق لما قبله من الكتب التي أنزلها الله عز وجل على الأنبياء، ﴿ولتنذر أم القرى﴾، يعني لكي تنذر بالقرآن أصل القرى، يعني مكة، وإنما سميت أم القرى، لأن الأرض كلها دحيت من تحت الكعبة، ﴿و﴾ تنذر بالقرآن ﴿ومن حولها﴾، يعني حول مكة، يعني قرى الأرض كلها، ﴿والذين يؤمنون بالآخرة﴾، يعني يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿يؤمنون به﴾، يعني يصدقون بالقرآن أنه جاء من الله عز وجل، ثم نعتهم، فقال: ﴿وهم على صلاتهم يحافظون﴾ عليها في مواقيتها لا يتركونها.
الأنعام 6:93
﴿ومن أظلم﴾، هذه الآية مدنية، فلا أحد أظلم ﴿ممن افترى على الله كذبا أو قال
أوحى إلي ولم يوحى إليه شيء﴾، نزلت في مسيلمة بن حبيب الكذاب الحنفي، حيث زعم أن الله أوحى إليه النبوة، وكان مسيلمة أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم رسولين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهما: "أتشهدان أن مسيلمة نبي؟"، قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما"، ثم قال: ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾، فلا أحد أيضا أظلم منه، نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح القرشي، من بني عامر بن لؤي، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، كان يتكلم بالإسلام، وكتب للنبي صلى الله عليه وسلم يوما سورة النساء، فإذا أملى عليه النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿غفورا رحيما﴾، كتب: ﴿عليما حكيما﴾، وإذا أملى عليه: ﴿سميعا بصيرا﴾ كتب: ﴿سميعا عليما﴾، فقال لقوم من المنافقين: كتبت غير الذي أملى علي، وهو ينظر إليه فلم يغيره، فشك عبد الله بن سعد في إيمانه، فلحق بمكة كافرا، فقال لهم: لئن كان محمد صادقا فيما يقول، لقد أنزل علي كما أنزل عليه، ولئن كان كاذبا، لقد قلت كما قال، وإنما شك لسكوت النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينظر إليه، فلم يغير ذلك، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب.
ثم قال: ﴿ولو ترى إذ الظالمون﴾، يعني مشركي مكة، ﴿في غمرات الموت﴾، يعني في سكرات الموت، إذ قتلوا ببدر، ﴿والملائكة باسطوا أيديهم﴾ عند الموت تضرب الوجوه والأدبار، يعني ملك الموت وحده، وهو يقول: ﴿أخرجوا أنفسكم﴾، يعني أرواحكم، منهم: أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأبو قيس بن الفاكه، والوليد بن المغيرة، وقريبا من سبعين قتيلا، فلما بعثوا في الآخرة، وصاروا في النار، قالت لهم خزنة جهنم: ﴿اليوم تجزون عذاب الهون﴾، يعني الهوان بغير رأفة ولا رحمة، نظيرها في الأنفال، ﴿بما كنتم تقولون على الله﴾ في الدنيا، ﴿غير الحق﴾ بأن معه شريكا، ﴿وكنتم عن آياته تستكبرون﴾، يعني وكنتم تتكبرون عن الإيمان بالقرآن.
الأنعام 6:94
﴿ولقد جئتمونا﴾ في الآخرة، ﴿فرادى﴾، ليس معكم من الدنيا شيء، ﴿كما خلقناكم أول مرة﴾ حين ولدوا وليس لهم شيء، ﴿وتركتم ما خولناكم﴾ في الدنيا ﴿وراء ظهوركم﴾، يعني ما أعطيناكم من الخير من بعدكم في الدنيا، ﴿وما نرى معكم شفعاءكم﴾ من الملائكة، ﴿الذين زعمتم﴾ في الدنيا، ﴿أنهم فيكم شركاء﴾، يعني أنهم لكم شفعاء عند الله، لقولهم في يونس: ﴿هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾ (يونس :18)، يعني الملائكة، ثم قال: ﴿لقد تقطع بينكم﴾، وبين شركاءكم، يعني من الملائكة من المودة والتواصل، ﴿وضل عنكم﴾ في الآخرة ﴿ما كنتم تزعمون﴾ في الدنيا بأن مع الله شريكا.
الأنعام 6:95
﴿إن الله فالق الحب﴾، يعني خالق الحب، يعني البر، والشعير، والذرة، والحبوب، كلها، ثم قال: ﴿والنوى﴾، يعني كل ثمرة لها نوى: الخوخ، والنبق، والمشمش، والعنب، والإجاص، وكل ما كان من الثمار له نوى، ثم قال: ﴿يخرج الحي من الميت﴾، يقول: أخرج الناس والدواب من النطف وهي ميتة، ويخرج الطير كلها من البيضة وهي ميتة، ثم قال: ﴿ومخرج الميت من الحي﴾، يعني النطف والبيض من الحي يعني الحيوانات كلها، ﴿ذلكم الله﴾ الذي ذكر في هذه الآية من صنعه وحده يدل على توحيده بصنعه، ثم قال: ﴿فأنى تؤفكون﴾، يقول: أني يكذبون بأن الله وحده لا شريك له.
الأنعام 6:96
ثم ذكر أيضا في هذه من صنعه ليدل على توحيده بصنعه، فقال: ﴿فالق الإصباح﴾، يعني خالق النهار من حين يبدوا أوله، ﴿وجعل الليل سكنا﴾ لخلقه يسكنون فيه لراحة أجسادهم، ﴿و﴾ جعل ﴿والشمس والقمر حسبانا﴾، يقول: جعلهما في مسيرهما كالحسبان في القلك، يقول: لتعلموا عدد السنين والحساب، وذلك أن الله قدر لهما منازلهما في السماء الدنيا، فذلك قوله: ﴿ذلك تقدير العزيز﴾ في ملكه يصنع ما أراد، ﴿العليم﴾ بما قدر من خلقه، نظيرها في يونس.
الأنعام 6:97
ثم قال: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم﴾ نورا، ﴿لتهتدوا بها﴾ بالكواكب ليلا، يقول: لتعرفوا الطريق إذا سرتم، ﴿في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون﴾ بأن الله واحد لا شريك له، ثم أخبر عن صنعه.
الأنعام 6:98
فقال: ﴿وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة﴾، يعني خلقكم من نفس واحدة، يعني آدم وحده، ﴿فمستقر﴾ في أرحام النساء، ﴿ومستودع﴾ في أصلاب الرجال مما لم يخلقه وهو خالقه، ﴿قد فصلنا الآيات﴾، يعني قد بينا الآيات، ﴿لقوم يفقهون﴾ عن الله عز وجل.
الأنعام 6:99
ثم أخبر عن صنعه ليعرف توحيده، فقال: ﴿وهو الذي أنزل من السماء ماء﴾، يعني المطر، ﴿فأخرجنا به﴾، يعني بالمطر، ﴿نبات كل شيء﴾، يعني الثمار والحبوب وألوان النبات، ﴿فأخرجنا منه خضرا﴾، يعني أول النبات، ﴿تخرج منه﴾، يعني من الماء، ﴿حبا متراكبا﴾، يعني السنبل قد ركب بعضه بعضا، ﴿و﴾ أخرجنا بالماء ﴿ومن النخل من طلعها﴾، يعني من ثمرها، ﴿قنوان﴾، يعني قصار النخل، ﴿دانية﴾، يعني ملتصقة بالأرض تجنى باليد، ﴿و﴾ أخرجنا بالماء ﴿وجنات﴾، يعني البساتين، ثم نعت البساتين، فقال: ﴿من﴾ نخيل و ﴿أعناب والزيتون والرمان مشتبها﴾، ورقها في المنظر يشبه ورق الزيتون وورق الرمان، ثم قال: ﴿وغير متشابه﴾ في اللون مختلف في الطعم، ﴿انظروا إلى ثمره إذا أثمر﴾ حين يبدو غضا أوله صيصا، ﴿وينعه إن في ذلكم﴾، يعني إن في هذا الذي ذكر من صنعه وعجائبه لعبرة، ﴿لآيات لقوم يؤمنون﴾، يعني يصدقون بالتوحيد.
الأنعام 6:100
﴿وجعلوا﴾ يعني وصفوا ﴿لله﴾ الذي خلقهم في التقديم ﴿شركاء الجن﴾ من الملائكة، وذلك أن جهينة، وبني سلمة، وخزاعة وغيرهم، قالوا: إن حيا من الملائكة يقال لهم: الجن بنات الرحمن، فقال الله: ﴿وخلقهم وخرقوا له﴾، يعني وتخرصوا، يعني يخلقوا لله ﴿بنين وبنات بغير علم﴾ يعلمونه أن له بنين وبنات، وذلك أن اليهود، قالوا: عزير ابن الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بنات الله، يقول الله: ﴿سبحانه﴾ نزه نفسه عما قالوا من البهتان، ثم عظم نفسه، فقال: ﴿وتعالى﴾، يعني وارتفع ﴿عما يصفون﴾، يعني يقولون من الكذب.
الأنعام 6:101
فعظم نفسه وأخبر عن قدرته، فقال: ﴿بديع السماوات والأرض﴾، لم يكونا فابتدع خلقهما، ثم قال: ﴿أنى﴾، يعني من أين ﴿يكون له ولد ولم تكن له صحبة﴾، يعني زوجة، ﴿وخلق كل شيء﴾، يعني من الملائكة، وعزير، وعيسى، وغيرهم فهم خلقه وعباده وفي ملكه، ثم قال: ﴿وهو بكل شيء عليم﴾.
الأنعام 6:102
ثم دل على نفسه بصنعه ليوحدوه، فقال: ﴿ذلكم الله ربكم﴾ الذي ابتدع خلقهما وخلق كل شيء ولم يكن له صاحبة ولا ولد، ثم وحد نفسه إذ لم يوحده كفار مكة، فقال: ﴿لا إله إلا هو خلق كل شيء فاعبدوه﴾، يعني فوحدوه، ﴿وهو على كل شيء وكيل﴾، وهو رب كل شيء ذكر من بنين وبنات وغيرهم.
الأنعام 6:103
ثم عظم نفسه، فقال: ﴿لا تدركه الأبصار﴾، يقول: لا يراه الخلق في الدنيا، ﴿وهو يدرك الأبصار﴾، وهو يرى الخلق في الدنيا، ﴿وهو اللطيف﴾ لطف علمه وقدرته حين يراهم في السماوات والأرض، ﴿الخبير﴾ بمكانهم.
الأنعام 6:104
﴿قد جاءكم﴾ يا أهل مكة، ﴿بصائر﴾، يعني بيان ﴿من ربكم﴾، يعني القرآن، نظيرها في الأعراف، ﴿فمن أبصر﴾ إيمانا بالقرآن، ﴿فلنفسه ومن عمي﴾ عن إيمان بالقرآن، ﴿فعليها﴾، يعني فعلى نفسه، ﴿وما أنا عليكم بحفيظ﴾، يعني برقيب، يعني محمد صلى الله عليه وسلم.
الأنعام 6:105
﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا ﴿نصرف الآيات﴾ في أمور شتى، يعني ما ذكر، ﴿وليقولوا درست﴾، يعني قابلت ودرست، يعني تعلمت من غيرك يا محمد، فأنزل الله: ﴿وكذلك نصرف الآيات﴾، لئلا يقولوا: درست وقرأت من غيرك، ﴿ولنبينه﴾، يعني القرآن، ﴿لقوم يعلمون﴾.
الأنعام 6:106
﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك﴾، وذلك حين دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملة آبائه، فأنزل الله عز وجل: ﴿اتبع ما أوحي إليك من ربك﴾ ﴿لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين﴾، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: أعرض عنهم إذا أشركوا.
الأنعام 6:107
﴿ولو شاء الله ما أشركوا﴾، يقول: ولو شاء الله لمنعهم من الشرك، ﴿وما جعلناك عليهم حفيظا﴾، يعني رقيبا إن لم يوحدوا، ﴿وما أنت عليهم بوكيل﴾، يعني بمسيطر، فنسختها آية السيف.
الأنعام 6:108
﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يذكرون أوثان أهل مكة بسوء، فقالوا: لينتهين محمد عن شتم آلهتنا أو لنسبن ربه، فنهى الله المؤمنين عن شتم آلهتهم فيسبوا ربهم، لأنهم جهلة بالله، وأنزل الله: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله﴾، يعني يعبدون من دون الله من الآلهة، ﴿فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ يعلمونه أنهم يسبون الله، يعني أهل مكة، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا ﴿زينا لكل أمة عملهم﴾، يعني ضلالتهم، ﴿ثم إلى ربهم مرجعهم﴾ في الآخرة، ﴿فينبئهم بما كانوا يعملون﴾.
فلما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "لا تسبوا ربكم"، فأمسك المسلمون عند ذلك عن شتم آلهتهم.
الأنعام 6:109
﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾، فمن حلف بالله فقد اجتهد في اليمين، وذلك أن كفار مكة حلفوا للنبي صلى الله عليه وسلم، ﴿لئن جاءتهم آية﴾ كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم، ﴿ليؤمنن بها﴾ ليؤمنن بالآية، قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل إنما الآيات عند الله﴾، إن شاء أرسلها وليست بيدي، ﴿وما يشعركم﴾ وما يدريكم ﴿أنها إذا جاءت لا يؤمنون﴾، يعني لا يصدقون، لما سبق في علم الله من الشقاء.
الأنعام 6:110
﴿ونقلب أفئدتهم﴾، يعني قلوبهم، ﴿وأبصارهم﴾ عن الإيمان، ﴿كما لم يؤمنوا به أول مرة﴾، يقول: كما لم يؤمن بها أوائلهم من الأمم الخالية بما سألوا من الآيات قبلها، فكذلك كفار أهل مكة لا يصدقون بها إن جاءتهم آية، ثم قال: ﴿ونذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، يعني في ضلالتهم يترددون، لا نخرجهم منها أبدا.
الأنعام 6:111
ثم أخبر عما علمه فيهم، فقال: ﴿ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة﴾، وأخبروهم أن محمدا رسول كما سألوا، لقولهم في الفرقان: ﴿لولا أنزل علينا الملائكة﴾ (الفرقان: 21)، يعني المستهزئين من قريش، أبا جهل وأصحابه، ثم قال: ﴿وكلمهم الموتى﴾، لقولهم: ابعث لنا رجلين أو ثلاثة من آبائنا، فنسألهم عما أمامهم مما تحدثنا أنه يكون بعد الموت أحق هو؟
ثم قال: ﴿وحشرنا عليهم كل شيء قبلا﴾، يعني :عيانا، قال أبو محمد: ومن قرأه: "قبلا"، أراد قبيلا قبيلا، رواه عن ثعلب، فعاينوه كله، فلو فعلت هذا كله، فأخبروهم بأن الذي يقول محمد حق، ﴿ما كانوا ليؤمنوا﴾، يعني ليصدقوا، ﴿إلاأن يشاء الله﴾ لهم الإيمان، ﴿ولكن أكثرهم﴾ أكثر أهل مكة ﴿يجهلون﴾.
الأنعام 6:112
ثم قال: ﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا، ﴿جعلنا لكل نبي عدوا﴾ من قومه، يعني أبا جهل عدوا للنبي صلى الله عليه وسلم، كقولهم في الفرقان: ﴿وقالوا مال هذا الرسول...﴾ (الفرقان: 7) إلى آخر الآية.
قوله: ﴿شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض﴾، وذلك أن إبليس وكَّل شياطين بالإنس يضلونهم، ووكَّل شياطين بالجن يضلونهم، فإذا التقى شيطان الإنس مع شيطان الجن، قال أحدهما لصاحبه: إني أضللت صاحبي بكذا وكذا، فأضلل أنت صاحبك بكذا وكذا، فذلك قوله: ﴿يوحي بعضهم إلى بعض﴾.
يقول: يزين بعضهم ﴿زخرف القول غرورا﴾، يقول: ذلك التزيين بالقول باطل، يغرون به الإنس والجن، ثم قال: ﴿ولو شاء ربك ما فعلوه﴾، يقول: لو شاء الله لمنعهم عن ذلك، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿فذرهم﴾، يعني خل عنهم، يعني كفار مكة، ﴿وما يفترون﴾ من الكذب.
الأنعام 6:113
﴿ولتصغي إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾، يعني ولتميل إلى ذلك الزخرف والغرور قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، يعني الذين لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿وليرضوه﴾، يعني وليحبوه، ﴿وليقترفوا ما هم مقترفون﴾، يعني ليعملوا من المعاصي ما هم عاملون.
الأنعام 6:114
﴿أفغير الله أبتغي حكما﴾، فليس أحد أحسن قضاء من الله في نزول العذاب ببدر، ﴿وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا﴾، يعني القرآن حلاله وحرامه، وكل شيء مفصلا، يعني مبينا فيه أمره ونهيه، ﴿والذين آتيناهم الكتاب يعلمون أنه منزل من ربك بالحق فلا تكونن ممن الممترين﴾.
الأنعام 6:115
﴿وتمت كلمت ربك﴾ بأنه ناصر محمد صلى الله عليه وسلم ببدر، ومعذب قومه ببدر، فحكمه عدل في ذلك، فذلك قوله: ﴿صدقا﴾ فيما وعد، ﴿وعدلا﴾ فيما حكم، ﴿لا مبدل لكلماته﴾، يعني لا تبديل لقوله في نصر محمد صلى الله عليه وسلم، وأن قوله حق، ﴿وهو السميع﴾ بما سألوا من العذاب، ﴿العليم﴾ به حين سألوا، ﴿فأسقط علينا كسفا من السماء﴾ (الشعراء: 187)، يعني جانبا من السماء.
الأنعام 6:116
﴿وإن تطع﴾ يا محمد ﴿أكثر من في الأرض﴾، يعني أهل مكة حين دعوه إلى ملة آبائه، ﴿يضلوك عن سبيل الله﴾، يعني يستنزلوك عن دين الإسلام، ﴿إن يتبعون إلا الظن وإن هم﴾، يعني وما هم ﴿إلا يخرصون﴾ الكذب.
الأنعام 6:117
﴿إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله﴾، يعني عن دينه الإسلام، ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾.
الأنعام 6:118
﴿فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين﴾، يعني :بالقرآن مصدقين، وذلك أن كفار مكة حين سمعوا أن الله حرم الميتة، قالوا للمسلمين: أتزعمون أنكم تتبعون مرضاة ربكم؟ ألا تحدثونا عما قتلتم أنتم بأيديكم أهو أفضل؟ أو ما قتل الله؟ فقال المسلمون: بل الله أفضل صنعا، فقالوا لهم: فما لكم تأكلون مما ذبحتم بأيديكم، وما ذبح الله فلا تأكلونه، وهو عندكم ميتة؟
فأنزل الله: ﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾
الأنعام 6:119
﴿وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾، يعني وقد بين لكم ما حرم عليكم، يعني الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ثم استثنى، فقال: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾ مما نهيتم عن أكله، ﴿وإن كثيرا﴾ من الناس، يعني سادة قريش، ﴿ليضلون﴾ أهل مكة ﴿بأهوائهم بغير علم﴾ يعلمونه في أمر الذبائح، ﴿إن ربك هو أعلم بالمعتدين﴾.
الأنعام 6:120
﴿وذروا ظاهر الإثم﴾، يعني واتركوا ظاهر الإثم، ﴿وباطنه﴾، يعني الزنا في السر والعلانية، وذلك أن قريشا كانوا ينكرون الزنا في العلانية، ولا يرون به بأسا سرا، ﴿إن الذين يكسبون الإثم﴾، يعني الشرك، ﴿سيجزون﴾ في الآخرة ﴿بما كانوا يقترفون﴾، يعني يكسبون.
الأنعام 6:121
وأنزل الله في قولهم: ما قتل الله فلا تأكلوه: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾، يعني إن أكل الميتة لمعصية، ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم﴾ من المشركين، ﴿ليجادلوكم﴾ في أمر الذبائح، ﴿وإن أطعتموهم﴾ باستحلالكم الميتة، ﴿إنكم لمشركون﴾ مثلهم، وفيهم نزلت: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الأمر﴾ (الحج: 67)، يعني أمر الذبائح.
الأنعام 6:122
﴿أو من كان ميتا فأحييناه﴾، يعني أو من كان ضالا فهديناه.
نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وجعلنا له نورا﴾، يعني إيمانا ﴿يمشي به﴾، يعني يهتدي به ﴿في الناس﴾، أهو ﴿كمن مثله في الظلمات﴾، يعني كشبه من هو في الشرك، يعني أبا جهل، ﴿ليس بخارج منها﴾، يعني من الشرك، يعني ليس بمهتد، هو فيها متحير لا يجد منفذا، ليسا بسواء، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا، ﴿زين للكافرين﴾، يعني للمشركين، ﴿ما كانوا يعلمون﴾، يعني أبا جهل، وذلك أنه قال: زحمتنا بنو عبد مناف في الشرف، حتى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يوحى إليه، فمن يدرك هذا والله لا نؤمن به ولا نتبعه أبدا، أو يأتينا وحي كما يأتيه، فأنزل الله عز وجل: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى تؤتى مثل ما أوتي رسل الله...﴾ إلى آخر الآية.
الأنعام 6:123
﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا ﴿جعلنا في كل قرية﴾ خلت، يعني عصت، ﴿أكابر مجرميها﴾، يعني جبابرتها وكبراءها، جعلنا بمكة المستهزئين من قريش، ﴿ليمكروا فيها﴾، يعني في القرية بالمعاصي حين أجلسوا في كل طريق أربعة منهم، يقول الله :
﴿وما يمكرون إلا بأنفسهم﴾، وما معصيتهم إلا على أنفسهم، ﴿وما يشعرون﴾.
الأنعام 6:124
﴿وإذا جاءتهم آية﴾، يعني انشقاق القمر، والدخان، ﴿قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده يقول الله: ﴿الله أعلم حيث يجعل رسالته﴾، الله أعلم حيث يختص بنبوته من يشاء.
﴿سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله﴾ يعني مذلة، ﴿وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ يعني يقولون، لقولهم: لو كان هذا القرآن حقا، لنزل على الوليد بن المغيرة، أو على أبي مسعود الثقفي، وذلك قولهم: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم﴾ (الزخرف :31).
الأنعام 6:125
﴿فمن يرد الله أن يهديه﴾ لدينه، ﴿يشرح صدره للإسلام﴾، نزلت في النبي صلى الله عليه وسلم، يعني يوسع قلبه، ﴿ومن يرد أن يضله﴾ عن دينه، ﴿يجعل صدره ضيقا﴾ بالتوحيد، يعني أبا جهل، حتى لا يجد التوحيد من الضيق مجازا، ثم قال: ﴿حرجا﴾ شكا، ﴿كأنما يصعد في السماء﴾، يقول: هو بمنزلة المتكلف الصعود إلى السماء لا يقدر عليه، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا، ﴿يجعل الله الرجس﴾، يقول: الشر، ﴿على الذين لا يؤمنون﴾ بالتوحيد.
الأنعام 6:126
﴿وهذا﴾ التوحيد ﴿صراط ربك﴾، يعني دين ربك، ﴿مستقيما قد فصلنا الآيات﴾، يعني قد بينا الآيات في أمر القلوب في الهدى والضلالة، يعني الذي يشرح صدره للإسلام، والذي جعله ضيقا حرجا، ﴿لقوم يذكرون﴾ بتوحيد الله.
الأنعام 6:127
ثم ذكر ما أعد للموحدين، فقال: ﴿لهم دار السلام﴾، يعني جنة الله، ﴿عند ربهم﴾ في الآخرة، ﴿وهو وليهم﴾، يقول: الله وليهم في الآخرة، ﴿بما كانوا يعملون﴾ له في الدنيا، يعني يوحدون ربهم.
الأنعام 6:128
﴿ويوم يحشرهم﴾، يعني كفار الإنس والشياطين والجن، يقول: ويوم نجمعهم، ﴿جميعا يا معشر الجن﴾، ثم يقول للشياطين: ﴿قد استكثرتم من الإنس﴾، يعني من ضلال الإنس فيما أضللتم منهم، وذلك أن كفار الإنس كانوا تولوا الجن وأعاذوا بهم، ﴿وقال أولياؤهم من الإنس﴾، يعني أولياء الجن من كفار الإنس، ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض﴾، كاستمتاع الإنس بالجن، وذلك أن الرجل كان إذا سافر فأدركه الليل بأرض القفر خاف، فيقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، فيبيت في جواره آمنا، وكان استمتاع الجن بالإنس أن يقولوا: لقد سودتنا الإنس حين فزعوا إلينا، فيزدادوا بذلك شرفا، ﴿و﴾ قالت: ﴿وبلغنا أجلنا﴾ الموت ﴿الذي أجلت لنا﴾ في الدنيا، فرد الله عليهم: ﴿قال النار مثواكم﴾، ومثوى الكافرين، ﴿خالدين فيها﴾ أبدا، ﴿إلا ما شاء الله﴾، واستثنى أهل التوحيد، أنهم لا يخلدون فيها، ﴿إن ربك حكيم﴾، يعني حكم النار لمن عصاه، ﴿عليم﴾، يقول: عالم بمن لا يعصيه.
الأنعام 6:129
قوله: ﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا، ﴿نولي بعض الظالمين بعضا﴾، فولى الله ظلمة الإنس ظلمة الجن، وولى ظلمة الجن ظلمة الإنس بأعمالهم الخبيثة، فذلك قوله: ﴿بما كانوا يكسبون﴾، يعني يعملون من الشرك.
الأنعام 6:130
ثم قال لهم عند ذلك: ﴿يا معشر الجن والإنس﴾، يعني كفار الجن وكفار الإنس، ولا يعني به الشياطين، لأن الشياطين هم أغروا كفار الجن وكفار الإنس، وبعث الله رسولا من الجن إلى الجن، ومن الإنس إلى الإنس يقصون، فذلك قوله: ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾، يعني من أنفسكم :الجن إلى الجن، والإنس إلى الإنس، ﴿يقصون عليكم آياتي﴾، يعني آيات القرآن، ﴿وينذرونكم لقاء يومكم هذا﴾، يعني يوم القيامة ،
﴿قالوا﴾، يعني :قالت الإنس والجن: ﴿شهدنا على أنفسنا﴾ بذلك أنا كفرنا بما قالت الرسل في الدنيا، قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ عن دينهم الإسلام، ويقول الله للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وشهدوا على أنفسهم﴾ في الآخرة ﴿أنهم كانوا كافرين﴾ في الدنيا، وذلك حين شهدت عليهم الجوارح بالشرك والكفر في الدنيا.
ثم قال الخازن، في التقديم: ف ﴿النار مثواكم﴾، يعني مأواكم، ﴿خالدين فيها﴾ لا يموتون، ثم استثنى، فقال: ﴿إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم﴾، حكم عليهم حقا بذلك الهلاك، كفعله بالأمم الخالية في سورة أخرى.
الأنعام 6:131
﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى﴾، يعني معذب أهل القرى ﴿بظلم﴾ بغير ذنب في الدنيا، ﴿وأهلها غافلون﴾ عن العذاب حتى يبعث في أمها رسولا ينذرهم بالعذاب حجة عليهم.
الأنعام 6:132
﴿ولكل﴾، يعني كفار الجن والإنس، ﴿درجات﴾، يعني فضائل من العذاب في الآخرة، ﴿مما عملوا﴾ في الدنيا، ﴿وما ربك بغافل عما يعملون﴾، هذا وعيد، نظيرها في الأحقاف.
الأنعام 6:133
وقوله: ﴿وربك الغني﴾ عن عبادة خلقه، ﴿ذو الرحمة﴾، يعنى النعمة، فلا تعجل عليهم بالعذاب، يعنى كفار مكة، ﴿إن يشأ يذهبكم﴾ بهلاك، ﴿ويستخلف من بعدكم﴾ خلقا من غيركم بعد هلاككم ﴿ما يشاء﴾، إن شاء مثلكم، وإن شاء أمثل وأطوع لله منكم، ﴿كما أنشأكم﴾، يعني كما خلقكم ﴿من ذرية قوم آخرين﴾، يعنى ذرية أهل سفينة نوح.
الأنعام 6:134
﴿إن ما توعدون﴾ من العذاب في الدنيا ﴿لآت﴾، يعني لكائن، ﴿وما أنتم بمعجزين﴾، يعني بسابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها.
الأنعام 6:135
قوله: ﴿قل يقوم اعملوا على مكانتكم﴾، يعني جديلتكم، يعني كفار مكة، ﴿إني عامل﴾، على جديلتي التي أمرني بها ربي، ﴿فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار﴾، يعني الجنة، أنحن أم أنتم، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿إنه لا يفلح﴾، يعني لا يسعد ﴿الظالمون﴾ في الآخرة، يعني المشركين، نظيرها في القصص.
الأنعام 6:136
﴿وجعلوا لله﴾، يعني وصفوا لله ﴿مما ذرأ﴾، يعني مما خلق، ﴿من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا﴾، يعني النصيب لآلهتهم مثل ذلك، فما أخرج الله من بطون الأنعام وظهورها من الحرث، قالوا: هذا لله، فيتصدقون به على المساكين، وما أخرج الله من نصيب الآلهة أنفقوه عليها، فإن زكا نصيب الآلهة ولم يزك نصيب الله تركوه للآلهة، وقالوا: لو شاء الله لأزكى نصيبه، وإن زكا نصيب الله ولم يزك نصيب الآلهة، خدجت أنعامهم وأجدبت أرضهم، وقالوا: ليس لآلهتنا بد من نفقة، فأخذوا نصيب الله فقسموه بين المساكين والآلهة نصفين، فذلك قوله: ﴿فما كان لشركائهم﴾، يعني لآلهتهم مما خرج من الحرث والأنعام، ﴿فلا يصل إلى الله﴾، يعني إلى المساكين، ﴿وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم﴾، يعني آلهتهم.
يقول الله: ﴿ساء﴾، يعني بئس ﴿ما يحكمون﴾، يقول: لو كان معي شريك كما يقولون، ما عدلوا في القسمة أن يأخذوا مني ولا يعطوني.
الأنعام 6:137
ثم انقطع الكلام، فقال: ﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا، ﴿زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم﴾، كما زينوا لهم تحريم الحرث والأنعام، يعني دفن البنات وهن أحياء، ﴿ليردوهم﴾، يعني ليهلكوهم، ﴿وليلبسوا عليهم﴾، يعني وليخلطوا عليهم، ﴿دينهم ولو شاء الله ما فعلوه﴾، يقول: لو شاء الله لمنعهم من ذلك، ﴿فذرهم﴾، يعني فخل عنهم، ﴿وما يفترون﴾ من الكذب، لقولهم في الأعراف: ﴿والله أمرنا بها﴾ (الأعراف: 28).
الأنعام 6:138
﴿وقالوا هذه أنعام وحرث حجر﴾، يعني حرام، ﴿لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم﴾، يعني الرجال دون النساء، وكانت مشيئتهم أنهم جعلوا اللحوم والألبان للرجال دون النساء، ﴿وأنعام حرمت ظهورها﴾، يعني الحام، ﴿وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها﴾، يعني البحيرة أن نتجوها أو نحروها لم يذكروا اسم الله عليها، ﴿افتراء عليه﴾، على الله، يعني كذبا على الله، ﴿سيجزيهم بما كانوا يفترون﴾ حين زعموا أن الله أمرهم بتحريمه، حين قالوا في الأعراف: ﴿والله أمرنا بها﴾ (الأعراف: 28)
الأنعام 6:139
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا﴾، يعني من الولد والألبان، ﴿ومحرم على أزواجنا﴾، يعني البحيرة، والسائبة، والوصيلة، فكانوا إذا أنتجوه حيا ذبحوه فأكله الرجال دون النساء، وكذلك الألبان، وإن وضعته ميتا اشترك في أكله الرجال والنساء، فذلك قوله: ﴿وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء سيجزيهم﴾ الله العذاب في الآخرة، ﴿وصفهم﴾، ذلك بالتحليل والتحريم، أي جزاءه، ﴿إنه حكيم﴾ حكم عليهم العذاب، ﴿عليم﴾ به.
الأنعام 6:140
ثم عابهم بقتل أولادهم وتحريم الحرث والأنعام، فقال: ﴿قد خسر﴾ في الآخرة، ﴿الذين قتلوا أولادهم﴾، يعني دفن البنات أحياء، ﴿سفها﴾، يعني جهلا، ﴿بغير علم وحرموا ما رزقهم الله﴾ من الحرث والأنعام، ﴿افتراء على الله﴾ الكذب حين زعموا أن الله أمرهم بهذا، يعني بتحريمه، يقول الله: ﴿قد ضلوا﴾ عن الهدى، ﴿وما كانوا مهتدين﴾، وكانت ربيعة ومضر يدفنون البنات وهن أحياء، غير بنى كنانة، كانوا لا يفعلون ذلك.
الأنعام 6:141
قوله: ﴿وهو الذي أنشأ جنات معروشات﴾، يعنى الكروم وما يعرش، ﴿وغير معروشات﴾، يعني قائمة على أصولها، ﴿والنخل والزرع مختلفا أكله﴾، يعني طعمه، منه الجيد، ومنه الدون، ثم قال: ﴿والزيتون والرمان متشابها﴾، ورقها في النظير يشبه ورق الزيتون ورق الرمان، ﴿وغير متشابه﴾ ثمرها وطعمها، وهما متشابهان في اللون، مختلفان في الطعم، يقول الله: ﴿كلوا من ثمره إذا أثمر﴾، حين يكون غضا، ثم قال: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين﴾، يقول: ولا تشركوا الآلهة في تحريم الحرث والأنعام.
الأنعام 6:142
﴿ومن الأنعام حمولة﴾، يعني الإبل والبقر، ﴿وفرشا﴾، والفرش الغنم الصغار مما لا يحمل عليها، ﴿كلوا مما رزقكم الله﴾ من الأنعام والحرث حلالا طيبا، ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾، يعني تزيين الشيطان فتحرمونه، ﴿إنه لكم عدو مبين﴾، كلم النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك عوف بن مالك الجشمي، يكنى أبا الأحوص.
الأنعام 6:143
ثم قال: أنزل ﴿ثمانية أزواج﴾ قبل خلق آدم، عليه السلام، ﴿من الضأن اثنين﴾، يعني ذكرا وأنثى، ﴿ومن المعز اثنين﴾، ذكرا وأنثى، ﴿قل﴾ يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى، ونسب ذلك إلى الله: ﴿آلذكرين﴾ من الضأن والمعز ﴿حرم﴾ الله عليكم؟ ﴿أم الأنثيين﴾ منهما؟ ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾؟ ذكرا كان أو أنثى؟ ﴿نبئوني بعلم﴾ عن كيفية تحريم ذلك، ﴿إن كنتم صادقين﴾ فيه. المعنى من أين جاء التحريم، فإن كان من قبل الذكورة، فجميع الذكور حرام، أو الأنوثة، فجميع الإناث، أو اشتمال الرحم فالزوجان، فمن أين التخصيص؟ والاستفهام للاستنكار.
الأنعام 6:144
﴿ومن الإبل اثنين﴾ ذكرا وأنثى، ﴿ومن البقر اثنين﴾ ذكرا وأنثى، ﴿قل﴾ يا محمد ﴿آلذكرين حرم أم الأنثيين﴾، يعني من أين تحريم الأنعام من قبل الذكرين أم قبل الأنثيين؟ ﴿أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين﴾، يقول: على ما اشتمل، ما يشتمل الرحم إلا ذكرا أو أنثى، فأين هذا الذي جاء التحريم من قبله، وما اشتمل الرحم إلا على مثلها.
يقول: ما تلد الغنم إلا الغنم، وما تلد الناقة إلا مثلها، يعني أن الغنم لا تلد البقر، ولا البقر تلد الغنم، فإن قالوا: حرم الأنثيين، خصوا ولم يجز لهم أن يأكلوا الإناث من الأنعام، وإن قالوا: الذكرين، لم يجز لهم أن يأكلوا ذكور الأنعام، فسكتوا، يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: ﴿نبؤوني بعلم إن كنتم صادقين﴾ بأن الله حرم هذا، ثم قال: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا﴾ التحريم، فسكتوا فلم يجيبوه، إلا أنهم قالوا: حرمها آباؤنا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "فمن أين حرمه آباؤكم؟"، قالوا: الله أمرهم بتحريمه، فأنزل الله: ﴿فمن أظلم﴾، يقول: فلا أحد أظلم ﴿ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين﴾.
الأنعام 6:145
قالوا: يا محمد، فمن أين حرمه آباؤنا؟ فأوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه﴾، يعني على آكل يأكله، ﴿إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا﴾، يعني يسيل، ﴿أو لحم خنزير فإنه رجس﴾، يعني إثما، ﴿أو فسقا﴾، يعني معصية، ﴿أهل لغير الله به﴾، يعني ذبح لغير الله، ﴿فمن اضطر﴾ إلى شيء مما حرمت عليه، ﴿غير باغ﴾ ليستحله في دينه، ﴿ولا عاد﴾، يعني ولا معتديا لم يضطر إليه فأكله، ﴿فإن ربك غفور﴾ لأكله الحرام، ﴿رحيم﴾ به إذا رخص له في الحرام في الاضطرار.
الأنعام 6:146
ثم بين ما حرم على اليهود، فقال: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر﴾، يعني الإبل، والنعامة، والوز، والبط، وكل شيء له خف وظفر من الدواب والطير، فهو عليهم حرام، ﴿ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما﴾، وحرم عليهم الشحوم من البقر والغنم، ثم استثنى ما أحل لهم من الشحوم، فقال: ﴿إلا ما حملت ظهورهما﴾، يعني ظهور البقر والغنم والأكتاف والإلية، ﴿أو الحوايا﴾، يعني المعى، ﴿أو ما اختلط﴾ من الشحم ﴿بعظم﴾، فكل هذا حلال لهم، وحرم عليهم شحوم الكليتين والثروب، ﴿ذلك﴾ التحريم، ﴿جزيناهم ببغيهم﴾، يعني عقوبة بقتلهم الأنبياء وبصدهم عن سبيل الله، وبأكلهم الربا، واستحلالهم أموال الناس بالباطل، فهذا البغي، ﴿وإنا لصادقون﴾ بذلك، وهذا ما أوحى الله إلى نبيه صلى الله عليه وسلم أنه محرم، منه على المسلمين، ومنه على اليهود.
الأنعام 6:147
فقال كفار العرب للنبي صلى الله عليه وسلم: فإنك لم تصب، يقول الله: ﴿فإن كذبوك﴾ بما تقول من التحريم، ﴿فقل﴾ لكفار مكة، ﴿ربكم ذو رحمة واسعة﴾ ملأت رحمته كل شيء، لا يعجل عليكم بالعقوبة، ﴿ولا يرد بأسه﴾، يقول: عذابه إذا جاء الوقت على من كذب بما يقول، ﴿عن القوم المجرمين﴾، يعني كفار العرب.
الأنعام 6:148
﴿سيقول الذين أشركوا﴾ مع الله آلهة، يعني مشركي العرب، ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا﴾ أشرك ﴿آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾، يعني الحرث، والأنعام، ولكن الله أمر بتحريمه، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا ﴿كذب الذين من قبلهم﴾ من الأمم الخالية رسلهم، كما كذب كفار مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿حتى ذاقوا بأسنا﴾، يعني عذابنا، ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾، يعني بيانا من الله بتحريمه فتبينوه لنا، يقول الله: ﴿إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون﴾ الكذب.
الأنعام 6:149
﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين﴾ لدينه.
الأنعام 6:150
﴿قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا﴾ الحرث والأنعام، ﴿فإن شهدوا﴾ أن لله حرمه، ﴿فلا يشهد معهم﴾ يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يصدق قولهم، ﴿ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني القرآن الذي فيه تحليل ما حرموا، ﴿والذين لا يؤمنون بالآخرة﴾، يعني لا يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿و﴾ الذين ﴿وهم بربهم يعدلون﴾، يعني يشركون.
الأنعام 6:151
﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم﴾، يقول: تعالوا حتى أقرأ ما حرم عليكم، ﴿ألا تشركوا به شيئا﴾ من خلقه، ﴿وبالوالدين إحسانا﴾، يعني برا بهما، ﴿ولا تقتلوا أولادكم﴾، يعني دفن البنات وهن أحياء، ﴿من إملاق﴾، يعني خشية الفقر، ﴿نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش﴾، يعني الزنا، ﴿ما ظهر منها﴾، يعني السفاح علانية، ﴿وما بطن﴾، يعني الزنا في السر تتخذ الخليل، فيأتيها في السر، ﴿ولا تقتلوا النفس التي حرم الله﴾ قتلها ﴿إلا بالحق﴾، يعني بالقصاص والثيب الزاني بالرجم، والمرتد عن الإسلام، فهذا الحق، ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تعقلون﴾ أنه لم يحرم إلا ما ذكر في هذه الآيات الثلاث، ولم يحرم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام.
الأنعام 6:152
﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن﴾، إلا ليثمر لليتيم ماله بالأرباح، ﴿حتى يبلغ أشده﴾، يعني ثماني عشرة سنة، ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط﴾، يعني بالعدل، ﴿لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾، يقول: لا نكلفها من العمل إلا طاقتها، ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾، يعني أولى قربى إذا تكلمتم فقولوا الحق، وإن كان ذو قرابتك فقل فيه الحق، ﴿وبعهد الله أوفوا﴾ فيما بينكم وبين الناس، ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تذكرون﴾ في أمره ونهيه.
الأنعام 6:153
﴿وأن هذا﴾ الذي ذكر في هذه الآيات من أمر الله ونهيه، ﴿صراطي مستقيما﴾، يعني دينا مستقيما، ﴿فاتبعوه ولا تتبعوا السبل﴾، يعني طرق الضلالة فيما حرموا، ﴿فتفرق بكم عن سبيله﴾، يعني فيضلكم عن دينه، ﴿ذلكم وصاكم به لعلكم﴾، يعني لكي، ﴿تتقون﴾، فهذه الآيات المحكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب، وهن محكمات على بني آدم كلهم.
الأنعام 6:154
﴿ثم آتينا موسى الكتاب﴾، يعني أعطينه التوراة، ﴿تماما على الذي أحسن﴾ ،
يقول: تمت الكرامة على من أحسن منهم في الدنيا والآخرة، فتمم الله لبني إسرائيل ما وعدهم من قوله: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا...﴾ (القصص: 5-6) إلى آيتين، ثم قال: ﴿وتفضيلا لكل شيء و﴾ التوراة ﴿وهدى﴾ من الضلالة، ﴿ورحمة﴾ من العذاب، ﴿لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون﴾، يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال.
الأنعام 6:155
﴿وهذا﴾ القرآن ﴿كتاب أنزلناه مبارك﴾، فهو بركة لمن آمن به، ﴿فاتبعوه﴾، فاقتدوا به، ﴿واتقوا﴾ الله ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿ترحمون﴾ فلا تعذبوا.
الأنعام 6:156
﴿أن تقولوا﴾، يعني لئلا تقولوا: ﴿إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا﴾، يعني اليهود والنصارى، ﴿وإن كنا عن دراستهم لغافلين﴾، وذلك أن كفار مكة قالوا: قاتل الله اليهود والنصارى، كيف كذبوا أنبياءهم، فوالله لو جاءنا نذير وكتاب لكنا أهدى منهم، فنزلت هذه الآية فيهم: ﴿أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم﴾.
الأنعام 6:157
﴿أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم﴾، يعني اليهود والنصارى، يقول الله لكفار مكة: ﴿فقد جاءكم بينة من ربكم﴾، يعني بيان من ربكم القرآن، ﴿و﴾ هو ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿ورحمة﴾ من العذاب لقوم يؤمنون، فكذبوا به، فنزلت: ﴿فمن أظلم ممن كذب بآيات الله﴾، يعني بالقرآن، ﴿وصدف عنها﴾، يعني وأعرض عن آيات القرآن، فلم يؤمن بها، ثم أوعدهم الله، فقال: ﴿سنجزي الذين يصدفون عن آياتنا﴾، يعني يعرضون عن إيمان بالقرآن، ﴿سوء العذاب﴾، يعني شدة العذاب، ﴿بما كانوا يصدفون﴾، يعني بما كانوا يعرضون عن إيمان بالقرآن.
الأنعام 6:158
ثم وعدهم، فقال: ﴿هل ينظرون﴾، يعني ما ينتظر كفار مكة بالإيمان ﴿إلا أن تأتيهم الملائكة﴾، يعني ملك الموت وحده بالموت، ﴿أو يأتي ربك﴾ يوم القيامة في ظلل من الغمام، ﴿أو يأتي بعض آيات ربك﴾، يعني طلوع الشمس من مغربها، ثم قال: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾، يعني طلوع الشمس من المغرب، ﴿لا ينفع نفسا إيمانها﴾، يعني نفسا كافرة حين لم تؤمن قبل أن تجيء هذه الآية، ﴿لم تكن آمنت من قبل﴾، يقول: لم تكن صدقت من قبل طلوع الشمس من مغربها، ﴿أو﴾ لم تكن ﴿كسبت في إيمانها خيرا﴾، يقول: لم تكن هذه النفس عملت قبل طلوع الشم من مغربها، ولم يقبل منها بعد طلوعها، ومن كان يقبل منه عمله قبل طلوع الشمس من مغربها، فإنه يتقبل منه بعد طلوعها، ثم أوعدهم العذاب، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل انتظروا﴾ العذاب ﴿إنا منتظرون﴾ بكم العذاب.
الأنعام 6:159
﴿إن الذين فرقوا دينهم﴾ الإسلام الذي أمروا به، ودخلوا في غيره، يعني اليهود والنصارى قبل أن يبعث محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وكانوا شيعا﴾، يعني أحزابا يهود، ونصارى، وصابئين، وغيرهم، ﴿لست منهم﴾ يا محمد ﴿في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون﴾، فنسختها آية براءة: ﴿قاتلوا الذين...﴾ إلى قوله: ﴿صاغرون﴾ (التوبة: 29).
الأنعام 6:160
﴿من جاء﴾ في الآخرة ﴿بالحسنة﴾ بالتوحيد والعمل الصالح، ﴿فله عشر أمثالها﴾ في الأضعاف، ﴿ومن جاء﴾ في الآخرة ﴿بالسيئة﴾، يعني الشرك، ﴿فلا يجزى إلا مثلها﴾ في العظم، فجزاء الشرك أعظم الذنوب، والنار أعظم العقوبة، وذلك قوله: ﴿جزاء وفاقا﴾ (النبأ: 160) وافق الجزاء العمل، ﴿وهم لا يظلمون﴾ كلا الفريقين جميعا.
الأنعام 6:161
﴿قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم﴾، يعني الإسلام، ﴿دينا قيما﴾ مستقيما لا عوج فيه، ﴿ملة إبراهيم حنيفا﴾، يعني مخلصا، ﴿وما كان﴾ إبراهيم ﴿من المشركين﴾ من اليهود والنصارى.
الأنعام 6:162
﴿قل﴾ يا محمد ﴿إن صلاتي﴾ الخمس، ﴿ونسكي﴾، يعني وذبحي، ﴿ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾.
الأنعام 6:163
﴿لا شريك له﴾، يقول: ليس معك شريك، ﴿وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين﴾، يعني المخلصين من أهل مكة.
الأنعام 6:164
﴿قل أغير الله أبغي ربا﴾، وذلك أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر، فنحن لك كفلاء بما أصابك من تبعة، فأنزل الله: ﴿قل﴾ لهم ﴿أغير الله أبغي ربا﴾، يعني أتخذ ربا، ﴿وهو رب كل شيء﴾ في السماوات والأرض، ﴿ولا تكسب كل نفس إلا عليها﴾، يعني إلا على نفسها، ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، يعني لا تحمل نفس خطيئة نفس أخرى، لقلوهم للنبي صلى الله عليه وسلم: نحن لك الكفلاء بما أصابك من تبعة، ﴿ثم إلى ربكم﴾ في الآخرة ﴿مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه﴾ في الدين أنتم وكل قبيلة في الدين ﴿تختلفون﴾ أنتم وكفار مكة، نظيرها في الروم.
الأنعام 6:165
﴿وهو الذي جعلكم خلائف الأرض﴾، يعني من بعد هلاك الأمم الخالية، ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم﴾، يعني بالدرجات الفضائل والرزق، لقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يحملك على الذي أتيتنا به إلا الحاجة، فنحن نجمع لك أموالنا، فنزلت: ﴿ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم﴾، يعني ليبتليكم فيما أعطاكم، يقول: يبتلى بعض المؤمنين الموسر بالغنى، ويبتلى بعض المؤمنين المعسر بالفاقة، ﴿إن ربك سريع العقاب﴾ لمن عصاه في فاقة أو غنى، يخوفهم كأنه قد جاء ذلك اليوم، ﴿وإنه لغفور رحيم﴾ بعد التوبة.
الأعراف 7:2
﴿كتاب أنزل إليك﴾، يعني القرآن، ﴿فلا يكن في صدرك﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿حرج منه﴾، يقول: فلا يكن في قلبك شك من القرآن بأنه من الله، ﴿لتنذر به﴾، بما في القرآن من الوعيد، ﴿وذكرى للمؤمنين﴾، يعني تذكرة للمصدقين بالقرآن من أنه الله عز وجل.
الأعراف 7:3
ثم قال لأهل مكة: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم﴾، يعني القرآن، ﴿ولا تتبعوا من دونه أولياء﴾، يعني أربابا، ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿قليلا ما تذكرون﴾، يعني بالقليل أنهم لا يعقلون فيعتبرون.
الأعراف 7:4
ثم وعظهم، فقال: ﴿وكم من قرية أهلكناها﴾ بالعذاب، ﴿فجاءها بأسنا بياتا﴾، وهم نائمون، يعني ليلا، ﴿أو﴾ جاءهم العذاب، ﴿هم قائلون﴾ يعني بالنهار.
الأعراف 7:5
﴿فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا﴾، يقول: فما كان قولهم عند نزول العذاب بهم، ﴿إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين﴾، لقولهم في حم المؤمن: ﴿آمنا بالله وحده﴾ (غافر: 84).
الأعراف 7:6
ثم قال: ﴿فلنسألن﴾ في الآخرة ﴿الذين أرسل إليهم﴾، يعني الأمم الخالية الذين أهلكوا في الدنيا: ما أجابوا الرسل في التوحيد؟ ﴿ولنسئلن المرسلين﴾ ماذا أجيبوا في التوحيد؟
الأعراف 7:7
﴿فلنقصن عليهم﴾ أعمالهم ﴿بعلم وما كنا غائبين﴾ عن أعمالهم، يعني عنهم في الدنيا.
الأعراف 7:8
﴿والوزن يومئذ الحق﴾، يقول: وزن الأعمال يومئذ العدل في الآخرة، ﴿فمن ثقلت موازينه، من المؤمنين وزن ذرة على سيئاته، ﴿فأولئك هم المفلحون﴾.
الأعراف 7:9
﴿ومن خفت موازينه﴾، يعني الكفار، ﴿فأولئك الذين خسروا أنفسهم﴾، يعني غبنوا أنفسهم، فصاروا إلى النار. ﴿بما كانوا بآياتنا يظلمون﴾، يعني بالقرآن يجحدون بأنه ليس من الله.
الأعراف 7:10
﴿ولقد مكناكم في الأرض﴾، يقول: ولقد أعطيناكم يا أهل مكة من الخير والتمكين في الأرض، ﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾ من الرزق لتشكروه فتوحدوه، فلم تفعلوا، فأخبر عنهم، فقال: ﴿قليلا ما تشكرون﴾، يعني بالقليل أنهم لا يشكرون رب هذه النعم فيوحدونه.
الأعراف 7:11
﴿ولقد خلقناكم﴾، يعني آدم، عليه السلام، ﴿ثم صورناكم﴾، يعني ذرية آدم، ذكرا وأنثى، وأبيض وأسود، سويا وغير سوي، ﴿ثم قلنا للملائكة﴾ الذين هم في الأرض، ومنهم إبليس عدو الله: ﴿اسجدوا لآدم فسجدوا﴾ له، ثم استثنى، فقال: ﴿إلا إبليس لم يكن من الساجدين﴾ لآدم مع الملائكة.
الأعراف 7:12
﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ والنار تغلب الطين.
الأعراف 7:13
﴿قال فاهبط منها﴾، قال: اخرج من صورة الملائكة إلى صورة الدمامة، فأخرج من الجنة يا إبليس، ﴿فما يكون لك أن تتكبر فيها﴾ فما ينبغي لك أن تتعظم فيها، يعني في الجنة، ﴿فاخرج﴾ منها ﴿إنك من الصاغرين﴾ يعني من المذلين.
الأعراف 7:14
﴿قال﴾ إبليس لربه: ﴿أنظرني إلى يوم يبعثون﴾ يعني النفخة الآخرة، يوم يبعث آدم، عليه السلام، وذريته.
الأعراف 7:15
﴿قال﴾ الله: ﴿إنك من المنظرين﴾، فلا تموت إلى يوم الوقت المعلوم، يعني أجلا معلوما، وهي النفخة الأولى.
الأعراف 7:16
﴿قال فبما أغويتني﴾ قال: أما إذ أضللتني. ﴿لأقعدن لهم صراطك المستقيم﴾ يعني لأصدنهم عن دينك المستقيم، يعني الإسلام
الأعراف 7:17
﴿ثم لآتينهم من بين أيديهم﴾، من قبل الآخرة، فأزين لهم التكذيب بالبعث، وبالجنة، وبالنار، ﴿ومن خلفهم﴾، يعني من قبل الدنيا، فأزينها في أعينهم، وأرغبهم فيها، ولا يعطون فيها حقا، ﴿وعن أيمانهم﴾، يعن من قبل دينهم، فإن كانوا على هدى شبهته عليهم حتى يشكوا فيها، وإن كانوا على ضلالة زينتها لهم، ﴿وعن شمائلهم﴾، يعني من قبل الشهوات واللذات من المعاصي وأشهيها إليهم، ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين﴾ لنعمتك، فلا يوحدونك.
الأعراف 7:18
﴿قال﴾ له: ﴿اخرج منها﴾، يعني من الجنة، ﴿مذءوما﴾ منفيا، ﴿مدحورا﴾، يعني مطرودا، ﴿لمن تبعك منهم﴾ على دينك، ﴿لأملأن جهنم منكم أجمعين﴾ يعني إبليس وذريته وكفار ذرية آدم منهم جميعا.
الأعراف 7:19
﴿ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾، في التقديم، ﴿فكلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة﴾، وهي السنبلة الحنطة، وقالوا: هي الشجرة التي تحتك بها الملائكة للخلود، ﴿فتكونا من الظالمين﴾ لأنفسكم.
الأعراف 7:20
﴿فوسوس لهما الشيطان﴾ يعني إبليس وحده، ﴿ليبدي لهما ما ووري عنهما﴾، يعني ما غطى عنهما ﴿من سوءاتهما﴾، يعني ليظهر لهما عورتهما، ﴿وقال﴾ إبليس لهما: إني خلقت قبلكما، وإني أعلم منكما، فأطيعاني ترشدا، وقال لهما: ﴿ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾ يقول: إن لم تكونا ملكين، كنتما من الخالدين لا تموتان.
الأعراف 7:21
﴿وقاسمهما﴾، يعني حلف بالله لهما، ﴿إني لكما لمن الناصحين﴾ إنها شجرة الخلد، من أكل منها لم يمت، فكان إبليس أول من يحلف بالله كاذبا.
الأعراف 7:22
﴿فدلاهما بغرور﴾، يعني زين لهما الباطل، لقوله: ﴿تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين﴾، وحلف على قوله، فغرهما بهذه اليمين، ﴿فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما﴾، يعني ظهرت لهما عوراتهما، ﴿وطفقا يخصفان عليهما﴾، يقول: أخذا يغطيان عوراتهما ﴿من ورق الجنة﴾، يعني ورق التين الذي في الجنة، ﴿وناداهما ربهما﴾ يقول: وقال لهما ربهما يوحي إليهما: ﴿ألم أنهكما عن تلكما الشجرة وأقل
لكما﴾ يعني آدم وحواء: ﴿إن الشيطان﴾، يعني إبليس ﴿لكما عدو مبين﴾.
الأعراف 7:23
﴿قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا﴾ ذنوبنا ﴿وترحمنا﴾ وتتجاوز عنا، ﴿لنكونن من الخاسرين﴾ في العقوبة، فتاب آدم، عليه السلام، يوم عاشوراء يوم الجمعة، فتاب الله عليه.
الأعراف 7:24
وأوحى إليهما: ﴿قال اهبطوا﴾ من الجنة، آدم، وحواء، وإبليس، والحية، ﴿بعضكم لبعض عدو﴾، يقول: إبليس لهما عدو، وهما إبليس عدو، ﴿ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين﴾، يعني إلى منتهى آجالكم، وإبليس في النفخة الأولى.
الأعراف 7:25
﴿قال فيها تحيون﴾، يعني في الأرض، ﴿وفيها تموتون﴾ عند منتهى آجالكم، ﴿ومنها تخرجون﴾ يوم القيامة.
الأعراف 7:26
﴿يا بني آدم﴾، نزلت في ثقيف، وبني عامر بن صعصعة، وخزاعة، وبنى مدلج، وعامر والحارث ابنى عبد مناة، قالوا: لا نطوف بالبيت الحرام في الثياب التي تفرق فيها الذنوب، ولا يضربون على أنفسهم خباء من وبر، ولا صوف، ولا شعر، ولا آدم، فكانوا يطوفون بالبيت عراة، ونساءهم يطفن بالليل، فأنزل الله: ﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا﴾، يقول: من أمري كان اللباس في الأرض، ﴿يواري سوءاتكم﴾، يعني يغطي عوراتكم، ﴿وريشا﴾، يعني المال، ﴿ولباس التقوى﴾، يعني من العمل
الصالح، ﴿ذلك خير﴾، يقول: العمل الصالح خير من الثياب والمال، ثم قال: ﴿ذلك﴾ الثياب والمال ﴿من آيات الله﴾ ومن صنعه، ﴿لعلهم﴾، يعني لكي ﴿يذكرون﴾ فيعتبروا في صنعه فيوحدوه.
الأعراف 7:27
ثم قال: ﴿يا بني آدم﴾، يعنيهم، ﴿لا يفتننكم الشيطان﴾ في دينكم أمر الثياب، فيدعها عنكم فتبدى عوراتكم، ﴿كما أخرج أبويكم﴾، يعني كما فعل بأبويكم آدم وحواء، فأخرجهما ﴿من الجنة﴾، وبدت عورتهما، فذلك قوله: ﴿ينزع عنهما لباسهما﴾، يعني ثيابهما، ﴿ليريهما سوءاتهما﴾، يعني عوراتهما، ﴿إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم﴾، يقول: يراكم إبليس وجنوده من الشياطين من حيث لا ترونهم، ﴿إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون﴾، يعني لا يصدقون.
الأعراف 7:28
ثم قال: ﴿وإذا فعلوا فاحشة﴾، يعني معصية فيما حرموا من الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، فنهوا عن تحريم ذلك: ﴿قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾، يعني بتحريم ذلك، ثم قال: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء﴾، يعني بالمعاصي فيحرم ذلك، وقل لهم: ﴿أتقولون على الله﴾ ربكم إنه حرم عليكم ﴿ما لا تعلمون﴾ إنه حرمه.
الأعراف 7:29
و﴿قل﴾ لهم: ﴿أمر ربي بالقسط﴾ يعني بالعدل، ﴿وأقيموا وجوهكم﴾، يعني وأمر ربي أن تقيموا وجوهكم، يعني إلى القبلة، ﴿عند كل مسجد﴾ في بيعة أو كنيسة أو غيرها، فصلوا قبل الكعبة، وأمرهم بالصلاة والتوحيد، فذلك قوله: ﴿وادعوه مخلصين﴾، يعني موحدين، ﴿له الدين كما بدأكم تعودون﴾ يعني كما خلقكم سعداء وأشقياء كذلك تعودون.
الأعراف 7:30
﴿فريقا هدى﴾ لدينه، ﴿وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء﴾، يعني أربابا، ﴿من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون﴾ أنهم على الهدى.
الأعراف 7:31
ثم قال يعنيهم: ﴿يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ في كنيسة، أو بيعة، أو غيرها، ﴿وكلوا﴾ من الحرث والأنعام، ﴿واشربوا﴾ من الألبان، ﴿ولا تسرفوا﴾، يقول: ولا تشركوا الآلهة في تحريم الحرث، والأنعام، والثياب، والألبان، مما هو حل لكم، ﴿إنه لا يحب المسرفين﴾ يعني المشركين.
الأعراف 7:32
﴿قل﴾ لهم: ﴿من حرم زينة الله﴾ يعني الثياب، ﴿التي أخرج لعباده والطيبات﴾، يعني الحلال، ﴿من الرزق﴾، يعني الحرث، والأنعام، والألبان، ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾، يقول: أشرك في الطيبات في الدنيا المؤمن والكافر، وهي خالصة للمؤمنين يوم القيامة، ﴿كذلك نفصل﴾، يقول: هكذا نبين ﴿الآيات﴾، يعني أمور ما ذكر في هذه الآية، ﴿لقوم يعلمون﴾ بتوحيد الله.
الأعراف 7:33
ثم أخبرهم بما حرم الله، فقال: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش﴾، يعني الزنا، ﴿ما ظهر منها﴾، يعني العلانية، ﴿وما بطن﴾ في السر وكانوا يتكرمون عن الزنا في العلانية، ويفعلوه في السر، وحرم شرب الخمر، ﴿والإثم﴾ والمعاصي، ﴿والبغي﴾، يعني ظلم الناس، ﴿بغير الحق﴾، إلا أن يقتص منه بحق، ﴿و﴾ حرم ﴿وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا﴾، يعني كتابا فيه حجتكم بأن معه شريكا، ﴿و﴾ حرم ﴿وأن تقولوا على الله﴾ بأنه حرم الحرث، والأنعام، والألبان، والثياب، ﴿ما لا تعلمون﴾ أنه حرمه.
الأعراف 7:34
ثم خوفهم بالعذاب، فقال: ﴿ولكل أمة أجل﴾ العذاب، ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، يقول: لا يتأخرون ولا يتقدمون حتى يعذبوا، وذلك حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن العذاب.
الأعراف 7:35
ثم قال: ﴿يا بني آدم﴾، يعني مشركي العرب، ﴿إما﴾ فإن ﴿يأتينكم رسل منكم﴾ محمد صلى الله عليه وسلم وحده، ﴿يقصون عليكم آياتي﴾، يعني يتلون عليكم القرآن، ﴿فمن اتقى﴾ الشرك ﴿وأصلح﴾ العمل وآمن بالله، ﴿فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ من الموت.
الأعراف 7:36
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني بالقرآن أنه ليس من الله، ﴿واستكبروا عنها﴾، وتكبروا عن الإيمان بآيات القرآن، ﴿أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾.
الأعراف 7:37
﴿فمن أظلم﴾، يعني فلا أحد أظلم، ﴿ممن افترى على الله كذبا﴾ بأن معه شريكا وأنه أمر بتحريم الحرث، والأنعام، والألبان، والثياب، ﴿أو كذب بآياته﴾، يعني بآيات القرآن، ﴿أولئك ينالهم نصيبهم﴾، يعني حظهم، ﴿من الكتاب﴾، وذلك أن الله قال في الكتب كلها، إنه من افترى على الله كذبا، فإنه يسود وجهه، فهذا ينالهم في الآخرة، نظيرها في الزمر: ﴿ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة﴾ (الزمر: 60)، وقال: ﴿حتى إذا جاءتهم رسلنا يتوفونهم﴾، يعني ملك الموت وحده، ثم قالت لهم خزنة جهنم قبل دخول النار في الآخرة: ﴿قالوا أين ما كنتم تدعون﴾، يعني تعبدون، ﴿من دون الله﴾ من الآلهة، هل يمنعونكم من النار، ﴿قالوا ضلوا عنا﴾، يعني ضلت الآلهة عنا، يقول الله: ﴿وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾، وذلك حين قالوا: ﴿والله ربنا ما كنا مشركين﴾ (الأنعام: 23)، فشهدت عليهم الجوارح بما كتمت الألسن من الشرك والكفر، نظيرها في الأنعام.
الأعراف 7:38
﴿قال﴾، أي قالت الخزنة: ﴿ادخلوا﴾ النار ﴿في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة﴾ النار ﴿لعنت أختها﴾، لعنت أهل ملتهم يلعن المشركون المشركين، ويلعن اليهود اليهود، ويلعن النصارى النصارى، ويلعن المجوس المجوس، ويلعن الصابئون الصابئين، ويلعن الأتباع القادة، يقولون: لعنكم الله أنتم ألقيتمونا في هذا الملقى حين أطعناكم، يقولون: ﴿حتى إذا اداركوا فيها﴾، يعني حتى إذا اجتمعوا في النار ﴿جميعا﴾ القادة، والأتباع، وقد دخلت القادة والأتباع، ﴿قالت أخراهم﴾ دخولا النار، وهم الأتباع ﴿لأولاهم﴾ دخولا النار، وهم القادة، ﴿ربنا هؤلاء﴾ القادة ﴿أضلونا﴾ عن الهدى، ﴿فآتهم عذابا ضعفا﴾، يعني أعطهم عذابا مضاعفا ﴿من النار﴾ ﴿قال﴾ يقول الله: ﴿لكل﴾، يعني الأتباع والقادة، ﴿ضعف﴾ يضاعف العذاب، ﴿ولكن لا تعلمون﴾.
الأعراف 7:39
﴿وقالت أولاهم﴾ دخولا النار، وهم القادة، ﴿لأخراهم﴾ دخولا النار، وهم الأتباع، ﴿فما كان لكم علينا من فضل﴾ في شيء، فقد ضللتم كما ضللنا، ﴿فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون﴾ يعني تقولون من الشرك والتكذيب.
الأعراف 7:40
﴿إن الذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني القرآن، ﴿واستكبروا عنها﴾، يعني وتكبروا عن الإيمان بآيات القرآن، ﴿لا تفتح لهم﴾، يعني لأرواحهم ولا لأعمالهم، ﴿أبواب السماء﴾، كما تفتح أبواب السماء لأرواح المؤمنين ولأعمالهم إذا ماتوا، ثم قال: ﴿ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾، يقول: حتى يدخل البعير في خرق الإبرة ،
﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا، ﴿نجزي المجرمين﴾ لا يدخلون الجنة.
الأعراف 7:41
ثم ذكر ما أعد لهم في النار، فقال: ﴿لهم من جهنم مهاد﴾، يعني فراش من نار، ﴿ومن فوقهم غواش﴾، يعني لحفا، يعني ظللا من النار، وذلك قوله في الزمر: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل﴾ (الزمر: 17)، يقول: ﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا، ﴿نجزي الظالمين﴾ جهنم، وما فيها من العذاب.
الأعراف 7:42
ثم ذكر المؤمنين، فقال: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾، يقول: لا نكلفها من العمل إلا ما تطيق، ﴿أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون﴾ لا يموتون.
الأعراف 7:43
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل﴾، يعني ما كان في الدنيا في قلوبهم من غش، يعني بعضهم لبعض، وذلك أن أهل الجنة إذا هم بشجرة ينبع من ساقها عينان، فيميلون إلى أحدهما فيشربون منها، فيخرج الله ما كان في أجوافهم من غل أو أقذار، فيطهر الله أجوافهم، ﴿وسقاهم ربهم شرابا طهورا﴾ (الإنسان: 21)، ثم يميلون إلى العين الأخرى، فيغتسلون فيها، فيطيب الله أجسادهم من كل درن، وجرت عليهم النظرة، فلا تشعث رءوسهم، ولا تغبر وجوههم، ولا تشحب أجسادهم، ثم تتلقاهم خزنة الجنة قبل أن يدخلوا الجنة، فينادونهم، يعني قالوا لهم: ﴿أن تلكم الجنة أورثتموها﴾، يقول: هاكم الجنة أورثتموها ﴿بما كنتم تعملون﴾، فلما استقروا في منازلهم، ﴿تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا﴾، أي للإسلام ولهذا الخير، ﴿وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله﴾ لدينه، ما كنا لنهتدي في التقديم، ﴿لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾، بأن هذا اليوم حق فصدقناهم، ﴿ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾.
الأعراف 7:44
﴿ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا﴾ من الخير والثواب في الدنيا، ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا﴾ في الدنيا من العذاب، ﴿قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم﴾، وهو مالك ينادي: ﴿أن لعنة الله على الظالمين﴾، يعني عذاب الله على المشركين.
الأعراف 7:45
ثم نعت أعمالهم الخبيئة، فقال: ﴿الذين يصدون عن سبيل الله﴾، يعني دين الإسلام، ﴿ويبغونها عوجا﴾، ويريدون بملة الإسلام زيفا، ﴿وهم بالآخرة﴾، يعني بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿كافرون﴾.
الأعراف 7:46
ثم قال: ﴿وبينهما حجاب﴾، يقول: بين الجنة والنار سور، ﴿وعلى الأعراف﴾، يعني على السور رجال ﴿رجال يعرفون كلا﴾ من الفريقين ﴿بسيماهم﴾، يعرفون أهل الجنة ببياض في الوجوه، وأهل النار بسواد الوجوه، ﴿ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم﴾ يسلم أصحاب الأعراف على أهل الجنة، يقول الله: ﴿لم يدخلوها﴾، يعني أصحاب الأعراف لم يدخلوا الجنة، ﴿وهم يطمعون﴾ في دخولها، وإنما طمعوا في دخول الجنة من أجل النور الذي بين أيديهم وعلى أقدامهم مثل السراج.
الأعراف 7:47
ثم قال: ﴿وإذا صرفت أبصارهم﴾، يعني قلبت وجوههم، ﴿تلقاء أصحاب النار﴾، يقول: وإذا نظر أصحاب الأعراف قبل أهل النار، ﴿قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين﴾ يعني مع المشركين في النار.
الأعراف 7:48
﴿ونادى أصحاب الأعراف رجالا﴾، هم في النار، ﴿يعرفونهم بسيماهم﴾، يعني بسواد الوجوه من القادة والكبراء، ﴿قالوا ما أغنى عنكم جمعكم﴾ في الدنيا، ﴿وما كنتم تستكبرون﴾، يعني وما أغنى عنكم ما كنتم تستكبرون عن الإيمان، فأقسم أهل النار أن أهل الأعراف سيدخلون النار معهم.
الأعراف 7:49
قالت الملائكة الذين حبسوا أصحاب الأعراف على الصراط: ﴿أهؤلاء﴾، يعني أصحاب الأعراف، ﴿الذين أقسمتم﴾ يا أهل النار أنهم ﴿لا ينالهم الله برحمة﴾، ثم قالت الملائكة: يا أصحاب الأعراف، ﴿ادخلوا الجنة لا خوف عليكم﴾ من العذاب، ﴿ولا أنتم تحزنون﴾، من الموت. فقال مقاتل: إن أصحاب الأعراف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وهم الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم، فحسبوا على الصراط من أجل ذنوبهم، ثم دخلوا الجنة بعد ذلك بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم.
الأعراف 7:50
﴿ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء﴾، يقول: اسقونا من الماء نشرب، ﴿أو﴾ أطعمونا ﴿مما رزقكم الله﴾ من الطعام نأكل، فإن فينا معارفكم وفيكم معارفنا، فرد عليهم أهل الجنة، ﴿قالوا إن الله حرمهما﴾، يعني الطعام والشراب، ﴿على الكافرين﴾، وذلك أن الله عز وجل رفع أهل الجنة لأهل النار، فرأوا ما فيهما من الخير والرزق، فنادوا عند ذلك: ﴿أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله﴾ من الشراب والطعام، قال لهم أهل الجنة: ﴿إن الله حرمهما على الكافرين﴾.
الأعراف 7:51
ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين اتخذوا دينهم﴾ الإسلام، ﴿لهوا ولعبا﴾، يعني لهوا عنه، ولعبا يعني باطلا، ودخلوا في غير دين الإسلام، ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ عن دينهم الإسلام، ﴿فاليوم﴾ في الآخرة، ﴿ننساهم كما نسوا﴾، يقول: فاليوم في الآخرة نتركهم في النار، كما تركوا الإيمان، ﴿لقاء يومهم هذا﴾، يعني بالبعث، ﴿وما كانوا بآياتنا﴾، يعني بالقرآن ﴿يجحدون﴾ بأنه ليس من الله.
الأعراف 7:52
﴿ولقد جئناهم بكتاب فصلناه﴾، يعني بيناه، ﴿على علم﴾، وهو القرآن، ﴿هدى﴾ من الضلالة، ﴿ورحمة﴾ من العذاب، ﴿لقوم يؤمنون﴾ يعني يصدقون بالقرآن بأنه من الله.
الأعراف 7:53
ثم رجع في التقديم إلى الذين جحدوا بالقرآن، فقال: ﴿هل ينظرون﴾، يخوفهم، ﴿إلا تأويله يوم يأتي تأويله﴾، يعني العاقبة، ما وعد الله في القرآن من الوعد والوعيد، والخير والشر، على ألسنة الرسل، ﴿يقول الذين نسوه من قبل﴾، يعني يقول في الآخرة الذين تركوا الإيمان في الدنيا بالبعث، فإذا ذكروه وعاينوا قول الرسل، قالوا: ﴿قد جاءت رسل ربنا بالحق﴾، بأن هذا اليوم كائن، وهو حق، ﴿فهل لنا من شفعاء﴾ من الملائكة والنبيين وغيرها، ﴿فيشفعوا لنا أو نرد﴾ إلى الدنيا، ﴿فنعمل﴾ من الخير ﴿غير الذي كنا نعمل﴾ من الشر، يعني الشرك والتكذيب، يقول الله: ﴿قد خسروا
أنفسهم﴾، يقول: قد غبنوا أنفسهم، فساروا إلى النار، ﴿وضل عنهم﴾ في الآخرة ﴿ما كانوا يفترون﴾ في الدنيا من التكذيب.
الأعراف 7:54
﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾ قبل ذلك، ﴿يغشى الليل النهار﴾، يقول: يغشى ظلمة الليل ضوء النهار، ﴿يطلبه حثيثا﴾، يعني سريعا، ﴿والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره﴾ لبني آدم، ﴿ألا له الخلق﴾، يعني كل شيء خلق، ﴿والأمر﴾، يعني قضاءه في الخلق الذي في اللوح المحفوظ، فله المشيئة في الخلق والأمر، ﴿تبارك الله رب العالمين﴾، فيخبر بعظمته وقدرته.
الأعراف 7:55
ثم بين كيف يدعونه، فقال: ﴿ادعوا ربكم تضرعا﴾، يعني مستكينين، ﴿وخفية﴾، يعني في خفض وسكون، كقوله: ﴿ولا تخافت بها﴾ (الإسراء: 110) يعني تسر بها، فادعوه في حاجتكم ولا تدعوه فيما لا يحل لكم على مؤمن أو مؤمنة، تقول: اللهم اخزه والعنه، اللهم أهلكه، أو افعل به كذا وكذا، فذلك عدوان، ﴿إنه﴾ الله، ﴿لا يحب المعتدين﴾.
الأعراف 7:56
﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، وذلك أن الله بعث نبيا إلى الناس فأطاعوه، صلحت الأرض وصلح أهلها، وأن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها، يقول: لا تعملوا في الأرض بالمعاصي بعد الطاعة، ﴿وادعوه خوفا﴾ من عذابه، ﴿وطمعا﴾ في رحمته، فمن فعل ذلك وهو محسن، فذلك قوله: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين﴾، يعني بالرحمة المطر، يقول: الرحمة لهم.
الأعراف 7:57
﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾، يقول: الرياح نشرا للسحاب، كقوله: ﴿يرسل الرياح فتثير سحابا﴾ (الروم: 48)، يسير السحاب قدام الرياح، ﴿حتى إذا أقلت﴾، يعني إذا حملت الريح ﴿سحابا ثقالا﴾ من الماء، ﴿سقناه لبلد ميت﴾، ليس فيه نبات، ﴿فأنزلنا به الماء فأخرجنا به﴾ بالماء من الأرض، ﴿من كل الثمرات كذلك﴾، يعني هكذا، ﴿نخرج﴾، يخرج الله ﴿الموتى﴾ من الأرض بالماء، كما أخرج النبات من الأرض بالماء، ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تذكرون﴾ فتعتبروا في البعث أنه كائن، نظيرها في الروم والملائكة.
الأعراف 7:58
ثم ضرب مثلا للمؤمنين والكفار، فقال: ﴿والبلد الطيب﴾، يعني الأرض العذبة إذا مطرت، ﴿يخرج نباته بإذن ربه﴾، فينتفع به كما ينفع المطر البلد الطيب فينبت، ثم ذكر الكافر، فقال: ﴿والذي خبث﴾ من البلد، يعني من الأرض السبخة أصابها المطر، فلم ينبت، ﴿لا يخرج إلا نكدا﴾، يعني إلا عسرا رقيقا يبس مكانه، فلم ينتفع به، فهكذا الكافر يسمع الإيمان ولا ينطق به ولا ينفعه، كما لا ينفع هذا النبات الذي يخرج رقيقا فييبس مكانه، ﴿كذلك﴾، يعني هكذا ﴿نصرف الآيات﴾ في أمور شتى لما ذكره في هاتين الآيتين، ﴿لقوم يشكرون﴾، يعني يوحدون ربهم.
الأعراف 7:59
﴿لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله﴾، يعني وحدوا الله، ﴿ما لكم من إله غيره﴾، يقول: ليس لكم رب غيره، فإن لم تعبدوه، ﴿إني أخاف عليكم﴾ في الدنيا ﴿عذاب يوم عظيم﴾ لشدته.
الأعراف 7:60
﴿قال الملأ من قومه﴾، وهم القادة والكبراء لنوح: ﴿إنا لنراك في ضلال مبين﴾.
الأعراف 7:61
﴿قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول من رب العالمين﴾ إليكم.
الأعراف 7:62
﴿أبلغكم رسالات ربي﴾ في نزول العذاب بكم في الدنيا، ﴿وأنصح لكم﴾ فيها وأحذركم من عذابه في الدنيا، ﴿وأعلم من الله﴾ في نزول العذاب بكم، ﴿ما لا تعلمون﴾ أنتم.
الأعراف 7:63
وذلك أن قوم نوح لم يسمعوا بقوم قط عذبوا، وقد سمعت الأمم بعدهم بنزول العذاب على قوم نوح، ألا ترى أن هودا قال لقومه: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح﴾ (الأعراف: 69)، وقال صالح لقومه: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد﴾ هلاك ﴿عاد﴾ (الأعراف: 74)، وحذر شعيب قومه، فقال: ﴿أن يصيبكم﴾ من العذاب ﴿مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد﴾ (هود: 89) فمن ثم قال نوح لقومه: أعلم ما لا تعلمون.
فقال بعضهم لبعض، الكبراء للضعفاء: ما هذا إلا بشر مثلكم، أفتتبعونه؟ فرد عليهم نوح: ﴿أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم﴾، يعني بيان من ربكم، ﴿على رجل منكم﴾، يعني نفسه، ﴿لينذركم﴾ العذاب في الدنيا، ﴿ولتتقوا﴾ الشرك وتوحدوا ربكم، ﴿ولعلكم﴾، يعني لكي ﴿ترحمون﴾، فلا تعذبوا.
الأعراف 7:64
﴿فكذبوه﴾ في العذاب أنه ليس بنازل بنا، يقول الله: ﴿فأنجيناه﴾، يعني نوحا، ﴿والذين معه﴾ من المؤمنين، ﴿في الفلك﴾، يعني السفينة من الغرق برحمة منا، ﴿وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني نزول العذاب، ﴿إنهم كانوا قوما عمين﴾، عموا عن نزول العذاب بهم، وهو الغرق.
الأعراف 7:65
﴿و﴾ أرسلنا ﴿وإلى عاد أخاهم هودا﴾، ليس بأخيهم في الدين، ولكن أخوهم في النسب، ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾، يعني وحدوا الله، ﴿ما لكم من إله غيره﴾، يقول: ما لكم رب غيره، ﴿أفلا تتقون﴾ يعني الشرك، أفلا توحدون ربكم.
الأعراف 7:66
﴿قال الملأ الذين كفروا من قومه﴾، وهم الكبراء لهود والقادة: ﴿إنا لنراك في سفاهة﴾، يعني في حمق، ﴿وإنا لنظنك﴾، يعني لنحسبك ﴿من الكاذبين﴾ فيما تقول في نزول العذاب بنا.
الأعراف 7:67
﴿قال يا قوم ليس بي سفاهة﴾، يعني حمق، ﴿ولكني رسول من رب العالمين﴾ إليكم.
الأعراف 7:68
﴿أبلغكم رسالات ربي﴾ في نزول العذاب بكم في الدنيا، ﴿وأنا لكم ناصح﴾ فيما أحذركم من عذابه، ﴿أمين﴾ فيما بيني وبينكم.
الأعراف 7:69
فقال الكبراء للضعفاء: ما هذا إلا بشر مثلكم، أفتتبعونه؟ فرد عليهم هود: ﴿أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم﴾، يعني بيان من ربكم، ﴿على رجل منكم﴾، يعني نفسه، ﴿لينذركم﴾ العذاب في الدنيا، ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء﴾ في الأرض، ﴿من بعد﴾ هلاك ﴿قوم نوح وزادكم في الخلق بصطة﴾ على غيركم، كان طول كل رجل منهم اثنى عشر ذراعا ونصفا، ﴿فاذكروا آلاء الله﴾ يعني نعم الله فوحدوه، ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تفلحون﴾ ولا تعبدوا غيره.
الأعراف 7:70
﴿قالوا أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر﴾ عبادة ﴿ما كان يعبد آباؤنا فأتنا بما تعدنا﴾ من العذاب، ﴿إن كنت من الصادقين﴾ إن العذاب نازل بنا.
الأعراف 7:71
﴿قال﴾ هود: ﴿قد وقع عليكم من ربكم رجس وغضب﴾، يعني إثم وعذاب، ﴿أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾ إنها آلهة، ﴿ما نزل الله بها من سلطان﴾، يعني من كتاب لكم فيه حجة بأن معه شريكا، ﴿فانتظروا﴾ العذاب ﴿إني معكم من المنتظرين﴾ بكم العذاب.
الأعراف 7:72
﴿فأنجيناه﴾، يعني هودا، ﴿والذين معه﴾ من المؤمنين، ﴿برحمة منا﴾، يعني بنعمة منا من العذاب، ﴿وقطعنا دابر﴾، يعني أصل القوم ﴿الذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني بنزول العذاب، ﴿وما كانوا مؤمنين﴾، يعني مصدقين بالعذاب أنه نازل بهم، وهي الريح.
الأعراف 7:73
ثم ذكر الله ثمود قوم صالح، فقال: ﴿و﴾ أرسلنا ﴿وإلى ثمود أخاهم صالحا﴾، ليس بأخيهم في الدين، ولكن أخوهم في النسب، ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾، يعني وحدوا الله، ﴿ما لكم من إله غيره﴾، يقول: ليس لكم رب غيره، ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾، يعني بالبينة الناقة، فقال: ﴿هذه ناقة الله لكم آية﴾، لتعتبروا فتوحدوا ربكم، وكانت من غير نسل، وكان الفصيل من نسل، ﴿فذروها تأكل في أرض الله﴾، يقول: خلوا عنها فلتأكل حيث شاءت، ولا تكلفكم مؤونة، ﴿ولا تمسوها بسوء﴾، لا تصيبوها بعقر، ﴿فيأخذكم﴾، يعني فيصيبكم ﴿عذاب أليم﴾، آية يعني وجيع في الدنيا.
الأعراف 7:74
﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد﴾ هلاك ﴿عاد وبوأكم في الأرض
تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا﴾، يعني تبنون في الجبال من الحجارة بيوتا، ﴿فاذكروا آلاء الله﴾، يعني نعم الله في القصور والبيوت فتوحدوه، ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾، يعني ولا تسعوا فيها المعاصي.
الأعراف 7:75
﴿قال الملأ الذين استكبروا﴾، يعني الذين تكبروا عن الإيمان، وهم الكبراء، ﴿من قومه﴾، أي من قوم صالح، ﴿للذين استضعفوا لمن آمن منهم﴾، يعني لمن صدق منهم بالتوحيد، ﴿أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون﴾.
الأعراف 7:76
﴿قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به﴾، يعني صدقتم به من العذاب والتوحيد ﴿كافرون﴾.
الأعراف 7:77
﴿فعقروا الناقة﴾ ليلة الأربعاء، ﴿وعتوا عن أمر ربهم﴾، يعني التوحيد، ﴿وقالوا يا صالح ائتنا بما تعدنا﴾ من العذاب ﴿إن كنت من المرسلين﴾ الذادقين بأن العذاب نازل بنا.
الأعراف 7:78
﴿فأخذتهم الرجفة﴾، يعني فأصابهم العذاب بكرة السبت من صيحة جبريل، عليه السلام، ﴿فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾، يعني في منازلهم خامدين، أمواتا.
الأعراف 7:79
﴿فتولى عنهم﴾، يعني فأعرض عنهم حين كذبوا بالعذاب، ﴿وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي﴾ في نزول العذاب بكم في الدنيا، ﴿ونصحت لكم﴾ فيما حذرتكم من عذابه، ﴿ولكن لا تحبون الناصحين﴾، يعني نفسه.
الأعراف 7:80
﴿و﴾ أرسلنا ﴿لوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة﴾، يعني المعصية، يعني إتيان الرجال، وأنتم تبصرون أنها فاحشة، ﴿ما سبقكم بها من أحد من العالمين﴾ فيما مضى قبلكم.
الأعراف 7:81
﴿إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون﴾، يعني الذنب العظيم.
الأعراف 7:82
﴿وما كان جواب قومه﴾، أي قوم لوط حين نهاهم عن الفاحشة، ﴿إلا أن قالوا أخرجوهم﴾، آل لوط، ﴿من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾، يعني لوطا وحده، يعني يتنزهون عن إتيان الرجال.
الأعراف 7:83
﴿فأنجيناه وأهله﴾ من العذاب، ﴿إلا امرأته كانت من الغابرين﴾، يعني من الباقين في العذاب.
الأعراف 7:84
﴿وأمطرنا عليهم﴾ الحجارة من فوقهم ﴿مطرا﴾، ﴿فساء مطر المنذرين﴾ (الشعراء: 173، النمل: 58﴾، يعني فبئس مطر الذين أنذروا العذاب، ﴿فانظر﴾ يا محمد، ﴿كيف كان عاقبة المجرمين﴾، يعني قوم لوط، كان عاقبتهم الخسف والحصب بالحجارة.
الأعراف 7:85
﴿و﴾ أرسلنا ﴿وإلى مدين﴾ ابن إبراهيم لصلبه، وأرسلنا إلى مدين ﴿أخاهم شعيبا﴾، ليس بأخيهم في الدين، ولكن أخوهم في النسب، ﴿قال يا قوم اعبدوا الله﴾، يعني وحدوا الله، ﴿ما لكم من إله غيره﴾، ليس لكم رب غيره، ﴿قد جاءتكم بينة من ربكم﴾، يعني بيان من ربكم، ﴿فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم﴾، يعني لا تنقصوا الناس حقوقهم في نقصان الكيل والميزان، ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها﴾، بعد الطاعة في نقصان الكيل والميزان، فإن المعاصي فساد المعيشة وهلاك أهلها، ﴿ذلكم خير لكم﴾، يعني وفاء الكيل والميزان خير لكم من النقصان، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ يقول: إن كنتم آمنتم، كان في الآخرة خير لكم من نقصان الكيل والميزان في الدنيا، نظيرها في هود.
الأعراف 7:86
﴿ولا تقعدوا بكل صراط توعدون﴾، يعني ولا ترصدوا بكل طريق توعدون أهل الإيمان بالقتل، ﴿وتصدون عن سبيل الله﴾، يعني عن دين الإسلام، ﴿من آمن به﴾، يعني من صدق بالله وحده لا شريك له، ﴿وتبغونها عوجا﴾، يعني تريدون بملة الإسلام زيفا، ﴿واذكروا إذ كنتم قليلا﴾، عددكم بعد عذاب الأمم الخالية، ثم ذكرهم النعم، فقال: ﴿فكثركم﴾، يعني فكثر عددكم، ثم وعظهم وخوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية، فقال: ﴿وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين﴾ في الأرض بالمعاصي بعد عذاب قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط في الدنيا، نظيرها في هود.
الأعراف 7:87
﴿وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به﴾ من العذاب، ﴿وطائفة لم يؤمنوا﴾، يعني لم يصدقوا بالعذاب، ﴿فاصبروا حتى يحكم الله﴾، حتى يقضى الله ﴿بيننا﴾ في أمر العذاب، ﴿وهو خير الحاكمين﴾، يعني وهو خير الفاصلين، فكان قضاؤه نزول العذاب بهم.
الأعراف 7:88
﴿قال الملأ الذين استكبروا من قومه﴾، يعني الذين تكبروا عن الإيمان، وهم الكبراء، ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا﴾، يعنون الشرك، أو لتدخلن في ملتنا، ﴿قال أولو كنا كارهين﴾.
الأعراف 7:89
ثم قال لهم شعيب: ﴿قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم﴾ الشرك، يعني إن
دخلنا في دينكم، ﴿بعد إذ نجانا الله منها﴾، يقول: بعد إذ لم يجعلنا الله من أهل ملتكم الشرك، ﴿وما يكون لنا أن نعود فيها﴾، وما ينبغي لنا أن ندخل في ملتكم الشرك، ﴿إلا أن يشاء الله ربنا﴾، فيدخلنا في ملتكم، ﴿وسع﴾، يعني ملأ ﴿ربنا كل شيء علما﴾، فعلمه، ﴿على الله توكلنا﴾، لقولهم لشعيب: لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا، ثم قال شعيب: ﴿ربنا افتح﴾، يعني اقض ﴿بيننا وبين قومنا بالحق﴾، يعني بالعدل في نزول العذاب بهم، ﴿وأنت خير الفاتحين﴾، يعني القاضين.
الأعراف 7:90
﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه﴾، وهم الكبراء للضعفاء، ﴿لئن اتبعتم شعيبا﴾ على دينه، ﴿إنكم إذا لخاسرون﴾، يعني لعجزه، نظيرها في يوسف: ﴿لئن أكله الذئب ونحن عصبة إنا إذا لخاسرون﴾ (يوسف: 14)، يعني لعجزة ظالمون.
الأعراف 7:91
﴿فأخذتهم الرجفة﴾، يعني العذاب، ﴿فأصبحوا﴾ من صيحة جبريل، عليه السلام، ﴿في دارهم﴾، يعني قريتهم، ﴿جاثمين﴾، يعني أمواتا خامدين.
الأعراف 7:92
﴿الذين كذبوا شعيبا كأن لم يغنوا فيها﴾، يعني كأن لم يكونوا فيها قط، ﴿الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين﴾.
الأعراف 7:93
﴿فتولى عنهم﴾، يعني فأعرض عنهم حين كذبوا بالعذاب، نظيرها في هود، ﴿وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي﴾، في نزول العذاب بكم في الدنيا، ﴿ونصحت لكم﴾ فيما حذرتكم من عذابه، ﴿فكيف آسى﴾، يقول: فكيف أحزن بعد الصيحة: ﴿على قوم كافرين﴾ إذا عذبوا.
الأعراف 7:94
﴿وما أرسلنا في قرية من نبي﴾ فكذبوه، ﴿إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء﴾، يعني قحط المطر، فأصابهم البؤس، وهو الشدة، والضر يعني البلاء، ﴿لعلهم﴾، يعني لكي، ﴿يضرعون﴾ إلى ربهم فيوحدونه فيرحمهم.
الأعراف 7:95
﴿ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة﴾، يقول: حولنا مكان الشدة الرخاء، ﴿حتى عفوا﴾، يقول: حموا وسمتوا، فلم يشكروا ربهم، فقالوا من غيرتهم وجهلهم: ﴿وقالوا قد مس آباءنا﴾، يعني أصاب آباءنا، ﴿الضراء والسراء﴾، يعني الشدة والرخاء مثل ما أصابنا، فلم يك شيئا، يقول: ﴿فأخذناهم﴾ بالعذاب ﴿بغتة﴾، فجأة، ﴿وهم لا يشعرون﴾ أعز ما كانوا حتى ينزل بهم، وقد أنذرتهم رسلهم العذاب من قبل أن ينزل بهم، فذلك قوله: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم﴾، بالشرك، ﴿وأهلها غافلون﴾ (الأنعام: 131).
الأعراف 7:96
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿ولو أن أهل القرى﴾ التي عذبت، ﴿آمنوا﴾ بتوحيد الله، ﴿واتقوا﴾ الشرك ما قحط عليهم المطر، و﴿لفتحنا عليهم بركات من السماء﴾، يعني المطر، ﴿والأرض﴾، يعني النبات، ﴿ولكن كذبوا فأخذناهم﴾ بالعذاب، ﴿بما كانوا يكسبون﴾ من الشرك والتكذيب.
الأعراف 7:97
﴿أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا﴾، يعني عذابنا نهارا، ﴿وهم نائمون﴾.
الأعراف 7:98
﴿أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى﴾، يعني عذابنا ليلا، ﴿وهم يلعبون﴾، يعني لاهون عنه، نظيرها في طه: ﴿وأن يحشر الناس ضحى﴾ (طه: 59)، يعني نهارا.
الأعراف 7:99
﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله﴾، يعني عذاب الله، ﴿إلا القوم الخاسرون﴾.
الأعراف 7:100
﴿أو لم يهد للذين يرثون الأرض﴾، يعني ورثوا الأرض، ﴿من بعد﴾ هلاك ﴿أهلها أن لو نشاء أصبناهم﴾ بعذاب، ﴿بذنوبهم﴾ يخوف كفار مكة، ﴿ونطبع على قلوبهم﴾ بالكفر، ﴿فهم لا يسمعون﴾ بالإيمان.
الأعراف 7:101
ثم رجع إلى القرى الخالية التي عذبت، فقال: ﴿تلك القرى نقص عليك من أنبائها﴾، يعني حديثها، ﴿ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات﴾، يعني بيان العذاب، فإنه نازل بهم في الدنيا، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر كفار مكة أن العذاب نازل بهم، فكذبوه بالعذاب، فأنزل الله: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل﴾، يقول: فما كان كفار مكة ليؤمنوا، يعني ليصدقوا أن العذاب نازل بهم في الدنيا بما كذبت به أوائلهم من الأمم الخالية من قبل كفار مكة حين أنذرتهم رسلهم العذاب، يقول الله: ﴿كذلك يطبع الله﴾، يعني هكذا يختم الله بالكفر ﴿على قلوب الكافرين﴾.
الأعراف 7:102
﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾، وذلك أن الله أخذ ميثاق ذرية آدم على المعرفة، فأقروا بذلك، فلما بلغوا العمل نقضوا العهد، ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾.
الأعراف 7:103
﴿ثم بعثنا من بعدهم﴾، يعني من بعد الرسل، ﴿موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه﴾، يعني اليد والعصا، ﴿فظلموا بها﴾، يعني فجحدوا بالآيات، وقالوا: ليست من الله فإنها سحر، ﴿فانظر﴾ يا محمد ﴿كيف كان عاقبة المفسدين﴾ في الأرض بالمعاصي، فكان عاقبتهم الغرق.
الأعراف 7:105
﴿حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق﴾، فإنه بعثني رسولا، ﴿قد جئتكم ببينة من ربكم﴾، يعني اليد والعصا بأني رسول الله، ﴿فأرسل معي بني إسرائيل﴾ إلى فلسطين.
الأعراف 7:106
﴿قال﴾ فرعون: ﴿إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من الصادقين﴾، بأنك رسول رب العالمين، وفي يد موسى عصا، فزعم ابن عباس أن ملكا من الملائكة دفعها إليه حين توجه إلى مدين، فقال موسى لفرعون: ما هذه بيدي؟ قال فرعون: عصا.
الأعراف 7:107
﴿فألقى﴾ موسى ﴿عصاه﴾ من يده، ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾، يعني حية بينة.
الأعراف 7:108
فقال فرعون: فهل من آية غيرها؟ قال: نعم، فأخرج يده، وقال لفرعون: ما هذه؟ قال: هذه يدك، فأدخل موسى يده في جيبه وعليه مدرعة من صوف مضرية، ثم أخرجها. فذلك قوله: ﴿ونزع يده﴾، يعني أخرج يده من جيبه، ﴿فإذا هي بيضاء للناظرين﴾، لها شعاع كشعاع الشمس يغشى البصر من شدة بياضها.
الأعراف 7:109
﴿قال الملأ﴾، وهم الكبراء، ﴿من قوم فرعون إن هذا﴾، يعني موسى، ﴿لساحر عليم﴾، يعني عالم بالسحر، وذلك أن فرعون بدأ بهذه المقالة فصدقه قومه، نظيرها في الشعراء.
الأعراف 7:110
ثم قال لهم فرعون: ﴿يريد أن يخرجكم من أرضكم﴾، وهي مصر، ﴿فماذا تأمرون﴾، يعني تشيرون.
الأعراف 7:111
فرد عليه كبراء قومه: ﴿قالوا أرجه وأخاه﴾، يقول: أرجئ أمرهم، يقول: أوقف أمرهم حتى ننظر في أمرهما، ﴿وأرسل في المدائن حاشرين﴾.
الأعراف 7:112
﴿يأتوك﴾، يحشرون عليك، ﴿بكل ساحر عليم﴾، يعنون عالم بالسحر.
الأعراف 7:113
﴿وجاء السحرة فرعون قالوا إن لنا لأجرا﴾، يعني جعلا، ﴿إن كنا نحن الغالبين﴾ لموسى.
الأعراف 7:114
﴿قال﴾ فرعون: ﴿نعم وإنكم لمن المقربين﴾، في المنزلة سوى العظمة، كان هذا يوم السبت في المحرم، والسحرة اثنان وسبعون رجلا.
الأعراف 7:115
﴿قالوا يا موسى﴾، فقالت السحرة لموسى: ﴿إما أن تلقي﴾ ما في يدك، يعني عصاه، ﴿وإما أن نكون نحن الملقين﴾ ما في أيدينا من الحبال والعصى.
الأعراف 7:116
﴿قال﴾ لهم موسى: ﴿ألقوا﴾ ما أنتم ملقون، ﴿فلما ألقوا﴾ الحبال والعصى، ﴿سحروا أعين الناس واسترهبوهم﴾، يعني وخوفوهم، ﴿وجاؤوا بسحر عظيم﴾.
الأعراف 7:117
﴿وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك﴾، فصارت حية، ﴿فإذا هي تلقف﴾، يعني تلقم، ﴿ما يأفكون﴾، يعني ما جاءوا به من الكذب.
الأعراف 7:118
﴿فوقع الحق﴾، يعني فظهر الحق بأنه ليس بسحر، ﴿وبطل ما كانوا يعملون﴾، يعني بطل ما كانوا يعملون من السحر.
الأعراف 7:119
﴿فغلبوا هنالك﴾، يعني عند ذلك، ﴿وانقلبوا صاغرين﴾، يعني فرجعوا إلى منازلهم مذلين.
الأعراف 7:120
﴿وألقي السحرة ساجدين﴾ لله.
الأعراف 7:122
قال السحرة: آمنا ب ﴿رب موسى وهارون﴾، فبهت فرعون لردهم عليه.
الأعراف 7:123
و﴿قال فرعون﴾ للسحرة، ﴿آمنتم به﴾، يعني صدقتم بموسى، ﴿قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة﴾، يقول: إن هذا الإيمان لقول قلتموه في المدينة، يعني في أهل مصر في متابعتكم إياه، وذلك أن موسى قال للساحر الأكبر، واسمه شمعون: أتؤمن لي إن غلبتك؟ قال: لآتين بسحر لا يغلبه سحرك، ولئن غلبتني لأؤمن لك، وفرعون ينظر، فمن ثم قال فرعون: ﴿لتخرجوا منها أهلها﴾، من أرض مصر، يعني موسى، وهارون، وشمعون رئيس السحرة، ﴿فسوف تعلمون﴾ فأوعدهم.
الأعراف 7:124
﴿لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف﴾، يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى، أو الرجل اليمنى واليد اليسرى، ﴿ثم لأصلبنكم أجمعين﴾.
الأعراف 7:125
فرد السحرة على فرعون، ﴿قالوا إنا إلى ربنا منقلبون﴾، يعني راجعين.
الأعراف 7:126
﴿وما تنقم﴾، يعني وما نقمت ﴿منا إلا أن آمنا بآيات ربنا﴾، يعني صدقنا باليد والعصا آيتان من ربنا، ﴿لما جاءتنا﴾، ثم قالوا: ﴿ربنا أفرغ علينا﴾، يعني ألقى علينا ﴿صبرا﴾ عند القطع والصلب، ﴿وتوفنا مسلمين﴾، يعني مخلصين لله حتى لا يردنا البلاء عن ديننا، فصلبهم فرعون من يومه، فكانوا أول النهار سحرة كفارا، وآخر النهار شهداء مسلمين لما آمنت السحرة لموسى.
الأعراف 7:127
﴿وقال الملأ﴾، يعني الأشراف ﴿من قوم فرعون أتذر موسى وقومه﴾، بنى إسرائيل قد آمنوا بموسى، ﴿ليفسدوا في الأرض﴾، يعني مصر، يعني بالفساد أن يقتل أبناءكم، ويستحيى نساءكم، يعني ويترك بناتكم كما فعلتم بقومه يفعله بكم، نظيرها في حم المؤمن، ﴿ويذرك وآلهتك﴾، يعني ويترك عبادتك، ﴿قال﴾ فرعون عند ذلك: ﴿سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم﴾، يعني بناتهم، ﴿وإنا فوقهم قاهرون﴾.
ثم أمرهم أن يقتلوا أبناء الذين معه، ويستحيوا نساءهم، فمنعهم الله من قتل الأبناء حين أغرقهم في البحر، وكان فرعون قد كلفهم من العمل ما لم يطيقوا.
الأعراف 7:128
فمر بهم موسى، عليه السلام، فـ ﴿قال﴾ لهم ﴿موسى لقومه﴾ في التقديم: ﴿استعينوا بالله﴾ على فرعون وقومه، ﴿واصبروا﴾ على البلاء، ﴿إن الأرض﴾، أرض مصر، ﴿لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة﴾، يعني الجنة ﴿للمتقين﴾، يعني للموحدين.
الأعراف 7:129
ف ﴿قالوا أوذينا﴾ في سببك ﴿من قبل أن تأتينا﴾ الرسالة، يعنون الأذى قتل الأبناء وترك البنات، ﴿و﴾ أوذينا ﴿ومن بعد ما جئتنا﴾ بالرسالة، يعنون حين كلفهم فرعون من العمل ما لم يطيقوا مضارة باتباعهم موسى، عليه السلام، قال موسى: ﴿قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم﴾، يعني فرعون وقومه، ﴿ويستخلفكم﴾ من بعد هلاكهم، ﴿في الأرض﴾، يعني أرض مصر ﴿فينظر كيف تعملون﴾، فإنما قال لهم موسى، عليه السلام، ذلك من قول الله تعالى في القصص: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض...﴾ (القصص: 5-6) إلى آيتين، ففعل الله ذلك بهم، فأهلك عدوهم واستخلفهم في الأرض، فاتخذوا العجل.
الأعراف 7:130
﴿ولقد أخذنا آل فرعون﴾، يعني أهل مصر، ﴿بالسنين﴾، يعني قحط المطر، ﴿ونقص من الثمرات﴾، فأصابهم الجوع، ﴿لعلهم يذكرون﴾، يعني لعلهم يتذكرون.
الأعراف 7:131
﴿فإذا جاءتهم الحسنة﴾، يعني الخير والخصب، ﴿قالوا لنا هذه﴾، يعنون نحن أحق بهذا، ﴿وإن تصبهم سيئة﴾، يعني الجوع، والبلاء، وقحط المطر، وهلاك الثمار والمواشي، ﴿يطيروا بموسى ومن معه﴾ على دينه، تسألوا أصابنا هذا الشر من سحر موسى، يقول الله: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله﴾، يقول: إن الذي أصابهم هو من الله، ﴿ولكن أكثرهم﴾، يعني أهل مصر، ﴿لا يعلمون﴾ أنه من الله الذي أصابهم.
الأعراف 7:132
﴿وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها﴾، يعني الآيات التسع، ﴿فما نحن لك بمؤمنين﴾، يعني بمصدقين، يعني بأنك رسول رب العالمين.
الأعراف 7:133
﴿فأرسلنا﴾، فلما قالوا ذلك أرسل الله ﴿عليهم﴾ السنين، ونقص من الثمرات، والنبات و ﴿الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات﴾، يعني باينات بعضها من بعض بين كل آيتين ثلاثين يوما، ﴿فاستكبروا﴾، يعني فتكبروا عن الإيمان، ﴿وكانوا قوما مجرمين﴾.
فأما الطوفان، فهو الماء طغى فوق حروثهم وزروعهم مطردا ثمانية أيام في ظلمة شديدة لا يرون فيها شمسا ولا قمرا، ولا يخرج منهم أحد إلى صنعته، فخافوا الغرق، فصرخوا إلى فرعون، فأرسل إلى موسى، فقال: يا أيها الساحر، ادع لنا ربك أن يكشف عنا هذا المطر، فإن يكشفه لنؤمنن لك، ولنرسلن معك بني إسرائيل، فقال: لا أفعل ما زعمتم أني ساحر، فقالوا: يا موسى، ادع لنا ربك، فدعا ربه، فكشف عنهم المطر، فنبت من الزرع والعشب ما لم ير مثله قط، فقالوا: لقد جزعنا من أمر كان خيرا لنا، فنكثوا العهد، فأرسل الله عليهم الجراد ثمانية أيام، وملئت الأرض حتى كانوا لا يرون الأرض من كثرته، قدر ذراع، فأكل النبات، حتى خافوا ألا يبقى لهم شيء.
فقال فرعون: يا موسى، ادع لنا ربك أن يكشف عنا فنؤمن لك، فدعا موسى ربه، فبعث الله ريحا، فاحتملت الجراد فألقته في البحر، قالوا: قد بقى لنا ما نتبلغ به حتى يدركنا الغيث، فنكثوا، فأرسل الله عليهم القمل، وهو الدبى، فغشى كل شيء منهم، فلم يبق عودا أخضر من الزرع والنبات إلا أكله، قال فرعون لموسى: ادع لنا ربك أن يكشفه عنا ونؤمن لك، فدعا ربه، فأمات القمل، وبقى لهم ما يتبلغون، فنكثوا، قالوا :
يا موسى، هل يستطيع ربك أن يفعل بنا أشد من هذا؟ فأرسل الله عليهم الضفادع، فدبت في بيوتهم، وعلى ظهورهم، فكان يستيقظ الرجل من نومه وعليه منهم كثرة، فقال فرعون لموسى: ادع لنا ربك فيهلكه، فإنه لم يعذب أحد قط بالضفادع، فدعا موسى ربه، فأمات الضفادع، فأرسل الله مطرا جوادا، فجزى بهم الماء حتى قذفهم في البحر.
فقالوا: إنما كان هذا الضفادع من المطر الذي كان أصابنا، فلن يعود إلينا أبدا، فنكثوا، فأرسل الله عليهم الدم، حتى صارت أنهارهم وركاباهم دما، وأنهار بنى إسرائيل ماء عذبا، فإذا دخل القبطي ليستقى من ماء بني إسرائيل، صار دما ما بين يديه وما خلفه صاف، إذا تحول ليأخذ من الصافي، صار دما وخلفه صاف، فمكثوا ثلاثة أيام لا يذوقون ماء صافيا، فقالوا لفرعون: هلكنا وهلكت مواشينا وذرارينا من العطش، فقال لموسى: ادع لنا ربك ليكشف عنا، ونعطيك ميثاقا لنؤمنن لك ولنرسلن معك بنى إسرائيل، فدعا موسى ربه، فكشفه عنهم، ولما شربوا الماء نكثوا العهد. فذلك قوله: ﴿لما وقع عليهم الرجز﴾
الأعراف 7:134
﴿لما وقع عليهم الرجز﴾، يعني العذاب الذي كان نزل بهم، ﴿قالوا يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز﴾، يعني هذا العذاب كله، ﴿لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرائيل﴾ إلى فلسطين.
الأعراف 7:136
يقول الله: ﴿فانتقمنا منهم فأغرقناهم في اليم﴾ بلسان العبرانية، يعني به البحر، وهو نهر بمصر، ﴿بأنهم كذبوا بآياتنا﴾، يعني الآيات التسع، قالوا: يا أيها الساحر، أنت الذي تعمل هذه الآيات، وإنها سحر، وليست من الله، ﴿وكانوا عنها غافلين﴾، يعني معرضين، فلم يتفكروا فيها فيعتبرون.
قال فرعون لموسى في حم الزخرف: ﴿يا أيها الساحر ادع لنا ربك﴾ (الزخرف: 49)، فقال: لا أدعو وأنتم تزعمون أنى ساحر، فقال في الأعراف: ﴿يا موسى ادع لنا ربك﴾ (الأعراف: 134)، يعني سل لنا ربك.
الأعراف 7:137
ثم قال: ﴿وأورثنا﴾ الأرض ﴿القوم الذين كانوا يستضعفون﴾، يعني بنى إسرائيل، يعني بالاستضعاف قتل الأبناء، واستحياء النساء بأرض مصر، وورثهم ﴿مشارق الأرض﴾ المقدسة، ﴿ومغاربها﴾، وهي الأردن وفلسطين، ﴿التي باركنا فيها﴾، يعني بالبركة الماء، والثمار الكثيرة، ﴿وتمت كلمات ربك الحسنى﴾، وهي النعمة، ﴿على بني إسرائيل بما صبروا﴾، حين كلفوا بأرض مصر ما لا يطيقون من استعبادهم إياهم، يعني بالكلمة التي في القصص من قوله: ﴿ونريد أن نمن﴾ (القصص: 5-6) إلى آيتين، وأهلك الله عدوهم، ومكن لهم في الأرض، فهي الكلمة، وهي النعمة التي تمت على بنى إسرائيل.
﴿ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه﴾، يعني وأهلكنا عمل فرعون وقومه القبط في مصر، ﴿و﴾ أهلكنا ﴿وما كانوا يعرشون﴾، يعني يبنون من البيوت والمنازل.
الأعراف 7:138
﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر﴾، يعني النيل، نهر مصر، ﴿فأتوا على قوم يعكفون﴾، يعني فمروا على العمالقة يقيمون ﴿على أصنام لهم﴾ يعبدونها، فقالت بنو إسرائيل: ﴿قالوا يا موسى اجعل لنا إلها﴾ نعبده، ﴿كما لهم آلهة﴾ يعبدونها، ﴿قال إنكم قوم تجهلون﴾.
الأعراف 7:139
﴿إن هؤلاء متبر﴾، يعني مدمر، ﴿ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون﴾.
الأعراف 7:140
﴿قال﴾ لهم موسى: ﴿أغير الله أبغيكم إلها﴾، يعني ربا، ﴿وهو فضلكم على العالمين﴾، يعني عالمى أهل مصر حين أنجاكم وأهلكهم.
الأعراف 7:141
﴿وإذ أنجيناكم من آل فرعون﴾، يعني بنى إسرائيل، ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾، يعني يعذبونكم أشد العذاب، ﴿يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم﴾، يعني قتل الأبناء وترك البنات، ﴿وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم﴾، يعني بالعظم شدة ما نزل بهم من البلاء.
الأعراف 7:142
﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة﴾ من ذي القعدة، واعدناه الجبل، ﴿وأتممناها بعشر﴾ من ذي الحجة، ﴿فتم ميقات ربه﴾، يعني ربه، ﴿أربعين ليلة﴾، وكان موسى ومن معه قد قطعاو البحر في عشر من المحرم يوم عاشوراء، ثم أعطى التوراة يوم النحر بينهما أحد عشر نهرا، ﴿وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي﴾، بنى إسرائيل بخير حين خرج إلى الجبل، ﴿وأصلح﴾، يعني وأرفق بهم، نظيرها في القصص: ﴿وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين﴾ (القصص: 27)، يعني الرافقين بك، ﴿ولا تتبع سبيل المفسدين﴾، منهم.
الأعراف 7:143
﴿ولما جاء موسى﴾ الجبل ﴿لميقاتنا﴾، يعني لميعادنا لتمام الأربعين يوما، ﴿وكلمه ربه﴾، فلما سمع كلام ربه، استحلاه واشتاق إلى رؤية ربه، ﴿قال﴾: يا ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ له ربه: إنك ﴿قال لن تراني ولكن﴾، اجعل بيني وبينك علما هو أقوى
منك، يعني الجبل، ﴿انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾، وإن لم يستقر الجبل مكانه، فإنك لن تطيق رؤيتي، ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا﴾، يعني قطعا، فصار الجبل دكا، يعني قطعا على ستة فرق، فوق ثلاثة بأجبل مكة: بثير، وغار ثور، وحزن، ووقع بالمدينة: رضوى، وورقان، وجبل أحد، فذلك قوله: ﴿جعله دكا﴾، ﴿وخر موسى صعقا﴾، يعني ميتا، ﴿فلما أفاق﴾، يعني رد عليه نفسه، ﴿قال﴾ موسى: ﴿سبحانك تبت إليك﴾ من قولي: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ ﴿وأنا أول المؤمنين﴾، يعني أول المصدقين بأنك لن ترى في الدنيا.
الأعراف 7:144
﴿قال﴾ له ربه: ﴿يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي﴾، يقول: اخترتك من بني إسرائيل بالرسالة وبالكلام من غير وحى، ﴿فخذ ما آتيتك﴾ بقوة، يقول: ما أعطيتك من التوراة بالجد، والمواظبة عليه، ﴿وكن من الشاكرين﴾ لله في هذه النعم، يعني الرسالة والكلام من غير وحى.
الأعراف 7:145
﴿وكتبنا له في الألواح﴾ نقرا كنقش الخاتم، وهي تسعة ألواح، ﴿من كل شيء﴾، فقال: ﴿موعظة﴾ من الجهل، ﴿وتفصيلا﴾، يعني بيانا ﴿لكل شيء﴾ من الأمر، والنهي، والحد، وكتبه الله عز وجل بيده، فكتب فيها: إني أنا الله الذي لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم، لا تشركوا بي شيئا، ولا تقتلوا النفس، ولا تزنوا، ولا تقطعوا السبيل، ولا تسبوا الوالدين، ووعظهم في ذلك، والألواح من زمرد وياقوت، يقول: ﴿فخذها بقوة﴾، يعني التوراة بالجد والمواظبة عليه، ﴿وأمر قومك﴾ بني إسرائيل، ﴿يأخذوا بأحسنها﴾، يعني بأحسن ما فيها، ثم قال قبل ذلك لبني إسرائيل: ﴿سأوريكم دار الفاسقين﴾ سنة أهل مصر، فزعم ابن عباس، أن الله حين أغرق فرعون وقومه، أوحى إلى البحر أن يقذف أجسادهم على الساحل، ففعل البحر ذلك، فنظر إليهم بنو إسرائيل، فأراهم سنة الفاسقين.
الأعراف 7:146
ثم قال: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق﴾، يعني يعملون فيها بالمعاصي الكبرياء والعظمة، يعني أهل مصر، يقول: سأصرف عن التفكير في خلق السماوات والأرض وما بينهما من الآيات الشمس، والقمر، والنجوم، والسحاب، والرياح، والجبال، والفلك، والبحور، والشجر، والثمار، والنبات، عام بعام، يعني المتكبرين، فلا يتفكرون فتكون لهم عبرة، تعني لأهل مصر، ثم قال يعنيهم: ﴿وإن يروا كل آية﴾، يعني يروا مرة اليد ومرة العصا، ثم يرون الطوفان، ثم الجراد، ثم القمل، ثم الضفادع، ثم الدم، ثم السنين، ثم الطمس.
فرأوا كل آية على حدة، فلم يؤمنوا، ﴿لا يؤمنوا بها﴾، يعني لا يصدقون بأنها من الله، ﴿وإن يروا سبيل الرشد﴾، يعني طريق الهدى، ﴿لا يتخذوه سبيلا﴾، يعني لا يتخذوه دينا فيتبعونه، ﴿وإن يروا سبيل الغي﴾، يعني طريق الضلالة، ﴿يتخذوه سبيلا﴾، يقول: اتخذه دينا فيتبعونه، ﴿ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا﴾، يعني بالآيات التسع، ﴿وكانوا عنها غافلين﴾، يعني معرضين، ولم يتفكروا فيها.
الأعراف 7:147
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني القرآن، ﴿ولقاء الآخرة﴾، وكذبوا بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿حبطت أعمالهم﴾ التي أرادوا بها وجه الله، لأنها كانت في غير إيمان، ﴿هل يجزون إلا ما كانوا يعملون﴾.
الأعراف 7:148
﴿واتخذ قوم موسى﴾، بني إسرائيل، ﴿من بعده﴾، حين انطلقوا إلى الطور، ﴿من حليهم عجلا جسدا﴾، يعني صورة عجل جسد، يقول: ليس فيه روح، ﴿له خوار﴾، يعني له صوت البهائم، ثم لم يصوت غير مرة واحدة، ﴿ألم يروا﴾، يعني بني إسرائيل، ﴿أنه لا يكلمهم﴾، يعني لا يقدر على أن يكلمهم، ﴿ولا يهديهم سبيلا﴾، يعني طريقا إلى الهدى، يعني العجل، ﴿اتخذوه﴾ العجل إلها، ﴿وكانوا ظالمين﴾، يعني مشركين.
الأعراف 7:149
﴿ولما سقط في أيديهم﴾، ندامة وندموا، ﴿ورأوا﴾ وعلموا ﴿أنهم قد ضلوا﴾ عن الهدى، ﴿قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا﴾، يعني ويتجاوز عنا، ﴿لنكونن
من الخاسرين﴾ في العقوبة، فلم يقبل الله توبتهم إلا بالقتل.
الأعراف 7:150
﴿ولما رجع موسى إلى قومه﴾ من الجبل، ﴿غضبان أسفا﴾، يعني حزينا في صنع قومه في عبادة العجل وكان أخبره الله على الطور بأمر العجل، ثم قال: ﴿قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم﴾، يقول: استعجلتم ميقات ربكم أربعين يوما، ﴿وألقى الألواح﴾ من عاتقه، فذهب منها خمس وبقيت أربعة، ﴿وأخذ برأس أخيه﴾ هارون ﴿يجره إليه﴾، يعني إلى نفسه، ﴿قال﴾ هارون لموسى: ﴿ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين﴾.
الأعراف 7:151
﴿قال﴾ موسى: ﴿رب اغفر لي﴾، يعني تجاوز عني، ﴿ولأخي﴾ هارون، ﴿وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين﴾.
الأعراف 7:152
﴿إن الذين اتخذوا العجل﴾ إلها، ﴿سينالهم غضب﴾، يعني عذاب، ﴿من ربهم وذلة﴾، يعني مذلة، ﴿في الحياة الدنيا﴾، فصاروا مقهورين إلى يوم القيامة، ثم قال: ﴿وكذلك﴾، يعني وهكذا ﴿نجزى المفترين﴾، يعني الذين افتروا فزعموا أن هذا إلهكم، يعني العجل، وإله موسى.
وكان السامرى جمع الحلى بعد خمسة وثلاثين يوما من يوم فارقهم موسى، عليه السلام، وكان السامرى صائغا، فصاغ لهم العجل في ثلاثة أيام، وقد علم السامرى أنهم يعبدونه، لقولهم لموسى، عليه السلام، قبل ذلك: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم
آلهة﴾، فعبدوا العجل لتمام تسعة وثلاثين يوما، ثم أتاهم موسى من الغد لتمام الأربعين يوما.
الأعراف 7:153
﴿والذين عملوا السيئات﴾، يعني الشرك الذين عبدوا العجل، ﴿ثم تابوا من بعدها﴾، أي بعد الشرك، ﴿وآمنوا﴾، يعني صدقوا بالله أنه واحد لا شريك له، ﴿إن ربك من بعدها﴾، يعني من بعد الشرك، ﴿لغفور رحيم﴾ بهم.
الأعراف 7:154
قوله: ﴿ولما سكت عن موسى الغضب﴾، يعني سكن، ﴿أخذ الألواح﴾ بعدما ألقاها، ﴿وفي نسختها﴾ فيما بقى منها، ﴿هدى﴾ من الضلالة، ﴿ورحمة﴾ من العذاب، ﴿للذين هم لربهم يرهبون﴾، يعني يخافون الله، وأعطى موسى التوراة يوم النحر يوم الجمعة، فلم يطق حملها، فسجد لله، وجعل يدعو ربه ويتضرع، حتى خففت عليه، فحملها على عاتقه.
الأعراف 7:155
﴿واختار موسى سبعين رجلا لميقاتنا﴾، من اثنى عشر سبطا، ستة ستة، فصاروا اثنين وسبعين رجلا، قال موسى: إنما أمرني ربي بسبعين رجلا، فمن قعد عنى فلم يجيء فله الجنة، فقعد يوشع بن نون، وكالب بن يوقنا، ﴿لميقاتنا﴾، يعني لميعادنا، يعني الأربعين يوما، فانطلق بهم، فتركهم في أصل الجبل، فلما نزل موسى إليهم، قالوا: ﴿أرنا الله جهرة﴾، فأخذتهم الرجفة، يعني الموت عقوبة لما قالوا، وبقى موسى وحده يبكي، ﴿فلما أخذتهم الرجفة قال رب﴾ ما أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم وقد أهلكت خيارهم، رب ﴿لو شئت أهلكتهم﴾، يعني أمتهم، ﴿من قبل وإياي﴾ معهم من قبل أن يصحبوني، ﴿أتهلكنا﴾ عقوبة ﴿بما فعل السفهاء منا﴾، وظن موسى، عليه السلام، إنما عوقبوا باتخاذ بني إسرائيل العجل، فهم السفهاء، فقال موسى: ﴿إن هي إلا فتنتك﴾، يعني ما هي إلا بلاؤك، ﴿تضل بها﴾ بالفتنة ﴿من تشاء وتهدي﴾ من الفتنة ﴿من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين﴾، قال: فلم يعبد العجل منهم إلا اثنا عشر ألفا.
الأعراف 7:156
﴿واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة﴾، يعني المغفرة، ﴿وفي الآخرة﴾ حسنة، يعني الجنة، ﴿إنا هدنا إليك﴾، يعني تبنا إليك، ﴿قال﴾ الله: ﴿عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء﴾، يعني ملأت كل شيء، قال إبليس: فأنا من كل شيء، قال الله تعالى: ﴿فسأكتبها﴾، يعني الرحمة، ﴿للذين يتقون﴾، فعزل إبليس، يعني للذين يوحدون ربهم، ﴿ويؤتون الزكاة﴾، يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿والذين هم بآياتنا يؤمنون﴾، يعني بالقرآن يصدقون أنه من الله، قالت اليهود: فنحن نتقى الله، ونؤتى الزكاة، فعزل إبليس واليهود.
الأعراف 7:157
ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي﴾ على دينه، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، يعني بالأمي الذي لا يقرأ الكتب، ولا يخطها بيمينه، ﴿الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف﴾، يعني بالإيمان، ﴿وينهاهم عن المنكر﴾، يعني الشرك، ﴿ويحل لهم الطيبات﴾، يعني ما حرم الله من اللحوم والشحوم، ﴿ويحرم عليهم﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿الخبائث﴾، يعني الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ﴿ويضع﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿عنهم إصرهم﴾، يعني مما عهد الله إليهم من تحريم اللحوم، والشحوم، ولحم كل ذي ظفر، ﴿و﴾ يضع محمد صلى الله عليه وسلم ﴿والأغلال التي كانت عليهم﴾ واجبة من التغليظ والتشديد، الذي منه أن يقتل قاتل العمد البتة، ولا يعفى عنه، ولا يؤخذ منه الدية، ويقتل قاتل الخطأ، إلا أن يشاء ولى المقتول فيعفو عنه ونحوه، ولو صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم لوضع ذلك كله عنهم، ﴿فالذين آمنوا به﴾، يعني صدقوا النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وعزروه﴾، يعني أعانوه على أمره، ﴿ونصروه واتبعوا النور﴾، يعني القرآن، ﴿الذي أنزل معه﴾، فمن فعل هذا ف ﴿أولئك هم المفلحون﴾، فقال موسى عند ذلك: اللهم اجعلني من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
الأعراف 7:158
﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحي﴾ الأموات، ﴿ويميت﴾ الأحياء، ﴿فآمنوا﴾، يعني فصدقوا ﴿بالله﴾ أنه واحد لا شريك له، ﴿ورسوله﴾، عليه السلام، ﴿النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته﴾، يعني الذي يصدق بالله بأنه واحد لا شريك له، وبآياته، يعني القرآن، ﴿واتبعوه﴾، يعني محمدا، عليه السلام، ﴿لعلكم﴾، يعني لكي، ﴿تهتدون﴾ من الضلالة.
الأعراف 7:159
﴿ومن قوم موسى﴾، يعني بنى إسرائيل، ﴿أمة يهدون بالحق﴾، يعني عصابة يدعون إلى الحق، ﴿وبه يعدلون﴾، يعني الذين من وراء الصين اليوم، القوم الذين أسرى بهم تحت الأرض، وأخرج لهم نهرا من الأردن من رمل يسمى أردق من وراء الصين يجري كجري الماء، أسرى الله بهم تحت الأرض سنة ونصفا، فإذا نزل عيسى بن مريم كان معه يوشع بن نون، وهم من آمن من أهل الكتاب.
الأعراف 7:160
﴿وقطعناهم﴾، يعني فرقناهم، ﴿اثنتي عشرة أسباطا أمما﴾، يعني فرقا، ﴿وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه﴾ في التيه، ﴿أن اضرب بعصاك الحجر﴾، ففعل وكان من الطور، ﴿فانبجست﴾، يعني فانفجرت من الحجر، ﴿منه اثنتا عشرة عينا﴾ ماء باردا فراتا رواء بإذن الله، وكان الحجر خفيفا، كل سبط من بني إسرائيل لهم عين تجري لا يخالطهم غيرهم فيها، فذلك قوله: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾، يعني كل سبط مشربهم، ﴿وظللنا عليهم الغمام﴾ بالنهار، يعني سحابة بيضاء ليس فيها ماء تقيهم من حر الشمس وهم في التيه، ﴿وأنزلنا عليهم المن﴾، يعني النرنجين، ﴿والسلوى﴾ طيرا أحمر يشبه السمان، ﴿كلوا من طيبات﴾، يعني من حلال، ﴿ما رزقناكم﴾ من المن والسلوى، ولا تطغوا فيه، يعني لا ترفعوا منه لغد، فرفعوا وقددوا فدود عليهم، يقول الله: ﴿وما ظلمونا﴾، يعني وما ضرونا، يعني وما نقصونا حين رفعوا وقددوا ودود عليهم، ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾، يعني يضرون وينقصون.
الأعراف 7:161
﴿و﴾ اذكر ﴿وإذ قيل لهم اسكنوا هذه القرية﴾، بيت المقدس، ﴿وكلوا منها حيث شئتم وقولوا﴾ أمرنا ﴿حطة وادخلوا الباب﴾، أي باب القرية، ﴿سجدا﴾ سجود انحناء، ﴿نغفر﴾ بالنون والتاء مبنيا للمفعول، ﴿لكم خطيئاتكم سنزيد المحسنين﴾ بالطاعة ثوابا.
الأعراف 7:162
﴿فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم﴾، فقالوا: حبة في شعره، ودخلوا يزحفون على استاهم، ﴿فأرسلنا عليهم رجزا﴾ عذابا ﴿من السماء بما كانوا يظلمون﴾.
الأعراف 7:163
﴿واسألهم عن القرية﴾، اسمها أيلة، على مسيرة يومين من البحر بين المدينة والشام، مسخوا على عهد داود، عليه السلام، قردة، يعني اليهود، وإنما أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألهم: أمسخ الله منكم قردة وخنازير؟ لأنهم قالوا: إنا أبناء الله وأحباؤه، وإن الله لا يعذبنا في الدنيا ولا في الآخرة، لأنا من سبط خليله إبراهيم، ومن سبط إسرائيل، وهو بكر نبيه، ومن سبط كليم الله موسى، ومن سبط ولده عزير، فنحن من أولادهم، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿واسألهم عن القرية﴾ ﴿التي كانت حاضرة البحر﴾، إما عذبهم الله بذنوبهم.
ثم أخبر عن ذنوبهم، فقال: ﴿إذ يعدون في السبت﴾، يعني يعتدون، ﴿إذ تأتيهم حيتانهم﴾، يعني السمك، ﴿يوم سبتهم شرعا﴾، يعني شارعة من غمرة الماء إلى قريب من الحذاء، يعني الشط أمنت أن يصدن، ﴿ويوم لا يسبتون﴾، يعني حين لا يكون يوم السبت، ﴿لا تأتيهم كذلك﴾، يعني هكذا، ﴿نبلوهم﴾، يعني نبتليهم بتحريم السمك في السبت، ﴿بما كانوا يفسقون﴾، جزاء منا، يعني بما كانوا يعصون.
الأعراف 7:164
﴿وإذ قالت أمة منهم﴾، يعني عصابة منهم، وهي الظلمة للواعظة، ﴿لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا﴾، وذلك أن الواعظة نهوهم عن الحيتان، وخوفوهم فلم ينتبهوا، فردت عليهم الواعظة، ﴿قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم﴾، يعني ولكي ينتهوا فيؤخروا أو يعذبوا فينجوا، ﴿ولعلهم﴾، يعني ولكي ﴿يتقون﴾ المعاصي.
الأعراف 7:165
﴿فلما نسوا ما ذكروا به﴾، يعني فلما تركوا ما وعظوا به من أمر الحيتان، ﴿أنجينا﴾ من العذاب ﴿الذين ينهون عن السوء﴾، يعني المعاصي، ﴿وأخذنا الذين ظلموا﴾، يعني وأصبنا الذين ظلموا، ﴿بعذاب﴾، يعني المسخ، ﴿بئيس﴾، يعني شديد، ﴿بما كانوا يفسقون﴾، يعني يعصون.
الأعراف 7:166
﴿فلما عتوا﴾، يعني عصوا، ﴿عن ما نهوا عنه﴾ من الحيتان، ﴿قلنا لهم﴾ ليلا: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾، يعني صاغرين بعدما أصابوا الحيتان سنين، ثم مسخوا قردة، فعاشوا سبعة أيام، ثم ماتوا يوم الثامن.
الأعراف 7:167
﴿وإذ تأذن ربك﴾، يعني قال ربك: ﴿ليبعثن عليهم﴾، يعني بنى اسرائيل من يسومهم سوء العذاب، فبعث الله المسلمين عليهم، ﴿إلى يوم القيامة﴾ ما دامت الدنيا، ﴿من يسومهم سوء العذاب﴾، يعني يعذبهم شدة العذاب، يعني القتل، والجزية، ﴿إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم﴾.
الأعراف 7:168
﴿وقطعناهم﴾، يعني وفرقناهم ﴿في الأرض أمما﴾، يعني فرقا، يعني بنى إسرائيل، ﴿منهم الصالحون﴾، يعني المؤمنين، ﴿ومنهم دون ذلك﴾، يعني دون الصالحين، فهم الكفار، ﴿وبلوناهم بالحسنات والسيئات﴾، يقول: ابتليناهم بالخصب والشدة، ﴿لعلهم﴾، يعني لكي ﴿يرجعون﴾ إلى التوبة.
الأعراف 7:169
﴿فخلف من بعدهم﴾، يعني من بعد بني إسرائيل، ﴿خلف﴾ السوء وهم اليهود، ﴿ورثوا الكتاب﴾، يعني ورثوا التوراة عن أوائلهم وآبائهم، ﴿يأخذون عرض هذا الأدنى﴾، وهي الدنيا، لأنها أدنى من الآخرة، يعني الرشوة في الحكم، ﴿ويقولون سيغفر لنا﴾، فكانوا يرشون بالنهار، ويقولون: يغفر لنا بالليل، ﴿وإن يأتهم عرض مثله﴾، يعني رشوة مثله ليلا، ﴿يأخذوه﴾، ويقولون: يغفر لنا بالنهار، يقول الله: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب﴾، يعني بغير ما يقولون، لقد أخذ عليهم في التوراة أن لا يستحلوا محرما، و﴿أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾ في التوراة، ﴿ودرسوا﴾، يعني وقرأوا ﴿ما فيه﴾، ما في التوراة، ﴿والدار الآخرة﴾، يعني الجنة، ﴿خير للذين يتقون﴾، استحلال المحارم، ﴿أفلا تعقلون﴾.
الأعراف 7:170
ثم ذكر مؤمنيهم، فقال: ﴿والذين يمسكون بالكتاب﴾، يعني يتمسكون بالتوراة ولا
يحرفونه عن مواضعه، ولا يستحلون محرما، ﴿وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين﴾، نزلت في ابن شلام وأصحابه.
الأعراف 7:171
﴿وإذ نتقنا الجبل﴾، يعني وإذ رفعنا الجبل ﴿فوقهم كأنه ظلة﴾، وذلك أن موسى، عليه السلام، حين أتاهم بالتوراة، وجدوا فيها القتل، والرجم، والحدود، والتغليظ، أبوا أن يقبلوا التوراة، فأمر الله الجبل عند بيت المقدس، فانقطع من مكانه، فقام فوق رءوسهم، فأوحى الله إلى موسى أن قل لهم: إن لم يقروا بالتوراة، طرحت عليهم الجبل، وأرضخ به رءوسهم، فلما رأوا ذلك أقروا بالتوراة، ورجع الجبل إلى مكانه، فذلك قوله: ﴿وظنوا أنه واقع بهم﴾، يعني وأيقنوا أن الجبل واقع بهم، يعني عليهم، ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، ما أعطيناكم من التوراة بالجد والمواظبة، ﴿واذكروا ما فيه﴾، يقول: واحفظوا ما فيه من أمره ونهيه، ﴿لعلكم﴾، يعني لكي ﴿تتقون﴾ المعاصي.
الأعراف 7:172
﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم﴾، يقول: وقد اخذ ربك من بنى آدم بنعمان عند عرفات من ظهورهم، ﴿ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم﴾ بإقرارهم، ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ أنت ربنا، وذلك أن الله عز وجل مسح صفحة ظهر آدم اليمنى، فأخرج منه ذرية بيضاء كهيئة الذر يتحركون، ثم مسح صفحة ظهره اليسرى، فأخرج منه ذرية سوداء كهيئة الذر، وهم ألف أمة، قال: يا آدم، هؤلاء ذريتك أخذنا ميثاقهم على أن يعبدوني ولا يشركوا بنى شيئا وعلى رزقهم، قال آدم: نعم يا رب، فلما أخرجهم، قال الله: ألست بربكم؟ قالوا: بلى ﴿شهدنا﴾ إنك ربنا، قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم بالإقرار، قالت الملائكة: قد شهدنا، يقول الله في الدنيا لكفار العرب من هذه الأمة: ﴿أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا﴾ الميثاق الذي أخذ علينا ﴿غافلين﴾، وأشهدهم على أنفسهم.
الأعراف 7:173
﴿أو تقولوا﴾ لئلا تقولوا: ﴿إنما أشرك آباؤنا﴾ ونقضوا الميثاق، ﴿من قبل﴾ شركنا، ولئلا تقولوا: ﴿وكنا ذرية من بعدهم﴾، فاقتدينا بهم وبهداهم، لئلا تقولوا: ﴿أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾، يعني أفتعذبنا بما فعل المبطلون، يعني المكذبين بالتوحيد، يعنون آباءهم، كقوله: ﴿إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون﴾ (الزخرف: 23).
ثم أفاضهم إفاضة القدح، فقال للبيض: هؤلاء في الجنة برحمتي، فهم أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة، وقال للسود: هؤلاء للنار، ولا أبالي، فهم أصحاب الشمال، وأصحاب المشأمة، ثم أعادهم جميعا في صلب آدم، عليه السلام، فأهل القبور محبسون حتى يخرج الله أهل الميثاق كلهم من أصلاب الرجال وأرحام النساء، ثم تقوم الساعة، فذلك قوله: ﴿لقد أحصاهم﴾ يوم القيامة ﴿وعدهم عدا﴾ (مريم: 94)، فمن مات منهم صغيرا، فله الجنة بمعرفته بربه، ومن بلغ منهم العقل أخذ أيضا ميثاقه بمعرفته لربه، والطاعة له، فمن لم يؤمن إذا بلغ العقل لم يغن عنه الميثاق الأول شيئا، وكان العهد والميثاق الأول حجة عليهم، وقال فيمن نقض العهد الأول: ﴿وما وجدنا لأكثرهم من عهد﴾، يعني من وفاء، يعني أكثر ولد آدم، عليه السلام، ﴿وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين﴾ (الأعراف: 102)، يعني لعاصين.
الأعراف 7:174
﴿وكذلك نفصل الآيات﴾، يعني هكذا نبين الآيات في أمر الميثاق، ﴿ولعلهم﴾، يعني لكي ﴿يرجعون﴾ إلى التوبة.
الأعراف 7:175
﴿واتل عليهم﴾، يعني أهل مكة ﴿نبأ﴾، يعني حديث ﴿الذي آتيناه آياتنا﴾، يعني أعطيناه الاسم الأعظم، يعني بلعام بن باعورا بن ماث بن حراز بن آزر، من أهل عمان، وهي البلقاء التي كان فيها الجبارون بالشام، فإنما سميت البلقاء من أجل أن ملكها رجل اسمه بالق، وذلك أن الملك، واسمه بانوس بن ستشروث، قال لبلعام: ادع على موسى، فقال بلعام: إنه من أهل دين لا ينبغي أن يدعى عليه، فأمر الملك أن تنحت خشبة ليصلبه عليها، فلما رأى ذلك، خرج على أتان له، ليدعو على موسى، عليه السلام، فلما عاين عسكره، قامت به الأتان فضربها، فقالت الأتان: لم تضربني وهذه نار تتوقد قد منعتني أن أمشى، فارجع، فرجع، فأخبر الملك، فقال له الملك: إما أن تدعو، وإما أن أصلبك، فدعا على موسى، عليه السلام، باسم الله الأعظم ألا يدخل المدينة، فاستجاب الله له، فبلغ موسى، عليه السلام، فدعا الله أن ينزع ذلك الاسم منه، فنزع منه الاسم الأعظم، فذلك قوله: ﴿فانسلخ منها﴾، فنزعها الله منه، يعني الآيات، ﴿فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين﴾، يعني من الضالين.
الأعراف 7:176
﴿ولو شئنا لرفعناه﴾ في الآخرة ﴿بها﴾ بما علمناه من آياتنا، يعني الاسم الأعظم في الدنيا، ﴿ولكنه أخلد إلى الأرض﴾، يعني رضي الدنيا، وركن إليها، ﴿واتبع هواه﴾، أي هوى الملك مع هواه، ﴿فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه﴾ بنفسك ودابتك تطرده، ﴿يلهث أو تتركه﴾، فلا تحمل عليه شيء ﴿يلهث﴾ إذا أصابه الحر، فهذا مثل الكافر إن وعظته، فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، مثل بلعام والكفار، يعني كفار مكة، ﴿ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني القرآن، ﴿فاقصص القصص﴾، يعني القرآن عليهم ﴿لعلهم﴾، يعني لكي ﴿يتفكرون﴾ في أمثال الله فيعتبروا فيؤمنوا.
الأعراف 7:177
ثم قال: ﴿ساء﴾، يعني بئس ﴿مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني القرآن، يعني كفارة مكة، ﴿وأنفسهم كانوا يظلمون﴾، يعني أنفسهم ضروا بتكذيبهم القرآن.
الأعراف 7:178
﴿من يهد الله﴾ لدينه، ﴿فهو المهتدي ومن يضلل﴾ عن دينه، ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾، يعنيهم.
الأعراف 7:179
ثم قال: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها﴾، لقول الله: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى
سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾ (البقرة: 7)، فلم تفقه قلوبهم، ولم تبصر أعينهم، ولم تسمع آذانهم الإيمان، ثم ضرب مثلا، فقال: ﴿أولئك كالأنعام﴾ يأكلون ويشربون ولا يلتفتون إلى الآخرة، كما تأكل الأنعام، ليس للأنعام همة غير الأكل والشرب والسفاد، فهي لا تسمع، ولا تعقل، كذلك الكفار، ثم قال: ﴿بل هم﴾، يعني كفار مكة ﴿أضل﴾، يعني أضل سبيلا، يعني الطريق من الأنعام، ثم قال: ﴿أولئك هم الغافلون﴾، لأن الأنعام تعرف ربها وتذكره، وهم لا يعرفون ربهم ولا يوحدونه.
الأعراف 7:180
﴿ولله الأسماء الحسنى﴾، وذلك أن رجلا دعا الله في الصلاة، ودعا الرحمن، فقال رجل من مشركي مكة، وهو أبو جهل: أليس يزعم محمد وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو ربين اثنين، فأنزل الله: ﴿ولله الأسماء الحسنى﴾، يعني الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، ونحوها، يقول: ﴿فادعوه بها﴾، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم الرجل، فقال: "ادع الله، وادع الرحمن، ورغما لأنف المشركين، فإنك ما دعوت من هذه الأسماء، فله الأسماء الحسنى"، قال: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه﴾، يعني يميلون في أسمائه عن الحق، فيسمون الآلهة: اللات، والعزى، وهبل، ونحوها، وأساف، ونائلة، فمنعهم الله أن يسموا شيئا من آلهتهم باسم الله، ثم قال: ﴿سيجزون﴾ العذاب في الآخرة ﴿ما كانوا يعملون﴾.
الأعراف 7:181
﴿وممن خلقنا أمة يهدون بالحق﴾، يعني عصبة يدعون إلى الحق، ﴿وبه يعدلون﴾، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذه لكم، وقد أعطى الله موسى، عليه السلام، مثلها.
الأعراف 7:182
﴿والذين كذبوا بآياتنا﴾، يعني بالقرآن، ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾، يعني سنأخذهم بالعذاب من حيث يجهلون، نزلت في المستهزئين من قريش.
الأعراف 7:183
﴿وأملى لهم﴾، يعني لا أعجل عليهم بالعذاب، ﴿إن كيدي متين﴾، يعني إن أخذى شديد، قتلهم الله في ليلة واحدة.
الأعراف 7:184
﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، يعني من جنون، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد الصفا ليلا، فدعا قريشا إلى عبادة الله عز وجل، قال: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ ﴿إن هو إلا نذير مبين﴾.
الأعراف 7:185
قال: ﴿أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة﴾ ﴿إن هو إلا نذير مبين﴾، يعني ما محمد إلا رسول بين. ثم وعظهم ليعتبروا في صنيعه فيوحدوه، فقال: ﴿أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض و﴾ إلى ﴿وما خلق الله من شيء﴾ من الآيات التي فيها، فيعتبروا أن الذي خلق ما ترون لرب واحد لا شريك له، ﴿وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم﴾، يعني يكون قد دنا هلاكهم ببدر، ﴿فبأي حديث بعده﴾، أي بعد هذا القرآن ﴿يؤمنون﴾، يعني يصدقون.
الأعراف 7:186
﴿من يضلل الله﴾ عن الهدى، ﴿فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون﴾، يعني في ضلالتهم يترددون.
الأعراف 7:187
﴿يسألونك عن الساعة﴾، وذلك أن كفار قريش سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة، ﴿أيان مرساها﴾، يعني متى حينها، ﴿قل﴾ لهم: ﴿إنما علمها عند ربي﴾، وما لي بها من علم، ﴿لا يجليها لوقتها﴾، يعني لا يكشفها، ﴿إلا هو﴾ إذا جاءت، ثم أخبر عن شأنها، فقال: ﴿ثقلت في السماوات والأرض﴾، يقول: ثقل على من فيهما علمها، ﴿لا تأتيكم إلا بغتة﴾، يعني فجأة، ثم قال: ﴿يسألونك﴾ عنها في التقديم، ﴿كأنك حفي عنها﴾، يقول: كأنك قد استحفيت عناه السؤال حتى علمتها، ﴿قل﴾: وما لي بها من علم، ﴿إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾، يعني أكثر أهل مكة لا يعلمون أنها كائنة.
الأعراف 7:188
﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا﴾، يقول: "لا أقدر على أن أسوق إليها خيرا، ولا أدفع عنها ضرا، يعني سوءا، حين ينزل بي، فكيف أملك علم
الساعة؟"، ثم قال: ﴿إلا ما شاء الله﴾، فيصيبني ذلك، ﴿ولو كنت أعلم الغيب﴾، يعني أعلم غيب الضر والنفع إذا جاء، ﴿لاستكثرت من الخير﴾، يعني من النفع، ﴿وما مسني السوء﴾، يعني ما أصابني الضر، ﴿إن أنا إلا نذير﴾ من النار، ﴿وبشير﴾ بالجنة، ﴿لقوم يؤمنون﴾، يعني يصدقون.
الأعراف 7:189
قوله: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة﴾، يعني من نفس آدم، عليه السلام، وحده، ﴿وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾، يعني خلق من ضلع آدم زوجه حواء، يوم الجمعة وهو نائم، فاستيقظ آدم وهي عند رأسه، فقال لها: من أنت؟ فقالت بالسريانية؟ أنا امرأة، فقال آدم: فلم خلقت؟ قالت: لتسكن إلي، وكان وحده في الجنة، قالت الملائكة: يا آدم، ما اسمها؟ قال: حواء، لأنها خلقت من حي، وسمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض كلها، من العذبة، والسبخة من الطينة السوداء، والبيضاء، والحمراء، كذلك نسله طيب وخبيث، وأبيض، وأسود، وأحمر، فذلك قوله: ﴿فلما تغشاها﴾، يعني جامعها آدم، ﴿حملت حملا خفيفا﴾، هان عليها الحمل، ﴿فمرت به﴾ يعني استمرت به بالولد، يقول: تقوم، وتقعد، وتلعب، ولا تكترث.
فأتاها إبليس وغير صورته، واسمه الحارث، فقال: يا حواء، لعل الذي في بطنك بهيمة؟ فقالت: ما أدري، ثم انصرف عنها، ﴿فلما أثقلت﴾، يقول: فلما أثقل الولد في بطنها، رجع إبليس إليها الثانية، فقال: كيف نجدك يا حواء؟ وهي لا تعرفه، قالت: إني إني أخاف أن يكون في جوفي الذي خوفتني به، ما أستطيع القيام إذا قعدت، قال: أفرأيت إن دعوت الله، فجعله إنسانا مثلك ومثل آدم، أتسمينه بي؟ قالت: نعم، ثم انصرف عنها، فقالت لآدم، عليه السلام: لقد أتاني آت، فزعم أن الذي في بطني بهيمة، وإني لأجد له ثقلا، وقد خفت أن يكون مثل ما قال، فلم يكن لآدم وحواء هم غير الذي في بطنها، فجعلا يدعوان الله، ﴿دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا﴾، يقولان: لئن أعطيتنا هذا الولد سويا صالح الخلق، ﴿لنكونن من الشاكرين﴾ في هذه النعمة، فولدت سويا صالحا.
الأعراف 7:190
فجاءها إبليس، وهي لا تعرفه، فقال: لم لا تسميه بي كما وعدتني، قالت: عبد الحرث فكذبها، فسمته عبد الحارث، فرضي به آدم، فمات الولد، فذلك قوله: ﴿فلما آتاهما صالحا﴾، يعني أعطاهما الولد صالح الخلق، ﴿جعلا له شركاء﴾، يعني إبليس شريكا في الاسم، سمته عبد الحارث، فكان الشرك في الطاعة من غير عبادة، ولم يكن شركا في عبادة ربهم، ثم انقطع الكلام، فذكر كفار، فرجع إلى أول الآية، فقال الله: ﴿فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون﴾، يقول: ارتفع عظمة الله عما يشرك مشركو مكة.
الأعراف 7:191
ثم قال: ﴿أيشركون﴾ الآلهة مع الله، يعني: اللات، والعزى، ومناة، والآلهة، ﴿ما لا يخلق شيئا﴾ ذبابا ولا غيره، ﴿وهم يخلقون﴾، يعني الآلهة، يعني يصنعونها بأيديهم وينحتونها، فهي لا تخلق شيئا.
الأعراف 7:192
ثم قال: ﴿ولا يستطيعون لهم نصرا﴾، يقول: لا تقدر الآلهة منع السوء إذا نزل بمن يعبدها من كفار مكة، ﴿ولا أنفسهم ينصرون﴾ يقول: ولا تمنع الآلهة من أراد بها سوءا، فكيف تعبدون من هذه منزلته وتتركون عبادة ربكم؟.
الأعراف 7:193
ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وإن تدعوهم﴾، يعني كفار مكة، ﴿إلى الهدى لا يتبعوكم﴾، يعني النبي صلى الله عليه وسلم وحده، ﴿سواء عليكم أدعوتموهم﴾ إلى الهدى، ﴿أم أنتم صامتون﴾، يعني ساكتون، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، لأنهم لا يتبعوكم.
الأعراف 7:194
ثم أخبر عن الآلهة، فقال: قل لكفار مكة: ﴿إن الذين تدعون﴾، يعني تعبدون
﴿من دون الله﴾ من الآلهة، إنهم ﴿عباد أمثالكم﴾ وليسوا بآلهة، ﴿فادعوهم﴾، يعني فاسألوهم، ﴿فليستجيبوا لكم﴾ بأنهم آلهة، ﴿إن كنتم صادقين﴾ بأنها آلهة.
الأعراف 7:195
ثم أخبر عن الآلهة، فقال ﴿ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها﴾، ثم قال لكفار مكة: ﴿قل ادعوا شركاءكم﴾، يعني الآلهة، ﴿ثم كيدون﴾ أنتم الآلهة جميعا بشر، ﴿فلا تنظرون﴾.
الأعراف 7:196
﴿إن وليي الله الذي نزل الكتاب﴾، يعني القرآن، ﴿وهو يتولى الصالحين﴾.
الأعراف 7:197
ثم قال لكفار مكة: ﴿والذين تدعون﴾، يعني يعبدون، ﴿من دونه﴾ من الآلهة، ﴿لا يستطيعون نصركم﴾، يقدر الآلهة منع السوء إذا نزل بكم، ﴿ولا أنفسهم ينصرون﴾، يقول: ولا تمنع الآلهة من أرادها بسوء.
الأعراف 7:198
ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وإن تدعوهم إلى الهدى﴾، يعني كفار مكة: ﴿لا يسمعوا﴾ الهدى ﴿وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون﴾ الهدى.
الأعراف 7:199
قوله: ﴿خذ العفو﴾، يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: خذ ما أعطوك من الصدقة، ﴿وأمر بالعرف﴾، يعني بالمعروف، ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾، يعني أبا جهل حين جهل على النبي صلى الله عليه وسلم، فنسخت العفو الآية التي في براءة، آية الصدقات، ونسخ الإعراض آية السيف.
الأعراف 7:200
قوله: ﴿وإما ينزغنك من الشيطان نزغ﴾، يعني وإما يفتننك من الشيطان فتنة في أمر أبى جهل، ﴿فاستعذ بالله إنه سميع﴾ بالاستعاذة ﴿عليم﴾ بها، نظيرها في حم السجدة.
الأعراف 7:201
ثم وعظ النبي صلى الله عليه وسلم في أمر أبى جهل، فأخبر عن مصير المؤمنين والكفار، فقال: ﴿إن الذين اتقوا﴾ الشرك، ﴿إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون﴾، يقول: إن المتقين إذا أصابهم نزغ من الشيطان، تذكروا وعرفوا أنها معصية، ففزعوا منها من مخافة الله.
الأعراف 7:202
ثم ذكر الكافر، فقال: ﴿وإخوانهم﴾، يعني وأصحابهم، يعني إخوان كفار مكة هم الشياطين في التقديم، ﴿يمدونهم﴾، يعني يلجونهم، ﴿في الغي﴾، يعني الشرك والضلالة والمعاصي، ﴿ثم لا يقصرون﴾ عنها ولا يبصرونها كما قصر المتقون عنها حين أبصروها.
الأعراف 7:203
﴿وإذا لم تأتهم بآية﴾، يعني بحديث من القرآن، وذلك حين أبطأ التنزيل بمكة، ﴿قالوا﴾، قال كفار مكة: ﴿لولا اجتبيتها﴾، يعني هلا ابتدعتها من تلقاء نفسك يا محمد، لقولهم: ائت بقرآن غير هذا أو بدله من تلقاء نفسك، ﴿قل﴾ لكفار مكة: ﴿إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي﴾ إذا أمرت بأمر اتبعته، ﴿هذا بصائر من ربكم﴾، يعني برهان، يعني هذا القرآن بيان من ربكم، ﴿و﴾ القرآن ﴿وهدى﴾ من الضلالة ﴿ورحمة﴾ من العذاب ﴿لقوم يؤمنون﴾، يعني يصدقون بأن القرآن من الله.
الأعراف 7:205
﴿واذكر ربك﴾، يعني بالذكر القراءة في الصلاة، ﴿في نفسك تضرعا﴾ مستكينا، ﴿وخيفة﴾، يعني وخوفا من عذابه، ﴿ودون الجهر من القول﴾، يعني دون العلانية، ﴿بالغدو والآصال﴾، يعني بالغداة والعشى، ﴿ولا تكن من الغافلين﴾ عن القراءة في الصلاة.
الأعراف 7:206
﴿إن الذين عند ربك﴾ من الملائكة، وذلك حين قال كفار مكة: ﴿وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا﴾ (الفرقان: 60)، واستكبروا عن السجود، فأخبر الله أن الملائكة ﴿لا يستكبرون﴾، يعني لا يتكبرون ﴿عن عبادته﴾ كفعل كفار مكة، وأخبر عن الملائكة، فقال: ﴿ويسبحونه﴾، يعني يذكرون ربهم، ﴿وله يسجدون﴾، يقول: يصلون.
الأنفال 8:1
سورة الأنفال مدنية كلها غير آية واحدة ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا...﴾ [آية30] الآية وهي خمس وسبعون آية كوفية
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يسألونك عن الأنفال﴾، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: "إن الله وعدني النصر أو الغنيمة، فمن قتل قتيلا، أو أسر أسيرا، فله من عسكرهم كذا وكذا، إن شاء الله، ومن جاء برأس، فله غرة" فلما تواقعوا انهزم المشركون وأتباعهم سرعان الناس، فجاءوا بسبعين أسيرا، وقتلوا سبعين رجلا، فقال أبو اليسر الأنصاري: أعطنا ما وعدتنا من الغنيمة، وكان قتل رجلين، وأسر رجلين: العباس بن عبد المطلب، وأبا عزة ابن عمير بن هشام بن عبد الدار، وكان معه لواء المشركين يوم بدر، قال سعد بن عبادة الأنصاري/ من بنى ساعدة، للنبي صلى الله عليه وسلم: ما منعنا أن نطلب المشركين كما طلب هؤلاء زهادة في الآخرة، ولا جبنا عن العدو، ولكن خفنا أن نعرى صفك، فتعطف عليك خيل المشركين، أو رجالنهم، فتصاب بمصيبة، فإن تعط هؤلاء ما ذكرت لهم، لم يبق لسائر أصحابك كبير شيء، فأنزل الله عز وجل: ﴿يسئلونك عن الأنفال﴾، يعني النافلة التي وعدتهم، يعني أبا اليسر، اسمه كعب بن عمرو الأنصاري، من بنى سلمة بن جشم ابن مالك، ومالك بن دخشم الأنصاري من بنى عوف بن الخزرج.
فأنزل الله عز وجل: ﴿قل﴾ لهم يا محمد: ﴿الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ يقول: ليرد بعضكم على بعض الغنيمة، ﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ في أمر الصلح، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ [آية :1]، يعنى مصدقين بالتوحيد، فأصلحوا.
الأنفال 8:2
ثم نعتهم، فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته﴾ في أمر الصلح، ﴿زادتهم إيمانا﴾ يعني تصديقا مع إيمانهم مع تصديقهم بما أنزل الله عليهم قبل ذلك من القرآن، ﴿وعلى ربهم يتوكلون﴾ [آية :2]، يعنى وبه يثقون.
الأنفال 8:3
ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين يقيمون الصلاة﴾، يعنى يتمون الصلاة، ركوعها، وسجودها في مواقيتها، ﴿ومما رزقناهم﴾ من الأموال ﴿ينفقون﴾ [آية :3] في طاعة ربهم.
الأنفال 8:4
﴿أولئك هم المؤمنون حقا﴾، لا شك في إيمانهم كشك المنافقين، ﴿لهم﴾ بذلك ﴿درجات﴾ يعنى فضائل ﴿عند ربهم﴾ في الآخرة في الجنة، ﴿ومغفرة﴾ لذنوبهم، ﴿ورزق كريم﴾ [آية :4]، يعني حسن في الجنة، فلما نزلت هؤلاء الآيات، قالوا: سمعنا وأطعنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم تقسم الغنيمة حتى رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقسم بينهم بالسوية، ورفع الخمس منه.
الأنفال 8:5
قوله: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾، وذلك أن عير كفار قريش جاءت من الشام تريد مكة فيها أبو سفيان بن حرب، وعمرو بن العاص، وعمرو بن هشام، ومخرمة بن نوفل الزهري، في العير، فبلغهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدهم، فبعثوا عمرو بن ضمضم الغفاري إلى مكة مستغيثا، فخرجت قريش، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عدى بن أبي الزغفاء عينا على العير ؛ ليعلم أمرهم، ونزل جبريل، عليه السلام، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعير أهل مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: "إن الله يعدكم إحدى الطائفتين، إما العير، وإما النصر والغنيمة، فما ترون؟" فأشاروا عليه، بل نسير إلى العير، وكرهوا القتال، وقالوا: إنا لم نأخذ أهبة القتال، وإنما نفرنا إلى العير، ثم أعاد النبي صلى الله عليه وسلم المشورة، فأشاروا عليه بالعير.
فقال سعد بن عبادة الأنصاري يا رسول الله، انظر أمرك فامض له، فوالله لو سرت بنا إلى عدن ما تخلف عنك رجل من الأنصار، ففرح النبي صلى الله عليه وسلم، حتى عرف السرور في وجهه، فقال المقداد بن الأسود الكندي إنا معك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم وقال لهم معروفا، فأنزل الله عز وجل: ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق﴾ ﴿وإن فريقا من المؤمنين لكارهون﴾ [آية :5] للقتال، فلذلك ﴿فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم﴾ في أمر الغنيمة، فيها تقديم.
الأنفال 8:6
ثم قال: ﴿يجادلونك في الحق بعدما تبين﴾ لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك الله، ﴿كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون﴾
الأنفال 8:7
﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ العير أو هزيمة المشركين وعسكرهم، ﴿أنها
لكم وتودون أن غير ذات الشوكة﴾ يعنى العير، ﴿تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته﴾ يقول: يحقق الإسلام بما أنزل إليك، ﴿ويقطع دابر الكافرين﴾ [آية :7] يعني أصل الكافرين ببدر.
الأنفال 8:8
﴿ليحق الحق﴾ يعنى الإسلام، ﴿ويبطل الباطل﴾، يعنى الشرك، يعني عبادة الشيطان، ﴿ولو كره المجرمون﴾ [آية :8] يعنى كفار مكة.
الأنفال 8:9
قوله: ﴿إذ تستغيثون ربكم﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى المشركين يوم بدر، وعلم أنه لا قوة له بهم إلا بالله، دعا ربه، فقال: "اللهم إنك أمرتني بالقتال، ووعدتني بالنصر، وإنك لا تخلف الميعاد" فاستجاب له ربه، فأنزل الله: ﴿إذ تستغيثون﴾ في النصر، ﴿فاستجاب لكم أنى ممدكم بألف من الملائكة﴾ يوم بدر، ﴿مردفين﴾ [آية :9] يعنى متتابعين، كقوله في المؤمنين: ﴿رسلنا تترا﴾ [المؤمنون :44] وقوله: ﴿طيرا أبابيل﴾ [الفيل :3] وقوله: ﴿يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ [هود :52] يعنى متتابع قطرها.
فنزل جبريل، عليه السلام، في ألف من الملائكة، فقام جبريل، عليه السلام في خمسمائة ملك عن ميمنة الناس، معهم أبو بكر، ونزل ميكائيل، عليه السلام، في خمسمائة على ميسرة الناس، معهم عمر في صور الرجال، عليهم البياض، وعمائم البيض، قد أرخوا أطرافها بين أكتافهم، فقاتلت الملائكة يوم بدر، ولم يقاتلوا يوم الأحزاب، ولا يوم خيبر.
الأنفال 8:10
ثم قال: ﴿وما جعله الله﴾، يعنى مدد الملائكة، ﴿إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم﴾، يعنى لتسكن إليه قلوبكم، ﴿وما النصر﴾، وليس النصر، ﴿إلا من عند الله﴾، وليس النصر بقلة العدد ولا بكثرته، ولكن النصر من عند الله ﴿إن الله عزيز حكيم﴾ [آية :10] ﴿عزيز﴾ يعني منيع، ﴿حكيم﴾ في أمره، حكم النصر.
الأنفال 8:11
وقوله: ﴿إذ يغشيكم النعاس﴾، وذلك أن كفار مكة سبقوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ماء بدر، فخلفوا الماء وراء ظهورهم، ونزل المسلمون حيالهم على غير ماء، وبينهم وبين عدوهم بطن واد فيه رمل، فمكث المسلمون يوما وليلة يصلون محدثين مجنبين، فأتاهم إبليس، لعنة الله، فقال لهم: أليس قد زعمتم أنكم أولياء الله على دينه، وقد غلبتم على الماء تصلون على غير طهور، وما يمنع القوم من قتالكم إلا ما أنتم فيه من العطش والبلاء، حتى إذا انقطعت رقابكم من العطش، قاموا إليكم فلا يبصر بعضكم بعضا، فيقرنونكم بالحبال، فيقتلون منكم من شاءوا، ثم ينطلقون بكم إلى مكة. فحزن المسلمون وخافوا، وامتنع منهم النوم، فعلم الله ما في قلوب المؤمنين من الحزن، فألقى الله عليهم النعاس أمنة من الله ليذهب همهم، وأرسل السماء عليهم ليلا، فأمطرت مطرا جوادا حتى سالت الأودية، وملؤوا الأسقية، وسقوا الإبل، واتخذوا الحياض، واشتدت الرملة، وكانت تأخذ إلى كعبي الرجال، وكانت باعة المؤمنين رجال لم يكن معهم إلا فارسان: المقداد بن الأسود، وأبو مرثد الغنوى، وكان معهم ستة أدرع، فأنزل الله ﴿إذ يغشيكم النعاس﴾ ﴿أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ من الأحداث، والجنابة، ﴿ويذهب عنكم رجز الشيطان﴾، يعني الوسوسة التي ألقاها في قلوبكم والحزن، ﴿وليربط على قلوبكم﴾ بالإيمان من تخويف الشيطان، ﴿ويثبت به﴾ يعنى بالمطر، ﴿الأقدام﴾ [آية: 11].
الأنفال 8:12
﴿إذ يوحي ربك﴾ ولما وصف القوم، أوحى الله عز وجل، ﴿إلى الملائكة أني معكم فثبتوا﴾، فبشروا ﴿الذين آمنوا﴾ بالنصر، فكان الملك في صورة بشر في الصف الأول، فيقول: أبشروا، فإنكم كثير، وعددهم قليل، فالله ناصركم، فيرى الناس أنه منهم، ثم قال: ﴿سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب﴾ بتوحيد الله عز وجل يوم بدر، ثم علمهم كيف يصنعون، فقال: ﴿فاضربوا فوق الأعناق﴾، يعنى الرقاب، تقول العرب: لأضربن فوق رأسك، يعنى الرقاب، ﴿واضربوا﴾ بالسيف ﴿منهم كل بنان﴾ [آية :12] يعنى الأطراف.
الأنفال 8:13
﴿ذلك﴾ الذي نزل بهم ﴿بأنهم شاقوا الله ورسوله﴾ يعنى عادوا الله ورسوله، ﴿ومن يشاقق الله﴾، يعنى ومن يعاد الله ﴿ورسوله فإن الله شديد العقاب﴾ [آية :13] إذا عاقب.
الأنفال 8:14
﴿ذلكم﴾ القتل، ﴿فذوقوه﴾ يوم بدر في الدنيا، ثم قال: ﴿وأن للكافرين﴾ بتوحيد الله عز وجل مع القتل، وضرب الملائكة الوجوه، والأدبار أيضا، لهم في الآخرة ﴿عذاب النار﴾ [آية: 14].
الأنفال 8:15
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا﴾ بتوحيد الله عز وجل يوم بدر، ﴿زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [آية: 15]
الأنفال 8:16
﴿ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال﴾، يعنى مستطردا يريد الكرة للقتال، ﴿أو متحيزا إلى فئة﴾، يقول: أو ينحاز إلى صف النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿فقد باء بغضب من الله﴾ يقول: فقد استوجب من الله الغضب، ﴿ومأواه جهنم﴾ يعنى ومصيره جهنم، ﴿وبئس المصير﴾ [آية: 16].
الأنفال 8:17
﴿فلم تقتلوهم﴾، يعنى ما قتلتوهم، وذلك أن الرجل من المؤمنين كان يقول: فعلت وقتلت، فنزلت: ﴿فلم تقتلوهم﴾ ﴿ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى﴾ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صاف المشركين، دعا بثلاث قبضات من حصى الوادي ورمله، فناوله علي بن أبي طالب، فرمى بها في وجوه العدو، وقال: "اللهم أرعب قلوبهم، وزلزل أقدامهم" فملأ الله وجوههم وأبصارهم من الرمية، فانهزموا عند الرمية الثالثة، وتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، فذلك قوله: ﴿وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا﴾، يعنى القتل والأسر، ﴿إن الله سميع﴾ لدعاء النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿عليم﴾ [آية :17] به.
الأنفال 8:18
﴿ذلكم﴾ النصر، ﴿وأن الله موهن﴾، يعنى مضعف، ﴿كيد الكافرين﴾ [آية :18].
الأنفال 8:19
﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾، وذلك أن عاتكة بنت عبد المطلب رأت في المنام، كأن فارسا دخل المسجد الحرام، فنادى: يا آل فهر من قريش، انفروا في ليلة أو ليلتين، ثم صعد فوق الكعبة، فنادى مثلها، ثم صعد أبا قبيس، فنادى مثلها، ثم نقض صخرة من الجبل فرفعها المنادى، فضرب بها الجبل فانفلقت، فلم يبق بيت بمكة إلا دخلت قطعة منه فيه، فلما أصبحت أخبرت أخاها العباس وجلا، وعنده أبو جهل ابن هشام، فقال أبو جهل: يا آل قريش، ألا تعذرونا من بنى عبد المطلب، إنهم لا يرضون أن تنبأ رجالهم حتى تنبأت نساؤهم، ثم قال أبو جهل للعباس: تنبأت رجالكم وتنبأت نساؤكم، والله لتنتهن، وأوعدهم، فقال العباس: إن شئتم ناجزناكم الساعة.
فلما قدم ضمضم بن عمرو الغفاري، قال: أدركوا العير أو لا تدركوا، فعمد أبو جهل وأصحابه، فأخذوا بأستار الكعبة، ثم قال أبو جهل: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم القبيلتين، ثم خرجوا على كل صعب وذلول ليعينوا أبا سفيان، فترك أبو سفيان الطريق وأغز على ساحل البحر، فقدم مكة وسبق أبو جهل النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المشركين إلى ماء بدر، فلما التقوا، قال أبو جهل: اللهم اقض بيننا وبين محمد، اللهم أينا كان أحب إليك وأرضى عندك فانصره، ففعل الله عز وجل ذلك، وهزم المشركين وقتلهم ونصر المؤمنين.
فأنزل الله في قول أبي جهل: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾، يقول: إن تستنصروا فقد جاءكم النصر، فقد نصرت من قلتم، ﴿وإن تنتهوا فهو خير لكم﴾ من القتال، ﴿وإن تعودوا﴾ لقتالهم، ﴿نعد﴾ عليكم بالقتل والهزيمة بما فعلنا ببدر، ﴿ولن تغني عنكم فئتكم شيئا﴾ يعنى جماعتكم شيئا ﴿ولو كثرت﴾ فئتكم، ﴿وأن الله مع المؤمنين﴾ [آية: 19] في النصر لهم.
الأنفال 8:20
قوله: ﴿يا أيها الذين ءامنوا﴾، يعني صدقوا بتوحيد الله عز وجل، ﴿أطيعوا الله ورسوله﴾ في أمر الغنيمة، ﴿ولا تولوا عنه﴾، يعنى ولا تعرضوا عنه، يعنى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿وأنتم تسمعون﴾ [آية :20] المواعظ.
الأنفال 8:21
ثم وعظ المؤمنين، فقال: ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا﴾ الإيمان ﴿وهم لا يسمعون﴾ [آية: 21] يعنى المنافقين.
الأنفال 8:22
ثم قال: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم﴾ عن الإيمان، ﴿البكم﴾، يعنى الخرس لا يتكلمون بالإيمان ولا يعقلون، ﴿الذين لا يعقلون﴾ [آية :22]، يعنى ابن عبد الدار بن قصي، وأبو الحارث بن علقمة، وطلحة بن عثمان، وعثمان، وشافع، وأبو الجلاس، وأبو سعد، والحارث، والقاسط بن شريح، وأرطاة بن شرحبيل.
الأنفال 8:23
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم﴾، يعني لأعطاهم الإيمان، ﴿ولو أسمعهم﴾ يقول: ولو أعطاهم الإيمان، ﴿لتولوا﴾ يقول: لأعرضوا عنه، ﴿وهم معرضون﴾ [آية :23] لما سبق لهم في علم الله من الشقاء، وفيهم نزلت: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية...﴾ إلى آخر الآية [الأنفال: 35].
الأنفال 8:24
﴿يا أيها الذين ءامنوا استجيبوا لله وللرسول﴾ في الطاعة في أمر القتال، ﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ يعنى الحرب التي وعدكم الله، يقول: أحياكم بعد الذل، وقواكم
بعد الضعف، فكان ذلك لكم حياء، ﴿واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه﴾، يقول: يحول بين قلب المؤمن وبين الكفر، وبين قلب الكافر وبين الإيمان، ﴿وأنه إليه تحشرون﴾ [آية :24] في الآخرة، فيجزيكم بأعمالكم.
الأنفال 8:25
﴿واتقوا فتنة﴾ تكون من بعدكم، يحذركم الله، تكون مع علي بن أبي طالب، ﴿لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾، فقد أصابتهم يوم الجمل، منهم: طلحة، والزبير، ثم حذرهم، فقال: ﴿واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ [آية :25] إذا عاقب.
الأنفال 8:26
ثم ذكرهم النعم، فقال: ﴿واذكروا إذ أنتم قليل﴾، يعنى المهاجرين خاصة، ﴿مستضعفون في الأرض﴾ يعنى أهل مكة، ﴿تخافون أن يتخطفكم الناس﴾ يعنى كفار مكة، نزلت هذه الآية بعد قتال بدر، يقول: ﴿فئاواكم﴾ إلى المدينة والأنصار، ﴿وأيدكم بنصره﴾، يعنى وقواكم بنصره يوم بدر، ﴿ورزقكم من الطيبات﴾، يعنى الحلال من الرزق وغنيمة بدر، ﴿لعلكم﴾ يعنى لكي، ﴿تشكرون﴾ [آية :26] تشكرون ربكم في هذه النعم التي ذكرها في هذه الآية.
الأنفال 8:27
﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول﴾، يعنى أبا لبابة، وفيه نزلت هذه الآية، نظيرها في المتحرم ﴿وتخونوا﴾ [التحريم :10] يعنى فخالفتاهما في الدين، ولم يكن في الفرج، واسمه مروان بن عبد المنذر الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح على مثل صلح أهل النصير، على أن يسيروا إلى إخواتهم إلى أذرعات وأريحا في أرض الشام، وأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا إلا على الحكم، فأبوا، وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان مناصحهم، وهو حليف لهم، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما أتاهم، قالوا: يا أبا لبابة، أتنزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأشار أبا لبابة بيده إلى حلقه إنه الذبح، فلا تنزلوا على الحكم، فأطاعوه، وكان أبو لبابة وولده مهم، فغش المسلمين وخان، فنزلت في أبي لبابة: ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تخونوا الله والرسول﴾ ﴿وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون﴾ [آية :27] أنها الخيانة.
الأنفال 8:28
ثم حذرهم، فقال: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ يعنى بلاء ؛ لأنه ما نصحهم إلا من أجل ماله وولده لأنه كان في أيديهم، ﴿وأن الله عنده أجر﴾، يعنى جزاء ﴿عظيم﴾ [آية :28] يعنى الجنة.
الأنفال 8:29
﴿يا أيها الذين ءامنوا إن تتقوا الله﴾، فلا تعصوه، ﴿يجعل لكم فرقانا﴾، يعنى مخرجا من الشبهات، ﴿ويكفر عنكم سيئاتكم﴾، يعنى ويمحو عنكم خطاياكم، ﴿ويغفر لكم﴾ يقول: ويتجاوز عنكم، ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ [آية: 29].
الأنفال 8:30
﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾، وذلك أن نفرا من قريش، منهم: أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وهشام بن عمرو، وأبو البحتري بن هشام، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعيينة بن حصن الفزارى، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وأبي بن خلف، اجتمعوا في دار الندوة بمكة يوم، وهو يوم السبت ليمكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم إبليس في صورة رجل شيخ كبير، فجلس معهم، فقالوا: ما أدخلك في جماعتنا بغير إذننا، قال: إنما أنا رجل من أهل نجد، ولست من أهل تهامة، قدمت مكة فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيبة ريحكم، نقية ثيابكم، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأستر عليكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت من عندكم، فقالوا: هذا رجل من أهل نجد، وليس من أهل تهامة، فلا بأس عليكم منه، فتعملوا بالمكر بمحمد.
فقال أبو البحتري بن هشام، من بني أسد بن عبد العزى: أما أنا فرأيي أن تأخذوا محمدا، فتجعلوه في بيت، وتسدوا بابه، وتدعوا له كوة، يدخل منها طعامه وشرابه حتى يموت، قال إبليس: بئس والله الرأي رأيتم تعمدون إلى رجل له فيكم صغو قد سمع به من حولكم، فتحبسونه فتطعمونه وتسقونه فيوشك الصغو الذي له فيكم أن يقاتلكم عليه، فيفسد جماعتكم ويسفك دماءكم، فقالوا: صدق والله الشيخ.
فقال هشام بن عمرو، من بني عامر بن لؤي: أما أنا، فرأيي أن تحملوا محمدا على بعير، فيخرج من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم، قال إبليس: بئس والله الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل قد شتت وأفسد جماعتكم، واتبعه منكم طائفة، فتخرجوه إلى غيركم، فيفسدهم كما أفسدكم، فيوشك والله أن يقبل بهم عليكم ويتولى الصغو الذي له فيكم، قالوا: صدق والله الشيخ.
فقال أبو جهل بن هشام المخزومي: أما أنا، فرأيي أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش، فتأخذوا من كل بطن رجلا، ثم تعطوا كل رجل منهم سيفا، فيضربونه جميعا بأسيافهم، فلا يدرى قومه من يأخذون به، وتؤدى قريش ديته، قال إبليس: صدق والله الشاب، إن الأمر لكما قال، فتفرقوا على قول أبي جهل.
فنزل جبريل عليه السلام، فأخبره بما ائتمر به القوم، وأمره بالخروج، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من ليلته إلى الغار، وأنزل الله عز وجل: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا﴾ من قريش ﴿ليثبتوك﴾ يعنى ليحبسوك في بيت، يعنى أبا البحتري بن هشام، ﴿أو يقتلوك﴾ يعنى أبا جهل، ﴿أو يخرجوك﴾ من مكة، يعني به هشام بن عمرو، ﴿ويمكرون﴾ بالنبي صلى الله عليه وسلم الشر ﴿ويمكر الله﴾ بهم حين أخرجهم من مكة فقتلهم ببدر، فذلك قوله: ﴿والله خير الماكرين﴾ [آية :30] أفضل مكرا منهم، أنزل الله: ﴿أم أبرموا أمرا﴾ يقول: أم أجمعوا على أمر، ﴿فإنا مبرمون﴾ يقول: لنخرجنهم إلى بدر فنقلتهم، أو نعجل أرواحهم إلى النار ﴿الزخرف :79].
الأنفال 8:31
قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم ءاياتنا﴾، يعنى القرآن، ﴿قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ القرآن، قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة، من بني عبد الدار بن قصي، ثم قال: ﴿إن هذا﴾ الذي يقول محمد من القرآن ﴿إلا أساطير الأولين﴾ [آية: 31] يعني أحاديث الأولين، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يحدث عن الأمم الخالية، وأنا أحدثكم عن رستم وأسفندباز، كما يحدث محمد، فقال عثمان بن مظعون الجمحي: اتق الله يا نضر، فإن محمدا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدا يقول: لا إله إلا الله، قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن الملائكة بنات الرحمن.
فأنزل الله عز وجل في حم الزخرف، فقال: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: 81] أول الموحدين من أهل مكة، فقال عند ذلك: ألا ترون قد صدقني: ﴿إن كان للرحمن ولد﴾، قال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صدقك، ولكنه قال: ما كان للرحمن ولد، ففطن لها النضر، فقال: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا﴾ ما يقول محمد ﴿هو الحق من عندك﴾ يعنى القرآن، ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ [آية :32] يعنى وجيع.
فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ يعنى أن يعذبهم ﴿وأنت فيهم﴾ بين أظهرهم حتى يخرجك عنهم كما أخرجت الأنبياء عن قومهم، ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [آية :33]، يعنى يصلون لله، كقوله: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات :18] يعنى يصلون، وذلك أن نفرا من بنى عبد الدار، قالوا: إنا نصلى عند البيت، فلم يكن الله ليعذبنا ونحن نصلى له.
الأنفال 8:32
قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم ءاياتنا﴾، يعنى القرآن، ﴿قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ القرآن، قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة، من بني عبد الدار بن قصي، ثم قال: ﴿إن هذا﴾ الذي يقول محمد من القرآن ﴿إلا أساطير الأولين﴾ [آية: 31] يعني أحاديث الأولين، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يحدث عن الأمم الخالية، وأنا أحدثكم عن رستم وأسفندباز، كما يحدث محمد، فقال عثمان بن مظعون الجمحي: اتق الله يا نضر، فإن محمدا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدا يقول: لا إله إلا الله، قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن الملائكة بنات الرحمن.
فأنزل الله عز وجل في حم الزخرف، فقال: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: 81] أول الموحدين من أهل مكة، فقال عند ذلك: ألا ترون قد صدقني: ﴿إن كان للرحمن ولد﴾، قال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صدقك، ولكنه قال: ما كان للرحمن ولد، ففطن لها النضر، فقال: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا﴾ ما يقول محمد ﴿هو الحق من عندك﴾ يعنى القرآن، ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ [آية :32] يعنى وجيع.
فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ يعنى أن يعذبهم ﴿وأنت فيهم﴾ بين أظهرهم حتى يخرجك عنهم كما أخرجت الأنبياء عن قومهم، ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [آية :33]، يعنى يصلون لله، كقوله: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات :18] يعنى يصلون، وذلك أن نفرا من بنى عبد الدار، قالوا: إنا نصلى عند البيت، فلم يكن الله ليعذبنا ونحن نصلى له.
الأنفال 8:33
قوله: ﴿وإذا تتلى عليهم ءاياتنا﴾، يعنى القرآن، ﴿قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾ القرآن، قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة، من بني عبد الدار بن قصي، ثم قال: ﴿إن هذا﴾ الذي يقول محمد من القرآن ﴿إلا أساطير الأولين﴾ [آية: 31] يعني أحاديث الأولين، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يحدث عن الأمم الخالية، وأنا أحدثكم عن رستم وأسفندباز، كما يحدث محمد، فقال عثمان بن مظعون الجمحي: اتق الله يا نضر، فإن محمدا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدا يقول: لا إله إلا الله، قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن الملائكة بنات الرحمن.
فأنزل الله عز وجل في حم الزخرف، فقال: ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين﴾ [الزخرف: 81] أول الموحدين من أهل مكة، فقال عند ذلك: ألا ترون قد صدقني: ﴿إن كان للرحمن ولد﴾، قال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صدقك، ولكنه قال: ما كان للرحمن ولد، ففطن لها النضر، فقال: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا﴾ ما يقول محمد ﴿هو الحق من عندك﴾ يعنى القرآن، ﴿فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ [آية :32] يعنى وجيع.
فأنزل الله: ﴿وما كان الله ليعذبهم﴾ يعنى أن يعذبهم ﴿وأنت فيهم﴾ بين أظهرهم حتى يخرجك عنهم كما أخرجت الأنبياء عن قومهم، ﴿وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون﴾ [آية :33]، يعنى يصلون لله، كقوله: ﴿وبالأسحار هم يستغفرون﴾ [الذاريات :18] يعنى يصلون، وذلك أن نفرا من بنى عبد الدار، قالوا: إنا نصلى عند البيت، فلم يكن الله ليعذبنا ونحن نصلى له.
الأنفال 8:34
ثم قال: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله﴾ إذ لم يكن نبي ولا مؤمن بعد ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من أهل مكة، ﴿وهم يصدون عن المسجد الحرام﴾ المؤمنين، ﴿وما كانوا أولياءه﴾، يعنى أولياء الله، ﴿إن أولياؤه﴾ يعنى ما أولياء الله ﴿إلا المتقون﴾ الشرك، يعنى المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ [آية :34] يقول: أكثر أهل مكة لا يعلمون توحيد الله عز وجل.
وأنزل الله عز وجل في قول النضر أيضا حين قال: ﴿اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم﴾ يعنى وجيع، أنزل: ﴿سأل سائل بعذاب واقع...﴾ [المعارج :1] إلى آيات منها.
الأنفال 8:35
ثم أخبر عن صلاتهم عند البيت، فقال: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت﴾، يعنى عند الكعبة الحرام، ﴿إلا مكاء وتصدية﴾، يعني بالتصدية الصفير والتصفية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام، قام رجلان من بنى عبد الدار بن قصي من المشركين عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فيصفران كما يصفر المكاء، يعنى به طيرا اسمه المكاء، ورجلان عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فيصفقان بأيديهما ليخلطا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وقراءته، فقتلهم الله ببدر هؤلاء الأربعة، ولهم يقول الله ولبقية بنى عبد الدار: ﴿فذوقوا العذاب﴾ يعنى القتل ببدر، ﴿بما كنتم تكفرون﴾ [آية :35] بتوحيد الله عز وجل.
الأنفال 8:36
﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم﴾، وذلك أن رءوس كفار قريش استأجروا رجالا من قبائل العرب أعوانا لهم على قتال النبي صلى الله عليه وسلم، فأطعموا أصحابهم كل يوم عشر جزائر ويوما تسعة، فنزلت: ﴿إن الذين كفروا ينفقون أموالهم﴾ ﴿ليصدوا عن سبيل الله﴾ يعنى عن دين الله، ﴿فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة﴾، يعنى ندامة، ﴿ثم يغلبون﴾ يقول: تكون عليهم أموالهم التي أنفقوها ندامة على إنفاقهم، ثم يهزمون، ثم أخبر بمنزلتهم في الآخرة، فقال: ﴿والذين كفروا﴾ بتوحيد الله، ﴿إلى جهنم﴾ في الآخرة ﴿يحشرون﴾ [آية: 36].
الأنفال 8:37
﴿ليميز الله الخبيث من الطيب﴾، يعنى يميز الكافر من المؤمن، ثم قال: ﴿ويجعل﴾ في الآخرة ﴿الخبيث﴾ أنفسهم ﴿بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون﴾ [آية :37] يعنى المطعمين في غزوة بدر: أبا جهل والحارث ابنا هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأبا البحتري بن هشام، والنضر بن الحارث، والحكم بن حزام، وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث بن عامر بن نوفل، كلهم من قريش.
الأنفال 8:38
﴿قل﴾ يا محمد ﴿للذين كفروا﴾ بالتوحيد، ﴿إن ينتهوا﴾ عن الشرك ويتوبوا، ﴿يغفر لهم ما قد سلف﴾ من شركهم قبل الإسلام ﴿وإن يعودوا﴾ لقتال النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتوبوا، ﴿فقد مضت سنت الأولين﴾ [آية: 38] يعنى القتل ببدر، فحذرهم العقوبة لئلا يعودوا فيصيبهم مثل ما أصابهم ببدر.
الأنفال 8:39
ثم قال للمؤمنين: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾، يعنى شركا ويوحدوا ربهم، ﴿ويكون﴾ يعنى ويقوم ﴿الدين كله لله﴾، ولا يعبد غيره، ﴿فإن انتهوا﴾ عن الشرك فوحدوا ربهم، ﴿فإن الله بما يعملون بصير﴾ [آية: 39].
الأنفال 8:40
﴿وإن تولوا﴾ يقول: وإن أبوا أن يتوبوا من الشرك ﴿فاعلموا﴾ يا معشر المؤمنين ،
﴿أن الله مولاكم﴾ يعنى وليكم، ﴿نعم المولى﴾ حين نصركم، ﴿ونعم النصير﴾ [آية :40] يعنى ونعم النصير لكم كما نصركم ببدر، وكانت وقعة بدر ليلة الجمعة في سبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وكانت وقعة أحد في عشر ليال خلت من شوال يوم السبت بينهما سنة.
الأنفال 8:41
﴿واعلموا﴾ يخبر المؤمنين ﴿أنما غنمتم من شيء﴾ يوم بدر، ﴿فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾، يعنى قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾، يعنى الضعيف نازل عليك، ﴿إن كنتم آمنتم بالله﴾، يعنى صدقتم بتوحيد الله ،وصدقتم ب :﴿وما أنزلنا على عبدنا﴾ من القرآن ﴿يوم الفرقان﴾، يعنى يوم النصر فرق بين الحق والباطل، فنصر النبي صلى الله عليه وسلم وهزم المشركين ببدر ﴿يوم التقى الجمعان﴾، يعنى جمع النبي صلى الله عليه وسلم ببدر، وجمع المشركين، فأقروا الحكم لله في أمر الغنيمة والخمس، وأصلحوا ذات بينكم، ﴿والله على كل شيء قدير﴾ [آية :41]، يعنى قادر فيما حكم من الغنيمة والخمس.
الأنفال 8:42
ثم أخبر المؤمنين عن حالهم التي كانوا عليها، فقال: أرأيتهم معشر المؤمنين: ﴿إذ أنتم بالعدوة الدنيا﴾، يعنى من دون الوادي على شاطئ مما يلي المدينة، ﴿وهم بالعدوة القصوى﴾ من الجانب الآخر مما يلي مكة، يعنى مشركي مكة، فقال: ﴿والركب أسفل منكم﴾، يعنى على ساحل البحر أصحاب العير أربعين راكبا أقبلوا من الشام إلى مكة فيهم: أبو سفيان، وعمرو بن العاص، ومخرمة بن نوفل، وعمرو بن هشام، ﴿ولو تواعدتم﴾ أنتم والمشركون، ﴿لاختلفتم في الميعاد ولكن﴾ الله جمع بينكم وبين عدوكم على غير ميعاد، أنتم ومشركو مكة ﴿ليقضى الله أمرا﴾ في علمه، ﴿كان مفعولا﴾ يقول: أمرا لا بد كائنا ؛ ليعز الإسلام وأهله، ويذل الشرك وأهله، ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيى﴾ بالإيمان ﴿من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم﴾ [آية 42].
الأنفال 8:43
﴿إذ يريكهم الله﴾ يا محمد في التقديم ﴿في منامك قليلا﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن العدو قليل قبل أن يلتقوا، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بما رأى، فقالوا: رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم حق والقوم قليل، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين في أعين الناس، لتصديق رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ﴿ولو أراكهم كثيرا﴾ حين عاينتموهم ﴿لفشلتم﴾، يعنى لجبنتم وتركتم الصف، ﴿ولتنازعتم﴾، يعنى و اختلفتم، ﴿في الأمر ولكن الله سلم﴾، يقول: أتم المسلمون أمرهم على عدوهم، فهزموهم ببدر، ﴿إنه﴾ الله ﴿عليم بذات الصدور﴾ [آية :43]، عليم بما في قلوب المؤمنين من أمر عدوهم.
الأنفال 8:44
﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم﴾ يا معشر المسلمين ﴿في أعينهم﴾، يعنى في أعين المشركين، وذلك حين التقوا ببدر، قلل الله العدو في أعين المؤمنين، وقلل المؤمنين في أعين المشركين ليجترئ بعضهم على بعض في القتال، ﴿ليقضي الله أمرا﴾ في علمه ﴿كان مفعولا﴾، ليقضى الله أمرا لابد كائنا ليعز الإسلام بالنصر ويذل أهل الشرك بالقتل والهزيمة، ﴿وإلى الله ترجع الأمور﴾ [آية :44] يقول: مصير الخلائق إلى الله عز وجل، فلما رأى عدو الله أبو جهل وقتله.
الأنفال 8:45
﴿يا أيها الذين ءامنوا﴾، يعنى صدقوا بتوحيد الله عز وجل ﴿إذا لقيتم فئة﴾، يعنى كفار مكة ببدر، ﴿فاثبتوا﴾ لهم، ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم﴾، يعنى لكي ﴿تفلحون﴾ [آية :45]
الأنفال 8:46
﴿وأطيعوا الله ورسوله﴾ فيما أمركم به في أمر القتال، ﴿ولا تنازعوا﴾، يقول: ولا تختلفوا عند القتال، ﴿فتفشلوا﴾ يعنى فتجبنوا، ﴿وتذهب ريحكم﴾، يعنى الصبا ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور"، ﴿واصبروا﴾ لقتال عدوكم، ﴿إن الله مع الصابرين﴾ [آية :46] يعنى في النصر للمؤمنين على الكافرين بذنوبهم وبعملهم.
الأنفال 8:47
ثم وعظ المؤمنين، فقال: ﴿ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس﴾ ليذكروا بمسيرهم، يعنى ابن أمية، وابن المغيرة المخزومي، وذلك أنهم كانوا رءوس المشركين في غزوهم بدر، فقال أبو جهل حين نجت العير وسارت إلى مكة، فأشاروا عليه بالرجعة، قال: لا نرجع حتى ننزل على بدر فننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، فتسمع العرب بمسيرنا، فذلك قوله: ﴿بطرا ورئاء الناس﴾
ليذكروا بمسيرهم ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ يقول: ويمنعون أهل مكة عن دين الإسلام، ﴿والله بما يعملون محيط﴾ [آية :47] أحاط علمه بأعمالهم.
الأنفال 8:48
﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس﴾، وذلك أنه بلغهم أن العير قد نجت، فأرادوا الرجوع إلى مكة، فأتاهم إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني، من بنى مدلج بن الحارث، فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، فإنكم كثير وعدوكم قليل، فتأمن عيركم، ويسير ضعيفكم، ﴿وإني جار لكم﴾ على بنى كنانة، أنكم لا تمرون بحي منهم إلا أمدكم بالخيل والسلاح والرجال، فأطاعوه ومضوا إلى بدر لما أراد الله من هلاكهم، فلما التقوا نزلت ملائكة ببدر مددا للمؤمنين، عليهم جبريل، عليه السلام، ولما رأى إبليس ذلك، نكص على عقبيه، يقول: استأخر وراءه.
فذلك قوله: ﴿فلما تراءت الفئتان﴾ فئة المشركين، ﴿نكص على عقبيه﴾، يقول: استأخر وراءه، وعلم أنه لا طاقة له بالملائكة، فأخذ الحارث بن هشام بيده، فقال: يا سراقة، على هذا الحال تخذلنا؟ ﴿وقال﴾ إبليس: ﴿إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون﴾، فقال الحارث: والله ما نرى إلا خفافيش يثرب، فقال إبليس: ﴿إني أخاف الله والله شديد العقاب﴾ [آية :48] وكذب عدو الله ما كان به الخوف، ولكن خذلهم عند الشدة، فقال الحارث لإبليس وهو في صورة سراقة: فهلا كان هذا أمس، فدفع إبليس في صدر الحارث، فوقع الحارث، وذهب إبليس هاربا، فلما انهزم المشركون، قالوا: انهزم بالناس سراقة، وهو بعض الصف، فلما بلغ سراقة سار إلى مكة فقال: بلغني أنكم تزعمون بأني انهزمت بالناس فوالذي يحلف به ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، قالوا له: ما أتيتنا يوم كذا وكذا، فحلف بالله لهم أنه لم يفعل، فلما أسلموا علموا أنما ذلك الشيطان.
الأنفال 8:49
إذ ﴿يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾، يعنى الكفر، نزلت في قيس بن الفاكه، ولم يتجمع جمع قط منذ يوم كانت الهزيمة أكثر من يوم بدر، وذلك أن إبليس جاء بنفسه، وجاء كل شيطان موكل بالدنيا، إلا شيطان موكل بآدمي، وكفار الجن كلهم، وسبعمائة من المشركين عليهم أبو جهل بن هشام، وكان قبل ذلك في ألف رجل، فرد منهم أبى بن شريق ثلاثمائة من بنى زهرة، وذلك أن أبى بن شريق خلا بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أكذاب محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: والله ما يكذب محمد صلى الله عليه وسلم على الناس، فكيف يكذب على الله، وكان يسمى قبل النبوة الأمين، لأنه لم يكذب قط.
فقال أبو جهل: ولكن إذا كانت السقاية في بنى عبد مناف، والحجابة والمشورة والولاية، حتى النبوة أيضا، فلما سمع أبى بن شريق قول أبى جهل: إن محمدا لم يكذب، رد أصحابه عن قتال محمد عليه السلام، فخنس، فسمى الأخنس بن شريق، لأنه خنس بثلاثمائة رجل من بنى زهرة يوم بدر عن قتال محمد، عليه السلام، وبقى سبعمائة عليهم أبو جهل بن هشام، والنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وسبعين من مؤمني الجن، وألف من الملائكة عليه جبريل، عليه السلام، فكان جبريل على خمسمائة على ميمنة الناس، وميكائيل على خمسمائة في ميسرة الناس، ولم تقاتل الملائكة قتالا قط إلا يوم بدر، وكانوا يومئذ على صور الرجال، وعلى قوة الرجال على خيول بلق، وكان جبريل، عليه السلام، يسير أمام صف المسلمين، ويقول: أبشروا، فإن النصر لكم، وما يرى المسلمون إلا أنه رجل منهم.
﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض﴾، يعنى الكفر، نزلت في قيس بن الفاكه بن المغيرة، والوليد بن الوليد بن المغيرة، وقيس بن الوليد بن المغيرة، والوليد بن عتبة بن ربيعة، والعلاء بن أمية بن خلف الجمحي، وعمرو بن أمية بن سفيان بن أمية، كان هؤلاء المسلمون بمكة، ثم أقاموا بمكة مع المشركين، فلم يهاجروا إلى المدينة، فلما خرج كفار مكة إلى قتال بدر، خرج هؤلاء النفر معهم، فلما عاينوا قلة المؤمنين شكوا في دينهم وارتابوا، فقالوا: ﴿غر هؤلاء دينهم﴾، يعنون أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقول الله عز وجل: ﴿ومن يتوكل على الله﴾، يعنى المؤمنين، يعنى يثق به في النصر، ﴿فإن الله عزيز﴾، يعنى منيع في ملكه، ﴿حكيم﴾ [آية :49] في أمره حكم النصر.
الأنفال 8:50
فلما قتل هؤلاء النفر من المشركين، ضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿ولو ترى﴾ يا محمد، ﴿إذ يتوفى الذين كفروا﴾ بتوحيد الله ﴿الملائكة﴾، يعنى ملك الموت وحده، ﴿يضربون وجوههم وأدبارهم﴾ في الدنيا، ثم انقطع الكلام، فلما كان يوم القيامة دخلوا النار، تقول لهم خزنة جهنم: ﴿وذوقوا عذاب الحريق﴾ [آية :50].
الأنفال 8:51
﴿ذلك﴾ العذاب ﴿بما قدمت أيديكم﴾ من الكفر والتكذيب، ﴿وأن الله ليس بظلام للعبيد﴾ [آية :51] يقول: ليس يعذبهم على غير ذنب.
الأنفال 8:52
ثم نعتهم، فقال: ﴿كدأب ءال فرعون﴾، يقول: كأشباه آل فرعون في التكذيب والجحود، ﴿و﴾ كأشباه ﴿والذين من قبلهم﴾، أي من قبل فرعون وقومه من الأمم الخالية، قوم نوح، وعاد، وثمود، وإبراهيم، وقوم شعيب، ﴿كفروا بآيات الله﴾، يعنى بعذاب الله بأنه ليس بنازل بهم في الدنيا، ﴿فأخذهم الله﴾، يعنى فأهلكهم الله، ﴿بذنوبهم﴾، يعنى بالكفر والتكذيب، ﴿إن الله قوي﴾ في أمره حين عذبهم، ﴿شديد العقاب﴾ [آية :52] إذا عاقب.
الأنفال 8:53
﴿ذلك﴾ العذاب ﴿بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم﴾ على أهل مكة، أطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، ثم بعث فيهم محمدا رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذه النعمة التي غيروها، فلم يعرفوا ربها، فغير الله ما بهم من النعم، فذلك قوله: ﴿حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم﴾ [آية :53].
الأنفال 8:54
ثم قال: ﴿كدأب﴾، يعنى كأشباه ﴿ءال فرعون﴾ وقومه في الهلاك ببدر، ﴿والذين من قبلهم﴾، يعنى الذين قبل آل فرعون من الأمم الخالية، ﴿كذبوا بآيات ربهم﴾، يعنى بعذاب ربهم في الدنيا بأنه غير نازل بهم، ﴿فأهلكناهم بذنوبهم﴾، يقول: فعذبناهم بذنوبهم في الدنيا وبكفرهم وبتكذيبهم، ﴿وأغرقنا ءال فرعون وكل﴾، يعنى آل فرعون والأمم الخالية الذين كذبوا في الدنيا، ﴿كانوا ظالمين﴾ [آية :54] يعنى مشركين.
الأنفال 8:55
﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا﴾، يعنى بتوحيد الله، ﴿فهم﴾، يعنى بأنهم ﴿لا يؤمنون﴾ [آية :55] وهم يهود قريظة، فمنهم حيى بن أخطب اليهودي وإخوته، ومالك بن الضيف.
الأنفال 8:56
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿الذين عاهدت منهم﴾ يا محمد، ﴿ثم ينقضون عهدهم في كل مرة﴾، وذلك أن اليهود نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وأعانوا مشركى مكة بالسلاح على قتال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم يقولون: نسينا وأخطأنا، ثم يعاهدهم الثانية، فينقضون العهد، فذلك قوله: ﴿ثم ينقضون عهدهم في كل مرة﴾، يعنى في كل عام مرة، ﴿وهم لا يتقون﴾ [آية :56] نقض العهد.
الأنفال 8:57
﴿فإما تثقفنهم في الحرب﴾ يقول: فإن أدركتهم في الحرب، يعنى القتال، فأسرتهم، ﴿فشرد بهم من خلفهم﴾ يقول: نكل بهم لمن بعدهم من العدو وأهل عهدك، ﴿لعلهم يذكرون﴾ [آية :57] يقول: لكي يذكروا النكال، فلا ينقضون العهد.
الأنفال 8:58
ثم قال: ﴿وإما تخافن﴾ يقول: وإن تخافن ﴿من قوم خيانة﴾، يعني بالخيانة
نقض العهد، ﴿فانبذ إليهم على سواء﴾ يقول: على أمر بين، فارم إليهم بعهدهم، ﴿إن الله لا يحب الخائنين﴾ [آية :58] يعنى اليهود.
الأنفال 8:59
﴿ولا يحسبن الذين كفروا﴾ بتوحيد الله، يعني كفار العرب، ﴿سبقوا﴾ سابقي الله بأعمالهم الخبيثة، ﴿إنهم لا يعجزون﴾ [آية :59]، يقول: إنهم لن يفوقوا الله بأعمالهم الخبيثة حتى يعاقبهم الله بما يقولون.
الأنفال 8:60
ثم قال: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾، يعنى السلاح، وهو الرمي، ﴿ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم﴾ يعنى كفار العرب، ﴿وآخرين من دونهم لا تعلمونهم﴾، يقول: لا تعرفهم يا محمد، يقول: ترهبون فيما استعددتم به آخرين من دون كفار العرب، يعنى اليهود، لا تعرفهم يا محمد، ﴿الله يعلمهم﴾ يقول: الله يعرفهم، يعني اليهود، ثم قال: ﴿وما تنفقوا من شيء﴾ من أمر السلاح والخيل، ﴿في سبيل الله يوف إليكم﴾، يقول: يوفر لكم ثواب النفقة، ﴿وأنتم لا تظلمون﴾ [آية: 60] يقول: وأنتم لا تنقصون يوم القيامة.
الأنفال 8:61
ثم ذكر يهود قريظة، فقال: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾، يقول: إن أرادوا الصلح فأرده، ثم نسختها الآية التي في سورة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ [محمد :35]، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿وتوكل على الله﴾، يقول: وثق بالله، فإنه معك في النصر إن نقضوا الصلح، ﴿إنه هو السميع﴾ لما أرادوا من الصلح، ﴿العليم﴾ [آية :61] به.
الأنفال 8:62
ثم قال: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك﴾ يا محمد بالصلح لتكف عنهم، حتى إذا جاء مشركو العرب، أعانوهم عليك، يعنى يهود قريظة، ﴿فإن حسبك الله هو الذي أيدك﴾، يعنى هو الذي قواك ﴿بنصره﴾، يعنى جبريل، عليه السلام، وبمن معه، ﴿وبالمؤمنين﴾ [آية :62] من الأنصار يوم بدر، وهو فاعل ذلك أيضا، وأيدك على يهود قريظة.
الأنفال 8:63
ثم ذكر الأنصار، فقال: ﴿وألف بين قلوبهم﴾ بعد العداوة التي كانت بينهم في أمر شمير وحاطب، فقال: ﴿لو أنفقت﴾ يا محمد على أن تؤلف بين قلوبهم ﴿ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم﴾ بعد العداوة في دم شمير وحاطب بالإسلام، ﴿إنه عزيز﴾، يعنى منيع في ملكه، ﴿حكيم﴾ [آية :63] في أمره، حكم الألفة بين الأنصار بعد العداوة.
الأنفال 8:64
﴿يا أيها النبي حسبك الله و﴾ حسب ﴿ومن اتبعك من المؤمنين﴾ [آية :64] بالله عز وجل نزلت بالبيداء في غزاة بدر قبل القتال، وفيها تقديم.
الأنفال 8:65
﴿يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال﴾، يعني حضض المؤمنين على القتال ببدر، ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا﴾، يعنى يقاتلوا، ﴿مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا﴾، يعنى يقاتلوا، ﴿ألفا من الذين كفروا﴾ بالتوحيد، كفار مكة ببدر، ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [آية :65] الخير، فجعل الرجل من المؤمنين، يقاتل عشرة من المشركين، فلم يكن فرصة الله لا بد منه، ولكن تحريض من الله ليقاتل الواحد عشرة.
الأنفال 8:66
فلم يطق المؤمنون ذلك، فخفف الله عنهم بعد قتال بدر، فأنزل الله: ﴿الآن خفف الله عنكم﴾، يعنى بعد قتال بدر، ﴿وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم﴾ عدة ﴿مائة﴾ رجل ﴿صابرة يغلبوا مائتين﴾، يعنى يقاتلوا مائتين، ﴿وإن يكن منكم ألف﴾ رجل ﴿يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين﴾ [آية :66] في النصر لهم على عدوهم، فأمر الله أن يقاتل الرجل المسلم وحده رجلين من المشركين، فمن أشره المشركون بعد التخفيف، فإنه لا يفادى من بيت المال إذا كان المشركون مثل المؤمنين، وإن كان المشركون أكثر من الضعف، فإنه يفادى من بيت المال، فينبغي للمسلمين أن يقاتلوا الضعف من المشركين إلى أن تقوم الساعة، وكانت المنزلة قبل التخفيف لا يفتدى الأسير إلا على نحو ذلك.
الأنفال 8:67
﴿ما كان لنبي﴾ من قبلك يا محمد ﴿أن يكون له أسرى حتى يثخن﴾ عدوه ﴿في الأرض﴾ ويظهر عليهم، ﴿تريدون عرض الدنيا﴾، يعنى المال، وهو الفداء من المشركين، نزلت بعد قتال بدر، ﴿والله يريد﴾ لكم ﴿الآخرة والله عزيز﴾، يعني منيع في ملكه، ﴿حكيم﴾ [آية :67] في أمره، وذلك أن الغنائم لم تحل لأحد من الأنبياء ولا المؤمنين قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
الأنفال 8:68
وأخبر الله الأمم: إني أحللت الغنائم للمجاهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وكان المؤمنون إذا أصابوا الغنائم جمعوها ثم أحرقوها بالنيران، وقتلوا الناس والأسارى والدواب، وهذا في الأمم الخالية، فذلك قوله: ﴿لولا كتاب من الله سبق﴾ في تحليل الغنائم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في علمه في اللوح المحفوظ، ثم خالفتم المؤمنين من قبلكم، ﴿لمسكم﴾، يعنى لأصابكم ﴿فيما أخذتم﴾ من الغنيمة ﴿عذاب عظيم﴾ [آية :68].
الأنفال 8:69
ثم طيبها لهم وأحلها، فقال: ﴿فكلوا مما غنمتم﴾ ببدر، ﴿حلالا طيبا واتقوا الله﴾ ولا تعصوه، ﴿إن الله غفور﴾ ذو تجاوز لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها، ﴿رحيم﴾ [آية :69] بكم إذ أحلها لكم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم جعل عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت، أولياء القبض يوم بدر، وقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة، وانطلق بالأسارى فيهم العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وذلك أن العباس بن عبد المطلب يوم أسر أخذ منه عشرين أوقية من ذهب، فلم تحسب له من الفداء، وكان فداء كل أسير من المشركين أربعين أوقية من ذهب، وكان أول من فدى نفسه أبو وديعة ضمرة بن صبيرة السهمي وسهيل بن عمرو، من عامر بن لؤى، القرشيان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أضعفوا الفداء على العباس"، وكلف أن يفتدى ابني أخيه، فأدى عنهما ثمانية أوقية من ذهب، وكان فداء العباس بمثانين أوقية، وأخذ منه عشرون أوقية، فأخذ منه يومئذ مائة أوقية وثمانون أوقية، فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشا بكفي، وقال له صلى الله عليه وسلم "أين الذهب الذي تركته عند امرأتك أم الفضل؟" فقال العباس: أي الذهب؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنك قلت لها: إني لا أدرى ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي ما حدث، فهو لك ولودك"، فقال: يا ابن أخي، من أخبرك؟ قال: "الله أخبرني"، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول قط قبل اليوم، قد علمت أنه لم يطلعك عليه إلا عالم السرائر، وأشهد ألا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله، وكفرت بما سواه.
الأنفال 8:70
وأمر ابني أخيه فأسلما، ففيهما نزلت: ﴿يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى﴾ يعنى العباس وابني أخيه: ﴿إن يعلم الله في قلوبكم خيرا﴾، يعنى إيمانا، كقوله: ﴿لن يؤتيهم الله خيرا﴾ [هود :31] يعنى إيمانا، وهذا في هود، ﴿يؤتكم خيرا مما أخذ منكم﴾ من الفداء، فوعدهم الله أن يخلف لهم أفضل ما أخذ منهم، ﴿ويغفر لكم﴾ ذنوبكم، ﴿والله غفور﴾ لما كان منهم من الشرك من ذنوبهم، ذو تجاوز، ﴿رحيم﴾ [آية :70] بهم في الإسلام.
الأنفال 8:71
﴿وإن يريدوا خيانتك﴾، يعنى الكفر بعد إسلامهم واستحيائك إياهم، ﴿فقد خانوا الله من قبل﴾، يقول: فقد كفروا بالله من قبل هذا الذي نزل بهم ببدر، ﴿فأمكن﴾ الله ﴿منهم﴾ النبي عليه السلام، يقول: إن خانوا أمكنتك منهم فقتلتهم وأسرتهم كما فعلت بهم ببدر، ﴿والله عليم﴾ بخلقه، ﴿حكيم﴾ [آية :71] في أمره، حكيم أن يمكنه منهم.
فقال العباس بعد ذلك: لقد أعطاني الله خصلتين، ما من شيء هو أفضل منهما، أما أحدهما: فالذهب الذي أخذ منى، فآتاني الله خيرا منه عشرين عبدا، وأما الثانية: فتنجيز موعود الله الصادق، وهو المغفرة، فليس أحد أفضل من هذا. ومن كان من أسارى بدر وليس له فدى، فإنه يدفع إليه عشرة غلمان يعلمهم الكتاب، فإذا حذقوا برئ الأسير من الفداء، وكان أهل مكة يكتبون، وأهل المدينة لا يكتبون، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد استشار أصحابه في أسارى بدر، فقال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: اقتلهم، فإنهم رءوس الكفر وأئمة الضلال، وقال أبو بكر: لا تقتلهم، فقد شفي الله الصدور وقتل المشركين وهزمهم، فآدهم أنفسهم، وليكن ما نأخذ منهم في قوة المسلمين وعونا على حرب المشركين، وعسى الله أن يجعلهم أعوانا لأهل الإسلام فيسلموا.
فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بقول أبى بكر الصديق، وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما، وأبو بكر أيضا رحيما، وكان عمر ماضيا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بقول أبى بكر، ففاداهم، فأنزل الله عز وجل توفيقا لقول عمر: ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: "أحمد الله إن ربك وأتاك على قولك"، فقال عمر: الحمد لله الذي وآتاني على قولي في أسارى بدر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو نزل عذاب من السماء، ما نجا منا أحد إلا عمر بن الخطاب، إنه نهاني فأبيت".
الأنفال 8:72
﴿إن الذين ءامنوا﴾، يعنى صدقوا بتوحيد الله، ﴿وهاجروا﴾ إلى المدينة، ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله﴾ فهؤلاء المهاجرون، ثم ذكر الأنصار، فقال: ﴿والذين ءاووا﴾ النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿ونصروا﴾ النبي صلى الله عليه وسلم، ثم جمع المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿أولئك بعضهم أولياء بعض﴾ في الميراث ؛ ليرغبهم بذلك في الهجرة، فقال الزبير بن العوام ونفر معه: كيف يرثنا غير أوليائنا، وأولياؤنا على ديننا، فمن أجل أنهم لم يهاجروا لا ميراث بيننا، فقال الله بعد ذلك: ﴿والذين ءامنوا﴾ يعنى صدقوا بتوحيد الله ﴿ولم يهاجروا﴾ إلى المدينة، ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ في الميراث ﴿حتى يهاجروا﴾ إلى المدينة، ثم قال: ﴿وإن استنصروكم في الدين﴾ يا معشر المهاجرين إخوانكم الذين لم يهاجروا إليكم، فأتاهم عدوهم من المشركين، فقاتلوهم ليردوهم عن الإسلام ﴿فعليكم النصر﴾ فانصروهم، ثم استثنى، فقال: ﴿إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق﴾، يقول: إن استنصر الذين لم يهاجروا إلى المدينة على أهل عهدكم، فلا تنصروهم، ﴿والله بما تعملون بصير﴾ [آية :72].
الأنفال 8:73
﴿والذين كفروا﴾ بتوحيد الله، ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ في الميراث والنضرة، ﴿إلا تفعلوه﴾، أي إن لم تنصروهم على غير أهل عهدكم من المشركين في الدين، ﴿تكن فتنة﴾ يعنى كفر، ﴿في الأرض و﴾ يكن ﴿وفساد كبير﴾ [آية :73] في الأرض.
الأنفال 8:74
﴿والذين ءامنوا﴾، يعنى صدقوا بتوحيد الله، ﴿وهاجروا﴾ من مكة إلى المدينة، ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿في سبيل الله﴾، يعنى في طاعة الله فهؤلاء المهاجرون، وإنما سموا لمهاجرين ؛ لأنهم هجروا قومهم من المشركين، وفارقوهم إذ لم يكونوا على دينهم، قال: ﴿والذين ءاووا﴾ يعنى ضموا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنفسهم بالمدينة، ﴿ونصروا﴾ النبي صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء الأنصار، ثم جمع المهاجرين والأنصار، فقال: ﴿أولئك هم المؤمنون﴾، يعنى المصدقين ﴿حقا لهم﴾ بذلك ﴿مغفرة﴾ لذنوبهم ﴿ورزق كريم﴾ [آية :74]، يعنى رزقا حسنا في الآخرة، وهي الجنة.
الأنفال 8:75
ثم قال بعد ذلك: ﴿والذين ءامنوا من بعد﴾ هؤلاء المهاجرين والأنصار، ﴿وهاجروا﴾ من ديارهم إلى المدينة، ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿معكم فأولئك منكم﴾ في الميراث، ثم نسخ هؤلاء الآيات بعد هذه الآية، ﴿وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾ في الميراث، فورث المسلمون بعضهم بعضا، من هاجر ومن لم يهاجر في الرحم والقرابة، ﴿في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم﴾ [آية :75] في أمر المواريث حين حرمهم الميراث، وحين أشركهم بعد ذلك.
حدثنا عبيد الله، قال حدثني أبى، قال: حدثنا الهذيل، عن أبى يوسف، عن الكلبي، عن أبى صالح، قال: إن الخمس كان يقسم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أسهم: لله ولرسوله سهم، ولذي القربى سهم، ولليتامى سهم، وللمساكين سهم، ولابن السبيل سهم، قال: وقسمه عمر، وأبو بكر، وعثمان، وعلى، على ثلاثة أسهم، أسقطوا سهم ذي القربى، وقسم على ثلاثة أسهم، وإنما يوضع من أولئك في أهل الحاجة والمسكنة، ليس يعطى الأغنياء شيئا، فهذا على موضع الصدقة.
حدثنا عبيد الله، قال: حدثنا أبى، قال: حدثنا الهذيل، عن محمد بن عبد الحق، عن أبى جعفر محمد بن على، عليه السلام، قال: قلت له: ما كان رأى علي، عليه السلام، في الخمس؟ قال: رأى أهل بيته، قال قلت: فكيف لم يمضه على ذلك حين ولى؟ قال: كره أن يخالف أبا بكر وعمر.
حدثنا عبيد الله قال: حدثني أبى، قال: حدثنا الهذيل، عن مقاتل، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ من الغنيمة قبل أن تقسم صفيا لنفسه، ويأخذ مع ذوى القربى، ويأخذ سهم الله تعالى ورسوله، ثم يأخذ مع المقاتلة، فكان يأخذ من أربعة وجوه صلى الله عليه وسلم.
التوبة 9:1
سورة التوبة سورة براءة، مدنية كلها، غير آيتين، هما: قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول...﴾ [آية :128 ،129] إلى آخر السورة، فإنهما مكيتان، وهى مائة وسبع وعشرون آية كوفية.
لما نزلت براءة، بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق على حج الناس، وبعث معه ببراءة، من أول السورة إلى تسع آيات، فنزل جبريل، فقال: يا محمد، إنه لا يؤدي عنك إلا رجل منك، ثم اتبعه على بن أبي طالب، فأدركه بذي الحليفة على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذها منه، ثم رجع أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: بأبي أنت وأمي، هل أنزل الله في من شيء؟ قال: "لا ولكن لا يبلغ عني إلا رجل مني، أما ترى يا أبا بكر أنك صاحبي في الغار، وأنك أخي في الإسلام، وأنك ترد على الحوض يوم القيامة؟" قال: بلى يا رسول الله، فمضى أبو بكر على الناس، ومضى على ببراءة من أول السورة إلى تسع آيات، فقام على يوم النحر بمنى، فقرأها على الناس.
﴿براءة من الله ورسوله﴾ من العهد غير أربعة أشهر، ﴿إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾ [آية :1] نزلت في ثلاثة أحياء من العرب، منهم خزاعة، ومنهم هلال بن عويمر، وفي مدلج، منهم سراقة بن مالك بن خثعم الكناني، وفي بني خزيمة بن عامر، وهما حيان من كنانة، كان النبي صلى الله عليه وسلم عاهدهم بالحديبية سنتين، صالح عليهم المخش بن خويلد بن عمارة بن المخش فجعل الله عز وجل للذين كانوا في العهد أجلهم أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر.
التوبة 9:2
فجعل الله عز وجل للذين كانوا في العهد أجلهم أربعة أشهر من يوم النحر إلى عشر من ربيع الآخر. فقال: ﴿فسيحوا في الأرض﴾ يقول: سيروا في الأرض، ﴿أربعة أشهر﴾ آمنين حيث شئتم، ثم خوفهم، فقال: ﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله وأن الله مخزي الكافرين﴾ [آية :2] فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحدا من الناس.
التوبة 9:3
ثم ذكر مشركي مكة الذين لا عهد لهم، فقال: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ يعني يوم النحر، وإنما سمى الحج الأكبر ؛ لأن العمرة هي الحج الأصغر، وقال: ﴿أن الله برئ من المشركين ورسوله﴾ من العهد، ﴿فإن تبتم﴾ يا معشر المشركين من الشرك، ﴿فهو خير لكم﴾ من الشرك، ﴿وإن توليتم﴾، يقول: إن أبيتم التوبة فلم تتوبوا، ﴿فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾، خوفهم كما خوف أهل العهد أنكم أيضا غير سابقي الله بأعمالكم الخبيثة حتى يجزيكم بها، ثم قال: ﴿وبشر الذين كفروا﴾ بتوحيد الله ﴿بعذاب أليم﴾ [آية :3] يعني وجيع.
التوبة 9:4
ثم جعل من لا عهد له أجله خمسين يوما من يوم النحر إلى انسلاخ المحرم، ثم رجع إلى خزاعة، ونبي مدلج، وبني خزيمة، في التقديم، فاستثنى، فقال: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ فلم يبين الله ورسوله من عهدهم في الأشهر الأربعة، ﴿ثم لم ينقصوكم شيئا﴾ في الأشهر الأربعة، ﴿ولم يظاهروا عليكم أحدا﴾، يعني ولم يعينوا على قتالكم أحدا من المشركين، يقول الله: إن لم يفعلوا ذلك، ﴿فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾، يعنى الأشهر الأربعة، ﴿إن الله يحب المتقين﴾ [آية :4] الذين يتقون نقض العهد.
التوبة 9:5
ثم ذكر من لم يكن له عهد غير خمسين يوما، فقال: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾ يعنى عشرين من ذي الحجة وثلاثين يوما من المحرم، ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ يعنى هؤلاء الذين لا عهد لهم إلا خمسين يوما أين أدركتموهم في الحل والحرم ﴿وخذوهم﴾ يعنى وأسروهم، ﴿واحصروهم﴾، يعنى والتمسوهم، ﴿واقعدوا لهم كل مرصد﴾، يقول: وأرصدوهم بكل طريق وهم كفار، ﴿فإن تابوا﴾ من الشرك، ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾ يقول: فاتركوا طريقهم، فلا تظلموهم، ﴿إن الله غفور﴾ للذنوب ما كان في الشرك، ﴿رحيم﴾ [آية :5] بهم في الإسلام.
التوبة 9:6
ثم قال، يعنى هؤلاء الكفار من أهل مكة ﴿وإن أحد من المشركين استجارك فأجره﴾، يقول: فإن استأمنك أحد من المشركين بعد خمسين يوما فأمنه من القتل، ﴿حتى يسمع كلام الله﴾ يعنى القرآن، فإن كره أن يقبل ما في القرآن، ﴿ثم أبلغه مأمنه﴾، يقول: رده من حيث أتاك، فإن قاتلك بعد ذلك فقدرت عليه فاقتله، ﴿ذلك بأنهم قوم لا يعلمون﴾ [آية :6] بتوحيد الله.
التوبة 9:7
ثم ذكرهم أيضا مشركي مكة، فقال: ﴿كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله﴾ ثم استثنى خزاعة، وبني مدلج، وبني خزيمة، الذين أجلهم أربعة أشهر، فقال: ﴿إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام﴾ بالحديبية، فلهم العهد، ﴿فما استقاموا لكم﴾ بالوفاء إلى مدتهم، يعنى تمام هذه أربعة الأشهر من يوم النحر، ﴿فاستقيموا لهم﴾ بالوفاء، ﴿إن الله يحب المتقين﴾ [آية :7].
التوبة 9:8
ثم حرض المؤمنين على قتال كفار مكة الذين لا عهد لهم ؛ لأنهم نقضوا العهد، فقال: ﴿كيف﴾ لا تقاتلونهم، ﴿وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة﴾ يقول: لا يحفظوا فيكم قرابة ولا عهدا، ﴿يرضونكم بأفواههم﴾، يعنى بألسنتهم، ﴿وتأبى قلوبهم﴾ وكانوا يحسنون القول للمؤمنين، فيرضونهم وفي قلوبهم غير ذلك، فأخبر عن قولهم، فذلك قوله: ﴿يرضونكم بأفواههم﴾، يعنى بألسنتهم، ﴿وتأبى قلوبهم﴾ ﴿وأكثرهم فاسقون﴾ [آية :8].
التوبة 9:9
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا﴾، يعنى باعوا إيمانا بالقرآن بعرض من الدنيا يسيرا، وذلك أن أبا سفيان كان يعطي الناقة والطعام والشيء ليصد بذلك الناس عن متابعة النبي صلى الله عليه وسلم، فذلك قوله: ﴿فصدوا﴾ الناس ﴿عن سبيله﴾، أي عن سبيل الله، يعنى عن دين الله، وهو الإسلام، ﴿إنهم ساء﴾ يعنى بئس ﴿ما كانوا
يعملون﴾ [آية :9] يعني بئس ما عملوا بصدهم عن الإسلام.
التوبة 9:10
ثم أخبر أيضا عنهم، فقال: ﴿لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة﴾، يعنى لا يحفظون في مؤمن قرابة ولا عهدا، ﴿وأولئك هم المعتدون﴾ [آية :10].
التوبة 9:11
يقول: ﴿فإن تابوا﴾ من الشرك، ﴿وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾ أي أقروا، بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ﴿فإخوانكم في الدين ونفصل﴾ ونبين ﴿الآيات لقوم يعلمون﴾ [آية :11] بتوحيد الله.
التوبة 9:12
﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم﴾، يعنى نقضوا عهدهم، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم واعد كفار مكة سنتين، وأنهم عمدوا فأعانوا كنانة بالسلاح على قتال خزاعة، وخزاعة صلح النبي صلى الله عليه وسلم، فكان في ذلك نكث للعهد، فاستحل النبي صلى الله عليه وسلم قتالهم، فذلك قوله: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾ ﴿وطعنوا في دينكم﴾، فقالوا: ليس دين محمد بشيء، ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾، يعنى قادة الكفر كفار قريش: أبا سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم، ﴿إنهم لا أيمن لهم﴾ ؛ لأنهم نقضوا العهد الذي كان بالحديبية، يقول: ﴿لعلهم﴾، يعنى لكي ﴿ينتهون﴾ [آية :12] عن نقض العهد ولا ينقضون.
التوبة 9:13
ثم حرض المؤمنين على قتالهم، فقال: ﴿ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم﴾، يعنى نقضوا عهدهم حين أعانوا كنانة بالسلاح على خزاعة، وهم صلح النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾، يعنى النبي صلى الله عليه وسلم من مكة حين هموا في دار الندوة بقتل النبي صلى الله عليه وسلم، أو أو بوثاقه أو بإخراجه، ﴿وهم بدءوكم أول مرة﴾ بالقتال حين ساروا إلى قتالكم ببدر، ﴿أتخشونهم﴾ فلا تقاتلونهم، ﴿فالله أحق أن تخشوه﴾ في ترك أمره، ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ [آية :13] به، يعنى إن كنتم مصدقين بتوحيد الله عز وجل.
التوبة 9:14
ثم وعدهم النصر، فقال: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم﴾ بالقتل، ﴿ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾ [آية :14]، وذلك أن بنى كعب قاتلوا خزاعة، فهزموهم وقتلوا منهم، وخزاعة صلح النبي صلى الله عليه وسلم، وأعانوهم كفار مكة بالسلاح على خزاعة، فاستحل النبي صلى الله عليه وسلم قتال كفار مكة بذلك، وقد ركب عمرو بن عبد مناة الخزاعي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة مستيعنا به، فقال له :
اللهم إني ناشد محمدا *** حلف أبينا وأبيه الأتلدا
كان لنا أبا وكنا ولدا *** نحن ولدناكم فكنتم ولدا
ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا *** فانصر رسول الله نصرا أيدا
وادع عباد الله يأتوا مددا *** فيهم رسول الله قد تجردا
في فليق كالبحر يجرى مزيدا *** إن قريشا أخلفوك الموعدا
ونقضوا ميثاقك المؤكد *** ونصبوا لي في الطريق مرصدا
وبيتونا بالوتين هجدا *** وقتلونا ركعا وسجدا
وزعموا أن لست أدعو أحدا *** وهم أذل وأقل عددا
قال: فدمعت عينا النبي صلى الله عليه وسلم ونظر إلى سحابة قد بعثها الله عز وجل، فقال: "والذي نفسي بيده، إن هذه السحابة لتستهل بنصر خزاعة على بني ليث بن بكر" ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة، فعسكر وكتب حاطب إلى أهل مكة بالعسكر، وسار النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة فافتتحها، وقال لأصحابه: "كفوا السلاح، إلا عن بني بكر إلى صلاة العصر" وقال لخزاعة أيضا: "كفوا، إلا عن بني بكر" فأنزل الله تعالى: ﴿ويشف صدور قوم مؤمنين﴾، يعنى قلوب قوم مؤمنين، يعنى خزاعة.
التوبة 9:15
﴿ويذهب غيظ قلوبهم﴾ وشفى الله قلوب خزاعة من بني ليث بن بكر، وأذهب غيظ قلوبهم، ثم قال: ﴿ويتوب الله على من يشاء﴾، فيهديهم لدينه، ﴿والله عليم﴾ بخلقه ﴿حكيم﴾ [آية :15] في أمره.
التوبة 9:16
﴿أم حسبتم أن تتركوا﴾ على الإيمان ولا تبتلوا بالقتل، ﴿ولما يعلم الله﴾، يعنى ولما يرى الله ﴿الذين جاهدوا﴾ العدو ﴿منكم﴾ في سبيله، يقول: لا يرى جهادكم حتى تجاهدوا، ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا﴾ من دون ﴿رسوله ولا﴾ من دون ﴿المؤمنين وليجة﴾ يتولجها، يعنى البطانة من الولاية للمشركين، ﴿والله خبير بما تعملون﴾ [آية :16].
التوبة 9:17
﴿ما كان للمشركين﴾، يعنى مشركي مكة، ﴿أن يعمروا مسجد الله﴾، يعنى المسجد الحرام، ﴿شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾، نزلت في العباس بن عبد المطلب، وفي بنى أبي طلحة، منهم: شيبة بن عثمان صاحب الكعبة، وذلك أن العباس، وشيبة، وغيرهم، أسروا يوم بدر، فأقبل عليهم نفر من المهاجرين، فيهم على بن أبى طالب والأنصار وغيرهم، فسبوهم وعيروهم بالشرك، وجعل علي بن أبى طالب يوبخ العباس بقتال النبي صلى الله عليه وسلم وبقطيعته الرحم، وأغلط له القول، فقال له العباس: ما لكم تذكرون مساوئنا وتكتمون محاسننا، قالوا: وهل لكم محاسن؟ قال: نعم، لنحن أفضل منكم أجرا، إنا لنعمر المسجد الحرام، ونحجب الكعبة، ونسقى الحجيج، ونفك العاني، يعنى الأسير، فافتخروا على المسلمين بذلك، فأنزل الله: ﴿ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر﴾.
﴿أولئك حبطت أعمالهم﴾، يعنى ما ذكروا من محاسنهم، يعنى بطلت أعمالهم في الدنيا والآخرة، يقول: ليس لهم ثواب في الدنيا ولا في الآخرة، لأنها كانت في غير إيمان، ولو آمنوا لأصابوا الثواب في الدنيا والآخرة، كما قال نوح، وهود، لقومه: ﴿استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم﴾ بالمطر ﴿مدرارا﴾ [هود :52] يعنى متتابعا، ﴿ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا﴾ [نوح :12]، فهذا في الدنيا لو آمنوا، ثم قال: ﴿وفي النار هم خالدون﴾ [آية :17] لا يموتون.
التوبة 9:18
﴿إنما يعمر مساجد الله من ءامن بالله﴾، يعنى صدق بالله، ﴿واليوم الآخر﴾، يعنى من صدق بتوحيد الله والبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿وأقام الصلاة﴾ لوقتها، أتم ركوعها وسجودها، ﴿وآتى الزكاة﴾ يعني وأعطى زكاة ماله، ﴿ولم يخش إلا الله﴾، يعنى ولم يعبد إلا الله، ﴿فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين﴾ [آية :18] من الضلالة.
التوبة 9:19
ثم قال يعنيهم: ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾، يعنى العباس، ﴿وعمارة المسجد الحرام﴾ يعنى شيبة، ﴿كمن آمن بالله واليوم الآخر﴾، يعنى صدق بتوحيد الله واليوم الآخر، وصدق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، يعنى عليا ومن معه، ﴿وجاهد﴾ العدو ﴿في سبيل الله لا يستوون عند الله﴾ في الفضل هؤلاء أفضل، ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ [آية :19] يعنى المشركين إلى الحجة فما لهم حجة.
التوبة 9:20
ثم نعت المهاجرين عليا وأصحابه، فقال: ﴿الذين ءامنوا﴾ يعنى صدقوا بتوحيد الله، ﴿وهاجروا﴾ إلى المدينة، ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿في سبيل الله﴾ يعنى طاعة الله، ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ أولئك ﴿أعظم درجة﴾، يعنى فضيلة، ﴿عند الله﴾ من الذين افتخروا في عمران البيت وسقاية الحاج وهم كفار، ثم أخبر عن ثواب المهاجرين، فقال: ﴿وأولئك هم الفائزون﴾ [آية :20] يعنى الناجون من النار يوم القيامة.
التوبة 9:21
﴿يبشرهم ربهم برحمة منه﴾ وهي الجنة، ﴿ورضوان﴾ يعنى ورضى الرب عنهم، ﴿وجنات لهم فيها نعيم مقيم﴾ [آية :21] يعنى لا يزول.
التوبة 9:22
﴿خالدين فيها أبدا﴾ لا يموتون، ﴿إن الله عنده﴾ يعنى عند الله ﴿أجر﴾ يعنى جزاء، ﴿عظيم﴾ [آية :22] وهي الجنة.
التوبة 9:23
﴿يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا ءاباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾ يعنى اختاروا الكفر على الإيمان، يعنى التوحيد، نزلت في السبعة الذين ارتدوا عن الإسلام، فلحقوا بمكة من المدينة، فنهى الله عن ولايتهم، فقال: ﴿ومن يتولهم منكم﴾ يا معشر المؤمنين، ﴿فأولئك هم الظالمون﴾ [آية :23] وهو منهم.
التوبة 9:24
﴿قل إن كان ءاباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها﴾ يعنى كسبتموها، ﴿وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها﴾ يعنى ومنازل ترضونها، يعنى تفرحون بها، ﴿أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره﴾ في فتح مكة، ﴿والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [آية :24].
التوبة 9:25
﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ يعنى يوم بدر، ويوم قريظة، ويوم النضير، ويوم خيبر، ويوم الحديبية، ويوم فتح مكة، ثم قال: ﴿و﴾ نصركم ﴿ويوم حنين﴾ وهو واد بين الطائف ومكة، ﴿إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت﴾، يعنى برحبها وسعتها، ﴿ثم وليتم مدبرين﴾ [آية :25] لا تلوون على شيء وذلك أن المسلمين كانوا يومئذ أحد عشر ألفا وخمسمائة، والمشركون أربعة آلاف، وهوازن، وثقيف، ومالك بن عوف النضرى على هوازن، وعلى ثقيف كنانة بن عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفي، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من كثرتنا على عدونا، ولم يستثن في قوله، فكره النبي صلى الله عليه وسلم قوله ؛ لأنه كان قال ولم يستثن في قوله.
فاقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم المشركون وجلوا عن الذراري، ثم نادى المشركون تجاه النساء: اذكروا الفضائح، فتراجعوا وانكشف المسلمون، فنادى العباس بن عبد المطلب، وكان رجلا صيتا ثباتا: يا أنصار الله وأنصار رسوله الذين آووا ونصروا، يا معشر المهاجرين الذين بايعوا تحت الشجرة، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كان له فيه حاجة فليأته، فتراجع المسلمون، ونزلت الملائكة عليهم البياض على خيول بلق، فوقفوا ولم يقاتلوا، فانهزم المشركون، فذلك قوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته﴾
التوبة 9:26
قوله: ﴿ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها﴾، يعنى الملائكة، ﴿وعذب الذين كفروا﴾ بالقتل والهزيمة، ﴿وذلك﴾ العذاب ﴿جزاء الكافرين﴾ [آية :26].
التوبة 9:27
﴿ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء﴾ يعنى بعد القتل والهزيمة، فيهديه لدينه، ﴿والله غفور﴾ لما كان في الشرك ﴿رحيم﴾ [آية :27] بهم في الإسلام.
التوبة 9:28
﴿يا أيها الذين ءامنوا إنما المشركون نجس﴾ يعنى مشركي العرب، والنجس الذي ليس بطاهر، الأنجاس الأخباث، ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام﴾، يعنى أرض مكة، ﴿بعد عامهم هذا﴾، يعنى بعد عام كان أبو بكر على الموسم. قال ابن ثابت: قال أبي: في السنة التاسعة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ﴿وإن خفتم عيلة﴾، وذلك أن الله عز وجل أنزل بعد غزاة تبوك: ﴿فاقتلوا المشركين...﴾ إلى قوله: {... كل مرصد﴾، فوسوس الشيطان إلى أهل مكة، فقال: من أين تجدون ما تأكلون، وقد أمر أنه من لم يكن مسلما أن يقتل ويؤخذ الغنم، ويقتل من فيها، فقال الله تعالى: امضوا لأمري وأمر رسولي، ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾، ففرحوا بذلك، فكفاهم الله ما كانوا يتخوفون، فأسلم أهل نجد، وجرش وأهل صنعاء، فحملوا الطعام إلى مكة على الظهر، فذلك قوله: ﴿وإن خفتم عيلة﴾، يعنى الفقر، ﴿فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء﴾ ﴿إن الله عليم حكيم﴾ [آية :28].
التوبة 9:29
﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾، يعنى الذين لا يصدقون بتوحيد الله، ولا بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله﴾ يعنى الخمر، ولحم الخنزير، وقد بين أمرهما في القرآن، ﴿ولا يدينون دين الحق﴾ الإسلام ؛ لأن غير دين الإسلام باطل، ﴿من الذين أوتوا الكتاب﴾ يعنى اليهود والنصارى، ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ يعنى عن أنفسهم، ﴿وهم صاغرون﴾ [آية :29] يعنى مذلون إن أعطوا عفوا لم يؤجروا، وإن أخذوا منهم كرها لم يثابوا.
التوبة 9:30
﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ وذلك أن اليهود قتلوا الأنبياء بعد موسى، فرفع الله عنهم التوراة، ومحاها من قلوبهم، فخرج عزيز يسيح في الأرض، فأتاه جبريل، عليه السلام، فقال له: أين تذهب؟ قال: لطلب العلم، فعلمه جبريل التوراة كلها، فجاء عزيز بالتوراة غضا إلى بنى إسرائيل فعلمهم، فقالوا: لم يعلم عزير هذا العلم إلا لأنه ابن الله، فذلك قوله: ﴿وقالت اليهود عزير ابن الله﴾ ثم قال: ﴿وقالت النصارى المسيح ابن الله﴾، يعنون عيسى ابن مريم، ﴿ذلك قولهم بأفواههم﴾ يقول: هم يقولون بألسنتهم من غير علم يعلمونه، ﴿يضاهئون﴾ يعنى يشبهون ﴿قول الذين كفروا﴾، يعنى قول اليهود ﴿من قبل﴾ قول النصارى لعيسى إنه ابن الله، كما قالت اليهود عزير ابن الله فضاهأت، يعنى أشبه قول النصارى في عيسى قول اليهود في عزير، ﴿قاتلهم الله﴾، يعنى لعنهم الله ﴿أنى يؤفكون﴾ [آية :30] يعنى النصارى من أين يكذبون بتوحيد الله.
التوبة 9:31
ثم أخبر عن النصارى، فقال: ﴿اتخذوا أحبارهم﴾، يعنى علماءهم، ﴿ورهبانهم﴾، يعنى المجتهدين في دينهم أصحاب الصوامع، ﴿أربابا﴾، يعنى أطاعوهم ﴿من دون الله و﴾ اتخذوا ﴿والمسيح ابن مريم﴾ ربا، يقول: ﴿وما أمروا﴾ يعنى وما أمرهم عيسى، ﴿إلا ليعبدوا إلها واحدا﴾، وذلك أن عيسى قال لبني إسرائيل في سورة مريم، وفي حم الزخرف: ﴿إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم﴾ [الزخرف: 64] فهذا قول عيسى لبني إسرائيل، ثم قال: ﴿لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [آية :31] نزه نفسه عما قالوا من البهتان.
التوبة 9:32
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم﴾، يعنى دين الإسلام بألسنتهم بالكتمان، ﴿ويأبى الله إلا أن يتم نوره﴾ يعنى يظهر دينه الإسلام، ﴿ولو كره الكافرون﴾ [آية :32] أهل الكتاب بالتوحيد.
التوبة 9:33
﴿هو الذي أرسل رسوله﴾ يعنى محمدا صلى الله عليه وسلم ﴿بالهدى ودين الحق﴾، يعنى دين الإسلام ؛ لأن غير دين الإسلام باطل، ﴿ليظهره على الدين كله﴾ يقول: ليعلو بدين الإسلام على كل دين، ﴿ولو كره المشركون﴾ [آية :33] يعنى مشركي العرب.
التوبة 9:34
﴿يا أيها الذين ءامنوا إن كثيرا من الأحبار﴾، يعنى اليهود، ﴿والرهبان﴾، يعنى مجتهد النصارى ﴿ليأكلون أموال الناس بالباطل﴾ يعنى أهل ملتهم، وذلك أنهم كانت لهم مأكلة كل عام من سفلتهم من الطعام والثمار على تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ولو أنهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لذهبت تلك المأكلة، ثم قال: ﴿ويصدون عن سبيل الله﴾ يقول: يمنعون أهل دينهم عن دين الإسلام، ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾، يعنى بالكنز منع الزكاة، ﴿ولا ينفقونها﴾ يعنى الكنوز ﴿في سبيل الله﴾ يعنى في طاعة الله، ﴿فبشرهم بعذاب أليم﴾ [آية :34] يعنى وجيع في الآخرة.
التوبة 9:35
ثم قال: ﴿يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾ [آية :35].
التوبة 9:36
﴿إن عدة الشهور عند الله﴾، وذلك أن المؤمنين ساروا من المدينة إلى مكة قبل أن يفتح الله على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: إنا نخاف أن يقاتلنا كفار مكة في الشهر الحرام، فأنزل الله عز وجل: ﴿إن عدة الشهور عند الله﴾ ﴿اثنا عشر شهرا في كتاب الله﴾، يعنى اللوح المحفوظ، ﴿يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم﴾، المحرم، ورجب وذو القعدة، وذو الحجة، ﴿ذلك الدين القيم﴾ يعنى الحساب ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ يعنى في الأشهر الحرام، يعنى بالظلم ألا تقتلوا فيهن أحدا من مشركي العرب، إلا أن يبدءوا بالقتل، ﴿ذلك الدين القيم﴾ يعنى بالدين الحساب المستقيم ثم قال: ﴿وقاتلوا المشركين﴾ يعنى كفار مكة، ﴿كافة﴾، يعنى جميعا، ﴿كما يقاتلونكم كافة﴾ يقول: إن قاتلوكم في الشهر الحرام، فاقتلوهم جميعا، ﴿واعلموا أن الله﴾ في النصر ﴿مع المتقين﴾ [آية :36] الشرك.
التوبة 9:37
﴿إنما النسيء زيادة﴾، يعنى به في المحرم زيادة ﴿في الكفر﴾، وذلك أن أبا ثمامة الكناني، اسمه جبارة بن عوف بن أمية بن فقيم بن الحارث، وهو أول من ذبح لغير الله الصفرة في رجب، كان يقف بالموسم، ثم ينادي: إن آلهتكم قد حرمت صفر العام، فيحرمون فيه الدماء والأموال، ويستحلون ذلك في المحرم، فإذا كان من قابل نادى: إن آلهتكم قد حرمت المحرم العام، فيحرمون فيه الدماء والأموال، فيأخذ به هوازن وغطفان، وسليم، وثقيف، وكنانة، فذلك قوله: ﴿إنما النسيء﴾ يعنى ترك المحرم ﴿زيادة في الكفر﴾ ﴿يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما﴾، يقول: يستحلون المحرم عاما، فيصيبون فيه الدماء والأموال، ويحرمونه عاما، فلا يصيبون فيه الدماء والأموال، ولا يستحلونها فيه، ﴿ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا﴾ في المحرم ﴿ما حرم الله﴾ فيه من الدماء والأموال، ﴿زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين﴾ [آية :37].
التوبة 9:38
﴿يا أيها الذين ءامنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله﴾، نزلت في المؤمنين، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالسير إلى غزوة تبوك في حر شديد، ﴿اثاقلتم إلى الأرض﴾، فتثاقلوا عنها، ﴿أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل﴾ [آية :38] يعنى إلا ساعة من ساعات الدنيا.
التوبة 9:39
ثم خوفهم: ﴿إلا تنفروا﴾ في غزاة تبوك إلى عدوكم، ﴿يعذبكم عذابا أليما﴾، يعنى وجيعا، ﴿ويستبدل قوما غيركم﴾ أمثل منكم، وأطوع لله منكم، ﴿ولا تضروه شيئا﴾، يعنى ولا تنقصوا من ملكه شيئا بمعصيتكم إياه، إنما تنقصون أنفسكم، ﴿والله على كل شيء﴾ أراده ﴿قدير﴾ [آية :39]، إن شاء عذبكم واستبدل بكم قوما غيركم.
التوبة 9:40
ثم قال للمؤمنين: ﴿إلا تنصروه﴾، يعنى النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿فقد نصره الله﴾ هذه أول آية نزلت من براءة، وكانت تسمى الفاضحة، لما ذكر الله فيها من عيوب
المنافقين، ﴿إذ أخرجه الذين كفروا﴾ بتوحيد الله من مكة، ﴿ثاني اثنين﴾ فهو النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، ﴿إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: ﴿لا تحزن﴾ ﴿إن الله معنا﴾ في الدفع عنا، وذلك حين خاف القافة حول الغار، فقال أبو بكر: أتينا يا نبي الله، وحزن أبو بكر، فقال: إنما أنا رجل واحد، وإن قتلت أنت تهلك هذه الأمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لا تحزن﴾.
ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اعم أبصارهم عنا" ففعل الله ذلك بهم، ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾، يعنى النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وأيده بجنود لم تروها﴾، يعنى الملائكة يوم بدر، ويوم الأحزاب، ويوم خيبر، ﴿وجعل كلمة الذين كفروا﴾، يعني دعوة الشرك، ﴿السفلى وكلمة الله﴾، يعنى دعوة الإخلاص، ﴿هي العليا﴾ يعنى العالية، ﴿والله عزيز﴾ في ملكه، ﴿حكيم﴾ [آية :40] حكم إطفاء دعوة المشركين، وإظهار التوحيد.
التوبة 9:41
﴿انفروا﴾ إلى غزاة تبوك ﴿خفافا وثقالا﴾، يعنى نشاطا وغير نشاط، ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله﴾، يعنى الجهاد، ﴿ذلكم خير لكم﴾ من القعود، ﴿إن كنتم تعلمون﴾ [آية :41].
التوبة 9:42
﴿لو كان عرضا قريبا﴾، يعني غنيمة قريبة، ﴿وسفرا قاصدا﴾، يعنى هينا، ﴿لا تبعوك﴾ في غزاتك، ﴿ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعناج يعنى لو وجدنا سعة في المال، ﴿لخرجنا معكم﴾ في غزاتكم، ﴿يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون﴾ [آية :42] بأن لهم سعة في الخروج، ولكنهم لم يريدوا الخروج منهم: جد بن قيس، ومعتب بن قشير، وهما من الأنصار.
التوبة 9:43
ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿عفا الله عنك لم أذنت لهم﴾ في القعود، يعنى في التخلف، ﴿حتى يتبين لك الذين صدقوا﴾ في قولهم، يعنى أهل العذر، منهم: المقداد ابن الأسود الكندي، وكان سمينا، ﴿وتعلم الكاذبين﴾ [آية :43] في قولهم، يعنى من لا قدر لهم.
التوبة 9:44
﴿لا يستأذنك﴾ في القعود ﴿الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، يعنى الذين يصدقون بتوحيد الله، وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال أنه كائن، ﴿أن يجاهدوا﴾ العدو من غير عذر، ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ كراهية الجهاد، ﴿والله عليم بالمتقين﴾ [آية :44] الشرك.
التوبة 9:45
ثم ذكر المنافقين، فقال: ﴿إنما يستأذنك﴾ في الجهاد وبعد الشقة، ﴿الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، لا يصدقون بالله، ولا باليوم الآخر، يعنى لا يصدقون بالله ولا بتوحيده، ولا بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿وارتابت﴾، يعنى شكت ﴿قلوبهم﴾ في الدين، ﴿فهم في ريبهم﴾، يعنى في شكهم، ﴿يترددون﴾ [آية :45] وهم تسعة وثلاثون رجلا.
التوبة 9:46
ثم أخبر عن المنافقين، فقال: ﴿ولو أرادوا الخروج﴾ إلى العدو، ﴿لأعدوا له عدة﴾ يعنى به النية، ﴿ولكن كره الله انبعاثهم﴾، يعنى خروجهم، ﴿فثبطهم﴾ عن غزاة تبوك، ﴿وقيل اقعدوا﴾ وحيا إلى قلوبهم، ﴿مع القاعدين﴾ [آية :46] ألهمو ذلك، يعنى مع المتخلفين.
التوبة 9:47
﴿لو خرجوا فيكم﴾ يعنى معكم إلى العدو، ﴿ما زادوكم إلا خبالا﴾ يعنى عيا، ﴿ولأ وضعوا خلالكم﴾ يتخلل الراكب الرجلين حتى يدخل بينهما، فيقول ما لا ينبغي ﴿يبغونكم الفتنة﴾ يعنى الكفر، ﴿وفيكم﴾ معشر المؤمنين، ﴿سماعون لهم﴾ من غير المنافقين، اتخذهم المنافقون عيونا لهم يحدثونهم، ﴿والله عليم بالظالمين﴾ [آية :47] منهم: عبد الله بن أبى، وعبد الله بن نبيل، وجد بن قيس، ورفاعة بن التابوت، وأوليس بن قيظى.
التوبة 9:48
ثم أخبر عن المنافقين، فقال: ﴿لقد ابتغوا الفتنة من قبل﴾ يعنى الكفر في غزوة تبوك، ﴿وقلبوا لك الأمور﴾ ظهرا لبطن كيف يصنعون، ﴿حتى جاء الحق﴾، يعنى الإسلام، ﴿وظهر أمر الله﴾ يعنى دين الإسلام، ﴿وهم كارهون﴾ [آية :48] للإسلام.
التوبة 9:49
﴿ومنهم﴾، يعنى من المنافقين، ﴿من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾، ولذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالجهاد إلى غزاة تبوك، وذكر بنات الأصفر لقوم، وقال: "لعلكم تصيبون منهن" قال ذلك ليرغبهم في الغزو، وكان الأصفر رجلا من الحبش، فقضى الله له أن ملك الروم، فاتخذ من نسائهم لنفسه، وولدن له نساء كن مثلا في الحسن، فقال جد بن قيس الأنماري، من بني سلمة بن جشم: يا رسول الله، قد علمت الأنصار حرصي على النساء وإعجابي بهن، وإني أخاف أن أفتتن بهن، فأذن لي ولا تفتني ببنات الأصفر، وإنما اععتل بذلك كراهية الغزو، فأنزل الله عز وجل: ﴿ومنهم﴾، يعنى من المنافقين، ﴿من يقول ائذن لي ولا تفتني﴾ يقول الله: ﴿ألا في الفتنة سقطوا﴾، يقول: ألا في الكفر وقعوا، ﴿وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ [آية :49].
التوبة 9:50
ثم أخبر عنهم وعن المتخلفين بغير عذر، فقال: ﴿إن تصبك حسنة تسؤهم﴾، يعنى الغنيمة في غزاتك يوم بدر تسوءهم، ﴿وإن تصبك مصيبة﴾ بلاء من العدو يوم أحد، وهزيمة وشدة، ﴿يقولوا قد أخذنا أمرنا﴾ في القعود ﴿من قبل﴾ أن تصبك مصيبة، ﴿ويتولوا وهم فرحون﴾ [آية :50] لما أصابك من شدة.
التوبة 9:51
يقول الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا﴾ من شدة أو رخاء، ﴿هو مولانا﴾، يعنى ولينا، ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آية :51] يعني وبالله فليثق الواثقون.
التوبة 9:52
﴿قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنين﴾، إما الفتح والغنيمة في الدنيا، وإما شهادة فيها الجنة في الآخرة والرزق، ﴿ونحن نتربص بكم﴾ العذاب والقتل، ﴿أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو﴾ عذاب ﴿بأيدينا﴾ فنقتلكم ﴿فتربصوا﴾ بنا الشر، ﴿إنا معكم متربصون﴾ [آية :52] بكم العذاب.
التوبة 9:53
﴿قل﴾ يا محمد للمنافقين: ﴿أنفقوا طوعا﴾ من قبل أنفسكم، ﴿أو كرها﴾ مخافة القتل، ﴿لن يتقبل منكم﴾ النفقة، ﴿إنكم كنتم قوما فاسقين﴾ [آية :53]، يعنى عصاة.
التوبة 9:54
﴿وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله﴾ بالتوحيد ﴿و﴾ كفروا ﴿وبرسوله﴾ بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه ليس برسول، ﴿ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى﴾ يعنى متثاقلين ولا يرونها واجبة عليهم، ﴿ولا ينفقون﴾، يعنى المنافقين الأموال، ﴿إلا وهم كارهون﴾ [آية :54] غير محتسبين.
التوبة 9:55
﴿فلا تعجبك﴾ يا محمد ﴿أموالهم ولا أولادهم﴾ يعنى المنافقين، ﴿إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا﴾ بما يلقون في جمعها من المشقة، وفيها من المصائب، ﴿وتزهق أنفسهم﴾ يعنى ويريد أن تذهب أنفسهم على الكفر فيميتهم كفارا، فذلك قوله: ﴿وهم كافرون﴾ [آية :55] بتوحيد الله ومصيرهم إلى النار.
التوبة 9:56
﴿ويحلفون بالله﴾ يعنيهم، ﴿إنهم لمنكم﴾ معشر المؤمنين على دينكم، يقول الله: ﴿وما هم منكم﴾ على دينكم، ﴿ولكنهم قوم يفرقون﴾ [آية :56] القتل، فيظهرون الإيمان.
التوبة 9:57
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿لو يجدون ملجئا﴾ يعنى حرزا يلجأون إليه، ﴿أو مغارات﴾، يعنى الغيران في الجبال، ﴿أو مدخلا﴾، يعنى سربا في الأرض، ﴿لولوا إليه﴾ وتركوك يا محمد، ﴿وهم يجمحون﴾ [آية :57]، يعنى يستبقون إلى الحرز.
التوبة 9:58
﴿ومنهم﴾، يعنى المنافقين، ﴿من يلمزك في الصدقات﴾، يعنى يطعن عليك، نظيرها: ﴿ويل لكل همزة لمزة﴾ [الهمزة :1] وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الصدقة، وأعطى بعض المنافقين، ومنع بعضا، وتعرض له أبو الخواص، فلم يعطه شيئا، فقال أبو الخواص: ألا ترون إلى صاحبكم، إنما يقسم صدقاتكم في رعاء الغنم، وهو يزعم أنه يعدل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أبا لك، أما كان موسى راعيا، أما كان داود راعيا"، فذهب أبو الخواص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "احذروا هذا وأصحابه، فإنهم منافقون" فأنزل الله: ﴿ومنهم من يلمزك في الصدقات﴾، يعنى يطعن عليك بأنك لم تعدل في القسمة، ﴿فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون﴾ [آية :58].
التوبة 9:59
﴿ولو أنهم رضوا ما آتاهم﴾، يعنى ما أعطاهم، ﴿الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله﴾، يعنى سيغنينا الله، ﴿من فضله ورسوله﴾، فيها تقديم، ﴿إنا إلى الله راغبون﴾ [آية :59].
التوبة 9:60
ثم أخبر عن أبى الخواص، أن غير أبى الخواص أحق منه بالصدقة، وبين أهلها، فقال: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾ الذين لا يسألون الناس، ﴿والمساكين﴾ الذين يسألون الناس، ﴿والعاملين عليها﴾ يعطون مما جبوا من الصدقات على قدر ما جبوا من الصدقات، وعلى قدر ما شغلوا به أنفسهم عن حاجتهم، ﴿والمؤلفة قلوبهم﴾ يتألفهم بالصدقة، يعطيهم منها، منهم: أبو سفيان، وعيينة بن حصن، وسهل بن عمرو، وقد انقطع حتى المؤلفة اليوم، إلا أن ينزل قوم منزلة أولئك، فإن أسلموا أعطوا من الصدقات، تتألفهم بذلك ليكونوا دعاة إلى الدين، ﴿وفي الرقاب﴾، يعنى وفي فك الرقاب، يعنى أعطوا المكاتبين، ﴿والغارمين﴾، وهو الرجل يصيبه غرم في ماله من غير فساد ولا معصية، ﴿وفي سبيل الله﴾، يعنى في الجهاد، يعطى على قدر ما يبلغه في غزاته، ﴿وابن السبيل﴾، يعنى المسافر المجتاز وبه حاجة، يقول: ﴿فريضة من الله﴾ لهم هذه القسمة ؛ لأنهم أهلها، ﴿والله عليم﴾ بأهلها، ﴿حكيم﴾ [آية :60] حكم قسمتها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحل الصدقة لمحمد، ولا لأهله، ولا تحل الصدقة لغنى، ولا لذي مرة سوى" يعنى القوى الصحيح، وكان المؤلفة قلوبهم ثلاث عشر رجلا، منهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية، والأقرع بن حابس المجاشعي، وعيينة بن حصن الفزارى، وحويطب بن عبد العزى القرشي، من بنى عامر بن لؤي، والحارث بن هشام المخزومي، وحكيم بن حزام، من بنى أسد بن عبد العزى، ومالك بن عوف النضرى، وصفوان بن أمية القرشي، وعبد الرحمن بن يربوع، وقيس بن عدي السهمي، وعمرو بن مرداس، والعلاء بن الحارث الثقفي، أعطى كل رجل منهم مائة من الإبل ليرغبهم في الإسلام ويناصحون الله ورسوله، غير أنه أعطى عبد الرحمن بن يربوع خمسين من الإبل، وأعطى حويطب بن عبد العزى القرشي خمسين من الإبل، وكان أعطى حكيم بن حزام سبعين من الإبل، فقال: يا بني الله، ما كنت أرى أن أحدا من المسلمين أحق بعطائك منى، فزاده النبي صلى الله عليه وسلم فكره، ثم زاده عشرة فكره، فأتمها له مائة من الإبل، فقال حكيم: يا رسول الله، عطيتك الأولى التي رغبت عنها، أهي خير أم التي قنعت بها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الإبل التي رغبت عنها" فقال والله لا آخذ غيرها، فأخذ السبعين، فمات وهو أكثر قريش مالا، فشق على النبي صلى الله عليه وسلم تلك العطايا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعطى رجلا وأترك آخر، وإن الذي أترك أحب إلي من الذي أعطى، ولكن أتألف بالعطية، وأوكل المؤمن إلى إيمانه".
التوبة 9:61
﴿ومنهم﴾، يعنى من المنافقين، ﴿الذين يؤذون النبي﴾ صلى الله عليه وسلم، منهم: الجلاس بن سويد، وشماس بن قيس، والمخش بن حمير، وسماك بن يزيد، وعبيد بن الحارث، ورفاعة بن زيد، ورفاعة بن عبد المنذر، قالوا ما لا ينبغي، فقال رجل منهم: لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغ محمدا فيقع بنا، فقال الجلاس: نقول ما شئنا، فإنما محمد أذن سامعة، فنأتيه بما نقول، فنزلت في الجلاس: ﴿ويقولون هو أذن﴾ يعنى النبي صلى الله عليه وسلم ﴿قل أذن خير لكم يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين﴾ يعنى يصدق بالله، ويصدق المؤمنين، ﴿ورحمة للذين ءامنوا منكم﴾ يقول: محمد رحمة للمؤمنين، كقوله: ﴿رؤوف رحيم﴾ [التوبة :128] يعنى للمصدقين بتوحيد الله، ﴿رؤوف رحيم﴾ ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم﴾ [آية :61] يعنى وجيع.
التوبة 9:62
﴿يحلفون بالله لكم ليرضوكم﴾ بعد اليوم، منهم: عبد الله بن أبى، حلف ألا نتخلف عنك، ولنكونن معك على عدوك، ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾، فيها تقديم، ﴿إن كانوا مؤمنين﴾ [آية :62] يعنى مصدقين بتوحيد الله عز وجل.
التوبة 9:63
﴿ألم يعلموا﴾ يعنى المنافقين، ﴿أنه من يحادد الله ورسوله﴾ يعنى يعادي الله ورسوله، ﴿فأن له نار جهنم خالدا فيها﴾ لا يموت، ﴿ذلك﴾ العذاب ﴿الخزي العظيم﴾ [آية :63].
التوبة 9:64
قوله: ﴿يحذر المنافقون﴾ نزلت في الجلاس بن سويد وسماك بن عمر، ووداعة بن ثابت، والمخش بن حمير الأشجعي، وذلك أن المخش قال لهم: والله لا أدرى إني أشر خليقة الله، والله لوددت أنى جلدت مائة جلدة، وأنه لا ينزل فينا ما يفضحنا، فنزل: ﴿يحذر المنافقون﴾ ﴿أن تنزل عليهم سورة﴾ يعنى براءة، ﴿تنبئهم بما في قلوبهم﴾ من النفاق، وكانت تسمى الفاضحة، ﴿قل استهزءوا إن الله مخرج﴾ مبين ﴿ما تحذرون﴾ [آية :64].
التوبة 9:65
﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾، وذلك حين انصرف النبي صلى الله عليه وسلم من غزاة تبوك إلى المدينة، وبين يديه هؤلاء النفر الأربعة يسيرون، ويقولون: إن محمدا يقول إنه نزل في إخواننا الذين تخلفوا في المدينة كذا وكذا، وهم يضحكون ويستهزءون، فأتاه جبريل، فأخبره بقولهم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمارا أنهم يستهزءون ويضحكون من كتاب الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وإنك إذا سألتهم ليقولن لك: ﴿إنما كنا نخوض ونلعب﴾ فيما يخوض في الركب إذا ساروا، قال: فأدركهم قبل أن يحترقوا فأدركهم، فقال: ما تقولون؟ قالوا: فيما يخوض فيه الركب إذا ساروا، قال عمار: صدق الله ورسوله، وبلغ الرسول، عليه السلام، عليكم غضب الله، هلكتم أهلككم الله.
ثم انصرف إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء القوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم يعتذرون إليه، فقال المخش: كنت أسايرهم والذي أنزل عليك الكتاب ما تكلمت بشيء مما قالوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينههم عن شيء مما قالوا، وقبل العذر، فأنزل الله عز وجل: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب﴾ يعنى ونتلهى، ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون﴾ [آية :65] استهزءوا بالله لأنهما من الله عز وجل.
التوبة 9:66
﴿لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن تعف عن طائفة منكم﴾، يعنى المخش الذي لم يخض معهم، ﴿نعذب طائفة﴾ يعنى الثلاثة الذين خاضوا واستهزءوا، ﴿بأنهم كانوا مجرمين﴾ [آية :66] فقال المخش للنبي صلى الله عليه وسلم: وكيف لا أكون منافقا واسمي وأسمائي أخبث الأسماء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ما اسمك؟" قال: المخش بن حمير الأشجعي حليف الأنصار لبنى سلمة بن جشم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنت عبد الله بن عبد الرحمن، فقتل يوم اليمامة".
التوبة 9:67
ثم أخبر عن المنافقين، فقال: ﴿المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض﴾، يعنى أولياء بعض في النفاق، ﴿يأمرون بالمنكر﴾، يعنى بالتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، ﴿وينهون عن المعروف﴾ يعنى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، ﴿ويقبضون أيديهم﴾، يعنى يمسكون عن النفقة في خير، ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ يقول: تركوا العمل بأمر الله، فتركهم الله عز وجل من ذكره، ﴿إن المنافقين هم الفاسقون﴾ [آية :67].
التوبة 9:68
﴿وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار﴾ يعنى مشركي العرب، ﴿نار جهنم خالدين فيها﴾ لا يموتون، ﴿هي حسبهم﴾ يقول: حسبهم بجهنم شدة العذاب، ﴿ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم﴾ [آية :68] يعنى دائم.
التوبة 9:69
هؤلاء المنافقون والكفار، ﴿كالذين من قبلكم﴾، يعنى من الأمم الخالية، ﴿كانوا أشد منكم قوة﴾، يعنى بطشا، ﴿وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم﴾ يعنى بنصيبهم من الدنيا، ﴿فاستمتعتم بخلاقكم﴾، يعنى بنصيبكم من الدنيا، كقوله: ﴿لا خلاق لهم﴾ [آل عمران :77] يعنى لا نصيب لهم، ثم قال: ﴿كما استمتع الذين من قبلكم﴾ من الأمم الخالية، ﴿بخلاقهم﴾، يعني بنصيبهم، ﴿وخضتم﴾ أنتم في الباطل والتكذيب، ﴿كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم﴾ يعنى بطلت أعمالهم، فلا ثواب لهم ﴿في الدنيا و﴾ ولا في ﴿والآخرة﴾ ؛ لأنها كانت في غير إيمان، ﴿وأولئك هم الخاسرون﴾ [آية :69].
التوبة 9:70
ثم خوفهم، فقال: ﴿ألم يأتهم نبأ﴾، يعنى حديث ﴿الذين من قبلهم﴾، يعنى عذاب ﴿قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين﴾، يعنى قوم شعيب، ﴿والمؤتفكات﴾ يعنى المكذبات، يعنى قوم لوط القرى الأربعة، ﴿أتتهم رسلهم بالبينات﴾ تخبرهم أن العذاب نازل بهم في الدنيا، فكذبوهم فأهلكوا، ﴿فما كان الله ليظلمهم﴾، يعنى أن يعذبهم على غير ذنب، ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ [آية :70].
التوبة 9:71
ثم ذكر المؤمنين وتقاهم، فقال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات﴾، يعنى المصدقين بتوحيد الله، ﴿والمؤمنات﴾ يعنى المصدقات بالتوحيد، يعنى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم على بن أبي طالب، رضى الله عنه، ﴿بعضهم أولياء بعض﴾ في الدين، ﴿يأمرون بالمعروف﴾، يعنى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة﴾ يعنى ويتمون الصلوات الخمس، ﴿ويؤتون الزكاة﴾، يعنى ويعطون الزكاة، ﴿ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز﴾ في ملكه، ﴿حكيم﴾ [آية :71] في أمره.
التوبة 9:72
قوله: ﴿وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن﴾، يعنى قصور الياقوت والدر، فتهب ريح طيبة من تحت العرش بكثبان المسك الأبيض، نظيرها في ﴿هل أتى﴾: ﴿نعيما وملكا كبيرا﴾ [الإنسان :20] عاليهم كثبان المسك الأبيض، ثم قال: ﴿ورضوان من الله﴾، يعنى ورضوان الله عنهم، ﴿أكبر﴾ يعنى أعظم مما أعطوا في الجنة من الخير، ﴿ذلك﴾ الثواب ﴿هو الفوز العظيم﴾ [آية :72] وفي ذلك أن الملك من الملائكة يأتي باب ولى الله فلا يدخل عليه إلا بإذنه، والقصة في: ﴿هل أتى على الإنسان﴾.
التوبة 9:73
قوله: ﴿يا أيها النبي جهد الكفار والمنافقين﴾، يعنى كفار العرب بالسيف، ﴿واغلظ عليهم﴾ على المنافقين باللسان، ثم ذكر مستقرهم في الآخرة، فقال: ﴿ومأواهم جهنم﴾ يعنى مصيرهم جهنم، يعنى كلا الفريقين، ﴿وبئس المصير﴾ [آية :73] يعنى حين يصيرون إليها.
التوبة 9:74
﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام غزاة تبوك شهرين ينزل عليه القرآن، ويعيب المنافقين المتخلفين، جعلهم رجسا، فسمع من غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم من المنافقين، فغضبوا لإخوانهم المتخلفين، فقال جلاس بن سويد بن الصامت، وقد سمع عامر بن قيس الأنصاري، من بني عمرو بن عوف، الجلاس يقول: والله لئن كان ما يقول محمد حقا كإخواننا الذين خلفناهم وهم سراتنا وأشرافنا، لنحن أشر من الحمير، فقال عامر بن قيس للجلاس: أجل والله، إن محمدا لصادق مصدق، ولأنت أشر من الحمار.
فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، أخبر عاصم بن عدى الأنصاري عن قول عامر بما قال الجلاس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عامر والجلاس، فذكر النبى صلى الله عليه وسلم للجلاس ما قال، فحلف الجلاس بالله ما قال ذلك، فقال عامر: لقد قاله وأعظم منه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما هو؟" قال: أرادوا قتلك فنفر الجلاس من ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قوما فاحلفا" فقاما عند المنبر، فحلف الجلاس ما قال ذلك، وأن عامرا كذب، ثم حلف عامر بالله إنه لصادق، ولقد سمع قوله، ثم رفع عامر بيده، فقال: اللهم أنزل على عبدك ونبيك تكذيب الكاذب وصدق الصادق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "آمين" فأنزل في الجلاس: ﴿يحلفون بالله ما قالوا﴾.
﴿ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم﴾، يعنى بعد إقرارهم بالإيمان، ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ من قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة، ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم﴾، فقال الجلاس: فقد عرض الله على التوبة، أجل والله لقد قلته، فصدق عامرا، وتاب الجلاس وحسنت توبته، ثم قال: ﴿وهموا بما لم ينالوا﴾ من قتل النبي صلى الله عليه وسلم، يعنى المنافقين أصحاب العقبة ليلة هموا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم بالعقبة بغزوة تبوك، منهم عبد الله بن أبى، رأس المنافقين، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح، وطعمة بن أبيرق، والجلاس بن سويد، ومجمع بن حارثة، وأبو عامر بن النعمان، وأبو الخواص، ومرارة بن ربيعة، وعامر بن الطفيل، وعبد الله بن عتيبة، ومليح التميمي، وحصن بن نمير، ورجل آخر، هؤلاء اثنا عشر رجلا، وتاب أبو لبابة عن عبد المنذر، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك الشاعر، وكانوا خمسة عشر رجلا. ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم﴾ ﴿وإن يتولوا﴾ عن التوبة، ﴿يعذبهم الله عذابا أليما﴾، يعنى شديدا، ﴿في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولي﴾ يمنعهم ﴿ولا نصير﴾ [آية :74]، يعنى مانع من العذاب.
التوبة 9:75
﴿ومنهم﴾ يعنى من المنافقين، ﴿من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن﴾ ولنصلن رحمى، ﴿ولنكونن من الصالحين﴾ [آية :75] يعنى من المؤمنين بتوحيد الله ؛ لأن المنافقين لا يخلصون بتوحيد الله عز وجل، فأتاه الله برزقه، وذلك أن مولى لعمر بن الخطاب قتل رجلا من المنافقين خطأ، وكان حميما لحاطب، فدفع النبي صلى الله عليه وسلم دينه إلى ثعلبة بن حاطب، فبخل ومنع حق الله، وكان المقتول قرابة بن ثعلبة بن حاطب.
التوبة 9:76
يقول الله: ﴿فلما آتاهم من فضله﴾ يعنى أعطاهم من فضله، ﴿يخلوا به وتولوا وهم معرضون﴾ [آية :76].
التوبة 9:77
﴿فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه﴾ يعنى إلى يوم القيامة، ﴿بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ [آية :77] لقوله: لئن آتانا الله، يعنى أعطاني الله، لأصدقن ولأفعلن، ثم لم يفعل.
التوبة 9:78
ثم ذكر أصحاب العقبة، فقال: ﴿ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم﴾ يعنى الذي أجمعوا عليه من قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿وأن الله علام الغيوب﴾ [آية :78].
التوبة 9:79
ثم نعت المنافقين، فقال: ﴿الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الناس بالصدقة وهو يريد غزاة تبوك، وهى غزاة العسرة، فجاء عبد الرحمن بن عوف الزهري بأربعة آلاف درهم، كل درهم مثقال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أكثرت يا عبد الرحمن بن عوف، هل تركت لأهلك شيئا؟" قال: يا رسول الله، ما لي ثمانية آلاف، أما أربعة آلاف فأقرضتها ربى، وأما أربعة آلاف الأخرى، فأمسكتها لنفسي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت"، فبارك الله في مال عبد الرحمن، حتى أنه يوم مات بلغ ثمن ماله لامرأتيه ثمانين ومائة ألف، لكل امرأة تسعون ألفا.
وجاء عاصم بن عدي الأنصاري، من بنى عمرو بن عوف بسبعين وسقا من تمر، وهو حمل بعير، فنثره في الصدقة، واعتذر إلى النبي صلى الله عليه وسلم من قلته، وجاء أبو عقيل بن قيس الأنصاري، من بنى عمرو، بصاع فنثره في الصدقة، فقال: يا نبي الله، بت ليلتي أعمل في النخل أجر بالجرين على صاعين، فصاع أقرته ربى، وصاع تركته لأهلي، فأحببت أن يكون لي نصيب في الصدقة، ونفر من المنافقين جلوس، فمن جاء بشيء كثير، قالوا: مراء، ومن جاء بقليل، قالوا: كان هذا أفقر إلى ماله، وقالوا لعبد الرحمن وعاصم: ما أنفقتم إلا رياء وسمعة، وقالوا لأبى عقيل: لقد كان الله ورسوله غنيين عن صاع أبى عقيل.
فسخروا وضحكوا منهم، فأنزل الله عز وجل: ﴿الذسن يلمزون﴾، يعني يطعنون، يعني معتب بن قيس، وحكيم بن زيد، ﴿المطوعين من المؤمنين في الصدقات﴾، يعني عبد الرحمن بن عوف، وعاصم، ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم﴾، يعنى أبا عقيل، ﴿فيسخرون منهم﴾، يعنى من المؤمنين، ﴿سخر الله منهم﴾، يعنى سخر الله من المنافقين في الآخرة، ﴿ولهم عذاب أليم﴾ [آية :79]، يعنى وجيع، نظيرها: ﴿إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم﴾ [هود :38] يعنى سخر الله من المنافقين.
التوبة 9:80
﴿استغفر لهم﴾، يعنى المنافقين، ﴿أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ذلك بأنهم كفروا بالله ورسوله والله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [آية :80]
فقال عمر بن الخطاب: لا تستغفر لهم بعد ما نهاك الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يا عمر، أفلا استغفر لهم إحدى وسبعين مرة".
فأنزل الله عز وجل: ﴿سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين﴾ [المنافقون :6] من شدة غضبه عليهم، فصارت الآية التي في براءة منسوخة، نسختها التي في المنافقين: ﴿أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم﴾.
التوبة 9:81
﴿فرح المخلفون بمقعدهم﴾ عن غزاة تبوك، ﴿خلاف رسول الله﴾ وهم بضع وثمانون رجلا، منهم من اعتل بالعسرة، وبغير ذلك، ﴿وكرهوا أن يجهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا﴾ بعضهم لبعض: ﴿لا تنفروا في الحر﴾ مع محمد صلى الله عليه وسلم إلى غزاة تبوك في سبعة نفر، أبو لبابة وأصحابه، قالوا بأن الحر شديد والسفر بعيد، ﴿قل﴾ يا محمد: ﴿نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون﴾ [آية :81] في قراءة ابن مسعود: لو كانوا يعلمون.
التوبة 9:82
﴿فليضحكوا﴾ في الدنيا ﴿قليلا﴾، يعنى بالقليل الاستهزاء، فإن ضحكهم ينقطع، ﴿وليبكوا كثيرا﴾ في الآخرة في النار ندامة، والكثير الذي لا ينقطع، ﴿جزاء بما كانوا يكسبون﴾ [آية :82].
التوبة 9:83
﴿فإن رجعك الله﴾ من غزاة تبوك إلى المدينة، ﴿إلى طائفة منهم فاستئذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا﴾ في غزاة، ﴿ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة﴾، يعنى من تخلف من المنافقين، وهى طائفة، وليس كل من تخلف عن غزاة تبوك منافق، ﴿فاقعدوا﴾ عن الغزو ﴿مع الخالفين﴾ [آية :83] منهم: عبد الله بن أبى، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير.
التوبة 9:84
وذلك أن عبد الله بن أبى رأس المنافقين توفى، فجاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أنشدك بالله أن تشمت بي الأعداء، فطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي على أبيه، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعل، فنزلت فيه: ﴿ولا تصل على أحد منهم﴾، يعنى من المنافقين، ﴿مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله﴾ يعنى بتوحيد الله، ﴿و﴾ كفروا ب ﴿ورسوله﴾ بأنه ليس برسول، ﴿وماتوا وهم فاسقون﴾ [آية :84]، فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فلم يصل عليه، وأمر أصحابه فصلوا عليه.
التوبة 9:85
﴿ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق﴾، يقول: وتذهب ﴿أنفسهم﴾ كفارا، يعنى يموتون على الكفر، فذلك قوله: ﴿وهم كافرون﴾ [آية :85].
التوبة 9:86
﴿وإذا أنزلت سورة﴾ يعنى براءة فيها ﴿أن ءامنوا بالله﴾ يعنى أن صدقوا بالله وبتوحيده، ﴿وجاهدوا﴾ العدو ﴿مع رسوله استئذنك﴾ يا محمد ﴿أولوا الطول منهم﴾، يعنى أهل السعة من المال منهم، يعنى من المنافقين، ﴿وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين﴾ [آية :86]، يعنى مع المتخلفين عن الغزو، منهم: جد بن قيس، ومعتب بن قشير.
التوبة 9:87
يقول الله: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾، يعنى مع النساء، ﴿وطبع﴾، يعنى وختم ﴿على قلوبهم﴾ بالكفر، ﴿فهم لا يفقهون﴾ [آية :87] التوحيد.
التوبة 9:88
ثم نعت المؤمنين، فقال: ﴿لكن الرسول والذين ءامنوا معه جاهدوا﴾، العدو ﴿بأموالهم وأنفسهم﴾ في سبيل الله، يعنى في طاعة الله، ﴿وأولئك لهم الخيرات وأولئك هم المفلحون﴾ [آية :88].
التوبة 9:89
﴿أعد الله لهم﴾ في الآخرة ﴿جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها﴾ لا يموتون، ﴿ذلك﴾ الثواب الذي ذكر هو ﴿الفوز العظيم﴾ [آية :89].
التوبة 9:90
﴿وجاء المعذرون من الأعراب﴾ إلى النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ليؤذن لهم﴾ القعود، وهم خمسون رجلا، منهم أبو الخواص الأعرابي، ﴿وقعد﴾ عن الغزو ﴿الذين كذبوا الله﴾، يعنى بتوحيد الله، ﴿و﴾ كذبوا ب ﴿ورسوله﴾ أنه ليس برسول، ﴿سيصيب الذين كفروا منهم﴾، يعنى المنافقين، ﴿عذاب أليم﴾ [آية :90] يعنى وجيع.
التوبة 9:91
ثم رخص فقال: ﴿ليس على الضعفاء﴾، يعنى الزمني والشيخ الكبير، ﴿ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج﴾ في القعود، ﴿إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور﴾ لتخلفهم عن الغزو، ﴿رحيم﴾ [آية :91] بهم، يعنى جهينة، ومزينة، وبني عذرة.
التوبة 9:92
﴿ولا﴾ حرج ﴿على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت﴾ لهم يا محمد: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه تولوا﴾ يعنى انصرفوا عنك، ﴿وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون﴾ [آية :92] في غزاتهم، نزلت في سبع نفر، منهم: عمرو بن عبسة من بني عمرو بن يزيد بن عوف، وعلقمة بن يزيد، والحارث من بني واقد، وعمرو بن حزام من بني سلمة، وسالم بن عمير من عمرو بن عوف، وعبد الرحمن بن كعب من بني النجار، هؤلاء الستة من الأنصار، وعبد الله بن معقل المزني، ويكنى أبا ليلى عبد الله.
وذلك أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: احملنا، فإنا لا نجد ما نخرج عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لا أجد ما أحملكم عليه تولوا﴾، انصرفوا من عنده وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ،
التوبة 9:93
ثم عاب أهل السعة، فقال: ﴿إنما السبيل على الذين يستئذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾، يعنى مع النساء بالمدينة، وهم المنافقون، ﴿وطبع الله على قلوبهم﴾، يعنى وختم على قلوبهم بالكفر، يعنى المنافقين، ﴿فهم لا يعلمون﴾ [آية :93].
التوبة 9:94
ثم أخبر عنهم، فقال: ﴿يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم﴾ من غزاتكم، يعنى عبد الله بن أبي، ﴿قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم﴾، يعنى لن نصدقكم بما تعتذرون، ﴿قد نبأنا الله من أخباركم﴾ يقول: قد أخبرنا الله عنكم وعن ما قلتم حين قال لنا: ﴿لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا﴾ يعني إلا عيا، ﴿ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة﴾ [التوبة :47] فهذا الذي نبأنا الله من أخباركم، ثم قال: ﴿وسيرى الله عملكم ورسوله﴾ فيما تستأذنون، ﴿ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة﴾، يعنى شهادة كل نجوى، ﴿فينبئكم﴾ في الآخرة، ﴿بما كنتم تعملون﴾ [آية :94] في الدنيا.
التوبة 9:95
﴿سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم﴾ يعنى إذا رجعتم ﴿إليهم﴾ إلى المدينة، ﴿لتعرضوا عنهم﴾ في التخلف، ﴿فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون﴾ [آية :95]، فحلف منهم بضع وثمانون رجلا، منهم: جد بن قيس، ومعتب بن قشير، وأبو لبابة، وأصحابه.
التوبة 9:96
﴿يحلفون لكم لترضوا عنهم﴾، وذلك أن عبد الله بن أبي حلف للنبي صلى الله عليه وسلم بالله الذي لا إله إلا هو، لا نتخلف عنك، ولنكونن معك على عدوك، وطلب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأن يرضى عنه وأصحابه، يقول الله: ﴿فإن ترضوا عنهم﴾، يعنى عن المنافقين المتخلفين ﴿فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين﴾ [آية :96] يعنى العاصين.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين قدموا المدينة: "لا تجالسوهم، ولا تكلموهم"
التوبة 9:97
ثم قال: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله﴾، يعنى سنن ما أنزل الله على رسوله في كتابه، يقول: هم أقل فهما بالسنن من غيرهم، ﴿والله عليم حكيم﴾ [:97].
التوبة 9:98
﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق﴾ في سبيل الله ﴿مغرما﴾ لا يحتسبها، كان نفقته غرم يغرمها، ﴿ويتربص بكم الدوائر﴾، يعنى يتربص بمحمد الموت، يقول: يموت فنستريح منه ولا نعطيه أموالنا، ثم قال: ﴿عليهم﴾ بمقالتهم ﴿دائرة السوء﴾ نزلت في أعراب مزينة، ﴿والله سميع﴾ لمقالتهم، ﴿عليم﴾ بها [آية :98].
التوبة 9:99
﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر﴾، يعنى يصدق بالله أنه واحد لا شريك له، ﴿واليوم الآخر﴾، يعنى يصدق بالتوحيد وبالبعث الذي فيه جزاء الأعمال، ﴿ويتخذ ما ينفق﴾ في سبيل الله ﴿قربت عند الله وصلوات الرسول﴾، يعنى واستغفار النبي صلى الله عليه وسلم، ويتخذ النفقة والاستغفار قربات، يعنى زلفى عند الله، فيها تقديم، يقول: ﴿ألا إنها قربة لهم﴾ عند الله، ثم أخبر بثوابهم، فقال: ﴿سيدخلهم الله في رحمته﴾ يعنى جنته، ﴿إن الله غفور﴾ لذنوبهم ﴿رحيم﴾ [آية :99] بهم، نزلت في مقرن المزني.
التوبة 9:100
ثم قال: ﴿والسابقون﴾ إلى الإسلام، ﴿الأولون من المهاجرين والأنصار﴾ الذين صلوا إلى القبلتين، على بن أبي طالب، عليه السلام، وعشر نفر من أهل بدر، ﴿والذين اتبعوهم﴾ على دينهم الإسلام، ﴿بإحسان رضي الله عنهم﴾ بالطاعة، ﴿ورضوا عنه﴾ بالثواب، ﴿وأعد لهم﴾ في الآخرة ﴿جنات تجري﴾ من ﴿تحتها الأنهار﴾ يعنى بساتين تجري تحتها الأنهار، ﴿خالدين فيها أبدا﴾ لا يموتون، ﴿ذلك﴾ الثواب ﴿الفوز العظيم﴾ [آية :100].
التوبة 9:101
﴿وممن حولكم من الأعراب منافقون﴾ يعنى جهينة، ومزينة، وأسلم، وغفار، وأشجع، كانت منازلهم حول المدينة وهم منافقون، ثم قال: ﴿ومن أهل المدينة﴾ منافقون، ﴿مردوا على النفاق﴾ يعنى حذقوا، منهم: عبد الله بن أبي، وجد بن قيس، والجلاس، ومعتب بن قشير، ووحوج بن الأسلت، وأبو عامر بن النعمان الراهب، الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم الفاسق، وهو أبو حنظلة غسيل الملائكة، ﴿لا تعلمهم﴾ يا محمد، ﴿نحن نعلمهم﴾ يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: لا تعرف نفاقهم، نحن نعرف نفاقهم، ﴿سنعذبهم مرتين﴾ عند الموت تضرب الملائكة الوجوه والأدبار، وفي القبر منكر ونكير، ﴿ثم يردون إلى عذاب عظيم﴾ [آية :101] يعنى عذاب جهنم.
التوبة 9:102
﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا﴾، يعنى غزاة قبل غزاة تبوك مع النبي صلى الله عليه وسلم ﴿وآخر سيئا﴾ تخلفهم عن غزاة تبوك، نزلت في أبي لبابة، اسمه مروان بن عبد المنذر، وأوس بن حزام، ووديعة بن ثعلبة، كلهم من الأنصار، وذلك حين بلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أقبل راجعا من غزاة تبوك، وبلغهم ما أنزل الله عز وجل في المتخلفين، أوثقوا أنفسهم هؤلاء الثلاثة إلى سواري المسجد، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قدم من غزاة صلى في المسجد ركعتين قبل أن يدخل إلى أهله، وإذا خرج إلى غزاة صلى ركعتين، فلما رآهم موثقين، سأل عنهم، قيل: هذا أبو لبابة وأصحابه، ندموا على التخلف، وأقسموا ألا يحلوا أنفسهم حتى يحلهم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "وأنا أحلف لا أطلق عنهم حتى أومر، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله عز وجل" فأنزل الله في أبي لبابة وأصحابه: ﴿وءاخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا﴾ يعنى غزوتهم قبل ذلك، ﴿وءاخر سيئا﴾ يعنى تخلفهم بغير إذن، ﴿عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور﴾ لتخلفهم، ﴿رحيم﴾ [آية :102] بهم.
قال مقاتل: العسى من الله واجب، فلما نزلت هذه الآية حلهم النبي عليه السلام، فرجعوا إلى منازلهم، ثم جاءوا بأموالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذه أموالنا التي تخلفنا من أجلها عنك، فتصدق بها، فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يأخذها، فأنزل الله: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾
التوبة 9:103
﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم﴾ من تخلفهم، ﴿وتزكيهم﴾ يعنى وتصلحهم ﴿بها وصل عليهم﴾ يعنى واستغفر لهم، ﴿إن صلواتك سكن لهم﴾ يعنى إن استغفارك لهم سكن لقلوبهم وطمأنينة لهم، ﴿والله سميع﴾ لقولهم: خذ أموالنا فتصدق بها، ﴿عليم﴾ [آية :103] بما قالوا.
التوبة 9:104
﴿ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده ويأخذ﴾ يعنى ويقبل ﴿الصدقات وأن الله هو التواب الرحيم﴾ [آية :104] فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم من أموالهم التي جاءوا بها الثلث، وترك الثلثين ؛ لأن الله عز وجل، قال: ﴿خذ من أموالهم﴾، ولم يقل: خذ أموالهم، فذلك لم يأخذها كلها فتصدق بها عنهم.
التوبة 9:105
﴿وقل﴾ لهم يا محمد: ﴿اعملوا﴾ فيما تستأنفون، ﴿فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ [آية :105].
التوبة 9:106
﴿وآخرون مرجون لأمر الله﴾، يعنى التوبة عن أمر الله، نظيرها: ﴿أرجه وأخاه﴾ [الأعراف :111] يعنى أوقفه وأخاه حتى ننظر في أمرهما، ﴿وآخرون مرجون﴾، يعنى موقوفون للتوبة عن أمر الله مرارة بن ربيعة من بني زيد، وهلال بن أمية من الأنصار من أهل قباء من بني واقب، وكعب بن مالك الشاعر من بني سلمة، كلهم من الأنصار من أهل قباء، لم يفعلوا كفعل أبي لبابة، لم يذكروا بالتوبة ولا بالعقوبة، فذلك قوله: ﴿إما يعذبهم وإما يتوب عليهم﴾ فيتجاوز عنهم، ﴿والله عليم حكيم﴾ [آية :106] في قراءة ابن مسعود: والله غفور رحيم.
التوبة 9:107
ثم قال: ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا﴾، يعنى مسجد المنافقين، ﴿وكفرا﴾ في قلوبهم، يعنى النفاق، ﴿وتفريقا بين المؤمنين﴾، نزلت في اثنى عشر رجلا من المنافقين، وهم من الأنصار كلهم، من بني عمرو بن عوف، منهم: حرج بن خشف، وحارثة بن عمرو وابنه زيد بن حارثة، ونفيل بن الحرث، ووديعة بن ثابت، وحزام بن
خالد، ومجمع بن حارثة، قالوا: نبني مسجدا نتحدث فيه ونخلوا فيه، فإذا رجع أبو عامر الراهب اليهودي من الشام أبو حنظلة غسيل الملائكة، قلنا له: بنيناه لتكون إمامنا فيه.
فذلك قوله: ﴿وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل﴾، يعنى أبا عامر الذي كان يسمى الراهب ؛ لأنه كان يتعبد ويلتمس العلم، فمات كافرا بقنسرين لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يبعد علينا المشي إلى الصلاة، فأذن لنا في بناء مسجد، فأذن لهم، ففرغوا منه يوم الجمعة، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من يؤمهم؟ قال: "رجل منهم" فأمر مجمع بن حارثة أن يؤمهم، فنزلت هذه الآية، وحلف مجمع: ما أردنا ببناء المسجد إلا الخير، فأنزل الله عز وجل في مجمع: ﴿وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون﴾ [آية :107] فيما يحلفون.
التوبة 9:108
﴿لا تقم فيه أبدا﴾ يعنى في مسجد المنافقين إلى الصلاة أبدا، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يصلي فيه، ولا يمر عليه، ويأخذ غير ذلك الطريق، وكان قبل ذلك يصلي فيه، ثم قال: ﴿لمسجد﴾ يعني مسجد قباء، وهو أول مسجد بني بالمدينة، ﴿أسس﴾ يعني بني، ﴿على التقوى من أول يوم﴾ يعنى أول مرة، ﴿أحق أن تقوم في﴾ه إلى الصلاة ؛ لأنه كان بني من قبل مسجد المنافقين، ثم قال: ﴿فيه رجال﴾، يعنى في مسجد قباء، ﴿يحبون أن يتطهروا﴾ من الأحداث والجنابة، ﴿والله يحب المطهرين﴾ [آية: 108] نزلت في الأنصار.
فلما نزلت هذه الآية، انطلق النبي صلى الله عليه وسلم حتى قام على باب مسجد قباء، وفيه المهاجرون والأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل المسجد: "أمؤمنون أنتم؟" فسكتوا فلم يجيبوه، ثم قال ثانية: "أمؤمنون أنتم؟" قال عمر بن الخطاب: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتؤمنون بالقضاء؟" قال عمر: نعم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتصبرون على البلاء؟" قال عمر: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتشكرون على الرخاء؟" فقال عمر: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنتم مؤمنون ورب الكعبة" وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: "إن الله عز وجل قد أثنى عليكم في أمر الطهور، فماذا تصنعون؟" قالوا: نمر الماء على أثر البول والغائط، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين﴾، ثم إن مجمع بن حارثة حسن إسلامه، فبعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة يعلمهم القرآن، وهو علم عبد الله بن مسعود، لقنه القرآن.
التوبة 9:109
﴿أفمن أسس بنيانه﴾، يعنى مسجد قباء، ﴿على تقوى من الله ورضوان﴾، يقول: مما يراد فيه من الخير ورضى الرب، ﴿خير أم من أسس بنيانه﴾ أصل بنيانه ﴿على شفا جرف﴾، يعني على حرف ليس له أصل، ﴿هار﴾، يعني وقع، ﴿فانهار به﴾ فجر به القواعد، ﴿في نار جهنم﴾ يقول: صار البناء إلى نار جهنم، ﴿والله لا يهدى القوم الظالمين﴾ [آية :109].
فلما فرغ القوم من بناء المسجد استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم في القيام في ذلك المسجد، وجاء أهل مسجد قباء، فقالوا: يا رسول الله، إنا نحب أن تأتي مسجدنا فتصلى فيه حتى نقتدي بصلاتك، فمشى رسول الله في نفر من أصحابه وهو يريد مسجد قباء، فبلغ ذلك المنافقون، فخرجوا يتلقونه، فلما بلغ المنتصف، نزل جبريل بهذه ا لآية: ﴿أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير﴾ يعني أهل مسجد قباء، ﴿أم من أسس بنيانه على شفاء جرف﴾ فلما قالها جرف نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد، حتى تهور في السابعة، فكاد يغشى على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسرع الرجوع إلى موضعه، وجاء المنافقون يعتذرون بعد ذلك، فقبل علانيتهم، ووكل سر أثرهم إلى الله عز وجل.
التوبة 9:110
فقال الله: ﴿لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم﴾، يعني حسرة وحزازة في قلوبهم ؛ لأنهم ندموا على بنائه، ﴿إلا أن تقطع قلوبهم﴾ يعني حتى الممات، ﴿والله عليم حكيم﴾ [آية :110] فبعث النبي صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر، ووحشي مولى المطعم بن عدى، فحزفاه فخسف به في نار جهنم، وأمر أن يتخذ كناسة ويلقى فيه الجيف، وكان مسجد قباء في بنى سالم، وبنى بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بأيام.
التوبة 9:111
ثم رغب الله في الجهاد، فقال: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم﴾، يعنى بقية آجالهم، ﴿وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون﴾ العدو، ﴿ويقتلون﴾، ثم يقتلهم العدو، ﴿وعدا عليه حقا﴾ حتى ينجز لهم ما وعدهم، يعنى ما ذكر من وعدهم في هذه الآية، وذلك أن الله عهد إلى عباده أن من قتل في سبيل الله فله الجنة، ثم قال: ﴿في التوراة والإنجيل والقرءان ومن أوفى بعهده من الله﴾ فليس أحدا أوفى منه عهدا، ثم قال: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ الرب بإقراركم، ﴿وذلك﴾ الثواب ﴿وهو الفوز العظيم﴾ [آية :111] يعنى النجاء العظيم، يعنى الجنة.
التوبة 9:112
ثم نعت أعمالهم، فقال: ﴿التائبون﴾ من الذنوب، ﴿العابدون﴾ يعنى الموحدين، ﴿الحامدون السائحون﴾ يعنى الصائمين، ﴿الراكعون الساجدون﴾ في الصلاة المكتوبة، ﴿الآمرون بالمعروف﴾، يعنى بالإيمان بتوحيد الله، ﴿والناهون عن المنكر﴾، يعنى عن الشرك، ﴿والحافظون لحدود الله﴾ يعنى ما ذكر في هذه الآية لأهل الجهاد، ﴿وبشر المؤمنين﴾ [آية :112] يعنى الصادقين بهذا الشرط بالجنة.
التوبة 9:113
﴿ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ إلى آخر الآية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل بعدما افتتح مكة: "أي أبويه أحدث به عهدا؟" قيل له: أمك آمنة بنت وهب بن عبد مناف، قال: "حتى أستغفر لها، فقد استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك" فهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كان للنبي﴾، يعني ما ينبغي للنبي ﴿والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ ﴿ولو كانوا أولي قربى من بعد ما﴾ كانوا كافرين ف ﴿تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ [آية :113] حين ماتوا على الكفر، نزلت في محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى بن أبي طالب، عليه السلام.
التوبة 9:114
فقد استغفر إبراهيم لأبيه وكان كافرا، فبين الله كيف كانت هذه الآية، فقال: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾، وذلك أنه كان وعد أباه أن يستغفر له، فلذلك استغفر له، ﴿فلما تبين له﴾ لإبراهيم ﴿أنه عدو لله﴾ حين مات كافرا، لم يستغفر له، و ﴿تبرأ منه إن إبراهيم لأواه﴾ يعني لموقن بلغة الحبشة، ﴿حليم﴾ [آية :114] يعنى تقي زكي.
التوبة 9:115
﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ وذلك أن الله أنزل فرائض، فعمل بها المؤمنون، ثم أنزل بعدما نسخ به الأمر الأول فحولهم إليه، وقد غاب أناس لم يبلغهم ذلك، فيعملوا بالناسخ بعد النسخ، وذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا نبي الله، كنا عندك والخمر حلال، والقبلة إلى بيت المقدس، ثم غبنا عنك، فحولت القبلة ولم نشعر بها، فصلينا إليها بعد التحويل والتحريم، وقالوا: ما ترى يا رسول الله، فأنزل الله عز وجل: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ المعاصي، يقول: ما كان الله ليترك قوما حتى يبين لهم ما يتقون حين رجعوا من الغيبة، وما يتقون من المعاصي، ﴿إن الله بكل شيء عليم﴾ [آية :115] من أمرهم بنسخ ما يشاء من القرآن، فيجعله منسوخا ويقر ما يشاء فلا ينسخه.
التوبة 9:116
﴿إن الله له ملك السماوات والأرض يحي ويميت﴾ الأحياء، ﴿وما لكم﴾ معشر الكفار ﴿من دون الله من ولي﴾ يعني من قريب بنفسكم، ﴿ولا نصير﴾ [آية :116] يعنى ولا مانع لقول الكفار: إن القرآن ليس من عند الله، إنما يقوله محمد من تلقاء نفسه، نظيرها في البقرة: ﴿ما ننسخ من آية...﴾ إلى آخر الآية، ﴿أن الله على كل شيء قدير﴾ [البقرة :106].
التوبة 9:117
﴿لقد تاب الله﴾، يعنى تجاوز الله عنهم، ﴿على النبي﴾ صلى الله عليه وسلم، ﴿والمهاجرين والأنصار﴾ ثم نعتهم، فقال: ﴿الذين اتبعوه في ساعة العسرة﴾، يعنى غزاة تبوك، وأصاب المسلمين جهد وجوع شديد، فكان الرجلان والثلاثة يعتقبون بعيرا سوى ما عليه من الزاد، وتكون التمرة بين الرجلين والثلاثة، يعمد أحدهما إلى التمرة فيلوكها، ثم يعطيها الآخر فيلوكها، ثم يراها آخر، فيناشده أن يجهدها، ثم يعطيها إياه، ﴿من بعد ما كاد يزيغ﴾ يعنى تميل، ﴿قلوب فريق منهم﴾ يعنى طائفة منهم إلى المعصية، ألا ينفروا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزاة تبوك، فهذا التجاوز الذي قال الله: ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾ ﴿ثم تاب عليهم﴾ يعنى تجاوز عنهم، ﴿إنه بهم رءوف رحيم﴾ [آية :117]، يعني يرق لهم، حين تاب عليهم، يعني أبا لبابة وأصحابه.
التوبة 9:118
ثم ذكر الذين خلفوا عن التوبة، فقال: ﴿و﴾ تاب الله، ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ عن التوبة بعد أبي لبابة وأصحابه، وهم ثلاثة: مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك، ولم يذكر توبتهم، ولا عقوبتهم، وذلك أنهم لم يفعلوا كفعل أبي لبابة وأصحابه، فلم ينزل فيهم شيء شهرا، فكان الناس لا يكلمونهم، ولا يخالطونهم، ولا يبايعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يكلمهم أهلهم، فضاقت عليهم الأرض، فأنزل الله عز وجل فيهم بعد شهور أو شهر: ﴿و﴾ تاب أيضا ﴿وعلى الثلاثة الذين خلفوا﴾ عن التوبة، يعني بعد أبي لبابة، وهم: مرارة بن ربيعة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك. ﴿حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت﴾ يقول: ضاقت الأرض بسعتها ؛ لأنه لم يخالطهم أحد، ﴿وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله﴾، يعني وأيقنوا ألا حرز من الله، ﴿إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا﴾، يعني تجاوز عنهم لكي يتوبوا، ﴿إن الله هو التواب﴾ على من تاب، ﴿الرحيم﴾ [آية :118] بهم.
التوبة 9:119
﴿يا أيها الذين آمنوا﴾، يعني صدقوا بتوحيد الله عز وجل، ﴿اتقوا الله﴾، ولا تعصوه في الهجرة، ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ [آية :119] في إيمانهم، وقد أخبر عن الصادقين، فقال: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون﴾ [الحجرات :15].
التوبة 9:120
ثم ذكر المؤمنين الذين لم يتخلفوا عن غزاة تبوك، فقال: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله﴾، عن غزاة تبوك، ﴿ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ﴾، يعني عطشا، ﴿ولا نصب﴾، يعني ولا مشقة في أجسادهم، ﴿ولا مخمصة﴾ يعني الجوع والشدة، ﴿في سبيل الله ولا يطئون موطئا﴾ من سهل، ولا جبل، ﴿يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو﴾ من عدوهم، ﴿نيلا﴾ من قتل فيهم، أو غارة عليهم، ﴿إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، [آية :120] يعني جزاء المحسنين، ولكن يجزيهم بإحسانهم.
التوبة 9:121
﴿ولا ينفقون نفقة﴾ في سبيل الله، ﴿صغيرة ولا كبيرة﴾ يعني قليلا ولا كثيرا، ﴿ولا يقطعون واديا﴾ من الأودية مقبلين ومدبرين، ﴿إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما﴾ يعني الذي ﴿كانوا يعملون﴾ [آية :121].
التوبة 9:122
﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة﴾ وذلك أن الله عاب في القرآن من تخلف عن غزاة تبوك، فقالوا: لا يرانا الله أن نتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزاته، ولا في بعث سرية، فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية، رغبوا فيها رغبة في الأجر، فأنزل الله عز وجل: ﴿وما كان المؤمنون﴾، يعني ما ينبغي لهم أن ينفروا إلى عدوهم، ﴿كافة﴾، يعني جميعا، ﴿فلولا نفر﴾، يعني فهلا نفر، ﴿من كل فرقة منهم﴾، يعني من كل عصبة منهم، ﴿طائفة﴾، وتقيم طائفة مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيتعلمون ما يحدث الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم، من أمر، أو نهى، أو سنة، فإذا رجع هؤلاء الغيب، تعلموا من إخوانهم المقيمين.
فذلك قوله: ﴿ليتفقهوا في الدين﴾، يعني المقيمين، ﴿ولينذروا قومهم﴾، يعني وليحذروا إخوانهم ﴿إذا رجعوا إليهم﴾ من غزاتهم، ﴿لعلهم يحذرون﴾ [آية: 122]، يعنى لكي يحذروا المعاصي التي عملوا بها قبل النهي.
التوبة 9:123
﴿يا أيها الذين ءامنوا﴾، يعني صدقوا بالله عز وجل، ﴿قاتلوا الذين يلونكم من الكفار يعنى الأقرب فالأقرب، ﴿وليجدوا فيكم غلظة﴾، يعنى شدة عليهم بالقول، ﴿واعلموا أن الله مع المتقين﴾ [آية :123] في النصر لهم على عدوهم.
التوبة 9:124
﴿وإذا ما أنزلت سورة﴾ على النبي صلى الله عليه وسلم، ﴿فمنهم﴾، من المنافقين، ﴿من يقول أيكم زادته هذه﴾ السورة ﴿إيمانا﴾، يعنى تصديقا مع تصديقه بما أنزل الله عز وجل من القرآن من قبل هذه السورة، ﴿فأما الذين ءامنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون﴾ [آية :124] بنزولها.
التوبة 9:125
﴿وأما الذين في قلوبهم مرض﴾ يعنى الشك في القرآن، وهم المنافقون، ﴿فزادتهم﴾ السورة ﴿رجسا إلى رجسهم﴾ يعنى إثما إلى إثمهم، يعنى نفاقا مع نفاقهم الذي هم عليه قبل ذلك، ﴿وماتوا وهم كافرون﴾ [آية :125].
التوبة 9:126
ثم أخبر عن المنافقين، فقال: ﴿أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ وذلك أنهم كانوا إذا خلوا تكلموا فيما لا يحل لهم، وإذا أتوا النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بما تكلموا به في الخلاء، فيعلمون أنه نبي رسول، ثم يأتيهم الشيطان، فيحدثهم أن محمدا إنما أخبركم بما قلتم ؛ لأنه بلغه عنكم، فيشكون فيه.
فذلك قوله: ﴿يفتنون في كل عام مرة أو مرتين﴾ فيعرفون أنه نبي، وينكرون أخرى، يقول الله: ﴿ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون﴾ [آية :126] فيما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بما تكلموا به، فيعرفوا ولا يعتبروا.
التوبة 9:127
﴿وإذا ما أنزلت سورة نظر﴾ المنافقون ﴿بعضهم إلى بعض﴾ يسخرون بينهم، يعنى
يتغامزون، فقالوا: ﴿هل يراكم من أحد﴾ يعنى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، ﴿ثم انصرفوا﴾ عن الإيمان بالسورة، يقول: أعرضوا عن الإيمان بها، ﴿صرف الله قلوبهم﴾ عن الإيمان بالقرآن، ﴿بأنهم قوم لا يفقهون﴾ [آية :127].
التوبة 9:128
﴿لقد جاءكم﴾ يا أهل مكة ﴿رسول من أنفسكم﴾ تعرفونه ولا تنكرونه، ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾، يقول: يعز عليه أثمتم في دينكم، ﴿حريص عليكم﴾ بالرشد والهدى، ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم﴾ [آية :128]، يعنى يرق لهم، رحيم بهم، يعنى حين يودهم، كقوله: الرأفة، يعنى الرقة والرحمة، يعنى مودة بعضكم لبعض، كقوله: ﴿رحماء بينهم﴾ [الفتح :29] يعنى متوادين.
التوبة 9:129
﴿فإن تولوا﴾ عنك يعنى فإن لم يتبعوك على الإيمان يا محمد، ﴿فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت﴾، يعنى به واثق، ﴿وهو رب العرش العظيم﴾ [آية: 129] يعنى بالعظيم العرش، فنزلت هاتان الآيتان بمكة، وسائرها بالمدينة.