Lafzullah

روح البيان في تفسير القرآن — البقرة 2:57 – البقرة 2:188

المؤلف / المصدر: إسماعيل حقي البروسوي (ö. 1137h/1725)

المحتويات
  1. البقرة 2:57
  2. البقرة 2:58
  3. البقرة 2:59
  4. البقرة 2:60
  5. البقرة 2:61
  6. البقرة 2:62
  7. البقرة 2:63
  8. البقرة 2:64
  9. البقرة 2:65
  10. البقرة 2:66
  11. البقرة 2:67
  12. البقرة 2:68
  13. البقرة 2:69
  14. البقرة 2:70
  15. البقرة 2:71
  16. البقرة 2:72
  17. البقرة 2:73
  18. البقرة 2:74
  19. البقرة 2:75
  20. البقرة 2:76
  21. البقرة 2:77
  22. البقرة 2:78
  23. البقرة 2:79
  24. البقرة 2:80
  25. البقرة 2:81
  26. البقرة 2:82
  27. البقرة 2:83
  28. البقرة 2:84
  29. البقرة 2:85
  30. البقرة 2:86
  31. البقرة 2:87
  32. البقرة 2:88
  33. البقرة 2:89
  34. البقرة 2:90
  35. البقرة 2:91
  36. البقرة 2:92
  37. البقرة 2:93
  38. البقرة 2:94
  39. البقرة 2:95
  40. البقرة 2:96
  41. البقرة 2:97
  42. البقرة 2:98
  43. البقرة 2:99
  44. البقرة 2:100
  45. البقرة 2:101
  46. البقرة 2:102
  47. البقرة 2:103
  48. البقرة 2:104
  49. البقرة 2:105
  50. البقرة 2:106
  51. البقرة 2:107
  52. البقرة 2:108
  53. البقرة 2:109
  54. البقرة 2:110
  55. البقرة 2:111
  56. البقرة 2:112
  57. البقرة 2:113
  58. البقرة 2:114
  59. البقرة 2:115
  60. البقرة 2:116
  61. البقرة 2:117
  62. البقرة 2:118
  63. البقرة 2:119
  64. البقرة 2:120
  65. البقرة 2:121
  66. البقرة 2:122
  67. البقرة 2:123
  68. البقرة 2:124
  69. البقرة 2:125
  70. البقرة 2:126
  71. البقرة 2:127
  72. البقرة 2:128
  73. البقرة 2:129
  74. البقرة 2:130
  75. البقرة 2:131
  76. البقرة 2:132
  77. البقرة 2:133
  78. البقرة 2:134
  79. البقرة 2:135
  80. البقرة 2:136
  81. البقرة 2:137
  82. البقرة 2:138
  83. البقرة 2:139
  84. البقرة 2:140
  85. البقرة 2:141
  86. البقرة 2:142
  87. البقرة 2:143
  88. البقرة 2:144
  89. البقرة 2:145
  90. البقرة 2:146
  91. البقرة 2:147
  92. البقرة 2:148
  93. البقرة 2:149
  94. البقرة 2:150
  95. البقرة 2:151
  96. البقرة 2:152
  97. البقرة 2:153
  98. البقرة 2:154
  99. البقرة 2:155
  100. البقرة 2:156
  101. البقرة 2:157
  102. البقرة 2:158
  103. البقرة 2:159
  104. البقرة 2:160
  105. البقرة 2:161
  106. البقرة 2:162
  107. البقرة 2:163
  108. البقرة 2:164
  109. البقرة 2:165
  110. البقرة 2:166
  111. البقرة 2:167
  112. البقرة 2:168
  113. البقرة 2:169
  114. البقرة 2:170
  115. البقرة 2:171
  116. البقرة 2:172
  117. البقرة 2:173
  118. البقرة 2:174
  119. البقرة 2:175
  120. البقرة 2:176
  121. البقرة 2:177
  122. البقرة 2:178
  123. البقرة 2:179
  124. البقرة 2:180
  125. البقرة 2:181
  126. البقرة 2:182
  127. البقرة 2:183
  128. البقرة 2:184
  129. البقرة 2:185
  130. البقرة 2:186
  131. البقرة 2:187
  132. البقرة 2:188

البقرة 2:57

{ وظللنا عليكم الغمام } هذا هو الانعام السابع اى جعلنا الغمام ظلة عليكم يا بنى اسرائيل وهذا جرى فى التيه بين مصر والشام فانهم حين خرجوا من مصر وجاوزوا البحر وقعوا فى صحراء لا ابنية فيها امرهم الله تعالى بدخول مدينة الجبارين وقتالهم فقبلوا فلما قربوا منها سمعوا بان اهلها جبارون اشداء قامة احدهم سبعمائة ذراع ونحوها فامتنعوا وقالوا لموسى اذهب انت وربك فقاتلان انا ههنا قاعدون فعاقبهم الله بان يتيهوا فى الارض اربعين سنة وكانت المفازة يعنى التيه اثنى عشر فرسخا فاصابهم حر شديد وجوع مفرط فشكوا الى موسى فرحمهم الله فانزل عليهم عمودا من نور يدلى لهم من السماء فيسير معهم بالليل يضيىء لهم مكان القمر اذا لم يكن قمر وارسل غماما ابيض رقيقا اطيب من غمام المطر يظللهم من حر الشمس فى النهار وسمى السحاب غماما لانه يغم السماء اى يسترها والغم حزن يستر القلب ثم سألوا موسى الطعام فدعا ربه فاستجاب له وهو قوله تعالى { وانزلنا عليكم المن } اى الترنجبين بفتح الراء وتسكين النون كان ابيض مثل الثلج كالشهد المعجون بالسمن او المن جميع ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين " اى مما من الله على عباده والظاهر ان مجرد مائه شفاء لانه عليه السلام اطلق ولم يذكر الخلط ولما روى عن ابى هريرة انه قال عصرت ثلاثة اكمؤ وجعلت ماءها فى قارورة فكحلت منه جارية لى فبرئت باذن الله تعالى. وقال النووى رأينا فى زماننا اعمى كحل عينه بمائها مجردا فشفى وعاده اليه بصره ثم لما ملوا من اكله قالوا يا موسى قتلنا هذا المن بحلاوته فادع لنا ربك ان يطعمنا اللحم فانزل الله عليهم السلوى وذلك قوله { والسلوى } هو السمانى كانت تحشره عليهم الريح الجنوب وكانت الريح تقطع حلوقها وتشق بطونها وتمعط شعورها وكانت الشمس تنضجها فكانوا يأكلونها مع المن واكثر المفسرين على انهم يأخذونها فيذبحونها فكان ينزل عليهم المن نزول الثلج من طلوع الفجر الى طلوع الشمس وتأتيهم السلوى فيأخذ كل انسان منهم كفايته الى الغد الا يوم الجمعة يأخذ ليومين لانه لم يكن ينزل يوم السبت لانه كان يوم عبادة فان اخذ اكثر من ذلك دود وفسد { كلوا } اى قلنا لهم كلوا { من طيبات } حلالات { ما رزقناكم } من المن والسلوى ولا ترفعوا منه شيأ ادخارا ولا تعصوا امرى فرفعوا وجعلوا اللحم قديدا مخافة ان ينفد ولو لم يرفعوا لدام عليهم ذلك والطيب ما لا تعافه طبعا ولا تكرهه شرعا { وما ظلمونا } اى فظلموا بان كفروا تلك النعمة الجليلة وادخروا بعدما نهوا عنه وما ظلمونا اى ما بخسوا بحقنا { ولكن كانوا انفسهم يظلمون } باستيجابهم عذابى وقطع مادة الرزق الذى كان ينزل عليهم بلا مؤونة فى الدنيا ولا حساب فى العقبى فرفعنا ذلك عنهم لعدم توكلهم علينا قال فى المثنوى سالها خوردى وكم نامد زخور ترك مستقبل كن وماضى نكر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا بنوا اسرائيل لم يخبث الطعام ولم يخنز اللحم ولولا خيانة حواء لم تخن انثى زوجها الدهر " واستمر النتن من ذلك الوقت لان البادئ للشىء كالحامل للغير على الاتيان به وكذلك استمرت الخيانة من النساء لان ام النساء خانت بان أغواها ابليس قبل آدم حتى اكلت من الشجرة ثم أتت آدم فزينت له ذلك حتى حملته على ان اكل منها فاستمرت تلك الخيانة من بناتها لازواجها * قال السعدى كراخانة آباد وهمخوا به دوست خدارا برحمت نظر سوى اوست قال فى الاشباه والنظائر الطعام اذا تغير واشتد تغيره تنجس وحرم واللبن والزيت والسمن اذا انتن لا يحرم اكله انتهى. والاشارة فى الآية انه تعالى لما ادبهم بسوط الغربة ادركهم بالرحمة فى وسط الكربة فاكرمهم بالانعام وظللهم بالغمام ومن عليهم بالمن وسلاهم بالسلوى فلا شعورهم كانت تطول ولا اظفارهم كانت تنبت ولا ثيابهم كانت تخلق او تنسخ وتدرن بل كانت تنمو صغارها حسب نمو الصغار والصبيان ولا شعاع الشمس كان ينبسط وكذلك سنته بمن حال بينه وبين اختياره يكون ما اختاره خيرا له مما يختاره العبد لنفسه فما ازدادوا بشؤم الطبيعة الا الوقوع فى البلوى كما قيل كلوا من طيبات ما رزقناكم بامر الشرع وما ظلمونا اذ تصرفوا فيها بالطبع ولكن كانوا انفسهم يظلمون بالحرص على الدنيا ومتابعة الهوى. قال فى التنوير وما ادخلك الله فيه تولى اعانتك عليه وما دخلت فيه بنفسك وكلك اليه فلا تكفر نعمة الله عليك فيما تولاك به من ذلك كان بعضهم يسير فى البادية وقد اصابه العطش فانتهى الى بئر فارتفع الماء الى رأس البئر فرفع رأسه الى السماء وقال اعلم انك قادر ولكن لا اطيق هذا فلو قيضت لى بعض الاعراب يصفعنى صفعات ويسقينى شربة ماء كان خيرا لى ثم انى أعلم ان ذلك الرفق من جهته فقد عرفت ان مكر الله خفى فلا تغرنك النعم الظاهرة والباطنة وليكن عزمك على الشكر والاقامة فى حد اقامك الله فيه والا فتضل وتشقى. وقد قال الشيخ ابو عبد الله القرشى من لم يكن كارها لظهور الآيات وخوارق العادات منه كراهية الخلق لظهور المعاصى فهى حجاب فى حقه وسترها عنه رحمة فالنعمة كما انها سبب للسعادة كذلك هى سبب للشقاوة استدراجا قال فى المثنوى بنده مى نالد بحق ازدرد ونيش صد شكايت ميكند ازرنج خويش حق همى كويدكه آخررنج ودرد مرترا لابه كنان وراست كرد اين كله زان نعمتى كن كت زند ازدرما دور ومطرودت كند فلا بد للمؤمن السالك من الفناء عن الذات والصفات والافعال والدور مع الامر الالهى فى كل حال حتى يكون من الصديقين واهل اليقين اللهم لا تؤمنا مكرك ولا تنسنا ذكرك واجعلنا من الذين معك فى تقلباتهم وكل معاملاتهم آمين آمين آمين بجاه النبى الامين.

البقرة 2:58

{ واذ قلنا } هذا هو الانعام الثامن لانه تعالى أباح لهم دخول البلدة وازال عنهم التيه اى اذكروا يا بنى اسرائيل وقت قولنا لآبائكم اثر ما انقذتم من التيه { ادخلوا هذه القرية } منصوب على الظرفية اى مدينة بيت المقدس والقرية بفتح القاف وكسرها ما يجتمع فيه الناس اخذا من القرى { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } اى اكلا واسعا هنيئا على ان النصب على المصدرية او هو حال من الواو فى كلوا اى راغدين متوسعين وفيه دلالة على ان المأمور به الدخول على وجه الاقامة والسكنى. قال فى التيسير اى ابحنا لكم ووسعنا عليكم فتعيشوا فيها أنى شئتم بلا تضيق ولا منع وهو تمليك لهم بطريق الغنيمة وذكر الاكل لانه معظم المقصود { وادخلوا الباب } اى بابا من ابواب القرية وكان لها سبعة ابواب والمراد الباب الثانى من بيت المقدس ويعرف اليوم بباب حطة او باب القبة التى كان يتعبد فيها موسى وهارون ويصليان مع بنى اسرائيل اليها { سجدا } اي ركعا منحنين ناكسى رؤسكم بالتواضع على ان يكون المراد به معناه الحقيقي او ساجدين لله تعالى شكرا على اخراجكم من التيه على ان يكون المراد به معناه الشرعى { وقولوا حطة } رفع بخبرية المبتدأ المحذوف اى مسألتنا من الله ان يحط عنا ذنوبنا او نصب اي حط عنا ذنوبنا حطة وقيل اريد بها كلمة الشهادة اى قولوا كلمة الشهادة الحاطة للذنوب { نغفر لكم } مجزوم على انه جواب الامر من الغفر وهو الستر اى تستر عليكم { خطاياكم } جمع خطيئة ضد الصواب اى ذنوبكم فلا نجازيكم بها لما تفعلون من السجود والدعاء وهم الذين عبدوا العجل ثم تابوا { وسنزيد المحسنين } ثوابا من فضلنا وهم الذين لم يعبدوا العجل والمحسن من احسن فى فعله والى نفسه وغيره وقيل المحسن من صحح عقد توحيده واحسن سياسة نفسه واقبل على اداء فرائضه وكف شره وقيل هو الفاعل ما يجمل طبعا ويحمد شرعا واخرج ذلك عن صورة الجواب الى الوعد ايذانا بان المحسن بصدد زيادة الثواب وان لم يقل حطة فكيف اذا قالها واستغفر وانه يقول ويستغفر لا محالة امرهم بشيئين بعمل يسير وقول صغير فالعمل الانحناء عند الدخول والقول التكلم بالمقول ثم وعد عليهما غفران السيآت والزيادة فى الحسنات.

البقرة 2:59

{ فبدل الذين ظلموا } اى غير الذين ظلموا انفسهم بالمعصية ما قيل لهم من التوبة والاستغفار { قولا } آخر مما لا خير فيه فاحد مفعولى بدل محذوف { غير الذى قيل لهم } غير نعت لقولا وانما صرح به مع استحالة تحقق التبديل بلا مغايرة تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على المغايرة من كل وجه. روى انهم قالوا مكان حطة حنطة وقيل قالوا بالنبطية وهى لغتهم حطا سمقانا يعنون حنطة حمراء استخفافا بامر الله تعالى وقال مجاهد طوطئ لهم الباب ليخفضوا رؤسهم فابوا ان يدخلون سجدا فدخلوا يزحفون على استاههم مخالفة فى الفعل كما بدلوا القول واما المحسنون ففعلوا ما امروا به ولذا لم يقل فبدلوا بل قال فبدل الذين ظلموا وظاهره انهم بدلوا القول وحده دون العمل وبه قال جماعة وقيل بل بدلوا العمل والقول جميعا ومعنى قوله قولا غير الذى قيل لهم اى امرا غير الذى امروا به فان امر الله قول وهو تغيير جميع ما امروا به { فانزلنا } اى عقيب ذلك { على الذين ظلموا } اى غيروا ما امروا به ولم يقل عليهم على الاختصار وقد سبق ذكر الذين ظلموا فى الآية لانه سبق ذكر المحسنين ايضا فلو اطلق لوقع احتمال دخول الكل فيه ثم هذا ليس بتكرار لان الظلم اعم من الصغائر والكبائر والفسق لا بد وان يكون من الكبائر فالمراد بالظلم ههنا الكبائر بقرينة الفسق والمراد بالظلم المتقدم هو ما كان من الصغائر { رجزا من السماء } اى عذابا مقدرا والتنوين للتهويل والتفخيم { بما } مصدرية { كانوا يفسقون } بسبب خروجهم عن الطاعة والرجز فى الاصل ما يعاف ويستكره وكذلك الرجس والمراد به الطاعون. روى انه مات فى ساعة واحدة اربعة وعشرون الفا ودام فيهم حتى بلغ سبعين الفا. وفى الحديث " الطاعون رجز ارسل على بنى اسرائيل او على من كان قبلكم فاذا سمعتم ان الطاعون بارض فلا تدخلوها واذا وقع بارض وانتم بها فلا تخرجوا منها " وفى الحديث ايضا " اتانى جبريل بالحمى والطاعون فامسكت الحمى بالمدينة وارسلت الطاعون الى الشأم فالطاعون شهادة لامتى ورحمة لهم ورجس على الكافر ". واعلم ان من مات من الطاعون مات شهيدا ويأمن فتنة القبر وكذا الصابر فى الطاعون اذا مات بغير الطاعون يوقى فتنة القبر لانه نظير المرابط فى سبيل الله تعالى فالمطعون شهيد وهو من مات من الطاعون والصابر المحتسب فى حكمه وكذا المبطون وهو الميت من داء البطن وصاحب الاسهال والاستسقاء داخل فى المبطون لان عقله لا يزال حاضرا وذهنه باقيا الى حين موته ومثل ذلك صاحب السل وكذا الغرق شهيد وهو بكسر الراء من يموت غريقا فى الماء وكذا صاحب المهدم بفتح الدال ما يهدم وصاحبه من يموت تحته وكذا المقتول فى سبيل الله وكذا صاحب ذات الجنب والحرق والمرأة الجمعاء وهى من تموت حاملا جامعا ولدها وليس موت هؤلاء كموت من يموت فجأة او من يموت بالسام او البرسام والحميات المطبقة او القولنج او الحصاة فتغيب عقولهم لشدة الالم ولورم ادمغتهم وافساد امزجتها * واعلم ان الطاعون مرض يكثر فى الناس ويكون نوعا واحدا والوباء وهو المرض العام قد يكون بطاعون وقد لا يكون. وفى الحديث " فناء امتى بالطعن والطاعون " قيل يا رسول الله هذا الطعن قد عرفنا فما الطاعون قال " وخز اعدائكم من الجن وفى كل شهادة ". قال ابن الاثير الطعن القتل بالرمح والوخز طعن بلا نفاذ وهذا لا ينفى قوله عليه الصلاة والسلام فى حديث آخر " غدة كغدة البعير تخرج فى مراق البطن ". وذلك ان الجنى اذا وخز العرق من مراق البطن خرج من وخزه الغدة فيكون وخز الجنى سبب الغدة الخارجة والغدة هى التى تخرج فى اللحم والمراق اسفل البطن. وفى الحديث " اذا بخس المكيال حبس القطر واذا كثر الزنى كثر القتل واذا كثر الكذب كثر الهرج ". والحكمة ان الزنى اهلاك النفس لان ولد الزنى هالك حكما فلذلك وقع الجزاء بالموت الذريع اى السريع لان الجزاء من جنس العمل ألا يرى ان بخس المكيال يجازى بمنع القطر الذى هو سبب لنقص ارزاقهم وكذا الكذب سبب للتفرق والعداوة بين الناس ولهذا يجازى بالهرج الذى هو الفتنة والاختلاط وانما عمت البلية اينما وقعت لتكون عقوبة على اخوان الشياطين وشهادة ورحمة لعباد الله الصالحين اذالموت تحفة للمؤمن وحسرة للفاسق ثم يبعثهم الله على قدر اعمالهم ونياتهم فيجازيهم والفرار من الطاعون حرام اذالفرار نسيان الفاعل المختار كما قال ابن مسعود رضى الله عنه الطاعون فتنة على الفار والمقيم اما الفار فيقول بفراره نجوت واما المقيم فيقول اقمت فمت. وفى الحديث " الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر فى الزحف ". والزحف الجيش الذى يرى لكثرته كانه يزحف اى يدب دبيبا والمراد هنا الفرار من الجيش فى الغزو ولكن يجب ان يقيد بالمثل او الضعف فهذا الخبر يدل على ان النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر وليس بعيدا ان يجعل الله الفرار منه سببا لقصر العمر كما جعل الله تعالى الفرار من الجهاد سببا لقصر العمر قال تعالى قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا الأحزاب 16 اما الخروج بغير طريق الفرار فمرخص فيه لكن الرخصة مشروطة بشرائط صعبة لا يقدر عليها الا الافراد منها حفظ امر الاعتقاد والتحرز من الاسباب العادية للمرض كالهواء الفاسد وغيره فهو رخصة لكن مباشرة الحمية لاجل الخلاص من الموت سفه وعبث لا يشك فى حرمتها عوام المسلمين فضلا عن خواصهم قالوا فى بعض الامراض سراية الى ما يجاوره باذن الله تعالى كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم " ان من القرف التلف ". والقرف بالتحريك مداناة المرضى واما قوله عليه السلام " لا عدوى " فانما هو نفى للتعدى طبعا كما هو اعتقاد اهل الجاهلية حيث كانوا يرون التأثير من طبيعة المرض لا نفى للسراية مطلقا والتسبب واجب للعوام والمبتدئين فى السلوك والتوكل افضل للمتوسطين واما الكاملون فليس يمكن حصر احوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان قال فى المنثوى درحذر شوريدن شوروشر ست روتو كل كن توكل بهترست باقضا نبجه مزن اى تند وتيز تانكيردهم قضا باتوستيز مرده بايد بود بيش حكم حق تانيايد زحم از رب الفلق روى ان جالينوس دفع الى اصحابه قرصين مثل البنادق وقال اجعلوا احدهما بعد موتى فوق الحديد الذى يعمل عليه الحدادون والآخر فى حب مملوء من الماء ثم اكسروا الحب ففعلوا كما اوصى فذاب الحديد فى الارض ولم يجدوا منه شيأ وانجمد الماء وقام بلا وعاء قال الحكماء اراد بذلك انى وان قدرت الى اذابة اصلب الاجساد واقامة الماء الذى من طبعه السيلان ما وجدت للموت دواء ولذا قال بعضهم ألا يا ايها المغرور تب من غير تأخير فان الموت قد يأتى ولو صيرتقارونا بسل مات ارسطاليس بقراط بافلاج وافلاطون ببرسام وجالينوس مبطونا قال الشافعى رحمه الله انفس ما يداوى به الطاعون التسبيح ووجهه بان الذكر يرفع العقوبة والعذاب قال تعالى فلولا أنه كان من المسبحين الصافات 143 وكذا كثرة الصلاة على النبى المحترم صلى الله تعالى عليه وسلم لكن مثل هذا انما يكون مؤثرا اذا اقترن بالشرائط الظاهرة والباطنة اذ ليس كل ذكر وصلاة شفيعا عند الحضرة الآلهية قال المنثوى كرندارى تودم خوش دردعا رودعا ميخواه از اخوان صفا هركرا دل باك ازاعتدال آن دعايش ميرود تا ذوالجلال آن دعا بينحودان خودديكرست آن دعا ازونيست كفت داورست آن دعا حق ميكند جون اوفناست آن دعا وآن اجابت ازخداست هين بجواين قوم را اى مبتلا هين غنيمت دارشان بيش ازبلا

البقرة 2:60

{ واذ استسقى موسى لقومه } نعمة اخرى كفروها اى اذكروا ايضا يا بنى اسرائيل اذ سأل موسى السقيا { لقومه } لاجل قومه وكان ذلك فى التيه حين استولى عليهم العطش الشديد فاستغاثوا بموسى فدعا ربه ان يسقيهم { فقلنا } له بالوحى ان { اضرب بعصاك } وكانت من آس الجنة طولها عشرة اذرع على طور موسى ولها شعبتان تتقدان فى الظلمة نورا حملها آدم من الجنة فتوارثها الانبياء حتى وصلت الى شعيب فاعطاها موسى { الحجر } اللام اما للعهد والاشارة الى معلوم فقد روى انه كان حجرا طوريا حمله معه وكان خفيفا مربعا كرأس الرجل له اربعة اوجه فى كل وجه ثلاث اعين او هو الحجر الذى فر بثوبه حين وضعه عليه ليغتسل وبرأه الله تعالى مما رموه به من الادرة فاشار اليه جبريل ان ارفعه فان لله فيه قدرة ولك فيه معجزة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان بنوا اسرائيل ينظر بعضهم الى سوءة بعض وكان موسى يغتسل وحده فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فجمع موسى باثره يقول ثوبى يا حجر حتى نظرت بنو اسرائيل الى سوءة موسى فقالوا والله ما بموسى ادرة ". وهى بالضم نفخة بالخصية واما للجنس اى اضرب الشىء الذى يقال له الحجر وهو الاظهر فى الحجة اى ابين على القدرة فان اخراج الماء بضرب العصا من جنس الحجر اى حجر كان ادل على ثبوت نبوة موسى عليه السلام من اخراجه من حجر معهود معين لاحتمال ان يذهب الوهم الى تلك الخاصية فى ذلك الحجر المعين كخاصية جذب الحديد فى حجر المغناطيس { فانفجرت } اى فضرب فالفاء متعلقة بمحذوف والانفجار الانسكاب والانبجاس الترشح والرش فالرش اول ثم الانسكاب { منه } اى من ذلك الحجر { اثنتا عشرة عينا } ماء عذبا على عدد الاسباط لكل سبط عين وكان يضربه بعصاه اذا نزل فيتفجر ويضربه اذا ارتحل فييبس { قد علم كل اناس } اي كل سبط من الاسباط الاثنى عشر { مشربهم } اى عينهم الخاصة بهم او موضع شربهم لا يدخل سبط على غيره فى شربه والمشرب المصدر والمكان والحكمة فى ذلك ان الاسباط كانت بينهم عصبية ومباهاة وكل سبط منهم لا يتزوج من سبط آخر وكل سبط اراد تكثير نفسه فجعل الله لكل سبط منهم نهرا على حدة ليستقوا منها ويسقوا دوابهم لكيلا يقع بينهم جدال ومخاصمة وكان ينبع من كل وجه من الحجر ثلاث اعين تسيل كل عين فى جدول الى سبط وكانوا ستمائة الف وسعة المعسكر اثنى عشر ميلا ثم ان الله تعالى قد كان قادرا على تفجير الماء وفلق البحر من غير ضرب لكن اراد ان يربط المسببات بالاسباب حكمة منه للعباد فى وصولهم الى المراد وليترتب على ذلك ثوابهم وعقابهم فى المعاد ومن انكر امثال هذه المعجزات فلغاية جهله بالله وقلة تدبره فى عجائب صنعه فانه لما امكن ان يكون من الاحجار ما يحلق الشعر ويمقر الخل ويجذب الحديد لم يمتنع ان يخلق الله حجرا يسخره لجذب الماء من تحت الارض او لجذب الهواء من الجوانب ويصيره ماء بقوة التبريد ونحو ذلك. قال القرطبى فى تفسيره ما ورد من انفجار الماء ونبعه من يد نبينا صلى الله عليه وسلم وبين اصابعه اعظم فى المعجزة فانا نشاهد الماء يتفجر من الاحجار آناء الليل واطراف النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبى قبل اذ لم يخرج الماء من لحم ودم { كلوا } علىارادة القول اى قلنا لهم او قيل لهم كلوا { واشربوا من رزق الله } هو ما رزقهم من المن والسلوى والماء فالاكل يتعلق بالاولين والشرب بالثالث وانما لم يقل من رزقنا كما يقتضيه قوله تعالى فقلنا ايذنا بان الامر بالاكل والشرب لم يكن بطريق الخطاب بل بواسطة موسى عليه السلام { ولا تعثوا فى الارض } العثى اشد الفساد فقيل لهم لا تتمادوا فى الفساد حال كونهم { مفسدين } فالمراد بهذه الحال تعريفهم بانهم على الفساد لا تقييد العامل والا لكان مفهومه مفيدا معنى تمادوا فى الفساد فيكون التقييد للعامل بالخاص. ودلت الآية على فضيلة امة محمد صلى الله عليه وسلم فان بنى اسرائيل احتاجوا الى الماء فرجعوا الى موسى ليسأل واحتاجوا الى البقل والقثاء وسائر المأكولات ففعلوا ذلك وهذه الامة اطلق لهم ان يسألوا الله كلما احتاجوه قال تعالى وسئلوا الله من فضله النساء 32. وقال أدعوني أستجب لكم غافر 60. وفيها بشارة عظيمة وسأل موسى ربه الماء لقومه بقولهم وسأل عيسى ربه المائدة بقولهم وسأل نبينا عليه الصلاة والسلام المغفرة لنا بامر الله تعالى قال واستغفر لذنبك وللمؤمنين محمد 19. فلما اجاب الله لهما فيما سألاه بطلب القوم فلأن يجيب نبينا فيما سأله بامره اولى. وافادت الآية ايضا اباحة الخروج الى الاستسقاء وهو انما يكون اذا دام انقطاع المطر مع الحاجة اليه فالحكم حينئذ اظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة وقد استسقى نبينا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فخرج الى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا. وروى عن جندبة ان اعرابيا دخل عليه صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وقال يا رسول الله هلكت الكراع والمواشى واجدبت الارض فادع الله ان يسقينا فرفع يديه ودعا قال انس رضى الله عنه والسماء كانها زجاجة ليس بها قزعة فنشأت سحابة ومطرت الى الجمعة القابلة قال فى المثنوى تافرود آيد بلا بى دافعى جون نباشد ازتضرع شافعى تاسقاهم ربهم آيد خطاب تشنه باش الله اعلم بالصواب وعدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحمل لمشاقه كما قال الشيخ المحقق ابن الفارض قدس سره ويحسن اظهار التجلد للعدى ويقبح غير العجز عند الاحبة وفي الحديث " لن تخلوا الارض من اربعين رجلا مثل خليل الرحمن عليه الصلاة والسلام فبهم تسقون وبهم تنصرون ما مات منهم احد الا ابدل الله مكانه آخر ". كرندارى تودم خوش دردعا رودعا ميخواه ازاخوان صفا وعن ابن مسعود رضى الله عنه عن النبى صلى الله تعالى عليه وسلم انه قال " ما عام بامطر من عام ولكنه اذا عمل قوم بالمعاصى حول الله ذلك الى غيرهم فاذا عصوا جميعا صرف الله ذلك الى الفيافى ". قال الشيخ الشهير بافتاده ترقى الطالب برعاية السنن وذكر انه استسقى الناس مرارا فى زمن الحجاج فلم ينزل لهم قطرة فقيل لهم لودعا شخص لم يترك سنة العصر وسنة الاولى من العشاء لحصل المقصود والا لا يحصل وان دعوتم اربعين مرة فتفقدوا فلم يجدوا شخصا على الصفة المذكورة فرجع الحجاج الى نفسه فوجدها على ما ذكر فدعا فنزل مطر عظيم فى هذا الحين وحصل المقصود وهذا ببركة رعاية سنة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع انه مشهور بالظلم ولا بد فى الاستسقاء من تقديم التوبة والصدقة والصوم وان يجعل صلحاء الناس وسيلة وشفيعا فى ذلك ويستسقى للدواب العطاش والانعام السائمة والاطفال الضعيفة فلعلهم يسقون ببركتها وليكن الداعى ربه على يقين الاجابة لان رد الدعاء اما لعجز فى اجابته او لعدم كرم فى المدعو او لعدم علم المدعو بدعاء الداعى وهذه الاشياء منتفية عن الله تعالى فانه كريم عالم قادر لا مانع له من الاجابة وهو اقرب الى المؤمنين منهم يسمع دعاءهم ويقبل تضرعهم والدعاء مهما كان اعم كان الى الاجابة اقرب فانه لا بد ان يكون فى المسلمين من يستحق الاجابة فاذا اجاب الله دعاء البعض فهوا كرم من ان يرد الباقى وفى الحديث " ادعوا الله بألسنة ما عصيتموه بها " قالوا يا رسول الله ومن لنا بتلك الالسنة قال " يدعو بعضكم لبعض لانك ماعصيت بلسانه وهو ماعصى بلسانك ". وفى تفسير الفاتحة للفنارى ان استقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى فى الاجابة فمن زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن الا نفسه اذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه اذ ذاك. روى ان فرعون قبل دعوى الآلهية امر ان يكتب على باب داره بسم الله فلما لم يؤمن بموسى قال آلهى انى ادعوه ولا ارى فيه خيرا قال لعلك تريد اهلاكه انت تنظر الى كفره وانا الى ما كتبه على بابه فمن كتبه على سويداء قلبه ستين سنة اولى بالرحمة فاذا كان حال من كتبه على باب داره هكذا فكيف حال من نقشه على باب قلبه يستجاب دعاؤه لا محالة واول شرائط الاجابة اصلاح الباطن باللقمة الطيبة وآخرها الاخلاص وحضور القلب يعنى التوجه الاحدى. والاشارة فى تحقيق الآية ان الروح الانسانى وصفاته فى عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقى ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا لا اله الا الله ولها شعبتان من النفى والاثبات تتقدان نورا عند الاستيلاء ظلمات صفات النفس وقد حملت من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذى كالحجارة او اشد قسوة فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من ماء الحكمة لان كلمة لا اله الا الله اثنا عشر حرفا من كل حرف عين قد علم كل سبط من اسباط الصفات الانسانية وهم اثنا عشر سبطا من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس ولكل واحد منهم مشرب من عين حرف من حروف الكلمة قد علم مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمشرب عذب فرات ومشرب ملح اجاج فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات والقلوب تشرب من مشارب التقى والطاعات والارواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات والاسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلى الصفات عن ساقى وسقاهم ربهم شراب الاضمحلال فى حقيقة الذات كلوا واشربوا كل واحد من رزق الله بامره ورضاه ولا تعثوا فى الارض مفسدين بترك الامر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وايثار الآخرة على الاولى واختيارهما على المولى كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:61

{ واذ قلتم } تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى اسرائيل وكفرانهم لنعمة الله عز وجل خاطبهم تنزيلا لهم مكان آبائهم لما بينهم من الاتحاد وكان هذا القول منهم فى التيه حين سئموا من اكل المن والسلوى لكونهما غير مبدلين والانسان اذا داوم شيأ واحدا سئمه وتذكروا عيشهم الاول بمصر لانهم كانوا اهل فلاحة فنزعوا الى عكرهم عكر السوء واشتاقت طباعهم الى ما جرت عليه عادتهم فقالوا { يا موسى لن نصبر على طعام واحد } الطعام ما يتغذى به وكنوا عن المن والسلوى بطعام واحد وهما اثنان لانهم كانوا يأكلون احدهما بالآخر فيصيران طعاما واحدا او اريد بالواحد نفى التبدل والاختلاف ولو كان على مائدة الرجل الوان عدة يداوم عليها كل يوم لا يبدلها قيل لا يأكل فلان الا طعاما واحدا. وفى تفسير البغوى والعرب تعبر عن الواحد بلفظ الاثنين كقوله يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان الرحمن 22. وانما يخرج من الملح دون العذب وقيل لن نصبر على الغنى فيكون جميعنا اغنياء فلا يقدر بعضنا على الاستعانة ببعض لاستغناء كل واحد بنفسه وكان فيهم اول من اتخذ العبيد والخدم { فادع لنا ربك } اى سله لاجلنا بدعائك اياه والفاء لسببية عدم الصبر للدعاء { يخرج لنا } اى يظهر لنا ويوجد شيأ فالمفعول محذوف والجزم لجواب الامر فان دعوته سبب الاجابة اى ان تدع لنا ربك يخرج لنا { مما تنبت الارض } اسناد مجازى باقامة القابل وهو الارض مقام الفاعل وهو الله تعالى ومن تبعيضية وما موصولة { من بقلها } من بيانية واقعة موقع الحال من الضمير اى ما تنبته كائنا من بقلها والبقل ما تنبت الارض من الخضر والمراد اصناف البقول التى تأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث واشباهها { وقثائها } اخو القثد وهى شيء يشبه الخيار { وفومها } وهو الحنطة لان ذكر العدس يدل على انه المراد لانه من جنسه وقيل هو الثوم لان ذكر البصل يدل على انه هو المراد فانه من جنسه * قال ابن التمجيد فى حواشيه وحمله على الثوم اوفق من الحنطة لاقتران ذكره بالبصل والعدس فان العدس يطبخ بالثوم والبصل { وعدسها } حب معروف يستوى كيله ووزنه { وبصلها } بقل معروف تطيب به القدور { قال } استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قال الله لهم او موسى عليه السلام فقيل قال انكارا عليهم { أتستبدلون } اى أتأخذون لانفسكم وتختارون { الذى هو ادنى } اى اقرب منزلة وأدون قدرا { بالذى هو خير } اى بمقابلة ما هو خير فان الباء تصحب الزائل دون الآتى الحاصل وخيرية المن والسلوى فى اللذاذة وسقوط المشقة وغير ذلك ولا كذلك الفوم والعدس والبصل وامثالها. قال بعضهم الحنطة وان كانت اعلى من المن والسلوى لكن خساستها ههنا بالنسبة الى قيمتها وليس فى الآية ما يدل قطعها على انهم ارادوا زوال المن والسلوى وحصول ما طلبوا مكانه لتحقق الاستبدال فى صورة المناوبة لانهم أرادوا بقولهم لن نصبر على طعام واحد ان يكون هذا تارة وذاك اخرى { اهبطوا } اى انحدروا وانزلوا من التيه ان كنتم تريدون هذه الاشياء { مصرا } من الامصار لانكم فى البرية فلا يوجد فيها ما تطلبون وانما يوجد ذلك فى الامصار فالمراد ليس مصر فرعون لقوله تعالى يا قوم أدخلوا الأرض المقدسة التى كتب الله لكم المائدة 21. واذا وجب عليهم دخول تلك الارض فكيف يجوز دخول مصر فرعون وهو الاظهر والمصر البلد العظيم من مصر الشىء يمصره اى قطعه سمى به لانقطاعه عن الفضاء بالعمارة وقد تسمى القرية مصرا كما تسمى المصر قرية وهو ينصرف ولا ينصرف فصرف ههنا لان المراد غير معين وقيل اريد به مصر فرعون وانما صرف لسكون وسطه كهند ودعد ونوح او لتأويله بالبلد دون المدينة فلم يوجد فيه غير العلمية { فان لكم ما سألتم } تعليل للامر بالهبوط اى فان لكم فيه ما سألتموه من بقول الارض { وضربت عليهم الذلة } اى الذل والهوان { والمسكنة } اى الفقر يسمى الفقير مسكينا لان الفقر اسكنه واقعده عن الحركة اى جعلتا محيطتين بهم احاطة القبة بمن ضربت عليه او الصقتا بهم وجعلتا ضربة لازب لا تنفكان عنهم مجازاة لهم على كفرانهم كما يضرب الطين على الحائط فهو استعارة بالكناية فترى اليهود وان كانوا مياسير كأنهم فقراء { وباؤوا } اى رجعوا { بغضب } عظيم كائن { من الله } اى استحقوه ولزمهم ذلك ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " ابوء بنعمتك على ". اى اقر بها والزمها نفسى وغضب الله تعالى ذمه اياهم فى الدنيا وعقوبتهم فى الآخرة { ذلك } اى ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم { بانهم } اى بسبب ان اليهود { كانوا يكفرون } على الاستمرار { بآيات الله } الباهرة التى هى المعجزات الساطعة الظاهرة على يدى موسى عليه السلام مما عد او لم يعد وكذبوا بالقرآن ومحمد عليه السلام وانكروا صفته فى التوراة وكفروا بعيسى والانجيل { ويقتلون النبيين بغير الحق } كشعيب وزكريا ويحيى عليهم السلام وفائدة التقييد مع ان قتل الانبياء يستحيل ان يكون بحق الايذان بان ذلك عندهم ايضا بغير الحق اذ لم يكن احد معتقدا بحقية قتل احدهم عليهم السلام * فان قيل كيف جاز ان يخلى بين الكافرين وقتل الانبياء. قيل ذلك كرامة لهم وزيادة فى منازلهم كمثل من يقتل فى سبيل الله من المؤمنين وليس ذلك بخذلان لهم. قال ابن عباس والحسن رضى الله عنهم لم يقتل قط من الانبياء الا من لم يؤمر بقتال وكل من امر بقتال نصر فظهر ان لا تعارض بين قوله تعالى { ويقتلون النبيين بغير الحق } وقوله إنا لننصر رسلنا غافر 51. وقوله تعالى ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين انهم لهم المنصورون الصافات 171-172. مع انه يجوز ان يراد به النصرة بالحجة وبيان الحق وكل منهم بهذا المعنى منصور. روى انهم قتلوا فى يوم واحد سبعين نبيا قال فى المثنوى جون سفيهانراست اين كار وكيا لازم آمد يقتلون الانبيا انبيارا كفته قوم راه كم از سفه انا تطيرنا بكم { ذلك } اى ما ذكر من الكفر بالآيات العظام وقتل الانبياء عليهم السلام { بما عصوا وكانوا يعتدون } يتجاوزون امرى ويرتكبون محارمى اى جربهم العصيان والتمادى فى العدوان الى المشار اليه فان صغار الذنوب اذا دووم عليها ادت الى كبارها كما ان مداومة صغار الطاعات مؤدية الى تحرى كبارها وسقم القلب بالغفلة عن الله تعالى منعهم عن ادراك لذاذة الايمان وحلاوته لان المحموم ربما وجد طعم السكر مرا فالغفلة سم للقلوب مهلك فنفرة قلوب المؤمنين عن مخالفة الله نفرتك عن الطعام المسموم. واعلم ان لله مرادا وللعبد مرادا وما اراد الله خير فقوله اهبطوا اى عن سماء التفويض وحسن التدبير منالكم الى ارض التدبير والاختيار منكم لانفسكم موصوفين بالذلة والمسكنة لاختياركم مع الله وتدبيركم لانفسكم مع تدبير الله ولو ان هذه الامة هى الكائنة فى التيه لما قالت مقال بنى اسرائيل لشفوف انوارهم ونفوذ اسرارهم قال تعالى وكذلك جعلناكم امة وسطا البقرة 143 اى عدلا خيارا. وفى التأويلات كما ان بنى اسرائيل لم يصبروا على طعام واحد كان ينزل عليهم من السماء وقالوا لموسى من خساسة طبعهم ما قالوا كذلك نفس الانسان من دناءة همتها لم تصبر على طعام واحد يطعمها ربها الواحد من واردات الغيب كما كان يصبر نفس النبى عليه السلام ويقول " لست كأحدكم فانى ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ". بل يقول لموسى القلب فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض البشرية من بقل الشهوات الحيوانية وقثاء اللذات الجسمانية قال أتستبدلون الفانى بالباقى اهبطوا مصر القالب السفلى من مقامات الروح العلوى فان لكم ما سألتم من المطالب الدنيئة وضربت عليهم الذلة والمسكنة كالبهائم والانعام بل هم اضل لانهم باؤوا بغضب من الله ذلك بانهم كانوا يكفرون بالواردات الغيبية والمكاشفات الروحانية بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق اى يبطلون ما يفتح الله لهم من انباء الغيب فى مقام الانبياء وينكرون اسرارهم ذلك يعنى حصول هذه المقامات منهم بما عصوا ربهم فى نقض العهود ببذل المجهود فى طاعة المعبود وكانوا يعتدون من طلب الحق فى مطالبة ما سواه انتهى باختصار. ثم ان فى الآية الكريمة دليلا على جواز أكل الطيبات والمطاعم المستلذات وكان النبى عليه السلام يحب الحلوى والعسل ويشرب الماء البارد العذب والعدس والزيت طعام الصالحين. وفى الحديث " عليكم بالعدس فانه مبارك مقدس وانه يرقق القلب ويكثر الدمعة فانه بارك فيه سبعون نبيا اخرهم عيسى ابن مريم ". وكان عمر بن عبد العزيز يأكل يوما خبزا بزيت ويوما بعدس ويوما بلحم ولو لم يكن فيه فضيلة الا ان ضيافة ابراهيم عليه السلام فى مدينته لا تخلو منه لكان فيه كفاية وهو مما يجفف البدن فيخف للعبادة ولا تثور منه الشهوات كما تثور من اللحم والحنطة واكل البصل والثوم وماله رائحة كريهة مباح وفى الحديث " من اكل البصل والثوم والكراث فلا يقربن مسجدنا فان الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنوا ادم ". والمراد بالملائكة الحاضرون مواضع العبادات لا الملازمون للانسان فى جميع الاوقات ومعنى تأذيهم من هذه الروائح وانه مخصوص بها او عام لكل الروائح الخبيثة مما يفوض علمه الى الشارع وهذا التعليل يدل على انه لا يدخل المسجد وان كان خاليا من الانسان لانه محل الملائكة قال عليه السلام " ان كنتم لا بد لكم من اكلها فاميتوها طبخا ". وقاس قوم على المساجد سائر مجامع الناس وعلى اكل الثوم ما معه رائحة كريهة كالبخر وغيره وانما كره النبى صلى الله عليه وسلم اكل البصل ونحوه لما انه يأتيه الوحى ويناجى الله تعالى ولكن رخص للسائر ويقال كان اخر ما اكله النبى صلى الله عليه وسلم البصل ايذانا لامته باباحته والعزيمة ان يقتدى الرجل فى اقواله وافعاله واحواله برسول الله صلى الله عليه وسلم قال المولى الجامى يا نبى الله السلام عليك انما الفوز والفلاح لديك كر نرفتم طريق سنت تو هستم از عاصيان امت تو مانده ام زير بار عصيان بست افتم از باى اكرنكيرى دست

البقرة 2:62

{ ان الذين آمنوا } بألسنتهم من غير مواطأة القلوب وهم المنافقون بقرينة انتظامهم فى سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بان تلك المرتبة وان عبر عنها بالايمان لا تجديهم نفعا اصلا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا { والذين هادوا } اى تهودوا من هاد اذا دخل فى اليهودية. ويهود اما عربى من هاد اذا تاب سموا بذلك حين تابوا من عبادة العجل وخصوا به لما كانت توبتهم توبة هائلة واما معرب يهودا كأنهم سموا باسم اكبر اولاد يعقود عليه السلام ويقال انما سمى اليهود يهودا لانهم اذا جاءهم رسول او نبى هادوا الى ملكهم فدلوه عليه فيقتلونه { والنصارى } جمع نصران كندامى جمع ندمان سمى بذلك لانهم نصروا المسيح عليه السلام او لانهم كانوا معه فى قرية يقال لها ناصرة فسموا باسمها او لاعتزائهم الى نصرة وهى قرية كان ينزلها عيسى عليه السلام { والصابئين } من صبأ اذا خرج من الدين وهم قوم عدلو عن دين اليهودية والنصرانية وعبدوا الكواكب والملائكة فكانوا كعبدة الاصنام وان كانوا يقرأون الزبور لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نسائهم " وجاء اعرابى الى النبى صلى الله عليه وسلم فقال لم يسمى الصابئون صابئين فقال عليه السلام " لانهم اذا جاءهم رسول او نبى اخذوه وعمدوا الى قدر عظيم فأغلوه حتى اذا كان محمى صبوه على رأسه حتى يتفسخ " كذا فى روضة العلماء { من } مبتدأ خبره فلهم اجر عظيم والجملة خبران { آمن } من هؤلاء الكفرة { بالله } وبما انزل على جميع النبيين { واليوم الآخر } وهو يوم البعث اى من احدث منهم ايمانا خالصا بالمبدأ والمبدأ والمعاد على الوجه اللائق ودخل فى ملة الاسلام دخولا اصيلا { وعمل } عملا { صالحا } مرضيا عند الله { فلهم } بمقابلة تلك والفاء للسببية { اجرهم } الموعود لهم { عند ربهم } اى مالك امرهم ومبلغهم الى كمالهم اللائق وعند متعلق بما تعلق به لهم من معنى الثبوت اخبر ان هؤلاء اذا آمنوا وعملوا الصالحات لم يؤاخذوا بتقديم فعلهم ولا بفعل آبائهم ولا ينقصون من ثوابهم { ولا خوف عليهم } عطف على جملة فلهم اجرهم اى لا خوف عليهم حين يخاف الكفار العقاب { ولا هم يحزنون } حين يحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب والمراد بيان دوام انتفائهما وتلخيصه من اخلص ايمانه واصلح عمله دخل الجنة. واعلم ان هذا الدين الحق حسنه موجود فى النفوس وانما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد فكل مولود انما يولد فى مبدأ الخلقة واصل الجبلة على الفطرة السليمة والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها استمر على لزومها ولم يفارقها الى غيرها كما قال عليه السلام " ما من مولود الا وقد يولد على فطرة الاسلام ثم ابواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه " قال ابن الملك فى شرح المشارق المراد بالفطرة قولهم بلى حين قال الله تعالى ألست بربكم فلا مخالفة بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام " ان الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا " والتحقيق ان الله تعالى لما اخرج ذرية آدم من ظهره وقال ألست بربكم آمنوا كلهم لمشاهدتهم الحق بالمعاينة لكن لم ينفع ايمان الاشقياء لكونهم لم يؤمنوا من قبل فاختلط السعيد والشقي ولم يفرق بينهما فى هذا العالم ثم انهم اذا نزلوا فى بطون الامهات تميز السعيد من الشقى لان الكاتب لا ينظر الى عالم الاقرار بل ينظر الى ما فى علم الله تعالى من احوال الممكن من السعادة والشقاوة وغيرهما واذا ولدوا يولدون على فطرة الاسلام وهى فطرة بلى فههنا اربعة مقامات * الاول علم الله وهو البطن المعنوى ويقال له فى اصطلاح الصوفية بطن الام وام الكتاب. والثانى مقام بلى ويقال له مولود معنوى. والثالث بطن الام الصورى. والرابع مولود صورى وهو صورة المولود المعنوى لذلك لا يتميز السعيد من الشقى فيه كما لا يتميز فى عالم ألست والبطن الصورى صورة علم الله لذلك يتميز السعيد من الشقى فيها فظهر لك معنى حديث النبى عليه السلام " السعيد سعيد فى بطن امه والشقى شقى فى بطن امه ". ومعنى الخبر الآخر " السعيد قد يشقى والشقى قد يسعد ". ومعنى الحديث " كل مولود يولد على فطرة الاسلام " كذا حققه الشيخ بالى الصوفيوى قدس سره. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة قال شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة فى كتابه المسمى باللائحات البرقيات لاح ببالى ان المراد ببطن الام على مشرب اهل التحقيق هو باطن الغيب المطلق الذاتى الاحدى يعنى السعيد سعيد فى باطن الغيب المطلق ازلا وفى ظاهر الشهادة المطلقة ابدا ولم تتداخل الشقاوة فى واحد منهما اصلا والشقى شقى فى باطن الغيب المطلق ازلا وفى ظاهر الشهادة المطلقة ابدا ولم تتداخل السعادة فى واحد منها أصلا الا ان السعيد قد تتداخله الشقاوة والشقى قد تتداخله السعادة فى البرزخ الجامع بينهما فيكون السعيد الشقى سعيدا بالسعادة الذاتية وشقيا بالشقاوة العارضية والشقى السعيد شقيا بالشقاوة الذاتية وسعيدا بالسعادة العارضية والسبق فى الغاية للذاتى دون العارضى ويغلب حكم الذاتى على حكم العارضى ويختم به كما بدئ به ويختم آخر نفس الشقى بالشقاوة العارضية بالسعادة الذاتية وتزول شقاوته العارضية ويدخل فى زمرة السعداء ابدا ويختم آخر نفس السعيد بالسعادة العارضية بالشقاوة الذاتية وتزول سعادته العارضية ويدخل فى زمرة الاشقياء ابدا والى هذا التداخل والعروض البرزخى اشار بقوله السعيد قد يشقى والشقى قد يسعد والتبدل فى العارضى لا فى الذاتى والاعتبار بالذاتى لا العارضى انتهى فمن انشرح قلبه بنور الله فقد آمن بالله لا بالتقليد والرسم والعادة والاقتداء بالآباء واهل البلد فلا خوف عليهم من حجب الانانية ولا هم يحزنون بالاثنينية لانهم الواصلون الى نون الوحدة والهوية.

البقرة 2:63

{ واذ اخذنا ميثاقكم } تذكير لجناية اخرى لاسلاف بنى اسرائيل اى اذكروا يا بنى اسرائيل وقت اخذنا لعهد آبائكم بالعمل على ما فى التوراة وذلك قبل التيه حين خرجوا مع موسى من مصر ونجوا من الغرق { ورفعنا فوقكم الطور } كانه ظلة حتى قبلتم واعطيتم الميثاق والطور الجبل بالسريانية وذلك ان موسى عليه السلام جاءهم بالالواح فرأوا ما فيها من الآصار والتكاليف الشاقة فكبرت عليهم وابوا قبولها فامر جبريل فقلع الطور من اصله ورفعه وظلله فوقهم وقال لهم موسى ان قبلتم والا القى عليكم فلما رأوا ان لا مهرب لهم منها قبلوا وسجدوا وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود لئلا ينزل عليهم فصارت عادة فى اليهود لا يسجدون الا على انصاف وجوههم ويقولون بهذا السجود رفع عنا العذاب ثم رفع الجبل ليقبلوا التوراة لم يكن جبرا على الاسلام لان الجبر ما يسلب الاختيار وهو جائز كالمحاربة مع الكفار واما قوله تعالى لا إكراه فى الدين البقرة 256 وامثاله فمنسوخ بالقتال. قال ابن عطية والذى لا يصح سواه ان الله جبرهم وقت سجودهم على الايمان لانهم آمنوا كرها وقلوبهم غير مطمئنة بذلك { خذوا } على ارادة القول اى فقلنا لهم خذوا { ما آتيناكم } من الكتاب { بقوة } بجد وعزيمة ومواظبة { واذكروا ما فيه } اى احفظوا ما فى الكتاب وادرسوه ولا تنسوه ولا تغفلوا عنه { لعلكم تتقون } رجاء منكم ان يكونوا متقين.

البقرة 2:64

{ ثم توليتم } اى اعرضتم عن الميثاق والوفاء به والدوام عليه { من بعد ذلك } الميثاق المؤكد { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } عطفه بالامهال وتأخير العذاب { لكنتم من الخاسرين } اى من الهالكين ولكن تفضل عليكم حيث رفع الطور فوقكم حتى تبتم فزال الجبل عنكم ولولا ذلك لسقط عليكم والخسران فى الاصل ذهاب رأس المال وهو ههنا هلاك النفس لانها الاصل وقد من الله تعالى على امة محمد صلى الله عليه وسلم حيث فرض عليهم الفرائض واحدة بعد واحدة ولم يفرض عليهم جملة فاذا استقرت الواحدة فى قلوبهم فرض عليهم الاخرى واما بنوا اسرائيل فقد فرض عليهم بدفعة واحدة فشق عليهم ذلك ولذا لم يقبلوا حتى رأوا العذاب ثم ان الله تعالى امر بحفظ الاوامر والعمل وبعدم النسيان والتضييع وقال واذكروا ما فيه وهو المقصود من الكتب الآلهية لان العمدة العمل بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيبها فان ذلك نبذ لها مثاله ان السلطان اذا ارسل منشورا الى واحد من امرائه فى ممالكه وامره فيه ان يبنى له قصرا فى تلك الديار فوصل الكتاب اليه وهو لا يبنى ما امر به لكنه يقرأ المنشور كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد القصر حاضرا فالظاهر انه يستحق العتاب بل العقاب فالقرآن انما هو مثل ذلك المنشور قد امر الله فيه عبيده ان يعمروا اركان الدين من الصوم والصلاة وغيرهما فمجرد قراءة القرآن بغير عمل لا يفيد قال فى المثنوى هست قرآن حالهاى انبيا ماهيان بحرباك كبريا وربخوانى ونهء قرآن بذير انبيا واوليارا ديده كير " روى انه عليه السلام شخص ببصره الى السماء يوما ثم قال " هذا اوان يختلس فيه العلم من الناس حتى لا يقدروا منه على شىء " فقال زياد بن لبيد الانصارى كيف يختلس منه وقد قرأنا القران فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وابناءنا فقال صلى الله عليه وسلم " ثكلتك امك يا زياد هذه التوراة والانجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغنى عنهم " وفى الموطأ عن عبد الله بن مسعود رضى الله عنه قال لانسان انك فى زمان كثير فقهاؤه قليل قراؤه يحفظ فيه حدود القرآن ويضيع حروفه قليل من يسأل كثير من يعطى يطولون الصلاة ويقصرون الخطبة يبدون فيه اعمالهم. قبل اهوائهم وسيأتى على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير قراؤه يحفظ فيه حروف القرآن وتضيع حدوده كثير من يسأل قليل من يعطى يطولون فيه الخطبة ويقصرون الصلاة يبدون فيه اهواءهم قبل اعمالهم والاشارة فى الآية ان اخذ الميثاق كان عاما كما كان فى عهد ألست بربكم ولكن قوما اجابوه شوقا وقوما اجابوه خوفا ليتحقق ان الامر بيد الله فى كلتا الحالتين يسمع خطابه من يشاء موجبا للهداية ويسمع من يشاء موجبا للضلالة فانه لا برهان اظهر من رفع الطور فوقهم عيانا فلما اوبقهم الخذلان لم ينفعهم اظهار البرهان وفى قوله خذوا ما آتيناكم بقوة البقرة 63.ا شارة الى ان اخذ ما يؤتى الله من الاوامر والنواهى والطاعات والعلوم وغير ذلك لا يمكن للقوة الانسانية الا بقوة ربانية وتأييد الهى واذكروا ما فيه البقرة 63. من الرموز والاشارات والدقائق والحقائق لعلكم تتقون البقرة 63 بالله عما سواه { ثم توليتم من بعد ذلك } اى اعرضتم عن طريق الحق واتباع الشريعة باستيلاء قوة الطبيعة بعد اخذ الميثاق وسلوك طريق الوفاق ابتلاء من الله { فلولا فضل الله عليكم ورحمته } وهو سبق العناية فى البداية وتوفيق اخذ الميثاق بالقوة فى الوسط وقبول التوبة وتوفيقها والثبات عليها فى النهاية { لكنتم من الخاسرين } المصرين على العصيان المغبونين بالعقوبة والخسران والمبتلين بذهاب الدنيا والعقبى ونكال الآخرة والاولى كما كان حال المصرين منكم والمعتدين.

البقرة 2:65

{ ولقد علمتم } خطاب لمعاصرى النبى صلى الله عليه وسلم من اليهود اى وبالله قد عرفتم يا بنى اسرائيل { الذين اعتدوا } اى تجاوزوا الحد ظلما { منكم } من اسلافكم محله نصب على انه حال { فى } يوم { السبت } اى جاوزوا ما حد لهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه واشتغلوا بالصيد. واصل السبت القطع لان اليهود امروا بان يسبتوا فيه اى يقطعوا الاعمال ويشتغلوا بعبادة الله ويسمى النوم سباتا لانه يقطع الحركات الاختيارية وفيه تحذير وتهديد فكانه يقول انكم تعلمون ما اصابهم من العقوبة فاحذروا كيلا يصبكم مثل ما اصابهم. والقصة فيه انهم كانوا فى زمن داود عليه السلام بارض يقال لها ايلة بين المدينة والشام على ساحل بحر القلزم حرم الله عليهم صيد السمك يوم السبت فكان اذا دخل السبت لم يبق حوت فى البحر الا اجتمع هناك اما ابتلاء لاولئك القوم واما لزيارة السمكة التى كان فى بطنها يونس ففى كل سبت يجتمعن لزيارتها ويخرجن خراطيمهن من الماء حتى لا يرى الماء من كثرتها واذا مضى السبت تفرقن ولزمن مقل البحر فلا يرى شىء منها ثم ان الشيطان وسوس اليهم وقال انما نهيتم عن اخذها يوم السبت فعمد رجال من اهل تلك القرية فحفروا الحياض حول البحر وشرعوا منه اليها الانهار فاذا كانت عشية الجمعة فتحوا تلك الانهار فاقبل الموج بالحيتان الى الحياض فلا يقدرن على الخروج لبعد عمقها وقلة مائها فاذا كان يوم الاحد يصطادونها فاخذوا واكلوا وملحوا وباعوا فكثرت اموالهم ففعلوا ذلك زمانا اربعين سنة او سبعين لم تنزل عليهم عقوبة وكانوا يتخوفون العقوبة فلما لم يعاقبوا استبشروا وتجرأوا على الذنب وقالوا ما نرى السبت الا قد احل لنا ثم استن الابناء سنة الآباء فلو انهم فعلوا ذلك مرة او مرتين لم يضرهم فلما فعلوا ذلك صار اهل القرية وكانوا نحوا من سبعين الفا ثلاثة اصناف صنف امسك ونهى وصنف امسك ولم ينه وصنف انتهك الحرمة وكان الناهون اثنى عشر الفا فنهوهم عن ذلك وقالوا يا قوم انكم عصيتم ربكم وخالفتم سنة نبيكم فانتهوا عن هذا العمل قبل ان ينزل بكم البلاء فلم يتعظوا وابوا قبول نصحهم فعاقبهم الله بالمسخ وذلك قوله تعالى { فقلنا لهم } قهرا { كونوا قردة } جمع قرد كالديكة جمع ديك بالفارسية " بوزينه " وهذا امر تحويل لانهم لم يكن لهم قدرة على التحول من صورة الى صورة وهو اشارة الى قوله إنما قولنا لشىء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون النحل 40. اى لما اردنا ذلك صاروا كما اردنا من غير امتناع ولا لبث { خاسئين } هو وقردة خبران اى كونوا جامعين بين القردية والخسىء وهو الصغار والطرد وذلك ان المجرمين لما ابوا قبول النصح قال الناهون والله لا نساكنكم فى قرية واحدة فقسموا القرية بجدار وصيروها بذلك ثنتين فلعنهم داود وغضب الله عليهم لاصرارهم على المعصية فمسخوا ليلا فلما اصبح الناهون اتوا ابوابها فاذا هى مغلقة لا يسمع منها صوت ولا يعلو منها دخان فتسوروا الحيطان ودخلوا فرأوهم قد صار الشبان قردة والشيوخ خنازير لها اذناب يتعاوون فعرفت القردة انسابهم من الانس ولم يعرف الانس انسابهم من القردة فجعلت القردة تأتى نسيبها من الانس فتشم ثيابه وتبكى فيقول ألم ننهكم عن ذلك فكانوا يشيرون برؤسهم اى نعم والدموع تفيض من اعينهم ودل ذلك على انهم لما مسخوا بقى فيهم الفهم والعقل ثم لم يكن ابتداء القردة من هؤلاء بل كانت قبلهم قردة وهؤلاء حولوا الى صورتها لقبحها جزاء على قبح اعمالهم وافعالهم وماتوا بعد ثلاثة ايام ولم يتوالدوا والقردة التى فى الدنيا هى نسل قردة كانت قبلهم.

البقرة 2:66

{ فجعلناها } اى صيرنا مسخة تلك الامة وعقوبتها { نكالا } اى عبرة تنكل من اعتبر بها اى تمنعه من ان يقدم على مثل صنيعهم { لما بين يديها وما خلفها } اى لما قبلها وما بعدها من الامم والقرون لان مسختهم ذكرت فى كتب الاولين فاعتبروا بها واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين فاستعير ما بين يديها للزمام الماضى وما خلفها للمستقبل { وموعظة } اى تذكرة { للمتقين } الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحى قومهم او لكل متق سمعها فاللام للاستغراق العرفى على التقديرين قال السعدى نرود مرغ سوى دانه فراز جون دكر مرغ بينداندر بند بند كيراز مصائب دكران تانكيرند ديكران زتو بند واعلم ان هذا البلاء والخسران جزاء من لم يعرف قدر الاحسان ومن يكافى المنعم بالكفران يرد من عزة الوصال الى ذل الهجران وكان عقوبة الامم بالخسف والمسخ على الاجساد وعقوبة هذه الامة على القلوب وعقوبات القلوب اشد من عقوبات النفوس قال الله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم الأنعام 110الآية. هكذا حال من لم يتأدب فى خدمة الملوك وينخرط فى اثناء السلوك ومن لم يتخط بساط القربة بقدم الحرمة يستوجب الحرمان ويستجلب الخسران ويبتلى بسياسة السلطان. ثم علامة المسخ مثل الخنزير ان يأكل العذرات ومن اكل الحرام فقلبه ممسوخ. ويقال علامة مسخ القلب ثلاثة اشياء لا يجد حلاوة الطاعة ولا يخاف من المعصية ولا يعتبر بموت احد بل يصير ارغب فى الدنيا كل يوم كذا فى زهرة الرياض وروى عن عوف بن عبد الله انه قال كان اهل الخير يكتب بعضهم بثلاث كلمات من عمل لآخرته كفاه الله امر دنياه ومن اصلح ما بينه وبين الله اصلح الله ما بينه وبين الناس ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته. قال محمد بن على الترمذى صلاح اربعة اصناف فى اربعة مواطن صلاح الصبيان فى الكتاب وصلاح القطاع فى السجن وصلاح النساء فى البيوت وصلاح الكهول فى المساجد.

البقرة 2:67

{ واذ قال موسى لقومه } توبيخ آخر لاخلاف بنى اسرائيل بتذكير بعض جنايات صدرت من اسلافهم اى واذكروا قول موسى عليه السلام لاجدادكم { ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة } هى الانثى من نوع الثور او واحد البقر ذكرا كان او انثى من البقر وهو الشق سميت به لانها تبقر الارض اى تشقها للحراثة وسببه انه كان فى بنى اسرائيل شيخ موسر فقتله بنوا عمه طمعا في ميراثه فطرحوه على باب المدينة او حملوه الى قرية اخرى والقوه بفنائها ثم جاؤا يطالبون بديته وجاؤا بناس يدعون عليهم القتل فسألهم موسى فجحدوا فاشتبه امر القتيل على موسى وكان ذلك قبل نزول القسامة فى التوراة فسألوا موسى ان يدعو الله ليبين لهم بدعائه فامرهم الله ان يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها فيحيى فيخبرهم بقاتله { قالوا } كأنه قيل فماذا صنعوا هل سارعوا الى الامتثال او لا فقيل قالوا { أتتخذنا هزوا } اى أتجعلنا مكان هزء وسخرية وتستهزئ بنا نسألك عن امر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة ولا جامع بينهما قال بعض العلماء كان ذلك هفوة منهم وجهالة فما انقادوا للطاعة وذبحها { قال } موسى وهو استئناف كما سبق { اعوذ بالله ان اكون من الجاهلين } لان الهزؤ فى اثناء تبليغ امر الله جهل وسفه ودل ان الاستهزاء بامر الدين كبيرة وكذلك بالمسلمين ومن يجب تعظيمه وان ذلك جهل وصاحبه مستحق للوعيد وليس المزاح من الاستهزاء. قال امير المؤمنين على رضى الله تعالى عنه لا بأس بفكاهة يخرج بها الانسان من حد العبوس. روى انه قدم رجل الى عبيدالله بن الحسين وهو قاضى الكوفة فمازحه عبيدالله فقال جبتك هذه من صوف نعجة او من صوف كبش فقال أتجهل ايها القاضى فقال له عبيدالله واين وجدت المزاح جهلا فتلا هذه الآية فاعرض عنه عبيدالله لانه رأه جاهلا لا يعرف المزاح من الاستهزاء ثم ان القوم علموا ان ذبح البقرة عزم من الله وجد فاستوصفوها كما يأتى ولو أنهم عمدوا الى ادنى بقرة فذبحوها لاجزأت عنهم ولكنهم شددوا على انفسهم فشدد الله عليهم وكانت تحته حكمة. والقصة انه كان فى بنى اسرائيل رجل صالح له ابن طفل وله عجلة اتى بها الى غيضة وقال اللهم انى استودعك هذه العجلة لابنى حتى يكبر ومات الرجل فصارت العجلة فى الغيضة عوانا اى نصفا بين المسنة والشابة وكانت تهرب من كل من رأها فلما كبر الابن كان بارا بوالدته وكان يقسم الليل ثلاثة اثلاث يصلى ثلثا وينام ثلثا ويجلس عند رأس امه ثلثا فاذا اصبح انطلق فاحتطب على ظهره فيأتى به الى السوق فيبيعه بما شاء الله ثم يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويعطى والدته ثلثه فقالت له امه يوما ان اباك قد ورثك عجلة استودعها الله فى غيضة كذا فانطلق وادع آله ابراهيم واسماعيل واسحق ان يردها عليك وعلامتها انك اذا نظرت اليها يخيل اليك ان شعاع الشمس يخرج من جلدها وكانت تلك البقرة تسمى المذهبة لحسنها وصفرتها لان صفرتها كانت صفرة زين لا صفرة شين فاتى الفتى الغيضة فرأها ترعى فصاح بها وقال اعزم عليك باله ابراهيم واسماعيل واسحق ويعقوب فاقبلت تسعى حتى قامت بين يديه فقبض على عنقها يقودها فتكلمت البقرة باذن الله وقالت ايها الفتى البار لوالدته اركبنى فان ذلك اهون عليك فقال الفتى ان امى لم تأمرنى بذلك ولكن قالت خذ بعنقها فقالت البقرة بآله بنى اسرائيل لو ركبتنى ما كنت تقدر على ابدا فانطلق فانك ان امرت الجبل ان ينقلع من اصله وينطلق معك لفعل لبرك بامك فسار الفتى بها الى امه فقالت له انك فقير لا مال لك ويشق عليك الاحتطاب بالنهار والقيام بالليل فانطلق فبع هذه البقرة قال بكم ابيعها قالت بثلاثة دنانير ولا تبع بغير مشورتى وكان ثمن البقرة ثلاثة دنانير فانطلق بها الى السوق فبعث الله ملكا ليرى خلقه قدرته وليختبر الفتى كيف بره بامه وكان الله به خبيرا فقال له الملك بكم تبيع هذه البقرة قال بثلاثة دنانير واشترط عليك رضى والدتى فقال الملك لك ستة دنانير ولا تستأمر والدتك فقال الفتى لو اعطيتنى وزنها ذهبا لم آخذه الا برضى امى فردها الى امه واخبرها بالثمن فقالت ارجع فبعها بستة دنانير على رضى منى فانطلق بها الى السوق فاتى الملك فقال استأمرت امك فقال الفتى انها امرتنى ان لا انقصها من ستة على ان استأمرها فقال الملك انى اعطيك اثنى عشرة على ان لا تستأمرها فابى الفتى ورجع الى امه واخبرها بذلك فقالت ان الذي يأتيك ملك فى صورة آدمى ليختبرك فاذا اتى فقل له أتأمر ان نبيع هذه البقرة ام لا ففعل فقال له الملك اذهب الى امك وقل لها امسكى هذه البقرة فان موسى بن عمران يشتريها منك لقتيل يقتل فى بنى اسرائيل فلا تبيعوها الا بملئ مسكها دنانير فامسكوها وقدر الله تعالى على بنى اسرائيل ذبح تلك البقرة بعينها فما زالوا يستوصفونها حتى وصف لهم تلك البقرة بعينها مكافاة له على بره بوالدته فضلا منه ورحمة والوجه فى تعيين البقرة دون غيرها من البهائم انهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب اليهم ذلك كما قال تعالى وأشربوا فى قلوبهم العجل البقرة 93. ثم تابوا وعادوا الى طاعة الله وعبادته فاراد الله تعالى ان يمتحنهم بذبح ما حبب اليهم ليظهر منهم حقيقة التوبة وانقلاع ما كان منهم فى قلوبهم وقيل كان افضل قرابينهم حينئذ البقر فامروا بذبح البقرة ليجعل التقرب لهم بما هو افضل عندهم.

البقرة 2:68

{ قالوا } كأنه قيل فماذا قال قوم موسى بعد ذلك فقيل توجهوا نحو الامتثال وقالوا يا موسى { ادع لنا } سل لاجلنا { ربك يبين لنا } اى يوضح ويعرف { ما هى } ما مبتدأ وهى خبره والجملة فى حيز النصب بيبين اى يبين لنا جواب هذا السؤال وقد سألوا عن حالها وصفتها لما قرع اسماعهم ما لم يعهدوه من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيى فما ههنا سؤال عن الحال والصفة تقول ما زيد فيقال طبيب او عالم اى ما ما سنها وما صفتها من الصغر والكبر { قال } اى موسى عليه السلام بعد ما دعا ربه بالبيان واتاه الوحى { انه } اى الله تعالى { يقول انها } اى البقرة المأمور بذبحها { بقرة لا } هى { فارض } اى مسنة من الفرض وهو القطع كانها قطعت سنها وبلغت آخره { ولا بكر } اى فتية صغيرة ولم يؤنث البكر والفارض لانهما كالحائض فى الاختصاص بالانثى { عوان } اى نصف { بين ذلك } المذكور من الفارض والبكر { فافعلوا } امر من جهة موسى عليه السلام متفرع على ما قبله من بيان صفة المأمور به { ما تؤمرون } اى ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به من ذبح البقرة وحذف الجار قد شاع فى هذا الفعل حتى لحق بالافعال المتعدية الى مفعولين.

البقرة 2:69

{ قالوا } كأنه قيل ماذا صنعوا بعد هذا البيان الثانى والامر المكرر فقيل قالوا { ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها } من الالوان حتى تتبين لنا البقرة المأمور بها واللون عرض مشاهد يتعاقب على بعض الجواهر { قال } موسى عليه السلام بعد المناجاة الى الله تعالى ومجيىء البيان { انه } الله تعالى { يقول انها بقرة صفراء } والصفرة لون بين البياض والسواد وهى الصفرة المعروفة وليس المراد بها هنا السواد كما فى قوله تعالى كأنه جمالت صفر المرسلات 33. اى سود والتعبير عن السواد بالصفرة لما انها من مقدماته واما لان سواد الابل يعلوه صفرة { فاقع لونها } مبتدأ وخبر والجملة صفة البقرة والفقوع نصوع الصفرة وخلوصها يقال فى التأكيد اصفر فاقع كما يقال اسود حالك وفى اسناده الى اللون مع كونه من احوال الملون لملابسته به ما لا يخفى من فضل تأكيد كأنه قيل صفراء شديدة الصفرة صفرتها كما فى جد جده قيل كانت صفراء الكل حتى القرن والظلف { تسر الناظرين } اليها يعجبهم حسنها وصفاء لونها ويفرح قلوبهم لتمام خلقتها ولطافة قرونها واظلافها والسرور لذة فى القلب عند حصول نفع او توقعه. وعن على رضى الله تعالى عنه من لبس نعلا صفراء قل همه لان الله تعالى يقول تسر الناظرين. ونهى ابن الزبير ومحمد بن كثير عن لباس النعال السود لانها تهم وذكر ان الخف الاحمر خف فرعون والخف الابيض خف وزيره هامان والخف الاسود خف العلماء وروى ان خف النبى عليه السلام كان اسود.

البقرة 2:70

{ قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى } أسائمة هى ام عاملة. وفى الكشاف هذا تكرير للسؤال عن حالها وصفتها واستكشاف زائد ليزدادوا بيانا لوصفها والاستقصاء شؤم. وعن عمر بن عبد العزيز اذا امرتك ان تعطى فلانا شاة سألتنى أضائن ام ماعز فان بينت لك قلت أذكر ام انثى فان اخبرتك قلت اسوداء ام بيضاء فاذا امرتك بشىء فلا تراجعنى وفى الحديث " اعظم الناس جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لاجل مسألته " { ان البقر تشابه علينا } اى جنس البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا ايها نذبح فذكر البقر لارادة الجنس او لان كل جمع حروفه اقل من واحده جاز تذكيره وتأنيثه { وانا انشاء الله لمهتدون } الى البقرة المراد ذبحها وفى الحديث " لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الابد ".

البقرة 2:71

{ قال } موسى { انه } تعالى { يقول انها بقرة لا ذلول } مذللة ذللها العمل يقال دابة دلول الذل بالكسر وهو خلاف الصعوبة وهو صفة لبقرة بمعنى غير ذلول ولم يقل ذلولة لان فعولا اذا كان وصفا لم تدخله الهاء كصبور { تثير الارض } اى تقلبها للزراعة وهى صفة ذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة { ولا تسقى الحرث } اى ليست بسانية يسقى عليها بالسواقى ولا الاولى للنفى والثانية مزيدة لتوكيد الاولى لان المعنى لا ذلول تثير وتسقى على ان الفعلين صفتان لذلول كانه قيل لا ذلول مثيرة وساقية كذا فى الكشاف. قال الامام ابو منصور رحمه الله دلت الآية على ان البقرة كانت ذكرا لان اثارة الارض وسقى الحرث من عمل الثيران واما الكنايات الراجعة اليها على التأنيث فللفظها كما فى قوله وقالت طائفة فالتاء للتوحيد لا للتأنيث خلافا لابى يوسف الا ان يكون اهل ذلك الزمان يحرثون بالانثى كما يحرث اهل هذا الزمان بالذكر { مسلمة } اى سلمها الله من العيوب او معفاة من العمل سلمها اهلها منه او مخلصة اللون من سلم له كذا اذا خلص له لم يشب صفرتها شىء من الالوان ويؤيده قوله تعالى { لا شية فيها } يخالف لون جلدها فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها والاصل وشية كالعدة والصفة والزنة اصلها وعد ووصف ووزن واشتقاقها من وشى الثوب وهو استعمال الوان الغزل فى نسجه { قالوا } عند ما سمعوا هذه النعوت { الآن } اى هذا الوقت بنى لتضمنه معنى الاشارة { جئت بالحق } اى بحقيقة وصف البقرة وما بقى اشكال فى امرها { فذبحوها } الفاء فصيحة اى فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الاوصاف كلها بان وجدوها مع الفتى فاشتروها بملئ مسكها ذهبا فذبحوها { وما كادوا } اى وما قربوا { يفعلون } والجملة حال من ضمير ذبحوا اى فذبحوها والحال انهم كانوا قبل ذلك بمعزل منه. تلخيصه ذبحوها بعد توقف وبطئ قيل مضى من اول الامر الى الامتثال اربعون سنة فعلى العاقل ان يسارع الى الامتثال وترك التفحص عن حقيقة الحال فان قضية التوحيد تستدعى ذلك قال فى المثنوى تاخيال دوست دراسرار ماست جاكرى وجان سبارى كار ماست وفى الحكم العطائية اخرج من اوصاف بشريتك عن كل وصف مناقض لعبوديتك لتكون لنداء الحق مجيبا ومن حضرته قريبا بالاستسلام لقهره وذلك يقتضى وجود الحفظ من الله تعالى حتى لا يلم العبد بمعصية وان ألم بها فلا تصدر منه واذا صدرت منه فلا يصر عليها اذ الحفظ الامتناع من الذنب مع جواز الوقوع فيه والعصمة الامتناع من الذنب مع استحالة الوقوع فيه فالعصمة للانبياء والحفظ للاولياء فقوله { الآن جئت بالحق } يدل على الرجوع من الهفوة وعدم الاصرار وهذا ايمان محض. وفى التأويلات النجمية أن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة البقرة 67. اشارة الى ذبح بقرة النفس البهيمية فان فى ذبحها حياة القلب الروحانى وهذا هو الجهاد الاكبر الذى كان النبى عليه السلام يشير اليه بقوله " رجعنا من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر ". وبقوله " المجاهد من جاهد نفسه ". وقوله عليه السلام " موتوا قبل ان تموتوا ". اشار الى هذا المعنى قالوا أتتخذنا هزوا البقرة 67. اى أتستهزئ بنا فى ذبح النفس وليس هذا من شأن كل ذى همة سنية قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين البقرة 67. الذين يظنون ان ذبح النفس امر هين ويستعدله كل تابع الهوى او عابد الدنيا قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هى البقرة 68. اى يعين اى بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق فاشار الى بقرة نفس { لا فارض } فى سن الشيخوخة تعجز عن سلوك الطريق لضعف المشيب وخلل القوى النفسانية كما قال بعض المشايخ الصوفى بعد الاربعين فارض { ولا بكر } فى سن شرح الشباب فانه يستهويه سكره { عوان بين ذلك } اى عند كمال العقل قال تعالى حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة فافعلوا ما تؤمرون البقرة 68. فانكم ان تقربتم الى الله بما امرتم فان الله يتقرب اليكم بما وعدتم وإنا لا نضيع اجر من احسن عملا الكهف 30. فى الشيب والشباب قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها البقرة 69. يعنى ما لون بقرة نفس تصلح للذبح فى الجهاد قال إنه يقول إنها بقرة صفراء البقرة 69. اشارة الى صفرة وجوه ارباب الرياضات وسيما اصحاب المجاهدات فى طلب المشاهدات فاقع لونها البقرة 69. يعنى صفرة زين لا صفرة شين كما هى سيما الصالحين تسر الناظرين البقرة 69. من نظر اليهم يشاهد فى غرتهم بهاء قد ألبس من اثر الطاعات ويطالع من طلعتهم آثار شواهد الغيب من خمود الشهوات حتى امن من احوال البشرية بوجدان آثار الربوية كقوله تعالى سيماهم فى وجوههم من اثر السجود إن البقر تشابه علينا البقرة 70. اشارة الى كثرة تشبه البطالين بزى الطالبين وكسوتهم وهيئتهم وإنا إن شاء الله لمهتدون البقرة 70. الى الصادق منهم فالاهتداء اليهم يتعلق بمشيئة الله وبدلالته كما كان حال موسى والخضر عليهما السلام فلو لم يدل الله موسى لما وجده وقوله { انها بقرة لا ذلول تثير الارض } اشارة الى نفس الطالب الصادق وهى التى لا تحمل الذلة تثير بآلة الحرص علو ارض الدنيا لطلب زخارفها وتتبع هوى النفس وشهواتها كما قال عليه الصلاة والسلام " عز من قنع ذل من طمع ". وقال " ليس للمؤمن ان يذل نفسه ". { ولا تسقى الحرث } اى حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الحق فيصرف فى حرث الدنيا فيذهب ماؤه عند الخلق وعند الحق لقوله تعالى ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله فى الآخرة من نصيب الشورى 20. { مسلمة لا شية فيها } اى نفس مسلمة من آفات صفاتها مستسلمة لاحكام ربها ليس منها طلب غير الله ولا مقصد لها الا الله كما وصفهم الله تعالى بقوله للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله البقرة 273 الى قوله إلحافا البقرة 273. { فذبحوها وما كادوا يفعلون } يشير الى ان ذبح النفس ليس من الطبيعة الانسانية فمن ذبحها من الصادقين بسيف الصدق كان ذلك من فضل الله تعالى وحسن توفيقه فاما من حيث الطبيعة فما كادوا يفعلون.

البقرة 2:72

{ وإذ قتلتم نفسا } هذا مؤخر لفظا مقدم معنى لانه اول القصة اى واذ قتلتم نفسا وأتيتم موسى وسألتموه ان يدعو الله تعالى فقال موسى ان الله يأمركم الآيات ولم يقدم لفظا لان الغرض انما هو ذبح البقرة للكشف عن القاتل واضيف القتل الى اليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لرضاهم بفعل اولئك وخوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم والقتل نقض البنية الذى بوجوده تنتفى الحياة والمعنى واذكروا يا بنى اسرائيل وقت قتل اسلافكم نفسا محرمة وهى عاميل بن شراحيل { فادارأتم فيها } اصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع اى تدافعتم وتخاصمتم فى شأنها اذ كل واحد من الخصماء يدافع الآخر اى يدفع الفعل عن نفسه ويحيل على غيره { والله مخرج ما كنتم تكتمون } اى مظهر لا محالة ما كنتم وسترتم من امر القتل لا يتركه مكتوما مستورا. فان قلت كيف اعمل مخرج وهو فى معنى المضى. قلت قد حكى ما كان مستقبلا فى وقت التدارئ كما حكى الحاضر فى قوله باسط ذراعيه الكهف 18.

البقرة 2:73

{ فقلنا } عطف على فادارأتم وما بينهما اعتراض { اضربوه } اى النفس والتذكير على تأويل الشخص والانسان { ببعضها } اى ببعض البقرة أى بعض كان او بلسانها لانه آلة الكلام او بعجب الذنب لانه اول ما يخلق وآخر ما يبلى ويركب عليه الخلق او بغير ذلك من الاعضاء والبعض اقل من النصف والمعنى فضربوه فحيى فحذف ذلك لدلالة قوله { كذلك يحيى الله الموتى } روى انه لما ضربوه قام باذن الله وأوداجه تشخب دما وقال قتلنى فلان وفلان لابنى عمه ثم سقط ميتا فاخذا وقتلا ولم يورث قاتل بعد ذلك ثم ان موسى عليه السلام امرهم بضربه ببعضها وما ضربه بنفسه نفيا للتهمة كيلا ينسب الى السحر او الحيلة { كذلك } على ارادة القول اى فضربوه فحيى وقلنا كذلك فالخطاب فى كذلك للحاضرين عند حياة القتيل اى مثل ذلك الاحياء العجيب { يحيى الله الموتى } يوم القيامة. فان قلت ان بنى إسرائيل كانوا مقرين بالبعث فما معنى الزامهم بقوله { كذلك يحيى الله الموتى }. قلت كانوا مقرين قولا وتقليدا فثبته عيانا وايقانا وهو كقول ابراهيم عليه السلام { ولكن ليطمئن قلبى } ويجوز ان يكون الخطاب لمنكرى البعث فى زمان النبى عليه السلام والحاضرين عند نزول الآية الكريمة فلا حاجة حينئذ الى تقدير القول بل تنتهى الحكاية عند قوله تعالى ببعضها { ويريكم آياته } دلائله الدالة على انه تعالى على كل شىء قدير { لعلكم تعقلون } يقال عقلت نفسى عن كذا اى منعتها منه اى لكى تكمل عقولكم وتعلموا ان من قدر على احياء نفس واحدة قدر على احياء الانفس كلها وتمنعوا نفوسكم من هواها وتطيعوا الله فيما يأمركم به ولعل الحكمة فى اشتراط ما اشترط فى الاحياء من ذبح البقرة وضربه ببعضها مع ظهور كمال قدرته على احيائه ابتداء بلا واسطة اصلا لاشتماله على التقرب الى الله تعالى واداء الواجب ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة والتنبيه على بركة التوكل على الله تعالى والشفقة على الاولاد ونفع بر الوالد وان من حق الطالب ان يقدم قربة ومن حق المتقرب ان يتحرى الاحسن ويغالى بثمنه كما يروى عن عمر رضى الله عنه انه ضحى بنجيبة اشتراها بثلاثمائة دينار وان المؤثر هو الله تعالى وانما الاسباب امارات لا تأثير لها لان الموتين الحاصلين فى الجسمين لا يعقل ان يتولد منهما حياة وان من رام ان يعرف اعدى عدوه الساعى فى اماتته الموت الحقيقى فطريقه ان يذبح بقرة نفسه التى هى قوته الشهوية حين زال عنها شره الصبى ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة المنظر غير مذللة فى طلب الدنيا مسلمة من دنسها لا شية بها من قبائحها بحيث يتصل اثره الى نفسه فيحيى به حياة طيبة ويعرف ما به ينكشف الحال ويرتفع ما بين العقل والوهم من التدارئ والجدال. قال بعض اهل المعرفة فى قوله { فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيى الله الموتى } انما جعل الله احياء المقتول فى ذبح البقرة تنبيها لعبيده ان من اراد منهم احياء قلبه لم يتأت له الا باماتة نفسه فمن اماتها بانواع الرياضات احيى الله قلبه بانوار المشاهدات فمن مات بالطبيعة يحيى بالحقيقة وكما ان لسان البقرة بعد ذبحها ضرب على القتيل وقام باذن الله وقال قتلنى فلان فكذلك من ضرب لسان النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر يحيى الله قلبه بنوره فيقول وما ابرئ نفسى ان النفس لامارة بالسوء قال السعدى نميتارد اين نفس سركش جنان كه عقلش تواند كرفتن عنان تو بر كره توسنى در كمر نكر تانبيجد زحكم توسر اكربالهنك از كفت در كسيخت تن خويشتن كشت وخون توريخت فيجب علينا غاية الوجوب ان نتقيد باحياء نفوسنا بالحياة الحقيقية واصلاح قلوبنا بالاصلاح الحقيقي واخلاص اعمالنا بالاخلاص الحقيقي فان المنظر الآلهى انما هو القلوب والاعمال لا القصور والاموال كما ورد فى الحديث " ان الله لا ينظر الى صوركم واحوالكم بل الى قلوبكم واعمالكم ". فالمعتبر هو الباطن والسرائر دون السير والظواهر * والعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والجاهل من نسى نفسه واتبع هواه وما يعقل ذلك الا العالمون وما يعلمه الا الكاملون قال السعدى شخصم بجشم عالميان خوب منظرست وزخبث باطنم سر حجلت فتاده ييش طاوس را بنقش ونكارى كه هست خلق تحسين كننداوحجل ازباى زشت خوسش وقد سئل بعض المشايخ عن الاسلام فقال ذبح النفس بسيوف المخالفة ومخالفتها ترك شهواتها. قال السرى السقطى ان نفسى تطالبنى مدة ثلاثين سنة او اربعين سنة ان اغمس جوزة فى دبس فما اطعمتها ورئيى رجل جالس فى الهواء فقيل له بم نلت هذا قال تركت الهوى فسخر لى الهواء وقيل بعضهم انى اريد ان احج على التجريد فقال جرد اولا قلبك من السهو ونفسك عن اللهو ولسانك عن اللغو ثم اسلك حيث شئت.

البقرة 2:74

{ ثم قست قلوبكم } خطاب لاهل عصر النبى عليه السلام من الاحبار وثم لاستبعاد القسوة من بعد ذكر ما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه ثم انتم تمترون والقسوة والقساوة عبارة عن الغلظ والصلابة كما فى الحجر وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوها عن الاعتبار وان المواعظ لا تؤثر فيها { من بعد ذلك } اى من بعد سماع ما ذكر من احياء القتيل ومسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وغيرها من الآيات والقوارع التى تميع منها الجبال وتلين بها الصخور { فهي } اى القلوب { كالحجارة } اى مثل الحجارة فى شدتها وقسوتها والفاء لتفريع مشابهتها لها على ما ذكر من القساوة تفريع التشبيه على بيان وجه الشبه كقولك احمر خده فهو كالورد { او اشد } منها { قسوة } تمييز وأو بمعنى بل او للتخيير اى ان شئتم فاجعلوها اشد منها كالحديد فانتم مصيبون وانما لم تحمل على اصلها وهو الشك والتردد لما ان ذلك محال على علام الغيوب. فان قلت لم قيل اشد قسوة وفعل القسوة مما يخرج منه افعل التفضيل وفعل التعجب. قلت لكونه ابين وادل على فرط القسوة من لفظ اقسى لان دلالته على الشدة بجوهر اللفظ الموضوع لها مع هيئة موضوعة للزيادة فى معنى الشدة بخلاف لفظ الاقسى فان دلالته على الشدة والزيادة فى القسوة بالهيئة فقط ووجه حكمة ضرب قلوبهم مثلا بالحجارة وتشبيهها بها دون غيرها من الاشياء الصلبة من الحديد والصفر وغيرهما لان الحديد تلينه النار وهو قابل للتليين كما لان لداود عليه السلام وكذا الصفر حتى يضرب منها الاوانى والحجر لا يلينه نار ولا شىء فلذلك شبه قلب الكافر بها وهذا والله اعلم فى حق قوم علم الله انهم لا يؤمنون { وان من الحجارة } بيان لفضل قلوبهم على الحجارة من شدة القسوة وتقرير لقوله او اشد قسوة ومن الحجارة خبران والاسم قوله { لما } واللام للتأكيد اى الحجر { يتفجر } اى يتفتح بكثرة وسعة { منه } راجع الى ما { الانهار } جمع نهر وهو المجرى الواسع من مجارى الماء والمعنى وان من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير اى يتصبب { وان منها } اى من الحجارة { لما يشقق } اصله يتشقق اى يتصدع والصدع جعل الشىء ذا نواحى { فيخرج منه الماء } اى ينشق انشقاق بالطول او بالعرض ينبع منه الماء ايضا يعنى العيون دون الانهار { وان منها لما يهبط } اى يتردى وينزل من اعلى الجبل الى اسفله { من خشية الله } وهى الخوف عن العلم وهنا مجاز عن انقيادها لامر الله وانها لا تمتنع على ما يريد فيها وقلوب هؤلاء اليهود لا تنقاد ولا تلين ولا تخشع ولا تفعل ما امرت به { وما الله بغافل } بساه { عما تعملون } اى الذى تعملونه وهو وعيد شديد على ما هم عليه من قساوة القلوب وما يترتب عليها من الاعمال السيئة فقلب الكافر اشد فى القساوة من الحجارة وانها مع فقد اسباب الفهم والعقل منها وزوال الخطاب عنها تخضع له وتتصدع قال تعالى لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله الحشر 21. وقلب الكافر مع وجود اسباب الفهم والعقل وسعة هيئة القبول لا يخضع ولا يلين. قالت المعتزلة خشية الحجر على وجه المثل يعنى لو كان له عقل لفعل ذلك ومذهب اهل السنة ان الحجر وان كان جمادا لكن الله يفهمه ويلهمه فيخشى بالهامه فان لله تعالى علما فى الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره وإن من شىء إلا يسبح بحمده الإسراء 44. وقال والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه النور 41. فيجب على المرء الايمان به ويحيل علمه الى الله تعالى روى ان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل انزل عنى فانى اخاف ان تؤخذ على فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء الى الى يا رسول الله. " وكان النبى صلى الله عليه وسلم اذا خطب استند الى جذع نخلة من سوارى المسجد فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية من فراق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وحنت كحنين الناقة حتى سمعها اهل المسجد ونزل رسول الله عليه السلام فاعتنقها فسكنت ". قال فى المثنوى آنكه اوراد نبود ازاسرار داد كى كند تصديق اوناله جماد وبينما راع فى غنمه عدا عليه الذئب فاخذ منها شاة فطلبه الراعى حتى استنقذها منه اى استخلصها فالتفت اليه الذئب فقال من لها يوم السبع يوم ليس لها راع غيرى فقال الناس سبحان الله ذئب تكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أومن به وابو بكر وعمر وعلى هذا إنطاق الله جلود الكفار يوم القيامة. وتسبح الحصى فى كفه عليه السلام. وكلام الشاة المسمومة. ومجيىء الشجرتين اليه صلى الله عليه وسلم حتى يستتر بهما فى قضاء حاجته ثم رجوعهما الى مكانهما وأمثال ذلك كثير. ذكر الشيخ قطب وقته الهدائى الاسكدارى فى واقعاته انه كان يسمع فى اثناء سلوكه من الماء الجارى ذكر يا دائم يا دائم وفى المثنوى نطق آب ونطق خاك ونطق كل هست محسوس حواس اهل دل فلسفى كومنكر حنانه است از حواس اوليا بيكانه است هر كرا دردل شك وبيجانيست درجهان او فلسفى بنهانيست قال بعض الحكماء معنى قوله { ثم قست قلوبكم } يبست ويبس القلب ان ييبس عن ماءين احدهما ماء خشية الله تعالى والثانى ماء شفقة الخلق وكل قلب لا يكون فيه خشية الله ولا شفقة الخلق فهو كالحجارة او اشد قسوة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فان كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب وان ابعد الناس من الله القلب القاسى ". وقال ايضا " اربعة من الشقاء جمود العين وقسوة القلب وطول الامل والحرص على الدنيا ". * والاشارة فى تحقيق الآية ان اليهود وان شاهدوا عظيم الآيات فحين لم تساعدهم العناية لم يزدهم كثرة الآيات الا قسوة فان الله اراهم الآيات الظاهرة فرأوها بنظر الحسن ولم يرهم البرهان الذي يراه القلب فيحجزهم عن التكذيب والانكار يدل عليه قوله تعالى وهم بها لولا أن رأى برهان ربه يوسف 24. وهكذا حال بعض الممكورين حين يشرعون فى الرياضات يلوح لهم من صفاء الروحانية ظهور بعض الآيات وخرق العادات فاذا لم يكن مقارنا برؤية البرهان ليكون مؤيدا بالتأييدات الالهية لم يزدهم الا العجب والغرور واكثر ما يقع هذا للرهابين والمتفلسفة الذين استدرجهم الحق بالخذلان من حيث لا يعلمون وانما تشبه قلوبهم بالحجارة لعدم اللين الى الذكر الحقيقى وهو ما يتداركه الحق بذكره كقوله فاذكروني أذكركم البقرة 152. ومراتب القلوب فى القسوة متفاوتة فبعضها بمرتبة الحجارة التى يتفجر منها الانهار وهو قلب يظهر عليه بغلبات انوار الروح لصفائه بعض الاشياء المشبهة لخرق العادات كما يكون لبعض الرهابين والكهنة وبعضها بمرتبة { وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء } وهو قلب يظهر عليه فى بعض الاوقات عند انخراق حجب البشرية انوار الروح فيريه بعض الآيات والمعانى المعقولة كما يكون لبعض الفلاسفة والشعراء وبعضها بمرتبة { وان منها لما يهبط من خشية الله } وهو قلب فيه بعض الصفاء فيكون بقدر صفائه قابل عكس انوار الروح من وراء الحجب فيقع فيه الخوف والخشية كما يكون لبعض اهل الاديان والملل وهذه المراتب مشتركة بين قلوب المسلمين وغيرهم والفرق بينهم ان احوال هذه المراتب للمسلمين مؤيدة بنور الايمان فيزيدهم فى قربهم بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلى انوار الحق كما قال أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه الزمر 22. وبعض القلوب بمرتبة الحجر القاسى الذى لا يؤثر فيه القرآن والاخبار والحكمة والموعظة وهذا القلب مخصوص بالكافر والمنافق فانه قلب مختوم عليه { وما الله بغافل عما تعملون } فيجازيكم عاجلا وآجلا فاما عاجلا بان يجعل انكاركم سبب مزيد قسوة قلوبكم فيقسيها باعمالكم الفاسدة ويطبع عليها بطابع انكاركم قال عليه السلام " ما من قلب الا وهو بين اصبعين من اصابع الرحمن فان شاء اقامه وان شاء ازاغه ". واما آجلا فيعاقبكم يوم القيامة على قدر سيآت اعمالكم كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:75

{ أفتطمعون } كان عليه السلام شديد الحرص على الدعاء الى الحق وقبولهم الايمان منه وكان يضيق صدره بسبب عنادهم وتمردهم فقص الله عليه اخبار بنى اسرائيل فى العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة تسلية لرسوله فيما يظهر من اهل الكتاب فى زمانه من قلة القبول والاستجابة والخطاب للنبى عليه الصلاة والسلام واصحابه والهمزة لانكار الواقع واستبعاده كما فى قولك أتضرب اباك لا لانكار الوقوع كما فى قوله اضرب ابى والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أى أتسمعون اخبارهم وتعلمون احوالهم فتطمعون ومآل المعنى أبعد ان علمتم تفاصيل شؤونهم المؤيسة منهم فتطمعون فى { ان يؤمنوا } جميع اليهود او علماؤهم فانهم متماثلون فى شدة الشكيمة والاخلاق الذميمة لا يتأتى من اخلاقهم الا مثل ما أتى من اسلافهم فلا تحزنوا على تكذيبهم واللام فى { لكم } لتضمين معنى الاستجابة اى فى ايمانهم مستجيبين لكم او للتعليل اى فى ان يحدثوا الايمان لأجل دعوتكم { و } الحال { قد كان فريق } كائن { منهم } اى طائفة ممن سلف منهم والفريق اسم جمع لا واحد له من لفظه كالرهط { يسمعون كلام الله } وهو ما يتلونه من التوراة { ثم يحرفونه } اى يغيرون ما فيها من الاحكام كتغييرهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وقيل كان قوم من السبعين المختارين سمعوا كلام الله حين كلم موسى بالطور وما امر به ونهى ثم قالوا سمعنا الله يقول فى آخره ان استطعتم ان تفعلوا هذه الاشياء فافعلوا وان شئتم ان لا تفعلوا فلا بأس. قال فى التيسير الصحيح انهم لم يسمعوا كلام الله بلا واسطة فان ذلك كان لموسى على الخصوص لم تشركه فيه غيره فى الدنيا ومعنى يسمعون كلام الله اى التوراة من موسى بقراءته { من بعد ما عقلوه } اى من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم ولم يبق لهم شبهة فى صحته يقول كيف يؤمن هؤلاء وهم يقلدون اولئك الآباء فهم من اهل السوء الذين مضوا بالعناد فلا تطمعوا فى الايمان منهم { وهم يعلمون } اى يحرفونه والحال انهم يعلمون انهم كاذبون مفترون.

البقرة 2:76

{ واذا لقوا } اى اليهود { الذين آمنوا } من اصحاب النبى عليه السلام { قالوا } اى منافقوهم { آمنا } كايمانكم وان محمدا هو الرسول المبشر به { واذا خلا } مضى ورجع { بعضهم } الذين لم ينافقوا اى اذا فرغوا من الاشتغال بالمؤمنين متوجهين ومنضمين { الى بعض } اى الى الذين نافقوا بحيث لم يبق معهم غيرهم { قالوا } اى الساكتون عاتبين لمنافقيهم على ما صنعوا { أتحدثونهم } تخبرونهم والاستفهام بمعنى النهى اى لا تحدثوهم يعنون المؤمنين { بما فتح الله عليكم } اى بينه الله لكم خاصة فى التوراة من نعت النبى عليه السلام والتعبير عنه بالفتح للايذان بانه سر مكنون وباب مغلق لا يقف عليه احد { ليحاجوكم به } اللام متعلقة بالتحديث دون الفتح والضمير فى به لما فتح الله اى ليحتجوا عليكم به فيقطعوكم بالحجة ويبكتوكم { عند ربكم } اى فى حكمه وكتابه كما يقال هو عند الله كذا اى فى كتابه وشرعه والمحدثون به وان لم يحوموا حول ذلك الغرض وهو المحاجة لكن فعلهم ذلك لما كان مستتبعا له البتة جعلوا فاعلين للغرض المذكور اظهارا لكمال سخافة عقلهم وركاكة آرائهم { أفلا تعقلون } متصل بكلامهم من التوبيخ والعتاب اى ألا تلاحظون فلا تعقلون هذا الخطأ الفاحش وهو ان ذلك حجة لهم عليكم فالمنكر عدم التعقل ابتداء او أتفعلون ذلك فلا تعقلون بطلانه مع وضوحه حتى تحتاجون الى التنبيه عليه فالمنكر حينئذ عدم التعقل بعد الفعل.

البقرة 2:77

{ أولا يعلمون } الهمزة للانكار والتوبيخ والواو للعطف على مقدر ينساق اليه الذهن والضمير للموبخين اى أيلومونهم على التحديث مخافة المحاجة ولا يعلمون { ان الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } اى جميع ما يسرونه وما يعلنونه ومن ذلك اسرارهم الكفر واعلانهم الايمان فحينئذ يظهر الله للمؤمنين ما ارادوا اخفاءه بواسطة الوحى الى النبى عليه السلام فتحصل المحاجة والتبكيت كما وقع فى آية الرجم وتحريم بعض المحرمات عليهم فأى فائدة فى اللوم والعتاب.

البقرة 2:78

{ ومنهم } اى من اليهود { اميون } لا يحسنون الكتب ولا يقدرون على القراءة والامى منسوب الى امة العرب وهى الامة الخالية عن العلم والقراءة فاستعير لمن لا يعرف الكتابة والقراءة { لا يعلمون الكتاب } اى لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما فيها من دلائل النبوة فيؤمنوا { الا امانى } جمع امنية من التمنى والاستثناء منقطع لانها ليست من جنس الكتب اى لكن الشهوات الباطلة ثابتة عندهم وهى المفتريات من تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم وانهم لا يعذبون فى النار الا اياما معدودة وان آباءهم الانبياء يشفعون لهم وان الله لا يؤاخذهم بخطاياهم ويرحمهم ولا حجة لهم فى صحة ذلك { وان هم } اى ما هم { الا يظنون } ظنا من غير تيقن بها اى ما هم الا قوم قصارى امرهم الظن والتقليد من غير ان يصلوا الى مرتبة العلم فانى يرجى منهم الايمان المؤسس على قواعد اليقين.

البقرة 2:79

{ فويل } كلمة يقولها كل واقع فى هلكة بمعنى الدعاء على النفس بالعذاب اى عقوبة عظيمة وهو مبتدأ خبره ما بعده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الويل واد فى جهنم يهوى فيه الكافر اربعين خريفا قبل ان يبلغ قعره ". وقال سعيد بن المسيب رضى الله تعالى عنه انه واد فى جهنم لو سيرت فيه جبال الدنيا لماعت من شدة حره اى ذابت { للذين يكتبون الكتاب } المحرف { بايديهم } تأكيد لدفع توهم المجاز فقد يقول انسان كتبت الى فلان اذا امر غيره ان يكتب عنه اليه { ثم يقولون } لعوامهم { هذا } اى المحرف { من عند الله } فى التوراة روى ان احبار اليهود خافوا ذهاب مآكلهم وزوال رياستهم حين قدم النبى عليه السلام المدينة فاحتالوا فى تعويق اسافل اليهود عن الايمان فعمدوا الى صفة النبى عليه السلام فى التوراة وكانت هى فيها حسن الوجه جعد الشعر اكحل العين ربعة اى متوسط القامة فغيروها وكتبوا مكانه طوال ازرق سبط الشعر وهو خلاف الجعد فاذا سألهم سفلتهم عن ذلك قرأوا عليهم ما كتبوا فيجدونه مخالفا لصفته عليه السلام فيكذبونه { ليشتروا به } اى يأخذوا لانفسهم بمقابلة المحرف { ثمنا } هو ما اخذوه من الرشى بمقابلة ما فعلوا من التحريف والتأويل الزائغ وانما عبر عن المشترى الذى هو المقصود بالذات فى عقد المعاوضة بالثمن الذى هو وسيلة فيه ايذانا بتعكيسهم حيث جعلوا المقصود بالذات وسيلة والوسيلة مقصودة بالذات { قليلا } لا يعبأ به انما وصفه بالقلة اما لفنائه وعدم ثوابه واما لكونه حراما لان الحرام لا بركة فيه ولا يربو عند الله كذا فى تفسير القرطبى { فويل لهم } اى العقوبة العظيمة ثابتة لهم { مما كتب ايديهم } من اجل كتابتهم اياه { وويل لهم مما يكسبون } من اخذهم الرشوة وعملهم المعاصى واصل الكسب الفعل لجر نفع او دفع ضر ولهذا لا يوصف به سبحانه. وفى الآيات اشارات الاولى ان علم الرجل ويقينه ومعرفته ومكالمته مع الله لا يفيده الايمان الحقيقى الا ان يتداركه الله بفضله ورحمته قال الله تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا النور 21. وان الله تعالى كلم ابليس وخاطبه بقوله يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى ص 75. وما افاده الايمان الحقيقيى اذا لم يكن مؤيدا من الله بفضله ورحمته ولم يبق على الايمان بعد العيان فكيف يؤمن بالبرهان قال فى المثنوى جز عنايت كه كشايد جشم را جز محبت كه تشاند خشم را جهدبى توفيق خود كس را مباد درجهان والله اعلم بالسداد جهد فرعونى جوبى توفيق بود هرجه او مىدوخت آن تفتيق بود والثانية ان العالم المعاند والعامى المقلد سواء فى الضلال لان العالم عليه ان يعمل بعلمه وعلى العامى ان لا يرضى بالتقليد والظن وهو متمكن من العلم وان الدين ليس بالتمنى فالذين ركنوا الى التقليد المحض واغتروا بظنون فاسدة وتخمينات مبهمة فهم الذين لا نصيب لهم من كتبهم الا قراءتها دون معرفة معانيها وادراك اسرارها وحقائقها وهذا حال اكثر اهل زماننا من مدعى الاسلام فالمدعى والمتمنى عاقبتهما خسران وضلال وحسرة وندامة ووبال وفى المثنوى تشنه را كر ذوق آيد از سراب جون رسد دروى كريزد جويد آب مفلسان كرخوش شوند اززرقلب ليك ان رسوا شود دردار ضرب والثالثة ان من بدل أو غير أو ابتدع فى دين الله ما ليس منه فهو داخل فى الوعيد المذكور وقد حذر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم امته لما علم ما يكون فى آخر الزمان فقال " ألا ان من قبلكم من اهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وان هذه الامة ستفترق على ثلاث وسبعين كلها فى النار الا واحدة ". فحذرهم ان يحدثوا من تلقاء انفسهم فى الدين خلاف كتاب الله او سنته او سنة اصحابه فيضلوا به الناس وقد وقع ما حذره وشاع وكثر وذاع فانا لله وانا اليه راجعون قال السعدى نخواهى كه نفرين كنندازبست نكوباش تابد نكويد كست ته هر آدمى زاده ازددبهست كه ددز آدمى زاده بدبهست والرابعة ان بعض المتسمين بالصوفية ينضم الى الاولياء وارباب القلوب ظاهرا ثم لا يصدق الارادة ويميل الى اهل الغفلة ويصغى الى اقوالهم ويشتهى ارتكاب افعالهم وكلما دعته هواتف الحظوظ سارع الى الاجابة طوعا واذا قادته دواعى الحق تكلف كرها ليس له اخلاص فى الصحبة فى طريق الحق فويل لهم مما كتب ايديهم وويل لهم مما يكسبون من الالحاد عن الحق واعتقاد السوء واغراء الخلق واضلالهم فهم الذين ضلوا واضلوا كثيرا وفى المثنوى صدهزاران دام ودانه است اى خدا ماجو مرغان حريض بى نوا دمبدم ما بتسهء دام نويم هريكى كرباز وسميرغى شويم فعلى السالك ان يجتهد فى الوصول الى الموجود الحق ويتخلص من الموهوم المطلق ولا يغتر بظواهر الحالات غافلا عن بطون الاعتبارات فان طريق الحق ادق من كل دقيق وماء عميق وفج سحيق واجهل الناس من يترك يقين ما عنده من صفات نفسه التى لا شك فيها الظن ما عند الناس من صلاحية حاله قال حارث بن اسد المحاسبى رضى الله عنه الراضى بالمدح بالباطل كمن يهزؤ به ويقال ان العذرة التى تخرج من جوفك لها رائحة كرائحة المسك وهو يفرح ويرضى بالسخرية به فالعاقل لا يغتر بمثله بل يجتهد الى ان يصل الى الحقيقة فويل لواعظ تكبر وافتخر بتقبيل الناس يده ورأى نفسه خيرا من السامعين ويتقيد بالمدح والذم اللهم الا ان يخرج ذلك من قلبه والمعيار مساواة المقبل واللاطم عنده بل رجحان اللاطم والضارب. قال فى مجلس وعظه جنيد البغدادى لو لم اسمع قوله صلى الله عليه وسلم " ان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". لما اجترات على الوعظ فانا ذلك الرجل الفاجر.

البقرة 2:80

{ وقالوا } اى اليهود زعما منهم { لن تمسنا النار } اى لا تصل الينا النار فى الآخرة { الا اياما معدودة } قليلة محصورة سبعة ايام فانهم يقولون ان ايام الدنيا سبعة آلاف سنة فنعذب مكان كل الف سنة يوما او يراد اربعين يوما مقدار عبادة آبائهم العجل. قال ابو منصور رحمه الله تصرف الايام المعدودة الى العمر الذى عصوا فيه وهم لم يروا التعذيب الا على قدر وقت العصيان او كانوا لا يرون التخليد فى النار كالجهمى او لانهم كانوا يقولون نحن ابناء الله واحباؤه فلا نعذب ابدا بل نعذب تعذيب الاب ابنه والحبيب حبيبه فى وقت قليل ثم يرضى وهذا منهم باطل وعقوبة الكفر ابدا وثواب الايمان كذلك لان من اعتقد دينا انما يعتقده للابد فعلى ذلك جزاؤه للابد { قل } يا محمد تبكيتا لهم وتوبيخا { أتخذتم } بقطع الهمزة لانه الف استفهام بمعنى التوبيخ والالف المجتلبة ذهبت بالادراج اى ءاتخذتم { عند الله عهدا } خبرا او وعدا بما تزعمون فان ما تدعون لا يكون الا بناء على وعد قوى ولذلك عبر عنه بالعهد { فلن } الفاء فصيحة معربة عن شرط محذوف اى ان اتخذتم عند الله عهدا وامانا فلن { يخلف الله } الاخلاف نقض العهد { عهده } الذى عهده اليكم يعنى ينجز وعده البتة. قال الامام ابو منصور لهذان وجهان احدهما هل عندكم خبر عن الله تعالى انكم لا تعذبون ابدا لكن اياما معدودة فان كان لكم هذا فهو لا يخلف عهده ووعده والثانى ألكم عند الله اعمال صالحة ووعدكم بها الجنة فهو لا يخلف وعده { أم تقولون } مفترين { على الله ما لا تعلمون } وقوعه وام معادلة لهمزة الاستفهام بمعنى اى الامرين المتساويين كائن على سبيل التقرير لان العلم واقع بكون احدهما تلخيصه ان كان لكم عنده عهد فلا ينقض ولكنكم تخرصون وتكذبون روى انهم اذا مضت تلك المدة عليهم فى النار يقول لهم خزنة جهنم يا اعداء الله ذهب الاجل وبقى الابد فايقنوا بالخلود.

البقرة 2:81

{ بلى } اثبات لما بعد النفى فهو جواب النفى ونعم جواب الايجاب اى قلتم لن تمسنا النار سوى الايام المعدودة بلى تمسكم ابدا بدليل قوله { هم فيها خالدون } وبين ذلك بالشرط والجزاء وهما { من } فهو رفع مبتدأ بمعنى الشرط ولذلك دخلت الفاء فى خبره وان كان جوابا للشرط { كسب } الكسب استجلاب النفع واستعماله فى استجلاب الضر كالسيئة على سبيل التهكم { سيئة } من السيآت يعنى كبيرة من الكبائر { واحاطت به خطيئته } تلك واستولت عليه من جميع جوانبه من قلبه ولسانه ويده كما يحيط العدو وهذا انما يتحقق فى الكافر ولذلك فسر السلف السيئة بالكفر { فأولئك } الموصوفون بما ذكر من كسب السيآت واحاطة خطاياهم بهم اشير اليهم بعنوان الجمعية مراعاة لجانب المعنى فى كلمة من بعد مراعاة جانب اللفظ فى الضمائر الثلاثة { اصحاب النار } اى ملازموها فى الآخرة حسب ملازمتهم فى الدنيا لما يستوجبها من الاسباب التى من جملتها ما هم عليه من تكذيب آيات الله وتحريف كلامه والافتراء عليه وغير ذلك وهو خبر اولئك والجملة خبر للمبتدأ { هم فيها خالدون } دائمون فأنى لهم التفضى منها بعد سبعة ايام او اربعين كما زعموا والجملة في حيز النصب على الحالية لورود التصريح به فى قوله أصحاب النار خالدين فيها التغابن 10. ولا حجة فى الآية على خلود صاحب الكبيرة لما عرفت من اختصاصها بالكافر.

البقرة 2:82

{ والذين آمنوا } اى صدقوا بالله تعالى ومحمد عليه السلام بقلوبهم { وعملوا الصالحات } اى ادوا الفرائض وانتهوا عن المعاصى { اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون } لا يموتون ولا يخرجون منها ابدا جرت السنة الآلهية على شفع الوعد بالوعيد مراعاة لما تقتضيه الحكمة فى ارشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب اخرى والتبشير مرة والانذار اخرى فان باللطف والقهر يترقى الانسان الى الكمال ويفوز بجنة الجمال والجلال حكى انه كان لشيخ مريد فقال له يوما لو رأيت ابا يزيد كان خيرا لك من شغلك فقال كيف يكون هو خيرا وهو مخلوق ويتجلى الخالق كل يوم سبعين مرة ثم بالآخرة ذهب مع شيخه الى ابى يزيد البسطامى فقالت امرأته لا تطلبوه فهو امرؤ ذهب للحطب فوقفا فى طريقه فاذا هو حمل الحطب على اسد عظيم وبيده حية يضرب الاسد بها فى بعض الاوقات فلما رآه المريد مات وقال ابو يزيد لشيخه قد ربيت مريدك باللطف ولم ترشده الى طريق القهر فلم يتحمل لما رآنى فلا تفعل بعد اليوم وأرهم القهر ايضا قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى ان ابا يزيد برؤية القهر واللطف من الطريق كان مظهرا لتجلى الذات بخلاف المريد فلما رآه فيه لم يتحمل قال فى المثنوى عاشقم بر قهر وبر لطفش بجد بو العجب من عاشق اين هردوضد والله ارزين خاردر بستان شوم همجو بلبل زين سبب نالان شوم اين عجب بلبل كه بكشايد دهان تاخورد اوخار را با كلستان اين جه بلبل اين نهنك آتشيست جملة ناخوشهازعشقاوراخوشيست والاشارة فى الآيات الى ان بعض المغرورين بالعقل من الفلاسفة والطبايعية وغيرهم لفرط غفلتهم ظنوا ان قبائح اعمالهم وافعالهم واقوالهم لا تؤثر فى صفاء ارواحهم والارواح فاذا فارقت الارواح الاجساد يرجع كل شىء الى اصله فالاجساد ترجع الى العناصر والارواح الى حظائر القدس ولا يزاحمها شىء من نتائج الاعمال الا اياما معدودة وهذا فاسد لان العاقل يشاهد حسا وعقلا ان تتبع الشهوات الحيوانية واستيفاء اللذات النفسانية يورث الاخلاق الذميمة من الحرص والامل والحقد والحسد والبغض والغضب والبخل والكبر والكذب وغير ذلك وهذه من صفات النفس الامارة بالسوء فتصير بالمجاورة والتعود اخلاق الروح فيتكدر صفاؤه ويتبدل اخلاقه الروحانية من الحلم والكرم والمرؤة والصدق والحياء والعفة والصبر والشكر وغير ذلك من مكارم الاخلاق وصفاء القلب وتحننه الى وطنه الاصلى وغير ذلك فلا يساوى الروح المتبع للنفس الامارة كما للعوام بعد المفارقة مع الروح المتبع لالهامات الحق كما يكون للخواص وبعضهم قالوا وان تدنست الارواح بقدر تعلقها بمحبوبات طباعها فبعد المفارقة بقيت فى العذاب اياما معدودة على قدر انقطاع التعلقات عنها وزوال الكدروات ثم تخلص وهذا ايضا خيال فاسد وكذبهم الله بقوله بلى من كسب سيئة واحاطت به خطيئته تظهر على مرآة قلبه بقدرها رينا فان تاب محى عنه وان اصر على السيآت حتى اذا احاط بمرآة قلبه رين السيآت بحيث لا يبقى فيه الصفاء الفطرى وخرج منه نور الايمان وضوء الطاعات فاحاطت به الخطيئات فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون البقرة 81. وفيه اشارة ايضا الى بعض ارباب الطلب ممن يركن الى شهوات الدنيا فى اثناء الطلب فيتظفر عليه الشيطان ويغره بزهده فيوقعه في ورطة العجب فينظر الى نفسه بنظر التعظيم والى الخلق بنظر التحقير فيهلك او يغتر بما يظهر فى اثناء السلوك من بعض الوقائع الصادقة والرؤيا الصالحة وشىء من المشاهدات والمكاشفات الروحانية لا الرحمانية فيظن المغرور ان ليس وراء عبادته قربة وانه بلغ مبلغ الرجال فيسكت عن الطلب وتعتريه الآفات حتى احاطب به خطيئته فرجع القهقرى الى اسفل الطبيعة واما الذين آمنوا من اهل الطلب { وعملوا } على قانون الشريعة باشارة شيخ الطريقة الصالحات المبلغات الى الحقيقة اولئك اصحاب الوصول الى جنات الاصول خالدين فيها بالسير الى ابد الآباد فان المنازل والمقاصد وان كانت متناهية لكن السير فى المقصد غير متناه بخلاف الذين احاطت بهم خطيئتهم فانهم خالدون فى نار القطيعة ولن تنفعهم المجاهدات والنظر فى المعقولات والاستدلال بالشبهات.

البقرة 2:83

{ واذ أخذنا ميثاق بنى إسرائيل } فى التوراة والميثاق العهد الشديد وهو على وجهين عهد خلقة وفطرة وعهد نبوة ورسالة واذ نصب باضمار فعل خوطب به النبى عليه السلام والمؤمنون ليؤديهم التأمل فى احوالهم الى قطع الطمع عن ايمان اخلافهم لان قبائح اسلافهم مما تؤدى الى عدم ايمانهم ولا يلد الحية الا الحية ومن ههنا قيل اذا طاب اصل المرء طابت فروعه او اليهود الموجودون فى عصر النبوة توبيخا لهم بسوء صنيع اسلافهم اى اذكروا اذ اخذنا ميثاقهم بان { لا تعبدون الا الله } اى ان لا تعبدوا فلما اسقط ان رفع تعبدون لزوال الناصب او على ان يكون اخبارا فى معنى النهى كما تقول تذهب الى فلان تقول له كذا تريد به الامر اى اذهب وهو ابلغ من صريح الامر والنهى لما فيه من ايهام ان المنهى حقه ان يسارع الى الانتهاء عما نهى عنه فكأنه انتهى عنه فيخبر به الناهى اى لا توحدوا الا الله ولا تجعلوا الالوهية الا لله وقيل انه جواب قسم دل عليه المعنى كأنه قيل واحلفناهم وقلنا بالله لا تعبدون الا الله { وبالوالدين احسانا } اى وتحسنون احسانا على لفظ تعبدون لانه اخبار او واحسنوا على معناه لانه انشاء اى برا كثيرا وعطفا عليهما ونزولا عند امرهما فيما لا يخالف امر الله { وذى القربى } اى وتحسنون الى ذى القرابة ايضا مصدر كالحسنى { واليتامى } جمع يتيم وهو الصغير الذى مات ابوه قبل البلوغ ومن الحيوانات الصغير الذى ماتت امه والاحسان بهم بحسن التربية وحفظ حقوقهم عن الضياع { والمساكين } بحسن القول وايصال الصدقة اليهم جمع مسكين من السكون كأن الفقر اسكنه عن الحراك اى الحركة واثقله عن التقلب { و } قلنا { قولوا للناس } قولا { حسنا } سماه حسنا مبالغة لفرط حسنه امر بالاحسان بالمال فى حق اقوام مخصوصين وهم الوالدان والاقرباء واليتامى والمساكين ولما كان المال لا يسع الكل امر بمعاملة الناس كلهم بالقول الجميل الذى لا يعجز عنه العاقل يعنى وألينوا لهم القول بحسن المعاشرة وحسن الخلق وائمروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر اى وقولوا للناس صدقا وحقا فى شأن محمد عليه السلام فمن سألكم عنه فاصدقوه وبينوا صفته ولا تكتموا امره { واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } كما فرضا عليهم فى شريعتهم ذكرهما تنصيصا مع دخولهما فى العبادة المذكورة تعميما وتخصيصا تلخيصه اخذنا عهدكم يا بنى اسرائيل بجميع المذكور فقبلتم واقبلتم عليه { ثم توليتم } على طريقة الالتفات اي اعرضتم عن المضى على مقتضى الميثاق ورفضتموه { الا قليلا منكم } وهم من الاسلاف من اقام اليهودية على وجهها ومن الاخلاف من اسلم كعبدالله بن سلام واضرابه { وانتم معرضون } جملة تذييلية اى وانتم قوم عادتكم الاعراض عن الطاعة ومراعاة حقوق الميثاق وليس الواو للحال لاتحاد التولى والاعراض فالجملة اعتراض للتأكيد فى التوبيخ واصل الاعراض الذهاب عن المواجهة والاقبال الى جانب العرض. واعلم ان فى الآية عدة اشياء. منها العبادة فمن شرط العبودية تفرد العبد لعبادة المعبود وتجرده عن كل مقصود فمن لا حظ خلقا او استحلى ثناء او استجلب بطاعته الى نفسه حظا من حظوظ الدنيا والآخرة او داخله بوجه من الوجوه مزج او شوب فهو ساقط عن مرتبة الاخلاص برؤية نفسه حجاب راه توبي حافظ از ميان برخيز خوشا كسى كه ازين راه بى حجاب رود ومنها الاحسان الى الوالدين وقد عظم الله حق الوالدين حيث قرن حقه بحقهما فى آيات من القرآن لان النشأة الاولى من عند الله والنشأة الثانية وهى التربية من جهة الوالدين ويقال ثلاث آيات انزلت مقرونة بثلاث آيات ولا تقبل احديها بغير قرينتها احديها قوله تعالى أطيعوا الله وأطيعوا الرسول النور 54. والثانية أن اشكر لى ولوالديك لقمان 14. والثالثة وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة النور 56. والاحسان الى الوالدين معاشرتهما بالمعروف والتواضع لهما والامتثال الى امرهما وصلة اهل ودهما والدعاء بالمغفرة بعد مماتهما قال السعدى سالها برتو بكذردكه كذر نكنى سوى تربت بدرت توبجاى بدرجه كردى خير تاهمان جشم دارى ازبسرت وفى التأويلات النجمية ان فى قوله { وبالوالدين إحسانا } البقرة 83. اشارة الى ان اعز الخلق على الولد والداه لاجل انهما سببا وجوده فى الظاهر ولكن ينبغى ان يحسن اليهما بعد خروجه من عهدة عبودية ربه اذ هو موجد وجوده ووجود والديه فى الحقيقة ولا يختار على اداء عبوديته احسان والديه فكيف الالتفات لغيرهما. ومنها البر الى اليتامى برحمت بكن آبش از ديده باك بشفقت بيفشانش ازجهره خاك وفى الحديث " ما قعد يتيم مع قوم على قصعتهم فلا يقرب قصعتهم الشيطان ". وفى الحديث ايضا " من ضم يتيما من بين مسلمين الى طعامه وشرابه حتى يغنيه الله عز وجل غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر ومن اذهب الله كريمتيه فصبر واحتسب غفرت له ذنوبه " قالوا وما كريمتاه قال " عيناه ومن كان له ثلاث بنات او ثلاث اخوات فانفق عليهن واحسن اليهن حتى يكبرون او يمتن غفرت له ذنوبه البتة الا ان يعمل عملا لا يغفر " فناداه رجل من الاعراب ممن هاجر فقال يا رسول الله او اثنتان فقال صلى الله عليه وسلم " او اثنتان ". وقال صلى الله عليه وسلم " كافل اليتيم انا وهو كهاتين فى الجنة " واشار بالسبابة والوسطى " والسبابة من الاصابع هى التى تلى الابهام وكانت فى الجاهلية تدعى بالسبابة لانهم كانوا يسبون بها فلما جاء الله بالاسلام كرهوا هذا الاسم فسموها بالمشيرة لانهم كانوا يشيرون بها الى الله بالتوحيد والمشيرة من اصابع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كانت اطول من الوسطى ثم الوسطى اقصر منها ثم البنصر اقصر من الوسطى فقوله عليه السلام " انا وهو كهاتين فى الجنة " وقوله فى الحديث الآخر " احشر انا وابو بكر وعمر يوم القيامة هكذا ". واشار باصابعه الثلاث فانما اراد ذكر المنازل والاشراف على الخلق فقال نحشر هكذا ونحن مشرفون وكذلك كافل اليتيم يكون له منزلة رفيعة فمن لم يعرف شأن اصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل تأويل الحديث على الانضمام واقتراب بعضهم من بعض فى محل القربة وهذا معنى بعيد لان منازل الرسل والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين مراتب متباينة ومنازل مختلفة كذا فى تفسير القرطبى. ومنها البر الى المساكين وهم الذين اسكنتهم الحاجة وذللتهم وهذا يتضمن الحض على الصدقة والمواساة وتفقد احوال المساكين والضعفاء وفى الحديث " الساعى على الارملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله " وكان طاووس يرى السعى على الأخوات افضل من الجهاد فى سبيل الله نخواهى كه باشى براكنده دل براكندكانرا ز خاطر مهل بريشان كن امروز كنجينه جست كه فردا كليدش نه دردست تست ومنها القول الحسن ولما خرج الطالب من عهدة حق العبودية وعمت رحمته وشفقته الوالدين وغيرهما لزم له ان يقول للناس حسنا يأمرهم بالمعروف ويناههم عن المنكر ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة الى الله ويهديهم الى طريق الحق ويخالقهم بحسن الخلق وان يكون قوله لينا ووجهه منبسطا طلقا مع البر والفاجر والسنى والمبتدع من غير مداهنة ومن غير ان يتكلم معه بكلام يظن انه يرضى مذهبه لان الله تعالى قال لموسى وهارون عليهما السلام فقولا له قولا لينا طه 44. فليس بافضل من موسى وهارون والفاجر ليس باخس من فرعون وقد امرهما الله باللين معه فدخل فى هذه الآية اليهود والنصارى فكيف بالحنيفى قال الحافظ آسايش دوكيتى تفسير اين دو حرفست بادوستان تلطف با دشمنان مدارا وقال السعدى درشتى نكيرد خردمند بيش نه سستى كه ناقص كند قدر خويش

البقرة 2:84

{ وإذ أخذنا ميثاقكم } اى واذكروا ايها اليهود وقت اخذنا اقراركم وعهدكم فى التوراة وقلنا لكم { لا تسفكون دماءكم } لا يريق بعضكم دم بعض جعل غير الرجل نفسه اذا اتصل به اصلا او دينا فلما بينهم من الاتصال القوى نسبا ودينا اجرى كل واحد منهم مجرى انفسهم وقيل اذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لانه يقتص منه وهو اخبار فى معنى النهى كانه سورع الى الانتهاء فهو يخبر عنه { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم } اى لا يخرج بعضكم بعضا من دياره او لا تسبوا جيرانكم فتلجئوهم الى الخروج وفى اقتران الاخراج من الديار بالقتل ايذان بانه بمنزلة القتل { ثم أقررتم } اى بالميثاق واعترفتم على انفسكم بلزومه وبوجوب المحافظة عليه { وأنتم تشهدون } عليها توكيد للاقرار كقولك فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها او انتم اليوم ايها اليهود تشهدون على اقرار اسلافكم بهذا الميثاق.

البقرة 2:85

{ ثم أنتم } مبتدأ { هؤلاء } خبر ومناط الافادة اختلاف الصفات المنزل منزلة اختلاف الذات كما تقول رجعت بغير الوجه الذى خرجت به والمعنى انتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون والناقضون المتناقضون يعنى انكم قوم آخرون غير اولئك المقرين كأنهم قالوا كيف نحن فقيل { تقتلون انفسكم } اى الجارين مجرى انفسكم فهو بيان لقوله ثم انتم هؤلاء { وتخرجون فريقا منكم من ديارهم } الضمير للفريق وهو الطائفة { تظاهرون عليهم } بحذف احدى التاءين حال من فاعل تخرجون او من مفعوله مبينة لكيفية الاخراج رافعة لتوهم اختصاص الحرمة بالاخراج بطريق الاصالة والاستقلال دون المظاهرة والمعنى تقوون ظهوركم للغلبة عليهم { بالاثم } حال من فاعل تظاهرون اى ملتبسين بالاثم وهو الفعل الذى يستحق فاعله الذم واللوم { والعدوان } اى التجاوز فى الظلم. ودلت الآية على ان الظلم كما هو محرم فكذا اعانة الظالم على ظلمه كذا فى التفسير الكبير { وإن يأتوكم أسارى } اى جاؤكم حال كونهم مأسورين اى ظهروا لكم على هذه الحالة ولم يرد به الاتيان الاختيارى والاسارى والاسرى جمع اسير وهو من يؤخذ قهرا فعيل بمعنى المفعول من الاسر بمعنى الشد والايثاق والفرق انهم اذا قيدوا فهم اسارى واذا حصلوا فى اليد من غير قيد فهم اسرى { تفادوهم } اى تخرجوهم من الاسر باعطاء الفداء والمفاداة تجرى بين الفادى وبين قابل الفداء { وهو } مبتدأ اى الشان { محرم عليكم اخراجهم } محرم فيه ضمير قائم مقام الفاعل وقع خبرا عن اخراجهم والجملة خبر لضمير الشان وذلك ان الله تعالى اخذ على بنى اسرائيل فى التوراة ان لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وايما عبد او امة وجدتموه من بنى اسرائيل فاشتروه واعتقوه وكان قريظة والنضير من اليهود اخوين وكذا الاوس والخزرج وهم اهل شرك يعبدون الاصنام ولا يعرفون القيامة والجنة والنار والحلال والحرام فافترقوا فى حرب شمر ووقعت بينهم عداوة فكانت بنو قريظة معينة للاوس وحلفاءهم اى ناصريهم والنضير معينة للخزرج وحلفاءهم فكانوا اذا كانت بين الاوس والخزرج حرب خرجت بنو قريظة مع الاوس والنضير مع الخزرج يظاهر كل قوم حلفاءهم على اخوانهم حتى يتسافكوا الدماء واذا غلبوا خربوا ديارهم واخرجوهم منها وبايديهم التوراة يعرفون ما فيها مما عليهم وما لهم فاذا وضعت الحرب اوزارها افتدى قريظة ما كان فى ايدى الخزرج منهم وافتدى النضير ما كان فى ايدى الاوس منهم من الاسارى فعيرتهم العرب بذلك وقالوا كيف تقاتلونهم وتفدونهم فقالوا امرنا ان نفديهم وحرم علينا قتالهم قالوا فلم تقاتلونهم قالوا انا نستحيى ان يستذل حلفاؤنا فذمهم على المناقضة وتلخيصه اعرضتم عن الكل الا الفداء لان الله تعالى اخذ عليهم اربعة عهود ترك القتل وترك الاخراج وترك المظاهرة عليهم مع اعداهم وفداء اساراهم فاعرضوا عن الكل الا الفداء { أفتؤمنون ببعض الكتاب } وهو الفداء والهمزة للانكار التوبيخيى والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام اى أتفعلون ذلك فتؤمنون ببعض الكتاب { وتكفرون ببعض } هو حرمة القتال والاخراج مع ان قضية الايمان ببعضه الايمان بالباقى لكون الكل من عند الله داخلا فى الميثاق فمناط التوبيخ كفرهم بالبعض مع ايمانهم بالبعض { فما جزاء } نفى اى ليس جزاء { من يفعل ذلك } اى الكفر ببعض الكتاب مع الايمان بالبعض { منكم } يا معشر اليهود حال من فاعل يفعل { إلا خزى } استثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ اى ذل وهو ان مع الفضيحة وهو قتل بنى قريظة واسرهم واجلاء بنى النضير الى اذرعات واريحا من الشام وقيل هو اخذ الجزية { فى الحيوة الدنيا } صفة خزى ولعل بيان جزائهم بطريق القصر على ما ذكر لقطع اطماعهم الفارغة من ثمرات ايمانهم ببعض الكتاب واظهار انه لا اثر له اصلا مع الكفر بالبعض { ويوم القيامة } يوم تقام فيه الاجزية { يردون } اى يرجعون والرد الرجع بعد الاخذ { إلى أشد العذاب } هو التعذيب فى جهنم وهو اشد من خزيهم فى الدنيا واشد من كل عذاب كان قبله فانه ينقطع وهذا لا ينقطع وفى الحديث " فضوح الدنيا اهون من فضوح الآخرة " وانما كان اشد لما ان معصيتهم كانت اشد المعاصى وفى المثنوى هركه ظالم تر جهش باهول تر عدل فرموده است بدتررا بتر { وما الله بغافل } بساه { عما تعملون } من القبائح التى من جملتها هذا المنكر اى لا يخفى عليه شىء من اعمالهم فيجازيهم بها يوم البعث تهديد شديد وزجر عظيم عن المعصية وبشارة عظيمة على الطاعة لان الغفلة اذا كانت ممتنعة عليه سبحانه مع انه اقدر القادرين وصلت الحقوق الى مستحقيها.

البقرة 2:86

{ أولئك } الموصوفون بما ذكر من الاوصاف القبيحة { الذين اشتروا الحيوة الدنيا } واستبدلوها { بالآخرة } واعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فان ما ذكر ما الكفر ببعض احكام الكتاب انما كان مراعاة لجانب حلفائهم لما يعود اليهم منهم من بعض المنافع الدينية والدنيوية { فلا يخفف عنهم العذاب } دنيويا كان او اخرويا { ولا هم ينصرون } يمنعون من العذاب بدفعه عنهم بشفاعة او جبر. اعلم ان الجمع بين تحصيل لذات الدنيا ولذات الآخرة ممتنع غير ممكن والله سبحانه مكن المكلف من تحصيل ايتهما شاء واراد فاذا اشتغل بتحصيل احديهما فقد فوت الاخرى على نفسه فجعل الله ما اعرض اليهود عنه من الايمان بما فى كتابهم وما حصل فى ايديهم من الكفر ولذات الدنيا كالبيع والشراء وذلك من الله نهاية الذم لهم لان المغبون فى البيع والشراء فى الدنيا مذموم فان يذم مشترى الدنيا بالآخرة اولى. فعلى العاقل ان يرغب فى تجارة الآخرة ولا يركن الى الدنيا ولا يسفك دمه بامتثال اوامر الشيطان فى استجلاب حظوظ النفس ولا يخرج من ديار دينه التى كان عليها فى اصل الفطرة فانه اذا يضل ويشقى وفى قوله لا تسفكون دماءكم البقرة 84. اشارة اخرى الى ان العبد ولا يجوز له ان يقتل نفسه من جهد او بلاء يصيبه او يهيم فى الصحراء ولا يأتى البيوت جهلا فى ديانته وسفها فى حلمه فهو عام فى جميع ذلك. " وقد روى ان بعض الصحابة رضى الله عنهم عزموا ان يلبسوا المسوح وان يهيموا فى الصحراء ولا يأووا الى البيوت ولا يأكلوا اللحم ولا يغشوا النساء فقال عليه السلام " انى اصلى وانام واصوم وافطر واغشى النساء وآوى الى البيوت وآكل اللحم فمن رغب عن سنتى فليس منى " فرجعوا عما عزموا قال تعالى " وآت كل ذى حق حقه ". فالكمال فى التجاوز عن القيود والوصول الى عالم الشهود وعين العارف لا ترى غير الله فى المرايا والمظاهر فمن اى شىء يهرب والى اين يهرب فاينما تولوا فثم وجه الله ولذا قيل الذى يطلب العلم لله اذا قيل له غدا تموت لا يضيع الكتاب من يده لكونه وفى الحقوق مشتغلا به لله مخلصا له النية فلم ير افضل مما هو فيه فيحب ان يأتيه الموت على ذلك. واعلم ايضا ان الاسارى اصناف شتى فمن اسير فى قيد الهوى فانقاذه بالدلالة على الهدى ومن اسير فى قيد حب الدنيا فخلاصة باخلاص ذكر الموت وفى المثنوى ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز ومن اسير بقى فى قيد الوسواس فقد استهوته الشياطين ففداؤه برشده الى اليقين بلوائح البراهين لينقذه من الشكوك والظنون والتخمين ويخرجه من ظلمات التقليد وما تعود بالتلقين ومن اسير تجده فى اسر هواجس نفسه ربيط زلاته ففك اسره فى ارشاده الى اقلاعها ومن اسير تجده فى قبضة الحق فليس لاسيرهم فداء ولا لقتيلهم قود ولا لربيطهم خلاص ولا منهم بدل ولا معهم جدل ولا اليهم لغيرهم سبيل ولا لديهم الا بهم دليل ولا بهم فرار ولا معهم قرار فهذا مقام الاولياء الكمل فمن اتخذ هذه الطريقة سبيلا نال مراده ووصل الى مقام فؤاده وتخلص من الخزى الذى هو عمى القلب عن مشاهدة الحق والعمه فى تيه الباطل فى الدنيا والآخرة قال فى المثنوى اصل صد يوسف جمال ذوالجلال اى كم اززن شو فداى آن جمال اصل بيند ديده جون اكمل بود فرع بيند جونكه مرداحول بود سرمه توحيد از كحال حال يافته رسته زعلت واعتلال ولا بد من العشق فى طريق الحق وحكى ان عجوزا احضرت السوق قطعة غزل وقالت اكتبونى من مشترى يوسف حتى يوجد اسمى فى دفتر العشاق اللهم لا تحجبنا عن جمالك وعنك واجعلنا من الفائزين بنوال وصالك منك.

البقرة 2:87

{ ولقد آتينا } اى بالله لقد اعطينا يا بنى اسرائيل { موسى } لغة عبرانية قد سبق تفصيله عند قوله تعالى وإذ واعدنا موسى البقرة 51 الآية. { الكتاب } اى التوراة جملة واحدة { وقفينا من بعده بالرسل } يقال قفاه به اذا اتبعه اياه اى اتبعنا من بعد موسى رسولا بعد رسول مقتفين اثره وهم يوشع وشمويل وداود وسليمان وشمعون وشعيا وارميا وعزيز وحزقيل والياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم السلام { وآتينا عيسى } بالسريانية اليسوع ومعناه المبارك والاصح انه لا اشتقاق له ولأمثاله فى العربية { ابن } باثبات الالف وان كان واقعا بين العلمين لندرة الاضافة الى الام { مريم } بالسريانية بمعنى الخادمة والعابدة قد جعلتها امها محررة لخدمة المسجد ولكمال عبادتها لربها سماها الحق تعالى فى كتابه الكريم مع الانبياء عليهم السلام سبع مرات وخاطبها كما خوطب الانبياء كما قال تعالى يا مريم اقنتى لربك واسجدى واركعى مع الراكعين آل عمران 43. فشاركها مع الرجال { البينات } المعجزات الواضحات من احياء الموتى وابراء الاكمه والابرص والاخبار بالمغيبات والانجيل { وأيدناه } اى قويناه { بروح القدس } من اضافة الموصوف الى الصفة اى بالروح المقدسة المطهرة وهى روح عيسى عليه السلام وصفت بالقدس للكرامة لان القدس هو الله تعالى او الروح جبريل ووصف بالطهارة لانه لم يقترف ذنبا وسمى روحا لانه كان يأتى الانبياء بما فيه حياة القلوب ومعنى تقويته به انه عصمه من اول حاله الى كبره فلم يدن منه الشيطان عند الولادة ورفعه الى السماء حين قصد اليهود قتله وتخصيص عيسى من بين الرسل ووصفه بايتاء البينات والتأييد بروح القدس لما ان بعثتهم كانت لتنفيذ احكام التوراة وتقريرها واما عيسى فقد نسخ بشرعه كثير من احكامها وحسم مادة اعتقادهم الباطل فى حقه ببيان حقيقته واظهار كمال قبح ما فعلوا به وما بين موسى وعيسى اربعة آلاف نبى وقيل سبعون الف نبى { أفكلما جاءكم } خاطب اهل عصر النبى عليه السلام بهذا وقد فعله اسلافهم يعنى لم يوجد منهم القتل ان وجد الاستكبار لانهم يتولونهم ويرضون بفعلهم والفاء للعطف على مقدر يناسب المقام اى ألم تطيعوهم فكلما جاءكم { رسول بما لا تهوى } اى لا تريد { أنفسكم } ولا يوافق هواكم من الحق الذى لا انحراف عنه { استكبرتم } اى تعظمتم عن الاتباع له والايمان بما جاء به من عند الله { ففريقا } منهم { كذبتم } كعيسى ومحمد عليهما السلام { وفريقا تقتلون } كزكريا ويحيى وغيرهما عليهم السلام. وقدم فريقا فى الموضعين للاهتمام وتشويق السامع الى ما فعلوا بهم لا للقصر ولم يقل قتلتم وان اريد الماضى تفظيعا لهذه الحالة فكأنها وان مضت حاضرة لشناعتها ولثبوت عارها عليهم وعلى ذريتهم بعدهم او يراد وفريقا تقتلونهم بعد وانكم على هذه النية لانكم حاولتم قتل محمد عليه الصلاة والسلام لولا انى اعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة. حتى قال عليه السلام عند موته " ما زالت اكلة خيبر تعاودنى ". اى يراجعنى اثر سمها فى اوقات معدودة " فهذا او ان قطعت ابهرى ". وهو عرق منبسط فى القلب اذا انقطع مات صاحبه. وقصته انه لما فتحت خيبر وهو موضع بالحجاز اهديت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شاة فيها سم فقال رسول الله " انى سائلكم عن شىء فهل انتم صادقى فيه " قالوا نعم يا ابا القاسم قال " هل جعلتم فى هذه الشاة سما " قالوا نعم قال " فما حملكم على ذلك " قالوا اردنا ان كنت كاذبا ان نستريح منك وان كنت صادقا لم يضرك ". واعلم ان اليهود انفوا من ان يكونوا اتباعا وكانت لهم رياسة وكانوا متبوعين فلم يؤمنوا مخافة ان تذهب عنهم الرياسة فما دام لم يخرج حب الرياسة من القلب لا تكون النفس مؤمنة بالايمان الكامل وللنفس صفات سبع مذمومة العجب والكبر والرياء والغضب والحسد وحب المال وحب الجاه ولجهنم ايضا ابواب سبعة فمن زكى نفسه عن هذه السبع فقد اغلق سبعة ابواب جهنم ودخل الجنة واوصى ابراهيم بن ادهم بعض اصحابه فقال كن ذنبا ولا تكن رأسا فان الرأس يهلك والذنب يسلم قال فى المثنوى تاتوانى بنده شو سلطان مباش زخم كش جون كوى شوجوكان مباش اشتهار خلق بند محكمست در ره اين از بند آهن كى كم است وعن بعض المشايخ النقشبندية انه قال دخلت على الشيخ المعروف بدده عمر الروشنى لعيادة فوجدته متغير الحال بسبب انه داخله شىء من حب الرياسة لانه كان مشهورا فى بلدة تبريز مرجعا للاكابر والاصاغر فنعوذ بالله من الحور بعد الكور. وفى شرح الحكم ادفن وجودك اى ما يكون سبب ظهور اختصاصك بين الخلق من علم او عمل او حال فى ارض الخمول التى هى احد ثلاثة امور. احدها ان ترى ما جبلت عليه من النقص فلا تعتد بشىء يظهر منك لعلمك بدسائسك وخباثة نفسك. الثانى ان تنظر اليك من حيث انت فلا ترى لائقا بك الا النقص وتنظر الى مولاك فتراه اهلا لكل كمال فكل ما يصدر لك من احسان نسبته اليه اعتبارا بما انت عليه من خمول الوصف. الثالث ان تظهر لنفسك ما يوجب نفى دعواها من مباح مستبشع او مكروه لم يمنع دواء لعلة العجب لا محرما متفقا عليه اذ كما لا يصح دفن الزرع فى ارض رديئة لا يجوز الخمول فى حالة غير مرضية.

البقرة 2:88

{ وقالوا } اى اليهود الموجودون فى عصر النبى عليه السلام { قلوبنا غلف } جمع اغلف مستعار من الاغلف الذى لم يختن اى هى مغشاة باغشية جبلية لا يكاد يصل اليها ما جاء به محمد ولا تفقهه ثم رد الله ان تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لانها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق واضرب وقال { بل لعنهم الله بكفرهم } اى خذلهم وخلاهم وشأنهم بسبب كفرهم العارض وابطالهم لاستعدادهم بسوء اختيارهم بالمرة { فقليلا ما يؤمنون } ما مزيدة للمبالغة اى فايمانا قليلا يؤمنون وهو ايمانهم ببعض الكتاب والفاء لسببية اللعن لعدم الايمان.

البقرة 2:89

{ ولما جاءهم كتاب } كائن { من عند الله } وهو القرآن ووصفه بقوله من عند الله للتشريف { مصدق لما معهم } اى موافق للتوراة فى التوحيد وبعض الشرائع. قال ابن التمجيد المصدق به ما يختص ببعثة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وما يدل عليها من العلامات والصفات لا الشرائع والاحكام لان القرآن نسخ اكثرها { وكانوا من قبل } اى قبل مجىء محمد صلى الله عليه وسلم { يستفتحون على الذين كفروا } اى يستنصرون به على مشركى العرب وكفار مكة ويقولون اللهم انصرنا بالنبى المبعوث فى آخر الزمان الذى نجد نعته فى التوراة ويقولون لاعدائهم قد اظل زمان نبى يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عد وارم { فلما جاءهم ما عرفوا } من الكتاب لان معرفة من انزل هو عليه معرفة له والفاء للدلالة على تعقيب مجيئه للاستفتاح به من غير ان يتخلل بينهما مدة منسية { كفروا به } حسدا وحرصا على الرياسة وغيروا صفته وهو جواب لما الاولى والثانية تكرير للاولى { فلعنة الله على الكافرين } اى عليهم وضعا للظاهر موضع الضمير للدلالة على ان اللعنة لحقتهم لكفرهم والفاء للدلالة على ترتيب اللعنة على الكفر واللعنة فى حق الكفار الطرد والابعاد من الرحمة والكرامة والجنة على الاطلاق وفى حق المذنبين من المؤمنين الابعاد عن الكرامة التى وعد بها من لا يكون فى ذلك الذنب ومنه قوله عليه السلام " من احتكر فهو ملعون ". اى من ادخر ما يشتريه وقت الغلاء ليبيعه وقت زيادة الغلاء فهو مطرود من درجة الابرار لا من رحمة الغفار. واعلم ان الصفات المقتضية للعن ثلاث الكفر والبدعة والفسق وله فى كل واحدة ثلاث مراتب. الاولى اللعن بالوصف الاعم كقولك لعنة الله على الكافرين او المبتدعة او الفسقة. والثانية اللعن باوصاف اخص منه كقولك لعنة الله على اليهود والنصارى او على القدرية والخوارج والروافض او على الزناة والظلمة واكل الربا وكل ذلك جائز. والثالثة اللعن على الشخص فان كان ممن ثبت كفرهم شرعا يجوز لعنه ان لم يكن فيه اذى على مسلم كقولك لعنة الله على فرعون وابى جهل لانه ثبت ان هؤلاء ماتوا على الكفر وعرف ذلك شرعا وان كان ممن لم يثبت شرعا كلعنة زيد او عمرو او غيرهما بعينه فهذا فيه خطر لان حال خاتمته غير معلوم وربما يسلم الكافر او يتوب فيموت مقربا عند الله فكيف يحكم بكونه ملعونا ألا يرى ان وحشيا قتل عم النبى عليه السلام اعنى حمزة رضى الله عنه ثم اسلم على يد النبى عليه السلام وبشره الله بالجنة وهذه حجة من لم يلعن يزيد لانه يحتمل ان يتوب ويرجع عنه فمع هذا الاحتمال لا يلعن. قال بعضهم لعن يزيد على اشتهار كفره وتواتر فظاعة شره لما انه كفر حين امر بقتل الحسين رضى الله عنه ولما قال فى الخمر فان حرمت يوما على دين احمد فخذها على دين المسيح ابن مريم واتفقوا على جواز اللعن على من قتل الحسين رضى الله عنه او امر به او اجازه او رضى به كما قال سعد الملة والدين التفتازانى الحق ان رضى يزيد بقتل الحسين واستبشاره واهانته اهل بيت النبى عليه السلام مما تواتر معناه وان كان تفاصيله آحادا فنحن لا نتوقف فى شأنه بل فى ايمانه لعنة الله عليه وعلى انصاره واعوانه انتهى. وكان الصاحب بن عباد يقول اذا شرب ماء بثلج قعقعة الثلج بماء عذب تستخرج الحمد من اقصى القلب ثم يقول اللهم جدد اللعن على يزيد ويكف اللسان عن معاوية تعظيما لمتبوعه وصاحبه عليه السلام لانه كاتب الوحى وذو السابقة والفتوحات الكثيرة وعامل الفاروق وذى النورين لكنه اخطأ فى اجتهاده فتجاوز الله عنه ببركة صحبة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم. قال الخياط المتكلم ما قطعنى الا غلام قال ما تقول فى معاوية قلت انا اقف فيه قال فما تقول فى ابنه يزيد قلت العنه قال فما تقول فيمن يحبه قلت العنه قال افترى ان معاوية كان لا يحب ابنه كذا فى روضة الاخبار. ثم اعلم ان اللعنة ترتد على اللاعن ان لم يكن الملعون اهلا لذلك ولعن المؤمن كقتله فى الاسم وربما يلعن شيأ من ماله فتنزع منه البركة فلا يلعن شيأ من خلق الله لا للجماد ولا للحيوان ولا للانسان قال عليه السلام " اذا قال العبد لعن الله الدنيا قالت الدنيا لعن الله اعصانا لربه " فالاولى ان يترك ويشتغل بدله بالذكر والتسبيح اذ فيه ثواب ولا ثواب فى اللعن وان كان يستحق اللعن. قال عليه السلام " رايت النار واكثر اهلها النساء فانهن يكثرن اللعن ويكفرن العشير فلو احسنت الى احديهن الدهر كله ثم اذا رأت منك شيأ قالت ما رأيت منك خيرا قط ". قال على كرم الله وجهه من افتى الناس بغير علم لعنته السماء والارض وسألت بنت على البلخى اباها عن القيىء اذا خرج الى الحلق فقال يجب اعادة الوضوء فرأى رسول الله عليه السلام يقول لا يا على حتى يكون ملئ الفم فقال علمت ان الفتوى تعرض على رسول الله فآليت على نفسى ان لا افتى ابدا كذا فى الروضة.

البقرة 2:90

{ بئسما } ما نكرة منصوبة مفسرة لفاعل بئس اى بئس شيأ { اشتروا } صفة واشترى بمعنى باع وابتاع والمراد هنا الاول { به } اى بذلك الشىء { أنفسهم } المراد الايمان وانما وضع الانفس موضع الايمان ايذانا بانها انما خلقت للعلم والعمل به المعبر عنه بالايمان ولما بدلوا الايمان بالكفر كانوا كأنهم بدلوا الانفس به والمخصوص بالذم قوله تعالى { أن يكفروا بما أنزل الله } اى بالكتاب المصدق لما معهم بعد الوقوف على حقيقته { بغيا } علة لان يكفروا اى حسدا وطلبا لما ليس لهم كما ان الحاسد يطلب ما ليس له لنفسه مما للمحسود من جاه او منزلة او خصلة حميدة والباغى هو الظالم الذى يفعل ذلك عن حسده والمعنى بئس شيأ باعوا به ايمانهم كفرهم المعلل بالبغى الكائن لاجل { أن ينزل الله } او حسدا على ان فان الحسد يستعمل بعلى { من فضله } الذى هو الوحى { على من يشاء } اى يشاؤه ويصطفيه { من عباده } المستأهلين لتحمل اعباء الرسالة والمراد ههنا محمد صلى الله عليه وسلم كانت اليهود يعتقدون نبى آخر الزمان ويتمنون خروجه وهم يظنون انه من ولد اسحق فلما ظهر انه من ولد اسماعيل حسدوه وكرهوا ان يخرج الامر من بنى اسرائيل فيكون لغيرهم { فباؤا } اى رجعوا ملتبسين { بغضب } كائن { على غضب } اى صاروا مستحقين لغضب مترادف ولعنة اثر لعنة حسبما اقترفوا من كفر على كفر فانهم كفروا بنبى الحق وبغوا عليه { وللكافرين } اى لهم والاظهار فى موضع الاضمار للاشعار بعلية كفرهم لما حاق بهم { عذاب مهين } يراد به اهانتهم واذلالهم لما ان كفرهم بما انزل الله كان مبنيا على الحسد المبنى على طمع النزول عليهم وادعاء الفضل على الناس والاستهانة بمن انزل الله عليه صلى الله عليه وسلم ودل ان عذاب المؤمنين تأديب وتطهير وعذاب الكفار اهانة وتشديد وان المراتب الدنيوية والاخروية كلها من فيض الله تعالى وفضله فليس لاحد ان يعترض عليه ويحسده على الالطاف الآلهية فان الكمالات مثل النبوة والولاية ليست من الامور الاكتسابية التى يصل اليها العبد بجهد كثير وكمال اهتمام اما النبوة اى البعثة فاختصاص آلهى حاصل لعينه الثابتة من التجلى الموجب للاعيان فى العلم وهو الفيض الاقدس واما الولاية فهو ايضا اختصاص آلهى غير كسبى بل جميع المقامات كذلك اختصاصية عطائية غير كسبية حاصلة للعين الثابتة من الفيض الاقدس وظهوره بالتدريج بحصول شرائطه واسبابه يوهم المحجوب فيطن انه كسبى بالتعمل وليس كذلك فى الحقيقة فلا معنى للحسد لكن الجاهلين بحقيقة الحال يطيلون ألسنتهم بالقيل والقال ولا ضير فانه رفع لدرجات العبد واقتضت سنة الله ان يشفع اهل الجمال باهل الجلال ليظهر الكمال قال الحافظ درين جمن كل بيخار نجيد آرى جراغ مصطفوى باشرار بولهبيست وحكى ان المولى جلال الدين لما فقد الشمس التبريزى طاف البلاد بالحرارة فى طلبه فمر يوما امام حانوت ذهبى للشيخ صلاح الدين زركوب فقال له تعال يا مولانا فدخل فى حانوته فقال لاى شىء تجزع وتدور قال الفلك اذا فقد شمسه يدور لاجله ليتخلص من ظلمه الفراق فقال الشيخ انا شمسك قال مولانا من اين اعرف انك شمسى فاخبره عن المراتب التى اوصله اليها الشيخ شمس الدين فقبل يده واعتذر فقال كان شمى ارانى اولا بطانته فالآن ارانى وجهه فاشتغل عنده فوصل الى ما وصل ثم لما سمعه بعض اتباع مولانا ارادوا قتله وحسدوا عليه فارسل اليهم مولانا ابنه سلطان ولد فقال الشيخ ان الله تعالى اعطانى قدرة على قلب السماء الى الارض فلو اردت لاهلكتهم بقدرة الله لكن الاولى ان نتحمل وندعو لاصلاح حالهم فدعا الشيخ فأمن سلطان ولد فلانت قلوبهم واستغفروا قال فى المثنوى جون كنى بربى حسد مكر وحسد زان حسد دل را سياهيها رسد خاك شو مردان حق را زير با خاك برسر كن حسدرا همجوما وهكذا احوال الانبياء والاولياء ألا يرى الى قوله عليه الصلاة والسلام " اللهم اهد قومى فانهم لا يعلمون ". وكان الاصحاب رضى الله عنهم يبكون دما من اخلاق النفس ولا يزالون يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عما به يتخلصون من الاوصاف الذميمة ويتطهرون ظاهرا وباطنا طلبا للنجاة من العذاب المهين واشده الفراق.

البقرة 2:91

{ واذا قيل لهم } اى واذا قال اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليهود اهل المدينة ومن حولها ومعنى اللام الانهاء والتبليغ { آمنوا بما أنزل الله } من الكتب الآلهية جميعا { قالوا نؤمن } اى نستمر على الايمان { بما انزل علينا } يعنون به التوراة وما انزل على انبياء بنى اسرائيل لتقرير حكمها ويدسون فيه ان ما عدا ذلك غير منزل عليهم واسندوا الانزال على انفسهم لان المنزل على نبى منزل على امته معنى لانه يلزمهم { و } هم { يكفرون بما وراءه } اى سوى ما انزل { وهو } اى والحال ان ما وراء التوراة { الحق } اى المعروف بالحقية الحقيق بان يخص به اسم الحق على الاطلاق { مصدقا لما معهم } من التوراة غير مخالف له حال مؤكدة من الحق والعامل فيها ما فى الحق من معنى الفعل وصاحب الحال ضمير دل عليه الكلام اى احقه مصدقا اى حال كونه موافقا لما معهم وفيه رد لمقالتهم لانهم اذا كفروا بما يوافق التوراة فقد كفروا بها ثم اعترض عليهم بقتلهم الانبياء مع ادعائهم الايمان بالتوراة والتوراة لا تسوغ قتل نبى بقوله تعالى { قل } يا محمد تبكيتا لهم من جهة الله تعالى ببيان التناقض بين اقوالهم وافعالهم { فلم } اصله لما لامه للتعليل دخلت على ما التى للاستفهام وسقطت الالف فرقا بين الاستفهامية والخبرية { تقتلون أنبياء الله من قبل } صيغة الاستقبال لحكاية الحال الماضية وهو جواب شرط محذوف اى قل لهم ان كنتم مؤمنين بالتوراة كما تزعمون فلاى شىء تقتلون انبياء الله من قبل وهو فيها حرام واسند فعل الآباء وهو القتل الى الابناء للملابسة بين الآباء والابناء. قال ابو الليث فى تفسيره وفى الآية دليل على ان من رضى بالمعصية فكانه فاعل لها لان اليهود كانوا راضين بقتل آبائهم فسماهم الله قاتلين حيث قال فلم تقتلون الآية { ان كنتم مؤمنين } جواب الشرط محذوف لدلالة ما سبق عليه اى ان كنتم مؤمنين فلم تقتلونهم وهو تكرير للاعتراض لتأكيد الالزام وتشديد التهديد.

البقرة 2:92

{ ولقد جاءكم موسى بالبينات } من تمام التبكيت والتوبيخ داخل تحت الامر واللام للقسم اى بالله قد جاءكم موسى ملتبسا بالمعجزات الظاهرة من العصا واليد وفلق البحر ونحو ذلك { ثم اتخذتم العجل } اى آلها { من بعده } اى من بعد مجيئه بها وثم للتراخى فى الرتبة والدلالة على نهاية قبح ما فعلوا { وانتم ظالمون } حال من ضمير اتخذتم اى عبدتم العجل وانتم واضعون العبادة فى غير موضعها.

البقرة 2:93

{ وإذ أخذنا ميثاقكم } اى العهد منكم { ورفعنا فوقكم الطور } اى الجبل قائلين لكم { خذوا ما آتيناكم بقوة } اى بجد واجتهاد { واسمعوا } ما فى التوراة سماع قبول وطاعة { قالوا } كأنه قيل فماذا قالوا فقيل قالوا { سمعنا } قولك ولكن لا سماع طاعة { وعصينا } امرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا فى الظاهر فاذا كان حال اسلافهم هكذا فكيف يتصور من اخلافهم الايمان قال الفردوسى زبد كوهران بدنباشد عجب سياهى نباشد بريدن زشب زبداصل جشم بهى داشتن بود خاك درديده انباشتن { وأشربوا } اى والحال انهم قد اشربوا { فى قلوبهم } بيان لمكان الاشراب كقوله انما يأكلون فى بطونهم نارا { العجل } اى حب العجل على حذف المضاف واشرب قلبه كذا اى حل محل الشراب او اختلط كما خلط الصبغ بالثوب وحقيقة اشربه كذا جعله شاربا لذلك فالمعنى جعلوا شاربين حب العجل نافذا فيهم نفوذ الماء فيما يتغلغل فيه. قال الراغب من عاداتهم اذا ارادوا محاصرة حب او بغض فى القلب ان يستعيروا لها اسم الشراب اذ هو ابلغ مساغا فى البدن ولذلك قالت الاطباء الماء مطية الاغذية والادوية { بكفرهم } اى بسبب كفرهم السابق الموجب لذلك قيل كانوا مجسمة او حلولية ولم يروا جسما اعجب منه فتمكن فى قلوبهم ما سول لهم السامرى وجعل حلاوة عبادة العجل فى قلوبهم مجازاة لكفرهم. وفى القصص ان موسى عليه السلام لماخرج الى قومه امر ان يبرد العجل بالمبرد ثم يذرى فى النهر فلم يبق نهر يجرى يومئذ الا وقع فيه منه شىء ثم قال لهم اشربوا منه فمن بقى فى قلبه شىء من حب العجل ظهرت سحالة الذهب على شاربه { قل } توبيخا لحاضرى اليهود اثر ما بين احوال رؤسائهم الذين بهم يقتدون فى كل ما يأتون ويذرون { بئسما } بئس شيأ { يأمركم به } اى بذلك الشىء { ايمانكم } بما انزل عليكم من التوراة حسبما تدعون والمخصوص بالذم محذوف اى ما ذكر من قولهم سمعنا وعصينا وعبادتهم العجل وفى اسناد الامر الى الايمان تهكم بهم واضافة الايماء اليهم للايذان بانه ليس بايمان حقيقة كما ينبئ عنه قوله تعالى { إن كنتم مؤمنين } بالتوراة واذ لا يسوغ الايمان بها مثل تلك القبائح فلستم بمؤمنين بها قطعا فقد علم ان من ادعى انه مؤمن ينبغى ان يكون فعله مصدقا لقوله والا لم يكن مؤمنا. قال الجنيد قدس سره التوحيد الذى تفرد به الصوفية هو افراد القدم عن الحدوث والخروج عن الاوطان وقطع المحارب وترك ما علم وما جهل وان يكون الحق سبحانه مكان الجميع طالب توحيدرا بايد قدم برلازدن بعد ازان درعالم وحدت دم الا زدن قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما دخل على يعقوب النبى عليه السلام مبشر يوسف عليه السلام وبشره بحياته قال له يعقوب على اى دين تركته قال على دين الاسلام قال يعقوب عليه السلام الآن قد تمت النعمة على يعقوب. واعلم ان التوحيد اصل الاصول ومناط القبول ومكفر الخطايا ومستجلب العطايا حكى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب اسلام دحية الكلبى لانه كان تحت يده سبعمائة من اهل بيته وكانوا يسلمون باسلامه وكان يقول " اللهم ارزق دحية الكلبى الاسلام ". فلما اراد دحية الاسلام " اوحى الله الى النبى عليه السلام بعد صلاة الفجر ان يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول ان دحية يدخل عليك الآن وكان فى قلوب الاصحاب شىء من دحية من وقت الجاهلية فلما سمعوا ذلك كرهوا ان يمكنوا دحية فيما بينهم فلما علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كره ان يقول لهم مكنوا دحية وكره ان يدخل دحية فيوحشوه فيبرد قلبه عن الاسلام فلما دخل دحية المسجد رفع النبى صلى الله عليه وسلم رداءه عن ظهره وبسطه على الارض بين يديه فقال دحية ههنا واشار الى ردائه فبكى دحية من كرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفع رداء وقبله ووضعه على رأسه وعينيه وقال ما شرائط الاسلام اعرضها على فقال " ان تقول اولا لا اله الا الله محمد رسول الله " فقال دحية ذلك ثم وقع البكاء على دحية فقال عليه السلام " ما هذا البكاء وقد رزقت الاسلام " فقال انى ارتكبت خطيئة وفاحشة فقل لربك ما كفارته ان امرنى ان اقتل نفسى قتلتها وان امر ان اخرج من جميع مالى خرجت فقال عليه السلام " وما ذلك يا دحية " قال كنت رجلا من ملوك العرب واستنكفت ان تكون لى بنات لهن ازواج فقتلت سبعين من بناتى كلهن بيدى فتحير النبى عليه السلام فى ذلك حتى نزل جبريل فقال يا محمد ان الله يقرؤك السلام ويقول قل لدحية وعزتى وجلالى انك لما قلت لا اله الا الله غفرت لك كفر ستين سنة وسيآتك ستين سنة فكيف لا اغفر لك قتل البنات فبكى عليه السلام واصحابه فقال عليه السلام " الهى غفرت لدحية قتل بناته بشهادة ان لا اله الا الله مرة واحدة فكيف لا تغفر للمؤمنين بشهادات كثيرة وبقول صادق وبفعل خالص ". وفى المثنوى اذكروا الله كارهر اوباش نيست ارجعى برباى هرقلاش نيست قال السعدى كر بمحشر خطاب قهر كند انبيارا جه جاى معذرتست برده ازروى لطف كوبردار كاشقيارا اميد مغفر تست

البقرة 2:94

{ قل ان كانت لكم الدار الآخرة } اى الجنة { عند الله } ظرف للاستقرار فى الخبر اعنى لكم { خالصة } على الحالية من الدار اى سالمة لكم خاصة بكم { من دون الناس } فى محل النصب بخالصة اى من دون محمد واصحابه فاللام للعهد وتستعمل هذه اللفظة للاختصاص يقال هذا لى من دون الناس اى انا مختص به والمعنى ان صح قولكم لن يدخل الجنة الا من كان هودا { فتمنوا الموت } اى احبوه واسألوه بالقلب واللسان وقولوا اللهم امتنا فان من ايقن بدخول الجنة اشتاق اليها وتمنى سرعة الوصول الى النعيم والتخلص من دار البوار وقرارة الاكدار ولا سبيل الى دخولها الا بعد الموت فاستعجلوه بالتمنى { ان كنتم صادقين } فى قولكم ان الجنة خاصة لكم فتمنوه واصل التمنى تقدير شىء فى النفس واكثر ما يستعمل فيما لا حقيقة له.

البقرة 2:95

{ ولن يتمنوه } اى الموت { ابدا } اى فى جميع الزمان المستقبل لان ابدا اسم لجميع مستقبل الزمان كقط لماضيه وفيه دليل على ان لن ليس للتأبيد لانهم يتمنون الموت فى الآخرة ولا يتمنونه فى الدنيا { بما قدمت ايديهم } بسبب ما عملوا من المعاصى الموجبة لدخول النار كالكفر بالنبى عليه السلام والقرآن وتحريف التوراة وخص الايدى بالذكر لان الاعمال غالبا تكون بها وهى من بين جوارح الانسان مناط عامة صنائعه ومدار اكثر منافعه ولذا عبر بها تارة عن النفس واخرى عن القدرة { والله عليم بالظالمين } بهم وبما صدر عنهم وهو تهديد لهم روى ان اليهود لو تمنوا الموت لغص كل واحد منهم بريقه اى لامتلأ فمه بريقه فمات من ساعته ولما بقى على الارض يهودى الا مات فقوله ولن يتمنوه ابدا من المعجزات لانه اخبار بالغيب وكان كما اخبر به كقوله ولن تفعلوا ولو وقع من احد منهم تمنى موته لنقل واشتهر. فان قلت ان التمنى يكون بالقلب فلا يظهر لنا انهم تمنوه اولا. قلت ليس التمنى من اعمال القلوب انما هو قول الانسان بلسانه ليت لى كذا. وعن نافع جلس الينا يهودى يخاصمنا فقال ان فى كتابكم فتمنوا الموت وانا اتمنى فمالى لا اموت فسمع ابن عمر رضى الله عنهما هذا فدخل بيته واخذ السيف ثم خرج ففر اليهودى حين رآه فقال ابن عمر اما والله لو ادركته لضربت عنقه توهم هذا الجاهل انه لليهود فى كل وقت انما هو لاولئك الذين كانوا يعاندونه ويجحدون نبوته بعد ان عرفوه. فان قلت ان المؤمنين اجمعوا على ان الجنة للمؤمنين دون غيرهم ثم ليس احد منهم يتمنى الموت فكيف وجه الاحتجاج على اليهود بذلك. قلت ان المؤمنين لم يجعلوا لانفسهم من الفضل والشرف والمرتبة عند الله ما جعلت اليهود ذلك لانفسهم لانهم ادعوا انهم ابناء الله واحباؤه وان الجنة خالصة لهم والانسان لا يكره القدوم على حبيبه ولا يخاف انتقامه بالمصير اليه بل يرجو وصوله الى محابه فقيل لهم تمنوا ذلك فلما لم يتمنوه ظهر كذبهم فى دعاويهم ولان النبى عليه الصلاة والسلام نهى عن تمنى الموت قال " لا يتمنى احدكم الموت لضر نزل به ولكن ليقل اللهم احينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى ما كانت الوفاة خيرا لى ". قال مقاتل لولا بناتى وسيآتي لذبت شوقا الى الممات فلا يلزمهم ما يلزم اليهود. قال سهل بن عبد الله التسترى قدس سره لا يتمنى الموت الا ثلاثة رجل جاهل بما بعد الموت او رجل يفر من اقدار الله عليه او مشتاق يحب لقاء الله قال فى المثنوى شد هواى مرك طوق صادقان كه جهودانرا بد ان دم امتحان روى عن صاحب المثنوى انه لما دنت وفاته تمثل له ملك الموت وقام عند الباب ولما رآه المولى قدس سره قال ييشترآ ييشترآ جان من بيك در حضرت سلطان من قال بعض الملوك لابى حازم كيف القدوم على الله عز وجل فقال ابو حازم اما قدوم الطائع على الله فكقدوم الغائب على اهله المشتاقين اليه واما قدوم العاصى فكقدوم الآبق على سيده الغضبان قال فى المثنوى انبيارا تنك آمد اين جهان جون شهان رفتند اندر لامكان جون مراسوى اجل عشق وهواست نهى لا تلقوا بايديكم مراست زانكه نهى ازدانه شيرين بود تلخ را خود نهى حاجت كى شو واعلم ان الموت هو المصيبة العظمى والبلية الكبرى واعظم منه الغفلة عنه والاعراض عن ذكره وقلة الفكر فيه وترك العمل له وان فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكرة لمن تفكر كما قيل كفى بالموت واعظا ومن ذكر الموت حقيقة ذكره نغص عليه لذته الحاضرة ومنعه عن تمنيها فى المستقبل وزهده فيما كان منها يؤمل ولكن القلوب الغافلة تحتاج الى تطويل الوعاظ وتزيين الالفاظ والا ففى قوله عليه السلام " اكثرو ذكر هاذم اللذات " وقوله تعالى كل نفس ذائقة الموت آل عمران 185 ما يكفى السامع له ويشغل الناظر فيه. فعلى العاقل ان يسعى للموت بالاختيار قبل الموت بالاضطرار ويزكى نفسه عن سفساف الاخلاق قال السعدى قدس سره اى برادر جوعاقبت خاكست خاك شوبيش ازانكه خاك شوى اللهم يسر لنا الطريق.

البقرة 2:96

{ ولتجدنهم احرص الناس } من الوجدان العقلى وهو جار مجرى العلم خلا انه مختص بما يقع بعد التجربة ونحوها واللام لام القسم اى والله لتجدن اليهود يا محمد احرص من الناس { على حياة } لا يتمنون الموت والتنكير للنوع وهى الحياة المخصوصة المتطاولة وهى حياتهم التى هم فيها لانها نوع من مطلق الحياة { ومن الذين اشركوا } عطف على ما قبله بحسب المعنى كأنه قيل احرص من الناس وافرد المشركون بالذكر وان كانوا من الناس لشدة حرصهم على الحياة. وفيه توبيخ عظيم لان الذين اشركوا لا يؤمنون بعاقبة وما يعرفون الا الحياة الدنيا فحرصهم عليها لا يستبعد لانها جنتهم فاذا زاد عليهم فى الحرص من له كتاب وهو مقر بالجزاء كان حقيقا بأعظم التوبيخ. فان قلت لم زاد حرصهم على حرص المشركين قلت لانهم علموا لعلمهم بحالهم انهم صائرون الى النار لا محالة والمشركون لا يعلمون ذلك { يود احدهم } بيان لزيادة حرصهم على طريقة الاستئناف اى يريد ويتمنى ويحب احد هؤلاء المشركين { لو يعمر ألف سنة } حكاية لودادهم ولو فيه معنى التمنى كأنه قيل ليتنى اعمر وكان القياس لو اعمر الا انه جرى على لفظ الغيبة لقوله تعالى يود احدهم كقولك حلف بالله ليفعلن ومحله النصب على انه معمول يود اجراء له مجرى القول لانه فعل قلبى والمعنى تمنى احدهم ان يعطى البقاء والعمر الف سنة وهى للمجوس وخص هذا العدد لانهم يقولون ذلك فيما بينهم عند العطاس والتحية عش الف سنة والف نوروز والف مهرجان وهى بالعجمية " زى هزارسال " وصح اطلاق المشركين على المجوس لانهم يقولون بالنور والظلمة { وما } حجازية { هو } اى احدهم اسم ما { بمزحزحه } خبر ما والباء زائدة والزحزحة التبعيد والانجاء { من العذاب } من النار { أن يعمر } فاعل مزحزحه اى تعميره { والله بصير بما يعملون } البصير فى كلام العرب العالم بكنه الشىء الخبير به اى عليم بخفيات اعمالهم من الكفر والمعاصى لا يخفى عليه فهو مجازيهم بها لا محالة بالخزى والذل فى الدنيا والعقوبة فى العقبى وهذه الحياة العاجلة تنقضى سريعة وان عاش المرء الف سنة او ازيد عليها فمن احب طول العمر للصلاح فقد فاز قال عليه السلام " طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ". ومن احبه للفساد فقد ضل ولا ينجو مما يخاف فان الموت يجيئ البتة واجتمعت الامة على ان الموت ليس له سن معلوم ولا اجل معلوم ولا مرض معلوم وذلك ليكون المرء على اهبة من ذلك وكان مستعدا لذلك بعض الصالحين ينادى بالليل على سور المدينة الرحيل الرحيل فلما توفى فقد صوته امير تلك المدينة فسأل عنه فقيل انه مات فقال ما زال لهج بالرحيل وذكره حتى اناخ ببابه الجمال فأصابه متيقظا متشمرا ذا اهبة لم تلهه الآمال بانك طبلت نمى كند بيدار تومكر مرده نه درخوابى توجراغى نهاده درردباد خانه در مر سيلابى فاصابة الموت حق وان كان العيش طويلا والعمر مديدا وهو ينزل بكل نفس راضية كانت او كارهة. روى شارح الخطب عن وهب بن منبه انه قال مر دانيال عليه السلام ببرية فسمع يا دانيال قف تر عجبا فلم ير شيأ ثم نودى الثانية قال فوقفت فاذا بيت يدعونى الى نفسه فدخلت فاذا سرير مرصع بالدر والياقوت فاذا النداء من السرير اصعد يا دانيال تر عجبا فارتقيت السرير فاذا فراش من ذهب مشحون بالمسك والعنبر فاذا عليه شاب ميت كأنه نائم واذا عليه من الحلى والحلل ما لا يوصف وفى يده اليسرى خاتم من ذهب وفوق رأسه تاج من ذهب وعلى منطقته سيف اشد خضرة من البقل فاذا النداء من السرير ان احمل هذا السيف واقرأ ما عليه قال فاذا مكتوب عليه هذا سيف صمصام بن عوج بن عنق بن عام بن ارم وانى عشت الف عام وسبعمائة سنة وافتضضت اثنى عشر الف جارية وبنيت اربعين الف مدينة وخرجت بالجور والعنف والحمق عن حد الانصاف وكان يحمل مفاتح الخزائن اربعمائة بغل وكان يحمل الى خراج الدنيا فلم ينازعنى احد من اهل الدنيا فادعيت الربوبية فاصابنى الجوع حتى طلبت كفا من ذرة بالف قفيز من در فلم اقدر عليه فمت جوعا يا اهل الدنيا اذكروا امواتكم ذكرا كثيرا واعتبروا بى ولا تغرنكم الدنيا كما غرتنى فان اهلى لم يحملوا من وزرى شيأ انتهى قال السعدى جون همه نيك و بد ببايد مرد خنك آنكس كه كوى نيكى برد برك عيشى بكور خويش فرست كس نيارد زبس زبيش فرست عمر برفست آفتاب تموز اند كى ماند وخواجه غره هنوز فعلى اهل القلوب القاسية ان يعالجوا قلوبهم بامور. احدها الاقلاع عما هى عليه بحضور مجالس العلم والوعظ والتذكير والتخفيف والترغيب واخبار الصالحين فان ذلك مما يلين القلوب وينجح فيها. والثانى ذكر الموت فيكثر من ذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات. والثالث مشاهدة المحتضرين فان فى النظر الى الميت ومشاهدة سكراته ونزعاته وتأمل صورته بعد مماته ما يقطع عن النفوس لذاتها ويطرد عن القلوب مسراتها ويمنع الاجفان من النوم والراحة من الابدان ويبعث على العمل فيزيد فى الاجتهاد والتعب ويستعد للموت قبل النزول فانه اشد الشدائد. قيل لكعب الاحبار يا كعب حدثنا عن الموت قال هو كشجرة الشوك ادخلت فى جوف ابن آدم فاخذت كل شوكة بعرق ثم اجتذبها رجل شديد الجذب فقطع ما قطع وابقى ما ابقى وفى الحديث " لو ان شعرة من وجع الميت وضعت على اهل السموات والارضين لماتوا اجمعين وان فى يوم القيامة لسبعين هولا وان ادنى هول ليضعف على الموت سبعين ضعفا "

البقرة 2:97

{ قل من كان عدوا لجبريل } " لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة اتاه عبد الله بن صوريا من اليهود بسكن فدك فقال يا محمد كيف نومك فانا اخبرنا عن نوم النبى الذى يجىء فى آخر الزمان فقال النبى صلى الله عليه وسلم " تنام عيناى وقلبى يقظان " قال صدقت فاخبرنى عن الولد أمن الرجل يكون أو من المرأة قال " اما العظم والعصب والعروق فمن الرجل واما الدم واللحم والظفر والشعر فمن المرأة " قال صدقت يا محمد قال فما بال الولد يشبه اعمامه ليس فيه من شبه اخواله شىء او يشبه اخواله ليس فيه من شبه اعمامه شىء قال " ايهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له " قال صدقت يا محمد وسأله عن الطعام الذى حرم اسرائيل على نفسه قال " ان يعقوب مرض مرضا شديدا فنذر ان شفاه الله حرم على نفسه احب الطعام اليه وهو لحم الابل واحب الشراب اليه وهو ألبانها " قال صدقت يا محمد وسأله عن اول نزل الجنة قال " الحوت " قال صدقت يا محمد ثم قال بقيت خصلة ان قلتها آمنت بك واتبعتك اى ملك يأتيك بما تقول من الله تعالى فقال " جبريل " قال ذاك عدونا لانه ملك العذاب ينزل بالقتال والعذاب وكسر السفن والشدائد ورسولنا ميكائيل لانه ملك الرحمة ينزل بالغيث والبشر والرخاء فقال له عمر ما بدء عداوتكم له فقال عادانا مرارا كثيرة وكان من اشد عداوته لنا ان الله تعالى انزل على نبينا موسى عليه السلام ان البيت المقدس سيخرب فى زمان رجل يقال له بخت نصر واخبرنا بالحين الذى يخرب فيه فلما كان الحين الذى يخرب فيه بعثنا رجلا من اقوياء بنى اسرائيل فى طلبه فانطلق حتى لقيه غلاما مسكينا ببابل ليست له قوة فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وقال لصاحبنا ان هو امره بهلاككم لا يسلطكم عليه وان لم يكن هذا فعلى اى حق تقتلونه فصدقه صاحبنا فتركه وكبر بخت نصر وقوى فملك ثم غزانا فخرب بيت المقدس وقتلنا وامر جبريل بوضع النبوة فينا فوضعها فى غيرنا فلهذا اتخذناه عدوا وميكائيل عدو جبريل فقال عمر رضى الله عنه لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم اكفر من الحمير ومن كان عدوا لاحدهما كان عدوا للآخر ومن كان عدوا لهما كان عدوا لله تعالى وجواب من محذوف اى من عادى جبريل من اهل الكتاب فلا وجه لمعاداته بل يجب عليه محبته { فإنه } يعنى جبريل { نزله } اى القرآن اضمره لكمال شهرته { على قلبك } زيادة تقرير للتنزيل ببيان محل الوحى فانه القابل الاول له ومدار الفهم والحفظ اى حفظه اياك ففهمكه وحق الكلام ان يقال على قلبى لكنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به لما فى النقل بالعبارة من زيادة تقرير لمضمون المقالة يعنى قل كما تكلمت به من قولى انه نزله على قلبك { بإذن الله } بامره وتيسيره { مصدقا لما بين يديه } اى موافقا لما قبله من الكتب الآلهية فى التوحيد وبعض الشرائع حال من مفعول نزله { وهدى } اى هاديا الى دين الحق { وبشرى } اى مبشر بالجنة { للمؤمنين } فلا وجه لمعاداته فلو انصفوا لاحبوه وشكروا له صنيعه فى انزاله ما ينفعهم ويصح المنزل عليهم ثم عمم الشرط والجزاء ردا عليهم بقوله.

البقرة 2:98

{ من كان عدوا لله } اى مخالفا لامره عنادا وخارجا عن طاعته مكابرة { وملائكته ورسله وجبريل وميكال } افردهما بالذكر لاظهار فضلهما كأنهما من جنس آخر اشرف مما ذكر تنزيلا للتغاير فى الوصف منزلة التغاير فى الجنس. قال عكرمة جبروميك واسراف هى العبد بالسريانية وايل وآئيل هو الله ومعناها عبدالله او عبد الرحمن { فإن الله } جواب الشرط ولم يقل فانه لاحتمال ان يعود الى جبريل وميكائيل { عدو للكافرين } اى لهم جاء بالظاهر ليدل على ان الله انما عاداهم لكفرهم والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه اشد العقاب فقال ابن صوريا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما جئتنا بشىء نعرفه وما انزل عليك من آية فنتبعك لها فانزل الله.

البقرة 2:99

{ ولقد أنزلنا إليك آيات بينات } واضحات الدلالة على معانيها وعلى كونها من عند الله { وما يكفر بها } اى بالآيات التى توضح الحلال والحرام وتفصل الحدود والاحكام { إلا الفاسقون } المتمردون فى الكفر الخارجون عن حدوده فان من ليس على تلك الصفة لا يجترئ على الكفر بمثل هاتيك البينات والاحسن ان يكون اللام اشارة الى اهل الكتاب. قال الحسن اذا استعمل الفسق فى نوع من المعاصى وقع على عظم ذلك النوع من كفر او غيره. واعلم ان القرآن هو النور الآلهي الذى كشف الله به الظلمات واليهود ارادوا ان يطفئوا نور الله والله متم نوره وليس لهم فى ذلك الا الفضاحة والخزى كما اذا دخل الحمام ناس فى ليل مظلم وفيهم الاصحاء واهل العيوب فجاء واحد بسراج مضىء لا يسارع الى اطفائه الا اهل العيوب مخافة ان يظهر عيوبهم للاصحاء ويلحق بهم مذمة شمع رخشنده دران جمع نخواهندكه تا عيب شان درشب تاريك بماند مستور واى آن وقت روشن شوداين رازجوروز برده برخيزد واين حال بيايد بظهور

البقرة 2:100

{ أو } الهمزة للانكار والعطف على مقدر يقتضيه المقام اى أكفروا بآيات البينات وهى فى غاية الوضوح { كلما عاهدوا عهدا } مصدر مؤكد لعاهدوا من غير لفظه { نبذه فريق منهم } اى رموا بالذمام اى العهد ورفضوه والفريق الطائفة ويكون للقليل والكثير واسناد النبذ الى فريق منهم لان منهم من لم ينبذه { بل اكثرهم لا يؤمنون } بالتوارة وليسوا من الدين فى شىء فلا يعدون نقض المواثيق ذنبا ولا يبالون به وهذا رد لما يتوهم من ان النابذين هم الاقلون.

البقرة 2:101

{ ولما جاءهم رسول } هو النبى صلى الله عليه وسلم { من عند الله } متعلق بجاء { مصدق لما معهم } من التوراة { نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب } اى التوراة { كتاب الله } مفعول نبذ اى الذى اوتوه وهو التوراة لانهم لما كفروا بالرسول المصدق لما معهم فقد نبذوا التوراة التى فيها ان محمدا رسول الله وقد علموا انها من الله { وراء ظهورهم } يعنى رموا بالعناد كتاب الله وراء ظهورهم ولم يعملوا به مثل لتركهم واعراضهم عنه بالكلية بما يرمى به وراء الظهر استغناء عنه وقلة التفات اليه { كأنهم لا يعلمون } جملة حالية اى نبذوه وراء ظهورهم متشبهين بمن لا يعلمه انه كتاب الله. قيل اصل اليهود اربع فرق ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمنى اهل الكتاب وهم الاقلون المشار اليهم بقوله عز وجل بل أكثرهم لا يؤمنون البقرة 100. وفرقة جاهروا بنبذ العهود تمردا وفسوقا وهم المعنيون بقوله سبحانه نبذه فريق منهم البقرة 100. وفرقة لم يجاهروا بنبذها ولكن نبذوها لجهلهم بها وهم الاكثرون وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها خفية وهم المتجاهلون. وفيه اشارة الى ان من فعل فعل الجاهل وتعمد الخلاف مع علمه يلتحق بالجهال وهو والجاهل سواء فكما ان الجاهل لا يجيئ منه خير فكذا العالم الذى لا يعمل ولذا قال النبى عليه الصلاة والسلام " واعظ اللسان ضائع كلامه وواعظ القلب نافذ سهامه ". فالاول هو العالم الغير العامل والثانى هو العالم العامل الذى يؤثر كلامه فى القلوب وتنتج كلمته ثمرات الحكمة والعبرة والفكرة * فعلى العاقل ان يسارع الامتثال خوفا من بطش يد ذى الجلال. ويقال الندامة اربع ندامة يوم وهى ان يخرج الرجل من منزله قبل ان يتغدى وندامة سنة وهى ترك الزراعة فى وقتها وندامة عمر وهو ان يتزوج امرأة غير موافقة وندامة الابد وهو ان يترك امر الله ومجرد قراءة الكتاب بترياق الظاهر لا يدفع سم الباطن فلا بد من العمل كما ان من كان ينظر الى كتب الطب وكان مريضا فما دام لم يباشر العلاج لا يفيد نظره بالادوية وكان خلقه صلى الله تعالى عليه وسلم القرآن يعنى يعمل باوامره وينتهى عن نواهيه. واعلم ان العمل بالعلوم الظاهرة لا يمكن الا بعد معرفة المراتب الاربع مثلا يعرف بالعلم الظاهر ان حكم الزنى الرجم والجلد ولكن فى الوجود الانسانى محل يقتضى الوقاع والسفاح فاهل الارشاد يقمعون المقتضى المذكور عن ذلك المحل وكذا الحال فى الاكل والشرب وغيرهما والمرء وان كان متبحرا فى العلوم ومتفننا فى القوانين والرسوم فان كان لم يصلح حاله بالعمل فى تزكية النفس وتصفية القلب فانه لا يعتبر بل جهله اغلب ونعم ما قيل حفظت شيأ وغابت عنك اشياء حكى ان نصير الدين الطوسى دخل على ولى من اولياء الله تعالى لاجل الزيارة فقيل له هذا عالم الدنيا نصير الدين الطوسى قال الولى ما كماله قيل ليس له عديل فى علم النجوم قال الولى الحمار الابيض اعلم منه فانحرف الطوسى وقام من مجلسه فاتفق انه نزل تلك الليلة على باب بيت طاحونة فقال الطحان ادخل البيت فانه سيكون الليلة مطر عظيم حتى لو لم يغلق الباب لاخذه السيل فسأل الطحان عن وجهه فقال لى حمار ابيض اذا حرك ذنبه الى جانب السماء ثلاثا لم تمطر السماء واذا حركه الى جانب الارض يقع المطر فلما سمعه اعترف بعجزه وصدق الولى وزال غيظه وحكى ان وليا قال لابن سينا افنيت عمرك فى العلوم العقلية فالى أى مرتبة وصلت قال وجدت ساعة من ساعات الايام يكون الحديد فيها كالخمير فقال الولى اخبرنى عن تلك الساعة فلما جاءت الساعة اخبره واخذ بيده حديدا فنفذ فيه اصبعه فبعد مضى الساعة قال الولى هل تقدر على تنفيذ اصبعك ايضا قال لا فانه من خصائص تلك الساعة ولا يمكن فاخذه الولى ونفذ اصبعه فيه وقال ينبغى للعاقل ان لا يصرف عمره الى الزائل الفانى فكما ان ابن سينا ادعى استقلال العقل فى طريق الوصول فالقى فى جهنم كذلك اليهود خذلهم الله انفوا من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم والعمل بما جاء به من عند الله وادعوا الاستقلال فخابوا وخسروا بوقا فى ظلمة الجهل والكفر قال فى المثنوى اى كه اندر جشمهء شوراست جات توجه دانى شط وجيحون وفرات واى آن زنده كه بارمرده نشست مرده كشت وزنده كى ازوى بجست

البقرة 2:102

{ واتبعوا ما تتلوا الشياطين } اى نبذ اليهود كتاب الله وراء ظهورهم واتبعوا كتب السحرة التى تقرأها وتعمل بها الشياطين وهم المتمردون من الجن وتتلو حكاية حال ماضية والمراد بالاتباع التوغل والتمحض فيه والاقبال عليه بالكلية { على ملك سليمان } اى على عهد مكله وفى زمانه فحذف المضاف وعلى بمعنى فى. قال السدى كانت الشياطين تصعد الى السماء فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون فى الارض من موت وغيره ويأتون الكهنة ويخلطون بما سمعوا فى كل كلمة سبعين كذبة ويخبرونهم بها فاكتتب الناس ذلك وفشا فى بنى اسرائيل ان الجن تعلم الغيب وبعث سليمان فى الناس وجمع تلك الكتب وجعلها فى صندوق ودفنه تحت كرسيه وقال لا اسمع احدا يقول ان الشيطان يعلم الغيب الا ضربت عنقه فلما مات سليمان وذهب العلماء الذين كانوا يعرفون امر سليمان ودفنه الكتب وخلف من بعدهم خلف تمثل الشيطان على صورة انسان فاتى نفرا من بنى اسرائيل فقال هل ادلكم على كنز لا تأكلونه ابدا قالوا نعم قال فاحفروا تحت الكرسى وذهب معهم فاراهم المكان وقام ناحية فقالوا ادن قال لا ولكنى ههنا فان لم تجدوه فاقتلونى وذلك انه لم يكن احد من الشياطين يدنو من الكرسى الا احترق فحفروا واخرجوا تلك الكتب قال الشيطان ان سليمان كان يضبط الجن والانس والشياطين والطير بهذه ثم طار الشيطان وفشا فى الناس ان سليمان كان ساحرا واخذ بنوا اسرائيل تلك الكتب فلذلك اكثر ما يوجد السحر فى اليهود فلما جاء محمد صلى الله تعالى عليه وسلم برأ الله سليمان عليه السلام من ذلك وانزل فى عذر سليمان واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان { وما كفر سليمان } بالسحر وعلمه يعنى لم يكن ساحرا لان الساحر كافر والتعرض لكونه كفرا للمبالغة فى اظهار نزاهته عليه السلام وكذبه باهتيه بذلك { ولكن الشياطين كفروا } باستعمال السحر وتعليمه وتدوينه { يعلمون الناس السحر } اى كفروا والحال انهم يعلمونه اغواء واضلالا روى ان السحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ودقة افهامهم { وما } اى ويعلمون الناس الذى { انزل على الملكين } اى ما الهما وعلما وهو علم السحر انزلا لتعليم السحر ابتلاء من الله للناس من تعلمه منهم وعمل به كان كافرا ومن تجنبه او تعلمه لا ليعمل به ولكن ليتوقاه كان مؤمنا كما قيل عرفت الشر لا للشر ولكن لتوقيه وهذا كما اذا اتى عرافا فسأله عن شىء ليمتحن حاله ويختبر باطن امره وعنده ما يميز به صدقه من كذبه فهذا جائز. قال الامام فخر الدين كان الحكمة فى انزالهما ان السحرة كانوا يسترقون السمع من الشياطين ويلقون ما سمعوا بين الخلق وكان بسبب ذلك يشتبه الوحى النازل على الانبياء فانزلهما الله الى الارض ليعلما الناس كيفية السحر ليظهر بذلك الفرق بين كلام الله وكلام السحرة { ببابل } الباء بمعنى فى وهى متعلقة بانزل او بمحذوف وقع حالا من الملكين وهى بابل العراق او بابل ارض الكوفة ومنع الصرف للعجمة والعلمية واحسن ما قيل فى تسميتها ببابل ان نوحا عليه السلام لما هبط الى اسفل الجودى بنى قرية وسماها ثمانين فاصبح ذات يوم وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة احديها اللسان العربى وكان لا يفهم بعضهم من بعض كذا فى تفسير القرطبى { هاروت وماروت } كف بيان للملكين علمان لهما ومنع صرفها للعجمة والعلمية وما روى فى قصتهما من انهما شربا الخمر وسفكا الدم وزنيا وقتلا وسجدا للصنم فمما لا تعويل عليه لان مداره رواية اليهود مع ما فيه من المخالفة لادلة العقل والنقل ولعله من مقولة الامثال والرموز التى قصد بها ارشاد اللبيب الاريب وبالترغيب وذلك لان المراد بالملكين العقل النظرى والعقل العملى والمرأة المسماة بالزهرة هي النفس الناطقة الطاهرة فى اصل نشأتها وتعرضهما لها تعليمهما لها ما تسعد به فى النشأة الآخرة وحملها اياهما على المعاصى تحريضها اياهما بحكم الطبيعة المزاجية الى السفليات المدنسة لجوهرهما وصعودها الى السماء بما تعلمت منهما هو عروجها الى الملأ الاعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصافها ونصحها كذا ذكره وجوه القوم من المفسرين. يقول الفقير جامع هذه المجالس الشريفة قد تصفحت كتب ارباب الخبر والبيان واصحاب الشهود والعيان فوجدت عامتها مشحونة بذكر ما جرى من قصتهما وكيف يجوز الاتفاق من الجم الغفير على ما مداره رواية اليهود خصوصا فى مثل هذا الامر الهائل فاقول وصف الملائكة بانهم لا يعصون ولا يستكبرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون ويفعلون ما يؤمرون دليل تصور العصيان منهم ولولا ذلك لما مدحوا به اذ لا يمدح احد على الممتنع لكن طاعتهم طبع وعصيانهم تكلف على عكس حال البشر كما فى التيسير فهذا يقتضى جواز الوقوع مع ان فيما روى فى سبب نزولهما ما يزيل الاشكال قطعا وهو انهم لما عيروا بنى آدم بقلة الاعمال وكثرة الذنوب فى زمن ادريس عليه السلام قال الله تعالى لو انزلتكم الى الارض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لفعلتم مثل ما فعلوا فقالوا سبحانك ربنا ما كان ينبغى لنا ان نعصيك قال الله تعالى فاختاروا ملكين من خياركم اهبطهما الى الارض فاختاروا هاروت وماروت وكانا من اصلح الملائكة واعبدهم فاهبطا بالتركيب البشرى ففعلا ما فعلا وهذا ليس ببعيد اذ ليس مجرد هبوط الملك مما يقتضى العصيان وذلك ظاهر والا لظهر من جبريل وغيره ألا ترى ان ابليس له الشهوة والذرية مع انه كان من الملائكة على احد القولين لانها مما حدثت بعد ان محى من ديوانهم فيجوز ان تحدث الشهوة فى هاروت وماروت بعد ان اهبطا الارض لاستلزام التركيب البشرى ذلك. وقد قال فى آكام المرجان ان الله تعالى باين بين الملائكة والجن والانس في الصورة والاشكال فان قلب الله الملك الى صورة الانسان ظاهرا وباطنا خرج عن كونه ملكا وكذلك لو قلب الشيطان الى بنية الانسان خرج بذلك عن كونه شيطانا روى انه لما استشفع لهما ادريس عليه السلام خيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا لكونه ايسر من عذاب الآخرة فهما فى بئر بابل معلقان فيه بشعورهما الى يوم القيامة. قال مجاهد ملئ الجب نارا فجعلا فيه وقيل معلقان بارجلهما ليس بين ألسنتهما وبين الماء الا اربع اصابع فهما يعذبان بالعطش. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره رائحة الشمع الذى يعمل من الشحم كريهة تتألم منها الملائكة حتى يقال ان هاروت وماروت يعذبان برائحته واما الشمع العسلى فرائحته طيبة كذا فى واقعات الهدائى قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " اتقوا الدنيا فوالذي نفسى بيده انها لاسحر من هاروت وماروت ". قال العلماء انما كانت الدنيا اسحر منهما لانها تدعوك الى التحارص عليها والتنافس فيها والجمع لها والمنع حتى تفرق بينك وبين طاعة الله وتفرق بينك وبين رؤية الحق ورعايته وسحر الدنيا محبتها وتلذذك بشهواتها وتمنيك بامانيها الكاذبة حتى تأخذ بقلبك ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حبك الشئ يعمى ويصم ". اراد النبى عليه الصلاة والسلام ان من الحب ما يعمى عن طريق الحق والرشد ويصمك عن استماع الحق وان الرجل اذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل او دين اصمه حبه عن العذل واعماه عن الرشد او يعمى العين عن النظر الى مساويه ويصم الاذن عن استماع العذل فيه او يعمى ويصم عن الآخرة وفائدته النهى عن حب ما لا ينبغى الاغراق فى حبه قال خسرو الدهلوى بهراين مردار جندت كاه زارى كاه زور جون غليواجى كه شش مه مادة وشش مه نراست ثم فى هذه القصة اشارة الى انه لا يجوز الاعتماد الا على فضل الله ورحمته فان العصمة من آثار حفظ الله تعالى كمال قال فى المثنوى همجو هاروت وجو ماروت شهير ازبطر خوردند زهر آلوده تير اعتمادى بودشان برقدس خويش جيست بر شير اعتماد كاوميش كرجه او باشاخ صد جاره كند شاخ شاخش شير نرباره كند كرشود بر شاخ همجون خاربشت شير خواهد كاورا ناجار كشت { وما يعلمان من أحد } من مزيدة فى المفعول به لافادة تأكيد الاستغراق الذى يفيده احد والمعنى ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس ما انزل على الملكين ويحملونهم على العمل به أغواء واضلالا والحال ان الملكين ما يعلمان ما انزل عليهما من السحر احدا من طالبيه { حتى } ينصحاه اولا وينهياه عن العمل به والكفر بسببه و { يقولا انما نحن فتنة } وابتلاء من الله تعالى فمن عمل بما تعلم منا واعتقد حقيته كفر ومن توقى عن العمل به او اتخذه ذريعة للاتقاء عن الاغترار بمثله بقى على الايمان والفتنة الاختبار والامتحان يقال فتنت الذهب بالنار اذا جربته بها لتعلم انه خالص او مشوب وهى من الافعال التى تكون من الله ومن العبد كالبلية والمعصية والقتل والعذاب وغير ذلك من الافعال الكريهة وقد تكون الفتنة فى الدين مثل الارتداد والمعاصى واكراه الغير على المعاصى وافردت الفتنة مع تعدد الملكين لكونها مصدرا وحملها عليهما مواطأة للمبالغة كأنهما نفس الفتنة والقصر لبيان انه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه { فلا تكفر } باعتقاد حقيته بمعنى انه ليس بباطل شرعا وجواز العمل به ويقولان ذلك سبع مرات فان ابى الا التعليم علماه { فيتعلمون } عطف على الجملة المنفية فانها فى قوة المثبتة كأنه قيل يعلمانهم بعد قولهما انما نحن الخ والضمير لاحد حملا على المعنى اى فالناس يتعلمون { منهما } اى من الملكين { ما يفرقون به } اى بسببه واستعماله { بين المرء وزوجه } بان يحدث الله تعالى بينهما التباغض والفرك والنشوز عند ما فعلوا من السحر على حسب جرى العادة الآلهية من خلق المسببات عقيب حصول الاسباب العادية ابتلاء لا ان السحر هو المؤثر فى ذلك. قال السدى كانا يقولان لمن جاءهما انما نحن فتنة فلا تكفر فان ابى ان يرجع قالا له ائت هذا الرماد فبل فيه فاذا بال فيه خرج نور يسطع الى السماء وهو الايمان والمعرفة وينزل شىء اسود شبه الدخان فيدخل فى اذنيه ومسامعه وهو الكفر وغضب الله فاذا اخبرهما بما رآه من ذلك علماه ما يفرق به بين المرء وزوجه ويقدر الساحر على اكثر مما اخبر الله عنه من التفريق لان ذلك خرج على الاغلب قيل يؤخذ الرجل على المرأة بالسحر حتى لا يقدر على الجماع. قال فى نصاب الاحتساب ان الرجل اذا لم يقدر على مجامعة اهله واطاق ما سواها فان المبتلى بذلك يأخذ حزمة قصبات ويطلب فأسا ذا فقارين ويضعه فى وسط تلك الحزمة ثم يؤجج نارا فى تلك الحزمة حتى اذا احمى الفأس استخرجه من النار وبال على حده يبرأ باذن الله تعالى { وما هم } اى ليس الساحرون { بضارين به } اى بما تعلموه واستعملوه من السحر { من أحد } اى احدا { إلا بإذن الله } الاستثناء مفرغ والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير ضارين او من مفعوله وان كان نكرة لاعتمادها على النفى او الضمير المجرور فى به اى ما يضرون به احدا الا مقرونا بعلم الله وارادته وقضائه لا بامره لانه لا يأمر بالكفر والاضرار والفحشاء ويقضى على الخلق بها فالساحر يسحر والله يكون فقد يحدث عند استعمالهم السحر فعلا من افعاله ابتلاء وقد لا يحدثه وكل ذلك بارادته ولا ينكر ان السحر له تأثير فى القلوب بالحب والبغض وبالقاء الشرور حتى يحول بين المرء وقلبه وذلك بادخال الآلام وعظيم الاسقام وكل ذلك مدرك بالحس والمشاهدة وانكاره معاندة وان اردت التفصيل وحقيقة الحال فاستمع لما نتلو عليك من المقال وهو ان السحر اظهار امر خارق للعادة من نفس شريرة خبيثة بمباشرة اعمال مخصوصة يجرى فيه التعلم والتعليم وبهذين الاعتبارين يفارق المعجزة والكرامة. واختلف العلماء فى حقيقة السحر بمعنى ثبوته فى الخارج فذهب الجمهور الى ثبوته فيه. وقالت المعتزلة لا ثبوت له ولا وجود له فى الخارج بل هو تمويه وتخييل ومجرد اراءة مالا حقيقة له يرى الحبال حيات بمنزلة الشعوذة التى سببها خفة حركات اليد او اخفاء وجه الحيلة وتمسكوا بقوله تعالى يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى طه 66. ولنا وجهان الاول يدل على الجواز والثانى يدل على الوقوع اما الاول فهو امكان الامر فى نفسه وشمول قدرة الله فانه الخالق وانما الساحر فاعل وكاسب واما الثانى فهو قوله تعالى { ويتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله } وفيه اشعار بانه ثابت حقيقة ليس مجرد اراءة وتمويه وبان المؤثر والخالق هو الله تعالى وحده واما الشعوذة وما يجرى مجراها من اظهار الامور العجيبة بواسطة ترتيب آلات الهندسة وخفة اليد والاستعانة بخواص الادوية والاحجار فاطلاق السحر عليها مجاز او لما فيها من الدقة لانه فى الاصل عبارة عن كل ما لطف مأخذه وخفى سببه ولذا يقال سحر حلال واكثر من يتعاطى السحر من الانس النساء وخاصة فى حال حيضهم والارواح الخبيثة ترى غالبا للطبائع المغلوبة والنفوس الرذيلة وان لم يكن لهم رياضة كالنساء والصبيان والمخنثين والانسان اذا فسد نفسه او مزاجه يشتهى ما يضره ويتلذذ به بل يعشق ذلك عشقا يفسد عقله ودينه وخلقه وبدنه وماله والشيطان خبيث فاذا تقرب صاحب العزائم والاقسام وكتب الروحانيات السحرية وامثال ذلك اليهم بما يحبونه من الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة والبرطيل لهم فيقضون بعض اغراضهم كمن يعطى رجلا مالا ليقتل من يريد قتله او يعينه على فاحشة او ينال منه فاحشة ولذلك يكتب السحرة والمعزمون فى كثير من الامور كلام الله تعالى بالنجاسة والدماء ويتقربون بالقرابين من حيوان ناطق وغير ناطق والبخور وترك الصلاة والصوم واباحات الدماء ونكاح ذوات المحارم والقاء المصحف فى القاذورات وغير ذلك مما ليس لله فيه رضى فاذا قالوا كفرا او كتبوه او فعلوه اعانتهم الشياطين لاغراضهم او بعضها اما بتغوير ماء واما بان يحمل فى الهواء الى بعض الامكنة واما ان يأتيه بمال من اموال الناس كما يسرقه الشياطين من اموال الخائنين ومن لم يذكر اسم الله عليه ويأتى به واما غير ذلك من قتل اعدائهم او امراضهم او جلب من يهوونه وكثيرا ما يتصور الشيطان بصورة الساحر ويقف بعرفات ليظن من يحسن به الظن انه وقف بعرفات وقد زين لهم الشيطان ان هذا كرامات الصالحين وهو من تلبيس الشيطان فان الله تعالى لا يعبد الا بما هو واجب او مستحب وما فعلوه ليس بواجب ولا مستحب شرعا بل هو منهى حرام ونعوذ بالله من اعتقاد ما هو حرام عبادة ولاهل الضلال الذين لهم عبادة على غير الوجه الشرعى مكاشفات احيانا وتأثيرات يأوون كثيرا الى مواضع الشياطين التى نهى عن الصلاة فيها كالحمام والمزبلة واعطان الابل وغير ذلك مما هو من مواضع النجاسات لان الشياطين تنزل عليهم فيها وتخاطبهم ببعض الامور كما يخاطبون الكفار وكما كانت تدخل فى الاصنام وتكلم عابدى الاصنام. قال العلماء ان كان فى السحر ما يخل شرطا من شرائط الايمان من قول وفعل كان كفرا والا لم يكن كفرا وعامة ما بايدى الناس من العزائم والطلاسم والرقى التى لا تفهم بالعربية فيها ما هو شرك وتعظيم للجن ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التى لا يفهم بالعربية معناها لانها مظنة الشرك وان لم يعرف الراقى انها شرك. وفى الصحيح عن النبى عليه السلام انه رخص فى الرقى ما لم تكن شركا وقال " من استطاع ان ينفع اخاه فليفعل ". ولذا نقول انه يجوز ان يكتب للمصاب وغيره من المرضى شئ من كتاب الله وذكره بالمداد المباح ويغسل ويسقى او يعلق عليه وفى اسماء الله تعالى وذكره خاصية قمع الشياطين واذلالهم ولأنفاس اهل الحق تأثيرات عجيبة لانهم تركوا الشهوات ولزموا العبادات على الوجه الشرعى وظهر لهم حكم قوله تعالى وسخر لكم ما فى السموات وما فى الأرض الجاثية 13. ولذا يطيعهم الجن والشياطين ويستعبدونهم كما استعبدها سليمان عليه السلام بتسخير الله تعالى واقداره حكى حضرة الهدائى قدس سره فى واقعاته عن شيخه حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى انه ارسل ورقة الى سلطان الجن لاجل مصروع فامتثل امره وعظمه وضرب عنق الصارع فخلص المصروع قال فى المنثوى هر بيمبر فرد آمد درجهان فرد بود وصد جهانش درنهان عالم كبرى بقدرت سحره كرد كرد خودرا دركهين نقشى نورد ابلهانش فرد ديدند وضعيف كى ضعيفست آنكه باشد شد حريف واعلم ان حكم الساحر القتل ذكرا كان او انثى اذا كان سعيه بالافساد والاهلاك فى الارض واذا كان سعيه بالكفر فيقتل الذكر دون الانثى فتضرب وتحبس لان الساحرة كافرة والكافرة ليست من اهل الحرب فاذا كان الكفر الاصلى يدفع عنها القتل فكيف الكفر العارضى والساحر ان تاب قبل ان يؤخذ تقبل توتبه وان اخذ ثم تاب لا تقبل كما فى الاشباه كل كافر تاب فتوبته مقبولة فى الدنيا والآخرة الا الكافر بسب نبى وبسب الشيخين او احدهما وبالسحر ولو امرأة وبالزندقة اذا اخذ قبل توبته والزنديق هو الذى قال بقدم الدهر واسناد الحوادث اليه مع اعتراف النبوة واظهار الشرع هذا واكثر المنقول الى هنا من كتاب آكام المرجان وهو الذى ينبغى ان يكتب على الاحداق لا على القراطيس والاوراق { ويتعلمون ما يضرهم } لانهم يقصدون به العمل او لان العلم يجر الى العمل غالبا { ولا ينفعهم } صرح بذلك ايذانا بانه ليس من الامور المشوبة بالنفع والضرر بل هو شر بحت وضرر محض لانهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار باكاذيب من يدعى النبوة مثلا من السحرة او تخليص الناس منه حتى يكون فيه نفع فى الجملة وفيه ان الاجتناب عما لا يؤمن غوائله خير كتعلم الفلسفة التى لا يؤمن ان تجر الى الغواية وان قال من قال. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه ومن لا يعرف الشر من الناس يقع فيه. وذكر فى التجنيس ان تعلم النجوم حرام الا ما يحتاج اليه للقبلة وفيء الزوال ومن احاديث المصابيح من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر واذا لم يكن فى تعلم مثل هذه العلوم خير فكذا امساك الكتب التى اشتملت عليها من كتب الفلاسفة وغيرها بل لا يجوز النظر اليها كما فى نصاب الاحتساب { ولقد علموا } اى هؤلاء اليهود فى التوراة { لمن اشتراه } اى من اختار السحر واستبدل ما تتلوا الشياطين بكتاب الله واللام الاولى جواب قسم محذوف والثانية لام ابتداء { ما له فى الآخرة من خلاق } اى نصيب { ولبئس ما شروا به أنفسهم } اى باعوها لان الشراء من الاضداد واللام جواب قسم محذوف والمخصوص بالذم محذوف اى والله لبئس ما باعوا به انفسهم السحر او الكفر وعبر عن ايمانهم بانفسهم لان النفس خلقت للعلم والعمل والايمان { لو كانوا يعلمون } جواب لو محذوف اى لما فعلوا ما فعلوا من تعلم السحر وعمله اثبت لهم العلم اولا بقوله ولقد علموا ثم نفى عنهم لانهم لما لم يعملوا بعلمهم فكأنهم لم يعلموا فهذا فى الحقيقة نفى الانتفاع بالعلم لا نفى العلم.

البقرة 2:103

{ ولو أنهم } اى اليهود { آمنوا } بالقرآن والنبى { واتقوا } السحر والشرك { لمثوبة } مفعلة من الثواب وثاب يثوب اى رجع وسمى الجزاء ثوابا لانه عوض عمل المحسن يرجع اليه وهو مبتدأ جواب لو والتنكير للتقليل اى شئ قليل من الثواب كائن { من عند الله خير } خبر المبتدأ واصله لأثيبوا مثوبة من عند الله خير مما شروا به انفسهم فحذف الفعل وغير السبك الى ما عليه النظم الكريم دلالة على اثبات المثوبة لهم والجزم بخيريتها وحذف المفضل عليه اجلالا للمفضل من ان ينسب اليه { لو كانوا يعلمون } ان ثواب الله خير ومجرد العلم باللسان لا ينفع بدون ان يصل التأثير الى القلب ويظهر ذلك التأثير بالمسارعة الى الاعمال الصالحة والاتباع للكتاب والسنة فمن امر السنة على نفسه اخذا وتركا حبا وبغضا نطق بالحكمة ومن امر الهوى على نفسه نطق بالبدعة. قال الشيخ ابو الحسن كل علم يسبق لك فيه الخواطر وتتبعها الصور وتميل اليه النفوس وتلذ به الطبيعة فارم به وان كان حقا وخذ بعلم الله الذى انزله على رسوله واقتد به وبالخلفاء والصحابة والتابعين من بعده والائمة المبرئين من الهوى ومتابعته تسلم من الظنون والشكوك والاوهام والدعاوى الكاذبة المضلة عن الهدى وحقائقه وماذا عليك ان تكون عبد الله ولا علم ولا عمل بلا اقتداء وحسبك من العلم العلم بالوحدانية ومن العمل محبة الله ومحبة رسوله ومحبة الصحابة واعتقاد الحق للجماعة قال بعض العلماء زيادة العلم فى الرجل السوء كزيادة الماء فى اصول الحنظل كلما ازداد ريا ازداد مرارة ومثل من تعلم العلم لاكتساب الدنيا وتحصيل الرفعة فيها كمثل من رفع العذرة بملعقة من الياقوت فما اشرف الوسيلة وما اخس المتوسل اليه والذى يحمل العبد على تعليم ما لا يليق به وذكر ما يجب صونه انما هو ايثار الدنيا على الآخرة لكن الله تعالى يقول وما عند الله خير وأبقى القصص 60. فان اردت ان تعرف قدرك عند الله فانظر في ماذا يقيمك وذلك لان الاعمال علامات والاحوال كرامات والكرامات دليل والعلوم وسائل وقد جاء " من سره ان يعرف منزلته عند الله فلينظر كيف منزلة الله فى قلبه فان الله ينزل العبد عنده حيث انزله العبد من نفسه " والانسان نسخة آلهية قابلة للواردات الآلهية فالنصف الاسفل منه بمنزلة الملك والنصف الاعلى بمنزلة الملكوت وبعبارة اخرى الطبيعة والنفس بمنزلة الملك والروح والسر بمنزلة الملكوت فاذا قطع العلائق بالعبادة الحقانية يتصرف فى عالم الملك والملكوت اللذين فى ملك وجوده وهو باب الملك والملكوت اللذين فى الخارج. واعلم ان وصلة العلماء على قدر علمهم واستدلالهم ووصلة الكمل على قدر مشاهدتهم وعيانهم لكن لاعلى وجه مشاهدة سائر الاشياء فانه تعالى منزه عن الكيف والاين بل هى عبارة عن ظهور الوجود الحقيقى عند اضمحلال وجود الرائى وفنائه واول ما يتجلى للسالك الافعال ثم الصفات واما تجلى الذات فلا يتيسر الا للآحاد فهو لا يكون الا بمحو الوجود وافنائه لكن ذلك الفناء عين البقاء. وعن ابى يزيد البسطامى قدس سره كنت اعلم الاخلاص لبعض الفقراء وهو يعلمنا الفناء قال السعدى تراكى بود جون جراغ التهاب كه ازخود برى همجو قنديل ازآب

البقرة 2:104

{ يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا } لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ارشاد للمؤمنين الى الخير { راعنا } المراعاة المبالغة فى الرعى وهو حفظ الغير وتدبير اموره وتدارك مصالحه كان المسلمون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم اذا القى عليهم شيأ من العلم راعنا يا رسول الله اى راقبنا وانتظرنا وتأن بنا حتى نفهم كلامك وكانت لليهود كلمة عبرانية او سريانية يتسابون بها فيما بينهم وهى راعنا فلما سمعوا بقول المؤمنين راعنا افترصوه وخاطبو به الرسول وهم يعنون به تلك المسبة فنهى المؤمنون عنها قطعا لألسنة اليهود عن التلبيس وامروا بما هو فى معناها ولا يقبل التلبيس فقيل { وقولوا انظرنا } اى انتظرنا من نظره اذا انتظره { واسمعوا } واحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلقى عليكم من المسائل باذان واعية واذهان حاضرة حتى لا تحتاجوا الى الاستعادة وطلب المراعاة { وللكافرين } اى ولليهود الذين تهاونوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وسبوه { عذاب اليم } وجيع لما اجترؤا عليه من المسبة العظيمة. وفى هذه الآية دليلان احدهما على تجنب الالفاظ المحتملة التى فيها التعريض واما قولهم لا بأس بالمعاريض وهو ان يتكلم لرجل بكلمة يظهر من نفسه شيأ ومراده شىء آخر فانما ارادوا ذلك اذا اضطر الانسان الى الكذب فاما اذا لم يكن حاجة ولا ضرورة فلا يجوز التعريض ولا التصريح جميعا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده بان لا يتعرض لهم بما حرم من دمائهم واعراضهم ". وقدم اللسان فى الذكر لان التعرض به اسرع وقوعا واكثر وخص اليد بالذكر لان معظم الافعال يكون بها قال فى المثنوى اين زبان جون سنك وهم آهن وشيست وانجه بجهد از زبان جون آنشيست سنك وآهن رامزن برهم كزاف كه زروى نقل وكه ازروى لاف زانكه تاريكست وهر سوبنبه زار درميان ينبه جون باشد شرار عالمى رايك سخن ويران كند روبهان مرده را شيران كند والثانى التمسك بسد الذرائع وحمايتها والذريعة عبارة عن امر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع فى ممنوع. ووجه التمسك بها ان اليهود كانوا يقولون ذلك وهى سب بلغتهم فلما علم الله تعالى ذلك منهم منع من اطلاق ذلك اللفظ لانه ذريعة للسب قال تعالى ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم الأنعام 108. فمنع من سب آلهتهم مخافة مقابلتهم بمثل ذلك وقال تعالى وسئلهم عن القرية التى كانت حاضرة البحر الأعراف 63 الآية. فحرم الله عليهم الصيد فى يوم السبت فكان الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا اى ظاهرة فسدوا عليها يوم السبت واخذوها يوم الاحد وكان السد ذريعة للاصطياد فمسخهم الله قردة وخنازير. وعن عائشة رضى الله عنها " ان ام حبيبة وام سلمة ذكرتا كنيسة رأتاها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله عليه السلام " ان اولئك اذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور اولئك شرار الخلق عند الله ". قال العلماء ففعل ذلك اوائلهم ليستأنسوا برؤية تلك الصور ويتذكروا احوالهم الصالحة فيجتهدوا كاجتهادهم ويعبدوا الله عند قبورهم فمضت لهم بذلك ازمان ثم انهم خلف من بعدهم خلف جهلوا اغراضهم ووسوس لهم الشيطان ان آباءكم واجدادكم كانوا يعبدون هذه الصور فعبدوها فحذر النبى عليه الصلاة والسلام عن مثل ذلك وشدد النكير والوعيد على من فعل ذلك وسد الذرائع المؤدية الى ذلك فقال عليه السلام " اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد ". وقال " اللهم لا تجعل قبرى وثنا يعبد ". وقال صلى الله عليه وسلم " لا يبلغ العبد ان يكون من المتقين حتى يدع مالا بأس به حذرا مما به بأس ". وقال عليه السلام " ان من الكبائر شتم الرجل والديه " قالوا يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه قال " نعم يسب ابا الرجل فيسب اباه ويسب امه فيسب امه ". فجعل التعرض لسب الآباء والامهات كسب الآباء والامهات وقال صلى الله عليه وسلم " الحلال بين والحرام بين وبينهما امور مشتبهات فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ومن وقع فى الشبهات وقع فى الحرام كالراعى يرعى حول الحمى يوشك ان يقع فيه ". فمنع عليه السلام من الاقدام على الشبهات مخافة الوقوع فى المحرمات وفى الحديث " اذا تبايعتم بالعينة واخذتم اذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه منكم حتى ترجعوا الى دينكم ". والعينة هو ان يبيع رجل من رجل سلعة بثمن معلوم الى اجل مسمى ثم يشتريها منه باقل من الثمن الذى باعها به وسميت عينة لحصول النقد لصاحب العينة وذلك ان العينة هو الحال الحاضر والمشترى انما يشتريها ليبيعها بعين حاضرة تصل اليه من فوره وفى هذا الحديث ذم للزراع اذا كان زراعتهم ذريعة لترك الجهاد قال عليه الصلاة والسلام حين رأى آلة الحراثة فى دار قوم " ما دخل هذا بيت قوم الا ذلوا ". وذلك لان الزراعة عمارة الدنيا واعراض عن الجهاد فيستحق به الذل وعمارة الدنيا اصل فى حق الكفار عارض فى حق المسلمين فان المسلمين يجعلونها وسيلة الى الآخرة واما الكفار فيعلمون ظاهر من الحياة الدنيا وهم عن آخرتهم غافلون وقد قال عليه السلام " الدنيا سجن المؤمن ". اى بالنسبة الى ما اعدله من ثواب النعيم " وجنة الكافر ". اي بالاضافة الى ما هيئ له من عذاب الآخرة والقطعية والهجران.

البقرة 2:105

{ ما يود الذين كفروا } كان فريق من اليهود يظهرون للمؤمنين محبة ويزعمون انهم يودون لهم الخير فنزل تكذيبا لهم. والود حب الشئ مع تمنيه ونفى الود كناية عن الكراهة اى ما يحب الذين كفروا { من اهل الكتاب ولا المشركين } من للتبيين لان الذين كفروا جنس تحته نوعان اهل الكتاب والمشركون فكأنه قيل ما يود الذين كفروا وهم اهل الكتاب والمشركون فبين ان الذين كفروا باق على عمومه وان المراد كلا نوعيه جميعا والمعنى ان الكفار جميعا لم يحبوا { ان ينزل عليكم } اى على نبيكم لان المنزل عليه منزل على امته { من خير } هو قائم مقام فاعله ومن مزيدة لاستغراق الخير والخير الوحى والقرآن والنصرة { من ربكم } من لابتداء الغاية والمعنى انهم يرون انفسهم احق بان يوحى اليهم فيحسدونكم ويكرهون ان ينزل عليكم شئ من الوحى اما اليهود فبناء على انهم اهل الكتاب وابناء الانبياء الناشئون فى مهابط الوحى وانتم اميون واما المشركون فادلالا بما كان لهم من الجاه والمال زعما منهم ان رياسة الرسالة كسائر الرياسات الدنيوية منوطة بالاسباب الظاهرة ولذا قالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الزخرف 31. وهم كانوا يتمنون ان تكون النبوة فى احد الرجلين نعيم بن مسعود الثقفى بالطائف والوليد بن المغيرة بمكة ثم اجاب عن قول من يقول لم لم ينزل عليهم بقوله { والله يختص برحمته من يشاء } يقال خصه بالشئ واختصه به اذا افرده به دون غيره ومفعول من يشاء محذوف. والرحمة النبوة والوحى والحكمة والنصرة والمعنى يفرد برحمته من يشاء افراده بها ويجعلها مقصورة عليه لاستحقاقه الذاتى الفائض عليه بحسب ارادته عز وجل لا تتعداه الى غيره لا يجب عليه شئ وليس لاحد عليه حق وما وقع فى عبارة مشايخنا فى حق بعض الاشياء انه واجب فى الحكمة يعنون به انه ثابت متحقق لا محالة فى الوجود لا يتصور ان لا يكون لا انه يجب ذلك بإيجاب موجب { والله ذو الفضل العظيم } اى على من يختاره بالنبوة والوحى لابتدائه بالاحسان بلا علة وهو حجة لنا على المعتزلة فان المفضل عند الخلق هو الذى يعطى ويبذل ما ليس عليه لان الذى يعطى ما عليه يكون قاضيا لا مفضلا ولو كان يجب عليه فعل الاصلح لكان المناسب ان يكون ذو العدل بدل قوله ذو الفضل ثم فيه اشعار بان ايتاء النبوة من الفضل وان حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته فمن تعرض لرد ما من الله به على عباده المؤمنين فقد جهل بحقيقة الامر. وعباد الله المخلصون قسمان قوم اقامهم الحق لخدمته وهم العباد والزهاد واهل الاعمال والاوراد وقوم اختصهم بمحبته وهم اهل المحبة والوداد وكل فى خدمته وتحت طاعته اذ كلهم قاصد وجهه ومتوجه اليه والعبودية صفة العبد لا تفارقه ما دام حيا ومن حقائق العبودية اخراج الحسد من القلب. قال بعض الحكماء بارز الحاسد ربه من خمسة اوجه اولها انه ابغض كل نعمة ظهرت على غيره. والثانى انه يتسخط قسمته تعالى ويقول لربه لو قسمت هكذا والثالث ان فضل الله يؤتيه من يشاء وهو يبخل بفضله والرابع انه خذل ولى الله لانه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه والخامس انه اعان عدوه يعنى ابليس. واعلم ان حسدك لا ينفذ على عدوك بل على نفسك بل لو كوشفت بحالك فى يقظة او منام لرأيت نفسك ايها الحاسد فى صورة من يرمى حجرا الى عدوه ليصيب به مقلته فلا يصيبه بل يرجع الى حدقته اليمنى فيقلعها فيزيد غضبه ثانيا فيعود ويرميه اشد من الاولى فيرجع على عينه اليسرى فيعميها فيزداد غضبه ثالثا فيعود ويرميه فيرجع الحجر على رأسه فيشجه وعدوه سالم فى كل حال وهو اليه راجع كرة بعد اخرى واعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون وهذا حال الحسود وسخرية الشياطين وقال بكر بن بن عبد الله كان رجل يأتى بعض الملوك فيقوم بحذائه ويقول احسن الى المحسن باحسانه فان المسيئ سيكفيه اساءته فحسده رجل على ذلك المقام والكلام فسعى به الى الملك وقال ان هذا الرجل يزعم ان الملك ابخر فقال الملك وكيف يصح ذلك عندى قال ندعو به اليك فانظر فانه اذا دنا منك وضع يده على انفه ان لا يشم ريح البخر فخرج من عند الملك فدعا الرجل الى منزله فاطعمه طعاما فيه ثؤم فخرج الرجل من عنده فقام بحذاء الملك فقال على عادته مثل ما قال فقال له الملك ادن منى فدنا منه واضعا يده على فيه مخافة ان يشم الملك منه ريح الثؤم فصدق الملك فى نفسه قول الساعى قال وكان الملك لا يكتب بخطه الا لجائزة فكتب له كتابا بخطه الى عامل له اذا اتاك الرجل فاذبحه واسلخه واحش جلده تبنا وابعث به الى فاخذ الكتاب وخرج فلقيه الرجل الذى سعى به فاستوهب منه ذلك الكتاب فاخذه منه بانواع التضرع والامتنان ومضى الى العامل فقال له العامل ان فى كتابك ان اذبحك واسلخك قال ان الكتاب ليس هو لى الله الله فى امرى حتى اراجع الملك قال ليس لكتاب الملك مراجعة فذبحه وسلخه وحشا جلده تبنا وبعث به ثم عاد الرجل كعادته فتعجب منه الملك فقال ما فعلت بالكتاب قال لقينى فلان فاستوهبه منى فوهبته قال الملك انه ذكر لى انك تزعم انى ابخر فقال كلا قال فلم وضعت يدك على انفك قال كان اطعمنى طعاما فيه ثؤم فكرهت ان تشمه قال ارجع الى مكانك فقد كفى المسيئ اساءته ونعم ما قيل هركه او نيك ميكند يابد نيك وبد هرجه ميكند يابد اللهم احفظنا من مساوى الاخلاق.

البقرة 2:106

{ ما } شرطية جازمة لننسخ منتصبة به على المفعولية اى أى شئ { ننسخ } ومحل قوله { من آية } نصب تمييز لما. والنسخ فى اللغة الازالة والنقل يقال نسخت الريح الاثر اى ازالته ونسخت الكتاب اى نقلته من نسخة الى نسخة ونسخ الآية بيان انتهاء التعبد بقراءتها او بالحكم المستفاد منها او بهما جميعا. اما الاول فكآية الرجم كما روى ان مما يتلى عليكم فى كتاب الله الشيخ والشيخة اذا زنيا فارجموهما البتة فهو منسوخ التلاوة دون الحكم ومعنى النسخ فى مثلها انتهاء التكليف بقراءتها عند نسخ تلاوتها. واما الثانى فكآية عدة الوفاة بالحول قال تعالى والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج البقرة 240 نسخت باربعة اشهر وعشرا لقوله تعالى يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا البقرة 234. وكمصابرة الواحد لعشرة فى القتال نسخت بمصابرة الواحد للاثنين فهو منسوخ الحكم دون التلاوة وهو المعروف من النسخ فى القرآن فتكون الآية الناسخة والمنسوخة ثابتتين فى التلاوة الا ان المنسوخة لا يعمل بها ومعنى النسخ فى مثلها بيان انتهاء التكليف بالحكم المستفاد منها عند نزول الآية المتأخرة عنها وحسن بقاء التلاوة مع نسخ الحكم ورفعه ليبقى حصول الثواب بقراءتها فان القرآن كما يتلى لحفظ حكمه لتيسير العمل به يتلى ايضا لكونه كلام الله تعالى فيثاب عليه. واما الثالث فكما روى عن عائشة رضى الله عنها انها قالت كان مما يتلى فى كتاب الله عشر رضعات يحرمن ثم نسخ بخمس رضعات يحرمن فهو منسوخ الحكم والتلاوة جميعا ومعنى النسخ فى مثلها بيان انتهاء التكليف بقراءتها وبالحكم المستفاد منها عند نسخها. قال القرطبى الجمهور على ان النسخ انما هو مختص بالاوامر والنواهى والخبر لا يدخله النسخ لاستحالة الكذب على الله تعالى { او ننسها } انساء الآية اذهابها من القلوب كما " روى ان قوما من الصحابة قاموا ليلة ليقرؤا سورة فلم يذكروا منها الا البسملة فغدوا الى النبى عليه السلام واخبروه فقال صلى الله عليه وسلم " تلك سورة رفعت بتلاوتها واحكامها ". روى ان المشركين او اليهود قالوا ألا ترون الى محمد يأمر اصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه ما يقول الا من تلقاء نفسه يقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا كما امر فى حد الزنى بايذائهما باللسان حيث قال فآذوهما النساء 16. ثم جعله منسوخا وامر بامساكهن فى البيوت حتى يتوفاهن الموت النساء 15. ثم جعله منسوخا بقوله فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة النور 2. يريدون بذلك الطعن فى الاسلام ليضعفوا عزيمة من اراد الدخول فيه فبين الله الحكمة فى النسخ بهذه الآية والمعنى ان كل آية تذهب بها على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة من ازالة لفظها او حكمها او كليهما معا الى بدل او الى غير بدل { نأت بخير } اى بآية هى خير { منها } للعباد بحسب الحال فى النفع والثواب من الذاهبة وليس المقصود ان آية خير من آية لان كلام الله واحد وكله خير فلا يتفاضل بعض الآيات على بعض فى انفسها من حيث انه كلام الله ووحيه وكتابه بل التفاضل فيها انما هو بحسب ما يحصل منها للعباد { او مثلها } فى المنفعة والثواب فكل ما نسخ الى الايسر فهو اسهل فى العمل وما نسخ الى الاشق فهو فى الثواب اكثر اما الاول فكنسخ الاعتداد بحول ونقله الى الاعتداد باربعة اشهر وعشرا واما الثانى فكنسخ ترك القتال بايجابه وقد يكون النسخ بمثل الاول لا اخف ولا اشق كنسخ التوجه الى بيت المقدس بالتوجه الى الكعبة وهذا الحكم غير مختص بنسخ الآية التامة فما فوقها بل جار فيما دونها ايضا وتخصيصها بالذكر باعتبار الغالب. واعلم ان الناسخ على الحقيقة هو الله تعالى ويسمى الخطاب الشرعى ناسخا تجوزا فى الاسناد بناء على ان النسخ يقع به والمنسوخ هو الحكم المزال والمنسوخ عنه هو المتعبد بالعبادة المزالة وهو المكلف والحكمة فى النسخ ان الطبيب المباشر لاصلاح البدن يغير الاغذية والادوية بحسب اختلاف الامزجة والازمنة كذلك الانبياء المباشرون لاصلاح النفوس يغيرون الاعمال الشرعية والاحكام الخلقية التى هي للنفوس بمنزلة العقاقير والاغذية للابدان فان اغذية النفوس وادويتها هى الاعمال الشرعية والاخلاق المرضية فيغيرها الشارع على حسب تغير مصالحها فكما ان الشئ يكون دواء للبدن فى وقت ثم قد يكون داء فى وقت آخر كذلك الاعمال قد تكون مصلحة فى وقت ومفسدة فى وقت وقس عليه حال المرشد والمسترشد فان التربية على القاعدة التسليكية بحسب احوال المشارب ولا يلقاها من المرشدين الا ذو حظ عظيم قال فى المثنوى رمز ننسخ آية او ننسها نأت خيرا درعقب مى دان مها هرشريعت راكه حق منسوخ كرد او كيا برد وعوض آورده ورد اندرين شهر حوادث ميراوست در ممالك مالك تدبير او ست آنكه داند دوخت اوداند دريد هرجه رابفروخت نيكوتر خريد { ألم تعلم } الخطاب للنبى عليه السلام ومعنى الاستفهام تقرير اى انك تعلم { ان الله على كل شئ قدير } فيقدر على النسخ والاتيان بمثل المنسوخ وبما هو خير.

البقرة 2:107

{ ألم تعلم } وخصه عليه السلام بالخطاب مع ان غيره داخل فى الخطاب ايضا حقيقة بناء على ان المقصود من الخطاب تقرير علم المخاطب بما ذكر ولا احد من البشر اعلم بذلك منه عليه السلام اذ قد وقف من اسرار ملكوت السموات والارض على ما لا يطلع عليه غيره وعلم غيره بالنسبة الى علمه عليه السلام ملحق بالعدم لان علم الاولياء من علم الانبياء بمنزلة قطرة من سبعة ابحر وعلم الانبياء من علم نبينا محمد عليه السلام بهذه المنزلة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة { ان الله له ملك السموات والأرض } فيفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو كالدليل على قوله إن الله على كل شئ قدير البقرة 109 والملك تمام القدرة واستحكامها وتخصيص السموات والارض بالذكر وان كان الله تعالى له ملك الدنيا والآخرة جميعا لكونهما اعظم المصنوعة واعجبها شأنا { وما لكم } ايها المؤمنون { من دون الله } اى سوى الله وهو فى حيز النصب على الحالية من الولى لانه فى الاصل صفة له فلما قدم انتصب حالا { من } زائدة للاستغراق { ولى } قريب وصديق وقيل وال وهو القيم بالامور { ولا نصير } اى معين ومانع والفرق بين الولى والنصير ان الولى قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون اجنبيا عن المنصور والمقصود التسكين لقلوب المؤمنين بان الله وليهم وناصرهم دون غيره فلا يجوز الاعتماد الا عليه ولا يصح الالتجاء الا اليه والمعنى ان قضية العلم بما ذكر من الامور الثلاثة وهو العلم ب أن الله على كل شيء قدير البقرة 106 والعلم ب { ان الله له ملك السموات والارض } والعلم بان ليس لهم { من دون الله من ولى ولا نصير } هو الجزم والايقان بانه تعالى لا يفعل بهم فى امر من امور دينهم او دنياهم الا ما هو خير لهم والعمل بموجبه شئ من الثقة والتوكل عليه وتفويض الامر اليه من غير اصغاء الى اقاويل الكفرة وتشكيكاتهم التى هى من جملتها ما قالوا فى امر النسخ.

البقرة 2:108

{ ام تريدون } ام معادلة للهمزة فى ألم تعلم اى ألم تعلموا انه مالك الامور وقادر على الاشياء كلها يأمر وينهى كما اراد ام تعلمون وتقترحون بالسؤال كما اقترحت اليهود على موسى عليه السلام والمراد توصية المسلمين بالثقة به وترك الاقتراح عليه وهو المفاجأة بالسؤال من غير روية وفكر { ان تسئلوا } وانتم مؤمنون { رسولكم } وهو فى تلك الرتبة من علو الشأن وتقترحوا عليه ما تشتهون غير واثقين باموركم بفضل الله تعالى حسبما يوجبه قضية علمكم بشؤونه تعالى قيل لعلهم كانوا يطلبون منه عليه السلام بيان تفاصيل الحكم الداعية الى النسخ { كما سئل موسى } مصدر تشبيهى اى نعت لمصدر مؤكد محذوف وما مصدرية اى سؤالا مشبها بسؤال موسى عليه السلام حيث قيل له اجعل لنا الها وارنا الله جهرة وغير ذلك { من قبل } اى من قبل محمد صلى الله عليه وسلم متعلق بسئل جيئ به للتأكيد { ومن يتبدل الكفر } اى يختره ويأخذه لنفسه { بالايمان } بمقابتله بدلا منه وحاصله ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التى من جملتها الآيات الناسخة التى هى خير محض وحق بحت واقترح غيرها { فقد ضل } اى عدل وحار من حيث لا يدرى { سواء السبيل } عن الطريق المستقيم الموصل الى معالم الحق والهدى وتاه فى تيه الهوى وتردى فى مهاوى الردى. وسواء السبيل وسط الطريق السوى الذى هو بين الغلو والتقصير وهو الحق واكثر المفسرين على ان سبب نزول الآية ان اليهود قالوا يا محمد ائتنا بكتاب الله جملة كما جاء موسى بالتوراة جملة فنزلت كما قال يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء النساء 153الى قوله جهرة النساء 153. فالمخاطبون بقوله ام تريدون هم اليهود واضافة الرسول اليهم فى قوله رسولكم باعتبار انهم من امة الدعوة ومعنى تبدل الكفر بالايمان ترك صرف قدرتهم اليه مع تمكنه من ذلك وايثارهم للكفر عليه. قال الامام وهذا اصح لان الآية مدنية ولان هذه السورة من اول قوله يا بنى إسرائيل أذكروا نعمتى البقرة 47. حكاية عنهم ومحاجة معهم. وفى الآية اشارة الى حفظ الآداب فمن لم يتأدب بين يدى مولاه ورسوله وخلفائه فقد تعرض للكفر وحقيقة الادب اجتماع خصال الخير وعن النبى عليه السلام قال " حق الولد على والده ان يحسن اسمه ويحسن مرضعه ويحسن ادبه فانه مسؤل عنه يوم القيامة ومؤاخذ بالتقصير فيه ". قال فى بستان العارفين مثل الايمان مثل بلدة لها خمسة من الحصون الاول من ذهب والثانى من فضة والثالث من حديد والرابع من حبوكل والخامس من لبن فما دام اهل الحصن يتعاهدون الحصن الذى من اللبن فالعدو لا يبلغ فيهم فاذا تركوا التعاهد حتى خرب الحصن الاول طمع فى الثانى ثم فى الثالث حتى خرب الحصون كلها فكذلك الايمان فى خمسة من الحصون اولها اليقين ثم الاخلاص ثم اداء الفرائض ثم اتمام السنن ثم حفظ الادب فما دام يحفظ الادب ويتعاهده فان الشيطان لا يطمع فيه فاذا ترك الادب طمع فى السنن ثم فى الفرائض ثم فى الاخلاص ثم فى اليقين وينبغى ان يحفظ الادب فى جميع اموره من امر الوضوء والصلاة والبيع والشراء والصحبة وغير ذلك. واعلم ان الشريعة هى الاحكام والطريقة هى الادب وانما رد من رد لعدم رعاية الادب كابليس وغيره من المردودين كما قيل بى ادب مرد كى مهتر كرجه اورا جلالت نسبست با ادب باش تابزرك شوى كه بزركى نتيجه ادبست وسئل ابن سيرين اى الادب اقرب الى الله فقال معرفة ربوبيته والعمل بطاعته والحمد على السراء والصبر على الضراء انتهى كلامه.

البقرة 2:109

{ ود كثير من اهل الكتاب } هم رهط من احبار اليهود وروى ان فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر رضى الله عنهما بعد وقعة احد ألم تروا ما اصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا الى ديننا فهو خير لكم وافضل ونحن اهدى منكم سبيلا فقال عمار كيف نقض العهد فيكم قالوا شديد قال فانى قد عاهدت ان لا اكفر بمحمد ما عشت فقالت اليهود اما عمار فقد صبا اى خرج عن ديننا بحيث لا يرجى منه الرجوع اليه ابدا فكيف انت يا حذيفة ألا تبايعنا قال حذيفة رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا وبالاسلام دينا وبالقرآن اماما وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين اخوانا فقالوا واله موسى لقد اشرب فى قلوبكما حب محمد ثم اتيا رسول الله عليه السلام واخبراه فقال " اصبتما خيرا وافلحتما " والمعنى احب واراد كثير من اليهود { لو يردونكم } اى ان يردوكم فان لو من الحروف المصدرية اذا جاءت بعد فعل يفهم منه معنى التمنى نحو قوله تعالى ودوا لو تدهن القلم 9. اى ان يصرفوكم عن التوحيد { من بعد ايمانكم } يا معشر المؤمنين { كفارا } اى مرتدين حال من ضمير المخاطبين فى يردونكم ويحتمل ان يكون مفعولا ثانيا ليردونكم على تضمينه معنى يصيرونكم { حسدا } علة لقوله ود كانه قيل ود كثير ذلك من اجل الحسد { من عند انفسهم } يجوز ان يتعلق بود على معنى انهم تمنوا ارتدادكم من عند انفسهم وقبل شهوتهم واهوائهم لا من قبل التدين والميل مع الحق ولو على زعمهم لانهم ودوا ذلك فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق ويجوز ان يتعلق بحسدا اى حسدا منبعثا من اصل نفوسهم بالغا اقصى مراتبه { من بعد ما تبين لهم الحق } اى من بعد ما ظهر لهم ان محمدا رسول الله وقوله حق ودينه حق بالمعجزات والنعوت المذكورة فى التوراة { فاعفوا } العفو ترك عقوبة المذنب يقال عفت الريح المنزل درسته وعفا المنزل يعفو درس يتعدى ولا يتعدى ومن ترك المذنب فكأنه درس ذنبه من حيث انه ترك المكافاة والمجازاة وذلك لا يستلزم الصفح ولذا قال تعالى { واصفحوا } فانه قد يعفو الانسان ولا يصفح. والصفح ترك التقريع باللسان والاستقصاء فى اللوم يقال صفحت عن فلان اذا اعرضت عن ذنبه بالكلية وقد ضربت عنه صفحا اذا اعرضت عنه وتركته وليس المراد بالعفو والصفح المأمور بهما الرضى بما فعلوا لان ذلك كفر والله تعالى لا يأمر به بل المراد بهما ترك المقاتلة والاعراض عن الجواب عن مساوى كلامهم { حتى يأتى الله بامره } اى يحكم الله بحكمه الذى هو الاذن فى قتالهم وضرب الجزية عليهم او قتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير روى ان الصحابة رضى الله عنهم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى ان يقتلوا هؤلاء اليهود الذين كفروا بانفسهم ودعوا المسلمين الى الكفر فنزلت الآية بترك القتال والاعراض عن المكافاة الى ان يجيئ الاذن من الله تعالى { ان الله على كل شئ قدير } فيقدر على الانتقام منهم وينتقم اذا جاء اوانه.

البقرة 2:110

{ واقيموا الصلوة وآتوا الزكوة } عطف على فاعفوا كأنه امرهم بالصبر والمخالفة واللجأ الى الله تعالى بالعبادة والبر فالمراد الامر بملازمة طاعة الله تعالى من الفرائض والواجبات والتطوعات بقرينة قوله { وما تقدموا لأنفسكم من خير } فان الخير يتناول اعمال البر كلها الا انه تعالى خص من بينها اقام الصلاة وايتاء الزكاة بالذكر تنبيها على عظم شأنهما وعلو قدرهما عند الله تعالى فان الصلاة قربة بدنية ليكون عمل كل عضو شكرا لما انعم الله عليه فى ذلك والزكاة قربة مالية ليكون شكرا للاغنياء الذين فضلهم الله فى الدنيا بالاستمتاع بلذيذ العيش بسبب سعتهم فى صنوف الاعمال وما تقدموا شرطية اى أى شئ من الخيرات صلاة او صدقة او غيرهما تقدموه وتسلفوه لمصلحة انفسكم { تجدوه } اى ثوابه وجزاءه لا عينه لان عين تلك الاعمال لا تبقى ولان وجدان عينها لا يرغب فيه { عند الله } اى محفوظا عنده فى الآخرة فتجدوا الثمرة واللقمة فيها مثل احد ولفظ التقديم اشارة الى ان المقصود الاصلى والحكمة الكلية فى جميع ما انعم الله تعالى به على المكلفين فى الدنيا ان يقدموه الى معادهم ويدخروه ليومهم الآجل كما جاء فى الحديث " ان العبد اذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم " { إن الله بما تعملون بصير } اى عالم لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الاعمال والعمل غير مقيد بالخير او الشر فهو عام شامل للترغيب والترهيب فالترغيب من حيث انه يدل على انه تعالى يجازى على القليل من الخير كما يجازى على الكثير والترهيب من حيث انه يجازى على القليل والكثير من الشر ايضا فلا يضيع عنده عمل عامل. وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه انه مر ببقيع الغرقد فقال السلام عليكم اهل القبور اخبار ما عندنا ان نساءكم قد تزوجن ودوركم قد سكنت واموالكم قد قسمت فأجابه هاتف يا ابن الخطاب اخبار ما عندنا ان ما قدمناه وجدناه وما انفقناه فقد ربحناه وما خلفناه فقد خسرناه ولقد احسن القائل قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس الى الخلود سبيل قال السعدى توغافل درانديشه سود ومال كه سرمايه عمر شد بايمال غبار هوا جشم عقلت بدوخت سموم هوا كشت عمرت بسوخت بكن سرمه غفلت از جشم باك كه فرداشوى سرمه درجشم خاك اعلم ان الانسان اذا مات انقطع عمله الا ان يبقى بعده واحد من الاعمال الاربعة التى لا ينقطع اجرها. الاول ما يتولد من مال الانسان كبناء المساجد والجسور والرباط والاوقاف وغير ذلك من الخيرات كما قال السعدى فى البستان ازان كس كه خيرى بماندروان دمادم رسد رحمتش برروان نمرد آنكه ماند بس ازوى بجاى بل ومسجد وخان ومهمان سراى هران كونماند از بسش ياد كار درخت وجودش نياورد بار وكر رفت وآثار خيرش نماند تشايد بس مرك الحمد خواند والى هذا اشار عليه السلام بقوله " من صدقة جارية ". فى حديث " اذا مات الانسان انقطع عمله الا من ثلاث ". والثانى ما يتولد من العقل الراجح كالعلم المنتفع به واليه الاشارة بقوله عليه السلام " او علم ينتفع به ". قيل هو الاحكام المستنبطة من النصوص والظاهر انه عام متناول ما خلفه من تصنيف او تعليم فى العلوم الشرعية وما يحتاج اليه فى تعلمها قيد العلم بالمنتفع به لان ما لا ينتفع به لا يثمر اجرا كما ان كتم ما ينتفع به لا يثمر اجرا بل اثما وعذابا كما ورد فى الحديث " من كتم علما يعلمه الجم يوم القيامة بلجام من النار ". قال الامام السخاوى يشمل هذا الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع بها. والثالث ما يتولد من النفس كالبنين والبنات واليه الاشارة بقوله عليه السلام " او ولد صالح يدعو له ". قيد عليه الصلاة والسلام بالصالح لان الاجر لا يحصل من غيره. واما الوزر فلا يلحق بالاب من سيئة ولده اذا كانت نيته فى تحصيله الخير وانما ذكر الدعاء له تحريضا للولد على الدعاء لابيه لا لانه قيد لان الاجر يحصل للوالد من ولده الصالح كلما عمل عملا صالحا سواء دعا لابيه ام لا كمن غرس شجرة يحصل له من اكل ثمرتها ثواب سواء دعا له من اكلها أم لم يدع وكذلك الام. فان قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله عليه السلام " من سن فى الاسلام سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها الى يوم القيامة " وقوله عليه السلام " من مات يختم على عمله الا المرابط فى سبيل الله فانه ينمو له عمله الى يوم القيامة ". قلنا السنة المسنونة من جملة العلم المنتفع به ومعنى حديث المرابط ان ثواب عمله الذى قدمه فى حياته ينمو له الى يوم القيامة. اما الثلاث المذكورة فى الحديث فانها اعمال تحدث بعد وفاته لا تنقطع عنه لانه سبب لها فيلحقه منها ثواب. والرابع ما يتولد من الروح وهى الاولاد المعنوية التى تولدت من التربية كاولاد المشايخ الكاملين من الصوفية المتشرعين المحققين وهذا القسم يمكن ان يندرج فيما قبله فافهم.

البقرة 2:111

{ وقالوا } نزلت فى وفد نجران وكانوا نصارى اجتمعوا فى مجلس رسول الله عليه السلام مع اليهود فكذب بعضهم بعضا فقالت اليهود لبنى نجران لن يدخل الجنة الا اليهود وقال بنوا نجران لليهود لن يدخلها الا النصارى فقال الله قال اهل الكتاب من اليهود والنصارى { لن يدخل الجنة الا من كان هودا أو نصارى } لم يقل كانوا حملا للاسم على لفظ من وجمع الخبر حملا على معناه. والهود جمع هائد اى تائب نحو انا هدنا اليك وكأنه كان فى الاصل اسم مدح لمن تاب منهم من عبادة العجل ثم صار بعد نسخ شريعتهم لازما لجماعتهم كالعلم لهم. والنصارى جمع نصران كسكران { تلك } اى ما قالوا بان الجنة لا يدخلها الا من كان هودا او نصارى { امانيهم } اى شهواتهم الفاسدة التى تمنوها على الله بغير الحق لا حقيقة لها جمع امنية وهى ما يتمنى افعولة كالاعجوبة. والمنى التشهى والعرب تسمى الكلام العارى عن الحجة تمنيا وغرورا وضلالا واحلاما مجازا وجمع الامانى باعتبار صدورها عن الجميع من اليهود والنصارى ثم اومأ الله الى بطلان اقوالهم بقوله لنبيه عليه السلام { قل هاتوا } اصله اتوا قلبت الهمزة هاء وهو أمر تعجبى اى احضروا { برهانكم } حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ولم يقل براهينكم لان الدعوى كانت واحدة وهى نفى دخول غيرهم الجنة والحجة على تلك الدعوى واحدة { ان كنتم صادقين } فى دعواكم فان كل قول لا دليل عليه غير ثابت.

البقرة 2:112

{ بلى } اعلم ان قولهم لن يدخل الجنة الخ مشتمل على ايجاب ونفى اما الايجاب فهو ان يدخل الجنة اليهود والنصارى واما النفى فهو ان لا يدخل الجنة غيرهم فقوله بلى اثبات لما نفوه فى كلامهم فكأنهم قالوا لا يدخل الجنة غيرنا فاجيبوا بقوله بلى يدخل الجنة غيركم وليس الامر كما تزعمون { من اسلم وجهه لله } اى اخلص نفسه له تعالى لا يشرك به شيأ فان اسلام شئ لشئ جعله سالما له بان لا يكون لاحد حق فيه لا من حيث التخليق والمالكية ولا من حيث استحقاق العبادة والتعظيم عبر عنها بالوجه لكونه اشرف الاعضاء من حيث انه معدن الحواس والفكر والتخيل فهو مجاز من باب ذكر الجزء وارادة الكل ومنه قولهم كرم الله وجهك ويحتمل ان يكون اخلاص الوجه كناية عن اخلاص الذات لان من جاد بوجهه لا يبخل بشئ من جوارحه ويكون الوجه بمعنى العضو المخصوص { وهو محسن } حال من ضمير اسلم اى وهو مع اخلاصه وتسليم النفس الى الله بالكلية بالخضوع والانقياد محسن فى جميع اعماله بان يعملها على وجهة يستصوبها فان اخلاصها لله لا يستلزم كونها مستحسنة بحسب الشرع وحقيقة الاحسان والاتيان بالعمل على الوجه اللائق وهو حسنه الوصفى التابع لحسنه الذاتى وقد فسره صلى الله عليه وسلم بقوله " ان تعبد الله كأنك تراه وان لم تكن تراه فانه يراك ". وهذا المعنى حقيقة الايمان وظاهره الاحسان واما باطنه فمرتبة كنت سمعه وبصره التى هى نتيجة قرب النوافل وهو كون ذات الحق ووجوده مرآة لصفات العبد ومظهرا لاحواله واما قرب الفرائض فهو المصرح فى قوله قال الله تعالى على لسان عبده سمع الله لمن حمده وهو كون صفات العبد واحواله مرآة لذات الحق ومظهرا لوجوده وباعتبار قرب النوافل كان الظاهر والمرئى والمشهود هو العبد وباعتبار قرب الفرائض هو الحق { فله اجره } ثوابه الذى وعد له على عمله وهو عبارة عن دخول الجنة وتصويره بصورة الأجر للايذان بقوة ارتباطه بالعمل واستحالة نيله بدونه عند ربه اى حال كونه ذلك الاجر ثابتا عند مالكه ومدبر اموره ومبلغه الى كماله لا يضيع ولا ينقص والعندية للتشريف والجملة جواب من ان كانت شرطية وخبرها ان كانت موصولة والفاء لتضمنها معنى الشرط { ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فى الآخرة عند دخول الجنة كما قال تعالى خبرا عن اهل الجنة الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن فاطر 34. واما فى الدنيا فانهم يخافون من ان يصيبوا الشدائد والاهوال العظام قدامهم ويحزنون على ما فاتهم من الاعمال الصالحة والطاعات المؤدية الى الفوز بانواع السعادات فان المؤمن كما لا يقنط من رحمة الله لا يأمن من غضبه وعقابه كما قيل لا يجتمع خوفان ولا امنان فمن خاف فى الدنيا امن فى الآخرة حين يخاف الكفار من العقاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر وتفويت الثواب فان الخوف انما يكون مما يتوقع فى المستقبل كما ان الحزن انما يكون على ما وقع سابقا ومن أمن فى الدنيا خاف فى الآخرة قال فى المثنوى لا تخافوا هست نزل خائفان هست درخور از براى خائف آن هركه ترسد مرورا ايمن كنند مردل ترسنده را ساكن كنند آنكه خوفش نيست جون كويى مترس درس جه دهى نيست اومحتاج درس

البقرة 2:113

{ وقالت اليهود } بيان لتضليل كل فريق من اليهود والنصارى صاحبه بخصوصه اثر بيان تضليله كل من عداه على وجه العموم { ليست النصارى على شئ } اى على امر يصح ويعتد به { وقالت النصارى ليست اليهود على شئ وهم } اى قالوا ما قالوا والحال ان كل فريق منهم { يتلون الكتاب } اللام للجنس اى انهم من اهل العلم والكتاب والتلاوة للكتب وحق من تلا كتابا من كتب الله تعالى وآمن به ان لا يكفر بالباقى لان كل واحد من كتب الله يصدق ما عداه { كذلك } اى مثل ذلك القول الذى سمعت به من هؤلاء العلماء الضالة على ان الكاف فى موضع النصب على انه مفعول قال { قال الذين لا يعلمون } من عبدة الاصنام والمعطلة ونحوهم من الجهلة اى قالوا لاهل كل دين ليسوا على شئ { مثل قولهم } بدل من محل الكاف وفيه توبيخ عظيم حيث نظموا انفسهم مع علمهم فى سلك من لا يعلم اصلا { فالله يحكم بينهم } بين الفريقين { يوم القيمة فيما كانوا فيه } متعلق بيختلفون قدم للمحافظة على رؤس الآى { يختلفون } من امر الدين. فان قلت بم يحكم. قلت بما يقسم لكل فريق مما يليق به من العقاب وفعل الحكم يتعدى بجارين الباء وفى كما يقال حكم الحاكم فى هذه القضية بكذا وفى الآية قد ذكر المحكوم فيه دون المحكوم به. واعلم ان كل حزب بما لديهم فرحون وليس ذلك فى الفرق الضالة خاصة بل ذلك يجرى بين صوفى وصوفى وشيخ وشيخ وعالم وعالم فتخطئة كل فريق صاحبه مستمرة والاولى ان يتبع الهدى. قال بعض المشايخ من ادعى انه صاحب قلب وارشاد بدون تزكية النفس ومعرفة المبدأ والمعاد لاجل الدنيا الدنيئة كان عذابه اضعاف عذاب النساء اللاتى رآهن النبى عليه السلام ليلة المعراج يقطعن صدورهن بمقاريض فسال جبريل فقال انهن الزوانى من النساء اللاتى جئن بأولاد من الزنى فالدعوى باطلة بدون الدليل وصاحبها ضال مضل والمدعى كالزانية والتابع له على هواه كولد الزنى فان ولد الزنى هالك حكما لعدم المربى والاتباع لمبتدع لا ينتج الا البدعة والالحاد وحكى عن الشيخ صدر الدين التبريزى انه قال كان رجل مشهور فى تبريز يقال له عارف قدم يوما الى مجلس بعض العارفين فقال له ما اسمك قال محمود لكن يقال لى عارف قال له هل عرفت ذاتك حتى قيل لك عارف فقال قرأت كتبا كثيرة من مقالات المشايخ والصوفية قال له ذلك كلامهم فمالك بيرخويش بايد كرد برواز ببال ديكران نتوان بريدن فمجرد النسخة لا يفيد بدون العمل بما فيها والتحقق بحقائقها وهذا كما ان تاجرا اذا وصل له كتاب من عبده المأذون فى التجارة انى اشتريت كذا وكذا واخبر سيده بما وقع تفصيلا فبمجرد هذا الكتاب لا يقدر السيد ان يتجر بدون ان يصل اليه ما اشتراه العبد من السلعة فلو ادخل جماعة من المشترين فى داره ليبيع متاعه لا يجد الا خجالة لان المحل الذى يعرض السلعة فيه على المشترين لا يفيده مجرد النسخة وقراءتها قال فى المنثوى مرغ بر بالا بران وسايه اش مى دود بر خاك بران مرغ وش ابهلى صياد آن سايه شود مى دود جندانكه بى مايه شود بى خبر كان عكس آن مرغ هواست بى خبركه اصل آن سايه كجاست تير اندازد بسوى سايه او تركشش خالى شود ازجست وجو تركش عمرش تهى سايه او از دويدن درشكار سايه تفت سايه يزدان جوباشد دايه اش وارهاند ازخيال وسايه اش

البقرة 2:114

{ ومن أظلم } سبب النزول ان ططيوس الرومى ملك النصارى واصحابه عزوا بنى اسرائيل فقتلوا مقاتليهم وسبوا ذراريهم واحرقوا التوراة وخربوا بيت المقدس وقذفوا فيه الجيف وذبحوا فيه الخنازير ولم يزل خرابا حتى بناه اهل الاسلام فى ايام عمر بن الخطاب رضى الله عنه وذلك لما استولى عمر رضى الله عنه على ولاية كسرى وغنم اموالهم عمر بها بيت المقدس ثم صار فى ايدى النصارى من الافرنج اكثر من مائة سنة حتى فتحه واستخلصه الملك الناصر صلاح الدين من آل ايوب سنة خمسمائة وخمس وثمانين بعد الهجرة ومن فى الاصل كلمة استفهام وهى ههنا بمعنى النفى اى لا احد اظلم { ممن منع مساجد الله } المراد بيت المقدس وصيغة الجمع لكون حكم الآية عاما لكل من فعل ذلك فى اى مسجد كان كما تقول لمن آذى صالحا واحدا ومن اظلم ممن آذى الصالحين لانه لا عبرة لخصوص السبب { أن يذكر فيها اسمه } ثانى مفعولى منع فانه يقتضى ممنوعا وممنوعا عنه فتارة يتعدى اليهما بنفسه كما فى قولك منعته الامر وتارة يتعدى الى الاول بنفسه والى الثانى بحرف الجر وهو كلمة عن او من مذكورة كانت كما فى قولك منعته من الامر او محذوفة كما فى الآية اى من ان يسبح ويقدس ويصلى له فيها { وسعى } اى عمل { فى خرابها } بالهدم والخراب اسم للتخريب كالسلام اسم للتسليم واصله الثلم والتفريق { اولئك } المانعون { ما كان لهم ان يدخلوها الا خائفين } اى ما كان ينبغى لهم ان يدخلوها الا بخشية وخضوع فضلا عن الاجتراء على تخريبها { لهم فى الدنيا خزى } اى خزى فظيع لا يوصف كالقتل والسبى فى حق اهل الحرب والاذلال بضرب الجزية فى حق اهل الذمة او هو فتح مدائنهم قسطنطينية ورومية وعمورية { ولهم فى الآخرة عذاب عظيم } وهو عذاب النار الذى لا ينقطع لما ان سببه ايضا وهو ما حكى من ظلمهم كذلك فى العظم وقيل نزلت الآية فى مشركى العرب الذين منعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدعاء الى الله تعالى بمكة والجأوه الى الهجرة فصاروا بذلك مانعين له عليه السلام ولاصحابه ان يذكروا الله فى المسجد الحرام وايضا انهم صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه عن المسجد الحرام حين ذهب اليه من المدينة عام الحديبية وهى السنة السادسة من الهجرة والحديبية موضع على طريق مكة فعلى هذا يكون المسجد الذى نزلت الآية فيه المسجد الحرام فالمراد بالخراب فى قوله وسعى فى خرابها تعطيلهم المسجد الحرام عن الذكر والعبادة دون تخريبه وهدمه حقيقة وجعل تعطيل المسجد عنهما تخريبا له لان المقصود من بنائه انما هو الذكر والعبادة فيه فما دام لم يترتب عليه هذا المقصود من بنائه صار كأنه هدم وخرب او لم يبن من اصله فان عمارة المسجد كما تكون ببنائه واصلاحه تكون ايضا بحضوره ولزومه يقال فلان يعمر مسجد فلان اذا كان يحضره ويلزمه ويقال لسكان السموات من الملائكة عمارها قال النبى صلى الله عليه وسلم " اذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالايمان ". وذلك لقوله تعالى إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله التوبة 18 فجعل حضور المساجد عمارة لها. قال على رضى الله عنه ست من المروءة ثلاث فى الحضر وثلاث فى السفر * فاما اللاتى فى الحضر فتلاوة كتاب الله تعالى وعمارة مسجد الله واتخاذ الاخوان فى الله واما اللاتي فى السفر فبذل الزاد وحسن الخلق والمزاح فى غير معاصى الله. وعد من علامات الساعة تطويل المنارات وتنقيش المساجد وتزيينها وتخريبها عن ذكر الله تعالى فتعطيل المساجد عن الصلاة والتلاوة واظهار شعائر الاسلام اقبح سيئة لا سيما اذا اقترن بفتح ابواب بيوت الخمر واغلاق ابواب المكاتب وغير ذلك ولقد شوهد هذا فى اكثر البلاد الرومية فى هذا الزمان فلنبك على غربة الدين ايها الاخوان. قال القشيرى رحمه الله ومن اظلم ممن خرب بالشهوات اوطان العبادات وهى نفوس العابدين وخرب بالمنى والعلاقات اوطان المعرفة وهى قلوب العارفين وخرب بالحظوظ والمساكنات اوطان المحبة وهى ارواح الواجدين وخرب بالتفات الى القربات اوطان المشاهدات وهى اوطان الموحدين. ثم فى الآية اشارة الى شرف بيت المقدس والمسجد الحرام وفى الحديث " من زار بيت المقدس محتسبا اعطاه الله ثواب الف شهيد وحرم الله جسده على النار ومن زار عالما فكأنما زار بيت المقدس " كذا فى مشكاة الانوار. وذكر فى القنية ان اعظم المساجد حرمة المسجد الحرام ثم مسجد المدينة ثم مسجد بيت المقدس ثم الجوامع ثم مساجد المحال ثم مساجد الشوارع فانها اخف مرتبة حتى لا يعتكف فيها اذا لم يكن لها امام معلوم ومؤذن ثم مساجد البيوت فانه لا يجوز الاعتكاف فيها الا للنساء انتهى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى لا مقام اشرف من الجامع الكبير ببروسة بعد الكعبة المكرمة والمدينة المنورة والقدس الشريف وقال كان هو موضع بيت عجوز آمنت بنوح النبى عليه السلام فحفظها الله من الطوفان فى ذلك البيت حين لم تدرك السفينة هكذا ظهر لبعض اهل الله بطريق الكشف ومن اشتغل فيه صانه الله من طوفان الغفلة. وقال ايضا الاشغال فى مكة يوما يقوم مقام الاشتغال فى سائر البلاد سنة بشرط رعاية آدابها قال وفى بلادنا للشغل موضعان احدهما جامع السيد البخارى ببلدة بروسة والآخر مقام ابى ايوب الانصارى بقسطنينية عابدان اندر نماز وعارفان اندر نياز عاشقان ازشوق وصل يار در سوز وكداز اللهم اجعلنا من المشغولين بك.

البقرة 2:115

{ ولله المشرق والمغرب } يريد بهما ناحيتى الارض اذ لا وجه لارادة موضعى الشروق والغروب بخصوصهما اى له الارض كلها لا يختص به من حيث الملك والتصرف ومن حيث المحلية لعبادته مكان منها دون مكان فان منعتم ان تصلوا فى المسجد الحرام او الاقصى فقد جعلت لكم الارض مسجدا { فأينما تولوا } اى ففى اى مكان فعلتم تولية وجوهكم القبلة. قال الامام ولى اذا اقبل وولى اذا ادبر وهو من الاضداد والمراد ههنا الاقبال { فثم وجه الله } اى هناك جهته التى امر بها ورضيها قبلة فان امكان التولية غير مختص بمسجد دون مسجد او مكان دون آخر او فثمة ذاته بمعنى الحضور العلمى فيكون الوجه مجازا من قبيل اطلاق اسم الجزء على الكل والمعنى ففى أى مكان فعلتم التولية فهو موجود فيه يمكنكم الوصول اليه اذ ليس هو جوهرا او عرضا حتى يكون بكونه فى جانب مفرغا جانبا ولما امتنع عليه ان يكون فى مكان اريد ان علمه محيط بما يكون فى جميع الاماكن والنواحى اى فهو عالم بما يفعل فيه ومثيب لكم على ذلك وفى الحديث " لو انكم دليتم بحبل الى الارض السفلى لهبط على الله ". معناه ان علم الله شمل جميع الاقطار فالتقدير لهبط على علم الله والله تعالى منزه عن الحلول فى الاماكن لانه كان قبل ان يحدث الاماكن كذا فى المقاصد الحسنة. واعلم ان اين شرط فى الامكنة وهو ههنا منصوب بتولوا وما مزيدة للتأكيد وثم ظرف مكان بمنزلة هناك تقول لما قرب من المكان هنا ولما بعد ثم وهناك وهو خبر مقدم ووجه الله مبتدأ والجملة فى محل الجزم على انها جواب الشرط { ان الله واسع } باحاطته بالاشياء ملكا وخلقا فيكون تذييلا لقوله ولله المشرق والمغرب وكذا ان فسرت السعة بسعة الرحمة فان قوله ولله المشرق والمغرب لما اشتمل على معنى قولنا لا تختص العبادة والصلاة ببعض المساجد بل الارض كلها مسجد لكم فصلوا فى اي بقعة شئتم من بقاعها فهم منه انه واسع الشريعة بالترخيص والتوسعة على عباده فى دينهم لا يضطرهم الى ما يعجزون عن ادائه والمقصود التوسعة على عباده والتيسير عليهم فى كل ما يحتاجون اليه فيدخل فيه التوسعة فى امر القبلة دخولا اولويا وهذا التعميم مستفاد من اطلاق واسع حيث لم يقيد بشئ دون شئ. قال الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى الواسع مشتق من السعة والسعة تضاف مرة الى العلم اذا اتسع واحاط بالمعلومات الكثيرة وتضاف اخرى الى الاحسان وبسط النعم وكيفما قدر وعلى اى شئ نزل فالواسع المطلق هو الله تعالى لانه ان نظر الى علم فلا ساحل لبحر معلوماته بل تنفد البحار لو كانت مدادا لكلماته وان نظر الى احسانه ونعمه فلا نهاية لمقدوراته وكل سعة وان عظمت فتنتهى الى طرف والذى لا يتناهى الى طرف فهو أحق باسم السعة والله تعالى هو الواسع المطلق لان كل واسع بالاضافة الى ما هو أوسع منه ضيق وكل سعة تنتهى الى طرف فالزيادة عليها متصورة وما لا نهاية له ولا طرف فلا يتصور عليه زيادة وسعة العبد فى معارفه واخلاقه فان كثرت علومه فهو واسع بقدر سعة علمه وان اتسعت اخلاقه حتى لم يضيقها خوف الفقر وغيظ الحسود وغلبة الحرص وسائر الصفات المذمومة فهو واسع وكل ذلك فهو الى نهاية وانما الواسع المطلق هو الله تعالى قال فى المنثوى اى سك كركين زشت از حرص وجوش بوستين شير را بر خود مبوش غره شيرت بخواهد امتحان نقش شير وانكه اخلاق سكان { عليم } بمصالحهم واعمالهم كلها وهذا لا يخلو عن افادة التهديد ليكون المصلى على حذر من التفريط والتساهل كما انه يتضمن الوعد بتوفية ثواب المصلين فى جميع الاماكن فقد ظهر ان هذه الآية مرتبطة بقوله تعالى ومن أظلم ممن منع مساجد الله البقرة 114 الآية. وان المعنى ان بلاد الله ايها المؤمنون تسعكم فلا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله ان تولوا وجوهكم نحو قبلة الله اينما كنتم من ارضه. وقال مجاهد والحسن لما نزل وقال ربكم ادعونى أستجب لكم غافر 60قالوا اين ندعوه فأنزل الله { ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فيم وجه الله } بلا جهة وتحيز. ان قيل ما معنى رفع الايدى الى السماء عند الدعاء مع انه تعالى منزه عن الجهة والمكان قلنا ان الانبياء والاولياء قاطبة فعلوا كذلك لا بمعنى ان الله فى كل مكان بل بمعنى ان خزائنه تعالى فى السماء كما قال تعالى وفى السماء رزقكم وما توعدون الذاريات 22. وقال تعالى وإن من شئ إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم الحجرات 21. فالعرش مظهر لاستواء الصفة الرحمانية فرفع الايدى اذا الى السماء والنظر اليها وقت الدعاء بمنزلة ان يشير سائل الى الخزينة السلطانية ثم يطلب من السلطان ان يعطى له عطاء من تلك الخزينة يروى ان امام الحرمين رفع الله درجته فى الدارين نزل ببعض الاكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والاكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه تعالى عن المكان وهو قال الرحمن على العرش استوى طه 5 فقال الدليل عليه قول يونس عليه السلام فى بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين الأنبياء 87. فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام ههنا فقير مديون بالف درهم اد عنه دينه حتى ابينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذهب فى المعراج الى ما شاء من العلى قال " لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك ". ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين الأنبياء 87. فكل منهما خاطبه بقوله انت وهو خطاب الحضور فلو كان هو فى مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان وفى الحديث " لا تفضلونى على يونس بن متى فانه رأى فى بطن الحوت ما رأيته فى اعلى العرش ". يشير عليه السلام بذلك الى ما وقع له وليونس عليه السلام من تجلى الذات وقيل نزلت الآية لما طعن اليهود فى نسخ القبلة روى انه عليه السلام كان يصلى بمكة مع اصحابه الى الكعبة فلما هاجر الى المدينة امره الله ان يصلى نحو بيت المقدس ليكون أقرب الى تصديق اليهود فصلى نحوه ستة عشر شهرا وكان يقع فى روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة ابيه ابراهيم واقدم القبلتين وادعى للقرب الى الايمان كما قال الله تعالى قد نرى تقلب وجهك فى السماء فلنولينك قبلة ترضاها البقرة 144. وذلك فى مسجد بنى سلمة فصلى الظهر ولما صلى الركعتين نزل قوله تعالى فول وجهك شطر المسجد الحرام البقرة 144. فتحول فى الصلاة فسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين فلما تحولت القبلة انكر من أنكر فكان هذا ابتلاء من الله تعالى كما قال تعالى وما جعلنا القبلة التى كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله البقرة 143 اللهم اهدنا وسددنا وثبت اقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فللمؤمن حقا ان يعتصم بالله ويدور مع الامر الالهى حيث يدور ويتبع الرسل ولا يتبع عقله العاجز وفهمه القاصر ويتعلم الادب من معدن الرسالة حيث لم يسأل تحويل القبلة بل انتظر الى امر الله فاكرمه الله باعطاء مرامه وفضله على سائر الانبياء عليهم الصلاة والسلام. اعلم ان الذين شقت عليهم التحويلة طائفتان محجوبتان بالخلق عن الحق. اما الطائفة الاولى فقد عرفت ان التحويلة من الكعبة الى بيت المقدس كانت صورة العروج من مقام المكاشفة اعنى مقام القلب الى مقام المشاهدة اعنى مقام الروح فحسبوا التحويلة من بيت المقدس الى الكعبة بعد ابعد القرب ونزولا بعد العروج وظنوا ضياع السعى الى المقام الاشرف والسقوط عن الرتبة فشق عليهم ولم يعلموا انه صورة الرجوع الى مقام القلب حالة التمكين للدعوة ومشاهدة الجمع فى عين التفصيل والتفصيل فى عين اجمع حتى لا يحتجب العبد بالوحدة عن الكثرة ولا بالكثرة عن الوحدة. واما الطائفة الثانية فتقيدوا بصورة عملهم ولم يعرفوا حكمة التحويلة فحسبوا صحة العبادة الثانية دون الاولى فشق عليهم ضياعها على ما توهموا واما الذين سبقت لهم من الله الحسنى فلم يحتجبوا بحجاب واهتدوا الى ما هو الصواب فوصلوا الى التوحيد الذاتى المحمدى اللهم اجعلنا من المهتدين واحشرنا مع الانبياء والمرسلين. وقال اهل التأويل { ولله المشرق والمغرب } اى عالم النور والظهور الذى هو جهة النصارى وقبلتهم بالحقيقة باطنه وعالم الظلمة والاختفاء الذى هو جهة اليهود وقبلتهم بالحقيقة ظاهره { فأينما تولوا } اى أى جهة توجهوا من الظاهر والباطن { فثم وجه الله } اى ذاته المتجلية بجميع صفاته الجمالية والجلالية اذ بعد الاشراق على قلوبكم بالظهور فيها والتجلى لها بصفة جماله حالة شهودكم وفنائكم فيه والقروب فيها بتستره واحجابه بصفة جلاله حالة بقائكم بعد الفناء فأى جهة توجهوا حينئذ فثم وجهه ليس الا هو وحده قال الحافظ ميان كعبه وتبخانه هيج فرقى نيست بهر طرف كه نظر ميكنى برابر اوست واعلم ان شهود الحق بالخلق وشهود الخلق بالحق من غير احتجاب باحدهما عن الآخر هو مقام جمع الجمع والبقاء وذلك لا يحصل الا بالتجلى العينى بعد العلمى. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره واذا امر بالارشاد يعود لخدمة الحق ألا يرى ان موسى عليه السلام لما وصل الى الطور لاقتباس النار لاهله نودى يا موسى إنى أنا ربك طه 11-12. فتجلى الربوبية اولا ثم قيل فاخلع نعليك طه 12. وهما الطبيعة والنفس امر بتركهما ثم قيل وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى إننى أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدنى طه 13-14 فتجلى الالوهية ثم بعدهما تجلى الذات وامر بارشاد فرعون فترك اهله هناك ولم يلتفت وجاء الى فرعون وكان دخوله بمصر فى نصف الليل فدق باب فرعون بعصاه امتثالا لامر الله تعالى قيل انه شابت لحية فرعون فى ذلك الوقت بمهابة دقه فقال أكنت وليدا مربى عندنا قال موسى نعم ولذلك دعوتك قبل الكل لسبق حقك على رعاية له فأرادوا قتله فألقى عصاه فصارت ثعبانا مبينا فبينا عزم على ابتلاعهم فاستأمنوا فأعطاهم الامان وكان يريد ان يؤمن ولكنه منعه هامان فبعد دعوة فرعون جاء الى اهله فوجدها قد وضعت الحمل فاحاطتها ذئاب من اطرافها لمحافظتها فلم يقدر ان يمر من هنا مار فانظر الى قدرة الله تعالى روى ان الامام الاعظم والهمام الاقدم رحمه الله لم يشتغل بالدعوة الى مذهبه الا بالاشارة النبوية فى المنام بعد ما قصد الانزواء فهذا اعدل دليل الى وصوله الى الحقيقة وكان يقوم كل الليل وسمع رحمه الله هاتفا فى الكعبة ان يا أبا حنيفة اخلصت خدمتى واحسنت معرفتى فقد غفرت لك ولمن تبعك الى قيام الساعة كذا فى عين العلم للشيخ محمد البلخى رحمه الله. وعن بعض العارفين قبلة البشر الكعبة وقبلة اهل السماء البيت المعمور وقبلة الكروبيين الكرسى وقبلة حملة العرش العرش ومطلوب الكل وجه الله سبحانه وتعالى.

البقرة 2:116

{ وقالوا } نزلت لما قالت اليهود عزير ابن الله والنصارى المسيح ابن الله ومشركوا العرب الملائكة بنات الله فضمير قالوا راجع الى الفرق الثلاث المذكورة سابقا اما اليهود والنصارى فقد ذكروا صريحا واما المشركون فقد ذكروا بقوله تعالى كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم البقرة 113 اى قال اليهود والنصارى وما شاركهم فيما قالوا من الذين لا يعلمون { اتخذ الله ولدا } الاتخاذ بمعنى الصنع والعمل فلا يتعدى الا الى واحد واما بمعنى التصيير والمفعول الاول محذوف اى صير بعض مخلوقاته ولدا وادعى انه ولده لا انه ولده حقيقة وكما يستحيل عليه تعالى ان يلد حقيقة كذا يستحيل عليه تعالى التبنى واتخاذ الولد فنزه الله تعالى نفسه عما قالوا فى حقه فقال { سبحانه } تنزيهه والاصل سبحه سبحانا على انه مصدر بمعنى التسبيح وهو التنزيه اى منزه عن السبب المقتضى للولد وهو الاحتياج الى من يعينه فى حياته ويقوم مقامه بعد مماته وعما يقتضيه الولد وهو التشبيه فان الولد لا يكون الا من جنس والده فكيف يكون للحق سبحانه ولد وهو لا يشبهه شئ قال فى المثنوى لم يلد لم يولداست او از قدم نى بدر دارد نه فرزند و نه عم { بل له ما فى السموات والارض } رد لما قالوه واستدلال على فساده فان الاضراب عن قول المبطلين معناه الرد والانكار. وفى الوسيط بل اى ليس الامر كما زعموا والمعنى انه خالق ما فى السموات والارض جميعا الذى يدخل فيه الملائكة وعزير والمسيح دخولا اوليا فكان المستفاد من الدليل امتناع ان يكون شئ ما مما فى السموات والارض ولدا سواء كان ذلك ما زعموا انه ولد له ام لا { كل } اى كل ما فيهما كائنا ما كان من اولى العلم وغيرهم { له } اى لله سبحانه وتعالى { قانتون } منقادون لا يمتنع شئ منهم على مشيئته وتكوينه وكل ما كان بهذه الصفة لم يجانس مكونه الواجب لذاته فلا يكون له ولد لانه من حق الولد ان يجانس والده وانما عبر عن جميع الموجودات اولا بما يعبر به عن غير ذوى العلم وعبر عنه آخر بما يختص بالعقلاء وهو لفظ قانتون تحقيرا لشأن العقلاء الذين جعلوه ولدا لله سبحانه.

البقرة 2:117

{ بديع السموات والارض } اى هو مبدعهما على ان البديع بمعنى المبدع وهو الذى يبدع الاشياء اى يحدثها او ينشئها على غير مثال سبق والابداع اختراع الشئ لا عن شئ دفعة اى من غير مادة ومدة وسمى صاحب الهوى مبتدعا لما لم يسبقه احد من ارباب الشرع فى انشاء مثل ما فعله او المعنى بديع سمواته وارضه فعلى الاول من ابدع والاضافة معنوية وعلى الثانى من بدع اذا كان على شكل فائق وحسن رائق والاضافة لفظية وهو حجة اخرى لابطال مقالتهم الشنعاء تقريرها ان الوالد عنصر الولد المنفعل بانفصال مادته عنه والله تعالى مبدع الاشياء كلها على الاطلاق منزه عن الانفعال فلا يكون والدا ومن قدر على خلق السموات والارض من غير شئ كيف لا يقدر على خلق عيسى من غير اب { واذا قضى امرا } اى اراد شيأ واصل القضاء الاحكام اطلق على ارادة الآلهية المتعلقة بوجود الشئ لايجابها اياه البتة { فانما يقول له كن فيكون } اى يحصل فى الوجود سريعا من غير توقف ولا اباء كلاهما من كان التامة اى احدث فيحدث. واعلم ان اهل السنة لا يرون تعلق وجود الاشياء بهذا الامر وهو كن بل وجودها متعلق بخلقه وايجاده وتكوينه وهو صفة ازلية وهذا الكلام عبارة عن سرعة حصول المخلوق بايجاده وكمال قدرته على ذلك لكن لا يتعلق علم احد بكيفية تعلق القدرة بالمعدومات فيجب الامساك عن بحثها وكذا عن بحث كيفية وجود البارى وكيفية العذاب بعد الموت وامثالها فانها من الغوامض. ثم اعلم ان السبب فى هذه الضلالة وهى نسبة الولد الى الله والقول بانه اتخذ ولدا ان ارباب الشرائع المتقدمة كانوا يطلقون على البارى تعالى اسم الاب وعلى الكبير منهم اسم الاله حتى قالوا ان الاب هو الرب الاصغر وان الله تعالى هو الاب الاكبر وكانوا يريدون بذلك انه تعالى هو السبب الاول فى وجود الانسان وان الاب هو السبب الاخير فى وجوده فان الاب هو معبود الابن من وجه اى مخدومه ثم ظنت الجهلة منهم ان المراد به معنى الولادة الطبيعية فاعتقدوا ذلك تقليدا ولذلك كفر قائله ومنع منه مطلقا اى سواء قصد به معنى السببية او معنى الولادة الطبيعية حسما لمادة الفساد واتخاذ الحبيب او الخليل جائز من الله تعالى لان المحبة تقع على غير جوهر المحب. قالوا اوحى الله تعالى الى عيسى عليه السلام ولدتك وانت نبى فخفف النصارى التشديد الذى فى ولدتك لانه من التوليد وصحفوا بعض اعجام النبى بتقديم الباء على النون فقالوا ولدتك وانت بنيي تعالى الله عما يقول الظالمون وقال تعالى يا احبارى ويا ابناء رسلى فغيره اليهود وقالوا يا احبائى ويا ابنائى فكذبهم الله بقوله وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبك بذنوبكم المائدة 18. فالله سبحانه منزه عن الحدود والجهات ومتعال عن الازواج والبنين والبنات ليس كمثله شئ فى الارض ولا فى السموات قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى " كذبنى ابن آدم ". اى نسبنى الى الكذب " ولم يكن له ذلك ". اى لم يكن التكذيب لائقا به بل كان خطأ " وشتمنى ولم يكن له ذلك فاما تكذيبه اياى فزعم ان لا اقدر ان اعيده كما كان واما شتمه اياى فقوله لى ولد فسبحانى ان اتخذ صاحبة اوولدا ". وانما كان هذا شتما لان التولد هو انفصال الجزء عن الكل بحيث ينمو وهذا انما يكون فى المركب وكل مركب محتاج. فان قلت قولهم اتخذ الله تكذيب ايضا لانه تعالى اخبر انه لا ولد له وقولهم لن يعيدنا شتم ايضا لانه نسبة له الى العجز فلم خص احدهما بالشتم والآخر بالتكذيب. قلت نفى الاعادة نفى صفة كمال واتخاذ الولد اثبات صفة نقصان له والشتم افحش من التكذيب والكذب على الله فوق الكذب على النبى عليه السلام وفى الحديث " ان كذبا على ليس ككذب على احد ". يعنى الكذب على النبى اعظم انواع الكذب سوى الكذب على الله لان الكذب على النبى يؤدى الى هدم قواعد الاسلام وافساد الشريعة والاحكام " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ". فعلى المؤمن ان يجتنب عن الزيغ والضلال واشنع الفعال واسوأ المقال وان يداوم على التوحيد فى الاسحار والآصال الى ان لا يبقى للشرك الخفى ايضا مجال وفى الحديث " لو يعلم الامير ماله فى ذكر الله لترك امارته ولو يعلم التاجر ماله فى ذكر الله لترك تجارته ولو ان ثواب تسبيحة قسم على اهل الارض لأصاب كل واحد منهم عشرة اضعاف الدنيا ". وفى الحديث " للمؤمن حصون ثلاثة ذكر الله وقراءة القرآن والمسجد ". والمراد بالمسجد مصلاه سواء كان فى بيته او فى الخارج ولا بد من الصدق والاخلاص حتى يظهر اثر التوحيد فى الملك والملكوت قال فى المثنوى هست تسبيحت بخار آب وكل مرغ جنت شد زنفخ صدق دل اللهم اوصلنا الى اليقين وهيئ لنا مقاما من مقامات التمكين آمين.

البقرة 2:118

{ وقال الذين لا يعلمون } اى مشركوا العرب الجاهلون حقيقة او اهل الكتاب المتجاهلون ونفى عنهم العلم لعدم انتفاعهم بعلمهم لان المقصود هو العمل { لولا يكلمنا الله } لولا هنا للتحضيض وحروف التحضيض اذا دخلت على المضى كان معناها التوبيخ واللوم على ترك الفعل بمعنى لم لم يفعله ومعناها فى المضارع تحضيض الفاعل على الفعل والطلب له فى المضارع بمعنى الامر والمعنى هلا يكلمنا الله عيانا بانك رسوله كما يكلم الملائكة بلا واسطة او يرسل الينا ملكا ويكلمنا بواسطة ذلك الملك انك رسوله كما كلم الانبياء عليهم الصلاة والسلام على هذا الوجه وهذا القول من الجهلة استكبار يعنون به نحن عظماء كالملائكة والنبيين فلم اختصوا به دوننا { او } للتخيير { تأتينا آية } حجة تدل على صدقك وهذا جحود منهم لان يكون ما أتاهم من القرآن وسائر المعجزات آيات والجحود هو الانكار مع العلم والعجب انهم عظموا انفسهم وهى احقر الاشياء واستهانوا بآيات الله وهى اعظمها { كذلك قال الذين من قبلهم } من الامم الماضية { مثل قولهم } فقال اليهود لموسى عليه السلام ارنا الله جهرة ولن نصبر على طعام واحد ونحوه وقال النصارى لعيسى عليه السلام هل يستطيع ربك ان ينزل علينا مائدة من السماء ونحوه وقوله كذلك قال مع قوله مثل قولهم على تشبيهين تشبيه المقول بالمقول فى المؤدى والمحصول وتشبيه القول بالقول فى الصدور بلا رؤية بل بمجرد التشهى واتباع الهوى والاقتراح على سبيل التعنت والعناد لا على سبيل الارشاد وقصد الجدوى والكاف فى كذلك منصوب المحل على انه مفعول قال وقوله مثل قولهم مفعول مطلق اى قال كفار الامم الماضية مثل ذلك القول الذى قالوه قولا مثل قولهم فيما ذكر فظهر ان احد التشبيهين لا يغنى عن الآخر { تشابهت قلوبهم } اى تماثلت قلوب هؤلاء ومن قبلهم فى العمى والقسوة والعناد وهو استئناف على وجه تعليل تشابه مقالتهم بمقالة من قبلهم فان الالسنة ترجمان القلوب والقلب ان استحكم فيه الكفر والقسوة والعمى والسفه والعناد لا يجرى على اللسان الا ما ينبئ عن التعلل والتباعد عن الايمان كما قيل مرد بنهان بود بزير زبان جون بكويد سخن بدانندش خوب كويد لبيب كويندش زشت كويد سفيه خوانندش { قد بينا الآيات } اى نزلناها بينة بان جعلناها كذلك فى انفسها كما فى قولهم سبحان من صغر البعوض وكبر الفيل لا انا بيناها بعد ان لم تكن بينة { لقوم يوقنون } اى يطلبون اليقين واليقين ابلغ العلم واوكده بان يكون جازما اى غير محتمل للنقيض وثابتا اى غير زائل بالتشكيك بعد ان يكون مطابقا للواقع فالايقان هنا مجاز عن طلب اليقين على طريق ذكرالمسبب وارادة السبب ولا بعد فى نصب الدلائل لطلاب اليقين ليحصلوه بها وانما حمل على المجاز لان الموقن بالمعنى المذكور لا يحتاج الى نصب الدلائل وبيان الآيات فبيان الآيات له طلب لتحصيل الحاصل.

البقرة 2:119

{ إنا أرسلناك } حال كونك ملتبسا { بالحق } مؤيدا به والمراد الحجج والآيات وسميت به لتأديتها الى الحق { بشيرا } حال كونك مبشرا لمن تبعك بما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب احد { ونذيرا } اى منذرا ومخوفا لمن كفر بك وعصاك والمعنى ان شأنك بعد اظهار صدقك فى دعوى الرسالة بالدلائل والمعجزات ليس الا الدعوة والابلاغ بالتبشير والانذار لا ان تجبرهم على القبول والايمان فلا عليك ان أصروا على الكفر والعناد فان الاحوال اوصاف لذى الحال والاوصاف مقيدة للموصوف { ولا تسئل عن اصحاب الجحيم } ما لهم لم يؤمنوا بعد ان بلغت والجحيم المكان الشديد الحر وقرئ ولا تسأل فتح التاء وجزم اللام على انه نهى لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن السؤال عن حال ابويه على ما روى انه عليه السلام قال " ليت شعرى ما فعل ابواى ". اى ما فعل بهما والى اى حال انتهى امرهما فنزلت. واعلم ان السلف اختلفوا فى ان ابوى النبى صلى الله عليه وسلم هل ماتا على الكفر او لا ذهب الى الثانى جماعة متمسكين بالادلة على طهارة نسبه عليه الصلاة والسلام من دنس الشرك وشين الكفر وعبادة قريش صنما وان كانت مشهورة بين الناس لكن الصواب خلافه لقول ابراهيم عليه السلام واجنبني وبنى أن نعبد الأصنام إبراهيم 35. وقوله تعالى فى حق ابراهيم وجعلها كلمة باقية فى عقبه الزخرف 28. وذهب الى الاول جمع منهم صاحب التيسير حيث قال ولما امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبشير المؤمنين وانذار الكافرين كان يذكر عقوبات الكفار فقام رجل فقال يا رسول الله اين والدى فقال فى النار فحزن الرجل فقال عليه السلام " ان والديك ووالدى ووالدى ابراهيم فى النار " فنزل قوله تعالى { ولا تسئل عن أصحاب الجحيم } البقرة 119. فلم يسألوه شيأ بعد ذلك وهو كقوله لا تسئلوه عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم المائدة 101. وذهب نفر من هذا الجمع بنجاتهما من النار منهم الامام القرطبى حيث قال فى التذكرة ان عائشة رضى الله عنها قالت حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فبكيت لبكاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انه ظفر فنزل فقال " يا حميراء استمسكى ". اى زمام الناقة فاستندت الى جنب البعير فمكث عنى طويلا ثم انه عاد الى وهو فرح متبسم فقلت له بأبى انت وامى يا رسول الله نزلت من عندى وانت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك يا رسول الله ثم انك عدت الى وانت فرح متبسم فعماذا يا رسول الله فقال " ذهبت لقبر آمنة امى فسألت الله ربى ان يحييها فاحياها فآمنت ". وروى ان الله احيى له اباه وامه وعمه ابا طالب وجده عبد المطلب قال الحافظ شمس الدين الدمشقى حبا الله النبى مزيد فضل على فضل وكان به رؤوفا فاحيى امه وكذا اباه لايمان به فضلا لطيفا فسلم فالقديم به قدير وان كان الحديث به ضعيفا وفى الاشباه والنظائر من مات على الكفر ابيح لعنه الا والدى رسول الله صلى الله عليه وسلم لثبوت ان الله تعالى احياهما له حتى آمنا كذا فى مناقب الكردرى * وذكر ان النبى عليه السلام بكى يوما بكاء شديدا عند قبر ابويه وغرس شجرة يابسة وقال " ان خضرت فهو علامة امكان ايمانهما ". فاخضرت ثم خرجا من قبرهما ببركة دعاء النبى صلى الله عليه وسلم واسلما ثم ارتحلا. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ومما يدل على ذلك ان اسم ابيه كان عبد الله والله من الاعلام المختصة بذاته تعالى لم يسم به صنم فى الجاهلية فان اسم بعض اصنامهم اللات وبعضها العزى انتهى كلامه وليس احياهما وايمانهما به ممتنعا عقلا ولا شرعا وقد ورد فى الكتاب احياء قتيل بنى اسرائيل واخباره بقاتله وكان عيسى عليه السلام يحيى الموتى وكذلك نبينا عليه السلام احيى الله على يديه جماعة من الموتى واذا ثبت هذا فما يمنع من ايمانهما بعد احيائهما زيادة فى كرامته وفضيلته وما روى من انه عليه السلام زار قبر امه فبكى وابكى من حوله فقال " استأذنت فى ان استغفر لها فلم يؤذن لى واستأذنت فى ان ازور قبرها فاذن لى فزوروا القبور فانها تذكركم الموت ". فهو متقدم على احيائهما لانه كان فى حجة الوداع ولم يزل عليه السلام راقبا فى المقامات السنية صاعدا فى الدركات العلية صاعدا فى الدرجات العلية الى ان قبض الله روحه الطاهرة فمن الجائز ان تكون هذه درجة حصلت له عليه السلام بعد ان لم تكن. فان قلت الايمان لا يقبل عند المعاينة فكيف بعد الاعادة. قلت الايمان عند المعاينة ايمان يأس فلا يقبل بخلاف الايمان بعد الاعادة وقد دل على هذا ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه الأنعام 28. وورد ان اصحاب الكهف يبعثون فىآخر الزمان ويحجون ويكونون من هذه الامة تشريفا لهم بذلك وورد مرفوعا " اصحاب الكهف اعوان المهدى فقد اعتد بما يفعله اصحاب الكهف بعد احيائهم من الموت ". ولا يمنع ان يكون الله تعالى كتب لابوى النبى عمرا ثم قبضهما قبل استيفائه ثم اعادهما لاستيفائه تلك اللحظة الباقية وآمنا فيها فيعتد به وتكون تلك البقية بالمدة الفاصلة بينهما لاستدراك الايمان من جملة ما اكرم الله تعالى به نبيه صلى الله عليه وسلم كما ان تأخير اصحاب الكهف هذه المدة من جملة ما اكرموا به ليجوزوا شرف الدخول فى هذه الامة. وذهب خاتمة الحافظ والمحدثين الامام السخاوى فى هذه المسئلة الى التوقف حيث قال فى المقاصد الحسنة بعدما اورد الشعر المذكور للحافظ الدمشقى وقد كتبت فيه جزأ والذي اراه الكف عن التعرض لهذا اثباتا ونفيا انتهى. وسئل القاضى ابو بكر ابن العربى احد الائمة المالكية عن رجل قال ان آباء النبى عليه السلام فى النار فأجاب بانه ملعون لان الله تعالى يقول ان الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله فى الدنيا والآخرة الإحزاب 57. وفى الحديث " لا تؤذوا الاحياء بسبب الاموات ". وسئل الامام الرستغفى عن قول بعض الناس ان آدم عليه السلام لما بدت منه تلك الزلة اسود منه جميع جسده فلما هبط الى الارض امر بالصيام والصلاة فصام وصلى فابيض جسده أيصح هذا القول قال لا يجوز فى الجملة القول فى الانبياء عليهم السلام بشئ يؤدى الى العيب والنقصان فيهم وقد امرنا بحفظ اللسان عنهم لان مرتبتهم ارفع وهم على الله اكرم وقد قال عليه السلام " اذا ذكرت اصحابى فأمسكوا ". فلما امرنا ان لا نذكر الصحابة رضى الله عنهم بشئ يرجع الى العيب والنقص فلأن نمسك ونكف عن الانبياء اولى واحق فحق المسلم ان يمسك لسانه عما يخل بشرف نسب نبينا عليه السلام ليست من الاعتقاديات فلا حظ للقلب منها واما اللسان فحقه ان يصان عما يتبادر منه النقصان خصوصا الى وهم العامة لانهم لا يقدرون على دفعه وتداركه فهذا هو البيان الشافى فى هذا الباب بطرقه المختلفة التقطته من الكتب النفيسة وقرنت كل نظير الى مثله والحمد لله تعالى وحده.

البقرة 2:120

{ ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم } اقناط له عليه السلام من طمعه فى اسلامهم حيث علق رضاهم عنه بما لا سبيل اليه وما يستحيل وجوده واذا لم يرضوا عنه فكيف يتبعون ملته اى دينه اى لن ترضى عنك اليهود الا بالتهود والصلاة الى قبلتهم وهى المغرب ولا النصارى الا بالتنصر والصلاة الى قبلتهم وهى المشرق ووحد الملة لان الكفر ملة واحدة وهذه حكاية لمقالتهم بان قالوا لن نرضى عنك حتى تتبع ملتنا وادعوا بتلك المقالة ان ملتهم هى الهدى لا ما سواها فامره الله تعالى بقوله { قل } ان يرد عليهم بطريق قصر القلب ويقول { إن هدى الله } الذى هو الاسلام { هو الهدى } الى الحق لا ما تدعون اليه من الملة الزائغة فانها هوى كما يعرب عنه قوله تعالى { ولئن اتبعت اهواءهم } اى آراءهم الزائغة الصادرة عنهم بقضية شهوات انفسهم وهى التى عبر عنها فيما قبل بملتهم اذ هى التى ينتمون اليها. واما ما شرعه الله من الشريعة على لسان الانبياء عليهم السلام وهو المعنى الحقيقى للملة فقد غيروها تغييرا والاهواء جمع هوى وهو رأى عن شهوة داع الى الضلال وسمى بذلك لانه يهوى بصاحبه فى الدنيا الى كل واهية وفى الآخرة الى الهاوية وانما قال اهواءهم بلفظ الجمع ولم يقل هواهم تنبيها على ان لكل واحد هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد منهم لا يتناهى فلذلك اخبر انه لا يرضى الكل الا باتباع اهواء الكل. واعلم ان الطريقة المشروعة تسمى ملة باعتبار ان الانبياء الذين اظهروها قد املوها وكتبوها لامتهم كما انها تسمى دينا باعتبار طاعة العباد لمن سنها وانقيادهم لحكمه وتسمى ايضا شريعة باعتبار كونها موردا للمتعطشين الى زلال ثوابه ورحمته والخطاب فى قوله ولئن اتبعت متوجه الى النبى عليه السلام فى الحقيقة. وما قيل من انه تعالى حكم بعصمة الانبياء وعلم منهم انهم لا يعصون له ولا يخالفون امره ولا يرتكبون ما نهى عنه فكانت عصمتهم واجبة فلا وجه لتحذيرهم عن اتباع هوى الكفرة فوجب ان يكون التحذير متوجها الى الامة لا الى انفسهم. فالجواب عنه ان التكليف والتحذير انما يعتمد على كون المكلف به محتملا ومتصورا فى ذاته من حيث تحقق ما يتوقف عليه وجوده من الآلات والقوى والامتناع الحاصل من حكمه تعالى بعصمتهم وعلمه بها امتناع بالغير وهو لا ينافى الامكان الذاتى هو شرط التكليف والتحذير { بعد الذى جاءك من العلم } اى القرآن الموحى اليك وهو حال من ضمير جاءك { مالك من الله } اى من جهته العزيزة وهو جواب لئن { من ولى } اى قريب ينفعك من الولى وهو القرب { ولا نصير } يدفع عنك عقابه والفرق بين الولى والنصير العموم والخصوص من وجه لان الولى قد يضعف عن النصرة والنصير قد يكون اجنبيا عن المنصور كما يكون من اقرباء المنصور وهو مادة اجتماعهما وقوله من ولى مرفوع على الابتداء ولك خبره ومن صلة وقوله من الله منصوب المحل على انه حال لانه لما كان متقدما على قوله من ولى امتنع ان يكون صفة له ونظيره قوله لعزة موحشا طلل قديم ولما ذكر قبائح المتعنتين الطالبين للرياسة من اليهود والنصارى اتبع ذلك بمدح من ترك طريق التعنت وحب الرياسة منهم وطلب مرضاة الله وحسن ثواب الآخرة وآثره على الحظوظ العاجلة الفانية فقال تعالى.

البقرة 2:121

{ الذين آتيناهم الكتاب } يريد مؤمنى اهل الكتاب كعبدالله بن سلام واصحابه من الذين اسلموا من اليهود وانما خصهم بذكر الايتاء لانهم هم الذين عملوا به فخصوا به والكتاب التوراة { يتلونه حق تلاوته } بمراعاة لفظه عن التحريف وبالتدبر فى معانيه والعمل بما فيه وهو حال مقدرة من الضمير المنصوب فى آتيناهم او من الكتاب لانهم لم يكونوا تالين له وقت الاتيان. وقوله حق تلاوته نعت لمصدر محذوف دل عليه الفعل المذكور اى يتلونه تلاوة حق تلاوته واختار الكواشى كونه منصوبا على المصدرية على تقدير تلاوة حقا فان نعت المصدر اذا قدم عليه واضيف اليه نصب نصب المصادر نحو ضربت اشد الضرب بنصب اشد على المصدرية { أولئك } الموصوفون بايتاء الكتاب وتلاوته كما هو حقه وهو مبتدأ ثان خبره قوله تعالى { يؤمنون به } اى بكتابهم دون المحرفين فان بناء الفعل على المبتدأ وان كان اسما ظاهرا يفيد الحصر مثل الله يستهزئ بهم { ومن يكفر به } اى بالكتاب سواء كان كفره بنفس التحريف او بغيره كالكفر بالكتاب الذى يصدقه { فأولئك هم الخاسرون } اى الهالكون المغبونون حيث اشتروا الكفر بالايمان.

البقرة 2:122

{ يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم } ومن جملتها التوراة وذكر النعمة انما يكون بشكرها وشكرها الايمان بجميع ما فيها ومن جملته نعت النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ومن ضرورة الايمان بها الايمان به صلى الله عليه وسلم { و } اذكروا { انى فضلتكم على العالمين } اى عالمى زمانكم.

البقرة 2:123

{ واتقوا } ان لم تؤمنو { يوما } اى عذاب يوم وهو يوم القيامة { لا تجزى } تقول جزى عنى هذا الامر يجزى كما تقول قضى عنى يقضى وزنا ومعنى اى لا تقضى فى ذلك اليوم { نفس } من النفوس { عن نفس } اخرى { شيئا } من الحقوق التى لزمتها اى لا تقضى نفس ليس عليها شئ من الحقوق التى وجبت على نفس اخرى اى لا تؤخذ نفس بذنب اخرى ولا تدفع عنها شيأ واما اذا كان عليها شئ فانها تجزى وتقضى بغير اختيارها بمالها من حسناتها ما عليها من الحقوق كما جاء فى حديث ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من كانت له مظلمة لاخيه من عرض او غيره فليستحلل منه اليوم قبل ان لا يكون دينار ولا درهم ان كان له عمل صالح اخذ منه بقدر مظلمته وان لم يكن له حسنات اخذ من سيآت صاحبه فحمل عليه ". { ولا يقبل منها } اى من النفس الاولى { عدل } اى فداء وهو بفتح العين الفدية وهى ما يماثل الشىء قيمة وان لم يكن من جنسه والعدل بالكسر ما يساوى الشىء فى الوزن والجرم من جنسه والمعنى لا يؤخذ منها فدية تنجو بها من النار ولا تجد ذلك لتفتدى به وسميت الفدية عدلا لانها تعادل ما يقصد انقاذه وتخليصه يقال فداه اذا اعطى فداءه فانقذ { ولا تنفعها شفاعة } ان شفعت للنفس الثانية { ولا هم ينصرون } اى يمنعون من عذاب الله تعالى. واعلم ان المستوجب للعذاب يخلص منه فى الدنيا باحد اربعة امور اما بان ينصره ناصر قوى فيخلصه ويدفع العذاب عنه قهرا او بان يفديه اى بان يعطى احد اشياء غير ما عليه من الحق وذلك الشىء هو الفدية وهو الفداء فانقذه به فالله تعالى بين هول يوم القيامة بان نفى ان يدفع العذاب احد عن احد بشىء من هذه الوجوه المحتملة فى الدنيا قال السعدى قدس سره قيامت كه نيكان باعلى رسند ز قعر ثرى بر ثريا رسند ترا خود بماند سر ازننك بيش كه كردت بر آيد عملهاىخويش برادر ز كار بدان شرم دار كه در روى نيكان شوى شرمسار دران روز كزفعل برسند وقول اولو العزم را تن بلرزد زهول بجايى كه دهشت خورد انبيا تو عذر كنه را جه دارى بيا ثم اعلم ان الله تعالى بدأ قصة بنى اسرائيل بهاتين الآيتين ففى الآية الاولى تذكير النعمة وفى الاخرى تخويف العقوبة وبهما ختم القصة مبالغة فى النصح وايذانا بان المقصود من القصة ذلك ودل قوله تعالى ولئن اتبعت أهوائهم البقرة 120. على قبح الصحبة باهل الهوى والبدع والاتباع لهم فى اقوالهم وافعالهم وفى الحديث " من اتبع قوما على اعمالهم حشر فى زمرتهم ". اى فى جماعتهم " وحوسب يوم القيامة بحسابهم وان لم يعمل باعمالهم ". وربما يكون للانسان شركة اى فى اثم القتل والزنى وغيرهما اذا رضى به من عامل واشتد حرصه على فعله وفى الحديث " من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن حضرها ". وحضور مجلس المعصية اذا كان لحاجة او لاتفاق جريانها بين يديه ولا يمكن دفعها فغير ممنوع واما الحضور قصدا فممنوع. ومن سنة السلف الصالحين الانقطاع عن مجالس اهل اللغو واللهو والمجانبة عن اتباع اهل الهوى والبدع. وروى ان ابن المبارك رؤى فى المنام فقيل له ما فعل ربك بك فقال عاتبنى وأوقفنى ثلاثين سنة بسبب انى نظرت باللطف يوما الى مبتدع فقال انك لم تعاد عدوى فى الدين فكيف حال القاعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين والمتمسك بسنة سيد المرسلين عند فساد الخلق واختلاف المذاهب والملل كان له اجر مائة شهيد وفى الحديث " سيأتى على الناس زمان تخلق فيه سنتى وتتجدد فيه البدعة فمن اتبع سنتى يومئذ صار غريبا وبقى وحيدا ومن اتبع بدع الناس وجد خمسين صاحبا او اكثر ". وللصحبة تأثير عظيم كما قيل عدوى البليد الى الجليد سريعة والجمر يوضع فى الرماد فيخمد قال الحافظ نخست موعظه بير مجلس اين حرفست كه از مصاحب ناجنس احتراز كنيد

البقرة 2:124

{ واذ ابتلى ابراهيم } قال القرطبى فى تفسيره تفسيره بالسريانية فيما ذكره المارودى وبالعربية فيما حكى ابن عطية اب رحيم. قال السهيلى وكثيرا ما يقع الاتفاق بين السريانى والعربى او تقاربه فى اللفظ ألا ترى ان ابراهيم تفسيره اب رحيم لمرحمته بالاطفال ولذلك جعل هو وسارة زوجته كافلين لاطفال المؤمنين الذين يموتون صغارا الى يوم القيامة. وقال فى تذكرة الموتى كان اسمه ابرم فزيد فى اسمه هاء والهاء فى السريانية التفخيم والتعظيم { ربه } الضمير لابراهيم وقدم المفعول لفظا وان كان مؤخرا رتبة ووجه التقديم الاهتمام فان الذهن يتشوق ويطلب معرفة المبتلى اى واذكر وقت اختبارى ابراهيم والمقصود من ذكر الوقت ذكر ما وقع فيه من الحوادث لان الوقت مشتمل عليها فاذا استحضر كانت حاضرة بتفاصيلها كأنها مشاهدة عيانا. والابتلاء فى الاصل الاختبار اى تطلب الخبر بحال المختبر بتعريضه لامر يشق عليه غالبا فعله او تركه وذلك انما يتصور حقيقة ممن لا وقوف له على عواقب الامور. واما من العليم الخبير فلا يكون الا مجازا عن تمكينه للعبد من اختيار احد الامرين ما يريد الله تعالى وما يشتهيه العبد كأنه يمتحنه بما يكون منه حتى يجازيه على حسب ذلك كما علم الكفر من ابليس ولم يلعنه بعلمه ما لم يختبره بما يستوجب اللعنة به { بكلمات } جمع كلمة وهى اللفظ الموضوع لمعنى مفرد فيكون الكلمات عبارة عن الالفاظ المنظومة لكنها قد تطلق على المعانى التى تحتها لما بين الدال والمدلول من التضايف والمتضايفان متكافئان فى الوجود التعقلى كما فى قوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا الأنعام 115. اى قضية وحكمة وقوله قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربى الكهف 109. اى للمعانى التى تبرز بالكلمات { فأتمهن } اى قام بهن حق القيام واداهن احسن التأدية من غير تفريط وتوان ولذا قيل لم يبتل احذ بهذا الدين فاقامه كله الا ابراهيم فكتب الله له البراءة فقال وابراهيم الذى وفى وفسرت الكلمات بوجوه ذكرت فى التفاسير. ومنها العشر التى هى من السنة كما قال ابن عباس رضى الله عنهما هى عشر خصال كانت فرضا فى شرعه وهى سنة فى شرعنا. خمس منها فى الرأس وهى المضمضة والاستنشاق وفرق الرأس وقص الشارب والسواك. وخمس فى البدن وهى الختان وحلق العانة ونتف الابط وتقليم الاظفار والاستنجاء بالماء اى غسل مكان الغائط والبول بالماء. ولنذكر منها بعض ما يحتاج الى البيان فنقول فرق شعر الرأس تفريقه وتقسيمه الى نصفين وكان المشركون يفرقون اشعار رؤسهم واهل الكتاب يسدلون اى يرسلون شعورهم على الجبين ويتخذونها كالقصة وهى شعر الناصية وكان النبى عليه الصلاة والسلام يحب موافقة اهل الكتاب فيما لم ينزل فيه حكم لاحتمال ان يعملوا بما ذكر فى كتابهم ثم نزل جبريل فامره بالفرق. واعلم ان اكثر حال النبى عليه الصلاة والسلام كان الارسال وحلق الرأس منه معدود ولكن الامام الغزالى كره الارسال فى زماننا لانه صار شعار العلوية فاذا لم يكن علويا كان تلبيسا. وذكر فى جنايات الذخيرة امساك الجعد فى الغلام حرام لانهم انما يمسكون الجعد فى الغلام للاطماع الفاسدة. وذكر ان شخصا احضر ولده بمجلس ابى بكر رضى الله تعالى عنه وقد حلق بعض الشعر من رأسه وابقى البعض فامر ابو بكر رضى الله تعالى عنه بقتله فتاب واستغفر فعفا عنه. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره ليس هذا امرا بقتله فى الحقيقة بل بيان ان من فعله يستحق القتل ومثله انه ذكر فى مجلس ابى يوسف ان النبى عليه السلام كان يحب القرع فقال رجل انا لا احبه فافتى ابو يوسف بقتله فتاب ورجع فعفا عنه. واما قص الشارب فهو قطعه بالمقص اى المقراض وكان عليه السلام يقص شاربه كل جمعة قبل ان يخرج الى صلاة الجمعة. قال النووى المختار فيه ان يقص حتى يبدو طرف الشفة ويكون مثل الحاجب. وفى الاحياء ولا بأس بترك سباليه وهما طرفا الشارب فعل ذلك عمر رضى الله تعالى عنه وغيره لان ذلك لا يستر الفم ولا يبقى فيه غمر الطعام. وتوفير الشارب كتوفير الاظافير مندوب للمجاهد فى دار الحرب وان كان قطعهما من الفطرة وذلك ليكون اهيب فى عين العدو والسنة تقصير الشارب فحلقه بدعة كحلق اللحية وفى الحديث " جزوا الشوارب واعفوا اللحى ". الجز القص والقطع والاعفاء التوفير والترك على حالها وحلق اللحية قبيح بل مثلة وحرام وكما ان حلق شعر الرأس فى حق المرأة مثلة منهى عنها وتشبه بالرجال وتفويت للزينة. قال الفقهاء اللحية فى وقتها جمال وفى حلقها تفويته على الكمال ومن تسبيح الملائكة سبحان من زين الرجال باللحى وزين النساء بالذوائب. وفى الكشاف فى مقام مدح الرجال عند قوله تعالى الرجال قوامون على النساء النساء 34 وهم اصحاب اللحى والعمائم. قال فى نصاب الاحتساب ومن الاكساب التى يحتسب على اربابها حلق لحى الرجال ورأس النساء تشبها بالرجال ولا بأس بأخذ الزائد على القبضة من اللحية لانه عليه السلام كان يأخذ من لحيته طولا وعرضا اذا زاد على قدر القبضة فان الطول المفرط يشوه الخلقة ويطلق ألسنة المغتابين بالنسبة اليه فلا بأس بالاحتراز عنه على هذه النية ويكره نتف الشيب كما يفعله البعض فى زماننا كرها للشيب واراءة للشباب قال الحافظ سواد نامه موى سياه جون طى شد بياض كم نشود كر صد انتخاب رود يسود اعلاها ويبيض اصلها ولا خير فى الاعلى اذا فسد الاصل واما الختان فهو قطع الجلد الزائدة من الذكر وجمهور العلماء على ان ذلك من مؤكدات السنن ومن فطرة الاسلام التى لا يسع تركها فى الرجال الا ان يولد الصبى مختونا وقد ولد الانبياء كلهم مختونين مسرورين اى مقطوعى السرة كرامة لهم الا ابراهيم خليل الله فانه ختن نفسه ببلدة قدوم بالتخفيف والتشديد وهو ابن مائة وعشرين او ثمانين ليستن بسنته بعده واختلفوا فى الختان قيل لا يختن حتى يبلغ لانه للطهارة ولا طهارة عليه حتى يبلغ وقيل اذا بلغ عشرا وقيل تسعا وقيل فيما بين سبع سنين الى عشر. قال الحدادى المستحب فى وقت الختان من اليوم السابع من ولادته الى عشر سنين ويكره الترك الى وقت البلوغ وتوقف ابو حنيفة فى وقته. واستحب العلماء فى الرجل الكبير يسلم ان يختتن وان بلغ ثمانين. وعن الحسن انه كان يرخص للشيخ الذى يسلم ان لا يختتن ولا يرى به بأسا ولا يرد شهادته وذبيحته وحجه وصلاته. قال ابن عبد البر وعامة اهل العلم على هذا. واما تقليم الاظفار فهو قصها والقلامة بالضم ما يزال منها وندب قص الاظفار لانه ربما يجنب ولا يصل الماء الى البشرة من اجل الوسخ ولا يزال جنبا ومن اجنب فبقى موضع ابرة من جسده بعد الغسل غير مغسول فهو جنب على حاله حتى يعم الغسل جسده كله وفى الحديث " من قلم اظفاره يوم الجمعة اعاذه الله تعالى من البلايا الى الجمعة الاخرى وزيادة ثلاثة ايام ". وفى الحديث الآخر " من اراد ان يأمن من الفقر وشكاية العين فليقلم اظفاره يوم الخميس بعد العصر " قال فى المقاصد الحسنة قص الاظفار لم يثبت فى كيفيته ولا فى تعيين يوم له عن النبى عليه السلام شىء وما يعزى من النظم فى ذلك لعلى رضى الله تعالى عنه وهو تقليمك الاظفار فيه سنة وادب يمنيها خوابس يسارها اوخسب فباطل عنه وقال فى محل آخر حديث " من قص اظفاره مخالفا لم ير فى عينيه رمدا ". هو فى كلام غير واحد من الائمة ولم اجده لكن كان الحافظ الشريف الدمياطى يأثر ذلك عن بعض مشايخه ونص الامام احمد على استحبابه انتهى كلامه. وذكر الامام النووى ان المستحب منه ان يبدأ باليدين قبل الرجلين فيبتدئ بمسبحة يده اليمنى ثم الوسطى ثم البنصر ثم الخنصر ثم الابهام ثم يعود الى اليسرى فيبدأ بخنصرها ثم ببنصرها الى آخرها ثم يعود الى الرجل اليمنى فيبدأ بخنصرها ويختم بخنصر الرجل اليسرى وهكذا قرره الامام فى الاحياء وفى الحديث " نقوا براجمكم ". وهي مفاصل الاصابع والعقد التى على ظهرها يجتمع فيها الوسخ واحدها برجمة بضم الباء والجيم وسكون الراء بينهما وهو ظهر عقدة كل مفصل فظهر العقدة يسمى برجمة وما بين العقدتين يسمى راجبة وجمعها رواجب وذلك مما يلى ظهرها وهو قصبة الاصابع فلكل اصبع برجمتان وثلاث رواجب الا الابهام فان له برجمة وراجبتين فامر بالتنقية لئلا يدرن فيبقى فيه الجنابة ويحول الدرن بين الماء والبشرة كذا فى تفسير القرطبى. وعن مجاهد قال ابطأ جبرائيل عليه السلام على النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له النبى عليه السلام " ما حبسك يا جبريل ". قال وكيف آتيكم وانتم لا تقصرون اظفاركم ولا تأخذون من شواربكم ولا تنقون براجمكم ولا تستاكون ثم قرأ وما نتنزل الا بامر ربك مريم 64. قال كأنه قيل فماذا قال له ربه حين أتم الكلمات فقيل { قال انى جاعلك للناس } اى لاجل الناس { اماما } يأتمون بك فى هذه الخصال ويقتدى بك الصالحون فهو نبى فى عصره ومقتدى لكافة الناس الى قيام الساعة وقد انجز الله وعده فقال لمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم النحل 123. ونحو ذلك فلذلك اجتمعت اهل الاديان كلهم على تعظيمه وجميع امة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون فى آخر صلاتهم اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم انك حميد مجيد قيل فى سببه انا لما قلنا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد قيل لنا ان ابراهيم هو الذى طلب من الله تعالى ان يرسل اليكم مثل هذا الرسول الذى هو رحمة للعالمين حيث قال ربنا وابعث فيهم رسولا منهم البقرة 129. فما هديتكم فحينئذ نقول كما صليت على ابراهيم الخ ثم نلاحظ ان هذه الخيرات كلها من الله تعالى فنقول شكرا لاحسانه ربنا انك حميد مجيد. وفى الخبر ان ابراهيم عليه السلام رأى فى المنام جنة عريضة مكتوب على اشجارها لا اله الا الله محمد رسول الله فسأل جبريل عنها فاخبره بالقصة فقال يا رب اجر على لسان امة محمد ذكرى فاستجاب الله دعاءه وضمه فى الصلاة مع محمد صلى الله عليه وسلم قال كأنه قيل فماذا قال ابراهيم عليه السلام عنده فقيل { قال ومن ذريتى } عطف على الكاف فى جاعلك ومن تبعيضية متعلقة بجاعل اى وجاعل بعض ذريتى اماما يقتدى به اى اجعل لكنه راعى الادب بالاحتراز عن صورة الامر وتخصيص البعض بذلك لبداهة استحالة امامة الكل وان كانوا على الحق والذرية نسل الرجل وقد تطلق على الآباء والابناء من الذكور والاناث والصغار والكبار ومنه قوله تعالى وآية لهم أنا حملنا ذريتهم يس 41. اراد آباءهم الذين حملوا فى السفينة وتقع الذرية على الواحد كما فى قوله تعالى رب هب لى من لدنك ذرية طيبة آل عمران 38. يعنى ولدا صالحا { قال } الله استئناف ايضا { لا ينال } لا يصيب { عهدى الظالمين } يعنى ان اولادك منهم مسلمون وكافرون فلا تصل الامامة والاستخلاف بالنبوة الذى عهدت اليك من كان ظالما من اولادك وغيرهم وانما ينال عهدى من كان بريئا من الظلم لان الامام انما هو لمنع الظلم فكيف يجوز ان يكون ظالما وان جاز فقد جاء المثل السائر " من استرعى الذئب الغنم ظلم ". قال المعتزلة وفيه دليل على ان الفاسق لا يصلح للامامة ولا يقدم للصلاة قلنا الظالم اريد به الكافر والصبر على طاعة الامام الجائر اولى من الخروج عليه لان فى منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف واراقة الدماء واطلاق ايدى السفهاء وشن الغارات على المسلمين والفساد فى الارض. وفى الآية دليل على عصمة الانبياء عليهم الصلاة والسلام من الكبائر قبل البعثة وبعدها. قال ابن الشيخ فى حواشيه فيه بحث لان مدلول الآية ان الظالم ما دام ظالما لا تناله الامامة لا ان من كان ظالما فى وقت ما من الاوقات ثم تاب منه لا ينال الامامة والفرق بينهما ان الظلم الحالى يخل بالمقصود من نصب الامام وهو اخلاء وجه الارض من الظلم والفساد وحماية اموال الناس واعراضهم من تعرض الظلمة المفسدين بخلاف الظلم القديم الذى تاب عنه الظالم فانه ليس بمخل للمقصود فان التائب من الذنب كمن لا ذنب له. قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره لا تعطى الولاية لولد الزنى قال واشكر الله تعالى على ان جعلنى اول ولد ولدته امى فانه ابعد من ان يصدر الفاظ الكفر من احد ابوى. قال المولى الهدائى قدس سره قلت والفقير ايضا كذلك. وقال السخاوى فى المقاصد الحسنة حديث " لا يدخل الجنة ولد زنية " ان صح فمعناه اذا حمل بمثل عمل ابويه واتفقوا على انه لا يحمل على ظاهره وقيل فى تأويله ايضا ان المراد به من يواظب الزنى كما يقال للشهود بنوا الصحف وللشجعان بنوا الحرب ولاولاد المسلمين بنوا الاسلام انتهى كلامه. ثم فى الآية اشارة الى ان من اراد ان يبلغ درجة الاخيار ليقتدى به فليلازم التعب وجهد النفس فى طاعة الله تعالى قال السعدى جويوسف كسى درصلاح وتميز بسى ساله بايد كه كردد عزيز

البقرة 2:125

{ وإذ جعلنا البيت } اى واذكر يا محمد وقت تصييرنا الكعبة المعظمة { مثابة } كائنة { للناس } اى مباءة ومرجعا للحجاج والمعتمرين يتفرقون عنه ثم يثوبون اليه اى يرجع اليه اعيان الذين يزورونه بأن يحجوه مرة بعد اخرى او يرجع امثالهم واشباههم فى كونهم وفد الله وزوار بيته فانهم لما كانوا اشباها للزائرين اولا كان ما وقع منهم من الزيادة ابتداء بمنزلة عود الاولين فتعريف الناس للعهد الذهنى { وامنا } موضع امن فان المشركين كانوا لا يتعرضون لسكان الحرم ويقولون البيت بيت الله وسكانه اهل الله بمعنى اهل بيته وكان الرجل يرى قاتل ابيه فى الحرم فلا يتعرض له ويتعرضون لمن حوله وهذا شئ توارثوه من دين اسماعيل عليه السلام فبقوا عليه الى ايام النبى عليه السلام او يأمن حاجه من عذاب الآخرة من حيث ان الحج يجب ما قبله اى يقطع ويمحو ما وجب قبله من حقوق الله تعالى الغير المالية مثل كفارة اليمين واما حقوق العباد فلا يجبها الحج كذا فى حواشى ابن الشيخ ولكن روى ان الله تعالى استجاب دعاء النبى صلى الله عليه وسلم ليلة المزدلفة فى الدماء والمظالم كذا فى الكافى وتفسير الفاتحة للفنارى وغيرهما { واتخذوا } اى وقلنا اتخذوا على ارادة القول لئلا يلزم عطف الانشاء على الاخبار { من مقام إبراهيم مصلى } اى موضع الصلاة ومن للتبعيض ومقام ابراهيم الحجر الذى فيه اثر قدميه او الموضع الذى كان فيه حين قام عليه ودعا الناس الى الحج او حين رفع بناء البيت والذى يسمى اليوم مقام ابراهيم هو موضع ذلك الحجر روى انه لما اتى ابرهيم باسماعيل وهاجر ووضعهما بمكة واتت على ذلك مدة ونزلها الجرهميون وتزوج اسماعيل منهم امرأة وماتت هاجر استأذن ابراهيم سارة فى ان يأتى هاجر فاذنت له وشرطت عليه ان لا ينزل فقدم ابراهيم وقد ماتت هاجر فذهب الى بيت اسماعيل فقال لامرأته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وكان اسماعيل يخرج من الحرم فيصيد فقال لها ابراهيم هل عندك ضيافة قالت ليست عندى وسألها عن عيشهم فقالت نحن فى ضيق وشدة فشكت اليه فقال لها اذا جاء زوجك فاقرأيه السلام وقولى له فليغير عتبة بابه والمراد ليطلقك فانك لا تصلحين له امرأة وذهب ابراهيم فجاء اسماعيل فوجد ريح ابيه قال لامرأته هل جاءك احد قالت جاءنى شيخ صفته كذا وكذا كالمستخفة بشانه وقال فما قال لك قالت قال أقرئى زوجك السلام وقولى له فليغير عتبة بابه قال ذلك ابى وقد امرنى ان افارقك الحقى باهلك فطلقها وتزوج منهم اخرى فلبث ابراهيم ما شاء الله ان يلبث ثم استأذن سارة فى ان يزور اسماعيل فاذنت له وشرطت عليه ان لا ينزل فجاء ابراهيم حتى انتهى الى باب اسماعيل فقال لامرأته اين صاحبك قالت ذهب يتصيد وهو يجيئ الآن ان شاء الله فانزل رحمك الله قال هل عندك ضيافة قالت نعم فجاءت باللبن واللحم وسألها عن عيشهم قالت نحن فى خير وسعة فدعا لهما بالبركة ولو جاءت يومئذ بخبز بر او شعير تمر لكانت اكثر ارض الله برا او شعيرا او تمرا وقالت له انزل حتى اغسل رأسك فلم ينزل فجاءت بالمقام فوضعته على شقه الايمن فوضع قدمه عليه وهو راكب فغسلت شق رأسه الايمن ثم حولته الى شقه الايسر فغسلت شق رأسه الايسر فبقى اثر قدميه عليه وقال لها اذا جاء زوجك فاقرئيه السلام وقولى له قد استقامت عتبة بابك فلما جاء اسماعيل وجد ريح ابيه فقال لامرأته هل جاءك احد قالت نعم جاء شيخ احسن الناس وجها واطيبهم ريحا فقال لى كذا وكذا وغسلت رأسه وهذا موضع قدميه فقال ذاك ابراهيم وانت عتبة بابى امرنى ان امسكك ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك واسماعيل يبرى نبلا تحت دوحة قريبة من زمزم فلما رآه قام اليه فصنع كما يصنع الولد بالوالد ثم قال يا اسماعيل ان الله امرنى بامر أتعيننىعليه قال اعينك عليه قال امرنى ان ابنى ههنا بيتا فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل اسماعيل يأتى بالحجارة وابراهيم يبنى فلما ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام ابراهيم على حجر المقام وهو يبنى واسماعيل يناوله الحجر وهما يقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم البقرة 127 ثم لما فرغ من بناء الكعبة قيل له اذن فى الناس بالحج فقال كيف انادى وانا بين الجبال ولم يحضرنى احد فقال الله عليك النداء وعلى البلاغ فصعد ابا قبيس وصعد هذا الحجر وكان قد خبئ فى ابى قبيس ايام الطوفان فارتفع هذا الحجر حتى علا كل حجر فى الدنيا وجمع الله له الارض كالسفرة فنادى يا معشر المسلمين ان ربكم بنى لكم بيتا وامركم ان تحجوه فأجابه الناس من اصلاب الآباء وارحام الامهات فمن اجابه مرة حج مرة ومن اجابه عشرا حج عشرا وفى الحديث " ان الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة ولوا مماسة ايدى المشركين لأضاءتا ما بين المشرق والمغرب ". والمراد منهما الحجر الاسود والحجر الذى قام عليه ابراهيم عند بناء البيت { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل } اى امرناهما امرا مؤكدا ووصينا اليهما فان العهد قد يكون بمعنى الامر والوصية يقال عهد اليه اى امره ووصاه ومنه قوله تعالى ألم أعهد إليكم يس 60. وانما سمى اسماعيل لان ابراهيم كان يدعو الى الله ان يرزقه ولدا ويقول اسمع يا ايل وايل هو الله فلما رزق سماه به { أن طهرا بيتى } اى بان طهراه من الاوثان والانجاس وما يليق به والمراد احفظاه من ان ينصب حوله شئ منها واقراه على طهارته كما فى قوله تعالى ولهم فيها أزواج مطهرة البقرة 25 فانهن لم يطهرن من نجس بل خلقهن طاهرات كقولك للخياط وسع كم القميص فانك لا تريد ان تقول ازل ما فيه من الضيق بل المراد اصنعه ابتداء واسع الكم { للطائفين } الزائرين حوله { والعاكفين } المجاورين الذين عكفوا عنده اى اقاموا لا يرجعون وهذا فى اهل الحرم والاول فى الغرباء القادمين الى مكة للزيارة والطواف وان كان لا يختص بهم الا ان له مزيد اختصاص بهم من حيث ان مجاوزة الميقات لا تصح لهم الا بالاحرام { والركع السجود } اى المصلين جمع راكع وساجد لان القيام والركوع والسجود من هيآت المصلى ولتقارب الركوع والسجود ذاتا وزمانا ترك العاطف بين موصوفيهما والجلوس فى المسجد الحرام ناظرا الى الكعبة من جملة العبادات الشريفة المرضية كما قال عليه السلام " ان لله تعالى فى كل يوم عشرين ومائة رحمة تنزل على هذا البيت ستون للطائفين واربعون للمصلين وعشرون للناظرين " واعلم انه تعالى لما قال { أن طهرا بيتى } دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى فيكون حكمها حكمه فى التطهير والنظافة وانما خص الكعبة بالذكر لانه لم يكن هناك غيرها. وروى عن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه انه سمع صوت رجل فى المسجد فقال ما هذا أتدرى اين انت وفى الحديث " ان الله اوحى الى يا اخا المنذرين يا اخا المرسلين انذر قومك ان لا يدخلوا بيتا من بيوتى الا بقلوب سليمة وألسنة صادقة وايدى نقية وفروج طاهرة ولا يدخلوا بيتا من بيوتى ما دام لاحد عندهم مظلمة فانى ألعنه ما دام قائما بين يدى حتى يرد تلك الظلامة الى اهلها فأكون سمعه الذى يسمع به وبصره الذى يبصر به ويكون من اوليائى واصفيائى ويكون جارى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين " انتهى. ثم اعلم ان البيت الذى شرفه الله باضافته الى نفسه وهو بيت القلب فى الحقيقة يأمر الله تعالى بتطهيره من دنس الالتفات الى ما سواه فانه منظر لله كما قيل دل بدست آور كه حج اكبرست از هزاران كعبه يك دل بهترست كعبه بنياد خليل آزرست دل نظر كاه جليل اكبرست فلا بد من تصفيته حتى تعكف عنده الانوار الآلهية والاسرار الرحمانية وتنزل السكينة والوقار فعند وصول العبد الى هذه الرتبة فقد سجد لربه حقيقة وركع وناجى مع الله بسره.

البقرة 2:126

{ وإذ قال إبراهيم } اى واذكر يا محمد اذ دعا ابراهيم فقال يا { رب اجعل هذا } المكان وهو الحرم { بلدا آمنا } ذا امن يأمن فيه اهله من القحط والجدب والخسف والمسخ والزلازل والجنون والجذام والبرص ونحو ذلك من المثلات التى تحل بالبلاد فهو من باب النسب اى بلدا منسوبا الى الامن كلابن وتامر فانهما لنسبة موصوفهما الى مأخوذهما كأنه قيل لبنى وتمرى فالاسناد حقيقى او المعنى بلدا آمنا اهله فيكون من قبيل الاسناد المجازى لان الامن الذى هو صفة لاهل البلد حقيقة قد اسند الى مكانهم للملابسة بينهما وكان هذا الدعاء فى اول ما قدم ابراهيم عليه السلام مكة لانه لاما اسكن اسماعيل وهاجر هناك وعاد متوجها الى الشام تبعته هاجر فجعلت تقول الى من تكلنا فى هذا البلقع اى المكان الخالى من الماء والنبات وهو لا يرد عليها جوابا حتى قالت آلله امرك بهذا فقال نعم قالت اذا لا يضيعنا فرضيت ومضى حتى اذا استوى على ثنية كداء اقبل على الوادى فقال ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع إبراهيم 37 الى آخر الآية. { وارزق أهله من الثمرات } البقرة 126. جمع ثمرة وهى المأكولات مما يخرج من الارض والشجر فهو سؤال الطعام والفواكه وقيل هى الفواكه وانما خص هذا بالسؤال لان الطعام المعهود مما يكون فى كل موضع واما الفواكه فقد تندر فسأل لاهله الامن والسعة مما يطيب العيش ويدوم فاستجاب له فى ذلك لما روى انه لما دعا هذا الدعاء امر الله جبريل بنقل قرية من قرى فلسطين كثيرة الثمار اليها فاتى فقلعها وجاء بها وطاف بها حول البيت سبعا ثم وضعها على ثلاث مراحل من مكة وهى الطائف ولذلك سميت به ومنها اكثر ثمرات مكة ويجئ اليه ايضا من الاقطار الشاسعة حتى انه يجتمع فيه الفواكه الربيعية والصيفية والخريفية فى يوم واحد { من آمن منهم بالله واليوم الآخر } بدل من اهله والمعنى وارزق المؤمنين خاصة { قال } الله تعالى { ومن كفر } معطوف على محذوف اى ارزق من آمن ومن كفر قاس ابراهيم عليه الصلاة والسلام الرزق على الامامة حيث سأل الرزق لاجل المؤمنين خاصة كما خص الله تعالى الامامة بهم فى قوله تعالى لا ينال عهدى الظالمين البقرة 124. فلما رد سؤاله الامامة فى حق ذريته على الاطلاق حسب ان يرد سؤاله الرزق فى حق اهل مكة على الاطلاق فلذلك قيد بالايمان تأدبا بالسؤال الاول فنبه سبحانه على ان الرزق رحمة دنيوية تعم المؤمن والكافر بخلاف الامامة والتقدم { فأمتعه } اى امد له ليتناول من لذات الدنيا اثباتا للحجة عليه { قليلا } اى تمتيعا قليلا فان الدنيا بكليتها قليلة وما يتمتع الكافر به منها قليل من القليل فان نعتمه تعالى فى الدنيا وان كانت كثيرة باضافة بعضها الى بعض فانها قليلة باضافتها الى نعمة الآخرة وكيف لا يقل ما يتناهى بالاضافة الى ما لا يتناهى فقليلا صفة مصدر محذوف ويجوز ان يكون صفة ظرف محذوف اى امتعه زمانا قليلا وهو مدة حياته { ثم أضطره إلى عذاب النار } الاضطرار فى اللغة حمل الانسان على ما يضره وهو فى المتعارف حمل الانسان بكفره على ان يفعل ما اكره عليه باختياره ترجيحا لكونه اهون الضررين فلا شىء أشد من عذاب النار حتى يكره الكفار به ليختاروا عذاب النار لكونه أهون منه فلا يكون اضطرارهم الى عذاب النار مستعملا فى معناه العرفى فهو مستعار للزهم والصاقهم به بحيث يتعذر عليهم التخلص منه كما قال تعالى يوم يسحبون فى النار على وجوههم القمر 48. فانه صريح فى ان لا مدخل لهم فى لحوق عذاب الآخرة بهم ولا اختيار الا انهم سموا مضطرين اليه مختارين اياه على كره تشبيها لهم بالمضطر الذى لا يملك الامتناع عما اضطر اليه فالمعنى الزه اليه لز المضطر لكفره وتضييعه ما متعته به من النعم بحيث لا يمكنه الامتناع منه { وبئس المصير } المخصوص بالذم محذوف اى بئس المرجع الذى يرجع اليه للاقامة فيه النار او عذابها فللعبد فى هذه الدنيا الفانية الامهال اياما دون الاهمال اذ كل نفس تجزى بما كسبت ولا تغرنك الزخارف الدنيوية فان للمطيع والعاصى نصيبا منها وليس ذلك من موجبات الرفعة فى الآخرة قال الحافظ بمهلتى كه سبهرت دهد ز راه مرو تراكه كفت كه آن زال ترك دستان كفت قال تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون الأعراف 182. قال سهل فى معنى هذه الآية نمدهم بالنعم وننسيهم الشكر عليها فاذا ركنوا الى النعمة وحجبوا عن المنعم اخذوا. وقال ابو العباس بن عطاء يعنى كلما احدثوا خطيئة جددنا لهم نعمة وانسيناهم الاستغفار من تلك الخطيئة فعلى العاقل ان لا يغتر بالزخارف الدنيوية بل لا يفرح بشئ سوى الله تعالى فان ما خلا الله باطل وزائل والاغترار بالزائل الفانى ليس من قضية كمال العقل والفهم والعرفان. فان قلت ما الحكمة فى امهال الله العصاة فى الدنيا. قيل ان الله تعالى امهل عباده ولم يأخذهم بغتة فى الدنيا ليرى العباد سبحانه وتعالى ان العفو والاحسان احب اليه من الاخذ والانتقام وليعلموا شفقته وبره وكرمه ولهذا خلق النار كرجل يضيف الناس ويقول من جاء الى ضيافتى اكرمته ومن لم يجئ فليس عليه شئ ويقول مضيف آخر من جاء الى اكرمته ومن لم يجئ ضربته وحبسته ليتبين غاية كرمه وهو اكمل واتم من الكرم الاول والله تعالى دعا الخلق الى دعوته بقوله والله يدعوا إلى دار السلام يونس 25 ثم دفع السيف الى رسوله فقال من لم يجب ضيافتى فاقتله فعلى العاقل ان يجيب دعوة الله ويرجع الى الله بحسن اختياره فانه هو المقصود والكعبة الحقيقية وكل القوافل سائرة اليه. واعلم ان البلد هو الصورة الجسمانية والكعبة القلب والطواف الحقيقى هو طواف القلب بحضرة الربوبية وان البيت مثال ظاهر فى عالم الملك لتلك الحضرة التى لا تشاهد بالبصر وهو فى عالم الملكوت كما ان الهيكل الانسانى مثال ظاهر فى عالم الشهادة للقلب الذى لا يشاهد بالبصر وهو فى عالم الغيب والذى يقدر من العارفين على الطواف الحقيقى القلبى هو الذى يقال فى حقه ان الكعبة تزوره. وفى الخبر " ان لله عبادا تطوف بهم الكعبة ". وفرق بين من يقصد صورة البيت وبين يقصد رب البيت وروى ان عارفا من اولياء الله تعالى قصد الحج وكان له ابن فقال ابنه الى اين تتقصد فقال الى بيت الله فظن الغلام ان من يرى البيت يرى رب البيت قال يا ابى لم لا تحملنى معك فقال انت لا تصلح لذلك فبكى الغلام فحمله معه فلما بلغا الميقات احرما ولبيا ودخلا الحرم فلما شوهد البيت تحرم الغلام عند رؤيته فخر ميتا فدهش والده وقال اين ولدى وقطعة كبدى فنودى من زاوية البيت انت طلبت البيت فوجدته وهو طلب رب البيت فوجد رب البيت فرفع الغلام من بينهم فهتف هاتف انه ليس فى حيز ولا فى الارض ولا فى الجنة بل هو فى مقعد صدق عند مليك مقتدر فمن اعرض سره عن الجهة فى توجهه الى الله صار الحق قبلة له فيكون هو قبلة الجميع كآدم عليه السلام كان قبلة الملائكة لانه وسيلة الحق بينه وبين ملائكته لما عليه من كسوة جمالية وجلاله قال الشيخ العطار قدس سره فى منطق الطير حق تعالى كفت آدم غير نيست كور جشمى و ترا اين سير نيست شد نفخت فيه من روح آشكار سر جانان كشت بر خاك استوار وقال فى محل آخر از دم حق آمدى آدم تويى اصل كرمنا بنى آدم تويى قبله كل آفر ينش آمدى باى تا سر عين بينش آمدى اللهم اوصلنا الى العين وخلصنا من البين.

البقرة 2:127

{ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت } حكاية حال ماضية حيث عبر بلفظ المضارع عن الرفع الواقع فى الزمان المتقدم على زمان نزول الوحى بان يقدر ذلك الرفع السابق واقعا فى الحال كأنك تصوره للمخاطب وتريه على وجه المشاهدة والعيان. والقواعد جمع قاعدة وهى فى الاصل صفة بمعنى الثابتة ثم صارت بالغلبة من قبيل الاسماء بحيث لا يذكر لها موصوف ولا يقدر ولعل لفظ القعود حقيقة فى الهيئة المقابلة للقيام ومستعار للثبات والاستقرار تشبيها له بها فى ان كلا منهما حالة مباينة للانتقال والنزول. وقوله من البيت حال من القواعد وكلمة من ابتدائية لا بيانية لعدم صحة ان يقال التى هى البيت. فان قلت رفع الشئ ان يفصل عن الارض ويجعل عاليا مرتفعا والاساس ابدا ثابت على الارض فما معنى رفعه. قلت المراد برفع الاساس البناء عليه وعبر عن البناء على الاساس برفعه لان البناء ينقله من هيئة الانخفاض الى هيئة الارتفاع فيوجد الرفع حقيقة الا ان اساس البيت واحد وعبر عنه بلفظ القواعد باعتبار اجزائه كأن كل جزء من الاساس اساس لما فوقه والمعنى واذكر يا محمد وقت رفع ابراهيم اساس البيت اى الكبعة { واسمعيل } ولده وكان له اربعة بنين اسماعيل واسحق ومدين ومداين وهو عطف على ابراهيم وتأخيره عن المفعول مع ان حق ما عطف على الفاعل ان يقدم على المفعول للايذان بان الاصل فى الرفع هو ابراهيم واسماعيل تبع له قيل انه كان يناوله الحجارة وهو يبنيها. واعلم ان رفع الاساس الذي هو البناء عليه يدل على ان البيت كان مؤسسا قبل ابراهيم وانه انما بنى على الاساس. واختلف الناس فيمن بنى البيت اولا وأسسه. فقيل هو الملائكة وذلك ان الله تعالى لما قال إنى جاعل فى الأارض خليفة البقرة 30 قالت الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك البقرة 30. فغضب عليهم فعاذوا بعرشه وطافوا حوله سبعة اطواف يسترضون ربهم حتى رضى عنهم وقال لهم ابنوا لى بيتا فى الارض يتعوذ به من صخطت عليه من بنى آدم ويطوف حوله كما طفتم حول عرشى فأرضى عنهم فبنوا هذا البيت. وقيل ان الله بنى فى السماء بيتا وهو البيت المعمور ويسمى ضراحا وامر الملائكة ان يبنوا الكعبة فى الارض بحياله على قدره ومثاله. وقيل اول من بنى الكعبة آدم واندرست زمن الطوفان ثم اظهرها الله لابراهيم عليه السلام. روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما انه قال لما اهبط الله تعالى آدم من الجنة الى الارض قال له يا آدم اذهب فابن لى بيتا وطف به واذكرنى عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشى فاقبل آدم يتخطى وطويت له الارض وقبضت له المفاوز فلا يقع قدمه على شئ من الارض الا صار عامرا حتى انتهى الى موضع البيت الحرام وان جبرائيل ضرب بجناحه الارض فأبرز عن الاس الثابت على الارض السابعة السفلى وقدمت اليه الملائكة بالصخر فما يطيق حمل الصخرة منها ثلاثون رجلا وانه بناه من خمسة اجبل طور سيناء وطور زيتاء ولبنان وهو جبل بالشام والجودى وهو جبل بالجزيرة وحراء وهو جبل بمكة وكان ربضه من حراء اى الاساس المستدير بالبيت من الصخر فهذا بناء آدم. وروى ان الله خلق موضع البيت قبل الارض بالفى عام وكانت زبدة بيضاء على الماء فدحيت الارض من تحته فلما اهبط الله تعالى آدم الى الارض استوحش فشكا الى الله فانزل الله البيت المعمور من ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد اخضر باب شرقى وباب غربى فوضعه على موضع البيت وقال يا آدم انى اهبطت لك بيتا فطف به كما يطاف حول عرشى وصل عنده كما يصلى عند عرشى وانزل الحجر وكانت ابيض فاسود من لمس الحيض فى الجاهلية فتوجه آدم من ارض الهند الى مكة ماشيا وقيض الله له ملكا يدله على البيت. قيل لمجاهد لم لم يركب آدم من ارض الهند الى مكة قال وأى شئ كان يحمله ان خطوته مسيرة ثلاثة ايام فاتى مكة وحج البيت واقام المناسك فلما فرغ تلقته الملائكة فقالوا بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بالفى عام قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما حج آدم اربعين حجة من الهند الى مكة على رجليه فبقى البيت يطوف به هو المؤمنون من ولده الى ايام الطوفان فرفعه الله فى تلك الايام الى السماء الرابعة يدخل كل يوم سبعون الف ملك ثم لا يعودون اليه وبعث الله جبرائيل حتى خبأ الحجر الاسود فى جبل ابى قبيس صيانة له من الغرق وكان موضع البيت خاليا الى زمن ابراهيم عليه السلام ثم ان الله امر ابراهيم ببناء بيت يذكر فيه فسأل الله تعالى ان يبين له موضعه فبعث الله السكينة لتدله على موضع البيت وهى ريح جوج لها رأسان شبه الحية وامر ابراهيم ان يبنى حيث استقر السكينة فتبعها ابراهيم حتى اتيا مكة فتطوت السكينة على موضع البيت اى تحوت وتجمعت واستدارت كتطوى الحجفة ودورانها فقالت لابراهيم ابن على موضعى الاساس فرفع البيت هو واسماعيل حتى انتهى الى موضع الحجر الاسود فقال لابنه يا بنى ائتنى بحجر ابيض حسن يكون للناس علما فاتاه بحجر فقال ائتنى باحسن من هذا فمضى اسماعيل يطلبه فصاح ابو قبيس يا ابراهيم ان لك عندى وديعة فخذها فاذا هو بحجر ابيض من ياقوت الجنة كان آدم قد نزل به من الجنة كما وجد فى بعض الروايات وانزله الله تعالى حين انزل البيت المعمور كما مر فاخذ ابراهيم ذلك الحجر فوضعه مكانه فلما رفع ابراهيم واسماعيل القواعد من البيت جاءت سحابة مربعة فيها رأس فنادت ان ارفعا على تربيعى فهذا بناء ابراهيم عليه السلام. وروى ان ابراهيم واسماعيل لما فرغا من بناء البيت اعطاهما الله تعالى الخيل جزاء معجلا على رفع قواعد البيت وكانت الخيل وحشية كسائر الوحوش فلما اذن الله لابراهيم واسماعيل برفع القواعد قال الله انى معطيكما كنزا ادخرته لكما ثم اوحى الى اسماعيل ان اخرج الى اجياد فادع يأتك الكنز فخرج الى اجياد ولا يدرى ما الدعاء ولا الكنز فالهمه الله فدعا فلم يبق على وجه الارض فرس بارض العرب الا جاءته فامكنه من ناصيتها وذللها له فاركبوها واعلفوها فانها ميامين وهى ميراث ابيكم اسماعيل وانما سمى الفرس عربيا لان اسماعيل هو الذى امر بدعائه وهو اتى اليه والعربى نسبة الى عربة بفتحتين وهى باحة العرب لان اباهم اسماعيل نشأ بها قيل كان ابراهيم يتكلم بالسريانية واسماعيل بالعربية وكل واحد منهما يفهم ما يقوله صاحبه ولا يمكنه التفوه به. واما بنيان قريش اياه فمشهور وخبر الحية فى ذلك مذكور وكانت تمنعهم من هدمه الى ان اجتمعت قريش فعجوا الى الله تعالى اى رفعوا اصواتهم وقالوا لم نراع وقد اردنا تشريف بيتك وتزيينه فان كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل فاسمعوا خواتا فى السماء والخوات دوى جناح الطير الضخم اى صوته فاذا هم بطائر اعظم من النسر اسود الظهر ابيض البطن والرجلين فغمز مخالبه فى قفا الحية ثم انطلق بها تجر ذنبها اعظم من كذا وكذا حتى انطلق بها الى اجياد فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادى تحملها قريش على رقابها فرفعوها فى السماء عشرين ذراعا. وذكر عن الزهرى انهم بنوها حتى اذا بلغوا موضع الركن اختصمت قريش فى الركن أى القبائل تلى رفعه حتى شجر بينهم فقالوا حتى نحكم اول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فاطلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحكموه فامر بالركن فوضع فى ثوب ثم امر سيد كل قبيلة فاعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو على البناء فرفعوا اليه الركن فاخذه من الثوب فوضعه فى مكانه قيل ان قريشا وجدوا فى الركن كتابا بالسريانية فلم يدروا ما هو حتى قرأه لهم رجل من اليهود فاذا فيه انا الله ذو مكة خلقتها يوم خلقت السموات والارض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة املاك احتفاء لا تزول حتى يزول اخشباها مبارك لاهلها فى الماء واللبن. وعن ابى جعفر كان باب الكعبة على عهد العماليق وجرهم وابراهيم بالارض حتى بنته قريش. وعن عائشة رضى الله تعالى عنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجدار أمن البيت هو قال نعم قلت فلم لم يدخلوه قال ان قومك قصرت بهم النفقة قلت فما شأن بابه مرتفعا قال فعل ذلك قومك ولولا حدثانهم بالجاهلية لهدمت الكعبة فألزق بابها بالارض وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وزدت فيها ستة اذرع من الحجر فان قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة فهذا بناء قريش ثم لما غزا اهل الشام عبد الله بن الزبير ووهت الكعبة من حريقهم هدمها ابن الزبير وبناها على ما اخبرته عائشة فجعل لها بابين بابا يدخلون منه وبابا يخرجون منه وزاد فيه مما يلى الحجر ست اذرع وكان طولها قبل ذلك ثمانى عشرة ذراعا ولما زاد فى البناء مما يلى الحجر استقصر ما كان من طولها تسع اذرع فلما قتل ابن الزبير امر الحجاج ان يقرر ما زاده ابن الزبير فى طولها وان ينقص ما زاده من الحجر ويردها الى ما بناها قريش وان يسد الباب الذى فتحه الى جانب الغرب. وروى ان هارون الرشيد ذكر لمالك بن انس انه يريد هدم ما بنى الحجاج من الكعبة وان يردها الى بناء ابن الزبير لما جاء عن النبى وامتثله ابن الزبير فقال له مالك ناشدتك الله يا امير المؤمنين ان لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء احد منهم الا نقض البيت وبناءه فتذهب الهيبة من صدور الناس. قالوا بنيت الكعبة عشر مرات بناء الملائكة وكان قبل خلق آدم عليه السلام وبناء آدم وبناء بنى آدم وبناء الخليل وبناء العمالقة وبناء جرهم وبناء قصى بن كلاب وبناء قريش وبناء عبد الله بن الزبير وبناء الحجاج بن يوسف وما كان ذلك بناء لكلها بل لجدار من جدرانها. وقال الحافظ السهيلى ان بناءها لم يكن فى الدهر الا خمس مرات الاولى حين بناها شيث عليه الصلاة والسلام وروى فى الخبر النبوى هذا البيت خامس خمسة عشر سبعة منها فى السماء الى العرش وسبعة منها الى تخوم الارض السفلى واعلى الذى يلى العرش البيت المعمور لكل بيت منها حرم كحرم هذا البيت لو سقط منها بيت سقط بعضها على بعض الى تخوم الارض السابعة ولكل بيت من اهل السماء ومن اهل الارض من يعمره كما يعمر هذا البيت ذكره المحدث الكازروتى فى مناسكه. وعن ابن عباس رضى الله عنهما لما كان العرش على الماء قبل خلق السموات والارض بعث الله ريحا فصفقت الماء فابرزت خشبة فى موضع البيت كأنها قبة على قدر البيت اليوم فدحا الله سبحانه من تحتها الارض فمادت ثم مادت فأوتدها بالجبال فكان اول جبل وضع فيها ابو قبيس ولذلك سميت مكة بام القرى. قال كعب بنى سليمان عليه السلام بيت المقدس على اساس قديم كما بنى ابراهيم الكعبة على اساس قديم وهو اساس الملائكة فى وجه الماء الى ان علا { ربنا } اى يرفعانها قائلين ربنا { تقبل منا } الدعاء وغيره من القرب والطاعات التى من جملتها ما هما بصدده من البناء وفرق بين القبول والتقبل بان التقبل لكونه على بناء التكلف انما يطلق حيث يكون العمل ناقصا لا يستحق ان يقبل الا على طريق التفضل والكرم ولفظ القبول لا دلالة فيه على هذا المعنى فاختيار لفظ التقبل اعتراف منهما بالعجز والانكسار والقصور فى العمل { إنك أنت السميع } لجميع المسموعات التى من جملتها دعاؤنا وتضرعنا { العليم } بكل المعلومات التى من زمرتها نياتنا فى جميع اعمالنا ودل هذا القول على انه لم يقع منهما تقصير بوجه ما فى اتيان المأمور به بل بذلا فى ذلك غاية ما فى وسعهما فان المقصر المتساهل كيف يتجاسر على ان يقول بأطلق لسان وارق جنان انك انت السميع العليم * ودلت الآية ايضا على ان الواجب على كل مأمور بعبادة وقربة اذا فرغ منها واداها كما امر بها وبذل فى ذلك ما فى وسعه ان يتضرع الى الله ويبتهل ليتقبل منه وان لا يرد عليه فيضيع سعيه وان لا يقطع القول بأن من ادى عبادة وطاعة تقبل منه لا محالة اذ لو كان هكذا لما كان لدعائهما بطريق التضرع ليقبل منهما معنى فالقبول والرد اليه تعالى ولا يجب عليه شئ.

البقرة 2:128

{ ربنا واجعلنا مسلمين لك } اى مخلصين لك فالمراد بالمسلم من يجعل نفسه وذاته خالصا لله تعالى بان يجعل التذلل والتعظيم الواقع منه للسان والاركان والجنان خالصا له تعالى ولا يعظم معه تعالى غيره ويعتقد بأن ذاته وصفاته وافعاله خالصة له تعالى خلقا وملكا لا مدخل فى شئ منها لاحد سواه او المعنى واجعلنا مستسلمين لك منقادين بالرضى بكل ما قدرت وبترك المنازعة فى احكامك فان الاسلام اذا وصل باللام الجارة يكون بمعنى الاستسلام والانقياد والرضى بالقضاء. فان قلت لا شك انهما كانا مخلصين ومستسلمين فى زمان صدور هذا الدعاء منهما. قلت المراد طلب الزيادة فى الاخلاص والاذعان او الثبات عليه فهذا تعليم منهما الناس الدعاء للتثبيت على الايمان فانهما لما سألا ذلك مع امنهما من زواله عنهما فكيف غيرهما مع خوفه وسألا ايضا الثبات على الانقياد فاجيبا الى ذلك حتى اسلم ابراهيم للالقاء فى النار واسماعيل للامر بالذبح { ومن ذريتنا امة مسلمة لك } اى واجعل بعض ذريتنا جماعة مخلصة لك بالعبادة والطاعة. وانما خص الذرية بالدعاء مع ان الانسب بحال اصحاب الهمم لا سيما الانبياء ان لا يخصوا ذريتهم بالدعاء لكنهما خصاهم لوجهين الاول كونهم احق بالشفقة كما فى قوله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا التحريم 6. فدعوا لاولادهما ليكثر ثوابهما بهم وفى الحديث " ما من رجل من المسلمين يخلف من بعده ذرية يعبدون الله تعالى الا جعل الله له مثل اجورهم ما عبد الله منهم عابد حتى تقوم الساعة ". والثانى انه وان كان تخصيصا صورة الا انه تعميم معنى لان صلاح اولاد الانبياء سبب وطريق لصلاح العامة فكأنهما قالا واصلح عامة عبادك باصلاح بعض ذريتنا وخصا البعض من ذريتهما لما علما ان من ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين وطريق علمها بذلك امر ان تنصيص الله تعالى بذلك بقوله لا ينال عهدى الظالمين البقرة 124. والاستدلال بان حكمة الله تعالى تقتضى ان لا يخلو العالم عن افاضل واوساط وارذال فالافاضل هم اهل الله الذين هم اخلصوا انفسهم لله بالاقبال الكلى عليه والاوساط هم اهل الآخرة الذين يجتنبون المنكرات ويواظبون على الطاعات رغبة فى نيل المثوبات والارذال هم اهل الدنيا الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة غافلون جل همتهم عمارة الدنيا وتهيئة اسبابها. وقد قيل عمارة الدنيا بثلاثة اشياء احدها الزراعة والغرس والثانى الحماية والحرب والثالث جلب الاشياء من مصر الى مصر ومن اكب على هذه الاشياء ونسى الموت والبعث والحساب وسعى لعمارة الدنيا سعيا بليغا ودقق فى اعمال فكره تدقيقا عجيبا فهو متوغل فى الجهل والحماقة ولهذا قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا وفى المثنوى اين جهان ويران شدى اندرزمان حرصها بيرون شدى ازمردمان استن اين عالم اى جان غفلتست هو شيارى اين جهان را آفتست هو شيارى زان جهانست وجو آن غالب آيدبست كردد اين جهان هو شيارى آفتاب وحرص يخ هو شيارى آب واين عالم وسخ { وأرنا مناسكنا } جمع منسك بفتح السين وكسرها اى بصرنا مواضع نسكنا او عرفنا مقتدراتنا اى المواضع التى يتعلق بها النسك اى افعال الحج نحو المواقيت التى يحرم منها والموضع الذى يوقف فيه بعرفة وموضع الطواف والصفا والمروة وما بينهما من المسعى وموضع رمى الجمار ويحتمل ان يراد بالمناسك ههنا افعال الحج نفسها لا مواضعها على ان يكون المنسك مصدرا لا اسم مكان ويكون جمعه لاختلاف انواعه ويكون ارنا بمعنى عرفنا لان نفس الافعال لا تدرك بالبصر بل ترى بعين القلب والنسك كل ما يتعبد به الى الله وشاع فى اعمال الحج لكونها اشق الاعمال بحيث لا تتأتى الا بمزيد سعى واجتهاد { وتب علينا } عما فرط منا سهوا من الصغائر ومن ترك الاولى وتجاوز عن ذنوب ذريتنا من الكبائر ولعلهما قالاه هضما لانفسهما وارشادا لذريتهما فانهما لما بنيا البيت ارادا ان يسنا للناس ويعرفاهم ان ذلك البيت وما يتبعه من المناسك والمواقف امكنة التفصى من الذنوب وطلب التوبة من علام الغيوب { إنك أنت التواب الرحيم } لمن تاب اصل التوبة الرجوع وتوبة الله على العبد قبوله توبته وان يخلق الانابة والرجوع فى قلب المسئ ويزين جوارحه الظاهرة بالطاعات بعد ما لوثها بالمعاصى والخطيآت وتواب من صيغ المبالغة اطلق عليه تعالى للمبالغة فى صدور الفعل منه وكثرة قبوله توبة المذنبين لكثرة من يتوب اليه.

البقرة 2:129

{ ربنا وابعث فيهم } اى فى جماعة الامة المسلمة من اولادنا { رسولا منهم } اى من انفسهم فان البعث فيهم لا يستلزم البعث منهم ولم يبعث من ذريتهما غير النبى صلى الله عليه وسلم فهو الذى اجيب به دعوتهما روى انه قيل له قد استجيب لك وهو فى آخر الزمان وفى الحديث " انى عند الله مكتوب خاتم النبيين وان آدم لمجدل فى طينته وسأخبركم بأول امرى انى دعوة ابى ابراهيم وبشارة عيسى ورؤيا امى التى رأت حين وضعتنى وقد خرج منها نور أضاءت لها منه قصور الشام " واراد بدعوة ابراهيم هذا فانه دعا الله ان يبعث فى بنى اسرائيل رسولا منهم { يتلو عليهم آياتك } يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى اليه من دلائل التوحيد والنبوة { ويعلمهم } بحسب قوتهم النظرية { الكتاب } اى القرآن { والحكمة } وما يكمل به نفوسهم من المعارف الحقة والاحكام الشرعية. قال ابن دريد كل كلمة وعظتك او دعتك الى مكرمة او نهتك عن قبيح فهى حكمة { ويزكيهم } بحسب قوتهم العملية اى يطهرهم من دنس الشرك وفنون المعاصى سواء كانت بترك الواجبات او بفعل المنكرات ثم ان ابراهيم عليه السلام لما ذكر هذه الدعوات الثلاث ختمها بالثناء على الله تعالى فقال { إنك أنت العزيز } الذى يقهر ويغلب على ما يريد { الحكيم } الذى لا يفعل الا ما تقتضيه الحكمة والمصلحة فهو عزيز حكيم بذاته وكل ما سواه ذليل جاهل فى نفسه. قال الامام الغزالى قدس سره فى شرح الاسماء الحسنى العزيز هو الخطير الذى يقل وجود مثله وتشتد الحاجة اليه ويصعب الوصول اليه فما لم تجتمع هذه المعانى الثلاثة لم يطلق العزيز فكم من شئ يقل وجوده ولكن اذا لم يعظم خطره ولم يكثر نفعه لم يسم عزيزا وكم من شئ يعظم خطره ويكثر نفعه ولا يوجد نظيره ولكن اذا لم يصعب الوصول اليه لم يسم عزيزا كالشمس مثلا فانها لا نظير لها والارض كذلك والنفع عظيم فى كل واحدة منهما والحاجة شديدة اليهما ولكن لا توصفان بالعزة لانه لا يصعب الوصول الى مشاهدتهما فلا بد من اجتماع المعانى الثلاثة. ثم فى كل من المعانى الثلاثة كمال ونقصان فالكمال فى قلة الوجود ان يرجع الى واحد اذ لا اقل من الواحد ويكون بحيث يستحيل وجود مثله وليس هذا الا الله تعالى فان الشمس وان كانت واحدة فى الوجود فليست واحدة فى الامكان فيمكن وجود مثلها والكمال فى النفاسة وشدة الحاجة ان يحتاج اليه كل شئ فى كل شئ حتى فى وجوده وبقائه وصفاته وليس ذلك الكمال الا لله تعالى فهو العزيز المطلق الحق الذى لا يوازيه فيه غيره والعزيز من العباد من يحتاج اليه عباد الله فى اهم امورهم وهى الحياة الاخروية والسعادة الابدية وذلك مما يقل لا محالة وجوده ويصعب ادراكه وهذه رتبة الانبياء عليهم السلام ويشاركهم فى العز من يتفرد بالقرب من درجتهم فى عصره كالخلفاء وورثتهم من العلماء وعزة كل واحد بقدر علو رتبته عن سواه فى النيل والمشاركة وبقدر عنائه فى ارشاد الخلق والحق ذو الحكمة والحكمة عبارة عن معرفة افضل الاشياء باجل العلوم واجل الاشياء هو الله تعالى ولا يعرف كنه معرفته غيره فهو الحكيم المطلق لانه يعلم اجل الاشياء باجل العلوم اذ اجل العلوم هو العلم الازلى الدائم الذى لا يتصور زواله المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق اليها خفاء وشبهة ولا يتصف بذلك الا علم الله تعالى وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويحكمها ويتقن صنعتها حكيما وكمال ذلك ايضا ليس الا لله تعالى فهو الحكيم المطلق ومن عرف جميع الاشياء ولم يعرف الله تعالى لم يستحق ان يسمى حكيما لانه لم يعرف اجل الاشياء وافضلها والحكمة اجل العلوم وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم ولا اجل من الله ومن عرف الله فهو حكيم وان كان ضعيف المنة فى سائر العلوم الرسمية كليل اللسان قاصر البيان فيها الا ان نسبة حكمة العبد الى حكمة الله تعالى كنسبة معرفته الى معرفته بذاته وشتان بين المعرفتين فشتان بين الحكمتين ولكنه مع بعده عنه فهو انفس المعارف واكثرها خيرا ومن اوتى الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يتذكر الا اولوا الالباب نعم من عرف الله كان كلامه مخالفا لكلام غيره فانه قلما يتعرض للجزئيات بل يكون كلامه جمليا ولا يتعرض لمصالح العاجلة بل يتعرض لما ينفع فى العاقبة ولما كانت الكلمات الكلية اظهر عند الناس من احوال الحكيم من معرفته بالله ربما اطلق الناس اسم الحكمة على مثل تلك الكلمات الكلية ويقال للناطق بها حكيم وذلك مثل قول سيد الانبياء عليه السلام. رأس الحكمة مخافة الله. الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من اتبع نفسه هواها وتمنى على الله. ما قل وكفى خير مما كثر والهى. السعيد من وعظ بغيره. القناعة مال ينفد. الصبر نصف الايمان. اليقين الايمان كله. فهذه الكلمات وامثالها تسمى حكمة وصاحبها يسمى حكيما انتهى كلام الغزالى. ثم ان فى الآية اشارة الى ان فى ارسال الرسل حكمة اى مصلحة وعاقبة حميدة لان عمارة الظاهر وانارة الباطن ونظام العالم بهم لا بغيرهم ولورثتهم من الاولياء الكاملين حظ اوفى فى باب التزكية فلا بد للعبد من دليل ومرشد يهتدى به الى مقصوده ومن لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان قال الحافظ بكوى عشق منه بى دليل راه قدم كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد والمرشد الكامل يزكى نفس السالك باذن الله ويطهرها من دنس الالتفات الى ما سوى الله ويتلو عليه الآيات الانفسية والآفاقية ليكون من الموقنين ويغتنم النعيم الروحانى ويدخل فى زمرة الصديقين فقوله تعالى { ويزكيهم } يشير الى السلوك والتسليك فاحفظ هذا وليكن على ذكر منك اللهم احفظنا من الموانع فى طريق الوصول اليك فان كل رجاء فى حيز القبول لديك.

البقرة 2:130

{ ومن يرغب عن ملة إبراهيم } من استفهامية قصد بها الانكار والتقريع ورغب فى الشىء اذا اراده ورغب عنه اذا تركه اى لا يترك دين ابراهيم احد ولا يعرض عن شريعته وطريقته { إلا من سفه نفسه } اى اذلها وجعلها مهينا حقيرا فانتصاب نفسه على انه مفعول به روى ان عبد الله ابن سلام دعا ابنى اخيه سلمة ومهاجرا الى الاسلام فقال لهما قد علمتما ان الله تعالى قال فى التوراة انى باعث من ولد اسماعيل نبيا اسمه احمد فمن آمن به فقد اهتدى ومن لم يؤمن به فهو ملعون فاسلم سلمة وابى مهاجر فانزل الله هذه الآية { ولقد اصطفيناه فى الدنيا } اى وبالله لقد اخترنا ابراهيم فى الدنيا من بين سائر الخلق بالنبوة والحكمة { وإنه فى الآخرة } متعلق بقوله { لمن الصالحين } اى من المشهود لهم بالثبات على الاستقامة والخير والصلاح فمن كان صفوة العباد فى الدنيا مشهودا له فى الآخرة بالصلاح كان حقيقا بالاتباع لا يرغب عن ملته الا سفيه اى فى اصل خلقته او متسفه يتكلف السفاهة بمباشرة افعال السفهاء باختياره فيذل نفسه بالجهل والاعراض عن النظر والتأمل فقوله { وإنه فى الآخرة لمن الصالحين } بشارة له فى الدنيا بصلاح الخاتمة ووعد له بذلك وكم من صالح فى اول حاله ذهب صلاحه فى مآله وكان فى الآخرة لعذابه ونكاله كبلعم وبرصيصا وقارون وثعلبة.

البقرة 2:131

{ إذ قال له } ظرف لاصطفيناه وتعليل له اى اخترناه فى وقت قال له { ربه أسلم } اى اخلص دينك لربك واستقم على الاسلام واثبت عليه وذلك حين خرج من الغار ونظر الى الكوكب والقمر والشمس فألهمه الله الاخلاص { قال اسلمت لرب العالمين } اى اخلصت دينى له كقوله إنى وجهت وجهى للذى فطر السموات والأرض الأنعام 79 الآية. وقد امتثل ما امر به من الاخلاص والاستسلام واقام على ما قال فسلم القلب والنفس والولد والمال ولما قال له جبريل حين القى فى النار هل لك من حاجة فقال أما اليك فلا فقال ألا تسأل ربك فقال حبسى بسؤالى علمه بحالى. قال اهل التفسير ان ابراهيم ولد فى زمن النمرود بن كنعان وكان النمرود اول من وضع التاج على رأسه ودعا الناس الى عبادته وكان له كهان ومنجمون فقالوا له انه يولد فى بلدك فى هذه السنة غلام يغير دين اهل الارض ويكون هلاكك وزوال ملكك على يديه قالوا فامر بذبح كل غلام يولد فى ناحيته فى تلك السنة فلما دنت ولادة ام ابراهيم واخذها المخاض خرجت هاربة مخافة ان يطلع عليها فيقتل ولدها فولدته فى نهر يابس ثم لفته فى خرقة ووضعته فى حلفاء وهو نبت فى الماء يقال له بالتركى " حصير قمشى " ثم رجعت فأخبرت زوجها بانها ولدت وان الولد فى موضع كذا فانطلق ابوه فاخذه من ذلك المكان وحفر له سربا اى بيتا فى الارض كالمغارة فواراه فيه وسد عليه بابه بصخرة مخافة السباع وكانت امه تختلف اليه فترضعه وكان اليوم على ابراهيم فى الشباب والقوة كالشهر فى حق سائر الصبيان والشهر كالسنة فلم يمكث فى المغارة الا خمسة عشر شهرا او سبع سنين او اكثر من ذلك فلما شب ابراهيم فى السرب قال لامه من ربى قالت انا قال فمن ربك قالت ابوك قال فمن رب ابى قالت اسكت ثم رجعت الى زوجها فقالت أرأيت الغلام الذى كنا نحدث انه يغير دين اهل الارض فانه ابنك ثم اخبرته بما قال فاتى ابوه آزر وقال له ابراهيم يا أبتاه من ربى قال امك قال فمن رب امى قال انا قال فمن ربك قال النمرود قال فمن رب النمرود فلطمه لطمة وقال له اسكت فلما جن عليه الليل دنا من باب السرب فنظر من خلال الصخرة فرأى السماء وما فيها من الكواكب فتفكر فى خلق السموات والارض فقال ان الذين خلقنى ورزقنى واطعمنى وسقانى رب الذى مالى اله غيره ثم نظر فى السماء فرأى كوكبا قال هذا ربى ثم اتبعه بصره ينظر اليه حتى غاب فلما افل قال لا احب الآفلين ثم رأى القمر ثم الشمس فقال فيهما كما قال فى حق الكواكب. ثم انهم اختلفوا فى قوله ذلك فارجاه بعضهم على الظاهر وقالوا كان ابراهيم فى ذلك الوقت مسترشدا طالبا للتوحيد حتى وفقه الله اليه وارشده فلم يضره ذلك فى الاستدلال وايضا كان ذلك فى حال طفوليته قبل ان يجرى عليه القلم فلم يكن كفرا وانكر الآخرون هذا القول وقالوا كيف يتصور من مثله ان يرى كوكبا ويقول هذا ربى معتقدا فهذا لا يكون ابدا ثم اولوا قوله ذلك بوجوه مذكورة فى سورة الانعام للامام محيى السنة. والحاصل ان ابراهيم مستسلم للرب الكريم وانه على الصراط المستقيم لا يرغب عن طريقته الا من سفه نفسه اى لم يتفكر فيها كما تفكر ابراهيم فى الانفس والآفاق قال تعالى وفى أنفسكم أفلا تبصرون الذاريات 21. والسفاهة الجهل وضعف الرأى وكل سفيه جاهل وذلك ان من عبد غير الله فقد جهل نفسه لانه لم يعرف الله خالقها وقد جاء فى الحديث " من عرف نفسه فقد عرف ربه ". وفى الاخبار " ان الله تعالى اوحى الى داود اعرف نفسك بالضعف والعجز والفناء واعرفنى بالقوة والقدرة والبقاء " وفى المثنوى جيست تعظيم خدا افراشتن خويشتن را خاك وخوارى داشتن جيست توحيد خدا آموختن خويشتن را بيش واحد سوختن هستيت درهست آن هستى نواز همجو مس در كيميا اندر كداز جملة معشوقست وعاشق برده زنده معشوقست وعاشق مرده

البقرة 2:132

{ ووصى } لما كمل ابراهيم عليه السلام فى نفسه كمل غيره بالتوصية وهو تقديم ما فيه خير وصلاح من قول او فعل الى الغير على وجه التفضل والاحسان سواء كان امرا دينيا او دنيويا { بها } اى بالملة المذكورة فى قوله تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم البقرة 130. { إبراهيم بنيه } اى اولاده الذكور الثمانية عند البعض اسماعيل وامه هاجر القبطية واسحق وامه سارة وستة امهم قنطورا بنت يقطن الكنعانية تزوجها ابراهيم بعد وفاة سارة وهم مدين ومداين وزمران ويقشان ويشبق ونوح { ويعقوب } رفع عطف على ابراهيم اى وصى يعقوب ايضا وهو ابن اسحق بن ابراهيم بنيه الاثنى عشر روميل وشمعون ولاوى ويهودا ويستسوخور وزبولون وزوانا ونفتونا وكوزا واوشير وبنيامين ويوسف. وسمى يعقوب لانه مع اخيه عيصو كانا توأمين فتقدم عيصو فى الخروج من بطن امه وخرج يعقوب على اثره آخذا بعقبه وذلك ان ام يعقوب حملت فى بطن واحد بولدين توأمين فلما تكامل عدة اشهر الحمل وجاء وقت الوضع تكلما فى بطنها وهى تسمع فقال احدهما للآخر طرق لى حتى اخرج قبلك وقال الآخر لئن خرجت قبلى لاشقن بطنها حتى اخرج من خصرها فقال الآخر اخرج قبلى ولا تقتل امى قال فخرج الاول فسمته عيصو لانه عصاها فى بطنها وخرج الثانى وقد امسك بعقبه فسمته يعقوب فنشأ عيصو بالغلظة والفظاظة صاحب صيد وقنص ويعقوب بالرحمة اللين صاحب زرع وماشية. وروى انهما ماتا فى يوم واحد ودفنا فى قبر واحد قيل عاش يعقوب مائة وسبعا واربعين سنة ومات بمصر واوصى ان يحمل الى الارض المقدسة ويدفن عند ابيه اسحق فحمله يوسف فدفنه عنده { يا بنى } على اضمار القول عند البصريين تقديره وصى وقال يا بنى وذلك لان يا بنى جملة والجملة لا تقع مفعولا الا لافعال القلوب او فعل القول عندهم { إن الله اصطفى لكم الدين } اى دين الاسلام الذى هو صفوة الاديان ولا دين عنده غيره { فلا تموتن } اى لا يصادفكم الموت { إلا وأنتم مسلمون } اى مخلصون بالتوحيد محسنون بربكم الظن وهذا نهى عن الموت فى الظاهر وفى الحقيقة عن ترك الاسلام لان الموت ليس فى ايديهم وذلك حين دخل يعقوب مصر فرأى اهلها يعبدون الاصنام فاوصى بنيه بان يثبتوا على الاسلام فان موتهم لا على حال الثبات على الاسلام موت لا خير فيه وانه ليس بموت السعداء وان من حق هذا الموت ان لا يحل فيهم وتخصيص الابناء بهذه الوصية مع انه معلوم من حال ابراهيم انه كان يدعو الكل ابدا الى الاسلام والدين وللدلالة على ان امر الاسلام اولى الامور بالاهتمام حيث وصى به اقرب الناس اليه واحراهم بالشفقة والمحبة وارادة الخير مع ان صلاح ابنائه سبب لصلاح العامة لان المتبوع اذا صلح فى جميع احواله صلح التابع. روى انه لما نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين الشعراء 214. جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم اقاربه وانذرهم فقال " يا بنى كعب بن لوى انقذوا انفسكم من النار يا بنى مرة بن كعب انقذوا انفسكم من النار يا بنى عبد شمس انقذوا انفسكم من النار يا بنى هاشم انقذوا انفسكم من النار يا بنى عبد المطلب انقذوا انفسكم من النار يا فاطمة انقذى نفسك من النار فانى لا املك لكم من الله شيأ ". يعنى لا اقدر على دفع مكروه عنكم فى الآخرة ان اراد الله ان يعذبكم وانما اشفع لمن اذن الله لى فيه وانما يأذن لى اذا لم يرد تعذيبه انما قال عليه السلام فى حقهم هكذا لترغيبهم فى الايمان والعمل لئلا يعتمدوا على قرابته ويتهاونوا ولا بد من الوصية والتحذير فىباب الدين لان الانسان اذا انس باهل الشر يخاف ان يتخلق باخلاقهم ويعمل عملهم فيجره ذلك الهوى الى الهاوية كما قيل نفس از همنفس بكيرد خوى بر حذر باش از لقاى خبيث باد جون برفضاى بد كذرد بوى بد كيرد از هواى خبيث وكتب ابو عبيد الصورى الى بعض اخوانه اما بعد فانك قد اصبحت تأمل الدنيا بطول عمرك وتتمنى على الله الامانى بسوء فعلك وانما تضرب حديدا باردا والسلام وحسن الظن بالله تعالى انما يعتبر بعد اصلاح الحال بالاخلاق والاعمال. قال الحسن ان قوما ألهتهم الامانى حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة يقول احدهم انى احسن الظن بربى وكذب لو احسن الظن لاحسن العمل وتلا قوله تعالى وذلكم ظنكم فصلت 23 الآية. اللهم وفقنا للعلم والعمل قبل الاجل.

البقرة 2:133

{ ام كنتم شهداء } لاهل الكتاب الراغبين عن ملة ابراهيم عليه السلام وام منقطعة مقدرة ببل والهمزة. قال فى التيسير ام اذا لم يتقدمها الف الاستفهام كانت بمنزلة مجرد الاستفهام ومعنى الهمزة فيها الانكار يعنى أكنتم شهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر يريد ما كنتم حاضرين { إذ حضر يعقوب الموت } اى اماراته واسبابه وقرب خروجه من الدنيا نزلت حين قالت اليهود للنبى عليه السلام ألست تعلم ان يعقوب اوصى بنيه باليهودية يوم مات فقال تعالى ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب وقال لبنيه ما قال والا لما ادعيتم عليه اليهودية ولكان حرضكم على ملة الاسلام { إذ قال لبنيه } بدل من اذ حضر والعامل فيها شهداء { ما تعبدون من بعدى } اى أى شىء تعبدونه بعد موتى اراد به تقريرهم على التوحيد والاسلام واخذ ميثاقهم على الثبات عليهما. قال الراغب لم يعن بقوله ما تعبدون من بعدى العبادة المشروعة فقط وانما عنى ان يكون مقصودهم فى جميع الاعمال وجه الله تعالى ومرضاته وان يتباعدوا عما لا يتوسل به اليها وكأنه دعاهم الى ان لا يتحروا فى اعمالهم غير وجه الله تعالى ولم يخف عليهم الاشتغال بعبادة الاصنام وانما خاف ان تشغلهم دنياهم ولهذا قيل ما قطعك عن الله فهو طاغوت ولهذا قال واجنبنى وبنى ان نعبد الاصنام اى ان نخدم ما دون الله قال فى المثنوى جيست دنيا از خدا غافل شدن نى قماش ونقره وفرزند و وزن قال النحرير التفتازائى وما عام اى يصح اطلاقه على ذى العقل وغيره عند الابهام سواء كان للاستفهام ام غيره واذا علم ان الشى من ذى العقل والعلم فرق بمن وما فيخص من بذى العلم وما بغيره وبهذا الاعتبار يقال ان ما لغير العقلاء انتهى كلامه وتم الانكار عليهم عند قوله ما تعبدون من بعدى ثم استأنف وبين ان الامر قد جرى على خلاف ما زعموا فقال { قالوا } كأنه قيل فماذا قالوا عند ذلك فقيل قالوا { نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } اى نعبد الآله المتفق على وجوده وآلهيته ووجوب عبادته وجعل اسماعيل وهو عمه من جملة الآباء تغليبا للاب والجد لان العم أب والخالة أم لانخراطهما فى سلك واحد وهو الاخوة لا تفاوت بينهما ومنه قوله عليه السلام " عم الرجل صنو أبيه ". اى لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوى النخلة { إلها واحدا } بدل من اله آبائك وفائدته التصريح بالتوحيد ودفع التوهم الناشئ من تكرر المضاف او نصب على الاختصاص كأنه قيل نريد ونعنى بآله آبائك آلها واحدا { ونحن له مسلمون } حال من فاعل نعبد.

البقرة 2:134

{ تلك } اشارة الى الامة المذكورة التى هى ابراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون { امة } هى فى الاصل المقصود كالعهدة بمعنى المعهود وسمى بها الجماعة لان فرق الناس تؤمها اى يقصدونها ويقتدون بها وهى خبر تلك { قد خلت } اى مضت بالموت وانفردت عمن عداها واصله صارت الى الخلاء وهى الارض التى لا انيس بها والجملة نعت لامة { لها ما كسبت } تقديم المسند لقصره على المسند اليه اى لها كسبها لا كسب غيرها { ولكم ما كسبتم } لا كسب غيركم { ولا تسئلون عما كانوا يعملون } اى لا تؤاخذون بسيآت الامة الماضية كما فى قوله ولا تسألون عما اجرمنا كما لا تثابون بحسناتهم فلكل اجر عمله وذلك لما ادعى اليهود ان يعقوب عليه السلام مات على اليهودية وانه عليه السلام وصى بها بنيه يوم مات وردوا بقوله تعالى أم كنتم شهداء البقرة 133 الآية. قالوا هب ان الامر كذلك أليسوا آباءنا واليهم ينتمى نسبنا فلا جرم ننتفع بصلاحهم ومنزلتهم عند الله تعالى قالوا ذلك مفتخرين باوآئلهم فردوا بانهم لا ينفعهم انتسابهم اليهم وانما ينفعهم اتباعهم فى الاعمال فان احدا لا ينفعه كسب غيره كما قال عليه السلام " يا بنى هاشم لا يأتينى الناس باعمالهم وتأتونى بانسابكم ". وقال عليه السلام " من ابطأ به عمله لم يسرع به نسبه ". يعنى من اخره فى الآخرة عمله السيئ او تفريطه فى العمل الصالح لم ينفعه شرف نسبه ولم تنجبر نقيصته به قال الشاعر أتفخر باتصالك من على واصل البؤسة الماء القراح وليس بنافع نسب زكى يدنسه صنائعك القباح والابناء وان كانوا يتشرفون بشرف آبائهم الا انه اذا نفخ فى الصور فلا أنساب والافتخار بمثل هذا كالافتخار بمتاع غيره وانه من الجنون فلا بد من كسب العمل والاخلاص فيه فانه المنجى بفضل الله تعالى وجاء فى حديث طويل وهو ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " انى رأيت البارحة عجبا رأيت رجلا من امتى جاءه ملك الموت ليقبض روحه فجاء بره لوالديه فرده عنه ورأيت رجلا من امتى قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من امتى قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم ورأيت رجلا من امتى قد احتوشته ملائكة العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من ايديهم ورأيت رجلا من امتى يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه ورأيت رجلا من امتى والنبيون قعود حلقا حلقا كلما دنا لحلقة طرد فجاءه اغتساله من الجنابة فاخذ بيده واقعده الى جنبى ورأيت رجلا من امتى بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة فهو متحير فجاءته حجته وعمرته فاستخرجتاه من الظلمة وادخلتاه فى النورورأيت رجلا من امتى يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءته صلة الرحم فقالت يا معشر المؤمنين كلموه كلموه ورأيت رجلا من امتى يتقى وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت سترا على وجهه وظلا على رأسه ورأيت رجلا من امتى قد اخذته الزبانية من كل مكان فجاءه امره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من ايديهم وادخلاه مع ملائكة الرحمة ورأيت رجلا من امتى جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فاخذ بيده فادخله على الله ورأيت رجلا من امتى قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فاخذ صحيفته فجعلها فى يمينه ورأيت رجلا من امتى قد خف ميزانه فجاءته افراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من امتى قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من امتى اهوى فى النار فجاءته دموعه التى بكى بها من خشية الله فاستخرجته من النار ورأيت رجلا من امتى قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاءه حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من امتى على الصراط يزحف احيانا ويحبو احيانا ويتعلق احيانا فجاءته صلاته على فاخذت بيده واقامته ومضى على الصراط ورأيت رجلا من امتى انتهى الى ابواب الجنة فغلقت الابواب دونه فجاءته شهادة ان لا اله الا الله ففتحت له الابواب وادخلته الجنة ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قال لا اله الا الله مخلصا دخل الجنة " قيل يا رسول الله وما اخلاصها قال " ان تحجزه عن محارم الله ". فعلم من هذا التفصيل ان الخلاص وان كان بفضل الله تعالى لكنه منوط بالاعمال الصالحة فالقرابة لا تغنى شيأ اذا فسد العمل واما قول من قال اذا طاب اصل المرء طابت فروعه فباعتبار الغالب فان من عادته تعالى ان يخرج الحى من الميت والميت من الحى ونعم ما قيل اصل را اعتبار جندان نيست روى تر كل زخار خندان نيست مى زغوره شود شكر ازنى عسل ازنحل حاصلست بقى والعود الذى تفوح رائحته وان كان فى الاصل شجرة كسائر الاشجار الا انه لما كان له استعداد لتلك المرتبة وحصل ذلك بالتربية فاق على الاقران وخرج من جنس الاصل وكذا المسك فان اصله دم وكم من نسيب يعود على اصله بالعكس فيظهر فيه اثر الصلاح الباطن فى ابيه ان كان اى ابوه فاسقا او الفساد الباطن فيه ان كان صالحا وكم من فرع يميل الى اصله على وجه فانظر حال آدم عليه السلام وولديه هابيل وقابيل ومن بعدهم الى قيام الساعة.

البقرة 2:135

{ وقالوا كونوا هودا أو نصارى } نزلت فى رؤس يهود المدينة وفى نصارى نجران اى قالت اليهود كونوا هودا فان نبينا موسى افضل الانبياء وكتابنا التوراة افضل الكتب وديننا افضل الاديان وكفروا بعيسى والانجيل وبمحمد والقرآن وقالت النصارى كونوا نصارى فان نبينا عيسى افضل الانبياء وكتابنا الانجيل افضل الكتب وديننا افضل الاديان وكفروا بموسى والتوراة وبمحمد والقرآن { تهتدوا } جواب للامر اى ان تكونوا كذلك تجدوا الهداية من الضلالة { قل } يا محمد لهم على سبيل الرد وبيان ما هو الحق لا نكون ما تقولون { بل } نكون { ملة إبراهيم } اى اهل ملته ودينه على حذف المضاف اى بل نتبع ملته لان كونوا معناه اتبعوا اليهودية والنصرانية { حنيفا } اى مائلا عن كل دين باطل الى دين الحق ومنحرفا عن اليهودية والنصرانية وهو حال من المضاف اليه وهو ابراهيم كما فى رأيت وجه هند قائمة لان رؤية وجه هند يستلزم رؤيتها فالحال هنا تبين هيئة المفعول او من المضاف وهو الملة وتذكير حنيفا حينئذ بتأويل الملة بالدين لانهما متحدان ذاتا والتغاير بالاعتبار { وما كان من المشركين } تعريض بهم وايذان ببطلان دعواهم اتباع ابراهيم مع اشراكهم بقولهم عزير ابن الله والمسيح ابن الله. وفى الآية ارشاد الى اتباع دين ابراهيم وهو الدين الذى عليه نبينا عليه السلام واصحابه واتباعه.

البقرة 2:136

{ قولوا } ايها المؤمنون { آمنا بالله } وحده { وما أنزل إلينا } اى بالقرآن الذى انزل على نبينا والانزال اليه انزال الى امته لان حكم المنزل يلزم الكل { وما أنزل على إبراهيم } من صحفه العشر { و } ما انزل الى { إسماعيل وإسحاق ويعقوب } الى { الأسباط } جمع سبط وهو فى اصل شجرة واحدة لها اغصان كثيرة والمراد هنا اولاد يعقوب وهم اثنا عشر سموا بذلك لانه ولد لكل منهم جماعة وسبط الرجل حافده اى ولد ولده والاسباط من بنى اسرائيل كالقبائل من العرب والشعوب من العجم وهم جماعة من اب وام وكان فى الاسباط انبياء والصحف وان كانت نازلة الى ابراهيم لكن من بعده حيث كانوا متعبدين بتفاصيلها داخلين تحت احكامها جعلت منزلة اليهم كما جعل القرآن منزلا الينا { وما أوتى موسى وعيسى } من التوراة والانجيل وتخصيصهما بالذكر لما ان الكلام مع اليهود والنصارى { وما أوتى النبيون } جملة المذكورين منهم وغير المذكورين { من ربهم } فى موضع الحال من العائد المحذوف والتقدير وبما اوتيه النبيون منزلا عليهم من ربهم { لا نفرق بين أحد منهم } كاليهود فنؤمن ببعض ونكفر ببعض وكيف نفعل ذلك والدليل الذى اوجب علينا ان نؤمن ببعض الانبياء وهو تصديق الله اياه بخلق المعجزات على يديه يوجب الايمان بالباقين فلو آمنا ببعضهم وكفرنا بالبعض لناقضنا انفسنا والجملة حال من الضمير فى آمنا وانما اعتبر عدم التفريق بينهم مع ان الكلام فيما اوتوه لا يستلزم عدم التفريق بينهم بالتصديق والتكذيب لعدم التفريق بين ما اوتوه واحد فى معنى الجماعة ولذلك صح دخول بين عليه { ونحن له مسلمون } اى والحال انا مخلصون لله تعالى ومذعنون.

البقرة 2:137

{ فان آمنوا } اى اليهود والنصارى { بمثل ما } اى بمثل الدين الذى { آمنتم به } هذا من باب التعجيز والتبكيت اى الزام الخصم والجائه الى الاعتراف بالحق بارخاء عنانه وسد طرق المجادلة عليه والمثل مقحم والمعنى فان آمنوا بما آمنتم به وهو الله فانه ليس لله تعالى مثل وكذا لدين الاسلام { فقد اهتدوا } الى الحق واصابوه كما اهتديتم وحصل بينكم الاتحاد والاتفاق { وإن تولوا } اى ان اغضوا عن الايمان على الوجه المذكور بان اخلوا بشئ من ذلك كأن آمنوا ببعض وكفروا ببعض كما هو ديدنهم ودينهم { فانما هم فى شقاق } اى مستقرون فى خلاف عظيم بعيد من الحق وهذا لدفع ما يتوهم من احتمال الوفاق بسبب ايمانهم ببعض ما آمن به المؤمنون فقوله فى شقاق خبر لقوله هم وجعل الشقاق ظرفا لهم وهم مظروفون له مبالغة فى الاخبار باستيلائه عليهم فانه ابلغ من قولك هم مشاقون والشقاق مأخوذ من الشق وهو الجانب فكأن كل واحد من الفريقين فى شق غير شق صاحبه بسبب العداوة ولما دل تنكير الشقاق على امتناع الوفاق وان ذلك مما يؤدى الى الجدال والقتال لا محالة عقب ذلك بتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفريح المؤمنين بوعد النصرة والغلبة وضمان التأييد والاعزاز بالسين للتأكيد الدالة على تحقق الوقوع البتة فقيل { فسيكفيكهم الله } الضميران منصوبا المحل على انهما مفعولان ليكفى يقال كفاه مؤنته كفاية وان كثر استعمالة معدى الى واحد نحو كفاك الشئ والظاهر ان المفعول الثانى حقيقة فى الآية هو المضاف المقدر اى فسيكفى الله اياك امر اليهود والنصارى ويدفع شرهم عنك وينصرك عليهم فان الكفاية لا تتعلق بالاعيان بل بالافعال وقد انجز الله وعده الكريم بالقتل والسبى فى بنى قريظة والجلاء والنفى الى الشام وغيره فى بنى النضير والجزية والذلة فى نصارى نجران { وهو السميع العليم } تذييل لما سبق من الوعد وتأكيد له والمعنى انه تعالى يسمع ما تدعو به ويعلم ما فى نيتك من اظهار الدين فيستجيب لك ويوصلك الى مرادك.

البقرة 2:138

{ صبغة الله } الصبغ ما يلون به الثياب والصبغ المصدر والصبغة الفعلة التى تبنى للنوع والحالة من صبغ كالجلسة من جلس وهى الحالة التى يقع الصبغ عليها وهى اى الصبغة فى الآية مستعارة لفطرة الله التى فطر الناس عليها شبهت الخلقة السليمة التى يستعد بها العبد للايمان وسائر انواع الطاعات بصبغ الثوب من حيث ان كل واحدة منهما حلية لما قامت هى به وزينة له والتقدير صبغنا الله صبغة اى فطرنا وخلقنا على استعداد قبول الحق والايمان فطرته فهذا المصدر مفعول مطلق مؤكد لنفسه لانه مع عامله المقدر بعينه وقع مؤكدا لمضمون الجملة المقدمة وهو قوله آمنا بالله لا محتمل لها من المصادر الا ذلك المصدر لان ايمانهم بالله يحصل بخلق الله اياهم على استعداد اتباع الحق والتحلى بحلية الايمان ويحتمل ان يكون التقدير طهرنا الله تطهيره لان الايمان يطهر النفوس من اوضار الكفر وسماه صبغة للمشاكلة وهى ذكر الشئ بلفظ غيره لوقوع ذلك الشئ فى صحبة الغير اما بحسب المقال المحقق او المقدر بان لا يكون ذلك الغير مذكورا حقيقة ويكون فى حكم المذكور لكونه مدلولا عليه بقرينة الحال فهى كما تجرى بين فعلين كما هنا تجرى بين قولين كما فى تعلم ما فى نفسى ولا اعلم ما فى نفسك فانه عبر عن ذات الله تعالى بلفظ النفس لوقوعه فى صحبة لفظ النفس وعبر عن لفظ الفطرة بلفظ الصبغة لوقوعه فى صحبة صبغة النصارى اذ كانوا يشتغلون بصبغ اولادهم فى سابع الولادة مكان الختان للمسلمين بغمسهم فى الماء الاصفر الذى يسمونه المعمودية على زعم ان ذلك الغمس وان لم يكن مذكورا حقيقة لكنه واقع فعلا من حيث انهم يشتغلون به فكان فى حكم المذكور بدلالة قرينة الحال عليه من حيث اشتغالهم به ومن حيث ان الآية نزلت ردا لزعمهم ببيان ان التطهير المعتبر هو تطهير الله عباده لا تطهير اولادكم بغمسهم فى المعمودية وهى اسم ماء غسل به عيسى عليه السلام فمزجوه بماء آخر وكلما استعملوا منه جعلوا مكانه ماء آخر { ومن أحسن } مبتدأ وخبر والاستفهام فى معنى الجحد { من الله صبغة } نصب على التمييز من احسن منقول من المبتدأ والتقدير ومن صبغته احسن من صبغته تعالى فالتفضيل جار بين الصبغتين لا بين فاعليهما والمعنى أى شخص تكون صبغته احسن من صبغة الله فانه يصبغ عباده بالايمان ويطهرهم به من اوضار الكفر وانجاس الشرك فلا صبغة احسن من صبغته { ونحن له } اى لله الذى اولانا تلك النعمة الجليلة { عابدون } شكرا له ولسائر نعمه وتقدم الظرف للاهتمام ورعاية الفواصل وهو عطف على آمنا داخل تحت الامر وهو قولوا فاذا كان حرفة العبد العبادة فقد زين نفسه بصبغ حسن يزينه ولا يشينه وفى المثنوى كاورا رنك ازبرون مردرا ازدرون دان رنك سرخ وزردرا رنكهاى نيك ازخم صفاست رنك زشتان ازسياه آب جفاست صبغة الله نام آن رنك لطيف لعنة الله بوى اين رنك كثيف وفى قوله تعالى { ونحن له عابدون } اشارة الى ان العارفين يعبدون ربهم لا لشوق الجنة ولا لخوف النار. قال الله تعالى فى الزبور ومن اظلم ممن عبدنى لجنة او نار فلو لم اخلق جنة ولا نارا لم اكن مستحقا لان اعبد. واعلم ان العابد هو العامل بحق العبودية فى مرضاة الله تعالى والعبادة دون العبودية وهى دون العبودة لان من لم يبخل بروحه فهو صاحب عبودة فالعبادة ببذل الروح فوق العبادة ببذل النفس. قال سهل بن عبد الله لا يصح التعبد لاحد حتى لا يجزع من اربعة اشياء من الجوع والعرى والفقر والذل. قال الشيخ ابو العباس رحمه الله اوقات العبد اربعة لا خامس لها الطاعة والمعصية والنعمة والبلية ولكل وقت منها سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية فمن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب بالله تعالى ومن كان وقته البلية فسبيله الرضى والصبر فعليك ان تراقب الاوقات الى ان تصل اعلى الدرجات وغاية الغايات وفى المثنوى كافرم من كر زيان كردست كس درره ايمان وطاعت يكنفس سرشكسته نيست اين سررا مبند يك دوروزه جهد كن باقى بخند تازه كن ايمان نه از كفت زبان اى هوارا تازه كرده درنهان تاهواتازه است ايمان تازه نيست كين هو اجز قفل آن دروازه نيست روى ان السرى قدس سره قال مكثت عشرين سنة اخرس خلق الله تعالى فلم يقع فى شبكتى الا واحد كنت اتكلم فى المسجد الجامع ببغداد يوم الجمعة وقلت عجبت من ضعيف عصى قويا فلما كان يوم السبت وصليت الغداة اذا انا بشاب قد وافى وخلفه ركبان على دواب بين يديه غلمان وهو راكب على دابته فنزل وقال أيكم السرى السقطى فأومأ جلسائى الى فسلم على وجلس وقال سمعتك تقول عجبت من ضعيف عصى قويا فما اردت به فقلت ما ضعيف اضعف من ابن آدم ولا قوى اقوى من الله تعالى وقد تعرض ابن آدم مع ضعفه الى معصية الله تعالى قال فبكى ثم قال يا سرى هل يقبل ربك غريقا مثلى قلت ومن ينقذ الغرقى الا الله تعالى قال يا سرى ان على مظالم كثيرة كيف اصنع قال اذا صححت الانقطاع الى الله تعالى ارضى عنك الخصوم بلغنا عن النبى عليه السلام انه قال " اذا كان يوم القيامة واجتمع الخصوم على ولى الله وكل لكل منهم ملكا يقول لا تروعوا ولى الله فان حقكم اليوم على الله تعالى " فبكى ثم قال صف لى الطريق الى الله فقلت ان كنت تريد المقتصدين فعليك بالصيام والقيام وترك الآثام وان كنت تريد طريق الاولياء فاقطع العلائق واتصل بخدمة الخالق فبكى حتى بل منديلا له ثم انصرف وكان من امره كيت وكيت من ترك الاهل والعيال والسكون عند المقابر وتغيير الحال حتى توفى ذلك الشاب على الاحالة التى اقبل عليها قال السرى فحلمت يوما عيناى فاذا به يرفل فى السندس والاستبرق ويقول لى جزاك الله خيرا فقلت ما فعل الله بك قال ادخلنى الجنة ولم يسألنى عن ذنب انتهى.

البقرة 2:139

{ قل أتحاجوننا } المحاجة المجادلة ودعوى الحق واقامة الحجة على ذلك من كل واحد والهمزة للانكار والتوبيخ. وسبب نزول هذه الآية ان اليهود والنصارى قالوا ان الانبياء كانوا منا وعلى ديننا وديننا اقدم فقال الله تعالى قل يا محمد لليهود والنصارى أتجادلوننا وتخاصموننا { فى الله } اى فى دينه وتدعون ان دينه الحق هو اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما وتقولون تارة لن يدخل الجنة الا من كان هودا او نصارى وتارة كونوا هودا او نصارى تهتدوا { وهو ربنا وربكم } اى والحال انه لا وجه للمجادلة اصلا لانه تعالى مالك امرنا وامركم { ولنا اعمالنا } الحسنة الموافقة لامره { ولكم اعمالكم } السيئة المخالفة لحكمه فكيف تدعون انكم اولى بالله { ونحن له } اى لله تعالى { مخلصون } فى تلك الاعمال لا نبتغى بها الا وجهه فأنى لكم المحاجة وادعاء حقية ما انتم عليه والطمع فى دخول الجنة بسببه ودعوة الناس اليه وانتم به مشركون. والاخلاص تصفية العمل عن الشرك والرياء وحقيقته تصفية الفعل عن ملاحظه المخلوقين.

البقرة 2:140

{ أم تقولون } ام معادلة للهمزة فى قوله تعالى أتحاجوننا داخلة فى حيز الامر على معنى أى الامرين تأتون اقامة الحجة وتنوير البرهان على حقية ما انتم عليه والحال ما ذكر ام التشبث بذيل التقليد والافتراء على الانبياء وتقولون { إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط } وهى حفدة يعقوب وهم اولاد اولاده الاثنى عشر وعن الزجاج انه قال الاسباط فى ولد اسحق بمنزلة القبائل فى ولد اسماعيل فولد كل واحد من ولد اسحق سبط ومن ولد اسماعيل قبيلة { كانوا هودا أو نصارى } فنحن مقتدون بهم والمراد انكار كلا الامرين والتوبيخ عليهما اى كيف تحاجون وكيف تقولون فى حق الانبياء الذين بعثوا قبل نزول التوراة والانجيل انهم كانوا هودا او نصارى ومن المحال ان يقتدى المتقدم بالمتأخر ويستن بسنته { قل } يا محمد { ءانتم } الاستفهام للتقرير والتوبيخ { أعلم } بدينهم { أم الله } اعلم { ومن أظلم } انكار لان يكون احد اظلم فالاستفهام بمعنى النفى { ممن كتم } اى ستر واخفى عن الناس { شهادة } ثابتة { عنده } اى عند من كائنة { من الله } قوله عنده ومن الله صفتان لشهادة اى شهادة حاصلة عنده صادرة من الله تعالى يعنى يا اهل الكتاب قد علمتم بشهادة حصلت عندكم صادرة من الله تعالى بان ابراهيم وبنيه كانوا حنفاء مسلمين بان اخبركم الله بذلك فى كتابكم ثم انكم تكتمونها وتدعون خلاف ما شهد الله به فى حقهم فلا احد اظلم منكم حيث اجزأتم على تكذيب الله تعالى فيما اخبر به وتعليق الاظلمية بمطلق الكتمان للايماء الى ان مرتبة من يدريها ويشهد بخلافها فى الظلم خارجة عن دائرة البيان وعن ابن عباس اكبر الكبائر الاشراك بالله وشهادة الزور وكتمان الشهادة قال تعالى ومن يكتمها فإنه آثم قلبه البقرة 283. والمراد مسخ القلب ونعوذ بالله من ذلك { وما الله بغافل عما تعملون } ما موصولة عامة لجميع ما يكتسب بالجوارح بالظاهرة والقوى الباطنة ويدخل فيه كتمان شهادة الله دخولا اوليا اى هو محيط بجميع ما تأتون وما تذرون فيعاقبكم بذلك اشد عقاب.

البقرة 2:141

{ تلك أمة } اى الانبياء جماعة { قد خلت } اى مضت بالموت { لها ما كسبت } من الاعمال { ولكم ما كسبتم } منها { ولا تسألون عما كانوا يعملون } اى لا يسأل احد عن عمل غيره بل يسأل عن عمله ويجزى به وهذا تكرير للآية السابقة بعينها للمبالغة فى الزجر عما هم عليه من الافتخار بالآباء و الاتكال على اعمالهم قال الله تعالى فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب المؤمنون 101. قيل لما انصرف هارون الرشيد من الحج اقام بالكوفة اياما فلما خرج وقف بهلول المجنون على طريقه وناداه بأعلى صوته يا هارون ثلاثا فقال هارون من الذى ينادينى تعجبا فقيل له بهلول المجنون فوقف هارون وامر برفع الستر وكان يكلم الناس وراء الستر فقال له ألم تعرفنى قال بلى اعرفك فقال من انا قال انت الذى لو ظلم احد فى المشرق وانت فى المغرب سألك الله عن ذلك يوم القيامة فبكى هارون وقال كيف ترى حالى قال اعرضه على كتاب الله وهى الجزء الثانى ان الابرار لفى نعيم وان الفجار لفى جحيم وقال اين اعمالنا قال انما يتقبل الله من المتقين قال واين قرابتنا من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال فاذا نفخ فى الصور فلا انساب بينهم قال واين شفاعة رسول الله لنا قال يومئذ لا تنفع الشفاعة الا من اذن له الرحمن ورضى له قولا فلا بد من الاعمال الصالحة والاخلاص فيها فان الله يتقبلها لا غيرها. قال الجنيد الاخلاص سر بين العبد وبين الله تعالى لا يعلمه ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده ولا هوى فيميله. قال الفضيل ترك العمل من اجل الناس رياء والعمل من اجل الناس شرك والاخلاص ان يعافيك عنهما. وفى التتار خانية لو افتتح للصلاة خالصا لله تعالى ثم دخل فى قلبه الرياء فهو على ما افتتح والرياء على انه لو خلا عن الناس لا يصلى ولو كان مع الناس يحسنها ولو صلى وحده لا يحسن فله ثواب اصل الصلاة دون الاحسان. قال بعض الحكماء مثل من يعمل الطاعة للرياء والسمعة كمثل رجل يخرج الى السوق وقد ملأ كيسه حصى فيقول الناس ما املأ كيس فلان ولا منفعة له سوى مقالة الناس وفى الحديث " اخلصوا اعمالكم لله تعالى فان الله لا يقبل الا ما خلص له ولا تقولوا هذا لله وللرحم وليس لله تعالى منه شىء ". ومن احاديث المشارق " لعن الله من لعن والديه ولعن الله من ذبح لغير الله ". قال النووى المراد الذبح باسم غير الله كم ذبح للصنم او لموسى او غيرهما. ذكر الشيخ ابراهيم المراودى ان ما يذبح عند استقبال السلطان تقربا اليه افتى اهل بخارى بتحريمه لانه مما اهل به لغير الله. وقال الرافعى هذا غير محرم لانهم انما يذبحونه استبشارا بقدومه فهو كذبح العقيقة لولادة المولود ومثل هذا لا يوجب التحريم انتهى كلامه وعليه تحمل افعال المسلمين صيانة لهم عن الكفر وضياع الاعمال فان الموحد مطمح نظره رضى مولاه والتعبد اليه بما تيسر له من القربات اللهم اعصمنا من الزلات.

البقرة 2:142

{ سيقول السفهاء } اى الذين ضعفت عقوهم حال كونهم { من الناس } اى الكفرة يريد المنكرين لتغيير القبلة من المنافقين واليهود والمشركين وانما كانوا سفهاء لانهم راغبون عن ملة ابراهيم وقد قال تعالى ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه البقرة 30. اى اذلها بالجهل والاعراض عن النظر وفائدة تقديم الاخبار به قبل وقوعه ليوطئوا عليه انفسهم فلا يضطربوا عند وقوعه لان مفاجأة المكروه اشد على النفوس واشق وليعلمهم الجواب فان العتيد قبل الحاجة اليه ارد لشغب الخصم الالد وقبل الرمى يراش السهم وهو مثل يضرب فى تهيئة الآلة قبل الحاجة اليها { ما ولاهم عن قبلتهم التى كانوا عليها } ما استفهامية انكارية مرفوعة المحل على الابتداء ووليهم خبره والجملة فى موضع النصب بالقول يقال تولى عن ذلك اى انصرف وولى غيره اى صرفه والقبلة فى الاصل الحالة التى عليها الانسان من الاستقبال فنقلت فى عرف الشرع الى الجهة التى يستقبلها الانسان للصلاة وهى من المقابلة وسميت قبلة لان المصلى يقابلها والمعنى أى شىء صرفهم وحولهم عن قبلتهم التى كانوا على التوجه اليها وهى بيت المقدس ولم انصرفوا منها الى الكعبة روى ان النبى عليه السلام صلى الى نحو بيت المقدس بعد مقدمه المدينة نحوا من سبعة عشر شهرا تأليفا لقلوب اليهود ثم صارت الكعبة قبلة المسلمين الى نفخ الصور { قل } كأنه قيل فماذا اقول عند ذلك فقيل قل { لله المشرق والمغرب } اى الامكنة كلها والنواحى باسرها لله تعالى ملكا وتصرفا فلا يستحق شىء منها لذاته ان يكون قبلة حتى يمتنع اقامة غيره مقامه والشىء من الجهات انما يصير قبلة بمجرد ان الله تعالى امر بالتوجه اليها فله ان يأمر فى كل وقت بالتوجه الى جهة من تلك الجهات على حسب الوهيته واستيلائه ونفاذ قدرته ومشيئته فانه لا يسأل عما يفعل بل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد فاللائق بالمخلوق ان يطيع خالقه ويأتمر بامره من غير ان يتحرى خصوصية فى المأمور به زائدة على مجرد كونه مأمورا به فان الطاعة له ليس الا بارتسام امره اى امتثاله لا بتحرى العلل والاغراض الداعية له تعالى الا الامر لان احكام الله تعالى وافعاله ليست معللة بالدواعى والاغراض واليهود انما استقبلوا جهة المغرب فاكرمه الله تعالى بوحيه وكلامه كما قال الله تعالى وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الأمر القصص 44. والنصارى ايضا اتخذوا جهة المشرق قبلة اتباعا لهواهم حيث زعموا ان مريم عليها السلام حين خرجت من بلدها مالت الى جانب الشرق كما قال الله تعالى واذكر فى الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا مريم 16. والمؤمنون استقبلوا الكعبة طاعة لله تعالى وامتثالا لامره لا ترجيحا لبعض الجهات المتساوية بمجرد رأيهم واجتهادهم مع انها قبلة خليل الله تعالى ومولد حبيبيه صلى الله تعالى عليه وسلم { يهدى من يشاء الى صراط مستقيم } وهو التوجه الى بيت المقدس تارة والكعبة اخرى ووجه استقامته كونه مشتملا على الحكمة والمصلحة موافقا لهما. قال بعض ارباب الحقيقة سمى الطاعنين من اليهود والمشركين والمنافقين سفهاء لاحتجاب عقولهم عن حقية دين الاسلام ولو ادركوا الحق مطلقا لاخلصوه كما اخلص المؤمنون فلم تبق محاجتهم معهم ولو كانت عقولهم رزينة لاستدلت بالآيات وانكروا التحويل لانهم كانوا معتدين بالجهة فلم يعرفوا التوحيد الوافى بالجهات كلها قال المولى الجامى جهات مرآت حسن شاهد ماست فشاهد ودهه فى كل ذرات

البقرة 2:143

{ وكذلك } اشارة الى مفهوم الآية المتقدمة اى كما جعلناكم مهتدين الى الصراط المستقيم { جعلناكم } توحيد الخطاب فى كذلك مع القصد الى المؤمنين لما ان المراد مجرد الفرق بين الحاضر والمنقضى دون تعيين المخاطبين { امة وسطا } اى خيارا لان الاوساط محمية محوطة والاطراف يتسارع اليها الخلل { لتكونوا شهداء على الناس } يوم القيامة ان الرسل قد بلغتهم { ويكون الرسول } اى محمد صلى الله عليه وسلم { عليكم شهيدا }. ان قلت ان الشاهد اذا اضر بشهادته عديت الشهادة بكلمة على واذا نفع بها تعدى باللام فيقال شهد له والرسول عليه السلام لما زكى امته وعدلهم بشهادته انتفعوا بها فالظاهر ان يقال ويكون الرسول لكم شهيدا بخلاف شهادة الامة على الناس فانها شهادة عليهم حيث استضروا بها فكلمة على فيها واقعة فى موضعها. قلت هذا مبنى على تضمين الشهيد معنى الرقيب والمطلع فعدى تعديته والوجه فى اعتبار تضمين الشهيد الاشارة الى ان التعديل والتزكية انما يكون عن خبرة ومراقبة بحال الشاهد فاذا شاهد منه الرشد والصلاح عدله وزكاه واثنى عليه ولا يسكت عنه وقدمت صلة الشهادة اى عليكم لاختصاصهم بشهادته صلى الله عليه وسلم على سبيل التزكية والتعديل وهو لا ينافى شهادته صلى الله عليه وسلم للانبياء بالتبليغ وعلى منكرى التبليغ بالتكذيب روى ان الله تعالى يجمع الاولين والاخرين فى صعيد واحد ثم يقول لكفار الامم ألم يأتكم نذير فينكرون فيقولون ما جاءنا بشير ولا نذير فيسأل الأنبياء عن ذلك فيقولون كذبوا قد بلغناهم فيسألهم البينة وهو اعلم بهم اقامة للحجة فيؤتى بامة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم انهم قد بلغوا فتقول الامم الماضية من اين علموا وانهم اتوا بعدنا فيسأل هذه الامة فيقولون ارسلت الينا رسولا وانزلت عليه كتابا اخبرتنا فيه بتبليغ الرسل وانت صادق فيما اخبرت ثم يؤتى بمحمد عليه الصلاة والسلام فيسأل عن حال امته فيزكيهم ويشهد بصدقهم فيؤمر بالكفار الى النار. قال بعض ارباب الحقيقة معنى شهادتهم على الناس اطلاعهم بنور التوحيد على حقوق الاديان ومعرفتهم لحق كل دين وحق كل ذى دين من دينه وباطلهم الذى ليس حقهم الذى هو مخترعات نفوسهم وطريق الحق واحد فمن تحقق بحق دين تحقق بحق سائر الاديان وخاصة دين الاسلام الذى هو الحق الاعظم ومعنى شهادة الرسول عليهم اطلاعه على رتبة كل متدين بدينه وحقيقته التى هو عليها من دينه وحجابه الذى هو به محجوب عن كمال دينه فهو يعرف ذنوبهم وحقيقية ايمانهم واعمالهم وحسناتهم وسيآتهم واخلاصهم ونفاقهم وغير ذلك بنور الحق وامته يعرفون ذلك من سائر الامم بنوره عليه الصلاة والسلام. قال بعضهم جعلنا سبحانه وتعالى آخر الامم تشريفا لحبيبه وامته لانه لو قدمنا لاحتجنا ان ننتظر فى قبورنا قدوم الامم الماضية فجعلهم سبحانه وتعالى فى انتظارنا تشريفا لنا وايضا جعلنا آخر الامم لنكون يوم القيامة شهداء على جميع الامم الماضية ويكفى شرفا لهذه الامة المرحومة ما قال صلى الله عليه وسلم فى حق علمائهم " علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل ". وذكر الراغب الاصفهانى فى المحاضرات انه قال الامام الشاذلى صاحب حزب البحر اضطجعت فى المسجد الاقصى فرأيت فى المنام قد نصب تخت خارج الاقصى فى وسط الحرم فدخل خلق كثير أفواجا افواجا فقلت ما هذا الجمع فقالوا جمع الانبياء والرسل قد حضروا ليشفعوا فى حسين الحلاج عند محمد عليه افضل الصلاة والسلام لاساءة ادب وقعت منه فنظرت الى التخت فاذا نبينا محمد عليه السلام جالس عليه بانفراده وجميع الانبياء عليهم الصلاة والسلام على الارض جالسون مثل ابراهيم وموسى وعيسى ونوح فوقفت انظر واسمع كلامهم فخاطب موسى نبينا عليه الصلاة والسلام وقال له انك قد قلت علماء امتى كانبياء بنى اسرائيل فأرنا منهم واحدا فقال هذا واشار الى الامام الغزالى فسأله موسى سؤالا فاجابه بعشرة اجوبة فاعترض عليه موسى بان السؤال ينبغى ان يطابق الجواب والسؤال واحد والجواب عشرة فقال الامام هذا الاعتراض وارد عليك ايضا حين سئلت وما تلك بيمينك يا موسى وكان الجواب عصاى فعددت صفات كثيرة قال فبينما انا متفكر فى جلالة قدر محمد عليه السلام وكونه جالسا على التخت بانفراده والخليل والكليم والروح جالسون على الارض اذ رفسنى شخص برجله رفسة مزعجة فانتبهت فاذا بقيم ثم غاب عنى فلم اجده الى يومى هذا ومن هذا قال فانسب الى ذاته ما شئت من شرف وانسب الى قدره ما شئت من عظم الله يسر لنا شفاعته { وما جعلنا القبلة } مفعول اول لجعلنا { التى كنت عليها } مفعول ثان له بتقدير موصوف اى الجهة التى كنت عليها وهى الكعبة لانه عليه السلام كان مأمورا بان يصلى الى الكعبة وهو بمكة ثم لما هاجر امر بالصلاة الى صخرة بيت المقدس التى منها يصعد الملائكة الى السماء ثم اعيد الى ما كان عليه اولا والمعنى ما رددناك الى ما كنت عليه اى على استقباله والتوجه اليه وما جعلنا ذلك لشئ من الاشياء { إلا لنعلم من يتبع الرسول } فى التوجه الى ما امر به { ممن ينقلب } اى ينصرف ويرجع { على عقبيه } العقب مؤخر القدم والانقلاب على العقبين مستعار للارتداد والرجوع عن الدين الحق الى الباطل ومعنى لنعلم ليظهر علمنا على مظاهر الرسول والمؤمنين ويتميز عندهم الثابت على الاسلام الصادق فيه من المتردد الذي يرتد بادنى سبب لقلته وضعف ايمانه لا انه لم يعلم حالهم فعلم لانه تعالى كان عالما فى الازل بهم وبكل حال من احوالهم التى تقع فى كل زمان من ازمنة وجودهم مقارنة للزمان الذى تقع فيه تلك الحال وكل من يعلم شيأ فانما يعلم بان يظهر ذلك العلم فيه ويقرب من هذا ما قيل المعنى ليعلم رسول الله والمؤمنون وانما اسند علمهم الى ذاته لانهم خواصه واهل الزلفى عنده هذا هو المعنى الذى اختاره القاشانى فى تأويلاته وزيف ما عداه والعلم فى قوله لنعلم بمعنى المعرفة اى لنعرف الذى يتبع الرسول فلا يحتاج الى مفعول ثان. فان قيل ان الله لا يوصف بالمعرفة فلا يقال الله عارف فكيف يكون العلم بمعنى المعرفة. هنا قلت انما لا يوصف بها اذا كانت بمعناها المشهور وهو الادراك المسبوق بالعدم واما اذا كانت بمعنى الادراك الذى لا يتعدى الى مفعولين فيجوز ان يوصف الله بها وقوله ممن ينقلب حال من فاعل يتبع اى متميزا منه { وإن كانت } اى القبلة المحولة { لكبيرة } اى شاقة ثقيلة على من يألف التوجه الى القبلة المنسوخة فان الانسان ألوف لما يتعوده يثقل عليه الانتقال منه وان هى المخففة من المثقلة واسمها محذوف وهو القبلة واللام هى الفارقة بينها وبين النافية كما فى قوله تعالى إن كان وعد ربنا لمفعولا الإسراء 108. { الا على الذين هدى الله } اى هداهم الى حكمة الاحكام وارشدهم وعرفهم ان ما كلفه عباده متضمن لحكمة لا محالة وان لم يهتدوا الى خصوصية تلك الحكمة بعينها فتيقنوا بذلك ان السعيد الفائز من اطاع ربه الحكيم وان الشقى الخاسر من عصى ربه العليم ثم بين انهم مثابون على ذلك الثبات والاتباع وان ذلك غير ضائع منهم فقال { وما كان الله } مريدا { ليضيع ايمانكم } اى ثباتكم على التصديق بجميع ما جاء به النبى عليه السلام من غير ان ترتابوا فى شىء من ذلك { ان الله بالناس } متعلق برؤف { لرؤف } اى ذو مرحمة عظيمة لهم حيث نقلهم برحمته من ذلك الى هذا وهو اصح لهم { رحيم } يغفر ذنوبهم بالايمان وايصال الرزق قال السعدى فروماند كانرا برحمت قريب تضرع كنانرا بدعوت مجيب روى انه اخذ بعض امراء الكفار وكان جائرا قاتلا فى زمن داود عليه السلام فصلب فوق الجبل عشاء ورجع الناس الى منازلهم وبقى هذا على الخشبة وحده وتضرع الى آلهته فلم يغنوا عنه شيأ ثم رجع الى الله وقال انت الله الحق اتيت اليك لتغيثنى برحمتك قال الله تعالى يا جبريل ان هذا عبد آلهته طويلا فلم ينتفع ففزع الى ودعانى فاستجبت له فاهبط الى الارض وضعه على الارض فى سلامة وعافية ففعل فلما اصبحوا رأوه وهو حى يصلى لله تعالى فاخبروا داود بذلك فدعا الله فيه مستكشفا سره فاوحى الله يا داود انى ارحم من آمن بى ودعانى فان لم افعل فأى فرق بينى وبين آلهته. واعلم ان جماعة قد ارتدوا عن الاسلام عند تحويل القبلة لتعلقهم بما سوى الله تعالى وعدم فنائهم فى الله ورضاهم بما يجيئ عليهم من القضاء فاخذتهم الكدرة كالسيل واما الذين سعدوا سعادة ازلية فلم يتعلقوا فى الحقيقة بيت المقدس ولا بالكعبة بل الرب الخالق لهما ولغيرهما وفنوا عن ارادتهم فجاءت ارادة الله لهم كالشهد المصفى فأخذهم السرور والصفا قال الصائب مهياى فنارا ازعلايق نيست بروابى نيند يشد زخار آنكس كه دامان بركمردارد ذكر ان ابا القاسم الجنيد البغدادى لما رأوه فى وادى الوله ظنوا انه مرض او جن فجعلوه فى دار الشفاء فزاره بعض من يدعى حبه فقال لهم من انتم فقالوا نحن احباؤك فرماهم بالاحجار ففروا من عنده وقالوا قد غلب عليه الجنون فقال تدعون الحب باقوالكم وقد يكذبها افعالكم فالمحب من اسره ما اصابه من الحبيب فلذلك قد عد اشد البلاء عند الانبياء والاولياء ألذ من الحلوى فاكتسوا حلل التسليم والاصطبار وغاصوا فى لجج المكاشفات والمشاهدات واشتغلوا مع الجنان واللسان بالتوحيد وذكر الملك المنان حتى عدوا الالتفات الى غيره ولو باكل لقمة من الموانع فلذلك ارتقوا فى الفناء والبقاء الى غاية المبتغى ولما قال موسى عليه السلام رب ارنى انظر اليك قال يا موسى لن ترانى فى البساط الفانى اصبر حتى اجعله باقيا حتى ترانى يا موسى رعيت غنم شعيب عشر سنين اتريد ان ترانى بعبادة اربعين يوما ثم اصطفاه واعطاه ما اعطاه فلما رجع الى قومه رأى فى الطريق الجبل الاعلى فسأل عنه متعجبا فقال الجبل يا موسى كنت ترعى الغنم فى وعلى رأسك قلنسوة وفى يدك عصا فالله الذى اصطفاك برسالاته وبكلامه لقد جعلنى الاعلى بفضله وانعامه اللهم اجعلنا على صراطك المستقيم واتباع رسولك الكريم واهدنا التوجه الى كعبة ذاتك والانجذاب اليك والوصول الى مشاهدتك.

البقرة 2:144

{ قد } لفظ قد فى المضارع للتقليل وقد استعمل ههنا للتكثير بطريق الاستعارة للمجانسة بين الضدين فى الضدية { نرى } مستقبل لفظا ماض معنى ومتأخر تلاوة متقدم معنى لانها رأس القصة والمعنى شاهدنا وعلمنا { تقلب وجهك } اى تردد وجهك فى تصرف نظرك { فى السماء } اى فى جهتها تطلعا للوحى وكان عليه السلام يقع فى روعه ويتوقع من ربه ان يحوله الى الكعبة لانها قبلة ابيه ابراهيم واقدم القبلتين وادعى للعرب الى الايمان من حيث انها كانت مفخرة لهم وامنا ومزارا ومطافا ولمخالفة اليهود فانهم كانوا يقولون انه يخالفنا فى ديننا ثم انه يتبع قبلتنا ولولا نحن لم يدر أين يستقبل فعند ذلك كره ان يتوجه الى قبلتهم حتى روى انه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل " وددت ان الله صرفنى عن قبلة اليهود الى غيرها " فقال له جبريل انا عبد مثلك وانت كريم على ربك فادع ربك وسله ثم ارتفع جبريل وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يديم النظر الى السماء رجاء ان يأتيه جبريل بالذى سأل ربه فانزل الله هذه الآية ". واول ما نسخ من المنسوخات هو خمسون صلاة نسخت الى خمس للتخفف ثم تحويل القبلة الى بيت المقدس بمكة امتحانا للمشركين بعد ان كان للمصلى ان يتوجه حيث شاء لقوله تعالى فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة 115. ثم تحويلها من بيت المقدس الى الكعبة بالمدينة امتحانا لليهود كذا فى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى { فلنولينك قبلة } اى فوالله لنعطينكها ولنمكننك من استقبالها من قولك وليته كذا اى صيرته واليا له وولى الرجل ولاية اى تمكن منه او فلنجعلنك تلى سمتها دون سمت بيت المقدس من وليه وليا اى قربه ودنا منه واوليته اياه ووليته اى ادنيته منه { ترضاها } مجاز عن المحبة والاشتياق لانه عليه السلام لم يكن ساخطا للتوجه الى بيت المقدس كارها له غير راض اى تحبها وتتشوق اليها لا لهوى النفس والشهوة الطبيعية بل لمقاصد دينية وافقت مشيئة الله تعالى { فول وجهك شطر المسجد الحرام } اى اصرف وجهك اى اجعل وجهك بحيث يلى شطره ونحوه والمراد بالوجه ههنا جملة البدن لان الواجب على المكلف ان يستقبل القبلة بجملة بدنه لا بوجهه فقط ولعل تخصيص الوجه بالذكر التنبيه على انه الاصل المتبوع فى التوجه والاستقبال والمتبادر من لفظ المسجد الحرام هو المسجد الاكبر الذى فيه الكعبة والحرام المحرم اى المحرم فيه القتال او الممنوع من الظلمة ان يتعرضوا له وفى ذكر المسجد الحرام دون الكعبة ايذان بكفاية مراعاة جهة الكعبة باتفاق بين الحنفية والشافعية لان استقبال عينها للبعيد متعذر وفيه حرج عظيم بخلاف القريب { وحيثما كنتم } اى فى أى موضع كنتم من الارض من بحر او بر شرق او غرب واردتم الصلاة { فولوا وجوهكم شطره } فانه القبلة الى نفخ الصور امر لجميع المؤمنين بذلك بعدما امر به النبى عليه السلام تصريحا بعمومه لكافة العباد من كل حاضر وباد حثا للامة على المتابعة { وإن الذين أوتوا الكتاب } من فريقى اليهود والنصارى { ليعلمون انه } اى التحويل الى الكعبة { الحق } اى الثابت كائنا { من ربهم } لما ان المسطور فى كتبهم انه عليه السلام يصلى الى القبلتين بتحويل القبلة الى الكعبة بعدما كان يصلى الى بيت المقدس ومعنى من ربهم اى من قبله تعالى لا شىء ابتدعه الرسول صلى الله عليه وسلم من قبل نفسه فانهم كانوا يزعمون انه من تلقاء نفسه { وما الله بغافل عما تعملون } خطاب للمسلمين واليهود جميعا على التغليب فيكون وعدا للمسلمين بالاثابة وجزيل الجزاء ووعيدا وتهديدا لليهود على عنادهم.

البقرة 2:145

{ ولئن اتيت الذين اوتوا الكتاب بكل آية } برهان قاطع على ان التوجه الى الكعبة هو الحق { ما تبعوا قبلتك } عنادا ومكابرة وهذا فى حق قوم معينين علم الله انهم لا يؤمنون فان منهم من آمن وتبع القبلة { وما انت بتابع قبلتهم } حسم لاطماعهم اذ كانوا تناجوا فى ذلك وقالوا لو ثبت على قبلتنا لكنا نرجو ان يكون صاحبنا الذى ننتظره وطمعوا فى رجوعه الى قبلتهم { وما بعضهم بتابع قبلة بعض } فان اليهود تستقبل الصخرة والنصارى مطلع الشمس لا يرجى توافقهم كما لا يرجى موافقتهم لك لتصلب كل فريق فيما هو فيه فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان والمبطل لا يقلع عن باطله لشدة شكيمته فى عناده { ولئن اتبعت اهوائهم } جمع هوى وهو الارادة والمحبة اى ولئن وافقتهم فى مراداتهم بان صليت الى قبلتهم مداراة لهم وحرصا على ايمانهم { من بعد ما جاءك من العلم } اى من بعد ما علمت بالوحى القاطع ان قبلة الله هى الكعبة { انك اذا } حرف جواب وجزاء توسطت بين اسم ان وخبرها لتقرير ما بينهما من النسبة { لمن الظالمين } اى المرتكبين الظلم الفاحش وهذه الجملة الشرطية الفرضية واردة على منهاج التهييج والالهاب للثبات على الحق. وفيه لطف للسامعين وتحذير لهم عن متابعة الهوى فان من ليس من شانه ذلك اذا نهى عنه ورتب على فرض وقوعه ما رتب من الانتظام فى سلك الراسخين فى الظلم فما ظن من ليس كذلك قال فى المثنوى تازه كن ايمان نه از كفت زبان اى هوا را تازه كرده در نهان تا هوا تازه است ايمان تازه نيست كين هوا جزقفل آن دروازه نيست

البقرة 2:146

{ الذين آتيناهم الكتاب } ايتاء فهم ودراسة وهم الاحبار { يعرفونه } اى الرسول صلى الله عليه وسلم { كما يعرفون ابناءهم } اى يعرفونه صلى الله عليه وسلم باوصافه الشريفة المكتوبة فى كتابهم لا يشتبه عليهم كما لا يشتبه ابناؤهم وتخصيصهم بالذكر دون ما يعم البنات لكون الذكور اشهر واعرف عندهم منهن وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق * فان قيل لم لم يقل كما يعرفون انفسهم مع ان معرفة الشخص نفسه اقرب اليه من معرفة سائر الاشياء * فالجواب ما قال الراغب لان الانسان لا يعرف نفسه الا بعد انقضاء برهة من دهره ويعرف ولده من حين وجوده { وإن فريقا منهم } هم الذين كابروا وعاندوا الحق { ليكتمون الحق وهم يعلمون } ان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وان الكعبة قبلة الله والباقون هم الذين آمنوا منهم فانهم يظهرون الحق ولا يكتمونه واما الجهلة منهم فليست لهم معرفة بالكتاب ولا بما فى تضاعيفه فما هم بصدد الاظهار ولا بصدد الكتم وانما كفرهم على وجه التقليد.

البقرة 2:147

{ الحق } الذى انت عليه يا محمد { من ربك } خبر لقوله الحق { فلا تكونن من الممترين } اى الشاكين فى كون الحق من ربك هذا خطاب له صلى الله عليه وسلم والمقصود خطاب امته ونهيهم عن الامتراء ومعنى نهى الامة عن الامتراء امرهم بضده الذى هو اليقين وطمانينة القلب. قال القشيرى حملهم مستكنات الحسد وسوء الاختيار على مكابرة ما علموا بالاضطرار وكذلك المغمور فى ظلمات نفسه يلقى جلباب الحياء فلا ينجع فيه ملام ولا يرده عن انهماكه كلام. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى عندنا ثلاث مراتب. احديها مرتبة التقليد وهى لعامة الناس. والثانية مرتبة التحقيق والايقان وهى للمجتهدين كالائمة الاربعة ومن يحذو حذوهم. والثالثة مرتبة المشاهدة والعيان فهى للكمل من اهل السلوك قال واذا لم تتطهر النفس من الاخلاق الرديئة لا تحصل المعارف الآلهية وان كان كاملا فى العقل والعلوم ألا يرى ان الشيطان مع عقله وعلمه كيف استكبر وعصى امر الله تعالى لما فى نفسه من الكبر والحسد وكذلك حال اهل الكتاب فى امر القبلة وشأن النبى صلى الله عليه وسلم حيث لم ينفع العلم والمعرفة لخبث باطنهم فلا بد من تزكية النفوس وتصفية القلوب والاستقامة فى باب الحق الى ان يأتى اليقين حكى ان يونس خدم شيخه طبق امره ثلاثين سنة بالصدق حتى تورم ظهره من نقل الحطب فلم يظهر وكان شيخه نظرا له فثقل ذلك على سائر الطالبين وقالوا انه يخدم الشيخ على محبة بنته حتى تكلموا فى ذلك الشيخ فلما اتى بالحطب قال شيخه نعم الحطب المستقيم يا يونس فقال ان غير المستقيم لا يليق بهذا الباب وما تكلموا فى حقه ليس على وجه النفاق بل لما رأوا انهم لا يتحملون ما يتحمل يونس اشكل عليهم الامر فحملوه على حب البنت وسؤال الشيخ ايضا وجواب يونس بهذا الوجه انما كان لارشادهم وازالة شبههم والا فالشيخ كان يعرف احوال يونس ولم يحصل له سوء ظن من كلامهم لان من كان مرشدا لا يعرف حال المريد بكلام الغير فى المدح والذم ثم زوج الشيخ بنته له وقال حتى لا يكون الاخوان كاذبين ولا يحصل لهم الخجالة وكانت البنت متى قرأت القرآن يقف الماء فلم يمسها يونس الى آخر عمره وقال انا لا أليق بها فللسالك فى مرتبة الطبيعة ان يترك مقتضاها ويقتصر على قدر الكفاية من الاكل والشرب ولا يتقيد بتدارك ما تشتهيه طبيعته فان الخير فى مخالفتها ومن تربية النفس ان يجتنب عن حب الاموال والاولاد فانهما فتنة ومعينان لها على كبرها بكثرتهما واكثر الانفس لا تحب صرفها بل تدخرها ليزداد استكبارها وقد قال تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم الشعراء 88-89. فما دام لم تصلح الطبيعة والنفس لا يصل الطالب الى مطلوبه ففى الحج اشارة الى ذلك فان قاصد البيت المكرم يترك استراحة بدنه ويبذل ماله الى ان يصل الى مشاهدته فكذلك قاصد رب البيت يفنى عن جميع ما سواه ويكون فى توجهه وحدانيا هيولانيا حتى يشاهد ببصيرته ما يشاهد فالصلاة مستقبلا الى شطر المسجد الحرام عين التوجه الى الذات الاحدية لان الكعبة مثال صورى لحضرته تعالى وان المراد من الاستقبال اليها الاقبال اليه تعالى مع انه لا يتقيد التوجه حقيقة لكن الاستقبال صورة رعاية للادب ودور مع الامر الآلهى فان لله تعالى فى كل شىء حكمة ومصلحة ومن تخلص من القيود وانجذب الى الرب المعبود فقد تجلى له قوله فأينما تولوا فثم وجه الله البقرة 115. وظهر له سر الظاهر والمظهر عاشقى ديد از دل بر تاب حضرت حق تعالى اندر خواب دامنش را كرفت آن غمخور كه ندارم من از تو دست دكر جون بر آمد زخواب خوش درويش ديد محكم كرفته دامن خويش فطوبى لمن دار مع الامر الآلهى وسلم من الاعتراض وتخلص من الانقباض وفنى عن اضافة الوجود الى نفسه وبقى بربه وبكمالاته اللهم اجعلنا من المهديين الى هذه الرتبة العظمى والكعبة العليا واصرفنا فى مسالكنا عن الانحراف الى شىء من الآخرة والدنيا.

البقرة 2:148

{ ولكل } اى لكل امة من الامم اعنى المسلمين واليهود والنصارى { وجهة } اى قبلة وجهة { هو } راجع الى كل { موليها } اى محول وموجه الى تلك الجهة وجهه فقبلة كل امة من اهل الاديان المختلفة مغايرة لقبلة الامة الاخرى { فاستبقوا الخيرات } اى الى الخيرات بنزع الجار والمراد جميع انواع الخيرات من امر القبلة وغيره مما ينال به سعادة الدارين والمعنى لكل امه قبلة يتصلبون فى التوجه اليها بحيث لا ينصرفون عنها الى القبلة الحق وان اتيتهم بكل آية دالة على ان القبلة هى الكعبة واذا كان الامر كذلك فاستبقوا انتم وبادروا الى الفعلات الخيرات وهى ما ثبت انه من الله تعالى ولا تقتفوا اثر المكابرين المستكبرين الذين يتبعون اهواءهم ويلقون الحق وراء ظهورهم فانهم يستبقون الى الشر والفساد اذ ليس بعد الحق الا الضلال. قال بعض اهل الحقيقة معناه كل قوم اشتغلوا بغيرنا عنا واقبلوا على غيرنا فكونوا معاشر العارفين لنا واشتغلوا بنا عن غيرنا فان مرجعكم الينا كما قال تعالى { أينما } اى فى أى موضع { تكونوا } انتم واعداؤكم { يأت بكم الله جميعا } يحشركم الله الى المحشر للجزاء ويفصل بين المحق والمبطل فهو وعد لاهل الطاعة ووعيد لاهل المعصية { إن الله على كل شىء قدير } فيقدر على الامانة والاحياء والجمع.

البقرة 2:149

{ ومن حيث خرجت } اى من أى مكان وبلد خرجت اليه للسفر { فول وجهك } عند صلاتك { شطر المسجد الحرام } تلقاءه فان وجوب التوجه الى الكعبة لا يتغير بالسفر والحضر حالة الاختيار بل الحكم بالاسفار مثله حالة الاقامة بالمدينة { وإنه } اى هذا المأمور به وهو تحويل القبلة الى الكعبة { للحق من ربك } اى الثابت الموافق للحكمة { وما الله بغافل عما تعملون } فيجازيكم بذلك احسن جزاء فهو وعد للمؤمنين.

البقرة 2:150

{ ومن حيث خرجت } اليه فى اسفارك ومغازيك من المنازل القريبة والبعيدة { فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم } ايها المؤمنون من اقطار الارض مقيمين او مسافرين وصليتم { فولوا وجوهكم } من محالكم { شطره } كرر هذا الحكم وهو التحويل وتولية الوجه شطر المسجد لما ان القبلة لها شأن خطير والنسخ من مظان الشبهة والفتنة وتسويل الشيطان فالبحرى ان يؤكد امرها مرة غب اخرى مع انه قد ذكر فى كل مرة حكمة مستقلة { لئلا يكون للناس عليكم حجة } متعلق بقوله فولوا والمعنى ان التولية عن الصخرة الى الكعبة تدفع احتجاج اليهود بان المنعوت فى التوراة قبلته الكعبة واحتجاج العرب بانه يدعى ملة ابراهيم ويخالف قبلته وقوله عليكم فى الاصل صفة حجة فلما تقدم عليها امتنع الوصفية لامتناع تقدم الصفة على الموصوف فانتصب على الحالية { إلا الذين ظلموا منهم } استثناء من الناس اى لئلا يكون حجة لاحد من اليهود الا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا الى الكعبة الا ميلا الى دين قومه وحبا لبلده ولو كان على الحق للزم قبلة الانبياء ولا لأحد من العرب من اهل مكة الا للمعاندين منهم الذين قالوا بدا له فرجع الى قبلة آبائه ويوشك ان يرجع الى دينهم وتسمية هذه الكلمة الشنعاء حجة مع انها افحش الاباطيل لانهم كانوا يسوقونها مساقها ويوردونها موقعها فسميت حجة مجازا تهكما بهم { فلا تخشوهم } فلا تخافوهم فى توجهكم الى الكعبة ومظاهرهم عليكم لسببه فان مطاعنهم لا تضركم شيأ { واخشونى } بامتثال امرى فلا تخالفوا امرى وما رأيته مصلحة لكم فانى ناصركم { ولأتم نعمتى عليكم } علة لمحذوف اى امرتكم بتولية الوجوه شطره لاتمامى النعمة عليكم لما انه نعمة جليلة وما وقع من اوامر الله تعالى وتكاليفه وائتمار المكلف بالتوجه الى حيث وجهه الله تعالى وان كان نعمة يتوصل به الى الثواب الجزيل الا ان امره تعالى بالتوجه الى قبلة ابراهيم تمام النعمة فى امر القبلة فان القوم كانوا يفتخرون باتباع ابراهيم فى جميع ما كانوا يفعلونه فلما وجهوا الى قبلته بعد ما صرفوا عنها لمصلحة حادثة فقد اصابوا تمام النعمة فى امر القبلة فان نعمة الله تعالى على عباده ضربان موهوب ومكتسب فالموهوب نحو صحة البدن وسلامة الاعضاء وغيرهما والمكتسب نحو الايمان والعمل الصالح بامتثال الاوامر والاجتناب عن المناهى فان ذلك كله يؤدى الى سعادة الدارين { ولعلكم تهتدون } اى ولارادتى اهتداءكم الى شعائر الملة الحنيفية وشرائع الدين القويم.

البقرة 2:151

{ كما أرسلنا فيكم رسولا منكم } متصل بما قبله اى ولاتم نعمتى عليكم فى امر القبلة اتماما كائنا كاتمامى لها بارسال رسول كائن منكم وهو محمد صلى الله عليه وسلم فان ارسال الرسول لا سيما المجانس لهم نعمة لم تكافئها نعمة قط { يتلو عليكم آياتنا } وهو القرآن العظيم { ويزكيكم } اى يحملكم على ما تصيرون به ازكياء طاهرين من دنس الذنوب المكدرة لجوهر النفس لان شأن الرسل الدعوة والحث على اعمال يحصل بها طهارة نفوس الامة من الشرك والمعاصى لا تطهيرهم اياهم بمباشرتهم من اول الامر { ويعلمكم الكتاب } اى ما فى القرآن من المعانى والاسرار والشرائع والاحكام التى باعتبارها وصف القرآن بكونه هدى ونورا فانه عليه السلام كان يتلوه عليهم ليحفظوا نظمه ولفظه فيبقى على ألسنة اهل التواتر مصونا من التحريف والتصحيف ويكون معجزة باقية الى يوم القيامة وتكون تلاوته فى الصلاة وخارجها نوعا من العبادة والقربة ومع ذلك كان يعلم ما فيه من الحقائق والاسرار ليهتدوا بهداه وانواره { والحكمة } هى الاصابة فى القول والعمل ولا يسمى حكيما الا من اجتمع له الامران كذا قال الامام من احكمت الشئ اى رددته عمالا يعنيه وكأن الحكمة هى التى ترد عن الجهل والخطأ. واعلم ان العمل بالقرآن متفرع على معرفة معناه وهو متفرع على معرفة الفاظه والتزكية غاية اخيرة لانها متفرعة على العمل لكنها قدمت فى الذكر نظرا الى تقدمها فى التصور { ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون } قال الراغب ان قيل ما معنى ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون وهل ذلك الا الكتاب والحكمة قيل عنى بذلك العلوم التى لا طريق الى تحصيلها الا من جهة الوحى على ألسنة الانبياء ولا سبيل الى ادراك جزئياتها وكلياتها الا به وعنى بالحكمة والكتاب ما كان للعقل فيه مجال فى معرفة شىء منه واعاد ذكر ويعلمكم مع قوله ما لم تكونوا تعلمون تنبيها على انه مفرد عن العلم المتقدم ذكره.

البقرة 2:152

{ فاذكرونى } بالطاعة لقوله عليه السلام " من اطاع الله فقد ذكر الله وان قلت صلاته وصيامه وقراءته القرآن ومن عصى الله فقد نسى الله وان كثرت صلاته وقراءته القرآن " { أذكركم } بالثواب واللطف والاحسان وافاضة الخير وفتح ابواب السعادات واطلق على هذا المعنى الذكر الذى هو ادراك مسبوق بالنسيان والله تعالى منزه عن النسيان بطريق المجاز والمشاكلة لوقوعه فى صحبة ذكر العبد { واشكروا لى } على ما انعمت عليكم من النعم والذكر بالطاعة هو الشكر فقوله واشكروا لى امر بتخصيص شكرهم به تعالى لاجل افضاله وانعامه عليهم وان لا يشكروا غيره. وجعل صاحب التيسير قوله تعالى فاذكرونى امرا بالقول وقوله واشكروا لى امرا بالعمل. قال الراغب ان قيل ما الفرق بين شكرت لزيد وشكرت زيدا قيل شكرت له هو ان تعتبر احسانه الصادر عنه فتثنى عليه بذلك وشكرته اذا لم تلتفت الى فعله بل تجاوزت الى ذكر ذاته دون اعتبار احواله وافعاله فهو ابلغ من شكرت له وانما قال واشكروا لى ولم يقل واشكرونى علما بقصورهم عن ادراكه بل عن ادراك آلائه كما قال تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها النحل 18. فأمرهم ان يعتبروا بعض افعاله فى الشكر لله { ولا تكفرون } بجحد النعم وعصيان الامر. فان قيل لم قال بعد واشكروا لى ولا تكفرون ولم يقتصر على قوله واشكروا لى قلنا لو اقتصر على قوله واشكروا لى لكان يجوز ان يتوهم ان من شكره مرة او على نعمة ما فقد امتثل ولو اقتصر على قوله ولا تكفرون لكان يجوز ان يتوهم ان ذلك نهى عن تعاطى فعل قبيح دون حث على الفعل الجميل فجمع بينهما لازالة هذا التوهم ولان فى قوله ولا تكفرون تنبيها على ان ترك الشكر كفران. فان قيل لم قال ولا تكفرون ولم يقل ولا تكفروا لى قيل خص الكفر به تعالى بالنهى عنه للتنبيه على انه اعظم قباحة بالنسبة الى كفر نعمه فان كفران النعم قد يعفى عنه بخلاف الكفر به تعالى كذا فى تفسير الراغب الاصفهانى. قال بعض العلماء لما خص الله هذه الامة بفضل قوة وكمال بصيرة بالنسبة الى بنى اسرائيل قال لهم يا بنى إسرائيل اذكروا نعمتى التى أنعمت عليكم البقرة 47. فامرهم بذكر نعمه المنسية المغفول عنها لينظروا منها الى المنعم وقال لهذه الامة { فاذكرونى } فامرهم ان يذكروه بلا واسطة لقوة بصيرتهم قال الصائب درسر هر خام طينت نشئهء نيست هر سفالى را صداى كاسهء فغفور نيست قال الامام الغزالى الذكر قد يكون باللسان وقد يكون بالقلب وقد يكون بالجوارح فذكرهم اياه باللسان ان يحمدوه ويسبحوه ويمجدوه ويقرأوا كتابه وذكرهم اياه بقلوبهم على ثلاثة انواع. احدها ان يتفكروا فى الدلائل الدالة على ذاته وصفاته ويتفكروا فى الجواب عن الشبه العارضة فى ملك الله. وثانيها ان يتفكروا فى الدلائل الدالة على كيفية تكاليفه واحكامه واوامره ونواهيه ووعده ووعيده فاذا عرفوا كيفية التكليف وعرفوا ما فى الفعل من الوعد وفى الترك من الوعيد سهل عليهم الفعل. وثالثها ان يتفكروا فى اسرار مخلوقات الله تعالى حتى يصير كل ذرة من ذرات المخلوقات كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم القدس فاذا نظر العبد اليها انعكس شعاع بصره منها الى عالم الجلال وهذا المقام مقام لا نهاية له. واما ذكرهم اياه تعالى بجوارحهم فهو ان تكون جوارحهم مستغرقة فى الاعمال التى امروا بها وخالية عن الاعمال التى نهوا عنها وعلى هذا الوجه سمى الله تعالى الصلاة ذكرا بقوله فاسعوا إلى ذكر الله الجمعة 9. فصار الامر بقوله { اذكرونى } متضمنا لجميع الطاعات ولهذا ذكر عن سعيد بن جبير انه قال اذكرونى بطاعتى فاجمله حتى يدخل فيه جميع انواع الذكر واقسامه انتهى كلام الامام. قال لقمان لابنه يا بنى اذا رأيت قوما يذكرون الله تعالى فاجلس معهم فانك ان تك عالما ينفعك علمك وان تك جاهلا علموك ولعل الله يطلع عليهم برحمته فيصيبك معهم واذا رأيت قوما لا يذكرون فلا تجلس معهم فانك ان تك عالما لا ينفعك علمك وان تك جاهلا يزيدوك جهلا او غيا ولعل الله يطلع عليهم بسخطه فيصيبك معهم الله اجعلنا من الذاكرين.

البقرة 2:153

{ يا أيها الذين آمنوا استعينوا } فى كل ما تأتون وما تذرون { بالصبر } على الامور الشاقة على النفس كالصبر عن المعاصى وحظوظ النفس { والصلوة } التى هى ام العبادات ومعراج المؤمنين ومثاب رب العالمين روى انه صلى الله تعالىعليه وسلم كان اذا حزبه امر فزع الى الصلاة وتلا هذه الآية. وانما خص الصبر والصلاة بالذكر لان الصبر اشد الاعمال الباطنة على البدن والصلاة اشد الاعمال الظاهرة عليه لانها مجمع انواع الطاعات من الاركان والسنن والآداب والحضور والخضوع والتوجه والسكون وغير ذلك مما لا يتيسر حفظه الا بتوفيق الله تعالى. قال عصام الدين قدم الترك على الفعل لان التخلية قبل التحلية ولهذا قدم النفى فى كلمة التوحيد واكتفى بذكر الصلاة لان الخطاب لكل من المؤمنين والمشترك بين الجميع بعد الايمان الصبر عن المعاصى والصلاة واما الزكاة فمختصة باصحاب النصاب واما الحج فباصحاب الاستطاعة والصوم صبر عن معصية الاكل والشرب وغيرهما { ان الله مع الصابرين } بالنصرة واجابة الدعوة فمعنى المعية الولاية الدائمة المستتبعة لهما ودخول مع على الصابرين لما انهم المباشرون للصبر حقيقة فهم متبوعون من تلك الحيثية. قال عصام الدين فى التفسير الاجل ان الله مع الصابرين لان الصابرين لا يذهلون عن ذكره بخلاف المجتنبين عن الصبر فان قلوبهم لاهية عن ذكر الله والقلب اللاهى عنه ممتلئ من هموم الدنيا وان كانت الدنيا بأسرها له انتهى كلامه. ان قيل لم قال { ان الله مع الصابرين } ولم يقل مع المصلين وقال فى الآية الاخرى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة البقرة 45 فاعتبر الصلاة دون الصبر. قيل لما كان فعل الصلاة اشرف واعلى من الصبر اذ قد ينفك الصبر عن الصلاة ولا تنفك الصلاة عن الصبر ذكر ههنا الصابرين فمعلوم انه تعالى اذا كان مع الصابرين فهو لا محالة يكون مع المصلين بطريق الاولى وقال هناك لكبيرة فذكر الصلاة دون الصبر تنبيها على انها اشرف منزلة من الصبر. واعلم ان الصبر الذى هو تحمل المشاق من غير جزع واضطراب ذريعة الى فعل كل خير ومبدأ كل فضل فان اول التوبة الصبر عن المعاصى واول الزهد الصبر عن المباحات واول الارادة الصبر وطلب ترك ما سوى الله تعالى ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " الصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد ". وقال " الصبر خير كله ". فمن تحلى بحلية الصبر سهل عليه ملابسة الطاعات والاجتناب عن المنكرات وكذا الصلاة قال تعالى إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر العنكبوت 45. صبر كن حافظ بسختى روز وشب عاقبت روزى بيابى كام را وفى الحديث " اذا جمع الله الخلائق نادى مناد اين اهل الفضل قال فيقوم ناس وهم يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فمن انتم قالوا نحن اهل الفضل فيقولون ما كان فضلكم قالوا كنا اذا ظلمنا صبرنا واذا اسيئ الينا عفونا فيقال لهم ادخلوا الجنة فنعم اجر العاملين ثم ينادى مناد اين اهل الصبر فيقوم ناس يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون انا نراكم سراعا الى الجنة فمن انتم فيقولون نحن اهل الصبر فيقولون ما كان صبركم قالوا كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصى الله فيقال لهم ادخلوا الجنة ثم ينادى مناد اين المتحابون فى الله فيقوم ناس يسيرون سراعا الى الجنة فتلقاهم الملائكة فيقولون من انتم فيقولون نحن المتحابون فى الله فيقولون وما كان تحابكم فى الله قالوا كنا نتحاب فى الله والجنة ". كذا فى نزهة القلوب.

البقرة 2:154

{ ولا تقولوا } نزلت فى شهداء بدر وكانوا اربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الانصار وكان الناس يقولون { لمن يقتل } فى سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فانزل الله تعالى ولا تقولوا لمن يقتل القتل نقض البنية الحيوانية { فى سبيل الله } وهو الجهاد لانه طريق الى ثواب الله ورحمته { أموات } اى هم اموات { بل أحياء } اى كالاحياء فى الحكم لا ينقطع ثواب اعمالهم لانهم قتلوا لنصرة دين الله فما دام الدين ظاهرا فى الدنيا وأحد يقاتل فى سبيل الله فلهم ثواب ذلك لانهم سنوا هذه السنة { ولكن لا تشعرون } كيف حالهم فى حياتهم وفيه رمز الى انها ليست مما يشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية وانما هى امر روحانى لا يدرك بالعقل بل بالوحى. وفى الآية دلالة على ان الارواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت دراكة وعليه الجمهور. فان قلت الحياة الروحانية المستتبعة لادراك اللذة والالم مشتركة فى الجميع فما وجه تخصيص الشهداء بها قلت لاختصاصهم بالقرب من الله تعالى ومزيد البهجة والكرامة ومن لم يبلغ منزلتهم لا تكون حياته معتدا بها فكأنه ليس بحى قال تعالى فى حق اهل النار لا يموت فيها ولا يحيى طه 74. واعلم ان نفس الانسان وذاته الذى هو مخاطب مكلف مأمور منهى بأوامر الله ونواهيه جسمانى لطيف سار فى هذا البدن المحسوس سريان النار فى الفحم وماء الورد فى الورد وهو الذى يشير اليه كل احد بقوله انا وهو الانسان حقيقة وهو الولى والنبى والمثاب والمعاقب على اعماله وهو كان فى صلب آدم حين سجد له الملائكة وهو الذى سأله الله بقوله ألست بربكم قالوا بلى الأعراف 172. وهو الذى يتوفى فى المنام ويخرج ويسرح ويرى الرؤيا فيسر بما يرى او يحزن فان امسكه الله ولم يرجع الى جسده تبعه الروح والجسد الكثيف المعبر عنه بالبدن والروح السلطانى محل تعينه هو القلب الصنوبرى والروح الحيوانى محل تعينه هو الدماغ ويقال له القلب والعقل والنفس ايضا سرى فى جميع اعضاء البدن الا ان سلطانه قوى فى الدماغ فهو اقوى مظاهره وهو اى الروح الحيوانى انما حدث بعد تعلق الروح السلطانى بهذا الهيكل فهو من انعكاس انوار الروح السلطانى ليكون مبدأ الافعال لان الحياة امر مغيب مستور فى الحى لا يعلم الا بآثارها كالحس والحركة والعلم والارادة وغيرها وهذا يدور على الروح الحيوانى فما دام هذا البخار باقيا على الوجه الذى يصلح ان يكون علاقة بينهما فالحياة قائمة وعند انتفائه وخروجه عن الصلاحية له تزول الحياة ويخرج الروح من البدن خروجا اضطراريا وهو الموت الحقيقى وكما يخرج الروح من البدن خروجا اضطراريا كذلك قد يخرج منه خروجا اختياريا ويعود اليه متى شاء وهو الذى سماه الصوفية بالانسلاخ فقد عرفت من هذا ان مذهب اهل السنة والجماعة ان الروح جسم لطيف مغاير لهذا الهيكل المحسوس وانكشف لك حال الروح ووقف على اسرار البرزخ واحوال القبر وما فيه من الالم واللذة الجسمانيين وانحل عندك وجه كونه روضة من رياض الجنة او حفرة من حفر النيران فالشهداء احياء بالحياة البرزخية متنعمون لانهم اجسام لطيفة كالملائكة فانهم موجودون احياء قال المولى الفنارى فى تفسير الفاتحة كل نعيم يتنعم به الصديقون والشهداء والصالحون فى البرزخ خيالى وكذا كل عذاب يتألم به الجهنميون ومصداق ذلك انه اذا نفخ فى الصور وبعث الخلق ينسى كل واحد منهم حاله فى البرزخ ويتخيل ان ذلك الذى كان فيه منام كما تخليه المستيقظ وقد كان حين مات وانتقل الى البرزخ كالمستيقظ هناك وان الحياة الدنيا كانت له كالمنام وفى الآخرة يعتقد فى امر الدنيا والبرزخ انه منام فى منام وان اليقظة الصيححة هى التى هو عليها فى الدار الآخرة حيث لا نوم فيها ولا نوم بعدها انتهى كلامه. قال فى اسئلة الحكم ان امور البرزخ والآخرة على النمط الغير المألوف فى الدنيا والارواح بعد الموت ليس لها نعيم ولا عذاب حسى جسمانى لكن ذلك نعيم او عذاب معنوى حتى تبعث اجسادها فترد اليها فتتنعم عند ذلك حسا ومعنى ألا ترى الى بشر الحافى قدس سره لما رؤى فى المنام قيل له ما فعل الله بك قال غفر لى واباح لى نصف الجنة يعنى روحه متنعمة بالجنة بما يليق بها فى مقامه والنصف الآخر هو الجنة التى يدخلها ببدنه اذا حشر فيكمل النعيم بالنصف الآخر اذا حشر فيكمل النعيم بالنصف الآخر والاكل الذى راه الميت بعد موته فى البرزخ هو كالاكل الذى يراه النائم فى النوم والنعيم به مثل النعيم به سواء كما قال عليه السلام " انى ابيت عند ربى يطعمنى ويسقينى ". وكذلك كل شخص غير ان الفرق بين الرسول وغيره فى هذه الصورة ان جسم النبى يبيت جائعا ويستيقظ وهو شبعان وغير النبى يأكل فى منامه وهو جيعان ويستيقظ وهو كذلك واذا رأى الولى الوارث ذلك وقد وجد أثر الشبع او الرى فذلك من اجزاء النبوة التى وردت فى الميراث اذ الرؤيا جزء من ستة واربعين جزأ من النبوة وقد رأى ذلك كثير من الاولياء واصبحوا وعليهم رائحة الطعام الذى اكلوه وشبعوه فهذه وراثة نبوبة فقوله عليه السلام " انى لست كهيئتكم ". باعتبار الغالب لا باعتبار الكل فتنعم الشهداء فى البرزخ بمرتبة تنعم الولى الوارث فى المنام فافهم هذا المقام فان الجسم المبحوث عنه ههنا هو الجسم اللطيف وتنعم بما يليق بمرتبته فى البرزخ سواء عبرت عنه بالخيالى او بالمعنوى او بالجسمانى اى المنسوب الى الجسم اللطيف لا الكثيف فان اللذة الجسمانية المتعلقة بالجسد الكثيف حال الدنيا لا غير. قيل يا رسول الله هل يحشر مع الشهداء أحد؟ قال " نعم من يذكر الموت فى اليوم والليلة عشرين " مرة. وفى التأويلات النجمية الاشارة لا تحسبوا من قتل من اهل الجهاد الاكبر بسيف جلال الله فى سبيل الله بالفناء فى الله امواتا وان فنيت اوصاف وجودهم فانهم احياء بشهود موجدهم ومن كان فناؤه فى الله كان بقاؤه بالله فتارة يفنيهم بسطوات تجلى صفات الجلال وتارة يحييهم بنفحات ألطاف الجمال فانهم يسرحون فى رياض الجمال ولكن لا تشعرون باحوالهم ولا تطلعون عليها. قال القشيرى لئن فنيت فى الله اشباحهم لقد بقيت بالله اراواحهم. وقال الجنيد من كانت حياته بنفسه يكون مماته بذهاب روحه ومن كانت حياته بربه فانه ينتقل من حياة الطبع الى حياة الاصل وهو الحياة الحقيقية وفى المثنوى مى كند دندان بدرا آن طبيب تارهد ازدرد وبيمارى حبيب بس زيادتها درون نقصهاست مر شهيدا نراحيات اندرفناست كريكى سررا ببرد از بدن صد هزاران سربر آرد درزمن حلق ببريده خورد شربت ولى خلق ازلارسته مرده دربلى

البقرة 2:155

{ ولنبلونكم } اللام جواب قسم محذوف اى والله لنعاملنكم معاملة المبتلى هل تصبرون على البلاء وتستسلمون للقضاء اولا اذ البلاء معيار كالمحك يظهر به جوهر النفس وذلك لنظهر لكم منكم المطيع من العاصى لا لنعلم شيأ لم نكن عالمين به { بشئ من الخوف } اى بقليل من خوف الاعداء وانما قلله لان ما وقاهم منه اكثر بالنسبة الى ما اصابهم بالف مرة { و } شىء من { الجوع } اى القحط والسنة وانما اخبرهم به قبل وقوعه ليوطئوا عليه نفوسهم ويسهل لهم الصبر عليه فان مفاجأة المكره اشد على النفس من اصابته مع ترقبه { ونقص من الأموال } عطف على شئ اى وبنقص شيء قليل من ذلك بالسرقة والاغارة واخذ السلطان والهلاك والخسران { والأنفس } اى بالقتل والموت او بالمرض والشيب { والثمرات } اى وذهاب ثمرات الكروم والاشجار بالبرد والسموم والريح والجراد وغيرها من الآفات وقد يكون نقص الثمرات بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد. وعن الشافعى رحمه الله الخوف خوف الله والجوع صوم رمضان والنقص من الاموال الزكاة والصدقات ومن الانفس الامراض ومن الثمرات موت الاولاد وفى الحديث " اذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة قبضتم ولد عبدى فيقولون نعم فيقول أقبضتم ثمرة قلبه فيقولون نعم فيقول ماذا قال عبدى فيقولون حمدك واسترجع فيقول الله ابنوا لعبدى بيتا فى الجنة وسموه بيت الحمد ". قال بعض اهل المعرفة مطالبات الغيب اما ان تكون بالمال او بالنفس او بالاقارب او بالقلب او بالروح فمن اجاب بالمال فله النجاة ومن اجاب بالنفس فله الدرجات ومن صبر على فقد الاقارب فله الخلف والقربات ومن لم يؤخر عنه الروح فله دوام المواصلات { وبشر } الخطاب للرسول او لمن يتأتى منه البشارة لتعظيم الصبر وتفخيمه لانه فضيلة عظيمة الثواب وخصلة من خصال الانبياء والاولياء فيستحق صاحبه ان يبشره كل احد { الصابرين } على البلايا.

البقرة 2:156

{ الذين إذا أصابتهم } الاصابة ضد الخطأ { مصيبة } هى ما يصيب الانسان من مكروه لقوله عليه السلام " كل شىء يؤذى المؤمن فهو له مصيبة ". واصلها الوصول من صاب السهم المرمى واصابه وصل اليه { قالوا إنا لله } اى نحن عبيد الله والعبد وما فى يده لمولاه فان شاء ابقاه فى ايدينا وان شاء استرده منا فلا نجزع بما هو ملكه بل نصبر فان عشنا فعليه رزقنا وان متنا فانا اليه راجعون واليه مردنا وعنده ثوابنا ونحن راضون بحكمه فما أعطانا ربنا كان فضلا منه ولا يليق بكرمه الارتجاع فى عطاياه وانما اخذه ليكون ذخيرة لنا عنده فقولنا انا لله اقرار منا له تعالى بالملك { وإنا إليه راجعون } اقرار على انفسنا بالهلك وقيل الرجوع اليه تعالى ليس عبارة عن الانتقال الى مكان وجهة فان ذلك على الله محال بل المراد منه ان يصير الى حيث لا يملك الحكم فيه سواه وذلك هو الدار الآخرة اذ لا حاكم فيها حقيقة وبحسب الظاهر الا الله تعالى بخلاف دار الدنيا فان غير الله قد يملك الحكم فيها بحسب الظاهر. وقول المصاب عند مصيبته انا لله وانا اليه راجعون له فوائد. منها الاشتغال بهذه الكلمة عن كلام لا يليق. ومنها انها تسلى قلب المصاب وتقلل حزنه. ومنها انها تقطع طمع الشيطان فى ان يوافقه فى كلام لا يليق. ومنها انه اذا سمعه غيره اقتدى به. ومنها انه اذا قال ذلك بلسانه يتذكر بقلبه الاعتقاد الحسن والتسليم لقضاء الله وقدره فان المصاب يدهش عند المصيبة فيحتاج الى ما يذكر له التسليم المذكور وفى الحديث " ما من مصيبة تصيب عبدا فيقول انا لله وانا اليه راجعون اللهم أجرنى من مصيبتى وأخلف لى خيرا منها الا آجره الله فى مصيبته وأخلف له خيرا منها ". قال سعيد بن جبير ما اعطى احد فى المصيبة ما اعطى هذه الامة يعنى الاسترجاع ولو اعطيه احد لاعطى يعقوب ألا تسمع الى قوله فى قصة فقد يوسف يا أسفى على يوسف يوسف 84 وليس الصبر هو الاسترجاع باللسان بل بالقلب بان يتصور ما خلق لاجله وهو الانقياد لله تعالى فى جميع ما كلفه به من التكاليف والتسليم لقضاء الله وقدره فى جميع ما اخذه واعطاه فان من اختص لله تعالى ملكا وملكا كيف ينازعه فى ملكه ولا يرضى بقضائه وملاحظة ان ما فى عالم الملك كله لله يذكر نعم الله وتذكرها يستلزم العلم بان ما ابقى عليه اضعاف ما استرده منه والمبشر به محذوف دل عليه قوله تعالى.

البقرة 2:157

{ اولئك } اى الصابرون الموصوفون بما ذكر { عليهم صلوات } كائنة { من ربهم ورحمة } اى رحمة ووجه الجمع فى الصلوات الدلالة على الكثرة والتكرير واستغنى بتنكير التعظيم فى رحمة عن ايرادها بلفظ الجمع ويندرج فى رحمته تعالى ايصال المسار ودفع المضار فى الدنيا والآخرة وجمع بين الصلاة والرحمة للايذان بان رحمته غير منقطعة فالمعنى عليهم فنون الرحمة المتوالية الفائضة من مالك امورهم ومبلغهم الى كمالاتهم اللائقة بهم. قال بعضهم الصلاة من الله المدح والثناء والتعظيم والرحمة اللطف والاحسان فلا تكرار { واولئك هم المهتدون } المختصون بالاهتداء لكل حق وصواب ولذلك استرجعوا واستسلموا لقضاء الله تعالى. وعن ابن مسعود رضى الله عنه لان أخر من السماء احب الى من ان اقول فى شىء قضاه الله ليته لم يكن. وقال على رضى الله عنه من ضرب بيده على فخذه عند مصيبة فقط حبط اجره اى بطل ثوابه. قيل المكاره التى تصيب الانسان اذا اصابته من قبل الله تعالى يجب الصبر عليها لان ما جاء من جهة العدل الحكيم ليس الا مقتضى عدله وحكمته فيجب عليه ان يرضى لعلمه بانه تعالى لا يقضى الا بالحق وان اصابته من جهة الظلمة فلا يجب عليه ان يصبر عليها بل جاز له ان يمانعه بل يحاربه وان قتل بمحاربته يكون شهيدا واعلم ان البلاء سبب للتصفية كما قال عليه السلام " ما اوذى نبى مثل ما اوذيت ". اى ما صفى نبى مثل ما صفيت والوفاء والجفاء سيان عند العشاق كما قال صائب شكايت از ستم يار جون كند هر جاكه عشوه هست وفا وجفا يكيست قال الحسن رضى الله عنه سمعت جدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يا بنى عليك بالقنوع تكن من اغنى الناس واداء الفرائض تكن من اعبد الناس يا بنى ان فى الجنة شجرة يقال لها شجرة البلوى يؤتى باهل البلاء يوم القيامة فلا ينشر لهم ديوان ولا ينصب لهم ميزان يصب عليهم الاجر صبا ثم قرأ انما يوفى الصابرون اجرهم بغير حساب " ولم يكن فى الصبر الا حكاية الطير الذى فى عهد سليمان عليه السلام لكفى. وذلك ان طيرا فى عهد سليمان عليه السلام كان له صوت حسن وصورة حسنة اشتراه رجل بالف درهم وجاءه طير آخر فصاح صيحة فوق قفصه وطار فسكت الطير وشكا الرجل الى سليمان عليه السلام فقال احضروه فلما احضروه قال سليمان عليه السلام لصاحبك عليك حق حتى اشتراك بثمن غال فلم سكت فقال يا نبى الله قل له حتى يرفع قلبه عنى انى لا اصيح ابدا ما دمت فى القفص قال لم قال لان صياحى كان من الجزع الى الوطن والاولاد وقال لى ذلك الطير انما حبسك لاجل صوتك فاسكت حتى تنجو فقال سليمان عليه السلام للرجل ما قال الطير فقال الرجل أرسله يا نبى الله فانى كنت احبسه لصوته فأعطاه سليمان عليه السلام الف درهم ثم ارسل الطير ثم طار وصاح سبحان من صورنى وفى الهواء طيرنى ثم فى القفص صبرنى ثم قال سليمان عليه السلام ان الطير ما دام فى الجزع لم يفرج عنه فلما صبر فرج عنه ومثل هذا فى الحقيقة اشارة الى الفناء عن اوصاف فى الجزع لم يفرج عنه فلما صبر فرج عنه ومثل هذا فى الحقيقة اشارة الى الفناء عن اوصاف النفس فان المرء ما لم يمت باختياره قبل اضطراره لا يصل الى الحياة الحقيقية قال فى المثنوى دانه باشى مرغكانت برجنند غنجه باشى كود كانت بركنند هركه كرد او حسن خوردا درمزاد صد قضاى بد سوى اورونهاد تن قفس شكلست وتن شد خارجان در فريب داخلان وخارجان قال حضرت الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره لا بد من نفى الانية واضمحلال الوجود فى بحر الوجود الحقيقى حتى يتم المقصود ويحصل قال الصائب ترك هستى كن كه اسودست از تاراج سيل هركه بيش ازسيل رخت خود برون ازخانه ريخت قال حضرة الشيخ افتاده افندى قدس سره العبور عن المراتب محله مرتبة يقال لها وادى الحيرة يعرف السالك فيها مطلوبه ولكن لا يقدر على الوصول فيدور فى ذلك الوادى بالحيرة والحرارة ويحرق الانية بتلك الحرارة ويقال له وادى الحيرة لان السالك يتحير ولا يقدر على الذهاب والرجوع وقوله عليه السلام " اللهم زدنى حيرة ". اشارة الى ذلك وتلك المرتبة لا تتيسر لكثير والعبور عنها لا يمكن الا بارشاد مرشد كامل اللهم هيئنا لتجليات اسمائك وصفاتك وأفض علينا من كاسات مشاهدات كمال ذاتك.

البقرة 2:158

{ ان الصفا } علم لجبل بمكة وسمى الصفا لانه جلس عليه آدم صفى الله { والمروة } علم لجبل فى مكة ايضا وسمى المروة لانها جلست عليها امرأة آدم حواء عليهما السلام { من شعائر الله } جمع شعيرة بمعنى العلامة اى من اعلام طاعة الله فان كل واحد من المواقف والمساعى والمنحر جعله الله تعالى علامة لنا نعرف به العبادة المختصة روى انه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له اساف وصنم على المروة على صورة امرأة يقال لها نائلة يروى انهما كانا رجلا وامرأة زنيا فى الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان اهل الجاهلية اذا سعوا بين الصفا والمروة مسحوهما تعظيما لهما فلما جاء الاسلام وكسرت الاوثان كره المسلمون الطواف بينهما لانه فعل الجاهلية فاذن الله تعالى فى الطواف بينهما واخبر انهما من شعائر الله. والحكمة فى شرعية السعى بين الصفا والمروة ما حكى ان هاجر لما ضاق عليها الامر فى عطشها وعطش اسماعيل سعت فى هذا المكان الى ان صعدت الجبل ودعت فأنبع الله لها زمزم واجاب دعاءها فجلعها طاعة لجميع المكلفين الى يوم القيامة. وفى الخبر " الصفا والمروة بابان من الجنة وموضعان من مواضع الاجابة ما بينهما قبر سبعين الف نبى وسعيهما يعدل سبعين رقبة ". { فمن حج البيت او اعتمر } الحج فى اللغة القصد والعمرة الزيارة وفى الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة { فلا جناح عليه } اى لا اثم عليه واصله من جنح اى مال عن القصد والخير الى الشر { ان يطوف بهما } اى فى ان يطوف بهما ويدور فأزال عنهم الجناح لانهم توهموا أن يكون فى ذلك جناح عليهم لاجل فعل الجاهلية وهو لا ينافى كون هذا الطواف واجبا كما عند الحنفية لان قولنا لا اثم فى فعل امر كذا يصح اطلاقه على الواجب واصل يطوف يتطوف وفى ايراد التفعل ايذان بان من حق الطائف ان يتكلف فى الطواف ويبذل فيه جهده { ومن تطوع خيرا } اصل التطوع الفعل طوعا لا كرها كانه قيل من فعل او اتى ما يتقرب به طائعا فنصب خيرا بتضمين تطوع فعلا يتعدى بنفسه او التطوع بمعنى التبرع من قولهم طاع يطوع اى تبرع فكأنه قيل من تبرع بما لم يفرض عليه من القربات مطلقا فانتصاب خيرا حينئذ على اسقاط حرف الجر اى من تطوع تطوعا بخير { فإن الله شاكر } له اى مجاز بعمله فان الشاكر فى وصف الله تعالى بمعنى المجازى على الطاعة بالاثابة عليها. قال ابن التمجيد فى حواشيه الشكر من الله بمعنى الرضى عن العبد والاثابة لازم الرضى والرضى ملزوم الشكر فالشكر مجاز فى معنى الرضى ثم التجوز منه الى معنى الاثابة مجاز فى المرتبة الثانية { عليم } بطاعة المتطوع ونيته فيها. وفى الآية حث على نوافل الطاعات كما على فرائضها فمن اتى بنافلة واحدة فان الله شاكر عليم فكيف باكثر منها فبالصوم تحصيل قهر النفس وبالزكاة تزكيها وبالصلاة المعراج الروحانى وبالحج الوصول. وعن سفيان الثورى قال حججت سنة ومن رأيى ان انصرف من عرفات ولا احج بعد هذا فنظرت فى القوم فاذا انا بشيخ متكىء على عصا وهو ينظر الى مليا فقلت السلام عليك يا شيخ قال وعليك يا سفيان ارجع عما نويت فقلت سبحان الله من اين تعلم نيتى قال ألهمنى ربى فوالله لقد حججت خمسا وثلاثين حجة وكنت واقفا بعرفات ههنا فى الحجة الخامسة والثلاثين انظر الى هذه الرحمة وأتفكر فى امرى وامرهم ان الله هل يقبل حجهم وحجى فبقيت متفكرا حتى غربت الشمس وأفاض الناس من عرفات الى مزدلفة ولم يبق معى احد وجن الليل ونمت تلك الليلة فرأيت فى النوم كأن القيامة قد قامت وحشر الناس وتطايرت الكتب ونصبت الموازين والصراط وفتحت ابواب الجنان والنيران فسمعت النار تنادى وتقول اللهم وق الحجاج حرى وبردى فنوديت يا نار سلى غيرهم فانهم ذاقوا عطش البادية وحر عرفات ووقوا عطش القيامة ورزقوا الشفاعة فانهم طلبوا رضاى بانفسهم واموالهم قال الشيخ فانتبهت وصليت ركعتين ثم نمت ورأيت كذلك فقلت فى نومى هذا من الرحمن او من الشيطان فقيل لى بل من الله مد يمينك فمددت فاذا على كفى مكتوب من وقف بعرفة وزار البيت شفعته فى سبعين من اهل بيته قال سفيان وارانى المكتوب حتى قرأته ثم قال الشيخ فلم تمر على منذ حينئذ سنة الا وانا حججت حتى تم لى ثلاث وسبعون حجة كذا فى زهرة الرياض. قال فى الاشباه والنظائر بناء الرباط بحيث ينتفع به المسلمون افضل من الحجة الثانية والحج تطوعا افضل من الصدقة النافلة وحج الفرض اولى من طاعة الوالدين بخلاف النفل وحج الغنى افضل من حج الفقير لان الفقير يؤدى الفرض من مكة وهو متطوع فى ذهابه وفضيلة الفرض افضل من فضيلة التطوع. فعلى العاقل ان يقصد بيت الله ويزوره فان لم يساعده المال فلتساعده الهمة والحال فان المعتبر هو توجه القلب الى جانب الغيب لا مجرد توجه القالب قال فى المثنوى ميل تو سوى مغيلا نست و ريك تا جه كل جينى زخار مرده ريك وفى التأويلات القاشانية { إن الصفا } وجود القلب { والمروة } وجود النفس { من شعائر الله } من اعلام دين الله ومناسكه القلبية كاليقين والتوكل والرضى والاخلاص والنفسية كالصبر والشكر والذكر والفكر { فمن حج البيت } اى بلغ مقام الوحدة الذاتية ودخل الحضرة الآلهية بالفناء الكلى الذاتى { واعتمر } زار الحضرة بالبلوغ الى مقام المشاهدة بتوحيد الصفات والفناء فى انوار تجليات الجمال والجلال { فلا جناح } فلا حرج { عليه } حينئذ فى { أن يطوف بهما } اى يرجع الى مقامهما ويتردد بينهما لا بوجودهما التلوينى فانه جناح وذنب بل بالوجود الموهوب الحقانى بعد الفناء عند التمكين ولهذا نفى الجناح فان فى هذا الوجود سعة بخلاف الاول { ومن تطوع خيرا } اى ومن تبرع خيرا من باب التكميل والتعليم والارشاد وشفقة الخلق فى مقام القلب ومن باب الاخلاق وطرف البر والتقوى ومعاونة الضعفاء والمساكين وتحصيل الهمم فى مقام النفس بعد كمال السلوك حال البقاء بعد الفناء { فان الله شاكر } شكر عمله بثواب المزيد { عليم } بانه من باب التصرف فى الاشياء بالله لا من باب التلوين والابتلاء والفترة انتهى كلام القاشانى يا خفى الذات محسوس العطاء انت كالماء ونحن كالرحاء انت كالريح ونحن كالغبار يختفى لاريح وغبراه جهار

البقرة 2:159

{ إن الذين يكتمون } الآية نزلت فى رؤساء اليهود واحبارهم او فى كل من كتم شيأ من احكام الدين وهو الاقرب لان اللفظ عام وعموم الحكم لا يأبى خصوص السبب والكتم والكتمان ترك اظهار الشئ قصدا مع الحاجة اليه وحصول الداعى الى اظهاره وذلك قد يكون بمجرد ستره واخفائه وقد يكون بازالته ووضع شىء آخر فى موضعه وهو الذى فعه هؤلاء فى نعوت النبى صلى الله عليه وسلم وغيرها { ما انزلنا } حال كونه { من البينات } اى من الآيات الواضحة الدالة على امر محمد عليه السلام وعلى الرجم وتحويل القبلة الحرام والحلال { والهدى } اى والآيات الهادية الى كنه امره ووجوب اتباعه عليه السلام والايمان به { من } متعلق بيكتمون { بعدما بيناه } اى اوضحناه ولخصناه { للناس } جميعا لا الكاتمين فقط { فى الكتاب } اى التوراة وتبيينه لهم ايضاحه بحيث يتلقاه كل احد من غير ان يكون فيه شبهة. قال ابن الشيخ فى حواشيه فالمراد بالبينات ما انزل على الانبياء من الكتب والوحى دون ادلة العقل وان قوله والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية وقوله تعالى فى حق الهدى من بعد ما بيناه وما لخصناه فى الكتاب لا يقتضى اتحادهما وان يكون العطف لتغاير اللفظين لان كون ما بيناه فى الكتاب كما يجوز ان يكون بطريق كونه من جملة التنزيل يجوز ان يكون بطريق كونه فائدة ملخصة اى مستفادة منه { اولئك } اى اهل هذه الصفة { يلعنهم الله } اى يطردهم ويبعدهم من رحمته بسبب كتمهم الحق { ويلعنهم اللاعنون } اى الذين يتأتى منهم اللعن اى الدعاء عليهم باللعن من الملائكة ومؤمنى الثقلين. وعن ابن مسعود رضى الله عنه ما تلاعن اثنان الا ارتفعت اللعنة بينهما فان استحقها احدهما والا رجعت على اليهود الذين كتموا صفة محمد عليه السلام او اللاعنون البهائم والهوام تلعن العصاة تقول اللهم العن عصاة بنى آدم فبشؤمهم منع عنا القطر.

البقرة 2:160

{ إلا الذين تابوا } من الكتمان وسائر ما يجب ان يتاب منه الاستثناء متصل والمستثنى منه هو الضمير فى يلعنهم { وأصلحوا } ما افسدوا بالتدارك فانه لا بد بعد التوبة من اصلاح ما افسده مثلا لو افسد على غير دينه بايراد شبهة عليه يلزمه ازالة تلك الشبهة وبعد ذلك لا بد له من ان يفعل ضد الكتمان وهو البيان وهو المراد بقوله تعالى { وبينوا } اى ما بينه الله فى كتابهم لتتم توبتهم فدلت الآية على ان التوبة لا تحصل الا بترك كل ما لا ينبغى وبفعل كل ما ينبغى { فأولئك أتوب عليهم } اى بالقبول وافاضة الرحمة والمغفرة فان التوبة اذا اسندت اليه تعالى بان قيل تاب الله او يتوب تكون بمعنى القبول وقبول التوبة يتضمن المغفرة اى ازالة عقاب من تاب { وأنا التواب الرحيم } اى المبالغ فى قبول التوبة ونشر الرحمة ولما ذكر لعنتهم احياء ذكر لعنتهم امواتا فقال.

البقرة 2:161

{ إن الذين كفروا } اى استمروا على الكفر المستتبع للكتمان وعدم التوبة { وماتوا وهم كفار } مصرون على كفرهم لا يرتدعون عن حالتهم الاولى { أولئك } مستقر { عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين } اى هم المخصوصون باللعنة الابدية احياء وامواتا فمن يعتد بلعنتهم وهم المؤمنون لانهم هم الناس فى الحقيقة لانتفاعهم بالانسانية واما الكفار فهم كالانعام واضل سبيلا فلا اعتداد بهم عند الله او الناس عام لان الكفار يوم القيامة يلعن بعضهم بعضا والله تعالى يلعنهم يوم القيامة ثم يلعنهم الملائكة ثم تلعنهم الناس والظالم يلعن الظالمين ومن لعن الظالمين وهو ظالم فقد لعن نفسه.

البقرة 2:162

{ خالدين فيها } حال من المضمر فى عليهم اى دائمين فى اللعنة لانهم خلدوا فى النار خلدوا فى الابعاد عن رحمة الله تعالى { لا يخفف عنهم العذاب } استئناف لبيان كثرة عذابهم من حيث الكيف اثر بيان كثرته من حيث الكم اى لا يرفع عنهم ولا يهون عليهم { ولا هم ينظرون } من الانظار بمعنى الامهال والتاجيل اى لا يمهلون للرجعة ولا للتوبة ولا للمعذرة او يعذبون على الدوام والاستمرار وان كل وجه من وجوه عذابهم يتصل بوجه آخر مثله او اشد منه وانهم لا يمهلون ولا يؤجلون ساعة ليستريحوا فيها او من النظربمعنى الانتظار اى لا ينتظرون ليعتذروا او بمعنى الرؤية اى لا ينظر اليهم نظر رحمة وانما خلدوا فى النار لان نيتهم كانت عبادة الاصنام ابدا ان عاشوا فجوزوا بتأبيد العذاب واما الدركات فى النيران فلتفاوت سوء الاحوال والتفاوت فى شدة الكفر فيرجع الى شدة العذاب فى الدركات لان النيات متفاوتة كالاعمال والتأديب فى الحكمة واجب ولما اساء الكفار بسوء الاعتقاد فى حقه تعالى ادبوا بالحرمان من الجنة والخلود فى النار ونعم ما قيل سفيها نرا بود تأديب نافع جنونانرا جوشربت كشت دافع وانما حمل هؤلاء اليهود على ما فعلوا من الكتمان وغيره حب الرياسة والدنيا لانهم خافوا ان يذهب مأكلتهم من السفلة وما يغنى عنهم ذلك شيأ اذا كان مصيرهم الى النار. وفى الخبر ان مؤمنا وكافرا فى الزمان الاول انطلقا يصيدان السمك فجعل الكافر يذكر آلهته ويأخذ السمك حتى أخذ سمكا كثيرا وجعل المؤمن يذكر الله كثيرا فلا يجيىء شىء ثم اصاب سمكة عند الغروب فاضطربت فوقعت فى الماء فرجع المؤمن وليس معه شىء ورجع الكافر وقد امتلأت شبكته فاسف ملك المؤمن الموكل عليه فلما صعد الى السماء اراه الله مسكن المؤمن فى الجنة فقال والله ما يضره ما اصابه بعد ان يصير الى هذا واراه مسكن الكافر فى جهنم فقال والله ما يغنى عنه ما اصابه من الدنيا بعد ان يصير الى هذا كذا فى شرح الخطب نركس اندرخواب غفلت يافت بلبل صدو صال خفته نابينا بود دولت به بيداران حسد ومرتكب المعاصى لو عرف عذاب الجحيم حق المعرفة لما ارتكبها حتى ان من قوى ظنه ان فى هذه الثقبة حية لا يدخل يده فيها فما ظنك فى ارتكاب المعاصى بملاحظة عذاب النار. واعلم ان احبار اليهود لما لم ينتفعوا بعلمهم ضلوا فأضلوا فخذلهم الله ولعنهم. وذكر فى الخالصة لن يهلك قوم بظلمهم وانما اهلكهم ظلم ولاتهم. قال الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره وكذا الحال فى الارشاد فان الضلال والفساد فى الطالبين من فساد مرشدهم فما دام المرشد على الصراط المستقيم يحفظ الله تعالى الطالب من الضلال فان نزول البلاء على قوم من فساد رئيسهم وحكى ان امنا حواء اكلت اولا من الشجرة فلم يقع شىء فلما اكل منها ابونا آدم عليه السلام وقع الخروج من الجنة انتهى فويل لارباب الرياسة الذين ظلموا انفسهم وتجاوزو ظلمهم الى من عداهم فانهم هم الواقعون فى عذاب النار نار القطيعة والهجران وجهنم البعد عن الله ورحمته اللهم احفظنا.

البقرة 2:163

{ وإلهكم } خطاب عام لكافة الناس اى المستحق منك للعبادة { إله واحد } فرد فى الآلهية لا شريك له فيها ولا يصح ان يسمى غيره آلها فلا معبود الا هو وهو خبر مبتدأ وواحد صفة وهو الخبر فى الحقيقة لانه محط الفائدة ألا يرى انه لو اقتصر على ما قبله لم يفد { لا إله إلا هو } تقرير للوحدانية وازاحة لا يتوهم ان فى الوجود آلها ولكن لا يستحق منهم العبادة يعنى بهذا فاعرفوه ودائما فاعبدوه ولا ترجوا غيره ولا تخافوا سواه ولا تعبدوا الا اياه والاستثناء بدل من اسم لا على المحل اذ محله الرفع على الابتداء والخبر محذوف اى لا اله كائن لنا او موجود فى الوجود الا الله. واعلم ان الاسماء على ضربين اسم ظاهر واسم ضمير وكلمة هو اسم ضمير فكونها ضميرا لا ينافى كونها اسما وقد حقق الامام فى التفسير الكبير اسمية هذه الكلمة فليراجع وعند اهل الحقيقة كلمة هو اسم بحت لان كل ما يدل على الذات الاحدية فهو اسم محض عندهم سواء كان مظهرا او مضمرا ولذا يقال عالم الهوية باللام فاعرف هذا فانه ينفعك وفى المثنوى از هواها كى رهى بى جام هو اى ز هو قانع شده با نام هو هيسج نامى بى حقيقت ديده يا ز كاف ولام كل كل جيده اسم خواندى رو مسمارا بجو مه ببالا دان نه اندر آب جو كرز نام وحرف خواهى بكذرى باك كن خودرا زخودهان يكسرى همجو آهن زاهنى بى رنك شو در رياضت آينه بى زنك شو خويش را صافى كن ازاوصاف خويش تا بينى ذات باك صاف خويش بينى اندر دل علوم انبياء بى كتاب وبى معيد و اوستا علم كان نبود ز هو بى واسطه آن نبايد همجو رنك ماشطه { الرحمن الرحيم } اى المولى لجميع النعم اصولها وفروعها ولا شىء سواه مستحق هذه الصفة فان كل شىء سواه اما نعمة واما منعم عليه فثبت ان غيره لا يستحق العبادة فلا يكون آلها فقوله الرحمن الرحيم كالحجة على الوحدانية. وعن اسماء بنت يزيد انها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ان فى هاتين الآيتين اسم الله الاعظم وآلهكم اله واحد لا اله الا هو الرحمن الرحيم والله لا اله الا هو الحيى القيوم ". قيل كان للمشركين حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما فلما سمعوا هذه الآية تعجبوا وقالوا كيف يسع الناس اله واحد فان كان محمد صادقا فى توحيد الاله فليئتنا بآية نعرف بها صدقه فنزل قوله تعالى.

البقرة 2:164

{ إن فى خلق السموات والارض } اى فى ابداعهما على ما هما عليه مع ما فيهما من تعاجيب العبر وبدائع الصنايع التى يعجز عن فهمها عقول البشر وانما جمع السموات وافرد الارض لان كل سماء ليست من جنس الاخرى بين كل سماءين من البعد مسيرة خمسمائة عام او لان فلك كل واحدة غير فلك الاخرى والارضون كلها من جنس واحد وهو التراب. قال ابن التمجيد فى حواشيه وعند الحكماء محدب كل سماء مماس لمقعر ما فوق غير الفلك التاسع المسمى بالعرش فان محدبه غير مماس لشىء من الافلاك لان ما فوقه خلاء وبعد غير متناه عندنا وعند الحكماء لا خلاء فيه ولا ملاء والعلم عند الله { واختلاف الليل والنهار } اى فى تعاقبهما فى الذهاب والمجىء يخلف احدهما صاحبه اذا جاء احدهما جاء الآخر خلفه اى بعده وفى الزيادة والنقصان والظلمة والنور { والفلك التى تجرى فى البحر } لا ترسب تحت الماء وهى ثقيلة كثيفة والماء خفيف لطيف وتقبل وتدبر بريح واحدة والفلك فى الآية جمع وتأنيثه بتأويل الجماعة { بما ينفع الناس } ما اسم موصول والمصاحبة والجملة فى موضع النصب على الحالية من فاعل تجرى اى تجرى مصحوبة بالاعيان والمعانى التى تنفع الناس فانهم ينتفعون بركوبها والحمل فيها للتجارة فهى تنفع الحامل لانه يربح والمحمول اليه لانه ينتفع بما حمل اليه { وما } اى ان فيما { ما انزل الله من السماء } من لابتداء الغاية اى من جهة السماء { من ماء } بيان للجنس فان المنزل من السماء يعم الماء وغيره والسماء يحتمل الفلك على ما قيل من ان المطر ينزل من السماء الى السحاب ومن السحاب الى الارض ويحتمل جهة العلو سماء كانت او سحابا فان كل ما علا الانسان يسمى سماء ومنه قيل للسقف سماء البيت { فاحيى به } عطف على ما انزل اى نضر بالماء النازل { الارض } بانوا النبات والازهار وما عليها من الاشجار { بعد موتها } اى بعد ذهاب زرعها وتناثر اوراقها باستيلاء اليبوسة عليها حسبما تقتضيه طبيعتها. قال ابن الشيخ فى حواشيه لما حصل للارض بسبب ما نبت فيها من انواع النبات حسن وكمال شبه ذلك بحياة الحيوان من حيث ان الجسم اذا صار حيا حصل فيه انواع من الحسن والنضارة والبهاء والنماء فكذلك الارض اذا تزينت بالقوة المنبتة وما يترتب عليها من انواع النبات { وبث فيها } اى فرق ونشر فى الارض { من كل دابة } من كل حيوان يدب على وجهها من العقلاء وغيرهم وهو معطوف على فاحيى والمناسبة ان بث الدواب يكون بعد حياة الارض بالمطر لانهم ينمون بالخصب ويعيشون بالمطر { وتصريف الرياح } عطف على ما انزل اى فى تقليبها فى مهابها قبولا ودبورا وشمالا وجنوبا وفى كيفيتها حارة وباردة وفى احوالها عاصفة ولينة وفى آثارها عقما ولواقح وقيل فى اتيانها تارة بالرحمة وتارة بالعذاب. قال ابن عباس رضى الله عنهما اعظم جنود الله الريح والماء وسميت الريح ريحا لانها تريح النفوس. قال وكيع الجراح لولا الريح والذباب لأنتنت الدنيا. قال شريح القاضى ما هبت الريح الا لشفاء سقيم او لسقم صحيح وقال بكر بن عباس لا تخرج من السحاب قطرة حتى تعمل فى السحاب هذه الرياح الاربع فالصبا تهيجه والجنوب تقدره والدبور تلقحه والشمال تفرقه واصول الرياح هذه الاربع فالشمال من ناحية الشام والجنوب تقابلها والصبا هى القبول من المشرق والدبور تقابلها وكل ريح جاءت بين مهب ريحين فهى نكباء لانها نكبت اى عدلت ورجعت عن مهاب هذه الاربع. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص الرياح ثمان اربع رحمة واربع عذاب فالرحمة الناشرات وهى الرياح الطيبة والمبشرات وهى الرياح التى تبشر بالغيث واللواقح وهى التى تلقح الاشجار والذاريات وهى التى تذر والتراب وغيره والعذاب الصرصر والعقيم وهما فى البر والعاصف والقاصف وهما فى البحر والعقيم هى التى لم تلقح سحابا ولا شجرا والعاصف الشديدة الهجوم التى تقلع الخيام { والسحاب المسخر } عطف على تصريف اى الغيم المذلل المنقاد الجارى على ما اجراه الله تعالى عليه وهو اسم جنس واحده سحابة وسمى سحابا لانه ينسحب فى الجو اى يسير فى سرعة كأنه يسحب اى يجر { بين السماء والأرض } صفة للسحاب باعتبار لفظه وقد يعتبر معناه فيوصف بالجمع كما فى قوله تعالى سحابا ثقالا الأعراف 57 اى لا ينزل الارض ولا ينكشف مع ان طبع السحاب يقتضى احد هذين النزول والانكشاف. قيل لانه لو كان خفيفا لطيفا ينبغى ان يصعد ولو كثيفا يقتضى ان ينزل { لآيات } اسم ان دخلته اللام لتأخره عن خبرها ولو كان فى موضعه لما جاز دخول اللام عليه والتنكير للتفخيم كما وكيفا اى آيات عظيمة كثيرة دالة على القدرة القاهرة والحكمة الباهرة والرحمة والواسعة المقتضية لاختصاص الالوهية به سبحانه { لقوم } فى محل النصب لانه صفة لآيات فيتعلق بمحذوف { يعقلون } فى محل الجر على انه صفة لقوم اى يتفكرون فيها وينظرون اليها بعيون العقول والقلوب ويعتبرون بها لانها دلائل على عظم قدرة الله فيها وباهر حكمته فيستدلون بهذه الاشياء على موجدها فيوحدونه وفيه تعريض لجهل المشركين الذين اقترحوا على الرسول آية تصدقه فى قوله تعالى وإلهكم إله واحد البقرة 163. وتسجيل عليهم بسخافة العقول اذ لو عقلوه لكفاهم بهذه التصاريف آية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويل لمن قرأ هذه الآية فمج بها ". المج حقيقة قذف الريق ونحوه من الفم عدى بالباء لما فيه من معنى الرمى واستعير ههنا لعدم الاعتبار والاعتداد فان من تفكر فيها فكأنه حفظها ولم يلقها من فيه. واعلم ان قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو البقرة 163 اول آية نزلت فى التوحيد بحسب الرتبة اى اقدم توحيد من جهة الحق لا من جهتنا فان اول رتبة التوحيد من طرفنا توحيد الافعال وهذا هو توحيد الذات ولما بعد هذا التوحيد عن مبالغ افهام الناس نزل الى مقام توحيد الصفات بقوله الرحمن الرحيم ثم الى توحيد الافعال ليستدل به عليه فقال ان فى خلق الآية كذا فى التأويلات القاشانية. ومن نتائج صفة الرحمن الرحيم فى حق الانسان ما اشار اليه فى قوله ان فى خلق الخ يعنى ان الحكمة فى خلق هذه الاشياء ان يكون كل شىء مظهر آية من آيات الله ولا فائدة لهذه الاشياء من الآيات المودعة فيها فان فائدتها عائدة الى الانسان لانهم قوم يعقلون الآيات كما قال سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق فصلت 53. فالعالم بما فيه خلق بتبعية الانسان لان العالم مظهر آيات الحق والآيات المرئيات الانسان والانسان مظهر معرفة الحق ولهذا قال وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات 56. اى ليعرفون فلو لم يكن لاجل معرفة الله ما خلق الانسان ولو لم يكن لاجل الانسان ما خلق العالم بما فيه كما قال للنبى عليه الصلاة والسلام " لولاك لما خلقت الكون ". وكان العالم مرآة يظهر فيه آيات كمال الحق وجلاله والانسان هو المشاهد لآيات الجمال والجلال فى مرآة العالم وهو مرآة يظهر فيه مرآة العالم وما يظهر فيه كما قال تعالى وفى أنفسكم أفلا تبصرون الذاريات 21. وهذا تحقيق قوله " من عرف نفسه فقد عرف ربه ". لان نفسه مرآة جمال ربه وليس احد غير الانسان يشاهد حال ربه فى مرآة العالم ومرآة نفسه باراءة الحق كما قال سنريهم آياتنا فصلت 53. فاعرف قدرك لتعرف قدر ربك يا مسكين ومما يدل على ان خلق السموات والارض وما بينهما تبع لخلق الانسان قوله عليه الصلاة والسلام " لا تقوم الساعة حتى لا يقال فى الارض الله الله " يعنى اذا مات الانسان الذى هو يقول الله الله قامت القيامة فلم تبق السموات والارض لان وجودهما كان تبعا لوجود الانسان فاذا لم يبق المتبوع ما بقى التابع كذا فى التأويلات النجمية. فعلى السالك ان يصل بالذكر الحقيقى الى المقصود الاصلى فان التوحيد ينفى الباطل وينفى الاغيار. روى عمران بن حصين قال " قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لابى حصين " كم تعبد اليوم من اله " فقال اعبد سبعا ستا فى الارض وواحدا فى السماء قال " وأيهم تعبده لرغبتك ورهبتك " فقال الذى فى السماء فقال عليه الصلا والسلام " فيكفيك اله السماء " ثم قال يا حصين لو اسلمت علمتك كلمتين تنفعانك فأسلم حصين ثم قال يا رسول الله علمنى هاتين الكلمتين فقال عليه الصلاة والسلام " قل اللهم ألهمنى رشدى واعذنى من شر نفسى "

البقرة 2:165

{ ومن الناس من يتخذ من دون الله } من لابتداء الغاية متعلق بيتخذ ودون فى الاصل ظرف مكان استعمل هنا بمعنى غير مجازا والاتخاذ بمعنى الصنع والعمل متعد الى مفعول واحد وهو هنا قوله { اندادا } هى الاصنام التى بعضها انداد لبعض اى امثال او انها انداد لله تعالى بحسب ظنونهم الفاسدة من حيث انهم كانوا يرجون من عندها النفع والضرر وقصدوها بالمسائل وقربوا لها القرابين فارجاع ضمير العقلاء اليه فى قوله تعالى { يحبونهم } مبنى على آرائهم الباطلة فى شأنها من وصفهم بما لا يوصف به الا العقلاء او هى الرؤساء الذين يطيعونهم قال القاضى ولعل المراد اعم منهما وهو ما يشغله عن الله تعالى فانه قال الصوفية والعارفون كل شىء شغلت به قلبك سوى الله تعالى فقد جعلته فى قلبك ندا له تعالى ويدل عليه قوله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هواه الجاثية 23. { يحبونهم } الجملة صفة لانداد اى يعظمونهم ويخضعون لهم ويطيعونهم تعظيم المحبوب واطاعته { كحب الله } اى حبا كائنا مثل حبهم الله تعالى اى يسوون بينه تعالى وبينهم فى الطاعة والتعظيم والمقصود من التشبيه ما فى الوصف من القوة والضعف والمراد ههنا التسوية وهذه التسوية فى التعظيم لا تنافى اقرارهم بربوبيته تعالى كما يدل عليه قوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله الزمر 38. ولفظ المحبة مأخوذ من الحب بالفتح كحبة الحنطة والشعير شبه حبة القلب اى سويداءه بالحب المعروف فى كون كل منهما منشأ ومبدأ للآثار العجيبة فاستعير اسم الحب لها ثم اشتق من الحب المستعار للقلب الحب بمعنى ميل القلب لانه اصابها ورسخ فيها ومحبة العبد لله تعالى ارادة طاعته فى اوامره ونواهيه والاعتناء لتحصيل مراضيه ومحبة الله للعبد ارادة اكرامه واستعماله فى الطاعة وصونه من المعاصى ثم فصل محبة المؤمنين بقوله { والذين آمنوا أشد حبا لله } من حب الكفرة لاندادهم لانه لا ينقطع محبتهم لله بخلاف محبة الانداد فانها لاغراض فاسدة موهومة تزول بادنى سبب ولذلك كانوا يعدلون عن آلهتهم الى الله تعالى عند الشدائد ويعبدون الصنم زمانا فاذا رأوا صنما يعجبهم اخذوه وطرحوا الاول. وروى ان باهلة عملت لها الها من خس فاكلوه عام المجاعة { ولو يرى الذين ظلموا } اى لو يعلم هؤلاء الذين اشركوا باتخاذ الانداد ووضعها موضع المعبود { إذ يرون العذاب } المعد لهم يوم القيامة اى عاينوه فهى من الرؤية بالعين { إن القوة } اى الغلبة والقدرة الآلهية { لله جميعا } نصب حالا والجملة سادة مسد مفعولى يرى { وأن الله شديد العذاب } عطف على ان القوة لله وفائدته المبالغة فى تهويل الخطب وتفظيع الامر فان اختصاص القوة به تعالى لا يوجب شدة العذاب لجواز تركه عفوا مع القدرة عليه وجواب لو محذوف اى لو علم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم بشركهم ان القدرة كلها لله على كل شىء من الثواب والعقاب دون اندادهم ويعلمون شدة عقابه للظالمين اذا عاينوا العذاب يوم القيامة لوقعوا من الحسرة والندامة على عبادة الانداد فيما لا يكاد يوصف.

البقرة 2:166

{ إذ تبرأ الذين اتبعوا } بدل من اذ يرون واصل التبرى التخلص ويستعمل للتفصى والتنصل مما تكره مجاورته والمعنى اذ تبرأ الرؤساء المتبوعون { من الذين اتبعوا } اى من الاتباع بان اعترفوا ببطلان ما كانوا يدعونه فى الدنيا ويدعونهم اليه من فنون الكفر والضلال واعتزلوا عن مخالطتهم وقابلوهم باللعن { ورأوا العذاب } الواو حالية وقد مضمرة اى تبرأوا حال رؤيتهم العذاب { وتقطعت بهم الأسباب } عطف على تبرأ وتوسط الحال بينهما للتنبيه على علة التبرى اى انقرضت عنهم الوصل التى كانت بينهم من الاتفاق على دين واحد والانساب والمحاب والاتباع والاستتباع فالباء فى بهم بمعنى عن كما فى قوله تعالى فسئل به خبيرا الفرقان 59. او للسببية اى تقطعت بسبب كفرهم الاسباب التى يرجون بها النجاة او للتعدية اى قطعتهم الاسباب كما تقول فرقت بهم الطريق اى فرقتهم.

البقرة 2:167

{ وقال الذين اتبعوا } حين عاينوا تبرى الرؤساء منهم وندموا على ما فعلوا من اتباعهم لهم فى الدنيا { لو أن لنا كرة } اى ليت لنا رجعة الى الدنيا وعودة { فنتبرأ منهم } هناك { كما تبرأوا منا } اليوم اى تبرأ مثل تبرئهم فالكاف منصوب المحل على انها صفة مصدر محذوف { كذلك } اى مثل ذلك الايراء الفظيع وهو نزول العذاب عليهم وتبرى بعضهم من بعض { يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم } اى ندمات شديدة فان الحسرة شدة الندم والكمد وهى تألم القلب وانحساره عما يؤلمه بحيث يبقى النادم كالحسير من الدواب وهو الذى انقطعت قوته فصار بحيث لا ينتفع به واصل الحسر الكشف ومن فات عنه ما يهواه وانكشف قلبه عنه يلزمه الندم والتأسف على فواته فلذلك عبر عن الحسرة التى هى انكشاف القلب عما يهواه بلازمه الذى هو الندم والرؤية ان كانت بصرية تكون حسرات حالا من اعمالهم والمعنى ان اعمالهم تنقلب حسرات عليهم فلا يرون اعمالهم الا حال كونها حسرات وان كانت قلبية فهى ثالث مفاعيل يرى وعليهم يتعلق اما بحسرات والمضاف محذوف اى على تفريطهم او بمحذوف منصوب على انه صفة لحسرات اى حسرات مستولية عليهم فان ما عملوه من الخيرات محبوطة بالكفر فيتحسرون لم ضيعوها ويتحسرون على ما فعلوه من المعاصى لم عملوها. قال السدى ترفع لهم الجنة فينظرون اليها والى بيوتهم فيها لو اطاعوا الله فيقال لهم تلك مساكنكم لو اطعمتم الله ثم تقسم بين المؤمنين وذلك حين يندمون ويتحسرون { وما هم بخارجين من النار } لانهم خلقوا لاجلها روى انه يساق اهل النار الى النار لم يبق منهم عضوا الا لزمه عذاب اما حية تنهشه او ملك يضربه فاذا ضربه الملك هوى فى النار مقدار اربعين يوما لا يبلغ قرارها ثم يرفعه اللهب ويضربه الملك فيهوى فاذا بدا رأسه ضربه كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب فاذا عطش احدهم طلب الشراب فيؤتى بالحميم فاذا دنا من وجهه سقط وجهه ثم يدخل فى فيه فتسقط اضراسه ثم يدخل بطنه فيقطع امعاءه وينضج جلده وهكذا يعذبون فى النار لا يموتون فيها ولا يحيون ولا يخرجون. قال سعيد بن جبير ان الله تعالى يأمر يوم القيامة من احرق نفسه فى الدنيا على ربوبية الاصنام ان يدخلوا جهنم مع اصنامهم فلا يدخلون لعلمهم ان عذاب جهنم على الدوام ثم يقول للمؤمنين بين ايدى الكفار ان كتنم احبائى فادخلوا جهنم فيقتحمون فيها وينادى مناد من تحت العرش والذين آمنوا اشد حبا لله لان الله احبهم اولا ثم احبوه ومن شهد له المعبود بالمحبة كانت محبته اتم قال تعالى يحبهم ويحبونه المائدة 54 ومن لم يكن اهلا لمحبة الله ازلا طردته العزة الى محبة الانداد وهى كل ما يحب سوى الله فمن وكل الى المحبة النفسانية تعلقت محبته بملائم هوى النفس من الاصنام فكما ان الكفار بعضهم يحبون اللات ويعبدونها وبعضهم يحبون الاولاد ويعبدونها فمحبة الاولاد والازواج والاموال تمنع عن محبة الله ومن احب الله يرى ما سواه بنظر العداوة كما قال الخليل عليه السلام فانهم عدو لى الا رب العالمين ومن كان فى الازل اهلا لمحبة الله جذبته العناية فتجلى له الحق فانعكست تلك المحبة لمرآة قلبه فلا تتعلق بغير الله لانها من عالم الوحدة فلا تقبل الشركة والاعداء احبوا الانداد بمحبة فانية نفسانية والاحباء احبوا الله بمحبة باقية ربانية بل احبوه بجميع اجزائهم الفانية والباقية اللهم اوصلنا الى حقيقة المحبة واليقين والتمكين.

البقرة 2:168

{ يا أيها الناس } نزلت فى قوم حرموا على انفسهم رفيع الاطعمة والملابس { كلوا مما فى الارض } اى من بعض ما فيها من اصناف المأكولات لان كل ما فيها لا يؤكل { حلالا } حال من الموصول اى حال كونه حلالا وهو ما انحل عنه عقد الحظر { طيبا } طاهرا من جميع الشبه صفة حلالا او الحلال ما يستطيبه الشرع والطيب ما يستطيبه الشهوة المستقيمة اى يستلذه الطبع { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } الخطوة بالفتح المرة من نقل القدم وبالضم بعد ما بين قدمى الماشى يقال اتبع خطواته ووطئ على عقبه اذا اقتدى به واستن بسنته اى لا تقتدوا بآثاره وطرقه ومذاهبه فى اتباع الهوى وهى وساوسه فتحرموا الحلال وتحللوا الحرام { إنه لكم عدو مبين } تعليل للنهى اى ظاهر العداوة عند ذوى البصيرة واما عند متبعى الهوى الذين لا بصيرة لهم فهو كولى حميم حيث يدلهم على مشتهات نفوسهم ولذائذ مراداتها المستحسنة فقوله مبين من ابان بمعنى بان وظهر وجعله الواحدى من ابان المتعدى حيث قال انه عدو مبين قد ابان عداوته لكم بابائه السجود لابيكم آدم وهو الذى اخرجه من الجنة.

البقرة 2:169

{ إنما يأمركم } اى يوسوس لكم شبه تسلطه عليهم بآمر مطاع وشبهوا فى قبولهم للوسوسة وطاعتهم له بالطبع بمأمور مطيع وفيه رمز الى انهم بمنزلة المأمورين المنقادين له تسفيها لرأيهم وتحقيرا لشأنهم { بالسوء } وهو كل ما ساءك فى عاقبتك يطلق على جميع المعاصى سواء كانت من اعمال الجوارح او اعمال القلوب لاشتراك كلها فى انها تسوء صاحبها وتحزنه { والفحشاء } من عطف الخاص على العام اى اقبح انواع المعاصى واعظمها مساءة فالزنى فاحشة والبخل فاحشة وكل فعلة قبيحة فاحشة واصل الفحش مجاورة القدر فى كل شىء وجعل البيضاوى المغايرة بين السوء والفحشاء بحسب المفهوم دون الذات فانه سميت المعصية سوأ لاغتمام العاقل بها وفحشاء باستقباحه اياها فاطلاق السوء والفحشاء على المعصية من قبيل التوصيف بالمصدر للمبالغة مثل رجل عدل { وان تقولوا } اى يأمركم بان تفتروا { على الله } بانه حرم هذا او ذاك { ما لا تعلمون } ان الله تعالى امر به وهو اقبح ما امر به الشيطان من القبائح لان وصفه تعالى بما لا ينبغى ان يوصف به من اعظم انواع الكبائر كما ان الفحشاء اقبح انواع السوء. فان قيل كيف يأمرنا الشيطان بذلك ونحن لا نراه ولا نسمع كلامه فكيف وسوسته وكيف وصوله الى القلب. قلنا وهو كلام خفى على ما قيل تميل اليه النفوس والطبع وقد قيل يدخل فى جسد ابن آدم لانه جسم لطيف ويوسوس وهو انه يحدث النفس بالافكار الرديئة قال تعالى يوسوس فى صدور الناس الناس 5. ومن دعاء النبى صلى الله عليه وسلم " اللهم اعمر قلبى من وساوس ذكرك واطرد عنى وساوس الشيطان " قال فى اكام المرجان وينحصر ما يدعو الشيطان اليه ابن آدم ويوسوس له فى ست مراتب. المرتبة الاولى مرتبة الكفر والشرك ومعاداة رسوله فاذا ظفر بذلك من ابن آدم برد انينه واستراح من تعبه معه لانه حصل منتهى امنيته وهذا اول ما يريده من العبد. المرتبة الثانية البدعة هى احب اليه من الفسوق والمعاصى لان المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها لان صاحبها يظنها حقيقة صحيحة فلا يتوب. فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الثالثة وهى الكبائر على اختلاف انواعها. فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الرابعة وهى الصغائر التى اذا اجتمعت صارت كبيرة والكبائر ربما اهلكت صاحبها كما قال عليه السلام " اياكم ومحقرات الذنوب ". فان مثل ذلك مثل قوم نزلوا بفلاة من الارض فجاء كل واحد يعود حطب حتى اوقدوا نارا عظيمة وطبخوا وشبعوا. فاذا عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة الخامسة وهى اشتغاله بالمباحات التى لا ثواب فيها ولا عقاب بل عقابها فوات الثواب الذى فات عليه باشتغاله بها. فان عجز عن ذلك انتقل الى المرتبة السادسة وهى ان يشغله بالعمل المفضول عما هو افضل منه ليزيح عنه الفضيلة ويفوته ثواب العمل الفاضل فيجره من الفاضل الى المفضول ومن الافضل الى الفاضل ليتمكن من ان يجره من الفاضل الى الشرور بما يجره من الفاضل السهل الى الافضل الاشق كمائة ركعبة بالنسبة الى ركعتين ليصير ازدياد المشقة سببا لحصول النفرة عن الطاعة بالكلية. وانما خلق الله ابليس ليتميز به الخبيث من الطيب فخلق الله الانبياء لتقتدى بهم السعداء وخلق ابليس لتقتدى به الاشقياء ويظهر الفرق بينهما فابليس دلال وسمسار على النار والخلاف وبضاعته الدنيا ولما عرضها على الكافرين قيل ما ثمنها قال ترك الدين فاشتروها بالدين وتركها الزاهدون واعرضوا عنها والراغبون فيها لم يجدوا فى قلوبهم ترك الدين ولا الدنيا فقالوا له اعطنا مذاقة منها حتى ننظر ما هى فقال ابليس اعطونى رهنا فاعطوه سمعهم وابصارهم ولذا يحب ارباب الدنيا استماع اخبارها ومشاهدة زينتها لان سمعهم وبصرهم رهن عند ابليس فاعطاهم المذاقة بعد قبض الرهن فلم يسمعوا من الزهاد عيب الدنيا ولم يبصروا قبائحها بل استحسنوا زخارفها ومتاعها فلذلك قيل حبك الشىء يعمى ويصم. فعلى العاقل ان يزهد ويرغب عن الدنيا ولا يقبل منها الا الحلال الطيب. قال الحسن البصرى الحلال الطيب ما لا سؤال فيه يوم القيامة وهو ما لا بد منه قال النبى عليه السلام " ان الله يهب لابن آدم ما لا بد منه ثوب يوارى به عورته وخبز يرد جوعته وبيت كعش الطير " فقيل يا رسول الله فكيف الملح فقال " الملح مما يحاسب به ". وفى التأويلات النجمية الحلال ما اباح الله اكله والطيب ما لم يكن مشوبا بشبهة حقوق الخلق ولا بسرف حظوظ النفس وكل طيب حلال وليس كل حلال طيبا ولهذا قال النبى عليه السلام " ان الله طيب ولا يقبل الا الطيب " يعنى غير مشوب بعيب او شبهة قيل ولا يقال ان الله حلال. واعلم ان اكل الحلال الطيب يورث القيام بطاعة الله والاجتناب عن خطوات الشيطان فالعمل الصالح نتيجة اللقمة الطيبة وفى المثنوى علم وحكمت زايد از لقمه حلال عشق ورقت زايد از لقمه حلال جون زلقمه توحسد بينى ودام جهل وغفلت زايد آنرادان حرام هيج كندم كارى وجو بردهد يديه اسبى كه كره خرد دهد لقمه تخمست وبرش انديشها لقمه بحر وكوهرش انديشها زايد ازلقمه حلال اندردهان ميل خدمت عزم سوى آن جهان وطلب الحلال بالكسب المشروع سنة الانبياء عليهم السلام. وفى الكسب فوائد كثيرة. منها الزيادة على رأس المال ان عمل للتجارة والزراعة وغرس الاشجار وفيها صدقة لما اكلته الطيور وغيرها. ومنها اشتغال المكتسب بالكسب عن البطالة واللهو. ومنها كسر النفس وصيرورتها قليلة الطغيان. ومنها ان الكسب واسطة الامان من الفقر الذى هو اسوداد الوجه فى الدارين ولا يتحرك فى الكسب لاجل عياله الا قال له حافظاه بارك الله لك فى حركاتك وجعل نفقاتك ذخرا لك فى الجنة ويؤمن عليهما ملائكة السموات والارض وافضل الكسب الجهاد ثم التجارة ثم الحراثة ثم الصناعة.

البقرة 2:170

{ واذا قيل لهم } نزلت فى مشركى العرب وكفار قريش امروا باتباع القرآن وسائر ما انزل تعالى من البينات الباهرة فجنحوا للتقليد اى واذا قيل للمشركين من الناس على وجه النصحية والارشاد { اتبعوا ما انزل الله } كتاب الله الذى انزله فاعملوا بتحليل ما احل الله وتحريم ما حرم الله فى القرآن ولا تتبعوا خطوات الشيطان { قالوا بل } عاطفة للجملة التى تليها على الجملة المحذوفة قبلها { نتبع ما الفينا } اى وجدنا { عليه آباءنا } من اتخاذ الانداد وتحريم الطيبات ونحو ذلك لانهم كانوا خيرا منا فقلدوا آباءهم فانظروا ايها العقلاء الى هؤلاء الحمقى ماذا يجيبون فقال الله تعالى ردا عليهم بهمزة الانكار والتعجب مع واو الحال بعدها { أولو كان آباؤهم } لما اقتضت الهمزة صدر الكلام والواو وسطه قدر بين الهمزة والواو جملة لتقع الهمزة فى صدرها والمعنى أيتبعونهم ولو كان آباؤهم اى فى حال كون آبائهم { لا يعقلون شيأ } من الدين لانهم كانوا يعقلون امر الدنيا { ولا يهتدون } للصواب والحق يعنى هذا منكر مستبعد جدا لان اتباع من لا عقل له ولا اهتداء الى طريق الحق لا وجه له اصلا.

البقرة 2:171

{ ومثل } واعظ { الذين كفروا } وداعيهم الى الحق { كمثل } الراعى { الذى ينعق } نعق الراعى والمؤذن بعين مهملة صوت وبالمعجمة نغق للغراب والمعنى يصوت { بما لا يسمع } وهو البهائم اى لا يدرك بالاستماع { الا دعاء } صوتا من الناعق { ونداء } زجرا مجردا من غير فهم شىء آخر وحفظه كما يفهم العاقل ويجيب. قيل الفرق بين الدعاء والنداء ان الدعاء للقريب والندا للبعيد ويحتمل ان يكون الدعاء اعم من النداء والتشبيه المذكور فى الآية من قبيل التشبيه المفرق شبه داعى الكافر بالناعق ونفس الكفرة بالبهائم المنعوق بها ودعاء داعى الكفرة بنعيق الناعق بالبهائم والمعنى مثلك يا محمد ومثل الذين كفروا فى وعظهم ودعائهم الى الله وعدم اهتدائهم كمثل الراعى الذى يصيح بالغنم ويكلمها ويقول كلى واشربى وارعى وهى لا تفهم شيأ مما يقول لها كذلك هؤلاء الكفار كالبهائم لا يعقلون عنك ولا عن الله شيأ { صم } اى هم صم يعنى كأنهم يتصاممون عن سماع الحق { بكم } بمنزلة الخرس فى ان لم يستجيبوا لما دعوا اليه { عمى } بمنزلة العمى من حيث اعراضهم عن الدلائل كأنهم لم يشاهدوها ثم انه تعالى لما شبههم بفاقدى هذه القوى الثلاث التى يتوسل بها الى تمييز الحق من الباطل واختيار الحق فرع على هذا التشبيه قوله { فهم لا يعقلون } اى لا يكتسبون الحق بما جبلوا عليه من العقل الغريزى لان اكتسابه انما يكون بالنظر والاستدلال ومن كان كالاصم والاعمى فى عدم استماع الدلائل ومشاهدتها كيف يستدل على الحق ويعقله ولهذا قيل من فقد حسا فقد فقد علما وليس المراد نفى اصل العقل لان نفيه رأسا لا يصلح طريقا للذم وهكذا لا ينفع الوعظ فى آخر الزمان لان آذان الناس مسدودة عن استماع الحق واذهانهم مصدودة عن قبوله ونعم ما قال السعدى فهم سخن جون نكند مستمع قوت طبع از متكلم مجوى فسحت ميدان ارادت بيار تابزند مرد سخن كوى كوى وفى قوله تعالى أولو كان آباؤهم البقرة 170 الآية. اشارة الى قطع النظر عن الاسلاف السوء واتباع اهل الاهواء المختلفة والبدع الذين لا يعقلون شيأ من طريق الحق وضلوا فى تيه محبة الدنيا ويدعون انهم اهل العلم وليسوا من اهله اتخذوا العلم مكسبا للمال والجاه وقطعوا الطريق على اهل الطلب قال تعالى فى بعض الكتب المنزلة لا تسألن عن عالم قد اسكره حب الدنيا فاولئك قطاع الطريق على عبادى فمن كان على جادة الحق وصراط الشريعة وعنده معرفة سلوك مقامات الطريقة يجوز الاقتداء به اذ هو من اهل الاهتداء الى عالم الحقيقة دون مدعى الشيوخة بطريق الارث من الآباء ولاحظ لهم من طريق الاهتداء فانهم لا يصلحون للاقتداء قال السعدى جو كنعانرا طبيعت بى هنربود بيمبر زادكى قدرش نيفزود هنر بنماى اكردارى به كوهر كل ازخارست وابراهيم از آزر وفى التأويلات النجمية ان { مثل الذين كفروا } كان فى عالم الارواح عند الميثاق اذ خاطبهم الحق بقوله ألست بربكم { كمثل الذى ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء } لانهم كانوا فى الصف الاخير اذ الارواح كانوا جنودا مجندة فى اربعة صفوف فكان فى الصف الاول ارواح الانبياء عليهم السلام وفى الثانى ارواح الاولياء وفى الثالث ارواح المؤمنين وفى الرابع ارواح الكافرين فاحضرت الذرات التى استخرجت من ظهر آدم من ذرياته واقيمت كل ذرة بازاء روحها فخاطبهم الحق ألست بربكم فالانبياء سمعوا كلام الحق كفاحا بلا واسطة وشاهدوا انوار جماله بلا حجاب ولهذا استحقوا ههنا النبوة والرسالة والمكالمة والوحى الله اعلم حيث يجعل رسالته والاولياء سمعوا كلام الحق وشاهدوا انوار جماله من انوار حجاب ارواح الانبياء ولهذا ههنا احتاجوا لمتابعة الانبياء فصاروا عند القيام باداء حق متابعتهم مستحقى الالهام والكلام من وراء الحجاب والمؤمنون سمعوا خطاب الحق من وراء حجاب الانبياء وحجاب ارواح الاولياء ولهذا آمنوا بالغيب وقبلوا دعوة الانبياء وان بلغتهم من وراء حجاب رسالة جبريل وحجاب رسالة الانبياء فقالوا سمعنا واطعنا ومما يدل على هذه التقريرات قوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب الشورى 51 يعنى الاولياء أو يرسل رسولا الشورى 51. يعنى المؤمنين والكفار لما سمعوا من الخطاب نداء من وراء الحجب الثلاثة كانوا كمثل الذى ينعق بما لا يسمع الا دعاء ونداء فما شاهدوا من انوار كمال الحق لا قليلا ولا كثيرا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون وما فهموا شيأ من كلام الحق الا انهم سمعوا من ذرات المؤمنين من وراء الحجاب لما قالوا بلى فقالوا بالتقليد ولهذا ههنا قلدوا ما الفوا عليه آباءهم لقوله تعالى إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون الزخرف 23. فلما تعلقت ارواحهم بالاجساد وتكدرت بكدورات الحواس والقوى النفسانية واظلمت بظلمات الصفات الحيوانية وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون من التمتعات البهيمية والاخلاق الشيطانية واللذات الجسمانية اصمهم الله واعمى ابصارهم فهم الآن { صم } عن استماع دعوة الانبياء بسمع القبول { بكم } عن قول الحق والاقرار بالتوحيد { عمى } عن رؤية آيات المعجزات { فهم لا يعقلون } ابدا لانهم ابطلوا بالرين صفاء عقولهم الروحانية وحرموا من فيض الانوار الربانية قال الصائب جرا زغير شكايت كنم كه همجو حباب هميشه خانه خراب هواى خوبشتنم وفى المثنوى كرجه ناصح را بود صد داعيه بندرا اذنى ببايد واعيه توبصد تلطيف بنداش ميدهى اوزبندت ميكند بهلوتهى يك كس نامستمع زاستيزورد صدكس كوينده را عاجز كند زانبيا ناصح تر وخوش لهجة تر كى بودكه رفت دمشان درحجر زانجة كوه وسنك دركار آمدند مى نشد بد بخت رابكشاده بند آنجنان دلها كه بدشان ما ومن نعتشان شد بل اشد قسوة فعلى العاقل ان يتدارك حاله بسلوك طريق الرضى والندم على مضى ويزكى نفسه عن سفساف الاخلاق ويصفى قلبه الى ان تنعكس اليه انوار الملك الخلاق وذلك لا يحصل غالبا الا بتربية كامل من اهل التحقيق لان المرء محجوب عن ربه وحجابه الغفلة وهى وان كانت لا ترفع ولا تزول الا بفضل الله تعالى لكنه باسباب كثيرة ولا اهتداء الى علاج المرض الا باشارة حكيم حاذق وذلك هو المرشد الكامل فاذا يزول الرين عن القلب وتنفتح روزنة البال الى الغيب فيكون اقرار السالك تحقيقا لا تقليدا وتوحيده تجريدا وتفريدا فحينئذ يعكس الامر فيكون اصم عن سماع اخبار ما سوى المحبوب الحقيقى ابكم عن افشاء سر الحقيقة اعمى عن رؤية الاغيار فى هذه الدار الفانية اللهم خلصنا من التقليد واوصلنا الى حقيقة التوحيد انك حميد مجيد.

البقرة 2:172

{ يا أيها الذين آمنوا كلوا } رزقكم { من طيبات ما رزقناكم } اى من حلالاته لان ما رزقناكم اعم من الحلال والحرام عند اهل السنة او من لذيذاته لانه اعم ايضا من المستلذ والمستكره. قال ابن الشيخ وهذا المعنى هو المناسب لهذا المقام واولى من حمله على الحلال الطاهر من الشبهة لان المقام مقام الامتنان بما رزقه من لذائذ الاحسان وطلب شكر المنعم المنان والطيب له ثلاثة معان المستلذ طبعا والمباح شرعا والطاهر وضعا وفى الآية اشارة الى انه لا بأس بالتفكه بانواع الفواكه لانها من الطيبات وتركه افضل لئلا ينفر من درجته ويدخل تحت قوله تعالى أذهبتم طيباتكم فى حياتكم الدنيا الأحقاف 20. والامر باكل الطيبات لفائدتين. احديهما ان يكون اكلهم بالامر لا بالطبع فيمتازون عن الحيوانات ويخرجون من حجاب الظلمة الطبع بنور الشرع. والثانى ليثيبهم بائتمار امر الاكل { واشكروا لله } الذى رزقكموها واحلها لكم والشكر صرف العبد جميع اعضائه الظاهرة والباطنة الى ما خلقت لاجله وهذا الامر ليس امر اباحة بل هو للايجاب اذ لا شك فى انه يجب على العاقل ان يعتقد بقلبه ان من اوجده وانعم عليه بما لا يحصى من النعم الجليلة مستحق لغاية التعظيم وان يظهر ذلك بلسانه وبسائر جوارحه { إن كنتم إياه تعبدون } اى ان كنتم مؤمنين بالله ومخصصين الله بالعبادة فاشكروا له فان الايمان يوجب ذلك وهو من شرائطه وهو مشهور فى كلامهم يقول الرجل لصاحبه الذى عرف انه يحبه ان كنت لى محبا فافعل كذا فيدخل حرف الشرط فى كلامه تحريكا له على ما يؤمر به واعلاما انه من شرائط المحبة وليس المراد ان انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فان من لا يفعل هذه العبادة يجب الشكر عليه ايضا وعن النبى صلى الله عليه وسلم " يقول الله تعالى انى والانس والجن لفى نبأ عظيم اخلق ويعبد غيرى وارزق ويشكر غيرى " قال السعدى مكن كردن ازشكر منعم مييج كه روز بسين سربر ارى بهيج

البقرة 2:173

{ إنما حرم عليكم الميتة } اى ما مات بغير ذكاة مما يذبح والسمك والجراد مستثنيان بالعرف لانه اذا قيل فلان اكل ميتة لم يسبقا الى الفهم ولا اعتبار للعادة قالوا من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث وان اكل لحما فى الحقيقة قال الله تعالى لتأكلوا منه لحما طريا النحل 14. والمراد بتحريم الميتة تحريم اكلها وشرب لبنها او الانتفاع بها لان الاحكام الشرعية انما تتعلق بالافعال دون الاعيان { والدم } الجارى والكبد والطحال مستثنيان ايضا بالعرف فهما حلالان { ولحم الخنزير } قد انعقد الاجماع على ان الخنزير حرام لعينه فيكون جميع اجزائه محرما وانما خص الله لحمه بالذكر لانه معظم ما ينتفع به من الحيوان فهو الاصل وما عداه تبع له { وما أهل به لغير الله } اى وحرم ما رفع به الصوت عند ذبحه للصنم واصل الاهلال رفع الصوت وكانوا اذا ذبحوا لآلهتهم يرفعون اصواتهم بذكرها ويقولون باسم اللات والعزى فجرى ذلك من امرهم حتى قيل لكل ذابح وان لم يجهر بالتسمية مهل. قال العلماء لو ذبح مسلم ذبيحة وقصد بها التقرب الى غير الله صار مرتدا وذبيحته ميتة وذبائح اهل الكتاب تحل لنا لقوله تعالى وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم المائدة 5. الا ان سموا غير الله فانها حينئذ لا تحل لهذه الآية فان قوله تعالى وطعام الذين المائدة 5 الخ عام. وقوله { وما أهل به لغير الله } خاص مقدم على العام { فمن } يحتمل ان تكون شرطية وموصولة { اضطر } اى احوج وألجئ الى اكل شىء مما حرم الله بان لا يجد غيرها وجد ان الاضطرار ان يخاف على نفسه او على بعض اعضائه التلف { غير } نصب على الحال فانه اذا صلح فى موضع لا فهو حال وان صلح فى موضع الا فهو استثناء والا فهو صفة وذو الحال ههنا فاعل فعل محذوف بعد قوله اضطر تقديره فمن اضطره احد امرين الى تناول شىء من هذه المحرمات احدهما الجوع الشديد مع عدم وجدان مأكول حلال يسد رمقه وثانيهما الاكراه على تناوله فتناول واكل حال كونه غير { باغ } على مضطر آخر بأن حصل ذلك المضطر الآخر من الميتة مثلا قدر ما يسد به جوعته فأخذه منه وتفرد بأكله وهلك الآخر جوعا وهذا حرام لان موت الآخر جوعا ليس اولى من موته جوعا { ولا عاد } من العدو وهو التعدى والتجاوز فى الامر لما حد له فيه اى غير متجاوز حد الشبع عند الاكل بالضرورة بان يأكل قدر ما يحصل به سد الرمق والجوعة { فلا إثم عليه } فى تناوله عند الضرورة { ان الله غفور } لما اكل فى حال الاضطرار { رحيم } بترخيصه ذلك ولم يذكر فى هذه الآية سائر المحرمات لانها ليست لحصر المحرمات بل هذه الآيات سيقت لنهيهم عن استحلال ما حرم الله وهم كانوا يستحلون هذه الاشياء فكانوا يأكلون الميتة ويقولون تأكلون ما امتم ولا تأكلون ما اماته الله وكذا يأكلون الدم ولحم الخنزير وذبائح الاصنام فبين انه حرمها فالمراد قصر الحرمة على ما ذكر مما استحلوه لا مطلقا. وقيل ذكر الميتة يتناول المتردية وهى الساقطة فى بئر او ماء او من علو والمنخنقة وهى ما اختنق بالشبكة او بحبل او خنق خانق والموقوذة وهى المضروبة بالخشب والنطيحة وهى المنطوحة وما اكل السبع ومتروك التسمية عمدا ونحوها ويكره عشرة من الحيوان الدم والغدة والقبل والدبر والذكر والخصيتان والمرارة والمثانة ونخاع الصلب. اما الدم فلقول تعالى حرمت عليكم الميتة والدم المائدة 3 واما ما سواه فلانها من الخبائث. قال الشيخ الشهير بأفتاده افندى ذكر ان النبى عليه السلام لم يأكل الطحال ولا الكلية ولا الثؤم وان لم يمنع عن اكلها فالاولى ان لا تؤكل اقتفاء لاثره ثم قيل فى وجهه ان المنى اذا نزل لم ينزل الا بعد اتصاله بالكلية. واما الطحال فلأنه من اطعمة اهل النار كذا فى واقعات الهدائى قدس سره ومن امتنع من الميتة حال المخمصة او صام ولم يأكل حتى مات اثم بخلاف من امتنع من التداوى حتى مات فانه لا يأثم لانه لا يقين بان هذا الدواء يشفيه ولعله يصح من غير علاج. وذكر فى الاشباه والنظائر انه يرخص للمريض التداوى بالنجاسات وبالخمر على احد القولين واختار قاضى خان عدمه واساغة اللقمة بها اذا غص اتفاقا على ما نص عليه فى الخانية وما قال الصدر الشهيد من ان الاستشفاء بالحرام حرام فهو غير مجرى على اطلاقه لان الاستشفاء بالمحرم انما لا يجوز اذا لم نعلم ان فيه شفاء واما اذا علم ذلك وليس له دواء آخر غيره يجوز له الاستشفاء به ومعنى قول ابن مسعود رضى الله عنه ان الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم يحتمل ان عبد الله قال ذلك فى داء عرف له دواء غير محرم لانه حينئذ يستغنى بالحلال. عن الحرام وفى التهذيب يجوز للعليل شرب البول والدم للتداوى اذا اخبره طبيب مسلم ان شفاءه فيه ولم يجد من المباح ما يقوم مقامه كذا فى شرح الاربعين حديثا لعلامة الروم ابن الكمال. والاشارة فى قوله تعالى { إنما حرم عليكم الميتة } انه كما حرم على الظواهر هذه المعهودات حرم على البواطن شهود غير الله فالميتة هى جيفة الدنيا { والدم } هى الشهوات النفسانية قال عليه السلام " ان الشيطان ليجرى فى ابن آدم مجرى الدم ". ولولا ان الشهوات فى الدم مستكنة لما كان للشيطان اليه سبيل ولهذا قال عليه السلام " سددوا مجارى الشيطان بالجوع ". لان الجوع يقطع مادة الشهوات { ولحم الخنزير } اشارة الى هوى النفس وتشبيه النفس بالخنزير لغاية حرصها وشرهها وخستها والخيرات المالية من غير اخلاص لله وفى الله بل للرياء والسمعة فى سبيل الهوى { فمن اضطر } اما لضرورة الحاجة النفسانية واما لضرورة امر الشرع باقامة احكام الواجبات عليه فليشرع فى شىء مما اضطر اليه { غير باغ } اى غير حريص على الدنيا وجمعها من الحرام والحلال وغير مولع على الشهوات بالحرام والحلال وغير مقبل الى استيفاء حظوظ النفس فى الحرام والحلال وغير مواظب على الرياء فى الطاعات والخيرات من السنن والبدع { ولا عاد } اى غير متجاوز من الدنيا حد القناعة وهى ما يسد الجوعة ويستر العورة { فلا إثم عليه } على من قام بهذه الشرائط { إن الله غفور رحيم } يغفر للعاملين له بآثار الرحمة والقائمين به بانوار الرحمة والماحين فيه باوصاف الرحمة التقطته من التأويلات النجمية. والغفور والغفار هو الذى اظهر الجميل وستر القبيح والذنوب من جملة القبائح التى سترها باسباب الستر عليها فى الدنيا والتجاوز عن عقوبتها فى الآخرة وحظ العبد من هذا الاسم ان يستر من غيره ما يحب ان يستر منه وقد قال عليه السلام " من ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته يوم القيامة ". والمغتاب والمتجسس والمكافىء على الاساءة بمعزل عن هذا الوصف وانما المتصف به من لا يفشى من خلق الله الا احسن ما فيه كما روى عن عيسى عليه السلام انه مر مع الحواريين بكلب قد غلب نتنه فقالوا ما انتن هذه الجيفة فقال عليه السلام ما احسن بياض اسنانها تنبيها على ان الذى ينبغى ان يذكر من كل شىء ما هو احسن كذا فى شرح الاسماء الحسنى للامام الغزالى قدس سره.

البقرة 2:174

{ إن الذين } نزلت فى احبار اليهود فانهم كانوا يرجون ان يكون النبى المنعوت فى التوراة منهم فلما بعث الله نبينا محمدا عليه السلام من غيرهم غيروا نعته حتى اذا نظر اليه السفلة يجدونه مخالفا لصفة محمد عليه السلام فلا يتبعونه فلا تزول رياستهم { يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } حال من العائد المحذوف اى انزل الله حال كونه من الكتاب وهو التوراة المشتمل على نعت محمد عليه السلام { ويشترون به } اى بدل المنزل المكتوم { ثمنا قليلا } اى يأخذون عوضا حقيرا من الدنيا يعنى المآكل التى يصيبونها من سفلتهم { أولئك ما يأكلون فى بطونهم إلا النار } اما فى الآخرة فظاهر لانهم لا يأكلون يوم القيامة الاعين النار عقوبة لهم على اكلهم الرشوة فى الدنيا واما فى الدنيا فبأكل سببها فان اكلهم ما اخذوه من اتباعهم سبب مؤد الى ان يعاقبوا بالنار فاطلاق النار عليه من قبيل اطلاق اسم المسبب على السبب ومعنى فى بطونهم ملئ بطونهم يقال اكل فى بطنه واكل فى بعض بطنه يعنى ان المقصود من ذكر بطونهم متعلقا بقوله يأكلون انما هو بيان محل الاكل ومقر المأكول فلما لم يقل يأكلون فى بعض بطونهم علم ان محل الاكل هو تمام بطونهم فلزم امتلاءها ففيه مبالغة كأنهم ما كانوا متكئين على البطون عند الاكل فملأوا بطونهم { ولا يكلمهم الله يوم القيمة } اى لا يكلمهم الله بطريق الرحمة غضبا عليهم فليس المراد به نفى الكلام حقيقة لئلا يتعارض بقوله تعالى فوربك لنسألنهم أجمعين الحجر 92. ونحوه بل هو كناية عن الغضب لان نفى الكلام لازم للغضب عرفا وعادة الملوك عند الغضب انهم يعرضون عن المغضوب عليهم ولا يكلمونهم كما انهم عند الرضى يتوجهون اليهم بالملاطفة { ولا يزكيهم } لا يثنى عليهم ولا يطهرهم من دنس الذنوب يوم يطهر المؤمنين من ذنوبهم بالمغفرة { ولهم عذاب أليم } وجع دآئم مؤلم.

البقرة 2:175

{ أولئك } المشترون بكتاب الله ثمنا قليلا ليسوا بمشترين للثمن وان قل بل { الذين اشتروا } بالنسبة الى الدنيا { الضلالة } التى ليست مما يمكن ان يشترى قطعا { بالهدى } الذى ليس من قبيل ما يبذل بمقابلة شىء وان جل { والعذاب } اى اشتروا بالنظر الى الآخرة العذاب الذى لا يتوهم كونه من المشترى { بالمغفرة } التى يتنافس فيها المتنافسون { فما أصبرهم على النار } اى ما اصبرهم على اعمال اهل النار حين تركوا الهدى وسلكوا مسالك الضلال فالمراد بالنار سببها اطلق عليه اسم النار للملابسة بينهما ومعنى التعجب راجع الى العباد فهو تعجب اى ايقاع للمخاطب فى العجب لامتناع التعجب فى شأنه تعالى لان التعجب منشأه الجهل بالسبب فانهم قالوا التعجب انفعال النفس مما خفى سببه وخرج عن نظائره فلا يجوز على الله تعالى.

البقرة 2:176

{ ذلك } العذاب بالنار { بأن الله } اى بسبب انه { نزل الكتاب } اى جنس الكتاب { بالحق } اى حال كونه ملتبسا بالحق فلا جرم يكون من يرفضه بالتكذيب والكتمان ويركب متن الجهل والغواية مبتلى بمثل هذا من افانين العذاب { وإن الذين اختلفوا فى الكتاب } اى فى جنس الكتاب الالهى بان آمنوا ببعض كتب الله وكفروا ببعضها او فى التوراة بان آمنوا ببعض آياتها وكفروا ببعض كالآيات المغيرة المشتملة على امر بعثه النبى صلى الله تعالى عليه وسلم ونعوته الكريمة او فى القرآن بان قال بعضهم انه شعر وبعض سحر وبعض كهانة { لفى شقاق بعيد } اى خلاف بعيد عن الحق والصواب مستوجب لاشد العذاب. اعلم ان فى هذه الآيات وعيدا عظيما لكل من يكتم الحق لغرض فاسد دنيوى فليحذروا اى العلماء ان يكتموا الحق وهم يعلمون وانما يكتمونه عن الملوك والامراء والوزراء وارباب الدنيا اما خوفا من اتضاع مرتبتهم ونقصان قدرهم عندهم واما طموحا الى احسانهم او لانهم شركاؤهم فى بعض احوالهم من حب الدنيا وجمعها والحرص فى طلبها او طلب مناصبها وحب رياستها او بالتنعم فى المأكول والمشروب والملبوس والمركوب والمسكن والاوانى وآلات البيت والامتعة والزينة فى كل شىء والخدم والخيول وغير ذلك فعند ذلك يداهنون ويأكلون ثمنا قليلا ولا يأكلون الا نار الحرص والشهوة والحسد التى تطلع على الافئدة وتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. واعلم ان فى كل عمل وفعل وقول يصدر من العبد على خلاف الشرع شررا يجتنى من نار السعير فتحصل فى قلب العبد تلك النار فى الحال وفى التى تصدر من العبد على وفق الشرع شررا يجتنى من نار المحبة فتظهر فى القلب فتحرق كل محبوب غير الله فى قلب كما ان نار السعير تحرق فى القلب الحسنات والاخلاق الحميدة فيأكلون نارا فى الحال وانما قال ما يأكلون فى بطونهم الا النار لان فسادهم كان فى باطل فكان عذابهم فى البطون وانما لا يكلمهم الله يوم القيامة لانهم كتموا كلام الله فى الدنيا ولا تكلموه بالصدق فكان جزاء سيئة سيئة مثلها وانما لا يزكيهم لان تزكية النفس للانسان مقدرة من الايمان والاعمال الصالحة بصدق النية من تهذيب الاخلاق بآداب الشرع فاولئك المداهنون من العلماء هم الذين اشتروا حب الدنيا بهدى اظهار الحق وآثروا الخلق على الحق والمداهنة على افضل الجهاد قال عليه السلام " ان افضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر ". وانما كانت افضل لان الجهاد بالحجة والبرهان جهاد أكبر بخلاف الجهاد بالسيف والسنان فانه جهاد اصغر ومدار كتمان الحق حب الدنيا وحبها رأس كل خطيئة. قال الحسن ان الزبانية الى فسقة حملة القرآن اسرع منهم عبدة الاوثان فيقولون ربنا ما بالنا يتقدمون الينا فيقول الله ليس من يعلم كمن لا يعلم فمن اشترى الدنيا بالدين فقد وقع فىخسران مبين وكان دائما فى منازعة الشيطان كما حكى ان رجلا قال للشيخ ابى مدين ما يريد منا الشيطان شكاية منه فقال الشيخ انه جاء قبلك وشكا منك وقال اعلم انه سيشكونى ولكن الله ملكنى الدنيا فمن نازعنى فى ملكى لا اتسلى بدون ايمانه فمن كف يده عن الدنيا وزينتها فقد استراح من تعبها ومحنتها وحكى ان ذا القرنين اجتاز على قوم تركوا الدنيا وجعلوا قبور موتاهم على ابوابهم يقتاتون بنبات الارض ويشتغلون بالطاعة فأرسل ذو القرنين الى ملكهم فقال ما لى حاجة الى صحبة ذى القرنين فجاء ذو القرنين فقال ما سبب قلة الذهب والفضة عندكم قال ليس للدنيا طالب عندنا لانها لا تشبع احدا فجعلنا القبور عندنا حتى لا ننسى الموت ثم اخرج رأس انسان وقال هذا رأس ملك من الملوك كان يظلم الرعية ويجمع حطام الدنيا فقبضه الله تعالى وبقى عليه السيآت ثم اخرج رأسا آخر وقال ايضا هذا رأس ملك عادل مشفق فقبضه واسكنه جنته ورفع درجته ثم وضع يده على رأس ذى القرنين وقال من أى الرأسين يكون رأسك فبكى ذو القرنين وقال ان ترغب فى صحبتى شاطرتك مملكتى وسلمت اليك وزارتى فقال هيهات وقال ذو القرنين ولم قال لان الناس اعداؤك بسبب المال والمملكة وجميعهم احبابى بسبب القناعة قال السعدى قدس سره در كوشه قناعت نان باره وبينه دربيش اهل معنى بهتر زصد خزينه

البقرة 2:177

{ ليس البر } هو كل فعل مرضى يفضى بصاحبه الى الجنة { أن تولوا } اى ان تصرفوا يا اهل الكتابين { وجوهكم } فى الصلاة { قبل المشرق والمغرب } اى مقابلهما ظرف مكان لقوله تولوا والبر منصوب على انه خبر مقدم وان تولوا اسمها لكونه فى تأويل المصدر والمصدر المؤول اعرف من المحلى باللام وهو يشبه الضمير من حيث انه لا يوصف ولا يوصف به فالاولى ان يجعل الاعرف اسما وغير الاعرف خبرا وذلك ان اليهود والنصارى اكثروا الخوض فى امر القبلة حين حول رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى الكعبة وزعم كل واحد من الفريقين ان البر هو التوجه الى قبلته فرد عليهم وقيل ليس البر ما انتم عليه فانه منسوخ خارج من البر { ولكن البر } المعود الذى ينبغى ان يهتم بشأنه ويجد فى تحصيله { من } اى بر من على حذف المضاف لان اسم لكن من اسماء المعانى وخبرها من اسماء الاعيان فامتنع الحمل لذلك { آمن بالله } وحده ايمانا بريئا من شائبة الاشراك لا كايمان اليهود والنصارى المشركين بقولهم عزيز ابن الله وقولهم المسيح ابن الله وقدم الايمان بالله فى الذكر لانه اصل لجميع الكمالات العلمية والعملية { واليوم الآخر } اى بالبعث الذى فيه جزاء الاعمال على انه كائن لا محالة وعلى ما هو عليه لا كما يزعمون من انهم لا تمسهم النار الا اياما معدودة وان آباءهم الانبياء ويشفعون لهم فالبر هو التوجه الى المبدأ والمعاد اللذين هما المشرق والمغرب فى الحقيقة ولما كان الايمان باليوم الآخر متفرعا على الايمان بالله لانا ما لم نعلم باستحقاقه الالوهية وقدرته على جميع الممكنات لا يمكننا ان نعلم صحة الحشر والنشر وكان الايمان به محركا وداعيا الى الانقياد بالله فى جميع ما امر به ونهى عنه خوفا وطمعا ذكر الايمان به عقيب الايمان بالله { والملائكة } كلهم بانهم عباد الله ليسوا بذكور ولا اناث ولا بشر ولا اولاد مكرمون عنده متوسطون بينه وبين انبيائه بالقاء الوحى وانزال الكتب واليهود اخلو بذلك حيث اظهروا عداوة جبريل { والكتاب } اى بجنس الكتاب الالهى الذى من افراده الفرقان واليهود اخلو بذلك لانه مع قيام الدليل على ان القرآن كتاب الله تعالى ردوه ولم يقبلوه { والنبيين } جميعا بانهم المبعوثون الى خلقه والقائمون بحقه والصادقون عنه فى امره ونهيه ووعده ووعيده واخباره من غير تفرقة بين احد منهم واليهود اخلوا بذلك حيث قتلوا الانبياء وطعنوا فى نبوة محمد عليه السلام. واعلم ان الايمان بالملائكة والكتاب مؤخر عن الايمان بالنبيين الا انه قدم الايمان بهما فى الذكر رعاية للترتيب بحسب الوجود الخارجى ولم ينظر الى الترتيب فى العلم فان الملك يوجر اولا ثم يحصل بواسطته نزول الكتاب الى الرسل فتدعو الرسل الى ما فيها من الاحكام وهذا اى الايمان بالامور الخمسة المذكورة اصول الدين وقواعد العقائد { وآتى المال } اى الصدقة من ماله { على حبه } حال من الضمير فى آتى والضمير المجرور للمال اى آتاه كائنا على حب المال كما قال عليه السلام لما سئل أى الصدقة افضل قال " ان تؤتيه وانت صحيح شحيح تأمل العيش وتخشى الفقر ولا تمهل حتى اذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا وقد كان لفلان ". قال السعدى قدس سره بريشان كن امروز كنجينه جست كه فردا كليدش نه دردست تست كنون بر كف دست نه هرجه هست كه فردا بدندان كزى بشت دست { ذوى القربى } مفعول اول لآتى بدلالة الحال وقدمهم لانهم احق بالصدقة لقوله عليه السلام " صدقتك على المسلمين صدقة وعلى ذى رحمك اثنتان ". لانها صدقة وصلة وقال ايضا " افضل الصدقة على ذى الرحم الكاشح ". { واليتامى } الفقراء منهم لا الاغنياء وقدم اليتامى على سائر المصارف لان الصغير الفقير الذى لا والد له ولا كاسب اشد احتياجا من المساكين ومن ذكر بعدهم { والمساكين } جمع مسكين والمسكين ضربان من يكف عن السؤال وهو المراد ههنا ومن ينبسط ويسأل وهذا القسم داخل فى قوله والسائلين وهو مبالغة الساكن فان المحتاج يزداد سكونه الى الناس على حسب ازدياد حاجته { وابن السبيل } اى المسافر البعيد عن ماله وسمى به لملازمته له كما تقول للص القاطع ابن الطريق وللمعمر ابن الليالى ولطير الماء ابن الماء والضيف لانه جاء من السبيل فكأنه ولد منه قال صلى الله عليه وسلم " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه ". وايضا " اكرموا الضيف ولو كان كافرا ". { والسائلين } الذين الجأتهم الحاجة والضرورة الى السؤال وفى الحديث " للسائل حق ولو جاء على ظهر فرسه ". قال السعدى قدس سره نه خواهنده بردر ديكران بشكرانه خواهنده ازدرمران { وفى } تخليص { الرقاب } بمعاونة المكاتبين جمع رقبة وهى مؤخر العنق واشتقاقها من المراقبة لانها مكان مراقبة الرقيب المشرف على القوم واذا قيل اعتق الله رقبته يراد ان الله تعالى خلصه من مراقبة العذاب اياه. وقيل المراد بهم ارقاء يشتريهم الاغنياء لاعتاقهم. وقيل المراد بهم الاسارى فان الاغنياء يؤتون المال فى تخليصهم فهذا هو البر ببذل الاموال على وفق مراد الله تعالى الى المصارف المذكورة واليهود اخلوا بذلك لانهم اكلوا اموال الناس بالباطل حيث كتموا دلائل حقية الاسلام على اتباعهم واشتروا به ثمنا قليلا وعوضا يسيرا وهو ما يعود اليهم من هدايا السفلة { وأقام الصلاة } المفروضة عطف على صلة من اى من آمن وآتى واقام واليهود كانوا يمنعون الناس من الصلاة والزكاة { وآتى الزكوة } المفروضة على ان المراد بما مر من ايتاء المال التنفل بالصدقة قدم على الفريضة مبالغة فى الحث عليه او الاول لبيان المصارف والثانى لبيان وجوب الاداء { والموفون } عطف على من آمن فانه فى قوة ان يقال ومن اوفوا { بعهدهم } من الاوامر والنواهى والنذور { إذا عاهدوا } فيما بينهم وبين الله وفيما بينهم وبين الناس اذا وعدوا انجزوا واذا حلفوا او نذروا اوفوا واذا قالوا صدقوا واذا ائتمنوا ادوا وفى الحديث " من اعطى عهد الله ثم نقضه فالله لا ينظر اليه ". اى انقطع نظره عنه " ومن اعطى ذمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم غدر فالنبى خصمه يوم القيامة ". واليهود نقضوا العهد قال الله تعالى وأوفوا بعهدى أوف بعهدكم البقرة 40. وفى المثنوى جون درختست آدمى وبيخ عهد بيخ را نيمار مى بايد بجهد عهد فاسد بيخ بوسيده بود وزثمارلطف ببريده بود شاخ وبرك نخل اكرجه سبزبود بافساد بيخ سبزى نيست سود ورندارد برك سبز وبيخ هست عاقبت بيرون كند صدبرك دست تومشوغره بعلمش عهد جو علم جون قشراست وعهدش مغزاو { والصابرين } منصوب على المدح اى بتقدير اعنى وهو فى الحقيقة والمعنى عطف على من آمن لكن غير سبكه تنبيها على فضيلة الصبر ومزيته اى واعنى الذين صبروا { فى البأساء } اى فى الفقر والشدة { والضراء } اى المرض والزمانة { وحين البأس } منصوب بالصابرين اى وقت الشدة والبأس شدة القتال خاصة وهو فى الاصل مطلق الشدة وزيادة الحين للاشعار بوقوعه احيانا وسرعة انقضائه واهل الكتاب اخلوا بذلك حيث كانوا فى غاية الخوف والجبن والحاصل انه لما حولت القبلة وكثر خوض اهل الكتاب فى نسخها صار كأنهم قالوا مدار البر والطاعة هو الاستقبال فانزل الله هذه الآية كأنه تعالى قال ما هذا الخوض الشديد فى امر القبلة مع الاعراض عن كل اركان الدين فصفة البر لا تحصل بمجرد استقبال المشرق والمغرب بل البر لا يحصل الا بمجموع الامور المذكورة { أولئك } اى اهل هذه الصفة { الذين صدقوا } فى الدين واتباع الحق وتحرى البر حيث لم تغيرهم الاحوال ولم تزلزلهم الاحوال { وأولئك هم المتقون } عن الكفر وسائر الرذائل وتكرير الاشارة لزيادة تنويه شأنهم وتوسيط الضمير للاشارة الى انحصار التقوى فيهم والآية جامعة للكمالات الانسانية باسرها دالة عليها صريحا او ضمنا فانها بكثرتها وتشعبها منحصرة فى ثلاثة اشياء صحة الاعتقاد وحسن المعاشرة وتهذيب النفس وقد اشير الى الاول بقوله من آمن الى والنبيين والى الثانى بقوله وآتى المال الى وفى الرقاب والى الثالث بقوله واقام الصلوة الى آخرها ولذلك وصف المستجمع لها بالصدق نظرا الى ايمانه واعتقاده وبالتقوى اعتبارا بمعاشرته للخلق ومعاملته مع الحق واليه يشير قوله عليه السلام " من عمل بهذه الآية فقد استكمل الايمان ". قال شيخنا العلامه. ابقاه الله بالسلامة قيل لى فى قلبى احسن اخلاق المرء فى معاملته مع الحق التسليم والرضى واحسن اخلاقه فى معاملته مع الخلق العفو والسخاء انتهى كلامه. وحب المال من اغلب اخلاق النفس وكذا العجلة من الاخلاق الرديئة ولذلك قيل ان الصبر افضل من الشكر وفى الخبر " يؤتى بأشكر اهل الارض ليجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بالصابر فيقول الله هذا انعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفن لك الاجر فيعطى اضعاف جزاء الشاكرين ". والتحقيق ان تهذيب النفس انما يكون بالتوحيد بطريقه المخصوص كما ان اصل الايمان انما يحصل بالتوحيد والشهادة.

البقرة 2:178

{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى } الخطاب لائمة المؤمنين اوجب الله تعالى على الامام وعلى من يجرى مجراه ويقوم مقامه اقامة القصاص والتقدير يا ايها الائمة فرض عليكم استيفاء القصاص ان اراد ولى الدم استيفاءه ويحتمل ان يكون الخطاب متوجها على القاتل والمعنى يا ايها القاتلون عمدا كتب عليكم تسليم انفسكم عند مطالبة الولى بالقصاص وذلك لان القاتل ليس له ان يمتنع عن القصاص لكونه حق العبد بخلاف الزانى والشارب فان لهما الهرب من الحدود لكون ما عليهما من الحق حق الله تعالى والقصاص ان يفعل بالانسان مثل ما فعل فهو عبارة عن التسوية والمماثلة فى الانفس والاطراف والجراحات. والقتلى جمع قتيل وفى للسبب اى بسبب قتل القتلى كما فى قوله عليه السلام " ان امرأة دخلت النار فى هرة ربطتها ". اى بسبب ربطها اياها وحسن الوقف فى قوله القتلى { الحر بالحر } مبتدأ وخبر اى الحر مأخوذ ومقتول بمثله { والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } سبب النزول انه كان بين حيين من احياء العرب دماء فى الجاهلية وكان لاحدهما طول على الآخر اى قوة وفضل فاقسموا لنقتلن الحر منكم بالعبد والذكر بالانثى والاثنين بالواحد فتحاكموا الى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين جاء الله بالاسلام فنزلت وامرهم الله ان يتباروا اى يتساووا ويتعادلوا. وقوله الحر بالحر لا يفيد الحصر البتة بان لا يجرى القصاص الا بين الحرين وبين العبدين وبين الانثيين بل يفيد شرع القصاص فى القتلى بين المذكورين من غير ان يكون فيه دلالة على سائر الاقسام فان قوله تعالى { كتب عليكم القصاص فى القتلى } جملة مستقبلة بنفسها. وقوله الحر بالحر تخصيص لبعض جزئيات تلك الجملة بالذكر وتخصيص بعض جزئيات الجملة المستقلة بالذكر لا يمنع ثبوت الحكم لسائر الجزئيات بل ذلك التخصيص يمكن ان يكون لفائدة سوى نفى الحكم عن سائر الصور وهى ابطال ما كان عليه اهل الجاهلية من انهم كانوا يقتلون بالعبد منهم الحر من قبيلة القاتل بالعبد المقتول والانثى القاتلة بالانثى المقتولة وليس فيه نفى جريان القصاص بين الحر والعبد والذكر والانثى بل فيه منع عن التعدى الى غير القاتل انتهى كلامه. والثورى وابو حنيفة يقتلان الحر بالعبد والمؤمن بالكافر ويستدلان بعموم قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس المائدة 45. فان شريعة من قبلنا اذا قصت علينا فى القرآن من غير دلالة على نسخها فالعمل بها واجب على انها شريعة لنا وبما روى " المسلمون تتكافأ دماؤهم ". وبأن التفاضل فى النفس غير معتبر بدليل قتل الجماعة بالواحد وبان القصاص يعتمد المساواة فى العصمة وهى بالدين او بالدار وهما سيان فيهما. ومالك والشافعى لا يقتلان الحر بالعبد ولا المؤمن بالكافر كما قال الشافعى رحمه الله خذوا بدمى هذا الغزال فانه رمانى بسهمى مقلتيه على عمد ولا تقتلوه اننى انا عبده وفى مذهبى لا يقتل الحر بالعبد { فمن } عبارة عن القاتل شرطية كانت او موصولة { عفى له من اخيه } الضميران راجعان الى من { شىء } اى شىء من العفو قليل فارتفاع شىء على انه قائم مقام فاعل عفى بناء على انه فى حكم المصدر اى فى حكم قولك عفى عفو فان عفا وان كان لازما لا يتعدى الى المفعول به الا انه يتعدى الى المفعول المطلق فيصلح ان يقام مصدره مقام الفاعل كما فى قوله تعالى فإذا نفخ فى الصور نفخة الحاقة 13. وقولهم سير بزيد بعض السير وشىء من السير وفائدة قوله شىء الاشعار بانه اذا عفى له طرف من العفو وبعض منه بان يعفى عن بعض الدم او عفا عنه بعض الورثة تم العفو وسقط القصاص ولم يجب الا الدية وعفا يتعدى الى الجانى والى الذنب بعن فاذا تعدى الى الذنب بعن كما فى قوله تعالى عفا الله عنك التوبة 43. عدى الى الجانى باللام يقال عفوت لفلان اذ جنى وعليه ما فى الآية وعفو الجانى عبارة عن اسقاط موجب الجناية عنه وموجبها ههنا القصاص فكأنه قيل القاتل الذى عفى له عن جناية من جهة اخيه الذى هو ولى المقتول سواء كان العفو الواقع تاما بان اصطلح القاتل مع جميع اولياء القتيل على مال او بعض العفو بان وقع الصلح بينه وبين بعض الاولياء فانه على التقديرين يجب المال ويسقط القصاص فانه قد روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ان هذه الآية نزلت فى الصلح عن القصاص على مال وسمى الله تعالى ولى الجناية اخا للقاتل استعطافا له عليه وتنبيها على ان اخوة الاسلام قائمة بينهما وان القاتل لم يخرج من الايمان بقتله { فاتباع بالمعروف } خبر مبتدأ محذوف اى واذا حصل شىء من العفو وبطل الدم بعفو البعض فالامر اتباع بالمعروف اى على ولى المقتول ان يطالب القاتل ببدل الصلح بالمعروف بترك التشديد والتضييق فى طلبه واذا اخذ الدية لا يطلب الاكثر مما وجب عليه { وأداء إليه بإحسان } حث المعفو عنه وهو القاتل على تأدية المال بالاحسان اى وعلى القاتل ان يؤدى المال الى العافى باحسان فى الاداء بترك المطل والبخس والاذى { ذلك } اى الحكم المذكور من العفو والدية { تخفيف من ربكم } اى تيسير وتوسعة لكم { ورحمة } منه حيث لم يجزم بالعفو واخذ الدية بل خيركم بين الثلاث القصاص والدية والعفو وذلك لان فى شرع موسى عليه السلام القصاص وهو العدل فقط وفى دين عيسى عليه السلام العفو وهو الفضل فحسب وفى ملتنا للتشفى القصاص وللترفه الدية وللتكرم العفو { فمن اعتدى } اى تجاوز ما شرع له { بعد ذلك } التخفيف بأن قتل غير القاتل أو قتل القاتل بعد العفو او اخذ الدية فقد كان الولى فى الجاهلية يؤمن القاتل بقبول الدية ثم يظفر فيقتله وينبذ ماله الى اوليائه { فله } باعتدائه { عذاب أليم } نوع من العذاب شديد الالم اما فى الدنيا فبالاقتصاص بما قتله بغير حق واما فى الآخرة فبالنار.

البقرة 2:179

{ ولكم فى القصاص حياة } اى فى هذا الجنس من الحكم الذى هو القصاص حياة عظيمة لانهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة كما قتل مهلهل بن ربيعة باخيه كليب حتى كاد يفنى بكر بن وائل وكان يقتل بالمقتول غير قاتله فتثور الفتنة ويقع فيما بينهم التشاجر والهرج والمرج وارتفاع الامن فلما جاء الاسلام بشرع القصاص كانت فيه أى حياة لانه اذا علم القاتل انه يقتل اذا قتل لا يقدم على القتل واذا قتل فقتل ارتدع غيره فكان القصاص سبب حياة نفسين او اكثر وهو كلام فى غاية الفصاحة والبلاغة من حيث جعل الشىء محل ضده فان ضدية شىء لآخر تستلزم ان يكون تحقق احدهما رافعا للاخر والقصاص لاستلزامه ارتفاع الحياة ضد لها وقد جعل ظرفا لها تشبيها له بالظرف الحقيقى من حيث ان المظروف اذا حواه الظرف لا يصيبه ما يخل به ويفسده ولا هو يتفرق ويتلاشى بنفسه كذلك القصاص يحمى الحياة من الآفات فكان من هذا الوجه بمنزلة الظرف لها ولا شك فيه اذ جعل الضد حاميا لضده اعتبار لطيف فى غاية الحسن والغرابه التى هى من نكات البلاغة وطرقها { يا أولى الألباب } اى ذى العقول الخالصة من شوب الاوهام ناداهم للتأمل فى حكمة القصاص من استبقاء الارواح وحفظ النفوس { لعلكم تتقون } تعملون عمل اهل التقوى فى المحافظة على القصاص والحكم به والاذعان او تتقون عن القتل مخافة القود وفيه تحذير عن القتل فان من اعظم حقوق العباد الدماء وهى اول ما يحاسب به العبد بالنسبة الى حقوق العباد كما ان الصلاة اول ما يحاسب به بالنسبة الى حقوق الله تعالى وفى الحديث " يأتى المقتول معلقا رأسه باحدى يديه ملببا قاتله بيده الاخرى تشخب اوداجه دما حتى يوقفا فيقول المقتول لله سبحانه هذا قتلنى فيقول الله تعالى للقاتل تعست ويذهب به الى النار ". واعلم ان الذنوب على ثلاثة اوجه. الاول فيما بين العبد وبين الله تعالى كالزنى واللواطة والغيبة والبهتان ما لم يبلغ الى من بهته واغتابه فاذا بلغه وجعله فى حل وتاب المذنب فنرجوا ان الله يغفر له وكذلك اذا زنى بامرأة ولها زوج فلم يجعله ذلك الرجل فى حل لا يغفر له لان خصمه الآدمى فاذا تاب وجعله فى حل فانه يغفر له ويكتفى بحل منه ولا يذكر الزنى بان قال كل حق لى عليك فقد جعلتك فى حل منه ومن كل خصومة بينى وبينك وهذا صلح بالمعلوم على المجهول وذلك جائز كرامة لهذه الامة لان الامم السالفة ما لم يذكر الذنب لا يغفر لهم. والثانى ذنب فيما بينه وبين اعمال الله وهو ان يترك الصلاة والصوم والزكاة والحج فان التوبة لا تكفيه ما لم يقض الصلاة وغيرها لان شرط التوبة ان يؤدى ما ترك فاذا لم يؤد فكأنه لم يتب. والثالث فيما بينه وبين عباد الله وهو ان يغصب اموالهم او يضربهم او يشتمهم او يقتلهم فان التوبة لا تكفيه الا ان يرضى عنه خصمه او يجتهد فى الاعمال الصالحة حتى يوفق الله بينهما يوم القيامة فانه اذا تاب العبد وكان عليه حقوق العباد فعليه ان يردها الى اربابها وان عجز عن ايصالها واراد الله مغفرته يقول لخصمه يوم القيامة ارفع رأسك فيرفع فيرى قصورا عالية فيقول يا رب لمن هذه فيقول الله تعالى أنت قادر عليها فإن ثمنها عفوك عن اخيك فيقول قد عفوت فيقول الله تعالى خذ يد اخيك واذهبا الى الجنة. والاشارة فى الآية ان الله تعالى كتب عليكم القصاص فى قتلاكم كما كتب على نفسه الرحمة فى قتلاه كما قال " من احبنى قتلته ومن قتلته فانا ديته " وفى المثنوى كريكى سررا ببرد ازبدن صد هزاران سربر آرد در زمن اقتلونى يا ثقاتى لائما ان فى قتلى حياتى دائما ان فى موتى حياتى يا فتى كم افارق موطنى حتى متى شير دنيا جويد اشكارى وبرك شير مولى جويدآ زادى ومرك جونكه اندر مرك بيند صدو جود همجو بروانه بسوزاند وجود فعلى العاقل ان يقتل نفسه بالرياضات الشديدة ويحيى قلبه بالحياة الطيبة الباقية اللهم وفقنا لمداواة هذه القلوب المرضى آمين.

البقرة 2:180

{ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت } اى حضر اسبابه وظهر امارته وآثاره من العلل والامراض اذ لا اقتدار على الوصية عند حضور نفس الموت والعامل فى اذا مدلول كتب لان الكتب بمعنى الايجاب لا يحدث وقت حضور الموت بل الحادث تعلقه بالمكلف وقت حضور موته فكأنه قيل توجه عليكم ايجاب الله تعالى ومقتضى كتابه اذا حضر فعبر عن توجه الايجاب وتعلقه بكتب للدلالة على ان هذا المعنى مكتوب فى الازل { إن ترك خيرا } اى مالا قليلا او كثيرا او مالا كثيرا يقال فلان ذو مال ولا يطلق ذلك لمن له مال قليل. وعن عائشة رضى الله عنها ان رجلا اراد ان يوصى قالت كم مالك قال ثلاثة آلاف قالت كم عيالك قال اربعة قالت انما قال الله ان ترك خيرا وان هذا الشىء يسير فاتركه لعيالك واصل الخير ان يكون لكل ما يرغب فيه مما هو نافع لانه ضد الشر. قال فى اخوان الصفا الخير فعل ما ينبغى فى الوقت الذى ينبغى من اجل ما ينبغى { الوصية } نائب فاعل كتب اى فرض الايصاء { للوالدين والأقربين } ممن يرث وممن لا يرث { بالمعروف } نصب حالا اى بالعدل لا يزيد على الثلث ولا يوصى لغنى ويدع الفقير وكان السبب فى نزول هذه الآية ان اهل الجاهلية كانوا يوصون بمالهم للبعدى رياء وسمعة وطلبا للفخر والشرف ويتركون الاقارب فى الفقر والمسكنة فصرف الله تعالى بهذه الآية فى بدء الاسلام ما كان يصرف الى الابعدين الى الوالدين والاقربين فعمل بها ما كان العمل بها صلاحا وحكمة ثم نسختها آية المواريث فى سورة النساء فالآن لا يجب على احد ان يوصى لاحد قريب ولا بعيد واذا اوصى فله ان يوصى لكل من الاقارب والاباعد الا للوارث { حقا } اى احق هذه الوصية حقا { على المتقين } المجتنبين عن ضياع المال وحرمان القريب يعنى ان كنتم متقين بالله لا تتركوا العمل بهذا. قال ابن الشيخ فى حواشيه فان قيل قوله على المتقين يقتضى ان يكون هذا التكليف مختصا بالمتقين وقد دل الاجماع على ان الواجبات والتكاليف عامة فى حق المتقين وغيره اجيب بان المراد بقوله حقا على المتقين انه لازم لكل من آثر التقوى وتحراها وجعلها طريقا له ومذهبا فيدخل فيه الكل.

البقرة 2:181

{ فمن بدله } الضمير راجع الى الوصية لكونها فى تأويل الايصاء اى غير الايصاء عن وجهه الشرعى والمشهور ان من غير ايصاء المحتضر هو الوصى او الشاهد فالوصى يغير الوصية اما فى الكتابة او فى قسمة الحقوق والشاهد يغيرها اما بتغيير وجه الشهادة او بكتمها ويمكن ان يكون التبديل من سائر الناس بان منعوا من وصول المال الموصى به الى مستحقه فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله فمن بدله { بعد ما سمعه } اى بعد ما وصل اليه وتحقق لديه { فانما اثمه } اى ما اثم الايصاء المغير او اثم التبديل الا { على الذين يبدلونه } لانهم خانوا وخالفوا الشرع لا على الموصى وهو الميت فانه بريء من الاثم { ان الله سميع } بالايصاء وتغييره { عليم } بثوابه وجزاء من غيره وهو يجازى كل واحد منهما بما يستحقه.

البقرة 2:182

{ فمن } شرطية او موصولة { خاف } اى توقع وعلم فانه اذا علم خاف فهو من اطلق اسم اللازم على الملزوم { من موص } اى من الذى اوصى وهو يجوز ان يتعلق بخاف على انها لابتداء الغاية او بمحذوف على انها حال من جنفا قدمت عليه لانها فى الاصل صفة له فلما تقدمت نصبت حالا { جنفا } اى ميلا عن الحق بالخطأ فى الوصية { أو إثما } اى تعمدا للجنف يعنى اذا جهل الموصى موضع الوصية او زاد على مقدار الوصية او اوصى بما لا يجوز ايصاؤه { فأصلح } الظاهر ان المراد بالمصلح هو الوصى لانه اشد تعلقا بامر الوصية الا انه لا وجه لتخصيصه بالوصى بل ينبغى ان يدخل تحته كل من يتأتى منه رفع الفساد فى وصية الميت من الوالى والولى والوصى ومن يأمر بالمعروف والمفتى والقاضى والوارث { بينهم } اى بين الموصى لهم وهم الوالدان والاقربون فغير وصيته باجرائها على طريق التشرع { فلا إثم عليه } اى لا وزر على المغير فى هذا التبديل لانه تبديل باطل الى حق بخلاف الاول { إن الله غفور رحيم } وعد للمصلح بالاثابة وذكر المغفرة لمطابقة ذكر الاثم وكون الفعل من جنس ما يؤثم لان بعض التبديل وهو التبديل الى الباطل اثم وهذا من المشاكلة الصورية لا المعنوية لان التبديل الى خير ليس من جنس الاثم لكن صورته صورة ما يؤثم. واعلم ان الوصية مستحبة لحاجة الناس اليها فان الانسان مغرور بأمله اى يرجو الحياة مدة طويلة مقصر فى عمله فاذا عرض له المرض وخاف الهلاك يحتاج الى تدارك تقصيره بماله على وجه لو مات فيه يتحقق مقصده المالى ولو انهضه البرء يصرفه الى مطلبه الحالى. وفى الحديث " ان الله تصدق عليكم بثلث اموالكم فى آخر اعماركم زيادة لكم فى اعمالكم تضعونها حيث شئتم ". ويوصى بفدية صلاته وصيامه لكل مكتوبة نصف صاع من الحنطة وكذا الوتر ولكل يوم من صوم رمضان ايضا نصف صاع من الحنطة وفى صوم النذر كذلك. قال فى تفسير الشيخ ومن كان عليه حج او كفارة اى شىء من الواجبات فالوصية واجبة والا فهو بالخيار وعليه الفتوى ويوصى بارضاء خصمائه وديونه حكى ان الامام الشافعى رحمه الله لما مرض مرض موته قال مروا فلانا يغسلنى فلما مات بلغ خبر موته اليه فحضر وقال ائتونى بتذكرته فأتى بها فنظر فيها فاذا على الشافعى سبعون الف درهم دينا فكتبها على نفسه وقضاها وقال هذا غسلى اياه واياه اراد. وفى الخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من لم يوص لم يؤذن له فى الكلام مع الموتى " قيل يا رسول الله وهل تتكلم الموتى قال " نعم ويتزاورون ". قال الامام نقلا عن بعض الائمة الاعلام الارواح قسمان منعمة ومعذبة. فاما المعذبة فهى محبوسة مشغولة عن التزاور والتلاقى. واما المنعمة المرسلة غير المحبوسة فتتلاقى وتتزاور وتتذاكر ما كان منها فى الدنيا وما يكون من اهل الدنيا فيكون كل روح مع رفيقه الذى هو على مثله عمله وهذه المعية ثابتة فى دار البرزخ وفى دار الجزاء والمرء مع من احب فى هذه الدور الثلاث فى كل موطن وموقف. فعلى العاقل ان يختار صحبة الاخيار ويتأهب آناء الليل واطراف النهار ولا يغتر بالمال والمنال ولا ينقطع عن الله بطول الآمال فان الدنيا فانية وكل من عليها فان فاتقوا الله كل حين وآن قال الصائب درسراين غافلان طول امل دانى كه جيست آشيان كردست مارى در كبوتر خانه والاشارة فى الآية انه كتب عليكم البقرة 180. على الاغنياء الوصية بالمال وكتب على الاولياء الوصية بالحال فالاغنياء يوصون فى آخر اعمارهم بالثلث والاولياء يخرجون فى مبادى احوالهم عن الكل إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية البقرة 180. اى يحضر قلب احدهم مع الله ويموت بنفسه بالارادة عن الصفات الطبيعية الحيوانية كما قال صلى الله عليه وسلم " موتوا قبل ان تموتوا ". ويترك كل خير وشر كان مشربها من الدنيا والعقبى فعليه ان يوصى للوالدين البقرة 180. وهما الروح العلوى والبدن السفلى فان النفس توالدت وحصلت بازدواجهما والأقربين البقرة 180. وهم القلب والسر وباقى المتولدات البشرية بتركه وترك كل مشرب يظهر لهم من المشارب الروحانية الباقية والمشارب الجسمانية الفانية بالمعروف البقرة 180. اى بالاعتدال من غير اسراف يفضى الى اتلاف محترزا فى الاحوال من الركون الى شهوة من الشهوات وفى الاعمال مجتنبا عن الرسوم والعادات كما قال النبى عليه السلام " بعثت لرفع العادات وترك الشهوات ". وقال " بعثت لاتمم مكارم الاخلاق ". بان يجعل المشارب مشربا واحدا والمحابيب محبوبا واحدا والمذاهب مذهبا واحدا حقا على المتقين البقرة 180. يعنى ما ذكرنا من الوصية بجملتها حق واجب على متقى الشرك الخفى ولهذا قال على المتقين وما قال على المسلمين والمؤمنين لانهم اهل الظواهر والمتقون هم اهل البواطن كما قال عليه السلام " التقوى ههنا " واشار الى صدره. واعلم ان القرآن انزل لاهل البواطن كما انزل لاهل الظواهر لقوله عليه السلام " ان للقرآن ظهرا وبطنا ". فظاهره الاحكام لاهل الظواهر والاحكام تحتمل النسخ كما نسخت هذه الآية فى الوصية الظاهرة وباطنه الحكم والحقائق فهى لا تحتمل النسخ ابدا ولهذا قال اهل المعانى ليس شىء من القرآن منسوخا يعنى وان كان دخل النسخ فى احكام ظاهره فلا يدخل فى احكام باطنه فيكون ابدا معمولا بالمواعظ والاسرار والحقائق حقا على المتقين لانه مخصوص بهداية المتقين كقوله تعالى هدى للمتقين البقرة 2 فحكم الوصية فى حقهم غير منسوخ ابدا كذا فى التأويلات النجمية قدس الله نفسه الزكية.

البقرة 2:183

{ يا أيها الذين آمنوا } قال اصحاب اللسان يا حرف نداء وهو نداء من الحبيب للحبيب وايها تنبيه من الحبيب للحبيب وآمنوا شهادة من الحبيب للحبيب. وقال الحسن اذا سمعت الله يقول يا ايها الذين آمنوا فارفع لها سمعك فانه لامر تؤمر به او لنهى تنهى عنه. وقال جعفر الصادق لذة فى النداء ازال بها تعب العبادة والعناء يشير الى ان المحب يبادر الى امتثال امر محبوبه حتى لو امره بالقاء نفسه فى النار { كتب عليكم الصيام } اى فرض عليكم صيام شهر رمضان فانه تعالى قال بعده أياما معدودات البقرة 184 وقال تعالى فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185 بعد قوله شهر رمضان البقرة 185. والصيام فى الشريعة هو الامساك نهارا مع النية من اهله عن المفطرات المعهودة التى هى معظم ما تشتهيه الانفس وهذا صوم عوام المؤمنين واما صوم الخواص فالامساك عن المنهيات واما صوم اخص الخواص فالامساك عما سوى الله تعالى { كما كتب } محل كما النصب على انه صفة مصدر محذوف اى كتب كتابا كائنا مثل ما كتب وما مصدرية او على انه حال من الصيام وما موصولة اى كتب عليكم الصيام مشبها بالذى كتب { على الذين من قبلكم } من الانبياء عليهم السلام والامم من لدن آدم عليه السلام وفيه تأكيد للحكم وترغيب فيه وتطييب لانفس المخاطبين فان الصوم عبادة شاقة والشىء الشاق اذا عم سهل تحمله ويرغب كل احد فى اتيانه والظاهر ان التشبيه عائد الى اصل ايجاب الصوم لا الى كمية الصوم المكتوب وبيان وقته فكان الصوم على آدم ايام البيض وصوم عاشورا كان على قوم موسى والتشبيه لا يقتضى التسوية من كل وجهه كما يقال فى الدعاء اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على ابراهيم وعلى آل ابراهيم وكما قال عليه السلام " انكم سترون ربكم كالقمر ليلة البدر ". فان هذا تشبيه الرؤية بالرؤية لا تشبيه المرئى بالمرئى { لعلكم تتقون } المعاصى فان الصوم يكسر الشهوة التى هي مبدأها كما قال عليه السلام " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه اغض للبصر واحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فان الصوم له وجاء ". قوله الشباب جمع شاب وهو عند اصحابنا من بلغ ولم يحاوز ثلاثين كذا قاله النووى والباءة النكاح والتزوج وهو المباءة فى المنزل لان من تزوج امرأة بوأها منزلا والوجاء نوع من الاخصاء وهو ان يرض عروق الانثيين ويترك الخصيتين كما هما والمعنى على التشبيه اى الصوم يقطع شهوة الجماع ويدفع شر المنى كالخصاء والامر فى الحديث للوجوب لانه محمول على حالة التوقان باشارة قوله يا معشر الشباب فانهم ذووا التوقان على الجبلة السليمة. قال العلماء تسكين الشهوة يحصل بالصيام بالنهار والقيام بالليل وحذف الشهوات والتغافل عنها وترك محادثة النفس بذكرها. فان قلت ان الرجل يصوم ويقوم ولا يأكل ويجد من نفسه حركة واضطرابا قلت ذلك من فرط فضل شهوة مقيمة فيه من الاول فليقطع ذلك عن نفسه بالهموم والاحزان الدائمة وذكر الموت وتقريب الاجل وقصر الامل والمداومة على المراقبة والمحافظة على الطاعة.

البقرة 2:184

{ أياما معدودات } اى موقتات ومقدرات بعدد معلوم او قلائل فان القليل من المال يعد عدا والكثير يهال هيلا اى يصب صبا من غير كيل وعد فالله تعالى لم يفرض علينا صيام الدهر ولا صيام اكثره تخفيفا ورحمة وتسهيلا لامر التكليف على جميع الامم وانتصاب اياما بمضمر دل هو اى الصيام عليه اعنى صوموا اما على الظرفية او المفعولية اتساعا { فمن كان منكم مريضا } اى مرضا يضره الصوم او يضر معه { او على سفر } او راكب سفر وفيه ايماء بان من سافر فى اثناء اليوم لم يفطر لعدم استعلائه السفر استعلاء الراكب المركوب بل هو ملابس شيأ من السفر والرخصة انما اثبتت لمن كان على سفر وكلمة على فيها استعارة تبعية شبه تلبسه بالسفر باستعلاء الراكب واستيلائه على المركوب ينصرف فيه كيف يشاء وللدلالة على هذا المعنى عدل عن اسم الفاعل فلم يقل او مسافرا اذ ليس فيه اشارة بالاستيلاء على السفر { فعدة } اى فعليه صوم عدة ايام المرض والسفر فعدة من العد بمعنى المعدود ومنه يقال للجماعة المعدودة من الناس عدة { من ايام اخر } غير ايام مرضه وسفره ان افطر متتابعا او غير متتابع والمقصود من الآية بيان ان فرض الصوم فى الايام المعدودات انما يلزم الاصحاء المعتبرين واما من كان مريضا او مسافرا فله تأخير الصوم عن هذه الايام الى ايام اخر { وعلى الذين يطيقونه } ذهب اكثر المفسرين الى ان المراد بالذين يطيقونه الاصحاء المقيمون خيرهم فى ابتداء الاسلام بين امرين بين ان يصوموا وبين ان يفطروا ويفدوا لئلا يشق عليهم لانهم كانوا لم يتعودوا الصوم ثم نسخ التخيير ونزلت العزيمة بقوله فمن شهد منكم الشهر فليصمه البقرة 185. فالمعنى اى وعلى المطيقين للصيام القادرين عليه إن افطروا { فدية } اى اعطاء فدية وهى { طعام مسكين } وهى نصف صاع من بر أو صاع من غيره والفدية فى معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشىء. وفى تفسير الشيخ يطيق من اطاق فلان اذا زالت طاقته والهمزة للسلب اى لا يقدرون على الصوم وهم الذين قدروا عليه فى حال الشباب ثم عجزوا عنه فى حال الكبر { فمن تطوع خيرا } اى من تبرع بخير فزاد فى الفدية او تطوع تطوعا خيرا { فهو } اى التطوع { خير له } وذكر فى الخير المتطوع ثلاثة اوجه. احدها ان يزيد على مسكين واحد فيطعم مكان كل يوم مسكينين او اكثر. وثانيها ان يطعم المسكين الواحد اكثر من القدر الواجب. وثالثها ان يصوم مع الفدية فهو خير كله { وان تصوموا } فى تأويل المصدر مرفوع بالابتداء اى صومكم ايها المرضى والمسافرون والذين يطيقونه { خير لكم } من الفدية { ان كنتم تعلمون } ما فى الصوم من الفضيلة وبراءة الذمة والجواب محذوف ثقة بظهوره اى اخترتموه. وفى الاشباه الصوم فى السفر افضل الا اذا خاف على نفسه او كان له رفقة اشتركوا معه فى الزاد واختاروا الفطر انتهى وانما فضل الصوم للمسافر لان الصوم عزيمة له والتأخير رخصة والاخذ بالعزيمة افضل واما ما روى ان النبى عليه السلام " قال ليس من البر الصيام فى السفر " فمحمول على ما اذا كان الصوم يضعفه حتى يخاف عليه الهلاك كذا فى شرح المجمع لابن الملك. والسفر المبيح للفطر مسيرة ثلاثة ايام ولياليها عند ابى حنيفة رحمه الله. واعلم ان الله تعالى امرنا بصيام شهر كامل ليوافق عدد السنة فى الاجر الموعود بقوله من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها الأنعام 160. فالشهر الكامل ثلاثمائة وستة ايام شوال ستون يوما فان نقص يوم من عدد الشهر لم ينقص من الثواب روى ان رسول الله عليه السلام صام ثمانية رمضانات خمسة منها كانت تسعة وعشرين يوما والباقى ثلاثين يوما وافترض الصيام بعد خمس عشرة سنة من النبوة بعد الهجرة بثلاث سنين وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما بعث الله نبيه عليه السلام بشهادة ان لا اله الا الله فلما صدق زاد الصلاة فلما صدق زاد الزكاة فلما صدق زاد الصيام فلما صدق زاد الحج ثم الجهاد ثم اكمل لهم الدين واول ما فرض الصوم على الاغنياء لاجل الفقراء فى زمن الملك طهمورث ثالث ملوك بنى آدم وقع القحط فى زمانه فامر الاغنياء بطعام واحد بعد غروب الشمس وبامساكهم بالنهار شفقة على الفقراء وايثارا عليهم بطعام النهار وتعبدا وتواضعا لله تعالى. والصوم سبب للولوج فى ملكوت السموات وواسطة الخروج عن رحم مضايق الجسمانيات المعبر عنه بالنشأة الثانية كما اشير اليه بقول عيسى عليه السلام لن يلج ملكوت السموات من لم يولد مرتين بل مجاهدة الصوم رابطة مشاهدة اللقاء واليه يشير الحديث القدسى " الصوم لى وانا اجزى " يعنى انا جزاؤه لا حورى ولا قصورى ولهذا علق سبحانه نيل سعادة الرؤية بالجوع حيث قال فى مخاطبة عيسى عليه السلام تجوع ترانى قال السعدى ندارند تن بروران آكهى كه برمعده باشد زحكمت تهى وانما اضيف الصوم الى الله فى " الصوم لى ". لانه لا رياء فيه بل سر لا يعلمه الا الله وانما يكون الله سبحانه جزاء صومه اذا امسك قلبه وسره وروحه عما سواه تعالى وهو الصوم الحقيقى عند الخواص قال فى المثنوى هركرا دارد هو سها جان باك زود بيند حضرت وايوان باك والاشارة فى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام البقرة 183. ان الصوم كما يكون للظاهر يكون للباطن وباطن الخطاب يشير الى صوم القلب والروح والسر الذين آمنوا شهود انوار الحضور مع الله فصوم القلب صومه عن مشارب المعقولات وصوم الروح عن ملاحظة الروحانيات وصوم السر صونه عن شهود غير الله فمن امسك عن المفطرات فنهاية صومه اذا هجم الليل ومن امسك عن الاغيار فنهاية صومه ان يشهد الحق وفى قوله عليه السلام " صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته " عند التحقيق انها عائدة الى الحق فينبغى ان يكون صوم العبد ظاهرا وباطنا لرؤية الحق وافطاره بالرؤية قوله تعالى كتب عليكم الصيام اى على كل عضو فى الظاهر وعلى كل صفة فى الباطن. فصوم اللسان عن الكذب والفحش والغيبة. وصوم العين عن النظر فى الغفلة والريبة. وصوم السمع عن استماع المناهى والملاهى وعلى هذا فقس الباقى. وصوم النفس عن التمنى والحرص والشهوات. وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها. وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها. وصوم السر عن رؤية وجود غير الله واثباته كما كتب على الذين من قبلكم البقرة 183. هى اشارة الى ان اجزاء وجود الانسان من الجسمانية والروحانية قبل التركيب كانت صائمة عن المشارب كلها فلما تعلق الروح بالقالب صارت اجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية بقوة امداد الروح وصار الروح بقوة حواس القالب متمتعا من المشارب الروحانية والحيوانية فالآن كتب عليهم الصيام وهم مركبون كما كتب على الذين من قبلكم من المفردات لعلكم تتقون البقرة 184 من مشارب المركبات وتصومون فيها مع حصول استعداد الشراب ليفطروا عن مشارب يشرب بها عباد الله اذا اسقاهم ربهم شرابا طهورا فيطهرك طهورية هذا الشراب من دنس استدعاء الحظوظ الحيوانية والروحانية كما قال ولكن يريد ليطهركم فلما افل كوكب استدعاء الحظوظ طلعت شمس استدعاء اللقاء من مطلع الالتقاء فحينئذ يتحقق انجاز ما وعد سيد الانبياء بقوله " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ". ثم اخبر عن كمال لطفه مع العباد بتقليل الاعداد فى قوله { اياما معدودات } والاشارة فيها هو ان صومكم فى ايام قلائل معدودة متناهية وثمرات صومكم فى ايام غير معدودة ولا متناهية فلا يهولنكم سماع ذكره كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:185

{ شهر رمضان } متبدأ خبره ما بعده فيكون المقصود من ذكر هذه الجملة المنبهة على فضله ومنزلته الاشارة الى وجه تخصيصه من بين الشهور بان فرض صومه ثم اوجب صومه بقوله { فمن شهد منكم الشهر } البقرة 185 المعهود { فليصمه } البقرة 185 وسمى الشهر شهرا لشهرته. ورمضان مصدر رمض اذا احترق فاضيف اليه الشهر وجعل المجموع علما ومنع من الصرف للتعريف والالف والنون. وانما سمى بذلك اما لارتماض الاكباد واحتراقها من الجوع والعطش واما لارتماض الذنوب بالصيام فيه او لوقوعه ايام رمض الحر اى شدة وقوعه على الرمل وغيره. قيل انهم نقلوا اسماء الشهور من اللغة القديمة فسموها بالازمنة التى وقعت هى فيها وقت التسمية فوافق هذا الشهر ايام رمض الحر فسمى به كما يسمى بربيع لموافقته الربيع وجمادى لموافقته جمود الماء. او رمضان اسم من اسماء الله تعالى والشهر مضاف اليه ولذلك روى " لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فان رمضان اسم من اسماء الله تعالى ". { الذى أنزل فيه القرآن } جملة الى بيت العزة فى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل نجوما فى ثلاث وعشرين سنة حسبما تقتضيه المشيئة الربانية وعن النبى عليه السلام " نزلت صحف ابراهيم اول ليلة من رمضان وانزلت التوارة لست مضين منه والانجيل لثلاث عشرة والقرآن لاربع وعشرين " والقرآن من القرء وهو الجمع لانه مجمع علم الاولين والآخرين { هدى للناس } اى انزل حال كونه هداية للناس الى سواء الصراط بما فيه من الاعجاز وغيره { وبينات من الهدى والفرقان } اى وحال كونه آيات واضحات مما يهدى الى الحق ويفرق بينه وبين الباطل بما فيه من الحكم والاحكام فالهدى على قسمين ما يكون بينا جليا ومالا يكون كذلك والاول افضل القسمين فذكر الجنس اولا ثم اردفه باشرف نوعيه بل بالغ فيه فكأنه قيل انه هدى بل هو بين من الهدى ولا شك انه فى غاية المبالغة لانه فى المرتبة الثالثة فالعطف فى وبينات من باب عطف التشريف { فمن } الفاء للتفريع والترتيب { شهد } اى حضر موضع الاقامة من المصر او القرية كائنا ذلك الحاضر { منكم الشهر } منصوب على الظرف اى فى الشهر دون المفعول به لان المقيم والمسافر يشهدان الشهر { فليصمه } اى فليصم فيه بحذف الجار وايصال الفعل الى المجرور اتساعا. والمراد بالشاهد العاقل البالغ الصحيح لان كل واحد من الصبى والمجنون يشهد موضع الاقامة فى الشهر مع انه لا يجب عليهما الصوم وهذا اى الحتم ينسخ التخيير بين الصوم والافطار والفداء { ومن كان مريضا } وان كان مقيما حاضرا فيه { أو على سفر } وان كان صحيحا وعلى بمعنى فى وحروف الصفات يقام بعضها مقام بعض { فعدة من ايام اخر } اى فعليه صيام ايام اخر واعاد تخيير المريض والمسافر وترخيصهما فى الافطار لان الله تعالى ذكر فى الآية الاولى تخيير المقيم المطيق والمسافر والمريض ونسخ فى الثانية تخيير المقيم بقوله { فليصمه } فلو اقتصر على هذا احتمل ان يعود النسخ الى تخيير الجميع فاعاد بعض النسخ بترخيص المسافر والمريض ليعلم انه باق على ما كان { يريد الله بكم اليسر } حيث اباح الفطر بالسفر والمرض واليسر ما تسهل { ولا يريد بكم العسر } اى مشقة بالصوم فى المرض والسفر لغاية رأفته وسعة رحمته. قال محمد بن على الترمذى قدس سره اليسر اسم الجنة لان جميع اليسر فيها والعسر اسم جهنم لان جميع العسر فيها معناه يريد الله بصومكم ادخال الجنة ولا يريد بكم ادخال النار. قال شيخنا العلامة الفضلى قدس سره فى الآية ان مراده تعالى بان يأمركم بالصوم يسر الدارين لا عسرهما اما اليسر فى الدنيا فالترقى الى الملكية والروحانية والوصول الى اليقظة والمعرفة واما العسر فيها فالبقاء مع البشرية والحيوانية والاتصاف بالاوصاف الطبيعية والنفسانية واما اليسر فى الآخرة فهو الجنة والنعمة والقربة والوصلة والرؤية واما العسر فيها فهو الجحيم وعذابها ودركاتها انتهى كلامه. وقال نجم الدين فى تأويلاته يعنى يريد الله بكم اليسر الذى هو مع العسر فلا تنظر فى امتثال الامر الى العسر ولكن انظر الى اليسر الذى هو مع العسر فان العاقل اذا سقاه الطبيب شرابا مرا أمر من بالاء المرض موجبا للصحة فلا ينظر العاقل الى مرارة الشراب ولكن ينظر الى حلاوة الصحة ولا يبالى بمرارة الشراب فيشربه بقوة الهمة انتهى قال السعدى قدس سره وبالست دادن برنجور قند كه داروى تلخش بود سودمند زعلت مدار اى خردمند بيم جوداروى تلخت فرستد حكيم { ولتكملوا العدة } اى وانما امرناكم بمراعاة العدة بعد ايجاب صوم رمضان كما قال تعالى { فعدة } اى فعليكم عدة ما افطرتم لتكملوا عدد ايام الشهر بقضاء ما افطرتم بسبب مرضكم او سفركم { ولتكبروا الله } اى انما علمناكم كيفية القضاء وهو المدلول عليه بقوله تعالى { من ايام اخر } مطلقا فانه يجوز ان يقضى على سبيل التوالى او التفريق لتعظموا الله حامدين { على ما هداكم } ما مصدرية اى على هدايته اياكم الى طريق الخروج عن عهدة التكليف { ولعلكم تشكرون } اى انما رخصنا لكم بالافطار لكى تشكروا الله على هذه النعمة باللسان والقلب والبدن وفى الحديث " من حافظ على ثلاث فهو ولى الله حقا ومن ضيعهن فهو عدو الله حقا الصلاة والصوم والغسل من الجنابة ". وفى بعض الخبر " ان الجنان يشتقن الى اربعة نفر صائمى رمضان وتالى القرآن وحافظى اللسان ومطعمى الجيران وان الله يغفر للعبد المسلم عند افطاره ما مشت اليه رجلاه وما قبضت عليه يداه وما نظرت اليه عيناه وما سمعته اذناه وما نطق به لسانه وما حدث به قلبه ". وفى الحديث " اذا كان يوم القيامة وبعث من فى القبور اوحى الله الى رضوان انى اخرجت الصائمين من قبورهم جائعين عاطشين فاستقبلهم بشهواتهم من الجنان فيصيح ويقول أيها الغلمان والولدان عليكم باطباق من نور فيجتمع اكثر من عدد الرمل وقطرات الامطار وكواكب السماء واوراق الاشجار بالفاكهة الكثيرة والاشربة اللذيذة والاطعمة الشهية فيطعم من لقى منهم ويقول كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم فى الايام الخالية " وعن النبى عليه السلام انه قال " رأيت ليلة المعراج عند سدرة المنتهى ملكا لم ار مثله طولا وعرضا طوله مسيرة الف الف سنة وله سبعون ألف رأس فى كل رأس سبعون الف وجه فى كل وجه سبعون الف لسان وعلى كل رأس الف ذؤابة من نور وعلى كل ذؤبة الف الف لؤلؤة معلقة بقدرة الله تعالى وفى جوف كل لؤلؤة بحر من نور وفى ذلك البحر حيتان طول كل حوت مقدار مائتى عام مكتوب على ظهرهن لا اله الا الله محمد رسول الله وذلك الملك واضع احدى يديه على رأسه والاخرى على ظهره وهو فى حظيرة القدس فاذا سبح اهتز العرش بحسن صوته فسألت عنه جبريل فقال هذا ملك خلقه الله تعالى قبل آدم بالفى عام فقلت اين كان هذا الى هذه الغاية فقال ان الله مرجا فى الجنة عن يمين العرش فكان هو فيه فامره الله فى ذلك المكان ان يسبح لك ولامتك بسبب صوم شهر رمضان فرأيت صندوقين بين يديه على كل صندوق الف قفل من نور وسألت جبريل عن الصندوقين فقال سل منه فسألته فقال ان فيهما براءة الصائمين من امتك من عذاب النار طوبى لك ولامتك ". اعلم انه لا بد من النية فى الاعمال خصوصا فى الصوم وهى ان يعلم بقلبه انه يصوم ولا يخلو مثلا عن هذا فى ليالى شهر رمضان والامساك قد يكون للعادة او لعدم الاشتهاء او للمرض او للرياضة او يكون للعبادة فلا يتعين له الا بالنية وهى شرط لكل يوم لان صوم كل يوم عبادة على حدة ألا يرى انه لو افسد صوم يوم لا يمنع صحة الباقى بخلاف التراويح فانه لا يلزم النية فى كل شفع لان الكل بمنزلة صلاة واحدة وهو الاصح وتجوز النية الى نصف النهار دفعا للحرج وما يروى من الاحاديث فى نفى الصوم الا بالتثبيت فمحمولة على نفى الفضيلة بخلاف القضاه والكفارات والنذر المطلق لان الزمان غير متعين لها فوجب التبييت نفيا للمزاحمة ويعتبر نصف النهار من طلوع الفجر الثانى فيكون الى الضحوة الكبرى فينوى قبلها الاكثر منويا فيكون له حكم الكل حتى لو نوى بعد ذلك لا يجوز لخلو الاكثر عن النية تغليبا للاكثر. والاحتياط فى النية فى التراويح ان ينوى التراويح او ينوى قيام الليل او ينوى سنة الوقت او قيام رمضان. والتراويح سنة مؤكدة واظب عليها الخلفاء الراشدون قال عليه السلام " ان الله فرض عليكم الصيام وسننت قيامه " واما قول عمر رضى الله عنه نعمت البدعة هذه يعنى قيام رمضان فمعناه ان النبى صلى الله عليه وسلم وان كان قد صلاها الا انه تركها ولم يحافظ عليها ولا جمع الناس اليها فمحافظة عمر عليها وجمع الناس اليها وندبهم بدعة لكنها بدعة محمودة ممدوحة كذا فى تفسير القرطبى عند قوله تعالى بديع السموات والأرض الأنعام 101. فى الجزء الاول وكان النبى صلى الله عليه وسلم يبشر اصحابه بقدوم رمضان ويقول " قد جاءكم شهر رمضان شهر مبارك كتب الله عليكم صيامه تفتح فيه ابواب السماء وتغلق فيه ابواب الجحيم وتغل فيه الشياطين وفيه ليلة خير من الف شهر من حرم خيرها فقد حرم ". قال بعض العلماء هذا الحديث اصل فى تهنئة الناس بعضهم بعضا بشهر رمضان. قال السخاوى فى المقاصد الحسنة التهنئة بالشهور والاعياد مما اعتاده الناس وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما رفعه " من لقى اخاه عنده الانصراف من الجمعة فليقل تقبل الله منا ومنك ". ويروى فى جملة حقوق الجار من المرفوع " ان اصابه خير هنأه او مصيبة عزاه او مرض عاده " ومن آداب الصيام حفظ الجوارح الظاهرة وحراسة الخواطر الباطنة ولن يتم التقرب الى الله تعالى الا بترك ما حرم الله. قال ابو سليمان الدارانى قدس سره لأن اصوم النهار وافطر الليل على لقمة حلال احب الى من قيام الليل والنهار وحرام على شمس التوحيد ان تحل قلب عبد فى جوفه لقمة حرام ولا سيما فى وقت الصيام فليجتنب الصائم اكل الحرام فانه سم مهلك للدين. والسنة تعجيل الفطور وتأخير السحور فان صوم الليل بدعة فاذا اخر الافطار فكأنه وجد صائما فى الليل فصار مرتكبا للبدعة كذا فى شرح عيون المذاهب. ولنا ثلاثة اعياد عيد الافطار وهو عيد الطبيعة. والثانى عيد الموت حين القبض بالايمان الكامل وهو عيد كبير. والثالث عيد التجلى فى الآخرة وهو اكبر الاعياد وروى الترمذى وصححه عن زيد بن خالد " من فطر صائما كان له مثل اجره من غير ان ينقص من اجر الصائم شىء ". وكان حماد بن سلمة الامام الحافظ يفطر فى كل ليلة من شهر رمضان خمسين انسانا واذا كانت ليلة الفطر كساهم ثوبا ثوبا وكان يعد من الابدال. واخرج السيوطى فى الجامع الصغير والسخاوى فى المقاصد عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما انه قال عليه السلام " خيار امتى فى كل قرن خمسمائة والابدال اربعون فلا الخمسمائة ينقصون ولا الاربعون كلما مات رجل ابدل الله مكانه رجلا آخر قالوا يا رسول الله دلنا على اعمالهم قال عليه السلام " يعفون عمن ظلمهم ويحسنون الى من اساءهم ويتواسون فيما اتاهم الله ". وفى الحديث " من اشبع جائعا او كسا عاريا او آوى مسافرا اعاذه الله من اهوال يوم القيامة " وكان عبد الله بن المبارك ينفق على الفقرآء وطلبة العلم فى كل سنة مائة الف درهم ويقول للفضيل بن عياض لولاك واصحابك ما اتجرت وكان يقول للفضيل واصحابه لا تشتغلوا بطلب الدنيا اشتغلوا بالعلم وانا اكفيكم المؤونة. وكان يحيى البرمكى يجرى على سفيان الثورى كل شهر الف درهم وكان سفيان يدعو له فى سجوده ويقول اللهم ان يحيى كفانى امر الدنيا فاكفه امر آخرته فلما مات يحيى رآه بعض اصحابه فى النوم فقال ما صنع الله بك قال غفر لى بدعاء سفيان قال الصائب تيره روزان جهانرا بجراغى درياب تابس ازمرك ترا شمع مزارى باشد جعلنا الله واياكم من العاملين بمقتضى كتابه ومدلول خطابه.

البقرة 2:186

{ وإذا سألك عبادى عنى } وجه اتصال هذه الآية بما قبلها ان الله تعالى لما امرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على انه تعالى خبير باحوالهم مطلع على ذكرهم وشكرهم سميع باقوالهم مجيب لدعائهم مجازيهم على اعمالهم تأكيدا له وحثا عليه. وسبب النزول ما روى ان اعرابيا قال لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه ام بعيد فنناديه فقال تعالى ايماء الى سرعة اجابة الدعاء منهم اذا سألك عبادى عنى { فانى قريب } اى فقل لهم انى قريب بالعلم والاحاطة فهو تمثيل لكمال علمه بافعال العباد واقوالهم واطلاعه على احوالهم بحال من قرب مكانه منهم فيكون لفظ قريب استعارة تبعية تمثيلية وانما لم يحمل على القرب الحقيقى وهو القرب المكانى لانه ممتنع فى حقه تعالى لانه لو كان فى مكان لما كان قريبا من الكل فان من كان قريبا من حملة العرش يكون بعيدا من اهل الارض ومن كان قريبا من اهل المشرق يكون بعيدا من اهل المغرب وبالعكس. قال ابو موسى الاشعرى لما توجه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الى خيبر اشرف الناس على واد فرفعوا اصواتهم بالتكبير لا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله عليه وسلم " اربعوا على انفسكم انكم لا تدعون اصم ولا غائبا انكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم ". وهذا باعتبار المشارب والمقامات واللائق بحال اهل الغفلات الجهر لقلع الخواطر كما ان المناسب لاهل الحضور الخفاء قال السعدى دوست نزديكتر ازمن بمنست وين عجبتركه من ازوى دورم { أجيب دعوة الداع اذا دعان } تقرير للقرب المجازى المراد فى هذا المقام وهو الحالة الشبيهة بالقرب المكانى وقد تقرر ان اثبات ما يلائم المستعار منه للمستعار له يرشح الاستعارة ويقررها وايضا وعد للداعى بالاجابة. فان قلت انا نرى الداعى يبالغ فى الدعوات والتضرع فلا يجاب. قلت ان هذه الآية مطلقة والمطلق محمول على المقيد وهو قوله تعالى بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء الأنعام 41. فالمعنى اجيب دعوة الداع اذا دعانى ان شئت او اذا وافق القضاء او اذا لم يسأل محالا او كانت الاجابة خيرا له والاجابة اعطاء ما سئل والله تعالى يقابل مسألة السائل بالاسعاف ودعاء الداعى بالاجابة وضرورة المضطرين بالكفاية { فليستجيبوا لى } اى فليجيبوا اذا دعوتهم للايمان والطاعة كما اجيبهم اذا دعونى لمهماتهم واستجابه واستجاب له واجابه واحد قطع مسألته بتبليغة مراده واصله من الجوب والقطع { وليؤمنوا بى } امر بالثبات على ما هم عليه. قال ابن الشيخ الاستجابة عبارة عن الانقياد والاستسلام والايمان عبارة عن صفة القلب وتقديمها على الايمان يدل على ان العبد لا يصل الى نور الايمان وقوته الا بتقديم الطاعات والعبادات. ومعنى الفاء فيه انه تعالى قال انا اجيب دعاءك مع انى غنى عنك مطلقا فكن انت ايضا مجيبا لدعائى مع انك محتاج الى من كل الوجوه فما اعظم هذا الكرم { لعلهم يرشدون } راجين اصابة الرشد وهو الاهتداء لمصالح الدين والدنيا ومعنى الآية انهم اذا استجابوا وآمنوا اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم لان الرشيد من كان كذلك. اعلم ان عدم الدعاء بكشف الضر مذموم عند اهل الشريعة والطريقة لانه كالمقاومة مع الله ودعوى التحميل لمشاقه وفى المثنوى تافرود آيد بلا بى دافعى جون نباشد ازتضرع شافعى فالتسبب واجب للعوام والمبتدئين فى السلوك والتوكل افضل للمتوسطين. واما الكاملون فليس يمكن حصر احوالهم فالتوكل والتسبب عندهم سيان روى ان ابراهيم الخليل عليه السلام لما القى فى النار لقيه جبريل فى الهواء فقال ألك حاجة فقال أما اليك فلا فقال فاسأل الله الخلاص فقال عليه السلام حسبى من سؤاله علمه بحالى وهذا مقام اهل الحقيقة من المكملين الفانين عن الوجود وما يتعلق به والباقين بالرب فى كل حال فأين انت من هذا فاسأل الله عفوه ومغفرته وقد كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يكلم الناس بقدر مراتبهم ولذا قال لاعرابى ارسل ابلا له توكلا عليه تعالى " اعقلها وتوكل على الله ". امر بعقل الدابة لانه اراد بالتوكل التحرز عن الفوات وحث بعضهم على التوكل كتوكل الطير وذلك اذا لم يسكن الى سابق القضاء. ثم اجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه ومن دعا بحاجة فلم تقض للحال فذلك لوجوه. منها ان الاجابة حاصلة لا محالة فان اجابة الدعوة غير قضاء الحاجة وقضاء الحاجة غير اجابة الدعوة فان اجابة الدعوة هو ان يقول العبد يا رب فيقول الله تعالى له لبيك يا عبدى وهذا موعود موجود لكل متوجه راشد وقضاء الحاجة اعطاء المراد وايصال المرتاد وذلك قد يكون للحال وقد يكون بعد مدة وقد يكون فى الآخرة وقد يكون الخيرة له فى غيره. ومنها ان الاجابة ليست بجهة واحدة بل لها جهات وفى الحديث " دعوة المسلم لا ترد الا لاحدى ثلاث اما ان يدعو باثم او قطيعة رحم واما ان يدخر له فى الآخرة واما ان يصرف السوء عنه بقدر ما دعا ". ومنها ان الاجابة مقيدة بالمشيئة كما سبق. ومنها انه شرط لهذه الاجابة اجابة العبد اياه فيما دعاه اليه لقوله تعالى { فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى }. ومنها ان للدعاء شرائط وآدابا وهى اسباب الاجابة فمن استكملها كان من اهل الاجابة ومن اخل بها كان من اهل الاعتداء فلا يستحق الجواب والاسباب منها ما يتعلق باهل العموم ويطول ذكرها ان استوفيت ههنا. ومنها ما يتعلق بالخصوص وهى التزكية فالاجابة موقوفة على تزكية اداعى فعليه ان يزكى البدن اولا فيصلحه بلقمة الحلال وقد قيل الدعاء مفتاح باب السماء واسنانه لقمة الحلال وقال عليه السلام " الرجل يطيل السفر يمد يده الى السماء اشعث اغبر يقول يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستحاب لذلك " حكى انه كان بالكوفة اناس يستجاب دعاؤهم كلما دخل عليهم وال كانوا يدعون عليه فيهلك فدبر الحجاج الحيلة عليهم حين ولى عمل الكوفة من ابن مروان فدعاهم الى مأدبته فلما اكلوا قال امنت من دعائهم ان يستجاب حيث دخل فى بطونهم طعام حرام ويزكى الداعى نفسه ويطهرها من الاوصاف البشرية والاخلاق الذميمة لانها قاطعات لطريق الدعاء ويزكى قلبه عن رين التعلقات الانسانية من النفسانى والروحانى ويصفيه بالاذكار وينوره بنورالاخلاق فان هذه اسباب القربة بها يرفع الدعاء الى الله كما قال تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه فاطر 10. ويزكى الروح عن دنس الالتفات لغير الله ليتعرض لنفخات الطافه ويزكى السر عن وصمة الشرك بان يوجهه الى الحق فى الدعاء لطلب الحق لا لطلب غير الحق من الحق ليستجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه كما قال " ألا من طلبنى وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنى ". وان الله وعد الاجابة على طلبه بالدعاء فقال { اجيب دعوة الداع اذا دعان } اى اذا طلبنى قال السعدى خلاف طريقت بود كاوليا تمنا كنند ازخدا جز خدا فمن اخل ببعض هذه الشرائط لم يلزمه الاجابة كمن اخل بركن من اركان الصلاة لم يلزمه القبول الا ان الجبار يجبر كل خلل وكسر يكون فى اعمال العباد بفضله وكرمه وفى الحقيقة ان افضاله مع العباد مقدم على اعمالهم وانه يعطى قبل السؤال ويحقق مراد العبد بعد سؤاله بجميع النوال والدعاء على قسمين داع بالدعاء وقارئ للدعاء فللداعى يفتح ابواب السموات حتى يبلغ دعاؤه العرش وقارئ الدعاء لا يبلغ الا الاذن. قال الفنارى فى تفسير الفاتحة ثم لصحة التصور وجودة الاستحضار اثر عظيم فى الاجابة اعتبره النبى عليه الصلاة والسلام وحرض عليه عليا رضى الله تعالى عنه لماعلمه الدعاء وفيه اللهم اهدنى وسددنى فقال له اذكر بهدايتك هداية الطريق وبالسداد سداد السهم فامره باستحضار هذين الامرين وقت الدعاء فهذا هو سر اجابة دعاء الرسل والكمل والامثل فالامثل واستقامة التوجه حال الطلب والنداء عند الدعاء شرط قوى فى الاجابة فمن تصوره تصورا صحيحا من رؤية وعلم سابقين او حاضرين حال الدعاء ثم دعاه سيما بعد امره له بالدعاء والتزامه الاجابة فانه يجيبه لا محالة اما من زعم انه يقصد مناداة زيد وهو يستحضر غيره ثم لم يجد الاجابة فلا يلومن الا نفسه اذ لم يناد القادر على الاجابة وانما توجه الى ما انشأه من صفات تصوراته بالحالة الغالبة عليه اذ ذاك لكن سؤاله قد يثمر بشفاعة حسن ظنه بربه وشفاعة المعية الآلهية وحيطته فالمتوجه بالخطأ مصيب من وجه كالمجتهد المخطىء مأجور غير محروم بالكلية انتهى كلام الفنارى وفى رسالة القشيرى فى الخبر المروى " ان العبد يدعو الله سبحانه وهو يحبه فيقول يا جبريل اخر حاجة عبدى فانى احب ان اسمع صوته وإن العبد يدعوه وهو يبغضه فيقول يا جبريل اقض حاجة عبدى فإنى أكره أن أسمع صوته ". حكى انه وقع ببغداد قحط فامر الخليفة المسلمين بالخروج للاستسقاء فخرجوا واستسقوا فلم يسقوا فامر اليهود فخرجوا وسقوا فتحير الخليفة ودعا علماء المسلمين وسألهم فلم يفرجوا عنه فجاء سهل ابن عبد الله وقال يا امير المؤمنين انا معاشر المسلمين احبنا الله لدين الاسلام وهدانا ويحب دعاءنا وتضرعنا فلهذا لم يعجل اجابتنا وهؤلاء ابغضهم ولعنهم فلهذا عجل اجابتهم وصرفهم عن بابه قال عليه السلام " قوام الدنيا باربعة اشياء بعلم العلماء وعدل الامراء وسخاوة الاغنياء ودعوة الفقراء ". وينبغى ان يسأل الله تعالى باسمائه الحسنى العظام والادعية المأثورة عن السلف الكرام وينبغى ان يتوسل الى الله تعالى بالانبياء والاولياء الصالحين. وللدعاء اماكن يظن فيها الاجابة مثلا عند رؤية الكعبة والمساجد الثلاثة وبين الجلالتين من سورة الانعام وفى الطواف وعند الملتزم وفى البيت وعند زمزم وعند شرب مائه وعلى الصفا والمروة وفى السعى وخلف المقام وفى عرفات والمزدلفة ومنى وعند الجمرات الثلاث وعند قبور الانبياء عليهم السلام. وقيل لا يصح قبر نبى بعينه سوى قبر نبينا عليه الصلاة والسلام وقبر ابراهيم عليه السلام داخل السور من غير تعيين وجرب استجابة الدعاء عند قبور الصالحين بشروط معروف عند اهلها اللهم أفض علينا من بركات الصالحين.

البقرة 2:187

{ أحل لكم } تقديم الظرف على القائم مقام الفاعل للتشويق فان ما حقه التقديم اذا اخر تبقى النفس مترقبة اليه فيتمكن عندها وقت وروده فضل تمكن اى ابيح لكم { ليلة الصيام } اى فى ليلة يوم الصوم وهى الليلة التى يصبح الرجل فى غداتها صائما { الرفث } اصل الرفث قول الفحش والتكلم بالقبح ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معانى الافضاء ثم جعل كناية عن الجماع لان الجماع لا يخلو عن شىء من التصريح بما يجب ان يكنى عنه من الالفاظ الفاحشة وعن ابن عباس رضى الله عنهما الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة كالغمز والتقبيل { الى نسائكم } عدى الرفث بالى وان كان المشهور تعديته بالباء تقول رفثت بالمرأة لتضمنه معنى الافضاء قال تعالى وقد أفضى بعضكم إلى بعض النساء 21. اراد به الجماع وكان الرجل فى ابتداء الاسلام اذا امسى فى رمضان حل له الاكل والشرب والجماع الى ان يصلى العشاء الاخيرة او يرقد فاذا صلاها او رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء الى القابلة ثم ان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه واقع اهله بعد صلاة العشاء الاخيرة فلما اغتسل اخذ يبكى ويلوم نفسه فأتى النبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقال يا رسول الله انى اعتذر الى الله واليك من نفسى هذه الخاطئة انى رجعت الى اهلى بعد العشاء فوجدت رائحة طيبة فسولت لى نفسى فجامعت اهلى فقال عليه السلام " ما كنت جديرا بذلك يا عمر ". فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزلت الآية وصارت زلته سببا للرحمة فى جميع الامة { هن لباس لكم وانتم لباس لهن } استئناف مبين لسبب الاحلال وهو صعوبة الصبر عنهن مع شدة المخالطة وكثرة الملابسة بهن وجعل كل من الرجل والمرأة لباسا للآخر لتجردهما عند النوم واعتناقهما واشتمال كل منهما على الآخر او لان كلا منهما يستر حال صاحبه ويمنعه من الفجور وعما لا يحل كما جاء فى الحديث " من تزوج فقد احرز ثلثى دينه ". او المعنى هن سكن لكم وانتم سكن لهن كما قال تعالى وجعل منها زوجها ليسكن إليها الأعراف 189. ولا يسكن شىء الى شىء كسكون احد الزوجين الى الآخر { علم الله } فى الازل { انكم كنتم تختانون انفسكم } تخونونها وتظلمونها بتعريضها للعقاب وتنقيص حظها من الثواب بمباشرة النساء فى ليالى الصوم والخيانة ضد الامانة وقد ائتمن الله العباد على امرهم به ونهاهم عنه فاذا عصوه فى السر فقد خانوه وقد قال الله تعالى لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم الأنفال 27. قال الصائب ترابكوهر دل كردهاند امانت دار زدزد امانت حق را نكاه دار مخسب { فتاب عليكم } عطف على علم اى قبل توبتكم وتجاوز عنكم لما تبتم مما اقترفتموه { وعفا عنكم } اى محا اثره عنكم { فالآن } اى لما نسخ التحريم ظرف لقوله { باشروهن } اصله فعل بمعنى حان ثم جعل اسما للزمان الحاضر وعرف بالالف واللام وبقى على الفتحة والمباشرة الزاق البشرة بالبشرة كنى بها عن الجماع الذى يستلزمها وجميع ما يتبعه يدخل فيه وفيه دليل على جواز نسخ السنة بالكتاب ان كانت حرمة الاكل والشرب والجماع ثابتة بالسنة واما اذا كان ثبوت حرمتها بشريعة من قبلنا فلاعلى ما ذهب اليه بعضهم { وابتغوا ما كتب الله لكم } اى واطلبوا ما قدره الله تعالى واثبته فى اللوح المحفوظ من الولد وفيه ان المباشر ينبغى ان يكون غرضه الولد والتناسل فانه الحكمة فى خلق الشهوة وشرع النكاح لاقضاء الشهوة وحدها وفى الحديث " تناكحوا تناسلوا تكثروا فانى اباهى بكم الامم يوم القيامة ". { وكلوا واشربوا } ليالى الصوم عطف على قوله باشروهن { حتى يتبين } يظهر { لكم الخيط الأبيض } هو اول ما يبدو من بياض النهار كالخيط الممدود دقيقا ثم ينتشر { من الخيط الأسود } هو ما يمتد من سواد الليل مع بياض النهار فان الصبح الصادق اذا بدا يبدوا كأنه خيط ممدود فى عرض الافق ولا شك انه يبقى مع بقية من ظلمة الليل بحيث يكون طرفها الملاصق لما يبدو من الفجر كأنه خيط اسود فى جنب خيط ابيض لان نور الصبح انما ينشق فى خلال ظلمة الليل فشبها بخيطين ابيض واسود { من الفجر } اى انشقاق عمود الصبح بيان للخيط الابيض واكتفى ببيانه عن بيان الاسود لدلالته عليه والتقدير حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الفجر من الخيط الاسود من الليل. قوله حتى يتبين غاية للامور الثلاثة اى المباشرة والاكل والشرب ففى تجوزير المباشرة الى الصبح دلالة على جواز تأخير الغسل اليه وصحة صوم من اصبح جنبا لان المباشرة اذا كانت مباحة الى انفجار الصبح لم يمكنه الاغتسال الا بعد الصبح بالضرورة والا لكانت المباشرة قبل آخر الليل بقدر ما يسع الاغتسال حراما وهو مخالف لكلمة حتى { ثم أتموا الصيام } اى اديموا الامساك عن المباشرة والاكل والشرب فى جميع اجزاء النهار { إلى } غاية { الليل } وهو دخول الليل وذاك بغروب الشمس والاتمام اداؤه على التمام وفى الحديث " اذا اقبل الليل وادبر النهار وغابت الشمس فقد افطر الصائم ". اى دخل وقت الافطار وانما ذكر الاقبال والادبار وان لم يكونا الا بغروب الشمس لبيان كمال الغروب كيلا يظن احد انه اذا غاب بعض الشمس جاز الافطار او لانه قد يكون فى واد بحيث لا يشاهد غروب الشمس فيحتاج الى ان يعمل بهما قالوا فيه دلالة على جواز النية بالنهار فى صوم رمضان وعلى نفى صوم الوصال اما الاول فلان الله تعالى لما ابح المباشرة والاكل والشرب الى الفجر تبين ان ابتداء الصوم يكون بعد الفجر والصوم ليس مجرد الامساك بل هو الامساك مع النية فيكون قوله ثم اتموا الصيام امرا بنية الصوم بعد الفجر واما الثانى فلان الله تعالى جعل الليل غاية الصوم وغاية الشىء مقطعه فيكون بعدها الافطار وينتفى الوصال قال بعضهم الليل غاية وجوب الصوم فاذا دخل الليل لا يجب الصوم واما ان الصوم لا يجوز بعد دخول الليل فلا دلالة للآية عليه ولان مثل هذه الاوامر اى باشروهن وكلوا واشربوا انما يكون للاباحة والرخصة لا للوجوب فلا تدل الآية على نفى صوم الوصال ولما ظن ان حال الاعتكاف كحال الصوم فى ان المباشرة تحرم فيه نهارا لا ليلا بين ان المباشرة تحرم على المعتكف نهارا وليلا معا فقال { ولا تباشروهن } اى لا تجامعوهن { وأنتم } اى والحال انتم { عاكفون فى المساجد } مقيمون فيها بنية الاعتكاف وهو فى الشرع لزوم المسجد والمكث لطاعة الله فيه والتقرب اليه وهو من الشرائع القديمة قال تعالى أن طهرا بيتى للطائفين والعاكفين البقرة 125. نزلت فيمن كان يعتكف فى المسجد فاذا عرضت له حاجة الى امرأته خرج فجامعها ثم اغتسل فرجع الى المسجد فنهوا عن ذلك فالجماع يحرم على المعتكف ويفسد الاعتكاف ولفظ المساجد يدل على جواز الاعتكاف فى كل مسجد الا ان المسجد الجامع افضل حتى لا يحتاج الى الخروج الى الجمعة. والاعتكاف من اشرف الاعمال اذا كان عن اخلاص لان فيه تفريغ القلب عما سوى الله تعالى. قال عطاء مثل المعتكف كرجل له حاجة الى عظيم فيجلس على بابه ويقول لا ابرح حتى يقضى حاجتى فكذلك المعتكف يجلس فى بيت الله ويقول لا ابرح حتى يغفر لى وفى الحديث " من مشى فى حاجة اخيه فكأنما اعتكف عشرين سنة ومن اعتكف يوما جعل الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق كل خندق ابعد مما بين الخافقين " وفى الخلوة والانقطاع عن الناس فوائد جمة يسلم منه الناس وسلم هو منهم وفيها خمول النفس والاعراض عن الدنيا وهو اول طريق الصدق والاخلاص وفيها الانس بالله والتوكل والرضى بالكفاف فان المعاشر للناس والمخالط يتكلف فى معيشته البتة فاذا لا يفرق غالبا بين الحلال والحرام فيقع فى الهلاك ويسلم المتخلى ايضا من مداهنة الناس وغير ذلك من المعاصى التى يتعرض الانسان لها غالبا بالمخالطة. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره التصوف عبارة عن الاجتناب عن كل ما فيه شائبة الحرمة وصون لسانه عن الكلام اللغو والخلوة والاربعون ليست الا هذا فانه وحدة فى الكثرة والمقصود من الخلوة ايضا ذلك ولكن ما يكون فى الكثرة على الوجه الذى ذكرنا اثبت واحكم لان ما يكون بالخلوة يزول اذا اختلط بين الناس وليس كذلك ما ذكر فطريقنا طريق النبى عليه السلام وطريق الاصحاب رضى الله تعالى عنهم والنبى عليه السلام لم يعين الاربعين بل الاعتكاف فى العشر الاخير من رمضان نعم فعل ذلك موسى عليه السلام قال تعالى وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر الأعراف 142. والخلوتية اخذوا من ذلك كذا فى واقعات الهدائى قدس سره { تلك } اى الاحكام التى ذكرت من اول آية الصيام الى هنا { حدود الله } جمع حد وهو الحاجز بين الشيئين وجعل ما شرعه الله تعالى لعباده من الاحكام حدودا لهم لكونها امورا حاجزة بين الحق والباطل ولكونها مانعة من مخالفاتها والتخطى عنها { فلا تقربوها } اى ان تنتهوا فلا تقربوها فضلا عن تجاوزها نهى ان يقرب الحد الحاجز بين الحق والباطل لئلا يدانى الباطل فضلا ان يتخطى كما قال عليه السلام " ان لكل ملك حمى وان حمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه " وهو ابلغ من قوله فلا تعتدوها ولما بين تعالى احكام الصوم على وجه الاستقصاء فى هذه الالفاظ القليلة بيانا شافيا قال بعده { كذلك } اى بيانا مثل هذا البيان الوافى الواضح فالكاف فى محل النصب على انه صفة مصدر محذوف { يبين الله آياته للناس } والآيات دلائل الدين ونصوص الاحكام والمقصود من تعظيم البيان هدايته ورحمته على عباده فى هذا البيان { لعلهم يتقون } مخالفة اوامره ونواهيه. والتقوى اتقاء الشرك. ثم بعده اتقاء المعاصى والسيآت. ثم بعده اتقاء الشهوات. ثم يدع بعده الفضلات وفى الحديث " لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس ". قال السعدى قدس سره ترا آنكه جشم ودهان داد وكوش اكر عاقلى در خلافش مكوش جو باك آفريدت بهش باش وباك كه ننكست نا باك رفتن بخاك مرو زير بار كنه اى بسر كه حمال عاجز بود در سفر مكن عمر ضايع بافسوس وحيف كه فرصت عزيزست والوقت سيف جعلنا الله واياكم من اهل اليقظة واليقين.

البقرة 2:188

{ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } اى لا يأكل بعضكم مال بعض بالوجه الذى لم يبحه الله تعالى ولم يشرعه كالغصب والنهب والسرقة واليمين الكاذبة وكالاكساب الخبيثة كالقمار والرشى وحلوان الكاهن والمغنى والنائحة وكالحيلة ووجوه الخيانة. قوله { بينكم } نصب على الظرفية فيتعلق بقوله { تأكلوا } ومعنى كون الاكل بينهم وقوع التداول والتناول لاجل الاكل بينهم وليس المراد بالاكل المنهى عنه نفس الاكل خاصة لان جميع التصرفات المتفرعة على الاسباب الباطلة حرام الا انه شاع فى العرف ان يعبر عن انفاق المال بأى وجه كان بالاكل لان الاكل معظم المقصود من المال وقوله { بالباطل } متعلق بالفعل المذكور اى لا تأكلوها بالسبب الباطل. " نزلت فى رجلين تخاصما فى ارض بينهما فاراد احدهما ان يحلف على ارض اخيه بالكذب فقال النبى عليه السلام " انما انا بشر مثلكم يوحى الى وانتم تختصمون الى ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضى له على نحو ما اسمع منه فمن قضيت له شيأ من حق اخيه فانما اقضى له قطعة من نار " فبكيا وقال كل واحد منهما انا حل لصاحبى فقال " اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه ". قوله ألحن بحجته اى اقوم بها واقدر عليها من صاحبه والتوخى قصد الحق والاستهام الاقتراع وفيه دلالة ظاهرة على ان حكم القاضى لا ينفذ باطنا كما عند الشافعى وحمله ابو حنيفة على الاموال والاملاك دون عقود النكاح وفسخها وموضع بيانه مشبعا كتاب القضاء فى الفقه { وتدلوا بها الى الحكام } عطف على المنهى عنه فيكون مجزوما بلا الناهية المذكورة بواسطة العاطف والادلاء الالقاء وضمير بها للاموال بتقدير المضاف والباء فيه مثلها فى قوله تعالى ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة البقرة 195. والمعنى ولا تلقوا امر الاموال والحكومة فيها الى الحكام { لتأكلوا } بالتحاكم اليهم { فريقا } اى طائفة وبعضا { من اموال الناس بالاثم } الباء سببية متعلقة بقوله لتأكلوا اى بما يوجب اثما كشهادة الزور واليمين الكاذبة والصلح مع العلم بان المقضى له ظالم والمقضى به حق المقضى عليه وقيل ولا تلقوا بعضها الى امراء الظلم وقضاة السوء على وجه الرشوة { وانتم تعلمون } انكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها اقبح وصاحبها احق بالتوبيخ ويقال الدنيا ثلاثة اشياء حلال وحرام وشبهة فالحرام يوجب العقاب والشبهة توجب العتاب والحلال يوجب الحساب قال الحكيم السنايى اين جهان برمشال مردار ست كر كسان اندرون هزار هزار اين مرانرا همى زند مخلب وان مرين را همى زند منقار آخر الامر بكذرند همه و ز همه باز ماند اين مردار فعلى العاقل ان يجتنب عن حقوق العباد والمظالم حكى انه لما مات انوشروان كان يطاف بتابوته فى جميع مملكته وينادى مناد من له علينا حق فليأت فلم يوجد احد فى ولايته له عليه حق من درهم روى ان ابا حنيفة كان له على بعض المجوس مال فذهب الى داره ليطالبه به فلما وصل الى باب داره وقع نعله على نجاسة فنفض نعله فانقلعت النجاسة عن نعله ووقعت على حائط دار المجوسى فتحير ابو حنيفة رحمه الله وقال ان تركتها كان ذلك شيأ يقبح جدار ذلك المجوسى وان حككتها احفر التراب من الحائط فدق الباب فخرجت الجارية فقال لها قولى لمولاك ان ابا حنيفة بالباب فخرج اليه وظن انه يطالبه بالمال واخذ يعتذر فقال ابو حنيفة رحمه الله ههنا ما هو اولى بالاعتذار وذكر قصة الجدار وانه كيف السبيل الى التطهير فقال المجوسى فانا ابدأ بتطهير نفسى فأسلم فى الحال والنكتة ان ابا حنيفة لما احترز عن ظلم ذلك المجوسى فى ذلك القدر القليل فلأجل بركة ذلك اسلم المجوسى ونجا من شقاوة الابد فمن احترز عن الظلم نال سعادة الدارين وإلا فقد وقع فى الخذلان حكى ان نصرانيا كان يحمل امرأته على حمار فأتى بعض قرى المسلمين فقطع واحد من الرنود ذنب حماره فوثب الحمار وسقطت المرأة وانكسرت يداها والقت حملها ايضا فذهب النصراني الى قاضى تلك القرية شاكيا فقال القاضى لذلك الرند خذ هذا الحمار وامسكه حتى ينبت ذنبه والمرأة حتى تحمل حملا وتصح عندك يداها فقال النصرانى أهكذا حكم شريعتكم ثم رفع رأسه الى السماء وقال آلهى انت حليم ولا صبر لى على هذا فاحكم يا ناظر الملهوفين ويا ناصر المظلومين فمسخ الله ذلك القاضى فصار حجرا من ساعته ففى هذه الحكاية شيئان. الاول ان هذا القاضى بظلمه وقع فيما وقع من البلاء العظيم. والثانى انه يجب الاحتراز عن الظلم وان كان المظلوم كافرا فان دعاء الكافر يسمع. والاشارة فى الآية ان الاموال خلقت لمصالح قوام النفس وان النفس خلقت للقيام بمراسم العبودية لقوله وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات 56 ليعلموا ان الاموال والانفس لله فلا يتصرفون فيهما الا بامر الله { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } بهوى النفس والحرص والشهوة والاسراف على الغفلة وكلوا بالحق والقناعة والتقوية على الطاعة والقيام بالعبودية { و } لا { تدلوا بها إلى الحكام } وهى النفس الامارة بالسوء { لتأكلوا فريقا من أموال الناس } من الاموال التى خلقت للاستعانة بها على العبودية { بالإثم } اى بالقطيعة والغفلة مستعينين بها على المعصية كالحيوانات والبهائم فيكون حاصلكم ومرجعكم ومثواكم النار ويأكلون كما تأكل الانعام والنار مثوى لهم { وأنتم تعلمون } حاصل الامر ولا تعملون به كذا فى التأويلات النجمية.