Lafzullah

روح البيان في تفسير القرآن — البقرة 2:189 – البقرة 2:286

المؤلف / المصدر: إسماعيل حقي البروسوي (ö. 1137h/1725)

المحتويات
  1. البقرة 2:189
  2. البقرة 2:190
  3. البقرة 2:191
  4. البقرة 2:192
  5. البقرة 2:193
  6. البقرة 2:194
  7. البقرة 2:195
  8. البقرة 2:196
  9. البقرة 2:197
  10. البقرة 2:198
  11. البقرة 2:199
  12. البقرة 2:200
  13. البقرة 2:201
  14. البقرة 2:202
  15. البقرة 2:203
  16. البقرة 2:204
  17. البقرة 2:205
  18. البقرة 2:206
  19. البقرة 2:207
  20. البقرة 2:208
  21. البقرة 2:209
  22. البقرة 2:210
  23. البقرة 2:211
  24. البقرة 2:212
  25. البقرة 2:213
  26. البقرة 2:214
  27. البقرة 2:215
  28. البقرة 2:216
  29. البقرة 2:217
  30. البقرة 2:218
  31. البقرة 2:219
  32. البقرة 2:220
  33. البقرة 2:221
  34. البقرة 2:222
  35. البقرة 2:223
  36. البقرة 2:224
  37. البقرة 2:225
  38. البقرة 2:226
  39. البقرة 2:227
  40. البقرة 2:228
  41. البقرة 2:229
  42. البقرة 2:230
  43. البقرة 2:231
  44. البقرة 2:232
  45. البقرة 2:233
  46. البقرة 2:234
  47. البقرة 2:235
  48. البقرة 2:236
  49. البقرة 2:237
  50. البقرة 2:238
  51. البقرة 2:239
  52. البقرة 2:240
  53. البقرة 2:241
  54. البقرة 2:242
  55. البقرة 2:243
  56. البقرة 2:244
  57. البقرة 2:245
  58. البقرة 2:246
  59. البقرة 2:247
  60. البقرة 2:248
  61. البقرة 2:249
  62. البقرة 2:250
  63. البقرة 2:251
  64. البقرة 2:252
  65. البقرة 2:253
  66. البقرة 2:254
  67. البقرة 2:255
  68. البقرة 2:256
  69. البقرة 2:257
  70. البقرة 2:258
  71. البقرة 2:259
  72. البقرة 2:260
  73. البقرة 2:261
  74. البقرة 2:262
  75. البقرة 2:263
  76. البقرة 2:264
  77. البقرة 2:265
  78. البقرة 2:266
  79. البقرة 2:267
  80. البقرة 2:268
  81. البقرة 2:269
  82. البقرة 2:270
  83. البقرة 2:271
  84. البقرة 2:272
  85. البقرة 2:273
  86. البقرة 2:274
  87. البقرة 2:275
  88. البقرة 2:276
  89. البقرة 2:277
  90. البقرة 2:278
  91. البقرة 2:279
  92. البقرة 2:280
  93. البقرة 2:281
  94. البقرة 2:282
  95. البقرة 2:283
  96. البقرة 2:284
  97. البقرة 2:285
  98. البقرة 2:286

البقرة 2:189

{ يسألونك عن الأهلة } روى ان معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الانصاريين قالا يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوى ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا اولا ولا يكون على حالة واحدة فأنزل الله تعالى { يسألونك عن الأهلة } وهى جمع هلال والهلال اول ما يظهر لك من نور القمر الى ثلاث ليال وسمى هلالا لان الناس يرفعون اصواتهم بالذكر عند رؤيته من قولهم استهل الصبى اذا صرخ حين يولد واهل القوم بالحج اذا رفعوا اصواتهم بالتلبية { قل } يا محمد { هى } الاهلة { مواقيت } جمع ميقات من الوقت والفرق بينه وبين المدة والزمان ان المدة المطلقة امتداد حركة الفلك من مبدئها الى منتهاها والزمان مدة مقسومة الى الماضى والحال والمستقبل والوقت الزمان المفروض لامر { للناس } اى لم يتعلق بهم من امور معاملاتهم ومصالحهم { والحج } واموره المتعلقة باوقات مخصوصة. فان قلت لما كانت الاهلة مواقيت يوقت بها الناس عامة مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لانه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر. قلت الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث انه يراعى فى ادائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التى لا يعتبر فى قضائها وقت معين وحاصل الخطاب ان الهلال يبدو دائما ويظهر لكم على حسب مصلحتكم لقربه وبعده من الشمس كما بين فى فن الهيئة. قال فى التيسير ثم الشمس على حالة واحدة لانها ضياء للعام وقوام لمصالح الناس والقمر يتغير لان الله علق به ما قلنا من المواقيت وذلك يعرف بهذه الاختلافات ودبر عز وجل هذا التدبير لحاجة الناس الى ذلك انتهى { وليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها } كان الانصار اذا احرم الرجل منهم بالحج او العمرة لم يدخل حائطا ولا بيتا ولا دارا من بابه فان كان من اهل المدر نقب نقبا فى ظهر بيته يدخل منه ويخرج او يتخذ سلما فيصعد منه وان كان من اهل الوبر خرج من خلف الخيمة والفسطاط ولا يدخل ولا يخرج من الباب حتى يحل من احرامه ويرون ذلك برا الا ان يكون من الحمس وهم قريش وسببه انهم ظنوا انه لا بد فى الاحرام من تغيير جميع العادات فغيروا عادتهم فى الدخول كما غيروا فى اللباس والتطيب وقالوا لا ندخل بيوتا من الابواب حتى ندخل بيت الله تعالى وكان منهم من لا يستظل بسقف بعد احرامه ولا يأقط الاقط ولا يجز الوبر وهذه اشياء وضعوها من عند نفوسهم من غير شرع فعرفهم الله تعالى ان هذا التشديد ليس ببر ولا قربة { ولكن البر } بر { من اتقى } المحارم والشهوات دون دخول البيت من ظهر. وفى الكشاف فان قلت ما وجه اتصاله بما قبله قلت كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الاهلة وعن الحكمة فى نقصانها وتمامها معلوم ان كل ما يفعله الله تعالى لا يكون الا حكمة بالغة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا فى واحدة تفعلونها انتم مما ليس من البر فى شىء وانتم تحسبونها برا { وائتوا البيوت من ابوابها } حال الاحرام اذ ليس فى العدول بر { واتقوا الله } فى تغيير احكامه والاعتراض على افعاله { لعلكم تفلحون } اى لكى تظرفوا بالبر والهدى. وللآية تأويل آخر قاله الحسن قال كان فى الجاهلية من هم بسفر او امر يصنعه فمنع عن ذلك لم يدخل داره من الباب حتى يحصل له ذلك وكان قريش وقبائل العرب من خرج لسفر او حاجة ثم رجع ولم يظفر بذلك كان ذلك طيرة فنهاهم الله عن ذلك واخبر ان الطيرة ليس ببر والبر بر من لم يخف غيره وتوكل عليه حكى الجاحظ قال تحاورت انا وابراهيم بن سيار المعروف بالنظام حديث الطيرة فقال اخبرك انى جعت حتى اكلت الطين وما صبرت على ذلك حتى قلبت قلبى أتذكر هل ثمة رجل اصيب عنده غداء او عشاء فقصدت الاهواز وهى من بلدان فارس وما اعرف بها واحدا وما كان ذلك الا شيأ امر به الضجر فوافيت الفرضة فلم اجد بها سفينة فتطيرت من ذلك ثم انى رأيت سفينة فى صدرها خرق وهشم فتطيرت ايضا فقلت للملاح ما اسمك قال " ديوزاده " بالفارسى وهو اسم الشيطان فتطيرت وركبت معه فلما قربنا من الفرضة صحت يا حمال ومعى لحاف سمل وبعض ما لا بد لى منه فكان اول حمال اجابنى اعور فازددت طيرة وقلت فى نفسى الرجوع اسلم ثم ذكرت حاجتى الى اكل الطين وقلت من لى بالموت فلما صرت الى الخان وانا حائر ما اصنع سمعت قرع باب البيت الذى انا فيه فقلت من هذا قال رجل يريدك فقلت من انا قال ابراهيم بن سيار النظام فقلت فى نفسى هذا عدو أو رسول سلطان ثم انى تحاملت وفتحت الباب فقال ارسلنى اليه ابراهيم بن عبد العزيز ويقول لك وان كنا اختلفنا فى المقالة فانا نرجع بعد ذلك الى حقوق الاخلاق والحرية وقد رأيتك حيث مررت على حال كرهتها وينبغى ان يكون برحت بك حاجة فان شئت فاقم مكانك مدة شهر أو شهرين فعسى نبعث لك ببعض ما يكفيك زمينا من دهرك وان اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون دينارا فخذها وانصرف وانت احق من عذر قال فورد على امور اذهلتنى اما واحدها فانى لم اكن ملك قط ثلاثة دنانير والثانى انه لم يطل مقامى وغيبتى عن اهلى والثالث ما تبين لى من الطيرة انها باطلة كذا فى شرح رسالة الوزير ابن زيدون فظهر انه قد يكون ما تكرهه النفس خيرا كما حكى انه وقع قحط فى زمن شيخ فعين لكل من طلبته على طريق التفاؤل مكسبا فجاء فى فال واحد منهم قطع الطريق فانتقل ذلك الرجل فلقى بعض الحرامية واجتمع بهم فنهبوا جماعة من التجار فبعد اخذ أموالهم ربطوا ايديهم وامروا هذا الرجل ان يذبحهم بعيدا عنهم فتفكر الرجل فخطر بباله ان يطلقهم ويعطيهم السلاح ويطهروا الطريق من القطاع ففعلوا وهم غافلون ثم سألوا عن هذا الرجل فحكى حاله فجاؤا الى شيخه وسلموا الاموال وصاروا من جملة احبائه فعليك بالتسليم والقبول لكى تنال المأمول قال الصائب جون سرودر مقام رضا استاده ام آسوده خاطرم زبهار وخزال خويش ثم فى قوله { وليس البر } الآية اشارة الى ان لكل شىء سببا ومدخلا لا يمكن الوصول اليه ولا الدخول الا باتباع ذلك السبب والمدخل كقوله تعالى وآتيناه من كل شىء سببا فأتبع سببا الكهف 84-85. فسبب الوصول الى حضرة الربوبية والمدخل فيها هو التقوى وهى اسم جامع لكل بر من اعمال الظاهر واحوال الباطن والقيام باتباع الموافقات واجتناب المخالفات وتصفية الضمائر ومراقبة السرائر فبقدر السلوك فى مراتب التقوى يكون الوصول الى حضرة المولى كقوله تعالى إن أكرمكم عند الله أتقاكم الحجرات 13. وقال عليه السلام " عليكم بتقوى الله فانه جماع كل خير ". فقوله { وليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها } اى غر مدخلها بمحافضة ظواهر الاعمال من غير رعاية حقوق بواطنها بتقوى الاحوال { ولكن البر من اتقى } اى حق التقوى كقوله تعالى اتقوا الله حق تقاته آل عمران 102. قيل فى معناه ان يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر { وائتوا البيوت من ابوابها } اى ادخلوا الامور من مداخلها ثم ذكر مدخل الوصول وقال { واتقوا الله } اى اتقوا بالله عما سواه يقال فلان اتقى بترسه يعنى اجعلوا الله محرزكم ومتقاكم ومفركم ومفزعكم ومرجعكم منه اليه كما كان حال النبى عليه السلام يقول " اعوذ بك منك ". { لعلكم تفلحون } لكى تنجوا وتتخلصوا من مهالك النفوس باعانة الملك القدوس كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:190

{ وقاتلوا } جاهدوا { فى } نصرة { سبيل الله } واعزازه والمراد بسبيل الله دينه لانه طريق الى الله ومرضاته { الذين يقاتلونكم } يعنى قريشا وكان ذلك قبل ان امروا بقتال المشركين كافة المقاتلين منهم والمحاجزين لان هذه الآية اول اية نزلت فى القتال بالمدينة فلما نزلت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه اى يقاتل من واجهه للقتال وناجزه ويكف عن قتال من لم يناجز وان كان بينه وبينهم محاجزة وممانعة ويؤيده ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان هذه الآية نزلت فى صلح الحديبية وذلك ان النبى عليه السلام خرج مع اصحابه للعمرة فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة وكانوا الفا واربعمائة فنزل فى الحديبية وهو موضع فى قرب مكة كثير المياه والاشجار وصدهم المشركون عن البيت الحرام فاقام شهرا وصالحه المشركون على ان يرجع ذلك العام ويأتى مكة فى العام المقبل ويعتمر فرضى بما قالوا وان يصدوهم عن البيت وكره الاصحاب قتالهم فى الشهر الحرام وفى الحرم فانزل الله تعالى { وقاتلوا } الآية { ولا تعتدوا } بابتداء القتال فى الحرم محرمين { إن الله لا يحب المعتدين } اى لا يريد بهم الخير.

البقرة 2:191

{ واقتلوهم حيث ثقفتموهم } اين وجدتموهم فى الحرم والحل وفى الاشهر الحرم وهم الذين هتكوا حرمة الشهر والحرم بالبداية فجازوهم بمثله واصل الثقف الحذق فى ادراك الشىء علما كان او عملا فهو يتضمن معنى الغلبة { وأخرجوهم من حيث أخرجوكم } اى من مكة لانهم اخرجوا المسلمين منها اولا واخرج عليه الصلاة والسلام منها ثانيا من لم يؤمن به منهم يوم الفتح { والفتنة } فى الاصل عرض الذهب على النار لاستخلاصه من الغش ثم صار اسما لكل ما كان سببا للامتحان تشبيها بهذا الاصل اى المحنة التى يفتتن بها الانسان ويمتحن كالاخراج من الوطن { أشد من القتل } اصعب منه لدوام تعبها وتألم النفس بها فتكون هذه الجملة متعلقة بقوله { واخرجوهم من حيث اخرجوكم } تذييلا له وحثا على الاخراج والمعنى ان اخراجكم اياهم ليس اهون عليهم من القتل بل هو اشد من قتلكم اياهم فيصلح جزاء لاصرارهم على الكفر ومناجزتهم لحربكم وقتالكم. قيل لبعض الحكماء ما اشد من الموت قال الذى يتمنى فيه الموت جعل الاخراج من الوطن من الفتن والمحن التى يتمنى عندها الموت ويحتمل ان تكون متعلقة بقوله { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } فيكون المقصود حث المؤمنين على قتلهم اياهم فى الحرم اى لا تبالوا بقتلهم اينما وجدتموهم فان فتنتهم اى تركهم فى الحرم وصدهم اياكم عن الحرم اشد من قتلكم اياهم فيه { ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } اى لا تفاتحوهم بالقتل هناك وهتك حرمة المسجد الحرام { حتى يقاتلوكم فيه } حتى يبدأوكم بالقتال فى الحرم وهذا بيان لشرط كيفية قتالهم فى هذه البقعة خاصة فيكون تخصيصا لقوله { واقتلوهم حيث ثقفتموهم } { فإن قاتلوكم } ثمة { فاقتلوهم } فيه ولا تبالوا بقتالهم ثمة لانهم الذين هتكوا حرمته فاستحقوا اشد العذاب { كذلك } اى مثل ذلك الجزاء على ان الكاف فى محل الرفع بالابتداء { جزاء الكافرين } يفعل بهم مثل ما فعلوا بغيرهم.

البقرة 2:192

{ فإن انتهوا } عن القتال وكذا عن الكفر فان الانتهاء عن مجرد القتال لا يوجب استحقاق المغفرة فضلا عن استحقاق الرحمة { فإن الله غفور رحيم } يغفر لهم ما قد سلف.

البقرة 2:193

{ وقاتلوهم } اى المشركين { حتى لا تكون } الى ان لا توجد ولا تبقى { فتنة } اى شرك يعنى قاتلوهم حتى يسلموا فلا يقبل من الوثنى الا الاسلام فان أبى قتل { ويكون الدين لله } خالصا له ليس للشيطان نصيب فيه { فإن انتهوا } بعد مقاتلتكم عن الشرك { فلا عدوان إلا على الظالمين } اى فلا تعتدوا على المنتهين اذ لا يحسن ان يظلم الا من ظلم فحذف نفس الجزاء واقيمت علته مقامه والعلة لما كانت مستلزمة للحكم كنى بها عنه كأنه قيل فان انتهوا فلا تعدوا عليهم لان العدوان مختص بالظالمين والمنتهون عن الشرك ليسوا بظالمين فلا عدوان عليهم وسمى ما يفعل بالكفار عدوانا وظلما وهو فى نفسه حق وعدل لكونه جزاء الظلم للمشاركة كقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة الشورى 40.

البقرة 2:194

{ الشهر الحرام } يقابل { بالشهر الحرام } فى هتك الحرمة حيث صدهم المشركون عام الحديبية فى ذى القعدة وكان بين القوم ترامى بسهام وحجارة واتفق خروجهم لعمرة القضاء فيه سنة سبع من الهجرة وكرهوا ان يقاتلوهم لحرمته فنزلت هذه الآية وقيل لهم هذا الشهر الحرام بذلك الشهر وهتكه بهتكه فلا تبالوا به { والحرمات قصاص } يعنى من هتك حرمة أى حرمة كانت من حرمة الشهر وحرمة الاحرام وحرمة الحرم اقتص منه فان مراعاة هذه الحرمات انما تجب فى حق من يراعيها واما من هتكها فانه يقتص منه ويعامل معه بمثل فعله والاوضح ان المراد بالحرمات كل حرمة وهى ما يجب المحافظة عليه نفسا كان او عرضا يجرى فيها القصاص فلما هتكوا حرمة شهركم بالصد وهو عين التعرض للقتال فافعلوا بهم مثله وادخلوا عليهم عنوة اى قهرا وغلبة فان منعوكم فى هذه السنة عن قضاء العمرة بالمقاتلة ونحوها فاقتلوهم كما قال تعالى { فمن اعتدى عليكم } اى تجاوز بقتالكم فى الشهر الحرام { فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } اى بعقوبة مماثلة لجناية اعتدائه وهذا اعتداء على سبيل القصاص وهو اعتداء مأذون فيه لا على سبيل الابتداء فانه ظلم حرام وهو المراد بقوله تعالى فلا تعتدوا { واتقوا الله } اذا انتصرتم ممن ظلمكم فلا تظلموهم باخذ اكثر من حقكم ولا تعتدوا الى ما لم يرخص لكم { واعلموا أن الله مع المتقين } والمعية وهى القرب المعنوى تدل على انه تعالى يحرسهم ويصلح شؤونهم بالنصر والتمكين روى انه عليه السلام واصحابه دخلوا ذلك العام مكة وطافوا بالبيت ونحروا الهدى وكان المشركون شرطوا له بعد قضاء العمرة الاقامة بمكة ثلاثا وكان النبى عليه السلام تزوج ميمونة بنت الحارث فاحب المقام بمكة ليولم عليها فطالبوه بالخروج منها والوفاء بما عاهد ففعل واولم على ميمونة وبنى بها بسرف. واعلم ان الله تعالى امرنا بالغزو فى سبيله ليظهر من يدعى بذل الوجود فى سبيل الله وامرنا بالزكاة ببذل المال ليتبين من يدعى محبة الله فالغزو معيار المحبة الآلهية لان كل انسان جبل على حب الحياة والمال فامتحن بالغزو والزكاة فى سبيل الله قطعا لدعوى المدعين لان الكل يدعى محبة الله وهذا هو السر فى الجهاد ولهذا قال سيدنا على رضى الله تعالى عنه خير الخصال فى الفتى الشجاعة والسخاوة وهما توأمان فكل شجيع سخى وعن عبد الله بن عمر عن ابيه رضى الله تعالى عنهما قال " سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما الاسلام قال " طيب الكلام واطعام الطعام وافشاء السلام " قيل فأى المسلمون افضل قال " من سلم الناس من لسانه ويده " قيل فأى الصلاة افضل قال " طول القيام " قيل فأى الصدقة افضل قال " جهد من مقل " قيل فأى الايمان افضل قال " الصبر والسماحة " قيل فأى الجهاد افضل قال " من عقر جواده واهريق دمه " قيل فأى الرقاب افضل قال " اغلاها ثمنا ". والجهاد جهادان ظاهر وباطن فالظاهر مع الكفار والباطن مع النفس والشيطان وهذا اصعب لان الكافر ربما يرجع اما بالمحاربة او بالصلح او ببذل النفس والمال بوجه من الوجوه والشيطان لا يرجع عنك دون ان يسلب الدين وفى المثنوى اى شهان كشتيم ماخصم برون ماند خصمى زوبتر دراندرون كشتن اين كار عقل وهوش نيست شير باطن سخره خركوش نيست سهل شيرى دان كه صفها بشكند شير آنست آنكه خودرا بشكند قال فى التأويلات القاشانية وقاتلوا فى سبيل الله الذين يقاتلونكم البقرة 190. من الشيطان وقوى النفس الامارة ولا تعتدوا البقرة 190. فى قتالها بأن تميتوها عن قيامها بحقوقها والوقوف على حدودها حتى تقع فى التفريط والقصور والفتور إن الله لا يحب المعتدين البقرة 190. لكونهم خارجين عن ظل المحبة والوحدة التى هى العدالة واقتلوهم حيث ثقفتموهم البقرة 191. اى ازيلوا حياتهم وامنعوهم عن افعالهم بهواها الذى هو روحها حيث كانوا وأخرجوهم من حيث البقرة 191. مكة الصدر عند استيلائهم عليها كما أخرجوكم البقرة 191. منها باستنزالكم الى بقعة النفس واخراجكم من مقر القلب والفتنة البقرة 191. التى هى عبادة هواها واصنام لذاتها وشهواتها أشد البقرة 191. من قمع هواها واماتتها بالكلية او محنتكم وبلاؤكم بها عند استيلائها اشد عليكم من القتل البقرة 191. الذى هو اماتتها ومحوها بالكلية او محنتكم لزيادة الضرر والالم هناك ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام البقرة 191. الذى هو مقام القلب اى عند حضور القلبى اذا وافقوكم فى توجهكم فانهم اعوانكم على السلوك حينئذ حتى يقاتلوكم البقرة 191. فيه وينازعوكم فى مطالبه ويجروكم عن حياة القلب ودين الحق الى مقام النفس ودينهم الذى هو عبادة العجل وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة البقرة 193. من تنازعهم وتجاذب دواعيهم وتعبدهم الهوى ويكون الدين كله لله الأنفال 39. بتوجه جميعها الى جناب القدس ومشايعها للسر فى التوجه الى الحق الذى ليس للشيطان والهوى فيه نصيب فإن انتهوا فلا عدوان البقرة 193. عليهم إلا على الظالمين البقرة 193. على العادين المجاوزين عن حدودهم انتهى ما فى التأويلات النجمية. وقال الشيخ نجم الدين قدس سره فى قوله تعالى { الشهر الحرام } الآية الاشارة ان ما يفوتكم من الاوقات والاوراد بتوانى النفس وغلبات صفاتها فتداركوه الشهر بالشهر واليوم باليوم والساعة بالساعة والوقت بالوقت والاوراد بالاوراد واقضوا الفائت والحقوق فكل صفة من صفات النفس اذا استولت عليكم فعالجوها بضدها البخل بالسخاوة والغضب بالحلم والحرص بالترك والشهوة بالرياضة وعلى هذا القياس واتقوا الله فى افراط الاعتداء احتراز عن هلاك النفس بكثرة المجاهدات واعلموا ان الله مع المتقين بالنصرة على جهاد النفس.

البقرة 2:195

{ وأنفقوا فى سبيل الله } الانفاق صرف المال الى وجوه المصالح والمراد بالسبيل الدين المؤدى الى ثواب الله ورحمته فكل ما امر الله به من الانفاق فى اعزاز الدين واقامته فهو داخل فى هذ الآية سواء كان فى اقامة الحج او العمرة او جهاد الكفار او صلة الارحام او تقوية الضعفاء من الفقراء والمساكين او رعاية حقوق الاهل والاولاد او غير ذلك مما يتقرب به الى الله تعالى امر تعالى بالجهاد بالمال بعد الامر به بالنفس اى واصرفوا اموالكم فى سبيل الله ولا تمسكوا كل الامساك { ولا تلقوا } الالقاء طرح الشىء حيث تراه ثم صار اسما لكل طرح عرفا وتعديته بالى لتضمنه معنى الانتهاء { بأيديكم } الباء زائدة فى المفعول به لان القى يتعدى بنفسه قال تعالى فألقى موسى عصاه الشعراء 44. ولا يقال القى بيده الا فى الشر والمراد بالايدى الانفس فان اليد لازم للنفس وتخصيص اليد من بين سائر الجوارح اللازمة لها لان اكثر الاعمال يظهر بالمباشرة باليد والمعنى لا تطرحوا انفسكم { الى التهلكة } اى الهلاك بالاسراف وتضييع وجه المعاش لتكون الآية نظير قوله تعالى والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما الفرقان 67. او بالكف عن الغزو والانفاق فى مهماته فان ذلك مما يقوى العدو ويسلطه عليكم ويؤيده ما روى عن ابى ايوب الانصارى رضى الله تعالى عنه انه قال ان الله تعالى لما اعز دينه ونصر رسوله قلنا فيما بيننا انا قد تركنا اهلنا واموالنا حتى فشا الاسلام ونصر الله نبيه فلو رجعنا الى اهلنا واموالنا فاقمنا فيها واصلحنا ما ضاع منا فانزل الله تعالى { وانفقوا فى سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة } اى الى ما يكون سببا لهلاككم من الاقامة فى الاهل والمال وترك الجهاد فما زال ابو ايوب يجاهد فى سبيل الله حتى كان آخر غزوة غزاها بقسطنطينية فى زمن معاوية فتوفى هناك ودفن فى اصل سور قسطنطينية وهم يستشفون به وفى الحديث " من مات ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من النفاق ". { واحسنوا } اى تفضلوا على الفقراء { ان الله يحب المحسنين } اى يريد بهم الخير روى ان الحجاج لما ولى العراق كان يطعم فى كل يوم على الف مائدة يجمع على كل مائدة عشر انفس وكان يرسل الرسل الى الناس لحضور الطعام فكثر عليه ذلك فقال ايها الناس رسولى اليكم الشمس اذا طلعت فاحضروا للغداء واذا غربت فاحضروا للعشاء فكانوا يفعلون ذلك واستقل الناس يوما فقال ما بال الناس قد قلوا فقال رجل ايها الامير انك اغنيت الناس فى بيوتهم عن الحضور الى مائدتك فاعجبه ذلك وقال اجلس بارك الله عليك هذا كرم الحجاج واحسانه الى الخلق مع كونه اظلم اهل زمانه قال السعدى قدس سره كرم كن كه فردا كه ديوان نهند منازل بمقدار احسان نهند وحكى الهدائى قال اقبل ركب من بنى اسد ومن قيس يريدون النعمان فلقوا حاتما وهو المشهور بالجود فقالوا تركنا قوما يثنون عليك خيرا وقد ارسلوا اليك رسالة فقال ما هى فانشد الاسديون شعرا للنابغة فيه فلما انشده قالوا انا نستحيى ان نسألك شيأ وان لنا لحاجة قال ما هى قالوا صاحب لنا قد أرجل يعنى فقدت راحلته فقال حاتم فرسى هذه فاحملوه عليها فاخذوها وربطت الجارية فلوها بثوبها فافلت يتبع امه وتبعته الجارية لترده فصاح حاتم ما يتبعكم فهو لكم فذهبوا بالفرس والفلو والجارية كذا فى شرح رسالة ابن زيدون الوزير. قيل لما عرج النبى عليه السلام اطلع على النار فرأى حظيرة فيها رجل لا تمسه النار فقال عليه السلام ما بال هذا الرجل فى هذه الحظيرة لا تمسه النار فقال جبريل عليه السلام هذا حاتم طى صرف الله عنه عذاب جهنم بسخائه وجوده كذا فى انيس الوحدة وجليس الخلوة وفى الاحاديث القدسية " يا عيسى أتريد ان تطير على السماء مع الملائكة المقربين كن فى الشفقة كالشمس وفى الستر كاليل وفى التواضع كالارض وفى الحلم كالميت وفى السخاوة كالنهر الجارى ". قال بعض اهل الحقيقة وهو حسن جدا { وأنفقوا فى سبيل الله } ارواحكم { ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة } بمنعكم انفسكم عن الشهادة { فى سبيل الله } التى هى الحياة الابدية فتهلكوا يعنى بفوت هذه الحياة واحسنوا تسليم انفسكم الى الله فقد اشتراها منكم { إن الله يحب المحسنين } وفى المثنوى مرك بى مركى بود مارا حلال برك بى بركى بود مارا نوال ظاهرش مرك وبباطن زندكى ظاهرش ابتر نهان بايندكى جون مراسوى اجل عشق وهواست نهى لا تلقوا بايديكم مراست زانكه نهى از دانة شيرين بود تلخ را خود نهى حاجت كى شود دانه كش تلخ باشد مغز وبوست تلخى ومكروهيش خودنهى اوست دانه مردن مرا شيرين شده است بل هم احياء بى من آمده است قال فى التأويلات النجمية { وأنفقوا فى سبيل الله } باموالكم وانفسكم ذلكم خير لكم { ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة } بالامتناع عن تسليم المبيع فتهلكوا بمنع الثمن وهو الجنة وبافراط الاعتداء وتفريطه فى جهاد النفس بالافراط بان يبرز واحد على رهط وبالتفريط بان يفر واحد من اثنين فى جهاد الكفار { وأحسنوا } مع نفوسكم بوقايتها من نار الشهوات ومع قلوبكم برعايتها عن ملاحظة المكونات ومع الخلق بدفع الاذيات واتصال الخيرات ومع الله بالعبودية فى المأمورات والمنهيات والصبر على المضرات والبليات والشكر على النعم والمسرات والتوكل عليه فى جميع الحالات وتفويض الامور اليه فى الجزئيات والكليات والتسليم للاحكام الازليات والرضى بالاقضية الاوليات والفناء عن الارادات المحدثات فى ارادته القديمة بالذات { إن الله يحب المحسنين } الذين هم فى العبادة بوصف المشاهدة انتهى ما فى التأويلات بانتخاب.

البقرة 2:196

{ وأتموا الحج والعمرة } الحج فرض على من استطاع اليه سبيلا بالاتفاق والعمرة سنة عند ابى حنيفة رحمه الله لا تلزم الا بالشروع كنفل الصلاة والمعنى ان من شرع فى أى واحد منهما فليتمه قالوا ومن الجائز ان لا يكون الدخول فى شىء واجبا ابتداء الا انه بعد الشروع فيه يكون اتمامه واجبا { لله } متعلق بأتموا واللام لام المفعول من أجله وفائدة التخصيص به هنا ان العرب كانت تقصد الحج للاجتماع والتظاهر وحضور الاسواق وكل ذلك ليس لله فيه طاعة ولا قربة فامر الله بالقصد اليه لاداء فرضه وقضاء حقه والمعنى اكملوا اركانهما وشرائطهما وسائر افعالهما المعروفة شرعا لوجه الله تعالى من غير اخلال منكم بشىء منها واخلصوها للعبادة ولا تشوبوهما بشىء من التجارة والاغراض الدنيوية واجعلوا النفقة من الحلال. واركان الحج خمسة الاحرام والوقوف بعرفة والطواف والسعى بين الصفا والمروة وحلق الرأس او التقصير فركن الحج ما لا يحصل التحلل الا بالاتيان به وواجباته هو الذى اذا ترك يجبر بالدم وسننه ما لا يجب بتركه شىء وكذا افعال العمرة تشتمل على هذه الامور الثلاثة فاركانها اربعة الاحرام والطواف بالبيت والسعى بين الصفا والمروة والحلق. وللحج تحللان واسباب التحلل ثلاثة رمى جمرة العقبة يوم النحر وطواف الزيارة والحلق واذا وجد شيآن من هذه الاشياء الثلاثة حصل التحلل وبالثالث حصل التحلل الثانى وبعد التحلل الاول يستبيح جميع المحظورات اى محظورات الاحرام الا النساء وبالثانى يستبيح الكل واتفقت الامة على انه يجوز اداء الحج والعمرة على ثلاثة اوجه الافراد والتمتع والقران فصورة الافراد ان يحرم بالحج مفردا ثم بعد الفراغ منه يعتمر من الحل اى الذى بين المواقيت وبين الحرم وصورة التمتع ان يبتدئ باحرام العمرة فى اشهر الحج ويأتى بمناسكها ثم يحرم بالحج من مكة فيحج فى هذا العام وصورة القران ان يحرم بالحج والعمرة معا بان ينويهما بقلبه ويأتى بمناسك الحج وحينئذ يكون قد اتى بالعمرة ايضا لان مناسك العمرة هى مناسك الحج من غير عكس او يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج قبل ان يفتتح الطواف فيصير قارنا ولو احرم بالحج ثم ادخل عليه العمرة ثم يدخل عليها الحج قبل ان يفتتح الطواف فيصير قارنا ولو احرم بالحج ثم ادخل عليه العمرة لم ينعقد احرامه بالعمرة والافضل عندنا من هذه الوجوه هو القران وفى الحديث " تابعوا بين الحج والعمرة فانهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد والذهب والفضة وليس للحج المبرور جزاء الا الجنة ". { فإن احصرتم } اى منعتم وصددتم عن الحج والوصول الى البيت بمرض او عدو او عجز اوذهاب نفقة او راحلة او سائر العوائق بعد الاحرام باحد النسكين وهذا التعميم عند ابى حنيفة رحمه الله لان الخطاب وان كان للنبى واصحابه وكانوا ممنوعين بالعدو لكن الاعتبار لعموم اللفظ لا لخصوص السبب { فما استيسر } اى فعليكم ما تيسر { من الهدى } من اما تبعيضية او بيانية اى حال كونه بعض الهدى او الكائن من الهدى جمع هدية كتمر وتمرة وهو ما يهدى الى البيت تقربا الى الله من النعم ايسره شاة واوسطه بقرة واعلاه بدنة ويسمى هديا لانه جار مجرى الهدية التى يبعثها العبد الى ربه بان بعثها الى بيته والمعنى ان المحرم اذا احصر واراد ان يتحلل تحلل بذبح هدى تيسر عليه من بدنة او بقرة او شاة حيث احصر فى أى موضع كان عند الشافعى واما عندنا فيبعث به الى الحرم ويجعل للمبعوث على يده يوم ذبحه امارة اى علامة فاذا جاء اليوم وظن انه ذبح تحلل لقوله تعالى { ولا تحلقوا رؤسكم } اى لا تحللوا بحلق رؤسكم { حتى يبلغ الهدى محله } حتى تعلموا ان الهدى المبعوث الى الحرم بلغ مكانه الذى وجب ان ينحر فيه. والمحل بالكسر من الحلول وهو النزول يطلق على الزمان والمكان فمحل الدين وقت وجوب قضائه ومحل الهدى المكان الذى يحل فيه ذبحه وهو الحرم عندنا لقوله تعالى ثم محلها إلى البيت العتيق الحج 33. والمراد الحرم كله لان كله يتبع البيت وهذا الحكم عام لجميع الحاج من المفرد والقارن والمتمتع والمعتمر يعنى لا يجوز له ان يحلق رأسه الا ان يذبح هديه وان لم يحصر يعنى فى منى والحلق افضل من التقصير ولو حلق ربع الرأس يكتفى به لكن حلق كله اولى اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم هذا فى الحج واما فى غيره فكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يحلق رأسه الا قليلا بل هو معدود ويتركه فى اكثر الازمان وكان على رضى الله عنه يحلق رأسه منذ ما سمع قوله عليه السلام " تحت كل شعرة جنابة ". { فمن } يجوز ان تكون شرطية وموصولة { كان منكم مريضا } مرضا محوجا الى الحلق حال الاحرام ومريضا خبر كان ومنكم حال منه لانه فى الاصل صفة له فلما تقدم عليه انتصب حالا { أو به أذى } اى الم كائن { من رأسه } كجراحة او قمل او صداع او شقيقة والمعنى يثبت على احرامه من غير حلق حتى يذبح هديه الا ان يضطر الى الحلق فان حلق ضرورة { ففدية } اى فعليه فدية { من صيام } اى صيام ثلاثة ايام { أو صدقة } على ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع من بر { أو نسك } بضمتين جمع نسيكة وهى الذبيحة اعلاها بدنة واوسطها بقرة وادناها شاه واو للتخيير { فإذا أمنتم } من خوفكم وبرئتم من مرضكم وكنتم فى حال امن وسعة لا فى حال احصار { فمن تمتع بالعمرة الى الحج } اى فمن انتفع بالتقرب الى الله تعالى بالعمرة قبل الانتفاع بتقربه بالحج فى اشهره او من استمتع بعد التحلل من عمرته باستباحة محظورات الاحرام الى ان يحرم بالحج { فما استيسر من الهدى } اى فعليه دم تيسر عليه بسبب التمتع وهو هدى المتعة وهو نسك عند ابى حنيفة رحمه الله لا يذبحه الا يوم النحر ويأكل منه كالاضحية { فمن لم يجد } اى الهدى { فصيام ثلثة أيام } صيام مصدر اضيف الى ظرفه معنى وهو فى اللفظ مفعول به على الاتساع اى فعليه صيام ثلاثة ايام { فى الحج } اى فى وقته واشهره بين الاحرامين احرام العمرة واحرام الحج ان شاء متفرقة وان شاء متتابعة والاحب ان يصوم سابع ذى الحجة وثامنه وتاسعه فلا يصح يوم النحر وايام التشريق { وسبعة إذا رجعتم } اى نفرتم وفرغتم من اعمال الحج اطلق عليه الرجوع على طريق اطلاق اسم المسبب وارادة السبب الخاص وهو النفر والفراغ فانه سبب للرجوع { تلك } اى صيام ثلاثة وسبعة { عشرة } فذلكة الحساب وفائدتها ان لا يتوهم ان الواو بمعنى او كما فى قوله تعالى مثنى وثلاث ورباع النساء 3. وان يعلم العدد جملة كما علم تفصيلا وعلمان خير من علم فان اكثر العرب لا يحسنون الحساب فكان الرجل اذا خاطب صاحبه باعداد متفرقة جمعها له ليسرع فهمه اليها وان المراد بالسبعة هو العدد دون الكثرة فانه يطلق لهما { كاملة } صفة مؤكدة لعشرة فان الوصف قد يكون للتأكيد اذا افاد الموصوف معنى ذلك الوصف نحو آلهين اثنين والتأكيد انما يصار اليه اذا كان الحكم المؤكد مما يهتم بشأنه والمحافظة عليه والمؤكد ههنا هو رعاية هذا العدد فى هذا الصوم آكده لبيان ان رعايته من المهمات التى لا يجوز اهمالها البتة { ذلك } اشارة الى نفس التمتع عندنا والى حكم التمتع عند الشافعى وهو لزوم الهدى لمن يجده من المتمتع ولزوم بدله لمن لا يجده { لمن لم يكن اهله حاضرى المسجد الحرام } اى لازم للذى لا يسكن مكة واهل الرجل اخص الناس اليه وانما ذكر الاهل لان الغالب ان الانسان يسكن حيث يسكن اهله فعبر بسكون الاهل عن سكون نفسه وحاضروا المسجد الحرام عندنا هم اهل مكة ومن كان منزله داخل المواقيت فلا متعة ولا قران لهم فمن تمتع او قرن منهم فعليه دم جناية لا يأكل منه وحاضروا المسجد الحرام ينبغى لهم ان يعتمروا فى غير اشهر الحج ويفرد واشهر الحج للحج والقارن والمتمتع الآفاقيان دمهما دم نسك يأكلان منه وعند الشافعى حاضروا المسجد الحرام اهل الحرم ومن هو على مسافة لا تقصر فيها الصلاة { واتقوا الله } فى المحافظة على اوامره ونواهيه وخصوصا فى الحج { واعلموا ان الله شديد العقاب } لمن لم يتقه كى يصدكم العلم به عن العصيان قال السعدى قدس سره مرو زير باركنه اى يسر كه حمال عاجز بود در سفر توبيش ازعقوبت در عقوكوب كه سودى ندارد فغان زيرجوب اعلم ان اتمام الحج كما يكون عن طريق الظاهر كذلك يكون عن طريق الباطن وعن بعض الصالحين انه حج فلما قضى نسكه قال لصاحبه هلم نتم حجنا ألم تسمع قول ذى الرمة تمام الحج ان تقف المطايا على خرقاء واضعة اللثام وخرقاء اسم حبيبة الشاعر واضعة اللثام اى مكشوفة الوجه مسفرة جعل الوقوف عليها كبعض مناسك الحج الذى لا يتم الا به وحقيقة ما قال هو انه كما قطع البوادى حتى وصل الى بيته وحرمه ينبغى ان يقطع اهواء النفس ويخرق حجب القلب حتى يصل الى مقام المشاهدة ويبصر آثار كرمه بعد الرجوع عن حرمه. قال فى التأويلات النجمية حج العوام قصد البيت وزيارته وحج الخواص قصد رب البيت وشهوده كما قال الخليل عليه السلام انى ذاهب الى ربى سيهدين وكما ان من قصد الله وطلبه وتوجه اليه بالكلية وفدى بنفسه وماله وولده فى الله واتخذ ما سواه عدوا كما قال فإنهم عدو لى إلا رب العالمين الشعراء 77. كان الخليل عليه الصلاة والسلام وهذا كله من مناسك الحج الحقيقى فلذلك جعله الله اول من بنى بيت الله وطاف وحج واذن فى الناس بالحج وسن المناسك وكان الحج صورة ومعنى مقامه عليه السلام وكما كان له مقام كان لنبينا عليه السلام حال والحال اتم من المقام لان المقامات من المنازل والاحوال من المواهب فيمكن سلوك المقامات بغير المواهب ولا يمكن المواهب بغير سلوك المقامات فلما كان الخليل من اهل المقامات قال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين الصافات 99. ولما كان النبى عليه الصلاة والسلام من اهل المواهب قيل سبحان الذى أسرى بعبده الإسراء 1 فلما كان ذهابه بنفسه فى الحج الحقيقى لقى فى السماء السابعة واحصر فيها فقيل له { فان احصرتم فما استيسر من الهدى } فاهدى باسمعيل ولما اسرى بالنبى عليه السلام وكان ذهابه بالله ما احصره شىء فقيل له { وأتموا الحج والعمرة لله } فأتم حجه بان دنا فتدلى فكان قاب قوسين او ادنى ثم اتى عمرته بان تجلى له اقمار المقصود عن كشوف التعزز بالشهود وانجلت عنانة المحبة عن شموس الوصلة وجرى بين المحبين ما جرى فأوحى الى عبده ما اوحى ثم نودى من سرادقات الجلال فى اتمام الحج والاكمال يوم الحج الاكبر عند وقوفه بعرفات فى حجة الوداع وهو آخر الحجات اليوم اكملت لكم دينكم واتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الاسلام دينا انتهى ما فى التأويلات. ثم اعلم ان كل قلب لا يصلح لمعرفة الرب ولا كل نفس تصلح لخدمة الرب ولا كل نفيس مال يصلح لخزانة الرب فتعجل ايها العبد فى تدارك حالك وكن سخيا بمالك فان لم يكن فبنفسك وان كان لك قدرة على بذلهما فبهما ألا يرى ان ابراهيم عليه السلام كيف اعطى ماله للضيفان وبدنه للنيران وولده للقربان وقلبه للرحمان حتى تعجب الملائكة من سخاوته فاكرمه الله بالخلة قال الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا النساء 125. قال مالك ابن دينار خرجت الى مكة فرأيت فى الطريق شابا اذا جن عليه الليل رفع وجهه نحو السماء وقال يا من تسره الطاعات ولا تضره المعاصى هب لى ما يسرك واغفر لى ما لا يضرك فلما احرم الناس ولبوا قلت له لم لا تلبى فقال يا شيخ وما تغنى التلبية عن الذنوب المتقدمة والجرائم المكتوبة والمعاصى السالفة اخشى ان اقول لبيك فيقا لى لا لبيك ولا سعديك لا اسمع كلامك ولا انظر اليك ثم مضى فما رأيته الا بمنى وهو يقول اللهم اغفر لى اللهم ان الناس قد ذبحوا وتقربوا اليك وليس لى شىء اتقرب به اليك سوى نفسى فتقبلها منى ثم شهق شهقة وخر ميتا اللهم عاملنا بكمال كرمك واوصلنا على حضرتك العليا وحرمك.

البقرة 2:197

{ الحج } بحذف المضاف اى وقته لان الحج فعل والفعل لا يكون اشهرا { اشهر } هى شوال وذوالقعدة وعشر ذى الحجة عندنا وانما سمى شهران وبعض شهر أشهرا مع ان جمع القلة لا يطلق على ما هو اقل من الثلاثة اقامة للبعض مقام الكل او اطلاقا للجمع على ما فوق الواحد { معلومات } معروفات بين الناس لانهم توارثوا علمها والشرع جاء مقررا لما عرفوه ولم يغير وقته عما كان قبله وفائدة توقيت الحج بهذه الاشهر ليعلم ان من شأ من افعال الحج لا يصح لا فيها والاحرام وان كان ينعقد فى غيرها ايضا عند ابى حنفية الا انه مكروه يعنى ان الاحرام عنده من شرائط الحج فيجوز تقديمه على وقت ادائه كما يجوز تقديم الطهارة على اداء الصلاة. وقولهم وقت الحج اشهر ليس المراد به انها وقت احرامه بل المراد انها وقت ادائه بماشرة اعماله ومناسكه والاشهر كلها وقت لصحة احرامه لقوله تعالى يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج البقرة 189. فجعل الاهلة كلها مواقيت للحج ومعلوم ان الاهلة كلها ليست مواقيت لصحة اداء احج فتعين ان المراد انها مواقيت لصحة الاحرام حتى من احرم يوم النحر لان يحج فى السنة القابلة يصح احرامه من غير كراهة عند ابى حنيفة كذا فى حواشى ابن الشيخ { فمن فرض فيهن الحج } اى اوجبه على نفسه بالتلبية او تقليد الهدى وذلك لان الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع بمجرد النية كالصلاة فلا بد من فعل يشرع به فيه وهو ما ذكرنا من التلبية او تقليد الهدى وهو جعل القلادة فى عنقه وسوقه { فلا رفث } اى فلا جماع وما دونه مما يفضى الى ذلك كالقبلة والغمز وهو محظور الاحرام فقبل الوقوف بعرفة مفسد وبعده موجب للبدنة وحرمت دواعيه لئلا يقع فيه والرفث وما يليه من الفسوق والجدال وان كانت على صورة النفى بمعنى ان شيأ منها لا يقع فى خلال الحج الا ان المراد بها النهى لان ابقاءها خبرا على ظاهرها يستلزم الخلف فى خبر الله للعلم بان هذه الاشياء كثيرا ما تقع فى خلال الحج وانما اخرجت على صورة الاخبار للمبالغة فى وجوب الانتهاء عنها كأن المكلف اذعن كونها منهيا عنها فاجتنب عنها فالله تعالى يخبر بانها لا توجد فى خلال الحج ولا يأتى بها احد منكم { ولا فسوق } ولا خروج من حدود الشرع بارتكاب المحظورات والفسق هو المعاصى بانواعها فيدخل فيه السباب والتنابز بالالقاب وغير ذلك { ولا جدال } اى لا مراء مع الخدم والرفقة والمكارين لانه يفضى الى التضاغن وزوال التأليف فاما الجدال على وجه النظر فى امر من امور الدين فلا بأس به { فى الحج } اى فى ايامه وانما امر باجتناب ذلك وهو واجب الاجتناب فى كل حال لانه مع الحج اقبح واشنع كلبس الحرير فى الصلاة والتطريب فى قراءة القرآن والمنهى عنه التطريب الذى تخرج الحروف به عن هيآتها كما يفعله بعض القرآء من الالحان العجيبة والانغام الموسيقية واما تحسين القراءة ومدها فهو مندوب اليه قال عليه السلام " حسنوا القرآن باصواتكم ". فان الصوت الحسن يزيد القرآن حسنا والتطريب المقبول سبب للرقة واقبال النفس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله وجماعة من السلف { وما } شرطية { تفعلوا من خير يعلمه الله } علم الله تعالى بما يفعله العبد من الخير كناية عن اثابته عليه. نهى عن ثلاثة اشياء من المعاصى ورغب فى كل الطاعات فهو حث على فعل الخير عقيب النهى عن الشر فيدخل فيه استعمال الكلام الحسن مكان القبيح والبر والتقوى مكان الفسوق والوفاق والاخلاق الجميلة مكان الجدال { وتزودوا } اى اجعلوا زادكم لمعادكم وآخرتكم اتقاء القبائح { فإن خير الزاد التقوى } لا ما يتخذ من الطعام وتحقيق الكلام ان الانسان له سفران سفر فى الدنيا وسفر من الدنيا فالسفر فى الدنيا لا بد له من زاد وهو الطعام والشراب والمركب والمال والسفر من الدنيا لا بد له ايضا من زاد وهو معرفة الله ومحبته والاعراض عما سواه بالاشتغال فى طاعته والاجتناب عن مخالفته ومناهيه وهذا الزاد خير من زاد المسافر فى الدنيا لان زاد الدنيا يخلصك من عذاب منقطع وزاد الآخرة يخلصك من عذاب دائم وزاد الدنيا فان وزاد الآخرة يوصلك الى لذات باقية خالصة. وقيل كان اهل اليمن لا يتزودون ويخرجون بغير زاد ويقولون نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا فيكون كلا على الناس واذا قدموا مكة سألوا الناس وربما يفضى بهم الحال الى النهب والغصب فقال الله تعالى { وتزودوا } اى ما تتبلغون به وتكفون به وجوهكم من الكعك والزيت والسويق والتمر ونحوها واتقوا الاستطعام وابرام الناس والتثقيل عليهم { فان خير الزاد التقوى } من السؤال والنهب { واتقون يا اولى الالباب } فان قضية اللب خشية الله وتقواه حثهم على التقوى ثم امرهم بان يكون المقصود بها هو الله فيتبرأوا عن كل شىء سواه وهو مقتضى العقل المعرى عن شوائب الهوى فلذلك خص اولى الالباب بالخطاب فان من لم يتقه فكأنه لا لب له. فعلى العاقل تخليص العقل من الشوائب وتهذيب النفس وتكميلها بالوصول الى اعلى المراتب قال الشاعر ولم ار فى عيوب الناس شيأ كنقص القادرين على التمام قال الامام اعلم ان الانسان فيه قوى ثلاث. قوة شهوانية بهيمية وقوة غضبية. سبعية شيطانية. وقوة وهمية عقلية ملكية والمقصود من جميع العبارات قهر القوات الثلاث اعنى الشهوانية والغضبية والوهمية فقوله { فلا رفث } اشارة الى قهر القوة الشهوانية وقوله { ولا فسوق } اشارة الى قهر القوة الغضبية التى توجب المعصية والتمدد وقوله { ولا جدال } اشارة الى قهر القوة الوهمية التى تحمل الانسان على الجدال فى ذات الله وصفاته وافعاله واحكامه واسمائه وهى الباعثة للانسان على منازعة الناس ومماراتهم والمخاصمة معهم فى كل شىء فلما كان الشر محصورا فى هذه الامور الثلاثة لا جرم قال { فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج } اى فيمن قصد معرفة الله ومحبته والاطلاع على نور جلاله والانخراط فى سلك الخواص من عباده انتهى ما قال الامام. قالوا من سهل عليه المشى فى طريق الحج فهو الافضل فان كان يضعف ويؤدى ذلك الى سوء الخلق وقصور عن عمل فالركوب افضل كما ان الصوم افضل للمسافر والمريض ما لم يفض الى ضعف وسوء. خلق قال ابو جعفر محمد الباقر ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت اذا لم يأت بثلاث. ورع يحجزه عن محارم الله. وحلم يكف به غضبه. وحسن الصحابة لمن يصحبه من المسلمين فهذه الثلاث يحتاج اليها المسافر خصوصا الى الحج فمن كملها فقد كمل حجه والا فلا ونعم ما قال السعدى قدس سره ازمن بكوى حاجىء مردم كزايرا كوبوستين خلق بآزار ميدرد حاجى تونيستى شترست ازبراى آنك بيجار خار ميخورد وبار ميبرد فينبغى ان يجتهد الحاج قبل مفارقة رفيقه والجمال فى ان يتحالوا من الظالم ان كانت جرت بينهم مثل غيبة ونميمة او اخذ عرض او تعرض لمال فما سلم من ذلك الا القليل واذا ذكر رفيقه فليثن عليه خيرا وليغض عما سوى ذلك فقد كان السلف بعد قفولهم اى رجوعهم من السفر لا يذكر احدهم صاحبه الا بخير وليحذر من نظفت صحيفة علمه من الذنوب بالغفران ان يرجع الى وسخ المعاصى. ثم الاشارة ان قصد القاصدين الى الله تعالى انما يكون فى اشهر معلومات من حياتهم الفانية فى الدنيا فاما بعد انقضاء الآجال فلا يفيد لاحد السعى كما لا ينفع للحاج القصد بعد مضى اشهر الحج قال تعالى يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها الأنعام 158 الآية. وكما ان للحاج مواقيت معينة يحرمون منها فكذلك للقاصدين الى الله ميقات وهى ايام الشباب من بلاغية الصورة الى بلوغ الاربعين وهو حد بلاغية المعنى قال تعالى حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة الأحقاف 15. ولهذا قال المشايخ الصوفى بعد الاربعين نادر يعنى ان كان ظهور ارادته وطلبه يكون بعد الاربعين فوصوله الى المقصد الحقيقى يكون نادرا مع اركانه ولكن من يكون طلبه وصدقه فى الارادة قبل الاربعين وما امكنته الوصلة يقرب فى الاحتمال ان يكون بعد الاربعين حصول مقصوده بان يبذل غاية مجهوده بشرائطه وحقوقه وحدوده ومن فاته اوان الطلب فى عنفوان شبابه مستبعدة له الوصلة فى حال مشيبه فجرى منه عليه الحيف بان ضيع اللبن فى الصيف ولكن يصلح للعبادة التى آخرها الجنة ووقف بعض المشايخ على باب الجامع والخلق يخرجون منه فى ازدحام وغلبة وكان ينظر اليهم ويقول هؤلاء حشو الجنة وللمجالسة اقوام آخرون كذا فى التأويلات النجمية. وقال القاشانى وقت الحج ازمنة وهو من وقت بلوغ الحلم الى الاربعين ثلاثة اعصر كل عصر بمثابة شهر. عصر من سن النمو. وعصر من سن الوقوف. وبعض من سن الكهولة كما قال تعالى فى وصف البقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك البقرة 68. انتهى قال الحافظ عشق وشباب ورندى مجموعه مرادست جون جمع شدمعانى كوى بيان توان زد

البقرة 2:198

{ ليس عليكم جناح } اى اثم من الجنوح وهو الميل عن القصد { أن تبتغوا } اى فى ان تقصدوا وتطلبوا { فضلا من ربكم } اى عطاء ورزقا يريد الربح بالتجارة فى ايام الحج فان الآية نزلت ردا على من يقول لا حج للتاجر والجمال لكن الحق ان التجارة وان كانت مباحة فى الحج الا ان الاولى تركها فيه لقوله تعالى وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين البينة 5. والاخلاص ان لا يكون له حامل على الفعل سوى كونه طاعة وعبادة { فاذا افضتم من عرفات } الهمزة فى افضتم للتعدية والمفعول محذوف اى دفعتم انفسكم منها بكثرة بعد غروب الشمس ورجعتم بعد الوقوف بها. وفى التيسير وحقيقة الافاضة هنا هو اجتماع الكثير فى الذهاب والمسير. وعرفات علم للموقف وليس بجمع حقيقة بل هو من قبيل ما زيدت حروفه لزيادة معناه فانه للمبالغة فى الانباء عن المعرفة روى انه نعته جبريل لابراهيم عليهما السلام فلما ابصره عرفه فسمى ذلك الموضع عرفات او لان جبريل عليه الصلاة والسلام كان يدور به فى المشاعر اى مواضع المناسك ويقول عرفت فيقول عرفت فلما رآه قال عرفت او لان آدم عليه الصلاة والسلام لما اهبط الى الارض وقع بالهند وحوآء بجدة فجعل كل واحد منهما يطلب صاحبه فاجتمعا بعرفات يوم عرفة وتعارفا او لغير ذلك كما ذكر فى التفاسير. وفيه دليل على وجوب الوقوف بعرفات لان الاضافة مأمور بها وهى موقوفة على الحضور فيها والوقوف بها وما لم يتم الواجب الا به فهو واجب فيكون الوقوف واجبا { فاذكروا لله } بالتلبية والتهليل والتسبيح والتحميد والثناء والدعوات { عند المشعر الحرام } قزح وهو الجبل الذى يقف عليه الامام وعلى الميقدة وفى المغرب الميقدة هو موضع بالمشعر الحرام على قزح كان اهل الجاهلية يوقدون عليها النار وتقييد محل الذكر والوقوف بقوله { عند المشعر الحرام } للتنبيه على ان الوقوف فيما يقرب من جبل قزح افضل من الوقوف فى سائر مواضع ارض مزدلفة وذلك لا ينافى صحة الوقوف فى جميع مواضعها كما ان عرفات كلها موضع الوقوف لكن الوقوف بقرب جبل الرحمة افضل واولى والمشعر العلم اى للعبادة. والشعائر العلامات من الشعار وهو العلامة ووصفه بالحرام لحرمته فلا يفعل فيه ما نهى عنه { واذكروه كما هداكم } اى كما علمكم كيف تذكرونه مثل كون الذكر ذكرا كثيرا وعلى وجه التضرع والخيفة والطمع ناشئا عن الرغبة والرهبة ومشاهدة جلال المذكور وجماله كما قال عليه السلام " الاحسان ان تعبد الله كأنك تراه ". فالمقصود من الكاف مجرد التقييد لا التشبيه اى اذكروه على الوجه الذى هداكم اليه لا تعدلوا عما هديتم اليه كما تقول افعل كما علمتك وليس هذا تكرارا لقوله { فاذكروا الله عند المشعر الحرام } لان الاول لبيان محل الذكر والوقوف وتعليم النسك المناسك لذلك المحل واوجب بالثانى ان يكون ذكرنا اياه كهدايته ايانا اى موازيا لها فى الكم والكيف { وان } هى المخففة واللام هى الفارقة { كنتم من قبله } اى من قبل ما ذكر من هدايته اياكم { لمن الضالين } غير العالمين بالايمان والطاعة قال القاشانى ان الله تعالى هدى اولا الى الذكر باللسان فى مقام النفس. ثم الى الذكر بالقلب وهو ذكر الافعال اى تصور آلاء الله ونعمائه ثم الى ذكر السر وهو معاينة الافعال ومكاشفة علوم تجليات الصفات. ثم الى ذكر الروح وهو مشاهدة انوار تجليات الصفات مع ملاحظة نور الذات. ثم الى ذكر الخفى وهو مشاهدة جمال الذات مع بقاء الاثنينية. ثم الى ذكر الذات وهو الشهود الذاتى بارتفاع البعد وان كنتم من قبل الهدى الى هذه المقامات لمن الضالين عن طريق هذه الاذكار انتهى. ولما امر بذكر الله تعالى اذا فعلت الافاضة امر بان تكون الافاضة من حيث افاض الناس مرتبا الامر الثانى على الاول بكلمة ثم فقال.

البقرة 2:199

{ ثم أفيضوا } اى ارجعوا { من حيث أفاض الناس } اى من عرفة لا من المزدلفة كانت قريش وحلفاؤها هم الحمس يقفون بالمزدلفة ويقولون نحن اهل الله وسكان حرمه فلا نخرج من الحرم ويستعظمون ان يقفوا مع الناس بعرفات لكونها من الحل وسائر العرب كانوا يقفون بعرفات اتباعا لملة ابراهيم عليه السلام فاذا افاض الناس من عرفات افاض الحمس من المزدلفة فانزل الله هذه الآية فأمرهم ان يقفوا بعرفات وان يفيضوا منها كما يفعله سائر الناس والمراد بالناس العرب كلهم غير الحمس. والحمس فى الاصل جمع احمس وهو الرجل الشجاع والاحمس ايضا الشديد الصلب فى الدين والقتال وسميت قريش وكنانة وجديلة وقيس حمسا لتشددهم فى دينهم وكانوا لا يستظلون ايام منى ولا يدخلون البيوت من ابوابها وكذلك كان من حالفهم او تزوج منهم { واستغفروا الله } من جاهليتكم فى تغيير المناسك ومخالفتكم فى الموقف { ان الله غفور رحيم } يغفر ذنب المستغفر وينعم عليه فامر النبى عليه السلام ابا بكر رضى الله تعالى عنه ان يخرج بالناس جميعا الى عرفات فيقف بها روى ان الله تعالى يباهى ملائكته باهل عرفات ويقول " انظروا الى عبادى جاؤا من كل فج عميق شعثا غبرا اشهدوا انى غفرت لهم " ويروى ان الشيطان ما رؤى فى يوم هو أصغر واحقر واذل منه يوم عرفة وما ذلك الا لما يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام اذ يقال ان من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الا الوقوف بعرفة وفى الحديث " اعظم الناس ذنبا من وقف بعرفة فظن الله تعالى لا يغفر له ". والحجة الواحدة افضل من عشرين غزوة فى سبيل الله. وقيل ان البعير اذا حج عليه مرة بورك فى اربعين من امهاته واذا حج عليه سبع مرات كان حقا على الله ان يرعاه فى رياض الجنة ومصداق ذلك ما قال النهرانى رحمه الله بلغنى ان وقاد تنور حمام اتى بسلسلة عظام حمل ليوقدها قال فألقيتها فى المستوقد فخرجت منه فألقيتها فعادت فخرجت فعدت فألقيتها الثالثة فعادت فخرجت بشدة حتى وقعت فى صدرى واذا بصوت هاتف يقول ويحك هذه عظام جمل قد سعى الى مكة عشر مرات كيف تحرقها بالنار واذا كانت هذه الرأفة والرحمة بمطية الحاج فكيف به ثم ان الفضل على ثلاثة اقسام بالنسبة الى احوال العبد فان التنوع راجع الى تغيير احوال العباد لا الى تغيير صفة من صفات الحق تعالى. فالاول منها ما يتعلق بالمعاش الانسانى من المال والجاه ونوع يتعلق بالغذاء واللباس الضرورى وهذا الفضل مفسر بالرزق قال الله تعالى وابتغوا من فضل الله الجمعة 10. والثانى منها ما يتعلق بالمصالح الاخروية للعبد وهو نوعان ما يتعلق باعمال البدن على وفق الشرع ومتابعة الشارع ومجانبة طريق الشيطان المنازع قال تعالى يبتغون فضلا من الله ورضوانا الفتح 29. وما يتعلق باعمال القلب وتزكية النفس قال تعالى ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا النور 21. والقسم الثالث منها ما يتعلق بالله تعالى وهو نوعان ما يتعلق بمواهب القربة قال تعالى وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا الأحزاب 47. اى قربا كبيرا فانه اكبر من الدنيا والآخرة وما يتعلق بمواهب الوصلة قال تعالى ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم الجمعة 4 يعنى فضل مواهب الوصلة اعظم من الكل ولكل قسم من هذه الاقسام الثلاثة مقام فى الابتغاء. اما الذى يتعلق بالمصالح الاخروية وهو فضل الرحمة فمقام ابتغائه بترك الموجود وبذل المجهود وهو فى السير الى عرفات. واما الذى يتعلق بالله وهو فضل المواهب فمقام ابتغائه عند الوقوف بعرفات وعرفات اشارة الى المعرفة وهى معظم اركان الوصلة. واما الذى يتعلق بالمصالح الدنيوية وهو فضل الرزق فمقام ابتغائه بعد استكمال الوقوف بعرفات المعرفة عند الاضافة. ففى الآية تقديم وتأخير اى اذا افضتم من عرفات فليس عليكم الخ وذلك لان حال اهل السلوك فى البداية ترك الدنيا والتجريد عنها. وفى الوسط التوكل والتفريد. وفى النهاية المعرفة والتوحيد فلا يسلم الشروع فى المصالح الدنيوية الا لاهل النهاية لقوتهم فى المعرفة وعلو همتهم بان يطهر الله قلوبهم من رجز حب الدنيا الدنية ويملأها نورا بالالطاف الخفية فلا اعتبار للدنيا وشهواتها ونعيم الآخرة ودرجاتها عند الهمم العالية فلا يتصرفون فى شىء منها وتصرفهم بالله وفى الله ولله لا لحظوظ النفس بل لمصالح الدين واصابة الخير الى الغير كذا فى التأويلات النجمية قال فى المثنوى كارباركانرا قياس ازخودمكير كرجه ماند در نوشتن شير شير اللهم اجعل ههممنا مقصورة على جنابك آمين.

البقرة 2:200

{ فإذا قضيتم مناسككم } اى اتممتم عباداتكم الجاهلية التى امرتم بها فى الحج وفرغتم منها { فاذكروا الله كذكركم آباءكم } يعنى فاتركوا عادة الجاهلية واتبعوا سنن الاسلام واشتغلوا بذكر رب الانام وكانت العرب اذا قضوا مناسكهم وقفوا بمنى بين المسجد والجبل ويذكرون مفاخر آبائهم ومحاسن ايامهم يريد كل واحد منهم بذلك حصول الشهرة والترفع له بمآثر سلفه فناهم الله عن ذلك وامرهم بان يجعلوا بدل ذكرهم آباءهم ذكر الله تعالى وتمجيده والثناء عليه اذ الخير كله من عنده وآباؤهم عبيده ونالوا ما نالوا بافضاله قال السعدى قدس سره كراز حق نه توفيق خيرى رسد كى ازبنده خيرى بغيرى رسد { أو أشد ذكرا } مجرور معطوف على الذكر بجعله ذاكرا على المجاز اى اذكروه ذكرا كان مثل ذكرككم المتعلق بآبائكم او كذكر هو اشد منه وابلغ ذكرا او تحقيقه ان فعل انما يضاف الى ما بعده اذا كان من جنس ما قبله كقولك وجهك احسن وجه اى احسن الوجوه فاذا نصب ما بعده كان غير الذى قبله كقولك زيد افره عبدا فالفراهة للعبد لا لزيد والمذكور قبل اشد هنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال اشد ذكرا انما قياسه ان يقال للذكر اشد ذكر جرا اضافة فوجه النصب انه يجعل الذكر ذاكرا مجازا ويجوز نسبة الذكر الى الذكر بان يسمع انسان الذكر فيذكر فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه { فمن الناس } اى من الذين يشهدون الحج { من يقول } فى ذكره مقتصرا على طلب الدنيا { ربنا آتنا فى الدنيا } اى ايتاءنا ومنحتنا فى الدنيا خاصة من الجاه والغنى والنصرة على الاعداء وما هو من الحظوظ العاجلة وهم المشركون لانهم لا يسألون فى حجهم الا الدنيا { وما له فى الآخرة من خلاق } اى نصيب وحظ لان همه مقصور على الدنيا حيث سأل فى اعز المواقف احقر المطالب واعرض عن سؤال النعيم الدائم والملك العظيم.

البقرة 2:201

{ ومنهم } اى من الذين يشهدون الحج { من يقول } فى ذكره طالبا خير الدارين { ربنا آتنا فى الدنيا حسنة } هي الصحة والكفاف والتوفيق للخير. وفى التيسير الحسنة جامعة لكل الخيرات فى الدارين { وفى الآخرة حسنة } هى الثواب والرحمة. قال الشيخ ابو القاسم الحكيم حسنة الدنيا عيش على سعادة وموت على شهادة وحسنة الآخرة بعث من القبر على بشارة وجواز على الصراط على سلامة { وقنا } اى احفظنا { عذاب النار } بالعفو والمغفرة. وعن على كرم الله وجهه ان الحسنة فى الدنيا المرأة الصالحة وفى الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء قال السعدى جو مستور باشد زن خوب روى بديدار اودر بهشتست سوى وتلخيصه اكثروا ذكر الله وسلوه سعادتكم فى داريه وترك ذكر من قصر دعاءه على طلب الآخرة فقط لان طالب الآخرة فقط بحيث لا يحتاج الى طلب حسنة من الدنيا لا يوجد فى الدنيا.

البقرة 2:202

{ أولئك } اشارة الى الفريق الثانى وهم الداعون الحسنتين لانه تعالى ذكر حكم الفريق الاول بقوله وماله { فى الآخرة من خلاق } { لهم نصيب مما كسبوا } من للتبعيض اى لهم نصيب عظيم كائن من جنس ما كسبوا من الاعمال الحسنة وهو الثواب الذى هو المنافع الحسنة او من اجل ما كسبوا لانهم استحقوا ذلك الثواب الحسن بسبب اعمالهم الحسنة ومن اجلها فتكون من ابتدائية لان العلة مبدأ الحكم ثم اومأ الى قدرته محذرا من الموت وحاثا على اعمال الخير بقوله { والله سريع الحساب } والحساب يراد به نفس الجزاء على الاعمال فان الحساب سبب للاخذ والعطاء واطلاق اسم السبب على المسبب جائز شائع اى يحاسب العباد على كثرتهم وكثرة اعمالهم فى مقدار لمحة لعدم احتياجه الى عقد يد او وعى صدر او نظر وفكر فاحذروا من الاخلال بطاعة من هذا شأن قدرته او يوشك ان يقيم القيامة ويحاسب الناس. وفى خطبة بعض المتقدمين ولت الدنيا حذاء ولم يبق الا صبابة كصبابة الاناء فليبادر المؤمن الى الطاعات واكتساب الحسنات والذكر فى كل الحالات. قال الحسن البصرى اذكرونى بما يذكر الصغير اباه فانه اول ما يتكلم يقول يا اب يا اب. فعلى كل مسلم ان يقول يا رب يا رب وعن النبى عليه السلام " اغبط اوليائى عندى مؤمن خفيف الحاذ ذو حظ من الصلاة احسن عبادة ربه واطاعه فى السر وكان غامضا فى الناس لا يشار اليه بالاصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك " ثم نقر بيده فقال " هكذا عجلت منيته قلت بواكيه قل ثراؤه ". وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ان يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. والاشارة فاذا قضيتم مناسك وصلتكم وبلغتم مبلغ الرجال البالغين من اهل الكمال فلا تأمنوا مكر الله ولا تهملوا وظائف ذكر الله فاذكروا الله كما تذكرون فى حال طفوليتكم آباءكم للحاجة والافتقار بالعجز والانكسار وفى حال رجوليتكم للحجة والافتخار بالمحبة والاستظهار فاذكروا الله افتقارا وافتخارا او اشد ذكرا واكد فى الافتخار لانه يمكن للطفل الاستغناء عن الله بولى وكذلك البالغ يحتمل ان يفتخر بغير الله ولكن العباد ليس لهم من دون الله من ولى ولا واق فمن الناس من اهل الطلب والسلوك من يقول بتسويل النفس وغرورها بحسبان الوصول والكمال عند النسيان وتغير الاحوال ربنا آتنا فى الدنيا حسنة يعنى تميل نفسه الى الدنيا وتنسى المقصد الاصلى ويظن الطالب الممكور انه قد استغنى عن الاجتهاد فاهمل وظائف الذكر ورياضة النفس ومخاطرة القلب ومراقبة السر فاستولت عليه النفس وغلب عليه الهوى واستهوته الشياطين فى الارض حيران حتى اوقعته فى اودية الهجران والفراق وماله فى الآخرة من خلاق ومنهم اى من اهل الوصول وارباب الفتوة من يقول ربنا آتنا فى الدنيا حسنة نعمة من النعم الظاهرة كالعافية والصحة والسعة والفراغة والطاعة واستطاعة البدن والوجاهة والارشاد والاخلاق وفى الآخرة حسنة نعمة من النعم الباطنة هى الكشوف والمشاهدات وانواع القربات والمواصلات وقنا عذاب النار اى نار القطيعة وحرقة الفراق اولئك لهم نصيب اى لهؤلاء البالغين الواصلين نصيب وافر مما كسبوا من المقامات والكرامات ومما سألوا من ايتاء الحسنات والله سريع الحساب لكلا الفريقين فيما سألوه اى يعطيهم بحسب نياتهم على قد هممهم وطوياتهم كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:203

{ واذكروا الله } اى كبروه اعقاب الصلوات وعند ذبح القرابين ورمى الجمار وغيرها { فى ايام معدودات } فى ايام التشريق هى ثلاثة ايام بعد يوم النحر. اولها يوم القر وهو الحادى عشر من ذى الحجة يستقر الناس فيه بمنى. والثانى يوم النفر الاول لان بعض الناس ينفرون فى هذا اليوم من منى. والثالث يوم النفر الثانى وهذه الايام الثلاثة مع يوم النحر ايام رمى الجمار وايام التكبير ادبار الصلوات وفى الحديث " كبر دبر كل صلاة من يوم عرفة الى آخر ايام التشريق ". وسميت معدودات لقلتهن كقوله تعالى دراهم معدودة يوسف 20. اى قليلة. والايام المعلومات فى قوله تعالى ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات الحج 28. فى سورة الحج عشر ذى الحجة آخرهن يوم النحر. وفى الكواشى معدودات جمع معدودة وايام جمع يوم ولا ينعت المذكر بمؤنث فلا يقال يوم معدودة وقياسه فى ايام معدودة لان الجمع قد ينعت بالمؤنث كقوله تعالى لن تمسنا النار إلا أياما معدودة البقرة 80. قالوا ووجهه انه اجرى معدودات على لفظ ايام وقابل الجمع بالجمع مجازا انتهى { فمن تعجل } اى استعجل وطلب الخروج من منى { فى يومين } فى تمام يومين بعد يوم النحر واكتفى برمى الجمار فى يومين من هذه الايام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمى فى اليوم الثالث { فلا إثم عليه } بهذا التعجيل وهو مرخص له فعند ابى حنيفة رحمه الله ينفر قبل طلوع الفجر من اليوم الثالث ومحصله ان على الحاج ان يبيت بمنى الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ويرمى كل يوم بعد الزوال احدى وعشرين حصاة عند كل جمرة سبع حصيات ورخص فى ترك البيتوتة لرعاء الابل واهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثانى من ايام التشريق واراد ان ينفر بعد البيتوتة فى الليلة الاولى والثانية من ايام التشريق ورمى يوميهما فذلك له واسع لقوله تعالى { فمن تعجل فى يومين فلا اثم عليه } ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه ان يبيت حتى يرمى اليوم الثالث ثم ينفر { ومن تأخر } عن الخروج حتى رمى فى اليوم الثالث قبل الزوال او بعده ثم يخرج اذا فرغ من رمى الجمار كما يفعل الناس الآن وهو مذهب الشافعى والامامين { فلا اثم عليه } بترك الترخص والمعنى انهم خيرون بين التعجيل والتأخير. فان قلت أليس التأخير بافضل. قلت بلى ويجوز ان يقع التخيير بين الفاضل والافضل كما خير المسافر بين الصوم والافطار وان كان الصوم افضل وانما اورد بنفى الاثم تصريحا بالرد على اهل الجاهلية حيث كانوا فريقين منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفى الاثم عنهما جميعا { لمن اتقى } خبر مبتدأ محذوف اى الذى ذكر من التخيير ونفى الاثم عن المتعجل والمتأخر لمن اتقى اى مختص بمن اتقى المناهى لانه الحاج على الحقيقة والمنتفع به لانه تعالى قال إنما يتقبل الله من المتقين المائدة 27. ومن كان ملوثا بالمعاصى قبل حجه وحين اشتغاله به لا ينفعه حجه وان كان قد ادى الفرائض ظاهرا { واتقوا الله } اى حال الاشتغال باعمال الحج وبعده ليعتد باعمالكم فان المعاصى تأكل الحسنات عند الموازنة { واعلموا أنكم إليه تحشرون } اى تبعثون وتجمعون للجزاء على اعمالكم وهو تأكيد للامر بالتقوى وموجب للامتثال به فان علم بالحشر والمحاسبة والجزاء كان ذلك من اقوى الدواعى الى ملازمة التقوى وكانوا اذا رجعوا من حجهم يجترئون على الله بالمعاصى فشدد فى تحذيرهم. قال ابو العالية يجيء الحاج يوم القيامة ولا اثم عليه اذا اتقى فيما بقى من عمره فلم يرتكب ذنبا بعدما غفر له فى الحج والمذنب المصر اذا حج فلا يقبل منه لعوده الى ما كان عليه فعلمة الحج المبرور ان يرجع زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة فاذا رجع من الحج المبرور رجع وذنبه مغفور ودعاؤه مستجاب فلذلك يستحب تلقيه بالسلام وطلب الاستغفار منه. والحج المبرور مثل حج ابراهيم بن ادهم مع رفيقه الصالح الذى صحبه من بلخ فرجع من حجه زاهدا فى الدنيا راغبا فى الآخرة وخرج عن ملكه وماله واهله وعشيرته وبلاده واختار بلاد الغربة وقنع بالاكل من عمل يده اما من الحصاد او من نظارة البساتين قال بعضهم الحر الكريم لا ينقض العهد القديم واذا دعتك نفسك الى نقض عهد مولاك فقل لها معاذ الله ان ربى احسن مثواى وفى المثنوى نقض ميثاق وشكست توبها موجب لعنت شود در انتها جون تراروى توكز بودودغا راست جون جويى ترازوى جزا وعن بعضهم قدمت من الحج مع قوم فدعتنى نفسى الى امر سوء فسمعت هاتفا ناحية البيت يقول ويلك ألم تحج ويلك ألم تحج فعصمنى الله الى الساعة ولا شك ان بعض الاعمال يكون حجابا للمرء اذا استند اليه واعتمد عليه حكى ان بعض الاتراك كان يلازم مجلس شيخ الاسلام احمد النامقى الجامى قدس سره ويرى فوق قفاه نورا كالترس فاتفق له ان يحج فلما رجع زالت عنه تلك الحال فسأل الشيخ عن سببه فقال انك كنت قبل الحج صاحب تضرع ومسكنة والآن غرك حجك واعطيت نفسك قدرا ومنزلة فلذا نزلت عن رتبتك ولم تر النور. ومما يجب على الحاج اتقاؤه المحارم ولان لا يجعل نفقته من كسب حرام فان الله لا يقبل الا الطيب وحكى عن بعض من حج انه توفى فى الطريق فى رجوعه فدفنه اصحابه ونسوا الفأس فى قبره فنبشوه ليأخذوا الفأس فاذا عنقه ويداه قد جمعتا فى حلقة الفأس فردوا عليه التراب ثم ردعوا الى اهله فسألوهم عن حاله فقالوا صحب رجلا فاخذ ماله فكان يحج منه وفى الحديث " من حج بيت الله من كسب الحلال لم يخط خطوة الا كتب الله له بها سبعين حسنة وحط عنه سبعين خطيئة ورفع له سبعين درجة " ذكره فى الخالصة واذا أراد أن يحج بمال حلال ليس فيه شبهة فانه يستدين للحج ويقضى دينه من ماله. وعن ابى القاسم الحكيم انه كان يأخذ جائزة السلطان فكان يستقرض لجميع حوائجه وما يأخذه من السلطان كان يقضى به ديونه وعن ابى يوسف قال هذا جواب ابيح فى مثل هذا كذا فى خزانة الفتاوى.

البقرة 2:204

{ ومن الناس من يعجبك قوله } اى تستحسن ظاهر قوله وتعده حسنا مقبولا فان الاعجاب استحسان الشىء والميل اليه والتعظيم له قال الراغب التعجب حيرة تعرض للانسان عند الجهل بسبب الشىء وحقيقة اعجبنى كذا ظهر لى ظهورا لم اعرف سببه { فى الحيوة الدنيا } متعلق بالقول اى يسرك ما يقوله فى معنى الدنيا وحقها لان دعواه محبتك انما هو لطلب حظ من الدنيا فكلامه اذا فى الدنيا لا فى الآخرة او يعجبك قوله فى الدنيا بحلاوته وفصاحته لا فى الآخرة لما انه يظهر هناك كذبه وقبحه { ويشهد الله على ما فى قلبه } اى يقول الله شاهد أن ما فى قلبى من المحبة والاسلام موافق لما فى لسانى { وهو ألد الخصام } اى اشد فى العداوة والخصومة للمسلمين على ان الخصام مصدر كالقتال والجدال واضافة الألد اليه بمعنى فى. واللدد شدة الخصومة. نزلت فى الاخنس بن شريف الثقفى وكان حسن المنظر حلو المنطق يوالى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويدعى الاسلام ودعوى المحبة والخلوص بدون المواطأة من فعل الملاحدة والزنادقة والمحب لا يفعل الا ما يحب محبوبه قال الشاعر تعصى الاله وانت تظهر حبه هذا لعمرى فى الفعال بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ان المحب لمن أحب مطيع قال الحافظ بصدق كوش كه خورشيد زايد ازنفست كه ازدروغ سيه روى كشت صبح نخست

البقرة 2:205

{ وإذا تولى } اى أدبر وانصرف عن مجلسك او اذا غلب وصار واليا { سعى فى الأرض } السعى سير سريع بالاقدام وقد يستعار للجد فى العمل والكسب وانما جيىء بقوله فى الارض مع ان السعى على كلا المعنيين لا يكون الا فى الارض للدلالة على كثرة فساده فان لفظ الارض عام يتناول جميع اجزائها وعموم الظرف يستلزم عموم المظروف فكأنه قيل أى مكان حل فيه من الارض افسد فيه فيلزم كثرة فساده { ليفسد فيها } علة لسعى { ويهلك } الاهلاك الاشاعة { الحرث } اى الزرع { والنسل } ما خرج من كل انثى من اجناس الحيوان يقال نسل ينسل اذا خرج منفصلا والحرث والنسل وان كانا فى الاصل مصدرين فالمراد بهما ههنا معنى المفعول فان الولد نسل ابويه اى مخرج منفصل منهما وذلك كما فعله الاخنس بثقيف اذ بيتهم اى اتاهم ليلا واهلك مواشيهم وزرعهم لانه كان بينه وبينهم عداوة او كما يفعله ولاة السوء بالقتل والاتلاف او بالظلم حتى يمنع الله بشؤمه القطر فيهلك الحرث والنسل وفى الحديث " لما خلق الله تعالى اسباب المعيشة جعل البركة فى الحرث والنسل ". فاهلاكهما غاية الافساد وفى الحديث " يجاء بالوالى يوم القيامة فينبذ به على جسر جهنم فيرتج به الجسر ارتجاجه لا يبقى منه مفصل الا زال عن مكانه فان كان مطيعا لله فى عمله مضى وان كان عاصيا انخرق به الجسر فيهوى به فى جهنم مقدار خمسين عاما ". { والله لا يحب الفساد } اى لا يرتضيه ويبغضه ويغضب على من يتعاطاه. فان قيل كيف حكم الله تعالى بانه لا يحب الفساد وهو بنفسه مفسد للاشياء. قيل الافساد فى الحقيقة اخراج الشىء من حالة محمودة لا لغرض صحيح وذلك غير موجود فى فعل الله تعالى ولا هو آمر به ولا محب له وما نراه من فعله ونظنه بظاهره فسادا فهو بالاضافة الينا واعتبارنا له كذلك فاما بالنظر الآلهى فكله صلاح.

البقرة 2:206

{ وإذا قيل له } اى لهذا المنافق والمفسد على نهج العظة والنصيحة { اتق الله } خف من الله فى صنعك السوء واترك ما تباشره من الفساد والنفاق { اخذته العزة بالاثم } اى حملته الانفة التى فيه وحميته الجاهلية على الاثم والذنب الذى نهى عنه او على رد قول الواعظ لجاجا وعنادا من قولك اخذته بكذا اذا حملته عليه وألزمته اياه فالباء للتعدية وصلة الفعل الذى قبلها { فحسبه جهنم } مبتدأ وخبر اى كافيه دخول النار والخلود فيها على ما عمله وهو وعيد شديد { ولبئس المهاد } اى والله لبئس الفراش جهنم. قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه من اكبر الذنب عند الله ان يقال للعبد اتق الله فيقول عليك نفسك. وقيل لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه اتق الله فوضع خده على الارض تواضعا لله تعالى. ثم انه تعالى لما وصف فى الآية المتقدمة حال من يبذل دينه لطلب الدنيا ذكر فى هذه الآية من يبذل دنياه ونفسه لطلب الدين وما عند الله يوم الدين فقال.

البقرة 2:207

{ ومن الناس من يشرى نفسه } اى يبيعها ويبذلها فان المكلف لما بذل نفسه فى طاعة الله من الصوم والصلاة والحج والجهاد والزكاة وتوصل بذلك الى وجدان ثواب الله صار المكلف كأنه باع نفسه من الله تعالى بما نال من ثوابه وصار تعالى كأنه اشترى منه نفسه بمقابلة ما اعطاه من ثوابه وفضله { ابتغاء مرضاة الله } اى طلبا لرضاه { والله رؤف بالعباد } ولذلك يكلفهم التقوى ويعرضهم للثواب ومن جملة رأفته بعباده ان ما اشتراه منهم من انفسهم واموالهم انما هو خالص ملكه وحقه ثم انه تعالى يشترى منهم ملكه الخالص المحصور بما لا يعد ولا يحصى من فضله ورحمته رحمة واحسانا وفضلا واكراما. وقيل نزلت فى صهيب بن سنان الرومى خرج من مكة يريد الهجرة الى النبى عليه الصلاة والسلام بالمدينة وهو ابن مائة سنة اتبعه نفر من مشركى قريش وقتلوا نفرا كانوا معه وكان معه كنانة فيها سهامه وكان راميا مصيبا فقال يا معشر قريش لقد علمتم انى من ارماكم رجلا والله لا اضع سهمى الا فى قلب رجل وايم الله لا تصلون الى حتى ارمى بكل سهم فى كنانتى ثم اضرب بسيفى ما بقى فى يديى ثم افعلوا ما شئتم ولن ينفعكم كونى فيكم فانى شيخ كبير ولى مال فى دارى بمكة فارجعوا وخذوه وخلونى وما انا عليه من الاسلام ففعلوا وسار هو الى المدينة فلما دخلها لقيه ابو بكر فقال له ربح البيع يا صهيب فقال وما ذاك يا ابا بكر فأخبره بما نزل فيه ففرح بذلك صهيب. فيشرى حينئذ بمعنى يشترى لجريان الحال على صورة الشراء لانه اشترى نفسه من المشركين ببذل ماله لهم. واعلم ان المؤمنين باعوا باختيارهم انفسهم فكان ثمن نفس المؤمن الجنة اما الاولياء فانهم باعوا باختيارهم انفسهم فكان ثمن نفس الاولياء مرضاة الله تعالى وبينهما فروق كثيرة فعلى السالك ان يخرج من اوطان البشرية ويغترب عن ديار الاقران حتى يكون مجاهدا حقيقيا وشهيدا معنويا قال عليه الصلاة والسلام " طوبى للغرباء ". وقال ايضا " من مات غريبا فقد مات شهيدا ". يشير بذلك الى الانقطاع من الخلق الى الخالق وذلك لا يكون الا بمخالفة الجمهور فى العادات والشهوات وفى الحديث " يا انس ان استعطت ان تكون ابدا على وضوء فافعل فان ملك الموت اذا قبض روح العبد وهو على وضوء كتب له شهادة ". وذلك لان الوضوء واشارة الى الانفصال عما سوى الله تعالى كما ان الصلاة اشارة الى الاتصال بالله تعالى وفى الحديث ايضا " دم على الطهارة يوسع عليك الرزق ". فالطهارة الصورية سبب لتوسيع الرزق الصورى وكذا طهارة الباطن سبب لتوسيع الرزق المعنوى من المعارف والالهامات والواردات وعند ذلك يحيى القلب بالحياة الطيبة وتموت النفس عن صفاتها وليس ذلك الا اثر الجهاد الحقيقى فمن تخلص من قيد النفس ومات بالاختيار فهو حى ابدا وفى المثنوى اى بسا نفس شهيد معتمد مرده دردنيا وزنده مى رود ولا بد للعبد من العروج من الخلق الى الخالق ومن الحاجة التامة لنفسه الى الغنى التام بالحق فى تحصيل كل الخيرات ودفع كل الآفات فاذا فر الى الله ووصل الى جماله وغرق فى مشاهدة جلاله شاهد سر قوله تعالى قل الله ثم ذرهم الأنعام 91 واول الامر ترك الاموال ثم ترك الاولاد ثم ترك النفس. فعند الاول يتجلى توحيد الافعال. وعند الثانى يتجلى توحيد الصفات. وعند الثالث يتجلى توحيد الذات وهو اعلى الدرجات. فعلى العاقل اكثار ذكر الله فانه سبب لتصفية الباطن وصقالة القلب قال تعالى واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الجمعة 10. ولا فلاح اعظم من ان يصل الطالب الى المطلوب اللهم اجعلنا مفلحين.

البقرة 2:208

{ يا أيها الذين آمنوا } بألسنتهم على ان الخطاب للمنافقين { ادخلوا فى السلم كافة } اى استسلموا لله تعالى واطيعوه جملة ظاهرا وباطنا. فالسلم بمعنى الاستسلام والطاعة وكافة حال من ضمير الفاعل فى ادخلوا او هذه حال تؤكد معنى العموم فى ضمير الجمع فان قولك قام القوم كافة بمنزلة قاموا كلهم وتاء كافة وقاطبة وعامة ليست للتأنيث وان كان اصلها ان تدل عليه بل انما دخلت لمجرد كون الكلمة المنقولة الى معنى كل وجميع او المعنى ادخلوا فى الاسلام بكليته ولا تخلطوا به غيره فالخطاب لمؤمنى اهل الكتاب فانهم كانوا يراعون بعض احكام دينهم القديم كما روى ان عبد الله بن سلام واصحابه كان يتمسكون ببعض شرائع التوراة من تعظيم السبت وتحريم لحم الابل وألبانها واشياء كانوا يرون الكف عن ذلك مباحا فى الاسلام وان كان واجبا فى شريعتهم فثبتوا على ذلك مع اعتقادهم حلها استيحاشا من مفارقة العادة وقالوا يا رسول الله ان التوارة كتاب الله فدعنا فلنقرأ منها فى صلاتنا بالليل فقال عليه السلام " لا تتمسكوا بشىء مما نسخ ودعوا ما الفتموه ولا تستوحشوا من النزوع عنه ". فانه لا وحشة مع الحق وانما هو من تزيين الشيطان { ولا تتبعوا خطوات الشيطان } جمع خطوة بالضم والسكون وهو ما بين القدمين اى لا تسلكوا مسالكه ولا تطيعوه فيما دعاكم اليه من السبل الزائغة والوساوس الباطلة { انه لكم عدو مبين } ظاهر العداوة يريد ان يفسد عليكم بهذه الوساوس اسلامكم.

البقرة 2:209

{ فإن زللتم } الزلل فى الاصل عثرة القدم ثم يستعمل فى العدول عن الاعتقاد الحق والعمل الصائب فالمعنى اخطأتم الحق وتعديتموه علما كان او عملا { من بعد ما جاءتكم البينات } اى الحجج والشواهد على ان ما دعيتم الى الدخول فيه هو الحق { فاعلموا أن الله عزيز } غالب على امره لا يعجزه الانتقام منكم { حكيم } لا ينتقم الا بالحق. وفى الآية تهديد بليغ لاهل الزلل عن الدخول فى السلم فان الوالد اذا قال لولده ان عصيتنى فانت عارف بى وبشدة سطوتى لاهل المخالفة يكون قوله هذا ابلغ فى الزجر من ذكر الضرب وغيره وكما انها مشتملة على الوعيد منبئة عن الوعد ايضا من حيث انه تعالى اتبعه بقوله حكيم فان اللائق الحكمة ان يميز بين المحسن والمسيىء فكما يحسن ان ينتظر من الحكيم تعذيب المسيىء فكذلك ينتظر منه اكرام المحسن واثابته بل هذا أليق بالحكمة واقرب الى الرحمة.

البقرة 2:210

{ هل ينظرون } استفهام فى معنى النفى ونظر بمعنى انتظر اى ينتظر من يترك الدخول فى السلم ويتبع خطوات الشيطان { إلا أن يأتيهم الله } اى الا اتيان الله اى عذابه على حذف المضاف لان الله تعالى منزه عن المجيئ والذهاب المستلزمين للحركة والسكون لان كل ذلك محدث فيكون كل ما يصح عليه المجيئ والذهاب محدثا مخلوقا له والاله القديم يستحيل ان يكون كذلك. وسئل على رضى أين كان تعالى قبل خلق السموات والارض قال أين سؤال عن المكان وكان الله تعالى ولا مكان وهو اليوم على ما كان ومذهب المتقدمين فى هذه الآية وما شاكلها ان يؤمن الانسان بظاهرها ويكل علمها الى الله لانه لا يأمن فى تعيين مراد الله تعالى من الخطأ فالاولى السكوت ومذهب جمهور المتكلمين ان لا بد من التأويل على سبيل التفصيل { فى ظلل } كائنة { من الغمام } والظلل جمع ظلة وهى ما أظلك والغمام السحاب الابيض الرقيق سمى غماما لانه يغم اى يستر ولا يكون السحاب ظلة الا اذا كان مجتمعا متراكما فالظلل من الغمام عبارة عن قطع متفرقة كل قطعة تكون فى غاية الكثافة والعظم وكل قطعة ظلة { والملائكة } اى ويأتيهم الملائكة فانهم وسائط فى اتيان امره تعالى بل هم الآتون ببأسه على الحقيقة. وتلخيصه قد قامت الحجج فلم يبق الا نزول العذاب. فان قلت لم لم يأتهم العذاب فى الغمام كما فعل بقوم يونس وقوم عاد وقوم شعيب. قلت لان الغمام مظنة الرحمة فاذا نزل منه العذاب كان الامر افظع وأهول لان الشر اذا جاء من حيث لا يحتسب كان اغم كما ان الخير اذا جاء من حيث لا يحتسب كان أسر فكيف اذا جاء الشر من حيث يحتسب الخير ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقع الخير اى الغيث ومن ثمه اشتد على المتفكرين فى كتاب الله تعالى قوله وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون الزمر 47. فان تفسيره على ما قالوا عملوا اعمالا حسبوها حسنات فاذا هى سيآت وذلك لتجويزهم ان يكون عملهم كذلك فيجيئهم الشر من حيث يتوقعون الخير فخافوا من ذلك روى أن محمد بن واسع تلا هذه الآية فقال آه آه الى ان فارق الدنيا { وقضى الامر } اى تم امر اهلاكهم وفرغ منه وهو عطف على يأتيهم داخل فى حيز الانتظار وانما عدل الى صيغة الماضى دلالة على الحقيقة فكأنه قد كان { والى الله } لا الى غيره { ترجع الامور } اى امور الخلق وامالهم هو القاضى بينهم يوم القيامة والمثيب والمعاقب فينبغى للمؤمن ان يكون فى جانب الانقياد ويحترز عن الهوى وخطوات الشيطان وعن النبى عليه السلام انه قال " ان الله تعالى اظهر الشكاية من امتى ". وقال " انى طردت الشيطان لاجلهم فهم يعصوننى. ويطيعون الشيطان " قال السعدى قدس سره كجا سر بر آريم ازين عاروننك كه با او بصلحيم وباحق بجنك نظر دوست نادر كند سوى تو جو در روى دشمن بود روى تو ندانى كه كمتر نهد دوست باى جو بيندكه دشمن بود در سراى فمن أعظم الطاعات طرد الشيطان وأن يتهم النفس دائما. كما روى ان رجلا صام اربعين سنة ثم دعا الحاجة ومع ذلك لم تجب دعوته وذم نفسه وقال يا مأوى الشر ذلك من شرك فاوحى الى نبى ذلك الزمان قل له ان قتلك لنفسك احب الى من صيام اربعين سنة قال السعدى خورنده كه خيرى برآيد زدست به از صائم الدهر دنيا برست واعلم ان فى قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم البقرة 208. معنى عاما ومعنى خاصا فالعام خطاب عام مع جميع من آمن اى ادخلوا فى شرائط الاسلام فى الباطن كما فى الظاهر ومن شرائطه ما قال النبى عليه السلام " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس ". واما المعنى الخاص فخطاب خاص مع شخص الانسان وجميع اجزائه الظاهرة والباطنة فينبغى ان يدخل أركانه فى الاسلام بالفعل. فالعين بالنظر. والاذن بالسمع. والفم بالاكل. والفرج بالشهوة. واليد بالبطش. والرجل بالمشى ودخول واحد منها فى الاسلام بأن يستسلم لاوامر الحق ويجتنب نواهيه بل يترك ما لا يعنيه أصلا ويقع على ما لا بد له منه. ودخول جميع اجزائه الظاهرة فى شرائع الاسلام ميسر للمنافق. فاما ادخال اجزائه الباطنة فمعركة ابطال الدين ومنزلة الرجال البالغين فدخول النفس فى الاسلام بخروجها عن كفر صفاتها الذميمة وترك مألوفاتها واطمئنانها بالعبودية ليستحق بها دخول مقام العباد المخصوصين به بخطابه تعالى اياها كقوله تعالى يا أيتها النفس المطمئنة الفجر 27 الآية. ودخول القلب فى الاسلام بتصفيته عن رذائل اخلاق النفس وتحليته بشمائل أخلاق الروح. ودخول الروح فى الاسلام بتخلقه بأخلاق الله وتسليم الاحكام الازلية وقطع النظر والتعلق عما سوى الله بتصرف جذبات الالوهية. ودخول السر فى الاسلام بفنائه فى الله وبقائه بالله ولا تتبعوا خطوات الشيطان البقرة 208. اى لا تكونوا على سيرته وصفته وهى الاباء والاستكبار فانه ضد الاسلام إنه لكم عدو مبين البقرة 208. لعداوته الغريزية لكم لاختلاف جبلته وجبلتكم وقصوره عن نور فطرتكم لكونه نارى الخلقة لا يطلب منكم الا ان تكونوا ناريين مثله لا نوريين فهو عدو فى الحقيقة فى صورة المحب فإن زللتم البقرة 209. اى زلت اقدامكم عن صراط الاسلام الحقيقى من بعد ما جاءتكم البينات البقرة 209. دلائل تجليات أفعال الصفات فاعلموا أن الله عزيز البقرة 209. فلعزته لا يهدى اليه لك ذليل دنى الهمة قصير النظر حكيم البقرة 209. يهدى من يشاء الى سرادقات عزته { هل ينظرون الا ان يأتيهم الله فى ظلل من الغمام } الا ان يتجلى الله فى ظل صفات قهرية من جملة تجليات الصفات الساترة لشمس الذات وهو ملائكة القوى السماوية { وقضى } فى اللوح { الأمر } امر اهلاكهم { وإلى الله ترجع الأمور } بالفناء كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:211

{ سل } أمر للرسول عليه السلام بالسؤال او لكل أحد يصلح ان يخاطب { بنى إسرائيل } يعنى هؤلاء الموجودين فى عصرك من رؤساء بنى اسرائيل { كم آتيناهم } اى آتينا آبائهم واسلافهم { من آية بينة } اى معجزة ظاهرة على ايدى انبيائهم لا يخفى على المتفكر أنها من عند الله كالعصا واليد البيضاء وانزال المن والسلوى وغيرها او المراد آيات كتبهم الشاهدة على صحة دين الاسلام. قوله كم آتيناهم محل هذه الجملة النصب او الخفض على انها مفعول ثان للسؤال فانه يتعدى الى مفعولين الى الاول بنفسه والى الثانى بحرف الجر اما عن واما الباء نحو سألته عن كذا وبكذا قال الله تعالى فسئل به خبيرا الفرقان 59. وقد يحذف حرف الجر فمن ثمة جاز فى محل كم النصب والخفض بحسب التقديرين وتمييزكم من آية بينة والاحسن اذا فصل بين كم ومميزها ان يؤتى بمن وهذا السؤال سؤال تقريع وتبكيت كما يسأل الكفرة يوم القيامة وتقرير لمجيئ البينات فكم استفهامية خبرية وليس المراد حقيقة الاستفهام { ومن يبدل } التبديل تصيير الشىء على غير ما كان عليه اى يغير { نعمة الله } التى هى آياته الباهرة فانها سبب للهدى الذى هو أجل النعم وتبديلهم اياها أن الله اظهرها لتكون اسباب هداهم فجعلوها اسباب ضلالتهم فكفروا بها وتركوا الشكر عليها { من بعد ما جاءته } اى من بعد ما وصلت اليه وتمكن من معرفتها والتصريح بذلك مع ان التبديل لا يتصور قبل المجيئ للاشعار بانهم قد بدلوها بعد ما وقفوا على تفاصيلها { فان الله شديد العقاب } تعليل للجواب كأنه قيل ومن يبدل نعمة الله عاقبه أشد عقوبة فانه شديد العقوبة لمن بدل النعمة فى الدنيا والآخرة وقد عاقبهم فى الدنيا بالقتل وذلك فى بنى قريظة وبالاجلاء وذلك فى بنى النضير ويوم القيامة يعذبون فى السعير. قال ابن التمجيد وتبديل النعمة جرم بغير علم ومع العلم اشد جرما ولذلك كان وعيد العلماء المقصرين أشد من الجاهلين بالاحكام لان الجهل قد يعذر به وان كان الاعتذار به غير مقبول فى باب التكاليف.

البقرة 2:212

{ زين للذين كفروا الحياة الدنيا } اى حسنت فى اعينهم واشربت محبتها فى قلوبهم حتى تهالكوا عليها وتهافتوا فيها معرضين عن غيرها والتزيين من حيث الخلق والايجاد مستند الى الله تعالى اذ ما من شىء الا وهو خالقه وكل من الشيطان والقوى الحيوانية وما فى الدنيا من الامور البهية والاشياء الشهية مزين بالعرض { ويسخرون من الذين آمنوا } اى يستهزئون بالفقراء من المؤمنين كعبد الله بن مسعود وعمار وصهيب وحبيب وبلال وغيرهم رضى الله تعالى عنهم ويسترذلونهم ويقولون تركوا لذات الدنيا وعذبوا انفسهم بالعبادات وفوتوا الراحات وكراماتها وهو عطف على زين ومن للابتداء فكأنهم جعلوا السحرية مبتدأة منهم { والذين اتقوا } يعنى اطاعوا الله واختاروا الفقر من المؤمنين وانما ذكروا بعنوان التقوى للايذان بان اعراضهم عن الدنيا للاتقاء عنها لكونها مخلة بتبتلهم الى جناب القدس شاغلة لهم وللاشارة الى انه لا يسعد عنده الا المؤمن المتقى { فوقهم يوم القيمة } يعنى فوق المشركين لانهم فى اعلى عليين وهم فى اسفل سافلين فتكون الفوقية حقيقة او لانهم فى اوج الكرامة وهم فى حضيض الذل والمهانة فتكون الفوقية مجازا. ويوم منصوب بالاستقرار الذى تعلق به فوقهم { والله يرزق من يشاء } اى فى الدارين { بغير حساب } كثير " بى اندازه " لانه تعالى لا يخاف نفاد ما عنده لانه غنى لا نهاية لمقدوراته فالله تعالى يوسع بحسب الحكمة والمشيئة على عباده فمنهم من تكون التوسعة عليه استدراجا كهؤلاء الكفرة وقارون واضرابهم ومنهم من تكون كرامة كاغنياء المؤمنين وسليمان وامثالهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقفت على باب الجنة فرأيت اكثر اهلها المساكين ووقفت على باب النار فرأيت اكثر أهلها النساء ". واذا اهل الجسد محبوسون الا من كان منهم من اهل النار فقد امر به الى النار قال الحافظ ازين رباط دودر جون ضرورتست رحيل رواق وطاق معيشت جه سر بلند وجه بست بهست ونيست مر نجان ضمير وخوش دل باش كه نيستيت سرانجام هر كمال كه هست ببال و برمرو ازره كه تير برثابى هوا كرفت زمانى ولى بخاك نشست يحكى ان عيسى عليه السلام سافر ومعه يهودى فكان مع عيسى ثلاثة اقراص فأعطاها اليهودى فقدم قرصين فقال اين ثالثها فقال اليهودى لم تكن اكثر من هذا فمشيا حتى شاهد من عيسى عجائب فأقسم عليه عيسى لذلك حتى يقر بالقرص الثالث فلم يقر فلحقا بثلاث لبنات من الذهب فقال اليهودى اقسم ذلك فقال عيسى واحدة لى وواحدة لك وواحدة لمن اكل القرص الثالث فقال اليهودى انا اكلت القرص الثالث فقال عيسى ابعد عنى فقد شاهدت قدرة الله ولم تقر به والآن قد اقررت بالدنيا فترك اللبنات عند اليهودى ومشى وجاء ثلاثة من اللصوص وقتلوا اليهودى واخذوا اللبنات ثم بعثوا من جملتهم واحدا ليأتى لهم بطعام فلما غاب عنهما تشاوروا فى قتله وقالا اذا رجع قتلناه واخذنا نصيبه فذهب واشترى سما فطرحه فى الطعام الذى اشتراه حتى يأكل ذلك الطعام صاحباه فيموتا ويأخذ اللبنات فلما قدم عليهما قاما وقتلاه ثم اكلا الطعام فماتا فعبر عليهم عيسى فوجد اليهودى وهؤلاء الثلاثة مقتولين فتعجب من ذلك فنزل جبريل واخبر بالقصة. فينبغى للعاقل ان لا يغتر بكثرة الدنيا وان لا يهتم فى جمعها بل يزرع فيها بذر العمل كى يحصد فى الآخرة لان الدنيا مزرعة الآخرة ولا ينبغى للاغنياء ان يحقروا الفقراء بالغرور بكثرة دنياهم ولا يسخروا منهم لان هذه الصفة من صفات الكفرة قال السعدى جو منعم كند سفله را روزكار نهد بردل تنك درويش بار جوبام بلندش بودخود برست كندبول وحاشاك بربام بست والاشارة فى الآية ان الله اذا فتح باب الملكوت على قلب عبد من خواصه يريه آياته فى الملك والملكوت فان تغير باحواله او تعجب بكماله فيقبل على شىء من مرادات النفس ويبدل نعمته بموافقة النفس ورضاها فإن الله شديد العقاب الحشر 4. بان يغير عليه احواله ويسلب عنه كماله ويشهده قوله تعالى إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم الرعد 11. ومن شدة عقابه انه اذا اذنب عبد ذنبا صغيرا ولم يتب منه وأصر عليه ان يعاقبه بالابتداء بكبيرة مثل تبدل النعمة ليعاقبه بزوال النعمة فى الدنيا ودوام النقمة فى العقبى. وايضا من شدة عقابه اى { زين للذين كفروا الحيوة الدنيا } ويمكر بهم حتى يغلب عليهم حب الدنيا { ويسخرون من الذين آمنوا } من فقرائهم وكبرائهم حملهم شدة العقوبة على الوقيعة فى اوليائه واستحقار احبابه وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون { والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشاء } من درجات أعلى عليين ودركات أسفل سافلين { بغير حساب } بغير نهاية الى أبد الآباد فان ما لا نهاية له لا مدخل له تحت الحساب وفيه معنى آخر بغير حساب يعنى ما يرزق العبد فى الدنيا من الدنيا فلحرامها عذاب ولحلالها حساب وما يرزق العبد فى الآخرة من النعيم المقيم فبغير حساب كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:213

{ كان الناس أمة واحدة } اى جماعة واحدة متفقين فى الايمان واتباع الحق من وقت آدم الى مبعث نوح عليهما السلام وكان بينهما عشرة قرون كل قرن ثمانون سنة كما عند الاكثر { فبعث الله النبيين } اى فاخلتفوا فبعث الخ بدلالة قوله تعالى { ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } { مبشرين } بالثواب لمن آمن وأطاع { ومنذرين } محذرين بالعقاب لمن كفر وعصى { وأنزل معهم الكتاب } أى كتاب او مع كل واحد منهم ممن له كتاب كتابه الخاص لا مع كل واحد منهم على الاطلاق اذ لم يكن لبعضهم كتاب وانما كانوا يأخذون بكتب من قبلهم وعموم النبيين لا ينافى خصوص الضمير العائد اليه بمعونة المقام { بالحق } اى حال كون ذلك الكتاب ملتبسا بالحق والعدل والصدق وشاهدا به { ليحكم } اى الله تعالى { بين الناس فيما اختلفوا فيه } اى فى الحق الذى اختلفوا فيه بعد الاتفاق { وما اختلف فيه } اى فى الحق { الا الذين أوتوه } اى الكتاب المنزل لازالة الاختلاف والتعبير عن الانزال بالايتاء للتنبيه من اول الامر على كمال تمكنهم من الوقوف على ما فى تضاعيفه من الحق فان الانزال لا يفيد تلك الفائدة اى عكسوا الامر حيث جعلوا ما انزل لازالة الاختلاف سببا لاستحكامه ورسوخه { من بعد ما جاءتهم البينات } اى رسخت فى عقولهم ومن متعلق بما اختلف ولم تمنع الا من ذلك كقولك ما قام الا زيد يوم الجمعة { بغيا بينهم } مفعول له لقوله وما اختلف فالاستثناء متعلق بثلاثة اشياء والتقدير وما اختلف فيه الا الذين الخ وما اختلفوا فيه الا من بعد الخ وما كان الاختلاف الا للبغى والتهالك على الدنيا وللحسد والظلم كما فعل قابيل بهابيل وما قتله لاشكال الحق عليه بل حسدا منه على اخيه وهكذا فى كل عصر وهذا فعل الرؤساء ثم العامة اتباعا لهم وفعلهم مضاف اليهم فتبين ان الاختلاف فى الحق امر متقادم فى الاسلام { فهدى الله الذين آمنوا } بالكتاب { لما اختلفوا فيه } متعلق بهدى وما موصولة ومعناه هدى الى ما اختلفوا فيه { من الحق } بيان لما { بإذنه } اى بأمره وتيسيره ولطفه وارادته ورحمته حتى ابصروا الحق بنور التوفيق من الباطل { والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم } لا يضل سالكه.

البقرة 2:214

{ أم حسبتم أن تدخلوا الجنة } خاطب به النبى عليه السلام والمؤمنين بعد ما ذكر اختلاف الامم على الانبياء بعد مجئ الآيات تشجيعا لهم على الثبات على المصابرة على مخالفة الكفرة فان عاقبة الامر النصر. وأم منقطعة الاخبار المتقدم الى الانكار المدلول عليه بهمزة الاستفهام اى ما كان ينبغى ان تحسبوا ذلك فتقدر ببل والهمزة قيل اضراب عن وتظنوا او لم حسبتموه { ولما يأتكم } اى والحال لم يجئكم { مثل الذين خلوا } اى صفة الذين مضوا { من قبلكم } من الانبياء ومن معهم من المؤمنين ولم تبتلوا بعد بما ابتلوا به من الاحوال الهائلة التى هى مثل فى الفظاعة والشدة وهو متوقع ومنتظر { مستهم البأساء } بيان له على الاستئناف كأنه قيل كيف مثلهم وحالهم العجيبة فقيل مستهم البأساء اى الشدة من الخوف والفاقة { والضراء } اى الآلام والامراض { وزلزلوا } اى ازعجوا ازعاجا شديدا بما اصابهم من الشدائد { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه } اى انتهى امرهم من الشدة الى حيث اضطرهم الضجر الى ان يقول الرسول وهو اعلم الناس بشؤون الله واوثقهم بنصره والمؤمنون المقتدون بآثاره المستضيئون بانواره { متى } اى يأتى { نصر الله } الذى وعدناه طلبا وتمنيا له واستطالة لمدة الشدة والعناء فان الشدة وان قصر فهو طويل فى عين المبتلى بها فلا محالة يستبطئ النصر فاجابهم الله بقوله { ألا ان نصر الله قريب } اسعافا لهم الى طلبتهم من عاجل النصر اى أنا ناصر أوليائى لا محالة نصرى قريب منهم فان كل آت قريب ولما كان الجواب بذكر القرب دل ذلك على ان السؤال كان واقعا عن زمان النصر أقريب هو أم بعيد ولو كان السؤال عن وقوع أصل النصر بمعنى انه هل يوجد أو لا لما كان الجواب مطابقا للسؤال. وفى الآية اشارة الى ان الوصول الى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات كما قال عليه السلام " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات ". كذا فى تفسير القاضى ونعم ما قيل فلك مشام كسى خوش كند ببوى مراد كه خاك معركه باشد عبير وعنبراو وعن خباب بن الارت رضى الله تعالى عنه قال لما شكونا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نلقى من المشركين قال " ان من كان قبلكم من الامم كانوا يعذبون بانواع البلاء فلا يصرفهم ذلك عن دينهم حتى ان الرجل كان يوضع على رأسه المنشار فيشق فلقتين ويمشط الرجل بأمشاط الحديد بما دون العظم من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه وايم الله ليتمن الله هذا الامر حتى يسير الراكب منكم من صنعاء الى حضرموت لا يخشى الا الله والذئب على غنمه ولكنكم تعجلون ". قالوا كل نبى بعث الى امته اجهد حتى قال متى نصر الله ووقع ذلك للرسول عليه السلام حين وقع له ضجر شديد قبل فتح مكة فقال فى يوم الاحزاب حيث لم يبق لاصحابه صبر حتى ضجوا وطلبوا النصرة فارسل الله ريحا وجنودا وهزم الكفار بهما. ومن شدائده عليه السلام غزوة الخندق حين اصاب المسلمين ما اصابهم من الجهد وشدة الخوف والبرد وضيق العيش وانواع الاذى كما قال تعالى وبلغت القلوب الحناجر الأحزاب 10. ولو اطلعت على ما اصابهم من عداوة اليهود واسرار النفاق واذى القوم يمينا وشمالا ببذل المجهود حين هاجروا الى المدينة لكفى ذلك عبرة فى هذا الباب فنحن اولى بمقاساة امثال هذه الشدائد خصوصا فى هذا الزمان الذى لا تجد بدا من طعن الناس واذاهم اذا البلاء على الانبياء ثم على الاولياء ثم الامثل فالامثل غبار لازمه آسيا بود صائب امان ز حادثه آسمان جه ميخواهى قال فى التأويلات النجمية عند قوله تعالى كان الناس أمة واحدة البقرة 213 الآية. الخصال الذميمة التى عليها اكثر الناس كلها عارضة لهم فانهم كانوا حين أشهدهم الله على انفسهم امة واحدة وولدوا على الفطرة لقوله عليه السلام " كل مولود يولد على فطرة الاسلام فأبواه يهودانه أو ينصرانه او يمجسانه ". وما قال عليه السلام او يسلمانه لمعنيين. احدهما ان الكفر يحصل بالتقليد ولكن الايمان الحقيقى لا يحصل به. والثانى ان الابوين الاصلين هما الانجم والعناصر فعلى التقديرين الولد بتربية الآباء والامهات يضل عن سبيل الحق ويزل قدمه عن الصراط المستقيم التوحيد والمعرفة ولو كان نبيا يحتاج الى هاد يهدى الى الحق كما قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم ووجدك ضالا فهدى الضحى 7. ولكل من السعادة والشقاوة كتاب كما قال عليه السلام " ما من نفس الا وقد كتب فى كتابها من اهل الجنة او النار وكتب شقية او سعيدة " فقالوا أفلا نتكل على كتابنا يا رسول الله وندع العمل قال " اعملوا فكل ميسر لما خلق له اما اهل الشقاوة فييسرون لعمل اهل الشقاوة واما اهل السعادة فييسرون لعمل اهل السعادة ". فلا بد من مقاساة بأساء الترك والتجريد والفقر والافتقار حتى يحصل دخول جنة الجمال ودار القرار فلم يضجروا من طول مدة الحجاب وكثرة الجهاد فى الفراق وعيل صبرهم عن مشاهدة الجمال وذوق الوصال وطلبوا نصر الله بالتجلى على قمع صفات النفوس مع قوة مصابرتهم وحسن تحملهم لما يقول المحبوب ويريد بهم حتى جاء نصر الله فرفع الحجاب وظهر انوار الجمال.

البقرة 2:215

{ يسألونك ماذا ينفقون } اى أى شىء يتصدقون به من اصناف اموالهم. نزلت حين حث النبى عليه السلام على التصدق فى سبيل الله وسأل عمرو بن الجموح وهو شيخ هم أى فان وله مال عظيم فقال ماذا ننفق يا رسول الله من اموالنا واين نضعها { قل ما أنفقتم من خير } اى أى شىء انفقتم من أى خير كان وهو بيان للمنفق والمال يسمى خيرا لان حقه ان يصرف الى جهة الخير فصار بذلك كأنه نفس الخير { فللوالدين }. فان قلت كيف طابق الجواب السؤال وهم قد سألوا عن بيان ما ينفقون واجيبوا ببيان المصرف قلت قد تضمن قوله { ما انفقتم من خير } بيان ما ينفقونه وهو كل خير وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف. لان النفقة لا يعتد بها الا ان تقع موقعها { والأقربين واليتامى } اى المحتاجين { والمساكين وابن السبيل } ولم يتعرض للسائلين والرقاب اما اكتفاء بما ذكر فى المواقع الاخر واما بناء على دخولهم تحت عموم قوله تعالى { وما } اى أى شىء { تفعلوا من خير } فانه شامل لكل خير واقع فى أى مصرف كان { فإن الله به عليم } اى ان تفعلوا خيرا فان الله يعلم كنهه ويوفى ثوابه. والمراد بهذه الآية الحث على بر الوالدين وصلة الارحام وقضاء حاجة ذى الحاجة على سبيل التطوع ولا ينافيه ايجاب الزكاة وحصر مصارفها فى الاصناف الثمانية كما ذكر فى قوله تعالى إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفى الرقاب والغارمين وفى سبيل الله وابن السبيل التوبة 60.

البقرة 2:216

{ كتب } اى فرض { عليكم القتال } اى قتال الكفرة والجمهور على ان الجهاد فرض على الكفاية مثل صلاة الجنازة ورد السلام { وهو } اى والحال ان القتال { كره لكم } شاق عليكم مكروه فالكره مصدر بمعنى الكراهة نعت به للمبالغة كأن القتال فى نفسه كراهة لفرط كراهتهم له وهذه الكراهة من حيث نفور الطبع منه لما فيه من مؤونة المال ومشقة النفس وخطر الروح لا انهم كرهوا امر الله تعالى وكراهة الطبع لا توجب الذم بل تحقق معنى العبودية اذا فعل ذلك اتباعا للشرع مع نفرة الطبع فاما كراهة الاعتقاد فهى من صفات المنافقين { وعسى أن تكرهوا شيئا } وهو جميع ما كلفوه من الامور الشاقة التى من جملتها القتال { وهو خير لكم } لان فى الغزو احدى الحسنيين اما الظفر والغنيمة واما الشهادة والجنة. وعسى كلمة تجرى مجرى لعل وهى من العباد للترجى ومن الله للترجية { وعسى أن تحبوا شيئا } وهو جميع ما نهوا عنه من الامور المستلذة التى من جملتها القعود عن الغزو { وهو شر لكم } لما فيه من فوات الغنيمة والاجر وغلبة الاعداء وتخريب الديار { والله يعلم } ما هو خير لكم دينا ودنيا فلذا يأمركم به { وأنتم لا تعلمون } ذلك ولذلك تكرهونه قال فى المثنوى ما التصوف قال وجدان الفرح فى الفؤاد عند اتيان الترح جمله در زنجير بيم و ابتلا ميروند اين ره بغير اوليا يعنى ان المقلد يجرى الى الحضرة بالاضطرار بخلاف الولى. قال ذو النون المصرى رحمه الله انما دخل الفساد على الخلق من ستة اشياء. الاول ضعف النية بعمل الآخرة. والثانى صارت ابدانهم رهينة لشهواتهم. والثالث غلب عليهم حلول الامل مع قرب الاجل. والرابع آثروا رضى المخلوقين على رضى الخالق. والخامس اتبعوا اهواءهم ونبذوا سنة نبيهم وراء ظهورهم. والسادس جعلوا قليل زلات السلف حجة انفسهم ودفنوا كثير مناقبهم. فعلى العاقل ان يجاهد مع النفس والطبيعة ليرتفع الهوى والشهوات والبدعة ويتمكن فى القلوب حب العمل بالكتاب والسنة. قال ابراهيم الخواص رحمه الله كنت فى جبل لكام فرأيت رمانا فاشتهيته فدنوت فأخذت منه واحدة فشققتها فوجدتها حامضة فمضيت وتركتها فرأيت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فقلت السلام عليك فقال وعليك السلام يا ابراهيم فقلت كيف عرفتنى فقال من عرف الله لا يخفى عليه شىء فقلت له ارى لك حالا مع الله فلو سألته ان يحميك ويقيك الاذى من هذه الزنابير فقال وارى لك حالا مع الله فلو سألته ان يقيك شهوة الرمان فلدغ الرمان يجد الانسان ألمه فى الآخرة ولدغ الزنابير يجد ألمه فى الدنيا فتركته ومشيت قال السعدى قدس سره مبر طاعت نفس شهوت برست كه هر ساعتش قبله ديكرست كند مردرا نفس اماره خوار اكرهوا شمندى عزيزش مدار وفى التأويلات القاشانية { كتب عليكم القتال } قتال النفس والشيطان { وهو كره } مكروه { لكم } مر أمر من طعم العلقم واشد من ضغم الضيغم. وحقيقة الجهاد رفع الوجود المجازى فانه الحجاب بين العبد والرب كما قيل وجودك ذنب لا يقاس عليه ذنب آخر وكما قال ابن منصور بينى وبينك انى قد يزاحمنى فارفع بجودك لى انى من البين { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم } لاحتجابكم بهوى النفس وحب اللذة العاجلة عما فى ضمنه من الخير الكثير واللذة العظيمة الروحانية التى تستحقر تلك الشدة السريعة الانقضاء بالقياس الى ذلك الخير الباقى واللذات السرمدية { وعسى أن تحبوا شيئا } من اللذات الجسمانية وتمتعات النفس { وهو شر لكم } للنفس بحرمانها من اللذات الروحانية { والله يعلم } ان فى كراهة النفوس ما اودع من راحة القلوب { وأنتم لا تعلمون } ان حياة القلوب فى موت النفوس وفى حياة النفوس موت القلوب كما قال قدس سره اقتلونى اقتلونى يا ثقات ان فى قتلى حياتا فى حيات خنجر وشمشير شدريحان من مرك من شدبزم ونركسدان من

البقرة 2:217

{ يسألونك عن الشهر الحرام } روى ان النبى صلى الله تعالى عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش وهو ابن عمته صلى الله عليه وسلم اخت ابيه فى جمادى الآخرة قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين سعد بن ابى وقاص الزهرى وعكاشة بن محصن الاسدى وعتبة بن غزوان السلمى وابا حذيفة بن ربيعة وسهيل بن بيضاء وعامر بن ربيعة وواقد بن عبد الله وخالد بن بكير وكتب لاميرهم عبد الله بن جحش كتابا وقال " سر على اسم الله ولا تنظر فى الكتاب حتى تسير يومين فاذا نزلت فافتح الكتاب واقرأه على اصحابك ثم امض لما امرتك ولا تكرهن احدا من اصحابك على السير معك ". فسار عبد الله يومين ثم نزل وفتح الكتاب فاذا فيه " بسم الله الرحمن الرحيم اما بعد فسر على بركة الله بمن تبعك من اصحابك حتى تنزل بطن نخلة فترصد بها عير قريش لعلك ان تأتينا منها بخير ". فلما نظر فى الكتاب قال سمعا وطاعة ثم قال لاصحابه ذلك وقال انه نهانى ان اكره احدا منكم فمن كان يريد الشهادة فلينطلق ومن كره فليرجع ثم مضى ومضى معه اصحابه لم يتخلف عنه منهم احد حتى كاد يقعد فوق القزع بموضع من الحجاز يقال له بحران فاضل سعد بن ابى وقاص وعتبة بن غزوان بعيرا لهما يعتقبانه فتخلفا فى طلبه ومضى بقية اصحابه حتى نزلوا بطن نخلة بين مكة والطائف فبينما هم كذلك مرت عير قريش تحمل زبيبا وادما وتجارة من تجارة الطائف فيهم عمرو بن الحضرمى والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة واخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان فلما رأوا اصحاب رسول الله هابوهم فقال عبد الله ابن جحش ان القوم قد ذعروا منكم فاحلقوا رأس رجل منكم فليتعرض لهم فحلقوا رأس عكاشة ثم اشرف عليهم فقال قوم عمار لا بأس عليكم فأمنوا وكان ذلك فى آخر يوم من جمادى الآخرة وكانوا يرونه من جمادى وهو من رجب فتشاور القوم وقالوا ان تركتموهم الليلة ليدخلن الحرم فليمنعن منكم فاجمعوا امرهم فى مواقعة القوم فرمى واقد بن عبد الله السهمى عمرو ابن الحضرمى بسهم فقتله وكان اول قتيل من المشركين وهو اول قتيل فى الهجرة واستأسروا الحكم بن كيسان وعثمان بن عبد الله وكان اول اسيرين فى الاسلام وافلت نوفل على فرس له فاعجزهم واستاق المؤمنون العير والاسيرين حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت قريش قد استحل محمد الشهر الحرام شهرا يأمن فيه الخائف وينذعر فيه الناس لمعايشهم اى يتفرقون فى البلاد فسفك فيه الدماء واخذ الجرائب وعير بذلك اهل مكة من كان بها من المسلمين وقالوا يا معشر الصباة استحللتم الشهر الحرام وقاتلتم فيه وبلغ ذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال عليه السلام لابن حجش واصحابه " ما امرتكم بالقتال فى الشهر الحرام " ووقف العير والاسيرين اى جعلها وموقوفة وما قسمها بين الغانمين وابى ان يأخذ شيأ من ذلك ينتظر الاذن من الله فعظم ذلك على اصحاب السرية وظنوا ان قد هلكوا وسقط فى ايديهم وقالوا يا رسول الله انا قتلنا ابن الحضرمى ثم امسينا فنظرنا الى هلال رجب فلا ندرى أفى رجب اصبناه ام فى جمادى فاكثر الناس فى ذلك فانزل الله هذه الآية فاخذ رسول الله العير فعزل منها الخمس وكان اول خمس فى الاسلام وقسم الباقى بين اصحاب السرية وكانت اول غنيمة فى الاسلام وبعث اهل مكة فى فداء اسيريهم فقال بل نقفهما حتى يقدم سعد وعتبة وان لم يقدما قتلناهما بهما فلما قدما فاداهما فاما الحكم بن كيسان فاسلم واقام مع رسول الله بالمدينة فقتل يوم بئر معونة شهيدا واما عثمان بن عبد الله فرجع الى مكة فمات بها كافرا واما نوفل فضرب بطن فرسه يوم الاحزاب ليدخل الخندق فوقع فى الخندق مع فرسه فتحطما جميعا وقتله الله فطلب المشركون جيفته بالثمن فقال صلى الله تعالى عليه وسلم خذوه فانه خبيث خبيث الجيفة والدية. والمعنى يسألك المسلمون استعلاما او الكفار تعنتا عن الشهر الحرام اى رجب سمى به لتحريم القتال فيه { قتال فيه } بدل اشتمال من الشهر لان الشهر مشتمل على القتال { قل } يا محمد فى جوابهم { قتال فيه كبير } اثم عظيم عند الله وقتال مبتدأ خبره كبير وجاز الابتداء بالنكرة لانها وصفت بفيه. والاكثر ان هذه الآية مفسوخة بقوله تعالى فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم التوبة 5. { وصد عن سبيل الله } مبتدأ قد تخصص بالعمل فيما بعد اى ومنع عن الاسلام الموصل للعبد الى الله تعالى { وكفر به } اى بالله تعالى { والمسجد الحرام } عطف على سبيل الله وحيث كان الصد عن سبيل الله فردا من افراد الكفر به تعالى لم يقدح العطف المذكور فى حسن هذا العطف لانه ليس باجنبى محض اى منع المسلمين عن دخول مكة وزيارة بيت الله { وإخراج أهله } اى اهل المسجد وهو النبى عليه السلام والمؤمنون { منه } اى من المسجد الحرام وهو عطف على وكفر به وجعل المسلمين اهل المسجد وان كانوا خارجين عن مكة لانهم قائمون بما يجب عليهم من حقه لانهم يصيرون اهلا له فى العاقبة فسماهم باسم العاقبة ولم يسم الكفار اهل المسجد وان كانوا بمكة لان مقامهم بمكة عارض { اكبر عند الله } خبر للاشياء المعدودة اى هذه الاشياء الاربعة اكبر اثما وعقوبة من قتل المسلين ابن الحضرمى فى الشهر الحرام لان القتال يحل بحال والكفر لا يحل بحال ولانهم كانوا متأولين فى القتال لانهم شكوا فى اليوم ولا تأويل للكفار فى الكفر { والفتنة } اى ما ارتكبوه من الاخراج والشرك وصد الناس عن الاسلام ابتداء وبقاء { اكبر من القتل } اى افظع من قتل الحضرمى فى الشهر الحرام فلما نزلت هذه الآية كتب عبد الله بن انيس الى مؤمنى مكة اذا عيركم المشركون بالقتال فى الشهر الحرام فعيروهم انتم بالكفر واخراج رسول الله من مكة ومنعهم المسلمين عن البيت { ولا يزالون يقاتلونكم } بيان لاستحكام عداوتهم واصرارهم على الفتنة فى الدين اى لا يزال الكفار عن قتالكم ايها المؤمنون { حتى يردوكم عن دينكم } اى كى يصرفوكم عن دينكم الحق الى دينهم الباطل { ان استطاعوا } اشارة الى تصلبهم فى الدين وثبات قدمهم فيه كأنه قيل وأنى لهم ذلك وهو كقول الرجل لعدوه ان ظفرت بى فلا تبق على ولا ترحمنى وهو واثق بانه لا يظفر به وهو تطييب لقلوب المؤمنين { ومن يرتدد منكم عن دينه } اظهار التضعيف لسكون الدال الثانية وبالفتح والادغام على التحريك لالتقاء الساكنين باخف الحركات والارتداد النكوص وهو تحذير من الارتداد اى من يفعل ذلك باضلالهم واغوائهم { فيمت وهو كافر } بان لم يرجع الى الاسلام. وفيه ترغيب فى الرجوع الى الاسلام بعد الارتداد الى حين الموت { فأولئك } المصرون على الارتداد الى حين الموت { حبطت } بطلت وتلاشت { أعمالهم } التى كانوا عملوها فى حالة الاسلام حبوطا لا تلافى له قطعا { فى الدنيا } وهو قطع حياته وقتله عند الظفر به لارتداده وفوات موالاة المسلمين ونصرهم والثناء الحسن وزوال النكاح وحرمانه من مواريث المسلمين ونحو ذلك مما يجرى على نفس المرتد واهله وماله { والآخرة } وهو الثواب وحسن المآب لان عبادتهم لم تصح فى الدنيا فلم يجازوا عليها فى الآخرة وليس المراد من احباط العمل ابطال نفس العمل لان الاعمال اعراض كما توجد تفنى وتزول واعدام المعدوم محال بل المراد به ما ذكر من ان الردة الحادثة تزيل ثواب الايمان السابق وثواب ما سبق من ثمراته. وظاهر الآية يقتضى ان تكون الوفاة على الردة شرطا لثبوت الاحكام المذكورة وهى حبوط الاعمال فى الدنيا والآخرة وكون صاحبها من اصحاب النار خالدا فيها وان لا يثبت شىء من هذه الاحكام ان اسلم المرتد بعد ردته ولهذا احتج الشافعى بهذه الآية على ان الردة لا تحبط الاعمال حتى يموت صاحبها عليها وعند ابى حنيفة رحمه الله ان الردة تحبط الاعمال مطلقا اى وان رجع مسلما تمسكا بعموم قوله تعالى ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون الأنعام 88. وقوله ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله المائدة 5. ويتفرع عليه مسألتان. الاولى ان جماعة من المتكلمين قالوا شرط صحة الايمان والكفر حصول الوفاة عليهما فلا يكون الايمان ايمانا الا اذا مات المؤمن عليه وايضا لا يكون الكفر كفرا الا اذا مات الكافر عليه والمسألة الثانية ان المسلم اذا صلى ثم ارتد والعياذ بالله ثم اسلم فى الوقت قال الشافعى لا اعادة عليه. وقال ابو حنيفة يلزمه قضاء ما ادى وكذا الكلام فى الحج { وأولئك أصحاب النار } ملازموها { هم فيها خالدون } كدأب سائر الكفرة فلا بد للمؤمن من العمل الصالح ومن الصون عما يبطله وسبب الارتداد عدم اليقين والا فكيف يحوم حول الموحد الحقيقى شيطان وشرك وهو قد تخلص من البرازخ والقيود ووصل الى الرب المعبود والعمل الصالح هو ما اريد به وجه الله فان غيره فاسد لا ينفع لصاحبه اصلا قال الحافظ فرداكه بيشكاه حقيقت شود بديد شرمنده رهروى كه عمل برمجاز كرد واحسن الحسنات التوحيد لانه اس الكل ولذلك لا يوزن قال عليه السلام " ان كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة الا شهادة ان لا اله الا الله فانها لا توضع فى ميزان لانها لو وضعت فى ميزان من قالها صادقا ووضعت السموات والارضون السبع ما فيهن كان لا اله الا الله ارجح من ذلك ". وجميع الاعمال الصالحة يزيد فى نور الايمان. فعليك بالطاعة والحسنات والوصول الى المعارف الآلهية فان العلم بالله افضل الاعمال ولذلك لما " قيل يا رسول الله أى الاعمال افضل قال " العلم بالله " فقيل نسأل عن العمل وتجيب عن العلم فقال " ان قليل العمل ينفع مع العلم وان كثير العمل لا ينفع مع الجهل ". وذلك انما يحصل بتصفية الباطن مع صيقل التوحيد وانواع الاذكار ولا يعقلها الا العالمون قال فى المثنوى ذكر حق كن بانك غولانرا بسوز جشم نركس را ازين كركس بدوز قال الشيخ الحسن محمد بن السراج سعمت الجنيد قدس سره يقول رأيت ابليس فى المنام كأنه عريان فقلت ألا تستحيى من الناس فقال لو كان هؤلاء من الناس لما اتلاعب بهم كما يتلاعب الصبيان بالكرة فقلت ومن الناس فقال قوم فى المسجد الشونيزى قد انحلوا جسمى واحرقوا قلبى كلما هممت بهم اشاروا الى الله تعالى فاكاد احرق بنور ذكرهم قال فانتبهت وجئت الى المسجد الشونيزى بليل فلما دخلت المسجد اذا انا بثلاث انفس جلوس ورؤسهم مغطاة بمرقعاتهم فلما أحسوا بى اخرج واحد رأسه فقال يا ابا القاسم انت كلما قيل بشىء صرت تقبله وتسمعه انظر الى اجتهادهم فى طاعة الله وصفاء اسرارهم عما سواه تعالى فهم من اهل الاسلام الحقيقى. يقول الفقير ناظم هذه الدرر قال لى شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة فى قوله عليه السلام " بدا الاسلام غريبا وسيعود غريبا ". المراد بالاسلام هو الاسلام الحقيقى وصاحبه لا يرتد ابدا وكونه غريبا ان لا يوجد له انيس قال فى المثنوى بود كبرى درزمان بايزيد كفت اورا يك مسلمان سعيد كه جه باشد كرتو اسلام آورى تا بيابى صد نجات سرورى كفت اين اسلام اكرهست اى مريد آنكه دارد شيخ عالم بايزيد مؤمن ايمان اويم درنهان كرجه مهرم هست محكم بر دهان باز ايمان كرخود ايمان شماست نى بدان ميلستم و نى مشتهاست آنكه صدميلش سوى ايمان بود جون شمارا ديد زآن فاترشود زانكه نامى بيندو معنبش نى جون بيابانرا مفازه كفتنى

البقرة 2:218

{ إن الذين آمنوا } نزلت فى السرية فان الله تعالى لما فرج عنهم بالآية السابقة ما كانوا فيه من الغم الشديد بقتالهم فى الشهر الحرام طمعوا فيما عند الله من ثوابه فقالوا يا رسول الله لا عقاب علينا فيما فعلنا فهل نعطى اجرا او ثوابا ونطمع ان يكون سفرنا هذا سفر غزو وطاعة فأنزل الله تعالى هذه الآية لانهم كانوا مؤمنين مهاجرين وكانوا بسبب هذه المقاتلة مجاهدين والمعنى ثبتوا على ايمانهم فلم يرتدوا { والذين هاجروا } اى فارقوا منازلهم واهلهم { وجاهدوا } المجاهدة استفراغ ما فى الوسع اى حاربوا المشركين { فى سبيل الله } فى طاعته لاعلاء دينه { اولئك يرجون } بمالهم من مبادى الفوز { رحمة الله } اى ثوابه ولا يحبط اعمالهم كاعمال المرتدين اثبت لهم الرجاء دون الفوز بالمرجو للايذان بانهم عالمون بان العمل غير موجب للاجر وانما هو بطريق التفضل منه تعالى لا لان فى فوزهم اشتباها { والله غفور } مبالغ فى مغفرة ما فرط من عباده خطأ { رحيم } يجزل لهم الاجر والثواب. قال قتادة هؤلاء خيار هذه الامة ثم جعلهم الله اهل رجاء كما تسمعون وانه من رجا طلب ومن خاف هرب روى انه مر ابو عمر البيكندى يوما بسكة فرأى اقواما ارادوا اخراج شاب من المحلة لفساده وامرأة تبكى قيل انها امه فرحمها ابو عمر فشفع له اليهم وقال هبوه منى فى هذه المرة فان عاد الى فساده فشأنكم فوهبوه منه فمضى ابو عمر فلما كان بعد ايام اجتاز بتلك السكة فسمع بكاء العجوز من ورآء ذلك الباب فقال فى نفسه لعل الشاب عاد الى فساده فنفى من المحلة فدق عليها الباب وسألها عن حال الشاب فقالت انه مات فسأله عن حاله فقالت لما قرب اجله قال لا تخبرى الجيران بموتى فلقد آذيتهم فانهم سيشتموننى ولا يحضرون جنازتى فاذا دفنتنى فهذا خاتم لى مكتوب عليه بسم الله الرحمن الرحيم فادفنيه معى فاذا فرغت من دفنى فتشفعى لى الى ربى ففعلت وصيته فلما انصرفت عن رأس القبر سمعت صوته يقول انصرفى يا اماه فقد قدمت على رب كريم ونعم ما قيل ببهانه ميدهد ببها نميدهد قيل ان الحجاج لما احضرته الوفاة كان يقول اللهم اغفر لى فان الناس يزعمون انك لا تفعل ومات بواسط سنة خمس وتسعين وهى مدينته التى انشأها وكان يوم موته يسمى عرس العراق ولم يعلم بموته حتى اشرفت جارية من القصر وهى تبكى وتقول ألا ان مطعم الطعام ومفلق الهام قد مات ثم دفن ووقف رجل من اهل الشام على قبره فقال اللهم لا تحرمنا شفاعة الحجاج وحلف رجل من اهل العراق بالطلاق ان الحجاج فى النار فاستفتى طاووس فقال يغفر الله لمن يشاء وما اظنها الا طلقت فيقال انه استفتى الحسن البصرى فقال اذهب الى زوجتك وكن معها فان لم يكن الحجاج فى النار فما يضركما انكما فى الحرام فقد وقفت من هذا المذكور على ان الله تعالى غفور رحيم يغفر لعبده وان جاء بمثل زبد البحر ذنبا فاللازم للعباد الرجاء من الله تعالى قال الراغب وهذه المنازل الثلاثة التى هى الايمان والمهاجرة والجهاد هى المعنية بقوله اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا فى سبيله المائدة 35. ولا سبيل الى المهاجرة الا بعد الايمان ولا الى جهاد الهوى الا بعد هجران الشهوات ومن وصل الى ذلك فحق له ان يرجو رحمته واعلم ان الهجرة على قسمين. صورية وقد انقطع حكمها بفتح مكة كما قال عليه السلام " لا هجرة بعد الفتح ". ومعنوية وهى السير عن موطن النفس الى الله لفتح كعبة القلب وتخليصها من اصنام الشرك والهوى فيجرى حكمها الى يوم القيامة. وكذا الجهاد فى سبيل الله على قسمين. اصغر وهو الجهاد مع الكفار. واكبر وهو الجهاد مع النفس وانما كان هذا الجهاد اكبر لان غاية الاول اصلاح الظاهر وغاية الثانى اصلاح الباطن وهو اصعب واقوى. وايضا غاية الاول الوصول الى الجنة والرحمة. وغاية الثانى الوصول الى مشاهدة الحق والجمال المطلق. وايضا غاية الاول الشهادة. وغاية الثانى الصديقية والصديقون اعلى منزلة من الشهداء كما قال تعالى فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء النساء 69. فقدم ذكر الصديقين على ذكر الشهداء فاذا وصل المرء الى صلاح النفس بالجهاد الاكبر الذى هو اعز من الكبريت الاحمر يرحم العباد ولا يقصد لهم الضرر حكى ان بعضهم جاء الى بعض المشايخ وخدمه وقال له اريد ان تعلمنى الاسم الاعظم فقال له وفيك اهلية له قال نعم قال اذهب الى باب البلد ثم اخبرنى بما جرى فيه فذهب وجلس على باب البلد فاذ بشيخ حطاب معه حطب على حمار فضربه جندى واخذ حطبه ظلما فلما رجع الرجل الى الشيخ واخبره بالقصة قال له الشيخ لو كنت تعلم الاسم الاعظم ما تصنع بالجندى قال كنت ادعو عليه بالهلاك فقال له الشيخ اعلم ان الحطاب هو الذى علمنى الاسم الاعظم واعلم ان الاسم الاعظم لا يصلح الا لمن يكون على هذه الصفة من الصبر والرحمة على الخلق والشفقة عليهم قال السعدى قدس سره مكن تاتوانى دل خلق ريش وكرميكنى ميكنى بيخ خويش ثم ان قلة الكلام من انفع الاشياء فى اصلاح النفس كما ان اللقمة الطيبة انفع فى اصلاح الطبيعة وصفاء القلب قال فى المثنوى طفل جان ازشير شيطان بازكن بعد ازانش باملك انباز كن تاتو تاريك وملول وتيرهء دانكه با ديو لعين همشيرهء لقمهء كونور افزود وكمال آن بود آورده از كسب حلال روغنى كايد جراغ ما كشد آب خوانش جون جراغى راكشد

البقرة 2:219

{ يسألونك } قال ابن عباس رضى الله عنهما ما رأيت قوما كانوا خيرا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه الا عن ثلاث عشرة مسألة كلها فى القرآن ما كانوا يسألونه الا عما ينفعهم وينفع المسلمين { عن الخمر } اى عن حكم تعاطيها بقرينة الجواب لان الحل والحرمة والاثم والطاعة انما هى من عوارض افعال المكلفين ولا اثم فى ذوات الاشياء واعيانها ويدخل فى تعاطى الخمر البيع والشراء وغيرهما مما يدخل تحت التصرف على خلاف الشرع. والخمر مصدر خمره اى ستره سمى به من عصير العنب ما غلى واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقل والتمييز كأنها نفس الستر كما سميت سكرا لانها تسكرهما اى تحجزهما { و } عن تعاطى { الميسر } مصدر ميمى من يسر كالموعد والمرجع يقال يسرته اذا قمرته واشتقاقه اما من اليسر لانه اخذ المال بيسر من غير كد وتعب واما من اليسار لانه سلب له ويدخل فيه جميع انواع القمار والشطرنج وغيرهما حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب { قل فيهما } اى فى تعاطى الخمر والميسر واستعمالهما { إثم كبير } لما ان الاول مسلبة للعقول التى هى قطب الدين والدنيا مع كون كل منهما متلفة للاموال { ومنافع للناس } من كسب الطرب والمغالاة بثمن الخمر اذا جلبوها من الاطراف وفيها تقوية الضعيف وهضم الطعام والاعانة على الباءة اى الجماع وتسلية المحزون وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وتصفية اللون وانطاق الفتى العى وتهييج الهمة. ومنافع الميسر اصابة المال من غير كد ولا تعب وانتفاع الفقراء بلحم الجزور فانهم كانوا يفرقونها على المحتاجين. قال الواقدى وربما قمر الواحد منهم فى مجلس مائة بعير فيصيب مالا عظيما بلا نصب ولا ثمن ثم يعطيه المحتاجين فيكتسب المدح والثناء { وإثمهما اكبر من نفعهما } وفى الخمر ايقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهى تسفه الحليم ويصير شاربها بحيث يلعب ببوله وعذرته وقيئه كما ذكر ابن ابى الدنيا انه مر على سكران وهو يبول فى يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء ويقول الحمد الله الذى جعل الاسلام نورا والماء طهورا. وفى الميسر انه اذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه وقصده بالسوء. قال المفسرون تواردت فى الخمر اربع آيات نزلت بمكة ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا النحل 67 فطفق المسلمون يشربونها وهى لهم حلال يومئذ ثم ان عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة رضى الله تعالى عنهم قالوا افتنا يا رسول الله فى الخمر فانها مذهبة للعقل فنزلت { يسألونك عن الخمر والميسر } الآية فشربها قوم وقالوا نأخذ منفعتها ونترك اثمها وتركها آخرون وقالوا لا حاجة لنا فيما فيه اثم كبير ثم ان عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه دعا ناسا منهم فشربوا وسكروا قام احدهم فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد ما تعبدون الى آخر السورة بدون لا فى لا اعبد فنزلت لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى النساء 43 الآية. فقل من يشربها وقالوا لا خير فى شىء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم فى غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد الصبح فيصحوا اذا جاء وقت الظهر ثم اتخذ عتبان بن مالك ضيافة ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها ثم انهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار فانشد سعد قصيدة فيها هجاء الانصار وفخر لقومه فاخذ رجل لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد الى رسول الله وشكا اليه الانصارى فقال عمر اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزل إنما الخمر والميسر المائدة 90. فى المائدة الى قوله فهل أنتم منتهون المائدة 91. فقال عمر انتهينا يا رب. وحرمت الخمر فى السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة الاحزاب بايام. قال القفال والحكمة فى وقوع التحريم على هذا الترتيب انه تعالى علم ان القوم كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم به كثيرا وعلم انه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم فلا جرم استعمل فى التحريم هذا التدريج وهذا الرفق ثم لما نزل التحريم اريقت الخمر. قال ابن عمر رضى الله عنهما خرجنا بالحباب الى الطريق فمنا من كسر حبه ومنا من غسله بالماء والطين ولقد غودرت ازقة المدينة بعد ذلك حينا كلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها وحرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش اعجب منها وما حرم الله عليهم شيأ اشد من الخمر روى ان جبريل عليه السلام قال للنبى عليه السلام ان الله تعالى شكر لجعفر الطيار رضى الله عنه اربع خصال كان عليها فى الجاهلية وهو عليها فى الاسلام فسأل النبى عليه الصلاة والسلام جعفرا عن ذلك فقال يا رسول الله لولا ان الله اطلعك عليها لما اخبرتك بها ما شربت الخمر قط لانى رأيتها تزيل العقل وانا الى ان ازيد فيه احوج منى الى ان ازيله. وما عبدت صنما قط لانى رأيته لا يضر ولا ينفع. وما زنيت قط لغيرتى على اهلى. وما كذبت قط لانى رأيته دناءة. قال عمرو ابن الادهم من اكابر سادة بنى تميم ذاما للخمر لو كان العقل يشترى ما كان شىء انفس منه فالعجب لمن يشترى الحمق بماله فيدخله فى رأسه فيقىء فى جيبه ويسلح فى ذيله. وعن على رضى الله عنه لو وقعت قطرة فى بئر فبنيت فى مكانها منارة لم اوذن عليها ولو وقعت فى بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم ارعه. وعن ابن عمر رضى الله عنهما لو ادخلت اصبعى فيها لم تتبعنى وهذا هو الايمان والتقى حقا فينبغى للمسلم ان لا يخطر بباله شرب الخمر فضلا عن شربها وينقطع شاربها فانه اذا خالط شارب الخمر يخاف عليه ان يصيبه من عثاره قال الحسين الواعظ الكاشى ترار حمان همى كويدكه اى مؤمن مخورباده ترا ترسا همى كويدكه درصفرا مخور حلوا نمى مانى زنا باكى براى كفته رحمان بمانى شهد وشكررا براى كفته ترسا وعن بعض الصحابة انه قال من زوج ابنته لشارب الخمر فكأنما ساقها الى الزنى معناه ان شارب الخمر يقع منه الطلاق وهو لا يشعر. فالذى يجب على الولى ان لا يزوج ابنته ولا اخته من فاسق ولا ممن يتعاطى المنكرات. واعلم ان خل الخمر حلال ولو بعلاج كالقاء الماء الحار او الملح او الخبز ولا يكره تخليلها وفى الحديث " خير خلكم خل خمركم " هذا هو البيان فى الخمر. واما الميسر فهو القمار والياسر القامر وكان اصل الميسر فى الجزور وذلك ان اهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزور او يضمنون ثمنه ولا يؤدونه ليظهر بالقمار انه على من يجب فينحرونها ويجزئونها عشرة اجزاء وقيل ثمانية وعشرين ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الازلام والاقلام سبعة منها لها انصباء الفذ وله نصيب واحد والتوأم وله نصيبان والرقيب وله ثلاثة والحلس وله اربعة والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة والمعلى وله سبعة وثلاثة منها لا انصباء لها وهى المنيح والسفيح والوغد ثم يجعلون القداح فى خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدى عدل عندهم يسمى المجيل والمفيض ثم يجيلها ويجلجلها اى يحركها باليد ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا قدحا فمن خرج له قدح من ذات الانصباء اخذ النصيب المعين له ومن خرج له قدح مما لا نصيب له وهو الثلاثة لم يأخذ شيأ وغرم ثمن الجزور وكانوا يدفعون تلك الانصباء الى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لا يدخل فيه ويسمونه البرم وهو اللئيم العديم المروءة والكرم فهذا اصل القمار الذى كانت العرب تفعله فنهى المسلمون عنه. واختلف فى الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين او هو اسم لجميع انواع القمار. فقال بعض العلماء المراد من الآية جميع انواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما. وروى أن رجلا خاطر رجلا على ان يأكل كذا كذا بيضة على كذا كذا من المال فقال على رضى الله عنه هذا قمار. وعن ابن سيرين كل شىء فيه خطر فهو من الميسر وعن النبى عليه السلام " اياكم وهاتين الكعبتين المشئومتين فانهما من مياسر العجم " يريدان النرد والشطرنج ميسر يشير به الى انهما حرام. واما السبق فى الخف والحافر والنشاب فخص بدليل قال السعدى قدس سره كهل كشتى و همجنان طفلى شيخ بودىو همجنان شابى توببازى نشسته درجب وراست ميرسد نير جرخ برتابى جاى كريه است برمصيبت بير كه توكودك هنوز لعابى والاشارة فى الآية ان خمر الظاهر كما يتخذ من اجناس مختلفة من العنب والتمر والزبيب والحبوب كالحنطة والشعير والذرة فكذلك خمر الباطل من اجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وامثالها وهذه خمور تسكر منها النفوس والعقول الانسانية وفيها اثم كبير ولهذا كل مسكر حرام وما يسكر كثيره فقليله حرام. ومنها ما يسكر القلوب والارواح والاسرار فهو شراب الواردات فى اقداح المشاهدات من ساقى تجلى الصفات فاذا دارت على النفوس وانخمدت شهواتها وسكرت القلوب بالمواجيد عن المواحيد والارواح بالشهود عن الوجود والاسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال فهذا شراب نافع للناس حلال فالعجب كل العجب ان قوما اسكرهم وجود الشراب وقوما اسكرهم شهود الساقى كقولهم فاسكر القوم دور كأس وكان سكرى من المدير وفى المثنوى ما اكر قلاش اكر ديوانه ايم مست آن ساقى و آن بيمانه ايم مست مى هشيار كردد ازدبور مست حق نايد بخود ازنفخ صور جرعه جون ريخت ساقئ الست برسراين شوره خاك زير دست جوش كرد آن خاك وما زان جوششيم جرعه ديكر كه بس بى كوششيم واتم الاعراض عن كؤس الوصال فى النهاية اكبر من نفع الطلب الف سنة فى البداية وكما ان سكران الخمر ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات واما اثم الميسر فهو ان آثار القمار هى شعار اكثر الديار فى سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش فى المقال وانه كبير عند الاخيار بعيد عن خصال الابرار واما نفعه فعدم الالتفات الى الكونين وبزل نقوش العالمين فى فردانية نقش الكعبتين واثمهما اكبر من نفعهما لان اثمهما للعوام ونفعهما للخواص والعوام اكثر من الخواص وقليل ما هم كذا فى التأويلات النجمية قدست نفسه الزكية { ويسألونك ماذا ينفقون } هو كما يصلح سؤالا عن جنس المنفق يصلح سؤالا عن كميته وقدره فانه لما نزل قوله تعالى قل ما أنفقتم من خير فللوالدين البقرة 215. قال عمرو بن الجموح ما انفق فنزل قوله { قل العفو } اى انفقوا العفو وهو نقيض الجهد وهو المشقة ونقيضه اليسر والسهولة فكأنه قيل قل انفق ما سهل وتيسر ولم يشق عليك انفاقه فالعفو من المال ما يسهل انفاقه والجهد من المال ما يعسر انفاقه والقدر المنفق انما يكون انفاقه سهلا اذا كان فاضلا عن حاجة نفسه وعياله ومن عليه مؤونته { كذلك } اى مثل ما بين ان العفو اصلح من الجهد والكاف فى محل النصب صفة لمصدر محذوف اى تبيينا مثل هذا التبيين وافراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القبيل او الفريق او القوم مما هو مفرد اللفظ ومجموع المعنى { يبين الله لكم الآيات } الدالة على الاحكام الشرعية لا بيانا ادنى منه وتبيين الآيات تنزيلها مبينة الفحوى واضحة المدلول لا انه تبيينها بعد ان كانت مشتهبة وملتبسة { لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة } اى لكى تتفكروا فى امور الدارين فتأخذوا بما هو اصلح لكم واسهل فى الدنيا وانفع فى العقبى وتتجنبوا عما يضركم فى العقبى. قال البغوى يبين الله لكم الآيات فى امر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون فى زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا وفى اقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها وهذه الآية ترغب فى التصدق لكن بشرط ان يكون ذلك من فضل المال وعفوه وعن النبى عليه السلام " ان رجلا اتاه ببيضة من ذهب اصابها فى بعض المغازى فقال يا رسول الله خذها منى صدقة فوالله لقد اصبحت ما املك غيرها فاعرض عنه رسول الله فاتاه من الجانب الايمن فقاله مثله فاعرض عنه ثم اتاه من الجانب الايسر فاعرض عنه فقال " هاتها " مغضبا فاخذها منه فحذفها حذفا لو اصابه لشجه او عقره ثم قال " يجيئ احدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس انما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها ". وفى لفظ العفو اشارة الى ان ما يعطيه المرء ينبغى ان يعفو اثره عن قلبه عند الانفاق يعنى بطيب القلب لان اصل العفو المحو والطمس ثم الاخراج عن فاضل الاموال على قدر الكفاية طريقة الخواص. فاما خاص الخاص فطريقهم الايثار وهو ان يؤثر غيره على نفسه وبه فاقه الى ما يخرج وان كان صاحبه الذى يؤثر به غنيا قال الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الحشر 9. وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال " امرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ان نتصدق ووافق ذلك مالا عندى فقلت اليوم اسبق ابا بكر رضى الله عنه فجئت بنصف مالى فتصدقت به فقال لى رسول الله " ما ابقيت لاهلك يا عمر " قلت نصف مالى يا رسول الله ثم قال لابى بكر " ما ابقيت لاهلك " قال ابقيت لهم الله ورسواله فقلت لا اسابقك بشىء بعدها روى ان النبى عليه السلام قال عند ذلك " ما بينكما ما بين كلاميكما ". ومنه يعرف فضل ابى بكر على عمر لكن الفاضلية من وجه لا تنافى المفضولية من وجه آخر فان الكامل ليس يلزمه ان يكون كاملا فى جميع الامور وانما التقدم والتأخر بالنظر الى العلم بالله. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره كان ابو بكر غالب المعرفة وعمر غالب الشريعة وعثمان غالب الطريقة وعلى غالب الحقيقة وان كانوا كاملين فى المراتب الاربع انتهى كلامه قال الحسين الواعظ الكاشى مايه توفيق كرم كردن است كنج يقين ترك درم كردن است زادره مرك زنان دادن است زندكى عشق زجان دادن است فسخاوة العوام اعطاى المال وسخاوة الخواص بذل الروح وهو قليل هست جوانمرد درم صد هزار كار جو باجان فتد آنست كار وحث النبى عليه السلام اصحابه على الصدقة فجعل الناس يتصدقون وكان ابو امامة الباهلى جالسا بين يديه عليه السلام وهو يحرك شفتيه فقال له النبى عليه السلام " ماذا تقول حيث تحرك شفتيك ". قال انى ارى الناس يتصدقون وليس معى شىء اتصدق به فاقول فى نفسى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم " هؤلاء الكلمات خير لك من مد ذهبا تتصدق به على المساكين ". تازنده ايم ذكر لبش در زبان ماست يا دش انيس ومونس جان وروان ماست يروى ان اول من قال سبحان الله جبريل عليه السلام وذلك انه لما خلقه الله وقع نظره على العرش وعظمته فقال سبحان الله فمن قالها نال ثواب جبريل. واول من قال الحمد لله آدم الصفى عليه الصلاة والسلام حين نفخ فيه الروح فمن قالها نال نصيبا من فضل آدم. واول من قال لا اله الا الله نوح النجى عليه السلام حين مشاهدة الطوفان وشدة البلاء فمن قالها اخذ حظا وافرا من ثواب نوح. واول من قال الله اكبر ابراهيم الخليل عليه السلام حين شاهد فداء اسماعيل وهو الكبش فمن قالها نال فيضا من فيض ابراهيم اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا رب العالمين { ويسألونك عن اليتامى } اى عن مخالطتهم لان السؤال عن الشىء ينصرف الى ما هو معظم المقصود منه وهو ههنا المخالطة والكفالة وذلك بعد نزول قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء 10. فتركوا مخالطتهم ومؤاكلتهم حتى لو كان عند رجل يتيم يجعل له بيتا على حدة وطعاما على حدة وعزلوا اموال اليتامى عن اموالهم وكان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شىء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد فاشتد ذلك عليهم فقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله ما لكلنا منازل يسكنها اليتامى ولا كلنا نجد طعاما وشرابا نفردهما لليتيم فزلت هذه الآية { قل اصلاح لهم } اى مداخلتهم على وجه الاصلاح لهم ولاموالهم { خير } من مجانبتهم وترك الخلطة والنظر عليهم. واصلاح مصدر حذف فاعله تقديره واصلاحكم لهم خير للجانبين اى جانبى المصلح والمصلح له اما الاول فلما فيه من الثواب واما الثانى فلما فيه من توافر اموال اليتامى والتزايد { وان تخالطوهم } وتعاشروهم على وجه ينفعهم { فاخوانكم } اى فهم اخوانكم فى الدين الذى هو اقوى من العلاقة النسبية ومن حق الاخ ان يخالط الاخ بالاصلاح والنفع. قال ابن عباس رضى الله عنهما المخالطة ان تأكل من تمره ولبنه وقصعته وهو يأكل من تمرك ولبنك وقصعتك وهذا اذا اصاب من مال اليتيم بقدر عمله له او دونه فلا يزيد على اجر مثله وقد قال تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف النساء 6. وقد تكون المخالطة بخلط المال وتناول الكل منه وهو منهى شرعا. قال ابو عبيد هذه الآية عندى اصل لما يفعله الرفقاء فى الاسفار فانهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد يتفاوتون فى قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه فلما كان هذا فى اموال اليتامى واسعا كان فى غيرهم اوسع ولولا ذلك لخفت ان يضيق فيه الامر على الناس وقد حملت المخالطة على المصاهرة وهو ان يكون ابنا فيزوجه ابنته او تكون بنتا فيزوجها ابنه فتتأكد الالفة ويخلطه بنفسه وبعشيرته ايناسا لوحشته وازالة لوحدته وهو مروى عن الحسن { والله يعلم } بمعنى المعرفة المتعدية الى واحد { المفسد } لمال اليتيم { من المصلح } لماله اى لا يخفى على الله من داخلهم بافساد واصلاح فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الاصلاح وفى تقديم المفسد مزيد تهديد ومن لتضمين العلم معنى التمييز اى يعلم من يفسد فى امورهم عند المخالطة مميزا له ممن يصلح فيها { ولو شاء الله } اعناتكم وهو الحمل على ولا يطيقه { لاعنتكم } لحملكم على العنت وهو المشقة فلم يطلق لكم مداخلتهم يقال عنت فلان اذا وقع فى امر يخاف منه التلف { إن الله عزيز } غالب يقدر على الاعنات { حكيم } يحكم ما تقتضيه الحكمة وتسع له الطاقة وهو دليل على ما يفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها. واعلم ان مخالطة الايتام من اخلاق الكرام وفى الترحم عليهم فوائد جمة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " من وضع يده على رأس يتيم ترحما عليه كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة ". وفى الحديث " ثلاثة فى ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت اقيم على اليتامى حتى يغنيهم الله او يموت ". يعنى اليتيم " او هى ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنيعه واحسن نفقته فدعا اليه اليتيم والمسكين وواصل الرحم يوسع له فى رزقه ويمد له فى اجله ويكون تحت ظل عرشه ". قال الله تعالى يا موسى كن لليتيم كالاب الرحيم وكن للارامل كالزوج الشفيق وكن للغريب كالاخ الرفيق اكن لك كذلك قال الحافظ تميار غريبان سبب ذكر جميلست جانا مكراين قاعده درشهر شمانيست وفى الحديث " انا وكافل اليتيم ". اى القائم بمصالحه سواء كان من مال نفسه ام من مال اليتيم وسواء كان اليتيم قريبا ام لا " كهاتين فى الجنة ". واشار بالسبابة والوسطى يعنى ان كافل اليتيم يكون فى الجنة مع حضرة النبى عليه الصلاة والسلام لا ان درجته تبلغ درجته قال الشيخ سعدى قدس سره جو بينى يتيمى سرافكنده ييش مده بوسه برروى فرزند خويش ألا تانكريد كه عرش عظيم بلرزد همى جون بكريد يتيم ويجتنب كل الاجتناب عن اخلال حق من حقوقه واكل حبة من ماله وعن ظلمه وقهره يحكى ان رستم بن زال بارز مع اسنفديار فلم يقدر عليه مع زيادة قوته وكان اسفنديار يجرحه فى كل حمل دون رستم وكان بدن اسفنديار كجلد السمك لا يعمل فيه شىء ثم ان رستم تشاور مع ابيه زال فى ذلك فقال له ابوه انك لا تقدر عليه الا ان تعمل سهما ذا فقارين وتصيب به عينى اسفنديار ففعل ذلك فرمى فاصاب فغلب عليه بذلك فيحكى فى سبب ذلك ان اسفنديار كان قد ضرب فى شبيبته يتيما بغصن ففقأ به عينه وابكاه ثم ان اليتيم اخذ ذلك الغصن وغرسه فلما صار شجرا اخذ رستم غصنا من اغصانه ونحت منه سهمه الذى اصاب به عينى اسنفديار. ويؤدب اليتيم الذى فى حجره كتأديبه ولده فانه مسئول عنه يوم القيامة ويصلح حاله. والتأديب على انواع. منها الوعيد. ومنها الضرب. ومنها حبس المنافع والعطية والبر فان بين النفوس تفاوتا فنفس تخضع بالغلظة والشدة ولو استعملت معها الرفق والبر لافسدها ونفس بالعكس وقد جعل الله الحدود والتعزير لتأديب العباد على قدر ما يأتون من المنكر فادب الاحرار الى السلطان وادب المماليك والاولاد الى السادات والآباء وهو مأجور على التأديب ومسئول عنه قال الله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا التحريم 6. وفى الحديث " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". وفى قوله تعالى { وإن تخالطوهم فإخوانكم } البقرة 220. اشارة الى ان المرء ينبغى ان يتعود الاكل مع الناس فان شر الناس من اكل وحده وفى الحديث " ان من احب الطعام الى الله ما كثرت عليه الايدى ". ذكره فى العوارف وذكر فى المصابيح " ان اصحاب النبى عليه السلام قالوا يا رسول الله انا نأكل ولا نشبع قال " لعلكم تفترقون " قالوا نعم قال " فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى ". ومن اللطائف ما يحكى انه قيل لجمين صاحب النوادر أتغديت عند فلان قال لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدى فقيل كيف علمت قال رأيت غلمانه بايديهم قسى البنادق يرمون الطير فى الهواء قيل لبخيل من اشجع الناس فقال من يسمع وقع اضراس الناس فلا تنشق مرارته وفى الحديث " من اضاف مؤمنا فكأنما اضاف آدم ومن اضاف اثنين فكانما اضاف آدم وحواء " كذا فى الرسالة العلية لحسين الواعظ.

البقرة 2:220

{ يسألونك } قال ابن عباس رضى الله عنهما ما رأيت قوما كانوا خيرا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه الا عن ثلاث عشرة مسألة كلها فى القرآن ما كانوا يسألونه الا عما ينفعهم وينفع المسلمين { عن الخمر } اى عن حكم تعاطيها بقرينة الجواب لان الحل والحرمة والاثم والطاعة انما هى من عوارض افعال المكلفين ولا اثم فى ذوات الاشياء واعيانها ويدخل فى تعاطى الخمر البيع والشراء وغيرهما مما يدخل تحت التصرف على خلاف الشرع. والخمر مصدر خمره اى ستره سمى به من عصير العنب ما غلى واشتد وقذف بالزبد لتغطيتها العقل والتمييز كأنها نفس الستر كما سميت سكرا لانها تسكرهما اى تحجزهما { و } عن تعاطى { الميسر } مصدر ميمى من يسر كالموعد والمرجع يقال يسرته اذا قمرته واشتقاقه اما من اليسر لانه اخذ المال بيسر من غير كد وتعب واما من اليسار لانه سلب له ويدخل فيه جميع انواع القمار والشطرنج وغيرهما حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب { قل فيهما } اى فى تعاطى الخمر والميسر واستعمالهما { إثم كبير } لما ان الاول مسلبة للعقول التى هى قطب الدين والدنيا مع كون كل منهما متلفة للاموال { ومنافع للناس } من كسب الطرب والمغالاة بثمن الخمر اذا جلبوها من الاطراف وفيها تقوية الضعيف وهضم الطعام والاعانة على الباءة اى الجماع وتسلية المحزون وتشجيع الجبان وتسخية البخيل وتصفية اللون وانطاق الفتى العى وتهييج الهمة. ومنافع الميسر اصابة المال من غير كد ولا تعب وانتفاع الفقراء بلحم الجزور فانهم كانوا يفرقونها على المحتاجين. قال الواقدى وربما قمر الواحد منهم فى مجلس مائة بعير فيصيب مالا عظيما بلا نصب ولا ثمن ثم يعطيه المحتاجين فيكتسب المدح والثناء { وإثمهما اكبر من نفعهما } وفى الخمر ايقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله وعن الصلاة وهى تسفه الحليم ويصير شاربها بحيث يلعب ببوله وعذرته وقيئه كما ذكر ابن ابى الدنيا انه مر على سكران وهو يبول فى يده ويمسح به وجهه كهيئة المتوضىء ويقول الحمد الله الذى جعل الاسلام نورا والماء طهورا. وفى الميسر انه اذا ذهب ماله من غير عوض ساءه ذلك فعادى صاحبه وقصده بالسوء. قال المفسرون تواردت فى الخمر اربع آيات نزلت بمكة ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا النحل 67 فطفق المسلمون يشربونها وهى لهم حلال يومئذ ثم ان عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة رضى الله تعالى عنهم قالوا افتنا يا رسول الله فى الخمر فانها مذهبة للعقل فنزلت { يسألونك عن الخمر والميسر } الآية فشربها قوم وقالوا نأخذ منفعتها ونترك اثمها وتركها آخرون وقالوا لا حاجة لنا فيما فيه اثم كبير ثم ان عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه دعا ناسا منهم فشربوا وسكروا قام احدهم فقرأ قل يا ايها الكافرون اعبد ما تعبدون الى آخر السورة بدون لا فى لا اعبد فنزلت لا تقربوا الصلوة وأنتم سكارى النساء 43 الآية. فقل من يشربها وقالوا لا خير فى شىء يحول بيننا وبين الصلاة وشربها قوم فى غير حين الصلاة حتى كان الرجل يشربها بعد صلاة العشاء فيصبح وقد زال عنه السكر ويشرب بعد الصبح فيصحوا اذا جاء وقت الظهر ثم اتخذ عتبان بن مالك ضيافة ودعا رجالا من المسلمين فيهم سعد بن ابى وقاص رضى الله عنه وكان قد شوى لهم رأس بعير فأكلوا منه وشربوا الخمر حتى سكروا منها ثم انهم افتخروا عند ذلك وانتسبوا وتناشدوا الاشعار فانشد سعد قصيدة فيها هجاء الانصار وفخر لقومه فاخذ رجل لحى البعير فضرب به رأس سعد فشجه موضحة فانطلق سعد الى رسول الله وشكا اليه الانصارى فقال عمر اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا فنزل إنما الخمر والميسر المائدة 90. فى المائدة الى قوله فهل أنتم منتهون المائدة 91. فقال عمر انتهينا يا رب. وحرمت الخمر فى السنة الثالثة من الهجرة بعد غزوة الاحزاب بايام. قال القفال والحكمة فى وقوع التحريم على هذا الترتيب انه تعالى علم ان القوم كانوا ألفوا شرب الخمر وكان انتفاعهم به كثيرا وعلم انه لو منعهم دفعة واحدة لشق عليهم فلا جرم استعمل فى التحريم هذا التدريج وهذا الرفق ثم لما نزل التحريم اريقت الخمر. قال ابن عمر رضى الله عنهما خرجنا بالحباب الى الطريق فمنا من كسر حبه ومنا من غسله بالماء والطين ولقد غودرت ازقة المدينة بعد ذلك حينا كلما مطرت استبان فيها لون الخمر وفاحت منها ريحها وحرمت الخمر ولم يكن يومئذ للعرب عيش اعجب منها وما حرم الله عليهم شيأ اشد من الخمر روى ان جبريل عليه السلام قال للنبى عليه السلام ان الله تعالى شكر لجعفر الطيار رضى الله عنه اربع خصال كان عليها فى الجاهلية وهو عليها فى الاسلام فسأل النبى عليه الصلاة والسلام جعفرا عن ذلك فقال يا رسول الله لولا ان الله اطلعك عليها لما اخبرتك بها ما شربت الخمر قط لانى رأيتها تزيل العقل وانا الى ان ازيد فيه احوج منى الى ان ازيله. وما عبدت صنما قط لانى رأيته لا يضر ولا ينفع. وما زنيت قط لغيرتى على اهلى. وما كذبت قط لانى رأيته دناءة. قال عمرو ابن الادهم من اكابر سادة بنى تميم ذاما للخمر لو كان العقل يشترى ما كان شىء انفس منه فالعجب لمن يشترى الحمق بماله فيدخله فى رأسه فيقىء فى جيبه ويسلح فى ذيله. وعن على رضى الله عنه لو وقعت قطرة فى بئر فبنيت فى مكانها منارة لم اوذن عليها ولو وقعت فى بحر ثم جف فنبت فيه الكلأ لم ارعه. وعن ابن عمر رضى الله عنهما لو ادخلت اصبعى فيها لم تتبعنى وهذا هو الايمان والتقى حقا فينبغى للمسلم ان لا يخطر بباله شرب الخمر فضلا عن شربها وينقطع شاربها فانه اذا خالط شارب الخمر يخاف عليه ان يصيبه من عثاره قال الحسين الواعظ الكاشى ترار حمان همى كويدكه اى مؤمن مخورباده ترا ترسا همى كويدكه درصفرا مخور حلوا نمى مانى زنا باكى براى كفته رحمان بمانى شهد وشكررا براى كفته ترسا وعن بعض الصحابة انه قال من زوج ابنته لشارب الخمر فكأنما ساقها الى الزنى معناه ان شارب الخمر يقع منه الطلاق وهو لا يشعر. فالذى يجب على الولى ان لا يزوج ابنته ولا اخته من فاسق ولا ممن يتعاطى المنكرات. واعلم ان خل الخمر حلال ولو بعلاج كالقاء الماء الحار او الملح او الخبز ولا يكره تخليلها وفى الحديث " خير خلكم خل خمركم " هذا هو البيان فى الخمر. واما الميسر فهو القمار والياسر القامر وكان اصل الميسر فى الجزور وذلك ان اهل الثروة من العرب كانوا يشترون جزور او يضمنون ثمنه ولا يؤدونه ليظهر بالقمار انه على من يجب فينحرونها ويجزئونها عشرة اجزاء وقيل ثمانية وعشرين ثم يسهمون عليها بعشرة قداح يقال لها الازلام والاقلام سبعة منها لها انصباء الفذ وله نصيب واحد والتوأم وله نصيبان والرقيب وله ثلاثة والحلس وله اربعة والنافس وله خمسة والمسبل وله ستة والمعلى وله سبعة وثلاثة منها لا انصباء لها وهى المنيح والسفيح والوغد ثم يجعلون القداح فى خريطة تسمى الربابة ويضعونها على يدى عدل عندهم يسمى المجيل والمفيض ثم يجيلها ويجلجلها اى يحركها باليد ويدخل يده فيخرج باسم رجل رجل قدحا قدحا فمن خرج له قدح من ذات الانصباء اخذ النصيب المعين له ومن خرج له قدح مما لا نصيب له وهو الثلاثة لم يأخذ شيأ وغرم ثمن الجزور وكانوا يدفعون تلك الانصباء الى الفقراء ولا يأكلون منها ويفتخرون بذلك ويذمون من لا يدخل فيه ويسمونه البرم وهو اللئيم العديم المروءة والكرم فهذا اصل القمار الذى كانت العرب تفعله فنهى المسلمون عنه. واختلف فى الميسر هل هو اسم لذلك القمار المعين او هو اسم لجميع انواع القمار. فقال بعض العلماء المراد من الآية جميع انواع القمار من النرد والشطرنج وغيرهما. وروى أن رجلا خاطر رجلا على ان يأكل كذا كذا بيضة على كذا كذا من المال فقال على رضى الله عنه هذا قمار. وعن ابن سيرين كل شىء فيه خطر فهو من الميسر وعن النبى عليه السلام " اياكم وهاتين الكعبتين المشئومتين فانهما من مياسر العجم " يريدان النرد والشطرنج ميسر يشير به الى انهما حرام. واما السبق فى الخف والحافر والنشاب فخص بدليل قال السعدى قدس سره كهل كشتى و همجنان طفلى شيخ بودىو همجنان شابى توببازى نشسته درجب وراست ميرسد نير جرخ برتابى جاى كريه است برمصيبت بير كه توكودك هنوز لعابى والاشارة فى الآية ان خمر الظاهر كما يتخذ من اجناس مختلفة من العنب والتمر والزبيب والحبوب كالحنطة والشعير والذرة فكذلك خمر الباطل من اجناس مختلفة كالغفلة والشهوة والهوى وحب الدنيا وامثالها وهذه خمور تسكر منها النفوس والعقول الانسانية وفيها اثم كبير ولهذا كل مسكر حرام وما يسكر كثيره فقليله حرام. ومنها ما يسكر القلوب والارواح والاسرار فهو شراب الواردات فى اقداح المشاهدات من ساقى تجلى الصفات فاذا دارت على النفوس وانخمدت شهواتها وسكرت القلوب بالمواجيد عن المواحيد والارواح بالشهود عن الوجود والاسرار بلحظ الجمال عن ملاحظة الكمال فهذا شراب نافع للناس حلال فالعجب كل العجب ان قوما اسكرهم وجود الشراب وقوما اسكرهم شهود الساقى كقولهم فاسكر القوم دور كأس وكان سكرى من المدير وفى المثنوى ما اكر قلاش اكر ديوانه ايم مست آن ساقى و آن بيمانه ايم مست مى هشيار كردد ازدبور مست حق نايد بخود ازنفخ صور جرعه جون ريخت ساقئ الست برسراين شوره خاك زير دست جوش كرد آن خاك وما زان جوششيم جرعه ديكر كه بس بى كوششيم واتم الاعراض عن كؤس الوصال فى النهاية اكبر من نفع الطلب الف سنة فى البداية وكما ان سكران الخمر ممنوع من الصلاة فسكران الغفلة والهوى محجوب عن المواصلات واما اثم الميسر فهو ان آثار القمار هى شعار اكثر الديار فى سلوك طريق الحيل والخداع بالفعل والكذب والفحش فى المقال وانه كبير عند الاخيار بعيد عن خصال الابرار واما نفعه فعدم الالتفات الى الكونين وبزل نقوش العالمين فى فردانية نقش الكعبتين واثمهما اكبر من نفعهما لان اثمهما للعوام ونفعهما للخواص والعوام اكثر من الخواص وقليل ما هم كذا فى التأويلات النجمية قدست نفسه الزكية { ويسألونك ماذا ينفقون } هو كما يصلح سؤالا عن جنس المنفق يصلح سؤالا عن كميته وقدره فانه لما نزل قوله تعالى قل ما أنفقتم من خير فللوالدين البقرة 215. قال عمرو بن الجموح ما انفق فنزل قوله { قل العفو } اى انفقوا العفو وهو نقيض الجهد وهو المشقة ونقيضه اليسر والسهولة فكأنه قيل قل انفق ما سهل وتيسر ولم يشق عليك انفاقه فالعفو من المال ما يسهل انفاقه والجهد من المال ما يعسر انفاقه والقدر المنفق انما يكون انفاقه سهلا اذا كان فاضلا عن حاجة نفسه وعياله ومن عليه مؤونته { كذلك } اى مثل ما بين ان العفو اصلح من الجهد والكاف فى محل النصب صفة لمصدر محذوف اى تبيينا مثل هذا التبيين وافراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين باعتبار القبيل او الفريق او القوم مما هو مفرد اللفظ ومجموع المعنى { يبين الله لكم الآيات } الدالة على الاحكام الشرعية لا بيانا ادنى منه وتبيين الآيات تنزيلها مبينة الفحوى واضحة المدلول لا انه تبيينها بعد ان كانت مشتهبة وملتبسة { لعلكم تتفكرون فى الدنيا والآخرة } اى لكى تتفكروا فى امور الدارين فتأخذوا بما هو اصلح لكم واسهل فى الدنيا وانفع فى العقبى وتتجنبوا عما يضركم فى العقبى. قال البغوى يبين الله لكم الآيات فى امر الدنيا والآخرة لعلكم تتفكرون فى زوال الدنيا وفنائها فتزهدوا وفى اقبال الآخرة وبقائها فترغبوا فيها وهذه الآية ترغب فى التصدق لكن بشرط ان يكون ذلك من فضل المال وعفوه وعن النبى عليه السلام " ان رجلا اتاه ببيضة من ذهب اصابها فى بعض المغازى فقال يا رسول الله خذها منى صدقة فوالله لقد اصبحت ما املك غيرها فاعرض عنه رسول الله فاتاه من الجانب الايمن فقاله مثله فاعرض عنه ثم اتاه من الجانب الايسر فاعرض عنه فقال " هاتها " مغضبا فاخذها منه فحذفها حذفا لو اصابه لشجه او عقره ثم قال " يجيئ احدكم بماله كله يتصدق به ويجلس يتكفف الناس انما الصدقة عن ظهر غنى خذها فلا حاجة لنا فيها ". وفى لفظ العفو اشارة الى ان ما يعطيه المرء ينبغى ان يعفو اثره عن قلبه عند الانفاق يعنى بطيب القلب لان اصل العفو المحو والطمس ثم الاخراج عن فاضل الاموال على قدر الكفاية طريقة الخواص. فاما خاص الخاص فطريقهم الايثار وهو ان يؤثر غيره على نفسه وبه فاقه الى ما يخرج وان كان صاحبه الذى يؤثر به غنيا قال الله تعالى ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة الحشر 9. وعن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قال " امرنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ان نتصدق ووافق ذلك مالا عندى فقلت اليوم اسبق ابا بكر رضى الله عنه فجئت بنصف مالى فتصدقت به فقال لى رسول الله " ما ابقيت لاهلك يا عمر " قلت نصف مالى يا رسول الله ثم قال لابى بكر " ما ابقيت لاهلك " قال ابقيت لهم الله ورسواله فقلت لا اسابقك بشىء بعدها روى ان النبى عليه السلام قال عند ذلك " ما بينكما ما بين كلاميكما ". ومنه يعرف فضل ابى بكر على عمر لكن الفاضلية من وجه لا تنافى المفضولية من وجه آخر فان الكامل ليس يلزمه ان يكون كاملا فى جميع الامور وانما التقدم والتأخر بالنظر الى العلم بالله. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره كان ابو بكر غالب المعرفة وعمر غالب الشريعة وعثمان غالب الطريقة وعلى غالب الحقيقة وان كانوا كاملين فى المراتب الاربع انتهى كلامه قال الحسين الواعظ الكاشى مايه توفيق كرم كردن است كنج يقين ترك درم كردن است زادره مرك زنان دادن است زندكى عشق زجان دادن است فسخاوة العوام اعطاى المال وسخاوة الخواص بذل الروح وهو قليل هست جوانمرد درم صد هزار كار جو باجان فتد آنست كار وحث النبى عليه السلام اصحابه على الصدقة فجعل الناس يتصدقون وكان ابو امامة الباهلى جالسا بين يديه عليه السلام وهو يحرك شفتيه فقال له النبى عليه السلام " ماذا تقول حيث تحرك شفتيك ". قال انى ارى الناس يتصدقون وليس معى شىء اتصدق به فاقول فى نفسى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله تعالى عليه وسلم " هؤلاء الكلمات خير لك من مد ذهبا تتصدق به على المساكين ". تازنده ايم ذكر لبش در زبان ماست يا دش انيس ومونس جان وروان ماست يروى ان اول من قال سبحان الله جبريل عليه السلام وذلك انه لما خلقه الله وقع نظره على العرش وعظمته فقال سبحان الله فمن قالها نال ثواب جبريل. واول من قال الحمد لله آدم الصفى عليه الصلاة والسلام حين نفخ فيه الروح فمن قالها نال نصيبا من فضل آدم. واول من قال لا اله الا الله نوح النجى عليه السلام حين مشاهدة الطوفان وشدة البلاء فمن قالها اخذ حظا وافرا من ثواب نوح. واول من قال الله اكبر ابراهيم الخليل عليه السلام حين شاهد فداء اسماعيل وهو الكبش فمن قالها نال فيضا من فيض ابراهيم اللهم اجعلنا من الذاكرين الشاكرين آمين يا رب العالمين { ويسألونك عن اليتامى } اى عن مخالطتهم لان السؤال عن الشىء ينصرف الى ما هو معظم المقصود منه وهو ههنا المخالطة والكفالة وذلك بعد نزول قوله تعالى إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما النساء 10. فتركوا مخالطتهم ومؤاكلتهم حتى لو كان عند رجل يتيم يجعل له بيتا على حدة وطعاما على حدة وعزلوا اموال اليتامى عن اموالهم وكان يصنع لليتيم طعام فيفضل منه شىء فيتركونه ولا يأكلونه حتى يفسد فاشتد ذلك عليهم فقال عبد الله بن رواحة يا رسول الله ما لكلنا منازل يسكنها اليتامى ولا كلنا نجد طعاما وشرابا نفردهما لليتيم فزلت هذه الآية { قل اصلاح لهم } اى مداخلتهم على وجه الاصلاح لهم ولاموالهم { خير } من مجانبتهم وترك الخلطة والنظر عليهم. واصلاح مصدر حذف فاعله تقديره واصلاحكم لهم خير للجانبين اى جانبى المصلح والمصلح له اما الاول فلما فيه من الثواب واما الثانى فلما فيه من توافر اموال اليتامى والتزايد { وان تخالطوهم } وتعاشروهم على وجه ينفعهم { فاخوانكم } اى فهم اخوانكم فى الدين الذى هو اقوى من العلاقة النسبية ومن حق الاخ ان يخالط الاخ بالاصلاح والنفع. قال ابن عباس رضى الله عنهما المخالطة ان تأكل من تمره ولبنه وقصعته وهو يأكل من تمرك ولبنك وقصعتك وهذا اذا اصاب من مال اليتيم بقدر عمله له او دونه فلا يزيد على اجر مثله وقد قال تعالى ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف النساء 6. وقد تكون المخالطة بخلط المال وتناول الكل منه وهو منهى شرعا. قال ابو عبيد هذه الآية عندى اصل لما يفعله الرفقاء فى الاسفار فانهم يتخارجون النفقات بينهم بالسوية وقد يتفاوتون فى قلة المطعم وكثرته وليس كل من قل مطعمه تطيب نفسه بالتفضل على رفيقه فلما كان هذا فى اموال اليتامى واسعا كان فى غيرهم اوسع ولولا ذلك لخفت ان يضيق فيه الامر على الناس وقد حملت المخالطة على المصاهرة وهو ان يكون ابنا فيزوجه ابنته او تكون بنتا فيزوجها ابنه فتتأكد الالفة ويخلطه بنفسه وبعشيرته ايناسا لوحشته وازالة لوحدته وهو مروى عن الحسن { والله يعلم } بمعنى المعرفة المتعدية الى واحد { المفسد } لمال اليتيم { من المصلح } لماله اى لا يخفى على الله من داخلهم بافساد واصلاح فيجازيه على حسب مداخلته فاحذروه ولا تتحروا غير الاصلاح وفى تقديم المفسد مزيد تهديد ومن لتضمين العلم معنى التمييز اى يعلم من يفسد فى امورهم عند المخالطة مميزا له ممن يصلح فيها { ولو شاء الله } اعناتكم وهو الحمل على ولا يطيقه { لاعنتكم } لحملكم على العنت وهو المشقة فلم يطلق لكم مداخلتهم يقال عنت فلان اذا وقع فى امر يخاف منه التلف { إن الله عزيز } غالب يقدر على الاعنات { حكيم } يحكم ما تقتضيه الحكمة وتسع له الطاقة وهو دليل على ما يفيده كلمة لو من انتفاء مقدمها. واعلم ان مخالطة الايتام من اخلاق الكرام وفى الترحم عليهم فوائد جمة قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " من وضع يده على رأس يتيم ترحما عليه كانت له بكل شعرة تمر عليها يده حسنة ". وفى الحديث " ثلاثة فى ظل عرش الله يوم القيامة امرأة مات عنها زوجها وترك عليها يتامى صغارا فخطبت فلم تتزوج وقالت اقيم على اليتامى حتى يغنيهم الله او يموت ". يعنى اليتيم " او هى ورجل له مال صنع طعاما فاطاب صنيعه واحسن نفقته فدعا اليه اليتيم والمسكين وواصل الرحم يوسع له فى رزقه ويمد له فى اجله ويكون تحت ظل عرشه ". قال الله تعالى يا موسى كن لليتيم كالاب الرحيم وكن للارامل كالزوج الشفيق وكن للغريب كالاخ الرفيق اكن لك كذلك قال الحافظ تميار غريبان سبب ذكر جميلست جانا مكراين قاعده درشهر شمانيست وفى الحديث " انا وكافل اليتيم ". اى القائم بمصالحه سواء كان من مال نفسه ام من مال اليتيم وسواء كان اليتيم قريبا ام لا " كهاتين فى الجنة ". واشار بالسبابة والوسطى يعنى ان كافل اليتيم يكون فى الجنة مع حضرة النبى عليه الصلاة والسلام لا ان درجته تبلغ درجته قال الشيخ سعدى قدس سره جو بينى يتيمى سرافكنده ييش مده بوسه برروى فرزند خويش ألا تانكريد كه عرش عظيم بلرزد همى جون بكريد يتيم ويجتنب كل الاجتناب عن اخلال حق من حقوقه واكل حبة من ماله وعن ظلمه وقهره يحكى ان رستم بن زال بارز مع اسنفديار فلم يقدر عليه مع زيادة قوته وكان اسفنديار يجرحه فى كل حمل دون رستم وكان بدن اسفنديار كجلد السمك لا يعمل فيه شىء ثم ان رستم تشاور مع ابيه زال فى ذلك فقال له ابوه انك لا تقدر عليه الا ان تعمل سهما ذا فقارين وتصيب به عينى اسفنديار ففعل ذلك فرمى فاصاب فغلب عليه بذلك فيحكى فى سبب ذلك ان اسفنديار كان قد ضرب فى شبيبته يتيما بغصن ففقأ به عينه وابكاه ثم ان اليتيم اخذ ذلك الغصن وغرسه فلما صار شجرا اخذ رستم غصنا من اغصانه ونحت منه سهمه الذى اصاب به عينى اسنفديار. ويؤدب اليتيم الذى فى حجره كتأديبه ولده فانه مسئول عنه يوم القيامة ويصلح حاله. والتأديب على انواع. منها الوعيد. ومنها الضرب. ومنها حبس المنافع والعطية والبر فان بين النفوس تفاوتا فنفس تخضع بالغلظة والشدة ولو استعملت معها الرفق والبر لافسدها ونفس بالعكس وقد جعل الله الحدود والتعزير لتأديب العباد على قدر ما يأتون من المنكر فادب الاحرار الى السلطان وادب المماليك والاولاد الى السادات والآباء وهو مأجور على التأديب ومسئول عنه قال الله تعالى قوا أنفسكم وأهليكم نارا التحريم 6. وفى الحديث " كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ". وفى قوله تعالى { وإن تخالطوهم فإخوانكم } البقرة 220. اشارة الى ان المرء ينبغى ان يتعود الاكل مع الناس فان شر الناس من اكل وحده وفى الحديث " ان من احب الطعام الى الله ما كثرت عليه الايدى ". ذكره فى العوارف وذكر فى المصابيح " ان اصحاب النبى عليه السلام قالوا يا رسول الله انا نأكل ولا نشبع قال " لعلكم تفترقون " قالوا نعم قال " فاجتمعوا على طعامكم واذكروا اسم الله تعالى ". ومن اللطائف ما يحكى انه قيل لجمين صاحب النوادر أتغديت عند فلان قال لا ولكن مررت ببابه وهو يتغدى فقيل كيف علمت قال رأيت غلمانه بايديهم قسى البنادق يرمون الطير فى الهواء قيل لبخيل من اشجع الناس فقال من يسمع وقع اضراس الناس فلا تنشق مرارته وفى الحديث " من اضاف مؤمنا فكأنما اضاف آدم ومن اضاف اثنين فكانما اضاف آدم وحواء " كذا فى الرسالة العلية لحسين الواعظ.

البقرة 2:221

{ ولا تنكحوا } بفتح التاء اى لا تتزوجوا { المشركات } اى الحربيات فان الكتابيات وان كانت من المشركات الا انه يجوز تزوجها عند الجمهور استدلالا بقوله تعالى فى سورة المائدة والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة 5. وسورة المائدة كلها ثابتة لم ينسخ منها شىء اصلا { حتى يؤمن } اى يصدقن بالله وبمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم روى انه عليه السلام بعث مرثدا الغنوى الى مكة ليخرج منها اناسا من المسلمين سرا فاتته عتاق وكان يهواها فى الجاهلية فقالت ألا تخلو فقال ان الاسلام حال بيننا فقالت هل لك ان تتزوج بى فقال نعم ولكن استأمر رسول الله عليه السلام فاستأمره فنزلت { ولأمة مؤمنة } مع ما بها من خساسة الرق وقلة الخطر { خير } بحسب الدين والدنيا { من مشركة } اى امرأة مشركة مع مالها من شرف الحرية ورفعة الشأن { ولو اعجبتكم } تلك المشركة بجمالها ومالها ونسبها وبغير ذلك من مبادى الاعجاب وموجبات الرغبة والواو للحال ومعنى كونها للحال كونها عاطفة لمدخولها على حال محذوفة قبلها والتقدير خير من مشركة على كل حال ولو فى هذه الحالة والمقصود من مثل هذا التركيب استقصاء الاحوال. وفى تفسير الكواشى لو هنا بمعنى ان وكذا كل موضع وليها الفعل الماضى وكان جوابها مقدما عليها والمعنى وان كانت المشركة تعجبكم وتحبونها فان المؤمنة خير لكم { ولا تنكحوا } بضم التاء من الانكاح { المشركين } اى الكفار اعم من الوثنى وغيره اى لا تزوجوا منهم المؤمنات سواء كن حرائر ام اماء { حتى يؤمنوا } ويتركوا ما هم عليه من الكفر. قال ابن الشيخ فى حواشيه اى لا تزوجوهم الصغيرات من بناتكم ومن فى حكمهن ممن هو تحت ولايتكم ولا تزوج البالغات من المؤمنات منهم انفسهم فقوله ولا تنكحوا من قبيل تغليب الذكور على الاناث ولا خلاف فى هذا الحكم فان المشرك هنا باق على عمومه ولا يحل تزويج المؤمنة من الكافر البتة على اختلاف انواع الكفر { ولعبد مؤمن } مع ما به من ذل المملوكية { خير من مشرك } مع ما به من عز المالكية { ولو اعجبكم } بماله وجماله وخصاله { اولئك } المذكورون من المشركين والمشركات { يدعون } من يقارنهم ويعاشرهم { الى النار } اى الى ما يؤدى اليها من الكفر والفسوق فلا بد من الاجتناب عن مقارنتهم ومقاربتهم { والله } اى واولياؤه يعنى المؤمنين حذف المضاف واقام المضاف اليه مقامه تفخيما لشأنهم { يدعوا الى الجنة والمغفرة } اى الى الاعتقاد الحق والعمل الصالح الموصلين اليهما فهم الاحقاء بالمواصلة { باذنه } متعلق بيدعو اى يدعو ملتبسا بتوفيقه الذى من جملته ارشاد المؤمنين لمقارنيهم الى الخير ونصيحتهم اياهم { ويبين آياته } المشتملة على الاحكام الفائقة والحكم الرائقة { للناس لعلهم يتذكرون } اى لكى يتذكروا ويعملوا بما فيه فيفوزوا بما دعوا اليه من الجنة والغفران وايراد التذكر ههنا للاشعار بانه واضع لا يحتاج الى التفكر كما فى الاحكام السابقة ففى الآية نهى عن مواصلة الكفار وترغيب فى مواصلة المؤمنين ولا ينبغى للمؤمن ان تعجبه المشركة بمالها وجمالها فان من المسلمات من تدفع التعجب. وفى المحيط مسلم رأى نصرانية سمينة وتمنى ان يكون هو نصرانيا حتى يتزوجها يكفر وهذا من حماقته فان السمان الحسنة كثيرة فى الملة الحنيفية ولكن علة الضم هى الجنسية كما قال تعالى الزانى لا ينكح إلا زانية أو مشركة النور 3. وميل الطباع القذرة الى الدنيا العذرة قال تعالى الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين النور 26 ونعم ما قيل همه مرغان كندبا جنس يرواز كبوتر با كبوتر بازباباز ومن بلاغات الزمخشرى لا ترض لمجالستك الا اهل مجانستك اى لا ترض ان يكون لك جليس من غير جنسك فان العذاب الشديد ليس الا هو. قال فى اسئلة الحكم واما اختلاف الاخلاق فمن تعارف الارواح بعضها ببعض فى عالم الارواح قبل تلاقى الاشباح فى عالم الشهادة فمن تعارف روحه بروح صالح صلح بتعارفه الازلى فمن هنا اختلاف الاخلاق صلاحها وفسادها فلا بد من مناسبة اما من الجهة الجسمانية او من الجهة الروحانية فالجهة الجسمانية راجعة الى قابلية الطين والطبيعة الروحانية راجعة الى المناسبة الروحانية السابقة انتهى. قال الامام السخاوى فى المقاصد الحسنة عند قوله عليه السلام " الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف " سبب ورود هذا الحديث " ما روته عائشة رضى الله عنها ان امرأة كانت بمكة تدخل على نساء قريش تضحكهن فلما هاجرن ووسع الله تعالىدخلت المدينة قالت عائشة فدخلت على فقلت لها فلانة الى من قدمت قالت اليكن قلت فأين نزلت قالت على فلانة امرأة كانت تضحك بالمدينة قالت عائشة ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " فلانة المضحكة عندكم " قالت عائشة نعم قال " فعلى من نزلت " قالت على فلانة المضحكة قال " الحمد لله ان الارواح " الخ قال بعضهم بينى وبينك فى المحبة نسبة مستورة عن سر هذا العالم نحن اللذان تحاببت ارواحنا من قبل خلق الله طينة آدم انتهى كلام السخاوى قال الحسين الكاشفى جاذب هر جنس راهم جنس دان جنس برجنس است عاشق جاودان وفى المثنوى تلخ باتلخان يقين ملحق شود كىدم باطل قرين حق شود طيبات آمد بسوى طيبين مر خبيثين را خبيثا تست هين واعلم انه ركز فى العقول الميل الى الخير ومخالفة الشر فللعاقل ان يتذكر فان من كان بصيرا بنفسه ومتأملا فى حاله ينقطع عن اخوانه الداعين الى خلاف الحق ويصيخ الى داعى الهوى وقد قال بعض كتار العجم الله بسى باقى هوس قال تعالى إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا الكهف 7. والمقربون قد فروا الى الله تعالى من جميع ما فى ارض الوجود ولم يلتفتوا الى شىء سوى وجهه الكريم ولم يريدوا من المولى غير المولى فكانوا احسن نية وعملا وهذا صراط مستقيم اللهم الهمنا رشدنا واعذنا من شر نفسنا انك انت المجيب.

البقرة 2:222

{ ويسألونك } لعل حكاية الاسئلة الثلاثة بالواو وحكاية ما عداها بغير عطف انهم سألوا عن هذه الحوادث فى وقت واحد فكأنه قيل يجمعون لك بين السؤال عن الخمر والميسر والسؤال عن الانفاق والسؤال عن كذا وعن كذا بخلاف ما عداها فانهم سألوها فى اوقات متفرقة { عن المحيض } مصدر كالمجيئ والمبيت والحيض هو اللوث الخارج من الرحم فى وقت معتاد والسؤال فيه نوع ابها الا انه تبين بالجواب ان سؤالهم كان عن مخالطة النساء فى حالة الحيض { قل هو أذى } اى الحيض شىء مستقذر مؤذ من يقربه نفرة منه وكراهة له روى ان اهل الجاهلية كانوا لا يساكنون الحيض ولا يؤاكلوهن كدأب المجوس واليهود واستمر الناس على ذلك الى ان سأل عن ذلك ابو الدحداح فى نفر من الصحابة فقال يا رسول الله كيف نصنع بالنساء اذا حضن أنقربهن ام لا فنزلت { فاعتزلوا النساء فى المحيض } المحيض هنا اسم لمكان ظهور الحيض وهو الفرج اى فاجتنبوا مجامعتهن لما روى ان المسلمين اخذوا بظاهر الاعتزال فأخرجوهن من بيوتهم فقال ناس من الاعراب يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة فان آثرناهن هلك سائر اهل البيت وان استأثرنا بها هلكت الحيض فقال صلى الله عليه وسلم " انما امرتم ان تعتزلوا مجامعتهن اذا حضن ولم يأمركم باخراجهن من البيوت كفعل الاعاجم " وهو الاقتصاد بين افراط اليهود وتفريط النصارى فانهم كانوا يجامعوهن ولا يبالون بالحيض { ولا تقربوهن } بالجماع { حتى يطهرن } من الحيض او ينقطع دمهن فذهب ابو حنيفة رحمه الله الى ان له ان يقربها اذا كانت ايامها عشرة بعد انقطاع الدم وان لم تغتسل وفى اقل الحيض لا يقربها حتى تغتسل او يمضى عليها وقت صلاة { فإذا تطهرن } اى اغتسلن فان التطهر هو الاغتسال { فائتوهن من حيث امركم الله } اى من المأتى الذى حلله لكم وهو القبل { إن الله يحب التوابين } من الذنوب { ويحب المتطهرين } المتنزهين عن الفواحش والاقذار كمجامعة الحائض والاتيان فى غير المأتى.

البقرة 2:223

{ نساؤكم حرث لكم } اى مواضع حرث لكم شبهن بها لما بين ما يلقى فى أرحامهن من النطف وبين البذور من المشابهة من حيث ان كلا منهما مادة لما يحصل منه. والفرق بين الحرث والزرع ان الحرث القاء البذر وتهيئة الارض والزرع مراعاته وانباته ولهذا قال تعالى أفرأيتم ما تحرثون ءانتم تزرعونه أم نحن الزارعون الواقعة 63-64. فأثبت لهم الحرث ونفى عنهم الزرع { فائتوا حرثكم } لما عبر عنهن بالحرث عبر عن مجامعتهن بالاتيان { أنى شئتم } أنى هنا بمعنى كيف اى كيف شئتم ومن أى شق وجهة اردتم بعد ان يكون المأتى واحدا وهو موضع الحرث لان الدبر ليس موضع الحرث فلم يمكن حمل قوله أنى شئتم على التخيير فى الامكنة حتى يجوز اتيان النساء فى ادبارهن فيكون محمولا على التخيير فى الكيفيات ويدل على هذا ما روى فى سبب نزول الآية من ان اليهود كانوا يزعمون ان من اتى امرأته فى قبلها من دبرها يأتى ولده احول فذكر ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فنزلت الآية ردا عليهم ببيان ان المقصود من عقد النكاح هو اتيان موضع الحراثة على أى كيفية كانت وفى الحديث " ملعون من اى امرأته فى دبرها ". وهو اللواطة الصغرى والاتيان فى دبر الذكر اكبر لواطة منه. قال الامام من قبل غلاما بشهوة فكأنما زنى بامه سبعين مرة ومن زنى مع امه مرة فكأنما زنى بسبعين بكرا ومن زنى مع البكر مرة فكانما زنى بسبعين الف امرأة وحكم اللواطة التعزير والحبس فى السجن حتى يتوب وعندهما يحد حد الزنى فيجلد ان لم يكن محصنا ويرجم ان كان محصنا { وقدموا لأنفسكم } من الاعمال الصالحة ما يكون الثواب الموعود له ذخيرة محفوظة لكم عند الله ليوم احتياجكم اليه ولا تكونوا فى قربانهن على قيد قضاء الشهوة بل كونوا فى قيد تقديم الطاعة مع ملاحظة الحكم المقصود من شرع النكاح وهو الولد { واتقوا الله } بالاجتناب عن معاصيه التى من جملتها ما عد من الامور { واعلموا أنكم ملاقوه } الهاء راجع الى الله تعالى فلا بد من حذف مضاف اى ملاقوا جزائه فتزودوا ما لا تفضحون به { وبشر } يا محمد { المؤمنين } الذين تلقوا ما خوطبوا به من الاوامر والنواهى بحسن القبول والامتثال بما يقصر عنه البيان من الكرامة والنعيم المقيم درامان خانه ايمان بنشين ايمن باش كرامان بايدت البته مروزين مأمن فالعلامة فى ذلك ان الذى يكون ايمانه عطاء يمنعه ايمانه من الذنوب ويرغبه فى الطاعات والذى هو عارية لا يمنعه من الذنوب ولا يرغبه فى الطاعات اى لا يحثه على الطاعات لانه لا تدبير له فى مكان هو فيه عارية اى لا يستقر الايمان فى مكان هو فيه عارية وفى قوله تعالى { واعلموا انكم ملاقوه } اشارة الى ان على المرء ان يتذكر مرجعه ومصيره ويتدارك ما ينتفع به فى معاده من الاعمال الصالحة واقل المرتبة العمل للآخرة. واما اعلى المراتب وافضل المقاصد والمطالب فالله تعالى كما قال تعالى قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون الأنعام 91. وذلك لان العمل لله تعالى لا لطلب الجنة ولا لخوف النار. وفى التأويلات النجمية كما ان للنساء محيضا فى الظاهر وهو سبب نقصان ايمانهن لمنعهن عن الصلاة والصوم فكذلك للرجال محيض فى الباطن هو سبب نقصان ايمانهم لمنعهم عن حقيقة الصلاة وهى المناجاة وعن حقيقة الصوم وهى الامساك عن مشتهيات النفس وكما ان المحيض هو سيلان الدم من الفرج فكذلك الهوى هو غلبات دواعى الصفات البشرية والحاجات الانسانية فكلما غلب الهوى تكدر الصفا وحصل الاذى وقد قيل قطرة من الهوى تكدر بحرا من الصفا فحينئذ منعت النفس عن الصلاة والصوم فى الحقيقة وان كانت مشغولة بهما. وطبقات المؤمنين ثلاث العوام والخواص وخاص الخاص. اما العوام فلما كانوا اهل الغيبة عن الحقيقة ابيح لهم السكون الى اشكالهم اذا كان على وصف الاذن وقيل لهم { نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم } انى شئتم واما الخواص فلما كانوا بوصف الحضور يلزم عليهم المساكنة الى امثالهم وقيل لهم قل الله ثم ذرهم الأنعام 91. فهم سلكوا مسالك التفريد حتى وصلوا الى كعبة التوحيد. واما خاص الخاص فهم الرجال البالغون الواصلون الى عالم الحقيقة المتصرفون فيما سوى الله بخلافة الحق فهم رجال الله وما دون الله نساؤهم فقيل لهم { نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم انى شئتم } فهم الانبياء وخواص الاولياء فكما ان الدنيا مزرعة الآخرة لقوم فالدنيا والآخرة مزرعتهم ومحرثهم يحرثون فيها انى شاؤوا وكيف شاؤا وما يشاؤن الا ان يشاء الله فقد فنيت مشيئتهم فى مشيئة الله وبقيت قدرة تصرفهم بتقويته فيقدمون لانفسهم لا بانفسهم بل هو المقدم لما يقدمون وهو المؤخر لما يؤخرون ثم قال { واتقوا الله واعلموا انكم ملاقوه } يعنى يا خواص الاولياء المتصرفين فى حرث الدنيا والآخرة اتقوا الله بالله فانكم ملاقوا الله لا يحجبكم عنه شىء { وبشر المؤمنين } بأنهم ملاقوا الله ايضا ان اتقوا الله بالله يعنى مرتبة الخواص الاولياء ميسرة للمؤمنين اذا سعوا فى طلبها حق سعيها قال الحافظ جمال يا رندارد نقاب وبرده ولى غبار ره بنشان تانظر توانى كرد

البقرة 2:224

{ ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } روى ان بشير ابن نعمان الانصارى كان قد طلق زوجته التى هى اخت عبد الله بن رواحة واراد ان يتزوجها بعد ذلك وكان عبد الله قد حلف على ان لا يدخل على بشير ولا يكلمه ولا يصلح بينه وبين اخته فاذا قيل له فى ذلك قال قد حلفت بالله ان لا افعل ولا يحل لى الا ان لا احفظ يمينى وابر فيه فانزل الله تعالى هذه الآية. والعرضة فعلة بمعنى المعروض جعل اسما لما يعرض دون الشىء اى يجعل قدامه بحيث يصير حاجزا ومانعا منه من عرض العود على الاناء اى جعل العود على الاناء وستره به بحيث يكون حاجزا وحائلا بين الاناء وما يتوجه اليه والمعنى لا تجعلوا ذكر الله والحلف به مانعا لما حلفتم عليه من انواع الخير كالبر والاتقاء والاصلاح فان الحلف بالله لا يمنع ذلك فيكون لفظ الايمان مجازا مرسلا عن الخيرات المحلوف عليها سمى المحلوف عليه يمينا لتعلق اليمين به واللام فى لأيمانكم متعلق بقوله عرضة تعلق المفعولية لا تعلق العلية لان العرضة ما عرضته دون الشىء فاعترضه اى ما تجعله انت قدام شىء آخر فيقع قدامه فيكون المعنى لا تجعلوا الحلف بالله شيأ عرض او وقع قدام المحلوف عليه الذى هو البر والخير ويصير مانعا من الاتيان به وان تبروا عطف بيان لايمانكم اى للامور المحلوف عليها التى هى البر والتقوى والاصلاح { والله سميع } لايمانكم { عليم } بنياتكم حتى ان تركتم الحلف تعظيما لله واجلالا له من ان تستشهدوا باسمه الكريم فى الاغراض العاجلة يعلم ما فى قلوبكم ونيتكم فحافظوا على ما كلفتموه وفى المثنوى ازبى آن كفت حق خودرا سميع تاببندى لب زكفتار شنيع ازبى آن كفت حق خودرا بصير كه بود ديدويت هردم نذير امبى آن كفت حق خودرا عليم تانينديشى فسادى توزبيم والآية عامة فى كل من كان يحلف بالله ان لا يحسن لاحد ولا يتقى من العصيان فيعمل ما اشتهت نفسه وان لا يصلح بين الناس اذا وقع فيهم العداوة والبغضاء فكانه قال تعالى كل ذلك خير وطاعة لا يمنعها حلفكم فان حلفتم عليها فلتكفروا عن حلفكم ولتفعلوا تلك الخيرات من البر والتقوى والاصلاح بين الناس ولا تقولوا نحن حلفنا بالله فنخاف من اليمين به ان نفعله فنحنث فى يميننا فالحنث اولى من البر فيما يتعلق بالبر والتقوى والاصلاح قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذى هو خير ". والكفارة قبل اليمين غير جائزة وبعد الحنث واجبة اتفاقا. ولا تجوز قبل الحنث بعين اليمين عند اسحق رحمه الله. وفى الشرعة ولا يروج سلعته اى متاعه بالحلف لا صادقا ولا كاذبا لانه ان كان كاذبا فقد جاء باليمين الغموس وهى من الكبائر التى تزر الديار بلاقع وان كان صادقا قد جعل الله عرضة لايمانه واساء فيه اذ الدنيا اخس من ان يقصد تروجها بذكر الله من غير ضرورة ومن حلف بالله فى كل قليل وكثير انطلق لسانه بذلك ولا يبقى اليمين فى قلبه فلا يؤمن اقدامه على الايمان الكاذبة فيختل ما هو الغرض الاصلى من اليمين وفى الخبر " ويل للتاجر من بلى والله ولا والله ". وفى بستان العارفين ويكره ان يصل على النبى عليه السلام فى عرض السلعة فيقول صلى الله على محمد ما اجود هذا وقال عليه السلام " التجار هم الفجار " قيل ولم يا رسول الله وقد أحل الله البيع فقال " لانهم يحلفون ويأثمون ويتحدثون فيكذبون ". ولا يحلف على الله بشىء نحو ان يقول والله ليفعلن الله كذا ولو اقسم ولى الله مثل القسم المذكور لايره الله وصدقه فى يمينه كرامة له. وكان ابو حفص رحمه الله يمشى ذات يوم فاستقبله رستاقى مدهوش فقال له ابو حفص ما اصابك قال ضل حمارى ولا املك غيره فوقف ابو حفص وقال وعزتك لا اخطو خطوة ما لم ترد حماره فظهر الحمار فى الوقت كذا فى شرح المشارق.

البقرة 2:225

{ لا يؤاخذكم الله باللغو } اللغو ما سقط من الكلام عن درجة الاعتبار يقال لغا لغوا اذا قال باطلا { فى ايمانكم } جمع يمين وهو الحلف وسميت بها لمعنيين. احدهما انها من اليمين التى هى اليد اليمنى وكانوا اذا تحالفوا فى العهود تصافحوا بالايمان فسميت بذلك. والثانى ان اليمين هى القوة قال تعالى لأخذنا منه باليمين الحاقة 45. وسميت به لان الحالف يتقوى بيمينه على حفظ ما حلف عليه من فعل او ترك والمراد باللغو فى الايمان ما لا عقد معه ولا قصد وهو ان يحلف الرجل بالله على شىء يظن انه صادق فيه وليس كذلك سواء كان الذى يحلف عليه ماضيا او غيره فليس له اثم ولا كفارة هذا عند ابى حنيفة واما عند الشافعى فلغو اليمين ما سبق اليه اللسان بلا قصد الحلف نحو لا والله وبلى والله مما يوكدون به كلامهم من غير اخطار الحلف بالبال ولو قيل لواحد منهم سمعتك تحلف فى المسجد الحرام لانكر ذلك ولعله قال لا والله الف مرة. وفى الآية معنيان احدهما لا يعاقبكم الله باللغو فى ايمانكم ظنا انكم صادقون فيه { ولكن يؤاخذكم } المؤاخذة مفاعلة من الاخذ وهى المعاقبة ههنا { بما كسبت قلوبكم } انطوت عليه واقترفت قلوبكم من قصد الاثم بالكذب فى اليمين وهو ان يحلف الرجل على ما يعلم انه خلاف ما يقوله وهى اليمين الغموس وسميت بالغموس لانغماس صاحبها فى الاثم بها. وثانيهما لا تلزمكم الكفارة بلغو اليمين الذى لا قصد معه ولكن تلزمكم الكفارة بما نوت قلوبكم وقصدت من اليمين لا بكسب اللسان وحده. وفى التيسير ان هذه الآية فى مؤاخذة الآخرة فاما المؤاخذة المذكورة فى قوله تعالى ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان المائدة 89. فهى المؤاخذة بالكفارة لكنها فى اليمين المعقودة فالآيتان فى مؤاخذتين مختلفتين { والله غفور } حيث لم يؤاخذكم باللغو مع كونه ناشئا عن قلة المبالاة { حليم } حيث لم يعجل بالمؤاخذة وفيه ايذان بان المؤاخذة المعاقبة لا ايجاب الكفارة اذ هى التى تتعلق بها المغفرة والحلم دونه. والفرق بين الحليم والصبور انه الذى لا يشمئز من الامر ثم لا يستفزه غضب ولا يعتريه غيظ ولا يحمله على المسارعة الى الانتقام مع غاية الاقتدار عجلة وطيش كما قال الله تعالى ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة النحل 61. وحظ العبد من وصف الحليم ظاهر فالحلم من محاسن خصال العباد وفى الحديث " ان الرجل المسلم ليدرك بالحلم مرتبة الصائم القائم ". قال الحسين الواعظ الكاشفى علم باحلم حال روى بود علم بى حلم خاك كوى بود بردبارى جوزينت خردست هركرا حلم نيست زيور يست ثم انه قال قال العلماء اذا حلف بشىء فحنث ان كان مستقبلا فعليه كفارة وهو اليمين المنعقدة وان كان ماضيا فان كان الحالف عالما بالواقع وحلف على خلافه فاليمين كبيرة ولا كفارة عند ابى حنيفة فى الكبائر وعند الشافعى تجب الكفارة فيه وهو اليمين الغموس وان كان الحالف جاهلا بالواقع ويرى انه صادق فيه وليس كذلك فلا كفارة فيه وهو يمين اللغو عند ابى حنيفة واليمين الغموس عند الشافعى ويحكم فيه بالكفارة واليمين بالله او باسم من اسمائه او بصفة من صفاته فاليمين بالله ان يقول والذى اصلى له والذى نفسى بيده واليمين باسمائه كقوله والله والرحمن ونحوه واليمين بصفته كقوله وعزة الله وعظمته وجلال الله وقدرته ونحوها ومن حلف بغير الله مثل ان قال والكعبة وبيت الله ونبى الله او حلف بابيه ونحوه فلا يكون يمينا ولا تجب به الكفارة اذا خالف وهى يمين مكروهة قال الشافعى واخشى ان تكون معصية وفى الحديث " من حلف بغير الله فقد أشرك بالله ". معناه من حلف بغير الله تعالى معتقدا تعظيم ذلك الغير فقد أشرك المحلوف به مع الله فى التعظيم المختص به ولو لم يكن على قصد التعظيم والاعتقاد به فلا بأس به كقوله لا وابى ونحو ذلك كما جرت به العادة. قال على الرازى اخاف الكفر على من قال بحياتى وبحياتك وما اشبهه ولولا ان العامة يقولونه ولا يعلمونه لقلت انه الشرك لانه لا يمين الا بالله ولا يحلف بالبراءة من الاسلام فمن فعل ذلك صادقا لن يرجع الى الاسلام سالما وان كان كاذبا خيف عليه الكفر وفى الحديث " من حلف بملة غير الاسلام كاذبا فهو كما قال ". وظاهر الحديث يدل على ان المسلم ان قال ان افعل كذا فانا يهودى ففعل يكفر وبه عمل الشافعى وقال الحنفية لا يكفر فحملوا الحديث على التهديد واما ان علقه بالماضى كقوله ان فعلت كذا فانا يهودى وقد فعل فقد اختلفت الحنفية والصحيح انه لا يكفر ان كان يعلم انه يمين وان كان عنده انه يكفر بالحلف يكفر لانه رضى بالكفر وهو محمل الحديث عند الاكثر. وفى الفتاوى البزازية والفتوى على انه يمين يلزم عليه الكفارة. والاشارة فى الآية ان ما يجرى على الظواهر من غير قصد ونية فى البواطن ليس له كثير خطر فى الخير والشر ولا زيادة اثر ولو كان له اثر فى الخير لما عاب على قوم يقولون بألسنتهم ما ليس فى قلوبهم الفتح 11. وكذا ما يجرى على اللسان بنية القلب بلا فعل الجوارح لو كان مؤثرا فى القبول لما عاب قوما بقوله كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون الصف 3. ولو كان له اثر فى البر لما وسع على قوم بقوله { لا يؤاخذكم الله باللغو فى أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } البقرة 225. وما عفا عن قوم بقوله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان النحل 106. وذلك لان القلب كالارض للزراعة والجوارح كالآلات للحراثة والاعمال والاقوال كالبذر فالبذر ما لم يقع فى الارض المربية للزراعة لا ينبت وان كان فى آلة من آلات الحراثة فافهم جدا. واما ان كان لما يجرى على الظواهر من الخير ادنى آثار فى القلب ولو كان مثقال ذرة فان الله من كمال فضله وكرمه لا يضيعه حتى يكون القليل كثيرا والصغير عظيما وان كان لما يجرى على الظواهر من الشر ادنى اثر فى القلب فان الله تعالى من غاية لطفه واحسانه لا يؤاخذ العبد به بل يحلم عنه ويتوب عليه ويغفر له كما قال { والله غفور حليم } كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:226

{ للذين يؤلون من نسائهم } الايلاء الحلف وحقه ان يستعمل بعلى لكن لما ضمن هذا القسم معنى البعد عدى بمن اى للذين يبعدون من نسائهم مؤلين { تربص أربعة أشهر } اى انتظار هذه المدة واضافته الى الظرف على الاتساع فى الظرف بجريه مجرى المفعول به كما يقال بينهما مسيرة يوم اى مسيرة فى يوم اى لهم ان ينتظروا فى هذه المدة من غير مطالبة بفىء او طلاق. والايلاء من الزوجة ان يقول الرجل والله لا اقربك اربعة اشهر فصاعدا على التقييد بالاشهر او لا اقربك على الاطلاق ولو حلف على ان لا يطأها اقل من اربعة اشهر لا يكون مؤليا بل هو حالف اذا وطئها قبل مضى تلك المدة يجب عليه كفارة يمين على الاصح. وللايلاء حكمان حكم الحنث وحكم البر. فحكم الحنث وجوب الكفارة بالوطئ فى مدة الايلاء ان كان اليمين بالله ولزوم الجزاء من نحو الطلاق او العتاق او النذر المسمى ان كان القسم بذلك وحكم البر وقوع طلقة بائنة عند مضى مدة الايلاء وهى اربعة اشهر ان كانت المنكوحة حرة وان كانت المنكوحة امة الغير تبين بمضى شهرين. قال قتادة كان الايلاء طلاقا لاهل الجاهلية. وقال سعيد بن المسيب كان ذلك من ضرار اهل الجاهلية كان الرجل لا يحب امرأته ولا يحب ان يتزوجها غيره فيحلف ان لا يقربها ابدا فيتركها لا ايما ولا ذات بعل وكانوا فى ابتداء الاسلام يفعلون ذلك ايضا فازال الله ذلك الضرر عنهن وضرب للزوج مدة يتروى فيها ويتأمل فان رأى المصلحة فى ترك هذه المضارة فعله وان رأى المصلحة فى المفارقة فارقها { فان فاؤوا } اى ان رجعوا عما حلفوا عليه من ترك الجماع { فان الله غفور رحيم } يغفر للمولى بفيئته التى هى كتوبته اثم حنثه عند تكفيره او ما قصد بالايلاء من ضرار المرأة.

البقرة 2:227

{ وإن عزموا الطلاق } اصل العزم او العزيمة عقد القلب على امضاء شىء تريد فعله اى حققوه واكدوه بان ثبتوا فى المدة على ترك القربان حتى مضت المدة { فإن الله سميع } لطلاقهم { عليم } بغرضهم فيه. والاشارة فى تحقيق الآيتين ان يعلم العبد ان الله لا يضيع حق احد من عباده لا على نفسه ولا على غيره فلما تقاصر لسان الزوجة لكونها اسيرة فى يد الزوج فالله تعالى تولى الامر بمراعاة حقها فامر الزوج بالرجوع اليها او تسريحها فاذا كان حق صحبة الاشكال محفوظا عليك حتى لو اخللت به اخذك بحكمه فحق الحق احق بان يجب مراعاته. وفى تعيين تربص اربعة اشهر فى الفيىء اشارة عجيبة وهى انها مدة تعلق الروح بالجنين كما قال عليه السلام " ان احدكم يجمع خلقه ". اى يحرز ويقر مادة خلقه " فى بطن امه ". اى فى رحمها من قبيل ذكر الكل وارادة الجزء " اربعين يوما ". وعن ابن مسعود رضى الله عنه ان النطفة اذا وقعت فى الرحم فاراد الله ان يخلق منها تنشر فى بشرة المرأة تحت كل ظفر وشعرة فتمكث اربعين ليلة ثم تنزل دما فى الرحم فذاك جمعها " ثم تكون علقة ". وهى قطعة دم غليظ جامد " مثل ذلك ". اربعين يوما " ثم تكون مضغة ". وهى قطعة لحم قدر ما تمضغ " مثل ذلك ثم يرسل الله اليه الملك فينفخ فيه الروح ". وهذا يدل على ان التصوير يكون فى الاربعين الثالثة " ويؤمر باربع كلمات ". يعنى يؤمر الملك بكتابة اربع قضاها وهو معطوف على قوله تكون علقة لان الكتابة فى الاربعين الثانية " يكتب رزقه ". روى على صيغة المجهول والمعلوم " واجله ". وهو يطلق على مدة الحياة كلها وهو المراد هنا وعلى منتهاها ومنه قوله تعالى فإذا جاء أجلهم النحل 61. وعمله وشقى وهو من وجبت له النار او سعيد وهو من وجبت له الجنة قدم ذكر الشقى لانه اكثر الناس كذا قال القاضى المراد بكتبه هذه الاشياء اظهارها للملك ولا فقضاؤه تعالى سابق على ذلك. فاذا تمهد هذا فمن وقع له من اهل القصد وقفة او فترة فى اثناء السلوك من ملالة النفس او نفرة الطبع فعلى الشيخ وعلى الاصحاب ان لا يفارقوه فى الحقيقة وان يتعاونوا بالهمم العلية لاستجلابه ويتربصوا اربعة اشهر الرجوع فان فاء الى صدق الطلب ورعاية حق الصحبة واستغفر مما جرى منه ونفخ فيه روح الارادة مرة اخرى اقبلوا عليه وعفوا عما لديه فان هذا ربيع لا يرعاه الا المهزولون وربع لا يسكنه الا المعزولون ومنهل لا يرده الا اللاهون وباب لا يقرعه الا الماكثون بل هذا شراب لا يذوقه الا العارفون وغناء لا يطرب عليه الا العاشقون وان عزموا بعد مضى اربعة اشهر طلاق منكوحة المواصلة واصروا على ذنب المفارقة فلهم التمسك بعروة هذا فراق بينى وبينك فان الله سميع بمقالتهم عليم بحالتهم قال السعدى قدس سره نه مارا درميان عد و وفا بود جفا كردى وبد عهدى نمودى هنوزت كرسر صلحست بازآى كزان محبوبتر باشى كه بودى قال اوحد المشايخ فى وقته ابو عبد الله الشيرازى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى المنام وهو يقول من عرف طريقا الى الله فسلكه ثم رجع عنه عذبه الله بعذاب لم يعذب به احدا من العالمين كذا فى لواقح الانوار القدسية فى مناقب العلماء والصوفية.

البقرة 2:228

{ والمطلقات } المراد بها ذوات الاقراء من الحرائر المدخول بهن لانه لا عدة على غير المدخول بها وان عدة من لا تحيض لصغر او كبر او حمل بالاشهر ووضع الحمل وان عدة الامة قرءان او شهران واصل التطليق رفع القيد اى المخليات من حبال ازواجهن { يتربصن } خبر فى معنى الامر اى ليتربصن وينتظرن { بأنفسهن } الباء للتعدية اى يحملن انفسهن على التربص ويجعلنها متربصة { ثلثة قروء } نصب على الظرفية اى مدة ثلاثة قروء فلا تتزوجن الى انقضائها. والقروء جمع قرء وهو من الاضداد فى كلام العرب يقع على الطهر والحيض والمشهور انه حقيقة فيهما كالشفق اسم للحمرة والبياض جميعا. ذهب ابو حنيفة واصحابه الى ان القروء هى الحيض لان الله تعالى جعل الاعتداد بالاشهر بدلا من الاعتداد بالقرء كما قال واللائى يئسن من المحيض من نسائكم فعدتهن ثلثة أشهر الطلاق 4. فلما شرع ذلك عند ارتفاع الحيض دل على ان الاصل كان هو الحيض وتمسك الشافعى بقوله تعالى فطلقوهن لعدتهن الطلاق 1. على ان المراد بالقروء الاطهار لان اللام فى لعدتهن للوقت ووقت العدة لا يجوز ان يكون وقت الحيض لانه تعالى امر بالطلاق والطلاق فى وقت الحيض منهى عنه. وجوابه ان معناه فطلقوهن مستقلات لعدتهن وهى الحيض الثلاث فالطلاق يقع ثم تأخذ المرأة وتشرع فى العدة وليس معنى الآية ان الطلاق واقع فى العدة وفائدة الخلاف بين الشافعى وابى حنيفة ان مدة العدة عند الشافعى اقصر وعند ابى حنيفة اطول حتى لو طلقها فى حال الطهر يحسب بقية الطهر قرأ وان حاضت عقيبه فى الحال فاذا شرعت فى الحيضة الثالثة انقضت عدتها وعند ابى حنيفة ما لم تطهر من الحيضة الثالثة ان كان الطلاق فى حال الطهر او من الحيضة الرابعة ان كان الطلاق فى حال الحيض لا يحكم بانقضاء عدتها { ولا يحل لهن أن يكتمن } اى يخفين { ما خلق الله فى أرحامهن } من الحبل والحيض بان تقول المرأة لست بحامل او لست بحائض وهى حائض لتبطيل حق الزوج من الولد والرجعة وذلك اذا ارادت المرأة فراق زوجها فكتمت حملها لئلا ينتظر بطلاقها ان تضع وربما اسقطت الحمل خوفا ان يعود ولئلا يشفق على الولد فيترك تسريحها او كتمت حيضها استعاجلا للطلاق لان الطلاق السنى انما يكون فى الطهر. وفيه دليل على قبول قولهن فى ذلك نفيا واثباتا { ان كن يؤمن بالله واليوم الآخر } اى فلا يجترئن على ذلك فان قضية الايمان بالله واليوم الآخر الذى يقع فيه الجزاء والعقوبة منافية له قطعا. وفيه تهديد شديد على النساء وليس المراد ان ذلك النهى مشروط بكونها مؤمنة لان المؤمنة والكافرة فى هذا الحكم سواء { وبعولتهن } جمع بعل والبعلة المرأة واصل البعل السيد والمالك سمى الزوج بعلا لقيامه بامر زوجته كانه مالك لها ورب والتاء فى البعولة لتأنيث الجمع فان الجمع لكونه بمعنى الجماعة فى حكم المؤنث والتاء زائدة لتأكيد التأنيث ودلت تسمية الزوج بعلا بعد طلاقها الصريح على ان النكاح قائم والحل ثابت والضمير لبعض افراد المطلقات لان هن عام شامل للمطلقة بالطلاق الرجعى والبائن ولا حق لازواج البوائن فى النكاح والرجعة { أحق بردهن } الى النكاح والرجعة اليهن { فى ذلك } اى فى زمان التربص فان حق الرجعة انما يثبت للزوج ما دامت فى العده واذا انقضى وقت العدة بطل حق الرد والرجعة. وافعل هنا بمعنى الفاعل والمعنى ان ازواجهن حقيقون بردهن اذ لا معنى للتفضيل هنا فان غير الازواج لا حق لهم فيهن البتة ولا حق ايضا للنساء فى ذلك حتى لو ابت من الرجعة لم يعتد بذلك { إن أرادوا } اى الازواج بالرجعة { إصلاحا } لما بينهم وبينهن واحسانا اليهن ولم يريدوا مضارتهن كما كانوا يفعلونه فى الجاهلية كان الرجل يطلق امرأته فاذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم بعد مدة طلقها يقصد بذلك تطويل العدة عليها وليس المراد به شرطية قصد الاصلاح بصحة فان الرجعة صحيحة وان راجعها مضارا بها بل هو الحث عليه والزجر عن قصد الضرار ثم انه تعالى لما بين ان المقصود من الرجعة اصلاح حالها لا ايصال الضرر اليها بين ان لكل واحد من الزوجين حقا على الآخر فقال { ولهن } عليهم من الحقوق { مثل الذى } لهم { عليهن بالمعروف } قوله بالمعروف متعلق بما تعلق به لهن من الاستقرار اى استقر لهن بالمعروف اى بالوجه الذى لا ينكر فى الشرع وعادات الناس فلا يكلفهن ما ليس لهم ولا يعنف احد الزوجين صاحبه ووجه المماثلة بين الحقين هو الوجوب واستحقاق المطالبة لا الاتحاد فى جنس الحقوق مثلا اذا استحقت المرأة على الزوج المهر والنفقة والمسكن لا يستحق هو عليها ايضا جنس هذه الحقوق { وللرجال عليهن درجة } اى زيادة فى الحق وفضل فيه وفضل الرجل على المرأة فى العقل والدين وما يتفرع عليهما مما لا شك فيه وفضله المناسب بهذا المقام امران. الاول كون ما يستحق هو عليها افضل وازيد مما تستحق هى عليه فانه مالك لها مستحق لنفسها لا تصوم تطوعا الا باذنه ولا تخرج من بيتها الا باذنه وقادر على الطلاق فاذا طلقها فهو قادر على مراجعتها شاءت المرأة او ابت. واما المرأة فلا تملك شيأ من هذه الامرو وانما حقها فيه المهر والكفاف وترك الضرار. والثانى ما اشار اليه الزجاج بقوله معناه ان المرأة تنال من الرجل من اللذات المتفرعة على النكاح مثل ما ينال الرجل منها وله الفضيلة عليها بنفقته والقيام عليها فالفضيلة على هذا فضيلة ما التزمه فى حقها مما يتعلق بالرحمة والاحسان كالتزام المهر والنفقة والمسكن والذب عنها والقيام بمصالحها ومنعها عن مواقع الآفات عن ابى هريرة رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو كنت آمرا لاحد ان يسجد لاحد غير الله لامرت المرأة ان تسجد لزوجها ". لما عظم الله من حقه عليها قال تعالى الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم النساء 34. فكان قيام المرأة بخدمة الرجل آكد وجوبا لهذه الحقوق الزائدة { والله عزيز } يقدر على الانتقام ممن يخالف احكامه { حكيم } تنطوى شرائعه على الحكم والمصالح. واعلم ان مقاصد الزوجية لا تتم الا اذا كان كل واحد من الزوجين مراعيا حق الآخر مصلحا لاحواله مثل طلب النسل وتربية الولد ومعاشرة كل واحد منهما الآخر بالمعروف وحفظ المنزل وتدبير ما فيه وسياسة ما تحت ايديهما الى غير ذلك مما يستحسن شرعا ويليق عادة وفى الحديث " جهاد المرأة حسن التبعل " يقال امرأة حسنة التبعل اذا كانت تحسن عشرة زوجها والقيام بما عليها فى بيت الزوج وفى الحديث " ايما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة ". كما فى رياض الصالحين. ومن الحقوق التزين قال ابن عباس رضى الله عنهما انى لأتزين لامرأتى كما تتزين لقوله تعالى { ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف } ويقال ان المرأة مثل الحمامة اذا انبت لها جناح طارت كذا الرجل اذا زين امرأته بالثياب فلا تجلس بالبيت. وقال رجل ما دخل دارى شر قط فقال حكيم ومن اين دخلت امرأتك قال السعدى قدس سره دلارام باشد زن نيك خواه ولى اززن بد خدايا بناه وقال بعضهم عصمت زن را بمقام جمال جلوه حرامست مكريا حلال حكى انه كان فى بنى اسرائيل رجل صالح وكان له امرأة يحبها حبا شديدا فبعث الله اليه ان يسأله ثلاث حوائج فقال لامرأته حوائجى كثيرة لا ادرى ما اعمل فقالت امرأته اسأل حاجة لى وحاجتين لك قال ما تريدين قالت اسأل ربك ان يصيرنى فى صورة ما كانت صورة احسن منها واجمل فسأل ربه فاضاء البيت من حسنها وجمالها فقامت لتخرج من بيتها فقال زوجها الى اين تذهبين قالت الى بعض السلاطين انا لا اضيع حسنى وجمالى بمثلك ومنع الزوج خروجها ثم بلغ الخبر الى بعض السلاطين فجاء اعوانه واخذوها من زوجها جبرا فقال الرجل اللهم بقى لى عندك حاجتان اجعلها قردة فمسخها الله تعالى قردة فردها الملك من عنده فجاءت الى زوجها ثم قال الرجل اللهم ردها كما كانت اولا فذهبت الحوائج كلها عبثا لاهى افلحت ولا هو. والاشارة ان المطلقات لما امرن بالعدة وفاء لحق الصحبة وان كان الانقطاع من الزوج لا من الزوجة امرن ان لا يقين غير مقامه بالسرعة ويصبرون حتى يمضى مقدار من المدة الى آخر العدة وكلها دلالات على وفاء الربوبية فى رعاية العبودية فان الله تعالى من كمال كرمه يرخى زمام الفضل بالاصطناع وان كان من العبد الفصل والانقطاع ويمهل العبد الى انقضاء عدة الجفاء ولا يعرض عنه سريعا لاقامة شرط الوفاء لعل العبد فى مدة العدة يتنبه من نوم الغفلة وتتحرك داعيته فى ضمير قلبه من نتائج محبة ربه وان ابتلاه بمحنة الفرقة فيقرع باصبع الندامة باب التوبة ويقوم على قدم الغرامة فى طلب الرجعة والاوبة فيقال من كمال الفضل والنوال يا قارع الباب دع نفسك وتعال من طلب منا فلاحا فليلزم عتبتنا مساء وصباحا.

البقرة 2:229

{ الطلاق } اى التطليق الرجعى المتقدم ذكره الذى قال تعالى فيه وبعولتهن أحق بردهن البقرة 228 { مرتان } اى دفعتان وذلك لا يكون الا على سبيل التفريق فان من اعطى الى آخر درهمين لم يجز أن يقال اعطاه مرتين حتى يعطيه اياهما دفعتين فالجمع بين الطلقتين والثلاث فى الايقاع حرام عند ابى حنيفة رحمه الله الا انه سنى الوقوع لا سنى الايقاع فالطلاق الذى يثبت فيه للزوج حق الرجعة البتة ولا تحل له المرأة الا بعد زوج آخر ثم قوله { الطلاق مرتان } وان كان ظاهره الخبر فان معناه الامر لان حمله على ظاهره يؤدى الى وقوع الخلف فى خبر الله تعالى لانه قد يوجد ايقاع الطلاق على وجه الجمع ولا يجوز الخلف فى خبر الله فكان المراد منه الامر كأنه قيل طلقوهن مرتين اى دفعتين { فإمساك } اى فالحكم بعد هاتين الطلقتين امساك لهن { بمعروف } وهو ان يراجعها لا على قصد المضارة بل على قصد الاصلاح وحسن المعاشرة { أو تسريح } اى تخلية { بإحسان } بان يترك المراجعة حين تبين بانقضاء العدة. ومعنى الاحسان فى التسريح انه اذا تركها ادى اليها حقوقها المالية ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها وجملة الحكم فى هذ الباب ان الحر اذا طلق زوجته طلقة او طلقتين بعد الدخول بها يجوز له ان يراجعها من غير رضاها ما دامت فى العدة وان لم يراجعها حتى تنقضى عدتها او طلقها قبل الدخول بها او خالعها فلا تحل له الا بنكاح جديد باذنها واذن وليها فان طلقها ثلاثا فلا تحل له ما لم تنكح زوجا غيره واما العبد اذا كانت تحته امة فطلقها طلقتين فانها لا تحل له الا بعد نكاح زوج آخر والاعتبار بالمرأة فى عدد الطلاق عند ابى حنيفة رحمه الله فيملك العبد على زوجته الحرة ثلاث طلقات ولا يملك الحر على زوجته الامة الا طلقتين { ولا يحل لكم } " روى ان جميلة بنت عبد الله بن ابى بن سلول كانت تبغض زوجها ثابت بن قيس فاتت رسول الله عليه السلام وقالت لا أنا ولا ثابت ولا يجمع رأسى ورأسه شىء والله ما اعيبه فى دين ولا خلق ولكنى اكره الكفر فى الاسلام ما اطيقه بعضا انى رفعت جانب الخباء فرأيته اقبل فى عدة فاذا هو اشدهم سوادا واقصرهم قامة واقبحهم وجها فنزلت فاختلعت منه بحديقة اصدقها اى سماها ثابت صداقا لها يعنى لما قالت جميلة ما قالت قال ثابت يا رسول الله مرها فلترد على الحديقة التى اعطيتها فقال عليه السلام لها " ما تقولين " قالت نعم وازيده فقال عليه السلام " لا حديقته فقط " ثم قال لثابت " خذ منها ما اعطيتها وخل سبيلها " ففعل وكان ذلك اول خلع فى الاسلام ". والخطاب فى لكم مع الاحكام ليطابق قوله تعالى { فان خفتم } فانه خطاب مع الحكام والحكام وان لم يكونوا آخذين ومؤتين حقيقة الا انهم هم الذين يأمرون بالاخذ والايتاء عند الترافع اليهم فكأنهم هم الذين يأخذون ويؤتون { أن تأخذوا مما آتيتموهن } اى تأخذوا منهن بمقابلة الطلاق ما اعطيتموهن من المهور { شيئا } اى نزرا يسيرا فضلا عن استرداد الكثير { إلا أن يخافا } اى الزوجان { ألا يقيما حدود الله } اى ان لا يراعيا مواجب الزوجية. قوله { إلا أان يخافا } استثناء مفرغ وان يخافا محله النصب على انه مفعول من اجله مستثنى من العام المحذوف تقديره ولا يحل لكم ان تأخذوا بسبب من الاسباب شيأ الا بسبب خوف عدم اقامة حدود الله { فإن خفتم } ايها الحكام { ألا يقيما حدود الله } اى الحقوق التى اثبتها النكاح وذلك بمشاهدة بعض الامارات والمخايل { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } اى فيما اعطته المرأة من بدل الخلع لا على الزوج فى اخذ ما فدت به نفسها ولا عليها فى اعطائه اياه هذا اذا كان النشوز من قبل المرأة لانها ممنوعة عن اتلاف المال بغير حق اما اذا كان النشوز من قبل الزوج فلا يحل له ان يأخذ شيأ مما آتاها لقوله تعالى فلا تأخذوا منه شيئا النساء 20. ولا يضيق عليها ليلجئها الى الافتداء فان ذلك منهى عنه قال تعالى فى سورة النساء ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن النساء 19. وعموم قوله تعالى { فيما افتدت به } يشعر بجواز المخالعة على قدر المقبوض من الزوج وعلى الازيد والاقل وعليه جمهور الفقهاء ثم ان ظاهر الآية انه لا يباح الخلع الا عند الغضب والخوف وجمهور المجتهدين على جوازه فى حالة الخوف وفى غير حالة الخوف فلا بد حينئذ ان يجعل قوله { الا ان يخافا } استثناء منقطعا كما فى قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ النساء 92. اى لكن ان قتل خطأ فدية مسلمة الى اهله. قال البغوى ويجوز الخلع فى غير حال النشوز غير انه يكره لما فيه من قطع الوصلة بلا سبب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان من ابغض الحلال الى الله الطلاق ". { تلك } اى الاحكام المذكورة { حدود الله } اوامره ونواهيه { فلا تعتدوها } اى لا تتجاوزوا عنها بالمخالفة والرفض { ومن يتعد حدود الله فأولئك } المتعدون { هم الظالمون } اى لانفسهم بتعريضها لسخط الله وعقابه. اعلم ان المرأة اذا برئت من مواقع الخلل واتصفت بالعفة فعلى الزوج ان يعاشرها بالمعروف ويصبر على سائر اوضاعها وسوء خلقها ويتأدب بآداب النبى صلى الله عليه وسلم وكان عليه السلام يحسن المعاشرة مع ازواجه المطهرة فحسن معاشرتهن والصبر عليهن مما يحسن الاخلاق فلا جرم يعد الصابر من المجاهدين فى سبيل الله روى ان بعض المتعبدين كان يحسن القيام على زوجته الى ان ماتت وعرض عليه التزويج فامتنع وقال الوحدة اروح لقلبى قال فرأيت فى المنام بعد جمعة من وفاتها كأن ابواب السماء قد فتحت وكأن رجالا ينزلون ويسيرون فى الهواء يتبع بعضهم بعضا فكلما نظر الى واحد منهم يقول لمن وراءه هذا هو المشئوم فيقول الآخر نعم ويقول الثالث كذلك فخفت ان اسألهم الى ان مر بى آخرهم فقلت له من هذا المشئوم قال انت قلت ولم قال كنا نرفع عملك مع اعمال المجاهدين فى سبيل الله تعالى فمنذ جمعة امرنا ان نضع عملك مع المخالفين فلا ندرى ما احدثت فقال لاخوانه زوجونى فلم يكن يفارقه زوجتان او ثلاث قال الكاشفى مردى كمان مبركه بزورست وبردلى بانفس اكر جهاد كنى مرد كاملى ولا يتيسر هذا الا لواحد بعد واحد كما قيل وللحروب رجال وان انت تريد الطلاق فطلق نفسك كما قيل هركه زن نفس شوم را داد طلاق جفتش نبود بزير اين نيلى طاق از مزبله نفس قدم بيرون نه تاروحت كند تسم وصل استنشاق وما دام عجوز نفسك تشوش باطنك وتخرب بيت قلبك فالعروس التى هى تجلى الروح لا تتراءى من وراء نقاب السر ولا تجيىء بيت مشاهدتك رحم الله امرأ عرف قدره ولم يتعد طوره. والاشارة فى الآية ان اهل الصحبة لا يفارقون بجريمة واحدة صدرت من الرفيق الشفيق والصديق الصدوق ولا بجريمتين بل يتجاوزون مرة او مرتين. وفى الثالثة { فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان } اما صحبة جميلة او فرقة جميلة كما تجاوز الخضر عن موسى عليهما السلام مرتين وفى الثالثة قال هذا فراق بينى وبينك الكهف 78. واما الصحبة من غير تعظيم وحرمة وذهاب لذة العمر بالاخلاق الذميمة واضاعة الوقت فى تحصيل المقت فغير مرضية فى الطريقة ولا محمودة فى الشريعة بل قاطعة طريقة الحق وليس لاهل الصحبة اذا اتفقت المفارقة ان يستردوا خواطرهم من الرفقاء بالكلية ويقطعوا رحم الاخوة فى الدين ويأخذوا منهم قلوبهم بعدما آتوهم الهمم العلية فان العائد فى هبته كالعائد فى قيئه { إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله } فى رعاية حقوق الصحبة { فإن خفتم ألا يقيما حدود الله } بان تؤدى الى مداهنة او اهمال فى حق حقوق الدين { فلا جناح عليهما فيما افتدت به } من الحظوظ لرعاية الحقوق { تلك حدود الله } من الحظوظ والحقوق { فلا تعتدوها } بترك الحقوق لنيل الحظوظ كذا فى التأويلات النجمية قدس الله تعالى نفسه الزاكية القدسية.

البقرة 2:230

{ فإن طلقها } اى بعد الطلقتين السابقتين { فلا تحل } تلك المرأة { له } لزوجها { من بعد } اى من بعد الطلقة الثالثة لا بطريق الرجعة ولا بتجديد العقد { حتى تنكح } زوجا فسماه باسم العاقبة والنكاح هنا العقد دون الوطئ وبه اخذ سعيد بن المسيب واللفظ يشهد له لا يقال حتى تطأ المرأة الزوج فان المرأة موطوءة لا واطئة فالآية وان كانت مطلقة لانها انما تدل على ان عدم حلها له يمتد الى ان تتزوج بزوج آخر وينعقد بينهما عقد النكاح من غير تقييد ذلك العقد بكونه مؤديا الى جماع الزوج الثانى لكنها مقيدة بالسنة فالاجماع على اشتراط الاصابة لما " روى ان امرأة رفاعة جاءت النبى عليه الصلاة والسلام فقالت ان رفاعة طلقنى فبت طلاقى اى قطعه حيث طلقنى ثلاثا وان عبد الرحمن بن الزبير تزوجنى وان ما معه اى ذكره ليس باغنى عنى من هذه اى الهدبة واخذت من جلبابها فتبسم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقال " أتريدين ان ترجعى الى رفاعة " قالت نعم فقال " لا حتى تذوقى عسيلته ويذوق عسيلتك " والمراد بالعسيلة الجماع شبه لذة الجماع بالعسل { فإن طلقها } اى الزوج الثانى بعد الدخول بها { فلا جناح عليهما } اى لا اثم على الزوج الاول والمرأة { أن يتراجعا } اى يرجع كل منهما الى صاحبه بعقد جديد { إن ظنا أن يقيما حدود الله } اى ان كان فى ظنهما انهما يقيمان حدود الله اى ما حده الله وشرعه من حقوق الزوجية ولم يقل ان علما لان العواقب غير معلومة والانسان لا يعلم ما فى الغد وانما يظن ظنا { وتلك } اشارة الى الاحكام المذكورة الى هنا { حدود الله } اى احكامه المعينة المحمية من التعرض لها بالتغيير والمخالفة { يبينها } بهذا البيان { لقوم يعلمون } اى يفهمون ويعملون بمقتضى العلم وتخصيصم بالذكر مع عموم الدعوة والتبليغ لما انهم المنتفعون بالبيان والجاهل اذا بين له لا يحفظ ولا يتعاهد نكته كفتن بيش كزفهمان زحكمت بيكمان جوهرى جند از جواهر ريختن ييش خرست ثم ان الحكمة فى اشتراط اصابة الزوج الثانى فى التحليل وعدم كفاية مجرد العقد فيه الردع عن المسارعة الى الطلاق فان الغالب ان يستنكر الزوج ان يستفرش زوجته رجل آخر وهذا الردع انما يحصل بتوقف احل على الدخول واما مجرد العقد فليس منه زيادة نفرة وتهييج غيرة فلا يصلح توقف الحل عليه رادعا وزاجرا عن التسرع الى الطلاق والنكاح المعقود بشرط التحليل وهو ان يشترط فى النكاح ان يقتصر على قدر التحليل ولا يستديم زوجيتها فاسد عند الاكثر وجائز عند ابى حنيفة مع الكراهة وعنه انهما ان اضمرا التحليل ولم يصرحا به فلا كراهة. وفى شرح الزيلعى لو خافت المرأة المطلقة ثلاثا ان لا يطلقها المحلل فقالت زوجتك نفسى على ان امرى بيدى اطلق نفسى كلما اردت فقبل جاز النكاح وصار الامر بيدها. وفيه ايضا ومن لطائف الحيل فيه ان تزوج المطلقة من عبد صغير تتحرك آلته ثم تملكه بسبب من الاسباب بعدما وطئها فيفسخ النكاح بينهما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " لعن الله المحلل والمحلل له " المحلل بكسر اللام والمراد به الزوج الثانى والمحلل له بفتح اللام والمراد به الزوج الاول. فان قلت ما معنى لعنهما. قلت معنى اللعن على المحلل لانه نكح على قصد الفراق والنكاح شرع للدوام وصار كالتيس المستعار والتيس هو الذكر من الغنم وقد يستعيره الناس لاستيلاد الغنم واللعن على المحلل له لانه صار سببا لمثل هذا النكاح والمتسبب شريك المباشر فى الاثم والثواب. او المراد من اللعن اظهار خساستهما اما خساسة المحلل فلمباشرته مثل هذا النكاح بدليل قوله عليه السلام " الا أنبئكم بالتيس المستعار ". واما خساسة المحلل له فلمباشرة ما ينفر عنه الطبع السليم من عودها اليه بعد مضاجعة غيره اياها واستمتاعه بها لا حقيقة اللعن اذ هو لا يليق بمنصب الرسالة فى حق الامة لانه عليه الصلاة والسلام لم يبعث لعانا. والاشارة فى الآية ان اهل الصحبة لما تجاوزوا عن زلة الاخوان مرة ومرتين ثم فى الثالثة ان سلكوا طريق الهجران وخرجوا عن مصاحبة الاخوان فلا يحل للاخوان ان يواصلوا الخوان حتى يصاحب الخائن صديقا مثله فان ندم بعد ذلك على افعاله وسئم من ذلك الصديق وامثاله وترك صحبته وخرج عن خصاله ورجع الى صحبة اخوانه واشكاله { فلا جناح عليهما ان يتراجعا ان ظنا ان يقيما } شرائط العبودية والصحبة فى الله وتلك طرق قربات الله والسائرين الى الله يبينها بالتصريح والتعريض والعبارات والاشارات { لقوم يعلمون } المعاريض ويفهمون الاشارات كذا فى التأويلات النجمية قال احمد بن حضرويه الطريق واضح والدليل لائح والداعى قد اسمع فما التحير بعد هذا الا من العمى قال الحافظ وصف رخساره خورشيد زخفاش مبرس كه درين آينه صاحب نظران حيرانند

البقرة 2:231

{ وإذا طلقتم النساء } اى نساءكم { فبلغن أجلهن } اى آخر عدتهن وشارفن منتهاها ولم يرد حقيقة انقضاء العدة لان العدة اذا انقضت لم يكن للزوج امساكها بالمعروف نزلت فى رجل من الانصار يدعى ثابت بن يسار طلق امرأته حتى اذا قرب انقضاء عدتها راجعها ثم طلقها بقصد مضارتها { فأمسكوهن بمعروف } اى راجعوهن من غير طلب اضرار لهن بالرجعة. والمعروف ما الفته العقول واستحسنته النفوس شرعا وعرفا وعادة والمراد به هنا حسن المعاشر { أو سرحوهن بمعروف } او خلوهن حتى تنقضى عدتهن من غير تطويل { ولا تمسكوهن ضرارا } اى ولا تراجعوهن ارادة الاضرار بهن بتطويل العدة والحبس على ان يكون انتصاب ضرارا على العلة او مضارين على الحال. فان قلت لا فرق بين قوله { فأمسكوهن بمعروف } وبين قوله { لا تمسكوهن ضرارا } لان الامر بالشىء نهى عن ضده فما الفائدة فى التكرار قلت ان الامر لا يفيد التكرار ولا يدل على كون امتثال المأمور به مطلوبا فى كل الاوقات فدل لا تمسكوهن على المبالغة فى التوصية بالامساك بالمعروف لدلالته على ان الامساك المذكور مطلوب منه فى جميع الاوقات { لتعتدوا } متعلق بضرار اذ المراد تقييده اى لتظلموهن بالالجاء الى الافتداء { ومن يفعل ذلك } اى ما ذكر من الامساك المؤدى الى الظلم { فقد ظلم نفسه } فى ضمن ظلمه لهن بتعريضها للعقاب { ولا تتخذوا آيات الله } المنطوية على الاحكام المذكورة او جميع آياته وهى داخلة فيها دخولا اوليا { هزوا } اى مهزوا بها بالاعراض عنها والتهاون فى العمل بما فيها والنهى كناية عن الامر بضده لان المخاطبين مؤمنون ليس من شأنهم الهزؤ بآيات الله اى جدوا فى الاخذ بها والعمل بما فيها وارعوها حق رعايتها قال الحكيم السنانى قدس سره دانشت هست وكاربستن كو خنجرت هست وصف شكستن كو ولما رغبهم فى رعاية التكاليف والعمل بها بالتهديد على التهاون بها اكد ذلك الامر بذكر نعم الله عليهم بان يشكروها ويقوموا بحقوقها فقال { واذكروا نعمت الله } كائنة { عليكم } حيث هداكم الى ما فيه سعادتكم الدينية والدنيوية اى قابلوها بالشكر والقيام بحقوقها وقيل واذكروا انعام الله عليكم بان خلقكم رجالا وجعل لكم ازواجا تسكنون اليها وجعل النكاح والطلاق والرجعة بايديكم ولم يضيق عليكم كما ضيق على الاولين حين احل لهم امرأة واحدة ولم يجوز لهم بعد موت المرأة نكاح اخرى { وما أنزل عليكم } عطف على نعمة الله اى وما انزله الله عليكم { من الكتاب والحكمة } اى القرآن والسنة افردهما بالذكر اظهارا لشرفهما { يعظكم به } اى بما انزل عليكم حال من فاعل انزل وهو ضمير انزل اى اذكروا نعمة الله وما انزله عليكم واعظا به لكم ومخوفا { واتقوا الله } فى شأن المحافظة عليه والقيام بحقوقه الواجبة { واعلموا أن الله بكل شىء عليم } فلا يخفى عليه شىء مما تأتون وما تذرون فيؤاخذكم بافانين العذاب والاشارة فى الآية ان الاذية والمضارة ليست من الاسلام ولا من آثار الايمان ولا من شعار المسلمين عموما كما قال عليه السلام " المؤمن من امنه الناس ". وقال " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ". ويتضمن حسن المعاشرة مع الخلق جميعا. فاما الزوجان ففيهما خصوصية بالامر بحسن المعاشرة معهن وترك اذيتهن والمغايظة معهن على وجه اللجاج فاما تخلية سبيل من غير جفاء او قيام بحق الصحبة على شرائط الوفاء بلا اعتداء { ومن يفعل ذلك } البقرة 231. اى من الاذية والمضارة والاعتداء بالجفاء { فقد ظلم نفسه } البقرة 231 لان الله تعالى يجازى الظالم والمظلوم يوم القيامة بان يكافىء المظلوم من حسنات الظالم ويجازى الظالم من سيآت المظلوم والظالم اذا اساء الى غيره صارت نفسه مسيئة واذا احسن صارت نفسه محسنة فترجع اساءة الظالم الى نفسه لا الى نفس غيره حقيقة فانه ظلم نفسه لا غيره ولهذا قال تعالى إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها الإسراء 7. قال السعدى قدس سره مكن تا توانى دل خلق ريش وكر ميكنى ميكنى بيخ خويش { ولا تتخذوا آيات الله هزوا } اى بتلاوة ظاهرها من غير تدبر معانيها وتفهم اشاراتها وتحقق اسرارها وتتبع حقائقها والتنور بانوارها والاتعاظ بمواعظها وحكمها. يقال ان الوعظ كالشاهين فانما يقع على الحى لا على الميت فمن مات قلبه ونعوذ بالله من ذلك لم يتأثر بالمواعظ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " انتم اليوم على بينة من ربكم ". يعنى على بيان قد بين لكم طريقكم " ما لم تظهر فيكم السكرتان سكرة العيش وسكرة الجهل " روى انه ضلت راحلة الحسن البصرى فى طريق الحج فلقيه صبى فسأله فعرفها فلما وجد الراحلة سأله الصبى يا شيخ ما تأكل وما تلبس قال آكل خبز الشعير والبس الصوف لاكسر شهوتى بهما قال الصبى كل ما شئت والبس كذلك بعد ان يكونا حلالين قال واين تبيت قال فى الخص وهو بيت من القصب قال لا تظلم وبت حيث شئت فقال الحسن لولا صباك لكسبت منك ما تكلمت به فتبسم الصبى وقال اراك غافلا اخبرتك بالدنيا فقبلت واخبرتك بالدين فتأنف من كلامى ارجع الى منزلك فلا حج لك قال السعدى قدس سره مرد بايد كه كيرد اندر كوش ور نوشته است بند بر ديوار

البقرة 2:232

{ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن } اى استوفين عدتهن فالبلوغ هنا عبارة عن حقيقة الانتهاء لان المذكور بعده النكاح ولا يكون ذلك الا بعد الانقضاء العدة { فلا تعضلوهن } العضل المنع والحبس والتضييق. والمخاطب بالخطاب الاول هو الازواج. وبالثانى هو الاولياء لما روى ان الآية نزلت فى معقل ابن يسار حين منع اخته جميلة ان ترجع الى زوجها الاول البداح عبيد الله بن عاصم فانه جاء يخطبها بعد انقضاء العدة وارادت المرأة الرجوع فلما سمع معقل الآية قال ارغم انفى وازوج اختى واطيع ربى فالمعنى اذا طلقتم النساء ايها الازواج فلا تعضلوهن ايها الاولياء وهذا وان كان مما لا يخفى ركاكته الا ان جملة الخلائق من حيث حضورهم فى علمه تعالى لما كانت بمثابة جماعة واحدة صح توجيه احد الخطابين الواقعين فى كلام واحد الى بعض وتوجيه الخطاب الآخر الى البعض الآخر ولعل التعريض لبلوغ الاجل مع جواز تزوج الاول قبله ايضا لدفع العضل المذكور حينئذ وليس فيه دلالة على ان ليس للمرأة ان تزوج نفسها والا لاحتيج الى نهى الاولياء عن العضل لما ان النهى لدفع الضرر عنهن فانهن وان قدرن على تزويج انفسهن لكنهن يحترزن عن ذلك مخافة اللوم والقطيعة. وقيل الخطابان للازواج حيث كانوا يعضلون مطلقاتهم ولا يدعونهن يتزوجن من شئن من الازواج ظلما وقسرا واتباعا لحمية الجاهلية { أن ينكحن } اى لا تمنعوهن من ان يتزوجن وفيه دلالة على صحة النكاح بعبارتهن { ازواجهن } ان اريد بهم المطلقون فالزوجية اما باعتبار ما كان واما باعتبار ما يكون والا فبالاعتبار الاخير على معنى ان ينكحن انفسهن ممن شئن ان يكونوا ازواجا لهن { إذا تراضوا } اى الخطاب والنساء ظرف لقوله ان ينكحن اى ان ينكحن وقت التراضى { بينهم } ظرف للتراضى مفيد لرسوخه واستحكامه { بالمعروف } حال من فاعل تراضوا اى اذا تراضوا ملتبسين بالمعروف من العقد الصحيح والمهر الجائز والتزام حسن المعاشرة وشهود عدول. والمعروف ما يعرف الشرع وتستحسنه المروءة وفيه اشعار بان المنع من التزوج بغير كفؤ وبما دون مهر المثل ليس من باب العضل { ذلك } اشارة الى ما مضى ذكره اى الامر الذى تلى عليكم من ترك العضل ايها الاولياء او الازواج وتوحيد كاف الخطاب مع كون المخاطب جمعا اما على تأويل القبيل او كل واحد او لكون الكاف لمجرد توجيه الكلام الى الحاضر مع قطع النظر عن كونه واحدا او جمعا { يوعظ به } اى ينهى ويؤمر به { من كان يؤمن بالله واليوم الآخر } لانه المتعظ به والمنتفع { ذلكم } اى الاتعاظ به والعمل بمقتضاه { ازكى لكم } انمى لكم وانفع من زكا الزرع اذا نما فيكون اشارة الى استحقاق الثواب { واطهر } من ادناس الآثام واوضار الذنوب والمفضل عليه محذوف للعلم اى من العضل { والله يعلم } ما فيه من النفع والصلاح والتفضيل { وانتم لا تعلمون } لقصور علمكم فان المكلف وان كان يعلم وجه الصلاح فى هذه التكاليف على سبيل الاجمال الا ان التفصيل غير معلوم له واما الله تعالى فانه العالم بتفاصيل الحكم فى كل ما امر به ونهى عنه وبينه لعباده برو علم يك ذره بوشيده نيست كه بنهان وبيدا بنزدش يكيست فدعوا رأيكم وامتثلوا امره تعالى ونهيه فى كل ما تأتون وما تذرون وذلك كما ان الوالد يحمى ولده عن بعض الاطعمة صونا له عن انحراف مزاجه فذلك محض اصلاح له لما انه يعلم ما لا يعلمه فقد وعظنا الله فى الكتاب بكل ما هو خير وصواب ونهانا عن كل ما يؤدى الى هلاك وتباب ولكن سماع النصيحة لا يتيسر الا لاولى الالباب كما قال الامام الغزالى قدس سره العالى النصيحة سهل والمشكل قبولها لانها فى مذاق متبع الهوى مر اذ المناهى محبوبة فى قلوبهم فالواعظ انما ينفع المؤمن الحقيقى وهو ما وصفه الله فى كتابه فقال إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم الأنفال 2. وعن ابن مسعود رضى الله عنه السعيد من وعظ بغيره ومثالكم فى استماعكم ما قيل ان رجلا اصطاد طيرا فقال له لا تذبحنى فأى فائدة لك بل خلنى واعلمك ثلاث حكم تنفعك كلها. الاولى لا تترك الفائدة المعلومة بالمظنونة. والثانية لا تصدق الشىء المستحيل. والثالثة لا تمدن يدك الى ما لم تبلغه فلما خلاه وطار قال ان فى حوصلتى جوهرة كبيرة لو استخرجتها لفزت فأخذ يدنو منه والطير يتباعد منه فقال يا احمق ما اسرع ما نسيت الحكم تركت الفائدة المعلومة بالمظنونة حيث خليتنى والآن تمد يدك الى ما لم تنل وصدقتنى فى المستحيل فان حوصلتى لا تسع الا حبة او حبتين فكيف يحتمل فيها الجوهرة الكبيرة فكذلك انتم فى استماعكم روى ان شقيق البلخى قدس سره كان تاجرا فى اول امره يتجر فى بلاد النصارى فقال له امير النصارى فى أى مدة تجئ وتذهب فقال اجئ فى ثلاثة اشهر واشترى السلع فى ثلاثة واذهب فى ثلاثة وابيع السلع فى ثلاثة فقال الملك فهذه الشهور السنة فما تعبد ربك فتأثر قلبه من هذا الكلام فقام عن التجارة واشتغل بالعبادة فان كان التوفيق رفيق عبد لا يزال يقطع المسافات وان مسه الآفات الى ان الى المقصود واذا وكل الى نفسه لا يفيده ملام ولا يؤثر فيه كلام. ومن النصائح التى نصح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم امته قوله عليه الصلاة والسلام " علامة اعراض الله عن العبد اشتغاله بما لا يعنيه وان امرأ ذهبت ساعة من عمره فى غير ما خلق له لجدير ان تطول عليه حسرته ومن جاوز الاربعين ولم يغلب خيره شره فليتجهز الى النار ". وفى هذه النصيحة كفاية لاهل العلم قال السعدى قدس سره بكوى آنجه دانى سخن سودمند و كر هيج كس را نيايد بسند كه ردا بشيمان بر آرد خروش كه آوخ جراحق نكردم بكوش اللهم اجعلنا من المتعظين بمواعظ كلمك.

البقرة 2:233

{ والوالدات } اى جميع الوالدات مطلقات كن او مزوجات لان اللفظ عام وما قام دليل التخصيص فوجب تركه على عمومه { يرضعن } خبر فى معنى الامر اى ليرضعن والرضع مص الثدى للبن { أولادهن } جمع ولد وهو المولود ذكرا كان او انثى ومعنى الامر الندب ووجه الندب ان تربية الطفل بلبن الام اصلح له من سائر الالبان وان شفقة الام اتم من شفقة غيرها ثم ان حكم الندب انما هو على تقدير ان لا يضطر الولد الى لبن امه اما اذا بلغ حالة الاضطرار بان لا يوجد غير الام او لا يرضع الطفل الا منها او عجز الوالد عن الاستئجار فحينئذ يجب عليها الارضاع عند ذلك كما يجب على كل احد مواساة المضطر فى الطعام. واعلم ان حق الارضاع لهن الى ان يتزوجن بغير آباء الاولاد ان كانت مطلقات لانهن يشتغلن بخدمة الازواج فلا يتفرغن لحضانتهم على الوجه الاليق ولان الربيب يتضرر بالراب فانه ينظر اليه شزرا وينفق عليه نزرا { حولين } سنتين اصله من حال الشىء يحول اذا انقلب والحول منقلب من الوقت الاول الى الثانى { كاملين } تامين اكده بصفة الكمال لانه مما يتسامح فيه فيقال اقمت عند فلان حولين بمكان كذا وانما اقام فيه حولا وبعض الحول { لمن أراد أن يتم الرضاعة } بيان للذى توجه اليه حكم الارضاع كأنه قيل هذا الحكم لمن فقيل لمن اراد ان يتم الرضاعة ومن يحتمل ان يراد بها الوالدات فقط او هن والآباء معا. واعلم ان مدة الرضاع عند ابى حنيفة حولان ونصف وعندهما حولان فقط استدلالا بهذه الآية ولا يباح ارضاع بعد هذا الوقت المخصوص على الخلاف لان اباحته ضرورية لانه جزء الآدمى فيتقدر بقدر الضرورة وقال ابو حنيفة هذه الآية محمولة على مدة استحقاق الاجرة فان الاجماع على ان مدت الرضاع فى استحقاق اجر الرضاع على الاب مقدرة بحولين حتى ان الاب لا يجبر على اعطاء اجرة بعد الحولين قال تعالى { فإن أرادا فصالا عن تراض } الآية ولو حرم الرضاع بعد الحولين لم يكن لقوله { عن تراض منهما وتشاور } فائدة فالرضاع الذى ثبت به الحرمة هو ما يكون فى ثلاثين شهرا عنده ولا يحرم ما يكون بعدها وعندهما هو ما يكون فى الحولين ولا يحرم ما يكون بعد الحولين وهو مذهب الشافعى ايضا ثم ان اتمام الحولين غير مشروط عند ابى حنيفة للآية اى لان فى قوله تعالى { لمن أراد أن يتم الرضاعة } دلالة على جواز النقص ولو ارادت التكميل لها مطالبة النققة واذا نقصت من غير اضرار لا تجبر على الكمال يعنى اذا فطم قبل مضى العدة واستغنى بالطعام لم تكن رضاعا وان لم يستغن يثبت به الحرمة وهو رواية عن ابى حنيفة وعليه الفتوى ذكره الزيلعى ثم انه تعالى كما وصى الام برعاية جانب الطفل فى قوله والولدات الخ وصى الاب برعاية جانب الام حتى تتقوى على رعاية مصلحة الطفل فامره بان يرزقها ويكسوها بالمعروف سواء كان ذلك المعروف محدودا بشرط وعقد ام لا وقد يكون غير محدود الا من جهة العرف لانه اذا قام بما يكفيها من طعامها وكسوتها فقد استغنى عن تقدير الاجرة فقال { وعلى المولود له } اى وعلى الذى يولد له وهو الوالد وانما لم يقل على الوالد ليعلم ان الاولاد للآباء لان الزوجة انما تلد الولد للزوج ولذلك ينسبون اليهم لا الى الامهات روى ان المأمون بن الرشيد لما طلب الخلافة عابه حشام ابن على فقال بلغنى انك تريد الخلافة وكيف تصلح لها وانت ابن امة فقال كان اسماعيل عليه السلام ابن امة. واسحق ابن حرة فاخرج الله من صلب اسماعيل خير ولد آدم صلى الله عليه وسلم وانشد لا تزرين بفتى من ان يكون له ام من الروم او سوداء دعجاء فانما امهات الناس اوعية مستودعات وللابناء آباء مكن زنهاراصل عودجوبست به بيه دودش جو مستثنى وخوبست { رزقهن وكسوتهن } اى رزق الامهات اذا ارضعن اولادهم ولباسهن وكذا اجر الرضاع للاظئار لانهن يحتجن الى ما يقمن به ابدانهن لان الولد انما يغتذى باللبن وانما يحصل لها ذلك بالاغتذاء وتحتاج هى الى التستر فكان هذا من الحوائج الضرورية { بالمعروف } حسبما يراه الحاكم ويفى به وسعه. فان قيل اذا كانت الزوجية باقية فهى مستحقة للنفقة والكسوة بسبب النكاح سواء ارضعت الولد أو لم ترضعه فما وجه تعلق هذا الاستحقاق بالارضاع. قلنا النفقة والكسوة تجبان فى مقابلة التمكين فاذا اشتغلت بالحضانة والارضاع لم تتفرغ لخدمة الزوج فربما يتوهم متوهم ان نفقتها وكسوتها تسقطان بالخلل الواقع فى خدمة الزوج فقطع الله ذلك الوهم بايجاب الرزق والكسوة وان اشتغلب المرأة بالارضاع هذا ما قال الواحدى فى البسيط { لا تكلف نفس الا وسعها } التكليف الالزام ومعنى تكلف الامر اظهار اثره وقوله وسعها مفعول ثان لان كلف يتعدى الى اثنين كأنه قيل لم لم تجب مؤونة الامهات على انفسهن ولم قيدت تلك المؤون بكونها بالمعروف فاجيب بانهن غير قادرات على الكسب لضعف بنيتهن واحتباسهن لمنفعة الازواج فلو اوجب مؤنهن على انفسهن لزم تكليف العاجز وكذا لو اوجب تلك المؤن على الازواج على خلاف المعروف { لا تضار والدة بولدها } نهى اصله لا تضارر بكسر الرآء الاولى فتكون المرأة هى الفاعلة او بفتح الراء الاولى فتكون المرأة هى المفعول بها الضرار وعلى الاول يكون المعنى لا تفعل المرأة الضرار بالاب بولدها اى بسبب ايصال الضرر الى الولد وذلك بان تمتنع المرأة من ارضاعه مع ان الاب يوسع عليها فى النفقة والكسوة فتلقى الولد عليه { ولا مولود له بولده } اى لا يفعل الاب الضرار بالام بان ينزع الولد منها مع رغبتها فى امساكه وشدة محبتها له وعلى الوجه الثانى لا يفعل الاب الضرار بالام بان ينزع الولد منها ولا مولود له بولده اى ولا تفعل الام الضرار بالاب بان تلقى الولد عليه والمعنيان يرجعان الى شىء واحد وهو ان يغيظ احدهما صاحبه بسبب الولد واضافة الولد الى كل منهما لاستعطافهما اليه لانه ليس باجنبى من كل واحد منهما فالحق ان يشفق عليه كل منهما وللتنبيه على انه جدير بان يتفقا على استصلاحه ولا ينبغى ان يضرا به او يتضارا بسببه { وعلى الوارث } وهو الذى لو مات الصبى ورثه اى وارث الصبى عند عدم الاب ممن كان ذا رحم محرم منه بحيث لا يجوز النكاح على تقدير ان يكون احدهما ذكرا والآخر انثى لا كل وارث سوآء كان ذا رحم محرم منه او لم يكن وسوآء كان من الرجال او النساء { مثل ذلك } اى مثل ما وجب على الاب من الرزق والكسوة واجر الرضاع ونفقة المحارم تجب عندنا بهذه الآية { فإن أرادا } اى الولدان { فصالا } وهو الفطام سمى فصالا لانه انما يكون بفصل الطفل عن الاغتذاء بلبن امه الى غيره من الاقوات اى فطاما للصغير عن الرضاع قبل تمام الحولين صادرا { عن تراض منهما } اى من الوالدين لا من احدهما فقط لاحتمال اقدامه على ما يضر بالولد بان تمل المرأة الارضاع ويبخل الاب باعطاء الاجرة وربما يضر الفطام بجمسه بقطع غذائه قبل وقت فصاله { وتشاور } فى شأن الولد وتفحص عن احواله واجماع منهما على استحقاقه للفطام. والتشاور من المشورة وهى استخراج الرأى من المستشار وانما اعتبر اتفاق الوالدين لما فى الاب من الولاية وفى الام من الشفقة وهى اعلم بحال الصبى { فلا جناح عليهما } فى ذلك ولا حرج لما ان تراضيهما انما يكون بعد استقرار رأيهما واجتهادهما فى ان صلاح الولد فى الفطام وقلما يتفقان على الخطأ فالحاصل سواء زادا على الحولين الى ثلاثين شهرا او نقصا فلا جناح عليهما فى ذلك بعد استقرار رأيهما الى ما هو خير للصبى { وإن أردتم } ايها الآباء { أن تسترضعوا } المراضع { أولادكم } فالمفعول الاول محذوف واسترضع يتعدى الى اثنين بنفسه يقال رضع الولد امه وارضعت المرأة ولدها واسترضعتها الولد وقيل يتعدى الى الثانى بحرف الجر والتقدير لاولادكم اى اذا طلبتم ان تأخذوا ظئر الارضاع اولادكم { فلا جناح عليكم } اى لا اثم عليكم فى الاسترضاع. وفيه دلالة على ان للاب ان يسترضع الولد ويمنع الام من الارضاع { إذا سلمتم } اى الى المراضع { ما آتيتم } اى ما اردتم ايتاءه كما فى قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله النحل 98. { بالمعروف } متعلق بسلمتم اى بالوجه المتعارف المستحسن شرعا وليس التسليم بشرط للصحة والجواز بل هو ندب الى ما هو الاليق والاولى فان المراضع اذا اعطين ما قدر لهن ناجزا يدا بيد كان ذلك ادخل فى اصلاح شؤون الاطفال. وقيل المراد من المعروف ان يكون الاجر من الحلال لان المرضع اذا اكلت الحلال كان اللبن انفع للصبى واقرب الى صلاحه قالوا العادة جارية ان من ارتضع امرأة فالغالب عليه اخلاقها من خير وشر ولذا قيل انه ترضعه امرأة صالحة كريمة الاصل فان لبن المرأة الحمقاء يسرى واثر حمقها يظهر يوما ما وفى الحديث " الرضاع يغير الطباع ". ومن ثمه لما دخل الشيخ ابن محمد الجوينى بيته ووجد ابنه الامام ابا المعالى يرتضع ثدى غير امه اختطفه منها ثم نكس رأسه ومسح بطنه وادخل اصبعه فى فيه ولم يزل يفعل ذلك حتى خرج ذلك اللبن قائلا يسهل على موته ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير امه ثم لما كبر الامام كان اذا حصلت له كبوة فى المناظرة يقول هذه من بقايا تلك الرضعة { واتقوا الله } فى شأن مراعاة الاحكام المذكورة فى امر الاطفال والمراضع { واعلموا أن الله بما تعملون بصير } فيجازيكم بذلك. وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى قال الحسين الكاشى كر برهنه بره برون آيى زود در تهمت جنون آيى جامه ظاهرى كه نيست ببر توفضيحت شوى ميان بشر فكر آن كن كه بى لباس ورع جه كنى در مقام هول وفزع خويشتن در لباس تقوى دار تاشوى دردوكون بر خوردار والآية مشتملة على تمهيد قواعد الصحبة وتعظيم محاسن الاخلاق فى احكام العشرة بل انها اشتملت على شيوع الرحمة والشفقة على البرية فان من لا يرحم لا يرحم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لمن ذكر انه لمن يقبل اولاده " ان الله لا ينزع الرحمة الا من قلب شقى ". وفى الحديث " حب الاولاد ستر من النار وكراماتهم جواز على الصراط والاكل معهم برآءة من النار ". وفى الحديث " اربع نفقات لا يحسب العبد بهن يوم القيامة نفقة على ابويه ونفقة على افطاره ونفقة على سحوره ونفقة على عياله ". واللطف والمرحمة ممدوح جدا عموما وخصوصا وفى الحديث " ان امرأة بغيا رأت كبا فى يوم حار يطيف ببئر قد ادلع لسانه من العطش فنزعت له فغفر لها ". قال البخارى فنزعت خفها فاوثقته اى احكمته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك والحديث يدل على غفران الكبيرة من غير توبة وهو مذهب اهل السنة وعلى ان من اطعم محتاجا الى الغذاء يستحق المثوبة والجزاء. فعلى العاقل العمل بالكتاب والسنة.

البقرة 2:234

{ والذين يتوفون منكم } اى يموتون ويقبض ارواحهم بالموت. وقرىء بفتح الياء اى يستوفون آجالهم واعمارهم. واصل التوفى اخذ الشىء وافيا كاملا يقال توفى الشىء واستوفاء فمن مات فقد اخذ عمره وافيا كاملا واستوفاه { ويذرون أزواجا } اى يتركون نساء من بعدهم وهو جمع زوج والمنكوحة تسمى زوجا وزوجة والتذكير اغلب قال تعالى اسكن أنت وزوجك الجنة البقرة 35. ويجمع ازواجا على لغة التذكير وزوجات على لغة التأنيث { يتربصن بانفسهن } الباء للتعدية اى يجعلنها متربصة منتظرة بعد موتهم لئلا يبقى المبتدأ بلا عائد { أربعة أشهر وعشرا } اى فى تلك المدة فلا يتزوجن الى انقضاء العدة قوله عشرا اى عشرة ايام وتأنيث العشر باعتبار الليالى لان التاريخ عند العرب بالليلة بناء على انها اول الشهر واليوم تبع لها ولعل الحكمة فى تقدير عدة الوفاة باربعة اشهر وعشر ان الجنين اذا كان ذكرا يتحرك غالبا لثلاثة اشهر وان كان انثى يتحرك لاربعة فاعتبر اقصى الاجلين وزيد عليه العشر استظهارا اى استعانة بتلك الزيادة على العلم بفراغ الرحم اذ ربما تضعف الحركة فى المبادى فلا يحس بها وكانت عدة الوفاة فى اول الاسلام سنة فنسخت بهذه الا الحوامل فان عدتها بوضع الحمل قال تعالى وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن الطلاق 4. والا الاماء فان عدة المتوفى عنها زوجها اذا كانت امة شهران وخمسة ايام نصف عدة الحرة باجماع السلف وقوله تعالى { والذين يتوفون منكم } خطاب مع المؤمنين فدل على ان الخطاب بهذه الفروع مختص بالمؤمنين فقط فلا وجه لايجاب العدة المذكورة على الكتابية { فإذا بلغن أجلهن } اى انقضت عدتهن { فلا جناح عليكم } الخطاب للحكام وصلحاء المسلمين لانهن ان تزوجن فى مدة العدة وجب على كل واحد منعهن عن ذلك ان قدر عليه وان عجز وجب عليه ان يستعين بالسلطان { فيما فعلن فى أنفسهن } من التزين والتعرض للخطاب وسائر ما حرم على المعتدة { بالمعروف } حال من فاعل فعلن اى فعلن ملتبسات بالوجه الذى لا ينكره الشرع { والله بما تعملون خبير } فيجازيكم عليه فلا تعملون خلاف ما امرتم به هركه عاصى شود بامر خدا بيخ اورابكند قهر خدا واعلم ان المراد بالتربص هنا الامتناع عن النكاح والامتناع عن الخروج من المنزل الذى توفى عنها زوجها فيه والامتناع عن التزين وهذا اللفظ كالمجمل لانه ليس فيه بيان انها تتربص فى أى شىء الا انا نقول الامتناع عن النكاح مجمع عليه واما الامتناع عن الخروج من المنزل فواجب الا عند الضرورة والحاجة واما ترك التزين فهو واجب لما روى عن عائشة وحفصة رضى الله عنهما ان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر ان تحد على ميت فوق ثلاث ليال الا على زوجها اربعة اشهر وعشرا ". وانما وجب الحداد لانه لما حرم عليها النكاح فى العدة امرت بتجنب الزينة حتى لا تكون بصفة الملتمسة للازواج ولاظهار التأسف على فوت نعمة النكاح الذى كان سبب مؤونتها وكفايتها من النفقة والسكنى وغير ذلك. والحداد على الميت ثلاثة ايام وتمس المرأة الطيب فى الثالث لئلا يزيد الحداد على ثلاثة ايام فانها لو مسته فى الرابع لازداد الحداد من اليوم الرابع. وهو حرام ومن السنة ان يتوقى رسوم الجاهلية من شق الجيوب وضرب الخدود وحلق الشعر كما كان عادة العرب وكذا قطعه كما كان عادة العجم وكذا رفع الصوت بالبكاء والنوح وقد برىء رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ممن يفعل شيأ من ذلك لانها عادات الجاهلية واكثر اهالى هذا الزمان فى اكثر البلدان مبتلون بامثال هذه العادات لا سيما النساء فانهن يلبسن الالبسة السود الى ان تمضى ايام بل شهور كثيرة وربما ترى رجلا لا يلبس لباس الجمع والاعياد فلو سئل فيه لاجاب بقوله مات ابى او امى او غيرهما وذلك بعد ما مضى من زمان الوفاة شهور. وكذا الرافضة قد تغالت فى الحزن لمصيبة الحسين رضى الله عنه واحدت عليها حيث اتخذوا يوم عاشوراء مأتما لقتله رضى الله عنه فيقيمون فى مثل هذا اليوم العزاء ويطيلون النوح والبكاء ويظهرون الحزن والكآبة ويفعلون فعل غير اهل الاصابة ويتعدون الى سب بعض الصحابة وهذا عمل اهل الضلال المستوجبين من الله الخزى والنكال كأنهم لم يسمعوا ما ورد فى النهى عن الحداد ومن الله الرشاد. والاشارة فى الآية ان موت المسلم لم يكن فراقا اختياريا للزوج فكانت مدة وفاته اطول فكذا العبد الطالب فان حال الموت بينه وبين مطلوبه من غير اختياره فالوفاء بحصول مطلوبه فى مدة كرم محبوبه كما قال تعالى ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله النساء 100. ففى هذا تسلية قلوب المؤمنين لئلا يقطع عليهم طريق الطلب وساوس الشيطان وهو رجس النفس بان طلب الحق امر عظيم وشأن خطير وانت ضعيف والعمر قصير فان منادى الكرم من سرادقات الفضل ينادى ألا من طلبنى وجدنى فان الطلاب فى طلبى كذا فى التأويلات النجمية قدس الله تعالى نفسه الزاكية القدسية المرضية.

البقرة 2:235

{ ولا جناح عليكم } علم الله تعالى ان المرأة اذا مات زوجها قد يكون لها مال او جمال او معنى يرغب الناس فيها فاطلق للراغب ان يعرض بالخطبة فى العدة فقال تعالى ولا جناح عليكم { فيما عرضتم به } التعريض افهام المعنى الشىء المحتمل له ولغيره { من خطبة النساء } الخطبة بالكسر التماس النكاح وبالضم الكلام المشتمل على الوعظ والزجر من الخطاب الذى هو الكلام يقال خطب المرأة اى خاطبها فى امر النكاح وبالضم الكلام المشتمل على الوعظ والزجر من الخطاب الذى هو الكلام يقال خطب المرأة اى خاطبها فى امر النكاح والمراد بالنساء المعتدات للوفاة واما النساء اللاتى لا تكون منكوحة الغير ولا معتده من طلاق رجعى فان خطبهن جائزة تصريحا وتعريضا الا ان يخطبها رجل فيجاب بالرضى صريحا فههنا لا يجوز لغيره ان يخطبها لقوله عليه السلام " لا يخطبن احدكم على خطبة اخيه ". وان اجيب بالرد صريحا فههنا يحل لغيره ان يخطبها وان لم يوجد صريح الاجابة ولا صريح الرد ففيه خلاف والتى هى معتدة عن الطلاق الثلاث والبائن باللعان والرضاع ففى جواز التعريض بخطبتها خلاف واما البائن التى يحل لزوجها نكاحها فى عدتها كالمختلعة والتى انفسخ نكاحها بعيب او عنة او اعسار نفقة فههنا يجوز لزوجها التعريض والتصريح واما غير الزوج فلا يحل له التصريح والتعريض لانها معتدة يحل للزوج ان يستبيحها فى عدتها لا يحل له التعريض بخطبتها كالرجعية ثم التعريض بالخطبة ان يقول لها فى العدة انك لجميلة صالحة ومن غرضى ان اتزوج او اشتهى امرأة مثلك او انا محتاج الى امرأة صفتها كذا أو يقول انى حسن الخلق كثير الانفاق جميل العشرة محسن الى النساء فيصف نفسه ليرغب فيه او يقول رب راغب فيك وحريص عليك ونحو ذلك مما يوهم انه يريد نكاحها حتى تحبس نفسها عليه ان رغبت فيه ولا يصرح بالنكاح بان يقول انى اريد ان انكحك او اتزوجك او اخطبك او غير ذلك فانه كما لا يجوز ان ينكحها فى عدتها لا يجوز له ان يخطبها صريحا فيها { أو أكننتم فى انفسكم } مفعول اكننتم محذوف وهو الضمير الراجع الى ما الموصولة فى قوله فيما عرضتم اى او اكننتموه فى انفسكم اى اضمرتم فى قلوبكم من نكاحهن فلم تذكروه صريحا ولا تعريضا. الآية الاولى لاباحة التعريض فى الحال وتحريم التصريح فى الحال وهذه الآية اباحة لان يعقد قلبه على انه سيصرح بذلك بعد انقضاء زمان العدة ثم انه تعالى ذكر الوجه الذى لاجله اباح ذلك فقال { علم الله إنكم ستذكرونهن } لا محالة ولا تنفكون عن النطق برغبتكم فيهن فالمقصود بيان وجه اباحة الخطبة بطريق التعريض { ولكن لا تواعدوهن سرا } نصب على انه مفعول ثان لتواعدوهن وهو استدراك عن محذوف دل عليه ستذكرونهن اى فاذكروهن واظهروا لهن رغبتكم ولكن لا تواعدوهن نكاحا بل اكتفوا بما رخص لكم من التعريض والتعبير عن النكاح بالسر لان مسببه الذى هو الوطئ مما يسر به { إلا أن تقولوا قولا معروفا } استثناء مفرغ مما يدل عليه النهى اى لا تواعدوهن مواعدة ما الا مواعدة غير منكرة شرعا وهى ما تكون بطريق التعريض والتلويح { ولا تعزموا } العزم عبارة عن عقد القلب على فعل من الافعال يتعدى بنفسه وبعلى. قال الراغب ودواعى الانسان الى الفعل على مراتب السانح ثم الخاطر ثم التفكر فيه ثم الارادة ثم الهمة ثم العزم فالهمة اجماع من النفس على الامر والعزم هو العقد على امضائه { عقدة النكاح } اى لا تعزموا عقد عقدة النكاح لان العزم عبارة عن عقد القلب على فعل فلا يتعلق الا بالفعل والاضافة فى قوله عقدة النكاح بيانية فلا تكون العقدة بمعنى ربط المكلف اجراء التصرف بل المراد به الحاصل بالمصدر وهو الارتباط الشرعى الحاصل بعقد العاقدين والمقصود النهى عن تزوج المعتدة فى زمان عدتها الا انه نهى عن العزم على عقد النكاح للمبالغة فى النهى عن النكاح فى زمان العدة فان العزم على الشىء متقدم عليه والنهى عن مقدمات الشىء يستلزم النهى عن ذلك الشىء بطريق الاولى { حتى يبلغ الكتاب أجله } الكتاب بمعنى المكتوب وهو المفروض والمعنى حتى تبلغ العدة المفروضة آخرها { واعلموا أن الله يعلم ما فى انفسكم } من العزم على ما لا يجوز { فاحذروه } بالاجتناب عن العزم ابتداء واقلاعا عنه بعد تحققه { واعلموا أن الله غفور } لمن عزم ولم يفعل خشية من الله تعالى { حليم } لا يعاجلكم بالعقوبة فلا تستدلوا بتأخيرها على ان ما نهيتم عنه من العزم ليس مما يستتبع المؤاخذة فاجتنبوا اسباب العقوبة واعملوا بما أمركم به ربكم واغتنموا زمان الحياة حتى لا تتأسفوا كما قال المفرطون المتحسرون جون توانستم ندانستم جه سود جون بدانستم توانستم نبود وقد وبخ الله تعالى من مال الى شهواته وهوى نفسه فى هذه الآيات من غير ان يكون له رخصة شرعية فلا بد للعاقل ان يختار رضى الله تعالى على رضى نفسه ولا يكون له مطلب اعلى من مال او امرأة او غيرهما الا الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام " من كانت هجرته الى الله ورسوله فهجرته الى الله ورسوله ومن كانت هجرته الى دنيا يصيبها او امرأة يتزوجها فهجرته الى ما هاجر اليه ". فتأمل كيف جعل جزاء كل مؤمل ما امله وثواب كل قاصد ما قصده واعتبر كيف لم يكرر ذكر الدنيا اشعارا بعدم اعتبارها لخساستها ولان وجودها لعب ولهو فكأنه كلا وجود وانظر الى قوله عليه السلام " فهجرته الى ما هاجر اليه ". وما تضمن من ابعاد ما سواه تعالى وتدبر هذا الامر اذ ذكر الدنيا والمرأة مع انها منها يشعر بان المراد كل شىء فى الدنيا من شهوة او مال وان المراد بالحديث الخروج عن الدنيا بل وعن كل شىء لله. قال ابو سليمان الدارانى قدس سره ثلاث من طلبهن فقد ركن الى الدنيا طلب معاش او تزوج امرأة او كتب الحديث. واعلم انه ينبغى لطالب الحق ان يحصل من العلوم الشرعية ما يفرق به بين الحق والباطل ويشتغل بالعلوم الرسمية والقوانين المتداولة قدر ما يقدر على استخراج الحديث والتفسير من غير تعمق فى الفلسفيات وغوامض العلوم فانه زائد على قدر الكفاية منهى عنه على اصول اهل الشريعة والطريقة فهذا اول الامر فى هذا الباب. واما امر النهاية وهو ما بعد التحصيل والتكميل فان السالك بقدر اشتغاله بالعلوم الظاهرة زاد بعدا عن درك الحق لان السلوك يبتنى على التخلى والانقطاع وترك الكلام والاستماع وتفريغ الباطن من العلائق ولو كانت علوما وطرح المشاغل الخارجية والداخلية من البين خصوصا وعموما فقول بعضهم بنفى الاشتغال لاهل السلوك يبتنى على هذا المعنى لا على الترك من الاصل كما يزعمه جهلة الصوفية نعوذ بالله من هذا فان العلم مطلقا هو النور وبه يهتدى السالك الى مسالكه. واما ارباب النهاية من اهل السلوك فلا يمكن حصر احوالهم فانهم لا يحتجبون لا بالكثرة عن الوحدة ولا بعكسها اذ هم تجاوزوا عن مقام الاغيار بل شاهدوا أينما قلبوا الاحداق الانوار بل حققوا بالحقيقة فلا اغيار عندهم لا حقيقة ولا اعتبارا ولذا حبب الى النبى عليه السلام النساء وذلك لان محبته عليه السلام ليست كما يعرفها الناس بل سرها مستور لا يطلع عليه الا من فاز بالوراثة الكبرى. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة انما بسطت الكلام فى هذا المقام لئلا يظن احد ان قوله فيما سبق او كتب من خرافات الصوفية بل له محمل على ما اشرت اليه ومن لم يسلك هذا الطريق لم يعرف قدر خطوات اهل التحقيق والتدقيق.

البقرة 2:236

{ لا جناح عليكم } المراد من الجناح فى هذه الآية وجوب المهر اى لا تبعة من مهر { إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن } اى غير ماسين لهن ومجامعين. قال ابن الشيخ الظاهر ان كلمة ما مصدرية ظرفية والزمان محذوف تقديره مدة عدم المسيس { أو تفرضوا لهن فريضة } كلمة او بمعنى الا ان كقولك لالزمنك او تعطينى حقى اى الا ان تفرضوا لهن عند العقد مهرا والمعنى انه لا تبعة على المطلق بمطالبة المهر اصلا اذا كان الطلاق قبل المسيس على كل حال الا فى تسمية المهر فان عليه حينئذ نصف المسمى وفى حال عدم تسميته عليه المتعة لانصف مثل المهر واما اذا كان بعد المساس فعليه فى صورة التسمية تمام المسمى وفى صورة عدمها تمام مهر المثل { ومتعوهن } عطف على مقدر اى فطلقوهن ومتعوهن اى اعطوهن ما يتبلغن وينتفعن به والحكمة فى ايجاب المتعة جبر لما اوحشها الزوج بالطلاق وهو درع وهو ما يستر البدن وملحفة وهو ما يستر المرأة عند خروجها من البيت وخمار وهو ما يستر الرأس على حسب الحال كما يفصح عنه قوله تعالى { على الموسع } يقال اوسع الرجل اذا اتسع حاله فصار ذا سعة وغنى اى الذى له سعة { قدره } امكانه وطاقته { وعلى المقتر } يقال اقتر الرجل اذا افتقر وصار ذا قترة. والقترة الغبار وهو قليل من التراب اى على المقل الضيق الحال { قدره } فالمتعة معتبرة بحاله لا بحالها لا تنقص عن خمسة دراهم ولا تزاد على نصف مهر المثل لان المسمى اقوى من مهر المثل والمتعة لا تزاد على نصف المسمى فلان لا تزيد على نصف مهر المثل اولى. والقدر والقدر لغتان وذهب جماعة الى ان الساكن مصدر والمتحرك اسم كالعد والعدد والمد والمدد والقدر بالتسكين الوسع يقال هو ينفق على قدره اى على وسعه وبالتحريك المقدار { متاعا } اسم لمصدر الفعل المذكور من قبيل قوله تعالى أنبتكم من الأرض نباتا نوح 17. اى تمتيعا ملتبسا { بالمعروف } اى بالوجه الذى يستحسنه الشرع والمروءة { حقا } صفة متاعا اى متاعا واجبا { على المحسنين } اى الذين يحسنون الى انفسهم بالمسارعة الى الامتثال. قال ابن التمجيد اعلم ان للمطلقة اربع حالات. الاولى ان تكون غير ممسوسة ولم يسم لها مهر. والثانية ان تكون ممسوسة وسمى لها. والثالثة ان تكون ممسوسة ولم يسم لها. والرابعة ان تكون غير ممسوسة وسمى لها ورفع الجناح بمعنى نفر المهر انما هو فى الصورة الاولى لا فى البواقى من الصور الثلاث فان فيها وجوب المهر ولم يجب فى الصورة الاولى مهر لا بعضا ولا كلا اما عدم وجوب البعض فلان مهر المثل لا ينصف واما عدم وجوب الكل فلكونها غير مدخول بها ولكن لها المتعة لقوله تعالى { ومتعوهن } فانه فى حق من جرى ذكرهن وهى المطلقات الغير الممسوسة التى لم يفرض لهن فريضة اذ لو فرضت لكان لهن تمام المهر لا المتعة.

البقرة 2:237

{ وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة } اى وان طلقتموهن من قبل المسيس حال كونكم مسمين لهن عند النكاح مهرا { فنصف ما فرضتم } اى فلهن نصف ما سميتم لهن من المهر وان مات احدهما قبل الدخول فيجب عليه كله لان الموت كالدخول فى تقرير المسمى كذلك فى ايجاب مهر المثل اذا لم يكن فى العقد مسمى { إلا أن يعفون } استثناء من اعم الاحوال اى فلهن نصف المفروض معينا فى كل حال الا فى حال عفوهن اى المطلقات فانه يسقط ذلك حينئذ بعد وجوبه { أو يعفو الذى بيده عقدة النكاح } اى يترك الزوج المالك لعقده وحله ما يعود اليه من نصف المهر الذى ساقه اليها كملا على ما هو المعتاد تكرما فان ترك حقه عليها عفو بلا شبهة فالمراد بقوله الذى بيده عقدة النكاح الزوج لا الولى والمراد بعفوه ان يعطيها الصداق كاملا النصف الواجب عليه والنصف الساقط العائد اليه بالتنصيف وتسمية الزيادة على الحق عفوا لما كان الغالب عندهم ان يسوق الزوج اليها كل المهر عند التزوج فاذا طلقها قبل الدخول فقد استحق ان يطالبها بنصف ما ساق اليها فاذا ترك المطالبة فقد عفا عنها { وأن تعفوا أقرب للتقوى } واللام فى التقوى تدل على علة قرب العفو تقديره العفو اقرب من اجل التقوى اذ الاخذ كأنه عوض من غير معوض عنه او ترك المروءة عند ذلك ترك للتقوى وفى الحديث " كفى بالمرء من الشح ان يقول آخذ حقى لا اترك منه شيأ ". وفى حديث الاصمعى اتى اعرابى قوما فقال لهم هذا فى الحق او فيما هو خير منه قالوا وما خير من الحق قال التفضل والتغافل افضل من اخذ الحق كله كذا فى المقاصد الحسنة للسخاوى { ولا تنسوا الفضل بينكم } ليس المراد منه النهى عن النسيان لان ذلك ليس فى الوسع بل المراد منه الترك والمعنى لا تتركوا الفضل والافضال فيما بينكم باعطاء الرجل تمام الصداق وترك المرأة نصيبها حثهما جميعا على الحسان والافضال وقوله بينكم منصوب بلا تنسوا قال السعدى قدس سره كسى نيك بيند بهر دوسراى كه نيكى رساند بخلق خداى { إن الله بما تعملون بصير } فلا يكاد يضيع ما عملتم من التفضل والاحسان. والبصر فى حقه تعالى عبارة عن الوصف الذى به ينكشف كمال نعوت المبصرات وذلك اوضح واجلى مما يفهم من ادراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات. والحظ الدينى للعبد من البصر امران. احدهما ان يعلم انه خلق له البصر لينظر الى الآيات وعجائب الملكوت والسموات فلا يكون نظره الا عبرة قيل لعيسى عليه السلام هل احد من الخلق مثلك فقال من كان نظره عبرة وصمته فكرة وكلامه ذكرا فهو مثلى. والثانى ان يعلم انه بمرأى من الله ومسمع فلا يستهين بنظره اليه واطلاعه عليه ومن اخفى عن غير الله ما لا يخفيه عن الله فقد استهان بنظر الله والمراقبة احدى ثمرات الايمان بهذه الصفة فمن قارف معصية وهو يعلم ان الله يراه فما اجسره واخسره ومن ظن انه لا يراه فما اكفره كذا فى شرح الاسماء الحسنى للامام الغزالى. ثم الاشارة فى الآيات ان مفارقة الاشكال من الاصدقاء والعيال لمصلحة دنيوية لا جناح عليكم البقرة 236. فيها فكيف يكون جناح ان فارقتموهم لمصلحة دينية بل انتم مأمورون بمفارقتهم لزيارة بيت الله فكيف لزيارة الله فان الواجب فى زيارة بيت الله مفارقة الاهالى والاوطان وفى زيارة الله مفارقة الارواح والابدان دع نفسك وتعال قل الله ثم ذرهم فى خوضهم يلعبون وقوله تعالى ومتعوهن البقرة 236. اشارة الى ان من له من الطلاب واهل الارادة مال فليمتع به اقرباءه واحباءه حين فارقهم فى طلب الحق سبحانه ليزيل عنهم بحلاوة المال مرارة الفراق فان الفطام عن المألوف شديد ولا ينفق المال عليهم بقدر قربهم فى القرابة وبعدهم بل يقسم بينهم على فرائض الله كالميراث فانه قد مات عنهم بالحقيقة وفى قوله تعالى { وإن تعفوا أقرب للتقوى } اشارة الى ان الوصول الى تقوى الله حق تقاته انما هو بترك ما سوى الله والتجاوز عنه فان المواصلة الى الخالق على قدر المفارقة عن المخلوق والتقرب الى الله بقدر التبعد عما سواه وفى قوله تعالى { ولا تنسوا الفضل بينكم } ههنا فى الدنيا فان حلول الجنة ودخولها هناك لا يكون الا من فضله كقوله تعالى الذى أحلنا دار المقامة من فضله فاطر 35. { إن الله بما تعملون } فى وجدان الفضل وفقدانه { بصير } كذا فى التأويلات النجمية وانما يوجب للعبد الالتفات للخلائق فقدان النور الكاشف للخلائق والا فلو اشرق نور اليقين الهادى الى العلم بان الآخرة خير من الدنيا وان ما عند الله خير وابقى لرأيت الآخرة اقرب من ان يرحل اليها ولرأيت محاسن الدنيا وقد ظهرت كسفه الفناء عليها لان الآتى قطعا كالموجود فى الحال لا سيما ومباديه ظاهرة من تغير الاحوال وانتقال الاهلين والاموال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان النور اذا دخل القلب انفسخ وانشرح " قيل يا رسول الله وهل له من علامة يعرف بها قال " التجافى عن دار الغرور والانابة الى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزوله " انتهى اللهم اجعلنا ممن استعد للقائك وتهيأ للوصول لنوال وصالك.

البقرة 2:238

{ حافظوا على الصلوات } بالاداء لوقتها والمداومة عليها والمراد بالصلوات المكتوبات الخمس فى كل يوم وليلة ثبت عددها بغيرها من الآيات والاحاديث المتواترة وباشارة فى هذه الآية وهو ذكر الوسطى وهى ما اكتنفه عددان متساويان واقل ذلك خمسة لا يقال ان الثلاث بهذه الصفة لانا نقول الثلاث لا يكتنفها عددان فان الذى قبلها واحد والذى بعدها واحد وهو ليس بعدد فان العدد ما اذا اجتمع طرفاه صارا ضعفه وليس له طرفا فانه ليس قبله شىء { و } حافظوا على { الصلوة الوسطى } اى المتوسطة بينها على ان تكون الوسطى صفة مشبهة او الفضلى منها على ان تكون افعل تفضيل تأنيث الاوسط واوسط الشىء خيره واعدله وهى صلاة العصر لانها بين صلاتى ليل وصلاتى نهار ولقوله عليه الصلاة والسلام يوم الاحزاب " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا ". وفضلها لكثرة اشتغال الناس فى وقتها بتجاراتهم ومكاسبهم واجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر اهله وماله ". اى ليكن من فوتها حذرا كما يحذر من ذهاب اهله وماله ثم فى حديث يوم الاحزاب حجة على من قال الصلاة الوسطى غير العصر وعلى من قال انها مبهمة ابهمها الله تعالى تحريضا للخلق على محافظتها كساعة الاجابة يوم الجمعة. فان قيل ما روت عائشة رضى الله عنها انه عليه الصلاة والسلام قال " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وصلاة العصر ". يدل على ان الوسطى غير العصر. قلت يحتمل ان يكون الوسطى لقبا والعصر اسما فذكرها باسمها كذا فى شرح المشارق لابن الملك { وقوموا لله } اى فى الصلاة { قانتين } حال من فاعل قوموا اى ذاكرين له فى القيام لان القنوت هو الذكر فيه او خاشعين روى انهم كانوا اذا قام احدهم الى الصلاة هاب الرحمن ان يمد بصره او يلتفت او يقلب الحصى او يحدث نفسه بشىء من امور الدنيا الا ناسيا حتى ينصرف.

البقرة 2:239

{ فإن خفتم } اى ان كان بكم خوف من عدو او غيره { فرجالا } منصوب على الحال وعامله محذوف تقديره فصلوا راجلين والرجال جمع راجل مثل صحاب وصاحب { أو ركبانا } اى راكبين وهو جمع راكب مثل فرسان وفارس. ومذهب ابى حنيفة انهم لا يصلون فى حال المشى والمسايفة ما لم يمكن الوقوف وعند امكان الوقوف يصلى واقفا والدليل عليه قوله تعالى { فإن خفتم } الآية { فإذا أمنتم } وزال خوفكم { فاذكروا الله } اى فصلوا صلاة الا من عبر عنها بالذكر لانه معظم اركانها { كما علمكم } اى ذكرا كائنا كتعليمه اياكم { ما لم تكونوا تعلمون } من كيفية الصلاة والمراد بالتشبيه ان تكون الصلاة المؤداة موافقة لما علمه الله وايرادها بذلك العنوان لتذكير النعمة او اشكروا لله شكرا يوازى تعليمه اياكم ما لم تكونوا تعلمونه من الشرائع والاحكام التى من جملتها كيفية اقامة الصلاة حالتى الخوف والامن. واعلم ان الصلاة بمنزلة الضيافة قد هيأها الله للموحدين فى كل يوم خمس مرات فكما فى الضيافة تجتمع الألوان من الاطعمة ولكل طعام لذة ولون فكذلك فيها اركان وافعال مختلفة لكل فعل لذة وتكفير للذنوب. وعن كعب الاحبار انه قال قال الله لموسى فى مناجاته يا موسى اربع ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة الظهر اعطيهم فى اول ركعة منها المغفرة وفى الثانية اثقل موازينهم وفى الثالثة اوكل بهم الملائكة يسبحون ويستغفرون لهم لا يبقى ملك فى السماء ولا فى الارض الا ويستغفر لهم ومن استغفرت له الملائكة لم اعذبه ابدا وفى الرابعة افتح لهم ابواب السماء وتنظر اليهم الحور العين. يا موسى اربع ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة العصر ما يسألون منى حاجة الا قضيت لهم. يا موسى ثلاث ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة المغرب افتح لهم ابواب السماء. يا موسى اربع ركعات يصليها احمد وامته وهى صلاة العشاء خير لهم من الدنيا وما فيها ويخرجون من الدنيا كيوم ولدتهم امهاتهم. ثم اعلم انه لا يرخص لمن سمع الاذان ترك الجماعة فانها سنة مؤكدة غاية التأكيد بحيث لو تركها اهل ناحية وجب قتالهم بالسلاح لانها من شعائر الاسلام ولو تركها احد منهم بغير عذر شرعى يجب عليه التعزيز ولا تقبل شهادته ويأثم الجيران والامام والمؤذن بالسكوت عنه. وفى غنية الفتاوى من حضر المسجد الجامع لكثرة جماعة فى الصلاة فمسجد محلته افضل قل اهل مسجده او كثر لان لمسجده حقا عليه لا يعارضه كثرة الجماعة ولا زيادة تقوى غيره او علمه ويبادر الصف الاول على محاذاة الامام وروى عن النبى عليه السلام انه قال " يكتب للذى خلف الامام بحدائه مائة صلاة وللذى فى الجانب الايمن خمس وسبعون صلاة وللذى فى جانب الايسر خمسون صلاة وللذى فى سائر الصفوف خمس وعشرون صلاة ". كذا فى القنية ولا يتخطى رقاب الناس الى الصف الاول اذا وجد فيه فرجة ويتلاصقون بحيث يكونون محاذين بالاعناق والمناكب قال عليه السلام " رصوا صفوفكم وقاربوا بينها تقارب اشباحكم وحاذوا بالاعناق فوالذى نفسى بيده انى لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كانه الحذف ". الخلل بفتح الخاء المعجمة الفرجة والحذف بفتحتى الحاء المهملة والذال المعجمة الغنم السود الصغار الحجازية كذا فى التنوير. والكلام فى اداء الصلاة بالحضور والتوجه التام قال بعضهم محراب ابروى تواكر قبله ام نبود كى برفلك برند ملائك نمازمن يحكى ان الشيخ ابا العباس الجوالقى كان فى بداية حاله يعمل الجوالق ويبيع فباع يوما جوالقا بنسيئة ونسى المشترى فلما قام الى الصلاة تفكر فى ذلك ثم لما سلم قال لتلميذه وقعت لى خاطرة فى الصلاة انى الى أى شخص بعت الجوالق الفلانى فقال تلميذه يا استاذ انت فى اداء الصلاة او تحصيل الجوالق فأثر هذا القول فى الشيخ فلبس جوالقا وترك الدنيا واشتغل بالرياضة الى ان وصل الى ما وصل مردان بسعى ورنج بجايى رسيده اند توبى هنر كجارسى از نفس برورى والاشارة ان الله تعالى اشار فى حفظ الصلاة بصيغة المبالغة التى بين الاثنين وقال حافظوا على الصلوات البقرة 238. يعنى محافظة الصلاة بينى وبينكم كما قال " قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين فنصفها لى ونصفها لعبدى ولعبدى ما سأل " فمعناه انى حافظكم بقدرة التوفيق والاجابة والقبول والاثابة عليها فحافظوا انتم على الصلاة بالصدق والاخلاص والحضور والخضوع والمناجاة بالتذلل والانكسار والاستعانة والاستهداء والسكون والوقار والهيبة والتعظيم وحفظ القلوب بدوام الشهود فإنما هى الصلاة الوسطى لان القلب الذى فى وسط الانسان هو واسطة بين الروح والجسد ولهذا يسمى القلب فالاشارة فى تخصيص المحافظة على الصلاة هى صلاة القلب بدوام الشهود فان البدن ساعة يحفظ صورة اركان الصلاة وهيئتها وساعة يخرج منها فلا سبيل الى حفظ صورتها بنعت الدوام ولا الى حفظ معانيها بوصف الحضور والشهود وانما هو من شأن القلب كقوله تعالى إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ق 37. وانه من نعت ارباب القلوب انهم فى صلاتهم دائمون كذا فى التأويلات النجمية. فليسارع السالكون الى حرم الحضور قبل الموت والقبور فان الصلاة بالفتور غير مقبولة عند الله الغيور ولا بد من الاعراض عن الكائنات ليتجلى نور الذات والا فمن يستحضر عمرا وينادى زيدا فلا اجابة له ابدا قال الشيخ سعدى الشيرازى قدس سره آنكه جون بسته ديدش همه مغز بوست بربوست بود همجو بياز بارسايان روى در مخلوق بشت بر قبله ميكنند نماز ومن الله التوفيق.

البقرة 2:240

{ والذين يتوفون منكم } اى يموتون يسمى المشارف الى الوفاة متوفيا تسمية للشىء باسم ما يؤول اليه وقرينة المجاز امتناع الوصية بعد الوفاة { ويذرون أزواجا } اى يدعون نساء من بعدهم { وصية لأزواجهم } اى يوصون وصية لهن والجملة خبر الذين { متاعا } اى يوصون متاعا { إلى الحول } او متعوهن تمتيعا الى الحول { غير إخراج } بدل من قوله متاعا بدل اشتمال لتحقق الملابسة بين تمتيعهن حولا وبين عدم اخراجهن من بيوتهن كأنه قيل يوصون لازواجهم متاعا اى لا يخرجن من مساكنهن حولا او حال من ازواجهم اى غير مخرجات والمعنى يجب على الذين يتوفون ان يوصوا قبل الاحتضار لازواجهم بان يمتعن بعدهم حولا بالنفقة والسكنى. نزلت الآية فى رجل من الطائف يقال له حكيم بن الحارث هاجر الى المدينة وله اولاد ومعه ابواه وامرأته ومات فانزل الله هذه الآية فاعطى النبى عليه السلام والديه واولاده من ميراثه ولم يعط امرأته شيأ وامرهم ان ينفقوا عليها من تركة زوجها حولا وكان عدة الوفاة فى ابتداء الاسلام حولا وكان يحرم على الوارث اخراجها من البيت قبل تمام الحلول وكان نفقتها وسكناها واجبة فى مال زوجها ما لم تخرج ولم يكن لها الميراث فان خرجت من بيت زوجها سقطت نفقتها وكان على الرجل ان يوصى بها فكان كذلك حتى نزلت آية الميراث فنسخ الله تعالى نفقة الحول بالربع عند عدم الولد وولد الابن والثمن عند وجودهما وسقطت السكنى ايضا عند ابى حنيفة ونسخ عدة الحول باربعة اشهر وعشر فانه وان كان متقدما فى التلاوة متأخر فى النزول { فإن خرجن } من منزل الازواج باختيارهن { فلا جناح عليكم } ايها الائمة والحكام { فيما فعلن فى أنفسهن من معروف } لا ينكره الشرع كالتزين والتطيب وترك الحداد والتعرض للخطاب وهذا يدل على انه لم يكن يجب عليها ملازمة مسكن الزوج والحداد عليه وانما كانت مخيرة بين الملازمة واخذ النفقة وبين الخروج وتركه { والله عزيز } غالب على امره يعاقب من خالفه { حكيم } يراعى فى احكامه مصالح عباده.

البقرة 2:241

{ وللمطلقات } سواء كن مدخولا بهن ام لا { متاع } اى مطلق المتعة الشاملة للمستحبة والواجبة فان كانت المطلقة مفوضة غير مدخول بها وجبت لها المتعة وان كانت غيرها يستحب لها فلفظ التمتع المدلول عليه بمتعوهن فى الآية السالفة يحمل على الواجب فلا منافاة بين الآيتين { بالمعروف } اى متاع ملتبس بالمعروف شرعا وعادة { حقا على المتقين } اى مما ينبغى على من كان متقيا فليس بواجب ولكن من شروط التقوى التبرع بهذا تطييبا لقلبها وازالة للضغن.

البقرة 2:242

{ كذلك } اشارة الى ما سبق من احكام الطلاق والعدة اى مثل ذلك البيان الواضح { يبين الله لكم آياته } الدالة على احكامه التى شرعها لعباده. قال القاضى وعد بانه سيبين لعباده من الدلائل والاحكام ما يحتاجون اليه معاشا ومعادا { لعلكم تعقلون } لكى تفهموا ما فيها فتستعملوا العقل فيها وتعملوا بموجبها كشتئ بى لنكر آمد مردشر كه زباد كزنيابد اوحذر لنكر عقلست عاقل را امان لنكرى در يوزه كن ازعاقلان والاشارة ان المطلقة لما ابتليت بالفراق جبرا لله تعالى كسر قلبها بالمتعة يشير بهذا الى ان المريد الصادق لو ابتلى فى اوان طلبه بفراق الاعزة والاقرباء وهجران الاحبة والاصدقاء والخروج من مال الدنيا وجاهها والهجرة من الاوطان وسكانها والتنقل فى البلاد لصحبة خواص العباد ومقاساة الشدائد فى طلب الفوائد فالله تعالى يبذل له احسانه ويزيل عنه احزانه ويجبر كسر قلبه بمتعة " انا عند المنكسرة قلوبهم من اجلى " فيكون للطالب الملهوف متاع بالمعروف من نيل المعروف كذلك يظهر الله لكم آياته اصناف الطافه واوصاف اعطافه لعلكم تعقلون بانوار الطافه كمالات اوصافه كذا فى التأويلات النجمية. فالعاقل لا ينظر الى الدنيا واعراضها بل يعبر عن منافعها واغراضها ويقاسى الشدائد فى طريق الحق الى ان يصل الى الذات المطلق يحكى عن شقيقى البلخى انه لم يجد طعاما ثلاثة ايام وكان مشتغلا بالعبادة فلما ضعف عن العبادة رفع يده الى السماء وقال يا رب اطعمنى فلما فرغ من الدعاء التفت فرأى شخصا ينظر اليه فلما التفت اليه سلم عليه وقال يا شيخ تعال معى فقام شقيق وذهب معه فادخله ذلك الرجل فى بيت فرأى فيه الواحا موضوعة عليها الوان الاطعمة وعند الخوان غلمان وجوارى فاكل والرجل قائم فلما فرغ اراد ان يخرج شقيق من ذلك البيت فقال له الرجل الى اين يا شيخ فقال الى المسجد فقال ما اسمك قال شقيق فقال يا شقيق اعلم ان هذه الدار دارك والعبيد عبيدك وانا عبدك كنت عبدا لابيك بعثنى الى التجارة فرجعت الآن وقد توفى ابوك فالدار وما فيها لك قال شقيق ان كان العبيد لى فهم احرار لوجه الله وان كانت الاموال لى وهبتها لكم فاقتسموها بينكم فانى لا اريد شيأ يمنعنى عن العبادة قال السعدى تعلق حجابست وبى حاصلى جوبيوندها بكسلى واصلى والدنيا علاقة خصوصا هذا الزمان زمان الفتنة والشرور فالراقد فيه خير من اليقظان حكى ان سليمان عليه السلام اتى بشراب الجنة فقيل له لو شربت هذا لا تموت فتشاور مع حشمه الا القنفذ قالوا باجمعهم اشرب ثم ارسل الفرس والبازى الى القنفذ يدعوانه فلم يجبهما ثم ارسل اليه الكلب فاجابه فقال له سليمان لم لم تجب الفرس والبازى قال انهما جافيان لان الفرس يعدو بالعدو كما يعدو صاحبه والبازى يطيع غير صاحبه كما يطيع صاحبه واما الكلب فانه ذو وفاء حتى انه لو طرده صاحبه من الدار يرجع اليه ثانيا فقال له ءأشرب هذا الشراب قال لا تشرب لانه يطول عمرك فى السجن فالموت فى العز خير من العيش فى السجن بهمه حال اسيرى كه زبندى برهد بهترش دان زاميريكه كرفتار آيد فقال له سليمان احسنت وامر باهراقة فى البحر فعذب ماء ذلك البحر تزود من الدنيا فانك راحل وبادر فان الموت لا شك نازل وان امرأ قد عاش سبعين حجة ولم يتزود للمعاد لجاهل ودنياك ظل فاترك الحرص بعدما علمت فان الظل لا بد زائل قال السعدى قدس سره كه اندر نعمتى مغرور غافل كهى ازتنك دستى خسته وريش جودر سرا وضرا حالت اينست ندانم كى بحق بروازى ازخويش اللهم احفظنا من الموانع.

البقرة 2:243

{ ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم } جمع دار اى منازلهم وهذا الخطاب وان كان بحسب الظاهر متوجها الى النبى عليه السلام الا انه من حيث المعنى متوجه الى جميع من سمع بقصتهم من اهل الكتاب وارباب التواريخ فمقتضى الظاهر ان يقال ألم تسمع قصتهم الا انه نزل سماعهم اياها منزلة رؤيتهم تنبيها على ظهورها واشتهارها عندهم فخوطبوا بألم تر وهو تعجيب من حال هؤلاء وتقرير اى حمل على الاقرار بما دخله النفى. قال الامام الواحدى ومعنى الرؤية ههنا رؤية القلب وهى بمعنى العلم انتهى فتعدية الرؤية بالى مع انها ادراك قلبى لتضمين معنى الوصول والانتهاء على معنى ألم ينته علمك اليهم. قال العلماء كل ما وقع فى القرآن ألم تر ولم يعاينه النبى عليه السلام فهو بهذا المعنى. وفى التيسير وتحقيقه اعلم ذلك. وفى الكواشى معناه الوجوب لان همزة الاستفهام اذا دخلت على النفى او على الاستفهام صار تقريرا او ايجابا والمعنى قد علمت خبر الذين خرجوا الآية. قال ابن التمجيد فى حواشيه لفظ ألم تر قد يخاطب به من تقدم علمه بالقصة وقد يخاطب به من لم يتقدم علمه بها فانه قد يقول الرجل للآخر ألم تر الى فلان أى شىء قال يريد تعريفه ابتداء فالمخاطبون به ههنا اما من سمعها وعلمها قبل الخطاب به من اهل التواريخ فذكرهم وعجبهم واما من لم يسمعها فعرفهم وعجبهم وقيل الخطاب عام لكل من يتأتى منه الرؤية دلالة على شيوع القصة وشهرتها بحيث ينبغى لكل احد ان يعلمها او يبصرها ويتعجب منها { وهم الوف } جمع الف الذى هو من جملة اسماء العدد واختلفوا فى عدد مبلغهم والوجه من حيث اللفظ ان يكون عددهم ازيد من عشرة آلاف لان الالوف جمع الكثرة فلا يقال فى عشرة آلاف فما دونها الوف { حذر الموت } مفعول له اى خرجوا من ديارهم خوفا من الموت { فقال لهم الله } على لسان ملك وانما اسند اليه تعالى تخويفا وتهويلا لان قول القادر القهار والملك الجبار له شأن { موتوا } التقدير فماتوا لاقتضاء قوله ثم احياهم ذلك التقدير لان الاحياء يستدعى سبق الموت { ثم احياهم } اى اعادهم احياء ليستوفوا بقية اعمارهم وليعلموا ان لا فرار من القدر. قال ابن العربى عقوبة لهم ثم احياهم وميتة العقوبة بعدها حياة للاعتبار وميتة الاجل لا حياة بعدها. وعن الحسن ايضا أماتهم الله قبل آجالهم عقوبة لهم ثم بعثهم الى بقية أجالهم. وقصة هؤلاء ما ذكره اكثر اهل التفسير انهم كانوا قوما من بنى اسرائيل بقرية من قرى واسط يقال لها داوودان وقع بها الطاعون فذهب اشرافهم واغنياؤهم واقام سفلتهم وفقراءهم فهلك اكثر من بقى فى القرية وسلم الذين خرجوا فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا اصحابنا كانوا احزم منا لو صنعنا كما صنعوا لبقينا كما بقوا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن الى ارض لا وباء بها فوقع الطاعون من العام القابل فهرب عامة اهلها فخرجوا حتى نزلوا واديا افيح بين جبلين فلما نزلوا المكان الذى يبتغون فيه النجاة ناداهم ملك من اسفل الوادى وملك آخر من اعلاه ان موتوا فماتوا جميعا من غير علة بامر الله ومشيئته وماتت دوابهم كموت رجل واحد فاتت عليهم ثمانية ايام حتى انتفخوا واروحت اجسادهم اى انتنت فخرج اليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فاحدقوا حولهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها فاتت على ذلك مدة وقد بليت اجسادهم وعريت عظامهم فمر عليهم نبى يقال له حزقيل بن يوزى ثالث خلفاء بنى اسرآئيل بعد موسى عليه السلام وذلك ان القيم بعد موسى بامر بنى اسرائيل كان يوشع بن نون ثم كالب بن يوحنا ثم حزقيل وكان يقال له ابن العجوز لان امه كانت عجوزا فسألت الله الولد بعدما كبرت وعقمت فوهبه الله لها. وقال الحسن هو ذو الكفل وسمى حزقيل ذا الكفل لانه كفل سبعين نبيا وانجاهم من القتل وقال لهم اذهبوا فانى ان قتلت كان خيرا لكم من ان تقتلوا جميعا فلما جاء اليهود وسألوا ذا الكفل عن الانبياء السبعين قال انهم ذهبوا ولا ادرى اين هم ومنع الله تعالى ذا الكفل من اليهود بفضله وكرمه فلما مر حزقيل على اولئك الموتى وقف عليهم لكثرة ما يرى فجعل يتفكر فيهم متعجبا فاوحى الله اليه أتريد ان اريك آية قال نعم فقال الله ناد ايتها العظام ان الله يأمرك ان تجتمعى فاجتمعت من اعلى الوادى وادناه حتى التزق بعضها ببعض فصارت اجسادا من عظام لا لحم ولا دم ثم اوحى الله اليه ناد ايتها الارواح ان الله يأمرك ان تقومى فقاموا وبعثوا احياء يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لا اله الا انت فبقيت فيهم بقايا من ريح النتن حتى انه بقى فى اولاد ذلك السبط من اليهود الى اليوم ثم انهم رجعوا الى بلادهم وقومهم وعاشوا دهرا سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا الا عاد دسما مثل الكفن حتى ماتوا لآجالهم التى ثبتت لهم وفائدة القصة تشجيع المسلمين على الجهاد والتعرض لاسباب الشهادة وحثهم على التوكل والاستسلام وان الموت حيث لم يكن منه بد ولم ينفع منه المفر فاولى ان يكون فى سبيل الله { إن الله لذو فضل } عظيم { على الناس } قاطبة اما اولئك فقد احياهم ليعتبروا بما جرى عليهم فيفوزوا بالسعادة العظمى واما الذين سمعوا قصتهم فقد هداهم الى مسلك الاعتبار والاستبصار { ولكن أكثر الناس لا يشكرون } فضله كما ينبغى لعجز بعضهم وكفر بعضهم.

البقرة 2:244

{ وقاتلوا } الخطاب لهذه الامة وهو معطوف على مقدر تقديره فاطيعوا وقاتلوا { فى سبيل الله } لاعلاء دينه متيقنين ان الفرار من الموت غير مخلص وان القدر واقع فلا تحرموا من احد الحظين اما النصر والثواب واما الموت فى سبيل الله الملك الوهاب { واعلموا ان الله سميع } يسمع مقالة السابقين الى الجهاد من ترغيب الغير فيه ومقالة المتخلفين عنه من تنفير الغير { عليم } بما يضمرونه فى انفسهم يعلم ان خلف المتخلف لأى غرض وان جهاد المجاهد لأى سبب وانه لاجل الدين او الدنيا وهو من وراء الجزاء ثم ان قوله تعالى ألم تروا لقمان 20. رد لتقبيح حال هؤلاء الذين خرجوا وقد جعل الله جزاء خروجهم الموت والخيبة فى رجائهم الخلاص وكل ذلك يدل على كراهية الفرار فثبت بهذه الآية فضيلة القرار وفائدته وفى الحديث " الفار من الطاعون كالفار من الزحف " وهذا الحديث يدل على ان النهى عن الخروج للتحريم وانه من الكبائر. قيل ان عبد الملك هرب من الطاعون فركب ليلا واخرج غلاما معه فكان ينام على دابته فقال للغلام حدثنى فقال من انا حتى احدثك فقال على كل حال حدث حديثا سمعته فقال بلغنى ان ثعلبا كان يخدم اسدا ليحميه ويمنعه مما يريده فكان يحميه فرأى الثعلب عقابا فلجأ الى الاسد فاقعده على ظهره فانقض العقاب واختلسه فصاح الثعلب يا ابا الحارث اغثنى واذكر عهدك لى فقال انما اقدر على منعك من اهل الارض فاما اهل السماء فلا سبيل اليهم فقال عبد الملك وعظتنى واحسنت وانصرف ورضى بالقضاء قال السعدى قدس سره قضا كشتى آنجا كه خواهد برد وكر ناخدا جامه برثن درد در آبى كه بيدا نباشد كنار غرور شناور نيايد بكار واعلم ان ما كان من القضاء حتما مقضيا لا ينفعه شىء كما قال عليه السلام " الحذر لا ينفع من القدر ". واما المعلق فتنفعه الصدقة وامثالها كما قال عليه السلام " الصدقة والصلة تعمران الديار وتزيدان فى الاعمار ". قال بعض المحققين ان المقدرات على ضربين ضرب يختص بالكليات وضرب يختص بالجزئيات التفصيلية فالكليات المختصة بالانسان ما اخبر النبى عليه الصلاة والسلام انها محصورة فى اربعة اشياء العمر والرزق والاجل والسعادة او الشقاوة وهى لا تقبل التغير فالدعاء فيها لا يفيد كصلة الرحم الا بطريق الفرض بمعنى ان لصلة الرحم مثلا من الاثر فى الخير ما لو امكن ان يبسط فى رزق الواصل ويؤخر فى اجله بها لكان ذلك ويجوز فرض المحال اذا تعلق بذلك حكمة قال تعالى قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين الزخرف 81. واما الجزئيات ولوازمها التفصيلية فقد يكون ظهور بعضها وحصوله للانسان متوقفا على اسباب وشروط ربما كان الدعاء او الكسب والسعى والتعمد من جملتها بمعنى انه لم يقدر حصوله بدون ذلك الشرط حكى ان قصارا مر على عيسى عليه السلام مع جماعة من الحواريين فقال لهم عيسى احضروا جنازة هذا الرجل وقت الظهر فلم يمت فنزل جبريل فقال ألم تخبرنى بموت هذا القصار فقال نعم ولكن تصدق بعد ذلك بثلاثة ارغفة فنجا من الموت وقد سبق منا فى الجزء الاول عند قوله تعالى فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون البقرة 59. ما يتعلق بالطاعون والفرار منه فليرجع اليه. قال الامام القشيرى فى قوله تعالى { وقاتلوا فى سبيل الله } الآية يعنى ان مسكم ألم فتصاعد منكم أنين فاعلموا ان الله سميع بأنينكم عليم باحوالكم والآية توجب عليهم تسهيل ما يقاسونه من الالم قال قائلهم اذا ما تمنى الناس روحا وراحة تمنيت ان اشكوا اليك وتسمع انتهى كلامه قدس سره اللهم اجعلنا من الذين يفرون الى جنابك ويميلون.

البقرة 2:245

{ من } استفهام للتحريض على التصدق مبتدأ { ذا } اشارة الى المقرض خبر المبتدأ اى من هذا { الذى } صفة ذا او بدل منه { يقرض الله } اصل القرض القطع سمى به لان المعطى يقرضه اى يقطعه من ماله فيدفعه اليه ليرجع اليه مثله من الثواب واقراض الله مثل لتقديم العمل الذى يطلب به ثوابه { قرضا } مصدر ليقرض بمعنى اقراض كقوله تعالى { أنبتكم من الأرض نباتا } اى اقراضا { حسنا } اى مقرونا بالاخلاص وطيب النفس ويجوز ان يكون القرض بمعنى المقرض اى بمعنى المفعول على انه مفعول ثان ليقرض وحسنه ان يكون حلالا صافيا عن شوب حق الغير به. وقيل القرض الحسن المجاهدة والانفاق فى سبيل الله ومن انواع القرض قول الرجل سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر { فيضاعفه له } منصوب باضمار ان عطفا على المصدر المفهوم من يقرض الله فى المعنى فيكون مصدرا معطوفا على مصدر تقديره من ذا الذى يكون منه اقراض فمضاعفة من الله او منصوب على جواب الاستفهام فى المعنى لان الاستفهام وان وقع عن المقرض لفظا فهو عن الاقراض معنى كأنه قال أيقرض الله احد فيضاعفه واصل التضعيف ان يزاد على الشىء مثله او امثاله { أضعافا } جمع ضعف حال من الهاء فى يضاعفه { كثيرة } هذا قطع للاوهام عن مبلغ الحساب اى لا يعلم قدرها الا الله. وقيل الواحد سبعمائة وحكمة تضعيف الحسنات لئلا يفلس العبد اذا اجتمع عليه الخصماء فمظالم العباد توفى من التضعيفات لا من اصل حسناته لان التضعيف فضل من الله تعالى واصل الحسنة الواحدة عدل منه واحدة بواحدة. وذكر الامام البيهقى ان التضعيفات فضل من الله تعالى لا يتعلق بها العباد كمالا يتعلق بالصوم بل يدخرها الحق للعبد فضلا منه سبحانه فاذا دخل الجنة اثابه بها قال السعدى نكو كارى از مردم نيك رأى يكى را بده مى نويسد خداى كرم كن كه فردا كه ديوان نهند منازل بمقدار احسان تهند ولما حثهم على الاخراج سهل عليهم الاقراض واخبر انهم لا يمكنهم ذلك الا بتوفيقه فقال { والله يقبض } يقتر على بعض { ويبسط } يوسع على بعض او يقتر تارة ويوسع اخرى حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح واذا علم العبد ذلك هان عليه الاعطاء لان الله تعالى هو الرزاق وهو الذى وسع عليه فهو يسأل منه ما اعطاه ولانه يخلفه عليه فى الدنيا ويثيبه عليه فى العقبى فكأن الله تعالى يقول اذا علمتم ان الله هو القابض والباسط وان ما عندكم انما هو من بسطه واعطائه فلا تبخلوا عليه فاقرضوه وانفقوا مما وسع عليكم واعطاكم ولا تعكسوا بان تبخلوا لئلا يعاملكم مثل معاملتكم فى التعكيس بان يقبض بعد ما بسط. ولعل تأخير البسط عند القبض فى الذكر للايماء الى انه يعقبه فى الوجود تسلية للفقراء. قال الامام الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى القابض الباسط هو الذى يقبض الارواح من الاشباح عند الممات ويبسط الارواح فى الاجساد عند الحياة ويقبض الصدقات من الاغنياء ويبسط الارزاق للضعفاء يبسط الرزق على الاغنياء حتى لا تبقى فاقة ويقبضه من الفقراء حتى لا تبقى طاقة ويقبض القلوب فيضيقها بما يكشف لها من قلة مبالاته وتعاليه وجلاله ويبسطها لما يقرب اليها من بره ولطفه وجماله والقابض الباسط من العباد من ألهم بدائع الحكم واوتى جوامع الكلم فتارة يبسط قلوب العباد بما يذكرهم من آلاء الله ونعمائه وتارة يقبضها بما ينذرهم به من جلال الله وكبريائه وفنون عذابه وبلائه وانتقامه من اعدائه كما فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قبض قلوب الصحابة عن الحرص على العبادة حيث ذكرهم ان الله يقول لآدم يوم القيامة ابعث بعث النار فيقول كم فيقول من كل الف تسعمائة وتسعة وتسعين فانكسرت قلوبهم حتى فتروا عن العبادة فلما اصبح ورآهم على ما هم عليه من القبض والفتور روح قلوبهم وبسطها فذكر انهم فى سائر الامم كشامة سوداء فى مسك ثور ابيض انتهى قال القشيرى فى رسالته القبض والبسط حالتان بقدر ترقى العبد عن حال الخوف والرجاء والقبض للعارف بمنزلة الخوف للمستأنف والبسط للعارف بمنزلة الرجاء للمستأنف { وإليه ترجعون } فيجازيكم على ما قدمتم من الاعمال خير وشرا على الجود بالجنة وعلى البخل بالنار وهو وعد ووعيد او هو تنبيه على ان الغنى لمفارق ماله بالموت فليبادر على الانفاق قبل الفوت. واجتمع جماعة من الاغنياء والفقراء فقال غنى ان الله تعالى رفع درجاتنا حتى استقرض منا وقال فقير بل رفع درجاتنا حتى استقرض لنا والواحد قد يستقرض من غير الحبيب ولك ان لا تستقرض الا لاجل الحبيب وقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ودرعه عند يهودى بشعير اخذه لقوت عياله. انظر ممن استدان ولمن استدان وفى الحديث " يقول الله تعالى يوم القيامة ابن آدم استطعمتك فلم تطعمنى قال رب كيف اطعمك وانت رب العزة قال استطعمك عبدى فلان فلم تطعمه أما علمت انك لو اطعمته لوجدت ذلك عندى ". فالقرض لا يقع عند المحتاج فكأنه ذكر نفسه ونزل وصفه منزلة المحتاج كقوله مرضت فلم تعدنى جعت فلم تطعمنى شفقة وتلطيفا للفقير والمريض وهذا من باب التنزلات الرحمانية عند المحققين لتكميل محبة العبد وجذبه الى حظرة اهل الشهود من عباده اذ جذبة من جذبات الحق توازى عمل الثقلين وذلك اذا شاهد العبد الفقير جلوة جمال الرحمن فى اطوار تنزلاته فى المشاهد الاعيانية وفى المثنوى روى خو بان زانيه زيبا شود روى احسان از كدا ييدا شود جون كدا آيينه جودست هان دم بود بر روى آيينه زيان بس از ين فرمود حق در والضحى بانك كم زن اى محمد بر كدا فالله تعالى من كمال فضله وكرمه مع عباده خلق انفسهم وملكهم الاموال ثم اشترى منهم انفسهم واموالهم ثم ردها اليهم بالعارية ثم اكرمهم فيها بالاستقراض منهم ثم بشر باضعاف كثيرة عليها فالعبد الصادق لا يطلب الا على قدر همته ولا يريد العوض مما اعطاه الا ذاته تعالى فيعطيه الله ما هو مطلوبه على قدر همته ويضاعف له مع مطلوبه ما اخفى لهم من قرة اعين اضعافا كثيرة على قدر كرمه فمن يكون له متاع الدنيا باسره قليلا فانظر ما يكون له كثيرا اللهم متعنا بما الهمت قلوب اوليائك واجعلنا من الذين قصروا اعينهم على استطلاع انوار لقائك.

البقرة 2:246

{ ألم تر } اى ألم ينته علمك { إلى } قصة { الملأ } اى قد علمت خبرهم باعلامى اياك فتعجب. الملأ جماعة يجتمعون للتشاور سموا بذلك لانهم اشراف يملأون العيون مهابة والمجالسة بهاءة لا واحد له من لفظه كالقوم { من بنى إسرائيل } من للتبعيض حال من الملأ اى كائنين بعض بنى اسرائيل وهم اولاد يعقوب { من } ابتدائية متعلقة بما تعلق به الجار الاول { بعد } وفاة { موسى اذ قالوا } منصوب بالمضاف المقدر فى الملأ اى ألم تر الى قصة الملأ او حديثهم حين قالوا لان الذوات لا يتعجب منها وانما يتعجب من احوالها { لنبى لهم } اشمويل وهو الاشهر الاظهر { ابعث لنا ملكا } اى اقم وانصب لنا سلطانا يتقدمنا ويحكم علينا فى تدبير الحرب ونطيع لامره { نقاتل } معه وهو بالجزم على الجواب { فى سبيل الله } طلبوا من نبيهم ما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم من التأمير على الجيوش التى كان يجهزها ومن امرهم بطاعته وامتثال اوامره وروى انه امر الناس اذا سافروا ان يجعلوا احدهم اميرا عليهم { قال } كأنه قيل فماذا قال لهم النبى حينئذ فقيل قال { هل عسيتم } قاربتم { إن كتب عليكم القتال } مع الملك شرط معترض بين عسى وخبره وهو قوله { ان لا تقاتلوا } معه. قال فى الكشاف والمعنى هل قاربتم ان لا تقاتلوا يعنى هل الامر كما اتوقعه انكم لا تقاتلون اراد ان يقول عسيتم ان لا تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فادخل هل مستفهما عما هو متوقع عنده وانه صائب فى توقعه كقوله تعالى هل أتى على الإنسان الانسان 1. معناه التقرير { قالوا وما } مبتدأ وهو استفهام انكارى خبره قوله { لنا } فى { ألا نقاتل فى سبيل الله } اى أى سبب وغرض لنا فى ترك القتال { وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } اى والحال انه قد عرض لنا ما يوجب القتال ايجابا قويا من الاخراج من الديار والاوطان والاغتراب عن الاهل والاولاد وافراد الابناء بالذكر لمزيد تقوية اسباب القتال قال بعضهم وقد اخرجنا من ديارنا وابنائنا جلاء واسرار ومثله يذكر اتباعا نحو وزججن الحواجب والعيونا وكان سبب مسألتهم نبيهم ذلك انه لما مات موسى عليه السلام خلف بعده فى بنى اسرائيل يوشع يقيم فيهم التوراة وامر الله حتى قبضه الله ثم خلف فيهم كالب كذلك حتى قبضه الله ثم عظمت الاحداث فى بنى اسرائيل ونسوا عهد الله حتى عبدوا الاوثان فبعث الله اليهم ألياس نبيا فدعاهم الى الله وكانت الانبياء من بنى اسرائيل بعد موسى يبعثون اليهم بتجديد ما نسوا من التوراة ثم خلف بعد ألياس أليسع وكان فيهم ما شاء الله حتى قبضه الله وخلف فيهم الخلوف وعظمت الخطايا وظهر لهم عدو يقال له البلنانا وهم قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين وهم العمالقة اولاد عمليق بن عاد فظهروا على بنى اسرائيل وغلبوا على كثير من ارضهم وسبوا كثيرا من ذراريهم واسروا من ابناء ملوكهم اربعمائة واربعين غلاما وضربوا عليهم الجزية واخذوا توراتهم ولقى بنوا اسرائيل منهم بلاء شديدا ولم يكن لهم نبى يدبر أمرهم وكان سبط النبوة قد هلكوا فلم يبق منهم الا امرأة حبلى فحبسوها فى بيت رهبة ان تلد جارية فتبدلها بغلام لما ترى من رغبة بنى اسرائيل فى ولدها وجعلت المرأة تدعو الله ان يزرقها غلاما فولدت غلاما فسمته اشمويل تقول سمع الله دعائى وهو بالعبرانية اسماعيل والسين تصير شينا فى لغة عبران فكبر الغلام فاسلموه لتعلم التوراة فى بيت المقدس وكفله شيخ من علمائهم وتبناه فلما بلغ الغلام اتاه جبريل عليه السلام وهو نائم الى جنب الشيخ وكان لا يأتمن عليه احدا فدعاه بلحن الشيخ يا اشمويل فقال الغلام مسرعا الى الشيخ فقال يا ابتاه دعوتنى فكره الشيخ ان يقول لا لئلا يتفزع الغلام فقال يا بنى ارجع فنم فرجع الغلام فنام ثم دعاه الثانية فقال الغلام دعوتنى فقال ارجع فنم فان دعوتك الثالثة فلا تجبنى فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له اذهب الى قومك فبلغهم رسالة ربك فان الله قد بعثك فيهم نبيا فلما اتاهم كذبوه وقالوا له استعجلت بالنبوة ولم تأن لك وقالوا ان كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله آية نبوتك وانما كان قوام امر بنى اسرائيل بالاجتماع على الملوك وطاعة الملوك لانبيائهم فكان الملك هو الذى يشير بالجموع والنبى يقيم امره ويشير عليه برشده ويأتيه بالخبر من عند ربه { فلما كتب عليهم القتال } بعد سؤال النبى ذلك وبعث الملك { تولوا } اى اعرضوا وتخلفوا عن الجهاد وضيعوا امر الله ولكن لا فى ابتداء الامر بل بعد مشاهدة كثرة العدو وشوكته وانما ذكر الله ههنا مآل امرهم اجمالا اظهارا لما بين قولهم وفعلهم من التنافى والتباين { الا قليلا منهم } وهم الذين عبروا النهر مع طالوت واقتصروا على الغرفة وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر بعدد اهل بدر { والله عليم بالظالمين } وعيد لهم على ظلمهم بالتولى عن القتال وترك الجهاد وتنافى اقوالهم وافعالهم والاشارة ان القوم لما اظهروا خلاف ما اضمروا وزعموا غير ما كتموا عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما افلحوا عند الامتحان اذ عجزوا عن البرهان وعند الامتحان يكرم الرجل او يهان قال الحافظ خود بود كرمحك تجربه آمد بميان تاسيه روى شود هركه دروغش باشد وهذه حال المدعين من اهل السلوك وغيرهم. قال اهل الحقيقة عللوا القتال بما يرجع الى حظوظهم فخذلوا ولو قالوا كيف لا نقاتل وقد عصوا الله وخربوا بلاد الله وقهروا عباد الله واطفأوا نور الله لنصروا. وافادت الآية ان خواص الله فيهم قليلة قال تعالى وقليل من عبادى الشكور سبأ 13. وهذا فى كل زمان لكن الشىء العزيز القليل اعلى بهاء من الكثير الذليل قال السعدى قدس سره خاك مشرق شنيده ام كه كنند بجهل سال كاسه جينى صد بروزى كنند در بغداد لا جرم قيمتش همى بينى وانما كان اهل الحق اقل مع ان الجن والانس انما خلقوا لاجل العبادة كما قال تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات 56. لان المقصود الاعظم هو الانسان الكامل وقد حصل او لان المهديين وان قلوا بالعدد لكنهم كثيرون بالفضل والشرف كما قيل قليل اذا عدوا كثير اذا شدوا اى اظهروا الشدة. وقد روى عن ابن مسعود رضى الله عنه السواد الاعظم هو الواحد على الحق والحكمة لا تقتضى اتفاق الكل على الاخلاص والاقبال الكلى على الله فان ذلك مما يخل بامر المعاش ولذلك قيل لولا الحمقى لخربت الدنيا بل تقتضى ظهور ما اضيف اليه كل من اليدين فللواحدة المضاف اليها عموم السعداء الرحمة والجنان وللاخرى القهر والغضب ولوازمهما فلا بد من الغضب لتكميل مرتبة قبضة الشمال فانه وان كان كلتا يديه يمينا مباركة لكن حكم كل واحدة يخالف الاخرى. فعلى العاقل ان يحترز من اسباب الغضب ويجتهد فى نيل كرم الرب قال على كرم الله وجه من ظن انه بدون الجهد يصل فهو متمن ومن ظن انه بذل الجهد فهو متعن اللهم افض علينا من سجال فضلك وكرمك واوصلنا اليك بك يا ارحم الراحمين.

البقرة 2:247

{ وقال لهم نبيهم } وذلك ان اشمويل لما سأل الله تعالى ان يبعث لهم ملكا اتى بعصا وقرن فيه دهن القدس وقيل له ان صاحبكم الذى يكون ملكا طوله طول هذه العصا وانظر القرن الذى فيه الدهن فاذا دخل عليك رجل ونش الدهن الذى فى القرن فهو ملك بنى اسرائيل فدهن به رأسه وملك عليهم. قال وهب ضلت حمر لابى طالوت فارسله وغلاما له فى طلبها فمرا ببيت اشمويل فقال الغلام لو دخلنا على هذا النبى فسألنا عن الحمر ليرشدنا ويدعو لنا بحاجتنا فدخلا عليه فبينما هما عنده يذكران له شأن الحمر اذ نش الدهن الذى فى القرن فقام اشمويل فقاس طالوت بالعصا فكان على طولها فقال لطالوت قرب رأسك فقربه فدهنه بدهن القدس ثم قال له انت ملك بنى اسرائيل الذى امرنى الله ان املكه عليهم قال بأى آية قال بآية انك ترجع وقد وجد ابوك حمره فكان كذلك ثم قال اشمويل لنبى اسرائيل { إن الله قد بعث لكم طالوت } اسم اعجمى ممتنع من الصرف لتعريفه وعجمته { ملكا } حال منه اى فاطيعوه وقاتلوا عدوكم معه { قالوا } متعجبين من ذلك ومنكرين قيل انهم كفروا بتكذيبهم نبيهم وقيل كانوا مؤمنين لكن تعجبوا وتعرفوا وجه الحكمة فى تمليكه كما قال الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها البقرة 30. { أنى يكون له الملك علينا } من أين يكون له ذلك ويستأهل { ونحن أحق بالملك منه } اولى بالرياسة عليه منه بالرياسة علينا { ولم يؤت سعة من المال } اى لم يعط ثروة وكثرة من المال فيشرف بالمال اذا فاته الحسب يعنى كيف يتملك علينا والحال انه لا يستحق التملك لوجود من هو احق منه ولعدم ما يتوقف عليه الملك من المال ولا بد للملك من مال يقتصد به. وسبب هذا الاستبعاد ان النبوة كانت مخصوصة بسبط معين من اسباط بنى اسرائيل وهو سبط لاود بن يعقوب ومنه كان موسى وهارون وسبط المملكة سبط يهودا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان ولم يكن طالوت من احد هذين السبطين بل هو من ولد بنيامين بن يعقوب وكانوا عملوا ذنبا عظيما ينكحون النساء على ظهر الطريق نهارا فغضب الله عليهم ونزع الملك والثروة منهم وكانوا يسمونه سبط الاثم وكان طالوت يتحرف بحرفة دنية كان رجلا دباغا يعمل الادم فقيرا او سقاء او مكاريا { قال } لهم نبيهم ردا عليهم { إن الله اصطفاه عليكم } اى اختاره فان لم يكن له نسب ومال فله فضيلة اخرى وهو قوله { وزاده بسطة } اى سعة وامتداد { فى العلم } المتعلق بالملك او به وبالديانات ايضا { والجسم } بطول القامة وعظم التركيب لان الانسان يكون اعظم فى النفوس بالعلم وأهيب فى القلوب بالجسم وكان اطول من غيره برأسه ومنكبيه حتى ان الرجل القائم كان يمد يده فينال رأسه لما استبعدوا تملكه بسقوط نسبه وبفقره رد عليهم ذلك اولا بان ملاك الامر هو اصطفاء الله وقد اختاره عليكم وهو اعلم بالمصالح منكم وثانيا بان العمدة فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة امور السياسة وجسامة البدن ليعظم خطره فى القلوب ويقدر على مقاومة الاعداء ومكابدة الحروب وقد خصه الله تعالى منهما بحظ وافر { والله يؤتى ملكه من يشاء } لما انه مالك الملك والملكوت فعال لما يريد فله ان يؤتيه من يشاء من عباده { والله واسع } يوسع على الفقير ويغنيه { عليم } بمن يليق بالملك ممن لا يليق به. وفى التأويلات النجمية انما حرم بنوا اسرائيل من الملك لانهم كانوا معجبين بانفسهم متكبرين على طالوت ناظرين اليه بنظر الحقارة من عجبهم قالوا ونحن احق بالملك منه ومن تكبرهم عليه قالوا أنى يكون له الملك علينا ومن تحقيرهم اياه قالوا ولم يؤت سعة من المال فلما تكبروا وضعهم الله وحرموا من الملك قال السعدى قدس سره يكى قطره باران زابرى جكيد خجل شد جوبهناى دريا بديد كه جايى كه درياست من كيستم كر اوهست حقا كه من نيستم جو خودرا بجشم حقارت بديد صدف در كنارش بجان بروريد سبهرش بجابى رسانيد كار كه شد نامور لؤلؤى شاهوار بلندى ازان يافت كويست شد درنيستى كوفت تاهست شد ومن بلاغات الزمخشرى كم يحدث بين الخبيثين ابن لا يعابن والفرث والدم يخرج من بينهما اللبن يعنى حدوثا كثيرا يحدث بين الزوجين الخبيثين ابن طيب لا يعاب بين الناس ولا يذكر بقبيح وهذا غير مستبعد لان اللبن يخرج من بين السرجين والدم وهما مع كونهما مستقذرين لا يؤثران فى اللبن بشىء من طعمهما ولونهما بل يحدث اللبن من بينهما لطيفا نظيفا سائغا للشاربين. قالوا يخلق الله اللبن وسيطا بين الفرث والدم يكتنفانه وبينه وبينهما برزخ من قدرة الله لا يبغى احدهما عليه بلون ولا طعم ولا رائحة بل هو خالص من ذلك كله. قيل اذا اكلت البهيمة العلف فاستقر فى كرشها وهو من الحيوان بمنزلة المعدة من الانسان طبخته فكان اسفله فرثا واوسطه مادة اللبن واعلاه مادة الدم والكبد مسلطة على هذه الاصناف الثلاثة تقسمها فتجرى الدم فى العروق واللبن فى الضروع وتبقى الفرث فى الكرش فسبحان الله ما اعظم قدرته وألطف حكمته لمن تأمل والانسان له استعداد الصلاح والفساد فتارة يظهر فى الاولاد الصلاح المبطون فى الآباء وتارة يكون الامر بالعكس وامر الايجاد يدور على الاظهار والابطان فانظر الى آدم وابنيه قابيل وهابيل ثم وثم الى انتهاء الزمان. والحاصل ان طالوت ولو كان اخس الناس عند بنى اسرائيل لكنه عظيم شريف عند الله لما ان النظر الآلهى اذا تعلق بحجر يجعله جوهرا وبشوك يجعله وردا وريحانا فلا معترض لحكمه ولا راد لقضائه فالوضيع من وضعه الله وان وان كان قد رفعه الناس والرفيع من رفعه الله وان كان قد وضعه الناس. والعاقل اذا تأمل امثال هذا يجد من نفسه الانصاف والسكوت وتفويض الامر الى الحى الذى لا يموت والله يقول الحق وهو يهدى السبيل.

البقرة 2:248

{ وقال لهم نبيهم } طلبوا علامة من نبيهم على كون طالوت ملكا عليهم فقالوا ما آية ملكه فقال { إن آية ملكه } اى علامة سلطنته { أن يأتيكم التابوت } من التوب وهو الرجوع وسمى تابوتا لانه ظرف توضع فيه الاشياء وتودع فلا يزال يرجع اليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع اليه فيما يحتاج اليه من مودعاته والمراد به صندوق التوراة وكان قد رفعه الله بعد وفاة موسى عليه السلام سخطا على بنى اسرائيل لما عصوا واعتدوا فلما طلب القوم من نبيهم آية تدله على ملك طالوت قال لهم ان آية ملكه ان يأتيكم التابوت من السماء والملائكة يحفظونه فاتاهم كما وصف والقوم ينظرون اليه حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس رضى الله عنهما. وقال ارباب الاخبار ان الله تعالى انزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه تماثيل الانبياء عليهم السلام من اولاده وكان من عود الشمشار ونحوا من ثلاثة اذرع فى ذراعين فكان عند آدم عليه السلام الى ان توفى فتوارثه اولاده واحد بعد واحد الى ان وصل الى يعقوب عليه السلام ثم بقى فى ايدى بنى اسرائيل الى ان وصل الى موسى عليه السلام فكان يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه وكان اذا قاتل قدمه فكانت تسكن اليه نفوس بنى اسرائيل وكان عنده الى ان توفى ثم تداولته ايدى بنى اسرائيل وكانوا اذا اختلفوا فى شىء تحاكموا اليه فيكلمهم ويحكم بينهم وكانوا اذا حضروا القتال يقدمونه بين ايديهم ويستفتحون به على عدوهم وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر ثم يقاتلون العدو فاذا سمعوا فى التابوت صيحة استيقنوا النصر فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه وجعلوه فى موضع البول والغائط فلما اراد الله ان يملك طالوت سلط الله عليهم البلاء حتى ان كل من بال عنده ابتلى بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلم الكفار ان ذلك سبب استهانتهم بالتابوت فاخرجوه وجعلوه على عجلة وعقلوها على ثورين فاقبل الثوران يسيران وقد وكل الله بهما اربعة من الملائكة يسوقونهما حتى اتيا منزل طالوت فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال لهم النبى ان آية ملكه انكم تجدون التابوت فى داره فلما وجدوه عنده ايقنوا بملكه فالاتيان على هذا مجاز لانه اتى به ولم يأت هو بنفسه فنسب الاتيان اليه توسعا كما يقال ربحت التجارة وعلى الوجه الاول حقيقة { فيه } اى فى اتيان التابوت { سكينة من ربهم } اى سكون لكم وطمأنينة كائنة من ربكم او الضمير للتابوت. قال بعض المحققين السكينة تطلق على ثلاثة اشياء بالاشتراك اللفظى. اولها ما اعطى بنوا اسرائيل فى التابوت كما قال تعالى { إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } قال المفسرون هى ريح ساكنة طيبة تخلع قلب العدو بصوتها رعبا اذا التقى الصفان وهى معجزة لانبيائهم وكرامة لملوكهم. والثانية شىء من لطائف صنع الحق يلقى على لسان المحدث الحكمة كما يلقى الملك الوحى على قلوب الانبياء مع ترويح الاسرار وكشف السر. والثالثة هى التى انزلت على قلب النبى عليه السلام وقلوب المؤمنين وهى شىء يجمع نورا وقوة وروحا يسكن اليه الخائف ويتسلى به الحزين كما قال تعالى ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين التوبة 26. وقال بعضهم التابوت هو القلب والسكينة ما فيه من العلم والاخلاص وذكر الله الذى تطمئن اليه القلوب واتيانه تصيير قلبه مقر العلم والوقار بعد ان لم يكن كذلك { وبقية } كائنة { مما } من للتبعيض { ترك آل موسى وآل هرون } هما رضاض الالواح وعصا موسى من آس الجنة وثيابه ونعلاه وعمامة هارون وشىء من التوراة وخاتم سليمان وقفيز من المن وهو الترنجبين الذى كان ينزل على بنى اسرائيل ويأكلونه فى ارض التيه. وآلهما انفسهما والآل مقحم او انباؤهما او اتباعهما { تحمله الملائكة } حال من التابوت اى ان آية ملكه اتيانه حال كونه محمولا للملائكة او استئناف كأنه قيل كيف يأتى فقيل تحمله الملائكة ثم ان التابوت لم تحمله الملائكة فى الروايتين بل نزل من السماء الى الارض بنفسه والملائكة كانوا يحفظونه فى الرواية الاولى واتى به على العجلة وعلى الثورين بسوق الملائكة على الرواية الاخيرة وانما اضيف الحمل فى القولين جميعا الى الملائكة لان من حفظ شيأ فى الطريق جاز ان يوصف بانه حمل ذلك الشىء وان لم يحمله بل كان الحامل غيره كما يقول القائل حملت الامتعة الى زيد اذا حفظها فى الطريق وان كان الحامل غيره { إن فى ذلك } يحتمل ان يكون من تمام كلام النبى وان يكون ابتداء خطاب من الله اى فى رد التابوت ايها الفريق { لآية } عظيمة { لكم } دالة على ملك طالوت وصدق قول نبيكم فى ان الله جعله ملكا فانه امر مناقض للعادة { إن كنتم مؤمنين } مصدقين بالله فصدقوا بتمليكه عليكم. وفى الآية اشارة الى ان آية ملك الخلافة للعبد ان يظفر بتابوت قلب فيه سكينة من ربه وهى الطمأنينة بالايمان والانس مع الله وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون وهى عصا الذكر كلمة لا اله الا الله وهى كلمة التقوى وهى الحية التى اذا فتحت فاها تلقف سحرة صفات فرعون النفس فعصا ذكر الله فى تابوت القلوب وقد اودعها الله بين اصبعى جماله وجلاله كما قال عليه السلام " قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن ". فبصفة الجلال يلهمها فجورها وبصفة الاكرام يلهمها تقواها كما قال تعالى فألهمها فجورها وتقواها الشمس 8. ولم يستودعها ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا فشتان بين امة سكينتهم فيما للاعداء عليه تسلط وبين امة سكينتهم فيما ليس للاولياء ولا للانبياء عليه ولاية وان كان فى ذلك التابوت بعض التوراة موضوعا ففى تابوت قلوب هذه الامة جميع القرآن محفوظ وان كان فى تابوتهم بيوت فيها صور الانبياء ففى تابوت قلوبهم خلوات ليس فيها معهم غير الله كما قال " لا يسعنى ارضى ولا سمائى ولكن يسعنى قلب عبدى المؤمن ". فاذا تيسر لطالوت روح الانسان ان يؤتى تابوت القلب الربانى فسلم ملك الخلافة وسرير السلطنة واستوثق عليه جميع اسباط الصفات الانسانى فلا يركن الى الدنيا الغدارة المكارة بل يتهجر منها ويتبرز لقتال جالوت النفس الامارة وهذا لا يتيسر الا بفضل الله واخذ الطريقة والتمسك بالحقيقة ره اينست روى از طريقت متاب بنه كام وكامى كه خواهى بياب ومن اراد ان يزداد سكينة فليصل الى المعرفة فان المعرفة الآلهية توجب السكينة فى القلب كما ان القلب يوجب السكون. وسئل ابو يزيد عن المعرفة فقال ن الملوك إذا دخلوا قرية إفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة النمل 34 اى غيروا حالها عما هى عليه وكذلك اذا وردت الواردات الربانية على القلوب الممتلئة اخرجت منها كل صفة رديئة. وقيل لابى يزيد بم وجدت هذه المعرفة فقال ببطن جائع وبدن عار قال السعدى قدس سره باندازه خور زاد اكر مردمى جنين برشكم آدمى يا خمى تدارند تن بروران آكهى كه بر معده باشدز حكمت تهى اللهم احفظنا من الموانع فى طريق الوصول اليك آمين آمين.

البقرة 2:249

{ فلما فصل طالوت بالجنود } الاصل فصل نفسه ولما اتحد فاعله ومفعوله شاع استعماله محذوف المفعول حتى نزل منزلة اللازم كانفصل والمعنى انفصل عن بلده مصاحبا لهم لقتال العمالقة. والجنود جمع جند وهو الجيش الاشداء مأخوذ من الجند وهى الارض الشديدة وكل صنف من الخلق جند على حدة روى انهم لما رأوا التابوت لم يشكوا فى النصر فتسارعوا الى الجهاد فقال طالوت لا يخرج معى شيخ ولا مريض ولا رجل بنى بناء لم يفرغ منه ولا صاحب تجارة مشتغل بها ولا رجل عليه دين ولا رجل تزوج امرأة ولم يبن بها ولا ابتغى الا الشاب النشيط الفارغ فاجتمع اليه ممن اختاره ثمانون الفا وكان الوقت قيظا اى شديد الحر وسلكوا مفازة فشكوا قلة الماء وسألوا ان يجرى الله لهم نهرا { قال } اى طالوت باخبار من النبى اشمويل { إن الله مبتليكم بنهر } اى معاملكم معاملة المختبر بما اقترحتموه وذلك الاختبار ليظهره عند طالوت من كان مخلصا فى نيته من غيره ليميزهم من العسكر لان من لا يريد القتال اذا خالط عسكرا يدخل الضعف فى العسكر فينهزمون بشؤمه آنكه جنك آرد بخون خويش بازى ميكند روز ميدان آنكه بكريزد بخون لشكرى فميز بينهما كالذهب والفضة فيهما الخبث فميز الخالص من غيره بالنار { فمن شرب منه } اى ابتدأ شربه من ماء النهر بان كرع وهو تناول الماء بفيه من موضعه من غير ان يشرب بكفيه ولا بآناء { فليس منى } اى من جملتى واشياعى المؤمنين فمن للتبعيض دخلت على نفس المتكلم للاشعار بان اصحابه لقوة اختصاصهم واتصالهم به كأنهم بعضه او ليس بمتحد معى فمن اتصالية كما فى قوله تعالى المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض التوبة 67 اى بعضهم متصل بالبعض الآخر ومتحد معه { ومن لم يطعمه } الطعم هنا بمعنى الذوق وهو التناول من الشىء تناولا قليلا يقال طعم الشىء اذا ذاقه مأكولا او مشروبا { فإنه منى } اى من اهل دينى { إلا من اغترف غرفة بيده } استثناء من قوله فمن شرب واعتراض الجملة الثانية وهو ومن لم يطعمه للعناية بها لان عدم الذوق منه رأسا عزيمة والاغتراف رخصة وبيان حال الاخذ بالعزيمة اهم من بيان الاخذ بالرخصة. والغرفة بالضم اسم للقدر الحاصل فى الكف بالاغتراف والغرف اخذ ماء بآلة كالكف وهو فى الاصل القطع والغرفة التى هى العلية قطعة من البناء والباء متعلقة باغترف. قال ابن عباس رضى الله عنهما كانت الغرفة الواحدة يشرب منها هو ودوابه وخدمه ويحمل منها. قال الامام وهذا يحتمل وجهين. احدهما انه كان مأذونا له ان يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة او جرة بحيث كان المأخوذ فى المرة الواحدة يكيفه ودوابه وخدمه ويحمل باقيه. وثانيهما انه كان يأخذ القليل فيجعل الله فيه البركة حتى يكفى كل هؤلاء فيكون معجزة لنبى ذلك الزمان كما انه تعالى يروى الخلق الكثير من الماء القليل فى زمن محمد صلى الله عليه وسلم { فشربوا منه } اى فانتهوا الى النهر وابتلوا به وكرعوا فيه كروعا مثل الدواب ولم يقنعوا بالاغتراف فضلا عن ان لا يذوقوا منه شيأ { إلا قليلا منهم } وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا على عدد اهل بدر فانهم اغترفوا فشربوا بالاكف ورووا واما الذين خالفوا فشربوا كرعا فازدادوا عطشا واسودت شفاههم وبقوا على شط النهر فعرف طالوت الموافق من المخالف فخلف الاشداء نه بى حكم شرع آب خوردن خطاست وكر خون بفتوى بريزى رواست ولما ردوا بالخلاف فى صفة شرب ماء اصله حلال لكن على صفة مخصوصة وهلكوا بعد الرد فما حال من تناول الحرام المحض فى الطعام والشراب كيف يقبل ويسلم. ثم انه لا خلاف بين المفسرين فى ان الذين عصوا رجعوا الى بلدهم والصحيح انهم لم يجاوزوا النهر وانما رجعوا قبل المجاوزة لقوله تعالى { فلما جاوزه } اى النهر { هو } اى طالوت { والذين آمنوا } وهم القليل الذين اطاعوه ولم يخالفوه فيما ندبهم اليه. وفيه اشارة الى ان من عداهم بمعزل من الايمان { معه } اى مع طالوت متعلق بجاوز لا بآمنوا { قالوا } اى بعض من معه من المؤمنين القليلين لبعض آخر منهم وهم الذين يظنون الآية فالمؤمنون الذين جاوز النهر صاروا فريقين فريقا يحب الحياة ويكره الموت وكان الخوف والجزع غالبا على طبعه وفريقا كان شجاعا قوى القلب لا يبالى بالموت فى طاعة الله تعالى. والقسم الاول هم الذين قالوا { لا طاقة } قوة { لنا اليوم بجالوت وجنوده } اى بمحاربتهم ومقاومتهم فضلا عن ان يكون لنا غلبة عليهم وذلك لما شاهدوا منهم من الكثرة والقوة وكانوا مائة الف مقاتل شاكى السلاح. والقسم الثانى هم الذين اجابوهم بقولهم كم من فئة الآية { قال } كأنه قيل فماذا قال لهم مخاطبهم فقيل قال { الذين يظنون أنهم ملاقوا } نصر { الله } العزيز وتأييده { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة } اى كثير من الفئات القليلة غلبت الفئات الكثيرة. والفئة اسم للجماعة من الناس قلت او كثرت { بإذن الله } اى بحكمه وتيسيره فان دوران كافة الامور على مشيئته تعالى فلا يذل من نصره وان قل عدده ولا يعز من خذله وان كثر اسبابه وعدده فنحن ايضا نغلب جالوت وجنوده { والله مع الصابرين } بالنصرة على العدو وبتوفيق الصبر عند الملاقاة. قال الراغب فى القصة ايماء ومثال للدنيا وابنائها وان من يتناول قدر ما يتبلغ به اكتفى واستغنى وسلم منها ونجا من تناول منها فوق ذلك ازداد عطشا ولهذا قيل الدنيا كالملح من ازداد منها عطش وفى الحديث " لو ان لابن آدم واديين من ذهب لابتغى اليهما ثالثا فلا يملأ جوف ابن آدم الا التراب ويتوب الله على من تاب ". يعنى لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره الا من تاب فان الله يقبل التوبة من التائب عن حرصه المذموم وعن غيره من المذمات وههنا نكتة وهى ان فى ذكر ابن آدم دون الانسال تلويحا الى انه مخلوق من تراب ومن طبيعته القبض واليبس وازالته ممكنة بان يمطر الله عليه من غمام توفيقه فللعاقل ان لا يتعب نفسه فى جمع حطام الدنيا فان الرزق مقسوم. اوحى الله الى داود يا داود تريد واريد فان رضيت بما اريد كفيتك ما تريد وان لم ترض بما اريد اتعبك ثم لا يكون الا ما اريد فالناس مبتلون بنهر هو منهل الطبيعة الجسمانية فمن شرب منه مفرطا فى الرى منه بالحرص فليس من اهل الحقيقة لانه من اهل الطبيعة وعبدة الشهوات المشتغل بها عن الله الا من قنع من متاع الدنيا على ما لا بد منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن ومحبة الخلق على الاضطرار بمقدار القوام فانه من اولياء الله. والحاصل ان النهر هو الدنيا وزينتها ومن بقى على شطها واطمأن بها كثير ممن جاوزها ولم يلتفت اليها فان اهل الله اقل من القليل واهل الدنيا لا يحصى عددهم رزقنا الله واياكم القوة والقناعة ولم يفصلنا عن اهل السنة والجماعة روى انه عليه السلام قال فى وصيته لابى هريرة رضى الله عنه " عليك يا ابا هريرة بطريق اقوام اذا فزع الناس لم يفزعوا واذا طلب الناس الامان من النار لم يخافوا " قال ابو هريرة من هم يا رسول الله قال " قوم من امتى فى آخر الزمان يحشرون يوم القيامة محشر الانبياء اذا نظر اليهم الناس ظنوهم انبياء مما يرون من حالهم حتى اعرفهم انا فاقول امتى امتى فيعرف الخلائق انهم ليسوا انبياء فيمرون مثل البرق او الريح تغشى ابصارهم اهل الجمع من انوارهم " فقلت يا رسول الله مرنى بمثل عملهم لعلى الحق بهم فقال " يا ابا هريرة ركب القوم طريقا صعبا آثروا الجوع بعدما اشبعهم الله والعرى بعدما كساهم الله والعطش بعدما ارواهم الله تركوا ذلك رجاء ما عند الله تركوا الحلال مخافة حسابه صحبوا الدنيا بابدانهم ولم يشتغلوا بشىء منها عجبت الملائكة والانبياء من طاعتهم لربهم طوبى لهم وددت ان الله جمع بينى وبينهم " ثم بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم شوقا اليهم ثم قال عليه السلام " اذا اراد الله باهل الارض عذابا فنظر اليهم صرف العذاب عنهم فعليك يا ابا هريرة بطريقهم " قال الشيخ العطار قدس الله سره درراه تومر دانند ازخويش نهان مانده بى جسم وجهت كشته بى نام ونشان مانده تنشان بشريعت هم دلشان بحقيقت هم هم دل شده وهم جان نه اين ونه آن مانده عليهم سلام الله ورحمته وبركاته اللهم اجعلنا من اللاحقين بهم آمين آمين.

البقرة 2:250

{ ولما برزوا } اى ظهر طالوت ومن معه من المؤمنين وصاروا الى براز اى فضاء من الارض فى موطن الحرب { لجالوت وجنوده } وشاهدوا ما عليهم من العدد وايقنوا انهم غير مطيقين لهم عادة { قالوا } اى جميعا عند تقوى قلوب الفريق الاول منهم بقول الفريق الثانى متضرعين الى الله تعالى مستعينين به { ربنا } فى ندائهم بقولهم ربنا اعتراف منهم بالعبودية وطلب لاصلاحهم لان لفظ الرب يشعر بذلك دون غيره { أفرغ علينا } افراغ الاناء اخلاؤه مما فيه اى صب علينا وهو استعارة عن الاكمال والاكثار أتوا بلفظة على طلبا لان يكون الصبر مستعليا عليهم وشاملا لهم كالظرف للمظروف { صبرا } على مقاساة شدائد الحرب واقتحام موارده الضيقة { وثبت أقدامنا } وهب لنا ما نثبت به فى مداحض القتال ومزال النزال من قوة القلوب والقاء الرعب فى قلوب العدو ونحو ذلك من الاسباب فالمراد بثبات القدم كمال القوة والرسوخ عند المقارنة وعدم التزلزل وقت المقاومة لا مجرد التقرر فى حيز واحد { وانصرنا على القوم الكافرين } بقهرهم وهزمهم ولقد راعوا فى الدعاء ترتيبا بليغا حيث قدموا سؤال افراغ الصبر على قلوبهم الذى هو ملاك الامر ثم سؤال تثبيت القدم المتفرع عليه ثم سؤال النصر على العدو الذى هو الغاية القصوى.

البقرة 2:251

{ فهزموهم } اى كسروهم بلا مكث { بإذن الله } اى بنصره وتأييده اجابة لدعائهم { وقتل داود جالوت } كان جالوت الجبار رأس العمالقة وملكهم وكان من اولاد عمليق بن عاد وكان من اشد الناس واقواهم وكان يهزم الجيوش وحده وكان له بيضة فيها ثلاثمائة رطل حديد وكان ظله ميلا لطول قامته وكان ايشى ابو داود عليه السلام فى جملة من عبر النهر مع طالوت وكان معه سبعة من ابنائه وكان داود اصغرهم يرعى الغنم فاوحى الى نبى العسكر وهو اشمويل ان داود بن ايشى هو الذى يقتل جالوت فطلبه من الله فجاء به فقال النبى اشمويل لقد جعل الله تعالى قتل جالوت على يدك فاخرج معنا الى محاربته فخرج معهم فمر داود عليه السلام فى الطريق بحجر فناداه يا داود احملنى فانى حجر هارون الذى قتل بى ملك كذا فحمله فى مخلاته ثم بحجر آخر فقال له احملنى فانىحجر موسى الذى قتل بى كذا وكذا فحمهل فى مخلاته ثم مر بحجر آخر فقال له احملنى فان حجر الذى تقتل بى جالوت فوضعه فى مخلاته وكان من عادته رمى القذافة وكان لا يرمى بقذافته شيأ من الذئب والاسد والنمر الا صرعه واهلكه فما تصاف العسكران للقتال برز جالوت الجبار الى البراز وسأل من يخرج اليه فلم يخرج اليه احد فقال يا بنى اسرائيل لو كنتم على حق لبارزنى بعضكم فقال داود لاخوته من يخرج الى هذا الاقلف فسكتوا فالتمس منه طالوت ان يخرج اليه ووعده ان يزوجه ابنته ويعطيه نصف ملكه ويجرى له خاتمه فيه لما توجه داود نحوه اعطاه طالوت فرسا ودرعا وسلاحا فلبس السلاح وركب الفرس فسار قريبا ثم انصرف الى الملك فقال من حوله جبن الغلام فجاء فوقف على الملك فقال ما شأنك فقال ان الله تعالى ان لم ينصرنى لم يغن عنى هذا السلاح شيأ فدعنى اقاتل كما اريد قال نعم فاخذ داود مخلاته فتقلدها واخذ المقلاع ومضى نحو جالوت روى انه لما نظر جالوت الى داود قذف فى قلبه الرعب فقال يا فتى ارجع فانى ارحمك ان اقتلك قال داود بل انا اقتلك قال ائتنى بالمقلاع والحجر كما يؤتى الكلب قال نعم انت شر من الكلب قال جالوت لا جرم لاقسمن لحمك بين سباع الارض وطير السماء قال داود بل يقسم الله لحمك فقال باسم اله ابراهيم واخرج حجرا ثم اخرج الآخر وقال باسم اله اسحق ثم اخرج الثالث وقال باسم اله يعقوب فوضع الاحجار الثلاثة فى مقلاعه فصارت كلها حجرا واحدا ودور المقلاع ورمى به فسخر الله له الريح حتى اصاب الحجر انف البيضة وخالط دماغه وخرج من قفاه وقتل من ورائه ثلاثين رجلا وهزم الله الجيش وخر جالوت قتيلا فاخذ داود يجره حتى القاه بين يدى طالوت ففرح المسلمون فرحا شديدا وانصرفوا الى المدينة سالمين فزوجه طالوت ابنته واجرى خاتمه فى نصف مملكته فمال الناس الى داود واحبوه واكثروا ذكره فحسده طالوت واراد قتله فتنبه له داود وهرب منه فسلط طالوت عليه العيون وطلبه اشد الطلب فلم يقدر عليه وانطلق داود الى الجبل مع المتعبدين فتعبد فيه دهرا طويلا فاخذ العلماء والعباد ينهون طالوت فى شأن داود فجعل طالوت لا ينهاه احد عن قتل داود الا قتله فاكثر فى قتل العلماء الناصحين فلم يكن يقدر على عالم فى بنى اسرائيل يطيق قتله الا قتله ثم ندم على ما فعله من المعاصى والمنكرات واقبل على البكاء ليلا ونهارا حتى رحمه الناس وكان كل ليلة يخرج الى القبور فيبكى وينادى حم الله عبدا يعلم ان لى توبة الا اخبرنى بها فلما اكثر التضرع والالحاح عليهم رق له بعض خواصه فقال له ان دللتك ايها الملك لعلك ان تقتله فقال لا والله بل اكرمه اتم الاكرام وانقاد الى حكمه واخذ مواثيق الملك وعهوده على ذلك فذهب به الى باب امرأة تعلم اسم الله الاعظم فلما لقيها قبل الارض بين يديها وسألها هل من توبة فقالت لا والله لا اعلم لك من توبة ولكن هل تعلم مكان قبر نبى فانطلق بها الى قبر اشمويل فصلت ودعت ثم نادت صاحب القبر فخرج اشمويل من القبر ينفض رأسه من التراب فلما نظر اليهم سألهم وقال مالكم أقامت القيامة قالت لا ولكن طالوت يسأل هل له من توبة قال اشمويل يا طالوت ما فعلت بعدى قال لم ادع من الشر شيأ الا فعلته وجئت لطلب التوبة قال كم لك من الولد قال عشرة رجال قال لا اعلم لك من التوبة الا ان تتخلى من ملكك وتخرج انت وولدك فى سبيل الله ثم تقدم ولدك حتى يقتلوا بين يديك ثم تقاتل انت فتقتل آخرهم ثم رجع اشمويل الى القبر وسقط ميتا ورجع طالوت ففعل ما امر به حتى قتل فجاء قاتله الى داود ليبشره وقال قتلت عدوك فقال داود ما انت بالذى تحيى بعده فضرب عنقه فكان ملك طالوت الى ان قتل اربعين سنة واتى بنوا اسرائيل بداود واعطوه خزائن طالوت وملكوه على انفسهم وملك داود بعد قتل طالوت سبعين سنة { وآتاه الله الملك } اى ملك بنى اسرائيل فى مشارق الارض المقدسة ومغاربها ولم يجتمعوا قبل داود على ملك { والحكمة } اى النبوة ولم يجتمع فى بنى اسرائيل الملك والنبوة قبله الا له بل كان الملك فى سبط والنبوة فى سبط آخر وانزل عليه الزبور اربعمائة وعشرين سورة وهو اول من تكلم باما بعد وهو فصل الخطاب الذى اوتيه داود عليه السلام { وعلمه مما يشاء } اى مما يشاء الله تعليمه اياه من صنعة الدروع بألانة الحديد وكان يصنعها ويبيعها وكان لا يأكل الا من عمل يده ومنطق الطير وتسبيح الجبال وكلام الحكل والنمل والصوت الطيب والالحان الطيبة فلم يعط الله احدا مثل صوته وكان اذا قرأ الزبور تدنو الوحوش حتى يؤخذ باعناقها وتطلبه الطير مصيخة له ويركد الماء الجارى وتسكن الريح { ولولا دفع الله } المصدر مضاف الى فاعله اى صرفه { الناس } مفعول الدفع { بعضهم } الذين يباشرون الشر والفساد وهو بدل من الناس بدل البعض من كل { ببعض } آخر منهم بردهم عما هم عليه بما قدر الله من القتل كما فى القصة المحكية وغيره وهو متعلق بالمصدر { لفسدت الأرض } وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الارض ويصلحها. وقيل لولا دفع الله بالمؤمنين والابرار عن الكفار والفجار لهلكت الارض ومن فيها ولكن الله يدفع بالمؤمن عن الكافر وبالصالح عن الفاجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة اهل بيت جيرانه البلاء ". ثم قرأ { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } ثم ان فيه تنبيها على فضيلة الملك وانه لولاه لما انتظم امر العالم. ولهذا قيل الدين والملك توأمان ففى ارتفاع احدهما ارتفاع الآخر لان الدين اساس والملك حارس ومالا اس له فمهدوم ومالا حارس له فضائع والناس قد لا ينقادون للرسل تحت الرياسة مع ظهور الحجج فاحتيج الى المجاهدة باللسان والسيف وذلك يكون من الانبياء ومن يتابعهم ثم لهم آجال مضروبة عندها فوجب ان يكون لهم خلفاء بعدهم من كل عصر فى اقامة الدين والجهاد فهذا دفع الله الناس بعضهم ببعض. وتفصيله ان دفع الله الناس بعضهم ببعض على وجهين دفع ظاهر ودفع خفى. فالظاهر ما كان بالسواس الاربعة الانبياء والملوك والحكماء المعنيي بقوله ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرا كثيرا البقرة 269. والوعاظ. فسلطان الانبياء عليه السلام على الكافة خاصهم وعامهم ظاهرهم وباطنهم وسلطان الملوك على ظواهر الكافة دون البواطن كما قيل نحن ملوك ابدانهم لا ملوك اديانهم وسلطان الحكماء على الخاصة دون العامة وسلطان الوعاظ بواطن العامة. واما الدفع الخفى فسلطان العقل يدفع عن كثير من القبائح وهو السبب فى التزام سلطان الظاهر { ولكن الله ذو فضل } عظيم لا يقادر قدره { على العالمين } كافة يعنى لكنه تعالى يدفع فساد بعضهم ببعض فلا تفسد الارض وتنتظم به مصالح العامة وتنصلح احوال الامم. ففضله تعالى يعم العوالم كلها اما فى عالم الدنيا فبهداية طريق الرشد والصلاح واما فى الآخرة فبالجنات والدرجات والنجاة والفلاح ومن جملة فضله تعالى على العالمين دفع البليات عن بعض عباده بلا واسطة كالانبياء وكمل الاولياء ومن اقتفى اثرهم من اهل اليقين.

البقرة 2:252

{ تلك } اشارة الى ما سلف من حديث الالوف وتمليك طالوت واتيان التابوت وانهزام الجبابرة وقتل داود جالوت { آيات الله } المنزلة من عنه { نتلوها عليك } اى بواسطة جبريل { بالحق } حال من مفعول نتلوها اى ملتبسة بالوجه المطابق الذى لا يشك فيه اهل الكتاب وارباب التواريخ لما يجدونها موافقة لما فى كتبهم { وإنك لمن المرسلين } اى من جملة الذين ارسلوا الى الامم لتبليغ رسالتنا واجراء اوامرنا واحكامنا عليهم والا لما اخبرت بتلك الآيات من غير تعرف ولا استماع والتأكيد لرد قول الكفار لست رسولا قال بعضهم ألا اى احمد مرسل شودهر مشكل ازتوحل كنم وصف ترا مجمل تويى سلطان هرمولى شريعت ازتوروشن طريقت هم مبرهن شد حقيقت خود معين شد زهى سلطان بى همتا والاشارة ان المجاهد مع جالوت النفس الامارة لا يقوم بحوله وقوته حتى يرجع الى ربه مستعينا ربنا أفرغ علينا صبرا البقرة 250. على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك وثبت أقدامنا البقرة 250. فى التسليم عند الشدة والرخاء وهجوم احكام القضاء فى السراء والضراء وانصرنا على القوم الكافرين البقرة 250. وهم اعداؤنا فى الدين عموما والنفس الامارة التى هى اعدى عدونا بين جنبينا خصوصا اذا كان الالتجاء عن صدق الرجاء برب الارض والسماء يكون مقرونا باجابة الدعاء والظفر على الاعداء فهزموهم بإذن الله البقرة 251. بنصرة الله فانه الذى صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب وحده وقتل داود البقرة 251. القلب جالوت البقرة 251 النفس اذا اخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون الى العقبى وحجر تعلقه الى نفسه بالهوى حتى صارت الثلاثة حجرا واحدا وهو الالتفات الى غير المولى فوضعه فى مقلاع التسليم والرضى فرمى به جالوت النفس وسخر الله له ريح العناية حتى اصاب انف بيضة هواها فاخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من ورائها ثلاثين من صفاتها واخلاقها وهزم الله باقى جيشها وهو الشياطين واحزابها وآتاه الله الملك والحكمة البقرة 251. يعنى آتى داود القلب ملك الخلافة وحكمة الالهامات الربانية وعلمه مما يشاء البقرةك 251. من حقائق القرآن واسراره واشاراته ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض البقرة 251. يعنى ارباب الطلب بالمشايخ الواصلين لفسدت الأرض البقرة 251. ارض استعدادهم المخلوقة فى احسن التقويم لتشمير كمالات الدين القويم عن استيلاء جالوت النفس وجنود صفاتها فى تخريب بلاد الارواح بتبديل اخلاقها وتكدير صفاء ذواتها وترديدها الى جحيم صفات البهائم والانعام واسفل دركاتها ولكن الله ذو فضل على العالمين البقرة 251. يعنى من كمال فضله ورحمته يحرك سلسلة طلب الطالبين ويلهم اسرارهم بارادة المشايخ الكاملين ويوفقهم للتمسك بذيول تربيتهم والتسليم تحت تصرفاتهم فى تنقيتهم ويثبتهم بالصبر والسكون على الرياضات والمجاهدات فى حال تزكيتهم ويشير الى المشايخ بقبولهم والاقبال عليهم ويقويهم على شدائد المخالفات فلو لم تكن هذه الالطاف من الله ما تيسر لهم تزكية نفوسهم ابدا فهذه اشارة لا تتحقق الا لاهل الخير ولهذا خص الله حبيبه بتحقيقها وتحققها بقوله { تلك آيات الله } يعنى فى ضمن هذه الآيات حقائق ودقائق { نتلوها عليك } اى نجلوها لديك { بالحق } اى بالحقيقة كما هى { وانك لمن المرسلين } الذين عبروا على هذه المقامات وشاهدوا هذه الاحوال والكرامات كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:253

{ تلك الرسل } اشارة الى الجماعة الذين من جملتهم النبى عليه الصلاة والسلام فاللام فى الرسل للاستغراق { فضلنا بعضهم على بعض } بان خصصناه بمنقبة ليست لغيره. واعلم ان الانبياء كلهم متساوون فى النبوة لان النبوة شىء واحد لا تفاضل فيها وانما التفاضل باعتبار الدرجات. بلغ بعضهم منصب الخلة كابراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يحصل ذلك لغيره. وجمع لداود بين الملك والنبوة وطيب النعمة ولم يحصل هذا لغيره. وسخر لسليمان الجن والانس والطير والريح ولم يحصل هذا لابيه داود. وخص محمدا عليه وعليهم السلام بكونه مبعوثا الى الجن والانس وبكون شرعه ناسخا لجميع الشرائع المتقدمة. ومنهم من دعا امته بالفعل الى توحيد الافعال وبالقوة الى الصفات والذات. ومنهم من دعا بالفعل الى الصفات ايضا وبالقوة الى الذات. ومنهم من دعا الى الذات ايضا بالفعل وهو ابراهيم عليه السلام فانه قطب التوحيد اذ الانبياء كانوا يدعون الى المبدأ والمعاد والى الذات الاحدية الموصوفة ببعض الصفات الآلهية الا ابراهيم عليه السلام فانه دعا الى الذات الآلهية الاحدية ولذا امر الله نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم باتباعه بقوله ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا النحل 123. فهو من اتباع ابراهيم باعتبار الجمع دون التفصيل اذ لا متمم لتفاصيل الصفات الا هو ولذلك لم يكن غيره خاتما فالانبياء وان كانوا متفاوتين فى درجات الدعوة بحسب مشارب الامم الا ان كلهم واصلون فانون فى الله باقون بالله لان الولاية قبل النبوة حيث ان آخر درجات الولاية اول مقامات النبوة فهى تبتنى على الولاية ومعنى الولاية الفناء فى الله والبقاء بالله فالنبى لا يكون الا واصلا محرزا جميع مراتب التوحيد من الافعال والصفات والذات { منهم من كلم الله } اى فضله الله بان كلمه بغير واسطة وهو موسى عليه الصلاة والسلام فهو كليمه بمعنى مكالمه. واختلفوا فى الكلام الذى سمعه موسى وغيره من الله تعالى هل هو الكلام القديم الازلى الذى ليس من جنس الحروف والاصوات. قال الاشعرى واتباعه المسموع هو ذلك الكلام الازلى قالوا كما انه لم تمتنع رؤية ما ليس بمكيف فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف. وقيل سماع ذلك الكلام محال وانما المسموع هو الحروف والصوت { ورفع بعضهم درجات } اى على درجات فانتصابه على نزع الخافض وذلك بان فضله على غيره من وجوه متعددة او بمراتب متباعدة والظاهر انه اراد محمدا صلى الله عليه وسلم لانه هو المفضل عليهم حيث اوتى ما لم يؤته احد من الآيات المتكاثرة المرتقية الى ثلاثة آلاف آية واكثر ولو لم يؤت الا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفا على سائر ما اوتى الانبياء لانه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات. وفى الحديث " فضلت على الانبياء بست اوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب واحلت لى الغنائم وجعلت لى الارض مسجدا وطهورا وارسلت الى الخلق كافة وختم بى النبيون ". قال فى التأويلات النجمية اعلم ان فضل كل صاحب فضل يكون على قدر استعلاء ضوء نوره لان الرفعة فى الدرجات على قدر رفعة الاستعلاء كما قال تعالى والذين أوتوا العلم درجات المجادلة 11. فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية فكلما ازداد العلم زادت الدرجة فناهيك عن هذا المعنى قول النبى عليه السلام فيما يخبر عن المعراج انه رأى آدم فى السماء الدنيا ويحيى وعيسى فى السماء الثانية ويوسف فى السماء الثالثة وادريس فى السماء الرابعة وهارون فى السماء الخامسة وموسى فى السماء السادسة وابراهيم فى السماء السابعة وعبر النبى عليه السلام حتى رفع الى سدرة المنتهى ومن ثم الى قاب قوسين او ادنى فهذه الرفعة فى الدرجة فى القرب الى الحضرة كانت له على قدر قوة ذلك النور فى استعلاء ضوئه وعلى قدر غلبات انوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الانبياء بعضهم فوق بعض فلما غلب نور الوحدانية على ظلمة انسانية النبى عليه السلام اضمحلت وتلاشت وفنيت ظلمة وجوده بسطوات تجلى صفات الجمال والجلال فكل نبى بقدر بقية ظلمة وجوده بقى فى مكان من اماكن السموات فانه صلى الله تعالى عليه وسلم ما بقى فى مكان ولا فى الامكان لانه كان فانيا عن ظلمة وجوده باقيا بنور وجوده ولهذا سماه الله نورا وقال قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين المائدة 15. فالنور هو محمد عليه السلام والكتاب هو القرآن فافهم واغتنم فانك لا تجد هذه المعانى الا ههنا انتهى كلام التأويلات النجمية { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } الآيات الباهرة والمعجزات الظاهرة من احياء الموتى وشفاء المرضى وابراء الاكمه والابرص وخلق الطير من الطين والاخبار بالمغيبات والانجيل وجعل معجزاته سبب تفضيله مع ان ايتاء البينات غير مختص بعيسى عليه الصلاة والسلام لانها آيات واضحة ومعجزات عظيمة لم يستجمعها غيره وخص عيسى عليه السلام بالتعيين مع انه غير مختص بايتاء البينات تقبيحا لافراط اليهود فى تحقيره حيث انكروا نبوته مع ما ظهر على يده من البينات القاطعة الدالة عليها ولافراط النصارى فى تعظيمه حيث اخرجوه عن مرتبة الرسالة { وأيدناه } اى قويناه { بروح القدس } اى الروح المطهرة التى نفحها الله فيه فأبانه بها من غيره ممن خلق من اجتماع نطفتى الذكر والانثى لانه عليه السلام لم تضمه اصلاب الفحول ولم يشتمل عليه ارحام الطوامث. فالقدس بمعنى المقدس من قبيل رجل صدق او القدس هو الله وروحه جبريل والاضافة للتشريف والمعنى اعانه بجبريل فى اول امره وفى وسطه وفى آخره اما فى الاول من امره فلقوله فنفخنا فيه من روحنا التحريم 12. واما فى وسطه فلان جبريل عليه السلام علمه العلوم وحفظه من الاعداء واما فى آخر الامر فحين ارادت اليهود قتله اعانه جبريل ورفعه الى السماء { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم } اى من بعد الرسل من الامم المختلفة اى لو شاء الله عدم اقتتالهم ما اقتتلوا بان جعلهم متفقين على اتباع الرسل المتفقة على كلمة الحق { من } متعلقة باقتتل { بعد ما جاءتهم } من جهة اولئك الرسل { البينات } المعجزات الواضحة والآيات الظاهرة الدالة على حقيقة الحق الموجبة لاتباعهم الزاجرة عن الاعراض عن سننهم المؤدى الى القتال { ولكن اختلفوا } اى لكن لم يشأ عدم اقتتالهم لانهم اختلفوا اختلافا فاحشا { فمنهم من آمن } اى بما جاءت به اولئك الرسل من البينات وعملوا به { ومنهم من كفر } بذلك كفرا لا ارعواء له فاقتضت الحكمة عدم مشيئته تعالى لعدم اقتتالهم فاقتتلوا بموجب اقتضاء احوالهم { ولو شاء الله } عدم اقتتالهم بعد هذه المرة ايضا من الاختلاف والشقاق المستتبعين للاقتتال بحسب العادة { ما اقتتلوا } وما نبض منهم عرق التطاول والتعاون لما ان الكل تحت ملكوته { ولكن الله يفعل ما يريد } اى من الامور الوجودية والعدمية التى من جملتها عدم مشيئته عدم اقتتالهم فان الترك ايضا من جملة الافعال اى يفعل ما يريد حسبما يريد من غير ان يوجبه عليه موجب او يمنعه منه مانع. وفيه دليل بين على ان الحوادث تابعة لمشيئته تعالى خيرا كان او شرا ايمانا كان او كفرا وهذا نذير على المعتزلة. قال الامام الغزالى قدس سره المتعالى فى شرح اسمى الضار والنافع هو الذى يصدر منه الخير والشر والنفع والضر وكل ذلك منسوب الى الله تعالى اما بواسطة الملائكة والانس والجمادات او بغير واسطة فلا تظنن ان السم يقتل ويضر بنفسه وان الطعام يشبع وينفع بنفسه وان الملك او الانسان او الشيطان او شيأ من المخلوقات من فلك الكواكب او غيرها يقدر على خير او شر بنفسه او نفع او ضر بل كل ذلك اسباب مسخرة لا يصدر منها الا ما سخرت له وجملة ذلك بالاضافة الى القدرة الازلية كالقلم بالاضافة الى الكاتب فى اعتقاد العامى وكما ان السلطان اذا وقع لكرامة او عقوبة لم يضر ذلك ولا نفعه من القلم بل من الذى القلم مسخر له فكذلك سائر الوسائط والاسباب وانما قلنا فى اعتقاد العامى لان الجاهل هو الذى يرى القلم مسخرا للكاتب والعارف يعلم انه مسخر فى يده لله تعالى وهو الذى الكاتب مسخر له فانه مهما خلق الكاتب وخلق له القدرة وسلط عليه الداعية الجازمة التى لا تردد فيها صدر منه حركة الاصبع والقلم لا محالة شاء ام ابى بل لا يمكنه ان لا يشاء فاذا الكاتب بقلم الانسان ويده هو الله تعالى واذا عرفت هذا فى الحيوان المختار فهو فى الجمادات اظهر. قال صاحب روضة الاخيار المؤثر هو الله تعالى والكواكب اسباب عادية الشمس مظهر اسم الحى والزهرة للمريد وعطارد للمسقط والقمر للقابل ولذا كان بيت العزة فى ملكه والمريخ للقادر والمشترى للعليم وزحل للجواد واصول الاسماء اربعة هى الحياة والعلم والقدرة والارادة واسرافيل مظهر الحياة والاقساط مندرج فيها وجبريل مظهر العلم والقول وباعتبار الاول هو روح القدس وبالثانى الروح الامين ولذا كان حامل الوحى وميكائيل مظهر الارادة والجود مندرج فيها ولذا كان ملك الارزاق وعزرائيل مظهر القدرة ولذا يقهر الجبابرة ويذلهم بالموت والفناء.

البقرة 2:254

{ يا أيها الذين آمنوا انفقوا مما رزقناكم } من تبعيضية اى شيأ مما رزقناكموه والتعرض لوصوله منه تعالى للحث على الانفاق والمراد به الانفاق الواجب اى الزكاة بدلالة ما بعده من الوعيد والاكثر على ان الامر يتناول الواجب والمندوب { من } لابتداء الغاية { قبل ان يأتى يوم } يوم الحساب والجزاء { لا بيع فيه } يتدارك به المقصر تقصيره وهو فى التقدير جواب هل فيه بيع ولهذا رفع. والبيع استبدال المال بالثمن { ولا خلة } حتى يسامحكم اخلاؤكم بما تصنعون. والخلة المودة والصداقة فكأنها تتخلل الاعضاء اى تدخل خلالها ووسطها والخليل الصديق لمداخلته اياك والخلة تنقطع يوم القيامة بين الاخلاء الا بين المتقين لقوله تعالى الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين الزخرف 67. { ولا شفاعة } حتى تتكلوا على شفعاء تشفع لكم فى حط ما فى ذممكم والشفاعة المنفية يوم القيامة هى التى يستقل فيها الشفيع ويأتى بها وان لم يؤذن له فيها فان الدلائل قائمة على ثبوت الشفاعة للمؤمنين بعد ان يؤذن لهم فيها وهى لمن مات لا يشرك بالله شيأ { والكافرون } اى والتاركون للزكاة وايثاره عليه للتغليط والتهديد كما قال فى آخر آية الحج ومن كفر البقرة 126. مكان ومن ولم يحج وللايذان بان ترك الزكاة من صفات الكفار قال تعالى وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكوة فصلت 6-7. { هم الظالمون } اى الذين ظلموا انفسهم بتعريضها للعقاب ووضعوا المال فى غير موضعه وصرفوه الى غير وجهه زكات اكر ندهى اززرت زداده وى علاج كى كنمت كاخر الدواء الكى قال الراغب حث المؤمنين على الانفاق مما رزقهم من النعماء النفسية والبدنية الجارحية وان كان الظاهر فى التعارف انفاق المال ولكن قد يراد به بذل النفس والبدن فى مجاهدة العدو والهوى وسائر العبادات ولما كانت الدنيا دار اكتساب وابتلاء والآخرة دار ثواب وجزاء بين ان لا سبيل للانسان الى تحصيل ما ينتفع به فى الآخرة فابتلى بذكر هذه الثلاثة لانها اسباب اجتلاب المنافع المفضية اليها. احدها المعاوضة واعظمها المبايعة. والثانى ما تناوله بالمودة وهو المسمى بالصلات والهدايا. والثالث ما يصل اليه بمعاونة الغير وذلك هو الشفاعة. ولما كانت العدالة بالقول المجمل ثلاثا عدالة بين الانسان ونفسه وعدالة بينه وبين الناس وعدالة بينه وبين الله. فكذلك الظلم له مراتب ثلاث واعظم العدالة ما بين العبد وبين الله وهو الايمان واعظم الظلم ما يقابله وهو الكفر ولذلك قال { والكافرون هم الظالمون } اى هم المستحقون لاطلاق هذا الوصف عليهم بلا مشوبة. فليسارع العبد الى تقوية الايمان بالانفاق والاحسان حكى انه كان عابد من الشيوخ اراده الشيطان فلم يستطع منه شيأ فقال له الشيطان ألا تسألنى عما اضل به بنى آدم قال بلى قال فاخبرنى ما اوثق شىء فى نفسك ان تضلهم به قال الشيخ والحدة والسكر فان الرجل اذا كان شحيحا قللنا ماله فى عينيه ورغبناه فى اموال الناس وان كان حديدا ادرناه بيننا كما تتداور الصبيان الكرة فلو كان يحيى الموتى بدعائه لم نيأس منه واذا سكر اقتدناه الى كل شهوة كما تقاد العنز باذنها كذا فى آكام المرجان. وعن محمد بن اسماعيل البخارى يقول بلغنا ان الله اوحى الى جبريل عليه الصلاة والسلام فقال يا جبريل لو انا بعثتك الى الدنيا وجعلتك من اهلها ما الذى عملت من الطاعات فيها فقال جبريل انت اعلم بشأنى منى ولكنى كنت اعمل ثلاثة اشياء. اولها كنت اعين صاحب العيال فى النفقة على عيالة. والثانى كنت استر عيوب الخلق وذنوبهم حتى لا يعلم احد من خلقك عيوب عبادك وذنوبهم غيرك. والثالث اسقى العطشان وارويه من الماء كذا فى روضة العلماء قال السعدى قدس سره جو خودرا قوى حال بينى وخوش بشكرانه بار ضعيفان بكش اكر خود همين صورتى جون طلسم بميرى واسمت بميرد جو جسم اكر برورانى درخت كرم برنيك نامى خورى لا جرم اللهم اجعلنا من المنفقين والمستغفرين.

البقرة 2:255

{ الله } هذا الاسم اعظم الاسماء التسعة والتسعين لانه دال على الذات الجامعة لصفات الآلهية كلها حتى لا يشذ منها شىء وسائر الاسماء لا تدل آحادها الا على آحاد المعانى من علم او قدرة او فعل وغيره ولانه اخص الاسماء اذ لا يطلقه احد على غيره لا حقيقة ولا مجازا وسائر الاسماء قد يسمى بها غيره كالقادر والعليم والرحيم وغيرها وينبغى ان يكون حظ العبد من هذا الاسم التأله واعنى به ان يكون مستغرق القلب والهمة فى الله تعالى لا يرى غيره ولا يلتفت الى سواه ولا يرجو ولا يخاف الا اياه وكيف لا يكون كذلك وقد فهم من هذا الاسم انه الموجود الحقيقى الحق وكل ما سواه فان وهالك وباطل الا به فيرى نفسه اول هالك وباطل كما رآه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال " أصدق بيت قالته العرب قول لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطل ". ولهذه الكلمة فوائد ليست فى غيرها فان كل كلمة اذا اسقطت منها حرفا يختل المعنى بخلاف هذه فانك ان حذت الالف يصير لله قال تعالى لله ما فى السموات والأرض الحديد 1. وان حذفت اللام الاولى ايضا يبقى له قال تعالى له ملك السموات والأرض البقرة 107. وان حذفت اللام الثانية ايضا يبقى الهاء وهو ضمير راجع الى الله تعالى قال تعالى هو الله الذى لا إله إلا هو الحشر 23. وللاسماء تأثير بليغ خصوصا للفظة الجلالة. قال حضرة الشيخ الشهير بافتاده افندى قدس سره لما جاء المولى علاء الدين الخلوتى ببروسة صعد المنبر فى الجامع الكبير للوعظ وقد اجتمع جمع كثير منتظرين لكلامه فقال مرة واحدة " يا الله " فحصل للجماعة حالة رقصوا وكادوا لا يرجعون عن البكاء والفزع وحكى انه لما مات سلطان العصر عزم جماعة الرجال على قتل الوزير فجاء بيت الشيخ وفاء فى القسطنطنية واستغاث به فادخله الشيخ الى بيته فهجموا جميعا الى بيت الشيخ فخرج الشيخ وقال مرة واحدة " يا الله " فهربوا جميعا فانظر انهم اذا ذكروا الله تظهر آثار عجيبة ونحن اذا ذكرنا ذلك الاسم بعينه لا يظهر له اثر وذلك لانهم زكوا انفسهم وبدلوا اخلاقهم واما نحن فليس فينا هذا ولا القابلية لذلك وانما الفيض من الله تعالى قال الحافظ فيض روح القدس ار باز مدد فرمايد ديكران هم بكنند انجه مسيحا ميكند { لا إله إلا هو } الجملة خبر للمبتدأ وهو الجلالة والمعنى انه المستحق للعبادة لا غير وحكى ان تسبيح قطب الاقطاب " يا هو ويا من هو ويا من لا اله الا هو " فاذا قال ذلك بطريق الحال يقدر على التصرفات. وللتوحيد ثلاث مراتب. توحيد المبتدئين لا اله الا الله. وتوحيد المتوسطين لا اله الا انت لانهم فى مقام الشهود فمقتضاه الخطاب. واما الكمل فيسمعون التوحيد من الموحد وهو لا اله الا انا لانهم فى مقام الفناء الكلى فلا يصدر منهم شىء اصلا. قال ابن الشيخ فى حواشى سورة الاخلاص لفظ هو اشارة الى مقام المقربين وهم الذين نظروا الى ماهيات الاشياء وحقائقها من حيث هى هى فلا جرم ما رأوا موجودا سوى الله لان الحق هو الذى لذاته يجب وجوده واما ما عداه فممكن والممكن اذا نظر اليه من حيث هو هو كان معدوما فهؤلاء لم يروا موجودا سوى الحق سبحانه وكلمة هو وان كانت للاشارة المطلق ومفتقرة فى تعين المراد بها الى سبق الذكر باحد الوجوه او الى ان يعقبها ما يفسرها الا انهم يشيرون الى الحق سبحانه ولا يفتقرون فى تلك الاشارة الى ما يميز الذات المرادة عن غيرها لان الافتقار الى المميز انما يحصل حيث وقع الابهام بان يتعدد ما يصلح لان يشار اليه وقد بينا انهم لا يشاهدون بعيون عقولهم الا الواحد فقط فلهذا السبب كانه لفظة هو كافية فى حصول العرفان التام لهؤلاء انتهى كلامه وانما ذكرته ههنا ليكون حجة على من انكر على جماعة الصوفية فى كلمة هو ذاهبا الى انها ضمير ولا فائدة فى الذكر به وقد سبق منى عند قوله تعالى وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو البقرة 163. ما ينفك فى هذا المقام قال شيخى وسندى الذى بمنزلة روحى فى جسدى الذكر ب " لا اله الا الله " افضل من الذكر بكلمة " الله الله " و " هو هو " عند العلماء بالله لانها جامعة بين النفى والاثبات وحاوية لزيادة العلم والمعرفة فمن نفى بلا اله عين الخلق حكما لا علما فقد اثبت كون الحق حكما وعلما وافادنى ايضا اذ قلت لا اله الا الله فشاهد بالشهود الحقانى فناء افعال الخلق وصفاتهم وذواتهم فى افعال الحق وصفاته وذاته وهذا مقتضى الجمع والاحدية. وتلك الكلمة فى الحقيقة اشارة الى هذه المرتبة واذا قلت محمد رسول الله فشاهد بالشهود الحقانى ايضا بقاء افعالهم وصفاتهم وذواتهم بافعاله تعالى وصفاته وذاته وهذا مقتضى الفرق والواحدية. وتلك الكلمة ايضا اشارة الى هذه المرتبة فاذا كان توحيد العبد على هذه المشاهدة فلا جرم ان توحيده يكون توحيدا حقيقا حقانيا لا رسما نفسانيا قال المولى الجامى قدس سره كرجه " لا " داشت تيركئ عدم دارد " الا " فروع نور قدم كرجه " لا " بود كان كفر وجحود هست " الا " كليد كنج شهود جون كند " لا " بساط كثرت طى دهد " الا " زجام وحدت مى آن رهاند زنقش بيش وكمت وين رساند بوحدت قدمت تانسازى حجاب كثرت دور ندهد افتاب وحدت نور دائم آن آفتاب تابانست ازحجاب تو ازتو بنهانست كربرون آيى ازحجاب تويى مرتفع كردد ازميانه دويى در زمين زمان وكون مكان همه او بينى آشكار ونهان اللهم اوصلنا الى الجمع والعين واليقين { الحى } خبر ثان. وهو فى اللغة من له الحياة وهى صفة تخالف الموت والجمادية وتقتضى الحس والحركة الارادية واشرف ما يوصف به الانسان الحياة الابدية فى دار الكرامة واذا وصف البارى عز شأنه بها وقيل انه حى كان معناه الدائم الباقى الذى لا سبيل عليه للموت والفناء فهو الموصوف بالحياة الازلية الابدية. قال الامام الغزالى فى شرح الاسماء الحسنى " الحى " هو الفعال الدراك حتى ان من لا فعل له اصلا ولا ادراك فهو ميت واقل درجات الادراك ان يشعر المدرك بنفسه فما لا يشعر بنفسه فهو الجماد والميت فالحى الكامل المطلق هو الذى تندرج جميع المدركات تحت ادراكه وجميع الموجودات تحت فعله حتى لا يشذ عن علمه مدرك ولا عن فعله مفعول وذلك هو الله تعالى فهو الحى المطلق وكل حى سواه فحياته بقدر ادراكه وفعله وكل ذلك محصور فى قوله { القيوم } قام بالامر اذا دبره مبالغة القائم فانه تعالى دائم القيام على كل شىء بتدبير امره فى انشائه وتزريقه وتبليغه الى كماله اللائق به وحفظه. قال الامام الغزالى اعلم ان الاشياء تنقسم الى ما يفتقر الى محل كالاعراض والاوصاف فيقال فيها انها ليست قائمة بنفسها والى ما يحتاج الى محل فيقال انه قائم بنفسه كالجواهر الا ان الجوهر وان قام بنفسه مستغنيا عن محل يقوم به فليس مستغنيا عن امور لا بد منها لوجوده وتكون شرطا فى وجوده فلا يكون قائما بنفسه لانه محتاج فى قوامه الى وجود غيره وان لم يحتج الى محل فان كان فى الوجود موجود يكفى ذاته بذاته ولا قوام له بغيره ولا شرط فى دوام وجوده وجود غيره فهو القائم بنفسه مطلقا فان كان مع ذلك يقوم به كل موجود حتى لا يتصور للاشياء وجود ولا دوام وجود الا به فهو القيوم لان قوامه بذاته وقوام كل شىء به وليس ذلك الا الله تعالى ومدخل العبد فى هذا الوصف بقدر استغنائه عما سوى الله تعالى انتهى كلام الغزالى. قيل الحى القيوم اسم الله الاعظم. وكان عيسى عليه الصلاة والسلام اذا اراد ان يحيى الموتى يدعو بهذا الدعاء يا حى يا قيوم ويقال دعاء اهل البحر اذا خافوا الغرق يا حى يا قيوم وعن على بن ابى طالب رضى الله عنه لما كان يوم بدر جئت انظر ما يصنع النبى صلى الله عليه وسلم فاذا هو ساجد يقول يا حى يا قيوم فترددت مرات وهو على حاله لا يزيد على ذلك الى ان فتح الله له وهذا يدل على عظمة هذا الاسم. وفى التأويلات النجمية انما اشير فى معنى الاسم الاعظم الى هذين الاسمين وهما الحى والقيوم لان اسمه الحى مشتمل على جميع اسمائه وصفاته فان من لوازم الحى ان يكون قادرا عالما سميعا بصيرا متكلما مريدا باقيا. واسمه القيوم مشتمل على افتقار جميع المخلوقات اليه فاذا تجلى الله لعبد بهاتين الصفتين فالعبد يكاشف عند تجلى صفة الحى معانى جميع اسمائه وصفاته ويشاهد عند تجلى صفة القيوم فناء جميع المخلوقات اذا كان قيامها بقيومية الحق لا بانفسهم فلما جاء الحق زهق الباطل فلا يرى فى الوجود الا الحى القيوم اذا سلب الحى جميع اسماء الله وسلب القيوم قيام المخلوقات فترتفع الاثنينية بينهما واذا فنى التعدد وبقيت الوحدة فيصيران اسما اعظم للمتجلى له فيذكره عند شهود عظمة الوحدانية بلسان عيان الفردانية لا بلسان بيان الانسانية فقد ذكره باسمه الاعظم الذى اذا دعى به اجاب واذا سئل به اعطى فاما الذاكر عند غيبه فكل اسم دعاه لا يكون الاسم الاعظم بالنسبة الى حال غيبه وعند شهود العظمة فبكل اسم دعاه يكون الاسم الاعظم كما سئل ابو يزيد البسطامى قدس سره عن الاسم الاعظم فقال الاسم ليس له حد محدود ولكن فرغ قلبك لوحدانيته فاذا كنت كذلك فاذكره بأى اسم شئت انتهى ما فى التأويلات. واعلم ان الاسم الاعظم عبارة عن الحقيقة المحمدية فمن عرفها عرفه وهى صورة الاسم الجامع الالهى وهو ربها ومنه الفيض فاعرف تفز بالحظ الاوفى { لا تأخذه سنة ولا نوم } السنة ثقلة من النعاس وفتور يعترى المزاج قبل النوم وليست بداخلة فى حد النوم والنعاس اول النوم والنوم حالة تعرض للحيوان من استرخاء اعصاب الدماغ من رطوبات الابخرة المتصاعدة بحيث تقف الحواس الظاهرة عن الاحساس رأسا وتقديم السنة عليه مع ان قياس المبالغة عكسه على ترتيب الوجود الخارجى فان الموجود منهما اولا هو السنة ثم يعترى بعدها النوم وتوسيط كلمة لا للتنصيص على شمول النفى لكل منهما والمراد بيان انتفاء اعتراء شىء منهما له سبحانه لعدم كونهما من شأنه وانما عبر عن عدم الاعتراء والعروض بعدم الاخذ لمراعاة الواقع اذ عروض السنة والنوم لمعروضهما انما يكون بطريق الاخذ والاستيلاء والجملة نفى للتشبيه وتأكيد لكونه حيا قيوما فان من اخذه نعاس او نوم كان مؤوف الحياة قاصرا فى الحفظ والتدبير والمعنى لا يعتريه ما يعترى المخلوقين من السهو والغفلة والملال والفترة فى حفظ ما هو قائم بحفظه ولا يعرض له عوارض التعب المحوجة الى الاستراحة فيستريح بالنوم والسنة لان النوم اخو الموت والموت ضد الحياة وهو الحى الحقيقى فلا يلحقه ضد الحياة فكما انه موصوف بصفات الكمال فهو منزه عن جميع صفات النقصان روى ان موسى عليه السلام سأل الملائكة وكان ذلك فى نومه أينام ربنا فاوحى الله تعالى اليهم ان يوقظوه ثلاثا ولا يتركوه ينام ثم قال خذ بيدك قارورتين مملوءتين فاخذهما فاخذه النوم فزالتا وانكسرتا ثم اوحى الله اليه انى امسك السموات والارض بقدرتى فلو اخذنى نوم او نعاس لزالتا كذا فى الكشاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله لا ينام ولا ينبغى له ان ينام ". قال ابن الملك هذا بيان لاستحالة وقوع النوم منه لانه عجز والله تعالى يتعالى عنه انتهى وحظ العبد من هذا الوصف ان يترك النوم فان الله تعالى وان رخص للعباد فى المنام بل هو فضل منه تعالى لكن كثرة المنام بطالة وان الله تعالى لا يحب البطال. قال ابو يزيد البسطامى قدس سره لم يفتح لى شىء الا بعد ان جعلت الليالى اياما قال السعدى قدس سره سر آنكه ببالين نهد هو شمند كه خوابش بقهر آورد در كمند قيل كان رجل له تلميذان اختلفا فيما بينهما فقال احدهما النوم خير لان الانسان لا يعصى فى تلك الحالة وقال الآخر اليقظة خير لانه يعرف الله فى تلك الحالة فتحاكما الى ذلك الشيخ فقال الشيخ اما انت الذى قلت بتفضيل اليقظة فالحياة خير لك وقيل اشترى رجل مملوكة فلما دخل الليل قال افرشى الفراش فقالت المملوكة يا مولاى ألك مولى قال نعم قالت ينام مولاك قال لا فقالت ألا تستحيى ان تنام ومولاك لم ينم ومن الابيات التى كان يذكرها بلال الحبشى رضى الله عنه وقت السحر يا ذا الذى استغرق فى نومه ما نوم عبد ربه لا ينام أهل تقول اننى مذنب مشتغل الليل بطيب المنام { له ما فى السموات وما فى الأرض } تقرير لقيوميته تعالى واحتجاج به على تفرده فى الالوهية لانه تعالى خلقهما بما فيهما والمشاركة انما تقع فيما فيهما ومن يكن له ما فيهما فمحال مشاركته فكل من فيهما وما فيهما ملكه ليس لاحد معه فيه شركة ولا لاحد عليه سلطان فلا يجوز ان يعبد غيره كما ليس لعبد احدكم ان يخدم غيره الا باذنه والمراد بما فيهما ما هو اعم من اجزائهما الداخلة فيهما ومن الامور الخارجة عنهما المتمكنة فيهما من العقلاء وغيرهم فهو ابلغ من ان يقال له السموات والارض وما فيهن لان قوله وما فيهن بعد ذكر السموات والارض انما يتناول الامور الخارجة المتمكنة فيهن اذ لو اريد به ما يعم الامور الداخلة فيهما والخارجة عنهما لاغنى ذكره عن ذكرهما { من ذا الذى يشفع عنده إلا بإذنه } من مبتدأ وذا خبره. والذى صفة ذا او بدل منه ولفظ من وان كان استفهاما فمعناه النفى ولذلك دخلت الا فى قوله { إلا بإذنه } و { عنده } فيه وجهان. احدهما انه متعلق بيشفع. والثانى انه متعلق بمحذوف فى موضع الحال من الضمير فى يشفع اى لا احد يشفع مستقرا عنده الا باذنه وقوى هذا الوجه بانه اذا لم يشفع عنده من هو عنده وقريب منه فشفاعة غيره ابعد والا باذنه متعلق بمحذوف لانه حال من فاعل يشفع فهو استثناء مفرغ والباء للمصاحبة والمعنى لا احد يشفع عنده فى حال من الاحوال الا فى حال كونه مأذونا له او لا احد يشفع عنده بامر من الامور الا باذنه والباء للاستعانة كما فى ضرب بسيفه فيكون الجار والمجرور فى موضع المفعول به وكان المشركون يقولون اصنامنا شركاء الله تعالى وهم شفعاؤنا عنده فوحد الله نفسه بالنفى والاثبات ليكون المعنى فى ثبوت التوحيد ونفى الشرك اى ليس لاحد ان يشفع لاحد عند الا باذنه وقد اخبر انه لا يأذن فى الشفاعة للكفار وهو رد على المعتزلة فى انهم لا يرون الشفاعة اصلا والله تعالى اثبتها للبعض بقوله { إلا بإذنه }. وفى التأويلات النجمية هذا الاستثناء راجع الى النبى عليه الصلاة والسلام لان الله قد وعد له المقام المحمود وهو الشفاعة فالمعنى من ذا الذى يشفع عنده يوم القيامة الا عبده محمد فانه مأذون موعود ويعينه الانبياء بالشفاعة انتهى غم نخورد آنكه شفيعش تويى بايه ده قدر رفعيش وتويى حاصلى ارنيست ز طاعت مرا هست اميدى بشفاعت مرا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " اتانى آت من عند ربى فخيرنى بين ان يدخل نصف امتى الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة " روى ان الانبياء عليهم السلام يعينون نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة للشفاعة فيأتى الناس اليه فيقول انا لها وهو المقام المحمود الذى وعده الله به يوم القيامة فيأتى ويسجد ويحمد الله بمحامد يلهمه الله تعالى اياها فى ذلك الوقت لم يكن يعلمها قبل ذلك ثم يشفع الى ربه ان يفتح باب الشفاعة للخلق فيفتح ذلك الباب فيأذن فى الشفاعة للملائكة والرسل والانبياء والمؤمنين فهذا يكون سيد الناس يوم القيامة فانه شفع عند الله ان يشفع الملائكة والرسل ومع هذا تأدب صلى الله عليه وسلم وقال " انا سيد الناس " ولم يقل سيد الخلائق فيدخل الملائكة فى ذلك مع ظهور سلطانه فى ذلك اليوم على الجميع وذلك انه صلى الله تعالى عليه وسلم جمع له بين مقامات الانبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم ولم يكن ظهر له على الملائكة ما ظهر لآدم عليهم من اختصاصه بعلم الاسماء كلها فاذا كان فى ذلك اليوم افتقر اليه الجميع من الملائكة والناس من آدم فمن دونه فى فتح باب الشفاعة واظهار ماله من الجاه عند الله اذ كان القهر الآلهى والجبروت الاعظم قد اخرس الجميع فدل على عظيم قدره عليه السلام حيث اقدم مع هذه الصفة الغضبية الآلهية على مناجاة الحق فيما سأله فيه فاجابه الحق سبحانه كذا فى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى عليه رحمة البارى. واعلم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو اول من يفتح باب الشفاعة فيشفع فى الخلق ثم الانبياء ثم الاولياء ثم المؤمنون وآخر من يشفع هو ارحم الراحمين فان الرحمن ما شفع عند المنتقم فى اهل البلاء الا بعد شفاعة الشافعين الذين لم تظهر شفاعتهم الا بعد شفاعة خاتم الرسل اياهم ليشفعوا ومعنى شفاعة الله سبحانه هو انه اذا لم يبق فى النار مؤمن شرعى اصلا يخرج الله منها قوما علموا التوحيد بالادلة العقلية ولم يشركوا بالله شيأ ولا آمنوا ايمانا شرعيا ولم يعملوا خيرا قط من حيث ما اتبعوا فيه نبيا من الانبياء فلم يكن عندهم ذرة من ايمان فيخرجهم ارحم الراحمين فاعرف هذا فانه من الغرائب افاده لى شيخى العلامة افادة كشفية وصادفته ايضا فى تفسير الفاتحة للمولى الفنارى اللهم اغفر وارحم وانت ارحم الراحمين { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم } البقرة 255. استئناف آخر لبيان احاطة علمه باحوال خلقه المستلزم لعلمه بمن يستحق الشفاعة ومن لا يستحقها اى يعلم ما كان قبلهم من امور الدنيا وما يكون بعدهم من امر الآخرة او ما بين ايديهم يعنى الآخرة لانهم يقدمون عليها وما خلفهم الدنيا لانهم يخلفونها وراء ظهورهم او ما بين ايديهم من السماء الى الرض وما خلفهم يريد ما فى السموات او ما بين ايديهم بعد انقضاء آجالهم وما خلفهم اى ما كان قبل ان يخلقهم او ما فعلوه من خير وشر وقدموه وما يفعلونه بعد ذلك والمقصود بهذا الكلام بيان انه عالم باحوال الشافع والمشفوع له فيما يتعلق باستحقاق الثواب والعقاب. والضمير لما فى السموات وما فى الارض لان فيهم العقلاء فغلب من يعقل على غيره او لما دل عليه من ذا من الملائكة والانبياء فيكون للعقلاء خاصة { ولا يحيطون } اى لا يدركون يعنى من الملائكة والانبياء وغيرهم { بشىء من علمه } اى من معلوماته { إلا بما شاء } ان يعلموه وان يطلعهم عليه كاخبار الرسل فلا يظهر على غيبه احد الا من ارتضى من رسول وانما فسرنا العلم بالمعلوم لان علمه تعالى الذى هو صفة قائمة بذاته المقدسة لا يتبعض فجعلناه بمعنى المعلوم ليصح دخول التبعيض والاستثناء عليه. وفى التأويلات النجمية { يعلم } محمد عليه السلام { ما بين أيديهم } من الامور الاوليات قبل خلق الله الخلائق كقوله " اول ما خلق الله نورى ". { وما خلفهم } من اهوال القيامة وفزع الخلق وغضب الرب وطلب الشفاعة من الانبياء وقولهم نفسى نفسى وحوالة الخلق بعضهم الى بعض حتى بالاضطرار يرجعون الى النبى عليه السلام لاختصاصه بالشفاعة { ولا يحيطون بشىء من علمه } يحتمل ان تكون الهاء كناية عنه عليه السلام يعنى هو شاهد على احوالهم يعلم ما بين ايديهم من سيرهم ومعاملاتهم وقصصهم وما خلفهم من امور الآخرة واحوال اهل الجنة والنار وهم لا يعلمون شيأ من معلوماته { إلا بما شاء } ان يخبرهم عن ذلك انتهى. قال شيخنا العلامة ابقاه الله بالسلامة فى الرسالة الرحمانية فى بيان الكلمة العرفانية علم الاولياء من علم الانبياء بمنزلة قطرة من سبعة ابحر وعلم الانبياء من علم نبينا محمد عليه الصلاة والسلام بهذه المنزلة وعلم نبينا من علم الحق سبحانه بهذه المنزلة انتهى وفى القصيدة البردية وكلهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر او رشفا من الديم وواقفون لديه عند حدهم من نقطة العلم او من شكلة الحكم حاصله ان علوم الكائنات وان كثرت بالنسبة الى علم الله عز وجل بمنزلة نقطة او شكلة ومشربها بحر روحانية محمد صلى الله عليه وسلم فكل رسول ونبى وولى أخذون بقدر القابلية والاستعداد مما لديه وليس لاحد ان يعدوه او يتقدم عليه. قوله النقطة فعلة من نقطت الكتاب نقطا ومعناها الحاصل. والشكلة بالفتح فعلة من شكلت الكتاب قيدته بالاعراب { وسع كرسيه السموات والأرض } الكرسى ما يجلس عليه من الشىء المركب من خشبات موضوعة بعضها فوق بعض ولا يفضل على مقعد القاعد وكأنه منسوب الى الكرس الذى هو الملبد وهو ما يجعل فيه اللبدة اى لم يضق كرسيه عن السموات والارض لبسطته وسعته وما هو الا تصوير لعظمته وتمثيل مجرد ولا كرسى فى الحقيقة ولا قاعد. وتقريره انه تعالى خاطب الخلق فى تعريف ذاته وصفاته بما اعتادوه فى ملوكهم وعظمائهم كما جعل الكعبة بيتا له يطوف الناس به كما يطوفون ببيوت ملوكهم وامر الناس بزيارته كما يزور الناس بيوت ملوكهم وذكر فى الحجر الاسود انه يمين الله تعالى فى ارضه ثم جعله موضعا للتقبيل كما يقبل الناس ايدى ملوكهم وكذلك ما ذكر فى محاسبة العباد يوم القيامة من حضور الملائكة والنبيين والشهداء فوضع الميزان وعلى هذا القياس اثبت لنفسه عرشا فقال الرحمن على العرش استوى طه 5. ثم اثبت لنفسه كرسيا فقال { وسع كرسيه السموات والأرض } والحاصل ان كل ما جاء من الالفاظ الموهمة للتشبيه فى العرش والكرسى فقد ورد مثلها بل اقوى منها فى الكعبة والطواف وتقبيل الحجر ولما توافقت الامة ههنا على ان المقصود تعريف عظمة الله وكبريائه مع القطع بانه تعالى منزه عن ان يكون فى الكعبة ما يوهمه تلك الالفاظ فكذا الكلام فى العرش والكرسى. والمعتمد كما قال الامام ان الكرسى جسم بين يديى العرش محيط بالسموات السبع لان الارض كرة والسماء الدنيا محيطة بها احاطة قشر البيضة بالبيضة من جميع الجوانب والثانية محيطة بالدنيا وهكذا الى ان يكون العرش محيطا بالكل قال صلى الله عليه وسلم " ما السموات السبع والارضون السبع من الكرسى الا كحلقة فى فلاة وفضل العرش على الكرسى كفضل تلك الفلاة على تلك الحلقة ". ولعله الفلك الثامن وهو المشهور بفلك البروج. قال مقاتل كل قائمة من الكرسى طولها مثل السموات السبع والارضين السبع وهو بين يدى العرش ويحمل الكرسى اربعة املاك لكل ملك اربعة وجوه واقدامهم فى الصخرة التى تحت الارض السابعة السفلى مسيرة خمسمائة عام. ملك على صورة سيد البشر آدم عليه الصلاة والسلام وهو يسأل للآدميين الرزق والمطر من السنة الى السنة. وملك على صورة سيد الانعام وهو الثور وهو يسأل للانعام الرزق من السنة الى السنة وعلى وجهه غضاضة منذ عبد العجل. وملك على صورة سيد السباع وهو الاسد يسأل للسباع الرزق من السنة الى السنة. وملك على صورة سيد الطير وهو النسر يسأل للطير الرزق من السنة الى السنة. وفى التأويلات النجمية اما القول فى معنى الكرسى فاعلم ان مقتضى الدين والديانة ان لا يؤول المسلم شيأ من الاعيان مما نطق به القرآن والاحاديث بالمعانى الا بصورها كما جاء وفسرها النبى عليه الصلاة والسلام والصحابة وعلماء السلف الصالح اللهم الا ان يكون محققا خصصه الله بكشف الحقائق والمعانى والاسرار واشارات التنزيل وتحقيق التأويل فاذا كوشف بمعنى خاص او اشارة وتحقيق يقدر ذلك المعنى من غير أن يبطل صورة الاعيان مثل الجنة والنار والميزان والصراط وفى الجنة من الحور والقصور والانهار والاشجار والثمار وغيرها من العرش والكرسى والشمس والقمر والليل والنهار ولا يؤول شيأ منها على مجرد المعنى ويبطل صورته بل يثبت تلك الاعيان كما جاء ويفهم منها حقائق معانيها فان الله تعالى ما خلق شيأ فى عالم الصورة الا وله نظير فى عالم المعنى وما خلق شيأ فى عالم المعنى وهو الآخرة الا وله حقيقة فى عالم الحق وهو غيب الغيب فافهم جدا وما خلق فى العالمين شيأ الا وله مثال وانموذج فى عالم الانسان فاذا عرفت هذا فاعلم ان مثال العرش فى عالم الانسان قلبه اذ هو محل استواء الروح عليه ومثال الكرسى سر الانسان والعجب كل العجب ان العرش مع نسبته الى استواء الرحمانية قيل هو كحلقة ملقاة بين السماء والارض بالنسبة الى وسعة قلب المؤمن انتهى ما فى التأويلات وفى المثنوى كفت بيغمبر كه حق فرموده است من نكنجم هيج در بالا وبست در زمين و آسمان و عرش نيز من نكنجم اين يقين دان اى عزيز دردل مؤمن بكنجم اى عجب كرمرا جويى دران دلها طلب خود بزركى عرش باشد بس مديد ليلك صورت كيست جون معنى رسيد { ولا يؤده } يقال آده الشىء يأوده اذا اثقله ولحقه منه مشقة مأخوذ من الاود بفتح الواو وهو العود ويعرض ذلك بالثقل اى لا يثقله ولا يشق عليه تعالى { حفظهما } اى حفظ السموات والارض اذ القريب والبعيد عنده سواء والقليل والكثير سواء وكيف يتعب فى خلق الذرة وكل الكون عنده سواء فلا من القليل له تيسر ولا من الكثير عليه تعسر انما امره اذا اراد شيأ ان يقول له كن فيكون وانما لم يتعرض لذكر ما فيهما لان حفظهما مستتبع لحفظه { وهو العلى } اى المتعالى بذاته عن الاشباه والانداد { العظيم } الذى يستحقر بالنسبة اليه كل ما سواه. فالمراد بالعلو علو القدر والمنزلة لا علو المكان لانه تعالى منزه عن التحيز وكذا عظمته انما هى بالمهابة والقهر والكبرياء ويمنع ان يكون بحسب المقدار والحجم لتعالى شأنه من ان يكون من جنس الجواهر والاجسام. والعظيم من العباد الانبياء والاولياء والعلماء الذين اذا عرف العاقل شيأ من صفاتهم امتلأ بالهيبة صدره وصار متشوقا بالهيبة قلبه حتى لا يبقى فيه متسع فالنبى عليه السلام عظيم فى حق امته والشيخ عظيم فى حق مريده والاستاذ فى حق تلميذه اذ يقصر عقله عن الاحاطة بكنه صفاته فان ساواه أو جاوزه لم يكن عظيما بالاضافة اليه. وهذه الآية الكريمة منطوية كما ترى على امهات المسائل الآلهية المتعلقة بالذات العلية والصفات الحلية فانها ناطقة بانه تعالى موجود متفرد بالآلهية متصف بالحياة واجب الوجود لذاته موجد لغيره لما ان القيوم هو القائم بذاته المقيم لغيره منزه عن التحيز والحلول مبرأ من التغير والفتور لا مناسبة بينه وبين الاشباح ولا يعتريه ما يعترى النفوس والارواح مالك الملك والملكوت ومبدع الاصول والفروع ذو البطش الشديد لا يشفع عنده الا من اذن له فهو العالم وحده بجميع الاشياء جليها وخفيها كليها وجزئيها واسع الملك والقدرة لكل ما من شأنه ان يملك ويقدر عليه ولا يشق عليه شاق ولا يشغله شأن عن شأن متعال عما تناله الاوهام عظيم لا تحدق به الافهام ولذلك قال عليه السلام " ان اعظم آية فى القرآن آية الكرسى من قرأها بعث الله ملكا يكتب من حسناته ويمحو من سيئاته الى الغد من تلك الساعة " يعنى انما صارت آية الكرسى اعظم الآيات لعظم مقتضاها فان الشىء انما يشرف بشرف ذاته ومقتضاه ومتعلقاته وآية الكرسى اقتضت التوحيد فى خمسين حرفا وسورة الاخلاص فى خمسة عشر حرفا. قال الامام فى الاتقان اشتملت آية الكرسى على ما لم تشتمل عليه آية فى اسماء الله تعالى وذلك انها مشتملة على سبعة عشر موضعا فيها اسم الله تعالى ظاهرا فى بعضها ومستكنا فى بعض وهى الله هو الحى القيوم وضمير لا تأخذه وله وعنده وباذنه ويعلم وعلمه وشاء وكرسيه ويأوده وضمير حفظهما المستتر الذى هو فاعل المصدر وهو العلى العظيم ويكفى فى استحقاقها السيادة ان فيها الحى القيوم وهو الاسم الاعظم كما ورد به الخبر عن سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وتذاكر الصحابة " افضل ما فى القرآن فقال لهم على اين انتم عن آية الكرسى ثم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا على سيد البشر آدم وسيد العرب محمد ولا فخر وسيد الفرس سلمان وسيد الروم صهيب وسيد الحبشة بلال وسيد الجبال الطور وسيد الايام يوم الجمعة وسيد الكلام القرآن وسيد القرآن البقرة وسيد البقرة آية الكرسى ". وعن على كرم الله وجهه عن النبى عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما قرئت هذه الآية فى دار الا اهتجرتها الشياطين ثلاثين يوما ولا يدخلها ساحر ولا ساحرة اربعين ليلة يا على علمها ولدك واهلك وجيرانك فما نزلت آية اعظم منها ". " وعن على ايضا سمعت نبيكم على اعواد المنبر وهو يقول " من قرأ آية الكرسى فى دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة الا الموت ولا يواظب عليها الا صديق او عابد ومن قرأها اذا اخذ مضجعه آمنه الله على نفسه وجاره وجار جاره والابيات حوله " عن محمد بن ابى بن كعب عن ابيه ان اباه اخبره انه كان له جرن فيه خضر فكان يتعاهده فوجده ينقص فحرسه ذات ليلة فاذا هو بدابة تشبه الغلام المحتلم قال فسلمت فرددت عليها السلام وقلت من انت جن ام انس قالت جن قلت ناولينى يدك فناولتنى يدها فاذا يد كلب وشعر كلب فقلت هكذا خلقة الجن قالت لقد علمت الجن ما فيهم اشد منى قلت ما حملك على ما صنعت قالت بلغنى انك رجل تحب الصدقة فاحببنا ان نصيب من طعامك فقال لها ابى فما الذى يجيرنا منكم قالت هذه الآية التى فى سورة البقرة الله لا اله الا هو الحى القيوم من قالها حين يصبح اجير منا حتى يمسى ومن قالها حين يمسى اجير منا حتى يصبح فلما اصبح أتى النبى عليه السلام فاخبره فقال النبى عليه السلام " صدق الخبيث " وروى ان رجلا أتى شجرة او نخلة فسمع فيها حركة فتكلم فلم يجب فقرأ آية الكرسى فنزل اليه شيطان فقال ان لنا مريضا فبم نداويه قال بالذى انزلتنى به من الشجرة. وخرج زيد بن ثابت الى حائط له فسمع فيه جلبة فقال ما هذا قال رجل من الجان اصابتنا السنة فاردنا ان نصيب من ثماركم أفتطيبونها قال نعم فقال له زيد بن ثابت ألا تخبرنى ما الذى يعيذنا منكم قال آية الكرسى. وبالجملة ان آية الكرسى من اعظم ما ينتصر به على الجن فقد جرب المجربون الذين لا يحصون كثرة ان لها تأثيرا عظيما فى طرد الشياطين عن نفس الانسان وعن المصروع وعمن تعينه الشياطين مثل اهل الشهوة والطرب وارباب سماع المكاء والتصدية واهل الظلم والغضب اذا قرئت عليهم بصدق كما فى آكام المرجان فى احكام الجان دل بر دردرا دوا قرآن جان مجروح را شفا قرآن هرجه جويى زنص قرآن جو كه بود كنج علمها قرآن وانما قال اذا قرئت عليهم بصدق لانه هو العمدة والصادق يبيض وجهه والكاذب يسود ألا ترى الى الصبح الصادق والكاذب كيف اعقب الاول شمس منير دون الثانى قال فى المثنوى هست تسبيحت بخار آب وكل مرغ جنت شد زنفخ صدق دل وكل ما وقع بطريق الحال وجد عنده التأثير بخلاف ما وقع بطريق القال فقط ولذا ترى اكثر الناس محرومين وان دعوا بالاسم الاعظم اللهم آت نفسى تقواها وزكها انت خير من زكاها آمين.

البقرة 2:256

{ لا إكراه فى الدين } قال بعضهم نزلت هذه الآية فى المجوس واهل الكتاب من اليهود والنصارى انه تقبل منهم الجزية ولا يكرهون على الاسلام ليس كمشركى العرب فانه لا يقبل منهم الا السيف او الاسلام ولا تقبل منهم الجزية ان اسلموا فيها والا قتلوا قال الله تعالى تقاتلونهم أو يسلمون الفتح 16. والمعنى لا اجبار فى الدين لان من حق العاقل ان لا يحتاج الى التكليف والالزام بل يختار الدين الحق من غير تردد وتلعثم لوضوح الحجة { قد تبين الرشد } هو لفظ جامع لكل خير والمراد ههنا الايمان الذى هو الرشد الموصل الى السعادة الابدية لتقدم ذكر الدين { من الغى } اى من الكفر الذى هو المؤدى الى الشقاوة السرمدية. قال الراغب الغى كالجهل يقال اعتبارا بالاعتقاد والغى اعتبارا بالافعال ولهذا قيل زوال الجهل بالعلم وزوال الغى بالرشد { فمن يكفر بالطاغوت } هو كل ما عبد من دون الله مما هو مذموم فى نفسه ومتمرد كالانس والجن والشياطين وغيرهم فلا يرد عيسى عليه الصلاة والسلام والكفر به عبارة عن الكفر باستحقاقه العبادة { ويؤمن بالله } بالتوحيد وتصديق الرسل لان الكفر بالانبياء والكتب يمنع حقيقة الايمان بالله لان الايمان بالله حقيقة يستلزم الايمان باوامره ونواهيه وشرائعه المعلومة بالدلائل التى اقامها الله لعباده وتقديم الكفر بالطاغوت على الايمان به تعالى لتوقفه عليه فان التخلية بالمعجمة متقدمة على التحلية بالمهملة { فقد إستمسك بالعروة الوثقى } اى بالغ فى التمسك بالحلقة الوكيدة. وعروة الجسم الكبير الثقيل الموضع الذى يتعلق به من يأخذ ذلك الجسم ويحمله. والوثقى فعلى للتفضيل تأنيث الاوثق كفضلى تأنيث الافضل { لا انفصام لها } اى لا انقطاع وهو استثناف لبيان قوة دلائل الحق بحيث لا يعتريها شىء من الشبه والشكوك فان العروة الوثقى استعارة المحسوس للمعقول لان من اراد امساك هذا الدين تعلق بالدلائل الدالة عليه ولما كانت دلائل الاسلام اقوى الدلائل واوضحها وصفها الله بانها العروة الوثقى. قال المولى ابو السعود الكلام تمثيل مبنى على تشبيه الهيئة المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحق الذى لا يحتمل النقيض اصلا لثبوته بالبراهين النيرة القطعية بالهيئة الحسية المنتزعة من التمسك بالحبل المحكم المأمون انقطاعه فلا استعارة فى المفردات { والله سميع } بالاقوال { عليم } بالعزائم والعقائد يعلم غيها ورشدها وباطلها وحقها ويجرى كلا على وفق عمله وقوله وعقده وهو ابلغ وعد ووعيد. واعلم ان حقيقة الايمان كونه متعلقا بالله على وجه الشهود والعيان ومجازه كونه متعلقا به على وجه الرسم والبيان او بالطاغوت وحقيقة الكفر كونه متعلقا بالطاغوت ومجازه كونه متعلقا بوحدة الله او بنعمته فان الكفر ثلاثة اقسام كفر النعمة وكفر الوحدة وكفر الطاغوت وافراد الانسان ثلاثة اقسام ايضا اصحاب الميمنة وهم ارباب الجمال ومظاهره واصحاب المشأمة وهم ارباب الجلال ومظاهره والمقربون وهم اصحاب الكمال ومظاهره وقلوب الفريق الاول فى ايدى سدنة الجمال الآلهى من الملائكة المقربين وقلوب الفريق الثانى فى ايدى سدنة الجلال الآلهى من الشياطين المتمردين يستعملونها فى سبيل الشرور وقلوب الفريق الثالث فى يد الله المتعال يد الله فوق ايدى سدنة الجمال والجلال يقلبها كيف يشاء بين التجليات العاليات والعلوم والمعارف الآلهيات ولما تعلق ايمان هذه الفرق بالله على وجه الشهود والعيان وتعلق كفرهم بالطاغوت جليا او خفيا كان ايمانهم وكفرهم حقيقيين وجاوزوا من عالم المجاز الى عالم الحقيقة واما الفريق الثانى فقد تعلق ايمانهم بالطاغوت مطلقا او خفيا وكفرهم بالوحدة والنعمة فكان ايمانهم وكفرهم مجازيين لكن ايمانهم مردود ككفرهم لانه لم يتعلق بالله اصلا بل كان كله مقصورا على الطاغوت ولذا لم يتجاوزوا من عالم المجاز اصلا ولم يصلوا الى قرب عالم الحقيقة جدا فضلا عن وصولهم الى عالم الحقيقة قطعا واما الفريق الاول فلما تعلق ايمانهم بالله على وجه الرسم والبيان لا بالطاغوت الجلى جدا ولم يتعلق ايمانهم به على وجه الشهود ولم يتعلق ايمانهم به على الاخلاص حين تعلق به على وجه الرسم والبيان لتعلقه ايضا بالطاغوت الخفى وتعلق كفرهم بالطاغوت الجلى فقط لا بالطاغوت لا بالطاغوت الخفى كان ايمانهم وكفرهم مجازيين ايضا لكن ايمانهم لم يكن ككفرهم مردودا بل كان مقبولا من وجه لعدم تعلقه بالطاغوت الجلى اصلا فان غلب تعلقه بالله على تعلقه بالطاغوت الخفى عند خاتمته فيدخل فى الفلاح ثم فى الآخرة ان تداركه الفضل الآلهى فبها ونعمت فيغفر والا فيدخل الجحيم ويعذب بكفره الخفى ثم يخرج لعدم كفره بالله جليا ويدخل النعيم لايمانه بالله جليا وكفره بالطاغوت وهم ايضا لم يصلوا الى عالم الحقيقة بل انما وصلوا الى قربه ولذا جاوزوا الجحيم ودخلوا النعيم فى قرب عالم الحقيقة ولذا كانوا بالنسبة الى نفس الحقيقة موطنين فى عالم المجاز والفرقة لا فى عالم الحقيقة والوصلة واما الفريق الثانى فهم مخلدون فى النار ابدا لايمانهم بالطاغوت مطلقا وكفرهم بالله كذلك ثم سعادة الفريق الثالث على ما هو المنصوص فى القرآن قطعية الثبوت فى آخر النفس وشقاوة الفريق الثانى وسعادة الفريق الاول ليست قطعية الثبوت بل محتملة الثبوت فى آخر النفس بالنظر الى الافراد لجواز التبدل والتغير فى عاقبة الامر الدنيوى بالنظر الى افرادهم هذا ما التقطته من الكتاب المسمى باللائحات البرقيات لشيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة.

البقرة 2:257

{ الله ولى الذين آمنوا } اى محبهم ومعينهم او متولى امورهم لا يكلهم الى غيره. فالولى قد يكون باعتبار المحبة والنصرة فيقال للمحب ولى لانه يقرب من حبيبه بالنصرة والمعونة لا يفارقه وقد يكون باعتبار التدبير والامر والنهى فيقال لاصحاب الولاية ولى لانهم يقربون القوم بان يدبروا امروهم ويراعوا مصالحهم ومهماتهم والمعنى الله ولى الذين اراد ايمانهم وثبت فى علمه انهم يؤمنون فى الجملة مآلا او حالا وانما اخرج عن ظاهره لان اخراج المؤمن بالفعل من الظلمات تحصيل الحاصل { يخرجهم من الظلمات } التى هى اعم من ظلمات الكفر والمعاصى وظلمات الشبه والشكوك بل مما فى بعض مراتب العلوم الاستدلالية من نوع ضعف وخفاء بالقياس الى مراتبها القوية الجلية بل مما فى جميع مراتبها بالنظر الى مرتبة العيان { إلى النور } الذى يعم نور الايمان ونور الايقان بمراتبه ونور العيان اى يخرج بهدايته وتوفيقه كل واحد منهم من الظلمة التى وقع فيها الى ما يقابلها من النور. وجمع الظلمات لان فنون الضلالة متعددة والكفر ملل وافرد النور لان الاسلام دين واجد ويسمى الكفر ظلمة لالتباس طريقه ويسمى الاسلام نورا لوضوح طريقه { والذين كفروا } اى الذين ثبت فى علمه كفرهم { أولياؤهم الطاغوت } اى الشياطين وسائر المضلين عن طريق الحق من الكهنة وقادة الشر وان حمل على الاصنام التى هى جمادات فالمعنى لا يكون على الموالاة الحقيقية التى هى المصادقة او تولى الامر بل يكون على ان الكفار يتولونهم اى يعتقدونهم ويتوجهون اليهم. والطاغوت تذكر وتؤنث وتوحد وتجمع { يخرجونهم } بالوساوس وغيرها من طريق الاضلال والاغواء { من النور } اى الايمان الفطرى الذى جبلوا عليه كافة { إلى الظلمات } اى ظلمات الكفر وفساد الاستعداد والانهماك فى الشهوات او من نور اليقينيات الى ظلمات الشكوك والشبهات واسناد الاخراج الى الطاغوت مجاز لكونها سببا له وذلك لا ينافى كون المخرج حقيقة هو الله تعالى فالآية لا تصلح ان تكون متمسكا للمعتزلة فيما ذهبوا اليه من ان الكفر ونحوه مما لا يكون اصلح للعبد ليس من الله تعالى بناء على انه اضاف الكفر الى الطاغوت لا الى نفسه { أولئك } اشارة الى الموصول باعتبار اتصافه بما فى حيز الصلة وما يتبعه من القبائح { أصحاب النار } اى ملابسوها وملازموها بسبب مالهم من الجرائم { هم فيها خالدون } ماكثون ابدا ولم يقل بعد قوله { يخرجهم من الظلمات إلى النور } اولئك اصحاب الجنة هم فيها خالدون تعظيما لشأن المؤمنين لان البيان اللفظى لا يفى بما اعد لهم فى دار الثواب. واعلم ان مراتب المؤمنين فى الايمان متفاوتة وهم ثلاث طوائف. عوام المؤمنين. وخواصهم. وخواص الخواص. فالعوام يخرجهم الله من ظلمات الكفر والضلالة الى نور الايمان والهداية كقوله تعالى والذين اهتدوا زادهم هدى محمد 17. والخواص يخرجهم من ظلمات الصفات النفسانية والجمسانية الى نور الروحانية الربانية كقوله تعالى الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكرالله الرعد 28. واطمئنان القلب بالذكر لم يكن الا بعد تصفيته عن الصفات النفسانية وتحليته بالصفات الروحانية. وخواص الخواص يخرجهم من ظلمات حدوث الحلقة الروحانية بافنائهم عن وجودهم الى نور تجلى صفة القدم لهم ليبقيهم به كقوله تعالى إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى الكهف 13 الآية. نسبهم الى الفتوة لما خاطروا بارواحهم فى طلب الحق وآمنوا بالله وكفروا بطاغوت دقيانوس فلما تقربوا الى الله بقدم الفتوة تقرب اليهم بمزيد العناية فاخرجهم من ظلمات النفسانية الى نور الروحانية فلما تنورت انفسهم بانوار ارواحهم اطمأنت الى ذكر الله وآنست به واستوحشت عن محبة اهل الدنيا وما فيها فاحبوا الخلاء كما كان حال النبى عليه الصلاة والسلام فى بدء الامر قالت عائشة رضى الله عنها اول ما بدئ به عليه الصلاة والسلام كان حبب اليه الخلاء ولعمرى هذا دأب كل طالب محق مريد صادق كذا فى التأويلات النجمية. قال الفخر الرازى بطريق الاعتراض ان جمعا من الصوفية يقولون الاشتغال بغير الله حجاب عن معرفة الله والانبياء عليهم الصلاة والسلام لا يدعون الخلق الا الى الطاعات والتكاليف فهم يشغلون الخلق بغير الله ويمنعونهم عن الاشتغال بالله فوجب ان لا يكون ذلك حقا وصدقا انتهى كلامه. يقول الفقير جامع هذه المجالس النفيسة هذا الاعتراض ليس بشىء فان الطاعات والتكاليف وسائل الى معرفة الله الملك اللطيف فالدعوة ليست الا الى معرفة الله حقيقة ألا يرى الى تفسير ابن عباس رضى الله عنهما عند قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون الذاريات 56 بقوله ليعرفون وانما عدل عنه الى ليعبدون مع انه خلاف مقتضى الظاهر حينئذ اشعارا بان المعرفة المقبولة هى التى تحصل بطريق العبادة فالاشتغال بغير الله وبغير عبادته حجاب أى حجاب ولذلك كان بدء حال السلف الخلاء والانقطاع عن الناس اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم واهتماما فى رفع الحجاب الحاصل بالاختلاط وفى المثنوى آدمى راهست درهر كار دست ليك ازو مقصود اين خدمت بدست ما خلقت الجن والانس اين بخوان جز عبادت نيست مقصود ازجهان تاجلا باشد مران آيينه را كه صفا آيد زطاعت سينه را

البقرة 2:258

{ ألم تر } اى ألم ينته علمك الذى يضاهى العيان فى الايقان وحقيقته اعلم باخبارنا فانه مفيد لليقين { إلى الذى } اى الى قصة الملك الذى { حاج } اى جادل وخاصم وقابل بالحجة { إبراهيم } فى معارضة ربوبيته { فى ربه } وفى التعرض لعنوان الربوبية مع ان الاضافة الى ضميره عليه الصلاة والسلام تشريف له وايذان بتأييده فى المحاجة والذى حاج هو نمرود ابن كنعان بن سام بن نوح وهو اول من وضع التاج على رأسه وتجبر وادعى الربوبية { أن آتاه الله الملك } اى لان آتاه فهو مفعول له لقوله حاج. وله معنيان. احدهما انه من باب العكس فى الكلام بمعنى انه وضع المحاجة موضع الشكر اذ كان من حقه ان يشكر فى مقابلة ايتاء الملك ولكنه عكس ما هو الحق الواجب عليه كما تقول عادانى فلان لانى احسنت اليه تريد انه عكس ما كان يجب عليه من الموالاة لاجل الاحسان. والثانى ان ايتاء الملك حمله على ذلك لانه اورثه الكبر والبطر فنشأ عنهما المحاجة والمعنى اعطاه كثرة المال واتساع الحال وملك جميع الدنيا على الكمال. قال مجاهد لم يملك الدنيا باسرها الا اربعة مسلمان وكافران فالمسلمان سليمان وذو القرنين والكافران نمرود وبخت نصر وهو شداد بن عاد الذى بنى ارم فى بعض صحارى عدن. ثم هو حجة على من منع ايتاء الله الملك للكافر وهم المعتزلة لان مذهبهم وجوب رعاية الاصلح للعبد على الله وايتاء الله الملك للكافر تسليط له على المؤمنين وذلك ليس باصلح لحال المؤمن قلنا انما ملكه امتحانا له ولعباده { إذ قال إبراهيم } ظرف لحاج { ربى الذى يحيى ويميت } روى انه عليه السلام لما كسر الاصنام سجنه ثم اخرجه ليحرقه فقال من ربك الذى تدعونا اليه قال { ربى الذى يحيى ويميت } اى يخلق الحياة والممات فى الاجساد وجواب ابراهيم فى غاية الصحة لانه لا سبيل الى معرفة الله الا بمعرفة صفاته وافعاله التى لا يشاركه فيها احد من القادرين والاحياء والاماتة من هذا القبيل { قال } كأنه قيل كيف حاجه فى هذه المقالة القوية الحقة فقيل قال { أنا أحيى وأميت } روى انه دعا برجلين قد حبسهما فقتل احدهما واطلق الآخر فقال قد احييت هذا وامت هذا فجعل ترك القتل احياء وكان هذا تلبيسا منه { قال إبراهيم } كأنه قيل فماذا قال ابراهيم لمن فى هذه الرتبة فى المحاجة وبماذا افحمه فقيل قال { فان الله } جواب شرط مقدر تقديره قال ابراهيم اذا ادعيت الاحياء والاماتة واتيت بمعارضة مموهة ولم تعلم معنى الاحياء فالحجة ان الله { يأتى بالشمس من المشرق } تحريكا قسريا حسبما تقتضيه مشيئته والباء للتعدية { فائت بها من المغرب } تسييرا طبيعيا فانه اهون ان كنت قادرا على مثل مقدوراته تعالى ولم يلتفت عليه السلام الى ابطاله مقالة اللعين ايذانا بان بطلانها من الجلاء والظهور بحيث لا يكاد يخفى على احد وان التصدى بابطالها من قبيل السعى فى تحصيل الحاصل واتى بمثال لا يجد اللعين فيه مجالا للتمويه والتلبيس فهو عدول عن مثال الى مثال آخر لايضاح كلامه وليس انتقالا من دليل الى دليل آخر لان ذلك غير محمود فى باب المناظرة { فبهت الذى كفر } اى صار مبهوتا ومتحيرا مدهوشا وايراد الكفر فى حيز الصلة للاشعار بعلة الحكم والتنصيص على كون المحاجة كفرا. قال فى اسئلة الحكم الحكمة فى طلوع شمس قرب القيامة من مغربها ان ابراهيم عليه الصلاة والسلام قال لنمرود { ان الله يأتى بالشمس من المشرق فائت بها من المغرب فبهت الذى كفر } وان السحرة والمنجمة عن آخرهم ينكرون ذلك وانه غير كائن فيطلعها الحق يوما من المغرب ليرى المنكرين قدرته وان الشمس فى ملكه ان شاء اطلعها من المشرق او المغرب { والله لا يهدى القوم الظالمين } اى الذين ظلموا انفسهم بتعريضها للعذاب المخلد بسبب اعراضهم عن قبول الهداية الى مناهج الاستدلال اى عن قبول الدلائل القطعية الدالة على الحق دلالة واضحة بالغة فى الوضوح والقوة الى حيث جعل الخصم مبهوتا متحيرا فمن ظلم نفسه بالامتناع عن قبول مثل هذه الدلائل لا يجعله الله مهتديا بها لان المعتبر فى دار التكليف ان يهتدى وقت اختيارهم الكفر والظلم اى لا يخلق فيهم فعل الهداية وهم يختارون فعل الضلال ويحتمل انه لا يهدى طريق الجنة فى الآخرة من كفر بالله فى الدنيا روى ان النمرود لما عتا عتوا كبيرا والقى ابراهيم فى النار بعد هذه المحاجة سلط الله على قومه البعوض فاكلت لحومهم وشربت دماءهم فلم يبق الا العظام والنمرود كما هو لم يصبه شىء فبعث الله بعوضة فدخلت فى منخره فمكث اربعمائة سنة تضرب رأسه بالمطارق فعذبه الله اربعمائة سنة كما ملك اربعمائة سنة وهو الذى بنى صرحا الى السماء ببابل فاتى الله بنياهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم قال الشيخ العطار قدس سره سوى او خصمى كه تير انداخته بشه كارش كفايت ساخته والاشارة ان الله تعالى اعطى النمرود ملكا ما اعطى لاحد قبله ادعى الربوبية ما ادعى بها احد قبله وذلك ان الله اعطى الانسان حسن استعداد لطلب الكمال فمن حسن استعداده فى الطلب وغاية لطافته فى الجوهر دائم الحركة فى طلب الكمال فحيثما توجه الكمال اخذ فى السير فيها الى اقصى مراتبها فى العلوى والسفلى فان وكل الى نفسه فى طلب الكمال فينظر بنظر الحواس الخمس الى المحسوسات وهى الدنيا فلا يتصور الا الدنيا فلا يتصور الكمال الا فيها فيأخذ فى السير لطلب الكمال وهذا السير موافق لسيره الطبيعى لانه خلق من تراب والتراب سفلى الطبع فيميل الى السفليات طبعا والدنيا هى السفل فيسير فيها بقدمى الطبع وطلب الكمال ففى البداية يرى الكمال فى جمع المال فيجمعه ثم يرى الكمال فى الجاه فيصرف المال فى طلب الجاه ثم يرى الكمال فى المناصب والحكم ثم يرى فى الامارة والسلطنة فيسير فيها ما لم يكن مانع الى ان يملك الدنيا باسرها كما كان حال النمرود ثم لا يسكن جوهر الانسان فى طلب الكمال بل كلما ازداد استغناؤه ازداد حرصه وكلما ازداد حرصه ازداد طلبه الى ان لا يبقى شىء من السفليات دون ان يملكه ثم يقصد العلويات والى الآن كان ينازع ملوك الارض والآن ينازع ملك الملوك ومالك الملك فى السموات والارض فيدعى الربوبية كالنمرود فانه كان سبب طغيانه استغناؤه قال تعالى إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى العلق 6-7. فاذا كمل استغناؤه كمل طغيانه حتى يكفر بالنعمة فهذا كله عند فساد جوهره لما وكل الى نفسه واذا اصلح جوهره بالتربية ولم يكله الى نفسه هدى الى جهة الكمال المستعد له كقوله أهدكم سبيل الرشاد غافر 38. فصاحب التربية وهو النبى او خليفته وهو الشيخ المرشد يربيه وتربيته فى تبرئته مما سوى الله الى ان بلغ حد كماله فى طلب الكمال وهو افناء الوجود فى وجود الموجود ليكون مفقودا عن وجوده موجودا بموجده فلما كان يقول عند فساد الجوهر وابطال حسن الاستعداد بالكمال انا احيى واميت فيقول عند صلاح الجوهر وصرف حسن الاستعداد فى طلب الكمال ما فى الوجود سوى الله فالمجد يدق بمطرقة لا اله الا الله دماغ نمرود النفس الى ان يؤمن بالله ويكفر بطاغوت وجوده ووجود كل موجود سوى الله والله لا يهدى القوم المشركين الى عالم التوحيد والشرك ظلم عظيم فالبشرك ضل من ضل فزل عن الصراط المستقيم كذا فى التأويلات النجمية. فعلى العاقل ان يتخلص من الشرك الخفى ويزكى نفسه عن سفساف الاخلاق ولا يغتر بالمال والمنال بل يرجع الى الله الملك المتعال. وقد وجدت صخرة عظيمة وعليها اسطر قديمة. فرحك بشىء من الدنيا دليل على بعدك من الله. وسكونك الى ما فى يدك دليل على قلة ثقتت بالله. ورجوعك الى الناس فى حال الشدة دليل على انك لم تعرف الله انتهى قال السعدى قدس سره شنيدم كه جمشيد فرخ سرشت بسر جشمة بر بسنكى نوشت برين جشمه جون مابسى دم زدند برفتند جون جشم برهم زدند كرفتيم عالم بمردى وزور وليكن نبرديم باخود بكور برفتند وهركس درود آنجه كشت نماند بجز نام نيكو وزشت اللهم اجعلنا من الذين طال عمرهم وحسن عملهم وقصر املهم وكمل عقلهم.

البقرة 2:259

{ أو كالذى مر على قرية } عطف على قوله ألم تر وتقديره اورأيت مثل الذى فعل كذا اى ما رأيت مثله فتعجب منه وتخصيصه بحرف التشبيه لان المنكر للاحياء كثير والجاهل بكيفيته اكثر من ان يحصى بخلاف مدعى الربوبية. والمار هو عزير بن شرخيا والقرية بيت المقدس على الاشهر الاظهر واشتقاقها من القرى وهو الجمع روى ان بنى اسرائيل لما بالغوا فى تعاطى الشر والفساد سلط الله عليهم بخت نصر البابلى فسار اليهم فى ستمائة الف راية حتى وطئ الشام وخرب بيت المقدس وجعل بنى اسرائيل اثلاثا ثلثا منهم قتلهم وثلثا منهم اقرهم بالشام وثلثا منهم سباهم وكانوا مائة الف غلام يافع وغير يافع فقسمهم بين الملوك الذين كانوا معه فاصاب كل ملك منهم اربعة غلمة وكان عزير من جملتهم فلما نجاه الله منهم بعد حين مر بحماره على بيت المقدس فرآه على افظع مرأى واوحش منظر وذلك قوله { وهى خاوية على عروشها } اى خالية عن اهلها وساقطة على سقوفها بان سقطت العروش ثم الحيطان سقطت عليها من خوت المرأة وخويت خوى اى خلا جوفها عند الولادة وخوت الدار خواء بالمد وخوى البيت خوى بالقصر اى سقط والعرش سقف البيت ويستعمل فى كل ما هيئ ليستظل به { قال أنى يحيى هذه الله بعد موتها } اى يعمر الله تعالى هذه القرية بعد خرابها على هذا الوجه اذ ليس المراد بالقرية اهلها بل نفسها بدليل قوله { وهى خاوية على عروشها } لم يقله على سبيل الشك فى القدرة بل على سبيل الاستبعاد بحسب العادة { فأماته الله } اى جعله ميتا { مائة عام } روى انه لما دخل القرية نزل تحت ظل شجرة وهو على حمار فربط حماره وطاف فى القرية ولم ير بها احدا فقال ما قال وكانت اشجارها قد اثمرت فتناول من فواكهها التين والعنب وشرب من عصير العنب ونام فاماته الله فى منامه وهو شاب وكان معه شىء من التين والعنب والعصير وكانت هذه الاماتة عبرة لا انقضاء مدة كاماتة الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف وامات حماره ايضا ثم اعمى الله عن جسده وجسد حماره ابصار الانس والسباع والطير فلما مضى من موته سبعون سنة وجه الله ملكا عظيما من ملوك فارس يقال له يوشك الى بيت المقدس ليعمره ومعه الف قهرمان مع كل قهرمان ثلاثمائة الف عامل فجعلوا يعمرون واهلك الله بخت نصر ببعوضة دخلت دماغه ونجى الله من بقى من بنى اسرائيل وردهم الى بيت المقدس وتراجع اليه من تفرق منهم فى الاكناف فعمروه ثلاثين سنة وكثروا وكانوا كاحسن ما كانوا فلما تمت المائة من موت العزير احياه الله تعالى وذلك قوله تعالى { ثم بعثه } من بعثت الناقة اذا اقمتها من مكانها ويوم القيامة يسمى يوم البعث لانهم يبعثون من قبورهم وانما قا ثم بعثه ولم يقل ثم احياه لانه قوله ثم بعثه يدل على انه عاد كما كان اولا حيا عاقلا فاهما مستعدا للنظر والاستدلال فى المعارف الآلهية ولو قال ثم احياه لم تحصل هذه الفوائد { قال } كأنه قيل فماذا قال بعد بعثه فقيل قال الله تعالى او ملك مأمور من قبله تعالى { كم } يوما او وقتا { لبثت } يا عزير ليظهر له عجزه عن الاحاطة بشئونه تعالى وان احياءه ليس بعد مدة يسيرة ربما يتوهم انه هين فى الجملة بل مدة طويلة وتنحسم به مادة استبعاده بالمرة ويطلع فى تضاعيفه على امر آخر من بدائع آثار قدرته تعالى وهو ابقاء الغذاء المتسارع الى الفساد بالطبع على ما كان عليه دهرا طويلا من غير تغير ما { قال لبثت يوما او بعض يوم } كقول الظان قاله بناء على التقريب والتخمين او استقصار المدة لبثه { قال } ما لبثت ذلك المقدار { بل لبثت مائة عام } يعنى كنت ميتا هذه المدة { فانظر } لتعاين امرا آخر من دلائل قدرتنا { إلى طعامك وشرابك لم يتسنه } اى لم يتغير فى هذه المدة المتطاولة مع تداعيه الى الفساد روى انه وجد تينه وعنبه كما جنى وعصيره كما عصر والجملة المنفية حال بغير واو من الطعام والشراب لان المضارع المنفى اذا وقع حالا يجوز ان يكون بالواو وبدونها وافراد الضمير مع ان الظاهر ان يقال لم يتسنها او لم يتسنيا لان المذكور قبله شيآن الطعام والشراب لجريانهما مجرى الواحد كالغذاء. والهاء فى لم يتسنه ان كانت اصلية فهو من السنة التى اصلها سنهة وان كانت هاء سكت فهو من السنة التى اصلها سنوة واستعمال لم يتسنه فى معنى لم يتغير من قبيل استعمال اللفظ فى لازم معناه لان المعنى الاصلى لقولنا تسنه او تسنى مرت عليه السنون والاعوام ويلزمه التغيير { وانظر إلى حمارك } كيف نخرت عظامه وتفرقت وتقطعت اوصاله وتمزقت ليتبين لك ما ذكر من لبثك المديد وتطمئن به نفسك { ولنجعلك آية } كائنة { للناس } الواو استئنافية واللام متعلقة بمحذوف والتقدير فعلنا ذلك اى احياءك واحياء حمارك وحفظ ما معك من الطعام والشراب لنجعلك آية للناس الموجودين فى هذا القرن بان يشاهدوك وانت من اهل القرون الخالية ويأخذوا منك ما طوى عنهم منذ احقاب من علم التوراة { وانظر إلى العظام } تكرير الامر مع ان المراد عظام الحمار ايضا لما ان المأمور به اولا هو النظر اليها من حيث دلالتها على ما ذكر من اللبث المديد وثانيا هو النظر اليها من حيث تعتريها الحياة ومباديها اى وانظر الى عظام الحمار لتشاهد كيفية الاحياء فى غيرك بعد ما شاهدت نفسه فى نفسك { كيف ننشزها } يقال انشزته فنشز اى رفعته فارتفع اى نرفع بعضها من الارض الى بعض ونردها الى اماكنها من الجسد فتركبها تركيبا لائقا بها. والجملة حال من العظام والعامل فيها انظر تقديره انظر الى العظام محياة او بدل من العظام على حذف المضاف والتقدير انظر الى حال العظام { ثم نكسوها لحما } اى نسترها به كما يستر الجسد باللباس وانما وحد اللحم مع جمع العظام لان العظام متفرقة متعددة صورة واللحم متصل متحد مشاهدة ولعل عدم التعرض لكيفية نفخ الروح لما انها مما لا تقتضى الحكمة بيانه روى انه سمع صوتا من السماء ايتها العظام البالية المتفرقة ان الله يأمرك ان ينضم بعضك الى بعض كما كان وتكتسى لحما وجلدا فالتصق كل عظم بآخر على الوجه الذى كان عليه اولا وارتبط بعضها ببعض بالاعصاب والعروق ثم انبسط اللحم عليه ثم انبسط الجلد عليه ثم خرجت الشعور من الجلد ثم نفخ فيه الروح فاذا هو قائم ينهق { فلما تبين له } اى ظهر له احياء الميت عيانا { قال أعلم أن الله على كل شىء } من الاشياء التى من جملتها ما شاهده فى نفسه وفى غيره من تعاجيب الآثار { قدير } لا يستعصى عليه امر من الامور روى انه ركب حماره واتى محلته وانكره الناس وانكر الناس وانكر المنازل فانطلق على وهم منه حتى اتى منزله فاذا هو بعجوز عمياء مقعدة قد ادركت زمن عزير فقال لها عزير يا هذه هذا منزل عزير قالت نعم واين ذكرى عزير وقد فقدناه منذ كذا وكذا فبكت بكاء شديدا قال فانى عزير قالت سبحان الله أنى يكون ذلك قال قد أماتنى الله مائة عام ثم بعثنى قالت ان عزيرا كان رجلا مستجاب الدعوة فادع الله لى برد بصرى حتى اراك فدعا ربه ومسح بين عينيها فصحتا فاخذ بيدها فقال قومى باذن الله فقامت صحيحة كأنها نشطت من عقال فنظرت اليه فقالت اشهد انك عزير فانطلقت الى محلة بنى اسرائيل وهم فى انديتهم وكان فى المجلس ابن العزير قد بلغ مائة وثمانى عشرة سنة وبنوا بنيه شيوخ فنادت هذا عزير قد جاءكم فكذبوها فقالت انظروا فانى بدعائه رجعت الى هذه الحالة فنهض الناس فاقبلوا اليه فقال ابنه كان لأبى شامة سوداء بين كتفيه مثل الهلال فكشف فاذا هو كذلك وقد كان قتل بخت نصر بيت المقدس من قراء التوراة اربعين الف رجل ولم يكن يومئذ بينهم نسخة من التوراة ولا احد يعرف التوراة فقرأها عليهم عن ظهر قلبه من غير ان يخرم منها حرفا اى ينقص ويقطع فقال رجل من اولاد المسبيين ممن ورد بيت المقدس بعد مهلك بخت نصر حدثنى ابى عن جدى انه دفن التوراة يوم سبينا فى خابية فى كرم فان أريتمونى كرم جدى اخرجتها لكم فذهبوا الى كرم جده ففتشوه فوجدوها فعارضوها بما املى عليهم عزير عليه السلام عن ظهر القلب فما اختلفا فى حرف واحد فعند ذلك قالوا عزير ابن الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وفى القصة تنبه على ان الداعى اذا راعى آداب الدعاء اجيب سريعا من غير مشقة تلحقه واذا ترك الادب لحقته المشقة وابطأت الاجابة فان ابراهيم عليه السلام لما قال رب أرنى كيف تحيى الموتى البقرة 260 وبدأ بالثناء ثم سأل احياء الموتى اراه اله ذلك فى غيره فانه اراه فى طيره وعجل له ذلك على فوره وعزير قال { أنى يحيى هذه الله بعد موتها } فأرى ذلك فى نفسه بعد مائة عام مضت على موته قال السعدى نبايد سخن مفت ناساخته نشايد بريدن نينداخته والاشارة فى تحقيق الآية ان قوما انكروا حشر الاجساد مع انهم اعتقدوا واقروا بحشر الارواح وقالوا الارواح كان تعلقها بالاجساد لاستكمالها فى عالم المحسوس كالصبى يبعث الى المكتب ليتعلم الادب فلما حصل مقصوده من التعلم بقدر استعداده وحرج من المكتب ودخل محفل اهل الفضل وصاحبهم سنين كثيرة واستفاد منهم انواع العلوم التى لم توجد فى المكتب الا انه استفاد العلوم من الفضلاء بقوة ادبه الذى تعلمه فى المكتب وصار فاضلا فى العلوم فما حاجته بعد ان كبر شأنه وعظم قدره الى ان يرجع الى المكتب وحالة صباه فكذا الارواح لما خرجت من سجن الاشباح واتصلت بالارواح المقدسة بقوة علوم الجزئيات التى حصلتها من عالم الحس واستفادت من الارواح العلوية علم الكليات التى لم توجد فى عالم الحس فما حاجتها الى ان ترجع الى سجن الاجساد فكانت نفوسهم تسول لهم هذه التسويلات والشيطان يوسوسهم بمثل هذه الشبهات فالله سبحانه من كمال فضله ورحمته على عباده المخلصين امات عزيرا مائة سنة وحماره معه ثم احياهما جميعا ليستدل به العقلاء على ان الله مهما يحيى عزير الروح يحيى معه حمار جسده فلا يشك العاقل بتسويل النفس ووسوسة الشيطان وشبهات الفلسفى فى حشر الاجساد فكما ان عزير الروح يكون فى مقعد صدق عند مليك مقتدر يكون حمار جسده فى الجنة فلعزير الروح مشرب من كؤوس تجلى صفحات الجمال والجلال عن ساقى وسقاهم ربهم شرابا طهورا والحمار الجسد مشرب من انهار الجنات وحياض رياض ولكم فيها ما تشتهيه الانفس وتلذ الاعين وقد علم كل اناس مشربهم شربنا واهرقنا على الارض جرعة وللأرض من كأس الكرام نصيب كذا فى التأويلات النجمية.

البقرة 2:260

{ وإذ قال إبراهيم } اى اذكر وقت قوله وذكر الوقت يوجب ذكر ما وقع فى ذلك الوقت من الحوادث بالطريق البرهانى { رب } كلمة استعطاف قدمت بين الدعاء مبالغة فى استدعاء الاجابة { أرنى كيف تحيى الموتى } اى بصرنى كيفية احيائك للموتى بان تحييها وانا انظر اليها انما سأل ذلك ليصير علمه عيانا وقد شرفه الله بعين اليقين بل بحق اليقين الذى هو اعلى المقامات. والفرق ان علم اليقين هو المستفاد من الاخبار. وعين اليقين هو المعاينة لامرية فيه قال تعالى فى حق الكفار ثم لترونها عين اليقين التكاثر 7. فلما دخلوا النار وباشروا عذابها قال تعالى فنزل من حميم وتصلية حجيم إن هذا لهو حق اليقين الواقعة 93-95. { قال } ربه { أولم تؤمن } اى ألم تعلم يقينا ولم تؤمن بانى قادر على الاحياء باعادة التركيب والحياة قاله عز وعلا مع علمه بانه اعرف الناس بالايمان يظهر ايمانه لكل سامع بقوله بلى فيعلم السامعون غرضه من هذا القول وهو الوصول الى العيان { قال } ابراهيم { بلى } علمت وآمنت بذلك { ولكن } سألت ما سألت { ليطمئن قلبى } اى ليسكن ويحصل طمأنينته بالمعاينة فان عين اليقين يوجب الطمأنينة لا علمه. فان قلت ما معنى قول على رضى الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. قلت ما ازددت يقينا بالايمان بها وكان اذ رأى الآخرة ابصر بها من الفضائل والهيآت ما لم يحط به قبل ذلك وكذلك ابراهيم لما رأى كيفية الاحياء وقف على ما لم يقف عليه قبل { قال } ربه ان اردت ذلك { فخذ اربعة من الطير } طاووسا وديكا وغرابا وحمامة ومنهم من ذكر النسر بدل الحمام وانما خص الطير لانه اقرب الى الانسان واجمع لخواص الحيوان { فصرهن } من صاره يصوره وبكسر الصاد من صاره يصيره والمعنى واحد اى املهن واضممهن واجمعهن { اليك } لتتأملها وتعرف اشكالها مفصلة حتى تعلم بعد الاحياء ان جزأ من اجزائها لم ينتقل من موضعه الاول اصلا روى انه امر بان يذبحها وينتف ريشها ويقطعها ويفرق اجزاءها ولحومها ويمسك رؤسها ثم امر بان يجعل اجزاءها على الجبال وذلك قوله تعالى { ثم اجعل على كل جبل } من الجبال التى بحضرتك وكانت سبعة او اربعة فجزأها اربعة اجزاء فقال تعالى ضع على كل جبل { منهن } اى من كل الطيور { جزأ ثم ادعهن } قل لهن تعالين باذن الله تعالى { يأتينك سعيا } اى ساعيات مسرعات طيرانا او مشيا ففعل كما امره فجعل كل جزء يطير الى آخر حتى صارت جثثا ثم اقبلن فانضمت كل جثة الى رأسها فعادت كل واحدة الى ما كانت عليه من الهيئة وجعل ابراهيم ينظر ويتعجب { واعلم أن الله عزيز } غالب على امره لا يعجزه شىء عما يريده { حكيم } ذو حكمة بالغة فى افاعيله فليس بناء افعاله على الاسباب العادية لعجزه عن ايجادها بطريق آخر خارق للعادات بل لكونه متضمنا للحكم والمصالح. قال القشيرى طلب ابراهيم عليه السلام بهذه حياة قلبه فاشير اليه بذبح الطيور. وفى الطيور الاربعة اربعة معان هى فى النفس فى الطاووس زينة. وفى الغراب امل. وفى الديك شهوة. والبط حرص فاشار الى انه ما لم يذبح نفسه بالمجاهدة لم يحى قلبه بالمشاهدة وفى المثنوى حرص بط يكتاست اين بنجاه تاست حرص شهوت مار ومنصب ازدهاست حرص بط از شهوت حلقست وفرج در رياست بيست جند انست درج صد خرونده كنجد اندر كرد خوان دو رياست در نكنجد درجهان كاغ كاغ ونعره زاغ سياه دائما باشد بدنيا عمر خواه همجو ابليس از خداى باك فرد تا قيامت عمرتن در خواست كرد عمرو مرك اين هردو باحق خوش بود بى خدا آب حيات آتش بود عمر خوش در قرب جان بروردنست همر زاغ از بهر سركين خوردنست قال فى التأويلات النجمية الطيور الاربعة هى الصفات الاربع التى تولدت من العناصر الاربعة التى خمرت طينة الانسان منها وهى التراب والماء والنار والهواء فتولدت من ازدواج كل عنصر مع قرينه صفتان فمن التراب وقرينه الماء تولد الحرص والبخل وهما قرينان حيث وجد احدهما وجد قرينه ومن النار وقرينها الهواء تولد الغضب والشهوة وهما قرينان يوجدان معا ولكل واحدة من هذه الصفات زوج خلق منها ليسكن اليها كحواء وآدم ويتولد منها صفات اخرى فالحرص زوجه الحسد والبخل زوجه الحقد والغضب زوجه الكبر وليس للشهوة اختصاص بزوج معين بل هى كالمعشوقة بين الصفات فيتعلق بها كل صفة ولها منها متولدات يطول شرحها فهى الابواب السبعة للدركات السبع من جهنم منها يدخل الخلق جهنم التى لها سبعة ابواب لكل باب منهم جزء مقسوم يعنى من الخلق فمن كان الغالب عليه صفة منها فيدخل النار من ذلك الباب فامر الله خليله بذبح هذه الصفات وهى الطيور الاربعة طاووس البخل فلو لم يزين المال فى نظر البخيل كما زين الطاووس بألوانه ما بخل به وغراب الحرص وهو من حرصه اكثر فى الطلب وديك الشهوة وهو بها معروف ونسر الغضب ونسبته اليه لتصريفه فى الطيران فوق الطيور وهذه صفة المغضب فلما ذبح الخليل بسكين الصدق هذه الطيور وانقطعت منه متولداتها ما بقى له باب يدخل منه النار فلما القى فيها بالمنجنيق قهرا صارت النار عليه بردا وسلاما. والاشارة بتقطيعها بالمبالغة ونتف ريشها وتفريق اجزائها وتخليط ريشها ودمائها ولحومها بعضها ببعض اشارة الى محو آثار الصفات الاربع المذكورة وهدم قواعدها على يدى ابراهيم الروح بامر الشرع ونائب الحق وهو الشيخ. والامر بتقسيم اجزائها وجعلها على كل جبل جزأ فالجبال الاربعة هى النفوس التى جبل الانسان عليها. اولها النفس النامية وتسمى النفس النباتية. وثانيها النفس الامارة وتسمى الروح الحيوانى. وثالثها قوة الشيطنة وتسمى الروح الطبيعى. ورابعها قوة الملكية وهو الروح الانسانى فطيور الصفات لما ذبحت وقطعت وخلطت اجزاء بعضها بعض ووضع على كل جبل روح ونفس وقوة منها جزء بامر الشرع تكون بمثابة اشجار وزروع تجعل عليها الترب المخلوطة بالزبل والقاذورات باستصواب دهقان ذى بصارة فى الدهقنة بمقدار معلوم ووقت معلوم ثم يسقيها بالماء ليتقوى الزرع بقوة الترب والزبل وتتصرف النفس النامية النباتية فى الترب المخلوطة الميتة فتحييها باذن الله تعالى كقوله تعالى فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيى الأرض بعد موتها الروم 50. فكذلك الصفات الاربع وهى الحرص والبخل والشهوة والغضب مهما كانت كل واحدة منها على حالها غالبة على الجوهر الروحانى تكدر صفاءه وتمنعه من الرجوع الى مقامه الاصلى ووطنه الحقيقى فاذا كسرت سطوتها ووهنت قوتها واميتت شعلتها ومحيت آثار طباعها بامر الشرع وخلطت اجزاؤها المتفرقة بعضها ببعض ثم قسمت باربعة اجزاء وجعل كل جزء منها على جبل قوة او نفس او روح فيتقوى كل واحد من هؤلاء بتقويتها ويتربى بتربيتها فيتصرف فيها الروح الانسانى فيحييها ويبدل تلك الظلمات التى هى من خصائص تلك الصفات المذمومة بنور هو من خصائص الروح الانسانى والملكى فتكون تلك الصفات ميتة عن اوصافها حية باخلاق الروحانيات انتهى كلام التأويلات.

البقرة 2:261

{ مثل } نفقات { الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله } اى فى وجوه الخيرات من الواجب كالزكاة والنفل وقدر فى الكلام حذف لان الذين ينفقون لا يشبهون الحبة لانه لا يشبه الحيوان بالجماد بل نفقاتهم تشبه الحبة { كمثل حبة } لزراع زرعها فى ارض عامرة والحبة واحدة الحب وهو ما يزرع للاقتيات واكثر اطلاقه على البر { أنبتت } اىاخرجت واسناد الانبات الى الحبة مجاز { سبع سنابل } اى ساقات تشعب منها سبع شعب لكل واحدة منها سنبلة { فى كل سنبلة مائة حبة } كما يشاهد ذلك فى الذرة والدخن فى الاراضى المغلة بل اكثر من ذلك { والله يضاعف } تلك المضاعفة الى ما شاء الله تعالى { لمن يشاء } ان يضاعف له بفضله وعلى حسب حال المنفق من اخلاصه وتعبه ولذلك تفاوتت مراتب الاعمال فى مقادير الثواب { والله واسع } لا يضيق عليه ما يتفضل به من الزيادة { عليم } بنية المنفق ومقدار انفاقه وكيفية تحصيل ما انفقه. فمثل المتصدق كمثل الزارع اذا كان حاذقا فى عمله وكان البذر جيدا وكانت الارض عامرة يكون الزرع اكثر. فكذلك المتصدق اذا كان صالحا والمال طيبا ووضع فى موضعه يكون الثواب اكثر كما روى فى الحديث عن ابى هريرة رضى الله عنه عن النبى عليه السلام انه قال " من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربى احدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل " وانما ذكر النبى عليه السلام التربية فى الصدقة وان كان غيرها من العبادات يزيد ايضا بقبوله اشارة الى ان الصدقة فريضة كانت او نافلة احوج الى تربية الله لثبوت النقيصة فيها بسبب حب الطبع الاموال وفى الحديث " صدقة المؤمن تدفع عن صاحبها آفات الدنيا وفتنة القبر وعذاب يوم القيامة ". وفى الحديث " السخاوة شجرة اصلها فى الجنة واغصانها متدليات فى دار الدنيا فمن تعلق بغصن منها يسوقه الى الجنة والبخل شجرة اصلها فى النار واغصانها متدليات فى دار الدنيا فمن تعلق بغصن منها يسوقه الى النار ". وفى الحديث " الساعى على الارملة والمسكين كالمجاهد فى سبيل الله ". اى الكاسب لتحصيل مؤنتهما كالمجاهد لان القيام بمصالحهما انما يكون بصبر عظيم وجهاد نفس لئيم فيكون ثوابه عظيما وفى بستان الشيخ السعدى قدس سره يكى از بزركان اهل تميز حكايت كند زابن عبد العزيز كه بودش نكينى در انكشترى فرومانده ازقيمتش مشترى بشب كفتى آن جرم كيتى فروز درى بود در روشنايى جوروز قضارا در آمد يكى خشك سال كه شد بدر سيماى مردم هلال جو درمردم آرام وقوت نديد خود آسوده بودن مروت نديد جو بيند كسى زهر دركام خلق كيش بكذرد آب شيرين بحلق بفرمود بفروختندش بسيم كه رحم آمدش بر فقير ويتيم بيك هفته نقدش بتاراج داد بدرويش ومسكين ومحتاج داد فتادند دروى ملامت كنان كه ديكر بدستت نيايد جنان شنيدم كه ميكفت باران دمع فروميدويدش بعارض جوشمع كه زشتست بيرايه بر شهريار دل شهرى از نا توانى فكار مراشايد انكشترى بى تكين نشايد دل خلق اندوهكين خنك آنكه آسايش مرد وزن كزيند بر آسايش خويشتن نكردند رغبت هنر بروران بشادئ خويش از غم ديكران واعلم ان الاعمال بالنيات. فان قلت ما معنى قوله عليه السلام " نية المؤمن خير من عمله ". قلت مورد الحديث ان عثمان رضى الله تعالى عنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم انه وعد بثواب عظيم على حفر بئر فنوى ان يحفرها فسبق اليه كافر فحفرها فقال عليه السلام " نية المؤمن خير من عمله " اى عمل الكافر. والجواب الثانى ان النية المجردة من المؤمن خير من عمله المجرد عن النية لانه اذا فعل فعل الخير بغير نية يكون عمله مع النية خيرا من ذلك لكن قال بعضهم ليس فى بعض الاعمال اجر بغير نية كالصلاة لا تجوز بغير نية ولا يحتاج بعض الاعمال الى النية كقراءة القرآن والاذكار. ثم اعلم ان الانفاق على مراتب. انفاق العامة بالمال فاجرهم الجنة. وانفاق الخواص اصلاح الحال بتزكية النفس وتصفية القلب فاجرهم يوم القيامة النظر الى وجه الله تعالى فينبغى للمؤمن ان يزكى نفسه ويصفى قلبه من حب المال بالانفاق فى سبيل الله الملك المتعال حتى ينال الشرف فى الجنان ويحترز عن البخل حتى لا يكون عند الله تعالى من الخاسرين.

البقرة 2:262

{ الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله } اى يضعونها فى مواضعها { ثم } لاظهار علو رتبة المعطوف { لا يتبعون ما أنفقوا } العائد محذوف اى ما انفقوه { منا } وهو ان يعتد على من احسن اليه باحسانه ويريه انه اوجب بذلك عليه حقا اى لا يمنون عليهم بما تصدقوا بان يقول المتصدق المان اصطنعتك كذا خيرا واحسنت اليك كثيرا { ولا أذى } وهو ان يتطاول عليه بسبب انعامه عليه اى لا يؤذيه بان يقول المتصدق المؤذى انى قد اعطيتك فما شكرت او الى كم تأتينى وتؤذينى او كم تسأل ألا تستحيى او انت ابدا تجيئنى بالابرام فرج الله عنى منك وباعد ما بينى وبينك { لهم أجرهم عند ربهم } ثوابهم فى الآخرة وتخلية الخبر عن الفاء المفيدة لسببية ما قبلها لما بعدها للايذان بان ترتب الاجر على ما ذكر من الانفاق وترك المن والاذى امر بين لا يحتاج الى التصريح بالسببية { ولا خوف عليهم } مما يستقبلهم من العذاب { ولا هم يحزنون } على ما خلفوا من امور الدنيا روى ان الحسن بن على رضى الله عنهما اشتهى طعاما فباع قميص فاطمة بستة دراهم فسأله سائل فاعطاها ثم لقى رجلا يبيع ناقة فاشتراها باجل وباعها من آخر فاراد ان يدفع الثمن الى بائعها فلم يجده فحكى القضية الى النبى عليه السلام فقال اما السائل فرضوان واما البائع فيمكائيل واما المشترى فجبرائيل فنزل قوله تعالى { الذين ينفقون اموالهم } الآية. قال بعض اهل التفسير نزلت هذه الآية والتى قبلها فى عثمان وعبد الرحمن رضى الله عنهما. اما عثمان فجهز جيش العسرة فى غزوة تبوك بالف بعير باقتابها والف دينار فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده يقول " يا رب رضيت عنه فارض عنه ". واما عبد الرحمن بن عوف فتصدق بنصف ماله اربعة آلاف دينار فقال عندى ثمانية آلاف فامسكت منها لنفسى وعيالى اربعة آلاف واربعة آلاف اقرضتها ربى فقال عليه السلام " بارك الله لك فيما امسكت وفيما اعطيت ". فهذه حال عثمان وعبد الرحمن رضى الله عنهما حيث تصدقا ولم يخطر ببالهما شىء من المن والاذى. قال بعضهم المن يشبه بالنفاق والاذى يشبه بالرياء. ثم قال بعضهم اذا فعل ذلك فلا اجر له وعليه وزر فيما من وآذى على الفقير. قال وهب فلا اجر له ولا وزر له. وقال بعضهم له اجر الصدقة ولكن ذهبت مضاعفته وعليه الوزر بالمن. واعلم ان الله تعالى نهى عباده ان يمنوا على احد بالمعروف مع انه تعالى قد من على عباده كما قال بل الله يمن عليكم الحجرات 17. وذلك لان الله تعالى تام الملك والقدرة وملكه وقدرته ليس بغيره والعبد وان كان فيه خصال الخير فتلك خصاله من الله ولم يكن ذلك بقوة العبد فالعبد ناقص والناقص لا يجوز له ان يمن على احد او يمدح نفسه والمن ينقص قدر النعمة ويكدرها لان الفقير الآخذ منكسر القلب لاجل حاجته الى صدقة غيره معترف باليد العليا للمعطى فاذا اضاف المعطى الى ذلك اظهار ذلك الانعام زاد ذلك فى انكسار قلبه فيكون فى حكم المضرب به بعد ان نفعه وفى حكم المسيئ اليه بعد ان احسن اليه قال الحسين الكاشفى قدس سره آنجه كه بدهى جودهنده خداست منت بيهوده نهادن خطاست هرجه دهى مى ده ومنت منه وآنجه بشيمان شوى آن هم مده وقال السعدى قدس سره جو انعام كردى مشوخود برست كه من سرورم ديكران زيردست جوبينى دعا كوى دولت هزار خداوندرا شكر نعمت كذار كه جشم ازتودارند مردم بسى نه توجشم دارى بدست كسى قيل ان ابراهيم عليه السلام كان له خمسة آلاف قطيع من الغنم وعليها كلاب المواشى باطواق الذهب فتمثل له ملك فى صورة البشر وهو ينظر اغنامه فى البيداء فقال الملك سبوح قدوس رب الملائكة والروح فقال ابراهيم عليه السلام كرر ذكر ربى ولك نصف ما ترى من اموالى فكرر الملك فنادى ثانيا كرر تسبيح ربى ولك جميع ما ترى من مالى فتعجب الملائكة فقالوا جدير ان يتخذك الله خليلا ويجعل لك فى الملل والنحل ذكرا جميلا وفى المثنوى قرض ده زين دولت اندر اقرضوا تاكه صد دولت به بينى بيش رو اندكى زين شرب كم كن بهر خويش تاكه حوض كوثرى يابى به بيش وفى نوابغ الكلم " صنوان من منح سائله ومن. ومن منع نائله وضن ". واعلم ان الناس على ثلاث طبقات. الاولى الاقوياء وهم الذين انفقوا جميع ما ملكوا وهؤلاء صدقوا فيما عاهدوا الله عليه من الحب كما فعل ابو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه. والثانية المتوسطون وهم الذين لم يقدروا على اخلاء اليد عن المال دفعة ولكن امسكوه لا للتنعم بل للانفاق عند ظهور محتاج اليه وقنعوا فى حق انفسهم بما يقويهم على العبادة والثالثة الضعفاء وهم المقتصرون على اداء الزكاة الواجبة اللهم اجعلنا من المتجردين عن غيرك والقانعين بك عما سواك.

البقرة 2:263

{ قول معروف } رد جميل وهو ان يرد السائل بطريق جميل حسن تقبله القلوب والطباع ولا تنكره { ومغفرة } اى ستر لما وقع من السائل الالحاف فى المسألة وغيره مما يثقل على المسئول وصفح عنه { خير من صدقة يتبعها اذى } لان من جمع بين نفع الفقير واضراره حرم الثواب فان قالوا أى خير فى الصدقة التى فيها اذى حتى يقال هذا خير منه قلنا يعنى عندكم كذلك وهو كقوله تعالى قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة الجمعة 11. اى عندكم ذلك خير لكن اعلموا ان هذا خير لكم فى الدنيا والآخرة مما تعدونه انتم خيرا { والله غنى } عما عندكم من الصدقة لا يحوج الفقراء الى تحمل مؤونة المن والاذى ويرزقهم من جهة اخرى { حليم } لا يعاجل اصحاب المن والاذى بالعقوبة لا انهم لا يستحقونها بسببهما. وفيه من السخط والوعيد لهم ما لا يخفى. قال فى مجالس حضرة الهدائى قدس سره وانما كان الرد الجميل خيرا من صدقة المان والمؤذى لان القول الحسن وان كان بالرد يفرح قلب السائل ويروح روحه ونفع الصدقة لجسده وسراية السرور لقلبه بالتبعية من تصور النفع فاذا قارن ما ينفع الجسد بما يؤذى الروح يكدر النفع حينئذ ولا ريب ان ما يروح الروح خير مما ينفع الجسد لان الروحانية اوقع فى النفوس واشرف. قال الشعبى من لم ير نفسه الى ثواب الصدقة احوج من الفقير الى صدقته فقد ابطل صدقته. وبالغ السلف فى الصدقة والتحرز فيها عن الريا فانه غالب على النفس وهو مهلك ينقلب فى القلب اذا وضع الانسان فى قبره فى صورة حية اى يؤلم ايلام الحية والبخل ينقلب فى صورة عقرب والمقصود فى كل انفاق الخلاص من رذيلة البخل فاذا امتزج به الرياء كان كانه جعل العقرب غذاء الحية فتخلص من العقرب ولكن زاد فى قوة الحية اذ كل صفة من الصفات المهلكة فى القلب انما غذاؤها وقوتها فى اجابتها الى مقتضاها. ثم ان الصدقة لا تنحصر فى المال بل تجرى فى كل معروف فالكلمة الطيبة والشفاعة الحسنة والاعانة فى حاجة واحد وعيادة مريض وتشييع جنازة وتطييب قلب مسلم كل ذلك صدقة كر خير كنى مراد يابى در هر دوجهان كشاد يابى احسان كن وبهر توئه خويش زادى بفرست توازين ييش واعلم ان الدنيا وملكها لا اعتداد لها حكى عن بعض الملوك انه حبست الريح فى بطنه حتى قرب الى الهلاك فقال كل من يزيل عنى هذا البلاء اعطيته ملكى فسمعه شخص من اهل الله فجاء ومسح يده على بطنه فخرجت منه ريح منتنة وتعافى الملك من ساعته فقال يا سيدى اجلس على سرير المملكة انا عزلت نفسى فقال الرجل لا حاجة الى متاع قيمته ضرطة منتنة ولكن انت اتعظ من هذا فالشىء الذى اغتررت به قيمته هذا. وعن الحسن قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم على اصحابه فقال " هل منكم من يريد ان يذهب الله عنه العمى ويجعله بصيرا. ألا انه من رغب فى الدنيا وطال امله فيها اعمى الله قلبه على قدر ذلك ومن زهد فى الدنيا وقصر امله اعطاه الله تعالى علما بغير تعلم وهدى بغير هداية. ألا انه سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم الملك الا بالقتل والتجبر ولا الغنى الا بالفخر والبخل ولا المحبة الا باتباع الهوى. ألا فمن ادرك ذلك الزمان منكم فصبر للفقر وهو يقدر على الغنى وصبر على البغضاء وهو يقدر على المحبة وصبر على الذل وهو يقدر على العز لا يريد بذلك الا وجه الله تعالى اعطاه الله تعالى ثواب خمسين صديقا ". وفى المثنوى كوزه جشم حريصان برنشد تاصدف قانع نشد بردر نشد

البقرة 2:264

{ يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى } فان من فعل ذلك لا اجر له فى صدقته وعليه وزر منه على الفقير ووزر ايذائه وقد سبق معنى المن والاذى والمراد بابطال الصدقة احباط اجرها لان الصدقة لما وقعت وتقدمت لم يمكن ان يراد بابطالها نفسها بل المراد احباط اجرها وثوابها لان الاجر لم يحصل بعد فيصح ابطاله بما يأتيه من المن والاذى { كالذى } المراد المنافق لان الكافر معلن كفره غير مراء والكاف فى محل النصب على انه صفة لمصدر محذوف اى لا تبطلوها ابطالا كابطال المنافق الذى { ينفق ماله رئاء الناس } اى لاجل رئائهم يعنى ليقال انه كريم { ولا يؤمن بالله واليوم الآخر } لا يريد بانفاقه رضى الله ولا ثواب الآخرة. ورئاء من راآى نحو قاتل قتالا ومعنى المفاعلة ههنا مبنى على ان المرائى فى الانفاق يراعى ان تراه الناس فيحمدوه { فمثله } اى حالته العجيبة { كمثل صفوان } اى حجر صاف املس وهو واحد وجمع فمن جعله جمعا فواحده صفوانة ومن جعله واحدا فجمعه صفى { عليه تراب } اى يسير منه { فأصابه وابل } اى مطر شديد الوقع كبير القطر { فتركه صلدا } املس ليس عليه شىء من الغبار { لا يقدرون } كأنه قيل فماذا يكون حالهم حينئذ فقيل لا يقدرون { على شىء مما كسبوا } اى لا ينتفعون بما فعلوا رئاء ولا يجدون له ثوابا قطعا كقوله تعالى فجعلناه هباء منثورا الفرقان 23. يقال فلان لا يقدر على درهم اى لا يجده ولا يملكه. فان قلت كيف قال لا يقدرون بعد قوله كالذى ينفق قلت اراد بالذى ينفق الجنس او الفريق الذى ينفق ولان من والذى يتعاقبان فكأنه قيل كمن ينفق فجمع الضمير باعتبار المعنى ولما ذكر تعالى بطلان امر الصدقة بالمن والاذى ذكر لكيفية ابطال اجرها بهما مثلين فمثله اولا بمن ينفق ماله رئاء الناس وهو مع ذلك كافر بالله واليوم الآخر فان بطلان اجر ما انفقه هذا الكافر اظهر من بطلان اجر من يتبعها بالمن والاذى ثم مثله ثانيا بالصفوان الذى وقع عليه تراب وغبار ثم اصابه المطر فازال ذلك الغبار عنه حتى صار كانه ما كان عليه تراب وغبار اصلا فالكافر كالصفوان والتراب مثل ذلك الانفاق والوابل كالكفر الذى يحبط عمل الكافر وكالمن والاذى اللذين يحبطان عمل هذا المنفق فكما ان الوابل ازال التراب الذى وقع على الصفوان فكذا المن والاذى يجب ان يكونا مبطلين لاجر الانفاق بعد حصوله وذلك صريح فى القول بالاحباط والتكفير كما ذهب اليه المعتزلة القائلون بان الاعمال الصالحة توجب الثواب وان الكبائر تحبط ذلك الثواب واما اصحابنا القائلون بان الثواب تفضل محض فانهم قالوا ليس المراد بقوله لا تبطلوا النهى عن ازالة هذا الثواب بعد ثبوته بل المراد النهى عن ان يأتى بهذا العمل باطلا. وبيانه ان المن والاذى يخرجانه من ان يترتب عليه الاجر الموعود لان العمل انما يؤدى الى الاجر الموعود اذا اتى به العامل تعبدا وطاعة وابتغاء لما عند الله تعالى من الاجر والرضوان وعملا بقوله تعالى وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا المزمل 20. وبقوله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة التوبة 111 فمن كان حامله على العمل ابتغاء ما عند الله مما وعده للمخلصين فقد جرى على سنن المبادلة التى وقعت بين العمل والثواب الذى وعده الله تعالى لمن اخلص عمله لله تعالى فلما كانت معاملته فى الحقيقة مع الله تعالى لم يبق وجه لان يمن على الفقير الذى تصدق عليه ولا لان يؤذيه بان يقول له مثلا خذه بارك الله لك فيه ومن من عليه او آذاه فقد اعرض عن جهة المبادلة مع الله ومال الى جهة التبرع على الفقير من غير ابتغاء وجه الله واتى بعمله من الابتداء على نعت البطلان فيكون محروما من البدل الذى وعده الله لمن اقرض الله قرضا حسنا اذ لم يقع عمله على وجه الاقراض { والله لا يهدى القوم الكافرين } الى الخير والرشاد. وفيه تعريض بان كلا من الرئاء والمن والاذى من خصائص الكفار ولا بد للمؤمنين ان يجتنبوها روى عن بعض العلماء انه قال مثل من يعمل الطاعة للرئاء والسمعة كمثل رجل خرج الى السوق وملأ كيسه حصى فيقول الناس ما املأ كيس هذا الرجل ولا منفعة له سوى مقالة الناس فلو اراد ان يشترى به شيأ لا يعطى به شيأ. وقد بالغ السلف فى اخفاء صدقتهم عن اعين الناس حتى طلب بعضهم فقيرا اعمى لئلا يعلم احد من المتصدق. وبعضهم ربط فى ثوب الفقير نائما. وبعضهم القى فى طريق الفقير ليأخذها وبذلك يتخلص من الرئاء وفى المثنوى كفت بيغمبر بيك صاحب ريا صل انك لم تصل يا فتى از بارى جاره اين خوفها آمد اندر هر نمازى اهدنا كين نمازم را مياميز اى خدا با نماز ضالين و اهل ريا قال النبى صلى الله تعالى عليه وسلم " ان اخوف ما اخاف عليكم الشرك الاصغر " قالوا يا رسول الله وما الشرك الاصغر قال " الرياء يقول الله لهم يوم يجازى العباد باعمالهم اذهبوا الى الذى كنتم تراؤون لهم فانظروا هل تجدون عندهم جزاء " وقال صلى الله عليه وسلم " ان الله تعالى اذا كان يوم القيامة ينزل الى العباد ليقضى بينهم وكل امة جاثية فاول من يدعى به رجل جمع القرآن ورجل قتل فى سبيل الله ورجل كثير المال فيقول الله للقارئ ألم اعلمك ما انزلت على رسولى قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما علمت قال كنت اقرأ آناء الليل واطراف النهار فيقول الله تعالى كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل اردت ان يقال فلان قارئ فقد قيل ويؤتى بصاحب المال فيقول الله ألم اوسع عليك حتى لم ادعك تحتاج الى احد قال بلى يا رب قال فماذا عملت فيما آتيتك قال كنت اصل الرحم واتصدق فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل اردت ان يقال فلان جواد فقد قيل ذلك ويؤتى بالذى قتل فى سبيل الله فيقول له فيماذا قتلت فيقول يا رب امرت بالجهاد فى سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله كذبت وتقول الملائكة كذبت ويقول الله بل اردت ان يقال فلان جرىء فقد قيل ذلك " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اولئك الثلاثة اول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة " قال السعدى طريقت همينست كاهل يقين نكو كار بودند وتقصير بين بروى ريا خرقه سهلست دوخت كرش باخدا در توانى فروخت همان به كر آبستن كوهرى كه همجون صدف سر بخوددربرى وكر آوازه خواهى در اقليم فاش برون حله كن كودرون حشو باش اكرمسك خالص ندارى مكوى وكرهست خود قاش كردد ببوى جه زنار مع درميانت جه دلق كه در بوشى از بهر بندار خلق والاشارة فى الآية ان المعاملات اذا كانت مشوبة بالاغراض ففيها نوع من الاعراض ومن اعرض عن الحق فقد اقبل على الباطل ومن اقبل على الباطل فقد ابطل حقوقه فى الاعمال فماذا بعد الحق الا الضلال وقد نهينا عن ابطال اعمال البر بالاعراض عن طلب الحق والاقبال على الباطل بقوله { لا تبطلوا صدقاتكم } وهى من اعمال البر بالمن اى اذا مننت بها على الفقير فقد اعرضت عن طلب الحق لان قصدك فى الصدقة لو كان طلب الحق لما مننت على الفقير بل كنت رهين منة الفقير حيث كان سبب وصولك الى الحق ولهذا قال صلى الله عليه وسلم " لولا الفقراء لهلك الاغنياء ". معناه لم يجدوا وسيلة الى الحق وقد فسر بعضهم قوله عليه السلام " اليد العليا خير من اليد السفلى ". بان اليد العليا هى يد الفقير والسفلى يد الغنى تعطى السفلى وتأخذ العليا. والاذى هو الاقبال على الباطل لان كل شىء غير الحق فهو باطل فمن عمل عملا لله ثم يشوبه بغرض فى الدارين فقد ابطل عمله بان يكون لله فافهم جدا كذا فى التأويلات النجمية وفى المثنوى عاشقا نرا شادمانى و غم اوست دست مزد واجرت خدمت هم اوست غير معشوق ار تما شائى بود عشق نبود هرزه سودايى بود عشق آن شعله است كوجون بر فروخت هرجه جز معشوق باقى جمله سوخت فالعشق الآلهى والحب الرحمانى اذا استولى على قلب العبد يقطع عنه عرق الشركة فى الاموال والاولاد والانفس. والخدمة بالاجرة لا تناسب الرجولية فان من علم ان مولاه كريم يقطع قلبه عن ملاحظة الاجرة وتجىء اجرته اليه من ذلك الكريم على الكمال قال الحافظ تو بندكى جو كدايان بشرط مزد مكن كه خواجه خود روش بنده برورى داند اللهم اقطع رجاءنا عن غيرك واجعلنا من الذين لا يطلبون منك الا ذاتك.

البقرة 2:265

{ ومثل } نفقات { الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله } اى لطلب رضاه { وتثبيتا من أنفسهم } اى جعل بعض انفسهم ثابتا على الايمان والطاعة ليزول عنها رذيلة البخل وحب المال وامساكه والامتناع عن انفاقه فان النفس وان كانت مجبولة على حب المال واستثقال الطاعات البدنية الا انها ما عودتها تتعود قال صاحب البردة والنفس كالطفل ان تهمله شب على حب الرضاع وان تفطمه ينفطم فمتى اهملتها فقد تمرنت واعتادت الكسل والبطالة والبخل وامساك المال عن صرفه الى وجوه الطاعات ومقتضيات الايمان وحيث كلفتها وحملتها على مشاق العبادات البدنية والمالية تنقاد لك وتتزكى عن عاداتها الجبلية. فمن تبعيضية كما فى قولهم " هز من عطفه وحرك من نشاطه " فان قلت كيف يكون المال بعضا من النفس حتى تكون الطاعة ببذله طاعة لبعض النفس وتثبيتا لها على الثمرة الايمانية قلت ان النفس لشدة تعلقها بالمال كأنه بعض منها فالمال شقيق الروح فمن بذل ماله لوجه الله فقد ثبت بعض نفسه ومن بذل ماله وروحه فقد ثبتها كلها وفى المثنوى آن درم دادن سخى را لايق است جان سبردن خود سخاى عاشق است نان دهى از بهر حق نانت دهند جان دهى ازبهر حق جانت دهند آن فتوت بخش هر بى علت است باكبازى خارج ازهر ملت است در شريعت مال هركس مال اوست در طريقت ملك ما مملوك دوست ويجوز ان يكون التثبيت بمعنى جعل الشىء صادقا محققا ثابتا والمعنى تصديقا للاسلام ناشئا من اصل انفسهم وتحقيقا للجزاء فان الانفاق امارة ان الاسلام ناشىء من اصل النفس وصميم القلب. فمن لابتداء الغاية كما فى قوله تعالى حسدا من عند أنفسهم البقرة 109. ولعل تحقيق الجزاء عبارة عن الايقان بان العمل الصالح مما يثيب الله ويجازى عليه احسن الجزاء. { كمثل جنة } بستان كائن { بربوة } مكان مرتفع مأمون من ان يصطلمه البرد اى يفسده للطافة هوائه بهبوب الرياح الملطفة له فان اشجار الربا تكون احسن منظرا وازكى ثمرا واما الاراضى المنخفضة فقلما تسلم ثمارها من البرد لكثافة هوائها بركود الرياح. وقال بعضهم ان البستان اذا وقع فى موضع مرتفع من الارض لا تنفعه الانهار وتضر به الرياح كثيرا فلا يحسن ريعه الا اذا كان على الارض المستوية التى لا تكون ربوة ولا وهدة فالمراد من الربوة حينئذ كون الارض لينة جيدة بحيث اذا نزل المطر عليها انتفخت وربت ونمت فان الارض اذا كانت بهذه الصفة يكثر ريعها وتكمل اشجارها ويؤيد هذا التأويل قوله تعالى وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت الحج 5. فان المراد من ربوها ما ذكر { اصابها وابل } اى وصل اليها مطر كبير القطر شديد الوقع { فآتت } اى اعطت صاحبها او اهلها { اكلها } ثمرتها وغلتها وهو بضمتين الشىء المأكول. ويجوز ان يكون آتت بمعنى اخرجت فيتعدى الى مفعول واحد هو اكلها { ضعفين } اى مثلى ما كانت تثمر فى سائر الاوقات وذلك بسبب ما اصابها من الوابل. قال ابن عباس حملت فى سنة من الريع ما يحمل غيرها فى سنتين والمراد بالضعف المثل كما اريد بالزوج الواحد فى قوله تعالى من كل زوجين اثنين هود 40. ومن فسره باربعة امثال ما كانت تثمر حمل الضعف على اصل معناه وهو مثلا الشىء فيكون ضعفين اربعة امثال { فإن لم يصبها وابل فطل } اى فطل وهو المطر الصغير القطر يكفيها لجودتها وكرم منبتها ولطافة هوائها. والطل اذا دام عمل عمل الوابل وجاز الابتداء بالنكرة لوقوعها فى جواب الشرط وهو من جملة المسوغات للابتداء بالنكرة ومن كلامهم ان ذهب العير فعير فى الرباط والمعنى تشبيه نفقات هؤلاء الذين ينفقون بسبب ما يحملهم عليه من الابتغاء والتثبيت زاكية عند الله لا تضيع بحال وان كانت تلك النفقات تتفاوت فى زكائها بحسب تفاوت ما ينضم اليها من احوالهم التى هى الابتغاء والتثبيت الناشىء من ينبوع الصدق والاخلاص اليها بحال جنة نامية زاكية بسببى الربوة والوابل او الطل والجامع النمو المرتب على السبب المؤدى اليه. ويجوز ان يكون التشبيه من قبيل المفرق بان يشبه زلفاهم من الله تعالى وحسن حالهم عنده بثمرة الجنة ووجه التشبيه الزيادة ويشبه نفقتهم الكثيرة والقليلة بالقوى المطر والضعيف منه من حيث ان كل واحد منهما سبب لزيادة فى الجملة لان النفقتين تزيد ان حسن حالهم كما ان المطرين يزيدان ثمرة الجنة { والله بما تعملون بصير } من عمل الاخلاص والرياء لا يخفى عليه شىء وهو ترغيب فى الاخلاص مع تحذير عن الرياء ونحوه. فعلى العاقل ان يعبد الله تعالى على الاخلاص ويكون دائما فى رجاء الخلاص عن الطاغوت الخفى وهو الشرك الخفى فان الخلاص يبتنى على الاخلاص قال السعدى قدس سره همينست بندت اكر بشنوى كه كر خاركارى سمن ندروى يعنى من زرع الشوك لم يحصد الازهار والنبات ولا يثمر شجره وبالكأس التى تسقى تشرب عصمنا الله واياكم من ضياع العلم وكساده واختلال الاعتقاد وفساده. وخالص الاعمال هو الذى تعمله لله لا تحب ان يحمدك عليه احد واذا قارن العمل بالاخلاص يكون كنحاس طرح فيه الاكسير وجسد نفخ فيه الروح ولذا يضاعف ثوابه. وعن على ابن ابى طالب رضى الله عنه عن النبى عليه السلام " ان الصدقة اذا خرجت من يد صاحبها قبل ان تدخل فى يد السائل تتكلم بخمس كلمات اولاها تقول كنت قليلة فكثرتنى وكنت صغيرة فكبرتنى وكنت عدوا فاحببتنى وكنت فانيا فابقيتنى وكنت محروسا الآن صرت حارسك ". وعن مكحول الشامى اذا تصدق المؤمن بصدقة رضى الله عنه ونادت جهنم يا رب ائذن لى بالسجود شكرا لك قد اعتقت واحدا من امة محمد من عذابى لانى استحيى من محمد ان اعذب احدا من امته ولا بد لى من طاعتك. ولفظ الصدقة اربعة احرف كل منها اشارة الى معنى. اما الصاد فالصد اى الصدقة تصد وتمنع عن صاحبها مكروه الدنيا والآخرة. واما الدال فدليل لانها تدل صاحبها الى الجنة. واما القاف فقربه الى الله تعالى. واما الهاء فهداية الله تعالى قال بعضهم زان ييش كه دست ساقىء دهر در جام مرارت افكند زهر ازسر بنه اين كلاه ودستار جهدى بكن و دلى بدست آر كين سرهمه سال باكله نيست وين روى هميشه همجومه نيست فمن ساعده المال فلينفق فى سبيل الله الملك المتعال وليشكر على غنى ومدد فلا يقطع رجاء احد وفى الحديث " من قطع رجاء من التجأ اليه قطع الله رجاءه ". روى ان بعض العلماء لما رأى هذا الحديث بكى بكاء شديدا وتحير فى رعاية فحواه فقام وذهب الى واحد من الصلحاء ليستفسر معنى هذا الحديث ويدفع شبهته فلما دخل عليه رأى ذلك الرجل الصالح يأخذ بيده خبزا ويؤكله الكلب من يده فسلم فرد عليه السلام ولم يقم له كما كان يفعله قبل فلما اكل الكلب الخبز بالتمام قام له ولاطفه وقال معتذرا خذ العذر منى حيث لم اقم امتثالا لقول النبى عليه السلام " من قطع رجاء ". الحديث وهذا الكلب رجا منى اكل الخبز ولم اقم خشية ان اقطع رجاءه فلما سمع هذا الكلام زاد تحيرا ولم يستفسر فتعجب من كرامته وقوته فى باب الولاية. واعلم ان ثمرات الاخلاص فى طلب الحق ومرضاته تكون ضعفين بالنسبة الى من ينفق فان حظه يكون من نعيم الجنة فحسب والمخلص فى طلب الحق يكون له ضعف من قربة الحق ودولة الوصال وشهود ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وضعف من نعيم الجنة اوفى واوفر من ضعف طالب الجنة ونعيمها باضعاف مضاعفة اللهم اهدنا اليك.

البقرة 2:266

{ أيود أحدكم } الهمزة لانكار الوقوع كما فى قوله أاضرب ابى لا لانكار الواقع كما فى قوله أتضرب اباك اى ما كان ينبغى ان يود رجل منكم { أن تكون له جنة } كائنة { من نخيل وأعناب } والجنة تطلق على الاشجار الملتفة المتكاثفة وهو الانسب بقوله تعالى { تجرى من تحتها الأنهار } اذ على كونها بمعنى الارض المشتملة على الاشجار الملتفة لا بد من تقدير مضاف اى من تحت اشجارها { له فيها من كل الثمرات } الظرف الاول خبر والثانى حال والثالث مبتدأ اى صفة للمبتدأ قائمة مقامه اى له رزق من كل الثمرات كما فى قوله تعالى وما منا إلا له مقام معلوم الصافات 164. اى وما منا احد الا له الخ وليس المراد بالثمرات العموم بل انما هو التكثير كما فى قوله تعالى وأوتيت من كل شىء النمل 23. فان قلت كيف قال { جنة من نخيل واعناب } ثم قال { له فيها من كل الثمرات }. قلت النخيل والاعناب لما كانا اكرم الشجر واكثرها نفعا خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وان كانت محتوية على سائر الاشجار تغليبا لهما على غيرهما ثم اردفهما ذكر كل الثمرات { و } الحال انه قد { أصابه الكبر } اى كبر السن الذى هو مظنة شدة الحاجة الى منافعها ومئنة كمال العجز عن تدارك اسباب المعاش { وله ذرية ضعفاء } اى اصابه الكبر والحال ان له ذرية صغارا لا يقدرون على الكسب وترتيب مبادى المعاش { فأصابها } اى تلك الجنة { إعصار } اى ريح عاصفة تستدير فى الارض ثم تنعكس منها ساطعة الى السماء على هيئة العمود { فيه نار } شديدة { فاحترقت } فصارت نعمها الى الذهاب واصلها الى الخراب فبقى الرجل متحيرا لا يجد ما يعود به عليها ولا قوة له ان يغرس مثلها ولا خير فى ذريته من الاعانة لكونهم ضعفاء عاجزين عن ان يعينوه وهذا كما ترى تمثيل لحال من يفعل الافعال الحسنة ويضم اليها ما يحبطها كرياء وايذاء فى الحسرة والاسف اذا كان يوم القيامة واشتدت حاجته اليها ووجدها محبطة بحال من هذا شأنه واشبههم به من جال بسره فى عالم الملكوت وترقى بفكره الى جنات الجبروت ثم نكص على عقبيه الى عالم الزور والتفت الى ما سوى الحق وجعل سعيه هباء منثورا قال الحافظ زاهد ايمن مشو از بازئ غيرت زنهار كه ره از صومعه تا ديرمغان اين همه نيست { كذلك } اى مثل ذلك البيان الواضح الذى بين فيما مر من الجهاد والانفاق فى سبيل الله وقصة ابراهيم وعزير وغير ذلك لكم ايها الفريق { يبين الله لكم الآيات } اى الدلالات الواضحة فى تحقيق التوحيد وتصديق الدين { لعلكم تتفكرون } كى تتفكروا فيها وتعتبروا بما فيها من العبر وتعملوا بموجبها. قال القشيرى هذه آيات ذكرها الله على جهة ضرب المثل للمخلص والمنافق والمنفق فى سبيل الله والمنفق فى الباطل هؤلاء يحصل لهم الخلف والشرف وهؤلاء يحصل لهم السرف والتلف وهؤلاء ضل سعيهم وهؤلاء شكر سعيهم وهؤلاء تزكو اعمالهم وهؤلاء حبطت اعمالهم وخسرت اموالهم وختمت بالسوء احوالهم وتضاعف عليهم وبالهم وثقل ومثل هؤلاء كالذى انبت زرعا زكا اصله ونما فضله وعلا فرعه وكثر نفعه ومثل هؤلاء كالذى خسرت صفقته وسرقت بضاعته وضاقت على كبر سنه غلته وتواترت من كل وجه محنته هل يستويان مثلا وهل يتقاربان شبها انتهى. فلا بد من اخلاص الاعمال فان الثمرات تبتنى على الاصل. وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه انه قال حين بعث الى اليمن يا رسول الله اوصنى قال " اخلص دينك يكفك العمل القليل ". وعلاج الرياء على ضربين. احدهما قطع عروقه واستئصال اصوله وذلك بازالة اسبابه وتحصيل ضده واصل اسبابه حب الدنيا واللذة العاجلة وترجيحها على الآخرة. والثانى دفع ما يخطر من الرياء فى الحال ودفع ما يعرض منه فى اثناء العبادة فعليك فى اول كل عبادة ان تفتش قلبك وتخرج منه خواطر الرياء وتقره على الاخلاص وتعزم عليه الى ان تتم لكن الشيطان لا يتركك بل يعارضك بخطرات الرياء وهى ثلاث مرتبة العلم باطلاع الخلق او رجاؤه ثم الرغبة فى حمدهم وحصول المنزلة عندهم ثم قبول النفس له والركون اليه وعقد الضمير على تحقيقه فعليك رد كل منها قال السعدى قدس سره قيامت كسى بينى اندر بهشت كه معنى طلب كرد ودعوى بهشت كنهكار انديشناك از خداى بسى بهتر ازعابد خود نماى وفى التاتارخانية لو افتتح الصلاة خالصا لله تعالى ثم دخل فى قلبه الرياء فهو على ما افتح والرياء انه لو خلا عن الناس لا يصلى ولو كان مع الناس يصلى فاما لو صلى مع الناس يحسنها ولو صلى وحده لا يحسن فله ثواب اصل الصلاة دون الاحسان ولا يدخل الرياء فى الصوم روى عن ابى ذر الغفارى رضى الله عنه البارى انه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا ابا ذر جدد السفينة فان البحر عميق واكثر الزاد فان السفر بعيد واقل من الحمولة فان الطريق مخوف واخلص العمل فان الناقد بصير ". والمراد من تجديد السفينة تحقيق الايمان وتكرير التوحيد ومن البحر هو جهنم قال تعالى ثم ننجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا مريم 72. والمراد بالسفر سفر الآخرة والقيامة قال تعالى فى يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون السجدة 5. وزاد النعيم الطاعات وزاد الجحيم السيآت والمراد بالحمولة الذنوب والخطايا واريد باقلالها نفيها رأس وانما كان طريق الآخرة مخوفا لان الزبانية يأخذون اصحاب الحمل الثقيل من الطريق وليس هناك احد يعين على حمل احد وينصره وان كان من اقربائه قال تعالى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شىء ولو كان ذا قربى فاطر 18. والمراد بالناقد هو الله تعالى وهو طيب لا يقبل الا الطيب الخالص عن الشرك والرياء قال تعالى فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا الكهف 110. اى خالصا لوجهه تعالى ولا يشرك بعبادة ربه أحدا الكهف 110. وفى الحديث قال الله تعالى " انا غنى عن الشركاء فمن عمل لى وأشرك فيه غيرى فأنى برىء منه ". وذكر عن وهب بن منبه انه قال " امر الله تعالى ابليس ان يأتى محمدا عليه السلام ويجيبه عن كل ما يسأله فجاءه على صورة شيخ وبيده عكازة فقال له " من أنت " قال انا ابليس قال " لماذا جئت " قال امرنى ربى ان آتيك واجيبك واخبرك عن كل ما تسألنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فكم اعداؤك من امتى " قال خمسة عشر. انت اولهم. وامام عادل. وغنى متواضع. وتاجر صدوق. وعالم متخشع. ومؤمن ناصح. ومؤمن رحيم القلب. وثابت على التوبة. ومتورع عن الحرام. ومؤمن مديم على الطهارة. ومؤمن كثير الصدقة. ومؤمن حسن الخلق مع الناس. ومؤمن ينفع الناس. وحامل القرآن المديم عليه. وقائم الليل والناس نيام قال عليه السلام " فكم رفقاؤك من امتى " قال عشرة. سلطان جائر. وغنى متكبر. وتاجر خائن. وشارب الخمر. والقتات. وصاحب الرياء. وآكل الربا. وآكل ما اليتيم. ومانع الزكاة. والذى يطيل الامل " وفى الحديث " ما منكم من احد الا سيكلمه ربه ليس بينه وبين الله ترجمان ولا حجاب يحجبه فينظر ايمن منه فلا يرى الا ما قدم وينظر اشأم منه فلا يرى الا ما قدم من عمله وينظر بين يديه فلا يرى الا النار تلقاء وجهه فاتقوا الله ولو بشق تمرة ". قال شيخى العلامة ابقاه الله بالسلامة قيل لى فى قلبى احسن اخلاق المرء فى معاملته مع الحق التسليم والرضى واحسن اخلاقه فى معاملته مع الخلق العفو والسخاء قال السعدى غم وشادمان نماند و ليك جزاى عمل ماند و نام نيك كرم باى دارد نه ديهيم وتخت بده كز تواين مانداى نيكبخت مكن تكيه برملك وجاه وحشم كه بيش ازتو بودست وبعدازتوهم

البقرة 2:267

الحمد لله الذى امر المؤمنين بالانفاق. ليزكى به نفوسهم عن سفساف الاخلاق. وهدى العارفين الى بذلك المال والروح. ليفتح لهم ابواب الفتوح. والصلاة على المتخلق باخلاق مولاه. سيدنا محمد الذى جاء بالشفاعة لمن يهواه. وعلى آله واصحابه ممن اثر الله على ما سواه. ووثق فى اجر الانفاق بربه الذى اعطاه. وبعد فان العبد العليل سمى الذبيح اسماعيل. الناصح البروسى ثم الاسكوبى. اوصله الله الى غاية المقام الحى. يقول لما ابتليت بالنصح والعظه. أهتممت فى باب الموعظه. فكنت التقط من التفاسير. وانظم فى سلك التحرير. ما به ينحل عقد الآيات القرآنيه. والبينات الفرقانيه. من غير تعرض لوجوه المعانى مما يحتمله المبانى قصدا الى التكلم بقدر عقول الناس وتصديا للاختصا الحامل على الاستئناس واضم الى كل آية ما يناسبها من الترغيب والترهيب وبعض من التأويل الذى لا يخفى على كل لبيب حتى انتهيت من سورة البقرة الى ما ها هنا من آيات الانفاق بعون الله الملك الخلاق فجعلت اول هذه الآية معنونا ليكون هذا النظم مع ما يضم اليه مدونا مقطوعا عما قبله من الآيات مجموعا بلطائف العظات ومن الله استمد ان يمهلنى الى ان آخذ بهذا المنوال القرآن العظيم واقضى هذا الوطر الجسيم واتضرع ان يجعله منتفعا به وذخر اليوم والمعاد ونعم المسؤل والمراد. { يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } اى من حلال ما كسبتم او جياده لقوله تعالى لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون آل عمران 92وفسر صاحب الكشاف الطيبات بالجياد حيث قال من طيبات ما كسبتم من جياد مكسوباتكم. ذكر بعض الافاضل انه انما فسر الطيب بالجيد دون الحلال لان الحل استفيد من الامر فان الانفاق من الحرام لا يؤمر به ولان قوله تعالى بعده { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون } والخبيث هو الرديئ المستخبث يدل على ان المعنى انفقوا مما يستطاب من اكسابكم { ومما } اى ومن طيبات ما { أخرجنا لكم من الأرض } من الحبوب والثمار والمعادن { ولا تيمموا } اى لا تقصدوا { الخبيث } اى الرديئ الخسيس. والخبيث نقيض الطيب ولهما جميعا ثلاث معان الطيب الحلال والخبيث الحرام والطيب الطاهر والخبيث النجس والطيب ما يستطيبه الطبع والخبيث ما يستخبثه { منه تنفقون } الجار متعلق بتنفقون والضمير للخبيث والتقديم للتخصيص والجملة حال من فاعل تيمموا اى لا تقصدوا الخبيث قاصرين الانفاق عليه والتخصيص لتوبيخهم بما كانوا يتعاطونه من انفاق الخبيث خاصة لا تسويغ انفاقه مع الطيب عن ابن عباس رضى الله عنهما انهم كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا عنه { ولستم بآخذيه } حال من واو تنفقون اى تنفقون والحال انكم لا تأخذون الخبيث فى معاملاتكم فى وقت من الاوقات او بوجه من الوجوه { إلا أن تغمضوا فيه } اى الا وقت اغماضكم فيه او الا باغماضكم يعنى لو كان لكم على رجل حق فجاء برديئ ماله بدل حقكم الطيب لا تأخذونه الا فى حال الاغماض والتساهل مخافة فوت حقكم او لاحتياجكم اليه من قولك اغمض فلان عن بعض حقه اذا غض بصره ويقال للبائع اغمض اى لا تستقص كأنك لا تبصر { واعلموا أن الله غنى } عن انفاقكم وانما يأمركم به لمنفعتكم. وفى الامر بان يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به توبيخ لهم على ما يصنعون من اعطاء الخبيث وايذان بان ذلك من آثار الجهل بشأنه تعالى فان اعطاء مثله انما يكون عادة عند اعتقاد المعطى ان الآخذ محتاج الى ما يعطيه بل مضطر اليه { حميد } مستحق للحمد على نعمه العظام. واعلم ان المتصدق كالزارع والزارع اذا كان له اعتقاد بحصول الثمرة يبالغ فى الزراعة وجودة البذر لتحققه ان جودة البذر مؤثرة فى جودة الثمرة وكثرتها فكذلك المتصدق اذا ازداد ايمانه بالله والبعث والثواب والعقاب يزيد فى الصدقة وجودتها لتحققه ان الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه اجرا عظيما والعبد كما اعطى الله احب ما عنده فان الله يجازيه باحب ما عنده كما قال تعالى هل جزاء إلاحسان إلا إلاحسان الرحمن 60. ودلت الآية على جواز الكسب وان احسن وجوه التعيش هو التجارة والزراعة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان اطيب ما اكله الرجل من كسبه وان ولده من كسبه ". وكذلك اطيب الصدقات ما كانت من عمل اليد بقنطار زر بخش كردن زكنج نباشد جو قيراط از دست رنج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يكسب عبد مالا حراما فيتصدق منه فيقبل منه فيبارك له فيه ولا يتركه خلف ظهره الا كان زاده الى النار ان الله تعالى لا يمحوا السيىء بالسيىء ولكن يمحو السيىء بالحسن ان الخبيث لا يمحو الخبيث ". ووجوه الانفقا والصدقة كثيرة قال صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يغرس غرسا او يزرع زرعا فيأكل منه انسان أو طير أو بهيمة الا كانت له صدقة ". روى " ان النبى صلى الله عليه وسلم حث اصحابه على الصدقة فجعل الناس يتصدقون وكان ابو امامة الباهلى جالسا بين يدى النبى عليه السلام وهو يحرك شفتيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " انك تحرك شفتيك فماذا تقول " قال انى ارى الناس يتصدقون وليس معى شىء اتصدق به فأقول فى نفسى سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله اكبر فقال صلى الله عليه وسلم " هؤلاء الكلمات خير لك من مد ذهبا تتصدق به على المساكين ". فعلى العاقل ان يواظب على الاذكار فى الليل والنهار ويتصدق على الفقراء والمساكين بخلوص النية واليقين فى كل حين كرامت جوانمردى ونان دهيست مقالات بيهوده طبل تهيست وجلس الاسكندر يوما مجلسا عاما فلم يسأل فيه حاجة فقال والله ما اعد هذا اليوم من ملكى قيل ولم ايها الملك قال لانه لا توجد لذة الملك الا باسعاف الراغبين واغاثة الملهوفين ومكافأة المحسنين. قال السرى السقطى قدس سره فى وصف الصوفية اكلهم اكل المرضى ونومهم نوم العرضى ومن تخليهم عن الاملاك ومفارقتهم اياها سموا فقراء فالصوفى ما لم يبذل ماله وروحه فى طلب الله فهو صاحب دنيا والدنيا مانعة عن الوصول فعليك بالايثار وكمال الافتقار.

البقرة 2:268

{ الشيطان يعدكم الفقر } الوعد هو الاخبار بما سيكون من جهة المخبر مترتبا على شىء من زمان او غيره يستعمل فى الشر استعماله فى الخير قال الله تعالى النار وعدها الله الذين كفروا الحج 72. والمعنى ان الشيطان يخوفكم بالفقر ويقول للرجل امسك مالك فانك اذا تصدقت به افتقرت { ويأمركم بالفحشاء } اى بالخصلة الفحشاء اى ويغريكم على البخل ومنع الصدقات اغراء الآمر المأمور على فعل المأمور به والعرب تسمى البخيل فاحشا { والله يعدكم } اى فى الانفاق { مغفرة } لذنوبكم اى مغفرة كائنة { منه } عز وجل { وفضلا } كائنا منه تعالى اى خلفا مما انفقتم زائدا عليه فى الدنيا وثوابا فى العقبى وفيه تكذيب للشيطان { والله واسع } قدرة وفضلا فيحقق ما وعدكم به من المغفرة واخلاف ما تنفقونه { عليم } مبالغ فى العلم فيعلم انفاقكم فلا يكاد يضيع اجركم.

البقرة 2:269

{ يؤتى الحكمة } اى مواعظ القرآن ومعنى ايتائها تبيينها والتوفيق للعلم والعمل بها اى يبينها ويوفق للعمل بها { من يشاء } من عباده اى يؤتيها ايه بموجب سعة فضلة واحاطة علمه كما آتاكم ما بينه فى ضمن الآى من الحكم البالغة التى عليها يدور فلك منافعكم فاغتنموها وسارعوا الى العمل بها. والموصول مفعول اول ليؤتى قدم عليه الثانى للعناية به { ومن يؤت الحكمة } اى يعط العلم والعمل { فقد اوتى خيرا كثيرا } أى خير كثير فانه قد حيز له خير الدارين { وما يذكر } اى وما يتعظ بما اوتى من الحكمة { إلا أولوا الالباب } اى العقول الخالصة من شوائب الوهم والركون الى متابعة الهوى. فالمراد منهم الحكماء العلام العمال ولا يتناول كل مكلف وان كان ذا عقل لان من لا يغلب عقله على هواه فلا ينتفع به فكأنه لا عقل له قيل من اعطى علم القرآن ينبغى ان لا يتواضع لاهل الدنيا لاجل دنياهم لان ما اعطيه خير كثير والدنيا متاع قليل ولقوله عليه السلام " القرآن غنى لا غنى بعده ". والاشارة أن الشيطان فقير يعد بالفقر ظاهرا فهو يأمر بالفحشاء حقيقة. والفحشاء اسم جامع لكل سوء لان عدته بالفقر تتضمن معانى الفحشاء وهى البخل والحرص واليأس من الحق والشك فى مواعيد الحق للخلق بالرزق والخلف للمنفق ومضاعفة الحسنات وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه وتكذيب قول الحق ونسيان فضله وكرمه وكفران النعمة والاعراض عن الحق والاقبال على الخلق وانقطاع الرجاء من الله تعالى وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وايثار الحظوظ الدنيوية وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبزر كل بلية فمن فتح على نفسه باب وسوسته فسوف يبتلى بهذه الآفات ومن سد هذا الباب فان الله يكرمه بانواع الكرامات ورفعة الدرجات والله واسع عليم يؤتى من اجتنب عن وساوسه الحكمة وهى من مواهبه ترد على قلوب الانبياء والاولياء عند تجلى صفات الجلال والجمال وفناء اوصاف الخلقية بشواهد صفات الخالقية فيكاشف الاسرار بحقائق معان اورثتها تلك الانوار سرا بسر واضمارا باضمار. فحقيقة الحكمة نور من انوار صفات الحق يؤيد الله به عقل من يشاء من عباده فهذه ليست مما تدرك بالعقول والبراهين العقلية والنقلية واما المعقولات فهى مشتركة بين اهل الدين واهل الكفر فالمعقول ما يحكم العقل عليه ببرهان عقلى وهذا ميسر لكل عاقل بالدراية وعالم بالقراءة فمن صفى عقله عن شوب الوهم والخيال فيدرك عقله المعقول بالبرهان دراية عقلية ومن لم يصف العقل عن هذه الآفات فهو يدرك المعقول قراءة بتفهيم استاذ مرشد فاما الحكمة فليست من هذا القبيل وما يذكر الا اولوا الالباب وهم الذين لم يقنعوا بقشور العقول الانسانية بل سعوا فى طلب لبها بمتابعة الانبياء عليهم السلام فاخرجوهم من ظلمات قشور العقول الانسانية الى نور لب المواهب الربانية فتحقق لهم ان من لم يجعل الله له نورا فما له من نور فانتبه ايها المغرور المفتون بدار الغرور فلا يغرنك بالله الغرور قال من قال نكر تاقضا از كجاسير كرد كه كورى بودتكيه بر غيركرد فغان ازبديها كه درنفس ماست كه ترسم شود ظن ابليس راست قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم " يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاب الليل والنهار أرأيتم ما انفق منذ خلق السماء والارض فانه لم يغض ما فى يمينه ". قال " وعرشه على الماء وبيده الاخرى القبض يرفع ويخفض ". فالمؤمن يتخلق باخلاق الله ويجود على الفقراء ويدفع ما وسوس اليه الشيطان من خوف الفقر فان الله بيده مفاتيح الارزاق وهو المعطى على الاطلاق.

البقرة 2:270

{ وما } كلمة شرط وهى للعموم { أنفقتم من نفقة } اى أى نفقة كانت فى حق او باطل فى سر أو علانية قليلة او كثيرة { أو نذرتم } النذر عقد الضمير على شىء والتزامه وهو فى الشرع التزام بر له نظيرفى الشرع ولهذا لو نذر سجدة مفردة لا يصح الا ان تكون للتلاوة عند ابى حنيفة واصحابه { من نذر } أى نذر كان فى طاعة او معصية بشرط او بغير شرط متعلق بالمال او بالافعال كالصلاة والصيام ونحوهما { فإن الله يعلمه } الضمير عائد الى ما اى فانه تعالى يجازيكم عليه البتة ان خيرا فخير وان شرا فشر فهو ترغيب وترهيب ووعد ووعيد { وما للظالمين } بالانفاق والنذر فى المعاصى او بمنع الصدقات وعدم الوفاء بالنذور او بانفاق الخبيث او بالرياء والمن والاذى وغير ذلك مما ينتظمه معنى الظلم الذى هو عبارة عن وضع الشىء فى غير موضعه الذى يحق ان يوضع فيه { من أنصار } اى اعوان ينصرونهم من بأس الله وعقابه لا شفاعة ولا مدافعة وايراد صيغة الجمع لمقابلة الظالمين اى وما لظالم من الظالمين من نصير من الانصار.

البقرة 2:271

{ إن تبدوا الصدقات فنعما هى } اى ان تظهروا الصدقات فنعم شىء ابداؤها بعد ان لم يكن رياء وسمعة وهذا فى الصدقات المفروضة واما فى صدقة التطوع فالاخفاء أفضل وهى التى اريد بقوله { وإن تخفوها } اى تعطوها خفية { وتؤتوها الفقراء } ولعل التصريح بايتائها الفقراء مع انه واجب فى الابداء ايضا لما ان الاخفاء مظنة الالتباس والاشتباه فان الغنى ربما يدعى الفقر ويقدم على قبول الصدقة سرا ولا يفعل ذلك عند الناس { فهو خير لكم } اى فالاخفاء خير لكم من الابداء وكل متقبل اذا صلحت النية وهذا فى التطوع ومن لم يعرف بالمال واما فى الواجب فالبعكس ليقتدى به كالصلاة المكتوبة فى الجماعة افضل والنافلة فى البيت ولنفى التهمة وسوء الظن حتى اذا كان المزكى ممن لا يعرف باليسار كان اخفاؤه افضل خوف الظلمة عن ابن عباس رضى الله عنهما صدقة السر فى التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها افضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا { و } الله { يكفر عنكم من سيئاتكم } من تبعيضية اى شيأ من سيآتكم لانه يمحو بعض الذنوب بالتصدق فى السر والعلانية او زائدة على رأى الاخفش فالمعنى يمحو عنكم جميع ذنوبكم { والله بما تعملون } من الاسرار والاعلان { خبير } فهو ترغيب فى الاسرار. ذكر الامام فى ان الاسرار والاخفاء فى صدقة التطوع افضل وجوها الاول انها ابعد من الرياء والسمعة قال صلى الله عليه وسلم " لا يقبل من مسمع ولا مرائى ولا منان ". والمتحدث فى صدقة لا شك انه يطلب السمعة والمعطى فى ملأ من الناس يطلب الرياء فالاخفاء والسكوت هو المخلص منهما. وقد بالغ قوم فى صدقة الاخفاء واجتهدوا ان لا يعرفهم احد فكان بعضهم يلقيها فى يد اعمى وبعضهم يلقيها فى طريق الفقير فى موضع جلوسه حيث يراه ولا يرى المعطى وبعضهم كان يشدها فى ثوب الفقير وهو نائم وبعضهم كان يوصل على يد غيره وثانيها انه اذا اخفى صدقته لم يحصل له من الناس شهرة وتمدح وتعظيم فكان ذلك اشق على النفس فوجب ان يكون اكثر ثوابا. وثالثها قوله صلى الله عليه وسلم " افضل الصدقة جهد المقل الى فقير فى سر ". وقال ايضا " ان العبد يعمل عملا ان فى السر فيكتبه الله تعالى سرا فان اظهره نقل من السر وكتب فى العلانية فان تحدث نقل من السر والعلانية وكتب فى الرياء ". وفى الحديث " سبعة يظلهم الله فى ظله يوم لا ظل الا ظله امام عدل وشاب نشأ فى عبادة الله تعالى ورجل قلبه معلق بالمسجد اذا خرج منه حتى يعود اليه ورجلان تحابا فى الله اجتمعا على ذلك وتفرقا ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال فقال انى اخاف الله ورجل تصدق بصدقة فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ". وقال صلى الله عليه وسلم " صدقة السر تطفئ غضب الرب ". واما الوجه فى جواز اظهار الصدقة فهو ان الانسان اذا علم انه اذا اظهرها صار فى ذلك سببا لاقتداء الخلق به فالاظهار افضل. قال محمد بن على الحكيم الترمذى ان الانسان اذا اتى بعمله وهو يخفيه عن الخلق وفى نفسه شهوة ان يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة فههنا الشيطان يردد عليه رؤية الخلق والقلب ينكر ذلك ويدفعه فهذا الانسان فى محاربة الشيطان فضوعف العمل فى السر سبعين ضعفا على العلانية ثم ان تقرب العبد الى الله انما يكون بفرض اوجبه الله عليه او بنفل اوجبه العبد على نفسه. فعلى كلا التقديرين الله عليم بهما فيجازى العبد بهما كما قال فى حديث ربانى " لن يتقرب الى المتقربون بمثل ما افترضت عليهم ولا يزال العبد يتقرب الى بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت له سمعا وبصرا ولسانا ويدا فبى يسمع وبى يبصر وبى ينطق وبى يبطش ". ولكن الشأن اخلاص العمل لله من غير شوبه بعلة دنيوية او اخروية فانها شرك والشرك ظلم عظيم فلا بد من الاجتناب جو رويى بخدمت نهى بر زمين خدارا ثناكوى وخودرا مبين فاخفاء الصدقة اشارة فى الحقيقة الى تخليصها من شوب الحظوظ النفسانية لتكون خالصة لله فصاحبها يكون فى ظل الله كما قال عليه السلام " المرء يكون فى ظل صدقته يوم القيامة ". يعنى ان كانت صدقته لله فيكون فى ظل الله وان كانت صدقته للجنة فيكون فى ظل الجنة وان كانت صدقته للهوى فيكون فى ظل هاوية فافهم جدا رطب ناورد جوب خرزهره بار جه تخم افكنى بر همان جشم دار

البقرة 2:272

{ ليس عليك هداهم } اى لا يجب عليك يا محمد ان تجعلهم مهديين الى الاتيان بما امروا به من المحاسن والانتهاء عما نهوا عنه من القبائح المعدودة وانما الواجب عليك الارشاد الى الخير والحث عليه والنهى عن الشر والردع عنه بما اوحى اليك من الآيات والذكر الحكيم والخطاب خاص والمراد عام يتناول كل اهل الاسلام { ولكن الله يهدى } هداية خاصة موصلة الى المطلوب حتما { من يشاء } هدايته الى ذلك ممن يتذكر بما ذكر ويتبع ويختار الخير فهدى التوفيق على الله وهدى البيان على النبى صلى الله عليه وسلم. وقيل لما كثر فقراء المسلمين نهى رسول الله عليه وسلم المسلمين عن التصدق على المشركين كى تحملهم الحاجة على الدخول فى الاسلام فنزلت اى ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لاجل دخولهم فى الاسلام وفيه ايماء الى ان الكفر لا يمنع صدقة التطوع واختلف فى الواجب فجوزه ابو حنيفة واباه غيره { وما تنفقوا من خير } اى أى شىء تتصدقوا كائن من مال { فلأنفسكم } اى فهو لانفسكم لا ينتفع به غيركم فلا تمنوا على من اعطيتموه ولا تؤذوه ولا تنفقوا من الخبيث او فنفعه الدينى لكم لا لغيركم من الفقراء حتى تمنعوه ممن لا ينتفع به من حيث الدين من فقراء المشركين. وعن بعض العلماء لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك { وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله } استثناء من اعم العلل او اعم الاحوال اى ليست نفقتكم لشىء من الاشياء الا لابتغاء وجه الله او ليست فى حال من الاحوال الا حال ابتغاء وجه الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذى لا يوجه مثله الى الله { وما تنفقوا } اى أى شىء تنفقوا { من خير } فى اهل الذمة وغيرهم { يوف إليكم } اى يوفر لكم اجره وثوابه اضعافا مضاعفة فلا عذر لكم فى ان ترغبوا عن انفاقه على احسن الوجوه واجملها { وأنتم لا تظلمون } اى لا تنقصون شيأ مما وعدتم من الثواب المضاعف.

البقرة 2:273

{ للفقراء } اى اجعلوا ما تنفقونه للفقراء { الذين أحصروا فى سبيل الله } اى حبسوا نفوسهم فى طاعته من الغزو والجهاد { لا يستطيعون } لاشتغالهم به { ضربا فى الأرض } اى ذهابا فيها وسيرا فى البلاد للكسب والتجارة وقيل هم اصحاب الصفة وهم نحو من اربعمائة رجل من مهاجرى قريش لم يكن لهم مساكن فى المدينة ولا عشائر فكانوا فى صفة المسجد وهى سقيفته يتعلمون القرآن بالليل ويرضخون النوى بالنهار وكانوا يخرجون فى كل سرية بعثها رسول الله فكان من عنده فضل اتاهم به اذا امسى وعن ابن عباس رضى الله عنهما " وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما على اصاحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال " ابشروا يا اصحاب الصفة فمن لقى الله من امتى على النعت الذى انتم عليه راضيا بما فيه فانه من رفقائى ". { يحسبهم الجاهل } اى يظنهم الجاهل بحالهم وشأنهم { أغنياء من التعفف } اى من اجل تعففهم عن المسألة وهو ترك الطلب ومنع النفس عن المراد بالتكلف استحياء { تعرفهم } اى تعرف فقرهم واضطرارهم { بسيماهم } اى بما تعاين منهم من الضعف ورثاثة الحال. والسيما والسيمياء العلامة التى تعرف بها الشىء { لا يسألون الناس إلحافا } مفعول له ففيه نفى السؤال والالحاف جميعا اى لا يسألون الناس اصلا فيكون الحافا والالحاف الالزام والالحاح وهو ان يلازم السائل المسئول حتى يعطيه ويجوز السؤال عند الحاجة والاثم مرفوع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لان يأخذ احدكم حبله فيذهب فيأتى بحزمة حطب على ظهره فيكف بها وجهه خير له من ان يسأل الناس اشياءهم اعطوه او منعوه ". وعن النبى صلى الله عليه وسلم " ان الله يحب الحى الحليم المتعفف ويبغض البذى السائل الملحف ". { وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم } فيجازيكم بذلك احسن جزآء فهو ترغيب فى التصدق لا سيما على هؤلاء ثم زاد التحريض عليه بقوله.

البقرة 2:274

{ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } اى يعمون الاوقات والاحوال بالخير والصدقة فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال وقيل نزلت فى شأن الصديق رضى الله عنه حين تصدق باربعين الف دينار عشرة آلاف منها بالليل وعشرة بالنهار وعشرة سرا وعشرة علانية { فلهم اجرهم } اى ثوابهم حاضر { عند ربهم ولا خوف عليهم } من مكروه آت { ولا هم يحزنون } من محبوب فات. واعلم ان الانفاق على سادة اختاروا الفقر على الغنى محبة لله واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حرفة فانه صلى الله عليه وسلم كان يقول " لى حرفتان الفقر والجهاد ". وهم احق بها واولى والعبد اذا انفق من كل معاملة فيها خير من المال او الجاه او خدمة النفس او اعزاز او اكرام او اعظام او ارادة بالقلب حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقا واجلالا لا استخفافا واذلالا فان الله به عليم فان تقرب اليه فى الانفاق بشبر يتقرب هو اليه فى المجازاة بذراع وان تقرب بذراع يتقرب اليه بباع فلا نهاية لفضله ولا غاية لكرمه فطوبى لمن ترك الدنيا بطيب القلب واختار الله على كل شىء ومن كان لله كان الله له. روى ان حسن ستة اشياء فى ستة العلم والعدل والسخاوة والتوبة والصبر والحياء. العلم فى العمل. والعدل فى السلطان. والسخاوة فى الاغنياء. والتوبة فى الشباب. والصبر فى الفقر. والحياء فى النساء. العلم بلا عمل كبيت بلا سقف والسلطان بلا عدل كبئر بلا ماء. والغنى بلا سخاوة كسحاب بلا مطر. والشباب بلا توبة كشجر بلا ثمر. والفقر بلا صبر كقنديل بلا ضياء. والنساء بلا حياء كطعام بلا ملح. فعلى الغنى ان يمطر من سحاب غنى بركات الدين والدنيا ويتسبب لاحياء قلوب ماتت بالفقر والاحتياج فان الله لا يضيع اجر المحسنين بسنديده رأيى كه بخشيد وخورد جهان ازبى خويشتن كرد كرد يعنى ان الذى له رأى صائب هو الذى تنعم بماله وانعم وجمع الدنيا لاجله لا لغيره فان من جمع مالا ولم يأكل منه ولم يعط فهو جامع لغيره فى الحقيقة اذ هو لوارثه بعده.

البقرة 2:275

{ الذين يأكلون الربوا } اى يأخذونه وعبر عنه بالاكل لانه معظم المقصود من المال ولشيوعه فى المطعومات والربا فضل فى الكيل والوزن خال عن العوض عند ابى حنيفة واصحابه ويجرى فى الاشياء الستة الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح وكتب بالواو تنبيها على اصله لانه من ربا يربو وزيدت الالف تشبيها بواو الجمع { لا يقومون } اى من قبورهم اذا بعثوا { إلا كما يقوم } اى الا قياما مثل قيام { الذى يتخبطه } اى يضربه ويصرعه { الشيطان من المس } اى الجنون متعلق بلا يقومون يعنى لا يقومون من المس الذى بهم الا كقيام المصروع المختل اى فاسد العقل ويكون ذلك سيماهم يعرفون به عند اهل الموقف وقيل الذين يخرجون من الاجداث يوفضون الا اكلة الربا فانهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لانهم اكلوا الربا فارباه الله تعالى فى بطونهم حتى اثقلهم فلا يقدرون على الايفاض { ذلك } اى العذاب النازل بهم { بأنهم قالوا } اى بسبب قولهم { إنما البيع مثل الربوا } فنظموا الربا والبيع فى سلك واحد لافضائهما الى الربح فاستحلوه استحلاله وقالوا يجوز بيع درهم بدرهمين كما يجوز بيع ما قيمته درهم بدرهمين وحق الكلام ان يقال انما الربا مثل البيع الا انه على المبالغة اى اعتقدوه حلا حتى ظنوا انه اصل او قالوا انما البيع مثل الربا فلم لا يحل فان الزيادة فى اوله كما هى فى آخره روى ان اهل الجاهلية كان احدهم اذا حل ماله على غريمه فطالبه به يقول الغريم لصاحب الاجل زدنى شيأ فى الاجل حتى ازيدك فى المال فيفعلان ذلك ويقولان سواء علينا الزيادة فى اول البيع بالربح او عند المحل لاجل التأخير فكذبهم الله وقال { وأحل الله البيع وحرم الربوا } اى كيف يتماثلان والبيع محلل بتحليل الله والربا محرم بتحريم الله تعالى { فمن جاءه موعظة } اى فمن بلغه وعظ وزجر كالنهى عن الربا { من ربه فانتهى } اى فاتعظ بلا تراخ وتبع النهى { فله ما سلف } اى مضى من ذنبه فلا يؤاخذ به لانه اخذ قبل نزول التحريم وجعل ملكا له ولا يسترد منه { وامره الى الله } يجازيه على انتهائه ان كان عن قبول الموعظة وصدق النية. وقيل يحكم فى شأنه يوم القيامة وليس من امره اليكم شىء فلا تطالبوه به { ومن عاد } الى الربا مستحلا بعد النهى كما استحل قبله { فأولئك } اشارة الى من باعتبار المعنى { أصحاب النار } اى ملازموها { هم فيها خالدون } ماكثون ابدا.

البقرة 2:276

{ يمحق الله الربوا } المحق نقضان الشىء حالا بعد حال حتى يذهب كله كما فى محاق الشهر وهو حال آخذ الربا فان الله يذهب بركته ويهلك المال الذى يدخل فيه ولا ينتفع به ولده بعده { ويربى الصدقات } يضاعف ثوابها ويبارك فيها ويزيد المال الذى اخرجت منه الصدقة روى عنه صلى الله عليه وسلم " ان الله يقبل الصدقة ويربيها كما يربى احدكم مهره ". وعنه ايضا " ما نقصت زكاة من مال قط ". { والله لا يحب } اى لا يرضى لان الحب مختص بالتوابين { كل كفار } مصر على تحليل المحرمات { أثيم } منهمك فى ارتكابها.

البقرة 2:277

{ إن الذين آمنوا } بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وبما جاءهم به { وعملوا الصالحات } اى الطاعات { وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة } تخصيصهما بالذكر مع اندراجهما فى الصالحات لانافتهما على سائر الاعمال الصالحة { لهم اجرهم } الموعود لهم حال كونه { عند ربهم ولا خوف عليهم } من مكروه آت { ولا هم يحزنون } من محبوب فات. واعلم ان آكل الربا لحرصه على الدنيا مثله كمثل من به جوع الكلب فيأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فكلما يقوم يصرعه ثقل بطنه فكذا حال اهل الربا يوم القيامة ونعم ما قيل توان بحلق فرو بردن استخوان درشت ولى شكم بدرد جون بكيردندار ناف فالعاقل لا يأكل ما لا يتحمله فى الدنيا والآخرة فطوبى لمن يقتصد فى اخذ الدنيا ولا يحمله الحرص على اخذها بغير حقها فهو ينجو من وبالها وهو مثل التاجر الذى يكسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدى حقه وان كان له حرص فى الطلب والجمع ولكن لما كان بامر الشرع وطريق الحل ولا يمنع ذا الحق حقه ما اضر به كما اضر بآكل الربا روى ان النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وكسب البغى ولعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والواشمة والمستوشمة والمصور قال عليه السلام " الربا بضع وسبعون بابا ادناها كأتيان الرجل أمه ". يعنى كالزنى بامه والعياذ بالله فمن سمع هذا القول العظيم فليبادر بالتوبة الى باب المولى الكريم ذلك لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد. ومن اقرض شيأ بشرط ان يرد عليه افضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا وكان لابى حنيفة رحمه الله على رجل الف درهم سود فرد عليه الف درهم بيض فقال ابو حنيفة لا اريد هذا الابيض بدل دراهمى فاخاف ان يكون هذا البياض ربا فرده واخذ مثل دراهمه. قال ابو بكر لقيت ابا حنيفة على باب رجل وكان يقرع الباب ثم يتنحى ويقوم فى الشمس فسألته عنه فقال ان لى على صاحبه دينا وقد نهى عن قرض جر منفعة فلا انتفع بظل حائطه. ويقرب منه ما روى عن ابى يزيد البسطامى قدس سره من انه اشترى من همذان حب القرطم ففضل منه شىء فلما رجع الى بسطام رأى فيه نملتين فرجع الى همذان ووضع النملتين فهذا هو الورع وكمال التقوى ومثل هذا لا يوجد فى هذا الزمان وان وجد فاقل من القليل واكثر الناس ولو كانوا صوفية لا يفرقون بين الحلال والحرام والشبهات ولذا ترى امر الدين صار مهملا وعاد غريبا هدانا الله واياكم الى سواء الطريق انه ولى التوفيق قال جلال الدين الرومى اى زخودت بى وقوف لاف ترا يوف يوف فضل نبخشد تراجبه ودستار وصوف

البقرة 2:278

{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله } اى قوا انفسكم عقابه { وذروا ما بقى من الربا } اى واتركوا تركا كليا ما بقى لكم غير مقبوض من مال الربا على من عاملتموه به { ان كنتم مؤمنين } على الحقيقة فان ذلك مستلزم لامتثال ما امرتم به البتة روى انه كان لثقيف مال على بعض قريش فطالبوهم عند المحل بالمال والربا فنزلت.

البقرة 2:279

{ فإن لم تفعلوا } اى ما امرتم به من الاتقاء وترك البقايا اما مع انكار حرمته واما مع الاعتراف بها { فأذنوا } اى فاعلموا من اذن بالامر اذا علم به { بحرب } اى بنوع من الحرب عظيم لا يقادر قدره كائن { من } عند { الله ورسوله } وحرب الله حرب ناره اى بعذاب من عنده وحرب رسوله نار حربه اى القتال والفتنة فلما نزلت قالت ثقيف لا طاقة لنا بحرب الله ورسوله { وان تبتم } من الارتباء مع الايمان بحرمته بعدما سمعتموه من الوعيد { فلكم رؤس أموالكم } تأخذونها كملا { لا تظلمون } غرماءكم بأخذ الزيادة { ولا تظلمون } انتم من قبلهم بالمطل والنقص عن رأس المال هذا هو الحكم اذا تاب ومن لم يتب من المؤمنين واصر على عمل الربا فان لم يكن ذا شوكة عزر وحبس الى ان يتوب وان كان ذا شوكة حاربه الامام كما يحارب الباغية كما حارب ابو بكر رضى عنه مانع الزكاة وكذا القول لو اجتمعوا على ترك الاذان او ترك دفن الموتى.

البقرة 2:280

{ وإن كان ذو عسرة } اى وان وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة وهى بالاعدام او كساد المتاع { فنظرة } اى فالحكم نظرة وهى من الانظار والامهال { إلى ميسرة } اى الى يسار { وإن تصدقوا } اى وتصدقكم باسقاط الدين كله عمن اعسر من الغرماء او بالتأخير والانظار { خير لكم } اى اكثر ثوابا { إن كنتم تعلمون } جوابه محذوف اى ان كنتم تعلمون انه خير لكم عملتموه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره الا كان له بكل يوم صدقة ". وقال صلى الله عليه وسلم " من انظر معسرا أو وضع له انجاه الله من كرب يوم القيامة ". وفى القرض والادانة فضائل كثير روى ان امامة الباهلى رضى الله عنه رأى فى المنام على باب الجنة مكتوبا القرض بثمانية عشر أمثاله والصدقة بعشر امثالها فقال ولم هذا فاجيب بان الصدقة ربما وقعت فى يد غنى وان صاحب القرض لا يأتيك الا وهو محتاج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاث من جاء بهن يوم القيامة مع ايمان دخل من أى ابواب الجنة شاء وزوج من حور العين كما شاء من عفا عن قاتل وقرأ دبر كل صلاة مكتوبة قل هو الله احد عشر مرات ومن ادان دينا لمن يطلب منه " فقال ابو بكر الصديق او احداهن يا رسول الله قال " او احداهن ". واعلم ان الاستدانة فى احوال ثلاث فى ضعف قوته فى سبيل الله وفى تكفين فقير مات عن قلة وفقر وفى نكاح يطلب به العفة عن فتنة العذوبة فيستدين متوكلا على الله فالله تعالى يفتح ابواب اسباب القضاء قال صلى الله عليه وسلم " من ادان دينا وهو ينوى قضاءه وكل به ملائكة يحفظونه ويدعون له حتى يقضيه ". وكان جماعة من السلف يستقرضون من غير حاجة لهذا الخبر ومهما قدر على قضاء الدين فليبادر اليه ولو قبل وقته " وعن النبى صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام " الشهادة تكفر كل شىء الا الدين يا محمد " ثلاثا ". فعلى العاقل ان يقضى ما عليه من الديون ويخاف من وبال سوء نيته يوم يبعثون وهذا حال من ادى الفرض فانه يهون عليه ان يؤدى القرض. واما المرتكب وتارك الفرائض فلا يبالى بالفرائض فكيف بالديون والاقراض ولذا قيل وامش مده آنكه بى نمازست ور خود دهنش زفاقه بازست كو فرض خدا نمى كذارد از قرض تو نيز غم ندارد واحوال هذا الزمان مختلة كاخوانه فطوبى لمن تمسك بالقناعة فى زمانه. ومن شرط المؤمن الحقيقى اتقاؤه بالله فى ترك زيادات لا يحتاج اليها فى امر الدين بل تكون شاغلة له عن الترقى فى مراتب الدين كما قال عليه السلام " من حسن اسلام المرء تركه مالا يعنيه ".

البقرة 2:281

{ واتقوا يوما } نصب ظرفا تقديره واتقوا عذاب الله يوما او مفعولا به كقوله فكيف تتقون إن كفرتم يوما المزمل 17. اى كيف تتقون هذا اليوم الذى هذا وصفه مع الكفر بالله { ترجعون فيه } على البناء للمفعول من الرجع اى تصيرون فيه { إلى الله } لمحاسبة اعمالكم { ثم توفى كل نفس } من النفوس اى تعطى كملا { ما كسبت } اى جزاء ما عملت من خير او شر { وهم لا يظلمون } اى لا ينقصون من ثوابهم ولا يزادون على عقابهم وهو حال من كل نفس تفيد ان المعاقبين وان كانت عقوباتهم مؤبدة غير مظلومين فى ذلك لما انه من قبل انفسهم وعن ابن عباس رضى الله عنهما هذه آخر آية نزلت ولقى رسول الله ربه بعدها بسبعة او تسعة ايام او احد وعشرين او احد وثمانين يوما او ثلاث ساعات وقال له جبريل عليه السلام ضعها على رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة فجعلت بين آية الدين وآية الربا تأكيدا للزجر عن الربا روى ان رسول صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وبعث يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين وقبض يوم الاثنين وكان مريضا ثمانية عشر يوما يعوده الناس وكان آخر ما يقول صلى الله عليه وسلم " الصلاة وما ملكت ايمانكم الصلاة فانا لله وانا اليه راجعون ". قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من اصيب بمصيبة فليذكر مصيبته بى فانها اعظم المصائب ". وقال عليه السلام " من كان له فرطان من امتى ادخله الله بهما الجنة " فقالت له عائشة رضى الله عنها فمن كان له فرض من امتك قال " ومن كان له فرط يا موفقة " قالت فمن لم يكن له فرط من امتك قال " انا فرط لامتى لن يصابوا بمثلى " قال تعالى وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين الأنبياء 107. فكانت حياته ومماته رحمة قال صلى الله عليه وسلم " اذا اراد الله بامة رحمة قبض نبيها قبلها فجعله سلفا وفرطا لها ". ورثاه صلى الله عليه وسلم بعض الانصار فقال الصبر يحمد فى المواطن كلها الا عليك فانه مذموم واعلم ان الله تعالى جمع فى هذه الآية خلاصة ما انزله فى القرآن وجعلها خاتم الوحى والانزال كما انه جمع خلاصة ما انزل من الكتب على الانبياء فى القرآن وجعله خاتم الكتب كما ان النبى عليه السلام خاتم الانبياء عليهم السلام وقد جمع فيه اخلاق الانبياء. فاعلم ان خلاصة جميع الكتب المنزلة وفائدتها بالنسبة الى الانسان عائدة الى معنيين. احدهما نجاته من الدركات السفلى. وثانيهما فوزه بالدرجات العليا فنجاته فى خروجه عن الدركات السفلى وهى سبعة الكفر والشرك والجهل والمعاصى والاخلاق المذمومة وحجب الاوصاف وحجاب النفس وفوزه فى ترقيه على الدرجات العليا وهى ثمانية المعرفة لله والتوحيد لله والعلم والطاعات والاخلاق الحميدة وجذبات الحق والفناء عن انانيته والبقاء بهويته فهذه الآية تشير الى مجموعها اجمالا قوله تعالى { واتقوا } هى لفظة شاملة لما يتعلق بالسعى الانسانى من هذه المعانى لان حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك اليه دليله قول النبى عليه السلام " جماع التقوى قول الله تعالى ان الله يأمر بالعدل والاحسان ". الآية فيندرج تحت التقوى على هذا المعنى الخروج عن الدركات السفلى والترقى على الدرجات العليا. فتقوى العوام الخروج عن الكفر بالمعرفة وعن الشرك بالتوحيد وعن الجهل بالعلم وعن المعاصى بالطاعات وعن الاخلاق المذمومة بالاخلاق المحمودة وههنا ينتهى سير العوام لان نهاية كسب الانسان وغاية جهد المجتهدين فى اقامة شرائط جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا. فمن ههنا تقوى الخواص المجذوبين بجذبات لنهديهم سبلنا فتخرجهم الجذبة من حجب اوصافهم الى درجة تجلى صفات الحق فههنا ينقضى سلوك الخواص فيستظلون بظل سدرة المنتهى عندها جنة المأوى فينتفعون من مواهب اذ يغشى السدرة ما يغشى. واما تقوى خواص الخواص فبجذبة رفرف العناية بجذب ما زاغ البصر وما طغى من سدرة منتهى الاوصاف الى قاب قوسين نهاية حجب النفس وبداية انوار القدس فهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه فالبتقوى الحقيقية يجد الايمان الحقيقى فمعنى { واتقوا } جاهدوا فينا بجهدكم وطاقتكم { يوما } يعنى ليوم فيه لنهدينكم بجذبات العناية { ترجعون فيه الى الله } اشار بلفظ الرجوع اليه ليعلم ان الشروع كان منه هدانا الله واياكم الى مقام الجمع واليقين وشرفنا بلطائف التحقيق والتمكين انه نصير ومعين يصيب برحمته من يشاء من عباده الصالحين.

البقرة 2:282

{ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين } اى اذا داين بعضكم بعضا وعامله نسيئة معطيا وآخذا كما تقول بايعته اذا بعته او باعك وفائدة ذكر الدين دفع توهم كون التداين بمعنى المجازاة والتنبيه على تنوعه الى الحال والمؤجل وانه الباعث على الكتب وتعيين المرجع للضمير المنصوب المتصل بالامر وهو فاكتبوه { إلى أجل } متعلق بتداينتم { مسمى } بالايام او الاشهر او السنة وغيرها مما يفيد العلم ويرفع الجهالة لا بالحاصد والدياس وقدوم الحاج مما لا يرفعها { فاكتبوه } اى الدين باجله لانه اوثق وادفع للنزاع والجمهور على استحبابه { وليكتب بينكم كاتب } بيان لكيفية الكتابة المأمور بها وتعيين لمن يتولاها اثر الامر بها اجمالا وقوله بينكم للايذان بان الكاتب ينبغى ان يتوسط بين المتداينين ويكتب كلامهما ولا يكتفى بكلام احدهما { بالعدل } اى كاتب كائن بالعدل اى وليكن المتصدى للكتابة من شأنه ان يكتب بالتسوية من غير ميل الى احد الجانبين لا يزيد ولا ينقص وهو امر للمتداينين باختيار كاتب فقيه دين يجئ كتابه موثقا به معدلا بالشرع { ولا يأب كاتب } اى لا يمتنع احد من الكتاب { أن يكتب } كتاب الدين { كما علمه الله } على طريقة ما علمه الله من كتب الوثائق { فليكتب } تلك الكتابة المعلمة امر بها بعد النهى عن ابائها تأكيدا لها { وليملل الذى عليه الحق } الاملال هو الاملاء وهو القاء المعنى على الكاتب للكتابة اى ليكن المملل اى مورد المعنى على الكاتب من عليه الحق اى الدين لانه المشهود عليه فلا بد ان يكون هو المقر { وليتق الله ربه } جمع بين الاسم الجليل والنعت الجميل للمبالغة فى التحذير اى وليتق المملى دون الكاتب كما قيل لقوله تعالى { ولا يبخس منه } اى من الحق الذى يمليه على الكاتب { شيئا } فانه هو الذى يتوقع منه البخس خاصة. واما الكاتب فيتوقع منه الزيادة كما يتوقع منه البخس وانما شدد فى تكليف المملى حيث جمع فيه بين الامر بالاتقاء والنهى عن البخس لما فيه من الدواعى الى المنهى عنه فان الانسان مجبول على دفع الضرر عن نفسه وتخفيف ما فى ذمته { فإن كان الذى عليه الحق سفيها } ناقص العقل مبذرا مجازفا { أو ضعيفا } صبيا او شيخا مختلا { أو لا يستطيع أن يمل هو } اى غير مستطيع للاملاء بنفسه لخرس او عى او جهل او غير ذلك من العوارض { فليملل وليه } اى الذى يلى امره ويقوم مقامه من قيم او وكيل او مترجم { بالعدل } اى من غير نقص ولا زيادة { واستشهدوا شهيدين } اى اطلبوهما ليتحملا الشهادة على ما جرى بينكما من المداينة وتسميتهما شهيدين لتنزيل المشارف منزلة الكائن { من رجالكم } متعلق باستشهدوا اى من اهل دينكم يعنى من الاحرار البالغين المسلمين اذ الكلام فى معملاتهم فان خطابات الشرع لا تنتظم العبيد بطريق العبارة واما اذا كانت المداينة بين الكفرة او كان من عليه الحق كافرا فيجوز استشهاد الكافر عندنا { فإن لم يكونا } اى الشهيدان جميعا على طريقة نفى الشمول لا شمول النفى { رجلين } اما لاعوازهما او لسبب آخر من الاسباب { فرجل وامرأتان } اى فليشهد رجل وامرأتان وشهادة النساء مع الرجال فى الاموال جائزة بالاجماع دون الحدود والقصاص فلا بد فيهما من الرجال { ممن ترضون } متعلق بمحذوف وقع صفة لرجل وامرأتان اى كائنون مرضيين عندكم وتخصيصهم بالوصف المذكور مع تحقق اعتباره فى كل شهيد لقلة اتصاف النساء به { من الشهداء } متعلق بمحذوف وقع حالا من الضمير المحذوف الراجع الى الموصول اى ممن ترضونهم كائنين من بعض الشهداء لعلمكم بعدالتهم وثقتكم بهم وادراج النساء فى الشهداء بطريق التغليب { أن تضل إحداهما } اى احدى المرأتين الشاهدتين { فتذكر إحداهما الأخرى } وهذا تعليل لاعتبار العدد فى النساء والعلة فى الحقيقة هى التذكير ولكن الضلال لما كان سببا له نزل منزلته كما فى قولك اعددت السلاح ان يجيئ عدو فادفعه فالاعداد للدفع لا لمجيئ العدو لكن قدم عليه المجيئ لانه سببه كأنه قيل لاجل ان تذكر احداهما الاخرى ان ضلت الشهادة بأن نسيت ثم حث الشهداء على اقامة الشهادة بقوله { ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا } لاداء الشهادة او لتحملها وما مزيدة { ولا تسأموا } اى لا تملوا من كثرة مدايناتكم { أن تكتبوه } اى من ان تكتبوا الدين او الحق او الكتاب { صغيرا أو كبيرا } حال من الضمير اى حال كونه صغيرا او كبيرا اى قليلا او كثيرا او مجملا او مفصلا { إلى أجله } متعلق بمحذوف وقع حالا من الهاء فى تكتبوه اى مستقرا فى الذمة الى وقت حلوله الذى اقر به المديون { ذلكم } اى كتب الحق الى اجله ايها المؤمنون { أقسط } اى اعدل { عند الله } اى فى حكمه تعالى { وأقوم للشهادة } اى اثبت لها واعون على اقامتها { وأدنى ألا ترتابوا } اى اقرب الى انتفاء ريبكم فى جنس الدين وقدره واجله وشهوده ونحو ذلك { إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم } استثناء منقطع من الامر بالكتابة اى لكن وقت كون تداينكم او تجارتكم تجارة حاضرة بحضور البدلين تديرونها بينكم بتعاطيها يدا بيد { فليس عليكم جناح ألا تكتبوها } اى فلا بأس بان لا تكتبوها لبعده عن التنازع والنسيان { وأشهدوا إذا تبايعتم } اى هذا التبايع او مطلقا لانه احوط. والاوامر الواردة فى الآية الكريمة للندب عند الجمهور { ولا يضار } يحتمل البناء على الفاعل وعلى المفعول فعلى الاول نهى للكاتب عن ترك الاجابة الى ما يطلب منه وعن التحريف والزيادة والنقصان اى لا يمتنع { كاتب } عن الكتابة المقصودة { ولا شهيد } اى ولا يمتنع الشاهد عن اقامة الشهادة المعلومة وعلى الثانى النهى عن الضرار بالكاتب والشاهد اى لا يوصل احد مضرة للكاتب والشهيد اذا كانا مشغولين بما يهمهما ويوجد غيرهما فلا يضاران بابطال شغلهما وقد يكون اضرار الكاتب والشهيد بان لا يعطى حقهما من الجعل فيكون النهى عن ذلك { وإن تفعلوا } ما نهيتم عنه من الضرار { فإنه } اى فعلكم ذلك { فسوق بكم } اى خروج عن الطاعة ملتبس بكم { واتقوا الله } فى مخالفة اوامره ونواهيه التى من جملتها نهيه عن المضارة { ويعلمكم الله } احكامه المتضمنة لمصالحكم { والله بكل شىء عليم } فلا يخفى عليه حالكم وهو مجازيكم بذلك. ثم هذه الآية اطول آية فى القرآن وابسطها شرحا وابينها وابلغها وجوها يعلم بذلك ان مراعاة حقوق الخلق واجبة والاحتياط على الاموال التى بها امور الدين والدنيا لازم فمن سعى بالحق فقد نجا والا فقد غوى كسى راكه سعى قدم بيشتر بدركاه حق منزلش بيشتر والله تعالى من كمال رحمته على عباده علمهم كيفية معاملاتهم فيما بينهم لئلا يجرى من بعضهم على بعض حيف ولئلا يتخاصموا ويتنازعوا فيحقد بعضهم على بعض فامر بتحصين الحقوق بالكتابة والاشهاد وامر الشهود بالتحمل ثم بالاقامة وامر الكاتب ان يكتب كما علمه الله بالعدل وراعى فى ذلك دقائق كثيرة كما ذكرها. فيشير بهذه المعانى الى ثلاثة احوال. اولها حال الله تعالى مع عباده فيظهر من آثار الطافه معهم انه تعالى كيف يرفق بهم ويعلمهم كيفية معاملاتهم الدنيوية حتى لا يكونوا فى خسران من امر دنياهم ولا يكون فيما بينهم عداوة وخصومة تؤدى الى تنغيص عيشهم فى الدنيا وعقوبة فى الآخرة فيستدلوا بها على ان تكاليف الشرع التى امروا بها ايضا من كمال مرحمته استعملهم بها ليفيض بها عليهم سجال نعمه كقوله تعالى ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم المائدة 6 الآية. وثانيها حال العباد مع الله ليعلموا برعاية هذه الدقائق للامور الدنيوية الفانية ان للامور الاخروية الباقية فيما بينهم وبين الله ايضا دقائق كثيرة والعباد بها محاسبون وعلى مثقال ذرة من خيرها مثابون وعلى مثقال ذرة من شرها معاقبون وانها بالرعاية اولى واحرى من امور الدنيا وان الله تعالى كما امر العباد ان يكتبوا كتاب المبايعة فيما بينهم ويستهشدوا عليهم العدول وقد كتب كتاب مبايعة جرت بينه وبين عبادة فى الميثاق فان الله تعالى اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة وعلى هذا عاهدهم واشهد الملائكة الكرام عليه ثم رقم فى الكتاب ان ياقوتة من الجنة وديعة وهى الحجر الاسود. وثالثها حال العباد فيما بينهم فليعتبر كل واحد منهم من ملاطفات الحق معهم وليتخلق باخلاق الحق فى مخالفتهم وليتوسل الى الله بحسن مرافقتهم وليحفظ حدود الله فى مخالفتهم وموافقتهم وليتمسك بعروة محبتهم فى الله وجذبتهم لله ونصحهم بالله ليحرز فى رفقتهم صراطا مستقيما ويفوز من زمرتهم فوزا عظيما ففى جميع الاحوال كونوا مع الله كما قال { واتقوا الله ويعلمكم الله } اى اتقوا فى الاحوال الثلاثة كما يعلمكم الله بالعبارات والاشارات { والله بكل شىء } تعملونه فى جميع الاحوال من الاقوال والافعال { عليم } يعلم مضمون ضمائركم ومكنون سرائركم فيجازيكم على حسن معاملتكم بقدر خلوصكم وصفاء نياتكم وصدق طوياتكم فطوبى لمن صفى قلبه عن سفساف الاخلاق وعزم الى عالم السر والاطلاق واحسن المعاملة مع الله فى جميع الحالات ووصل الى الدرجات العاليات حقائق سراييست آراسته هوا وهوس كرد برخاسته نه بينى كه جايى كه برخاست كرد نه بيند نظر كرجه بيناست مرد يعنى ان عالم الغيب كالبيت المزين والهوى كالنقع المثار فما دام لم يترك المرء هواه لا يرى ما يهواه فان الحجاب اذا توسط بين الرائى والمرئى يمنع من الرؤية فارفع الموانع من البين وتشرف بوصول العين.

البقرة 2:283

{ وإن كنتم على سفر } اى مسافرين اى متوجهين اليه ومقبلين { ولم تجدوا كاتبا } فى المداينة بان لا يحسن الكتابة او لا توجد الصحيفة او الدواة والقلم ولم يتعرض لحال الشاهد لما انه فى حكم الكاتب توثقا واعوازا { فرهان } جمع رهن اى فالتوثق رهن { مقبوضة } اى مسلمة الى المرتهن ولا بد من القبض حتى لو رهن ولم يسلم لا يجبر الراهن على التسليم وانما شرط السفر فى الارتهان مع ان الارتهان لا يختص به سفر دون حضر لان السفر لما كان مظنة عدم الكتب باعواز الكاتب والشاهد امر بالارتهان ليقوم مقامهما تأكيدا وتوثيقا لحفظ المال فالكلام خرج على الاعم الاغلب لا على سبيل الشرط وقد رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم درعه فى المدينة من يهودى بعشرين صاعا من شعير واخذه لاهله { فإن أمن بعضكم بعضا } اى بعض الدائنين بعض المديونين لحسن ظنه به واستغنى بامانته عن الارتهان فلم يطلب منه الرهن { فليؤد الذى اؤتمن } وهو المديون والائتمان الوثوق بامانة الرجل وانما عبر عنه بذلك العنوان لتعينه طريقا للاعلام ولحمله على الاداء { أمانته } اى فليقض المطلوب الامين ما فى ذمته من الدين من غير رهن منه وسمى الدين امانة لتعلقه بالذمة كتعلق الامانة { وليتق الله ربه } فى رعاية حقوق الامانة واداء الدين من غير مطل { ولا تكتموا الشهادة } ايها الشهود اذا دعيتم الى الحاكم لادائها على وجهها { ومن يكتمها فإنه آثم قلبه } فاعل آثم كأنه قيل فانه يأثم قلبه. فان قلت هلا اقتصر على قوله فانه آثم وما فائدة ذكر القلب والجملة هى الآثمة لا القلب وحده. قلت كتمان الشهادة هو ان يضمرها ولا يتكلم بها فلما كان الاثم مقترفا بالقلب اسند اليه لان اسناد الفعل الى الجارحة التى يعمل بها ابلغ الاتراك تقول اذا اردت التوكيد هذا مما ابصرته عينى ومما سمعته اذنى ومما عرفه قلبى ولان القلب هو رأس الاعضاء والمضغة التى ان صلحت صلح الجسد كله وان فسدت فسد الجسد كله فكأنه قيل فقد تمكن الاثم فى اصل نفسه وملك اشرف مكان منه ولئلا يظن ان كتمان الشهادة من الآثام المتعلقة باللسان فقط وليعلم ان القلب اصل متعلقه ومعدن اقترافه واللسان ترجمان عنه ولان افعال القلوب اعظم من افعال سائر الجوارح وهى لها كالاصول التى تتشعب منها ألا ترى ان اصل الحسنات والسيآت الايمان والكفر وهما من افعال القلوب فاذا جعل كتمان الشهادة من آثام القلوب فقد شهد له بانه من معاظم الذنوب وعن ابن عباس رضى الله عنهما اكبر الكبائر الاشراك بالله لقوله تعالى فقد حرم الله عليه الجنة وشهادة الزور وكتمان الشهادة { والله بما تعملون عليم } فيجازيكم به ان خيرا فخير وان شرا فشر وكتمان الشهادة وشهادة الزور من الاعمال التى تجر صاحبها الى النار فانهما من علامات سنخ القلب قال تعالى { فإنه آثم قلبه } والمراد سنخ القلب ونعوذ بالله من ذلك وهما اسهل وقوعا بين الناس والحوامل عليهما كثيرة كالعداوة وغيرها. واعلم ان اهل الدين طائفتان الواقفون والسائرون. فالواقف من لزم عتبة الصورة ولم يفتح له باب الى عالم المعنى فهو كالفرخ المحبوس فى قشر البيضة فيكون مشربه من عالم المعاملات البدنية فلا سبيل له الى عالم القلب ومعاملاته فهو محبوس فى سجن الجسد وعليه موكلان من الكرام الكاتبين يكتبان عليه اعماله الظاهرة بالنقير والقطمير. والسائر من لم يقم ولم ينزل فى منزل فهو مسافر من عالم الصورة الى عالم المعنى ومن مضيق الاجساد الى متسع الارواح وهم صنفان صنف سيار وصنف طيار. فالسيار من يسير بقدم الشرع والعقل على جادة الطريقة. والطيار من يطير بجناحى العشق والهمة فى فضاء الحقيقة وفى رجله جلجلة الشريعة فالاشارة فى قوله { وان كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا } الى السيار الذى تخلص من سجن الجسد وقيد الحواس وزحمة التوكيل فلم يجد له كاتبا يكتب عليه كما قال بعضهم ما كتب على صاحب الشمال منذ عشرين سنة وقال بعضهم كاشف لى صاحب اليمين وقال لى أمل على شيأ من معاملات قلبك لاكتبه فانى اريد ان اتقرب به الى الله قال فقلت له حسبك الفرائض فالحبس والقيد والتوكيل لمن لم يؤد حق صاحب الحق او يكون هاربا منه فيحبس ويقيد ويوكل عليه فاما الذى آناء الليل واطراف النهار يغدو ويروح فى طلب غريمه وما برح فى حريمه فلا يحتاج الى التوكيل والتقييد فقوله { ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } اشارة الى السيار الذى له قلب فيرهنه عند الله تعالى فالرهان هى القلوب التى ليس فيها غير الله المقبوضة بين اصبعين من اصابع الرحمن فاما الطيار الذى هو عاشق مفقود القلب مسلوب العقل مجذوب السير فلا يطالب بالرهن فانه مبطوش ببطشه الشديد مستهام ضاق مذهبه فى هوى من عز مطلبه كل امر فى الهوى عجب وخلاصى منه اعجبه فلم يوجد فى السموات والارض ولا فى الدنيا والآخرة امين يؤتمن لحمل اعباء امانته الا العاشق المسكين.

البقرة 2:284

{ لله ما فى السموات وما فى الأرض } من الامور الداخلة فى حقيقتهما والخارجة عنهما المتمكنة فيهما من اولى العلم وغيره أى كلها له تعالى خلقا وملكا وتصرفا لا شركة لغيره فى شىء منها بوجه من الوجوه فلا تعبدوا احدا سواه ولا تعصوه فيما يأمركم وينهاكم { وإن تبدوا } اى تظهروا { ما فى أنفسكم } اى فى قلوبكم من السوء والعزم عليه وذلك بالقول او بالفعل { أو تخفوه } اى تكتموه عن الناس ولا تظهروه باحد الوجهين ككتمان الشهادة وموالاة المشركين وغيرهما من المناهى ولا يندرج فيه ما لا يخلو عنه البشر من الوساوس واحاديث النفس التى لا عقد ولا عزيمة فيها اذ التكليف بحسب الوسع ودفع ذلك مما ليس فى وسعه { يحاسبكم به الله } اى يجازيكم به يوم القيامة وهو حجة على منكرى الحساب من المعتزلة والروافض { فيغفر } اى فهو يغفر بفضله { لمن يشاء } ان يغفر له وان كان ذنبه كبيرا { ويعذب } بعدله { من يشاء } ان يعذبه وان كان ذنبه حقيرا حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح ويعذب الكفار لا محالة لانه لا يغفر الشرك وتقديم المغفرة على التعذيب لتقدم رحمته على غضبه { والله على كل شىء قدير } فكمال قدرته تعالى على جميع الاشياء موجب لقدرته سبحانه على ما ذكر من المحاسبة وما فرع عليه من المغفرة والتعذيب. قال فى التيسير دل ظاهر قوله او تخفوه على المؤاخذة بما يكون من القلب وجملته ان عزم الكفر كفر وحضرة الذنوب من غير عزم مغفورة وعزم الذنوب اذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور فاما الهم بالسيئة ثم يمتنع عنه بمانع لا باختياره وهو ثابت على ذلك فانه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله يعنى بالعزم على الزنى لا يعاقب عقوبة الزنى وهل يعاقب على الخاطر عقوبة عزم الزنى قيل هو معفو عنه لقوله صلى الله عليه وسلم " ان الله عفا لامتى عما حدثت به انفسها ما لم يعمل او يتكلم ". واكثرهم على ان الحديث فى الحضرة دون العزمة وان المؤاخذة فى العزمة ثابتة وكذا قال الامام ابو منصور رحمه الله انتهى ما فى التيسير. وربما يكون للانسان شركة فى الاثم مثل القتل والزنى وغيرهما اذا رضى به من عامله واشتد حرصه على فعله وفى الحديث " من حضر معصية فكرهها فكأنما غاب عنها ومن غاب عنها فرضيها كان كمن حضرها ". وفى حديث آخر " من احب قوما على اعمالهم حشر فى زمرتهم ". اى جماعتهم " وحوسب يوم القيامة بحسابهم وان لم يعمل باعمالهم ". فعلى العاقل ان يرفع عن قلبه الخواطر الفاسدة ولا يجالس الجماعة الفاسقة كيلا يحشر فى زمرتهم كر نشيند فرشته باديو وحشت آموزد وخيانت وريو ازبدان نيكويى نياموزى نه كند كرك بوستين دوزى والاشارة فى الآية ان الله يطالب العباد بالاستدامة المراقبة واستصحاب المحاسبة لئلا يغفلوا عن حفظ حركات الظاهر وضبط خطرات الباطن فيقعوا فى آفة ترك ادب من آداب العبودية فيهلكوا بسطوات الالوهية. واعلم ان الانسان مركب من عالمى الامر والخلق فله روح نورانى من عالم الامر وهو الملكوت الاعلى وله نفس ظلمانية سفلية من عالم الخلق ولكل واحدة منهما ميل الى عالمها فقصد الروح الى جوار رب العالمين وقربه وقصد النفس الى اسفل السافلين وغاية البعد عن الحق فبعث النبى صلى الله عليه وسلم ليزكى النفوس عن ظلمة اوصافها لتستحق بها جوار رب العالمين فتزكيتها فى اخفاء ظلمة اوصافها بابداء انوار اخلاق الروح عليها فى تحليتها بها فهذا مقام الاولياء مع الله يخرجهم من الظلمات الى النور وبعث الشيطان الى اوليائه وهم اعداء الله ليخرج ارواحهم من النور الروحانى الى الظلمات النفسانية باخفاء انوار اخلاقها فى ابداء ظلمات اخلاق النفس عليها لتستحق بها دركة اسفل السافلين. فمعنى الآية فى التحقيق { إن تبدوا ما فى أنفسكم } مودع من ظلمات الاوصاف النفسانية فى الظاهر بمخالفات الشريعة وفى الباطن بموافقات الطبيعة { أو تخفوه } بتصرفات الطريقة فى موافقات الشريعة ومخالفات الطبيعة { يحاسبكم به الله } بطهارة النفس لقبول انوار الروح واخلاقه او بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس واخلاقها { فيغفر لمن يشاء } فينور نفسه بانوار الروح وروحه بانوار الحق { ويعذب من يشاء } فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلى الكبير { والله على كل شىء } من اظهار اللطف والقهر على تركيب عالمى الخلق والامر { قدير } كذا فى تأويلات الكامل نجم الدين دايه قدس سره.

البقرة 2:285

{ آمن الرسول } اى صدق النبى عليه السلام { بما أنزل } اى بكل ما انزل { إليه من ربه } من آيات القرآن ايمانا تفصيليا متعلقا بجميع ما فيه من الشرائع والاحكام والقصص والمواعظ واحوال الرسل والكتب وغير ذلك من حيث انه منزل منه تعالى. والايمان بحقيقة احكامه وصدق اخباره ونحو ذلك من فروع الايمان به من الحيثية المذكورة ولم يرد به حدوث الايمان فيه بعد ان لم يكن كذلك لانه كان مؤمنا بالله وبوحدانيته قبل الرسالة منه ولا يجوز ان يوصف بغير ذلك لكن اراد به الايمان بالقرآن فانه قبل انزال القرآن اليه لم يكن عليه الايمان به وهو معنى قوله ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الإيمان الشورى 52. اى ولا الايمان بالكتاب فانه قال وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب القصص 86. { والمؤمنون } اى الفريق المعروفون بهذا الاسم وهو مبتدأ { كل } مبتدأ ثان { آمن } خبره والجملة خبر للمبتدأ الاول والرابط بينهما الضمير الذى ناب منابه التنوين وتوحيد الضمير فى آمن مع رجوعه الى كل المؤمنين لما ان المراد بيان ايمان كل فرد منهم من غير اعتبار الاجتماع وتغيير سبك النظم عما قبله لتأكيد الاشعار بما بين ايمانه صلى الله عليه وسلم المبنى على المشاهدة والعيان وبين ايمانهم الناشىء عن الحجة والبرهان من التفاوت البين والاختلاف الجلى كأنهما متخالفان من كل وجه حتى فى الهيئة الدالة عليهما اى كل واحد منهم آمن { بالله } وحده من غير شريك له فى الالوهية والمعبودية هذا ايمان اثبات وتوحيد { وملائكته } اى من حيث انهم عباد مكرمون له تعالى من شأنهم التوسط بينه تعالى وبين الرسل بانزال الكتب والقاء الوحى وهذا ايمان تصديق انهما من عند الله وتحليل ما احله وتحريم ما حرمه { وكتبه ورسله } اى من الحيثية المذكورة وهذا ايمان اتباع واطاعة ولم يذكر الايمان باليوم الآخر لاندراجه فى الايمان بكتبه. وهذا على تقدير ان يوقف على قوله تعالى من ربه ويجعل والمؤمنون كلاما ابتدائيا واختاره ابو السعود العمادى. ويجوز ان يكون قوله والمؤمنون معطوفا على الرسول فيوقف عليه والضمير الذى عوض عنه التنوين راجع الى المعطوفين معا كأنه قيل آمن الرسول والمؤمنون بما انزل اليه من ربه ثم فصل ذلك. وقيل كل واحد من الرسول والمؤمنون آمن بالله خلا انه قدم المؤمن به على المعطوف اعتناء بشأنه وايذانا باصالته صلى الله عليه وسلم فى الايمان به واختار الكواشى هذا الوجه حيث قال والاختيار الوقف على المؤمنون وهو حسن ليكون المؤمنون داخلين فيما دخل النبى صلى الله عليه وسلم فيه اى الايمان { لا نفرق } اى يقول الرسول والمؤمنون لا نميز { بين أحد من رسله } بان نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما قال اليهود والنصارى. واحد ههنا بمعنى الجمع اى الآحاد فلذلك اضيف اليه بين لانه لا يضاف الا الى المتعدد والاحد وضع لنفى ما يذكر معه من العدد والواحد اسم لمفتتح العدد والواحد الذى لا نظير له والوحيد الذى لا نصير له { وقالوا } عطف على آمن وصيغة الجمع باعتبار المعنى وهو حكاية لامتثالهم الاوامر اثر حكاية ايمانهم { سمعنا } اى فهمنا ما جاءنا من الحق وتيقنا بصحته { واطعنا } ما فيه من الاوامر والنواهى. قيل لما نزلت هذه الآية قال جبرائيل عليه السلام للرسول صلى الله عليه وسلم ان الله قد أثنى عليك وعلى امتك فسل تعط فقال الرسول عليه السلام { غفرانك ربنا } اى اغفر لنا غفرانك كما قال فضرب الرقاب محمد 4. اى فاضربوا او نسألك غفرانك ذنوبنا المتقدمة او ما لا يخلو عنه البشر من التقصير فى مراعاة حقوقك وهذا الوجه اولى لئلا يتكرر الدعاء بقوله فى آخر السورة واغفر لنا وتقديم ذكر السمع والطاعة على طلب الغفران لما ان تقديم الوسيلة على المسئول ادعى الى الاجابة والقبول { وإليك المصير } اى الرجوع بالموت والبعث لا الى غيرك. قال القاشانى { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } اى صدقه بقبوله والتخلق به كما قالت عائشة رضى الله عنها كان خلقه القرآن ومجرد قراءة القرآن بغير علم لا يفيد. قال فى تفسير الحنفى مثاله ان السلطان اذا وهب لاحد من مماليكه امارة واعطاه رياسة او نيابة وكتب له توقيعا ان يطيعه اهل البلد كلها فاذا جاء الى البلد وقعد على المملكة واطاعه الخلق ثم ان السلطان كتب له كتابا وامر له فيه ان يبنى له قصرا او دارا واسعة حتى لو حضر السلطان وجاء الى تلك المدينة ينزل فى تلك الدار او القصر فوصل الكتاب اليه وهو لا يبنى ما امر به فى الكتاب لكنه يقرأه كل يوم فلو حضر السلطان ولم يجد ما امره به حاضرا هل يستحق ذلك الامير خلعه من السلطان او ثناء اولا بل ظاهره انه يستحق الضرب والشتم والحبس وكذلك القرآن انما هو مثل هو ذلك المنشور قد امر الله فيه لعبيده ان يعمروا أركان الدين كما قال لداود عليه السلام فرغ الى بيتا اسكنه. وبين لهم بما يكون عمارة الدين فقال الله تعالى اقيموا الصلوة وآتو الزكوة البقرة 110 كتب عليكم الصيام البقرة 183 ولله على الناس حج البيت آل عمران 97. فصارت قراءة القرآن كقراءة منشور السلطان ولا تحصل الجنة بمجرد القرآن لانه قال جزاء بما كانوا يعملون الأحقاف 14 كما قيل. " مراد از نزول قرآن تحصيل سيرت خوبست نه ترتيل سوره مكتوب بتجويد ". ثم فى قوله { غفرانك ربنا } اشارة الى ان من نتائج الايمان وآثار العبودية ان يرى العبد نفسه اهلا لكل شر ومولاه اهلا لكل خير فينسب كل ما يستحسنه لسيده مستعملا حسن الادب معه فى كل اوقاته وذلك بان يحمده على ما دق وجل ويستغفره من تقصيره فى شكره له عليه ويتبرأ من حوله وقوته له فى ذلك كله وبحسب هذا يكون شعاره الحمد لله استغفر الله لا حول ولا قوة الا بالله فى جميع اوقاته وهو الذكر المنجى من عذاب الله فى الدنيا والآخرة المقرب للفتح لمن لازمه. واعلم انك لا تصل الى التحقيق الا بمراقبة الاوقات باحكامها من التوبة والاستغفار عند العصيان وشهود المنة فى الطاعة ووجود الرضى فى النية ووجود الشكر فى النعمة ولن تصل الى ذلك الا بتعلق قلبك بصلاح قلبك واتهام نفسك حتى فى خروج نفسك وتصل الى هذا باحد أربعة اوجه. نور يقذفه الله فى قلبك بلا واسطة. أو علم متسع فى عقل كامل. او فكرة سالمة من الشواغل. او صحبة شيخ او اخ هذه حاله. وقد قال الشيخ ابو مدين قدس سره الشيخ من هذبك باخلاقه وادبك باطراقه وانار باطنك باشراقه الشيخ من جمعك فى حضوره وحفظك فى مغيبه فاعمل ايها العبد على تخليص نفسك من عالم جسمك حتى تخرج عن دائرة رسمك وتصل الى تحقيق فهمك وعلمك از هشتىء خويش تاتوغافل مشوى هر كز بمراد خويش واصل نشوى از بحر ظهور تا بساحل نشوى در مذهب اهل عشق كامل نشوى

البقرة 2:286

{ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } اخبار من الله تعالى وليس من كلام المؤمنين روى " انه لما نزل قوله تعالى { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } الآية اشتد ذلك على اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضى عنهم فاتوه عليه السلام ثم بركوا على الركب فقالوا اى رسول الله كلفنا من الاعمال ما نطيق الصلاة والصيام والحج والجهاد وقد انزل اليك هذه الآية ولا نطيقها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتريدون ان تقولوا كما قال اهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا " قالوا بل سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير فقرأها القوم فانزل الله تعالى { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } الى قوله تعالى { غفرانك ربنا وإليك المصير } ". فمسئولهم الغفران المعلق بمشيئته تعالى فى قوله تعالى فيغفر لمن يشاء البقرة 284. ثم انزل الله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } تهوينا للخطب عليهم ببيان ان المراد بما فى انفسهم ما عزموا عليه من السوء خاصة لا ما يعم الخواطر التى لا يستطاع الاحتراز عنها والتكليف الزام ما فيه كلفة ومشقته والوسع ما يسع الانسان ولا يضيق عليه اى سنته ان لا يكلف نفسا من النفوس الا ما يتسع فيه طوقها ويتيسر عليها دون مدى الطاقة والمجهود فضلا منه تعالى ورحمة لهذه الامة كقوله تعالى يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر البقرة 185. وهذا يدل على عدم وقوع التكليف بالمحال لا على امتناعه. اما الاول فلانه لو كان وقع لزم الكذب فى كلامه تعالى تعالى عن ذلك علوا كبيرا. واما الثانى فلانه تعالى نفى مطلقا ولا يلزم منه نفى مقيد الذى هو الامتناع لان العام من حيث هو عام لا يدل على الخاص بوجه من الدلالات { لها } اى للنفس ثواب { ما كسبت } من الخير الذى كلفت فعله لا لغيرها استقلالا او اشتراكا ضرورة شمول كلمة ما لكل جزء من اجزاء مكسوبها { وعليها } لا على غيرها باحد الطريقين المذكورين عقاب { ما اكتسبت } من الشر الذى كلفت تركه وايراد الاكتساب فى جانب الشر لان الشر فيه اعتمال اى اجتهاد فى العمل فانه لما كان مشتهى النفس كان فيه جد وسعى بخلاف الخير وصيغة الافتعال للتكلف { ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا } شروع فى حكاية بقية دعواتهم اثر بيان سر التكليف اى يقولون ربنا لا تؤاخذنا بما صدر عنا من الامور المؤدية الى النسيان او الخطأ من تفريط وقلة مبالاة ونحوهما مما يدخل تحت التكليف ودل هذا على جواز المؤاخذة فى النسيان والخطأ فان التحرز عنهما فى الجملة ممكن ولولا جواز المؤاخذة فى النسيان والخطأ لم يكن للسؤال معنى وخفف الله عن هذه الامة فرفع عنها المؤاخذة وقال النبى صلى الله عليه وسلم " رفع عن امتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ". فدل انهم مخصوصون بهما وامم السالفة كانوا مؤاخذين فيهما { ربنا ولا تحمل علينا اصرا } عطف على ما قبله وتوسيط النداء بينهما لابراز مزيد الضراعة. والاصر العبىء الثقيل الذى يأصر صاحبه اى يحبسه مكانه والمراد به التكاليف الشاقة { كما حملته على الذين من قبلنا } اى حملا مثل حملك اياه على من قبلنا وهو ما كلفه بنوا اسرائيل من قتل النفس فى توبة وقطع الاعضاء الخاطئة وقطع موضع النجاسة وعدم التطهير بغير الماء وخمسين صلاة فى يوم وليلة وعدم جواز صلاتهم فى غير المسجد وحرمة اكل الصائم بعد النوم ومنع بعض الطيبات عنهم بالذنوب وكون الزكاة ربع مالهم وكتابة ذنب الليل على الباب بالصبح وغير ذلك من التشديدات وقد عصم الله عز وجل ورحم هذه الامة من امثال ذلك وانزل فى شأنهم ويضع عنهم إصرهم والأغلال التى كانت عليهم الأعراف 157. وقال صلى الله عليه وسلم " بعثت بالحنفية السهلة السمحة ". وعن العقوبات التى عوقب بها الاولون من المسخ والخسف وغير ذلك قال صلى الله عليه وسلم " رفع عن امتى الخسف والمسخ والغرق ". { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } عطف على ما قبله واستعفاء من العقوبات التى لا تطاق بعد الاستعفاء مما يؤدى اليها من التكاليف الشاقة التى لا يكاد من كلفها يخلو عن التفريط فيها كأنه قيل لا تكلفنا تلك التكاليف ولا تعاقبنا بتفريطنا فى المحافظة عليها فيكون التعبير عن انزال العقوبات بالتحميل باعتبار ما يؤدى اليها. قال فى التيسير اى لا تكلفنا ما يشق علينا الدوام عليه ولم يرد به عدم الطاقة اصلا فانه لا يكون فلا يسأل { واعف عنا } اى آثار ذنوبنا { واغفر لنا } واستر عيوبنا ولا تفضحنا على رؤس الاشهاد. قال فى التيسير وليس بتكرار. فان الاول تركه حتى لا يؤاخذ به ومحوه حتى لا يبقى. والثانى ستره حتى لا يظهر وقد تجاوز عن الشىء فلا يؤاخذ بجزائه لكن يذكر ذلك ويظهر والمؤمنون امروا ان يسألوا التجاوز عنها واخفاءها حتى لا يظهر حالهم لاحد فلا يفتضحوا به { وارحمنا } وتعطف بنا وتفضل علينا وتقديم طلب العفو والمغفرة على طلب الرحمة لما ان التخلية سابقة على التحلية { أنت مولانا } سيدنا ونحن عبيدك او ناصرنا او متولى امورنا { فانصرنا على القوم الكافرين } اى اعنا عليهم وادفع عنا شرهم فان من حق المولى ان ينصر عبيده ومن يتولى امره على الاعداء والنصرة على الكفار تكون بالظفر وتكون بالحجة وتكون بالدفع وهو سؤال العصمة من الشياطين ايضا لانهم منهم روى انه لما اسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى به الى سدرة المنتهى وهى فى السماء السادسةاليها ينتهى ما يعرج به من الارض فيقبض منها واليها ينتهى ما يهبط به من فوقها فيقبض منها قال اذ يغشى السدرة ما يغشى قال فراش من ذهب قال فاعطى رسول الله عليه السلام ثلاثا اعطى الصلوات الخمس واعطى خواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله شيأ من امته قال صلى الله عليه وسلم فى خبر المعراج قربنى الله وادنانى الى سند العرش ثم الهمنى الله ان قلت آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين احد من رسله كما فرقت اليهود والنصارى قال فما قالوا قلت قالوا سمعنا وعصينا والمؤمنون قالوا سمعنا واطعنا فقال صدقت فسل تعط فقلت ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا او اخطأنا قال قد رفعت عنك وعن امتك الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه فقلت ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا يعنى اليهود قال لك ذلك ولامتك قلت ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به قال قد فعلت قلت واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين قال قد فعلت. وعنه صلى الله عليه وسلم " انزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل ان يخلق الخلق بالفى عام من قرأهما بعد العشاء الاخيرة اجزأتاه عن قيام الليل ". وعنه صلى الله عليه وسلم " من قرأ آيتين من آخر سورة البقرة كفتاه ". اى عن قيام الليل او عن حساب يوم القيامة وهو حجة على من استكره ان يقول سورة البقرة وقال ينبغى ان يقال السورة التى تذكر فيها البقرة كما قال صلى الله عليه وسلم " السورة التى تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن ". اى مصره الجامع " فتعلموها فان تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة ". قيل وما البطلة قال عليه السلام " السحرة ". اى لا تستطيع البطلة أن تسحر قارئها " ولا تقرأ فى دار ثلاث ليال فيقربها شيطان ". وكان معاذ اذا ختم سورة البقرة يقول آمين. " عن ابى الاسلم الديلمى قلت لمعاذ بن جبل اخبرنى عن قصة الشيطان حين اخذته فقال جعلنى رسول الله عليه السلام على صدقة المسلمين فجعلت التمر فى غرفة فوجدت فيه نقصانا فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال هذا الشيطان يأخذه فدخلت الغرفة واغلقت الباب فجاءت ظلمة عظيمة فغشيت الباب ثم تصور فى صورة اخرى فدخل من شق الباب فشددت ازارى على فجعل يأكل من التمر فوثبت اليه فقبضته فالتفت يداى عليه فقلت يا عدو الله فقال خل عنى فانى كبير ذو عيال كثير وانا فقير من جن نصيبين وكانت لنا هذه القرية قبل ان يبعث صاحبكم فلما بعث اخرجنا منها فخل عنى فلن اعود اليك فخليت سبيله وجاء جبريل عليه السلام فاخبر رسول الله عليه السلام بما كان فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادانى مناديه وقال " ما فعل اسيرك " فأخبرته فقال " اما انه سيعود فعد " قال فدخلت الغرفة وأغلقت على الباب فجاء فدخل من شق الباب فجعل يأكل التمر فصنعت به كما صنعت فى المرة الاولى فقال خل عنى فانى لن اعود اليك فقلت يا عدو الله ألم تقل انك لن تعود قال فانى لن اعود وآية ذلك انه اذا قرأ احد منكم خاتمة البقرة لا يدخل احد منا فى بيته تلك الليلة ".