Lafzullah

Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — الأنفال 8:1 – التوبة 9:129

المؤلف / المصدر: Fath Al-Bayan li Al-Qanuji

المحتويات
  1. الأنفال 8:1
  2. الأنفال 8:2
  3. الأنفال 8:3
  4. الأنفال 8:4
  5. الأنفال 8:5
  6. الأنفال 8:6
  7. الأنفال 8:7
  8. الأنفال 8:8
  9. الأنفال 8:9
  10. الأنفال 8:10
  11. الأنفال 8:11
  12. الأنفال 8:12
  13. الأنفال 8:13
  14. الأنفال 8:14
  15. الأنفال 8:15
  16. الأنفال 8:16
  17. الأنفال 8:17
  18. الأنفال 8:18
  19. الأنفال 8:19
  20. الأنفال 8:20
  21. الأنفال 8:21
  22. الأنفال 8:22
  23. الأنفال 8:23
  24. الأنفال 8:24
  25. الأنفال 8:25
  26. الأنفال 8:26
  27. الأنفال 8:27
  28. الأنفال 8:28
  29. الأنفال 8:29
  30. الأنفال 8:30
  31. الأنفال 8:31
  32. الأنفال 8:32
  33. الأنفال 8:33
  34. الأنفال 8:34
  35. الأنفال 8:35
  36. الأنفال 8:36
  37. الأنفال 8:37
  38. الأنفال 8:38
  39. الأنفال 8:39
  40. الأنفال 8:40
  41. الأنفال 8:41
  42. الأنفال 8:42
  43. الأنفال 8:43
  44. الأنفال 8:44
  45. الأنفال 8:45
  46. الأنفال 8:46
  47. الأنفال 8:47
  48. الأنفال 8:48
  49. الأنفال 8:49
  50. الأنفال 8:50
  51. الأنفال 8:51
  52. الأنفال 8:52
  53. الأنفال 8:53
  54. الأنفال 8:54
  55. الأنفال 8:55
  56. الأنفال 8:56
  57. الأنفال 8:57
  58. الأنفال 8:58
  59. الأنفال 8:59
  60. الأنفال 8:60
  61. الأنفال 8:61
  62. الأنفال 8:62
  63. الأنفال 8:63
  64. الأنفال 8:64
  65. الأنفال 8:65
  66. الأنفال 8:66
  67. الأنفال 8:67
  68. الأنفال 8:68
  69. الأنفال 8:69
  70. الأنفال 8:70
  71. الأنفال 8:71
  72. الأنفال 8:72
  73. الأنفال 8:73
  74. الأنفال 8:74
  75. الأنفال 8:75
  76. التوبة 9:1
  77. التوبة 9:2
  78. التوبة 9:3
  79. التوبة 9:4
  80. التوبة 9:5
  81. التوبة 9:6
  82. التوبة 9:7
  83. التوبة 9:8
  84. التوبة 9:9
  85. التوبة 9:10
  86. التوبة 9:11
  87. التوبة 9:12
  88. التوبة 9:13
  89. التوبة 9:14
  90. التوبة 9:15
  91. التوبة 9:16
  92. التوبة 9:17
  93. التوبة 9:18
  94. التوبة 9:19
  95. التوبة 9:20
  96. التوبة 9:21
  97. التوبة 9:22
  98. التوبة 9:23
  99. التوبة 9:24
  100. التوبة 9:25
  101. التوبة 9:26
  102. التوبة 9:27
  103. التوبة 9:28
  104. التوبة 9:29
  105. التوبة 9:30
  106. التوبة 9:31
  107. التوبة 9:32
  108. التوبة 9:33
  109. التوبة 9:34
  110. التوبة 9:35
  111. التوبة 9:36
  112. التوبة 9:37
  113. التوبة 9:38
  114. التوبة 9:39
  115. التوبة 9:40
  116. التوبة 9:41
  117. التوبة 9:42
  118. التوبة 9:43
  119. التوبة 9:44
  120. التوبة 9:45
  121. التوبة 9:46
  122. التوبة 9:47
  123. التوبة 9:48
  124. التوبة 9:49
  125. التوبة 9:50
  126. التوبة 9:51
  127. التوبة 9:52
  128. التوبة 9:53
  129. التوبة 9:54
  130. التوبة 9:55
  131. التوبة 9:56
  132. التوبة 9:57
  133. التوبة 9:58
  134. التوبة 9:59
  135. التوبة 9:60
  136. التوبة 9:61
  137. التوبة 9:62
  138. التوبة 9:63
  139. التوبة 9:64
  140. التوبة 9:65
  141. التوبة 9:66
  142. التوبة 9:67
  143. التوبة 9:68
  144. التوبة 9:69
  145. التوبة 9:70
  146. التوبة 9:71
  147. التوبة 9:72
  148. التوبة 9:73
  149. التوبة 9:74
  150. التوبة 9:75
  151. التوبة 9:76
  152. التوبة 9:77
  153. التوبة 9:78
  154. التوبة 9:79
  155. التوبة 9:80
  156. التوبة 9:81
  157. التوبة 9:82
  158. التوبة 9:83
  159. التوبة 9:84
  160. التوبة 9:85
  161. التوبة 9:86
  162. التوبة 9:87
  163. التوبة 9:88
  164. التوبة 9:89
  165. التوبة 9:90
  166. التوبة 9:91
  167. التوبة 9:92
  168. التوبة 9:93
  169. التوبة 9:94
  170. التوبة 9:95
  171. التوبة 9:96
  172. التوبة 9:97
  173. التوبة 9:98
  174. التوبة 9:99
  175. التوبة 9:100
  176. التوبة 9:101
  177. التوبة 9:102
  178. التوبة 9:103
  179. التوبة 9:104
  180. التوبة 9:105
  181. التوبة 9:106
  182. التوبة 9:107
  183. التوبة 9:108
  184. التوبة 9:109
  185. التوبة 9:110
  186. التوبة 9:111
  187. التوبة 9:112
  188. التوبة 9:113
  189. التوبة 9:114
  190. التوبة 9:115
  191. التوبة 9:116
  192. التوبة 9:117
  193. التوبة 9:118
  194. التوبة 9:119
  195. التوبة 9:120
  196. التوبة 9:121
  197. التوبة 9:122
  198. التوبة 9:123
  199. التوبة 9:124
  200. التوبة 9:125
  201. التوبة 9:126
  202. التوبة 9:127
  203. التوبة 9:128
  204. التوبة 9:129

الأنفال 8:1

سورة الأنفال بسم الله الرحمن الرحيم صرح كثير من المفسرين بأنها مدنية لم يستثنوا منها شيئاً. وبه قال الحسن وعكرمة وجابر بن زيد وعطاء وعبد الله بن الزبير وزيد ابن ثابت. وعن ابن عباس أنه قال: نزلت في بدر. وفي لفظ تلك سورة بدر. قال القرطبي وعنه: هي مدنية إلا سبع آيات من قوله: (واذ يمكر بك الذين كفروا) إلى آخرها. يعني فإنها مكيه. " قلت " وإن كانت في شأن الواقعة التي وقعت بمكة فلا يلزم أن تكون كذلك فالآيات نزلت بالمدينة تذكيراً بما وقع في مكة. فهذا القول ضعيف والأول هو الأصح. وجملة آياتها خمس أو ست أو سبع وسبعون آية، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقرأ بها في صلاة المغرب كما أخرجه الطبراني بسند صحيح عن أبي أيوب. بسم الله الرحمن الرحيم يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1) (يسألونك) يا محمد (عن الأنفال) جمع نفل محركاً وهو الغنيمة أي الغنائم لمن هي، وبه قال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وأكثر المفسرين على أنها نزلت في غنائم بدر، وأصل النفل الزيادة وسميت الغنيمة به لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرماً على غيرهم، أو لأنها زيادة على ما يحصل للمجاهدين من أجر الجهاد. ويطلق النفل على معان أخر منها اليمين والابتغاء ونبت معروف، والنافلة التطوع لكونها زائدة على الواجب والنافلة ولد الولد لأنه زيادة على الولد. وهو سؤال استفتاء لأن هذا أول تشريع الغنيمة، وفاعل السؤال من حضر بدراً، وقال الضحاك وعكرمة: هو سؤال طلب، وعن بمعنى من، وهذا لا ضرورة تدعو إليه، وقيل صلة ويؤيده قراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعلي بن الحسين وغيرهم بدون عن، والصحيح أنها على إرادة حرف الجر. وكان سبب نزول الآية اختلاف الصحابة في غنائم يوم بدر، فقال الشبان: هي لنا لأنا باشرنا القتال، وقال الشيوخ: كنا رِدْءاً لكم تحت الرايات، ولو انكشفتم أي انهزمتم لفئتم أي لرجعتم إلينا، فنزع الله ما غنموه من أيديهم وجعله لله والرسول فقال: (قل) لهم (الأنفال لله والرسول) أي حكمها مختص بهما يقسمها بينكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أمر الله سبحانه حيث شاء، وليس لكم حكم في ذلك، فقسمها صلى الله عليه وسلم بينهم على السواء، رواه الحاكم في المستدرك. وقد ذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الأنفال كانت لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة ليس لأحد فيها شيء حتى نزل قوله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه) فهي على هذا منسوخة، وبه قال مجاهد وعكرمة والسدي، وقال ابن زيد: محكمة مجملة، وقد بين الله مصارفها في آية الخمس، وللإمام أن ينفل من شاء من الجيش ما شاء قبل التخميس. (فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم) أي نفس ما بينكم، والذي بينهم هو الوصلة الإسلامية، فالبين هنا بمعنى الاتصال كما في قوله: (لقد تقطع بينكم) والبين يطلق على الضدين الاتصال والفراق، وذات هذا البين هي حاله أي الأمور التي تحققه بالمودة وترك النزاع (وأطيعوا الله ورسوله) أمرهم بالتقوى وإصلاح ذات البين وطاعة الله والرسول بالتسليم لأمرهما وترك الاختلاف الذي وقع بينهم، وقال: امتثلوا هذه الأوامر الثلاثة (إن كنتم مؤمنين) بالله جوابه كما ذهب إليه أبو العباس المبرد وغيره أطيعوا الله السابق، إذ يجوز عندهم تقديم الجواب على الشرط، والصحيح ما ذهب إليه سيبويه وهو أنه محذوف لدلالة ما قبله عليه. وفيه من التهييج والإلهاب والتنشيط للمخاطبين والحث لهم على المسارعة إلى الامتثال ما لا يخفى مع كونهم في تلك الحال على الإيمان فكأنه قال إن كنتم مستمرين على الإيمان بالله لأن هذه الأمور الثلاثة لا يكمل الإيمان بدونها، بل لا يثبت أصلاً لمن لم يمتثلها، فإن من ليس بمتق وليس بمطيع لهما ليس بمؤمن، قال عطاء: طاعة الله والرسول اتباع الكتاب والسنة. أخرجه ابن أبي حاتم. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)

الأنفال 8:2

(إنما المؤمنون) جملة مستأنفة مسوقة لبيان من أريد بالمؤمنين بذكر أوصافهم الجليلة المستتبعة لما ذكر من الخلال الثلاث، وفيه مزيد ترغيب لهم في الامتثال بالأوامر المذكورة، أي إنما الكاملون في الإيمان المخلصون فيه. (الذين إذا ذكر الله) أي وعيده (وجلت) أي فزعت وخضعت وخافت ورقت (قلوبهم) لذكر الله استعظاماً له وتهيباً من جلاله، والوجل الخوف والفزع، يقال وجل بالكسر في الماضي يوجل بالفتح، وقرئ كوعد يعد ويقال بإثبات الواو في المضارع، والمراد أن حصول الخوف من الله والفزع منه عند ذكره هو شأن المؤمنين الكاملي الإيمان المخلصين لله، فالحصر باعتبار كمال الإيمان لا باعتبار أصل الإيمان. قال جماعة من المفسرين: هذه الآية متضمنة للتحريض على طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أمر به من قسمة الغنائم، ولا يخفاك أن هذا وأن صح إدراجه تحت معنى الآية من جهة أن وجل القلوب عند الذكر وزيادة الإيمان عند تلاوة آيات الله يستلزمان امتثال ما أمر به سبحانه. من كون الأنفال لله والرسول. ولكن الظاهر أن مقصود الآية هو إثبات هذه المزية لمن كمل إيمانه من غير تقييد بحال دون حال، ولا بوقت دون وقت، ولا بواقعة دون واقعة. وعن ابن عباس: وجلت فرقت، وقال المنافقون: لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ولا يتوكلون على الله ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ثم وصف المؤمنين فقال: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) فأدوا فرائضه. وعن أم الدرداء قالت: إنما الوجل في القلب كاحتراق السعفة يا شهر ابن حوشب أما تجد قشعريرة؟ قلت: بلى، قالت: فادع عندها فإن الدعاء يستجاب عند ذلك، وقال ثابت البناني: قال فلان إني لأعلم متى يستجاب لي، قالوا: ومن أين لك؟ قال: إذا اقشعر جلدي ووجل قلبي وفاضت عيناي فذلك حين يستجاب لي. وعن عائشة قالت: ما الوجل في قلب المؤمن إلا كضرمة السعفة فإذا وجل أحدكم فليدع عند ذلك، وعن السدي قال: هو الرجل يريد أن يظلم أو يهم بمعصية فيقال له اتق الله فيجل قلبه، فإن قيل، قال: هنا وجلت قلوبهم وقال في آية أخرى (وتطمئن قلوبهم) فكيف الجمع بينهما، قلت: الاطمئنان بذكره بصفات الجمال، والوجل إنما هو بذكر وعيده. (وإذا تليت عليهم آياته) المراد من التلاوة الآيات المنزلة أو التعبير عن بديع صنعته وكمال قدرته في آياته التكوينية بذكر خلقها البديع وعجائبها التي يخشع عند ذكرها المؤمنون (زادتهم ايماناً) أي تصديقاً، قاله ابن عباس، وعن الربيع بن أنس قال خشية، والمراد بزيادة الإيمان هو زيادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب وانفلاح الخاطر عند تلاوة الآيات. وقيل المراد بها زيادة العمل لأن الإيمان شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، والآيات المتكاثرة والأحاديث المتواترة ترد ذلك وتدفعه، والآية صريحة في زيادة الإيمان، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان [[مسلم/59 - البخاري/31.]]، أخرجه الشيخان. وفي هذا دليل على أن الإيمان فيه أعلى وأدنى، وإذا كان كذلك كان قابلاً للزيادة والنقصان، قال الواحدي عن عامة أهل العلم: إن كل من كانت الدلائل عنده أكثر وأقوى كان إيمانه أزيد، قال الكرخي: إن نفس التصديق يقبل القوة وهي التي عبر عنها بالزيادة للفرق المميز بين يقين الأنبياء وأرباب المكاشفات ويقين آحاد الأمة. ويؤيد ذلك قول عليّ رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً، وكذا من قام عليه دليل واحد ومن قامت عليه أدلة كثيرة لأن تظاهر الأدلة أقوى للمدلول عليه وأثبت لقدمه، وعليه يحمل ما نقل عن الشافعي من أنه يقبل الزيادة والنقص، فلا يرد كيف قال ذلك مع أن حقيقة الإيمان عند الأكثر لا تزيد ولا تنقص كالإلهية والوحدانية اهـ. وقيل المعنى أنهم كلما سمعوا آية جديدة أتوا بإقرار جديد وتصديق جديد فكان ذلك زيادة في إيمانهم. (وعلى ربهم يتوكلون) التوكل على الله تفويض الأمر إليه في جميع الأمور قال ابن عباس: لا يرجون غيره، وعلى بمعنى الباء ويتوكلون بمعنى يثقون، وتقديم المعمول للحصر، وقال السمين التقديم يفيد الأختصاص أي عليه لا على غيره والجملة في محل الحال أو مستأنفة أو معطوفة على الصلة.

الأنفال 8:3

(الذين يقيمون الصلاة) المفروضة بحدودها وأركانها في أوقاتها، ومن في (ومما) للتبعيض (رزقناهم ينفقون) ويدخل فيه النفقة في الزكاة والحج والجهاد وغير ذلك من الإنفاق في أنواع البر والقربات، وخص إقامة الصلاة والصدقة لكونهما أصل الخير وأساسه.

الأنفال 8:4

أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) (أولئك) أي المتصفون بالأوصاف المتقدمة (هم المؤمنون) أي الكاملون الإيمان البالغون فيه إلى أعلى درجاته وأقصى غاياته (حقاً) أي حق ذلك حقاً أو ايماناً حقاً يعني يقيناً لا شك في إيمانهم وصدقاً لا ريب فيه، قال ابن عباس: برئوا من الكفر، وحقاً أي خالصاً وقيل التقدير حقاً لهم درجات، وهذا إنما يجوز على رأي ضعيف أعني تقديم المصدر المؤكد لمضمون جملة عليها. وقد استدل بظاهر هذه الآية أبو حنيفة ومن قال بقوله أنه يجوز أن يقول أنا مؤمن حقاً ولا يجوز الاستثناء، وأجيب عنه بأن الاستثناء ليس على طريق الشك بل للتبرك كقوله: وأنا إن شاء الله بكم لاحقون مع العلم القطعي أنه لاحق بهم أو المراد صرف الاستثناء إلى الخاتمة، والنزاع عند التحقيق لفظي كما تقرر في موطنه، وإنما حكم سبحانه بكونهم مؤمنين حقاً في هذه الآية إذا أتوا بتلك الأوصاف الخمسة كما يفيده لفظة إنما لأنها للحصر. (لهم درجات) يعني فضائل ورحمة، قاله سعيد بن جبير، وعن مجاهد قال: أعمال رفيعة، وقال الضحاك: أهل الجنة بعضهم فوق بعض، فيرى الذي هو فوق فضله على الذي هو أسفل منه، ولا يرى الأسفل فضل أحد عليه، ذكر ما أعد لمن كان جامعاً بين هذه الأوصاف من الكرامة فقال لهم منازل خير وكرامة وشرف في الجنة كائنة (عند ربهم) وفي كونها عنده سبحانه زيادة تشريف لهم وتكريم وتعظيم وتفخيم. (ومغفرة) لذنوبهم، وعن ابن زيد قال: بترك الذنوب (ورزق كريم) دائم مستمر يكرمهم الله به من واسع فضله وفائض جوده، وعن ابن زيد قال: هو الأعمال الصالحة، وعن محمد بن كعب القرظي قال: إذا سمعتم الله يقول: (ورزق كريم) فهي الجنة.

الأنفال 8:5

كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (5) (كما أخرجك ربك) قال الزجاج: أي الأنفال ثابتة لك مثل إخراج ربك، وبه قال المبرد، والمعنى امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئاً قال: بقي أكثر الناس بغير شيء، فموضع الكاف نصب، وقال أبو عبيدة: هو قسم أي والذي أخرجك فالكاف بمعنى الواو، وما بمعنى الذي. وقال الأخفش: المعنى أولئك هم المؤمنون حقاً كما أخرجك ربك، وقال عكرمة: المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك ربك، وقيل الكاف كاف التشبيه على سبيل المجازاة، وقيل بمعنى على أي امض على الذي أخرجك فإنه حق، وقيل بمعنى إذ أي اذكر يا محمد إذ أخرجك. وقيل هذه الحال كحال إخراجك يعني أن حالهم في كراهة ما رأيت من تنفيل الغزاة مثل حالهم في كراهة خروجك للحرب، ذكره صاحب الكشاف، وقال السمين فيه عشرون وجهاً، (الثاني) منها أن تقديره أصلحوا ذات بينكم إصلاحاً كما أخرجك، وقد التفت من خطاب الجماعة إلى خطاب الواحد. (الثالث) تقديره وأطيعوا الله ورسوله طاعة ثابتة محققة كما أخرجك (الرابع) تقديره يتوكلون توكلاً حقيقياً كما أخرجك (السادس عشر) منها تقديره قسمتك الغنائم حق كما كان إخراجك حقاً (السابع عشر) أن التشبيه وقع بين إخراجين اهـ. (من بيتك) أي المدينة أو بيتك الذي بها (بالحق) أي إخراجاً متلبساً بالحق لا شبهة فيه وقال مجاهد كما أخرجك ربك من بيتك بالحق كذلك يجادلونك في خروج القتال، وعن السدى قال: خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى بدر، وقيل المراد إخراجه من مكة إلى المدينة للهجرة، والأول أولى، وبه قال جمهور المفسرين. وقيل هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له فأنجز وعدك وظفرك بعدوك وأوفى لك، ذكره النحاس واختاره، وفي الجمل أي أخرجك من المدينة لتأخذ العير التي مع أبي سفيان أي فتغنمها فأصل خروج النبي والمؤمنين لأجل أن يغنموا القافلة فلم تكن في خروجهم كراهة وإنما عرضت لهم الكراهة بعد الخروج قريب بدر لما أخبروا أن العير نجت منهم وأن قريشاً أتوا إلى بدر. وأشار عليهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنهم يمضون إلى قتال قريش الذين خرجوا ليذبوا المسلمين عن القافلة فكره المسلمون القتال لا عصياناً بل بالطبع، حيث خرجوا من غير استعداد للقتال لا بعدد ولا بعدة، وإنما كان أصل خروجهم لأخذ الغنيمة لقوله: (وإن فريقاً من المؤمنين لكارهون) حال مقدرة لما علمت أن الكراهة لم تقارن الخروج وقيل أي كما أخرجك في حال كراهتهم لذلك لأنه لما وعدهم الله إحدى الطائفتين إما العير أو النفير، رغبوا في العير لما فيها من الغنيمة والسلامة من القتال وكرهوه لقلة عددهم وسلاحهم وكثرة عدوهم وسلاحهم، وفي (لكارهون) مراعاة معنى الفريق. يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (6) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (7)

الأنفال 8:6

(يجادلونك) ومجادلتهم لما ندبهم إلى إحدى الطائفتين وفات العير وأمرهم بقتال النفير ولم يكن معهم كثير أهبة لذلك شق عليهم وقالوا: لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة وأكملنا الأهبة، والجملة مستأنفة أو حال ثانية أي أخرجك حال مجادلتهم أو حال من الضمير في (لكارهون) أي لكارهون في حال الجدال، والضمير يجوز أن يعود على الكفار وجدالهم ظاهر، والظاهر أنه يعود على الفريق المتقدم. (في الحق) أي في القتال (بعد ما تبين) لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله، أو بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم بالظفر بإحدى الطائفتين وأن العير إذا فاتت ظفروا بالنفير (كأنما يساقون إلى الموت) أي حال كونهم في شدة فزعهم من القتال يشبهون حال من يساق بالعنف والصغار ليقتل (وهم ينظرون) يعني إلى الموت كمن هو مشاهد لأسباب قتله ناظر إليها بعينه لا يشك فيها، والجامع بينهما الكراهة في كل.

الأنفال 8:7

(وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين) أي واذكروا وقت وعد الله إياكم وأمرهم بتذكر الوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث لقصد المبالغة، والطائفتان هما فرقة أبي سفيان مع العير، وفرقة أبي جهل مع النفير. (أنها) أي إحدى الطائفتين مسخرة (لكم) وأنكم تغلبونها وتغنمون منها وتصنعون بها ما شئتم من قتل وأسر وغنيمة لا يطيقون لكم دفعاً، ولا يملكون لأنفسهم منكم ضراً ولا نفعاً، وفي هذه الجملة تذكير لهم بنعمة من النعم التي أنعم الله بها عليهم. (وتودون) أي تريدون وتتمنون، معطوف على يعدكم من جملة الحوادث التي أمروا بذكر وقتها (أن غير ذات الشوكة) من الطائفتين وهي طائفة العير التي ليس فيها قتال ولا شوكة (تكون لكم) دون ذات الشوكة وهي طائفة النفير، قال أبو عبيدة: أي غير ذات الحد، والشوكة السلاح والنبت الذي له حد، ومنه رجل شائك السلاح أي حديد السلاح ثم يقلب فيقال شاكي السلاح فالشوكة مستعارة من واحدة الشوك. والمعنى: وتودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح وهي طائفة العير لأنها غنيمة صافية عن كدر القتال، إذ لم يكن معها من يقوم بالدفع عنها، قال الضحاك: وهي عير أبي سفيان، ودّ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم وأن القتال صرف عنهم. (ويريد الله أن يحق الحق بكلماته) وهو من جملة ما أمروا بذكر وقته أي ويريد الله غير ما تريدون وهو أن يحق الحق بإظهاره لما قضاه من ظفركم بذات الشوكة وقتلكم لصناديدهم، وأسر كثير منهم واغتنام ما غنمتم من أموالهم التي أجلبوا بها عليكم وراموا دفعكم بها، والمراد بالكلمات الآيات التي أنزلها في محاربة ذات الشوكة، ووعدكم منه بالظفر بها، وقيل الكلمات عداته التي سبقت لكم من إظهار الدين وإعزازه، وقيل أسباب النصر مثل نزول الملائكة وأوامره لهم بالإمداد. (ويقطع دابر الكافرين) الدابر الآخر، وقطعه عبارة عن الاستئصال، والمعنى ويستأصلهم جميعاً حتى لا يبقى منهم أحد. لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (8) إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (9) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)

الأنفال 8:8

(ليحق الحق ويبطل الباطل) هذه الجملة علة لما يريده الله أي أراد ذلك أو يريده ليظهر الحق ويرفعه وهو الإسلام، ويبطل الباطل، ويضعه وهو الكفر، أو فعل ذلك ليحق الحق. وليس في هذه الجملة تكرير لما قبلها لأن الأولى لبيان التفاوت فيما بين الإرادتين، وهذه لبيان الحكمة الداعية إلى ذلك، والعلة المقتضية له والمصلحة المترتبة عليه، وقيل لا يقال فيه تحصيل الحاصل إذ المراد بالحق الإيمان، وبالباطل الشرك وقيل المراد بالأول تثبيت ما وعد به في هذه الواقعة من النصرة والظفر بالأعداء، وبالثاني تقوية الدين وإظهار الشريعة لأن الذي وقع يوم بدر من نصر المؤمنين مع قلتهم، ومن قهر الكافرين مع كثرتهم كان سبباً لإعزاز الدين وقوته ولهذا قرنه بقوله ويبطل الباطل. (ولو كره) أن يحق الحق ويبطل الباطل (المجرمون) أي المشركون من قريش أو جميع طوائف الكفار، ووقعة بدر قد اشتملت عليها كتب الحديث والسير والتواريخ مستوفاة فلا نطيل بذكرها.

الأنفال 8:9

(إذ تستغيثون ربكم) أي اذكروا وقت استغاثتكم، تذكير لهم بنعمة أخرى والمقام للماضي، وإنما عبر بالمضارع حكاية للحال الماضية أي إذ تستغيثون بربكم من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر، والاستغاثة طلب الغوث يقال استغاثني فلان فأغثته والاسم الغياث. والمعنى أن المسلمين لما علموا أنه لا بد من قتال الطائفة ذات الشوكة وهم النفير كما أمرهم الله بذلك وأراده منهم، ورأوا كثرة عدد النفير وقلة عددهم استغاثوا بالله سبحانه، وهو معنى قول الأزهري، وقيل المستغيث هو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده، وإنما ذكره بلفظ الجمع تعظيماً له. وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن الخطاب أن عدد المشركين يوم بدر ألف، وعدد المسلمين ثلثمائة وسبعة عشر رجلاً، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما رأى ذلك استقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: " اللهم أنجز لي ما وعدتني اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض "، فما زال يهتف بربه حتى سقط رداؤه عن منكبيه فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبية ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإنه سينجز لك ما وعدك فأنزل الله عز وجل هذه الآية [[مسلم/1763.]]. (فاستجاب لكم) عطف على (تستغيثون) داخل معه في التذكير وهو وإن كان مستقبلاً فهو بمعنى الماضي ولهذا عطف عليه استجاب (أني) أي بأني (ممدكم) بوعدي إياكم بالإمداد وذلك لأنه وقت الإجابة لم يحصل الإمداد بالفعل لأن الدعاء واستجابته كانا قبل وقوع القتال. (بألف من الملائكة مردفين) قرئ بكسر الدال وفتحها وهما واضحتان لأنه يروى في التفسير أنه كان وراء كل ملك ملك رديفاً له، فقراءة الفتح تشعر بأن غيرهم أردفهم لركوبهم خلفهم وقراءة الكسر تشعر بأن الراكب خلف صاحبه قد أردفه فصح التعبير باسم الفاعل تارة واسم المفعول أخرى. وجعل أبو البقاء مفعول مردفين بالكسر محذوفاً أي مردفين أمثالهم، ويجوز أن يكون معنى الإرداف المجيء بعد الأوائل أي جعلوا ردفاً للأوائل، قاله السمين. وقد قيل أن ردف وأردف بمعنى واحد، وأنكره أبو عبيدة قال لقوله تعالى: (تتبعها الرادفة) ولم يقل المردفة، قال ابن عباس: مردفين متتابعين، وعنه قال: المدد، وعنه قال: وراء كل ملك ملك، وعن الشعبي قال: كان ألف مردفين وثلاثة آلاف منزلين وكانوا أربعة آلاف وهم مدد المسلمين في ثغورهم. وقال مجاهد: مردفين مجدين، وقال قتادة: متتابعين أمدهم الله بألف ثم بثلاثة ثم أكملهم خمسة آلاف، وعن علي قال: نزل جبريل في خمسمائة من الملائكة عن ميمنة النبي صلى الله عليه وسلم وفيها أبو بكر، ونزل ميكائيل في خمسمائة من الملائكة عن ميسرة النبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الميسرة. وعن مجاهد قال: ما أمد النبي - صلى الله عليه وسلم - بأكثر من هذه الألف التي ذكر الله في الأنفال، وما ذكر الثلاثة الآلاف والخمسة الآلاف إلا بشرى، قال في الجمل: لم يثبت أن الملائكة قاتلت في وقعة إلا في بدر، وأما في غيرها فكانت تنزل لتكثير عدد المسلمين ولا تقاتل كما وقع في حنين.

الأنفال 8:10

(وما جعله الله) أي الإمداد المدلول عليه بقوله أني ممدكم (إلا بشرى) أي بشارة لكم بنصره وهو استثناء مفرغ أي ما جعل إمدادكم بشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بالنصر (ولتطمئن به) أي بالإمداد (قلوبكم) وفي هذا إشعار بأن الملائكة لم يقاتلوا بل أمد الله المسلمين بهم للبشرى لهم ولتثبت قلوبهم يعني بنزول الملائكة، قال قتادة: وذكر لنا أن عمر قال أما يوم بدر فلا نشك أن الملائكة كانوا معنا، وأما بعد ذلك فالله أعلم. (وما النصر إلا من عند الله) لا من عند غيره ليس للملائكة في ذلك أثر فهو الناصر على الحقيقة وليسوا إلا سبباً من أسباب النصر التي سببها الله لكم وأمدكم بها، وفيه تنبيه على أن الواجب على المسلم أن لا يتوكل إلا على الله في جميع أحواله ولا يثق بغيره فإن الله تعالى بيده الظفر والإعانة (إن الله عزيز) لا يغالب (حكيم) في كل أفعاله. إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (11) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (12)

الأنفال 8:11

(إذ يغشيكم) الفاعل هو الله وفيه ثلاث قراآت سبعية يغشاكم كيلقاكم من غشيه: إذا أتاه وأصابه، ويغشيكم من أغشاه أي أنزله بكم وأوقعه عليكم، ويغشيكم من غشاه تغشية غطاه، وقيل الفاعل (النعاس أمنة منه) وهو النوم الخفيف والأكثر على الأول وهذه الآية تتضمن ذكر نعمة أنعم الله بها عليهم، وهي أنهم مع خوفهم من لقاء العدو والمهابة لجانبه، سكن الله قلوبهم وأمنها حتى ناموا آمنين غير خائفين وكان هذا النوم في الليلة التي كان القتال في غدها. قيل وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان. أحدهما: أنه قواهم بالاستراحة على القتال من الغد. والثاني: أنه أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم، وقيل أن النوم غشيهم في حال التقاء الصفين، وقد مضى في يوم أحد نحو من هذا في سورة آل عمران. عن علي قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة حتى أصبح، قال مجاهد: أمنة منه أي أمنا من الله لكم من عدوكم أن يغلبكم. وقال قتادة: رحمة منه أمنة من العدو، وعنه قال: النعاس في الرأس والنوم في القلب، وعنه قال: كان النعاس أمنة من الله وكان النعاس نعاسين يوم بدر ويوم أحد، وقال ابن مسعود: النعاس في القتال أمنة من الله، وفي الصلاة من الشيطان، وقيل أن ذلك النعاس كان في حكم المعجزة لأنه أمر خارق للعادة. (وينزل عليكم من السماء ماء) هذا المطر كان بعد النعاس وقيل قبله، وحكى الزجاج أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه، وبقي المؤمنون لا ماء لهم فأنزل الله المطر ليلة بدر. والذي في سيرة ابن إسحق وغيره أن المؤمنين هم الذين سبقوا إلى ماء بدر وأنه منع قريشاً من السبق إلى الماء مطر عظيم، ولم يصب المسلمين منه إلا ما شد لهم دهس الوادى وأعانهم على المسير، وقال مجاهد: المطر أنزله الله عليهم قبل النعاس فأطفأ بالمطر الغبار والتبدت به الأرض وطابت به أنفسهم، وثبتت به أقدامهم. وعن عروة بن الزبير قال: بعث الله السماء وكان الوادي دهساً وأصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ما لبد الأرض ولم يمنعهم المسير، وأصاب قريشاً ما لم يقدروا على أن يرتحلوا معه. (ليطهركم به) أي ليرفع عنكم الأحداث والجنابة، عن ابن عباس: أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمأ المسلمون وصلوا مجنبين محدثين، وقد قدمنا أن المشهور في كتب السير المعتمدة أن المشركين لم يغلبوا المؤمنين على الماء بل المؤمنون هم الذين غلبوا عليه من الابتداء، وهذا المروي عن ابن عباس في إسناده العوفي وهو ضعيف جداً. (ويذهب عنكم رجز الشيطان) أي وسوسته لكم بما كان قد سبق إلى قلوبكم من الخواطر التي منها الخوف والفشل حتى كانت حالكم حال من يساق إلى الموت، والرجز في الأصل العذاب الشديد، وأريد به هنا نفس وسوسة الشيطان مجازاً لمشقتها على أهل الإيمان كما قيل كل ما اشتدت مشقته على النفوس فهو رجز. (وليربط على قلوبكم) بالنصر واليقين فيجعلها صابرة قوية ثابتة في مواطن الحرب، والربط في اللغة الشد، وكل من صبر على أمر فقد ربط نفسه عليه، قيل لفظة على صلة كذا في الوسيط وقيل للإستعلاء أي أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها ذكره الواحدي. (ويثبت به) أي بالماء الذي أنزله الله عند الحاجة اليه، وقيل الضمير راجع إلى الربط المدلول عليه بالفعل (الأقدام) أي أقدامكم في مواطن القتال ومعارك الجدال، وقال قتادة: كان الوادي دهاساً فلما مطروا اشتدت الرملة وسهل المشي عليه لأن العادة أن المشي في الرمل عسر فإذا نزل عليه الماء وجمد سهل المشي ولم يبق فيه غبار يشوش على الماشي فيه.

الأنفال 8:12

(إذ يوحي ربك) أي اذكر يا محمد وقت إيحاء ربك لأنه لا يقف على ذلك سواه وقيل يثبت الأقدام وقت الوحي، وليس لهذا التقييد معنى، وقيل العامل فيه ليربط، ولا وجه لتقييد الربط على القلوب بوقت الإيحاء (إلى الملائكة) الذين أمد بهم المسلمين (أني معكم) بالنصر والمعونة. عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال: قال لي أبي: يا بني لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا ليسير سيفه إلى رأس المشرك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف وعن الربيع بن أنس قال: كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب على الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحترق به. (فثبتوا الذين آمنوا) أي بشروهم بالنصر والظفر أو ثبتوهم على القتال بالحضور معهم وتكثير سوادهم، أو قووا قلوبهم، وهذا أمر منه سبحانه للملائكة الذين أوحى إليهم بأنه معهم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. واختلفوا في كيفية هذه التقوية والتثبيت فقيل كما أن الشيطان له قوة في إلقاء الوسوسة في قلب ابن آدم بالشر، فكذلك للملك قوة إلقاء الإلهام في قلب ابن آدم بالخير، ويسمى ما يلقي الشيطان وسوسة، وما يلقي الملك لمة وإلهاماً فهذا هو التثبيت. (سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب) أي الخوف فلا يكون لهم ثبات، وقد تقدم بيان معنى القاء الرعب في آل عمران، وكان ذلك نعمة من الله على المؤمنين حيث ألقى الرعب في قلوب الكفار، قيل هذه الجملة تفسير لقوله أني معكم وكانت الملائكة لا تعرف قتال بني آدم فعلمهم الله ذلك بقوله: (فاضربوا فوق الأعناق) المراد بها أنفسها، قاله عطية، وفوق زائدة قاله الأخفش وغيره. وقال محمد بن يزيد: وهذا عند الجمهور خطأ لأن فوق يفيد معنى فلا يجوز زيادتها ولكن المعنى أنه أبيح لهم ضرب الوجوه وما قرب منها، وقيل المراد الرؤوس قال عكرمة: وهذا ليس بجيد لأن فوق لا يتصرف، وزعم بعضهم أنه يتصرف، وأنك تقول فوق رأسك برفع فوق وهو ظاهر قول الزمخشري، وقال أبو عبيدة إنها بمعنى (على) تقديره فاضربوهم على الأعناق وهو قريب من الأول. وقال ابن قتيبة: هي بمعنى (دون) قال ابن عطية: وهذا خطأ بين، وغلط فاحش وإنما دخل عليه اللبس من قوله تعالى: (بعوضة فما فوقها) أي فما دونها، وليست فوق هنا بمعنى دون، وإنما المراد فما فوقها في القلة والصغر، وعن الضحاك قال: اضربوا الرقاب وقيل المراد بفوق الأعناق أعاليها لأنها المفاصل التي يكون الضرب فيها أسرع إلى القطع، قاله في الكشاف، قيل هذا أمر للملائكة فيكون متصلاً بما قبله، وقيل للمؤمنين فيكون منقطعاً عما قبله، وعلى الأول قيل هو تفسير لقوله فثبتوا الذين آمنوا. (واضربوا منهم كل بنان) أي كل مفصل، قال الزجاج: واحد البنان بنانة وهي هنا الأصابع وغيرها من الأعضاء، والبنان مشتق من قولهم أبن الرجل بالمكان إذا أقام به لأنه يعمل بها ما يكون للإقامة والحياة، وقيل المراد بالبنان هنا أطراف الأصابع من اليدين والرجلين وهو عبارة عن الثبات في الحرب، فإذا ضربت البنان تعطل من المضروب القتال بخلاف سائر الأعضاء. قال ابن فارس: البنان الأصابع، وقال عطية: كل مفصل بنانة، وقال ابن عباس: الأطراف، وقال أبو الهيثم: البنان المفاصل قيل أمرهم الله بضرب أعلى الجسد، وهو الرأس وفيه هلاك الإنسان، وبضرب أضعف الأعضاء وهو البنان، وفيه تعطيل حركة الإنسان فيدخل في ذلك كل عضو في الجسد. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (13) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (14) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (15)

الأنفال 8:13

(ذلك) إشارة إلى ما وقع عليهم من القتل والأسر ودخل في قلوبهم من الرعب (بأنهم شاقوا الله ورسوله) أي بسبب مشاقتهم، والمشاقة المخالفة وأصلها من المجانبة وكذا الشقاق أصله أن يصير كل واحد من الخصمين في شق كأنهم صاروا في شق وجانب عن شق المؤمنين وجانبهم، وهذا مجاز معناه أنهم شاقوا أولياء الله وهم المؤمنون أو شاقوا دين الله وقد تقدم تحقيق ذلك. (ومن يشاقق الله) أي يخالفه ويجانبه (ورسوله فإن الله شديد العقاب) له يعاقبه بسبب ما وقع منه من الشقاق يعني أن الذي نزل بهم في ذلك اليوم من القتل والأسر شيء قليل فيما أعد الله لهم من العقاب يوم القيامة، والشرطية تكملة لما قبلها وتكرير لمضمونه وتحقيق للسببية بالطريق البرهاني، كأنه قيل ذلك العقاب الشديد بسبب مشاقتهم لله تعالى ورسوله وكل من يشاقق الله ورسوله كائناً من كان فله بذلك عقاب شديد، فإذا لهم بسبب مشاقتهم عقاب شديد قاله أبو السعود

الأنفال 8:14

(ذلكم) إشارة إلى ما تقدم من العقاب والعذاب بالقتل والأسر، وفيه أوجه منها العقاب ذلكم أو الأمر ذلكم (الثاني) ذلكم العقاب (فذوقوه) الخطاب هنا للكافرين، كما أن الخطاب في قوله ذلكم للنبي - صلى الله عليه وسلم - أو لكل من يصلح للخطاب، وأشار بالذوق إلى أن عذاب الدنيا عاجل يسير بالإضافة إلى المؤجل. (وأنّ للكافرين عذاب النار) معطوفة على ما قبلها فتكون الإشارة على هذا إلى العقاب العاجل الذي أصيبوا به، ويكون ذلك إشارة إلى العقاب الآجل الذي أعده الله لهم في الآخرة، ووضع الظاهر فيه موضع المضمر للدلالة على أن الكفر سبب العذاب الآجل أو الجمع بينهما، وفي (أن) وجوه خمسة ذكرها السمين.

الأنفال 8:15

(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفاً) الزحف الدنو قليلاً قليلاً وأصله الإندفاع على الآلية ثم سمى كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفاً، والتزاحف التداني والتقارب، يقال زحف إلى العدو زحفاً وازدحف القوم أي مشى بعضهم إلى بعض، ويطلق على الجيش الكثير زحف تسمية بالمصدر والجمع زحوف، أي حال كونكم زاحفين إلى الكفار أو حال كون الكفار زاحفين إليكم أو متزاحفين على أدبارهم في بطء السير، وذلك لأن الجيش إذا كثر والتحم بعضهم ببعض يتراءى أن سيره بطيء وإن كان في نفس الأمر سريعاً فالمقصود من هذه الحال بعد كون المراد التشبيه ما يلزم هذه المشابهة وهو الكثرة أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون. (فلا تولوهم الأدبار) أي ظهوركم منهزمين منهم، فإن المنهزم يولي ظهره ودبره. نهى الله المؤمنين أن ينهزموا عن الكفار إذا لقوهم وقد دب بعضهم إلى بعض للقتال وظاهر هذه الآية العموم لكل المؤمنين في كل زمن وعلى كل حال إلا في حالة التحريف والتحيز. وقد روي عن عمر وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وأبي بصرة وعكرمة ونافع والحسن وقتادة وزيد بن أبي حبيب والضحاك أن تحريم الفرار من الزحف في هذه الآية مختص بيوم بدر، وأن أهل بدر لم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا إلى المشركين إذ لم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم ولا لهم فئة إلا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض، وبه قال أبو حنيفة، قالوا ويؤيده قوله:

الأنفال 8:16

(ومن يولهم يومئذ دبره) فإنه إشارة إلى يوم بدر، وقيل أن هذه الآية منسوخة بآية الضعف. وذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية محكمة عامة غير خاصة وأن الفرار من الزحف محرم، ويؤيد هذا أن هذه الآية نزلت بعد انقضاء الحرب في يوم بدر وأجيب عن قول الأولين بأن الإشارة في (يومئذ) إلى يوم بدر بأن الإشارة إلى يوم الزحف كما يفيده السياق. ولا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف بل هذه الآية مقيدة بها فيكون الفرار من الزحف محرماً بشرط ما بينه الله في آية الضعف. ولا وجه لما ذكروه من أنه لم يكن في الأرض يوم بدر مسلمون غير من حضرها فقد كان في المدينة إذ ذاك خلق كثير لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج، لأنه صلى الله عليه وسلم ومن خرج معه لم يكونوا يرون في الابتداء أنه سيكون قتال. ويؤيد هذا ورود الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن الفرار من الزحف من جملة الكبائر كما في حديث: اجتنبوا السبع الموبقات وفيه " والتولي يوم الزحف " ونحوه من الأحاديث، وهذا البحث تطول ذيوله وتتشعب طرقه وهو مبين في مواطنه، وورد عن جماعة من الصحابة أن التولي يوم الزحف من الكبائر. قال ابن عطية: والإدبار جمع دبر، والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة في الفصاحة لما في ذلك من الشناعة على الفار والذم له. قلت ويطلق الدبر على مقابل القبل وعلى الظهر وهو المراد هنا، والمقصود ملزوم تولية الظهر وهو الانهزام، وهذا من باب التعريض حيث ذكر لهم حالة تستهجن من فاعلها فأتى بلفظ الدبر دون الظهر لذلك، وبعض أهل علم البيان يسمي هذا النوع كناية وليس بشيء. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16) (ومنِ يولهم يومئذ) أي يوم لقيتموهم (دبره إلا متحرفاً لقتال) أي منعطفاً ومائلاً إليه، والنصب على الحال أو الاستثناء من ضمير المؤمنين أي ومن يولهم إلا رجلاً منهم متحرفاً، واللام للتعليل أي لأجل قتال أي لأجل التمكن منه، والتحرف الزوال عن جهة الاستواء والمراد به هنا التحريف من جانب إلى جانب في المعركة طلباً لمكائد الحرب وخدعاً للعدو، كمن يوهم أنه منهزم ليتبعه العدو، فيكر عليه ويتمكن منه ونحو ذلك من مكائد الحرب، فإن الحرب خدعة. (أو متحيزاً إلى فئة) أي منضماً وصائراً إلى جماعة من المسلمين غير الجماعة المقابلة للعدو أي رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً، ووزن متحيز متفيعل لا متفعل لأنه من حاز يحوز فبناء متفعل منه متحوز، والتحيز والتحوز الإنضمام وتحوزت الحية انطوت، وحزت الشيء ضممته والحوزة ما يضم الأشياء. (فقد باء) أي من ينهزم ويفر من الزحف إلا في هاتين الحالتين فقد رجع (بغضب) كائن (من الله ومأواه جهنم) أي المكان الذي يأوي إليه هو النار ففراره أوقعه إلى ما هو أشد بلاء مما فر منه وأعظم عقوبة، والمأوى ما يأوي إليه الإنسان (وبئس المصير) ما صار إليه من عذاب النار. وقد اشتملت هذه الآية على هذا الوعيد الشديد لمن يفر عن الزحف وفي ذلك دلالة على أنه من الكبائر الموبقة. فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17) ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ (18)

الأنفال 8:17

(فلم تقتلوهم) أي إذا عرفتم ما قصه الله عليكم من إمداده لكم بالملائكة وإيقاع الرعب في قلوبهم فلم تقتلوهم بقوتكم (ولكن الله قتلهم) بما يسره لكم من الأسباب الموجبة للنصر، قال الزمخشري الفاء في (فلم) جواب شرط محذوف أي وإن افتخرتم بقتلهم فلم تقتلوهم أنتم، وقال الشيخ: وليست جواباً بل لربط الكلام بعضه ببعض. (وما رميت إذ رميت) اختلف المفسرون في هذا الرمي على أقوال فروي عن مالك أن المراد به ما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم في يوم حنين فإنه رمى المشركين بقبضة من حصباء الوادي، فأصابت كل واحد منهم، وقيل المراد به الرمية التي رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف بالحربة في عنقه فانهزم ومات منها، وقيل المراد به السهم الذي رمى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حصن خيبر، فسار في الهواء حتى أصاب ابن أبي الحقيق وهو على فراشه. وهذه الأقوال ضعيفة فإن الآية نزلت عقب وقعة بدر، وأيضاً المشهور في كتب السير والحديث في قتل ابن أبي الحقيق أنه وقع على صورة غير هذه الصورة والصحيح كما قال ابن إسحاق وغيره: أن المراد بالرمي المذكور في هذه الآية هو ما كان منه صلى الله عليه وآله وسلم في يوم بدر، فإنه أخذ قبضة من تراب فرمى بها في وجوه المشركين فأصابت كل واحد منهم، ودخلت في عينيه ومنخريه وأنفه. وقال ثعلب المعنى وما رميت الفزع والرعب في قلوبهم إذ رميت بالحصباء فانهزموا (ولكن الله رمى) أي أعانك وأظفرك، والعرب تقول رمى الله لك أي أعانك وأظفرك وصنع لك، وقد حكى مثل هذا أبو عبيدة في كتاب المجاز، قال محمد بن يزيد المبرد: المعنى وما رميت بقوتك إذ رميت ولكنك بقوة الله رميت. وقيل المعنى أن الرمية بتلك القبضة من التراب التي رميتها لم ترمها أنت على الحقيقة لأنك لو رميتها ما بلغ أثرها إلا ما يبلغه رمي البشر، ولكنها كانت رمية الله حيث أثرت ذلك الأثر العظيم، فأثبت الرمية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن صورتها وجدت منه، ونفاها عنه لأن أثرها الذي لا يطيقه البشر فعل الله عز وجل فكأن الله فاعل الرمية على الحقيقة وكأنها لم توجد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أصلاً، هكذا في الكشاف. وفي الآية بيان أن فعل العبد مضاف إليه كسباً وإلى الله خلقاً لا كما تقوله الجبرية والمعتزلة لأنه أثبت الفعل للعبد ثم نفاه عنه وأثبته لنفسه، فصح هذا النفي والإثبات، قال الكرخي: نفى الفعل عنهم وعنه باعتبار الإيجاد إذ الموجد حقيقة هو الله تعالى، وإثباته لهم وله باعتبار الكسب والصورة. قال مجاهد: هذا لمحمد- صلى الله عليه وسلم - حين حصب الكفار، وقال قتادة: رماهم يوم بدر بالحصباء، وعن حكيم بن حزام قال: لما كان يوم بدر سمعنا صوتاً من السماء إلى الأرض كأنه صوت حصاة وقعت في طست ورمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتلك الحصباء وقال: شاهت الوجوه فانهزمنا فذلك قوله تعالى: (وما رميت إذ رميت) الآية وعن جابر نحوه. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: ناولني قبضة من حصباء فناوله فرمى بها في وجوه القوم فما بقي أحد من القوم إلا امتلأت عيناه من الحصباء فنزلت هذه الآية، وقال ابن المسيب: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حربته في يده فرمى بها أبي بن خلف وكسر ضلعاً من أضلاعه، وفي ذلك أنزل الله (وما رميت إذ رميت) وعن الزهري نحوه وإسناده صحيح إليهما. قال ابن كثير: وهذا القول عن هذين الإمامين غريب جداً، ولعلهما أرادا أن الآية تتناوله بعمومها وهكذا قال فيما قاله عبد الرحمن بن جبير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا بقوس فرمى بها الحصن فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق في فراشه فأنزل الله (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) [[ابن كثير 2/ 296.]]. (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً) البلاء يستعمل في الخير والشر على حد (وبلوناهم بالحسنات والسيئات) والمراد هنا الخير والنعمة، وعليه أجمع المفسرين والمعنى ولينعم على المؤمنين بالغنيمة إنعاماً جميلاً أي للإنعام عليكم بنعمه الجليلة فعل ذلك لا لغيره. وقيل التقدير لكن الله رمى ليمحق الكافرين وليبلي المؤمنين، وقال عروة ابن الزبير: أي ليعرف المؤمنين من نعمته عليهم في إظهارهم على عدوهم مع كثرة عددهم وقلة هؤلاء ليعرفوا بذلك حقه، ويشكروا بذلك نعمته (إن الله سميع) لدعائهم (عليم) بأحوالهم.

الأنفال 8:18

(ذلكم) أي البلاء الحسن والقتل والرمي (وأن الله موهن كيد الكافرين) أي إن الغرض منه بما وقع مما حكته الآيات السابقة إبلاء المؤمنين وتوهين كيد الكافرين. إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ (19) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (20)

الأنفال 8:19

(إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح) الاستفتاح طلب النصر، وقد اختلف في المخاطبين بالآية من هم فقيل إنها خطاب للكفار تهكماً بهم لأنهم الذين وقع بهم الهلاك والذلة، والمعنى أن تستنصروا الله على محمد فقد جاءكم النصر وقد كانوا عند خروجهم من مكة سألوا الله أن ينصر أحق الطائفتين وأعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم الحزبين بالنصر والظفر، وهو في نفس الأمر دعاء عليهم وإن أرادوا به الدعاء على محمد وحزبه - صلى الله عليه وسلم -، فتهكم الله بهم وسمى ما حل بهم من الهلاك نصراً. ومعنى بقية الآية على هذا القول (وإن تنتهوا) عما كنتم عليه من الكفر والعداوة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - (فهو) أي الانتهاء (خير لكم وإن تعودوا) إلى ما كنتم عليه من الكفر والعداوة (نعد) بتسليط المؤمنين عليكم ونصرهم كما سلطناهم ونصرناهم في يوم بدر، وقال قتادة: نعد لكم بالقتل والأسر. (ولن تغني عنكم فئتكم) أي جماعتكم (شيئاً ولو كثرت) أي لا تغني عنكم في حال من الأحوال ولو في حال كثرتها، ثم قال (وإن) بالكسر استئنافاً وبفتحها على تقدير اللام (الله مع المؤمنين) أي محمد وأصحابه قاله السدي ومن كان الله معه فهو المنصور ومن كان الله عليه فهو المخذول. وقيل أن الآية خطاب للمؤمنين والمعنى إن تستنصروا الله فقد جاءكم النصر في يوم بدر، وإن تنتهوا عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم وفداء الأسرى قبل الإذن لكم بذلك وعن التكاسل في القتال والرغبة عما يختاره الرسول فهو خير لكم وإن تعودوا إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم كما في قوله (لولا كتاب من الله سبق) الآية. ولا يخفى أنه يأبى هذا القول معنى (ولن تغني عنكم فئتكم شيئاً) ويأباه أيضاً أن الله مع المؤمنين وتوجيه ذلك لا يمكن إلا بتكلف وتعسف. وقيل أن الخطاب في أن تستفتحوا للمؤمنين وفيما بعده للكافرين، ولا يخفى ما في هذا من تفكيك النظم وعود الضمائر الجارية في الكلام على نمط واحد إلى طائفتين مختلفتين.

الأنفال 8:20

(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله) أمر الله سبحانه المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله في أمر الجهاد لأن فيه بذل المال والنفس، (ولا تولوا) نهاهم عن التولي عن رسوله، فالضمير في (عنه) عائد إلى الرسول لأن طاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي من طاعة الله (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) ويحتمل أن يكون راجعاً إلى الله وإلى رسوله كما في قوله: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) وقيل راجع إلى الأمر الذي دل عليه أطيعوا. هذا تفسير الآية على ظاهر الخطاب للمؤمنين وبه قال الجمهور وقيل أنه خطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط قال ابن عطية: وهذا وإن كان محتملاً على بعد فهو ضعيف جداً لأن الله وصف من خاطبه في هذه الآية بالإيمان وهو التصديق، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء. وأبعد من هذا من قال الخطاب لبني إسرائيل فإنه أجنبي من الآية (وأنتم تسمعون) ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين والقرآن والمواعظ وتصدقون بها ولستم كالصم البكم. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (21) إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (22) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)

الأنفال 8:21

(ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا) وهم المشركون أو المنافقون أو اليهود أو الجميع من هؤلاء فإنهم يسمعون بآذانهم من غير فهم ولا عمل (وهم لا يسمعون) سماع تدبر واتعاظ أي فهم كالذي لم يسمع أصلاً لأنه لم ينتفع بما سمعه، وهذه صفة المنافقين أو المشركين

الأنفال 8:22

(إن شر الدواب) أي ما دب على وجه الأرض وإطلاق الدابة على الإنسان حقيقي لما ذكروه في كتب اللغة من أنها تطلق على كل حيوان ولو آدمياً، وفي المصباح الدابة كل حيوان في الأرض مميزاً أو غير مميز. (عند الله) أي في حكمه (الصم البكم) أي الذين لا يسمعون ولا ينطقون، وصفوا بذلك مع كونهم ممن يسمع وينطق لعدم انتفاعهم بالسمع والنطق (الذين لا يعقلون) ما فيه النفع لهم فيأتونه وما فيه الضرر عليهم فيجتنبونه فهم شر الدواب عند الله لأنها تميز بعض تمييز، وتفرق بين ما ينفعها ويضرها، قال ابن عباس: هم نفر من قريش من بني عبد الدار، وعن ابن جريج قال: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث وقومه.

الأنفال 8:23

(ولو علم الله فيهم) أي في هؤلاء الصم والبكم (خيراً) أي خير (لأسمعهم) سماعاً ينتفعون به ويتعقلون عنده الحجج والبراهين، قال الزجاج: لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه، وقيل لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال عروة بن الزبير: لأسمعهم أي لأنفذ لهم قولهم الذي قالوا بألسنتهم ولكن القلوب خالفت ذلك منهم. (ولو أسمعهم) فرضاً وقد علم أن لا خير لهم (لتولوا) عنه ولم ينتفعوا بما يسمعون من المواعظ والدلائل ولم يستقيموا (وهم معرضون) عن قبوله عناداً وجحوداً لأنه قد سبق في علمه أنهم لا يؤمنون.

الأنفال 8:24

(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول) الأمر هنا بالاستجابة مؤكد لما سبق من الأمر بالطاعة والاستجابة الطاعة، قال أبو عبيدة: معنى استجيبوا (أجيبوا) والسين والتاء زائدتان وإن كان استجاب يتعدى باللام وأجاب بنفسه كما في قوله (يا قومنا أجيبوا داعي الله) وقد يتعدى استجاب بنفسه. (إذا دعاكم) وحد الضمير هنا كما وحده في قوله: (ولا تولوا عنه) لان استجابة الرسول استجابة لله تعالى، وإنما يذكر أحدهما مع الآخر للتوكيد، وقد تقدم وجه ذلك (لما يحيييكم) أي استجيبوا لما يحيييكم إذا دعاكم، ولا مانع من أن تكون اللام متعلقة بدعا أي إذا دعاكم إلى ما فيه حياتكم من علوم الشريعة، لأن العلم حياة، كما أن الجهل موت. لا تعجبنّ الجهولَ حلّته ... فذاك ميت وثوبه كفن قال الجمهور من المفسرين: المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ففيه الحياة الأبدية والنعمة السرمدية، وقيل المراد الجهاد فإنه سبب الحياة في الظاهر لأن العدو إذا لم يغُز غزا، قاله ابن إسحق، وقال السدي: هو الإيمان لأن الكافر ميت فيحيا بالإيمان، وقال مجاهد: هو الحق. وقيل هو الشهادة لأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، وعن قتادة قال: هذا هو القرآن فيه الحياة والثقة والنجاة والعصمة في الدنيا والآخرة، وقال عروة ابن الزبير: للحرب التي أعزكم الله بها بعد الذل، وقواكم بها بَعْد الضعف ومنعكم بها من العذاب بعد القهر منهم لكم. وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد بن المعلى قال: كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم أجبه ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي فقال: ألم يقل الله تعالى: (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) الحديث [[ابن كثير 2/ 297.]]. وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على أبي بن كعب وهو يصلي فقال: يا أُبَيّ فالتفت أبي ولم يجبه، الحديث وفيه فقال: إني كنت في الصلاة فقال: أفلم تجد فيما أوحى الله إلى (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم)؟ قال: بلى ولا أعود إن شاء الله تعالى، أخرجه الترمذي وقال حسن صحيح. وهذه الإجابة مختصة بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وليس لأحد أن يقطع صلاته لدعاء أحد آخر وقيل لو دعاه أحد لأمر مهم لا يحتمل التأخير فله أن يقطع صلاته والأول أولى. ويستدل بهذا الأمر بالاستجابة على أنه لا بد من الإجابة في كل ما دعا الله ورسوله إليه، فيجب على كل مسلم إذا بلغه قول الله أو قول رسوله في حكم من الأحكام الشرعية أن يبادر إلى العمل به كائناً ما كان، ويدع ما خالفه من الآراء وأقوال الرجال. وفي هذه الآية الشريفة أعظم باعث على العمل بنصوص الأدلة وترك التقليد بالمذاهب وعدم الاعتداد بما يخالف ما في الكتاب والسنة كائناً ما كان. (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه) قيل معناه بادروا إلى الاستجابة قبل أن لا تتمكنوا منها بزوال القلوب التي تعقلون بها بالموت الذي كتبه الله عليكم وقيل معناه أنه خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمناً ويبدل عدوهم من الأمن خوفاً، واختار ابن جرير أن هذا من باب الإخبار من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب عباده منهم وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء حتى لا يدرك الإنسان شيئاً إلا بمشيئته عز وجل. ولا يخفاك أنه لا مانع من حمل الآية على هذه المعاني، وقال ابن عباس: يحول بين المؤمن وبين الكفر ومعاصي الله، ويحول بين الكافر وبين الإيمان وطاعة الله، وبه قال سعيد بن جبير والضحاك ومجاهد، وقال السدي: يحول بين الإنسان وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن أو يكفر إلا بإذنه وإرادته. قيل وهذا القول هو الذي دلت عليه البراهين العقلية لأن أحوال القلوب اعتقادات ودواع وإرادات، وتلك الإرادات لا بد لها من فاعل مختار وهو الله تعالى، فثبت بذلك أن المتصرف في القلب كيف شاء هو الله، فالمعنى أنه يحول بين المرء وخواطر قلبه أو وإدراك قلبه بمعنى أنه يمنعه من حصول مراده أو يمنعه من الإدراك والفهم. وفي الشهاب أصل الحول كما قال الراغب: تغير الشيء وانفصاله عن غيره وباعتبار التغير قيل حال الشيء يحول، وباعتبار الانفصال قيل حال بينهما كذا، فحقيقة كون الله يحول بين المرء وقلبه أنه يفصل بينهما، ومعناه الحقيقي غير متصور في حقه فهو مجاز عن غاية القرب من العبد لأن من فصل بين شيئين كان أقرب إلى كل منهما من الآخر لاتصاله بهما وانفصال أحدهما عن الآخر، وهو إما استعارة تبعية فمعنى يحول يقرب أو تمثيلية. وقيل أن الأنسب أن يكون مجازاً مركباً مرسلاً لاستعماله في لازم معناه وهو القرب وليس ببعيد، وقال أبو السعود: تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله: (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وتنبيه على أنه مطلع على مكنونات القلوب ما عسى يغفل عنه صاحبها أو حث على المبادرة إلى إخلاص القلوب وتصفيتها قبل إدراك المنية فإنها حائلة بين المرء وقلبه، أو تصوير وتخييل لتملكه على العبد قلبه بحيث يفسخ عزائمه ويغير نياته ومقاصده ويحول بينه وبين الكفر إن أراد سعادته ويبدله بالأمن خوفاً وبالذكر نسياناً وما أشبه ذلك من الأمور العارضة المفوتة للفرصة اهـ. وقال الربيع بن أنس: علمه يحول، وقال مجاهد: يحول حتى يتركه لا يعقل، وعن الحسن قال: في القرب منه، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك [[مسلم 2654. وروى الترمذي 2/ 36 عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكثر أن يقول: " يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك " فقلت: يا نبي الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: " نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف شاء ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.]] أخرجه مسلم، وفي الباب أحاديث. (وأنه إليه تحشرون) أي وأنكم محشورون إليه وهو مجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً، قال الفراء: ولو استأنفت فكسرت همزة إنه لكان صواباً، ولعل مراده أن مثل هذا جائز في العربية. وهذا الحديث من أحاديث الصفات يجب إمراره على ما جاء من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه، وكذا هذه الآية وكونه من الصفات يرد تأويلها بالتمثيل. وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)

الأنفال 8:25

(واتقوا) خطاب للمؤمنين مطلقاً صلحائهم وغيرهم (فتنة) المراد بها العذاب الدنيوي كالقحط والغلاء، وتسلط الظلمة وغير ذلك أي اتقوا سبب فتنة (لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) أي اتقوا فتنة تتعدى الظالم فتصيب الصالح والطالح، ولا يختص إصابتها بمن يباشر الظلم منكم، وفي (لا) وجهان (أحدهما) أنها ناهية والنهي في الصورة للمصيبة، وفي العنى للمخاطبين (والثاني) أنها نافية والجملة صفة لفتنة. وهذا واضح من هذه الجهة إلا أنه يشكل عليه توكيد المضارع في غير قسم ولا طلب ولا شرط وفيه خلاف. وقد اختلف النحاة في هذه النون المؤكدة في تصيبن فقال الفراء: هو جواب الأمر بلفظ النهي، ومثله قوله تعالى: (ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم) أي إن تدخلوا، وقال المبرد: أنه نهي بعد أمر، والمعنى النهي للظالمين أي لا يقربن الظلم ومثله ما روي عن سيبويه لا أريتك ههنا أي لا تكن ههنا فإن من كان ههنا رأيته وقال الجرجاني: نهي في موضع وصف لفتنة. وقيل (لا تصيبن) جواب قسم محذوف، والجملة القسمية صفة لفتنة أي فتنة والله لا تصيبن ودخول النون أيضاً قليل لأنه منفي، قال الزبير: الفتنة البلاء والأمر الذي هو كائن. وعن الحسن قال: نزلت في علي وعثمان وطلحة والزبير، وعن الضحاك قال: نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، وعن السدي قال: نزلت في أهل بدر خاصة فأصابتهم يوم الجمل فاقتتلوا، وكان من المقتولين طلحة والزبير وهما من أهل بدر فتصيب الظالم والصالح عامة، وعن مجاهد والضحاك وقتادة مثله. روى البغوي بسنده عن عدي بن عدي قال: حدثني مولى لنا أنه سمع جدي يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة [[ضعيف الجامع الصغير 1675.]]. والذي ذكره ابن الأثير في جامع الأصول عن عدي بن عميرة الكندي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها [[أبو داوود كتاب الملاحم باب 17.]]. وأخرج أبو داود عن جرير بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون أن يغيروا عليه ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعقاب قبل أن يموتوا [[أبو داوود كتاب الملاحم باب 17.]]. وقال ابن زيد: أراد بالفتنة افتراق الكلمة ومخالفة بعضهم بعضاً. وروى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: تكون فتن القاعد فيها خير من القائم والقائم فيها خير من الماشي، والماشي خير من الساعي، من تشرف لها تستشرفه ومن وجد ملجأً أو معاذاً فليعذ به [[مسلم 2887.]]. قال الكرخي: واستشكل هذا بقوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وأجيب بأن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فالواجب على كل من رآه أن يغيره إذا كان قادراً على ذلك فإذا سكت فكلهم عصاة هذا بفعله وهذا برضاه، وقد جعل الله بحكمته الراضي بمنزلة العامل فانتظم في العقوبة اهـ. وعلامة الرضا بالمنكر عدم التألم من الخلل الذي يقع في الدين بفعل المعاصي، فلا يتحقق كون الإنسان كارهاً له إلا إذا تألم للخلل الذي يقع في الدين كما يتألم ويتوجع لفقد ماله أو ولده، فكل من لم يكن بهذه الحالة فهو راض بالمنكر فتعمه العقوبة والمصيبة بهذا الاعتبار، هكذا قرره القسطلاني على البخاري. (واعلموا أن الله شديد العقاب) ومن شدة عقابه أنه يصيب بالعذاب من لم يباشر أسبابه، وقد وردت الآيات القرآنية بأنه لا يصاب أحد إلا بذنبه ولا يعذب إلا بجنايته، فيمكن حمل ما في هذه الآية على العقوبات التي تكون بتسليط العباد بعضهم على بعض، ويمكن أن تكون هذه الآية خاصة بالعقوبات العامة والله أعلم. وممكن أن يقال إن الذين لم يظلموا قد تسببوا للعقوبة بأسباب كترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فتكون الإصابة المتعدية للظالم إلى غيره مختصة بمن ترك ما يجب عليه عند ظهور الظلم، وعن ابن عباس قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بعذاب (1).

الأنفال 8:26

(واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض) الخطاب للنبي وللمهاجرين بتذكير نعمة الله عليهم بالحماية من أعدائهم حيث آواهم في المدينة ونصرهم ببدر وهذه الآية نزلت بعد بدر أي اذكروا وقت قلتكم، والأرض هي أرض مكة وأطلقها في الآية لأنها لعظمها كأنها هي الأرض كلها أو لأن حالهم كان في بقية البلاد كحالهم فيها أو قريباً من ذلك، ولهذا عبر عنهم بالناس في قوله. (تخافون أن يتخطفكم الناس) والخطف الأخذ بسرعة والمراد بالناس مشركو قريش وكفار مكة، وقال عكرمة: كفار العرب وقيل فارس والروم، قاله وهب (فآواكم) يقال أوى إليه بالمد والقصر بمعنى الضم إليه، والمعنى ضمكم الله إلى المدينة أو إلى الأنصار. (وأيدكم بنصره) أي وقواكم بالنصر في مواطن الحرب التي منها يوم بدر، أو قواكم بالملائكة يوم بدر (ورزقكم من الطيبات) التي من جملتها الغنائم أحلها لكم ولم يحلها لأحد قبلكم (لعلكم تشكرون) أي إرادة أن تشكروا هذه النعم التي أنعم الله بها عليكم. وقال قتادة: كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلاً وأشقاه عيشاً وأجوعه بطناً وأعراه جلوداً وأبينه ضلالة، من عاش عاش شقياً، ومن مات منهم ردّي في النار يؤكلون ولا يأكلون، لا والله ما نعلم قبيلاً من حاضري الأرض يومئذ كان أشر منزلاً منهم حتى جاء الله بالإسلام فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق وجعلهم به ملوكاً على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله عز وجل [[روى البخاري 5/ 94 - 216 عن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديههم نجوا ونجوا جميعاً ".]]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (28)

الأنفال 8:27

(يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم) الخون أصله كما في الكشاف النقص كما أن الوفاء التمام، ثم استعمل في ضد الأمانة والوفاء لأنك إذا خنت الرجل في شيء فقد أدخلت عليه النقصان، وقيل معناه الغدر وإخفاء الشيء ومنه قوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين). نهاهم الله عن أن يخونوه بترك شيء مما افترضه عليهم أو يخونوا رسوله بترك شيء مما آمنهم الله عليه أو بترك شيء مما سنه لهم، أو يخونوا شيئاً من الأمانات التي ائتمنوا عليها، وسميت أمانات لأنه يؤمن معها من منع الحق، مأخوذة من الأمن، قال ابن عباس: لا تخونوا الله بترك فرائضه والرسول بترك سننه وارتكاب معصيته. وقال المغيرة بن شعبة: نزلت هذه الآية في قتل عثمان، وقال يزيد بن أبي حبيب: هو الإخلال بالسلاح في المغازي، ولعل مرادهما أن هذا مما يندرج تحت عمومها. قال جابر بن عبد الله: إن أبا سفيان خرج من مكة فأتى جبريل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال إن أبا سفيان بمكان كذا وكذا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه بمكان كذا فاخرجوا إليه واكتموا فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان أن محمداً يريدكم فخذوا حذركم فأنزل الله هذه الآية. وعن عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت هذه الآية في أبي لبابة بن عبد المنذر سألوه يوم قريظة ما هذا الأمر فأشار إلى حلقه أنه الذبح فنزلت، وعن الزهري: نحوه بأطول منه، وعن الكلبي والسدي نحوه. ولما اشتد الحصار ببني قريظة أطاعوا وانقادوا أن ينزلوا على ما يحكم به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فحكم فيهم سعد بن معاذ وقال: إني أحكم فيهم أن تقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء، فقال صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة [[ذكره القرطبي في 7/ 394 روى أنها نزلت في أبي لُبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قُريظة بالذبح. قال أبو لُبابة: والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله؛ فنزلت هذه الآية. فلما نزلت شدّ نفسه إلى سارية من سواري المسجد، وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً حتى أموت، أو يتوب الله عليّ. الخبر مشهور. مسلم 1768.]]. وفي رواية محمد بن صالح: لقد حكمت اليوم فيهم بحكم الله الذي حكم به من فوق سبع سموات، والقصة بطولها في المواهب اللدنية (وأنتم تعلمون) أن ذلك الفعل خيانة فتفعلون الخيانة عن عمد، أو أنتم من أهل العلم لا من أهل الجهل. ثم قال:

الأنفال 8:28

(واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة) لأنهم سبب الوقوع في كثير من الذنوب وصادة عن أمور الآخرة فصاروا من هذه الحيثية محنة يختبر الله بها عباده وإن كانوا من حيثية أخرى زينة الحياة الدنيا كما في الآية الأخرى. عن ابن مسعود قال: ما منكم من أحد إلا وهو يشتمل على فتنة، لأن الله يقول: (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) فمن استعاذ منكم فليستعذ بالله من مضلات الفتن، وقال ابن زيد: فتنة الاختبار اختبرهم، وقرأ [ونبلوكم بالشر والخير فتنة] (وأن الله عنده أجر عظيم) فآثروا حقه على أموالكم وأولادكم ليحصل لكم ما عنده من الأجر المذكور. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29) وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (30) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (31)

الأنفال 8:29

(يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) جعل سبحانه التقوى شرطاً في الجعل المذكور مع سبق علمه بأنهم يتقون جرياً على ما يخاطب به الناس بعضهم بعضاً، والتقوى اتقاء مخالفة أوامره والوقوع في مناهيه، والفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل، والمعنى أنه يجعل لهم من ثبات القلوب وثقوب البصائر وحسن الهداية ما يفرقون به بينهما عند الالتباس، وقيل الفرقان المخرج من الشبهات والنجاة من كل ما يخافونه، قاله ابن عباس وعكرمة. وقال الفراء: المراد بالفرقان الفتح والنصر، قال ابن إسحاق الفرقان الفصل بين الحق والباطل وبمثله قال ابن زيد، وقال السدي: الفرقان النجاة ويؤيد تفسير الفرقان بالمخرج والنجاة قوله: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً) وبه قال مجاهد ومالك بن أنس. (ويكفر عنكم سيئاتكم) أي يسترها حتى تكون غير ظاهرة (ويغفر لكم) ما اقترفتم من الذنوب، وقد قيل إن المراد بالسيئات الصغائر وبالذنوب التي تغفر الكبائر، وقيل المعنى أنه يغفر لهم ما تقدم من الذنوب وما تأخر (والله ذو الفضل العظيم) فهو المتفضل على عباده بتكفير السيئات ومغفرة الذنوب.

الأنفال 8:30

(وإذ يمكر بك الذين كفروا) أي واذكر يا محمد وقت مكر الكافرين بك، ذكر الله رسوله هذه النعمة العظمى التي أنعم بها عليه وهي نجاته من مكر الكافرين وكيدهم له بمكة لأن هذه الواقعة كانت بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، والسورة مدنية. وقال عكرمة: هذه الآية مكية، والمكر الاحتيال في إيصال الضرر للغير. (ليثبتوك) أي يثخنوك بالجراحات كما قال ثعلب وأبو حاتم وغيرهما، وقيل المعنى ليحبسوك يقال أثبته إذا حبسه، وقيل ليوثقوك لأن كل من شد شيئاً وأوثقه فقد أثبته لأنه لا يقدر على الحركة، وهذا أشار لرأي أبي البختري ومنه فشدوا الوثاق، وقرأ الشعبي: ليبيتوك من البيات. (أو يقتلوك) أي كلهم قتلة رجل واحد كما أشار عليهم أبو جهل (أو يخرجوك) منفياً من مكة التي هي بلدك وبلد أهلك، وهذا أشار لرأي هشام ابن عمرو، كذا في شرح المواهب، عن ابن عباس قال: تشاورت قريش بمكة ليلة فقال بعضهم إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعضهم اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على ذلك فبات عليّ على فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى لحق بالغار، فلما أصبحوا ثاروا إليه فلما رأوه علياً رد الله مكرهم فقالوا: أين صاحبك هذا، فقال: لا أدري فاقتصوا أثره فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم فصعدوا في الجبل فمروا بالغار فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال. وروى البيهقي وغيره عنه بأطول مما هنا وفيها ذكر الشيخ النجدي أي إبليس ومشورته عليهم عند اجتماعهم في دار الندوة للمشاورة في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن أبا جهل أشار بأن يأخذوا من كل قبيلة من قبائل قريش غلاماً ويعطوا كل واحد منهم سيفاً ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل، فقال الشيخ النجدي: هذا والله هو الرأي فتفرقوا على ذلك. (ويمكرون) بك (ويمكر الله) بهم، والمكر التدبير في الأمر في خفية، والمعنى أنهم يخفون ما يعدونه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المكائد فيجازيهم الله على ذلك ويرد كيدهم في نحورهم بأن يخرجهم إلى بدر، ويقلل المسلمين في أعينهم حتى يحملوا عليهم فيقتلوا، وسمى ما يقع منه تعالى مكراً مشاكلة كما في نظائره، والمشاكلة تزيده حسناً، على حسن، وقيل استعارة تبعية وقيل مجاز مرسل بعلاقة السببية، وقيل استعارة تمثيلية. (والله خير) المجازين لمكر (الماكرين) بمثل فعلهم فهو يعذبهم على مكرهم من حيث لا يشعرون فيكون ذلك أشد ضرراً عليهم وأعظم بلاء من مكرهم، ووضع خير موضع أقوى، فيه تنبيه على أن كل مكر يبطل بفعل الله.

الأنفال 8:31

(وإذا تتلى عليهم آياتنا) التي تأتيهم بها وتتلوها عليهم (قالوا) تعنتاً وتمرداً وبعداً عن الحق (قد سمعنا) ما تتلوه علينا (لو نشاء لقلنا مثل هذا) الذي تلوته علينا أي مثل هذا القرآن وهو التوراة والإنجيل، وقد تنازع هذا العامل مع قوله: (لقلنا) في قوله: (مثل هذا) كما يستفاد من الخازن، قيل إنهم قالوا هذا توهماً منهم أنهم يقدرون على ذلك لأنهم أهل الفصاحة وفرسان البلاغة فلما راموا أن يقولوا مثله عجزوا عنه ثم قالوا عناداً وتمرداً. (إن هذا إلا أساطير الأولين) أي ما يسطره الوراقون من أخبار الأولين وقد تقدم بيانه مستوفى، وعن السدي أنها نزلت في النضر بن الحرث وكان يختلف إلى أرض فارس والحيرة ويسمع أخبارهم عن رستم واسفنديار، وأحاديث العجم، فلما جاء مكة ووجد النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أوحى إليه قال: (قد سمعنا) الآية. وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (32) وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)

الأنفال 8:32

(و) اذكر (إذ قالوا اللهم إن كان هذا) أي القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - (هو الحق) قرئ بالنصب وهو خبر الكون وبالرفع على الخبر، وبه قرأ الأعمش وزيد ابن علي، وقال ابن عطية: ويجوز في العربية رفع الحق على خبر هو والجملة خبر لكان، قال الأخفش: ولا أعلم أحداً بهذا الجائز (قلت) قد ظهر من قرأ به وهما رجلان جليلان قاله السمين. (من عندك فأمطر) قال أبو عبيدة: يقال أمطر في العذاب، ومطر في الرحمة وقال في الكشاف: قد كثر الإمطار في معنى العذاب، والإمطار استعارة أو مجاز عن الإنزال أي أنزل (علينا حجارة) فائدة توصيف الحجارة بقوله (من السماء) الدلالة على أن المراد بالحجارة السجيل، وهو حجارة مسومة أي معلمة معدة لتعذيب قوم من العصاة. (أو ائتنا بعذاب أليم) قالوا هذه المقالة مبالغة في الجحود والإنكار، سألوا أن يعذبوا بالرجم بالحجارة من السماء أو غيرها من أنواع العذاب الشديدة فأجاب الله عليهم بقوله.

الأنفال 8:33

(وما كان الله ليعذبهم وأنت) يا محمد (فيهم) موجود فإنك ما دمت فيهم بأرض مكة فهم في مهلة من العذاب الذي هو الاستئصال، قال السيوطي: لأن العذاب إذا نزل عم، ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها. أخرج البخاري وابن أبي حاتم والبيهقي عن أنس بن مالك قال: قال أبو جهل ابن هشام " اللهم إن كان هذا هو الحق " الآية فنزلت (وما كان الله ليعذبهم) وعن قتادة أنها نزلت في أبي جهل، وعن سعيد بن جبير أنها نزلت في النضر بن الحرث، وعن مجاهد وعطاء نحوه، قال عطاء: لقد نزل في النضر بن الحرث بضع عشرة آية فحاق به ما سأل من العذاب يوم بدر، قال سعيد بن جبير: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر ثلاثة من قريش صبراً طعيمة بن عدي وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحرث، وفيه نزل سأل سائل بعذاب واقع. (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون) روي أنهم كانوا يقولون في الطواف غفرانك فنزلت أي (وما كان الله معذبهم) في حال كونهم مستغفرين، قال ابن عباس: كان فيهم أمانان النبي - صلى الله عليه وسلم - والاستغفار، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم وبقي الاستغفار. وأخرج الترمذي وضعفه عن أبي موسى الأشعري قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنزل الله عليّ أمانين لأمتي (وما كان الله ليعذبهم) الآية فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار [[ضعيف الجامع الصغير 1341.]]، وقيل معنى الآية لو كانوا ممن يؤمنون بالله ويستغفرونه لم يعذبهم، وقيل أن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم أي وما كان الله ليعذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين فلما خرجوا من بين أظهرهم عذبهم بيوم بدر وما بعده. وقيل المعنى وفي أصلابهم من يستغفر الله، وقيل هذا دعاء لهم إلى الإسلام والاستغفار بهذه الكلمة، وقال مجاهد وعكرمة: وهم يستغفرون أي يسلمون يعني لو أسلموا لما عذبوا، قال أهل المعاني دلت هذه الآية على أن الاستغفار أمان وسلامة من العذاب، والأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مطلق الاستغفار كثيرة جداً معروفة في كتب الحديث. وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (34) وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (35)

الأنفال 8:34

(وما لهم أن لا يعذبهم الله) لما بين سبحانه أن المانع من تعذيبهم هو الأمران المتقدمان وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين ظهورهم، ووقوع الاستغفار ذكر بعد ذلك أن هؤلاء أعني كفار مكة مستحقون لعذاب الله لما ارتكبوا من القبائح والمعنى أى شيء لهم يمنع من تعذيبهم، قيل هذا العذاب هو القتل والأسر يوم بدر، وقيل عذاب الآخرة. (وهم) أي والحال أنهم (يصدون) الناس (عن المسجد الحرام) كما وقع منهم عام الحديبية من منع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه من البيت (وما كانوا أولياءه) كما زعموا أي مستحقين ولاية أمره مع شركهم، وهذا كالرد لما كانوا يقولونه من أنهم ولاة البيت والحرم، وأن أمرهم مفوض إليهم، ثم قال مبيناً لمن له ذلك (إن أولياؤه إلا المتقون) أي من كان في عداد المتقين للشرك والمعاصي، وعن مجاهد قال: من كانوا حيث كانوا. (ولكن أكثرهم) أى أكثر الناس (لا يعلمون) ذلك، والحكم على الأكثرين بالجهل يفيد أن الأقلين يعلمون ولكنهم يعاندون، أو أراد به الكل كما يراد بالقلة العدم.

الأنفال 8:35

(وما كان صلاتهم عند البيت) أى ما كان شيء مما يعدونه صلاة وعبادة (إلا مُكاء وتصدية) أي إلا هذين الفعلين، والمكاء الصفير من مكأ يمكؤ مكاء ومكوأ، ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح، وقيل المكاء هو الصفير على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء، والتصدية التصفيق يقال صدى يصدي تصدية إذا صفق، وقيل المكاء الضرب بالأيدي والتصدية الصياح، وقيل المكاء أدخالهم أصابعهم في أفواههم والتصدية الصفير. وقيل التصدية صدهم عن البيت. ومعنى الآية أن المشركين كانوا يصفرون ويصفقون عند البيت الذي هو موضع للصلاة والعبادة، فوضعوا ذلك موضع الصلاة قاصدين به أن يشغلوا المصلين من المسلمين عن الصلاة، وعن عكرمة قال: " كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال فالمكاء مثل نفخ البوق والتصدية طوافهم على الشمال. وقال السمين: التصدية فيها قولان " أحدهما " أنها من الصدى وهو ما يسمع من رجع الصوت في الأمكنة الخالية الصلبة، يقال منه صدى يصدي تصدية، والمراد بها هنا ما يسمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى، وقيل مأخوذ من التصدد وهو الضجيج والصياح والتصفيق، ويدل عليه قراءة [إذا قومك منه يصدون] بالكسر أى يضجون ويلغطون " والثاني " أنها من الصد وهو المنع، ويؤيده قراءة يصدون بالضم أي يمنعون انتهى، والمكاء الصفير وهو الصوت الخالي عن الحروف. والمعنى أنهم فوتوا ما حقهم أن يشتغلوا به في هذا المكان من الصلاة وشغلوه بهذا اللعب والخراف والهوس، واستثنى المكاء والتصدية مع أنهما ليسا من جنس الصلاة تقريعاً للمشركين بتركهم ما أمروا به في المسجد الحرام، فإن ما لا يدخل تحت الشيء قد يستثنى منه لمصلحة وغرض كقصد المدح والذم؛ فعلى هذا يكون التقدير وما كان موضع صلاتهم أي عوضها إلا مكاء وتصدية. (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) هذا التفات إلى مخاطبة الكفار تهديداً لهم ومبالغة في إدخال الروعة في قلوبهم، والمراد به عذاب الدنيا كيوم بدر، وعذاب الآخرة، قال الضحاك: يعني أهل بدر عذبهم الله بالقتل والأسر. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)

الأنفال 8:36

(إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله) لما فرغ سبحانه من شرح حال هؤلاء الكفرة في الطاعات البدنية أتبعها شرح أحوالهم في الطاعات المالية، والمعنى أن غرض هؤلاء الكفار في إنفاق أموالهم هو الصد عن سبيل الحق بمحاربة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجمع الجيوش لذلك، وذلك كما وقع من كفار قريش يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب فإن الرؤساء كانوا ينفقون أموالهم على الجيش. وعن ابن عباس قال: نزلت في أبي سفيان بن حرب، وعن مجاهد وسعيد بن جبير نحوه. وعن الحكم بن عتيبة قال: نزلت في أبي سفيان أنفق على مشركي قريش يوم أحد أربعين أوقية من ذهب، وكانت الأوقية يومئذ أربعين واثنين مثقالاً من ذهب. ثم أخبر الله سبحانه عن الغيب على وجه الإعجاز فقال (فسينفقونها) أى سيقع منهم هذا الإنفاق وسيعلمون عاقبة إنفاقها من الخيبة وعدم الظفر بالمقصود فحصلت المغايرة (ثم تكون) أي عاقبة ذلك أن يكون إنفاقهم (عليهم حسرة) كأن ذات الأموال تنقلب حسرة وتصير ندماً لفوات ما قصدوه بها (ثم) آخر الأمر (يُغلبون) في الدنيا كما وعد الله في مثل قوله (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) ومعنى ثم في الموضعين إما التراخي في الزمان لما بين الإنفاق المذكور وبين ظهور دولة الإسلام من الامتداد، وإما التراخي في الرتبة لما بين بذل الأموال وعدم حصول المقصود من المباينة. ثم قال (والذين كفروا) أي استمروا على الكفر لأن من هؤلاء الكفار المذكورين سابقاً من أسلم وحسن إسلامه (إلى جهنم يحشرون) أي يساقون إليها لا إلى غيرها. لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (37) ثم بين العلة التي لأجلها فعل بهم ما فعل فقال:

الأنفال 8:37

(ليميز الله الخبيث) وهم الكافرون (من الطيب) وهم المؤمنون، قال ابن عباس: يميز أهل السعادة من أهل الشقاوة، وقيل العمل الخبيث من العمل الطيب، وقيل الإنفاق في طريق الشيطان وسبيل الرحمن، وقيل الخبيث والطيب صفة للمال، والتقدير (ليميز المال الخبيث الذي أنفقه المشركون في عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، من الطيب الذي أنفقه المسلمون في نصرته صلى الله عليه وسلم، فيضم تلك الأموال الخبيثة بعضها إلى بعض فيلقيها في جهنم ويعذبهم بها، كما في قوله تعالى: (فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم). قال في الكشاف: واللام على هذا متعلقة بقوله: ثم تكون عليهم حسرة، وعلى الأول بيحشرون، انتهى. وعن شمر بن عطية قال: يميز يوم القيامة ما كان من عمل صالح في الدنيا ثم تؤخذ الدنيا بأسرها فتلقى في جهنم. (ويجعل الخبيث) أي يجعل فريق الكفار الخبيث (بعضه على بعض) أي فوق بعض (فيركمه) الركوم عبارة عن الجمع والضم، أي يجمع بعضهم إلى بعض ويضم بعضهم إلى بعض حتى يتراكموا لفرط ازدحامهم، يقال ركم الشيء يركمه إذا جمعه وألقى بعضه على بعضه، وبابه نصر، وارتكم الشيء وتراكم اجتمع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه. (جميعاً) حال من الهاء في يركمه أو توكيد لها (فيجعله) أي الخبيث فيه مراعاة اللفظ (في جهنم أولئك) أي الفريق الخبيث (هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران، فيه مراعاة المعنى لأن الضمير راجع على الخبيث. قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)

الأنفال 8:38

(قل للذين كفروا) كأبي سفيان وأصحابه واللام للتبليغ (إن ينتهوا) الخ أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا المعنى، سواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما قال الكسائي إنه في مصحف ابن مسعود تنتهوا بالتاء لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها، وقال في الكشاف: هي لام العلة، أي قل لأجلهم هذا القول وهو أن ينتهوا، ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل إن تنتهوا يغفر لكم. والمعنى إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام (يغفر لهم ما قد سلف) لهم من العداوة اهـ. وقيل معناه إن ينتهوا عن الكفر، قال ابن عطية: والحامل على ذلك جواب الشرط بيغفر لهم ما قد سلف، ومغفرة ما قد سلف لا يكون إلا لمنته عن الكفر وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يحبّ ما قبله. وأخرج أحمد ومسلم عن عمرو بن العاص قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي قال: مالك؟ فقلت أردت أن أشترط، قال تشترط ماذا؟ قلت: أن تستغفر لي قال: أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله [[مسلم 121.]]. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها [[الإمام أحمد 4/ 199.]]، قال يحيى بن معاذ الرازي التوحيد لم يعجز عن هدم ما قبله من كفر، فكيف يعجز عن هدم ما بعده من ذنب. (وإن يعودوا) إلى القتال والعداوة أو إلى الكفر الذي هم عليه، ويكون العود بمعنى الاستمرار، وفي الجمل العود يشعر بسبق التلبس بالشيء الذي حصل العود اليه، فالمعنى وإن يرتدوا عن الإسلام بعد دخولهم فيه ويرجعوا إلى الكفر وقتال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وجواب الشرط محذوف تقديره ننتقم منهم بالعقاب والعذاب. وقوله: (فقد مضت سنة الأولين) تعليل للمحذوف ولا يصلح للجوابية كما لا يخفي أي سبقت واستقرت سنة الله في إهلاك أعدائه ونصر أوليائه. وهذه العبارة مشتملة على الوعيد والتهديد والتمثيل بمن أهلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله، أي قد مضت سنة الله فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأولين من الأمم أن يصيبه بعذاب فليتوقعوا مثل ذلك. عن مجاهد قال: فقد مضت سنة الأولين في قريش وغيرها يوم بدر والأمم قبل ذلك، وقد فسر كثير من السلف هذه الآية بما مضى في الأمم المتقدمة من عذاب من قاتل الأنبياء وصمم على الكفر، وقال السدي ومحمد ابن إسحاق: المراد بالآية يوم بدر، وترسم سنت هذه بالتاء المجرورة وكذا الثلاثة التي في فاطر، وكذا التي في آخر غافر والإضافة على معنى في.

الأنفال 8:39

(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي شرك قاله ابن عباس، وقيل بلاء قاله الحسن، وقد فسرها جمهور السلف بالكفر، وقال محمد بن إسحق: بلغني عن الزهري عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا المعنى حتى لا يفتن مسلم عن دينه، وقد تقدم تفسير هذا في البقرة مستوفى، والجملة معطوفة على " قل للذين " لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبي وحده جاء بالإفراد ولما كان الغرض من الثاني تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعاً. (ويكون الدين كله) أي الطاعة والعبادة كلها (لله) خالصة دون غيره وقال قتادة: حتى يقال لا إله إلا الله عليه قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه دعا، وقيل يضمحل عنهم كل دين باطل، ويبقى فيهم دين الإسلام وحده والمعاني متقاربة. (فإن انتهَوا) عما ذكر من الشرك وافتتان المؤمنين وإيذائهم (فإن الله بما يعملون) بالتحتية باتفاق السبعة، وقرأ بالفوقية يعقوب من العشرة (بصير) لا يخفى عليه ما وقع منهم من انتهاء فيجازيهم به.

الأنفال 8:40

(وإن تولَّوا) عما أمروا به من الانتهاء أو عن الإيمان، وجوابه محذوف أي فلا تخشوا بأسهم (فاعلموا) أيها المؤمنون (إن الله مولاكم) أي ناصركم عليهم ومتولي أموركم (نعم المولى) هو (ونعم النصير) فمن والاه فاز ومن نصره غلب [[روى مسلم في " صحيحه " 1/ 111 عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قلنا: يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أُخذ بالأول والآخر ". وروى مسلم أيضاً في " صحيحه " 1/ 112 من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله ".]]. وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)

الأنفال 8:41

(واعلموا أنما) " ما " موصولة وكان القياس فصلها في الرسم من " أن " لكن ثبت وصلها في خط المصحف الإمام، وثبت فصلها أيضاً في بعضها على القياس كما ذكره ابن الجزري في قوله: " وخلف الأنفال ونحل وقعا ". (غنمتم) لما أمر الله سبحانه بالقتال بقوله وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة، ذكر حكم الغنيمة، والغنيمة قد قدمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدو، ثم استعملت في كل ما يصاب منهم، وقد يستعمل في كل ما ينال بسعي. وأما معنى الغنيمة في الشرع فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله أنما غنمتم مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر قال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد هذا اللفظ بهذا النوع. وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله: (يسألونك عن الأنفال) وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: (يسألونك عن الأنفال) نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر وقيل أنها يعني قوله: (يسألونك عن الأنفال) محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وليست مقسومة بين الغانمين وكذلك لمن بعده من الأئمة حكاه الماوردي عن كثير من المالكية. وقالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين، وكان أبو عبيدة يقول افتتح رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مكة عنوة ومنَّ على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئاً. وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وممن حكى ذلك ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري والقاضي عياض وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين وكيفيتها كثيرة جداً. قال القرطبي: ولم يقل أحد فيما أعلم أن قوله تعالى: (يسألونك عن الأنفال) الآية ناسخ لقوله: (واعلموا أنما غنمتم) الآية بل قال الجمهور أن قوله: (واعلموا أنما غنمتم) ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها قال: وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا يعطي الغنائم قريشاً ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه، فقال لهم أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيوتكم [[مسلم 1059.]] كما في مسلم وغيره، وليس لغيره أن يقول هذا القول بل ذلك خاص به، وقوله: (أنما غنمتم) يشمل كل شيء يصدق عليه اسم الغنيمة قليلاً كان أو كثيراً. و (من شيء) بيان لما الموصولة، وقد خصص الإجماع من عموم الآية الأسارى فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف، وكذلك سَلَب المقتول إذا نادى به الإمام قيل وكذلك الأرض المغنومة، ورد بأنه لا إجماع على الأرض. (فأن) أي فحق أو فواجب أن (لله خمسه وللرسول) وقد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة. القول الأول: قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة. فيجعل السدس للكعبة وهو الذي لله. والثاني: لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والثالث: لذوي القربى. والرابع: لليتامى. والخامس: للمساكين. والسادس: لابن السبيل. القول الثاني: قاله أبو العالية والربيع أنها تقسم الغنيمة على خمسة فيعزل منها سهم واحد، ويقسم أربعة على الغانمين ثم يضرب يده في السهم الذي عزله فما قبضه من شيء جعله للكعبة ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة للرسول ومن بعده في الآية. القول الثالث: روي عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: الخمس لنا فقيل له أن الله يقول: (واليتامى والمساكين وابن السبيل) فقال: يتامانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا. والقول الرابع: قول الشافعي: أن الخمس يقسم على خمسة وأن سهم الله وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية. القول الخامس: قول أبي حنيفة: أنه يقسم الخمس على ثلاثة اليتامى والمساكين وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته كما ارتفع حكم سهمه قال ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر وبناء المساجد وأرزاق القضاة والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي. القول السادس: قول مالك: أنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطي منه الغزاة باجتهاد ويصرف الباقي في مصالح المسلمين. قال القرطبي: وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم فانه لم يقسمه أخماس ولا أثلاثاً، وإنما ذكر ما في الآية من ذكره على وجه التنبيه عليهم لأنهم من أهم من يدفع إليه. وقال الزجاج: محتجاً لهذا القول قال الله تعالى: (يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) وجائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. أخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته يضعه رسول الله فيهم مع سهمهم مع الناس، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم يضعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيمن شاء وحيث شاء ليس لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة الأسهم ولرسول الله سهم مع سهام الناس. وعن ابن بريدة قال: الذي لله لنبيه والذي للرسول لأزواجه، وعن محمد ابن الحنفية في قوله: (فأن لله خمسه) قال: هذا مفتاح كلام لله الدنيا والآخرة وللرسول ولذي القربى، فاختلفوا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذين السهمين قال قائل منهم: سهم ذي القربى لقرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقال قائل: منهم سهم ذي القربى لقرابة الخليفة، وقال قائل منهم سهم النبي - صلى الله عليه وسلم - للخليفة بعده. واجتمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدة في سبيل الله، فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ وأبو الحاكم عن قيس بن مسلم الجدلي عن محمد بن الحنفية. وأخرج ابن جرير والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن " عباس قال: (فأن لله خمسه) مفتاح كلام أي على سبيل التبرك، وإنما أضافه لنفسه لأنه هو الحاكم فيه فيقسمه كيف شاء وليس المراد منه أن سهماً منه لله مفرداً لأن لله ما في السموات وما في الأرض، وبه قال الحسن وقتادة وعطاء وإبراهيم النخعي قالوا: سهم الله وسهم رسوله واحد، وذكر الله للتعظيم فجعل هذين السهمين في الخيل والسلاح وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم وجعل الأربعة الأسهم الباقية للفرس سهمين ولراكبه سهماً وللراجل سهماً. وعنه رضي الله عنه قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس، فأربعة منها بين من قاتل عليها وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس فربع لله وللرسول ولذي القربى يعني قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يأخذ النبي- صلى الله عليه وسلم - من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضعيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين، أخرجه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. (ولذي القربى) قيل إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمعنى أن سهماً من خمس الخمس لذوي القربى، وقد اختلف العلماء فيهم على أقوال الأول أنهم قريش كلها، روي ذلك عن بعض السلف، واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها قائلاً يا بني فلان يا بني فلان. وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد: هم بنو هاشم وبنو المطلب وليس لبني عبد شمس وبني نوفل منه شيء وإن كانوا أخوة لقوله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد، وشبك بين أصابعه وهو في الصحيح [[رواه ابن ماجه كتاب الجهاد باب 46 بلفظ: " إنما أرى بني هاشم بني المطلب شيئاً واحداً ".]]. وأخرج ابن إسحق وابن أبي حاتم عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر عن جبير بن مطعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قسم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب، قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه فقلنا: يا رسول الله هؤلاء إخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم دوننا فإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب، فقال: إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام [[روى الإمام أحمد نظيره في مسنده 4/ 81.]]، وقد أخرجه مسلم في صحيحه. وقيل هم بنو هاشم خاصة وبه قال مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم وهو مروي عن علي بن الحسين ومجاهد، وأخرج ابن مردويه عن زيد بن أرقم قال: آل محمد الذين أعطوا الخمس آل علي وآل عباس وآل جعفر وآل عقيل. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - شيء واحد من المغنم يصطفيه لنفسه إما خادم وإما فرس، ثم يصيب بعد ذلك من الخمس، وعن علي وصححه الحاكم قال: ولاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبى بكر وعمر رضي الله عنهما. واختلفوا في سهمهم هل هو ثابت اليوم أم لا فذهب أكثرهم إلى أنه ثابت فيعطى فقراؤهم وأغنياؤهم من خمس الخمس للذكر مثل حظ الانثيين، وبه قال مالك والشافعي، وقيل إنه غير ثابت وسقط سهمه وسهمهم بوفاته، وصار الكل مصروفاً إلى الثلاثة الباقية وبه قال أبو حنيفة وأصحاب الرأي. وحجة الجمهور أن الكتاب والسنة يدلان على ثبوت سهم ذوي القربى وكذا الخلفاء بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا يعطونهم ولا يفضلون فقيراً على غني، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى العباس مع كثرة غناه وكذا الخلفاء بعده، وألحقه الشافعي بالميراث الذي يستحق باسم القرابة غير أنهم يعطون القريب والبعيد. (واليتامى والمساكين وابن السبيل) قد تقدم بيان سهمهم قريباً والمراد باليتيم هنا هو الصغير المسلم الذي لا أب له فيعطى مع الحاجة إليه، والمساكين هم أهل الفاقة من المسلمين، وابن السبيل هو المسافر البعيد عن ماله المنقطع في سفره، فهذا مصرف خمس الغنيمة، ويقسم أربعة أخماسها الباقية بين الغانمين الحاضرين في الواقعة الحائزين للغنيمة، فيعطى للفارس ثلاثة أسهم: سهم له وسهمان لفرسه، وللراجل سهم واحد لحديث ابن عمر في الصحيح، وبه قال أكثر أهل العلم وإليه ذهب الثوري والأوزاعي ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحق. وقال أبو حنيفة: للفارس سهمان وللراجل سهم والحديث يرد عليه، وظاهر الآية يدل على أنه لا فرق بين العقار والمنقول، وعند أبي حنيفة يخير الإمام في العقار بين قسمه ووقفه على المصالح، ومن قتل من المسلمين مشركاً استحق سلبه من رأس الغنيمة لما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ومن قتل قتيلاً فله سلبه " [[مسلم 1715.]]، أخرجه الشيخان وغيرهما، ويجوز تنفيل بعض الجيش من الغنيمة. (إن كنتم آمنتم بالله) قال الزجاج: عن فرقة أن المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم آمنتم بالله وقالت فرقة أخرى أن " إن " متعلقة بقوله: (واعلموا أنما غنمتم) قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح لأن قوله واعلموا يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم، فعلق إن بقوله واعلموا على هذا المعنى أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وأسلموا الأمر لله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة. وقال في الكشاف: إنه متعلق بمحذوف يدل عليه واعلموا بمعنى إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم العلم المجرد ولكن العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر اهـ. (وما أنزلنا على عبدنا) أي إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه إضافة تشريف وتعظيم للنبي صلى الله عليه وسلم (يوم الفرقان) يوم بدر، وبدر ماء بين مكة والمدينة وسمي يومه يوم الفرقان لأن الله فرق بين أهل الحق بإظهاره وأهل الباطل بإخماده. (يوم التقى الجمعان) أي الفريقان من المسلمين والكافرين، عن علي ابن أبي طالب قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، وهو أول مشهد شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم (والله على كل شيء قدير) ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقل على الفريق الأكثر. إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)

الأنفال 8:42

(إذ) أي اذكروا أيها المسلمون إذ (أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى) قرئ بضم العين في الموضعين وكذا بالفتح والكسر وقرئ بهما أيضاً وهي لغات بمعنى واحد، وهذا هو قول جمهور اللغويين، والعدوة شط الوادي وشفيره وحافته سميت بذلك لأنها عدت ما في الوادي من ماء ونحوه أن يتجاوزها أي منعته، وقال أبو عمرو: هي المكان المرتفع، والدنيا تأنيث الأدنى من دنا يدنو أي القربى من المدينة، والقصوى تأنيث الأقصى من قصا يقصو، ويقال القصيا والأصل الواو وهي لغة أهل الحجاز، والمعنى وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة، وعدوكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة والباء بمعنى في كقولك زيد بمكة. (والركب أسفل منكم) أي والحال أن الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه مما يلي البحر، وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشد سفلاً منكم، وقيل الواو للعطف، والركب اسم جمع لراكب أو جمع له وهم العشرة فصاعداً، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، وقد يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب والجمع أركب وركوب كذا قال ابن فارس وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة. والمراد بالركب هنا ركب أبي سفيان وهي المراد بالعير فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر على ثلاثة أميال من بدر، قيل وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوهم بالعدوة القصوى، والركب أسفل منهم، الدلالة على قوة شأن العدو وشوكته وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء وكانت أرضاً لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهر العدو مع كثرة عددهم، فامتن الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه. (ولو تواعدتم) أي أنتم والمشركون من أهل مكة على أن تلتقوا في هذا الموضع للقتال وأعلم كل منكم الآخر للخروج له (لاختلفتم في الميعاد) أي لخالف بعضكم بعضاً فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالوعد وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالميعاد معناه التواعد والميعاد المواعدة ووقتها ومكانها كما في القاموس. (ولكن) جمع الله بينكم في هذا الموطن بغير ميعاد (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) أي حقيقاً بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه وإعزاز دينه وإذلال الكفر فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها ولم يكن في حسبان الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة. (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة) أي ليموت من يموت عن بينة ويعيش من يعيش عن بينة رآها وعبرة عاينها وحجة قامت عليه، لئلا تبقى لأحد على الله حجة، وقيل الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح بينة ويقين بأنه دين الحق، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة، وهو معنى قول ابن إسحق وقتادة (وأن الله لسميع) بكفر الكافرين وإيمان المؤمنين (عليم) بهما لا يخفى عليه خافية. إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (43) وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولاً وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (44) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (45) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47)

الأنفال 8:43

(إذ يريكهم الله في منامك قليلاً ولو أراكهم كثيراً لفشلتم ولتنازعتم في الأمر) المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم في منامه قليلاً فقص ذلك على أصحابه، فكان ذللك سبباً لثباتهم، قاله مجاهد ولو رآهم في منامه كثيراً لفشلوا وجبنوا عن قتالهم وتنازعوا في الأمر هل يلاقونهم أم لا، والمضارع بمعنى الماضي لأن نزول الآية كان بعد الإراءة. (ولكن الله سلّم) وعصمهم من الفشل والتنازع فقللهم في عين رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام، قال ابن عباس: (سلّم) أي أتم يقول سلم لهم أمرهم حتى أظهرهم على عدوهم، وقيل عنى بالمنام محل النوم وهي العين أي في موضع منامك وهو عينك، روي ذلك عن الحسن، قال الزجاج: هذا مذهب حسن، ولكن الأول أسوغ في العربية لقوله:

الأنفال 8:44

(وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم) فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء وتلك رؤية النوم. (إنه عليم بذات الصدور) أي بما يحصل فيها من الجراءة والجبن والصبر والجزع، وقيل بما فيه من الحب لله عز وجل، قاله ابن عباس. (وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً) أي واذكروا وقت إراءتكم إياهم حال كونهم قليلاً حتى قال القائل من المسلمين لآخر أتراهم سبعين قال هم نحو المائة، قال ابن مسعود: حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه قال: كنا ألفاً. (ويقللكم في أعينهم) أي وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى قال قائلهم إنما هم أكلة جزور، وكان هذا قبل القتال والتحام الحرب، فلما شرعوا فيه كثر الله المسلمين في أعين المشركين كما قال في آل عمران (يرونهم مثليهم رأي العين) ووجه تقليل المسلمين في أعين المشركين هو أنهم إذا رأوهم قليلاً أقدموا على القتال غير خائفين ثم يرونهم كثيراً فيفشلون وتكون الدائرة عليهم ويحل بهم عذاب الله وسوط عقابه. (ليقضي الله أمراً كان مفعولاً) في علمه، وإنما كرره لاختلاف الفعل المعلل به، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ليلف بينهم الحرب للنقمة ممن أراد الانتقام منه، والأنعام على من أراد النعمة عليه من أهل ولايته، وقيل المراد بالأمر إعلاء كلمة الإسلام ونصر أهله، وإذلال كلمة الشرك وخذلان أهله، والمعاني متقاربة (وإلى الله ترجع) أي تصير (الأمور) كلها يفعل فيها ما يريد ويقضي في شأنها ما يشاء.

الأنفال 8:45

(يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة) اللقاء الحرب والفئة الجماعة ولا واحد لها من لفظها ويجمع على فئات، وقد تجمع بالواو والنون جبراً لما نقص منها أي إذا حاربتم جماعة من المشركين (فاثبتوا) لهم ولا تجبنوا عنهم، وهذا لا ينافي الرخصة المتقدمة في قوله: (إلا متحرفاً لقتال أو متحيزاً إلى فئة) فإن الأمر بالثبات هو في حال السعة، والرخصة هي في حال الضرورة، وقد لا يحصل الثبات إلا بالتحرف أو التحيز. (واذكروا الله كثيراً) عند جزع قلوبكم فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد، وقيل المعنى اثبتوا بقلوبكم واذكروا بألسنتكم فإن القلب قد يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان، فأمرهم بالذكر حتى يجتمع ثبات القلب واللسان. قيل وينبغي أن يكون الذكر في هذه الحالة بما قاله أصحاب طالوت (ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين). وفي الآية دليل على مشروعية الذكر في جميع الأحوال حتى في هذه الحالة التي ترجف فيها القلوب، وتزيغ عندها البصائر. قال قتادة: افترض الله ذكره عند أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف وأخرج الحاكم وصححه عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثنتان لا يردان الدعاء عند النداء وعند البأس حين يلحم بعضهم بعضاً [[المستدرك كتاب الجهاد 2/ 113.]]، وأخرج الحاكم وصححه عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يكره الصوت عند القتال [[المستدرك كتاب الجهاد 2/ 116.]]. (لعلكم تفلحون) أي كونوا على رجاء الفلاح والنصر والظفر

الأنفال 8:46

(وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا) أمرهم بطاعة الله فيما يأمرهم به وطاعة رسوله فيما يرشدهم إليه ونهاهم عن التنازع، وهو الاختلاف في الرأي فإن ذلك يتسبب عنه الفشل وهو الجبن في الحرب، وأما المنازعة بالحجة لإظهار الحق فجائزة كما قال (وجادلهم بالتي هي أحسن) بل هي مأمور بها بشروط منها قصد إظهار الحق على لسان أي الخصمين وعلامته أن يفرح لظهوره على لسان خصمه. (وتذهب ريحكم) الريح القوة والنصر كما يقال الريح لفلان إذا كان غالباً في الأمر، وقيل الريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها بالريح في هبوبها، والمختار أن الريح يطلق ويراد به القوة والغلبة والرحمة والنصرة والدولة، قال في الخازن: الريح هنا كناية عن نفاذ الأمر وجريانه على المراد، تقول العرب هبت ريح فلان إذا أقبل أمره على ما يريد، وقال قتادة وابن زيد: هي ريح النصر ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله تضرب وجوه العدو ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم: نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور [[مسلم 900.]]. (واصبروا إن الله مع الصابرين) أمرهم بالصبر على شدائد الحرب وأخبرهم بأنه مع الصابرين بالنصر والعون في كل أمر ينبغي الصبر فيه، ويا حبذا هذه المعية التي لا يغلب من رزقها غالب، ولا يؤتى صاحبها من جهة من الجهات وإن كانت كثيرة

الأنفال 8:47

(ولا تكونوا) في البطر والاستكبار (كالذين خرجوا من ديارهم) أي مكة (بطراً) أي فخراً وأشراً (ورئاء الناس) فيصيبكم مثل ما أصابهم نهاهم عن أن تكون حالتهم كحالة هؤلاء وهم قريش فإنهم خرجوا يوم بدر ليحفظوا العير التي مع أبي سفيان ومعهم القيان [[المغنيات.]] والمعازف فلما بلغوا الجحفة بلغهم أن العير قد نجت وسلمت فلم يرجعوا بل قالوا لا بد لهم من الوصول إلى بدر ليشربوا الخمر وتغني لهم القيان وتسمع العرب بمخرجهم فكان ذلك منهم بطراً وأشراً وطلباً للثناء من الناس والتمدح إليهم، والفخر عندهم، وهو الرياء. قيل والبطر في اللغة التقوِّي بنعم الله على معاصيه أي خرجوا بطرين مرائين أو خرجوا للبطر والرياء، قال الزجاج البطر الطغيان في النعمة وترك شكرها وجعلها وسيلة إلى ما لا يرضاه الله، والرياء إظهار الجميل مع إبطان القبيح، وقيل معناهما الفخر بالنعمة ومقابلتها بالتكبر والخيلاء والفخر بها، والرياء مصدر راءى كقاتل قتالاً. وظاهر النظم الكريم أن قوله بطراً متعلق بخرجوا وهو لا يوافق الواقع لأن خروجهم كان لغرض مهم، وهو المنع عن عيرهم ولهذا جعله السيوطي متعلقاً بمحذوف وقدر لخرجوا علة أخرى حيث قال خرجوا من ديارهم ليمنعوا عيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها بطراً، فجعله علة لهذا المقدر وهو قوله ولم يرجعوا والمعنى عليه واضح ولم يسلك هذا المسلك غيره ممن رأيناه من المفسرين. وعن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ: " اللهم إن قريشاً قد أقبلت بفخرها وخيلائها لتجادل رسولك "، وقال: جاءت من مكة أفلاذها وقد احتج بهذه الآية الشيخ عبد العزيز الدهلوي على أنه لا يجوز طوف البلد للعروس بركوب الخيل وغيرها كما اعتاده أهل الهند في عقود مناكحاتهم. (ويصدون عن سبيل الله) عطف على بطراً إن جعل مصدراً في موضع الحال وكذا إن جعل مفعولاً له لكن على تأويل المصدر يعني صادين عن دين الله أو للصد عنه، والصد إضلال الناس والحيلولة بينهم وبين طرق الهداية، ويجوز أن يكون ويصدون معطوفاً على يخرجون والمعنى يجمعون بين الخروج على تلك الصفة والصد، ونكتة التعبير بالاسم أولاً ثم الفعل أن البطر والرثاء كانا دأبهم بخلاف الصد فإنه تجدد لهم في زمن النبوة قاله الشهاب (والله بما يعملون محيط) لا يخفى عليه من أعمالهم خافية، فهو مجازيهم عليها. وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

الأنفال 8:48

(وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم) أي واذكر يا محمد تزيين الشيطان لهم أعمالهم بأن شجعهم وقواهم لما خافوا الخروج من أعدائهم بني بكر وهم قبيلة كنانة قريبة من قريش وبينها وبينهم الحروب الكثيرة، والتزيين التحسين، وقد روي أن الشيطان تمثل لهم يوم بدر في جند من الشياطين معه، قال ابن عباس: رأيته في صورة رجل من رجال بني مدلج سراقة بن مالك بن جعشم سيد تلك الناحية، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم. (وقال) لهم (لا غالب لكم اليوم من الناس) أي كنانة وغيرها (وإني جار) أي مجير ومعين وناصر (لكم) من كل عدو أو من بني كنانة، ومعنى الجار هنا الدافع عن صاحبه أنواع الضرر كما يدفع الجار عن الجار، وقيل المعنى أنه ألقى في روعهم هذه المقالة وخيل إليهم أنهم لا يغلبون ولا يطاقون. (فلما تراءت) التقت (الفئتان) أي فئة المسلمين والمشركين ورأى الملائكة وكان يده في يد الحرث بن هشام (ونكص) أي رجع (على عقبيه) هارباً أي رجع القهقرى يمشي إلى ظهره، وقيل معنى نكص هاهنا بطل كيده وذهب ما خيله. (وقال إني بريء منكم) أي من جواركم وحفظكم ونصركم والذب عنكم وتبرأ منهم لما رأى أمارات النصر مع المسلمين بإمداد الله لهم بالملائكة، ثم علل ذلك بقوله: (إني أرى ما لا ترون) من الملائكة ثم علل بعلة أخرى فقال (إني أخاف الله) قيل خاف أن يصاب بمكروه من الملائكة الذين حضروا الوقعة، وقيل أن دعوى الخوف كذب منه ولكنه رأى أنه لا قوة له ولا للمشركين فاعتل بذلك (والله شديد العقاب) يحتمل أن يكون من تمام كلام إبليس بسطاً للعذر ويحتمل أن يكون كلاماً مستأنفاً من جهة الله سبحانه تهديداً لإبليس [[قال ابن السائب: كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة، آخذاً بيد الحارث بن هشام؛ فرأى الملائكة فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: أفراراً من غير قتال؛ فقال: (إِني أرى ما لا ترون)؛ فلما هُزم المشركون، قالوا: هَزَمَ الناس سراقة؛ فبلغه ذلك، فقال: والله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم. قال قتادة: صدق عدو الله في قوله: (إني أرى ما لا ترون)، ذُكر لنا أنه رأى جبريل ومعه الملائكة، فعلم أنه لا يد له بالملائكة، وكذب عدو الله في قوله: (إني أخاف الله)، والله ما به مخافة الله، ولكن علم أنه لا قوة له بهم.]].

الأنفال 8:49

(إذ يقول المنافقون) قيل هم الذين أظهروا الايمان وأبطنوا الكفر وكانوا بالمدينة وهو ابتداء كلام منقطع عما قبله (والذين في قلوبهم مرض) هم الشاكون من غير نفاق الكائنون بمكة لم يقو إسلامهم لكونهم حديثي عهد بالإسلام، وعن الحسن قال: مرضى القلوب هم قوم لم يشهدوا القتال يوم بدر فسموا منافقين، وقال الكلبي: هم قوم كانوا أقروا بالإسلام وهم بمكة ثم خرجوا مع المشركين يوم بدر فلما رأوا المسلمين وافقوا المنافقين في قولهم. (غر هؤلاء) المسلمين (دينهم) حتى تكلفوا ما لا طاقة لهم به من قتال قريش، وعن الشعبي نحوه، وقيل هم المشركون ولا يبعد أن يراد بهم اليهود الساكنون في المدينة وما حولها وأنهم هم والمنافقون من أهل المدينة قالوا هذه المقالة عند خروج المسلمين إلى بدر لما رأوهم في قلة من العدد، وضعف من العدد. فأجاب الله عليهم بقوله: (ومن يتوكل على الله) يثق به (فإن الله عزيز) لا يغلبه غالب ولا يذل من توكل عليه (حكيم) له الحكمة البالغة التي تقصر عندها العقول. وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ

الأنفال 8:50

(ولو ترى) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له كما تقدم تحقيقه في غير موضع، والرؤية بصرية والمعنى لو رأيت (إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة) لأن لو يقلب المضارع ماضياً) أي ولو ترى الكافرين وقت توفي الملائكة لهم قيل أراد بالذين كفروا من يقتل يوم بدر. وقيل هي فيمن قتل ببدر، وجواب لو محذوف تقديره لرأيت أمراً عظيماً (يضربون وجوههم) أي جهة الأمام (وأدبارهم) أي جهة الخلف يعني أستاههم كنى عنها بالأدبار، وقيل ظهورهم بمقامع من حديد، وهذا نص في أن ملائكة الموت عند قبضها لروح الكافر تضربه بما ذكر وتقول له ما ذكر وإن كنا محجوبين عن رؤية ذلك وسماعه. واختلفوا في وقت هذا الضرب، فقيل يكون عند الموت تضرب الملائكة وجوه الكفار وأدبارهم بسياط من نار كما يفيده ذكر التوفي، وقيل هو يوم القيامة حين يسيرون بهم إلى النار، قال ابن جريج: يريد ما أقبل من أجسادهم وأدبر يعني يضربون جميع أجسادهم، قيل كان المشركون إذا أقبلوا بوجوههم على المسلمين ضربت الملائكة وجوههم بالسيوف، وإذا ولوا أدبارهم ضربت الملائكة أدبارهم، قيل كان معهم مقامع من حديد محماة بالنار يضربون بها الكفار فتلتهب النار في جراحاتهم. (و) يقول لهم خزنة جهنم عند القتل (ذوقوا عذاب الحريق) أي المحرق وقال ابن عباس: تقول لهم الملائكة ذلك بعد الموت، وقال الحسن: هذا يوم القيامة، والذوق قد يكون محسوساً وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار، وأصله من الذوق بالفم. ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ

الأنفال 8:51

(ذلك) إشارة إلى ما تقدم من الضرب والحريق والعذاب والقتل (بما قدمت أيديكم) أي واقع بسبب ما كسبتم من المعاصي واقترفتم من الذنوب، هذا من جملة قول الملائكة، عبر بها دون غيرها لأن أكثر الأفعال تزاول بها (وأن الله ليس بظلام للعبيد) أي والأمر انه لا يظلمهم أو ذلك العذاب بسبب المعاصي وبسبب أن الله ليس بذي ظلم لهم فيعذبهم بغير ذنب، لأنه سبحانه قد أرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه، وأوضح لهم السبيل وهداهم النجدين كما قال سبحانه: (وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبلها،

الأنفال 8:52

(كدأب) لما ذكر سبحانه ما أنزله بأهل بدر أتبعه بما يدل على أن هذه سنته في فرق الكافرين، وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل، يقال فلان يدأب في كذا إذا داوم عليه وأتعب نفسه فيه، ثم سميت العادة دأباً لأن الإنسان يداوم على عادته ويواظب عليها، أي دأب هؤلاء في كفرهم مثل دأب (آل فرعون والذين من قبلهم) والمعنى أنه جوزي هؤلاء كما جوزي أولئك فكانت العادة في عذاب هؤلاء كالعادة الماضية لله في تعذيب طوائف الكفر من الأمم الماضية المكذبة فيما فعلوا وفعل بهم. (كفروا بآيات الله) مفسرة لدأب آل فرعون وبيان لفعلهم أي دأبهم هذا هو أنهم كفروا بها (فأخذهم الله بذنوبهم) هذا بيان لما فعل بهم أي فتسبب عن كفرهم أخذ الله سبحانه لهم، والراد بذنوبهم معاصيهم المترتبة على كفرهم، فالباء للملابسة أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غير تائبين عنها (إن الله قوي) على ما يريده (شديد العقاب) جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ

الأنفال 8:53

(ذلك) أي العقاب الذي أنزله الله بهم (بأن الله لم يك) مجزوم بسكون النون المحذوفة تخفيفاً أي ما كان (مغيراً نعمة أنعمها على قوم) المراد بالنعمة هو محمد - صلى الله عليه وسلم - أنعم بها على قريش فكفروا به وكذبوه فنقله الله إلى الأنصار، قاله السدي والجملة جارية مجرى التعليل لما حل بهم من عذاب الله أي أن ذلك العقاب بسبب أن عادة الله في عباده عدم تغيير النعمة التي ينعم بها عليهم مبدلاً لها بالنقمة. (حتى يغيروا ما بأنفسهم) من الأحوال والأخلاق بكفران نعم الله وغمص [[الغمص كفران النعمة إ. هـ منه.]] إحسانه وإهمال أوامره ونواهيه، وهذا يعم الحال المرضية والقبيحة، فكما تغير الحال المرضية إلى المسخوطة كذلك تغير الحال المسخوطة إلى ما هو أسوأ منها، هذا حاصل ما في الكشاف، وذلك كما كان من آل فرعون ومن قبلهم ومن قريش ومن يماثلهم من المشركين، فإن الله فتح لهم أبواب الخيرات في الدنيا ومنّ عليهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب، فقابلوا هذه النعم بالكفر فاستحقوا تغيير النعم كما غيروا ما كان يجب عليهم سلوكه والعمل به من شكرها وقبولها. وجملة (وأن الله سميع عليم) معطوفة على ما قبلها داخلة معها في التعليل، أي ذلك بسبب أن الله لم يك مغيراً وبسبب أن الله سميع يسمع ما يقولونه، وعليم يعلم ما يفعلونه. ثم كرر ما تقدم فقال:

الأنفال 8:54

(كدأب آل فرعون والذين من قبلهم) لقصد التأكيد مع زيادة أنه كالبيان للأخذ بالذنوب بانه كان بالإغراق، وقيل أن الأول باعتبار ما فعله آل فرعون ومن شبه بهم، والثاني باعتبار ما فعل بهم وقيل المراد بالأول كفرهم بالله وبالثاني تكذيبهم الأنبياء، وقيل الأول إخبار عن عذاب لم يمكن الله أحداً من فعله وهو ضرب الملائكة وجوههم وأدبارهم عند نزع أرواحهم والثاني إخبار عن عذاب مكن الله الناس من فعل مثله وهو الإهلاك والإغراق، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تعسف. وفي قوله: (كذبوا بآيات ربهم) زيادة دلالة على كفران النعم وجحود الحق والكلام في (فأهلكناهم بذنوبهم) كالكلام المتقدم في (فأخذهم الله بذنوبهم) قيل المعنى أهلكنا بعضهم بالرجفة وبعضهم بالخسف وبعضهم بالحجارة وبعضهم بالريح وبعضهم بالمسخ، فكذلك أهلكنا كفار قريش بالسيف. (وأغرقنا آل فرعون) أي قومه معه معطوف على أهلكناهم عطف الخاص على العام لفظاعته وكونه من أشد أنواع الإهلاك (وكل كانوا ظالمين) حكم على كلا الطائفتين من آل فرعون والذين من قبلهم ومن كفار قريش بالظلم لأنفسهم بما تسببوا به لعذاب الله من الكفر بالله وآياته ورسله بالظلم لغيرهم كما كان يجري منهم في معاملاتهم للناس بأنواع الظلم وبالتكذيب لأنبيائهم، وجمع الضمير في (كانوا) وفي ظالمين مراعاة لعنى (كل) هو لأن كلاًّ متى قطعت عن الإضافة جاز مراعاة لفظها تارة ومعناها أخرى، وإنما اختير هنا مراعاة المعنى لأجل الفواصل ولو روعي اللفظ فقط فقيل وكل كان ظالماً لم تتفق الفواصل، قاله السمين. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (55) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ

الأنفال 8:55

(إن شر الدواب عند الله الذين كفروا) أي شر ما يدب على وجه الأرض في حكم الله وقضائه المصرون على الكفر المتمادون في الضلال، وجعلهم شر الدواب لا شر الناس إيماء إلى انسلاخهم عن الإنسانية ودخولهم في جنس غير الناس من أنواع الحيوان لعدم تعقلهم لما فيه رشادهم، ومع ذلك هم شر من جميع أفرادها حسبما نطق به قوله تعالى: (إن هم إلا كالانعام بل هم أضل) عن سعيد بن جبير قال: نزلت في ستة رهط من اليهود فيهم ابن تابوت ولهذا قال: (فهم لا يؤمنون) أي هذا شأنهم لا يؤمنون أبداً ولا يرجعون عن الغواية أصلاً، وهذا حكم مترتب على تماديهم في الكفر ورسوخهم فيه وتسجيل عليهم بكونهم من أهل الطبع لا يلويهم صارف ولا يثنيهم عاطف أصلاً. جيء به على وجه الاعتراض لا أنه عطف على كفروا داخل معه في حيز الصلة التي لا حكم فيها بالفعل، قاله أبو السعود

الأنفال 8:56

(الذين عاهدت منهم) أي أخذت منهم عهدهم أن لا يعينوا المشركين أي كفار مكة قيل من في (منهم) هو صلة أي عاهدتهم وقيل للتبعيض أي الذين عاهدتهم، وهم بعض أولئك الكفرة يعني الأشراف منهم. (ثم ينقضون عهدهم) الذي عاهدتهم، وعطف المستقبل على الماضي للدلالة على استمرار النقض منهم، وهؤلاء هم قريظة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يعينوا الكفار فلم يفوا بذلك (في كل مرة) من مرات المعاهدة فنقصوا وأعانوهم بالسلاح وقالوا نسينا العهد ثم عاهدهم فنكثوا ومالؤوا الكفار عليه يوم الخندق (وهم) أي والحال أنهم (لا يتقون) الله في النقض والغدر، ولا يخافون عاقبته ولا يتجنبون أسبابه. فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57) وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (58) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالشدة والغلظة عليهم فقال:

الأنفال 8:57

(فإما تثقفنهم في الحرب) أي فإما تصادفنهم في ثقاف وتلقاهم في حالة تقدر عليهم فيها وتتمكن من غلبهم وتظفر بهم يقال ثقفت الشيء ثقفاً من باب تعب أخذته، وثقفت الرجل في الحرب أدركته وثقفته ظفرت به، وثقفت الحديث فهمته بسرعة والفاعل ثقيف وبه سمي حي من اليمن، والثقاف في أصل اللغة ما يشد به القناة ونحوها يقال فلان ثقف أي سريع الوجود لما يحاوله. (فشرِّد بهم) أي ففرق بقتلهم والتنكيل بهم والعقوبة لهم (من خلفهم) من المحاربين لك من أهل الشرك كفار مكة حتى يهابوا جانبك ويكفوا عن حربك مخافة أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء أو يخافك من وراءهم من أهل مكة واليمن والتشريد التفريق مع الاضطراب والإزعاج، وقال أبو عبيدة: شرد بهم سمّع بهم وقال الزجاج: افعل بهم فعلاً من القتل تفرق به من خلفهم، يقال شردت بني فلان قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها، ومنه شرد البعير إذا فارق صاحبه. وقرأ ابن مسعود بالذال، قال قطرب: التشريذ هو التنكيل، وبالمهملة هو التفريق، وقال المهدوي: الذال المعجمة لا وجه لها ولا يعرف في اللغة (لعلهم) أي الذين خلفهم (يذكرون) أي يحذرون أن ينكثوا فيصنع بهم مثل ذلك، قاله السدي.

الأنفال 8:58

(وإما تخافن من قوم خيانة) أي غشاً ونقضاً للعهد من القوم المعاهدين بأمارة تلوح لك وهم قريظة والنضير (فانبذ) أي فاطرح (إليهم) هو العهد الذي بينك وبينهم، والنبذ الطرح، وهذا مجاز عن إعلامهم بأن لا عهد لهم بعد اليوم فشبه العهد بالشيء الذي يرمى لعدم الرغبة فيه، وأثبت النبذ له تخييلاً ومفعوله محذوف وهو عهدهم، قاله الشهاب. (على سواء) أي طريقة مستوية والمعنى أنه يخبرهم إخباراً ظاهراً مكشوفاً بالنقض ولا يناجزهم الحرب بغتة، وقيل معنى على سواء على وجه يستوي في العلم بالنقض أقصاهم وأدناهم أو تستوي أنت وهم فيه لئلا يتهموك بالغدر، قال الكسائي: السواء العدل، وقد يكون بمعنى الوسط، ومنه قوله: (في سواء الجحيم). وقيل معنى على سواء على جهر لا على سر، والظاهر أن هذه الآية عامة في كل معاهد يخاف من وقوع النقض منه، قال ابن عطية: والذي يظهر من ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله: (فشرد بهم من خلفهم) ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية يأمره بما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة (إن الله لا يحب الخائنين) تعليل لما قبلها يحتمل أن تكون تحذيراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عن المناجزة قبل أن ينبذ إليهم على سواء، ويحتمل أن تكون عائدة إلى القوم الذين تخاف منهم الخيانة.

الأنفال 8:59

(ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا) أي فاتوا عذابه وخلصوا ونجوا منه وانهزموا يوم بدر وأفلتوا من أن يظفر بهم، وعلى القراءة بالفوقية يكون الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي قراءة واضحة قاله أبو السعود، وقال الخفاجي: وهي ظاهرة، وقد زعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن قراءة من قرأ يحسبن بالتحتية لحن لا يحل القراءة بها لأنه لم يات ليحسبن بمفعول وهو يحتاج لمفعولين. قال النحاس: وهذا تحامل شديد، ومعنى هذه القراءة ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا فيكون الضمير يعود على ما تقدم إلا أن قراءة التاء أبين، قال الخفاخي: وأما القراءة بالياء للغيبة فضعفها الزمخشري، وقال إنها غير نيرة، وقد ردوا عليه ذلك بوجهين: الأول: أن حمزة وحفصاً وابن عامر وغيرهم قرأوا بها. الثاني: أن قوله أنها غير نيرة ليس كما زعم فإنها أنور من الشمس في وسط النهار لأن فاعل يحسبن ضمير أي لا يحسبن هو أي قبيل المؤمنين أو الرسول أو الحاسب أو من خلفهم أو أحد لأنه معلوم من الكلام فلا يرد عليه أنه لم يسبق له ذكر، وأما حذف الفاعل فلا يخطر بالبال كما توهم، وعليه فمفعولاه (الذين كفروا سبقوا) وقيل الفعل مسند إلى الذين كفروا، والمفعول الأول محذوف وسبقوا هو الثاني أي لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سابقين انتهى. (إنهم لا يعجزون) هو تعليل لما قبلها أي أنهم بهذا السبق لا يفوتون ولا يجدون طالبهم عاجزاً عن إدراكهم والانتقام منهم، وقيل المراد بهذه الآية من أفلت من وقعة بدر من المشركين والمعنى أنهم وإن أفلتوا من هذه الوقعة ونجوا فإنهم لا يعجزون بل هم واقعون في عذاب الله في الدنيا بالقتل وفي الآخرة بعذاب النار، وفيه تسلية للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيمن فاته من المشركين ولم ينتقم منهم فأعلمه الله أنهم لا يعجزونه [[روى مسلم عن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ " لكل غادر لواءٌ يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدراً من أمير عامة " قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة.]]. وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (60) وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

الأنفال 8:60

(وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) أمر سبحانه بإعداد القوة للأعداء الناقضي العهد كما يقتضيه السياق أو للكفار مطلقاً كما يقتضيه ما بعده، والأعداد اتخاذ الشيء لوقت الحاجة إليه، ومن لبيان الجنس، والقوة كل ما يتقوى به في الحرب على العدو، ومن ذلك السلاح والقسيّ. وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر يقول: " وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي قالها ثلاث مرات " [[مسلم 1917.]]، وقيل هي الحصون والمعاقل، والمصير إلى التفسير الثابت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متعين. وعن ابن عباس: القوة الرمي والسيوف والسلاح، وقال ابن الزبير: أمرهم بإعداد الخيل، وعن عكرمة قال: القوة ذكور الخيل والرباط الأناث، وعن مجاهد مثله، وعن ابن المسيب قال: القوة السهم إلى الفرس فما دونه، وقال عكرمة: الحصون وقيل كل ما هو آلة يستعان بها في الجهاد فهو من جملة القوة المأمور بإعدادها، وقوله - صلى الله عليه وسلم - ألا إن القوة الرمي لا ينفى كون غير الرمي ليس من القوة فهو كقوله: (الحج عرفة) [[صحيح الجامع الصغير 3167.]] وقوله: (الندم توبة) [[الإمام أحمد 1/ 376.]] فهذا لا ينفي اعتبار غيره بل يدل على أن هذا المذكور من أفضل المقصود وأجله، فكذا هنا بحمل معنى الآية على الاستعداد للقتال في الحرب وجهاد العدو بجميع ما يمكن من الآلات كالرمي بالنبل والنشاب والسيف والدرع وتعليم الفروسية، كل ذلك مأمور به لأنه من فروض الكفايات. (ومن رباط الخيل) قال أبو حاتم: الرباط من الخيل الخمس فما فوقها وهي الخيل التي ترتبط بإزاء العدو، قال في الكشاف: الرباط اسم للخيل التي ترتبط في سبيل الله، ويجوز أن تسمى بالرباط الذي هو بمعنى المرابطة، ويجوز أن يكون جمع ربيط كفصيل وفصال اهـ والرباط ما تربط به القربة وغيرها والجمع ربط مثل كتاب وكتب ويقال للمصاب ربط الله على قلبه بالصبر كما يقال أفرغ الله عليه الصبر أي ألهمه، والرباط الذي يبنى للفقراء مولد ويجمع في القياس على ربط بضمتين ورباطات والرابطة إقامة المسلمين بالثغور للحراسة فيها. وربط الخيل للجهاد من أعظم ما يستعان به، قال ابن محيريز: كانت الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف وإناث الخيل عند الشتات والغارات، وقيل ربط الفحول أولى من الإناث لأنها أقوى على الكر والفر والعدو، وقيل لفظ الخيل عام يتناول الفحول والإناث فأي ذلك ربط بنية الغزاة كان في سبيل الله. ومن فسر القوة بكل ما يتقوى به في الحرب جعل عطف الخيل من عطف الخاص على العام، وقد ورد في استحباب الرمي وما فيه من الأجر، واستحباب اتخاذ الخيل وإعدادها وكثرة ثواب صاحبها أحاديث كثيرة لا يسع المقام بسطها وقد أفرد ذلك جماعة من العلماء بمصنفات. (ترهبون به عدو الله وعدوكم) الترهيب التخويف والضمير في به راجع إلى ما في ما استطعتم أو إلى المصدر المفهوم من (وأعدوا) وهو الإعداد فقوله ترهبون إما حال من فاعل (أعدوا) أو من مفعوله أي حصلوا لهم هذا حال كونكم مرهبين أو أعدوه مرهباً به، وجاز نسبته لكل منهما لأن في الجملة ضميريهما، والمراد بعدو الله وعدوهم هم المشركون من أهل مكة وغيرهم من مشركي العرب. (وآخرين من دونهم) معطوف على عدو الله وعدوكم ومعنى من دونهم من غيرهم، قيل هم اليهود، وقيل فارس والروم، وقيل المنافقون وفيه بعد، وقيل كفار الجن، قاله الحسن ورجحه ابن جرير الطبري وهو أبعد، وقيل المراد كل من لا تعرف عداوته، قاله السهيلي وقيل هم بنو قريظة خاصة، وقيل غير ذلك والأولى الوقف في تعيينهم لقوله. (لا تعلمونهم) أي لا تعرفونهم بأعيانهم، ومن عينهم قال: أي لا تعلمون بواطنهم وما انطووا عليه من النفاق، والعلم فيه قولان. أحدهما: أنه متعدّ لواحد لأنه بمعنى المعرفة ولذلك تعدى لواحد. والثاني: أنه على بابه فيتعدى لاثنين والثاني محذوف أي لا تعلمونهم فازعين أو محاربين. وهذان القولان لا يجوز أن يجريا في قوله: (والله يعلمهم) بل يجب أن يقال إنه المتعدي إلى اثنين وأن ثانيهما محذوف للفرق بين العلم والمعرفة بوجوه (منها) أن المعرفة تستدعي سبق جهل ومنها أن متعلقها الذوات دون النسب، وقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يطلق الوصف بالمعرفة على الله تعالى، وهذا لا يرد لأنه ليس في الآية إطلاق اسم العارف عليه، وإنما فيها إطلاق اسم العلم وإن كان بمعنى العرفان [[ذكره ابن كثير في " تفسيره " 2/ 322 من رواية ابن أبي حاتم عن يزيد بن عبد الله ابن غريب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في قول الله تعالى: (وآخرين من دونهم لا تعلمونهم). قال: " هم الجن " ثم قال: ورواه الطبراني عن يزيد بن عبد الله بن غريب به وزاد: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا يخبل بيت فيه عتيق من الخيل " وقال: وهذا الحديث منكر لا يصح إسناده ولا متنه.]]. (وما تنفقوا من شيء في سبيل الله) وأي في الجهاد وإن كان يسيراً حقيراً، وقيل هو أمر عام في كل وجوه الخيرات والطاعات ويدخل فيه نفقة الغزو، دخولاً أولياً (يوف إليكم) أجره وجزاؤه في الآخرة فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة كما قررناه سابقاً، ويعجل لكم عوضه في الدنيا (وأنتم لا تظلمون) في شيء من هذه النفقة التي تنفقونها في سبيل الله أي من ثوابها بل يصير ذلك إليكم وافياً وافراً كاملاً وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيماً (أني لا أضيع عمل عامل منكم). والتعبير عنه بالظلم مع أن الأعمال غير موجبة الثواب حتى يكون ترك ترتيبه عليها ظلماً لبيان كمال نزاهته سبحانه عن ذلك بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى من القبائح وإبراز الإثابة في معرض الأمور الواجبة عليه تعالى.

الأنفال 8:61

(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) أي إن مالوا إلى الصالحة فاقبل منهم الصلح ومل إلى الصالحة، والجنوح اليل، يقال جنح الرجل إلى الرجل مال إليه ومنه قيل للأضالع الجوانح لأنها مالت إلى الحشوة، وجنحت الإبل إذا مالت أعناقها في السير، ويقال جنح الليل أقبل. قال النضر بن شميل: جنح الرجل إلى فلان ولفلان إذا خضع له، والجنوح الاتباع أيضاً لتضمنه الميل والجناح من ذلك لميلانه إلى الطائر، والسلم الصلح، قرئ بالكسر والفتح وهما قراءتان سبعيتان، وقرئ فاجنح بضم النون وبالفتح والأولى لغة قيس والثانية لغة تميم قال ابن جني: ولغة قيس هي القياس، والسلم يذكر ويؤنث كما يؤنث الحرب إذ هي مؤولة بالخصلة أو الفعلة. وعن مجاهد قال: وإن جنحوا يعني قريظة وعن ابن عباس قال: السلم الطاعة. وقد اختلف أهل العلم هل هذه الآية منسوخة أم محكمة، فقيل هي منسوخة بقوله: (فاقتلوا المشركي) قاله ابن عباس. وقيل ليست بمنسوخة لأن المراد بها قبول الجزية وقد قبلها منهم الصحابة فمن بعدهم فتكون خاصة بأهل الكتاب، قاله مجاهد وقيل إن المشركين إن دعوا إلى الصلح جاز أن يجابوا إليه. وتمسك المانعون من مصالحة المشركين بقوله تعالى: (ولا تهنوا) وتدعوا إلى السلم (وأنتم الأعلون) والله معكم وقيدوا عدم الجواز بما إذا كان المسلمون في عزة وقوة لا إذا لم يكونوا كذلك، فإنه جائز كما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من مهادنة قريش، وما زالت الخلفاء والصحابة على ذلك، وهذا كله مبني على أن المراد بالصلح هو عقد الجزية، أما لو أريد غيره من العقود التي تفيدهم الأمن وهي الهدنة والأمان فلا نسخ مطلقاً إذ يصح عقدهما لكل كافر، وكلام أهل العلم في هذه المسألة معروف مقرر في مواطنه. (وتوكل على الله) في جنوحك للسلم ولا تخف من مكرهم وفوض أمرك إليه فيما عقدته معهم ليكون ذلك عوناً لك في جميع أحوالك (إنه) سبحانه (هو السميع) لما يقولون (العليم) بما يفعلون. وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

الأنفال 8:62

(وإن يريدوا أن يخدعوك) بالصلح وهم مضمرون الغدر والخدع وجواب الشرط محذوف أي فصالحهم ولا تخش. منهم (فإن) أي لأن (حسبك الله) أي كافيك بنصره ومعونته ما تخافه من شرورهم بالنكث والغدر ودفع خديعتهم. (هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين) تعليلية أي لا تخف من خدعهم ومكرهم، فإن الله الذي قواك عليهم بالنصر فيما مضى وهو يوم بدر، هو الذي سينصرك ويقويك عليهم عند حدوث الخدع والنكث، والمراد بالمؤمنين المهاجرون والأنصار. فإن قلت: إذا كان الله قد أيده بنصره فأي حاجة إلى نصر المؤمنين حتى يقول وبالمؤمنين؛ قلت التأييد والنصر من الله عز وجل وحده لكنه يكون بأسباب باطنة غير معلومة، وبأسباب ظاهرة معلومة، فأما الذي يكون بالأسباب الباطنة فهو المراد بقوله: (وهو الذي أيدك بنصره) لأن أسبابه باطنة بغير وسائط معلومة وأما الذي يكون بالأسباب الظاهرة فهو المراد بقوله: (وبالمؤمنين) لأن أسبابه ظاهرة بوسائط معلومة وهم المؤمنون، والله تعالى هو مسبب الأسباب، وهو الذي أقامهم لنصره. ثم بين كيف كان تأييده بالمؤمنين فقال:

الأنفال 8:63

(وألّف بين قلوبهم) وظاهره العموم وإن ائتلاف قلوب المؤمنين هو من أسباب النصر التي أيد الله بها رسوله. وقال جمهور المفسرين: المراد الأوس والخزرج، فقد كان بينهم عصبية شديدة وأنفة عظيمة وانطواء على الضغينة من أدق شيء وحروب عظيمة وفتن من منذ مائة وعشرين سنة، لا يكاد يأتلف منهم قلبان، فألف الله بين قلوبهم بالايمان برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانقلبت تلك الحالة واستجمعت كلمتهم، وزالت حمية الجاهلية، وأبدلت تلك الضغائن بالمحبة لله وفي الله، واتفقوا على الطاعة وصاروا أنصاراً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأعواناً يقاتلون عنه ويحمونه، وهذا مما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، وصار ذلك معجزة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ظاهرة باهرة دالة على صدقه. وقيل أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار، والحمل على العموم أولى، فقد كانت العرب قبل البعثة المحمدية يأكل بعضهم بعضاً ولا يحترم ماله ولا دمه حتى جاء الإسلام فصاروا يداً واحدة، وذهب ما كان بينهم من العصبية والأنفة والحمية الجاهلية. (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم) مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى أن ما كان بينهم من العصبية والعداوة قد بلغ إلى حد لا يمكن دفعه بحال من الأحوال، ولو أنفق الطالب له جمِيع ما في الأرض لم يتم له طلبه من التأليف لأن أمرهم في ذلك قد تفاقم جداً. (ولكنّ الله ألّف بينهم) بعظيم قدرته وبديع صنعه، وفيه دليل على أن القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء (إنه عزيز) لا يغالبه مغالب ولا يستعصي عليه أمر من الأمور (حكيم) في تدبيره ونفوذ أمره ونهيه. وعن ابن مسعود قال: إن هذه الآية نزلت في المتحابين في الله، وهذا يدل على أن التأليف المذكور هو بين المؤمنين الذين أيد الله بهم رسوله - صلى الله عليه وسلم - وفيه رد على الرافضة حيث اعتقدوا في الصحابة ما يخالف تأليف الله تعالى بينهم، وأخرج ابن عساكر عن أبي هريرة قال: مكتوب على العرش لا إله إلا الله أنا الله وحدي لا شريك لي محمد عبدي ورسولي أيدته بعلي [[من أين جاء هذا لأبي هريرة وهو غيب؛ هذا لا يصح.]] وذلك قوله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين والله أعلم. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ

الأنفال 8:64

(يا أيها النبي حسبك الله) في كل شيء وعند كل مهم، ليس هذا تكريراً لما قبله فإن الأول مقيد بإرادة الخدع وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله فتلك كفاية خاصة، وفي هذه كفاية عامة غير مقيدة، أي حسبك الله في كل حال فيما بينك وبين الكفرة من الحراب. والواو في قوله: (ومن اتبعك من المؤمنين) يحتمل أن تكون للعطف على الاسم الجليل والعلم الشريف على أنه في محل الرفع، والمعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون أي كافيك الله وكافيك المؤمنون. قال علي المهايمي في تفسيره تبصير الرحمن: حسبك الله وإن لم يكن معك أحد وإن نظرت إلى السببية حسبك من اتبعك من المؤمنين وإن لم يألفهم من لم يتم اتباعهم لك فإن لمتابعتك أثراً عظيماً في سببية النصر انتهى. وقال أبو السعود والقاضي: الجملة في محل النصب على أنه مفعول معه أي كفاك وكفى اتباعك الله ناصراً كقوله: إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك عضب مهند انتهى. واختاره النحاس، وقال الفراء: أنه يقدر نصبه على موضع الكاف واختاره ابن عطية ورده السفاقسي بأن إضافته حقيقية لا لفظية فلا محل له اللهم إلا أن يكون من عطف التوهم وكونه مفعولاً معه، ذكره الزجاج. وقال أبو حيان: أنه مخالف لكلام سيبويه فإنه جعل زيداً في قولهم حسبك وزيداً درهم منصوباً بفعل مقدر أي وكفى زيداً درهم وهو من عطف الجمل عنده لا يضرنا، وذكره الفراء في تفسيره، وقيل في محل الجر عطفاً على الضمير أي اسم الله تعالى أي كافيك وكافي المؤمنين الله لأن عطف الظاهر على المضمر في مثل هذه الصورة ممتنع عند البصيريين كما تقرر في علم النحو، وأجازه الكوفيون وحجة المانعين أنه كجزء الكلمة فلا يعطف عليه. قال الفراء: ليس بكثير في كلامهم أن تقول حسبك وأخيك بل المستعمل أن تقول حسبك وحسب أخيك بإعادة الجار، فلو كان قوله: (ومن اتبعك) مجروراً لقيل حسبك الله وحسب من اتبعك، وبه قال الشعبي. وقال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رضي الله عنه: أي وحده حسبك وحسب المؤمنين الذين اتبعوك، ومن قال أن المعنى أن الله والمؤمنين حسبك فقد ضل بل قوله من جنس الكفر، فإن الله وحيده هو حسب كل عبد مؤمن، والحسب الكافي كما قال تعالى: (أليس الله بكاف عبده) وقال تعالى (وقالوا حسبنا الله) ولم يقل ورسوله وقالوا إنا إلى الله راغبون ولم يقل هنا وإلى رسوله اهـ. وضعف في الهدي النبوي رفعه عطفاً اسم الله وقال إنما هو عطف على الكاف فإن المعنى عليه، قال الخفاجي: وإلا وجه له فإن الفراء والكسائي رجحاه وما قبله وما بعده يؤيده اهـ. قلت وليس كما ينبغي فتأمل. وقيل يجوز أن يكون التقدير ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله فحذف الخبر. وعبارة البغوي في المعالم، اختلفوا في محل (من) فقال أكثر المفسرين محله خفض عطفاً على الكاف في قوله حسبك معناه حسبك الله وحسب من اتبعك اهـ. قال الزهري: نزلت في الأنصار، وقيم في جميع المهاجرين والأنصار، وقال سعيد بن جبير: لما أسلم مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وثلاثون رجلاً وست نسوة ثم أسلم عمر نزلت هذه الآية، وعن ابن عباس نحوه. قال الشيخ معين الدين في جامع البيان: اعترض عليه بأن الأنفال كلها مدنية وإسلام عمر قبل الهجرة فلا يصح هذا اهـ. لكن قال الخازن وسليمان الجمل إن هذه الآية مكية كتبت في سورة مدنية بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقيل نزلت بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ

الأنفال 8:65

(يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) أي حثهم وحضهم، والتحريض في اللغة المبالغة في الحث على الشيء بكثرة الترغيب وتسهيل الخطب فيه كأنه في الأصل إزالة الحرض وهو الهلاك وهو كالتحضيض مأخوذ من الحرض وهو أن ينهكه المرض ويتبالغ فيه حتى يشفى على الموت كأنه ينسبه إلى الهلاك لو تخلف عن المأمور به. ثم بشرهم تثبيتاً لقلوبهم وتسكيناً لخواطرهم بأن الصابرين منهم في القتال يغلبون عشرة أمثالهم من الكفار فقال: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) أي فيهم قوة وشجاعة فالمقاومة مدارها على العدد مع مراعاة المعنى لا على العدد وحده كما هو مقرر في الفروع، وفي البحر انظر إلى فصاحة هذا الكلام حيث أثبت في الشرطية الأولى قيد الصبر وحذف نظيره من الثانية وأثبت في الثانية قيد كونهم من الكفرة وحذفه من الأولى وهو غاية الفصاحة. وقال الخفاجي: ولما كان الصبر شديد المطلوبية أثبت في جملتي التخفيف وحذف من الثانية لدلالة السابقة عليه، ثم ختمت بقوله: (والله مع الصابرين) ومبالغة في شدة المطلوبية ولم يأت في جملتي التخفيف بقيد الكفر اكتفاء بما قبله. قلت هذا نوع من البديع يسمى الاحتباك، وبقي عليه أنه ذكر في التخفيف بإذن الله وهو قيد لهما، وقوله: (والله مع الصابرين) إشارة إلى تأييدهم وأنهم منصورون حتماً لأن من كان الله معه لا يغلب، وبقي فيها لطائف فلله در التنزيل ما أحلى ماء فصاحته وأنضر رونق بلاغته. ثم زاد هذا إيضاحاً مفيداً لعدم اختصاص هذه البشارة بهذا العدد بل هي جارية في كل عدد فقال: (وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفاً من الذين كفروا) وفي هذا دلالة على أن الجماعة من المؤمنين قليلاً كانوا أو كثيراً لا يغلبهم عشرة أمثالهم من الكفار بحال من الأحوال. وقد وجد في الخارج ما يخالف ذلك فكم من طائفة من طوائف الكفار يغلبون من هو مثل عشرهم من المسلمين بل مثل نصفهم بل مثلهم، وأجيب عن ذلك بأن وجود هذا في الخارج لا يخالف ما في الآية لاحتمال أن لا تكون الطائفة من المؤمنين متصفة بصفة الصبر عند اللقاء. وقيل أن هذا الخبر الواقع في الآية هو في معنى الأمر كقوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن)، (والمطلقات يتربصن) فالمؤمنون كانوا مأمورين من جهة الله سبحانه بأن يثبت الجماعة منهم لعشرة أمثالهم. وفي الخطيب حاصل هذه العبارة المطولة أن الواحد يثبت للعشرة فما الفائدة في العدول إلى تلك. أجيب بأن هذا إيماء ورد على وفق الواقعة فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبعث السرايا، والغالب أن تلك السرايا ما كان ينقص عددها عن العشرين وما كانت تزيد على المائة، فلهذا المعنى ذكر الله هذين العددين. (بأنهم قوم لا يفقهون) أي أن هذا الغلب بسبب جهلهم بالله وباليوم الآخر وعدم فقههم، وأنهم يقاتلون على غير بصيرة، ولا يقاتلون احتساباً وامتثالاً لأمر الله تعالى وإعلاء لكلمته وابتغاء لرضوانه كما يفعله المؤمنون، وإنما يقاتلون للحمية الجاهلية واتباع خطوات الشيطان، وإثارة ثائرة البغي والعدوان، ومن كان هكذا فهو مغلوب في الغالب. ثم لما شق ذلك عليهم واستعظموه خفف عنهم ورخص لهم لما علمه سبحانه من وجود الضعف فيهم فقال:

الأنفال 8:66

(الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفاً) عن قتال عشرة أمثالكم، قرئ بضم الضاد وفتحها (فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) منهم (وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين) فأوجب على الواحد أن يثبت لاثنين من الكفار. قال سفيان وابن شبرمة: وأرى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا إن كانا رجلين أمرهما وإن كانوا ثلاثة فهو في سعة من تركهم، وقد قيل في نكتة التنصيص على غلب المائة للمائتين والألف للألفين أنه بشارة للمسلمين بأن عساكر الإسلام سيجاوز عددها العشرات والمئات إلى الألوف. ثم أخبرهم بأن هذا الغلب هو (بإذن الله) وتسهيله وتيسيره وإرادته لا بقوتهم وجلادتهم، ثم بشرهم بأنه مع الصابرين فقال: (والله مع الصابرين) بعونه، وفيه الترغيب إلى الصبر والتأكيد عليهم بلزومه والتوصية به وأنه من أعظم أسباب النجاح والفلاح والنصر والظفر لأن من كان الله معه لم يستقم لأحد أن يغلبه. وعن النصر باذى: إن هذا التخفيف كان للأمة دون الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وهو الذي يقول بك أصول وبك أجول، ومن كان كذا لا يثقل عليه شيء حتى يخفف، وقد اختلف أهل العلم هل هذا التخفيف نسخ أم لا ولا يتعلق بذلك كثير فائدة. مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (68) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

الأنفال 8:67

(ما كان) أي ما صح وما استقام (لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض) هذا حكم آخر من أحكام الجهاد، والأسرى جمع أسير مثل قتلى وقتيل وجرحى وجريح، ويقال في جمع أسير أسارى وهو مأخوذ من الإسار وهو القيد لأنهم كانوا يشدون به الأسير فسمي كل أخيذ وإن لم يشد بالقيد أسيراً. وقال أبو عمرو بن العلاء الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطاً، والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه تقول العرب أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ فيه فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يبالغ في قتل الكافرين ويستكثر من ذلك، وقيل معنى الإثخان التمكن وقيل هو القوة، وقيل الثخانة هي الغلظة والصلابة فاستعمل هنا في لازم المعنى الأصلي وهو القوة اللازمة وأثخن في الأرض إثخاناً سار إلى العدو وأوسعهم قتلاً وأثخنته أوهنته بالجراحة وأضعفته. وعن ابن عباس: حتى يثخن حتى يظهر على الأرض، وعن مجاهد قال: الإثخان هو القتل أخبر الله سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفدائهم ثم لما كثر المسلمون رخص الله في ذلك فقال فإما مناً بعد وإما فداء كما يأتي في سورة القتال. قال الرازي: أن هذا الكلام يوهم أن قوله فإما مناً بعد وإما فداء يزيل حكم الآية التي نحن في تفسيرها، وليس الأمر كذلك لأن كلتا الآيتين متوافقتان، وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الإثخان ثم بعده أخذ الفداء انتهى. وقال غيره: لا تظهر دعوى النسخ من أصلها إذ النهي الضمني كما هنا مقيد بالإثخان أي كثرة القتال اللازمة لها قوة الإسلام وعزته، وما في سورة القتال من التخيير محله بعد ظهور شوكة الإسلام بكثرة القتال، فلا تعارض بين الآيتين إذ ما هناك بيان للغاية التي هنا. (تريدون عرض الدنيا) الخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد بعرض الدنيا نفعها ومتاعها بما قبضوا من الفداء، وسمى عرضاً لأنه سريع الزوال كما تزول الأعراض التي هي مقابلة الجواهر، قال قتادة: أراد أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يوم بدر الفداء ففادوهم بأربعة آلاف درهم، وقيل كان الفداء لكل أسير أربعين أوقيه والأوقية أربعون درهما فيكون مجموع ذلك ألفاً وستمائة درهم، وعن عكرمة قال عرض الدنيا الخراج. (والله يريد) لكم (الدار الآخرة) بما يحصل لكم من الثواب في الإثخان بالقتل، والمراد بالارادة هنا الرضاء وعبر بها للمشاكلة فلا يرد أن الآية تدل على عدم وقوع مراد الله وهو خلاف مذهب أهل السنة، قاله الشهاب: (والله عزيز) لا يغالب (حكيم) في أفعاله، وقد استدل بهذه الآية من يقدح في عصمة الأنبياء واشتغل المفسرون برده وجوابه وما أقل فائدة ذلك [[سبق لنا تعليق في هذا الموضوع ص 361 ج 2.]].

الأنفال 8:68

(لولا كتاب) أي حكم مكتوب ومثبت في اللوح المحفوظ ومن الله سبق هو اختلف المفسرون في هذا الكتاب الذي سبق ما هو على أقوال: الأول: أنه ما سبق في علم الله من أنه سيحصل لهذه الأمة الغنائم والأسرى بعد أن كانت محرمة على سائر الأمم. والثاني: أنه مغفرة الله لأهل بدر ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر كما في الحديث الصحيح " إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " [[مسلم 2494 - البخاري/1429.]]. القول الثالث: هو أنه لا يعذبهم ورسول الله فيهم كما قال تعالى (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم). القول الرابع: أنه لا يعذب أحداً بذنب فعله جاهلاً لكونه ذنباً. القول الخامس: أنه ما قضاه الله من محو الصغائر باجتناب الكبائر. القول السادس: إنه لا يعذب أحداً إلا بعد تأكيد الحجة وتقديم النهي ولم يتقدم نهي عن ذلك، وذهب ابن جرير الطبري إلى أن هذه المعاني كلها داخلة تحت اللفظ وأنه يعمها. (لمسكم) أي لحل بكم (فيما) أي لأجل ما (أخذتم) من الفداء (عذاب عظيم) وهذا عتاب له صلى الله عليه وسلم على ترك الأولى إذ كان الأولى له تدارك كثرة القتل فيهم لا الفداء وليس عتاباً على فعل محرم تنزيهاً لمنصب النبوة عن ذلك. وقد أخرج أحمد عن أنس قال: استشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال: " إن الله قد أمكنكم منهم، فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى الفه عليه وآله وسلم ثم عاد فقال: مثل ذلك فقام أبو بكر الصديق فقال: نرى أن تعفو عنهم وإن تقبل منهم الفداء فعفا عنهم وقبل منهم الفداء فأنزل الله ولولا كتاب من الله سبق) الآية "، وفي الباب روايات كثيرة بطرق عديدة بألفاظ مختلفة [[الإمام أحمد 3/ 243.]]. وفي بعضها عند أحمد والترمذي وحسنه عن ابن مسعود فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم عليه السلام قال: (من تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى عليه السلام إذ قال: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) ومثلك يا عمر مثل نوح عليه السلام إذ قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال: (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) الحديث [[مسند الإمام أحمد 1/ 383.]]. روي أنهم أمسكوا عن الغنائم فنزل

الأنفال 8:69

(فكلوا) فالفاء لترتيب ما بعدها على سبب محذوف أي قد أبحت لكم الغنائم فكلوا (مما غنمتم) أو المعنى اتركوا الفداء فكلوا مما غنمتم من غيره، وقيل أن " ما " عبارة عن الفداء أي كلوا من الفداء الذي غنمتم فإنه من جملة الغنائم التي أحلها الله لكم أكلاً، ويأباه سياق النظم الكريم وسباقه. (حلالاً طيباً) أي أكلاً حلالاً أو النصب على الحال، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ولم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا وذلك بأن رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا " [[البخاري كتاب الخمس باب 8.]] أخرجه البخاري ومسلم (واتقوا الله) فيما يستقبل فلا تقدموا على شيء لم يأذن الله لكم به (إن الله غفور) لما فرط منكم (رحيم) بكم فلذلك رخص لكم في اخذ الفداء في مستقبل الزمان. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (70) وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

الأنفال 8:70

(يا أيها النبي) خاطب الله النبي صلى الله عليه وسلم بهذا أي (قل لمن) أي لهؤلاء الذين (في أيديكم من الأسرى) أسرتموهم يوم بدر وأخذتم منهم الفداء (إن يعلم الله في قلوبكم خيراً) من حسن إيمان وصلاح نية وخلوص طوية (يؤتكم خيراً مما أخذ منكم) من الفداء أي يعوضكم في هذه الدنيا رزقاً خيراً منه وأنفع لكم، أو في الآخرة بما يكتبه لكم من المثوبة بالأعمال الصالحة (ويغفر لكم) ذنوبكم (والله غفور رحيم) شأنه المغفرة لعباده والرحمة بهم. وقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص [[زوجها.]] وبعثت فيه بقلادة، فلما رآها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رق رقة شديدة وقال إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها [[المستدرك كتاب زينب بنت خديجة 4/ 45.]]. وقال العباس [[عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يظهر إسلامه.]] إني كنت مسلماً يا رسول الله قال: الله أعلم بإسلامك فإن يكن كما تقول فالله يجزيك فافد نفسك وابني أخويك نوفل بن الحرث وعقيل بن أبي طالب وحليفك عتبة بن عمرو، ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه ونزلت (قل لمن في أيديكم من الأسرى) الأية [[الإمام أحمد 1/ 353.]]، الحديث مختصراً والروايات في هذا الباب كثيرة [[قال مقاتل: إن الله غفور لما أخذتم من الغنيمة قبل حلها، رحيم بكم إذ أحلها لكم. فجعل رسول الله ينهييه عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت يوم بدر على القبض، وقسمها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة، وانطلق بالأسارى، فيهم العباس، وعقيل، ونوفل بن الحارث ابن عبد المطلب. وكان مع العباس يومئذ عشرون أوقية من ذهب، فلم تحسب له من فدائه، وكلف أن يفدي ابني أخيه، فأدى عنهما ثمانين أوقية من ذهب. وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أضعفوا على العباس الفداء " فأخذوا منه ثمانين) وقية، وكان فداء كل أسير أربعين أوقية. فقال العباس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لقد تركتني ما حييت أسأل قريشاً بكفي. فقال له: " أين الذهب الذي تركته عند أم الفضل "؟ فقال: أي الذهب؟ فقال: " إنك قلت لها: إني لا أدري ما يصيبني في وجهي هذا، فإن حدث بي حدث، فهو لك ولولدك " فقال: ابن أخي، من أخبرك؟ فقال: " الله أخبرني "، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وما علمت أنك رسول الله قبل اليوم؛ وأمر ابني أخيه فأسلما. وفيهم نزلت: (قل لمن في أيديكم من الأسرى) الآية.]]. قال العباس: فأبدلني الله خيراً مما أخذ مني، عشرين عبداً كلهم تاجر يضرب بمال كثير أدناهم يضرب بعشرين ألف درهم مكان عشرين أوقية، وأعطاني زمزم وأنا أنتظر المغفرة. ولما ذكر ما ذكره من العوض لمن علم في قلبه خيراً ذكر من هو على ضد ذلك منهم فقال:

الأنفال 8:71

(وإن يريدوا خيانتك) بما قالوه لك بألسنتهم من أنهم قد آمنوا بك وصدقوك ولم يكن ذلك منهم عن عزيمة صحيحة ونية خالصة، بل هو مماكرة ومخادعة فليس ذلك بمستبعد منهم فإنهم قد فعلوا ما هو أعظم منه (فقد خانوا الله من قبل) أي من قبل أن يظفر بهم فكفروا به وقاتلوا رسوله (فأمكن منهم) بأن نصرك عليهم في يوم بدر فقتلت منهم من قتلت وأسرت من أسرت (والله عليم) بما في ضمائرهم (حكيم) في أفعاله بهم. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ

الأنفال 8:72

(إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) ختم الله سبحانه هذه السورة بذكر الموالاة ليعلم كل فريق وليه الذي يستعين به، وسمى سبحانه المهاجرين إلى المدينة بهذا الاسم لأنهم هجروا أوطانهم وفارقوها طلباً لما عند الله وأجابة لداعيه، وسبقوا للهجرة بأن هاجروا قبل العام السادس عام الحديبية بدليل قوله فيما يأتي (والذين آمنوا من بعد) بأن هاجروا بعد عام الحديبية وقبل الفتح. (والذين آووا) هم الأنصار آووا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المهاجرين وأسكنوهم منازلهم، وبذلوا لهم أموالهم وآثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (ونصروا) رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإشارة بقوله (أولئك) إلى الموصول الأول والآخر وخبره الجملة المذكورة بعده (بعضهم أولياء بعض) في النصرة والمعونة، وقيل في الميراث وقد كانوا يتوارثون بالهجرة والنصرة ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض. (والذين آمنوا ولم يهاجروا) من مكة بل أقاموا بها (مالكم من ولايتهم) بفتح الواو وكسرها أي من نصرتهم وإعانتهم أو من ميراثهم (من شيء) ولو كانوا من قراباتكم لعدم وقوع الهجرة منهم فلا إرث بينكم وبينهم (حتى يهاجروا) إلى المدينة فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى الجامعين بين الإيمان والهجرة. (وإن استنصروكم في الدين) أي هؤلاء الذين آمنوا ولم يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين (فعليكم) أي فواجب عليكم (النصر) قال الزجاج: ويجوز النصر بالنصب على الإغراء أثبت للقسمين الأوّلين النصرة والإرث ونفى عن هذا القسم الإرث وأثبت له النصرة. (إلا) أن يستنصروكم (على قوم بينكم وبينهم ميثاق) عهد فلا تنصرونهم عليهم ولا تنقضوا العهد الذي بينكم وبين أولئك القوم حتى تنقضي مدته وهي عشر سنين (والله بما تعملون بصير) تحذير عن تعدي حد الشرع الشريف.

الأنفال 8:73

(والذين كفروا بعضهم أولياء بعض) أي بعضهم ينصر بعضاً ويتولاه في أموره أو يرثه إذا مات، وفيه تعريض للمسلمين بأنهم لا يناصرون الكفار ولا يتولونهم وهذا بمفهومه مفيد لنفي الموارثة والموازرة بينهم وبين المسلمين وإيجاب المباعدة والمصارمة وإن كانوا أقارب. (إلا تفعلوه) الضمير يرجع إلى ما أمروا به قبل هذا من موالاة المؤمنين ومناصرتهم على التفصيل المذكور وترك موالاة الكافرين (تكن) أي تقع (فتنة في الأرض) إن لم تفعلوا ذلك وهي قوة الكفار (وفساد كبير) أي مفسدة كبيرة في الدين والدنيا وهو ضعف المسلمين. وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (74) وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ثم بين سبحانه حكماً آخر يتعلق بالمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيل الله والمؤمنين الذين آووا من هاجر إليهم ونصروهم وهم الأنصار فقال:

الأنفال 8:74

(والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً) أي صدقاً من غير ريب دون من آمن وسكن دار الشرك، وفي الحديث المتفق على صحته بل المتواتر " المرء مع من أحب " [[مسلم 2640 - البخاري 2357.]] ونصب حقاً على المصدر المؤكد أو تقديره إيماناً حقاً، قاله في جامع البيان. وقال أبو السعود: كلام مسوق للثناء عليهم والشهادة لهم بفوزهم بالقدح المعلى من الإيمان مع الوعد الكريم اهـ. والحاصل أنهم هم الكاملون في الإيمان لأنهم حققوه بتحصيل مقتضياته من هجرة الوطن ومفارقة الأهل والسكن، والانسلاخ من المال والدنيا لأجل الدين والعقبى، وليس في هذا تكرير لما قبله فإنه وارد في الثناء على هؤلاء، والأول وارد في إيجاب الموالاة والنصرة. ثم أخبر سبحانه أن (لهم) منه (مغفرة) لذنوبهم في الآخرة (و) لهم في الدنيا (رزق كريم) خالص عن الكدر طيب مستلذ لا تبعة له ولا منة فيه. ثم ألحق بهم في الأمرين من سيلحق بهم ويتسم بسيمتهم فقال:

الأنفال 8:75

(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم) اختلف في قوله: (من بعد) فقيل من بعد الحديبية وبيعة الرضوان. قال القرطبي: وذلك أن الهجرة من بعد ذلك كانت أقل رتبة من الهجرة الأولى، والهجرة الثانية هي التي وقع فيها الصلح ووضعت الحرب أوزارها نحو عامين ثم كان فتح مكة اهـ. وقيل بعد نزول هذه الآية، وقيل من بعد غزوة بدر، وقال الخازن: الأصح أن المراد بهم أهل الهجرة الثانية لأنها بعد الهجرة الأولى لأن الهجرة قد انقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت دار الإسلام بعد الفتح. (فأولئك منكم) أي مثلكم في استحقاق ما استحقيتموه من الموالاة والمناصرة وكمال الإيمان والمغفرة والرزق الكريم، لكن فيه دليل على أن مرتبة المهاجرين الأولين أشرف وأعظم من مرتبة المهاجرين المتأخرين بالهجرة لأن الله تعالى ألحق المهاجرين المتأخرين بالمهاجرين السابقين وجعلهم معهم، وذلك معرض المدح والشرف، ولولا أن الأولين أفضل وأشرف لما صح هذا الإلحاق. قال في الجمل: ولم ينبهوا هنا على حكم التوارث بالهجرة الثانية هل هو ثابت كما في الهجرة الأولى أو في ثابت لانحطاط رتبة أهل الهجرة الثانية عن رتبة أهل الهجرة الأولى إلا ما رأيته في الخطيب ونصه فأولئك منكم أي من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار فلهم مالكم وعليهم ما عليكم من المواريث والغنائم وغيرهما (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض) بين سبحانه بأن ذوي القرابات بعضهم أولى ببعض من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث فيتناول كل قرابة، وقيل المراد بهم هنا العصبات قالوا: ومنه قول العرب وصلتك رحم فإنهم لا يريدون قرابة الأم، ولا يخفاك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات. وقد استدل بهذه الآية من أثبت ميراث ذوي الأرحام وهم من ليس بعصبة ولا ذوي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، وإليه ذهب أصحاب أبي حنيفة والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه. وقد قيل أن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسر ما تقدم من قوله: (بعضهم أولياء بعض) وما بعده بالتوارث وأما من فسرها بالنصرة والمعونة فيجعل هذه الآية إخباراً منه سبحانه وتعالى بأن القرابات بعضهم أولى ببعض (في كتاب الله) أي في حكم الله أو في اللوح المحفوظ أو في القرآن وهو أن قسمة المواريث مذكورة في سورة النساء من كتاب الله وهو القرآن، وكذا إعطاء أهل الفروض فروضهم وما بقي للعصبات، وبهذا أجاب الشافعي أصحاب أبي حنيفة رحمه الله، ويدخل في هذه الأولوية الميراث دخولاً أولياً لوجود سببه. أعني القرابة. (إن الله بكل شيء عليم) لا يخفى عليه شيء من الأشياء كائناً ما كان ومن جملة ذلك ما تضمنته هذه الآيات من التوارث بمقتضى الإيمان والهجرة ولو بدون قرابة الذي قد نسخ، والتوارث بمقتضى القرابة ولو بدون مشاركة في الهجرة أو النصرة والله سبحانه وتعالى أعلم [[ورُوي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الخال وارث ". وروي عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث العمة والخالة فقال: " لا أدري حتى يأتيني جبريل " ثم قال: " أين السائل عن ميراث العمة والخالة "؛ قال: فأتى الرجل فقال: " سارني جبريل أنه لا شيء لهما ". قال الدارقطني: لم يسنده غير مسعدة عن محمد بن عمرو وهو ضعيف، والصواب مرسل. ورُوي عن الشعبي قال قال زياد بن أبي سفيان لجليسه: هل تدري كيف قضى عمر في العمة والخالة؛ قال لا. قال: إني لأعلم خلق الله كيف قضى فيهما عمر، جعل الخالة بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة الأب.]].

التوبة 9:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة براءة هي مائة وثلاثون آية، وقيل مائة وسبع وعشرون آية، ولها أسماء منها سورة التوبة لأن فيها ذكر التوبة على المؤمنين، وعن حذيفة إنكم تسمونها سورة التوبة وهي سورة العذاب أهـ وتسمى الفاضحة لأنه ما زال ينزل فيها (ومنهم، ومنهم) حتى كادت أن لا تدع أحداً، وتسمى البحوث لأنها تبحث عن أسرار المنافقين وتسمى المبعثرة والبعثرة البحث، وتسمى أيضاً بأسماء أخر كالمقشقشة لأنها تقشقش من النفاق أي تبرئ منه، والمخزية لكونها أخزت المنافقين والمثيرة لأنها تثير أسرارهم، والحافرة لكونها تحفر عنها، والمنكلة لما فيها من التنكيل لهم والمدمدمة لأنها تدمدم عليهم أي تهلكهم، قال الخفاجي: وأسماؤها كلها بصيغة الفاعل إلا البحوث بفتح الباء فإنه صيغة مبالغة بمعنى اسم الفاعل أهـ. قلت: وإلا البراءة والتوبة وسورة العذاب، وهي مدنية، قال القرطبي: باتفاق وعن ابن عباس قال: نزلت بعد فتح مكة، وعنه قال نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير وقتادة نحوه، وعن البراء قال: آخر سورة نزلت تامة براءة، رواه البخاري. وقد اختلف العلماء في سبب سقوط البسملة من أولها على أقوال منها ما روي عن المبرد وغيره أنه كان من شأن العرب إذا كان بينهم وبين قوم عهد فإذا أرادوا نقضه كتبوا إليهم كتاباً ولم يكتبوا فيه بسمله، فلما نزلت براءة ينقض العهد الذي كان بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين بعث بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب فقرأها عليهم ولم يبسمل في ذلك على ما جرت به عادة العرب في نقض العهد من ترك التسمية. وعن علي قال: البسملة أمان، وبراءة نزلت بالسيف، أشار إلى وجه ترك كتابة البسملة في هذه السورة والتلفظ بها دون غيرها، قال الخفاجي: وللسلف فيه أقوال ثلاثة أصحها هذا أهـ. قلت: وروي نحوه عن سفيان بن عيينة، وروي عن مالك بن أنس وابن عجلان وابن جبير أنها كانت تعدل سورة البقرة أو قريباً منها وأنه لما سقط أولها سقطت البسملة. ومن جملة الأقوال في سقوطها أنهم لما كتبوا المصحف في خلافة عثمان اختلفت الصحابة، فقال بعضهم براءة والأنفال سورة واحدة، وقال بعضهم هما سورتان فتركت بينهما فرجة لقول من قال هما سورتان وتركت البسملة لقول من قال هما سورة واحدة فرضي الفريقان معاً، قاله خارجة وأبو عصمة وغيرهما وقول من جعلهما سورة واحدة أظهر لأنهما جميعاً نزلتا في القتال ومجموعهما مائتان وخمس آيات ويعدان جميعاً سابعة السبع الطوال. ومنها ما قال السيوطي: أنه لم تكتب فيها البسملة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بذلك كما يؤخذ من حديث رواه الحاكم. اهـ. وعن عثمان: قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها فمن ثم قرنت بينهما ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، أخرجه الترمذي وحسنه. والصحيح أنها لم تكتب لأن جبريل ما نزل بها في هذه السورة، قاله القشيري قال أبو السعود: واشتهارها بهذه الأسماء يقضي بأنها سورة مستقلة وليست بعضاً من سورة الأنفال، وادعاء اختصاص الاشتهار بالقائلين باستقلالها خلاف الظاهر فيكون حكمة ترك التسمية عند النزول نزولها في رفع الأمان الذي يأبى مقامه التصدير بما يشعر ببقائه من ذكر اسمه تعالى مشفوعاً بوصف الرحمة، كما روي عن ابن عيينة رضي الله عنه: لا الاشتباه في استقلالها وعدمه، كما يحكى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولا رعاية ما وقع بين الصحابة رضي الله عنهم من الاختلاف في ذلك. على أن ذلك ينزع إلى القول بأن التسمية ليست من القرآن، وإنما كتبت للفصل بين السور كما نقل عن قدماء الحنفية، وإن مناط إثباتها في المصاحف، وتركها إنما هو رأي من تصدى لجمع القرآن دون التوقيف، ولا ريب في أن الصحيح من المذهب أنها آية فذة من القرآن أنزلت للفصل والتبرك بها، وأن لا مدخل لرأي أحد في الإثبات والترك، وإنما المتبع في ذلك هو الوحي والتوقيف ولا مرية في عدم نزولها هاهنا، وإلا لامتنع أن يقع في الاستقلال اشتباه أو اختلاف فهو إما لاتحاد السورتين أو لما ذكرنا، لا سبيل إلى الأول وإلا لبينه عليه الصلاة والسلام لتحقق مزيد الحاجة إلى البيان لتعاضد أدلة الاستقلال من كثرة الآيات وطول المدة فيما بين نزولهما فحيث لم يبينه عليه الصلاة والسلام تعين الثاني لأن عدم البيان من الشارع في موضع البيان بيان للعدم. بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (براءة) أي هذه براءة وتنوينه للتفخيم، وقرئ بالنصب أي اسمعوا براءة قاله عيسى بن عمر، يقال: برئت من الشيء ابرأ براءة وأنا منه بريء إذا أزلته عن نفسك وقطعت سبب ما بينك وبينه، وقيل معناها هنا التباعد مما تكره مجاورته (من الله ورسوله) من ابتدائية أي هذه براءة مبتدأة من جهة الله تعالى ورسوله واصلة (إلى الذين عاهدتم من المشركين) عهداً مطلقاً أو دون أربعة أشهر أو فوقها، والعهد العقد الموثق باليمين، والخطاب للمسلمين ومن بيان للموصول وقد عاهدوا مشركي مكة وغيرهم بإذن من الله واتفاق من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. والمعنى الإخبار للمسلمين بأن الله ورسوله قد برئا من تلك المعاهدة بسبب ما وقع من الكفار من النقض فصار النبذ إليهم بعهدهم واجباً على المعاهدين من المسلمين ومعنى براءة الله سبحانه وقوع الإذن منه سبحانه بالنبذ من المسلمين لعهد المشركين بعد وقوع النقض منهم، وفي ذلك من التفخيم لشأن البراءة والتهويل لها والتسجيل على المشركين بالذل والهوان ما لا يخفى.

التوبة 9:2

(فسيحوا) أيها المشركون (في الأرض أربعة أشهر) أمر إباحة منه سبحانه بالسياحة بعد الإخبار بتلك البراءة والسياحة السير، يقال ساح فلان في الأرض يسيح سيحاً وسياحة وسيوحاً وسيحاناً، ومنه سيح الخيل. قال أبو السعود: السياحة والسيح الذهاب في الأرض والسير فيها بسهولة على مقتضى المشية كسيح الماء على موجب الطبيعة، ففيه من الدلالة على كمال التوسعة والترفيه ما ليس في سيروا ونظائره، وزيادة قوله: (في الأرض) لقصد التعميم لأقطارها من دار الإسلام وغيرها انتهى. ومعنى الآية أن الله سبحانه بعد أن أذن بالنبذ إلى المشركين بعهدهم أباح للمشركين الضرب في الأرض والذهاب إلى حيث يريدون والاستعداد للحرب هذه الأربعة الأشهر، وليس المراد من الأمر بالسياحة تكليفهم بها، وهذا القول كناية عن عقد الأمان لهم أربعة أشهر بعد نقضهم العهد بصوره الثلاث، وإنما اقتصر على الأربعة لقوة المسلمين إذ ذاك بخلاف صلح الحديبية فإنه كان على عشر سنين لضعف المسلمين إذ ذاك. قال محمد بن إسحاق وغيرهما: إن المشركين صنفان صنف كانت مدة عهده أقل من أربعة أشهر، فأمهل تمام أربعة أشهر، والآخر كانت مدته أكثر من ذلك فقصر على أربعة أشهر ليرتاد لنفسه وهو حرب بعد ذلك لله ولرسوله وللمؤمنين يُقتل حيث يوجد إلا أن يتوب ويرجع إلى الإيمان. وابتداء هذا الأجل يوم الحج الأكبر وانقضاؤه إلى عشر من ربيع الآخر، فأما من لم يكن له عهد فإنما أجله انسلاخ الأشهر الحرم وذلك خمسون يوماً عشرون من ذي الحجة وشهر محرم. وقال الكلبى: إنما كانت الأربعة الأشهر لمن كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عهد دون أربعة أشهر فتتم له الأربعة ومن كان عهده أكثر من ذلك فهو الذي أمر الله أن يتم له عهده بقوله: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) كما سيأتي، ورجح هذا ابن جرير وغيره. وعن الزهري قال: نزلت في شوال فهي أربعة أشهر شوال وذو القعدة وذو الحجة ومحرم، والقول الأول أصوب وعليه الأكثرون، وفي الباب أقوال. وقيل المقصود من هذا التأجيل أن يتفكروا ويحتاطوا لأنفسهم ويعلموا أنه ليس لهم بعد هذه المدة إلا الإسلام أو القتل، فيصير هذا داعياً لهم إلى الدخول في الإسلام ولئلا ينسب المسلمون إلى الغدر ونكث العهد، وقال ابن الأنباري: التقدير قل لهم فسيحوا، وليس هذا من باب الأمر بل المقصود منه الإباحة والإطلاق والإعلام بحصول الأمان وزوال الخوف يعني سيحوا في الأرض وأنتم آمنون من القتل والقتال. وقد توهم بعضهم أن بعث علي بن أبي طالب بقراءة أول براءة عزل أبي بكر عن الإمارة، وذلك جهل من هذا المتوهم والبحث مستوفى في موطنه. (واعلموا أنكم غير معجزي الله) أي اعلموا أن هذا الإمهال ليس لعجز ولكن لمصلحة ليثوب من تاب، وفي ذلك ضرب من التهديد كأنه قيل افعلوا في هذه المدة كلما أمكنكم من إعداد الآلات والأدوات فغنكم لا تفوتون الله ولا تغتروا بعقد الأمان لكم (وإن الله مخزي الكافرين) أي وهو مخزيكم ومذلكم ومهينكم في الدنيا بالقتل والأسر، وفي الآخرة بالعذاب والنار، وفي وضع الظاهر موضع المضمر إشارة إلى أن سبب هذا الإخزاء هو الكفر، ويجوز أن يكون المراد جنس الكافرين فيدخل فيه المخاطبون دخولاً أولياً. وأخرج الترمذي وحسنه وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه علياً وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات فانطلقا وحجا فقام علي في أيام التشريق فنادى أن الله بريء من المشركين ورسوله فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان ولا يدخل الجنة إلا مؤمن، فكان علي ينادي، فإذا أعيا قام أبو بكر ينادي بها [[المستدرك كتاب المغازي 3/ 52.]] وفي الباب أحاديث في الصحيحين وغيرهما بألفاظ. وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

التوبة 9:3

(وأذان من الله ورسوله) الأذان بمعنى الإيذان وهو الإعلام كما أن الأمان والعطاء بمعنى الإيمان والإعطاء، ومعنى (إلى الناس) التعميم في هذا أي إنه إيذان من الله إلى كافة الناس غير مختص بقوم دون قوم، فهذه الجملة متضمنة للإخبار بوجوب الإعلام لجميع الناس، والجملة الأولى متضمنة للإخبار بالبراءة إلى المعاهدين خاصة. (يوم الحج الأكبر) ظرف لقوله وأذان ووصفه بالأكبر لأنه يجتمع فيه الناس أو لكون معظم أفعال الحج فيه أو احترازاً عن العمرة فهي الحج الأصغر، لأن أعمالها أقل من أعمال الحج إذ يزيد عليها بأمور كالرمي والمبيت، فكان أكبر بهذا الاعتبار، وسمي يوم الحج لأن أعمال الحج يتم فيه معظمها. وقد اختلف العلماء في تعيين هذا اليوم المذكور في الآية فذهب جمع منهم علي بن أبي طالب وابن مسعود وابن أبي أوفى والمغيرة بن شعبة ومجاهد إلى أنه يوم النحر، ورجحه ابن جرير، وذهب آخرون منهم عمر وابن عباس وطاووس إلى أنه يوم عرفة والأول أرجح لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر من بعثه لإبلاغ هذا إلى المشركين أن يبلغهم يوم النحر. وأخرج الترمذي وابن النذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم الحج الأكبر فقال يوم النحر [[الترمذي كتاب التفسير 9/ 4.]]. وأخرج أبو داود والنسائي والحاكم وصححه عن عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر " [[المستدرك كتاب الأضاحي 4/ 221.]] وعن أبي أوفى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يوم الأضحى، هذا يوم الحج الأكبر " [[أبو داوود كتاب المناسك باب 71.]]. أخرجه ابن مردويه. وعن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقف يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حج فقال: " أي يوم هذا؟ " قالوا يوم النحر، قال: " هذا يوم الحج الأكبر ". أخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجة وغيرهم [[أبو داوود كتاب المناسك باب 66.]]. ولا يخفاك أن الأحاديث الواردة في كون يوم النحر هو يوم الحج الأكبر هي ثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق فلا تقوى لمعارضتها هذه الروايات المصرحة بأنه يوم عرفة، وقيل أيام منى كلها، وبه قال مجاهد وسفيان الثوري هو يوم النحر، وقيل اليوم الذي حج فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبه قال ابن سيرين والأول أولى، وقيل القرآن. قاله مجاهد. (إن الله بريء من المشركين ورسوله) أي بأن الله بريء ورسوله بريء منهم، وقرئ ورسوله بالجر على أن الواو للقسم وهي ضعيفة جداً، وقرئ شاذاً أيضاً بالنصب على أنه مفعول معه، قاله الزمخشري، والرفع قراءة الجمهور باتفاق السبعة. (فإن تبتم) من الكفر، وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وقيل فائدة هذا الالتفات زيادة التهديد (فهو) أي المتاب أو التوب أو التوبة (خير لكم) أي: أخير وأحسن من بقائكم على الكفر الذي هو خير في زعمكم، أو التفضيل ليس على بابه، والمعنى: هو خير لا شر، وفيه ترغيب في التوبة والإقلاع عن الشرك الموجب لدخول النار. (وإن توليتم) أي أعرضتم عن التوبة وبقيتم على الكفر (فاعلموا أنكم غير معجزي الله) أي غير فائتين عليه، بل هو مدرككم فمجازيكم بأعمالكم، وفيه وعيد عظيم وتهديد شديد (وبشر الذين كفروا بعذاب أليم) عبر عن الإخبار بالبشارة تهكماً بهم وفيه من التهديد ما لا يخفى.

التوبة 9:4

(إلا الذين عاهدتم من المشركين) قال ابن عباس: هم قريش، وقال قتادة: هم مشركو قريش الذين عاهدهم نبي الله زمن الحديبية، وقيل هم بنو ضمرة حي من كنانة، وعن محمد بن عبادة هم بنو جذيمة بن عامر من بني بكر ابن كنانة. قال أبو السعود (إلا الذين) الخ استدراك من النبذ السابق الذي أخر فيه القتال أربعة أشهر، كأنه قيل لا تمهلوا الناكثين فوق أربعة أشهر، لكن الذين عاهدتموهم ثم لم ينكثوا عهدهم فلا تجروهم مجرى الناكثين في المسارعة إلى قتالهم بل أتموا إليهم عهدهم، ولا يضر في ذلك تخلل الفاصل بقوله تعالى: (وأذان من الله ورسوله) الخ لأنه ليس بأجنبي بالكلية، بل هو أمر بإعلام تلك البراءة، كأنه قيل وأعلموها. وقيل هو استثناء متصل من المشركين الأول، ويرده بقاء الثاني على العموم مع كونهما عبارة عن فريق واحد، وجعله استثناء من الثاني يأباه بقاء الأول كذلك، وقيل هو استدراك من المقدر في (فسيحوا) أي قولوا لهم سيحوا أربعة أشهر لكن الذين عاهدتم منهم. (ثم لم ينقصوكم شيئاً) من شروط الميثاق ولم يقتلوا منكم أحداً ولم يضروكم قط أي لم يقع منهم أي نقص وإن كان يسيراً، وقرأ عكرمة وعطاء بن يسار بالضاد المعجمة أي لم ينقضوا عهدكم، وفيه دليل على أنه كان من أهل العهد من خاس بعهده ومنهم من ثبت عليه، فأذن الله سبحانه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بنقض عهد من نقض، وبالوفاء لمن لم ينقض إلى مدته. وقرأ الجمهور بالصاد المهملة، قال الكرماني: قراءة المعجمة مناسبة لذكر العهد فإن من نقض العهد فقد نقص من المدة إلا أن قراءة العامة أوقع لمقابلتها التمام، وكلمة ثم للدلالة على ثباتهم على عهدهم مع تمادي المدة. (ولم يظاهروا) المظاهرة المعاونة أي لم يعاونوا (عليكم أحداً) من أعدائكم كما عدت بنو بكر على خزاعة في غيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فظاهرتهم قريش بالسلاح (فأتموا إليهم عهدهم) أي أدوا إليهم عهدهم تاماً غير ناقص (إلى مدتهم) التي عاهدتموهم إليها وإن كانت أكثر من أربعة أشهر، ولا تعاملوهم معاملة الناكثين من القتال بعد مضي المدة المذكورة سابقاً وهي أربعة أشهر أو خمسون يوماً على الخلاف السابق. (إن الله يحب المتقين) الذين يتقون الله فيما حرم عليهم فيوفون بالعهد، قال السدي: فلم يعاهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد هؤلاء الآيات أحداً. فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

التوبة 9:5

(فإذا انسلخ الأشهر الحرم) انسلاخ الشهر تكامله جزءاً فجزءاً إلى أن ينقضي كانسلاخ الجلد عما يحويه، شبه خروج المتزمن عن زمانه بانفصال المتمكن عن مكانه، وأصله الانسلاخ الواقع بين الحيوان وجلده فاستعير لانقضاء الأشهر، يقال سلخت المرأة درعها نزعته، وفي التنزيل (وآية لهم الليل نسلخ منه النهار) قال الخفاجي: السلخ يستعمل تارة بمعنى الكشط، كسلخت الإهاب عن الشاة، أي نزعته عنها، وأخرى بمعنى الإخراج كسلخت الشاة عن الإهاب أي أخرجتها منه، فإطلاق الانسلاخ على الأشهر استعارة من المعنى الأول فإن الزمان ظرف محيط بالأشياء كالإهاب، والبيضاوي جعله من الثاني، كأنه لما انقضى أخرج من الأشياء الموجودة كذا قيل، ومثل انسلخ انجرد وسنة جرداء تامة اهـ. واختلف العلماء في تعيين الأشهر الحرم المذكورة هاهنا، فقيل هي الأشهر الحرم المعروفة التي هي ذو القعدة وذو الحجة ومحرم ورجب، ثلاثة سرد، وواحد فرد، ومعنى الآية على هذا وجوب الإمساك عن قتال من لا عهد له من المشركين في هذه الأشهر الحرم. وقد وقع النداء والنبذ إلى المشركين بعهدهم يوم النحر، فكان الباقي من الأشهر الحرم التي هي الثلاثة المسرودة خمسين يوماً تنقضي بانقضاء شهر المحرم فأمرهم الله بقتل المشركين حيث يوجدون، وبه قال جماعة من أهل العلم منهم الضحاك والباقر، وروي عن ابن عباس واختاره ابن جرير. وقيل المراد بها شهور العهد المشار إليها بقوله: (فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم) وسميت حرماً لأن الله سبحانه حرم على المسلمين فيها دماء المشركين والتعرض لهم وإلى هذا ذهب جماعة من أهل العلم منهم مجاهد وابن إسحاق وابن زيد وعمرو بن شعيب، وقيل هي الأشهر المذكورة في قوله: (فسيحوا في الأرض أربعة أشهر) وقد روي ذلك عن ابن عباس وجماعة ورجحه ابن كثير، وحكاه عن مجاهد وعمرو بن شعيب ومحمد بن إسحاق وقتادة والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وسيأتي بيان حكم القتال في الأشهر الحرم الدائرة في كل سنة في هذه السورة إن شاء اللة تعالى. (فاقتلوا المشركين حيث) أي في أي مكان وأي وقت (وجدتموهم) من حل أو حرم (وخذوهم) أي إئسروهم فإن الأخيذ هو الأسير (واحصروهم) أي احبسوهم في القلاع والحصون حتى يضطروا ويلجئوا إلى القتل أو الإسلام، ومعنى الحصر منعهم من التصرف في بلاد المسلمين إلا بإذن منهم، وقيل امنعوهم من دخول مكة خاصة والأول أولى. (واقعدوا لهم كل مرصد) أي طريق يسلكونه ونصب (كل) على نزع الخافض أي على كل طريق، والمرصد الموضع الذي يرقب فيه العدو ويقعد، ويقال رصدت فلاناً أرصده أي رقبته، أي اقعدوا لهم في المواضع التي ترتقبونهم فيها لئلا ينتشروا في البلاد، والمعنى كونوا لهم رصداً حتى تأخذوهم من أي وجه توجهوا، وقيل بكل طريق مكة حتى لا يدخلوها. وهذه الآية المتضمنة للأمر بقتل المشركين عند انسلاخ الأشهر الحرم عامة لكل مشرك لا يخرج عنها إلا من خصته السنة وهو المرأة والصبي والعاجز الذي لا يقاتل، وكذلك يخصص منها أهل الكتاب الذين يعطون الجزية على فرض تناول لفظ المشركين لهم. وهذه الأية نسخت كل آية فيها ذكر الإعراض عن المشركين والصبر على أذاهم. وقال الضحاك وعطاء والسدي: هي منسوخة بقوله: (فإما مناً بعد وإما فداء) وإن الأسير لا يقتل صبراً بل يمنّ عليه أو يفادى، وقال مجاهد وقتادة: بل هي ناسخة. لقوله: (فإما مناً بعد وإما فداء) وأنه لا يجوز في الأسارى من المشركين إلا القتل، وقال ابن زيد: الآيتان محكمتان، قال القرطبي: وهو الصحيح لأن المن والقتل والفداء لم يزل من حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم من أول حرب حاربهم وهو يوم بدر، قال الرازي: كلتا الآيتين متوافقتان وكلتاهما تدلان على أنه لا بد من تقديم الأثخان ثم بعده أخذ الفداء اهـ. (فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) أي تابوا عن الشرك الذي هو سبب القتل وحققوا التوبة بفعل ما هو من أعظم أركان الإسلام وهو إقامة الصلاة وهذا الركن اكتفى به عن ذكر ما يتعلق بالأبدان من العبادات لكونه رأسها، واكتفى بالركن الآخر المالي، وهو إيتاء الزكاة عن كل ما يتعلق بالأموال من العبادات لأنه أعظمها [[ذكره القرطبي 8/ 74: قوله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالههم إلا بحقها وحسابهم على الله ". وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حق المال. وقال ابن عباس: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه. وقال ابن العربي.]]. (فخلوا سبيلهم) أي اتركوهم وشأنهم فلا تأسروهم ولا تحصروهم ولا تقتلوهم ولا تمنعوهم من الدخول إلى مكة والتصرف في بلادهم ولا تتعرضوا لهم (إن الله غفور) لهم (رحيم) بهم. وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ (6) كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

التوبة 9:6

(وإن أحد) مرتفع بفعل شرط مضمر يفسره الظاهر لا بالابتداء لأن (إن) لا تدخل إلا على الفعل (من المشركين) الناقضين للعهد الذين أمرت بالتعرض لهم في قوله (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين). (استجارك) استأمنك من القتل (فأجره) يقال استجرت فلاناً أي طلبت أن يكون جاراً أي محامياً ومحافظاً من أن يظلمني ظالم أو يتعرض لي متعرض، وفي القاموس جار واستجار طلب أن يجار وأجاره أنقذه وأعاده، وفي المصباح استجاره طلب منه أن يحفظه فأجار والمعنى أمنه. (حتى) يصح أن تكون للغاية وللتعليل (يسمع كلام الله) منك ويتدبره حق تدبره ويقف على حقيقة ما تدعو إليه، ويتحقق أنه ليس من كلام الخلق، والاقتصار على ذكر السماع لعدم الحاجة إلى شيء آخر في الفهم لكونهم من أهل الفصاحة. (ثم) إن أراد الانصراف ولم يسلم (أبلغه مأمنه) أي إلى الدار التي يأمن فيها وهو دار قومه لينظر في أمره ويعرف ما له من الثواب أن آمن، وما عليه من العقاب إن أصر على الشرك، ثم بعد أن تبلغه مأمنه قاتلة من غير عذر ولا خيانة فقد خرج من جوارك ورجع إلى ما كان عليه من إباحة دمه ووجوب قتله حيث يوجد. عن سعيد بن أبي عروبة قال: كان الرجل يجيء إذا سمع كتاب الله وأقر به وأسلم فذاك الذي دعى إليه، وإن أنكر ولم يقر به رد مأمنه ثم نسخ ذلك فقال: (وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة) وعن ابن زيد قال: إن لم يوافقه ما يقص عليه ويخبر به فأبلغه مأمنه، وهذا ليس بمنسوخ، قال الحسن: هذه الآية محكمة إلى يوم القيامة. (ذلك) أي الأمر بالإجارة وإبلاع المأمن (بأنهم قوم لا يعلمون) ما الإيمان وما حقيقة ما تدعوهم إليه بسبب فقدانهم العلم النافع المميز بين الخير والشر في الجال والمآل، فلا بد لهم من أمان بقدر زمان يسمعون فيه القرآن ويتدبرون.

التوبة 9:7

(كيف يكون للمشركين) الاستفهام هنا للتعجب المتضمن للإنكار، ولهذا حسن بعده (إلا) والمراد بالمشركين الناكثون لأن البراءة هي في شأنهم (عهد عند الله) يأمنون به من عذابه (وعند رسوله) وقيل معنى الآية محال أن يثبت لهؤلاء عهد وهم أضداد لكم مضمرون للغدر، فلا تطمعوا في ذلك ولا تحدثوا به أنفسكم، والمعنى ليس لمن لم يف بعهد أن يفي الله ورسوله له بالعهد. ثم استدرك فقال: (إلا الذين عاهدتم) أي لكن الذين عاهدتم ولم ينقضوا ولم ينكثوا فلا تقاتلوهم، وقيل الاستثناء متصل، وفيه احتمالان. (أحدهما) أنه منصوب على أصل الاستثناء من المشركين. (والثاني) أنه مجرور على البدل منهم. (عند المسجد الحرام) أي عند قربه يوم الحديبية، قاله قتادة، والمراد به جميع الحرم كما هي عادته في القرآن إلا ما استثنى (فما استقاموا لكم) أي فما داموا مستقيمين لكم على العهد الذي بينكم وبينهم ولم ينقضوه، وفي (ما) وجهان أحدهما أنها مصدرية زمانية والثاني أنها شرطية (فاستقيموا لهم) على الوفاء به، قيل هم بنو بكر، وقيل بنو كنانة وبنو ضمرة وقال ابن عباس: هم قريش، وعن ابن زيد نحوه، وقال السدي: هم بنو جذيمة، وقال مجاهد: هم أهل العهد من خزاعة.

التوبة 9:8

كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ (إن الله يحب المتقين) إشارة إلى أن الوفاء بالعهد والاستقامة عليه من أعمال المتقين، فيكون تعليلاً للأمر بالاستقامة، وقد استقام صلى الله عليه وسلم على عهدهم حتى نقضوا بإعانة بني بكر على خزاعة. (كيف) يكون لهم عهد وهو زيادة ترق في استبعاد بقاء عهد لهم، ولهذا أعاد الاستفهام التعجبي للتأكيد والتقرير (و) الحال أنهم (إن يظهروا عليكم) بالغلبة لكم ويظفروا بكم (لا يرقبوا) أي لا يراعوا أو لا يحفظوا أو لا ينتظروا فيكم (إلا ولا ذمة) قال في الصحاح: الإل العهد والقرابة، قال الزجاج: الإل عندي على ما يوجبه اللغة يدور على معنى الحدة، ومنه الإلة للحربة ومنه أذن مؤللة أي محددة، وقال الفراء: المراد به القرابة، وقيل أن الإل الجؤار وهو رفع الصوت عند التحالف، وذلك أنهم كانوا إذا تحالفوا جاروا بذلك جؤاراً، ويجمع الإل في القلة على آل وفي الكثرة على إلال كقدح وقداح، والأل بالفتح قيل شدة القنوط، قال الهروي في الحديث " عجب ربكم من ألكم وقنوطكم ". وفي القاموس الإلّ بالكسر العهد والحلف وموضع، والجوار والقرابة والمعدن والحقد والعداوة والربوبية واسم الله تعالى، وكل اسم آخره ال أو إيل فمضاف إلى الله تعالى، والوحي والأمان والجزع عند المصيبة ومنه ما روي عجب ربكم من إلِّكم، فيمن رواه بالكسر ورواية الفتح أكثر اهـ. وقال ابن زيد والسدي وأبو عبيدة: الإلّ العهد وقيل الذمة والنديم، وقال الأزهري: هو اسم لله بالعبرانية وأصله من الأليل وهو البريق يقال أل لونه يؤل ألاَّ أي صفا ولمع، والذمة العهد وجمعها ذمم فمن فسر الأول بالعهد كان التكرير للتأكيد مع اختلاف اللفظين، وقيل الذمة الضمان يقال هو في ذمتي أي في ضماني وبه سمي أهل الذمة لدخولهم في ضمان المسلمين، ويقال له ذمة وذمام ومذمة وهي الذم قاله ابن عرفة. وقال الراغب: الذمام ما يذم الرجل على إضاعته من عهد، وكذلك الذمة والمذمة بالفتح والكسر وقيل لي مذمة فلا تهتكها، وقال غيره: سميت ذمة لأن كل حرمة يلزمك من تضييعها الذم يقال لها ذمة، وقال أبو عبيدة والأزهري: الذمة الأمان كما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم " ويسعى بذمتهم أدناهم " وروي عنه أيضاً أن الذمة ما يتذمم به أي ما يجتنب فيه الذم، وقال قتادة: الإل الحلف، وقال أبو مجلز: هو الله تعالى، وعن مجاهد وعكرمة مثله، وقال ابن عباس: الإل القرابة. والذمة العهد. (يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم) أي يقولون بألسنتهم ما فيه مجاملة ومحاسنة لكم طلباً لمرضاتكم وتطييب قلوبكم، وقلوبهم تأبى ذلك وتخالفه وتود ما فيه مساءتكم ومضرتكم كما يفعله أهل النفاق وذوو الوجهين، والكلام مستأنف لبيان حالهم عند عدم الظفر فهو مقابل في المعنى لقوله: (وإن يظهروا عليكم) الخ يقال أبى يأبى أي اشتد امتناعه فكل أباء امتناع من غير عكس، ولم يصب من فسره بمطلق الامتناع، ومجيء المضارع منه على يفعل بفتح العين شاذ، ومنه قلى يقلى في لغة قاله السمين، ثم حكم عليهم بالفسق فقال: (وأكثرهم فاسقون) وهو التمرد والتجري والخروج عن الحق لنقضهم العهود وعدم مراعاتهم لها. اشْتَرَوْا بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (9) لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ (10) فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11) وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ ثم وصفهم بقوله:

التوبة 9:9

(اشتروا بآيات اللة ثمناً قليلاً) أي استبدلوا بآيات القرآن التي من جملتها ما فيه الأمر بالوفاء بالعهود ثمناً حقيراً، وهو ما آثروه من حطام الدنيا أي تركوا اتباعها للشهوات والهوى وكانت شهواتهم أكلة أطعمها أبو سفيان حملتهم على نقض العهد (فصدوا عن سبيله) أي فعدلوا وأعرضوا عن سبيل الحق، أو صرفوا الناس عنه، وذلك أن أهل الطائف أمدوهم بالأموال ليقوُّوهم على حرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إنهم ساء ما كانوا يعملون) من الشرك ونقضهم العهد، ومنعهم الناس عن الدخول في دين الإسلام.

التوبة 9:10

(لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة) قال النحاس: ليس هذا تكريراً، ولكن الأول لجميع المشركين، والثاني لليهود خاصة، والدليل على هذا اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً يعني اليهود، وقيل هذا فيه مراعاة لحقوق المؤمنين على الإطلاق، وفي الأول المراعاة لحقوق طائفة من المؤمنين خاصة، وقيل الأول وقع جواباً لقوله: (وإن يظهروا) والثاني وقع خبراً عن تقبيح حالهم (وأولئك هم المعتدون) أي المجاوزون للحلال إلى الحرام بنقض العهد أو المبالغون في الشر والتمرد إلى الغاية القصوى.

التوبة 9:11

(فإن تابوا) عن الشرك وعن نقض العهد إلى الوفاء به، قال قتادة: يقول إن تركوا اللات والعزى وشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله (وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة) أي التزموا أحكام الإسلام المفروضة (فإخوانكم) أي فهم إخوانكم (في الدين) أي في دين الإسلام لهم ما لكم وعليهم ما عليكم، وكرره لاختلاف جزاء الشرط إذ جزاء الشرط في الأول تخلية سبيلهم في الدنيا، وفي الثاني أخوتهم لنا في الدين، وهي ليست عين تخليتهم بل سببها. (ونفصل الآيات) أي نبينها ونوضحها (لقوم يعلمون) بما فيها من الأحكام ويفهمونه، وخص أهل العلم لأنهم المنتفعون بها، والمراد بالآيات ما مر من الآيات المتعلقة بأحوال المشركين على اختلاف أنواعهم، وعن ابن عباس قال: حرمت هذه الآية قتال أو دماء أهل الصلاة، وقال ابن مسعود: أمرتم بالصلاة والزكاة فمن لم يزك فلا صلاة له. وقال ابن زيد: افترضت الصلاة والزكاة جميعاً لم يفرق بينهما، وأبى أن يقبل الصلاة إلا بالزكاة وقال يرحم الله أبا بكر ما كان أفقهه، يريد ما قاله في حق من منع الزكاة والله لا أفرق بين شيئين جمع الله بينهما، يعني الصلاة والزكاة.

التوبة 9:12

(وإن نكثوا أيمانهم) مقابل قوله: (فإن تابوا) والنكث النقض وأصله نقض الخيط بعد إبرامه ثم استعمل في كل نقض ومنه نقض الأيمان والعهود على طريق الاستعارة (من بعد عهدهم) أي من بعد أن عاهدوهم والمعنى أن الكفار إن نكثوا العهود التي عاهدوا بها المسلمين ووثقوا لهم بها. (وطعنوا في دينكم) أي وضموا إلى ذلك الطعن في دين الإسلام والقدح فيه، وأظهروا ما في ضمائرهم من الشر، وأخرجوه من القول إلى الفعل حسبما ينبئ عنه قوله تعالى: (وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا) الآية وثبتوا على ما هم عليه من النكث لا أنهم ارتدوا بعد الإيمان كما قيل، وعطف طعنوا على ما قبله مع أن نقض العهد كاف في إباحة القتل لزيادة تحريض المؤمنين على قتالهم، وقيل عطف تفسير. (فقاتلوا) أي فقد وجب على المسلمين قتالهم (أئمة الكفر) بهمزتين وبإبدال الثانية ياء صريحة وفيه وضع الظاهر موضع المضمر، وهي جمع إمام، والمراد صناديد المشركين وأهل الرياسة فيهم على العموم، وعن قتادة: قال هم أبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وأبو جهل بن هشام وسهيل ابن عمرو، وهم الذين نكثوا عهد الله وهموا بإخراج الرسول من مكة، وعن مالك ابن أنس مثله، وقال ابن عباس: رؤوس قريش؛ وعن الحسن: إنهم الديلم، وعن حذيفة قال: ما قوتل أهل هذه الآية، ولم يأت أهلها، وعن علي نحوه، وقال مجاهد: هم فارس والروم. والأولى أن الآية عامة في كل رؤساء الكفر من غير تقييد بزمن معين أو بطائفة معينة اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ومما يفيد ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه كان في عهد أبي بكر الصديق إلى الناس حين وجههم إلى الشام أنه قال إنكم ستجدون قوماً مجوفة رؤوسهم فاضربوا مقاعد الشيطان منهم بالسيوف، فوالله لأن أقتل رجلاً منهم أحب إلي من أن أقتل سبعين من غيرهم، وذلك بأن الله يقول: (فقاتلوا أئمة الكفر). (إنهم لا أيمان لهم) قال الزمخشري هذه الجملة تعليل لما قبلها، والأيمان جمع يمين أي لا عهد لهم، وسمي العهد يميناً لاشتماله عليه غالباً، والمعنى لا أيمان بارة لهم وإن وجدت صورة، ويمين الكافر شرعية عندنا والاستدلال به على أن يمين الكافر ليست يميناً ضعفه ظاهر، لأن المراد نفي الوثوق بقرينة (وإن نكثوا أيمانهم) لا يقال الكلام باعتبار اعتقادهم، لأن المخاطب هم المؤمنون، قال حذيفة: لا عهود لهم، وعن عمار مثله. وقرئ بكسر الهمزة والمعنى أن هؤلاء الناكثين للأيمان الطاعنين في الدين ليسوا من أهل الإيمان بالله حتى يستحقوا العصمة لدمائهم وأموالهم فقتالهم واجب على المسلمين، وقيل لا وفاء لهم بالعهود وقيل هو من الأمان أي لا يعطون أماناً بعد نكثهم وطعنهم، يعني لا تؤمنوهم بل اقتلوهم حيث وجدتموهم. (لعلهم ينتهون) عن كفرهم ونكثهم وطعنهم في دين الإسلام، والمعنى إن قتالهم يكون إلى غاية هي الانتهاء عن ذلك، وقد استدل بهذه الآية على أن الذمي إذا طعن في الدين لا يقتل حتى ينكث العهد كما قال أبو حنيفة لأن الله إنما أمر بقتلهم بشرطين أحدهما: نقض العهد والثاني: الطعن في الدين، وذهب مالك والشافعي وغيرهما إلى أنه إذا طعن في الدين قتل لأنه ينقض عهده بذلك قالوا وكذلك إذا حصل من الذمي مجرد النكث فقط من دون طعن في الدين فإنه يقتل [[وقال سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى عليّ بن أبي طالب فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمداً بعد انقضاء الأربعة الأشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل!. فقال عليّ بن أبي طالب: لا، لأن الله تبارك وتعالى يقول: " (وإن أحدٌ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) " وهذا هو الصحيح. والآية محكمة.]]. أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

التوبة 9:13

(ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم) الهمزة الداخلة على حرف النفي للاستفهام التوبيخي مع ما يستفاد منها من التحضيض على القتال والمبالغة في تحققه، والمعنى أن من كان حاله كحال هؤلاء من نقض العهد فهو حقيق بأن لا يترك قتاله وإن يوبخ من فرط في ذلك. (وهموا بإخراج الرسول) من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة لكن لم يخرجوه بل خرج باختياره بإذن الله له في الهجرة، وتقدم أنهم هموا بأحد أمور ثلاثة، قتله وحبسه وإخراجه، وإنما اقتصر هنا على الهم بالإخراج لأنه هو الذي وقع أثره في الخارج بحسب الظاهر، وكانت دار الندوة مكان اجتماع القوم للتحدث وكان قد بناها قصي وقد أدخلت الآن في المسجد فهي مقام الحنفي الآن. (وهم بدؤوكم) بالقتال (أول مرة) أي يوم بدر، قال مجاهد: قتال قريش حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم وهمهم بإخراج الرسول، زعموا أن ذلك عام عمرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في العام التاسع للحديبية نكثت قريش العهد عهد الحديبية وجعلوا في أنفسهم إذا دخلوا مكة أن يخرجوه منها فذلك همهم بإخراجه فلم تتابعهم خزاعة على ذلك، فلما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة قالت قريش لخزاعة: عميتمونا عن إخراجه فقاتلوهم فقتلوا منهم رجمالاً. (أتخشونهم) الاستفهام للتوبيخ والتقريع أي أتخشون أن ينالكم منهم مكروه فتتركون قتالهم لهذه الخشية، ثم بين ما يجب أن يكون الأمر عليه فقال: (فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين) أي هو أحق بالخشية منكم فإنه هو الضار النافع في الحقيقة ومن خشيتكم له أن تقاتلوا من أمركم بقتاله، فان قضية الإيمان توجب ذلك عليكم. ثم زاد في تأكيد الأمر بالقتال فقال:

التوبة 9:14

(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم) ورتب على هذا الأمر فوائد: الأولى: تعذيب الله للكفار بأيدي المؤمنين بالقتل والأسر. والثانية: إخزاؤهم قيل بالأسر وقيل بما نزل بهم من الذل والهوان. والثالثة: نصر المسلمين عليهم وغلبتهم لهم. والرابعة: أن الله يشفي بالقتال صدور قوم مؤمنين ممن لم يشهد القتال ولا حضره. والخامسة: أنه سبحانه يذهب بالقتال غيظ قلوب المؤمنين الذي نالهم بسبب ما وقع من الكفار من الأمور الجالبة للغيظ وحرج الصدر. فإن قيل شفاء الصدور وإذهاب غيظ القلوب كلاهما بمعنى فيكون تكراراً. قيل في الجواب: إن القلب أخص من الصدر، وقيل: إن شفاء الصدور إشارة إلى الوعد بالفتح، ولا ريب أن الانتظار لنجاز الوعد مع الثقة به فيه شفاء للصدور، وأن إذهاب غيظ القلوب إشارة إلى وقوع الفتح، وقد وقعت للمؤمنين ولله الحمد هذه الأمور كلها. عن عكرمة قال: نزلت هذه الآية في خزاعة، وعن مجاهد والسدي وقتادة نحوه، وقد ساق القصة ابن إسحاق في سيرته وأورد فيها النظم الذي أرسلته خزاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أوله. يا رب إني ناشد محمداً ... حلف أبينا وأبيه الأتلدا وأخرج القصة البيهقي في الدلائل ثم قال:

التوبة 9:15

(ويتوب الله على من يشاء) وهو ابتداء كلام مستأنف يتضمن الإخبار بما سيكون، وهو أن بعض الكافرين يتوب عن كفره كما وقع من بعض أهل مكة يوم الفتح فإنهم أسلموا وحسن إسلامهم كأبي سفيان وعكرمة وسهيل ابن عمرو، فهؤلاء كانوا أئمة الكفر ثم منّ الله عليهم بالإسلام يوم فتح مكة. فإن قيل [[قوله فإن قيل الخ كذا في أصله ولعله مرتب على قراءة نصب يتوب كما يؤخذ من عبارة الكشاف. اهـ مصححه.]] كيف تقع التوبة جزاء للمقاتلة؟ أجيب بأن القتال قد يكون سبباً لها إذا كانت من جهة الكفار، وأما إذا كانت من جهة المسلمين فوجهه أن النصر والظفر من جهة الله يكون سبباً لخلوص النية والتوبة عن الذنوب. (والله عليم حكيم). أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (16) مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ

التوبة 9:16

(أم حسبتم أن تتركوا) أم هذه هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة والاستفهام للتوبيخ وحرف الإضراب للدلالة على الانتقال من كلام إلى آخر، والمعنى كيف يقع الحسبان منكم بأن تتركوا على ما أنتم عليه. وقوله أن تتركوا في موضع مفعولي الحسبان عند سيبويه، وقال المبرد: أنه حذف الثاني والتقدير أم حسبتم أن تتركوا من غير أن تبتلوا بما يظهر به المؤمن والمنافق الظهور الذي يستحق به الثواب والعقاب يعني: بدون تكليفكم بالقتال الذي سئمتموه. (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) الواو حالية ولما للنفي مع التوقع، والمراد من نفي العلم نفي المعلوم بالطريق البرهاني إذ لو شم رائحة الوجود لعلم قطعاً فلما لم يعلم لزم عدمه قطعاً، والمعنى كيف تحسبون أنكم تتركون ولما يتبين المخلص منكم في جهاده من غير المخلص، و (ما) في (لما) من التوقع منبه على أن ذلك سيكون وفائدة التعبير عما ذكر من عدم التبين بعدم علم الله تعالى أن المقصود هو التبين من حيث كونه متعلقاً للعلم ومداراً للثواب وعدم التعرض لحال المقصرين لما أن ذلك بمعزل من الاندراج تحت إرادة أكرم الأكرمين. وجملة (ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة) معطوفة على جاهدوا داخلة معه في حكم النفي واقعة في حيز الصلة، والوليجة من الولوج وهو الدخول، ولج يلج ولوجاً إذا دخل، فالوليجة الدخيلة، قال أبو عبيدة: كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة، ويكون للمفرد وغيره بلفظ واحد وقد يجمع على ولائج وولج كصحائف وصحف [[وقيل أن جماعة من المنافقين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون الخروج معه إلى الجهاد تعزيزاً فنزل هذه الآيات.]]. قال الفراء: الوليجة البطانة من المشركين، وقيل وليجة الرجل من يداخله في باطن أموره، والمعنى واحد، أي كيف تتخذون دخيلة أو بطانة من المشركين تفشون إليهم أسراركم وتعلمونهم أموركم من دون الله، وقال قتادة: وليجة يعني خيانة، وقال الضحاك: خديعة. وقال الراغب: الوليجة كل ما يتخذه الإنسان معتمداً عليه، وليس من قولهم فلان وليجة في القوم إذا دخل فيهم (والله خبير بما تعملون) أي بجميع أعمالكم.

التوبة 9:17

(ما كان للمشركين) أي ما ينبغي ولا يصح لهم (أن يعمروا) من عمر يعمر، وقرئ من أعمر يعمر أي يجعلون لها من يعمرها عمارة معتداً بها. (مساجد الله) قرئ بالجمع واختاره أبو عبيدة، قال النحاس: لأنها أعم، وإلخاص يدخل تحت العام، وقد يحتمل أن يواد بالجمع المسجد الحرام خاصة لقوله وعمارة المسجد الحرام، وهذا جائز فيما كان من أسماء الأجناس، كما يقال فلان يركب الخيل وإن لم يركب إلا فرساً. إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ

التوبة 9:18

وقرئ بالإفراد ويراد به جنس المسجد، وعلى هذا يندرج فيه سائر المساجد ويدخل المسجد الحرام دخولاً أولياً، قال النحاس: وقد أجمعوا على الجمع في قوله: (إنما يعمر مساجد الله). قلت: وهي أيضاً محتملة للأمرين وعن الحسن البصري: إنما قال تعالى مساجد والمراد المسجد الحرام لأنه قبلة المساجد كلها وإمامها فعامره كعامر جميع المساجد أو لأن كل بقعة وناحية من بقاعه ونواحيه المختلفة الجهات مسجد على حياله بخلاف سائر المساجد، إذ ليس في نواحيها اختلاف الجهة، ويؤيده القراءة بالتوحيد. قال الفراء: العرب قد تضع الواحد مكان الجمع كقولهم فلان كثير الدرهم وبالعكس، كقولهم فلان يجالس الملوك، ولعله لم يجالس إلا ملكاً واحداً، والمراد بالعمارة إما المعنى الحقيقي أو المعنى المجازي وهو ملازمته ودخوله والتعبد والقعود فيه، وكلاهما ليس للمشركين، أما الأول فلأنه يستلزم المنة على المسلمين بعمارة مساجدهم، وأما الثاني فلكون الكفار لا عبادة لهم مع نهيهم عن قربان المسجد الحرام. قيل لو أوصى كافر ببناء المسجد لم تقبل وصيته، وكذا يمنع من دخول المسجد بغير إذن مسلم حتى لو دخل عزر، وإن داخل بإذن لم يعزر، ولكن لا بد من حاجة فيشترط للجواز الإذن والحاجة، ويدل على جواز دخول الكافر المسجد بالإذن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شد ثمامة بن أثال إلى سارية من سواري المسجد، وهو كافر، والأولى تعظيم المساجد ومنعهم من دخولها. (شاهدين) بإظهار ما هو كفر من نصب الأوثان والعبادة لها وجعلها آلهة، فإن هذا شهادة منهم (على أنفسهم بالكفر) وإن أبوا ذلك بألسنتهم، فكيف يجمعون بين أمرين متنافيين، عمارة المساجد التي هي من شأن المؤمنين، والشهادة على أنفسهم بالكفر التي ليست من شأن من يتقرب إلى الله بعمارة مساجده. وقيل المراد بهذه الشهادة قولهم في طوافهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، مع قولهم نحن نعبد اللات والعزى، وقيل أن اليهودي يقول هو يهودي، والنصراني يقول هو نصراني، والصابئ يقول هو صابئ، والمشرك يقول هو مشرك. وقال ابن عباس: شهادتهم سجودهم للأصنام. وقال الحسن: كلامهم بالكفر، وقيل شاهدين على رسولهم بالكفر، لأنه من أنفسهم وما أبعده عن المقام. (أولئك حبطت أعمالهم) التي يفتخرون بها ويظنون أنها من أعمال الخير مثل العمارة والحجابة والسقاية، وفك المعاني لأنها مع الكفر لا تأثير لها، أي بطلت ولم يبق لها أثر (وفي النار هم خالدون) في هذه الجملة الاسمية مع تقديم الظرف المتعلق بالخبر تأكيد لمضمونها. ثم بين سبحانه من هو حقيق بعمارة المساجد فقال: (إنما يعمر مساجد الله) الظاهر أن الجمع هنا حقيقة لأن المراد جميع المؤمنين العامرين لجميع مساجد أقطار الأرض، والتعمير بنحو البناء والتزيين بالفرش والسراج، وبالعبادة وترك حديث الدنيا، يقال عمرت الدار عمراً من باب قتل بنيتها، والاسم العمارة بالكسر وعمرت الخراب عمراً من باب كتب فهو عامر أي معمور. قال أبو السعود: والمراد بالعمارة ما يعم مرمة ما استرم منها وقمها وتنظيفها ودراسة العلوم فيها ونحو ذلك انتهى، وقد تقدم الكلام في وجه جمع المساجد وفي بيان ماهية العمارة، ومن يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز حمل العمارة هنا عليهما قال أبو السعود: إدراج السجد الحرام في ذلك غير مخالف لمقتضى الحال، فإن الإيجاب ليس كالسلب، وقد قرئ بالإفراد أيضاً، والمراد هنا قصر تحقق العمارة ووجودها على المؤمنين لا قصر جوازها ولياقتها، أي إنما يصح ويستقيم أن يعمرها عمارة يعتد بها. (من آمن بالله) وحده (واليوم الآخر) بما فيه من البعث والحساب والجزاء حسبما نطق به الوحي (وأقام الصلاة وآتى الزكاة) على ما علم من الدين فيندرج فيه الإيمان بنبوة النبي صلى الله عليه وسلم حتماً، وقيل هو مندرج تحت الإيمان بالله خاصة فإن أحد جزأي كلمتي الشهادة علم للكل. وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان، قال الله تعالى: (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر " [[الدارميّ كتاب الصلاة باب 23.]] أخرجه أحمد والدارقطني والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن المنذر والبيهقي وعبد بن حميد. وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من بنى لله مسجداً صغيراً كان أو كبيراً بنى الله له بيتاً في الجنة " [[الترمذي كتاب المواقيت باب 120.]] أخرجه الترمذي. وعن عثمان بن عفان قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من بنى مسجداً يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتاً في الجنة " [[مسلم 533 - البخاري 297.]] وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب ملازمة المساجد وعمارتها والتردد إليها للطاعات. (ولم يخش) أحداً (إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين) فيه حسم لأطماع الكفار في الانتفاع بأعمالهم. فإن الموصوفين بتلك الصفات الأربع إذا كان اهتداؤهم مرجواً فقط، فكيف بالكفار الذين لم يتصفوا بشيء من تلك الصفات، وقيل عسى من الله واجبة. وقال ابن عباس: كل عسى في القرآن فهي واجبة، كقوله لنبيه صلى الله عليه وسلم (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً) وهي الشفاعة. وقيل هي بمعنى خليق، أي فخليق أن يكونوا من المهتدين، وقيل أن الرجاء راجع إلى العباد. قال ابن عباس: يقول من وحد الله وآمن بما أنزل الله وأقام الصلوات الخمس ولم يتعبد إلا الله فهو من المهتدين، فمن كان جامعاً بين هذه الأوصاف فهو الحقيق بعمارة المساجد لا من كان خالياً منها أو من بعضها. واقتصر على ذكر الصلاة والزكاة والخشية تنبيهاً بما هو أعظم أمور الدين على ما عداه مما افترضه الله على عباده لأن كل ذلك من لوازم الإيمان. أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (19) الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ والاستفهام في قوله:

التوبة 9:19

(أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام) للإنكار وهو استئناف خوطب به المشركون التفاتاً عن الغيبة في قوله: (ما كان للمشركين أن يعمروا). والسقاية والعمارة مصدران كالسعاية والحماية لا يتصور تشبيههما بالأعيان والجثث فلا بد من إضمار تقديره أجعلتم أهل سقاية الحاج أو أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن، ويؤيد الأول قراءة من قرأ سقاة الحاج وعمرة المسجد جمع ساق وعامر وفيها تشبيه ذات بذات كما في الوجه الأول، وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير المحذوف. (كمن) أي كإيمان أو كعمل من (آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله) حتى يتفق الموضوع والمحمول (لا يستوون عند الله) المعنى أن الله أنكر عليهم التسوية بين ما كان تعمله الجاهلية من الأعمال التي صورتها صورة الخير وإن لم ينتفعوا بها، وبين إيمان المؤمنين وجهادهم في سبيل الله. وقد كان المشركون يفتخرون بالسقاية والعمارة ويفضلونهما على عمل المسلمين فأنكر الله عليهم ذلك، فصرح سبحانه بالمفاضلة بين الفريقين وتفاوتهم وعدم استوائهم أي لا تساوي تلك الطائفة الكافرة الساقية للحجيح العامرة للمسجد الحرام، وهذه الطائفة المؤمنة بالله واليوم الآخر المجاهدة في سبيله. ودل سبحانه بنفي الاستواء على نفي الفضيلة التي يدعيها المشركون أي إذا لم تبلغ أعمال الكفار إلى أن تكون مساوية لأعمال المسلمين، فكيف تكون فاضلة عليها كما يزعمون، وهذا الكلام استئناف مؤكد لما علم من إبطال المساواة بالتوبيخ المستفاد من الاستفهام أي لا يستوي الفريقان. ثم حكم عليهم بالظلم فقال: (والله لا يهدي القوم الظالمين) وأي أنهم مع ظلمهم بما هم فيه من الشرك لا يستحقون الهداية من الله سبحانه، وهو تعليل في المعنى لنفي المساواة، وفي هذا إشارة إلى الفريق المفضول ثم صرح بالفريق الفاضل فقال:

التوبة 9:20

(الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة) أي الجامعون بين الإيمان والهجرة والجهاد بالأموال والأنفس أحق بما لديه من الخير، من تلك الطائفة المشركة المفتخرة بأعمالها المحبطة الباطلة. وفي قوله: (عند الله) تشريف عظيم للمؤمنين (وأولئك) أي المتصفون بالصفات الثلاثة المذكورة (هم الفائزون) بسعادة الدارين المختصون بالفوز المحصلون لأصله بالنسبة لكون الغير أهل السقاية والعمارة والمحصلون لأكمله بالنسبة لكون الغير من لم يجمع الأوصاف المذكورة، ثم فسر الفوز بقوله.

التوبة 9:21

(يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات) التنكير في الثلاثة للتعظيم، والمعنى أنها فوق وصف الواصفين وتصور المتصورين، قال أبو حيان: لما وصف الله المؤمنين بثلاث صفات الإيمان والهجرة والجهاد بالنفس والمال، قابلهم على ذلك بالتبشير بثلاث، وبدأ بالرحمة في مقابلة الإيمان لتوقفها عليه، وثنى بالرضوان الذي هو نهاية الإحسان في مقابلة الجهاد الذي فيه بذك الأنفس والأموال، ثم ثلث بالجنات في مقابلة الهجرة وترك الأوطان إشارة إلى أنهم لما آثروا تركها بدلهم داراً عظيمة دائمة وهي الجنات انتهى. (لهم فيها نعيم مقيم) الدائم المستمر الذي لا يفارق صاحبه. خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (22) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ

التوبة 9:22

(خالدين فيها أبداً) ذكر الأبد بعد الخلود تأكيد له (إن الله عنده أجر عظيم) مؤكدة لما قبلها مع تضمنها للتعليل أي أعطاهم الله سبحانه هذه الأجور العظيمة لكون الأجر الذي عنده عظيماً يهب منه ما يشاء لمن يشاء وهو ذو الفضل العظيم، وهذه أعظم البشارات ونهاية المقصودات.

التوبة 9:23

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء) يعني بطانة وأصدقاء تفشون إليهم أسراركم وتؤثرون المقام معهم على الهجرة، والخطاب للمؤمنين كافة وهو حكم باق إلى يوم القيامة، يدل على قطع الولاية بين المؤمنين والكافرين والمراد النهي لكل فرد من أفراد المخاطبين عن موالاة فرد من أفراد المشركين بقضية مقابلة الجمع بالجمع الموجب لانقسام الآحاد إلى الآحاد كما في قوله: (وما للظالمين من أنصار) لا عن موالاة طائفة منهم فإن ذلك مفهوم من اللفظ دلالة لا عبارة. وقالت طائفة من أهل العلم أنها نزلت في الحض على الهجرة ورفض بلاد الكفر، فيكون الخطاب لمن كان من المؤمنين بمكة وغيرها من بلاد العرب، نهوا أن يوالوا الآباء والأخوة فيكونون لهم تبعاً في سكنى بلاد الكفر، وقال بعضهم: حمل هذه الآية على الهجرة مشكل، لأن هذه السورة نزلت بعد الفتح وهي آخر القرآن نزولاً، والأقرب أن يقال أن الله تعالى لما أمر بالتبرئ عن المشركين قالوا: كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه وأخاه وابنه، فذكر الله تعالى أن مقاطعة الرجل أهله وأقاربه في الدين واجبة فالمؤمن لا يوالي الكافر وإن كان أباه أو أخاه أو ابنه. وقال مجاهد: هذه الآية متصلة بما قبلها نزلت في قصة العباس وطلحة وامتناعهما من الهجرة، وقال ابن عباس: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالهجرة إلى المدينة فمنهم من تعلق به أهله وأولاده يقولون ننشدك بالله أن لا تضيعنا فيرق لهم فيقيم عليهم ويدع الهجرة، فأنزل الله هذه الآية. وقال مقاتل: نزلت في التسعة الذين ارتدوا عن الإسلام ولحقوا بمكة فنهى الله المؤمنين عن موالاتهم، وأنزل هذه الآية، والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب. (إن استحبوا الكفر) أي أحبوا كما يقال استجاب بمعنى أجاب، وهو في الأصل طلب المحبة أي إن اختاروا الكفر وأقاموا عليه (على الإيمان) وتركوه وقد تقدم تحقيق المقام في سورة المائدة، ثم حكم على من يتولى من استحب الكفر على الإيمان من الآباء والإخوان بالظلم فقال: (من يتولهم) فيه مراعاة لفظ من (منكم فأولئك) فيه مراعاة معناها (هم الظالمون) فدل ذلك على أن تولي من كان كذلك واختيار المقام معه على الهجرة والجهاد من أعظم الذنوب وأشدها. قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم قائلاً له:

التوبة 9:24

(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله). العشيرة الجماعة المجتمعة التي ترجع إلى نسب وعقد واحد أو ود كعقد العشرة وعشيرة الرجل أهله وقرابته الأدنون وهم الذين يعاشرونه ويتكثر بهم سواء بلغوا العشرة أم فوقها وهي اسم جمع، وقرأ السلمي وأبو رجاء عشيراتكم بالجمع ووجهه أن لكل من المخاطبين عشيرة فحسن الجمع قال الأخفش: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات وإنما يجمعونها على عشائر، وهذه القراءة حجة عليه. وقرأ الحسن: عشائركم والباقون عشيرتكم، والاقتراف الاكتساب، وأصله اقتطاع الشيء من مكانه، والتركيب يدور على الدنو والكاسب يدني الشيء من نفسه ويدخله تحت ملكه، والتجارة الأمتعة التي يشترونها ليربحوا فيها، والكساد عدم النفاق لفوات وقت بيعها بالهجرة ومفارقة الأوطان. ومن غرائب التفسير ما روي عن ابن المبارك أنه قال: إن المراد بالتجارة في هذه الآية البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدون لهن خاطباً واستشهد لذلك بقول الشاعر: كسدن من الفقر في قومهن ... وقد زادهن مقامي كسادا وهذا البيت وإن كان فيه إطلاق الكساد على عدم وجود الخاطب لهن فليس فيه جواز إطلاق اسم التجارة عليهن، والمراد بالمساكن المنازل التي تعجبهم وتميل إليها أنفسهم ويرون الإقامة إليها أحب إليهم من المهاجرة إلى الله ورسوله ومن الجهاد في سبيله فقعدوا لأجل ما ذكر من الأمور الثمانية أو لأجل حبها والتعرض للصفات المذكورة للإيذان بأن اللوم على محبة ما ذكر من زينة الحياة الدنيا ليس لتناسي ما فيها من مبادئ المحبة وموجبات الرغبة فيها، وأنها مع ما لها من فنون المحاسن بمعزل من أن يؤثر حبها على حبه تعالى وحب رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما في قوله عز وجل: (ما غرك بربك الكريم) والمراد بالحب الاختياري دون الطبيعي وهو إيثارهم وتقديم طاعتهم لا ميل الطبع فإنه أمر جبلي لا يمكن تركه ولا يؤاخد عليه ولا يكلف الإنسان بالتحفظ عنه. (فتربصوا) أي فانتظروا (حتى يأتي الله بأمره) فيكم وما تقتضيه مشيئته من عقوبتكم، وقيل المراد بأمر الله سبحانه القتال، وقيل فتح مكة وفيه بعد، فقد روي أن هذه السورة نزلت بعد الفتح، وقيل هو عقوبة عاجلة أو آجلة، وفي هذا وعيد شديد وتهديد لهم ويؤكده إبهام الأمر وعدم التصريح به لتذهب أنفسهم كل مذهب وتتردد بين أنواع العقوبات. وإنما كان تهديداً لكوفهم آثروا لذات الدنيا على الآخرة، وهذا قل من يتخلص منه، ولذا قيل أنها أشد آية نعت على الناس كما فصله في الكشاف، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين مهمات الدنيا وجب ترجيح الدين على الدنيا ليبقى الدين سليماً (والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي الخارجين عن طاعته النافرين عن امتثال أوامره ونواهيه. لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (26) (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ

التوبة 9:25

(لقد نصركم الله في مواطن كثيرة) تذكير للمؤمنين بنعمه عليهم والمواطن جمع موطن، وفي المصباح الوطن مكان الإنسان ومقره، والجمع أوطان مثل سبب وأسباب، والموطن مثل الوطن والجمع مواطن كمسجد ومساجد، والموطن أيضاً المشهد من مشاهد الحرب، والمواطن التي نصر الله المسلمين فيها هي يوم بدر وقريظة والنضير وكانت غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما ذكر في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم تسع عشرة غزوة زاد بريدة في حديثه " قاتل في ثمان منهن " ويقال أن جميع غزواته وسراياه وبعوثه سبعون وقيل ثمانون. (و) نصركم أيضاً (يوم حنين) وهو واد بين مكة والطائف بينه وبين مكة ثمانية عشر ميلاً كما في الخازن وانصرف على أنه اسم مكان، ومن العرب من يمنعه على أنه اسم للبقعة. قال قتادة: قاتل بها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو، وذلك في شوال سنة ثمان عقيب رمضان الذي وقع فيه الفتح، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير. (إذ أعجبتكم كثرتكم) وإنما أعجب من أعجب من المسلمين بكثرتهم لأنهم كانوا أحد عشر ألفاً، وقيل اثني عشر ألفاً، وقيل ستة عشر ألفاً، والكفار أربعة آلاف، قاله السيوطي، والذي في شرح المواهب أنهم كانوا أكثر من عشرين ألفاً، وقتل من المسلمين أربعة ومن المشركين أكثر من سبعين انتهى. وبالجملة قال بعضهم لن نُغلب اليوم من قلة فوكلوا إلى هذه الكلمة (فلم تغن) أي لم تدفع الكثرة (عنكم شيئاً) بل انهزمتم وثبت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وثبت معه طائفة يسيرة منهم عمه العباس، وكان آخذاً بلجام البغلة، وأبو سفيان آخذ بركابه وهو ابن عمه إذ هو ابن الحرث ابن عبد المطلب وقد أسلم هو والعباس يوم الفتح، ثم تراجع المسلمون فكان النصر والظفر. وفي سيرة الشامي أن الذين ثبتوا معه في حنين مائة وثلاثة وثلاثون من المهاجرين، وسبعة وستون من الأنصار، والإغناء إعطاء ما يدفع الحاجة أي لم يعطكم الكثرة شيئاً يدفع حاجتكم ولم تفدكم. (وضاقت عليكم الأرض بما رحبت) الرحب بضم الراء السعة، والرحب بفتحها المكان الواسع والباء بمعنى مع، وما مصدرية والمعنى أن الأرض مع كونها واسعة الأطراف ضاقت عليهم بسبب ما حل بهم من الخوف والوجل، وقيل إن الباء بمعنى على أي على رحبها. (ثم وليتم) أي انهزمتم حال كونكم (مدبرين) أي مولين أدباركم جاعلين لها إلى جهة عدوكم. أخرج ابن المنذر عن الحسن قال: لا اجتمع أهل مكة وأهل المدينة قالوا: الآن نقاتل حين اجتمعنا، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم، فالتقوا فهزموا حتى ما يقوم أحد منهم على أحد، حتى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي أحياء العرب: إليّ فوالله ما يعرج عليه أحد حتى أعرى موضعه، فالتفت إلى الأنصار وهم ناحية فناداهم: يا أنصار الله وأنصار رسوله إليَّ عباد الله أنا رسول الله، فجثوا يبكون وقالوا: يا رسول الله ورب الكعبة إليك والله فنكسوا، رؤوسهم يبكون وقدموا أسيافهم يضربون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى فتح الله عليهم. وقيل ناداهم العباس بإذنه، وكان صيتاً يسمع صوته من نحو ثمانية أميال، فقاتلوا، ووقعة حنين مذكورة في كتب السير والحديث بطولها وتفاصيلها فلا نطول بذلك.

التوبة 9:26

(ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) أي أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين بعد أن ولوا مدبرين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت لم يفر، والمراد بالمؤمنين هم الذين لم ينهزموا وقيل الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا. (وأنزل جنوداً لم تروها) هم الملائكة، واختلف في عددهم على أقوال، قيل كانوا خمسة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، وقيل ستة عشر ألفاً، وقيل غير ذلك، وهذا لا يعرف إلا من طريق النبوة. واختلفوا أيضاً هل قاتلت الملائكة في هذا اليوم أم لا، وقد تقدم أن الملائكة لم تقاتل إلا يوم بدر وأنهم إنما حضروا في غير يوم بدر لتقوية قلوب المؤمنين وإدخال الرعب في قلوب المشركين وإن كانوا لا يرونهم، وقيل أن الكفار كانت تراهم. عن جبير بن مطعم قال: رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد [[بجاد بالكسر كليم مخطط. إهـ صراح.]] الأسود أقبل من السماء حتى سقط بين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي لم أشك أنها الملائكة، ولم تكن إلا هزيمة للقوم. وأخرج الطبراني والحاكم وصححه وأبو نعيم والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين والأنصار، فكنا على أقدامنا نحواً من ثمانين قدماً، ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل عليهم السكينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء يمضي قدماً فقال: ناولني كفاً من تراب فناولته فضرب به وجوههم فامتلأت أعينهم تراباً وولى المشركون أدبارهم [[المستدرك كتاب الجهاد 2/ 117.]]. (وعذب الذين كفروا) بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، وقال السدي: قتلهم بالسيف، قيل أسر ستة آلاف من نسائهم وصبيانهم، ولم تقع غنيمة أعظم من غنيمتهم فقد كان فيها من الإبل اثنا عشر ألفاً ومن الغنم ما لا يحمى عداً ومن الأسرى ما سمعته وكان فيها غير ذلك. (وذلك) التعذيب المفهوم من عذب (جزاء الكافرين) سمي ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف، بل لا بد من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم وتعظيماً له. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

التوبة 9:27

(ثم يتوب الله من بعد ذلك) التعذيب (على من يشاء) ممن هداه منهم إلى الإسلام (والله غفور) يغفر لمن أذنب فتاب (رحيم) بعباده متفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه.

التوبة 9:28

(يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس) أي ذوو نجاسة لأن معهم الشرك الذي هو بمنزلة النجس، والنجس مصدر لا يثنى ولا يجمع، يقال رجل نجس، وامرأة نجس، ورجلان نجس، وامرأتان نجدس، ورجال نجس، ونساء نجس، ويقال نجس ونجس بكسر الجيم وضمها، ويقال نجس بكسر النون وسكون الجيم وهو تخفيف من المحرك، قيل لا يستعمل إلا إذا قيل معه رجس، وقيل ذلك أكثري لا كلي. والمشركون مبتدأ وخبره المصدر، وصفهم بذلك حتى كأنهم عين النجاسة والقذر لخبث باطنهم مبالغة في وصفهم بها. قال ابن عباس؛ أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير، وقال قتادة ومعمر وغيرهما: إنهم وصفوا بذلك لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات فهي ملابسة لهم، قيل أراد بالمشركين عبدة الأصنام دون غيرهم من أصناف الكفار، وقيل بل جميع أصنافهم من اليهود والنصارى وغيرهم. وقد استدل بالآية من قال بأن المشرك نجس الذات كما ذهب إليه بعض الظاهرية وروي عن الحسن البصري وهو محكي عن ابن عباس، وقال الحسن ابن صالح: من مس مشركاً فليتوضأ، ويروى هذا عن الزيدية، وذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم أهل المذاهب الأربعة إلى أن الكافر ليس بنجس الذات لأن الله سبحانه أحل طعامهم، وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك من فعله وقوله ما يفيد عدم نجاسة ذواتهم، فأكل في آنيتهم وشرب منها وتوضأ فيها وأنزلهم في مسجده وهو الحق، وعن جابر بن عبد الله في هذه الآية قال: إلا أن يكون عبداً أو أحداً من أهل الذمة. (فلا يقربوا المسجد الحرام) الفاء للتفريع فعدم قربانهم للمسجد الحرام متفرع على نجاستهم، وإنما نهوا عن الاقتراب للمبالغة في المنع من دخول الحرم، ونهي المشركين أن يقربوا راجع إلى نهي المسلمين عن تمكينهم من ذلك، قاله أبو السعود فهو من باب قولهم لا أرينك هاهنا، والمراد بالمسجد الحرام جميع الحرم، روي ذلك عن عطاء فيمنعون عنده من جميع الحرم، ويؤيد هذا قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام) أراد به الحرم لأنه أسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيت أم هانئ. وذهب غيره من أهل العلم إلى أن المراد المسجد الحرام نفسه فلا يمنع المشرك من دخول سائر الحرم، وقد اختلف أهل العلم في دخول المشرك غير المسجد الحرام من المساجد، فذهب أهل المدينة إلى منع كل مشرك عن كل مسجد، وقال الشافعي: الآية عامة في سائر المشركين خاصة في المسجد الحرام فلا يمنعون من دخول غيره من المساجد. قال ابن العربي وهذا جمود منه على الظاهر لأن قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) تنبيه على العلة بالشرك والنجاسة، ويجاب عنه بأن هذا القياس مردود يربطه صلى الله عليه وسلم لثمامة بن أثال في مسجده وإنزال وفد ثقيف فيه. وروي عن أبي حنيفة مثل قول الشافعي، وزاد أنه يجوز دخول الذمي سائر المساجد من غير حاجة، وقيده الشافعي بالحاجة، وقال قتادة أنه يجوز ذلك للذمي دون المشرك. والحاصل أن بلاد الإسلام في حق الكفار ثلاثة أنواع (أحدها) الحرم فلا يجوز لكافر أن يدخله بحال، ذمياً كان أو مستأمناً لظاهر هذه الآية، وبه قال الشافعي وأحمد ومالك: وإذا جاء رسول من دار الكفر إلى الإمام والإمام في الحرم لا يأذن له في دخول الحرم، بل يخرج إليه الإمام أو يبعث إليه من يسمع رسالته خارج الحرم. والثاني الحجاز وحَّده ما بين يمامة واليمن ونجد والمدينة الشريفة، قيل نصفها تهامي ونصفها حجازي، وقيل كلها حجازي، وقال ابن الكلبى: حد الحجاز ما بين جبل طي وطريق العراق. قال الحربي: وتبوك من الحجاز فيجوز للكفار دخول أرض الحجاز بالإذن ولكن لا يقيمون فيها أكثر من مقام المسافر وهو ثلاثة أيام لأحاديث صحيحة في هذا الباب. منها ما روي عن عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلماً "، وأجلاهم عمر في خلافته وأجل لمن قدم منهم تاجراً ثلاثة، وجزيرة العرب من أقصى عدن إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام. والثالث سائر بلاد الإسلام فيجوز للكافر أن يقيم فيها بعهد أو أمان وذمة لكن لا يدخلون المساجد إلا بإذن مسلم لحاجة. (بعد عامهم هذا) فيه قولان (أحدهما) أنه سنة تسع وهي التي حج فيها أبو بكر على الموسم وهو عام نزول السورة (الثاني) أنه سنة عشر، قاله قتادة. قال ابن العربي: وهو الصحيح الذي يعطيه مقتضى اللفظ. وإن من العجب أن يقال أنه سنة تسع وهو العام الذي وقع فيه الأذان، ولو دخل غلام رجل داره يوماً فقال له مولاه: لا تدخل هذه الدار بعد يومك لم يكن المراد اليوم الذي دخل فيه اهـ. ويجاب عنه بأن الذي يعطيه مقتضى اللفظ هو خلاف ما زعمه، فإن الإشارة بقوله: بعد عامهم هذا إلى العام المذكور قبل اسم الإشارة وهو عام النداء، وهكذا في المثال الذي ذكره، المراد النهي عن دخولها بعد يوم الدخول الذي وقع فيه الخطاب، والأمر طاهر لا يخفى، ولعله أراد تفسير (بعد) المضاف إلى عامهم ولا شك أنه عام عشر. وأما تفسير العام المشار إليه بهذا فلا شك ولا ريب أنه عام تسع، وعلى هذا يحمل قول قتادة، وقذ استدل من قال بأنه يجوز للمشركين دخول المسجد الحرام وغيره من المساجد بهذا القيد، أعني قوله: (بعد عامهم هذا) قائلاً: إن النهي مختص بوقت الحج والعمرة، فهم ممنوعون عن الحج والعمرة فقط، لا عن مطلق الدخول، ويجاب عنه بأن ظاهر النهي عن القربان بعد هذا العام يفيد المنع من القربان في كل وقت من الأوقات الكائنة بعده، وتخصيص بعضها بالجواز يحتاج إلى نحصص. (وإن خفتم عيلة) بالفتح الفقر، يقال عال الرجل يعيل إذا افتقر، وقرأ علقمة وغيره عائلة، وهو مصدر كالقائلة، والعافية والعاقبة، وقيل معناه خصلة شاقة، يقال عالني الأمر يعولني أي شق عليّ واشتد. وحكى ابن جرير الطبري أنه يقال عال يعول إذا افتقر، وعيال الرجل من يعولهم، وواحد العيال عيل كجيد والجمع عيائل كجيائد، وأعال الرجل كثرت عياله فهو معيل، والمرأة معيلة قال الأخفش: أي صار ذا عيال. وكأن المسلمون لما منعوا المشركين من الموسم وهم كانوا يجلبون إليه الأطعمة والتجارات قذف في قلوبهم الشيطان الخوف من الفقر بانقطاع تجارتهم عنهم وقالوا من أين نعيش، فوعدهم الله أن يغنيهم وقال: (فسوف يغنيكم الله من فضله) قال الضحاك: ففتح الله عليهم باب الحرب من أهل الذمة بقوله: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) الآية. وقال عكرمة: أغناهم بإدرار المطر والنبات وخصب الأرض وأسلمت العرب فحملوا إلى مكة ما أغناهم الله به، وقيل أغناهم بالفيء، قال مقاتل: أسلم أهل جدة وصنعاء وجرش من اليمن وجلبوا الميرة الكثيرة إلى مكة فكفاهم الله ما كانوا يخافون، وقال الضحاك وقتادة عوضهم الله منها الجزية فأغناهم بها. (إن شاء) فائدة التقييد بالمشيئة التعليم للعباد بأن يقولوا ذلك في كل ما يتكلمون به مما له تعلق بالزمن المستقبل، ولئلا يفتروا عن الدعاء والتضرع ويعلموا أن الغنى الموعود به يكون لبعض دون بعض، وفي عام دون عام (إن الله عليم) بأحوالكم (حكيم) في إعطائه ومنعه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ

التوبة 9:29

(قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله) فيه الأمر بقتال من جمع بين هذه الأوصاف الآتية، ولما فرغ من الكلام على مشركي العرب بقوله: (براءة من الله) إلى هنا أخذ يتكلم على أهل الكتابين وهو نص في أن أهل الكتاب لا يؤمنون بالله تعالى فاليهود كفروا لأنهم ما قدروا الله حق قدره ولا عرفوه بصفات كماله، وفرقوا بين الإيمان بالله ورسوله، وغلوا في عزير فقالوا هو ابن الله، والنصارى كفروا لأنهم غلوا في المسيح وقالوا هو ثالث ثلاثة. قال مجاهد: نزلت هذه الآية حين أمر محمد وأصحابه بقتال الروم فغزا بعد نزولها غزوة تبوك، وقال الكلبي: نزلت في قريظة والنضير من اليهود فصالحهم فكانت أول جزية أصابها أهل الإسلام وأول ذل أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين. (و) نص الله تعالى في الآية بأنهم (لا) يؤمنون (باليوم الآخر) فإن قلت إنهم قد قالوا لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى وإثبات الجنة والنار فرع إثبات اليوم الآخر. قلت: لما كان إثباتهم إياه بغير صفاته ودعوى كاذبة بأنهم أهل الجنة لا غير وأنهم يعذبون أياماً معينة، كان إثباته بهذه الصفة نفياً له فإنه إيمان باطل، وإلا لآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقيل أنهم يعتقدون بعثة الأرواح دون الأجسام ويعتقدون أن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون، ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن. (ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله) مما ثبت في كتبهم بأن الله حرم الشحوم فأذابوها وباعوها وأكلوا أثمانها وحرم عليهم أشياء كثيرة فأحلوها، قال سعيد ابن جبير في الآية: يعني الذين لا يصدقون بتوحيد الله وما حرم الله من الخمر والخنزير، وقيل معناه لا يحرمون ما حرم الله في القرآن ولا ما حرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في السنة، والأول أولى وقيل لا يعلمون بما في التوراة والإنجيل بل حرفوهما وأتوا بأحكام من قبل أنفسهم وقلدوا أحبارهم ورهبانهم واتخذوهم أرباباً من دون الله. (ولا يدينون دين الحق) أي دين الإسلام الثابت الناسخ لسائر الأديان وقيل دين أهل الحق وهم المسلمون، وقيل دين الله، والمعنى واحد وفيه أن دينهم بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - قد صار ديناً باطلاً. ثم أنه تعالى لما وصل إليهم بهذه الصلات الأربع بينهم بقوله: (من الذين أوتوا الكتاب) فكلمة من بيانية كما في قوله تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) وإنما أبهم أولاً ثم بين ثانياً زيادة في تمكن العلم في قلب السامع فيعلم المأمور به علمين، علماً إجمالياً ثم علماً تفصيلياً فيكون زيادة في تمكن الخبر عنده، ولما في ذلك من تشويق النفس إلى البيان بعد الإبهام. فهذا بيان لاسم المبهم الموصول مع ما في حيزه وهم اليهود والنصارى أهل التوراة والإنجيل بالاتفاق، ويدل له قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل) فإذا أتى لفظ أهل الكتاب فالمراد به الفريقان وإذا قيل بنو إسرائيل فالمراد بهم اليهود وإذا قيل النصارى فهم الذين أنزل إليهم الإنجيل، والمجوس ليسوا من أهل الكتاب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أخرجه البخاري من حديث عبد الرحمن بن عوف. ويدل له أيض قوله تعالى: (أن يقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا) وهذا صريح في أنهم ليسوا منهم. قال أبو الوفاء بن عقيل في الآية: أن قوله قاتلوا أمر بالعقوبة ثم قال (لا يؤمنون بالله) فبين الذنب الذي يوجب العقوبة ثم قال: (واليوم الأخر) فأكد الذنب الذي في جانب الاعتقاد ثم قال: (ولا يحرمون) وفيه زيادة للذنب في مخالفة الأعمال ثم قال: (ولا يدينون) وفيه إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأنفة عن الاستسلام ثم قال: (من الذين أوتوا الكتاب) تأكيداً للحجة عليهم لأنهم كانوا يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل ثم قال: (حتى يعطوا الجزية) فبين الغاية التي تمتد إليها العقوبة أهـ. والجزية وزنها فعلة من جزى يجزي إذا كافى عما أسدي إليه وكأنهم أعطوها جزاء عما منحوا من الأمن، وقيل سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه، وهي في الشرع ما يعطيه المعاهد على عهده وهو الخراج المضروب على رقابهم كل عام إذلالاً وصغاراً. قال أحمد بن تيمية رحمه الله: والأول أصح وهذا يرجع إلى أنها عقوبة أو أجرة فهي غاية للقتال، والمراد بإعطائها التزامها بالعقد وإن لم يجيء وقت دفعها (عن يد) في موضع النصب على الحال أي يعطوها أذلاء مقهورين عن يد متوانية غير ممتنعة، هذا إن أريد به المعطي، وإن أريد به الآخذ فالمراد عن يد قاهرة مستولية وقيل معناه يعطونها بأيديهم غير مستنيبين فيها أحداً، وقيل المعنى نقداً غير نسيئة، وقيل عن إنعام منكم عليهم لأن أخذها منهم نوع من أنواع الإنعام عليهم، قاله في الكشاف، وقيل معناه مذمومون. وفي زاده " اليد " قد تجعل كناية عن الانقياد أعطى فلان بيده إذا أسلم وانقاد لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد كأنه قيل قاتلهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد، دون أن يكرهوا عليه فإذا احتيج في أخذها منهم إلى الإكراه لا يبقى عقد الذمة أهـ. وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي وأبو ثور إلى أنها لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب، وقال الأوزاعي ومالك: إن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الكفرة كائناً من كان ويدخل في أهل الكتاب على القول الأول المجوس، قال ابن المنذر لا أعلم خلافاً في أن الجزية تؤخذ منهم. قال علي بن أبي طالب: أنا أعلم الناس بالمجوس كان لهم علم يعلمونه وكتاب يدرسونه. الحديث ولكن ضعفه جماعة من الحفاظ كما قاله ابن القيم، ويدل له ما في البخاري أن عمر توقف في أخذ الجزية من المجوس. حتى شهد عنده عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخذها من مجوس هجر. وفي الصحيحين من حديث عمرو بن عوف الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها وكان هو - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل البحرين وأمرّ عليهم العلاء بن الحضرمي. وذكر أبو عبيدة في كتاب الأموال عن الزهري قال: قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوساً، فالجزية تؤخذ من هذه الطوائف الثلاث اتفاقاً، فاليهود والنصارى تؤخذ منهم بنص القرآن، والمجوس تأخذ منهم بنص السنة لقوله صلى الله عليه وسلم: " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أخرجه البخاري. ثم اختلف أهل العلم في مقدار الجزية فقال عطاء: لا مقدار لها، وإنما تؤخذ على ما صولحوا عليه، وبه قال يحى بن آدم وأبو عبيد وابن جرير إلا أنه قال: أقلها دينار وأكثرها لا حد له، وقال الشافعي: دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين لا ينقص منه شيء، وبه قال أبو ثور، وقال الشافعي: وإن صولحوا على أكثر من دينار جاز، وإذا زادوا وطابت بذلك أنفسهم قبل منهم. وقال مالك: إنها أربعة دنانير على أهل الذهب وأربعون درهماً على أهل الورق الغني والفقير سواء ولو كان مجوسياً لا تزيد ولا تنقص، وقال أبو حنيفة وأصحابه ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: اثنا عشر وأربعة وعشرون وثمانية وأربعون ولا تجب على صبي ولا مجنون ولا امرأة، وهو اتفاق. وفي كتابه صلى الله عليه وسلم لمعاذ إلى أهل اليمن أنه يأخذ من كل حالم ديناراً فخص الحالم دون المرأة والصبي، وقد روي في ذلك حالمة، قال الأئمة من المحدثين: أن هذه الزيادة غير محفوظة، ولأن عمر بن الخطاب لما فتح الأمصار لم يأخذ الجزية إلا من الرجال دون النساء وأقره الصحابة واستمروا علية. وقال أبو محمد بن حزم رحمه الله: تلزم الجزية الأنثى لقوله تعالى: (حتى يعطوا الجزية) ولا شك أن الدين لازم النساء كلزومه للرجال، ولم يأت نص بالفرق بينهما في الجزية، ثم ساق حديث معاذ بلفظ حالم وحالمة، وأسنده إلى ابن جريج وساق حديثاً مرسلاً مثله، ولا يخفى ضعف ما ذهب إليه. وأما العبد فإن كان سيده مسلماً فلا جزية عليه بالاتفاق، ومن اليهود السامرية وأنهم فرق كثيرة وقد فتح الصحابة الأمصار وأقروهم على تسليم الجزية وكذلك الأئمة والخلفاء بعدهم. وأما الصابئة فقال ابن القيم: إنهم أمة كثيرة وأكثرهم فلاسفة ولهم مقالات مشهورة، ثم ذكر أنها تؤخذ منهم الجزية فإنهم أحسن حالاً من المجوس، فأخذها من المجوس تنبيه على أخذها من الصابئة بالطريق الأولى، فإن المجوس من أخبث الأمم ديناً ومذهباً، ثم ساق مذاهبهم. وأما بنو تغلب وهم فرقة انتقلوا في الجاهلية إلى النصرانية فهم من النصارى كانت لها شوكة وقوة، وجاء الإسلام وهم كذلك وأنفوا من الجزية فضوعفت عليهم الصدقة عوضاً عن الجزية، فهذه الطوائف التي تؤخذ منها الجزية أو ما صولحوا عليه. ويهود خيبر وغيرهم داخلون في عموم الآية، ولم يأت لهم مخصص، وإنما لم يأخذها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يهود المدينة ولا من يهود خيبر لأنه أجلى يهود المدينة، وقاتل من قاتل منهم قبل نزولها، وأما أهل خيبر فإنه صالحهم قبل نزول فريضة الجزية ولم ينزل فرضها إلا في التاسعة من الهجرة. واختلف الناس في أخذ الجزية ممن عدا من ذكرناه بعد الاتفاق على أخذها من أهل الكتابين والمجوس، فقالت الحنفية: تؤخذ أيضاً من عبدة الأوثان من العجم، ولا تؤخذ من عبدة الأوثان من العرب، واستدلوا بالحديث الذي أخرجه أحمد والترمذي عن ابن عباس مرفوعاً قال: " أريد منهم كلمة تدين لهم بها العرب وتؤدي الجزية بها إليهم العجم " [[الإمام أحمد 1/ 227.]] وذهب مالك وأبو يوسف إلى أنها تقبل الجزية من العربي الوثني مستدلين بحديث بريدة الذي أخرجه مسلم، وهو حديث طويل شريف فيه وصايا لأمراء السرايا، وفيه " إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال وفيه: فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم " فدل على أن الجزية تؤخذ من كل كافر [[مسلم 1731.]]. هذا ظاهر الحديث ولم يستثن منهم كافراً دون كافر، ولا يقال هذا خاص بأهل الكتاب فإن اللفظ يأبى اختصاصه بهم، وأيضاً سرايا رسول الله لمجيمّ وجيوشه أكثر ما كانت تقاتل عبدة الأوثان من العرب، فيؤخذ من عموم الكفار بالسنة، ومن أهل الكتاب بالقرآن، وقد أخذها صلى الله عليه وسلم من المجوس عباد النار. ولا فرق بينهم وبين عباد الأوثان. فإن قيل إنه لم يأخذها من أحد من عباد الأوثان مع كثرة قتاله لهم، قلنا آية الجزية إنما نزلت عام تبوك في التاسعة بعد إسلام من كان في جزيرة العرب، ولم يبق بها أحد من عبَّاد الأوثان. قال الحافظ بن القيم: والمسألة مبنية على حرف واحد، وهو أن الجزية هل وضعت عاصمة للدم أو مظهرة لصغار الكفر وإذلال أهله، والثاني راجح، وقد جاز استرقاق العربي الوثني، فإنه صح ذلك بلا مرية، ويبقى على كفره، والمقصود أنه لا فرق بين الكفار في أخذ الجزية والاسترقاق، وأطال في هذا واختاره. وأما تقدير الجزية كما تقدم فيرد على الجميع أنه صلى الله عليه وسلم أمر معاذاً يقبض ديناراً من كل حالم، وجعله صنفاً واحداً لا ثلاثة أصناف، وأول من جعلهم ثلاثة عمر بن الخطاب. وقد اختلف الجواب عن حديث. معاذ. ثم اعلم أنه لا يتعين في الجزية ذهب ولا فضة بل يجوز أخذها مما تيسر من أموالهم من ثياب وسلاح يعملونه وحديد ونحاس ومواش وحبوب وغير ذلك وهذا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه أخرج أحمد بسند جيد عن معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدله معافرياً [[الإمام أحمد 5/ 247.]]، ورواه أهل السنن وقال الترمذي حسن. وكذلك أهل نجران لم يأخذ في جزيتهم ذهباً ولا فضة، انما أخذ الحلل والسلاح. وإذا عرف هذا فقد تبين أن الجزية غير مقدرة بالشرع تقديراً لا يقبل الزيادة والنقصان، ولا معينة في جنس من الأجناس. وأما وقت قبض الجزية فإنها تجب في آخر الحول ولا يطالبون بها قبل ذلك وبه قال أحمد والشافعي. وقال أبو حنيفة: تجب بأول الحول ويؤخذ منه كل شهر بقسطه، وقال غيرهم وهم الأكثرون: أنه صلى الله عليه وسلم لما ضرب الجزية على أهل الكتاب والمجوس لم يطالبهم بها حين ضربها، ولا ألزمهم بأدائها في الحال وقت نزول الآية بل صالحهم عليها، وكان يبعث رسله وسعاته فيأتون بالجزية والصدقة عند محلها، واستمرت على ذلك سيرة خلفائه من بعده. قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: وهذا مقتضى قواعد الشريعة وأصولها، فإن الأموال التي تتكرر بتكرر الأعوام إنما تجب في آخر العام لا في أوله. وأما قوله: (حتى يعطوا الجزية) فليس المراد به العطاء الأول بل العطاء المستمر المتكرر. وهذه كانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم. وقال أصحاب الشافعي: تجب بأول السنة دفعة واحدة، ولكن يستقر جزء بعد جزء، وقال بعضهم: إنما يدخل وقت وجوبها عند انقضاء السنة، وتسقط الجزية بالإسلام ولو اجتمعت عليه جزية سنين، فقد قال صلى الله عليه وسلم: " ليس على مسلم جزية " [[الترمذي، كتاب الزكاة، باب 11.]]. (وهم صاغرون) أي يعطي الذمي الجزية حال كونه صاغراً والصغار الذل واختلف العلماء في المراد من الصغار فقال عكرمة أن يدفعها وهو قائم، والآخذ جالس، وقيل أن يأتي بها بنفسه ماشياً لا راكباً، ويطال وقوفه عند إتيانه بها ويجر إلى الموضع الذي فيه الآخذ ثم تجر يده ويمتهن. وفي الكشاف أنه يتلتل تلتلة ويؤخذ بتلابيبه ويقال له أد الجزية وإن كان يؤديها ويزج في قفاه انتهى. وقال ابن عباس: يمشون بها متلتلين، وعنه قال: يلكزون، وقال الكلبى: إذا أعطى يصفع قفاه، وقيل هو أن يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمتيه، ويقال له: أد حق الله يا عدو الله وقال سلمان: معنى صاغرين غير محمودين وقيل غير ذلك مما لم يدل عليه دليل. قال الحافظ ابن القيم رحمه الله: وهذا كله مما لا دليل عليه ولا هو مقتضى الآية، ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، قال: والصواب في الآية أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله تعالى عليهم وإعطاء الجزية، فإن ذلك هو الصغار، وبه قال الشافعي. قلت: ومن الصغار ما أخذه عمر رضي الله عنه في العهد العمري وهو ما أخرجه عبد الله بن أحمد عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتبت لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه. أن لا يحدثوا في مدينتهم ولا فيما حولها ديراً ولا كنيسة ولا قلابة ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب، ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونه، ولا يؤووا جاسوساً ولا يكتموا غشاً للمسلمين، ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركاً ولا يمنعوا ذوي قراباتهم الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس، ولا يتشبهوا بالمسلمين في شيء من لباسهم، ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجاً ولا يتقلدوا سيفاً ولا يبيعوا الخمور، وإن يخروا مقادم راويتهم وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا، وأن يشدوا على أوساطهم ولا يظهروا صليباً ولا شيئاً من كتبهم في شيء من طرفي المسلمين، ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضرباً خفيفاً ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة في كنائسهم في شيء من حضرة المسلمين، ولا يخرجوا شعابين ولا يرفعوا مع موتاهم أصواتهم ولا يظهروا النيران معهم، ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين، فإن خالفوا في شيء مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين ما يحل من ذوي المعاندة والشقاق. قال الحافظ ابن القيم: وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها، فإن الأئمة تلقوها بالقبول، وذكروها في كتبهم واحتجوا بها، ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها. انتهى. قلت: الدير للنصارى خاصة يبنونه للرهبان خارج البلد يجتمعون فيه للرهبانية وينفردون عن الناس، وأما القلابة بقاف مكسورة وباء موحدة فيبنيها رهبانهم مرتفعة كالمنارة والفرق بينها وبين الدير أن الدير يجتمعون فيه، والقلابة لا تكون إلا لواحد ينفرد بها بنفسه ولا يكون لها باب بل فيها طاقة يتناول منها شرابه وطعامه وما يحتاج إليه، وأما الصومعة فهي كالقلابة تكون للراهب وحده، والبيع جمع بيعة وهي متعبد النصارى. وعن ابن عباس: أنها مساجد اليهود، والكنائس جمع كنيسة وهي لأهل الكتابين. ثم اعلم أنه لا يحل تكليفهم بما لا يقدرون عليه ولا حبسهم ولا تعذيبهم على أداء الجزية ولا ضربهم لما أخرج أبو عبيد أن هشام بن حكيم مر على قوم يعذبون في الجزية بفلسطين فقال هشام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " إن الله يعذب يوم القيامة الذين يعذبون الناس في الدنيا " [[مسلم، 2613.]]، وعن عياض بن غنم مثله رواه الزهري عن عروة بن الزبير. وقد أخرج عن جبير بن نفير عن أبيه أنه أتى عمر بن الخطاب بمال كثير أحسبه قال: الجزية فقال: إني لأظنكم قد أهلكتم الناس، قالوا: لا والله ما أخذنا إلا عفواً، قال: بلا سوط ولا نوط قالوا: نعم، قال: الحمد لله الذي لم يجعل ذلك على يدي ولا في سلطاني. وعن علي بن أبي طالب أنه استعمل رجلاً على عكبرى فقال له: لا تبيعن لهم في خراجهم حماراً ولا بقرة ولا كسوة شيئاً ولا صنفاً وارفق بهم، وكان رضي الله عنه يأخذ من صاحب الإبر إبراً، ومن صاحب الحبال حبالاً ونحوه من الأمتعة. قال أبو عبيد إنما كان يأخذ منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم التي كانت عليهم من جزية رؤوسهم، ولا يحملهم على بيعها إرادة الرفق بهم والتخفيف عليهم ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذاً بأخذ معافر عدلاً عن الدينار، وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل الذمة لا يباع عليهم من متاعهم شيء، ولكن يؤخذ مما سهل عليهم في القيمة، والكلام في الجزية مقرر في مواطنه، والحق أن هذه الأقوال ما قد قرره الشوكاني في شرحه للمنتقى وفي غيره من مؤلفاته، وفي الباب كتاب إفادة الأمة في أحكام أهل الذمة للسيد محمد بن إسماعيل الأمير اليمني وهو حافل جداً. وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ

التوبة 9:30

(وقالت اليهود عزير ابن الله) كلام مبتدأ لبيان شرك أهل الكتابين، وظاهر الآية أن هذه المقالة لجميعهم، وقيل هو لفظ خرج على العموم ومعناه الخصوص، لأنه لم يقل ذلك إلا البعض منهم أو من متقدميهم أو ممن كانوا بالمدينة، وقال النقاش: لم يبق يهودي يقولها بل قد انقرضوا، وقيل أنه قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم جماعة منهم، فنزلت الآية متضمنة لحكاية ذلك عن اليهود لأن قول بعضهم لازم لجميعهم. وقوله: (عزير) بتنوين الصرف وتركه قراءتان سبعيتان فالأولى بناء على أنه عربي وليس فيه إلا علة والثانية بناء على أنه أعجمي ففيه العلتان، وعلى كل هو مبتدأ وابن الله خبر، فلذلك ثبتت الألف في ابن لأنها لا تحذف منه إلا إن كان صفة (وقالت النصارى المسيح ابن الله) قالوا: هذا لما رأوا من إحيائه للموتى مع كونه من غير أب فكان ذلك سبباً لهذه المقالة، والأولى أن يقال أنهم قالوا هذه المقالة لكون وصفه في الإنجيل تارة بابن الله وتارة بابن الإنسان كما رأينا ذلك في مواضع متعددة من الإنجيل، ولم يفهموا أن ذلك لقصد التشريف والتكريم أو لم يظهر لهم أن ذلك من تحريف سلفهم لغرض من الأغراض الفاسدة. قال الرازي: والأقرب عندي أن يقال لعله ذكر لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف، فبالغوا وفسروا لفظ الإبن بالبنوة الحقيقية، والجهال قبلوا ذلك منهم، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام. (ذلك قولهم) الإشارة إلى ما صدر عنهم من هذه المقالة الباطلة، ووجه قوله (بأفواههم) مع العلم بأن القول لا يكون إلا بالفم، بأن هذا القول لما كان ساذجاً ليس فيه بيان ولا عضده برهان كان مجرد دعوى لا معنى تحتها فارغة صادرة عنهم صدور المهملات التي ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه غير مفيدة لفائدة يعتد بها. وقيل لأن إثبات الولد له مع أنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل ليس له تأثير في العقل، وقيل أن ذكر الأفواه لقصد التأكيد كما في (كتبت بيدي) ومشيت برجلي، ومنه قوله تعالى: (يكتبون الكتاب بأيديهم) وقوله: (ولا طائر يطير بجناحيه). وقال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه لم يذكر قولاً مقروناً بذكر الأفواه والألسن إلا وكان قولاً زوراً كقوله: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) وقوله: (كبرت كلمة تخرج من أفواههم) وقوله: (يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم). (يضاهئون قول الذين كفروا من قبل) المضاهاة المشابهة قيل ومنه قول العرب امرأة ضهيأ وهي التي لا تحيض لأنها شابهت الرجال، قال أبو علي الفارسي: هذا خطأ لأن الهمزة في ضاهأ أصلية وفي ضهيأ زائدة كحمراء وأصله يضاهئون، وقيل فيه لغتان ضاهأت وضاهيت، والأولى لغة ثقيف، قال الحسن: يوافقون، وقال مجاهد: يواطئون. ومعنى مضاهاتهم لقولهم فيه أقوال لأهل العلم. الأول: أنهم شابهوا بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم اللات والعزى ومناة بنات الله. الثاني: شابهوا قول من يقول من الكافرين أن الملائكة بنات الله. الثالث: أنهم شابهوا أسلافهم القائلين بأن عزيراً ابن الله والمسيح ابن الله. (قاتلهم الله) دعاء عليهم بالهلاك لأن من قاتله الله هلك، وقيل هو تعجب من شناعة قولهم وقيل معناه لعنهم الله، وحكى النقاش أن أصل قاتل الله الدعاء ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه على التعجب في الخير والشر وهم لا يريدون الدعاء. (أنى يؤفكون) أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل وإقامة الحجة بأن الله واحد أحد، فجعلوا له ولداً تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

التوبة 9:31

(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) الأحبار جمع حبر، وهو الذي يحسن القول ومنه ثوب محبر، وقيل جمع حبر بكسر الحاء قال يونس: لم أسمعه إلا بكسر الحاء، وقال الفراء: الفتح والكسر لغتان، وقال ابن السكيت: الحبر بالكسر العالم، والحبر بالفتح العالم، قال الأصمعي: لا أدري أهو الحبر أو الحبر وقال أبو الهيثم: هو بالفتح وأنكر الكسر. وقيل الكسر أفصح لأنه يجمع على أفعال دون فعول، وقال أبو عبيد: هو بالفتح، وقال الليث: الحبر العالم ذمياً كان أو مسلماً بعد أن يكون من أهل الكتاب والحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر، والحبر أيضاً الأثر، وفي الحديث " يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره " قال الفراء: أي لونه وهيئته، وقال الأصمعي: الجمال والبهاء وأثر النعمة، وتحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه، والحبر بالفتح الحبور، وهو السرور وحبره أي سره وبابه نصر وحبرة أيضا بالفتح، ومنه قوله تعالى: (فهم في روضة يحبرون) أي يسرون وينعمون ويكرمون. والرهبان جمع راهب مأخوذ من الرهبة وهم علماء النصارى كما أن الأحبار علماء اليهود، وقيل الرهبان أصحاب الصوامع من النصارى، وقيل الرهبان النساك وقيل القراء، ومعنى الآية لما أطاعوهم فيما يأمرونهم به وينهونهم عنه كانوا بمنزلة المثخذين لهم أرباباً لأنهم أطاعوهم كما تطاع الأرباب. وقال الربيع: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل قال: أنهم ربما وجدوا في كتاب الله ما يخالف أقوال الأحبار والرهبان فكانوا يأخذون بأقوالهم، وما كانوا يقبلون حكم كتاب الله تعالى. قال الرازي في تفسيره: قال شيخنا رضي الله عنه: قد شاهدت جماعة من مقلدة الفقهاء قرأت عليهم آيات كثيرة من كتاب الله تعالى في بعض المسائل وكانت مذاهبهم بخلاف تلك الآيات فلم يقبلوا تلك الآيات ولم يلتفتوا إليها، وبقوا ينظرون إلي كالمتعجب، يعني كيف يمكن العمل بظواهر هذه الآيات مع أن الرواية عن سلفنا وردت على خلافها. ولو تأملت حمتى التأمل وجدت هذا الداء سارياً في عروق الأكثرين من أهل الدنيا. والقول الثاني في تفسير هذه الربوبية أن الجهال والحشوية إذا بالغوا في تعظيم شيخهم وقدوتهم فقد يميل طبعهم إلى الحلول والاتحاد، وذلك الشيخ إذا كان طالباً للدنيا بعيداً عن الدين كان يأمر أتباعه وأصحابه بأن يسجدوا له، وكان يقول لهم أنتم عبيدي فكان يلقي إليهم من حديث الحلول والاتحاد أشياء ولو خلا ببعض الحمقاء من أتباعه فربما ادعى الإلهية، فإذا كان ذلك مشاهداً في هذه الأمة فكيف يبعد ثبوته في الأمم السالفة. وحاصل الكلام أن تلك الربوبية تحتمل أن يكون المراد منها أنهم أطاعوهم فيما كانوا مخالفين فيه لحكم الله، وأن يكون المراد منها أنهم قبلوا أنواع الكفر فكفروا بالله فصار ذلك جارياً مجرى أنهم اتخذوا أرباباً من دون الله، ويحتمل أنهم أثبتوا في حقهم الحلول والاتحاد، وكل هذه الوجوه الأربعة مشاهد وواقع في هذه الأمة. انتهى. (والمسيح ابن مريم) أي اتخذه النصارى رباً معبوداً، وفيه إشارة إلى أن اليهود لم يتخذوا عزيراً رباً معبوداً، وانظر لم ثبتت الألف في ابن هنا مع أنه صفة بين علمين لأن المسيح لقب وهو من أقسام العلم. وفي هذه الآية ما يزجر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد عن التقليد في دين الله وتأثير ما يقوله الأسلاف على ما في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، فإن طاعة المتمذهب لمن يقتدى بقوله ويستن بسنته من علماء هذه الأمة مع مخالفته لما جاءت به النصوص وقامت به حجج الله وبراهينه ونطقت به كتبه وأنبياؤه. هو كاتخاذ اليهود والنصارى للأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، للقطع بأنهم لم يعبدوهم بل أطاعوهم وحرموا ما حرموا وحللوا ما حللوا، وهذا هو صنيع المقلدين من هذه الأمة وهو أشبه به من شبه البيضة بالبيضة والتمرة بالتمرة والماء بالماء. فيا عباد الله ويا أتباع محمد بن عبد الله ما بالكم تركتم الكتاب والسنة جانباً وعمدتم إلى رجال هم مثلكم في تعبد الله لهم بهما وطلبه للعمل منهم بما دلا عليه وأفاداه، فعملتم بما جاءوا به من الآراء التي لم تعمد بعماد الحق ولم تعضد بعضد الدين، ونصوص الكتاب والسنة تنادي بأبلغ نداء وتصوّت بأعلى صوت بما يخالف ذلك ويباينه فأعرتموها آذاناً صماً وقلوباً غلفاً، وأفهاماً مريضة وعقولاً مهيضة وأذهاناً كليلة وخواطر عليلة، وأنشدتم بلسان الحال: وما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد فدعوا أرشدكم الله وإياي كتباً كتبها لكم الأموات من أسلافكم واستبدلوا بها كتاب الله خالقهم وخالقكم، ومتعبدهم ومتعبدكم، ومعبودهم ومعبودكم، واستبدلوا بأقوال من تدعونهم بأئمتكم وما جاءوكم به من الرأي بأقوال إمامكم وإمامهم وقدوتهم وقدوتكم، وهو الإمام الأول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر اللهم هادي الضال مرشد التائه موضح السبيل، اهدنا إلى الحق وأرشدنا إلى الصواب وأوضح لنا منهج الهداية. (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً) أي والحال أنهم ما أمروا في الكتب القديمة المنزلة عليهم على ألسنة أنبيائهم إلا بعبادة الله وحده، أو ما أمر الذين اتخذوهم أرباباً من الأحبار والرهبان إلا بذلك فكيف يصلحون لما أهلوهم له من اتخاذهم أرباباً. (لا إله إلا هو) صفة ثانية لقوله إلهاً أو استئناف مقرر للتوحيد (سبحانه عما يشركون) أي تنزيهاً له عن الإشراك في طاعته وعبادته. وقد أخرج ابن سعد وعبد بن حميد والترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن عدي بن حاتم قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقرأ في سورة براءة (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله) فقال: " أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه " [[الترمذي تفسير سورة 9/ 10.]]، وأخرجه أيضا أحمد وابن جرير.

التوبة 9:32

(يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم) هذا كلام يتضمن ذكر نوع آخر من أنواع ضلالهم وبعدهم عن الحق، وهو ما راموه من إبطال الحق بأقاويلهم الباطلة التي هي مجرد كلمات ساذجة ومجادلات زائفة، وهذا تمثيل لحالهم في محاولة إبطال دين الحق ونبوة نبي الصدق بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم قد أنارت به الدنيا وانقشعت به الظلمة ليطفئه ويذهب أضواءه، قيل المراد بالنور شرائعه وبراهينه، وسميت الدلائل نوراً لأنه يهتدى بها إلى الصواب كما يهتدى بالنور إلى المحسوسات. وقيل المراد به الدلائل الدالة على صحة نبوته صلى الله عليه وسلم وهي أمور: أحدها: المعجزات الباهرات الخارقة للعادات. وثانيها: القرآن العظيم وهو معجزة له باقية على الأبد. وثالثها: أن دينه الذي أمر به هو دين الإسلام ليس فيه شيء سوى تعظيم الله والثناء عليه والانقياد لأمره ونهيه والتبري من كل معبود سواه: فهذه أمور نيرة ودلائل واضحة في صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وعلى صدقه، فمن أراد إبطال ذلك بكذب وتزوير فقد خاب سعيه وبطل عمله. (ويأبى الله إلا أن يتم نوره) أي دينه القويم بإعلاء كلمته، قال في الكشاف أن أبى قد أجري مجرى لم يرد أي ولا يريد إلا أن يتم نوره، وقال علي بن سليمان: إنما جاز هذا في أبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي. قال النحاس: وهذا أحسن وقال الزجاج: التقدير ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم، وقال الفراء: إنما دخلت (إلا) لأن في الكلام طرفاً من الجحد، وإنما صح الاستثناء المفرغ من الموجب لكونه بمعنى النفي، وفيه من المبالغة والدلالة على الامتناع ما ليس في نفي الإرادة، أي لا يريد شيئاً من الأشياء إلا إتمام نوره، فيندرج في المستثنى منه بقاؤه على ما كان عليه فضلاً عن الإطفاء. قاله الكرخي. (ولو كره الكافرون) أي أبى الله إلا أن يتم نوره ويعلي دينه ويظهر كلمته ويتم الحق الذي بعث الله به رسوله ولو كره ذلك الكافرون، وجواب لو محذوف لدلالة ما قبله عليه، والتقدير ولو كره الكافرون تمام نوره لأتمه ولم يبال بكراهتهم وقيل لو لم يكرهوه أو كرفوه أي على كل حال مفروضة. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ثم أكد هذا بقوله:

التوبة 9:33

(هو الذي أرسل رسوله) يعني محمداً (بالهدى) أي بما يهدي به الناس من البراهين والمعجزات والأحكام التي شرعها الله لعباده والتوحيد والإسلام والقرآن (ودين الحق) وهو دين الإسلام، وفائدة ذكره مع دخوله في الهدى قبله بيان شرفه وتعظيمه كقوله والصلاة الوسطى (ليظهره) أي ليظهر رسوله أو دين الحق بما يشتمل عليه من الحجج والبراهين. (على الدين كله) أي على سائر الأديان، وهو أن لا يعبد الله إلا به، فلا دين بخلاف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون وظهروا عليهم في بعض المواضع وإن لم يكن كذلك في جميع مواضعهم، فقهروا اليهود وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد الشام وما والاها إلى ناحية الروم والغرب، وغلبوا الجوس على ملكهم، وغلبوا عباد الأصنام على كثير من بلادهم مما يلي الترك والهند وكذلك سائر الأديان. فثبت أن الذي أخبر الله عنه في هذه الآية قد وقع وحصل، وكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً، وقد ذكرنا فتوح الإسلام في كتابنا حجج الكرامة في آثار القيامة الذي حررناه بعد هذا التفسير، وقيل ذلك عند نزول عيسى وخروج المهدي فلا يبقى أهل دين إلا دخلوا في الإسلام، ويدل له بعض الأحاديث، فمنها حديث أبي هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " وتهلك في زمانه الملل كلها إلا الإسلام " [[أبو داوود كتاب الملاحم باب 14.]]. وقال الشافعي: قد أظهر الله دين رسوله على الأديان كلها بأن أبان لكل من سمعه أنه الحق وما خالفه من الأديان باطل، وقيل قهر رسول الله صلى الله عليه وسلم الأميين حتى دانوا بالإسلام طوعاً وكرهاً، وقتل أهل الأصنام وسبى حتى دان بعضهم بالإسلام، وأعطى بعضهم الجزية وجرى عليهم حكمه، فهذا ظهوره على الدين كله. وقيل المراد ظهوره على الدين كله في جزيرة العزب وقد حصل ذلك، فإنه تعالى ما أبقى فيها أحداً من الكفار، وقيل المراد أن يوقفه على جميع شرائع الدين ويطلعه عليها بالكلية حتى لا يخفى عليه منها شيء، وقيل المراد ظهوره على الدين كله بالحجة والبيان، وفيه ضعف لأن هذا وعد بأنه تعالى سيفعله والتقوية بالحجة والبرهان كان حاصلاً من أول الأمور. (ولو كره المشركون) الكلام فيه كالكلام في (ولو كره الكافرون) كما قدمنا ذلك ووصفهم بالشرك بعد وصفهم بالكفر للدلالة على أنهم ضموا الكفر بالرسول إلى الكفر بالله تعالى، وهذا آخر الآيات التي أمر علي بالتأذين بها في موسم الحج.

التوبة 9:34

(يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل) لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أرباباً، ذكر حال المتبوعين وبين إغواءهم لأراذلهم، قال الضحاك: يعني علماء اليهود والنصارى. وفي قوله: (إن كثيراً) دليل على أن الأقل منهم لم يأكلوا أموال الناس بالباطل ولم يتلبسوا بذلك بل بقوا على ما يوجبه دينهم من غير تحريف ولا تبديل ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولعلهم الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عن أخذ الأموال بالأكل لأن المقصود الأعظم من جمع المال الأكل، فسمى الشيء باسم ما هو أعظم مقاصده، والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس، وذلك قوله تعالى: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله). وقيل المعنى أنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة كالرشوة في تخفيف الأحكام والمسامحة في الشرائع، وقيل أنهم كانوا يدعون عند العوام والحشرات أنه لا سبيل لأحد إلى الفوز بمرضاة الله تعالى إلا بخدمتهم وطاعتهم وبذل الأموال في طلب مرضاتهم، والعوام كانوا يغترون بتلك الأكاذيب. وقيل التوراة كانت مشتملة على آيات دالة على مبعث محمد صلى الله عليه وسلم فكانوا يذكرون في تأويلها وجوهاً فاسدة ويحملونها على محامل باطلة وكانوا يأخذون الرشوة، وقيل كانوا يقررون عند عوامهم أن الدين الحق هو الذي هم عليه، فإذا قرروا ذلك قالوا وتقوية الدين الحق واجبة، ثم قالوا ولا طريق إلى تقويته إلا إذا كان أولئك الفقهاء أصحاب الأموال الكثيرة والجمع العظيم، فبهذا الطريق يحملون العوام عَلى أن يبذلوا في خدمتهم نفوسهم وأموالهم، فهذا هو الباطل الذي كانوا به يأكلون أموال الناس. قال الرازي: وهي بأسرها حاضرة في زماننا وهو الطريق لأكثر الجهال والمزورين إلى أخذ أموال العوام والحمقى من الخلق، انتهى. ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام ومشايخه من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، قال الرازي: ولعمري من تأمل في أحوال أهل الناموس والتزوير في زماننا وجد هذه الآيات كأنها ما أنزلت إلا في شأنهم، وفي شرح أحوالهم، فترى الواحد منهم يدعي أنه لا يلتفت إلى الدنيا ولا يتعلق خاطره بجميع المخلوقات، وأنه في الطهارة والعصمة مثل الملائكة المقربين حتى إذا آل الأمر إلى الرغيف الواحد تراه يتهالك عليه ويتحمل نهاية الذل والدناءة في تحصيله انتهى، ولنعم ما قيل: عجبت من شيخي ومن زهده ... وذكره النار وأهوالها يكره أن يشرب في فضة ... ويسرق الفضة إن نالها (ويصدون عن سبيل الله) أي عن الطريق إليه وهو دين الإسلام، وعن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وعما كان حقاً في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل. (والذين يكنزون الذهب والفضة) قيل هم المتقدم ذكرهم من الأحبار والرهبان وأنهم كانوا يصنعون هذا الصنع، قاله معاوية بن أبي سفيان، وقيل هم من يفعل ذلك من المسلمين قاله ابن عباس، وقال السدي: نزلت في مانعي الزكاة من المسلمين، وقال أبو ذر: نزلت في أهل الكتاب وفي المسلمين جميعاً. والأولى حمل الآية على عموم اللفظ فهو أوسع من ذلك، وأصل الكنز في اللغة الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة، قال ابن جرير: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض بطن الأرض كان أو على ظهرها انتهى، ومنه ناقة كناز أي مكتنزة اللحم، يقال كنزت المال كنزاً من باب ضرب جمعته وادخرته، وكنزت التمر في وعائه كنزاً أيضاً وهذا زمن الكناز. قال ابن السكيت: لم يسمع إلا بالفتح، وحكى الأزهري الفتح والكسر، والكنز المال المدفون معروف تسمية بالمصدر والجمع كنوز، واكتنز الشيء اكتنازاً اجتمع وامتلأ ومال مكنوز أي مجموع. واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزاً أم لا فقال قوم: هو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز، ومن القائلين بالأول أبو ذر وقيده بما فضل عن الحاجة، وبالثاني عمر بن الخطاب وابن عمر وابن عباس وجابر وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز. أخرج أحمد في الزهد والبخاري وابن مماجة وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عمر قال: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهباً أعلم عدده وأزكيه وأعمك فيه بطاعة الله، وعن أم سلمة مرفوعاً نحوه. ولقد كان كثير من الصحابة كعبد الرحمن بن عوف وطلحة يقتنون الأموال ويتصرفون فيها وما عابهم أحد ممن أعرض عن القنية لأن الإعراض اختيار للأفضل، والاقتناء مباح لا يذم صاحبه. وعن ابن عباس: لما نزلت هذه الآية انطلق عمر واتبعه ثوبان، فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا نبي الله إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية فقال: " إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم "، الحديث مختصراً أخرجه أبو داود والحاكم وصححه والبيهقي وابن أبي شيبة وأبو يعلى وغيرهم [[المستدرك كتاب الزكاة 1/ 409.]]. وعن علي قال: أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز، وعن أبي أمامة قال: حلية السيوف من الكنوز ما أحدثكم إلا ما سمعت، وعن عراك ابن مالك وعمر بن عبد العزيز قالا نسختها الآية الأخرى (خذ من أموالهم صدقة) لآية. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا جعل له يوم القيامة صفائح ثم أحمى عليها في نار جهنم ثم تكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " [[مسلم 987.]]. (ولا ينفقونها في سبيل الله) اختلف في وجه إفراد الضمير مع كون المذكور قبله شيئين هما الذهب والفضة فقال ابن الأنباري: أنه قصد إلى الأعم الأغلب وهو الفضة، قال ومثله قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة) رد الكناية إلى الصلاة لأنها أعم، ومثله قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) أعاد الضمير إلى التجارة لأنها الأعم، وقيل أن الضمير راجع إلى الذهب، والفضة معطوفة عليه والعرب تؤنث الذهب وتذكره. وقيل الضمير راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله: (يكنزون) لأنه أعم من النقدين وغيرهما، وقيل إلى الأموال، وقيل إلى الزكاة: وقيل إنه اكتفى بضمير أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى وهو كثير في كلام العرب. وقيل أن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون اللفظ، لأن كل واحد من الذهب والفضة جملة وافية وعدة كثيرة ودنانير ودراهم، فهو كقوله: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال لكونهما أثمن الأشياء وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز. (فبشرهم بعذاب أليم) هذا من باب التهكم بهم كما في قوله: تحية نبيهم ضرب وجيع* وقيل أن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة لتأثيره في القلب سواء كان من الفرح أو من الغم، وعن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة فلما رآني قال: " هم الأخسرون ورب الكعبة " قال: فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمي من هم قال: " هم الأكثرون أموالاً إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله وقليل ما هم " الحديث مختصراً أخرجه مسلم وفرقه البخاري في موضعين [[مسلم 990 - البخاري 775.]]. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (35) إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ

التوبة 9:35

(يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) أي أن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحر شديد، ولو قال: يوم تحمى أي الكنوز لم يعط هذا المعنى، فجعل الإحماء للنار مبالغة، ويحمى يجوز أن يكون من حميت وأحميت ثلاثياً ورباعياً، يقال حميت الحديدة وأحميتها أي أوقدت عليها لتحمى، والتقدير يوم تحمى النار عليها وخص الجباه والجنوب والظهور لأن التألم بكيها أشد لما في داخلها من الأعضاء الشريفة. وقيل ليكون الكي في الجهات الأربع من قدام وخلف وعن يمين ويسار، وقيل لأن الجمال في الوجه والقوة في الظهر والجنبين والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوة، وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تكلف. (هذا ما كنزتم لأنفسكم) أي كنزتموه لتنتفعوا به هذا نفعه، ويقال لهم ذلك على طريق التهكم والتوبيخ (فذوقوا ما كنتم تكنزون) أي ذوقوا وباله وسوء عاقبته وقبح مغبته وشؤم فائدته، لأن الكنوز لا تذاق، وما بمعنى الذي، والآية عامة، وفي الباب أحاديث صحيحة توافق معنى هذه الآية لا نطول بذكرها.

التوبة 9:36

(إن عدة الشهور) هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر نوع آخر من قبائح الكفار وذلك أن الله سبحانه لما حكم في كل وقت بحكم خاص غيروا تلك الأوقات بالنسىء والكبيسة، فأخبرنا الله بما هو حكمه فقال إن عدة الشهور أي عدد الشهور المعتد بها للسنة. (عند الله) أي في حكمه وقضائه، وحكمته لا بابتداع الناس (اثنا عشر شهراً) هي المحرم وصفر وربيع الأول وربيع الآخر وجمادى الأولى وجمادى الآخرة ورجب وشعبان ورمضان وشوال وذو القعدة وذو الحجة، فهذه شهور السنة القمرية التي تدور على سير القمر في المنازل، وهي شهور العرب التي يعتد بها المسلمون في صياهم ومواقيت حجهم وأعيادهم وسائر أمورهم وأحكامهم، وأيام هذه الشهور ثلثمائة وخمسة وخمسون يوماً، والسنة الشمسية عبارة عن دور الشمس في الفلك دورة تامة وهي ثلثمائة وخمسة وستون يوم وربع يوم فتنقص السنة الهلالية عن السنة الشمسية عشرة أيام، فبسبب هذا النقصان يقع الحج والصوم تارة في الشتاء وتارة في الصيف. (في كتاب الله) أي فيما أثبته في كتابه أي القرآن لأن فيه آيات تدل على الحساب ومنازل القمر، وقيل الكتاب هو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه جميع أحوال الخلائق وما يأتون وما يذرون، وقيل المراد بالكتاب الحكم الذي أوجبه وأمر عباده بالأخذ به، وفي هذه الآية بيان أن الله سبحانه وضع هذه الشهور وسماها بأسمائها على هذا الترتيب المعروف. (يوم خلق السموات والأرض) أي منذ خلق الإجرام والأزمنة وبيان أن هذا هو الذي جاءت به الأنبياء ونزلت به الكتب، وأنه لا اعتبار بما عند العجم والروم والقبط من الشهور التي يصطلحون عليها ويجعلون بعضها ثلاثين وبعضها أكثر وبعضها أقل. (منها أربعة حُرم) أي محترمة قد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: " إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً منها أربعة حرم ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان " [[مسلم، 1679 - البخاري، 59.]] والمعنى رجعت الأشهر إلى ما كانت عليه من الحل والحرمة وعاد الحج إلى ذي الحجة بعد ما كانوا أزالوه عن محله بالنسىء الذي أحدثوه في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبي بكر قبلها في ذي القعدة. واختلف في ترتيبها فقيل أولها المحرم وآخرها ذو الحجة فهي شهور عام، وقيل أولها رجب فهي من عامين، وقيل أولها ذو القعدة وهو الصحيح لتواليها، قاله النووي، وأورد عليه ابن المنير في تفسيره أنه إنما يتمشى على أن أول السنة المحرم وهو حدث في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، وكان يؤرخ قبله بعام الفيل ثم أرخ في صدر الإسلام بربيع الأول فتأمل. وقال الضحاك: إنما سمين حرماً لئلا يكون فيهن حرب. قلت: وكانت العرب في الجاهلية تعظمها وتحرم فيها القتال حتى أن أحدهم لو لقي قاتل أبيه أو ابنه أو أخيه في هذه الأربعة الأشهر لم يزعجه، ولما جاء الإسلام لم يزدها إلا حرمة وتعظيماً لأن الحسنات والطاعات فيها تتضاعف، والسيئات فيها أشد من غيرها فلا تنتهك حرمة هذه الأشهر الحرم. (ذلك الدين القيم) أي كون هذه الشهور كذلك ومنها أربعة حرم هو الدين المستقيم دين إبراهيم وإسماعيل، وكانت العرب قد تمسكت به وراثة منهما وقيل الحساب الصحيح والعدد المستوفى، وقيل الدين القيم هو الحكم الذي لا يغير ولا يبدل ولا يزول. (فلا تظلموا فيهن) أي في هذه الأشهر الحرم (أنفسكم) بإيقاع المعاصي فإنها فيها أعظم وزراً، وبإيقاع القتال فيها والهتك لحرمتها، وبه قال أكثر المفسرين، وقيل أن الضمير يرجع إلى الشهور كلها الحرم وغيرها وإن الله نهى عن الظلم فيها والأول أولى. وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم ثابت محكم لم ينسخ لهذه الآية ولقوله: (يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام) ولقوله: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) الآية. وذهب جماعة آخرون إلى أن تحريم القتال في الأشهر الحرم منسوخ بآية السيف، ويجاب عنه بأن الأمر بقتل المشركين ومقاتلتهم مقيد بانسلاخ الأشهر الحرم كما في الآية الذكورة، فتكون سائر الآيات المتضمنة للأمر بالقتال مقيدة بما ورد في تحريم القتال في الأشهر الحرم كما هي مقيدة بتحريم القتال في الحرم للأدلة الواردة في تحريم القتال فيه. وأما ما استدلوا به من أنه صلى الله عليه وسلم حاصر أهل الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين وغيرهما فقد أجيب عنه بأنه لم يبتدئ محاصرتهم في ذي القعدة بل في شوال، والمحرم إنما هو ابتداء القتال في الأشهر الحرم لا إتمامه، وبهذا يحصل الجمع. (وقاتلوا المشركين كافة) أي جميعاً في كل الشهور لأن عموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والبقاع، وهو مصدر في موضع الحال من ضمير الفاعل في قاتلوا أو من المفعول وهو المشركين، قال الزجاج: مثل هذا من المصادر كعامة وخاصة لا يثنى ولا يجمع ولا تدخله أل ولا يتصرف فيه بغير الحال. إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (كما يقاتلونكم كافة) فيه دليل على وجوب قتال المشركين وأنه فرض على الأعيان إن لم يقم به البعض (واعلموا أن الله مع المتقين) أي ينصرهم ويثبتهم ومن كان الله معه فهو الغالب وله العاقبة.

التوبة 9:37

(إنما النسيء) قال الجوهري: النسيء فعيل بمعنى مفعول، من قولك نسأت الشيء فهو منسوء إذا أخرته ثم تحول منسوء إلى نسيء كما تحول مقتول إلى قتيل. وإلى ذلك نحا أبو حاتم، وقيل مصدر على فعيل من أنسأ أي أخر كالنذير من أنذر والنكير من أنكر، وهذا ظاهر قول الزمخشري لأنه يحتاج إلى تقدير بخلاف ما إذا كان صفة فإنه لا يخبر عنه بزيادة إلا بتأويل أي ذو زيادة أو إنساء النسيء زيادة. قال ابن جرير: في النسيء بالهمزة معنى الزيادة، يقال نسأ إذا زاد، ولا يكون بترك الهمزة إلا من النسيان كما قال تعالى: (نسوا الله فنسيهم). وقرأ الجمهور النسيء بهمزة بعد الياء وغيرهم بإدغام الياء، وقرئ النسء بإسكان السين، والنسؤ بزنة فعول وهو التأخير، وفعول في المصادر قليل، والنسيئة كالفعيلة التأخير، وكذلك النساء بالفتح والمد التأخير، والنسيء في الآية فعيل بمعنى مفعول كما تقدم. وكانت العرب تحرم القتال في الأشهر الحرم المذكورة، فإذا احتاجوا إلى القتال فيها قاتلوا فيها وحرموا غيرها، فإذا قاتلوا في المحرم حرموا بدله شهر صفر وهكذا في غيره، وكان الذي يحملهم على هذا أن كثيراً منهم إنما كانوا يعيشون بإغارة بعضهم على البعض، ونهب ما يمكنهم نهبه من أموال من يغيرون عليه، ويقع بينهم بسبب ذلك القتال، وكانت الأشهر الثلاثة المسرودة يضربهم تواليها وتشتد حاجاتهم وتعظم فاقتهم، فيحلون بعضها ويحرمون مكانه بقدره من غير الأشهر الحرم. فهذا هو معنى النسيء الذي كانوا يفعلونه. وقد وقع الخلاف في أول من فعل ذلك، فقيل هو رجل من بني كنانة يقال له حذيفة بن عبيد ويلقب القلمس، وقيل هو عمرو بن لحي، وقيل هو نعيم بن ثعلبة من بني كنانة. (زيادة في الكفر) أي نوع من أنواع كفرهم ومعصية من معاصيهم المنضمة إلى كفرهم بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر، وفي الشهاب يعني أنهم لما توارثوه على أنها شريعة ثم استحلوه كان ذلك مما يعد كفراً. (يضل به الذين كفروا) قرئ على البناء للمعلوم والمجهول، ومعنى الأولى أن الكفار يضلون بما يفعلون من النسيء، ومعنى الثانية أن الذي سن لهم ذلك يجعلهم ضالين بهذه السنة السيئة، والأولى من طريق العشرة، والثانية سبعية. (يحلونه) أي النسيء (عاماً ويحرمونه عاماً) أو الشهر الذي يؤخرونه ويقاتلون فيه، أي يحلونه عاماً بإبداله بشهر آخر من شهور الحل ويحرمونه عاماً أي يحافظون عليه فلا يحلون فيه القتال بل يبقونه على حرمته، والجملة تفسيرية للضلال أو حالية. (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي لكي يواطئوا، والمواطأة الموافقة، يقال تواطأ القوم على كذا أي توافقوا عليه واجتمعوا، والمعنى أنهم لم يحلوا شهراً إلا حرموا شهراً لتبقى الأشهر الحرم أربعة، قال قطرب: معناه عمدوا إلى صفر فزادوه في الأشهر الحرم وقرنوه بالمحرم في التحريم، وكذا قال الطبري. (فيحلوا ما حرم الله) من الأشهر الحرم التي أبدلوها بغيرها، ولم ينظروا إلى أعيانها (زين لهم سوء أعمالهم) أي زين لهم الشيطان أعمالهم السيئة التي يعملونها ومن جملتها النسيء فظنوه حسناً، وقرئ على البناء للفاعل (والله لا يهدي القوم الكافرين) أي المصرين على كفرهم المستمرين عليه فلا يهديهم هداية توصلهم إلى المطلوب، وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد إليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده.

التوبة 9:38

(يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله أثاقلتم إلى الأرض) لما شرح معائب أولئك الكفار عاد إلى ترغيب المؤمنين في قتالهم، والاستفهام في (ما لكم) للإنكار والتوبيخ، أي أيّ شيء يمنعكم عن ذلك، ولا خلاف أن هذه الآية نزلت عتاباً لمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكانت في رجب سنة تسع من الهجرة بعد رجوعه من الطائف بعد الفتح بعام، وتبوك مكان على طرف الشام بينه وبين المدينة عشرة مراحل، وهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث وبعضهم يصرفه على إرادة الموضع، فقد جاء في البخاري مصروفاً وممنوعاً منه، وقصة هذه الغزوة في سيرة الحلبي مفصلة. والنَّفر هو الانتقال بسرعة من مكان إلى مكان لأمر يحدث، يقال استنفر الإمام الناس إذا حثهم على الخروج إلى الجهاد ودعاهم إليه، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا استنفرتم فانفروا " [[مسلم 1864.]]، والاسم النفير. واثاقلتم معناه تباطأتم وعدي بإلى لتضمنه معنى الميل والإخلاد، وقيل معناه ملتم إلى الإقامة بأرضكم والبقاء فيها عن الجهاد، وقرئ أثاقلتم على الاستفهام ومعناه التوبيخ مع النفي. (أرضيتم) استفهام توبيخ وتعجيب (بالحياة الدنيا) أي بخفض العيش وزهرة الدنيا ودعتها ونعيمها بدلاً من الآخرة كقوله تعالى: (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة) أي بدلاً منكم (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة) أي محسوباً في جنبها وفي مقابلتها، و (في) هذه تسمى قياسية (إلا قليل) أي إلا متاع حقير لا يعبأ به لأن لذات الدنيا خسيسة في نفسها ومشوبة بالآفات والبليات، ومنقطعة عن قرب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن الآفات دائمة أبدية سرمدية وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا في جنب متاع الآخرة قليل. ويجوز أن يراد بالقليل العدم إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي والظاهر أن هذا التثاقل لم يصدر من الكل إذ من البعيد أن يطبقوا جمعاً على التباطؤ والتثاقل، وإنما هو من باب نسبة ما يقع من البعض إلى الكل وهو كثير شائع، وفي الآية دليل على وجوب الجهاد في كل حال وفي كل وقت لأن الله سبحانه نص على أن تثاقلهم عَن الجهاد أمر منكر، فلو لم يكن منكراً لما عاتبهم على ذلك. لَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ويؤيد هذا قوله:

التوبة 9:39

(لا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً) أي يهلككم بعذاب شديد مؤلم، قيل في الدنيا فقط باحتباس المطر وغيره، وقيل هو أعم من ذلك لأن العذاب الأليم لا يكون إلا في الآخرة، قال الحسن وعكرمة: هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) وقال الجمهور: هذه الآية محكمة لأنها خطاب لقوم استنفرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينفروا كما نقل عن ابن عباس، وعلى هذا التقدير فلا نسخ، وفي الآية تهديد شديد ووعيد مؤكد لمن ترك النفر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (ويستبدل قوماً غيركم) أي يجعل لرسله بدلاً منكم ممن لا يتباطأ عند حاجتهم إليهم ويكون خيراً منكم وأطوع، واختلف في هؤلاء القوم من هم فقيل أهل اليمن، وقيل أهل فارس، قاله سعيد بن جبير، ولا وجه للتعيين بدون دليل (ولا تضروه) أي الله بترك امتثال أمره بالنفير (شيئاً) لأنه غني عن العالمين أو لا تضروا رسول الله بترك نصره والنفير معه شيئاً فان الله ناصره على أعدائه ولا يخذله أبداً نفرتم أو اثاقلتم. والله على كل شيء قدير ومن جملة مقدوراته تعذيبكم والاستبدال بكم. إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

التوبة 9:40

(إلا تنصروه فقد نصره الله) أي إن تركتم نصره فالله متكفل به أعنتموه أو لا فقد نصره في مواطن القلة وأظهره على عدوه بالغلبة والقهر أو فسينصره من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد (إذ أخرجه الذين كفروا) أي وقت إخراجهم إياه حال كونه (ثاني اثنين) وقرئ بسكون الياء على لغة من يجري الناقص مجرى المقصور في الإعراب أي أحد اثنين وهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر الصديق رضي الله عنه من غير اعتبار كونه - صلى الله عليه وسلم - ثانياً فإن معنى قولهم ثالث ثلاثة ورابع أربعة ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقاً لا الثالث والرابع خاصة، ولذلك منع الجمهور أن ينصب ما بعده بأن يقال ثالث ثلاثة ورابع أربعة. (إذ هما في الغار) هو ثقب عظيم في الجبل المسمى ثوراً، وهو المشهور بغار ثور وهو جبل قريب من مكة وبينهما مسيرة ساعة ويجمع على غيران، والغار أيضاً نبت طيب والجماعة والغاران البطن والفرج، وألف الغار منقلبة عن واو، وقصة خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر ودخولهما الغار ومكثهما فيه ثلاثاً مشهورة مذكورة في كتب السير والحديث، وسبياق حديث الهجرة من أفراد البخاري وهو طويل جداً. (إذ يقول لصاحبه) أي وقت قوله لأبي بكر (لا تحزن) أي دع الحزن (إن الله) بنصره وعونه وتأييده وعصمته وحفظه وولايته ومعونته وتسديده (معنا) والمراد بالمعية المعية الدائمة التي لا تحوم حول صاحبها شائبة شيء من الحزن، وما هو المشهور من اختصاص " مع " بالمتبوع فالمراد بما فيه من المتبوعية هو المتبوعية في الأمر المباشر، قاله أبو السعود، وقال الخفاجي: أنها معية مخصوصة وإلا فهو مع كل أحد اهـ. والمعنى من كان الله معه فلن يغلب ومن لا يغلب فيحق له أن لا يحزن وذلك أن أبا بكر خاف من الطلب [[وهم رجال اقتصوا أثر الرسول يطلبون رده إلى قريش.]] أن يعلموا بمكانهم، فجزع من ذلك وكان حزنه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا على نفسه وقال: إذا أنا مت فأنا رجل واحد وإذا مت أنت هلكت الأمة والدين. أخرج الشيخان عنه رضي الله عنه قال: نظرت إلى أقدام المشركين ونحن في الغار وهم على رؤوسنا فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال: " يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما " [[مسلم 2381 - البخاري 1716.]] وزاد البزار والطبراني والبيهقي في الدلائل عن أنس والمغيرة بن شعبة فأعماهم الله عن الغار فجعلوا يترددون حوله فلم يروه. قال النووي: هو داخل في قوله سبحانه: (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون) وفيه بيان عظيم توكل النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى في هذا المقام وفيه فضيلة لأبي بكر وهي من أجل مناقبه، وقال الشعبي: عاتب الله عز وجل أهل الأرض جميعاً في هذه الآية غير أبي بكر. وقال الحسن بن الفضل: من قال أن أبا بكر لم يكن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو كافر لإنكاره نص القرآن، وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أنت صاحبي على الحوض وصاحبي في الغار [[الترمذي كتاب المناقب باب 16.]]، أخرجه الترمذي، وقال حديث صحيح حسن غريب، وعبارة أبي السعود وفيه من الدلالة على علو طبقة الصديق رضي الله تعالى عنه وسابقة صحبته ما لا يخفى اهـ. وفي الكشاف: وقالوا من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر لإنكاره كلام الله، وليس ذلك لسائر الصحابة، وقيل أنه ليس بمنصوص عليه فيها بل المنصوص عليه أن له ثانياً هو صاحبه فيه، فإنكار ذلك يكون كفراً لا إنكار صحبته بخصوصه، ولذا قال قالوا فجعل العهدة فيه على غيره، وفيه نظر، قاله الخفاجي، وقد استنبط أهل العلم من هذه الآية وجوهاً كثيرة على فضل أبي بكر الصديق رضي الله عنه يطول ذكرها. (فأنزل الله سكينته) هي تسكين جأشه وتأمينه حتى ذهب روعه وحصل له الأمن على أن الضمير في (عليه) لأبي بكر، وبه قال ابن عباس وأكثر المفسرين، وقيل هو للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ويكون المراد بالسكينة النازلة عليه عصمته عن حصول سبب من أسباب الخوف له. ويؤيد كون الضمير في (عليه) للنبي صلى الله عليه وسلم الضمير في (وأيده بجنود لم تروها) فإنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم لأنه المؤيد بهذه الجنود التي هي الملائكة في الغار يحرسونه ويسكنون روعه ويصرفون أبصار الكفار عنه كما كان في يوم بدر، وقيل أنه لا محذور في رجوع الضمير من (عليه) إلى أبي بكر، ومن (وأيده) إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب. (وجعل كلمة الذين كفروا) أي كلمة الشرك وهي دعوتهم إليه ونداؤهم للأصنام أو كل ما يدل على الشرك أو المراد بها عقيدة الشرك أي الكفر مطلقاً بسائر أنواعه، أقوال للمفسرين (والسفلى) المغلوبة إلى يوم القيامة (وكلمة الله هي العليا) في ضمير الفصل أعني هي تأكيد لفضل كلمته في العلو، وأنها المختصة به دون غيرها، والمراد بها كلمة التوحيد والدعوة إلى الإسلام، فهي ظاهرة غالبة باقية إلى يوم القيامة عالية والله عزيز حكيم) أي غالب قاهر لا يفعل إلا ما فيه حكمة وصواب. انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (41) لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ثم لما توعد من لم ينفر مع الرسول صلى الله عليه وسلم وضرب له من الأمثال ما ذكره، عقبه بالأمر بالجزم فقال: وانفروا حال كونكم

التوبة 9:41

(خفافاً وثقالاً) أي على الصفة التي يخف عليكم الجهاد فيها وعلى الصفة التي يثقل عليكم الجهاد فيها وهذان الوصفان يدخل تحتهما أقسام كثيرة فلهذا اختلفت عبارات المفسرين فيهما فقيل المراد منفردين أو مجتمعين، وقيل نشاطاً وغير نشاط، وقيل فقراء وأغنياء وقيل شباباً وشيوخاً، وقيل ركباناً ومشاة رجالاً وفرساناً، وقيل من سبق إلى الحرب كالطلائع ومن يتأخر كالجيش. وقيل أهل الميسرة وأهل العسرة، وقيل مقلين من السلاح ومستكثرين منه وقيل مشاغيل وغير مشاغيل، وقيل أصحاء ومرضى وقيل عزاباً ومتأهلين، وقيل خفافاً من الحاشية والأتباع وثقالاً مستكثرين منهم، وقيل مسرعين في الخروج إلى الغزو ساعة سماع النفير وبعد التروي فيه والاستعداد له، وقيل غير ذلك. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، لأن معنى الآية انفروا خفت عليكم الحركة أو ثقلت، فالأولى أن هذا عام لكل الأحوال فيهما، والأمر محمول على الوجوب. قال السدي: وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: وليس على الضعفاء ولا على المرضى) وقيل الناسخ لها قوله: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) الآية. قاله ابن عباس. وقيل الأمر محمول على الندب وهي محكمة وليست بمنسوخة، ويكون إخراج الأعمى والأعرج بقوله: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج) وإخراج الضعيف والمريض بقوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى) من باب التخصيص لا من باب النسخ على فرض دخول هؤلاء تحت قوله: (خفافاً وثقالاً) والظاهر عدم دخولهم تحت العموم، ويدل عليه أن هذه الآية نزلت في غزوة تبوك وأن النبي صلى الله عليه وسلم خلف في المدينة في تلك الغزوة النساء وبعض الرجال فذلك دل على أن الجهاد من فروض الكفايات ليس على الأعيان. (وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله) فيه الأمر بالجهاد بالأنفس والأموال وإيجابه على العباد، فالفقراء يجاهدون بأنفسهم، والأغنياء بأموالهم وأنفسهم، والجهاد من أكبر الفرائض وأعظمها، وهو فرض كفاية مهما كان البعض يقوم بجهاد العدو ويدفعه، فإن كان لا يقوم بالعدو إلا جميع المسلمين في قطر من الأرض أو أقطار وجب عليهم ذلك وجوب عين. (ذلكم) أي ما تقدم من الأمر بالنفير والأمر بالجهاد (خير لكم) عظيم في نفسه وخير من السكون والدعة (إن كنتم تعلمون) ذلك وتعرفون الأشياء الفاضلة وتميزونها عن المفضولة فافعلوه. ونزل في الذين تخلفوا عن غزوة تبوك

التوبة 9:42

(لو كان) المدعو إليه أو ما تدعوهم إليه (عرضاً) هو ما يعرض من منافع الدنيا ومتاعها، يقال الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر، والفاجر (قريباً) والعنى غنيمة سهلة قريبة التناول غير بعيدة (وسفراً قاصداً) أي متوسطاً بين القرب والبعد، وكل متوسط بين الإفراط والتفريط فهو قاصد (لاتَّبعوك) أي لوافقوك في الخروج ولخرجوا معك طمعاً في تلك المنافع التي تحصل لهم (ولكن بعدت عليهم الشقة) قال أبو عبيدة وغيره: إن الشقة السفر إلى أرض بعيدة، يقال منه شقة وشاقة، والشقة المسافة التي تقطع بمشقة. قال الجوهري: الشقة بالضم من الثياب والشقة أيضاً السفر البعيد، وربما قالوه بالكسر فهي مشتقة من المشقة كما في السمين، والمراد بها غزوة تبوك فإنها كانت سفرة بعيدة شاقة وكانوا يستعظمون غزو الروم، لا جرم تخلفوا بهذا السبب. (وسيحلفون) أي المتخلفون عن غزوة تبوك، وأتى بالسين لأنه من قبيل الإخبار بالغيب فإن الله أنزل هذه الآية قبل رجوعه من تبوك أي سيحلفون (بالله) اعتذاراً عنه حال كونهم قائلين (لو استطعنا) أي لو قدرنا على الخروج ووجدنا ما نحتاج إليه فيه مما لا بد منه، وقيل: لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتهما حسبما عنَّ لهم من الكذب والتعلل وعلى كلا التقديرين فقوله: (لخرجنا معكم) ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعاً وقد وقع حسبما أخبر به وهو من جملة المعجزات الباهرة. وقوله: (يهلكون أنفسهم) بدل من قوله: (سيحلفون) لأن من حلف كذباً فقد أهلك نفسه، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " أو يكون حالاً أي مهلكين أنفسهم موقعين لها موقع الهلاك بسبب هذه الأيمان الكاذبة (والله يعلم إنهم لكاذبون) في حلفهم الذي سيحلفون به لك لأنهم كانوا مستطيعين للخروج. عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ

التوبة 9:43

(عفا الله عنك لم أذنت لهم) الاستفهام للإنكار من الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم حيث وقع منه الإذن لمن استأذنه في القعود قبل أن يتبين من هو صادق منهم في عذره الذي أبداه، ومن هو كاذب فيه، وفي ذكر العفو عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن هذا الإذن الصادر منه كان خلاف الأولى، وفي هذا عتاب لطيف من الله سبحانه، وقيل أن هذا عتاب له صلى الله عليه وآله وسلم في إذنه للمنافقين بالخروج معه لا في إذنه لهم بالقعود عن الخروج، قاله الطبري والأول أولى. وقد رخص له سبحانه في سورة النور بقوله: (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم) ويمكن أن يجمع بين الآيتين بأن العتاب هنا متوجه إلى الإذن قبل الاستثبات حتى يتبين الصادق من الكاذب، والإذن هنالك متوجه إلى الإذن بعد الاستثبات والله أعلم. وقيل إن قوله: (عفا الله عنك) افتتاح كلام كما تقول أصلحك الله وأعزك ورحمك كيف فعلت كذا وكذا، حكاه مكي والنحاس والمهدوي، وعلى هذا التأويل يحسن الوقف على (عفا الله عنك) وعلى التأويل الأول لا يحسن، ولا يخفاك أن التفسير الأول هو المطابق لما يقتضيه اللفظ على حسب اللغة العربية، ولا وجه لإخراجه عن معناه العربي. وفي الآية دليل على جواز الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم والمسألة مدونة في الأصول، وفيها أيضاً دلالة على مشروعية الاحتراز عن العجلة والاغترار بظواهر الأمور. وقال عمرو بن ميمون: اثنان فعلهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باجتهاده لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين في التخلف، وأخذه الفداء من أسارى بدر، فعاتبه الله كما تسمعون، قال سفيان بن عيينة: انظر هذا التلطف به، بدأ بالعفو قبل أن يعيره بالذنب. و (حتى) في قوله: (حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) للغاية، كأنه قيل لم سارعت إلى الإذن لهم، وهلا تأنيت حتى يتبين لك صدق من هو صادق منهم في العذر الذي أبداه، وكذب من هو كاذب منهم في دعواه، قال ابن عباس: لم يكن يعرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المنافقين يومئذ حتى نزلت سورة براءة. ثم ذكر سبحانه أنه ليس من عادة المؤمنين أن يستأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القعود عن الجهاد، بل كان من عادتهم أنه صلى الله عليه وسلم إذا أذن لواحد منهم بالقعود شق عليه ذلك فقال:

التوبة 9:44

(لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم) وهذا على أن معنى الآية أن لا يجاهدوا وقيل المعنى لا يستأذنك في التخلف كراهة الجهاد، وقيل أن معنى الاستئذان في الشيء الكراهة. وأما على ما يقتضيه ظاهر اللفظ فالمعنى لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد بل دأبهم أن يبادروا إليه من غير توقف ولا ارتقاب منهم لوقوع الإذن منك فضلاً أن يستأذنوك في التخلف، فحيث استأذنك هؤلاء في التخلف كان ذلك مظنة للتأني في أمرهم بل دليلاً على نفاقهم (والله عليم بالمتقين) الذين لم يستأذنوا إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ 45) وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ

التوبة 9:45

(إنما يستأذنك) في القعود عن الجهاد والتخلف عنه من غير عذر، وكذا يقال فيما بعده (الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر) وهم المنافقون وكانوا تسعة وثلاثين رجلاً، وذكر الإيمان بالله أولاً ثم باليوم الآخر ثانياً في الموضعين لأنهما الباعثان على الجهاد في سبيل الله (وارتابت قلوبهم) جاء بالماضي للدلالة على تحقق الريب في قلوبهم وهو الشك فإذا إدخلها الشك كان ذلك نفاقاً. (فهم في ريبهم يترددون) أي في شكهم الذي حل بقلوبهم يتحيرون، والتردد التحير، والمعنى فهؤلاء الذين يستأذنونك ليسوا بمؤمنين، بل كانوا مرتابين حائرين لا يهتدون إلى طريق الصواب ولا يعرفون الحق، والآية محكمة كلها، وقال ابن عباس: نسختها الآية التي في سورة النور (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) إلى قوله: (غفور رحيم) فجعل الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأعلى النظرين في ذلك من غزا غزا في فضيلة، ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء الله.

التوبة 9:46

(ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة) أي لو كانوا صادقين فيما يدعونه ويخبرونك به من أنهم يريدون الجهاد معك ولكن لم يكن معهم من العدة للجهاد ما يحتاجون إليه لما تركوا إعداد العدة وتحصيلها قبل وقت الجهاد كما يستعد لذلك المؤمنون، فمعنى هذا الكلام أنهم لم يريدوا الخروج أصلاً ولا استعدوا للغزو، والعدة ما يحتاج إليه المجاهد من الزاد والراحلة والسلاح. (ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم) الاستدراك هنا يحتاج إلى تأمل، فلذلك قال الزمخشري: ما حاصله ولكن كره الله خروجهم فثبطوا عن الخروج فيكون المعنى ما خرجوا ولكن ثبطوا لأن كراهة الله انبعاثهم تستلزم تثبطهم عن الخروج، والانبعاث الخروج أي حبسهم الله عن الخروج معك وخذلهم وكسلهم لأنهم قالوا إن لم يؤذن لنا في الجلوس أفسدنا وحرضنا على المؤمنين. وقيل المعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما أرادوه لكراهة الله له، وعلى هذا فهو استدراك على نفس المقدم على نهج ما في الأقيسة الاستثنائية، وكان في خروجهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مفسدة عظيمة بدليل أنه تعالى أخبر عنها بقوله الآتي (ما زادوكم إلا خبالاً) وأما عتاب الله لرسوله بقوله (لم أذنت لهم) فإنه أذن لهم قبل تمام الفحص وإكمال التأمل والتدبر في حالهم، فلهذا السبب عاتبه، وقيل إنما عاتبه لأجل أنه أذن لهم قبل أن يوحى إليه في أمرهم بالقعود. (وقيل اقعدوا) والقائل لهم هو الشيطان بما يلقيه إليهم من الوسوسة، وقيل قاله بعضهم لبعض، وقيل قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم غضباً عليهم، وقيل هو عبارة عن الخذلان أي أوقع الله في قلوبهم القعود خذلاناً لهم، وقال السيوطي: أي قدر الله ذلك أي القعود يعني فلا قول بالفعل لا من الله ولا من النبي صلى الله عليه وسلم. (مع القاعدين) أي مع أولى الضرر من العميان والمرضى والنساء والصبيان وفيه من الذم لهم والإزراء عليهم والتنقص بهم ما لا يخفى. لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (47) لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ

التوبة 9:47

(لو خرجوا) شروع في بيان المفاسد التي تترتب على خروجهم، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عن تخلف المنافقين، ومعنى (فيكم) في جيشكم أو (في) بمعنى مع أي معكم (ما زادوكم إلا خبالاً) هو الشر والفساد والنميمة وإيقاع الاختلاف والأراجيف، وأصله اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون، قيل هذا الاستثناء منقطع أي ما زادوكم قوة، ولكن طلبوا الخبال وليس بذاك لأنه لا يكون مفرغاً، قاله الزمخشري والبيضاوي وأبو السعود. قال الخفاجي: وفيه بحث لأنه لا مانع منه إذا دلت القرينة عليه، كما إذا قيل ما أنيسك في البادية؟ فقلت ما لي بها إلا اليعافير، أي ما لي أنيس إلا هذه، انتهى. وقيل المعنى لا يزيدونكم فيما يترددون فيه من الرأي إلا خبالاً، فيكون متصلاً، وقيل قوله استثناء من أعم العام أي ما زادوكم شيئا إلا خبالاً فيكون الاسثثناء من قسم المتصل لأن الخبال من جملة ما يصدق عليه الشيء. (ولأوضعوا خلالكم) الإيضاع سرعة السير، يقال أوضع البعير إذا أسرع السير، وقيل هو سير الخبب، وأوضع يستعمل لازماً كما في القاموس ومتعدياً كما في المختار، والخلة الفرجة بين الشيئين والمفرد خلل، والجمع الخلال كجمل وجمال أي الفرج التي تكون بين الصفوف. والمعنى على الأول لسعوا بينكم بالإفساد بما يختلقونه من الأكاذيب المشتملة على الأرجاف والنمائم الموجبة لفساد ذوات البين، وعلى الثاني أسرعوا ركائبكم بينكم بالنميمة، وفيه استعارة تخييلية ومكنية، وقيل إنه استعارة تبعية شبه سرعة إفسادهم لذات البين بالنميمة بسرعة سير الركائب المسماة بالإيضاع وهو إسراع سير البعير، ثم استعير لسرعة الإفساد لفظ الإيضاع وهو للإبل ثم اشتق منه أوضعوا وأصل الاستعارة ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم، ثم حذف النمائم وأقيم المضاف إليه مقامها لدلالة سياق الكلام على أن المراد النميمة ثم حذف الركائب، قاله الطيبي كما ذكره زكريا. (يبغونكم) يقال بغيته كذا طلبته له وأبغيته كذا أعنته على طلبه، والمعنى يطلبون لكم (الفتنة) أي ما يفتنون به في ذات بينكم بما يصنعونه من التحريش والإفساد، وقولهم للمؤمنين لقد جمعوا لكم كذا وكذا ولا طاقة لكم بهم وإنكم ستهزمون منهم وسيظهرون عليكم، ونحو ذلك من الأحاديث الكاذبة التي تورث الجبن والفشل، وقيل الفتنة العيب والشر، وقيل الفتنة هنا الشرك. (وفيكم سماعون لهم) أي والحال أن فيكم من يستمع ما يقولونه من الكذب فينقله إليكم، فيتأثر من ذلك الاختلاف بينكم والفساد لأحوالكم، قال مجاهد: معناه محدثون لهم بأحاديثكم غير منافقين وهم عيون للمنافقين. انتهى. فعلى هذا يكون المراد فيكم جواسيس منهم يسمعون لهم الأخبار منكم فاللام على الأول للتقوية، وعلى الثاني للتعليل أي لأجلهم (والله عليم بالظالمين) وبما يحدث منهم لو خرجوا معكم فلذلك اقتضت حكمته البالغة أن لا يخرجوا معكم وكره انبعاثهم معكم. ولا ينافي حالهم هذا لو خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقدم من عتابه على الإذن لهم في التخلف، لأنه سارع إلى الإذن لهم ولم يكن قد علم من أحوالهم لو خرجوا أنهم يفعلون هذه الأفاعيل، فعوتب صلى الله عليه وسلم على تسرعه إلى الإذن لهم قبل أن يتبين له الصادق منهم في عذره من الكاذب، ولهذا قال الله سبحانه فيما يأتي في هذه السورة (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبداً) الآية. وقال في سورة الفتح (سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها) إلى قوله: (قل لن تتبعونا) وفي الآية وعيد وتهديد للمنافقين الذين يلقون الفتن والشبهات بين المؤمنين، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والإشعار بترتبه على الظلم، قال أبو السعود: ولعله شامل للفريقين السماعين والقاعدين.

التوبة 9:48

(لقد ابتغوا الفتنة من قبل) أي لقد طلبوا الإفساد والخبال وتفريق كلمة المؤمنين وتشتت شملهم من قبل هذه الغزوة التي تخلفوا عنك فيها، كما وقع من عبد الله بن أبيّ وغيره يوم أحد حيث انصرف بأصحابه عنك، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. (وقلبوا لك الأمور) أي صرفوها من وجه إلى وجه ودبروا لك الحيل والمكايد، وردوا الآراء في إبطال أمرك وتقليب الأمر تصريفه من أمر إلى أمر وترديده لأجل التدبير والاجتهاد في المكر والحيلة، ومنه قول العرب للرجل حوَّل وقلب إذا كان دائراً حول المكايد والحيل يدبر الوأي فيها ويتدبره، وقرئ بالتخفيف. (حتى جاء الحق) أي إلى غاية هي مجيء الحق وهو النصر لك والتأييد، وقيل الحق القرآن (وظهر أمر الله) بإعزاز دينه وإعلاء شريعته وقهر أعدائه (وهم كارهون) لمجيء الحق وظهور أمر الله، ولكن كان ذلك على رغم منهم وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (49) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ

التوبة 9:49

(ومنهم) أي من المنافقين (من يقول) لرسول الله صلى الله عليه وسلم (ائذن لي) في التخلف عن الجهاد (ولا تفتني) أي لا توقعني في الفتنة أي المعصية والإثم إذا لم تأذن لي فتخلفت بغير إذنك، وقيل معناه لا توقعني في الهلكة بالخروج. عن ابن عباس قال: لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى غزوة تبوك قال للجدّبن قيس: يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله إني امرؤ صاحب نساء، ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن، فأْذن لي ولا تفتني، فأنزل الله (ومنهم من يقول ائذن لي) الآية [[ابن كثير 2/ 361.]]. (ألا في الفتنة سقطوا) أي في نفس الفتنة، وهي فتنة التخلف عن الجهاد والاعتذار الباطل، والمعنى أنهم ظنوا أنهم بالخروج أو بترك الإذن لهم يقعون في الفتنة وهم بهذا التخلف سقطوا في الفتنة العظيمة، وفي التعبير بالسقوط ما يشعر بأنهم وقعوا فيها وقوع من يهوي من أعلى إلى أسفل، وذلك أشد من مجرد الدخول في الفتنة. ثم توعدهم على ذلك فقال: (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) أي مشتملة عليهم من جميع الجوانب لا يجدون عنها مخلصاً، ولا يتمكنون من الخروج منها بحال من الأحوال، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا معطوف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه، وقصة تبوك مذكورة في كتب الحديث والسير فلا نطول بذكرها.

التوبة 9:50

(إن تصبك حسنة تسؤهم) أي حسنة كانت بأي سبب اتفق كما يفيده وقوعها في حيز الشرط وكذلك القول في المصيبة وتدخل الحسنة والمصيبة الكائنة في القتال كما يفيده السياق دخولاً أولياً. فمن جملة ما يصدق عليه الحسنة الغنيمة والظفر، ومن جملة ما يصدق عليه المصيبة الخيبة والانهزام، وهذا ذكر نوع آخر من خبث ضمائر المنافقين وسوء أفعالهم والإخبار بعظم عدواتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين، فإن المساءة بالحسنة، والفرح بالمصيبة من أعظم ما يدل على أنهم قد بلغوا في العداوة إلى الغاية. (وإن تصبك مصيبة) أي هزيمة أو شدة كما تقدم، وقابل الله هنا الحسنة بالمصيبة ولم يقابلها بالسيئة كما قال في سورة آل عمران (وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها) لأن الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم وهي في حقه مصيبة يثاب عليها لا سيئة يعاتب عليها، والتي هناك خطاب للمؤمنين. قاله الشهاب. (يقولوا) أي المنافقون حامدين لرأيهم (قد أخذنا أمرنا من قبل) أي احتطنا لأنفسنا وأخذنا بالحزم واعتزلنا عنهم، وقعدنا عن الحرب، فلم نخرج للقتال كما خرج المؤمنون حتى نالهم ما نالهم من المصيبة (ويتولوا وهم فرحون) أي رجعوا إلى أهلهم عن مقامات الاجتماع ومواطن التحدث حال كونهم فرحين بالصيبة التي أصابت المؤمنين وبما صنعوا من أخذ الأمر، وبما أصابه صلى الله عليه وآله وسلم، والجملة حال من الضمير في يقولوا ويتولوا لا من الأخير فقط لمقارنة الفرح ما معاً. قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (51) قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (52) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ثم لما قالوا هذا القول أمر الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بأن يجيب عليهم فقال:

التوبة 9:51

(قل) لهم بياناً لبطلان ما بنوا عليه مسرتهم من الاعتقاد لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا في اللوح المحفوظ أو في كتابه المنزل علينا، وفائدة هذا الجواب أن الإنسان إذا علم أن ما قدره الله كائن وإن كل ما ناله من خير أو شر إنما هو بقدر الله وقضائه، هانت عليه المصائب ولم يجد مرارة شماتة الأعداء وتشفي الحسدة. (هو مولانا) أي ناصرنا وجاعل العاقبة لنا ومظهر دينه على جميع الأديان (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) الفاء سببية والأصل ليتوكل قدم الظرف على الفعل لإفادة القصر، ثم أدخلت الفاء للدلالة على استيجابه تعالى للتوكل كما في قوله: (وإياي فارهبون) والتوكل على الله تفويض الأمور إليه والمعنى أن من حق المؤمنين أن يجعلوا توكلهم في جميع أمورهم مختصاً بالله سبحانه لا يتوكلون على غيره.

التوبة 9:52

(قل هل تربصون بنا) أي هل تنتظرون أيها المنافقون أن يقع بنا (إلا إحدى) الخصلتين (الحسنيين) إما النصرة والغنيمة أو الشهادة والمغفرة وكلاهما مما يحسن لدينا، والحسنى تأنيث الأحسن ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ، وهذا إيضاح وكشف لقوله إلا ما كتب الله لنا. (ونحن نتربص بكم) وإحدى المساءتين لكم من العواقب إما (أن يصيبكم الله بعذاب من عنده) أي قارعة نازلة من السماء كما أصاب من قبلكم من الأمم المهلكة فيسحتكم بعذابه (أو) بعذاب لكم (بأيدينا) أي بإظهار الله لنا عليكم بالقتل والأسر والنهب والسبي، والفاء في (فتربصوا) فصيحة والأمر للتهديد كما في قوله: (ذق إنك أنت العزيز الكريم) أي تربصوا بنا ما ذكرنا من عاقبتنا (إنا) أي نحن (معكم متربصون) ما هو عاقبتكم فستنظرون عند ذلك ما يسرنا ويسوءكم.

التوبة 9:53

(قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم) هذا الأمر معناه الشرط والجزاء لأن الله سبحانه لا يأمرهم بما لا يتقبله منهم، والتقدير إن أنفقتم طائعين أو مكرهين فلن يتقبل منكم، وقيل هو أمر في معنى الخبر أي أنفقتم طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم فهو كقوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم) وفيه الإشعار بتساوي الأمرين في عدم القبول. وانتصاب طوعاً وكرهاً على الحال فهما مصدران في موقع المشتقين أي انفقوا طائعين من غير أمر من الله ورسوله أو مكرهين بأمر منهما، وليس المراد بالطوع الرغبة لقوله الآتي: (إلا وهم كارهون) أي لا رغبة لهم وسمى الأمر منهما إكراهاً لأنهم منافقون لا يأتمرون بالأمر فكانوا بأمرهم الذي لا يأتمرون به كالمكرهين على الإنفاق أو طائعين من غير إكراه من رؤسائكم أو مكرهين منهم، قال الخطيب: وهذه الآية وإن كانت خاصة في إنفاق المنافقين فهي عامة في حق كل من أنفق ماله لغير وجه الله بل أنفقه رياء وسمعة فإنه لا يقبل منه (إنكم كنتم قوماً فاسقين) تعليل لعدم قبول إنفاقهم، والفسق هنا التمرد والعتو وقد سبق بيان الفسق لغة وشرعاً. وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (54) فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ثم بين سبحانه السبب المانع من قبول نفقاتهم فقال:

التوبة 9:54

(وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله) استثناء من أعم الأشياء أي ما منعهم من قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم بهما، جعل المانع من القبول ثلاثة أمور. الأول: الكفر. والثاني (ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى) أي أنهم لا يصلون في حال من الأحوال إلا في حال الكسل والتثاقل لأنهم لا يرجون ثواباً ولا يخافون عقاباً فصلاتهم ليست إلا رياء للناس وتظاهراً بالإسلام الذي يبطنون خلافه والثالث أنهم (لا ينفقون) وأموالهم (إلا وهم كارهون) ولا ينفقونها طوعاً لأنهم يعدون إنفاقها وضعاً لها في مضيعة لعدم إيمانهم بما وعد الله ورسوله. لا يقال أن الكفر سبب مستقل لعدم القبول، فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر، لأن هذا إنما يتوجه على قول المعتزلة القائلين بأن العلل مؤثرة في الحكم، وأما أهل السنة فإنهم يقولون هذه الأسباب معرفة غير موجبة للثواب ولا للعقاب، واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائز، قاله الشهاب.

التوبة 9:55

(فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم) الإعجاب بالشيء أن تسر به سرور راض به متعجب من حسنه، قيل مع نوع من الافتخار به واعتقاد أنه ليس لغيره ما يساويه، وهذا المعنى إنما يناسب في إعجاب الشخص بمال نفسه، يقال أعجب بماله أو ولده أي فرح به واغتر به، وما هنا في إعجاب المرء بمال غيره، والمعنى عليه لا تستحسن ما معهم من الأموال والأولاد ولا تحمدها ولا تخبر برضاك بها فهي استدراج، وقيل يقال في الاستحسان أعجبني بالألف، وفي الذم والإنكار عجبت، وزان تعبت، وهذا الخطاب وإن كان مختصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم لكن يعم جميع المؤمنين. (إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا) بما يحصل معهم من الغم والحزن عند أن يغنمها المسلمون ويأخذوها قسراً من أيديهم مع كونها زينة حياتهم وقرة أعينهم أو بما يلقون في جمعها من المشقة والمتاعب، وفيها من المصائب، ومنه قول العرب بلوغ الآمال في ركوب الأهوال. والمؤمن قد علم أنه مخلوق للآخرة، وأنه يثاب بالمصائب الحاصلة في الدنيا فلم يكن المال والولد في حقه عذاباً في الدنيا، وأما المنافق فإنه لا يعتقد كون الآخرة له ولا أن له فيها ثواباً فبقي ما يحصل له في الدنيا من التعب والحزن على المال والولد عذاباً عليه في الدنيا، فثبت بهذا الاعتبار أن المال والولد عذاب على المنافق في الدنيا دون المؤمن، وكذا في الآخرة يعذبهم بعذاب النار بسبب عدم الشكر لربهم الذي أعطاهم ذلك وترك ما يجب عليهم من الزكاة فيها والتصدق بما يحق التصدق به. وقيل في الكلام تقديم وتأخير والمعنى فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة لأنهم المنافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون. (وتزهق أنفسهم وهم كافرون) الزهوق الخروج بصعوبة والمعنى أن الله يريد أن يزهق أنفسهم ويخرج أرواحهم حال كفرهم لعدم قبولهم لما جاءت به الأنبياء وأرسلت به الرسل، وتصميمهم على الكفر وتماديهم في الضلالة، قال الزمخشري: والمراد الاستدراج بالنعم كقوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) كأنه قيل ويريد أن يديم عليهم نعمه إلى أن يموتوا وهم كافرون مشغولون بالتمتع عن النظر للعاقبة. وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (56) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (57) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ ثم ذكر الله سبحانه نوعاً آخر من قبائح المنافقين فقال:

التوبة 9:56

(ويحلفون بالله إنهم لمنكم) أي من جملتكم في دين الإسلام والانقياد لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكتاب الله سبحانه (وما هم منكم) في ذلك إلا بمجرد ظواهرهم دون بواطنهم (ولكنهم قوم يفرقون) أي يخافون أن ينزل بهم ما نزل بالمشركين من القتل والسبي فيظهرون لكم الإسلام تقية منهم لا عن حقيقة.

التوبة 9:57

(لو يجدون ملجأً) أي مكاناً يلتجئون إليه ويحفظون نفوسهم فيه منكم من حصن أو رأس جبل أو قلعة أو جزيرة، والملجأ يصلح للمصدر والزمان والمكان والظاهر منها هنا المكان، قال ابن عباس: الملجأ الحرز في الجبال وقيل حصناً ومعقلاً (أو مغارات) جمع مغارة من غار يغيز. قال الأخفش: ويجوز أن يكون من أغار يغير، والمغارات الغيران والسراديب وهي المواضع التي يستتر فيها، ومنه غار الماء وغارت العين، والمغارة هي المكان المنخفض في الأرض أو في الجبل، والغور من كل شيء قعره والغور المطمئن من الأرض، وغار الرجل غوراً أتى الغور وأغار بالألف مثله، والغار والمغار والمغارة كالكهف في الجبل، والكهف كالبيت في الجبل، وقيل المغارة السرب في الأرض كنفق اليربوع، والغار الثقب في الجبل. وهذا من أبدع النظم، ذكر أولاً الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان، ثم ذكر الغيران التي يختفى فيها في أعلى الأماكن وهي الجبال ثم الأماكن التي يختفى فيها في الأكن السافلة وهي السروب، وهي التي عبر عنها بالمدخل، والمعنى لو وجدوا أمكنة يغيبون فيها أشخاصهم هرباً منكم. (أو مدخلاً) من الدخول أي مكاناً يدخلون فيه من الأمكنة التي ليست مغارات. قال ابن عباس: المدخل السرب كنفق اليربوع، وقال الحسن: وجهاً يدخلونه على خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم (لوَلَّوَاْ إليه) أي لالتجأوا إليه وأدخلوا أنفسهم فيه، وقيل المعنى لو كانوا يجدون مهرباً لهربوا إليه أو قوماً يأمنون عندهم على أنفسهم لصاروا إليهم ولفارقوكم. (وهم يجمحون) أي والحال أنهم يسرعون إسراعاً إلى ذلك المكان لا يردهم شيء، من جمح الفرس براكبه يجمح إذا لم يرده اللجام واستعصى عليه حتى غلبه فهو جموح وجامح يستوي فيه المذكر والمؤنث، وحاصل المعنى لو وجدوا شيئاً من هذه الأشياء المذكورة وهي شر الأمكنة وأضيقها لولوا إليه مسرعين، هرباً من المسلمين لشدة بغضهم إياهم تستراً عنهم واستكراهاً لرؤيتهم.

التوبة 9:58

(ومنهم من يلمزك) هذا ذكر نوع آخر من قبائحهم، واللمز بمعنى العيب كما قال النحاس والجوهري يقال: لمزه يلمزه إذا عابه، وأصله الإشارة بالعين ونحوها، ورجل لماز ولمزة أي عياب فهو أخص من الغمز إذ هو الإشارة بالعين ونحوها، سواء كان على وجه الاستنقاص أو لا، وأما اللمز فهو خاص بكونه على وجه العيب. وقال الزجاج: لمزت الرجل ألمزه وألمزه بكسر الميم وضمها إذا عبته وكذا همزته وروي عن مجاهد أنه قال: معنى يلمزك يرزؤك ويسألك، والقول عند أهل اللغة هو الأول. وقال الأزهري: أصله الدفع، يقال لمزته أي دفعته، وقال الليث هو الغمز في الوجه، ومنه همزة لمزة أي كثير هذين الفعلين، وقرئ يلمزك بكسر العين مع التشديد وضمها وهما لغتان في المضارع. ومعنى الآية ومن المنافقين من يعيبك (في الصدقات) أي الزكوات أو الغنائم وتفريقها وقسمتها. (فإن أعطوا منها) أي من الصدقات بقدر ما يريدون (رضوا) بما وقع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعيبوه، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا وليسوا من الدين في شيء (وإن لم يعطوا منها) ما يريدونه ويطلبونه (إذا هم يسخطون) أي فاجئوا السخط، وفائدة إذا الفجائية أن الشرط مفاجئ للجزاء وهاجم عليه. وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ

التوبة 9:59

(ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله) أي ما فرضه الله لهم وقسمه وما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصدقات، وقيل ذكر الله للتّعظيم والتنبيه على أن ما فعله الرسول كان بأمره تعالى، والأصل ما آتاهم الرسول، وجواب لو محذوف أي لكان خيراً لهم، فإن فيما أعطاهم الخير العاجل والآجل. (وقالوا) عند أن أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هو لهم (حسبنا) أي كفانا (الله سيؤتينا) أي سيعطينا (الله من فضله و) يعطينا (رسوله) بعد هذا ما نرجوه ونؤمله (إنا إلى الله راغبون) فهاتان الجملتان كالشرح لقولهم (حسبنا الله) فلذلك لم يتعاطفا لأنهما كالشيء الواحد، فشدة الاتصال منعت العطف. قاله الكرخي. وقد أخرج البخاري والنسائي وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ وابن مرد عن أبي سعيد الخدري قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسماً إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التيمي فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي فأضرب عنقه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " [[البخاري، كتاب المغازي، باب 61.]] الحديث حتى قال: وفيهم نزلت هذه الآية. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: لما قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلاً يقول: إن هذه القسمة ما أريد بها الله، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت ذلك له فقال: " رحمة الله على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " ونزل يعني هذه الآية. إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

التوبة 9:60

(إنما الصدقات للفقراء والمساكين) لما لمز المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الصدقات، بين الله لهم مصرفها دفعاً لطعنهم وقطعاً لشغبهم (وإنما) من صيغ القصر، وتعريف الصدقات للجنس، أي جنس هذه الصدقات مقصورة على هذه الأصناف الثمانية المذكورة لا يتجاوزها بل هي لهم لا لغيرهم، ولا تعلق لرسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء منها، ولم يأخذ لنفسه منها شيئاً. وقد اختلف العلماء هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية أو يجوز صرفها إلى البعض دون البعض على حسب ما يراه الإمام أو صاحب الصدقة، فذهب إلى الأولى حذيفة والشافعي وجماعة من أهل العلم، وذهب إلى الثاني مالك وأبو حنيفة وبه قال عمر وحذيفة وابن عباس وأبو العالية وسعيد بن جبير وميمون بن مهران. قال ابن جرير: وهو قال عامة أهل العلم، احتج الأولون بما في الآية من القصر وبحديث زياد بن الحرث الصدائي عند أبي داود والدارقطني قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فبايعته فأتى رجل فقال: أعطني من الصدقة، فقال له: إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أصناف فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك [[الدارقطني كتاب الزكاة 2/ 137.]]. وأجاب الآخرون بأن ما في الآية من القصر إنما هو لبيان الصرف والمصرف لا لوجوب استيعاب الأصناف، وبان في إسناد الحديث: عبد الرحمن ابن زياد ابن أنعم الإفريقي وهو ضعيف. ومما يؤيد ما ذهب إليه الآخرون قوله تعالى: (إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم) والصدقة تطلق على الواجبة كما تطلق على المندوبة، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في فقرائكم [[الإمام أحمد 5/ 369.]]. وقد ادعى مالك الإجماع على القول الآخر. قال ابن عبد البر: يريد إجماع الصحالة فإنه لا يعلم له مخالفاً منهم وقدم الفقراء لأنهم أحوج من البقية على المشهور لشدة فاقتهم وحاجتهم. وقد اختلف أهل العلم في الفرق بين الفقير والمسكين على أقوال، فقال يعقوب ابن السكيت والقتيبي ويونس بن حبيب: إن الفقير أحسن حالاً من المسكين. قالوا لأن الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه، والمسكين الذي لا شيء له، وذهب إلى هذا قوم من أهل الفقه منهم أبو حنيفة. وقال آخرون بالعكس فجعلوا المسكين أحسن حالاً من الفقير، واحتجوا بقوله تعالى: (أما السفينة فكانت لمساكين) فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر وربما ساوت جملة من المال ويؤيده تعوذ النبي - صلى الله عليه وسلم - من الفقر مع قوله: " اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " وإلى هذا ذهب الأصمعي وغيره من أهل اللغة وحكاه الطحاوي عن الكوفيين وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه. وقال قوم أن الفقير والمسكين سواء لا فرق بينهما وهو أحد قولي الشافعي وإليه ذهب ابن القاسم وسائر أصحاب مالك وبه قال أبو يوسف. وقال قوم: الفقير المحتاج المتعفف والمسكين السائل، قاله الأزهري واختاره ابن شعبان وهو المروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة. وقد قيل غير هذه الأقوال مما لا يأتي الاستكثار منه بفائدة يعتد بها. والأولى في بيان ماهية المسكين ما ثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " ليس المسكين بهذا الطوّاف الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان قالوا فما المسكين يا رسول الله؟ قال: الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه ولا يسأل الناس شيئاً " [[مسلم 1039 - البخاري 788.]]. (والعاملين عليها) أي السعاة والجباة الذين يبعثهم الإمام لتحصيل الزكاة فإنهم يستحقون منها قسطاً. واختلف في القدر الذي يأخذونه منها فقيل الثمن روي ذلك عن مجاهد والشافعي، وقيل على قدر أعمالهم من الأجرة، روي ذلك عن أبي حنيفة وأصحابه، وقيل يعطون من بيت المال قدر أجرتهم، روي ذلك عن مالك ولا وجه لهذا، فإن الله قد أخبر بأن لهم نصيباً من الصدقة فكيف يمنعون منها ويعطون من غيرها. واختلفوا هل يجوز أن يكون العامل هاشمياً أم لا؟ فمنعه قوم وأجازه آخرون، قالوا: ويعطى من غير الصدقة ولا ينحصر العامل في الساعي والجابي، إذ منه القاسم والكاتب الذي يكتب ما أعطاه أرباب الأموال، والحاشر الذي يجمع المستحقين والعريف والحاسب. (والمؤلفة قلوبهم) هم قوم كانوا في صدر الإسلام فقيل هم الكفار الذين كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتألفهم ليسلموا وكانوا لا يدخلون في الإسلام بالقهر والسيف بل بالعطاء، وقيل هم أسلموا في الظاهر ولم يحسن إسلامهم فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتألفهم بالعطاء، وقيل هم من أسلم من اليهود والنصارى. وقيل هم قوم من عظماء المشركين لهم أتباع أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم ليؤلفوا أتباعهم على الإسلام، وقد أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم جماعة ممن أسلم ظاهراً كأبي سفيان بن حرب والحرث بن هشام وسهيل ابن عمرو، وحويطب بن عبد العزى، أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل يؤلفهم بذلك وأعطى آخرين دونهم. وقد اختلف العلماء هل سهم المؤلفة قلوبهم باق بعد ظهور الإسلام أم لا فقال عمر والحسن والشعبي: قد انقطع هذا الصنف بعزة الإسلام وظهوره، وهذا مشهور من مذهب مالك وأصحاب الرأي، وقد ادعى بعض الحنفية أن الصحابة أجمعت على ذلك وقد صار إليه الروياني وجماعة، وقال جماعة من العلماء منهم الشافعي وهو الموافق لظاهر الآية أن سهمهم باق لأن الإمام ربما احتاج أن يؤلف على الإسلام، وإنما قطعهم عمر لما رأى من إعزاز الدين، وبه أفتى الماوردي في كتابه الأحكام السلطانية، قال يونس: سألت الزهري عنهم فقال: لا أعلم نسخ ذلك وعلى القول الأول يرجع سهمهم لسائر الأصناف. ومن المؤلفة قلوبهم كفار يخاف شرهم بحيث لو أعطوا لانكف شرهم وهذا لا يعطى من زكاة ولا من غيرها باتفاق ومنهم من يذب عن المسلمين ومنهم من يقاتل من يليهم ويجاورهم من مانعي الزكاة ويقبض زكاتهم، فتلخص أن المؤلفة أقسام، وفي هذه الأقسام أقوال ذكرها في الجمل. (وفي الرقاب) أي مصروفة في فكها بأن يشتري رقاباً ثم يعتقها، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو عبيد وقال الحسن البصري ومقاتل بن حيان وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والنخعي والزهري وابن زيد: إنهم المكاتبون يعانون من الصدقة على مال الكتابة وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء وأصحاب الرأي، ورواية عن مالك، وبه قال سعيد بن جبير والضحاك والزهري والليث. ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) والأولى حمل ما في الآية على القولين جميعاً لصدق الرقاب على شراء العبد وإعتاقه، وعلى إعانة المكاتب على مال الكتابة. (والغارمين) هم الذين ركبتهم الديون ولا وفاء عندهم بها، ولا خلاف في ذلك إلا من لزمه دين في سفاهة فإنه لا يعطى منها ولا من غيرها إلا أن يتوب وقد أعان النبي صلى الله عليه وسلم من الصدقة من تحمل حمالة وأرشد إلى إعانته منها، وقال السيوطي: ولإصلاح ذات البين ولو أغنياء إذا استدانوه لذلك، وأصل الغرم في اللغة لزوم ما يشق على النفس وسمي الدين غرماً لكونه شاقاً على الإنسان ومنه قيل للعشق غرام ويعبر به عن الهلاك في قوله تعالى: (إن عذابها كان غراماً) وغرامة المال فيه مشقة عظيمة. (وفي سبيل الله) هم الغزاة والمرابطون يعطون من الصدقة ما ينفقون في غزوهم ومرابطتهم وإن كانوا أغنياء، وهذا قول أكثر العلماء وقال ابن عمر: هم الحجاج والعمار، وروي عن أحمد وإسحاق أنهما جعلا الحج من سبيل الله، وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يعطى الغازي إلا إذا كان فقيراً منقطعاً به، وقيل أن اللفظ عام فلا يجوز قصره على نوع خاص، ويدخل فيه جميع وجوه الخير من تكفين الموتى وبناء الجسور والحصون وعمارة المساجد وغير ذلك والأول أولى لإجماع الجمهور عليه. (وابن السبيل) هو المسافر، والسبيل الطريق ونسب إليها المسافر لملازمته إياها، والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره فإنه يعطى منها وإن كان غنياً في بلده، وإن وجد من يسلفه، وقال مالك: إذا وجد من يسلفه فلا يعطى، وقال قتادة: هو الضعيف، وقال فقهاء العراق: هو الحاج المنقطع في سفره والأول أولى. أخرج ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة العامل عليها أو الرجل اشتراها بماله أو غارم أو غاز في سبيل الله أو مسكين تصدق عليه فأهدى منها لغني [[أبو داوود، كتاب الزكاة، باب 25.]]. وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن عبد اللة بن عدي بن الخيار قال: أخبرني رجلان أنهما أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع وهو يقسم الصدقة فسألاه منها فرفع فينا البصر وخفضه فرآنا جلدين فقال: أن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب [[أبو داوود، كتاب الزكاة، باب 24.]]. (فريضة من الله) مصدر مؤكد لأن قوله: (إنما الصدقات للفقراء) معناه فرض الله الصدقات لهم، والمعنى أن كون الصدقات مقصورة على هذه الأصناف هو حكم لازم فرضه الله على عباده ونهاهم عن مجاوزته، وقيل أنها حال من الفقراء قاله الكرماني وأبو البقاء أي كائنة لهم حال كونها فريضة أي مصروفة أو هي بمعنى مفروضة أو مصدر وقع موقع الحال. قال في الكشاف: فإن قلت لم عدل عن اللام إلى (في) في الأربعة الأخيرة قلت للإيذان بأنها أرسخ في استحقاق التصدق عليهم ممن سبق ذكره وقيل النكتة في العدول أن الأصناف الأربعة الأول يصرف المال إليهم حتى يتصرفوا به كما شاءوا، وفي الأربعة الأخيرة لا يصرف المال إليهم بل يصرف إلى جهات الحاجات المعتبرة في الصفات التي لأجلها استحقوا سهم الزكاة. (والله عليم) بمصالح عباده (حكيم) فيما فرض لهم لا يدخل في تدبيره وحكمه نقص ولا خلل، قال السيوطي: فلا يجوز صرفها لغير هؤلاء ولا منع صنف منهم إذا وجد، فيقسمها الإمام عليهم على السواء وله تفضيل بعض آحاد الصنف على بعض، وأفادت اللام وجوب استغراق إفراده اهـ وهو ظاهر الآية. وقال الرازي: لا دلالة في الآية على قول الشافعي في أنه لا بد من صرفها إلى الأصناف وقد أشار إلى ذلك القاضي ورد عليه بعض الشيوخ، وقال: ظاهر الآية يؤيد قوله، وتمام البحث في الجمل. وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

التوبة 9:61

(ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذُنٌ) هذا نوع آخر مما حكاه الله من فضائح المنافقين وقبائحهم وذلك أنهم كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم على وجه الطعن والذم هو أذن. قال الجوهري: يقال رجل أذن إذا كان يسمع مقال كل أحد، يستوي فيه الواحد والجمع ومرادهم أقمأهم الله أنهم إذا آذوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبسطوا فيه ألسنتهم وبلغه ذلك اعتذروا له وقَبِل ذلك منهم، لأنه يسمع كل ما يقال له فيصدقه، وإنما أطلقت العرب على من يسمع ما يقال له فيصدقه أنه أذن مبالغة لأنهم سموه بالجارحة التي هي آلة السماع حتى كأن جملته أذن سامعة، ونظيره قولهم للربيئة أي الطليعة عين. وفي إطلاق الأذن عليه مجاز مرسل من إطلاق اسم الجزء على الكل للمبالغة في استماعه وإيذاؤهم له هو قولهم أذن لأنهم نسبوه إلى أنه يصدق كلما يقال له ولا يفرق بين الصحيح والباطل اغتراراً منهم بحلمه عنهم وصفحه عن جناياتهم كرماً وحلماً وتغاضياً. ثم أجاب الله عن قولهم هذا فقال: (قل) هو (أذن خير) بالإضافة وقرئ بالتنوين كأنه قيل نعم هو أذن ولكن نعم الأذن هو لكونه أذن خير (لكم) وليس بأذن في غير ذلك كقولهم رجل صدق يريدون الجودة والصلاح والمعنى أنه يسمع الخير ولا يسمع الشر. (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) أي يصدق بالله ويصدق المؤمنين لما علم فيهم من خلوص الإيمان ويقبل قولهم ويسلم ويرضى لهم ولا يقبل قول المنافقين، واللام زائدة للفرق بين إيمان الأمان من الخلود في النار وهو الإيمان المقابل للكفر، وحقه أن يعدى بالباء، وبين إيمان التسليم والتصديق فإنه يعدى باللام وإن كان حقه أن يعدى بنفسه كلتصديق. وهذا موافق لكثير من الآيات كقوله: (وما أنت بمؤمن لنا) وقوله أن ؤمنوا لكم وقوله أنؤمن لك. وأما قوله: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) وقوله: آمنتم به فمشترك الدلالة بين الإيمان بموسى والإيمان بالله لأن من آمن بموسى حقيقة آمن بالله كعكسه. (ورحمة) أي وإنه رحمة لهم، وقرئ رحمة بالخفض واستبعده النحاس عند أهل العربية، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن خير للمنافقين ورحمة لهم حيث لم يكشف أسرارهم ولم يهتك أستارهم ولا فضحهم، فكأنه قال هو أذن كما قلتم لكنه أذن خير لكم لا أذن سوء، فسلم لهم قولهم فيه إلا أنه فسره بما هو مدح له وثناء عليه وإن كانوا قصدوا به المذمة والتقصير بفطنته. (للذين آمنوا منكم) أي أظهروا الإيمان وإن لم يكونوا مؤمنين حقيقة (والذين يؤذون رسول الله) صلى الله عليه وسلم لما تقدم من قولهم هو أذن ونحو ذلك مما يصدق عليه أنه أذية لرسول الله صلى الله عليه وسلم (لهم عذاب أليم) أي شديد الألم. عن ابن عباس قال: كان نبتل بن الحرث يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجلس إليه ويسمع منه ثم ينقل حديثه إلى المنافقين وهو الذي قال لهم إنما محمد أذن من حدثه بشيء صدقه فأنزل الله فيه هذه الآية، وعن عمير بن سعد قال: فيَّ أنزلت هذه الآية؛ وذلك أن عميراً كان يسمع أحاديث أهل المدينة فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيسارّه حتى كانوا يتأذون بعمير بن سعد وكرهوا مجالسته وقالوا هو أذن فأنزلت فيه. يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ

التوبة 9:62

(يحلفون بالله لكم ليرضوكم) الخطاب للمؤمنين وذلك أن المنافقين كانوا في خلواتهم يطعنون على المؤمنين وعلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا بلغ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى المؤمنين جاء المنافقون فحلفوا على أنهم لم يقولوا ما بلغ عنهم، قاصدين بهذه الأيمان الكاذبة أن يرضوا رسول الله ومن معه من المؤمنين فنعى الله ذلك عليهم فقال: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) من إرضاء المؤمنين بالأيمان الكاذبة فإنهم لو اتقوا الله وتركوا النفاق لكان ذلك أولى لهم. وإفراد الضمير في يرضوه إما للتعظيم للجناب الإلهي بإفراده بالذكر، أو لكونه لا فرق بين إرضاء الله وإرضاء رسوله، فإرضاء الله إرضاء لرسوله أو المراد الله أحق أن يرضوه ورسوله كذلك كما قال سيبويه ورجحه النحاس أو لأن الضمير موضوع موضع الإشارة فإنه يشار به إلى الواحد والمتعدد أو الضمير راجع إلى المذكور وهو يصدق عليهما، وقال الفراء: المعنى ورسوله أحق أن يرضوه، واللة افتتاح كلام كما تقول ما شاء الله وشئت. وجواب (إن كانوا مؤمنين) محذوف أي فليرضوا الله ورسوله فإنهما أحق بالإرضاء ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والمتابعة وإيفاء الحقوق في باب الإجلال والإعظام مشهداً ومغيباً.

التوبة 9:63

(ألم يعلموا) أي أولئك المنافقون والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من الجريمة العظيمة مع علمهم بسوء عاقبتها، أي ألم يعلموا بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من فنون القوارع والإنذارات، وقرئ بالتاء على الالتفات لزيادة التقريع والتوبيخ. قال الخازن: قال أهل المعاني: ألم تعلم خطاب لمن علم شيئاً ثم نسيه أو أنكره فيقال له ألم تعلم أنه كان كذا وكذا، ولما طال مكث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهر المؤمنين والمنافقين وعلمهم من أحكام الدين ما يحتاجون إليه خاطب المنافقين بقوله: ألم تعلموا، يعني من شرائع الدين التي علمهم رسولنا. (أنه من يحادد الله) أي يخالفه (و) يخاصم (رسوله) وأصل المحاددة في اللغة وقوع هذا في حد وذلك في حد كالمشاققة، يقال حاد فلان فلاناً أي صار في حد غير حده، وكأن كل واحد من المتخاصمين صار في محل غير محل صاحبه (فَأن له) أي فحق أن له. وقال الأخفش: المعنى فوجوب النار له، وأنكره المبرد وقال هذا خطأ. (نار جهنم) وجزاء (خالداً فيها) على الدوام (ذلك) أي ما ذكر من العذاب (الخزي العظيم) أي البالغ إلى الغاية التي لا يبلغ إليها غيره وهو الذل والهوان يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ

التوبة 9:64

(يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة) قيل هو خبر وليس بأمر، وقال الزجاج: معناه ليحذر، والمعنى على الأول إن المنافقين كانوا يحذرون نزول القرآن فيهم خوفاً من الفضيحة، وعلى الثاني الأمر لهم بأن يحذروا ذلك، ومعنى عليهم على المؤمنين في شأن المنافقين على أن الضمير للمؤمنين ولا يبالي بتفكيك الضمائر عند ظهور الأمر لعود المعنى إليه. قاله الكرخي، والأولى أن يكون الضمير للمنافقين أي في شأنهم. (تنبئهم) أي المنافقين (بما في قلوبهم) مما يسرونه فضلاً عما يظهرونه، وهم وإن كانوا عالمين بما في قلوبهم فالمراد من أنباء السورة لهم اطلاعهم على أن المؤمنين قد علموا بما في قلوبهم قال قتادة: وهذه السورة كانت تسمى الفاضحة والمبعثرة والمثيرة لأنها فضحت المنافقين وبعثرت عن أخبارهم وإثارتها وأسفرت عن مخازيهم ومثالبهم. ثم أمر الله رسوله بأن يجيب عليهم فقال: (قل استهزِؤوا) هو أمر تهديد ْأي افعلوا الاستهزاء (إن الله مخرج ما تحذرون) من ظهوره حتى يطلع عليه المؤمنون إما بإنزال سورة أو بإخبار رسوله - صلى الله عليه وسلم - بذلك أو نحو ذلك

التوبة 9:65

(ولئن) لام قسم أي والله لئن (سألتهم) عما قالوه من الطعن في الدين وثلب المؤمنين وهم سائرون معك إلى تبوك بعد أن يبلغ إليك ذلك، ويطلعك الله عليه وليقولن إنما كنا نخوض ونلعب) في الحديث لنقطع به الطريق ولم نقصد ذلك، ولم يكن في شيء من أمرك ولا أمر المؤمنين. ثم أمره الله أن يجيب عنهم فقال: (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزِؤون) الاستفهام للتقريع والتوبيخ، وأثبت وقوع ذلك منهم ولم يعبأ بإنكارهم لأنهم كانوا كاذبين في الإنكار، بل جعلهم كالمعترفين بوقوع ذلك منهم حيث جعل المستهزأ به والياً لحرف النفي فإن ذلك إنما يكون بعد وقوع الاستهزاء وثبوته. ثم قال:

التوبة 9:66

(لا تعتذروا) نهياً لهم عن الاشتغال بالاعتذارات الباطلة فإن ذلك غير مقبول منهم. وقد نقل الواقدي عن أئمة اللغة أن معنى الاعتذار محو أثر الذنب وقطعه من قولهم اعتذر المنزل إذا درس، واعتذرت المياه إذا انقطعت (قد كفرتم) أي أظهرتم الكفر بما وقع منكم من الاستهزاء المذكور، وفيه أن محمداً يزعم أنه ترك في أصحابنا قرآناً وإنما هو قوله وكلامه، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم على قولهم (بعد إيمانكم) أي بعد إظهاركم الإيمان مع كونكم تبطنون الكفر. (إن نعف عن طائفة منكم) وهم من أخلص الإيمان وترك النفاق وتاب عنه كجحش بن حمير. قال الزجاج: الطائفة في اللغة الجماعة، قال ابن الأنباري: ويطلق لفظ الجمع على الواحد عند العرب (نعذب طائفة بأنهم) أي بسبب أنهم وكانوا مجرمين) مصرين على النفاق لم يتوبوا منه. الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ

التوبة 9:67

(المنافقون) وكانوا ثلثمائة (والمنافقات) وكن مائة وسبعين (بعضهم من بعض) أي متشابهون في الدين كأبعاض الشيء الواحد، ذكر هاهنا جملة أحوال المنافقين وأن ذكورهم في ذلك كإناثهم وأنهم متناهون في النفاق والبعد عن الإيمان، وفيه إشارة إلى نفي أن يكونوا من المؤمنين ورد لقولهم (ويحلفون بالله إنهم لمنكم). ثم فصل ذلك المجمل ببيان مضادة حالهم لحال المؤمنين فقال: (يأمرون) أي يأمر بعضهم بعضاً (بالمنكر) هو كل قبيح عقلاً أو شرعاً (وينهون عن المعروف) هو كل حسن عقلاً أو شرعاً، قال الزجاج: هذا متصل بقوله يحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم، أي ليسوا من المؤمنين ولكن بعضهم من بعض، أي متشابهون في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف. (ويقبضون أيديهم) أي يشحون فيما ينبغي إخراجه من المال في الصدقة والصلة والجهاد، فالقبض كناية عن الشح كما أن البسط كناية عن الكرم (نسوا الله فنسيهم) النسيان الترك، أي تركوا ما أمرهم به فتركهم من رحمته وفضله أو تركوا ذكر الله وعبادتة فترك الله ذكرهم فيمن ذكرهم بالرحمة والإحسان. لأن النسيان الحقيقي لا يصح إطلاقه على الله سبحانه، وإنما أطلق عليه هنا من باب المشاكلة المعروفة في علم البيان، فهو مجاز مرسل. ثم حكم عليهم بالفسق فقال: (إن المنافقين هم الفاسقون) الفسق الخروج عن طاعة الله إلى معاصيه والانسلاخ من كل خير، وهذا التركيب يفيد أنهم هم الكاملون في الفسق والتمرد والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير أو للإهانة والتحقير، فإن الإظهار كما يأتي للتعظيم يأتي للتحقير كما نص عليه بعضهم.

التوبة 9:68

(وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار) يقال وعده في الخير والشر، والاختلاف إنما هو بالمصدر. فمصدر الأول وعد ومصدر الثاني وعيد، فاستعمل وعد في الشر كما هنا وفي الخير فيما سيأتي في قوله: (وعد الله المؤمنين). ثم بين مآل حال أهل النفاق والكفر بأن لهم (نار جهنم خالدين) أي يصلونها مقيمين (فيها) مقدرين الخلود (هي) أي النار (حسبهم) أي كافيهم جزاء وعقاباً لا يحتاجون إلى زيادة على عذابها (ولعنهم الله) أي ومع ذلك فقد طردهم عن بابه وأبعدهم عن رحمته (ولهم عذاب مقيم) أي نوع آخر من العذاب غير النار دائم لا ينفك ىم كالزمهرير أو عذاب في الدنيا وهو ما يقاسونه من تعب النفاق إذ هم دائماً في حذر من أن يطلع المسلمون على نفاقهم. كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ

التوبة 9:69

(كالذين من قبلكم) شبه حال المنافقين بالكفار الذين كانوا من قبلهم ملتفتاً من الغيبة إلى الخطاب، أي أنتم مثل الناس قبلكم أو المعنى فعلتم مثل فعل الذين مضوا من قبلكم من الأمم. وقال الزجاج: التقدير وعد الله الكفار نار جهنم وعداً كما وعد الذين من قبلهم وقيل المعنى فعلتم كأفعال الذين من قبلكم في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقبض الأيدي. ثم وصف حال هؤلاء الكفار الذين من قبلهم وبين وجه تشبيههم بهم وتمثيل حالهم بحالهم بأنهم (كانوا أشد منكم قوة) أي بطشاً في الأبدان ومنعة من هؤلاء المنافقين والكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم (وأكثر أموالاً وأولاداً) منكم. (فاستمتعوا) أي تمتعوا، وفي صيغة الاستفعال ما ليس في صيغة التفعل من الاستزادة والاستدامة في التمتع (بخلاقهم) أي نصيبهم الذي قدره الله لهم من ملاذ الدنيا وخاضوا في الباطل واشتقاقه من الخلق بمعنى التقدير، فإنه ما قدر لصاحبه (فاستمتعتم) أنتم (بخلاقكم) أي نصيبكم الذي قدره الله لكم (كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم) أي انتفعتم به كما انتفعوا به. والغرض من هذا التمثيل ذم هؤلاء المنافقين والكفار بسبب مشابهتهم بمن قبلهم من الكفار في الاستمتاع بما رزقهم الله من الشهوات الفانية والتشاغل بها عن السعي في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية. وقد قيل ما فائدة ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانياً ثم تكريره في حق الأولين ثالثاً، وأجيب بأنه تعالى ذم الأولين بالاستمتاع بما أوتوا من حظوظ الدنيا وشهواتها ورضائهم بها وحرمانهم من سعادة الآخرة بسبب استغراقهم في تلك الحظوظ الفانية، فلما قرر تعالى هذا عاد فشبه حال المنافقين بحالهم، فيكون ذلك نهاية في المبالغة في ذم المخاطبين وتقبيح حالهم. ولم يسلك هذه الطريقة في التشبيه الثاني وهو قوله خضتم حيث لم يقل وخاضوا وخضتم كخوضهم اكتفاء بالتمهيد الأول فاستغنى عن ذكر التمهيد في التشبيه الثاني. قال ابن عباس: ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل أشبهناهم والذي نفسي بيده لتتبعنهم حتى لو دخل رجل جحر ضب لدخلتموه. (وخضتم) في الباطل وتلبستم به (كالذي خاضوا) أي خوضاً كخوضهم أو كالذين خاضوا، أو كالفوج الذي خاضوا، أو كالخوض الذي خاضوه، يقال: خضت الماء أخوضه خوضاً وخياضاً والموضع مخاضة، وهو ما جاز الناس فيه مشاة وركباناً وجمعها المخاض والمخاوض، ويقال منه خاض القوم في الحديث، والمعنى خضتم في أسباب الدنيا واللهو واللعب، وقيل في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب، ودخلتم في ذلك. (أولئك) إشارة إلى كل من المشبهين والمشبه بهم فهي لمجموع الفريقين (حبطت) بطلت (أعمالهم) أي ما عملوه مما هو في صورة طاعة لا هذه الأعمال المذكورة هنا فإنها من المعاصي وعاقبتها غنية عن البيان (في الدنيا والآخرة) أي إنها باطلة على كل حال، أما بطلانها في الدنيا فلأن ما يترتب على أعمالهم فيها من السعة والصحة وغير ذلك لا يحصل لهم بل يصير ما يرجونه من الغنى فقراً، ومن العز ذلاً ومن القوة ضعفاً، وأما في الآخرة فلأنهم يصيرون إلى عذاب النار، ولا ينتفعون بشيء مما عملوه من الأعمال التي يظنونها طاعة وقربة. أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (وأولئك هم الخاسرون) أي المتمكنون في الخسران الكاملون فيه في الدنيا والآخرة.

التوبة 9:70

(ألم يأتهم) أي المنافقين، رجوع إلى الغيبة عن الخطاب ففيه التفات وهو استفهام بمعنى التقرير والتحذير، أي قد أتاهم (نبأ الذين من قبلهم) أي خبرهم الذي له شأن، وهو ما فعلوه من التكذيب وما فعل بهم من الإهلاك، ولما شبه حالهم بحالهم فيما سلف على الإجمال في المشبه بهم، ذكر منهم هاهنا ست طوائف قد سمع العرب أخبارهم لأن آثارهم باقية، وبلادهم بالشام والعراق واليمن، وكل ذلك قريب من أرض العرب، فكانوا يمرون عليهم ويعرفون أخبارهم. (قوم نوح) وقد هلكوا بالإغراق وأهلكوا بالطوفان وهم أولهم (و) ثانيهم قوم (عاد) وقد أهلكوا بالريح العقيم (و) ثالثهم قوم (ثمود) وقد أخذوا بالصيحة وأهلكوا بالرجفة (وقوم إبراهيم) وقد سلط الله عليهم البعوض وقيل أهلكوا بسلب النعمة عنهم وهم رابعهم (وأصحاب مدين) وهم قوم شعيب وقد أخذتهم الرجفة وأهلكوا بعذاب يوم الظلة وهي غمامة أطبقت عليهم وهم خامسهم (و) سادسهم أصحاب (المؤتفكات) وهي قرى قوم لوط وقد أهلكهم الله بما أمطر عليهم من الحجارة، فإن كانت مرادة به فهي على حقيقتها وإن كان المراد مطلق قرى المكذبين وهي لم تخسف بأجمعها فيكون المراد به مجازاً انقلاب حالها من الخير إلى الشر تشبيهاً له بالخسف على طريق الاستعارة كقول ابن الرومي: وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة ... أعاليها بل أن تسود الأراذل وهي بدل من الذين بدل بعض من كل، فقوله: وعاد إلى آخر المعطوفات كلها على قوم نوح لا على نوح غير أن الأخير وهو المؤتفكات على حذف مضاف كما قدرنا إذ هي القرى، وليست من الذين خلوا حتى تكون من جملة البدل، وسميت مؤتفكات لأنها انقلبت بهم حتى صار عاليها سافلها، والائتفاك الانقلاب يقال أفكه إذا قلبه وبابه ضرب، ويقال أفكته فائتفك أي قلبته فانقلب، والمادة تدل على التحول والصرف، ومنه (يؤفك عنه من أفك) أي يصرف. (آتتهم) استئناف لبيان نبأهم (رسلهم) أي رسل هذه الطوائف الست، وقيل رسل أصحاب المؤتفكات لأن رسولهم لوط وقد بعث إلى كل قرية من قراهم رسولاً (بالبينات) أي المعجزات الباهرات والحجج الواضحات الدالة على صدقهم فكذبوهم وخالفوا أمرنا، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصابهم، والفاء في (فما كان الله ليظلمهم) للعطف على مقدر يدل عليه الكلام، أي فكذبوهم فأهلكهم الله فما ظلمهم بذلك ولم يعجل العقوبة لهم، لأنه قد بعث إليهم رسله فأنذروهم وحذروهم. (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بسبب ما فعلوه من الكفر بالله وعدم الانقياد لأنبيائه، وهذا التركيب يدل على أن ظلمهم لأنفسهم كان مستمراً. وقيل تقديم المفعول لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم. وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

التوبة 9:71

(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) أي قلوبهم متحدة في التوادد والتحابب والتعاطف واتفاق الكلمة والعون والنصر بسبب ما جمعهم من أمر الدين وضمهم من الإيمان بالله. قال ابن عباس: آخاهم في الله يتحابون بجلال الله والولاية له فظهر الفرق بين الفريقين. ثم بين أوصافهم الحميدة كما بين أوصاف من قبلهم من المنافقين فقال: (يأمرون بالمعروف) أي بما هو معروف في الشرع غير منكر، ومن ذلك توحيد الله سبحانه وترك عبادة غيره (وينهون عن المنكر) أي عما هو منكر في الدين غير معروف أي جنس المعروف وجنس المنكر الشاملين لكل خير وشر، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأحاديث ما هو معروف. (ويقيمون الصلاة) المفروضة ويتمون أركانها وحدودها فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ما سبق من قوله نسوا الله (ويؤتون الزكاة) الواجبة عليهم وهو في مقابلة قوله: (يقبضون أيديهم) قيل خصصهما بالذكر من جملة العبادات لكونهما الركنين العظيمين فيما يتعلق بالأبدان والأموال، وقد تقدم معنى هذا. (ويطيعون الله ورسوله) في جميع ما أمرهم بفعله أو نهاهم بتركه، وهذا في مقابلة وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة. (أولئك) يعني المؤمنين والمؤمنات المتصفين بهذه الأوصاف الفاضلة (سيرحمهم الله) السين للمبالغة في إنجاز الوعد والدلالة على تحقق ذلك وتقرره بمعونة المقام كما هنا إذ السين موضوعة للدلالة على الوقوع مع التأخير، فإذا كان المقام ليس مقام تأخير لكونه بشارة ووعداً تمحضت لتأكيد الوقوع أي وقوع ما وعد به من الرحمة والرضوان وما أعد لهم من النعيم المقيتم في الجنان. (إن الله عزيز) لا يغالب ولا يعجزه شيء عن إنجاز وعده ووعيده (حكيم) في أفعاله وأقواله لا يضع شيئاً إلا في محله، وفيه ترغيب وترهيب وتعليل لقوله سيرحمهم الله. ثم ذكر تفصيل ما يدخل تحت آثار الرحمة إجمالاً باعتبار الرحمة في الدار الآخرة فقال:

التوبة 9:72

(وعد الله المؤمنين والمؤمنات) أي كل مؤمن ومؤمنة (جنات تجري من تحتها الأنهار) الإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير والإشعار بعلية وصف الإيمان للوعد المذكور، ومعنى جري الأنهار من تحت الجنات أنها تجري تحت أشجارها وغرفها، والمراد البساتين التي يتحير في حسنها الناظر. (خالدين) أي مقدرين الخلود (فيها) وقد تقدم تحقيق الآية في البقرة (ومساكن) أي منازل يسكنون فيها من الدر والياقوت (طيبة) تستطيبها النفوس ويطيب فيها العيش (في جنات عدن) إقامة، يقال عدن بالمكان إذا أقام به ومنه المعدن أي بساتين خلد، وقيل هي أعلى الجنة، وقيل أوسطها، وقيل قصور من ذهب لا يدخلها إلا نبي أو صديق أو شهيد. وأخرج ابن أبي حاتم والطبري بسنده عن عمران وابن مردويه عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير قوله تعالى: (ومساكن طيبة في جنات عدن) وقالا: على الخبير سقطت، سألنا عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون داراً من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتاً من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريراً على كل سرير سبعون فراشاً من كل لون على كل فراش امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة في كل مائدة سبعون لوناً من كل طعام في كل بيت سبعون وصيفاً ووصيفة فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة واحدة ما يأتي على ذلك كله أجمع: قلت: ووصف الله الجنة هنا بأوصاف. الأول: جري الأنهار من تحتها ليميل الطبع إليها. والثاني: أنهم فيها خالدون لا يعتريهم فيها فناء ولا تغيير. والثالث: طيب مساكنها الخالية عن الكدورات، والرابع: أنها ذات عدن أي إقامة غير منقطعة، هذا على ما هو معنى عدن لغة وقيل هو علم. قال الرازي: والحاصل أن في عدن قولين: أحدهما أنه اسم علم لموضع معين في الجنة، والآثار والأخبار تقوي ذلك، وقال الزمخشري: أنه علم بدليل قوله جنات عدن التي وعد الرحمن عباده. والثاني أنه صفة للجنة بمعنى إقامة، فبهذا الاشتقاق قالوا الجنات كلها عدن، والأحاديث في صفة الجنات وأصنافها كثيرة، وقد أوضحت المقام في كتابي مثير ساكن الغرام إلى روضات دار السلام فليرجع إليه. (ورضوان) يسير (من الله أكبر) من ذلك كله الذي أعطاهم الله إياه إذ عليه يدور فوز كل خير وسعادة، وبه يناط كل شرف وسيادة، ولعل عدم نظمه في سلك الموعود به مع عزته في نفسه لأنّه متحقق في ضمن كل موعود، ولأنه مستمر في الدارين. وفيه دليل على أنه لا شيء من النعم وإن جلت وعظمت يماثل رضوان الله سبحانه، وإن أدنى رضوان الله لا يساويه شيء من اللذات الجسمانية وإن كانت على غاية ليس وراءها غاية، اللهم ارض عنا رضاً لا يشوبه سخط، ولا يكدره نكد يا من بيده الخير دقه وجله. (ذلك) أي ما تقدم مما وعد الله به المؤمنين والمؤمنات (هو الفوز العظيم) دون كل فوز مما يعده الناس فوزاً من حطام الدنيا، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله يقول لأهل الجنة يا أهل الجنة، فيقولون لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول هل رضيتم؛ فيقولون ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطه أحداً من خلقك، فيقول ألا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك، قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبداً " [[مسلم 2829 - البخاري 2458.]]. يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ

التوبة 9:73

(يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بهذا الجهاد أمر لأمته من بعده، وجهاد الكفار يكون بمقاتلتهم بالسيف والسنان حتى يسلموا، وجهاد المنافقين يكون بإقامة الحجة عليهم باللسان والبيان حتى يخرجوا عنه ويؤمنوا بالله، وبه قال ابن مسعود، قال الحسن: إن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم، واختاره قتادة، قيل في توجيهه إن المنافقين كانوا أكثر من يفعل موجبات الحدود. قال ابن العربي: إن هذه دعوى لا برهان عليها وليس العاصي بمنافق، إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق دائماً لا بما يتلبس به الجوارح ظاهراً، وأخبار المحدودين تشهد سياقتها أنهم لم يكونوا منافقين. وقال الطبري: أولى الأقوال قول ابن مسعود لأن الجهاد عبارة عن بذل الجهد، وقد دلت الآية على وجوب جهاد المنافقين، وليس في الآية ذكر كيفية ذلك الجهاد فلا بد من دليل آخر، وقد دلت الدلائل المنفصلة أن الجهاد مع الكفار إنما يكون بالسيف، ومع المنافقين بإظهار الحجة عليهم تارة، وبترك الرفق بهم تارة، وبالانتهار تارة، وهذا هو قول ابن مسعود. (واغلظ) أي شدد (عليهم) أي الفريقين بالانتهار والمقت والجهاد، وأصل الغلظ قبض الرأفة وهو شدة القلب وخشونة الجانب، قيل وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصلح والصفح (ومأواهم) أي مسكنهم (جهنم) قال أبو البقاء: إن قيل كيف حسنت الواو هنا والفاء أشبه بهذا الموضع، ففيه ثلاثة أجوبة. أحدها: أن الواو واو الحال وتلك الحال حال كفرهم، والتقدير افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنم. والثاني تقديره واعلم أن مأواهم جهنم. والثالث أن الكلام قد حمل على المعنى، والمعنى أنه قد اجتمع لهم عذاب الدنيا بالجهاد والغلظة وعذاب الآخرة، فيجعل جهنم مأواهم، قال السمين: ولا حاجة إلى هذا كله بل هذه جملة استئنافية. قال أبو السعود: مستأنفة لبيان مآل أمرهم بعد بيان عاجله (وبئس المصير) مصيرهم إليها. ثم ذكر من خصال المنافقين أنهم يحلفون الأيمان الكاذبة فقال:

التوبة 9:74

(يحلفون بالله ما قالوا) استئناف مسوق لبيان ما صدر عنهم من الجرائم الموجبة للأمر بجهادهم والغلظة عليهم. وقد اختلف أئمة التفسير في سبب نزول هذه الآية، فقيل نزلت في الجلاس ابن سويد بن الصامت ووديعة بن ثابت، وذلك أنه لما كثر نزول القرآن في غزوة تبوك في شأن المنافقين وذمهم فقالا: لئن كان محمد صادقاً على إخواننا الذين هم سادتنا وخيارنا لنحن شر من الحمير، فقال له عامر بن قيس أجل والله إن محمداً لصادق مصدق، وإنك لشر من الحمار، وأخبر عامر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء الجلاس فحلف بالله أن عامراً لكاذب، وحلف عامر لقد قال، وقال: اللهم أنزل على نبيك شيئاً فنزلت. وقيل إن الذي سمع ذلك عاصم بن عدي وقيل حذيفة. وقيل بل سمعه ولد امرأته -أي امرأة الجلاس- واسطه عمير بن سعد فهمّ الجلاس بقتله لئلا يخبر بخبره. وقيل إن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين لما قال ما مثلنا ومثل محمد إلا كما قال القائل سمّن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فجاء عبد الله بن أبيّ فحلف أنه لم يقله. وقيل أنه قول جميع المنافقين، وإن الآية نزلت فيهم، وعلى تقدير أن القائل واحد أو اثنان فنسبة القول إلى جميعهم هي باعتبار موافقة من لم يقل ولم يحلف من المنافقين لمن قد قال وحلف، وفي الباب أحاديث مختلفة في سبب نزول هذه الآية وفيما ذكرناه كفاية. ثم رد الله على المنافقين وكذبهم وبين أنهم حلفوا كذباً فقال: (ولقد قالوا كلمة الكفر) وهي ما تقدم بيانه على اختلاف الأقوال السابقة (وكفروا بعد إسلامهم) أي كفروا بهذه الكلمة بعد إظهارهم الإسلام وإن كانوا كفاراً في الباطن، والمعنى أنهم فعلوا ما يوجب كفرهم على تقدير صحة إسلامهم. (وهموا بما لم ينالوا) قيل هو همهم بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة في غزوة تبوك وهم بضعة عشر رجلاً فضرب عمار بن ياسر، وفي قول حذيفة بن اليمان وجوه الرواحل لما غشوه فرجعوا، والقصة مبسوطة في سيرة الحلبي وغيرها، وقيل هموا بعقد التاج على رأس عبد الله بن أبيَّ، وقيل هو همَّ الجلاس بقتل من سمعه يقول تلك المقالة فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) أي ما عابوا وأنكروا وكرهوا إلا ما هو حقيق بالمدح والثناء، وهو إغناء الله لهم من فضله، والاستثناء مفرغ من أعم العام فهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، وقد كان هؤلاء المنافقون في ضيق من العيش فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة اتسعت معيشتهم وكثرت أموالهم، فجعلوا موضع شكر النبي صلى الله عليه وسلم النقمة، وقيل إنهم بطروا النعمة أشراً. (فإن يتوبوا) أي فإن تحصل منهم التوبة والرجوع إلى الحق (يك) ذلك الذي فعلوه من التوبة (خيراً لهم) في الدين والدنيا، وقد تاب الجلاس ابن سويد وحسن إسلامه، وفي ذلك دليل على قبول التوبة من المنافق والكافر، وقد اختلف العلماء في قبولها من الزنديق، فمنع قبولها مالك وأتباعه لأنه لا يعلم صحة توبته إذ هو في كل حين يظهر التوبة والإسلام. (وإن يتولوا) أي يعرضوا عن التوبة والإيمان ويصروا على النفاق والكفر (يعذبهم الله عذاباً أليماً في الدنيا) بالقتل والأسر ونهب الأموال عاجلاً فلا ينافي ما سبق من أن قتالهم باللسان والحجة لا بالسيف، لأن ذاك إذا لم يظهروا الكفر بل أظهروا الإيمان (و) في (الآخرة) بعذاب النار آجلاً (وما لهم في الأرض) مع سعتها وتباعد أقطارها وكثرة أهلها (من ولي) يواليهم (ولا نصير) ينصرهم. وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ

التوبة 9:75

(ومنهم من عاهد الله لئن) هي لام قسم أي والله لئن (آتانا من فضله) بأن يوسع علينا في الرزق (لنصدَّقنَّ) هي لام الجواب للقسم وحذف جواب الشرط لدلالة هذا الجواب عليه، ولا يمتنع الجمع بين القسم واللام الموطئة له، أي لنخرج من ذلك المال الصدقة وهي أعم من المفروضة وغيرها (ولنكونن من الصالحين) أي من جملة أهل الصلاح من المؤمنين القائمين بواجبات الدين التاركين لمحرماته، والصلاح ضد الفساد، والمفسد هو الذي يبخل بما يلزمه في حكم الشرع.

التوبة 9:76

(فلما آتاهم من فضله بخلوا به) أي لما أعطوهم ما طلبوا من الرزق لم يتصدقوا بشيء منه كما حلفوا به (وتولوا) أي أعرضوا عن طاعة الله وإخراج صدقات ما أعطاهم الله من فضله (وهم) أي والحال أنهم (معرضون) وفي جميع الأوقات قبل أن يعطيهم الله ما أعطاهم من الرزق وبعده. عن ابن عباس قال: ذلك أن رجلاً كان يقال له ثعلبة من الأنصار أتى مجلساً فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله آتيت كل ذي حق حقه وتصدقت منه، وجعلت منه للقرابة، فابتلاه الله فآتاه من فضله فأخلف ما وعده فأغضب الله بما أخلف ما وعده، فقص الله شأنه في القرآن. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم هذه القصة بأطول من هذا جداً، وفيه قال: يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له -يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، فقال ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال اللهم ارزقه مالاً، فاتخذ غنماً فنمت كما تنمى الدود حتى ضاقت بها المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يشهدها بالليل، ثم نمت حتى لا يشهد جمعة ولا جنازة. الحديث [[ابن كثير 2/ 374 (الحديث بطوله).]].

التوبة 9:77

(فأعقبهم) الله سبحانه (نفاقاً في قلوبهم) بسبب البخل الذي وقع منهم والإعراض نفاقاً كائناً في قلوبهم متمكناً منها مستمراً فيها (إلى يوم يلقونه) أي الله عز وجل، وقيل أن الضمير يرجع إلى البخل، أي فأعقبهم البخل بما عاهدوا الله عليه إلى يوم يلقون البخل أي جزاء بخلهم، يعني أن الله سبحانه جعل النفاق المتمكن في قلوبهم إلى تلك الغاية عاقبة ما وقع منهم من البخل. (بما أخلفوا الله ما وعدوه) الباء للسببية أي بسبب إخلافهم لما وعدوه من التصدق والصلاح وكذلك الباء في (وبما كانوا يكذبون) أي وبسبب تكذيبهم لما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان " [[مسلم 59 - البخاري 31.]]، وعن ابن عمرو ابن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خلة كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها "، الحديث وفيه: " إذا خاصم فجر " [[مسلم 58 - البخاري 32.]]. أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ثم أنكر عليهم فقال:

التوبة 9:78

(ألم يعلموا) أي المنافقون (إن الله يعلم سرهم ونجواهم) أي جميع ما يسرونه من النفاق وما يتناجون به فيما بينهم من الطعن على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه وعلى دين الإسلام (وأن الله علام الغيوب) أي ما غاب عن العيان فلا يخفى عليه شيء من الأشياء المغيبة كائناً ما كان، ومن جملة ذلك ما يصدر عن المنافقين.

التوبة 9:79

(الذين يلمزون) أي يعيبون وقال قتادة يطعنون (المطوّعين) أي المتطوعين والتطوع التبرع والتنفل بما ليس بواجب (من المؤمنين في الصدقات) والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون المسلمين إذا تطوعوا بشيء من أموالهم وأخرجوه للصدقة فكانوا يقولون ما أغنى الله عن هذا ويقولون ما فعلوا هذا إلا رياء ولم يكن لله خالصاً. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: لما نزلت آية الصدقة كنا نتحامل على ظهورنا فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا مراء، وجاء أبو عقيل بنصف صاع فقال المنافقون: إن الله لغني عن صدقة هذا فنزلت هذه الآية، وفي الباب روايات كثيرة. (والذين لا يجدون إلا جهدهم) بالضم الطاقة وهي لغة أهل الحجاز وبالفتح لغيرهم وهي المشقة، وقيل هما لغتان ومعناهما واحد، وفي القرطبي: الجهد شيء يسير يعيش به المقل، وقد تقدم بيان ذلك، والمعنى أن المنافقين كانوا يعيبون المؤمنين الذين كانوا يتصدقون بما فضل عن كفايتهم. (فيسخرون منهم) أي يستهزئون بهم لحقارة ما يخرجونه في الصدقة مع كون ذلك جهد المقل وغاية ما يقدر عليه ويتمكن منه، يقال سخرت منه سخراً من باب تعب هزئت به، والسخري بالكسر اسم منه وبالضم لغة فيه، والسخرة وزان غرفة ما سخرت من خادم أو جارية أو دابة بلا أجر ولا ثمن، والسخري بالضم بمعناه وسخرته في العمل بالتثقيل استعملته مجاناً، وسخر الله الإبل ذللها وسهلها ومنه سخر لنا هذا وما كنا لَهُ مقرنين. (سخر الله منهم) أي جازاهم على ما فعلوه من السخرية بالمؤمنين بمثل ذلك فسخر الله منهم بأن أهانهم وأذلهم وعذبهم، والتعبير بذلك من باب المشاكلة كما في غيره، وقيل هو دعاء عليهم بأن يسخر الله بهم كما سخروا بالمسلمين (ولهم عذاب أليم) أي ثابت مستمر شديد الألم في الآخرة. اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ

التوبة 9:80

(استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن صدور الاستغفار منه للمنافقين وعدمه سواء، فهذا كلام خرج مخرج الأمر ومعناه الخبر، وذلك لأنهم ليسوا بأهل الاستغفار منه صلى الله عليه وسلم ولا للمغفرة من الله سبحانه فهو كقوله تعالى (قل أنفقوا طوعاً أو كرهاً لن يتقبل منكم) وفيه بيان لعدم المغفرة من الله سبحانه للمنافقين وإن أكثر النبي صلى الله عليه وسلم من الاستغفار لهم. وليس المراد من هذا أنه لو زاد على السبعين لكان ذلك مقبولاً كما في سائر مفاهيم الأعداد، بل المراد بهذا المبالغة في عدم القبول فقد كانت العرب تجري ذلك مجرى المثل في كلامها عند إرادة التكثير، والمعنى أنه لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم استغفاراً بالغاً في الكثرة غاية المبالغ. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أن التقييد بهذا العدد المخصوص يفيد قبول الزيادة عليه، ويدل لذلك ما أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عروة أن عبد الله ابن أبيَّ قال: لولا أنكم تنفقون على محمد وأصحابه لانفضوا من حوله، وهو القائل (ليخرجن الأعز منها الأذل) فأنزل الله واستغفر لهم أو لا تستغفر (لهم) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأزيدن على السبعين، فأنزل الله (سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم) وعن مجاهد وابن عباس نحوه. قال الضحاك: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله قد رخص لي فسأزيد على السبعين، لعل الله أن يغفر لهم فأنزل الله (سواء عليهم) الآية، يعني فبين له حسم المغفرة. ومعلوم أنه لم يخف عليه ذلك وإنما أراد بما قال إظهار كمال رحمته ورأفته بمن بعث إليهم، وفيه لطف بأمته وحث على المراحم وشفقة بعضهم على بعض، وهذا دأب الأنبياء كما قال إبراهيم (ومن عصاني فإنك غفور رحيم). وذكر بعضهم لتخصيص السبعين وجهاً وليس بشيء فقال أن السبعة عدد شريف لأنها عدد السموات والأرضين والبحار والأقاليم والنجوم السيارة والأعضاء وأيام الأسبوع، فصير كل واحد من السبعة إلى عشرة لأن الحسنة بعشرة أمثالها. وقيل خصت السبعون بالذكر لأنه صلى الله عليه وسلم كبر على عمه حمزة سبعين تكبيرة فكأنه قال أن تستغفر لهم سبعين مرة بإزاء تكبيراتك على حمزة وهذا كالذي قبله. ثم علل عدم المغفرة لهم بقوله: (ذلك) الامتناع ليس لعدم الاعتداد باستغفارك بل (بأنهم كفروا بالله ورسوله) ولفظ الكرخي ذلك اليأس من الغفران لهم بسبب أنهم كفروا لا ببخل منا أو قصور فيك، بل لعدم قابليتهم بسبب الكفر الصارف عنه. اهـ. (والله لا يهدي القوم الفاسقين) أي المتمردين الخارجين عن الطاعة المتجاوزين لحدودها، والمراد هنا الهداية الموصلة إلى المطلوب لا الهداية التي بمعنى الدلالة وإراءة الطريق. فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ثم ذكر سبحانه نوعاً آخر من قبائح المنافقين فقال

التوبة 9:81

(فرح المخلفون) وهم المتروكون وهم الذين استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين فأذن لهم وخلفهم بالمدينة في غزوة تبوك أو الذين خلفهم الله وثبطهم أو الشيطان أو نفاقهم أو كسلهم أو المؤمنون (بمقعدهم) أي بقعودهم، يقال قعد قعوداً ومقعداً أي جلس وأقعده غيره، ذكر معناه الجوهري (خلاف رسول الله) فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه منصوب على المصدر أي تخلفوا خلاف رسول الله والثاني: أنه مفعول من أجله أي فرحوا لأجل مخالفتهم رسول الله أو بقعودهم لمخالفتهم له، وإليه ذهب الطبري والزجاج، ويؤيده قراءة خلف بضم الخاء وسكون اللام والثالث أن ينتصب على الظرف أي بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقال أقام زيد خلاف القوم أي تخلف بعد ذهابهم، وخلاف أن يكون ظرفاً، وإليه ذهب أبو عبيدة وعيسى بن عمر. قال الأخفش ويونس: الخلاف بمعنى الخلف، وذلك أن جهة الأمام التي يقصدها الإنسان تخالفها جهة الخلف، وقال قطرب: معنى خلاف رسول الله مخالفة الرسول. حين سار إلى تبوك وأقاموا أي قعدوا لأجل المخالفة أو مخالفين له (وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) لكمال شحهم بالأموال والأنفس، وعد وجود باعث الإيمان وداعي الإخلاص، ووجود الصارف عن ذلك وهو ما هم فيه من النفاق، وفيه تعريض بالمؤمنين الباذلين لأموالهم وأنفسهم في سبيل الله لوجود الداعي معهم وانتفاء الصارف عنهم، وفي الخازن وكرهوا الخروج إلى الجهاد، وذلك أن الإنسان يميل بطبعه إلى إيثار الراحة والقعود مع الأهل والولد ويكره إتلاف النفس والمال. (وقالوا) أي قال المنافقون لإخوانهم (لا تنفروا في الحر) تثبيطاً لهم وكسراً لنشاطهم وتواصياً بينهم بالمخالفة لأمر الله ورسوله، وكانت غزوة تبوك في شدة الحر والقحط، فأمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: (قل نار جهنم أشد حراً) المعنى أنكم أيها المنافقون كيف تفرون من هذا الحر اليسير، ونار جهنم التي ستدخلونها خالدين فيها أبداً أشد حراً مما فررتم منه، فإنكم إنما فررتم من حر يسير في زمن قصير، ووقعتم في حر كثير في زمن كبير، بل غير متناه أبد الآبدين ودهر الداهرين. (لو كانوا يفقهون) أنها كذلك لما فعلوا ما فعلوا، وهذا اعتراض تذييلي من جهته تعالى غير داخل تحت القول المأمور به مؤكد لمضمونه.

التوبة 9:82

(فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً) هذان الأمران معناهما الخبر والمعنى فسيضحك هؤلاء الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قليلاً بالنسبة للبكاء في الآخرة وإن كان كثيراً في نفسه لأن الدنيا فانية والآخرة باقية، والمنقطع الفاني بالنسبة إلى الدائم الباقي قليل، ويبكون كثيراً، وإنما جيء بهما على لفظ الأمر للدلالة على أن ذلك أمر محتوم لا يكون غيره، والتقدير ضحكاً قليلاً وبكاء كثيراً أو زماناً قليلاً وزماناً كثيراً. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً " [[البخاري كتاب الكسوف باب 2.]] أخرجه البخاري. (جزاء بما كانوا يكسبون) من المعاصي، والمعنى يجزون جزاء، أو سبب الأمر بقلة الضحك وكثرة البكاء جزاؤهم بعملهم. فإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84) وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ

التوبة 9:83

(فإن رجعك الله) الرجع متعد كالرد والرجوع لازم واللازم من باب جلس والمتعدي من باب قطع وفي الكرخي معنى الرجوع تصيير الشيء إلى المكان الذي كان فيه، يقال رجعته رجعاً كقولك رددته رداً والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها. وإنما قال (إلى طائفة منهم) لأن جميع من أقام بالمدينة لم يكونوا منافقين بل كان فيهم غيرهم من المؤمنين لهم أعذار صحيحة، وفيهم من المؤمنين من لا عذر له، ثم عفا عنهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتاب الله عليهم كالثلاثة الذين خلفوا، وسيأتي بيان ذلك. وقيل إنما قال: (إلى طائفة) لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف، وفي البيضاوي أن المتخلفين كانوا اثني عشر رجلاً. (فاستأذنوك للخروج) معك في غزوة أخرى بعد غزوتك هذه (فقل) لهم إخراجاً لهم عن ديوان الغزاة وإبعاداً لمحلهم عن محفل صحبتك (لن تخرجوا معي أبداً) إلى غزوة ولا إلى سفر، وهذا إخبار في معنى النهي للمبالغة (ولن تقاتلوا معي عدوا) أي قل لهم ذلك عقوبة لهم ولما في استصحابهم من المفاسد كما تقدم في قوله (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً). (إنكم رضيتم بالقعود) تعليل أي لن تخرجوا معي ولن تقاتلوا لأنكم رضيتم بالقعود والتخلف (أول مرة) وهي غزوة تبوك، والفاء في (فاقعدوا مع الخالفين) لتفريع ما بعدها على ما قبلها، والخالفين جمع خالف كأنهم اخلفوا الخارجين، والمراد بهم من تخلف عن الخروج بعد القوم، وقيل المعنى فاقعدوا مع الفاسدين، من قولهم فلان خالف أهل بيته إذا كان فاسداً فيهم. ومن ذلك خلف اللبن أي فسد بطول المكث في السقاء، ذكر معناه الأصمعي وقرئ مع الخلفين، قال الفراء: معناه المخالفين، قيل المراد بهم النساء والصبيان والرجال العاجزون، فلذلك جاز جمعه للتغليب. وقال قتادة: الخالفون النساء وهو مردود لأجل الجمع، قال ابن عباس: الخالفين هم الرجال الذين تخلفوا عن الغزو بغير عذر، وفي الآية دليل على أن الرجل إذا ظهر منه مكروه وخداع وبدعة يجب الانقطاع عنه وترك مصاحبته.

التوبة 9:84

(ولا تصلّ على أحد منهم مات أبداً) يعني صلاة الجنازة (ولا تقم على قبره) قال الزجاج: معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دفن الميت وقف على قبره ودعا له فمنع هاهنا منه، وقيل معناه لا تقم بمهمات إصلاح قبره. ولا تتول دفنه، ولما نزلت هذه الآية ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على منافق ولا قام على قبره بعدها. (إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون) تعليل للنهي عن الصلاة والقيام على قبره، وإنما وصفهم بالفسق بعد وصفهم بالكفر لأن الكافر قد يكون عدلاً في دينه بأن يؤدي الأمانة، ولا يضمر لأحد سوءاً، وقد يكون خبيثاً في نفسه كثير الكذب والمكر والنفاق والخداع والجبن وإضمار السوء للغير والخبث وهي مستقبحة في كل دين عند كل أحد. وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول أتى ابنه عبد الله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه ليكفنه فيه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام عمر فأخذ ثوبه فقال: يا رسول الله أتصلي عليه وقد نهاك الله أن تصلي على المنافقين فقال: " إن الله خيرني وقال (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم) وسأزيد على السبعين، فقال إنه منافق فصلى عليه فأنزل الله (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) الآية فترك الصلاة عليهم [[مسلم 2400 - البخاري 675.]]، والحديث له ألفاظ في الصحاح والسنن. وكان ابن أبيّ رئيس الخزرج وينسب لأبيه وأمه فأبوه أبيّ وأمه سلول وكان اسمه عبد الله.

التوبة 9:85

(ولا تعجبك) نهى رسوله أن تعجبه (أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون) هذا تكرير لما سبق في هذه السورة وتقرير لمضمونه وإرادة أن يكون المخاطب به على بال ولا ينساه، وإن يعتقد أن العمل به مهم، وقيل أن الآية المتقدمة في قوم وهذه في آخرين، وقيل هذه في اليهود والأولى في المنافقين وقيل غير ذلك. وقد تقدم في الآية الأولى جميع ما يحتاج إليه في تفسير هذه الآية، وذكر في الخازن ما حصل من التفاوت في الألفاظ في هاتين الآيتين ولا يأتي بكثير فائدة. وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ثم عاد الله سبحانه إلى توبيخ المنافقين فقال:

التوبة 9:86

(وإذا أنزلت سورة) أي طائفة من القرآن، ويجوز أن يراد بعض السورة وأن يراد تمامها وقيل هي هذه السورة (أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله) الخطاب للمنافقين أي أخلصوا في إيمانكم وجهادكم، وإنما قدم الأمر بالإيمان لأن الاشتغال بالجهاد لا يفيد إلا بعد الإيمان. (استأذنك أولوا الطول منهم) أي ذوو الفضل والسعة والقدرة وأهل الغنى والثروة، من طال عليه طولاً، كذا قال ابن عباس والحسن، وقال الأصم: هم الرؤساء والكبراء المنظور إليهم، وخصهم بالذكر. لأن الذم لهم ألزم إذ لا عذر لهم في القعود، ولأن العاجز عن السفر والجهاد لا يحتاج إلى الاستئذان. (وقالوا) عطف تفسيري (ذرنا) أي اتركنا (نكن مع القاعدين) أي المتخلفين عن الغزو من المعذورين كالضعفاء والزَّمْنَى.

التوبة 9:87

(رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) استئناف لبيان سوء صنيعهم، والخوالف جمع خالفة ولذا قيل الخوالف النساء اللاتي يخلفن الرجال في القعود في البيوت، وجوز بعضهم أن يكون جمع خالف وهو من لا خير فيه وهو مردود، فإن فواعل لا يكون جمعاً لفاعل وصفاً لعاقل إلا ما شذ من نحو فوارس ونواكس وهوالك، وقال النحاس: يجوز أن تكون من صفة الرجال بمعنى أنها جمع خالفة يقال رجل خالفة أي لا خير فيه، فعلى هذا يكون جمعاً للذكور باعتبار لفظه. (وطبع على قلوبهم) كقوله ختم الله على قلوبهم وقد مر تفسيره (فهم لا يفقهون) شيئاً مما فيه نفعهم وضرهم بل هم كالأنعام أي لا يفهمون الخير الذي في الجهاد ولا الشر الذي في التخلف.

التوبة 9:88

(لكن الرسول والذين آمنوا معه جاهدوا بأموالهم وأنفسهم) المقصود من الاستدراك الإشعار بأن تخلف هؤلاء غير ضائر فإنه قد قام بفريضة الجهاد من هو خير منهم وأخلص نية كما في قولة: (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوماً ليسوا بها بكافرين) وقد تقدم بيان الجهاد بالأموال والأنفس. ثم ذكر منافع الجهاد فقال: (وأولئك لهم الخيرات) جمع خير فيشمل منافع الدنيا والدين من النصر والغنيمة والجنة والكرامة، وقيل المراد بها النساء الحسان أي الحور، قاله الحسن كقوله تعالى: (فيهن خيرات حسان) ومفرده خيرة بالتشديد ثم خففت مثل هينة وهينة (وأولئك هم المفلحون) قد تقدم معنى الفلاح والمراد بهم هنا الفائزون بالمطلوب وتكرير اسم الإشارة لتفخيم شأنهم وتعظيم أمرهم. أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

التوبة 9:89

(أعد الله لهم) استئناف لبيان كونهم مفلحين (جنات) أي بساتين (تجري من تحتها الأنهار) قد تقدم بيان جري الأنهار من تحتها (خالدين فيها) قد سبق بيان الخلود والفوز الآتي أيضا (ذلك) أي ما تقدم من الخيرات والفلاح ونيل الكرامة العظمى وإعداد الجنات الموصوفة بتلك الصفة (الفوز العظيم) ووصف الفوز بكونه عظيماً يدل على أنه الفرد الكامل من أنواع الفوز.

التوبة 9:90

(وجاء المعذرون من الأعراب) قرئ بالتخفيف من أعذر، وكان ابن عباس يقرؤها مخففة ويقول والله هكذا أنزلت، قال النحاس: إلا أن مدارها على الكلبي يقال أعذر إذا بالغ في العذر، ومنه من أنذر فقد أعذر. وقرأ الجمهور بالتشديد وفيه وجهان (أحدهما) أن يكون أصله المعتذرون وهم الذين لهم عذر فالمعذرون على هذا هم المحقون في اعتذارهم، وقد روي هذا عن الفراء والزجاج وابن الأنباري وأبي عبيد والأخفش وأبي حاتم، وقيل هو من عذر وهو الذي يعتذر ولا عذر له يقال عذر في الأمر إذا قصر فيه واعتذر بما ليس بعذر، ذكره الجوهري وصاحب الكشاف. فالمعذرون على هذا هم المبطلون لأنهم اعتذروا بأعذار كاذبة باطلة لا أصل لها، والمعنى أنه جاء هؤلاء من الأعراب بما جاءوا به من الأعذار بحق أو بباطل على كلا التفسيرين، قال الضحاك: هم رهط عامر، وقيل من أسد وغطفان، وقال ابن عباس: هم الذين تخلفوا بعذر. وهذا شروع في بيان أحوال منافقي الأعراب إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة والأعراب سكان البادية وهم أخص من العرب إذ العربي من تكلم باللغة العربية سواء كان يسكن البادية أو الحاضرة، وقد اختلف في أنهم كانوا معتذرين بالتصنع أو بالصحة. (ليؤذن لهم) أي لأجل أن يأذن لهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالتخلف عن الغزو (وقعد) طائفة أخرى لم يعتذروا بل قعدوا عن الغزو بغير عذر وهم منافقو الأعراب (الذين كذبوا الله ورسوله) بالتخفيف أي كذبوا في ادعاء إيمانهم وبالتشديد أي لم يؤمنوا ولا صدقوا ما جاء به الرسول عن ربه ولا امتثلوا أمره. قال أبو إسحاق: ذكر لي أنهم نفر من بني غفار جاءوا فاعتذروا، منهم خفاف بن إيماء، وقيل هم رهط عامر بن الطفيل قالوا إن غزونا معك أغارت أعراب طي على أهالينا ومواشينا، وقيل منافقو الأعراب قسمان: قسم جاءوا واعتذروا بالأعذار الكاذبة وقسم لم يجىء ولم يعتذر. ثم توعدهم سبحانه فقال: (سيصيب الذين كفروا منهم) أي من الأعراب وهم الذين اعتذروا بالأعذار الباطلة والذين لم يعتذروا بل كذبوا الله ورسوله. وأتى بمن التبعيضية، لأن منهم من أسلم فلم يصبه العذاب (عذاب أليم) أي كثير الألم فيصدق على عذاب الدنيا بالقتل والأسر، وعذاب الآخرة بالنار المؤبدة.

التوبة 9:91

(لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ولما ذكر سبحانه المعذرين ذكر بعدهم أهل الأعذار الصحيحة المسقطة للغزو، وبدأ بالعذر في أصل الخلقة فقال: (ليس على الضعفاء) وهم أرباب الزمانة والهرم والعمى والعرج ونحو ذلك كالشيوخ والصبيان والنساء ومن خلق في أصل الخلقة ضعيفاً نحيفاً، والضعفاء جمع ضعيف، وهو الصحيح في بدنه العاجز عن الغزو. ئم ذكر العذر العارض فقال: (ولا على المرضى) المراد بالمرض كل ما يصدق عليه اسم المرض لغة أو شرعاً، وقيل أنه يدخل في المرضى الأعمى والأعرج ونحوهما. ثم ذكر العذر الراجع إلى المال لا إلى البدن فقال: (ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج) أي ليست لهم أموال ينفقونها فيما يحتاجون إليه من التجهز للجهاد لفقرهم، كجهينة ومزينة وبني عذرة، فنفى سبحانه عن هؤلاء الثلاثة الحرج، وأبان أن الجهاد مع هذه الأعذار ساقط عنهم غير واجب عليهم مقيداً بقوله: (إذا نصحوا لله ورسوله) في حال قعودهم بالطاعة وعدم الأرجاف والتثبيط، وأصل النصح إخلاص العمل من الغش ومنه التوبة النصوح. قال نفطويه: نصح الشيء إذا خلص ونصح له القول أي أخلصه له، والنصح لله الإيمان به والعمل بشريعته وترك ما يخالفها كائناً ما كان، ويدخل تحته دخولاً أولياً نصح عباده ومحبة المجاهدين في سبيله وبذل النصيحة لهم في أمر الجهاد وترك المعاونة لأعدائهم بوجه من الوجوه، ونصيحة الرسول صلى الله عليه وسلم التصديق بنبوته وبما جاء به، وطاعته في كل ما يأمر به أو ينهي عنه وموالاة من والاه ومعاداة من عاداه، ومحبته وتعظيم سنته وإحياؤها بعد موته بما تبلغ إليه القدرة. وقد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الدين النصيحة " ثلاثاً، قالوا لمن؟ " قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " [[مسلم 55.]]. وفي الخازن: النصح أن يقيموا في البلد ويحترزوا عن إفشاء الأراجيف وإثارة الفتن ويسمعوا في إيصال الخير إلى أهل الجهاد ويقوموا بمصالح بيوتهم. (ما على المحسنين من سبيل) جملة مقررة لمضمون ما سبق، أى ليس على المعذورين الناصحين طريق عقاب ومؤاخذة، ومن مزيدة للتأكيد، وعلى هذا فيكون لفظ المحسنين موضوعاً في موضع الضمير الراجع إلى المذكورين سابقاً، وأتى بالظاهر للدلالة على انتظامهم بنصحهم في سلك المحسنين، أو يكون المراد ما على جنس المحسنين من سبيل، وهؤلاء المذكورون سابقاً من جملتهم، فتكون الجملة تعليلية، وقولهم لا سبيل عليه معناه لا حرج ولا عتاب، وأنه بمعنى لا عاتب يمر عليه فضلاً عن العتاب، وإذا تعدى بإلى كقوله: ألا ليت شعري هل إلى أم سالم ... سبيل فأما الصبر عنها فلا صبر فبمعنى الوصول كما قال: هل من سبيل إلى خمر فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج ونحوه، فتنبه لمواطن استعماله فإنه من مهمات الفصاحة (والله غفور رحيم) لهم أو للمسيء فكيف للمحسن، والجملة تذييلية. وفي معنى هذه الآية قوله تعالى (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) وقوله (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج). وإسقاط التكليف عن هؤلاء المعذورين لا يستلزم عدم ثبوت ثواب الغزو لهم الذي عذر الله عنه مع رغبتهم إليه لولا حبسهم العذر عنه، ومنه حديث أنس عند أبي داود وأحمد، وأصله في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لقد تركتم بعدكم قوماً ما سرتم من مسير ولا أنفقتم من نفقة ولا قطعتم وادياً إلا وهم فيه " قالوا يا رسول الله وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ فقال " حبسهم العذر " [[البخاري كتاب الجهاد باب 35.]]. وأخرجه أحمد ومسلم من حديث جابر [[مسلم 1911.]] عن قتادة قال: أنزلت هذه الآية في عائد بن عمر المزني، وقال الضحاك: عذرهم وجعل لهم من العذر ما جعل للمجاهدين. قال الرازي: ليس في الآية أنه يحرم عليهم الخروج، لأن الواحد لو خرج ليعين المجاهدين بمقدار القدرة إما بحفظ متاعهم أو بتكثير سوادهم، بشرط أن لا يجعل نفسه كلاًّ ووبالاً عليهم لكان ذلك طاعة مقبولة.

التوبة 9:92

(وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) ثم ذكر الله سبحانه من جملة المعذورين من تضمنه قوله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه) العطف على جملة ما على المحسنين أو على الضعفاء أى لا عليهم حرج، والمعنى أن من جملة المعذورين هؤلاء الذين أتوك لتحملهم على ما يركبون عليه في الغزو فلم تجد ذلك الذي طلبوه منك قيل هم سبعة من الأنصار وقيل بنو مقرن، وقيل المعنى إذا ما أتوك قائلاً لا أجد وقيل غير ذلك وهذا أولى. وفي إيثار هذا التعبير على " ليس عندي " لطف في الكلام وتطييب لقلوب السائلين كأنه قال أنا أطلب ما تسألونه وأفتش عنه فلا أجده فأنا معذور، وعن أنس في الآية قال: الماء والزاد. وعن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالوا: أدركنا الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الحملان فقالوا ما سألناه إلا الحملان على النعال. وعن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه في الآية قال: ما سألوه الدواب، ما سألوه إلا النعال. وعن الحسن بن صالح قال استحملوه النعال. (تولوا) أى انصرفوا عنك لما قلت لهم لا أجد ما أحملكم عليه (وأعينهم تفيض) أي تسيل (من الدمع) أي حال كونهم باكين، ومن للبيان، وفي الشهاب أن الفيض انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة، أو جعلت أعينهم من فرط البكاء كأنها تفيض بأنفسها، يعني أن الفيض مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية فإن الثاني سبب للأول، فالمجاز في المسند والدمع هو ذلك الماء أو الفيض على حقيقته، والتجوز في إسناده إلى العين للمبالغة كجرى النهر. ومن التعليل: (حزناً ألا يجدوا) قال الفراء: أى ليس يجدوا، وقيل حزناً على أن لا يجدوا وقيل المعنى حزناً أنهم لا يجدوا، وقيل لأجل أن لا يجدوا (ما ينفقون) في الجهاد لا عند أنفسهم ولا عندك. عن محمد بن كعب قال: هم سبعة نفر من بني عمرو بن عوف: سالم ابن عمير ومن بني واقف حرمى بن عمرو، ومن بني مازن بن النجار عبد الرحمن بن كعب يكنى أبا ليلى ومن بني المعلى سلمان بن صخر؛ ومن بني حارثة عبد الرحمن ابن زيد أبو غيلة، ومن بني سلمة عمرو بن غنمة وعبد الله ابن عمرو المزني، من ثَمَّ [[بفتح الثاء أي ومن هنا.]] قيل لهم البكاءون فحمل العباس منهم اثنين وعثمان ثلاثة زيادة على الجيش الذي جهزه وهو ألف. وحمل يامين بن عمرو النضرى اثنين، كذا في مختصر سيرة الحلبى. وقد اتفق الرواة على بعض هؤلاء السبعة واختلفوا في البعض ولا يأتي التطويل في مثل ذلك بكثير فائدة. إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ثم ذكر الله سبحانه من عليه السبيل من المتخلفين فقال

التوبة 9:93

(إنما السبيل) أى طريق العقوبة والمؤاخذة وهي الأعمال السيئة، وأتى بإنما للمبالغة في التوكيد لا للحصر، قال السفاقسي: وليس ثَمَّ ما يمنع أن تكون للحصر. (على الذين يستأذنوك) في التخلف عن الغزو (وهم) أي والحال أنهم (أغنياء) يجدون ما يحملهم وما يتجهزون به (رضوا بأن يكونوا مع الخوالف) وهم النساء والصبيان، والجملة مستأنفة كأنه قيل ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء، فقيل رضوا أي بالدناءة والضعة والانتظام فيهم وإليه مال الزمخشري وقيل أنه في محل نصب على الحال وقد مقدرة. قاله الكرخي. (وطبع على قلوبهم) معطوفه على رضوا أي سبب الاستئذان مع الغنى أمران (أحدهما) الرضا بالصفقة الخاسرة وهي أن يكونوا مع الخوالف (والثاني) الطبع من الله على قلوبهم (فهم) وبسبب هذا الطبع (لا يعلمون) ما فيه الربح لهم حتى يختاروه على ما فيه الخسر. عن مجاهد قال: هي في المنافقين، قال السيوطي؛ ؤقد تقدم مثله اهـ. قال في الجمل: لكن مع نوع اختلاف في الألفاظ كما لا يخفى.

التوبة 9:94

(يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم) وإخبار من الله سبحانه عن المنافقين المعتذرين بالباطل بأنهم يعتذرون إلى المؤمنين إذا رجعوا عن الغزو، وهذا كلام مستأنف وإنما قال إليهم أي إلى المعتذرين بالباطل ولم يقل إلى المدينة لأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إليها، وربما يقع الاعتذار عند الملاقاة قبل الوصول إليها. ويحتمل أن يكون الضمير في إليكم لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) على التأويل المشهور في هذا. روي أن المعتذرين كانوا بضعة وثمانين رجلاً. ثم أخبر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما يجيب به عليهم فقال: (قل لا تعتذروا) فنهاهم أولاً عن الاعتذار بالباطل ثم علله بقوله: (لن نؤمن لكم) أي لن نصدقكم كأنهم ادعوا أنهم صادقون في اعتذارهم، لأن غرض المعتذر أن يصدق فيما يعتذر به؛ فإذا عرف أنه لا يصدق ترك الاعتذار، وإنما خص الرسول صلى الله عليه وسلم بالجواب عليهم مع أن الاعتذار منهم كائن إلى جميع المؤمنين لأنه صلى الله عليه وسلم رأسهم والمتولي لما يرد عليهم من جهة الغير. وجملة (قد نبأنا الله من أخباركم) تعليلية للتي قبلها أي لا يقع منا تصديق لكم لأن الله لمحد أعلمنا بالوحي ما هو مناف لصدق اعتذاركم (وسيرى الله عملكم) أي ما ستفعلونه من الأعمال فيما بعد هل تقلعون عما أنتم عليه الآن من الشر أم تبقون عليه، وقيل سيعلم عملكم السيء واقعاً أي مستمراً على الوقوع، والظاهر أن الاستقبال في علم الله بالنظر لظهوره لنا. (ورسوله) معطوف على الاسم الشريف ووسط مفعول الرؤية إيذاناً بأن رؤية الله سبحانه لما سيفعلونه من خير أو شر هي التي تدور عليها الإثابة أو العقوبة. وفي جملة (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون) تخويف شديد لما هي مشتملة عليه من التهديد ولا سيما ما اشتملت عليه من وضع الظاهر موضع المضمر لإشغار ذلك بإحاطته بكل شيء يقع منهم مما يكتمونه ويتظاهرون به وإخباره لهم به ومجازاتهم عليه.

التوبة 9:95

(سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم) ذكر أن هؤلاء المعتذرين بالباطل سيؤكدون ما جاءوا به من الأعذار الباطلة بالحلف عند رجوع المؤمنين إليهم من الغزو، وغرضهم من هذا التأكيد (لتعرضوا عنهم) أي يعرض المؤمنون عنهم فلا يوبخونهم ولا يؤاخذونهم بالتخلف ويظهرون الرضا عنهم كما يفيده ذكر الرضا من بعد، وحذف المحلوف عليه لكون الكلام يدل عليه، وهو اعتذارهم الباطل. (فأعرضوا عنهم) أي دعوهم وما اختاروا لأنفسهم، والمراد به تركهم والمهاجرة لهم لا الرضا عنهم والصفح عن ذنبهم كما تفيده جملة (إنهم رجس) الواقعة علة للأمر بالإعراض، والمعنى أنهم في أنفسهم رجس لكون جميع أعمالهم نجسة فكأنها قد صيرت ذواتهم رجساً أو أنهم ذوو رجس أي ذوو أعمال قبيحة، ومثله (إنما المشركون نجس). وهؤلاء لما كانوا هكذا كانوا غير متأهلين لقبول الإرشاد إلى الخير والتحذير من الشر فليس لهم إلا الترك، قال أهل المعاني: إن هؤلاء طلبوا إعراض الصفح فأعطوا إعراض المقت. (ومأواهم جهنم) ومن تمام التعليل فإن من كان من أهل النار لا يجدي فيه الدعاء إلى الخير، أو تعليل مستقل قاله أبو السعود، والمأوى كل مكان يأوي إليه الشيء ليلاً أو نهاراً، وقد أوى فلان إلى منزله يأوي (جزاء) أي يجزون جزاء أو مفعول من أجله (بما كانوا يكسبون) الباء للسببية. يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96) الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

التوبة 9:96

(يحلفون لكم) حذف هنا المحلوف به لكونه معلوماً مما سبق والمحلوف عليه بمثل ما تقدم (لترضوا عنهم) بين سبحانه أن مقصدهم بهذا الحلف هو رضا المؤمنين عنهم، ثم ذكر ما يفيد أنه لا يجوز الرضا عن هؤلاء المعتذرين بالباطل فقال: (فإن ترضوا عنهم) كما هو مطلوبهم مساعدة لهم وقبلتم عذرهم فلا ينفعهم رضاكم (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) تعليل للمحذوف المتقدم. وإذا كان هذا هو ما يريده الله سبحانه من عدم الرضا عن هؤلاء الفسقة العصاة فينبغي لكم أيها المؤمنون أن لا تفعلوا خلاف ذلك، بل واجب عليكم أن لا ترضوا عنهم على أن رضاكم عنهم لو وقع لكان غير معتد به ولا مفيداً لهم. والمقصود من إخبار الله سبحانه بعدم رضاه عنهم هو نهي المؤمنين عن ذلك لأن الرضا عمن لا يرضى الله عنه مما لا يفعله مؤمن، ونكتة العدول لهذا الظاهر التسجيل عليهم حيث وصفهم بالخروج عن الطاعة المستوجب لما حل بهم من السخط وللإيذان بشمول الحكم لمن شاركهم في ذلك.

التوبة 9:97

(الأعراب) أي جنسهم لا كل واحد لما سيأتي (أشد كفراً ونفاقاً) لما ذكر سبحانه أحوال المنافقين بالمدينة ذكر حال من كان خارجاً عنها من الأعراب؛ وبين أن كفرهم ونفاقهم أشد من كفر غيرهم ومن نفاق غيرهم، لأنهم أقسى قلوباً وأغلظ طباعاً وأجفى قولاً وأبعد عن سماع كتب الله وما جاءت به رسله وأوحش فعلاً، ولأن نشأتهم في معزل من مشاهدة العلماء ومفاوضتهم. وهذا من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده كما في قوله تعالى: (وكان الإنسان كفوراً) إذ ليس كلهم كما ذكر على ما ستحيط به خبراً. والأعراب هم من سكن البوادي بخلاف العرب فإنه عام لهذا النوع من بني آدم سواء سكنوا البوادي أو القرى، هكذا قال أهل اللغة، ولهذا قال سيبويه: إن الأعراب صيغة جمع وليست بصيغة جمع العرب، لئلا يلزم كون الجمع أخص من مفرده. قال النيسابوري: قال أهل اللغة رجل عربي إذا كان نسبه إلى العرب ثابتاً وجمعه عرب كالمجوسي والمجوس، واليهودي واليهود، فالأعرابي إذا قيل له يا عربي فرح وإذا قيل للعربي يا أعرابي غضب، وذلك أن من استوطن القرى العربية فهو عربي، ومن نزل البادية فهو أعرابي، ولهذا لا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، وإنما هم عرب. فإن قيل إنما سمي العرب عرباً لأن أولاد إسماعيل عليه السلام نشؤوا بالعرب وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم وكل من يسكن جزيرة العرب وينطق بلسانهم فهو منهم. وقيل. لأن ألسنتهم معربة عما في ضمائرهم ولما في لسانهم من الفصاحة والبلاغة انتهى. وفي المصباح وأما الأعراب بالفتح فأهل البدو من العرب، الواحد أعرابي بالفتح أيضاً وهو الذي يكون صاحب نجعة وارتياد للكلأ وزاد الأزهري: سواء كان من العرب أو من مواليهم، فمن نزل البادية وجاور البادين وظعن بظعنهم فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف واستوطن المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب وإن لم يكونوا فصحاء. (وأجدر) معناه أخلق يقال فلان جدير بكذا أي خليق به وأنت جدير أن تفعل كذا وأصله من جدر الحائط وهو رفعه بالبناء يقال هو جدير وأجدر وحقيق وأحق، وقمن وخليق وأولى بكذا كله بمعنى واحد، قال الليث جدر يجدر جدارة فهو جدير، ويؤنث ويثنى ويجمع. وقد نبه الراغب على أصل اشتقاق هذه المادة وأنها من الجدار أي الحائط فقال والجدير المنتهي لانتهاء الأمر إليه انتهاء الشيء إلى الجدار، والذي يظهر أن اشتقاقه من الجدر وهو أصل الشجرة فكأنه ثابت كثبوت الجدر في قولك جدير بكذا. (ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله) من الشرائع والأحكام والفرائض وما أمر به من الجهاد لبعدهم عن مواطن الأنبياء وديار التنزيل، ومشاهدة المعجزات، ومعاينة ما ينزل عليه من تضاعيف الكتاب والسنة. ووصف العرب بأنهم جاهلون لا ينافي صحة الاحتجاج بألفاظهم وأشعارهم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم إذ وصفهم بالجهل إنما هو في أحكام القرآن لا في ألفاظه، ونحن لا نحتج بلغتهم في بيان الأحكام بل في معاني بيان الألفاظ لأن القرآن والسنة جاءا بلغتهم قاله الكرخي. (والله عليم) بأحوال مخلوقاته على العموم وهؤلاء منهم (حكيم) فيما يجازيهم به من خير وشر، عن الكلبي أن هذه الآية نزلت في أسد وغطفان. وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن " [[الترمذي، كتاب الفتن، باب 69.]] قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الثوري. وأخرج أبو داود والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى أبواب السلطان افتتن. وما ازداد أحد من سلطانه قرباً إلا ازداد من الله بعداً " [[أبو داوود، كتاب الأضاحي، باب 24.]]. وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ

التوبة 9:98

(ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرماً) هذا تنويع الجنس إلى نوعين (الأول) هؤلاء (والثاني) ومن الأعراب من يؤمن بالله، والمغرم: الغرم والخسران وهو ثاني مفعولي يتخذ لأنه بمعنى الجعل، والمعنى أنه اعتقد ما ينفقه في سبيل الله غرامة وخسراناً، وأصل الغرم والغرامة ما ينفقه الرجل وليس بلازم له في اعتقاده، ولكنه ينفقه للرياء والتقية، وقيل أصل الغرم اللزوم كأنه اعتقد أنه يلزمه لأمر خارج لا تنبعث له النفس. قال الضحاك: يعني بالمغرم أنه لا يرجو له ثواباً عند الله ولا مجازاة، وإنما يعطي ما يعطي من الصدقات كرهاً، وعن ابن زيد قال: هؤلاء المنافقون من الأعراب الذين إنما ينفقون رياء اتقاء أن يغزوا، ويحاربوا ويقاتلوا ويرون نفقاتهم مغرماً وهم بنو أسد وغطفان. (ويتربص) أي ينتظر (بكم الدوائر) جمع دائرة وهي الحالة المتقلبة عن النعمة إلى البلية، وأصلها ما يحيط بالشيء ودوائر الزمان نوبه وتصاريفه ودوله وكأنه لا تستعمل إلا في المكروه، وفي الدائرة مذهبان أظهرهما أنها صفة على فاعلة كقائمة وقال الفارسي: يجوز أن تكون مصدراً كالعاقبة، والمعنى ينتظر بكم تقلب الزمان وصروفها التي تأتي مرة بالخير ومرة بالشر، قال يمان بن رباب: يعني يموت الرسول ويظهر المشركون. ثم دعا سبحانه عليهم بقوله: (عليهم دائرة السوء) وجعل ما دعا به عليهم مماثلاً لما أرادوه بالمسلمين، والسوء عند الجمهور مصدر أضيف إليه الدائرة للملابسة كقولك رجل صدق؛ وهو مصدر في الحقيقة، قال أبو البقاء: وهو الضرر، وقال مكي: من فتح السين فمعناه الفساد والرداءة، ومن ضمها فمعناه البلاء والضرر، وظاهر هذا أنهما إسمان لما ذكر، ويحتمل أن يكونا مصدرين ثم أطلقا على ما ذكر. وقال غيره: المضموم العذاب والضرر، والمفتوح الذم، وقرأ ابن كثير وغيره بضم السين وهو المكروه، قال الأخفش: عليهم دائرة الهزيمة والشر، وقال الفراء: دائرة العذاب والبلاء قال: والسوء بالفتح سؤته سؤاً ومساءة وبالضم اسم لا مصدر وهو كقولك دائرة البلاء والمكروه، قال الخفاجي: وبين الفتح والضم شبه طباق، وقال الضحاك: الدوائر الهلكات (والله سميع) لما يقولونه (عليم) بما يضمرونه.

التوبة 9:99

(ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر) هذا النوع الثاني من أنواع الأعراب كما تقدم أي منهم من يصدق بهما، عن عبد الرحمن بن معقل قال: كنا عشرة ولد مقرن فنزلت هذه الآية فينا، وقال مجاهد: هم بنو مقرن من مزينة وهم الذين قال الله (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم) الآية، وقال الكلبي: هم أسلم وغفار وجهينه ومزينة، وفي الباب أحاديث يطول ذكرها. (ويتخذ ما ينفق قربات) أي سبب قربات (عند الله) وهي جمع قربة بالضم وهي ما يتقرب به إلى الله سبحانه، تقول منه قربت لله قرباناً والجمع قرب وقربات والمعنى أنه يجعل ما ينفقه في سبيل الله سبباً لحصول القربات عند الله (وصلوات الرسول) أي سبباً لدعوات الرسول لهم لأنه صلى الله عليه وسلم كان يدعو للمتصدقين، ومنه قوله: (وصلِّ عليهم إن صلاتك سكن لهم) ومنه قوله: (- صلى الله عليه وسلم -) " اللهم صلّ على آل أبي أوفى " [[مسلم 1078 - البخاري 800.]]. وقال ابن عباس: استغفار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقيل أنها منسوقة على ما ينفق أي ويتخذ ما ينفق وصلوات الرسول قربة، وجوزه ابن عطية ولم يذكر أبو البقاء غيره، وظاهر كلام الزمخشري أنها نسق على قربات كما تقدم. ثم إنه سبحانه بين بأن ما ينفقه هذا النوع من الأعراب تقرباً إلى الله مقبول واقع على الوجه الذي أرادوه فقال: (ألا إنها قربة لهم) أخبر سبحانه بقبولها خبراً مؤكداً باسمية الجملة وحرفي التنبيه والتحقيق؛ وفي هذا من التطييب لخواطرهم والطمأنينة لقلوبهم ما لا يقادر قدره مع ما يتضمنه من النعي على من يتخذ ما ينفق مغرماً والتوبيخ له بأبلغ وجه، والضمير في (إنها) راجع إلى ما في ما ينفق وتأنيثه باعتبار الخبر وقيل راجع إلى صلوات الرسول صلى الله عليه وسلم والأول أولى. ثم فسر سبحانه القربة بقوله: (سيدخلهم الله في رحمته) السين لتحقيق الوعد. وهذه النعمة هي أقصى مرادهم (إن الله غفور) لأهل طاعته (رحيم) بعباده وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ

التوبة 9:100

(والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) لما ذكر أصناف الأعراف ذكر المهاجرين والأنصار، وبين أن منهم السابقين إلى الهجرة وأن منهم التابعين لهم. وقرأ عمر بن الخطاب الأنصار بالرفع عطفاً على والسابقون، وقرأ سائر القراء من الصحابة فمن بعدهم بالجر. قال الأخفش: الخفض في الأنصار الوجه لأن السابقين منهم يدخلون في قوله: (والسابقون). وفي هذه الآية تفضيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهم الذين صلوا للقبلتين في قول سعيد بن المسيب وطائفة، أو الذين شهدوا بيعة الرضوان وهي بيعة الحديبية في قول الشعبي أو أهل بدر في قول محمد بن كعب وعطاء بن يسار. ولا مانع من حمل الآية على هذه الأصناف كلها. قال محمد بن كعب القرظي: هم جميع الصحابة لأنهم حصل لهم السبق بصحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو منصور البغدادي في أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الأربعة ثم الستة الباقون ثم البدريون ثم أصحاب أحد ثم أهل بيعة الرضوان بالحديبية. (والذين اتبعوهم) أي اتبعوا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وهم المتأخرون عنهم الأميين الصحابة فمن بعدهم إلى يوم القيامة، وليس المراد بهم التابعين اصطلاحاً، وهم كل من أدرك الصحابة ولم يدرك النبي صلى الله عليه وسلم بل هم من جملة من يدخل تحت الآية فتكون (من) في قوله (من المهاجرين) على هذا للتبعيض. وقيل إنها للبيان فيتناول المدح جميع الصحابة ويكون المراد بالتابعين من بعدهم من الأمة إلى يوم القيامة كما قال ابن زيد هم من بقي من أهل الإسلام إلى أن تقوم الساعة. قال جماعة من الصحابة. لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا لأمتي كلهم وليس بعد الرضا سخط. عن حميد بن زياد قال: قلت لمحمد بن كعب القرظي: أخبرني عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما أريد الفتن قال: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة في كتابه؛ قال ألا تقرؤون قوله تعالى: (والسابقون الأولون) الآية، أوجب لجميع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطاً لم يشرطه فيهم، قلت وما اشترط عليهم؛ قال اشترط عليهم أن يتبعوهم بإحسان، يقول يقتدون بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدون بهم في غير ذلك. قال أبو صخر: فوالله لكأني لم أقرأها قبل ذلك ولا عرفت تفسيرها حتى قرأها عليَّ محمد بن كعب. وقوله: (بإحسان) قيد للتابعين أي والذين اتبعوهم متلبسين بإحسان في الأفعال والأقوال اقتداء منهم بالسابقين الأولين (رضي الله عنهم) أي قبل طاعتهم وتجاوز عنهم ولم يسخط عليهم (ورضوا عنه) بما أعطاهم من فضله ومع رضائه عنهم فقد (أعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار) في الدار الآخرة وفي قراءة بزيادة (من) قاله السيوطي. وفي الجمل أي سبعية لابن كثير، ومعلوم أن قراءته الصلة فليتنبه القارئ إذا قرأ بزيادة من لصلة الميم في المواضع الثلاثة وهي اتبعوهم وعنهم وأعد لهم لئلا يقع في التلفيق، وقد تقدم تفسير جري الأنهار من تحت الجنات وتفسير الخلود. (خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم) اختلفوا في أول الناس إسلاماً بعد اتفاقهم على أن خديجة أول الخلق إسلاماً على أقوال يطول ذكرها. وقال إسحاق ابن إبراهيم: أول من أسلم من الرجال أبو بكر ومن النساء خديجة ومن الصبيان علي بن أبي طالب، ومن العبيد زيد بن حارثة؛ فهؤلاء الأربعة سباق الخلق إلى الإسلام. وأسلم على يد أبي بكر عثمان والزبير وابن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة، ثم تتابع الناس بعدهم في الدخول في الإسلام، فهؤلاء السابقون الأولون من المهاجرين. وأما من الأنصار فهم الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة وهي العقبة الأولى، وكانوا خمسة نفر: سعد وعوف ورافع وقطبة وجابر، ثم أصحاب العقبة الثانية وكانوا اثني عشر رجلاً، ثم أصحاب العقبة الثالثة وكانوا سبعين رجلاً، فهؤلاء سابقو الأنصار. وقيل غير ذلك مما ليس في ذكره كثير فائدة

التوبة 9:101

(وممن حولكم من الأعراب منافقون) هذا عود إلى شرح أحوال المنافقون من أهل المدينة ومن يقرب منها من الأعراب، قيل وهؤلاء الذين هم حول المدينة من المنافقين هم جهينة ومزينة وأشجع وغفار وأسلم، ذكره جمع من المفسرين كالبغوي والواحدي وابن الجوزي والنسفي والخازن والسيوطي وغيرهم وفيه إشكال لأن النبي صلى الله عليه وسلم دعا لهؤلاء القبائل، فإن صح هذا النقل فتحمل الآية على القليل منهم، لأن لفظة (من) للتبعيض، ويحمل الدعاء لهم على الأكثر والأغلب، وبهذا يمكن الجمع بينهما. وأطلق الطبري القول ولم يعين أحداً من القبائل المذكورة بل قال من القوم الذين حول مدينتكم؛ أيها المؤمنون من الأعراب منافقون (ومن أهل المدينة) قوم أو ناس (مردوا على النفاق) قال البغوي: أي من الأوس والخزرج. وقيل المعنى وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا، وأصل مرد وتمرد اللين والملاسة والتجرد فكأنهم تجردوا للنفاق، ومنه غصن أمرد لا ورق عليه، وفرس أمرد لا شعر فيه، وغلام أمرد لا شعر بوجهه، وأرض مرداء لا نبات فيها وصرح ممرد مجرد مملس، كما قال: في منزل شيد بنيانه ... يزل عنه ظفرالطائر فالمعنى أنهم أقاموا على النفاق وثبتوا عليه ولم ينثنواعنه ولم يتوبوا منه، قال ابن زيد: معناه لجوا فيه وأبوا غيره. قال الخفاجي: أصل معنى التمرد التمرن أي الاعتياد والتدرب في الأمر حتى يصير ماهراً فيه لاتخاذه صنعة وديدناً له، ولذا خفي نفاقهم عليه صلى الله عليه وسلم مع كمال فطنته وفراسته. وقال الراغب: أنه من قولهم شجرة مرداء أي لا ورق عليها أي أنهم خلوا من الخير. وروى أهل الجنة جرد مرد وهو محمول على ظاهره، أو المراد أنهم خالصون من الشوائب والقبائح. وجملة (لا تعلمهم) مبنية للجملة الأولى وهي مردوا على النفاق أي ثبتوا عليه ثبوتاً شديداً ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكيف سائر المؤمنين، والمراد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأعيانهم لا من حيث الجملة، فإن للنفاق دلائل لا تخفى عليه صلى الله عليه وسلم. ولا ينافي هذا قوله تعالى: (ولتعرفنهم في لحن القول) لأن آية النفي نزلت قبل آية الإثبات، وهذه الجملة صفة المنافقون أو مستأنفة، والعلم هنا إما على بابه فيتعدى لإثنين أي لا تعلمهم منافقين أو عرفاني فيتعدى لواحد. قاله أبو البقاء. وأما قوله: (نحن نعلمهم) فلا يجوز أن يكون إلا على بابه وهي مقررة لما قبلها لما فيها من الدلالة على مهارتهم في النفاق ورسوخهم فيه على وجه يخفى على البشر، ولا يظهر لغير الله سبحانه لعلمه بما يخفى وما تجنه الضمائر وتنطوي عليه السرائر. ثم توعدهم سبحانه فقال: (سنعذبهم مرتين) قيل المراد بهما عذاب الدنيا بالقتل والسبي وعذاب الآخرة، وقيل الفضيحة بانكشاف نفاقهم والعذاب في الآخرة، وقيل المصائب في أموالهم وأولادهم وعذاب القبر. قال مجاهد مرتين يعني بالجوع والقتل. وعن أبي مالك قال: بالجوع وعذاب القبر. وعن قتادة قال: عذاب في القبر وعذاب في النار، وقد روي عن جماعة من السلف نحو هذا في تعيين العذابين وقيل غير ذلك مما يطول ذكره مع عدم الدليل على أنه المراد بعينه، والظاهر أن هذا العذاب المكرر هو في الدنيا بما يصدق عليه اسم العذاب وأنهم يعذبون مرة بعد مرة ثم يردون بعد ذلك إلى عذاب الآخرة، وهو المراد بقوله: (ثم يردون إلى عذاب عظيم). ومن قال أن العذاب في المرة الثانية هو عذاب الآخرة قال معنى قوله (ثم يردون) أنهم يردون بعد عذابهم في النار كسائر الكفار إلى الدرك الأسفل منها أو أنهم يعذبون في النار عذاباً خاصاً بهم دون سائر الكفار ثم يردون بعد ذلك إلى العذاب الشامل لهم ولسائر الكفار. وفي مسند أحمد عن ابن مسعود: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " إن منكم منافقين فمن سميته فليقم "، ثم قال: " قم يا فلان حتى سمى ستة وثلاثين [[الإمام أحمد 5/ 272.]]. وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102) خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ثم ذكر سبحانه حال طائفة من المسلمين وهم المخلطون في دينهم فقال:

التوبة 9:102

(و) ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم (آخرون اعترفوا بذنوبهم) المعنى إن هؤلاء الجماعة تخلفوا عن الغزو بغير عذر مسوغ للتخلف ثم ندموا على ذلك ولم يعتذروا بالأعذار الكاذبة كما اعتذر المنافقون، بل تابوا واعترفوا بالذنب ورجوا أن يتوب الله عليهم. (خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً) المراد بالعمل الصالح ما تقدم من إسلامهم وقيامهم بشرائع الإسلام وخروجهم إلى الجهاد في سائر المواطن، والمراد بالعمل السىء هو تخلفهم عن هذه الغزوة، وقد أتبعوا هذا العمل السيّء عملاً صالحاً وهو الاعتراف به والتوبة عنه. وأصل الاعتراف الإقرار بالشيء ومجرد الإقرار لا يكون توبة إلا إذا اقترن به الندم على الماضي والعزم على تركه في الحال والاستقبال، وقد وقع منهم ما يفيد هذا. ومعنى الخلطة أنهم خلطوا كل واحد منهما بالآخر كقولك خلطت الماء باللبن واللبن بالماء؛ ذكره غالب المفسرين وأنكره الرازي وقال: الواو لمطلق الجمع، وفيه تنبيه على نفي القول بالمخالطة وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر. ويجوز أن يكون الواو بمعنى الباء، كقولك بعت الشاء شاة ودرهماً أي بدرهم وقال الواحدي: الواو أحسن من الباء لأنه أريد به معنى الجمع لا حقيقة الخلط ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسىء كما لا يختلط الماء باللبن لكن قد يجمع بينهما؛ وقال التفتازاني: وتحقيقه أن الواو للجمع والباء للإلصاق، والجمع والإلصاق من قبيل واحد فسلك به طريق الاستعارة. وقال الزمخشري: كل واحد مخلوط ومخلوط به وفيه ما ليس في الباء. وفي قوله: (عسى الله أن يتوب عليهم) دليل على أنه قد وقع منهم مع الاعتراف ما يفيد التوبة أو أن مقدمة التوبة وهي الاعتراف قامت مقام التوبة وحرف الترجي هو (عسى) في كلام الله سبحانه يفيد تحقق الوقوع، لأن الإطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين، وفي المواهب واتفق المفسرون على ذلك، قال القسطلاني: وعبر بعسى للإشعار بأن ما يفعله تعالى ليس إلا على سبيل التفضل منه حتى لا يتكل المرء بل يكون على خوف وحذر (إن الله غفور رحيم) يغفر الذنوب ويتفضل على عباده، وهذا يفيد إنجاز الوعد. عن ابن عباس قال: كانوا عشرة رهط تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فلما حضر رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد، وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع عليهم، فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم، قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله فعاهدوا الله أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تطلقهم وتعذرهم قال: وأنا أقسم بالله لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله هو الذي يطلقهم، رغبوا عني وتخلفوا عن الغزو مع المسلمين، فلما بلغهم ذلك قالوا ونحن لا نطلق أنفسنا حتى يكون الله هو الذي يطلقنا فنزلت (عسى الله أن يتوب عليهم). وقيل الآية تعم جميع المسلمين، والحمل على العموم أولى وإن كان السبب مخصوصاً بمن تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة تبوك، وروى الطبراني عن أبي عثمان قال: ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من هذه الآية.

التوبة 9:103

(خذ من أموالهم صدقة) اختلف أهل العلم في هذه الصدقة المأمور بها فقيل هي صدقة الفرض، وقيل هي مخصوصة بهذه الطائفة المعترفة بذنوبها لأنهم بعد التوبة عليهم عرضوا أموالهم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزلت هذه الآية كما تقدم، و (من) للتبعيض على التفسيرين والآية مطلقة مبينة بالسنة المطهرة والصدقة مأخوذة من الصدق إذ هي دليل على صدق مخرجها في إيمانه. (تطهرهم وتزكيهم بها) الضمير المرفوع في الفعلين للنبي صلى الله عليه وسلم أي تطهرهم وتزكيهم يا محمد بما تأخذه من الصدقة منهم، وقيل الضمير في تطهرهم للصدقة والضمير في تزكيهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والأول أولى لما في الثاني من الاختلاف في الضميرين في الفعلين المتعاطفين، ومعنى التطهير إذهاب ما يتعلق بهم من أثر الذنوب، ومعنى التزكية المبالغة في التطهير. قاق الزجاج: الأجود أن يكون المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أي فإنك يا محمد تطهرهم وتزكيهم بها على القطع والاستئناف ويجوز الجزم على جواب الأمر والمعنى أن تأخذ من أموالهم صدقة تطهرهم، قال السيوطي: فأخذ ثلث أموالهم وتصدق بها على سبيل الكفارة لذنوبهم فإن كل من أتى ذنباً يسن له التصدق. (وصل عليهم) أي ادع لهم بعد أخذك لتلك الصدقة من أموالهم، قال النحاس: وحكى أهل اللغة جميعاً فيما علمناه أن الصلاة في كلام العرب الدعاء؛ ثم علل سبحانه أمره لرسوله صلى الله عليه وسلم بالصلاة على من يأخذ منه الصدقة فقال: (إن صلاتك سكن لهم) السكن ما تسكن إليه النفس وتطمئن به وهو فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض والمعنى يسكنون إليها، قال ابن عباس: استغفر لهم من ذنوبهم التي كانوا أصابوها إن صلاتك رحمة لهم. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن أبي أوفى قال كان أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى بصدقة قال: " اللهم صل على آل فلان فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى " [[مسلم 1078 - البخاري 800.]]. (والله سميع) لاعترافهم بذنوبهم ودعائهم (عليم) بما في ضمائرهم من الندم والغم لا فرط منهم. ولما تاب الله سبحانه على هؤلاء المذكورين سابقاً قال:

التوبة 9:104

(ألم يعلموا) أي غير التائبين أو التائبون قبل أن يتوب الله عليهم ويقبل صدقاتهم، والاستفهام للتقرير أو للتحضيض والتأكيد (إن الله هو يقبل التوبة) لاستغنائه عن طاعة المطيعين وعدم مبالاته بمعصية العاصين، وقرئ بالتاء وهو اما خطاب للتائبين أو الجماعة المؤمنين، والمعنى أن ذلك ليس لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) إنما الله هو الذي يقبل التوبة ويردها فاقصدوه بها. (عن عباده) قيل لا فرق بين عن ومن، قال ابن عطية: وكثيراً ما يتوصل في موضع واحد بهذه وهذه نحو لا صدقة إلا عن غني ومن غني وفعل ذلك فلان من أشره وبطره وعن أشره وبطره، وقيل بينهما فرق ولعل (عن) في هذا الموضع أبلغ لأن فيه تبشير القبول للتوبة مع تسهيل سبيلها، وقيل لفظة عن تشعر ببعد ما، تقول جلس عن يمين الأمير أي مع نوع من البعد، والظاهر أن عن هنا للمجاوزة وإذا قلت منه فمعناه ابتداء الغاية. (ويأخذ الصدقات) أي يتقبلها منهم وفي إسناد الأخذ إليه سبحانه بعد أمره لرسوله (- صلى الله عليه وسلم -) بأخذها تشريف عظيم لهذه الطاعة ولمن فعلها، وفي ذكر لفظ الأخذ ترغيب في بذل الصدقة وإعطائها الفقراء. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " ما تصدق أحدكم بصدقة من كسب حلال طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت ثمرة فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله " [[مسلم 1014 - البخاري 751.]] أخرجه الشيخان وفي الباب أحاديث يطول ذكرها. (وإن الله هو التواب الرحيم) أي أن هذا شأنه سبحانه؛ وفي صيغة المبالغة في التواب مع توسيط ضمير الفصل والتأكيد من التبشير لعباده والترغيب لهم ما لا يخفى.

التوبة 9:105

(وقل) لهم أو للناس وهما قولان للمفسرين (اعملوا) ما شئتم من الأعمال الصالحة والسيئة (فسيرى الله عملكم) خيراً كان أو شراً تعليل لما قبله (ورسوله والمؤمنون) فيه تخويف وتهديد للمذنبين أي إن عملكم لا يخفى على الله ولا على رسوله ولا على المؤمنين، فسارعوا إلى أعمال الخير أو أخلصوا أعمالكم لله عز وجل، وفيه أيضاً ترغيب وتنشيط للمطيعين، فإن من علم أن عمله لا يخفى سواء كان خيراً أو شراً رغب إلى أعمال الخير وتجنب أعمال الشر، وما أحسن قول زهير: ومهما يكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم فظاهره ترغيب وترهيب، والمراد بالرؤية هنا العلم بما يصدر من الأعمال والاستقبال بالنظر للمجازاة وإلا فالعلم حاصل بالفعل أي فسيجازيكم على عملكم والمجازاة من الله معلومة ومن رسوله والمؤمنين بمعنى الثناء عليهم والدعاء لهم. قال مجاهد: هذا وعيد من الله عز وجل، وقال أبو السعود: زيادة ترغيب لهم في العمل الصالح، وأخرج أحمد وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله عمله للناس كائناً ما كان " [[المستدرك كتاب الرقاق 4/ 314.]]. ثم جاء سبحانه بوعيد شديد فقال (وستردون) وأي بالبعث بعد الموت (إلى عالم الغيب والشهادة) أي إليه سبحانه الذي يعلم ما تسرونه وما تعلنونه وما تخفونه وما تبدونه. وفي تقديم الغيب على الشهادة إشعار بسعة علمه عز وجل وأنه لا يخفى عليه شيء، ويستوى عنده كل معلوم. ثم ذكر سبحانه ما سيكون عقب ردهم إليه فقال (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) في الدنيا فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته ويتفضل على من يشاء من عباده.

التوبة 9:106

(وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (وآخرون مرجون لأمر الله) ذكر سبحانه ثلاثة أقسام في المتخلفين (الأول) المنافقون الذين مردوا على النفاق (الثاني) التائبون المعترفون بذنوبهم (الثالث) الذين بقي أمرهم موقوفاً في تلك الحال وهم المرجون لأمر الله من أرجيته وأرجأته إذا أخرته وهما لغتان والقراءتان أي بالهمز ودونه سبعيتان، والمعنى أنهم مؤخرون في تلك الحال لا يقطع لهم بالتوبة ولا بعدمها، بل هم على ما تبين من أمر الله سبحانه في شأنهم. والفرق بين الثاني والثالث أن الثاني اعتذر للنبي صلى الله عليه وآله وسلمِ بأعذار فقبلها منه فجعلت توبته، وإن الثالث لم يعتذر لأنه فتش فلم يجد عذراً صادقاً فأخر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره حتى ينزل الله قبول توبته فأخر الله قبولها خمسين يوماً. (إما يعذبهم) إن بقوا على ما هم عليه ولم يتوبوا (وإما يتوب عليهم) إن تابوا توبة صحيحة وأخلصوا إخلاصاً، والتقدير وآخرون مرجون لأمر الله حال كونهم إما معذبين وإما متوباً عليهم، وإما هنا للشك بالنسبة إلى المخاطب، وإما للإبهام بالنسبة إلى الله تعالى بمعنى أنه تعالى أبهم على المخاطبين أعني هذا الترديد بالنظر لاعتقادنا فيهم، وإلا فالله تعالى عالم بعين ما هو فاعله بهم (والله عليم) بأحوالهم (حكيم) فيما يفعله بهم من خير أو شر. وعن عكرمة قال: وآخرون مرجون لأمر الله هم الثلاثة الذين خلفوا، وعن مجاهد قال: هم هلال بن أمية ومرارة بن الربيع وكعب بن مالك من الأوس والخزرج تخلفوا كسلاً وميلاً إلى الدعة لا نفاقاً، ولم يعتذروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كغيرهم، فوقف أمرهم خمسين ليلة وهجرهم الناس حتى نزلت توبتهم بعد. وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ

التوبة 9:107

(والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين) لما ذكر سبحانه أصناف المنافقين وبين طرائقهم المختلفة، عطف على ما سبق هذه الطائفة منهم، وهم الذين اتخذوا مسجداً ضراراً وسيأتي بيان هؤلاء البانين لمسجد الضرار وفي إعرابه وجوه ذكرها في الجمل. وقد أخبر الله سبحانه أن الباعث لهم على بناء هذا السجد أمور أربعة: الأول: الضرار لغيرهم وهو المضاررة. الثاني: الكفر بالله والمباهاة لأهل الإسلام لأنهم أرادوا ببنائه تقوية أهل النفاق. الثالث: التفريق بين المؤمنين لأنهم أرادوا أن لا يحضروا مسجد قباء فتقل جماعة المسلمين وفي ذلك من اختلاف الكلمة وبطلان الألفة ما لا يخفى. الرابع قوله (وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله) قال الزجاج: الإرصاد الانتظار. وقال ابن قتيبة: الإرصاد الانتظار مع العداوة، وقال الأكثرون: هو الإعداد، والمعنى متقارب، يقال أرصدت لكذا إذا أعددته مرتقباً له، وبه قال أبو زيد، يقال رصدته وأرصدته في الخير وأرصدت له في الشر، وقال ابن الأعرابي: لا يقال أرصدت ومعناه ارتقبت، والمراد بمن حارب الله ورسوله المنافقون وهم اثنا عشر رجلاً منهم أبو عامر الراهب، أي أعدوه لهؤلاء وارتقبوا به وصولهم وانتظروهم ليصلوا فيه حتى يباهوا بهم المؤمنون. (من قبل) أي من قبل أن ينافق هؤلاء ويبنوا مسجد الضرار أو المعنى لمن وقع منه الحرب لله ورسوله من قبل بناء مسجد الضرار (وليحلفن) جواب قسم مقدر أي والله (إن أردنا إلا الحسنى) أي ما أردنا ببنائه إلا الخصلة أو الإرادة الحسنى، وهي الرفق بالمسلمين والتوسطة على أهل الضعف والعجز عن الصلاة في مسجد قباء أو مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم في المطر والحر، فرد الله عليهم بقوله (والله يشهد) أي يعلم (إنهم لكاذبون) فيما حلفوا عليه وقالوه. عن ابن عباس قال: هم أناس من الأنصار ابتنوا مسجداً فقال لهم أبو عامر الراهب والد حنظلة غسيل الملائكة ابنوا مسجدكم واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمداً وأصحابه، فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة، فأنزل الله

التوبة 9:108

(لا تقم فيه أبداً). وعنه قال: لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء خرج رجال من الأنصار فبنوا مسجد النفاق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بخدج ما أردت إلا ما أرى، قال: ما أردت إلا الحسنى وهو كاذب، فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد أن يعذره، فأنزل الله (والذين اتخذوا مسجداً ضراراً) الآية. ثم نهى الله سبحانه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في مسجد الضرار فقال (لا تقم فيه أبداً) أي في وقت من الأوقات، فأرسل رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) جماعة هدموه وأحرقوه وجعلوا مكانه كناسة تلقى فيه الجيف، والنهي عن القيام فيه يستلزم النهي عن الصلاة فيه، وقد يعبر عن الصلاة بالقيام، يقال فلان يقوم الليل أي يصلي، ومنه الحديث الصحيح " من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه " [[مسلم 759 - البخاري 33.]] ثم ذكر الله سبحانه علة النهي عن القيام بقوله (لمسجد أسس على التقوى) اللام في لمسجد لام القسم، وقيل لام الابتداء وفي ذلك تأكيد لمضمون الجملة، وعلى قيل أنها بمعنى مع والأبلغ إبقاؤها على ظاهرها، وجعل التقوى أساساً له وتأسيس البناء تثبيته ورفعه، ومعنى تأسسه على التقوى تأسيسه على الخصال التي لا تبقى بها العقوبة. واختلف العلماء في هذا المسجد فقالت طائفة هو مسجد قباء كما روى عن ابن عباس والضحاك والحسن والشعبي وغيرهم ورجحه البيضاوي لظاهر قوله تعالى، (من أول يوم) إذ لا يراد أول الأيام طلقاً بل أول أيام الهجرة ودخول المدينة المنورة لأنه بني قبل مسجد المدينة ولقوله (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) ولأنه أوفق بالمقام لأنه بقباء كمسجد الضرار. وذهب آخرون إلى أنه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لما أخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن خزيمة وابن حبان وأبو الشيخ والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان، رجل من بني خدرة، وفي لفظ تماريت أنا ورجل من بني عمرو بن عوف في المسجد الذي أسس على التقوى، فقال الخدري هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال العمري: هو مسجد قباء، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن ذلك فقال: " هو هذا المسجد، لمسجد رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) " وقال: " في ذلك خير كثير يعني ": مسجد قباء. وأخرج أحمد وغيره عن أبيٌّ بن كعب قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أسس على التقوى، قال هو مسجدي هذا [[الإمام أحمد 8/ 3.]]، وعن زيد بن ثابت مرفوعاً مثله عند الطبراني وغيره وفي الباب أحاديث كثيرة. وقد جمع الشريف السمهودي بين الأحاديث وقال: كل منهما مراد لأن كلاًّ منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه. والسر في إجابته صلى الله عليه وآله وسلم السؤال عن ذلك مما في الحديث دفع ما يوهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذاك وهو غريب هناك وقد سبقه إليه السهيلي في الروض الأنف. ولا يخفاك أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عين هذا المسجد الذي أسس على التقوى وجزم بأنه مسجده صلى الله عليه وسلم كما تقدم من الأحاديث الصحيحة فلا يقاوم ذلك قول فرد من الصحابة ولا جماعة منهم ولا من غيرهم، ولا يصلح لإيراده في مقابلة ما قد صح عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -). قال الكرخي: والتحقيق إن رواية نزولها في مسجد قباء لا تعارض تنصيصه صلى الله عليه وسلم على أنه مسجد المدينة، فإنها لا تدل على اختصاص أهل قباء بذلك. انتهى. ولا فائدة في إيراد ما ورد في فضل الصلاة في مسجد قباء فإن ذلك لا يستلزم كونه المسجد الذي أسس على التقوى، على أن ما ورد في فضائل مسجده (- صلى الله عليه وسلم -) أكثر مما ورد في فضل مسجد قباء بلا شك ولا شبهة. و (من أول يوم) متعلق بأسس، أي أسس على التقوى من أول يوم من أيام تأسيسه؛ قال بعض النحاة: أن من هاهنا بمعنى منذ، أي منذ أول يوم ابتدئ ببنائه ووضع أساسه. قال السهيلي نور الله مرقده: في الآية من الفقه صحة ما اتفق عليه الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين مع عمر رضي الله تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ، فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي عز فيه الإسلام، والحين الذي أمن فيه النبي صلى الله عليه وسلم وبنيت المساجد وعُبد الله كما يحب، فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل. وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله تعالى (من أول يوم) أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي يؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة رضوان الله عليهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله وأفهمهم بما في القرآن من الإشارات. وإن كان ذلك على رأي واجتهاد فقد علمه الله وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ معلوم. وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينه لفظ أو حال، فتدبره ففيه معتبر لمن ادّكر وعلم لمن رأى بعين فؤاد واستبصر. (أحق أن تقوم فيه) مصلياً وأفعل التفضيل على غير بابه أو المفاضلة باعتبار زعمهم أو بالنظر له في ذاته، فإن المحظور قصدهم ونيتهم، والمعنى لو كان القيام في غيره جائزاً لكان هذا أولى بقيامك فيه للصلاة ولذكر الله لكونه أسس على التقوى من أول يوم ولكونه (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) هذه الجملة، مستأنفة لبيان أحقية قيامه صلى الله عليه وسلم فيه أي كما أن هذا المسجد أولى من جهة المحل، فهو أولى من جهة الحال فيه، ومعنى محبتهم للتطهر أنهم يؤثرونه ويحرصون عليه عند عروض موجبه، يعني من الأحداث والجنابات وسائر النجاسات؛ وهذا قول أكثر المفسرين، وقيل معناه يحبون التطهر من الذنوب بالتوبة والاستغفار والأول أولى. وقال الرازي: المراد بها الطهارة من الذنوب والمعاصي، وعينه بوجوه ثلاثة وقيلِ يحبون أن يتطهروا بالحمى المطهرة للذنوب فحموا جميعاً وهذا ضعيف جداً. (والله يحب المطهرين) معنى محبة الله لهم الرضا عنهم والإحسان إليهم كما يفعل المحب بمحبوبه. وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم عن أبي أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيراً في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة؛ قال فهل مع ذلك غيره؟ قالوا لا، غير أن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحط أن يستنجي بالماء، قال هو ذاك فعليكموه " [[المستدرك كتاب الطهارة 1/ 155.]]. وفي حديث رواه البزاز قالوا نتبع الحجارة بالماء؟ فقال هو ذاك فعليكموه، وفي الباب روايات بألفاظ، وقد روي عن جماعة من التابعين في ذكر سبب نزول الآية نحو هذا. ولا يخفاك أن بعض هذه الأحاديث ليس فيه تعيين مسجد قباء وأهله وبعضها ضعيف وبعضها لا تصرح فيه بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد قباء؛ وعلى كل حال لا يقاوم تلك الأحاديث المصرحة بأن المسجد الذي أسس على التقوى هو مسجد النبي (- صلى الله عليه وسلم -) في صحتها وصراحتها. أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثم بين سبحانه أن بين الفريقين بوناً بعيداً فقال

التوبة 9:109

(أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار) الهمزة للإنكار والجملة مستأنفة مبينة لخيرية الرجال المذكورين على أهل مسجد الضرار، والفاء عاطفة على مقدر أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس، والبنيان مصدر كالعمران وأريد به المبنى. والمعنى أن من أسس بناء دينه على قاعدة قوية محكمة وهي تقوى الله ورضوانه خير ممن أسس دينه على ضد ذلك وهو الباطل والنفاق، قيل أنه استعارة مكنية شبهت التقوى والرضوان بما يعتمد عليه البناء تشبيهاً مضمراً في النفس، وأسس بنيانه تخييل فهو مستعمل في معناه الحقيقي أو مجاز فتأسيس البنيان بمعنى إحكام أمور دينية أو تمثيل لحال من أخلص لله وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى شيئاً محكماً مؤسساً يستوطنه ويتحصن فيه أو البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيح والشفا الشفير، وشفا كل شيء حرفه وطرفه. ومنه يقال أشفى على كذا إذا دنا منه وقرب أن يقع فيه، والجرف بضم الراء وسكونها قراءتان سبعيتان، وعلى كل فالجيم مضمومة وهو ما يتجرف بالسيول وهي الجوانب التي تنحفر بالماء وقيل المكان الذي أكل الماء تحته فهو إلى السقوط قريب، وقيل البئر التي لم تطو، وقيل هو الهوة، والاجتراف اقتلاع الشيء من أصله، والهار الساقط يقال هار البناء إذا سقط وأصله هائر كما قالوا شاك السلاح وشائك، كذا قال الزجاج: يقال هار يهور ويهار وهار يهير وتهور البناء وتهير فهو مقلوب بتقديم لامه على عينه، وقيل حذفت عينه اعتباطاً أي لغير موجب. وقال أبو حاتم: أن أصله هاور أي ساقط متداع منها، قال في شمس العلوم: الجرف ما جرف السيل أصله وأشرف أعلاه فإن انصدع أعلاه فهو الهار انتهى وقيل لا قلب فيه ولا حذف وأن أصله هور أو هير قال السمين وهذا أعدل الوجوه لاستراحته من ادعاء القلب والحذف اللذين هما على خلاف الأصل لولا أنه غير مشهور عند أهل التصريف انتهى. جعل الله سبحانه هذا مثلاً لما بنوا عليه دينهم الباطل المضمحل بسرعة ثم قال (فانهار) الجرف أو الشفا أو بنيان الباني على شفا جرف هار (به) أي بالبنيان أو المعنى أنه طاح الباطل بالبناء والباني (في نار جهنم) قال ابن عباس: صيرهم نفاقهم إلى النار، روى أنهم رأوا الدخان حين حفروا أساسه، وقال قتادة: والله ما تناهى بناؤهم حتى وقع في النار. والباء في به للتعدية أو المصاحبة أي فانهار مصاحباً له وجاء بالانهيار الذي هو للجرف ترجيحاً للمجاز، وسبحان الله ما أبلغ هذا الكلام وأقوى تراكيبه وأوقع معناه وأفصح مبناه، عن جابر بن عبد الله قال: لقد رأيت الدخان يخرج من مسجد الضرار حيث انهار على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أخرجه الحاكم ومسدد وابن جرير وغيرهم. (والله لا يهدي القوم الظالمين) أي لا يوفقهم للخير عقوبة لهم على نفاقهم ثم ذكر سبحانه أن بنيانهم هذا موجب لمزيد ريبهم واستمرار ترددهم وشكهم فقال:

التوبة 9:110

(لا يزال بنيانهم) مصدر بمعنى اسم المفعول (الذي بنوا ريبة في قلوبهم) أي شكاً ونفاقاً أي سبب ريبهم كأنه نفس الريبة أما حال بنائه فظاهر وأما حال هدمه فلأنه رسخ به ما كان في قلوبهم من الشر وتضاعفت آثاره وأحكامه، وقيل معنى الريبة الحسرة والندامة لأنهم ندموا على بنيانه، وقال المبرد أي حرارة وغيظاً. وقد كان هؤلاء الذين بنوا مسجد الضرار منافقين شاكين في دينهم، ولكنهم ازدادوا بهدم رسول الله صلى الله عليهم وسلم له نفاقاً وتصميماً على الكفر ومقتاً للإسلام لما أصابهم من الغيظ الشديد والغضب العظيم بهدمه. ثم ذكر سبحانه ما يدل على استمرار هذه الريبة ودوامها وهو قوله: (إلا أن تقطع قلوبهم) قطعاً وتتفرق أجزاء إما بالموت أو بالسيف، وقيل في القبور أو في النار، والمقصود أن هذه الريبة دائمة لهم ما داموا أحياء، ويجوز أن يكون ذكر التقطع تصويراً لحال زوال الريبة وقيل معناه إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندماً وأسفاً على تفريطهم. وقرئ تقطع بالتخفيف والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تقطع يا محمد قلوبهم وتتمكن منهم كل التمكن، وقرئ ولو تقطعت قلوبهم، وقرئ شاذاً إلى أن تقطع على الغاية أي لا يزالون كذلك إلى أن يموتوا والمستثنى منه محذوف، والتقدير في كل وقت إلا وقت تقطيع قلوبهم، أو في كل حال إلا حال تقطيعها (والله عليم) بعزائمهم (حكيم) في جزاء جرائمهم. إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ

التوبة 9:111

(إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) لما شرح الله تعالى فضائح المنافقين وقبائحهم بسبب تخلفهم عن غزوة تبوك، وذكر أقسامهم وفرع على كل قسم منها ما هو لائق به، عاد على بيان فضيلة الجهاد والترغيب فيه وقد بالغ في ذلك على وجه لا مزيد عليه حيث عبر عن قبوله أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله واثابته إياهم بمقابلتها بالجنة بالشراء، فذكر الشراء تمثيل على طريقة الاستعارة التبعية كما في قوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى). ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد، أنفس المؤمنين وأموالهم وجعل الثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يجعل الأمر على العكس بأن يقال أن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم، ليدل على أن المقصود في العقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها إيذاناً بكمال العناية بهم وبأموالهم. ثم أنه لم يقل بالجنة بل قال (بأن لهم الجنة) مبالغة في تقرر وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم، وأصل الشراء بين العباد هو إخراج الشيء عن الملك بشيء آخر مثله أو دونه أو انفع منه، فهؤلاء المجاهدون باعوا أنفسهم من الله بالجنة التي أعدها الله للمؤمنين أي بأن يكونوا من أهل الجنة وممن يسكنها جادوا يأنفسهم وهي أنفس الاعلاق والجود بها غاية الجود، وجاد الله عليهم بالجنة وهي أعظم ما يطلبه العباد ويتوسلون إليه بالأعمال، والمراد بالأنفس هنا أنفس المجاهدين، وبالأموال ما ينفقونه في الجهاد أو في جميع وجوه البر والطاعات، ويدخل فيها الجهاد دخولاً أولياً. قال أهل المعاني: لا يجوز أن يشتري الله شيئاً في الحقيقة لأن المشتري إنما يشتري ما لا يملكه والأشياء كلها ملك لله عز وجل، ولهذا قال الحسن: أنفسنا هو خلقها وأموالنا هو رزقنا إياها، لكن جرى هذا مجرى التلطف في الدعاء إلى الطاعة والجهاد وجعل ذلك استبدالاً وشراء، ودخلت الباء هنا على المتروك على بابها وسماها أبو البقاء باء المقابلة كقولهم باء العوض وباء الثمنية. وقرأ عمر بن الخطاب بالجنة، عن جابر بن عبد الله قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في المسجد كبر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانياً طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية قال: نعم، فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل. وقد أخرج ابن سعد عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اشترط في بيعة العقبة على من بايعه من الأنصار أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والسمع والطاعة ولا ينازعوا في الأمر أهله، ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم قالوا نعم، قال قائل الأنصار نعم لك هذا يا رسول الله فما لنا قال الجنة، وأخرجه ابن سعد أيضاً من وجه آخر، وليس في قصة العقبة ما يدل على أنها سبب نزول الآية. (يقاتلون في سبيل الله) استئناف لبيان البيِم الذي يقتضيه الاشتراء المذكور لا لبيان نفس الاشتراء، لأن قتالهم في سبيل الله ليس باشتراء من الله أنفسهم وأموالهم كانه قيل كيف يبيعونها بالجنة فقيل يقاتلون، وقيل فيه معنى الأمر أي قاتلوا في سبيله. ْثم بين هذه المقاتلة بقوله: (فيقتلون) أعداء الله (وُيقتلون) في طاعته والمراد أنهم يقدمون على قتل الكفار في الحرب ويبذلون أنفسهم في ذلك، فإن فعلوا فقد استحقوا الجنة، وإن لم يقع القتل عليهم بعد الإبلاء في الجهاد والتعرض للموت بالإقدام على الكفار، وتقديم حالة القاتلية على حالة المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتال بذلاً للنفس. وفي قراءة بتقديم المبنى للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة في الباب، وإيذاناً بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله بل بكونه أحب إليهم من السلامة أي فيقتل بعضهم، ويقاتل الباقي يعني لا يشترط اجتماع الأمرين في الشخص الواحد بل يتحقق الفضل العظيم وإن لم يوجد واحد من الوصفين كما إذا وجدت المضاربة من غير قتل بل يتحقق الجهاد بمجرد العزم وتكثير السواد. (وعداً عليه حقاً) مصدران منصوبان بفعلهما المحذوف أي وعدهم وعداً وحق ذلك الوعد حقاً أي تحقق وثبت إخبار من الله سبحانه بأن فريضة الجهاد واستحقاق الجنة بها قد ثبت الوعد بها من الله. (في التوراة والإنجيل والقرآن) أي كما وقع والقرآن وفيه وجهان (أحدهما) أنه متعلق باشترى وعلى هذا ففيه دليل على أن الأمر بالجهاد موجود في جميع الشرائع ومكتوب على جميع أهل الملل وكل أمة وعدت عليه بالجنة (والثاني) أنه متعلق بمحذوف والمعنى وعداً مذكوراً كائناً في التوراة وعلى هذا فيكون الوعد بالجنة لهذه الأمة مذكوراً في كتب الله المنزلة. (ومن أوفى بعهده من الله) في هذا من تأكيد الترغيب للمجاهدين في الجهاد والتنشيط لهم على بذل الأنفس والأموال ما لا يخفى، فإنه أولاً أخبر بأنه قد اشترى منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة وجاء بهذه العبارة الفخيمة وهي كون الجنة قد صارت ملكاً لهم، ثم أخبر ثانياً بأنه قد وعد بذلك في كتبه المنزلة ثم أخبر ثالثاً بانه بعد هذا الوعد الصادق لا بد من حصول الموعود به فإنه لا أحد أوفى بعهده من الله سبحانه وهو صادق الوعد لا يخلف الميعاد، فإن إخلاف الوعد مما لا يكاد يصدر عن كرام الخلق مع إمكان صدوره منهم، فكيف بجناب الخلاق الغني عن العالمين جل جلاله، فالجملة اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من حقية الوعد على نهج المبالغة في كونه أوفى بالعهد من كل واف. ثم زادهم سروراً وحبوراً فقال: (فاستبشروا ببيعكم) البشارة هي إظهار السرور وظهوره يكون في بشرة الوجه، ولذا يقال أسارير الوجه أي التي يظهر فيها السرور، والسين ليست للطلب كاستوقد وأوقد بل للمطاوعة وقد تقدم إيضاح هذا والفاء لترتيب الاستبشار أو الأمر به على ما قبله، والمعنى أظهروا السرور وافرحوا غاية الفرح بهذا البيع. (الذي بايعتم به) الله عز وجل فقد ربحتم فيه ربحاً لم يربحه أحد من الناس إلا من فعل مثل فعلكم، وفيه التفات عن الغيبة تشريفاً لهم على تشريف وزيادة لسرورهم على سرور، وفيه زيادة تقرير بيعهم وإشعار بكونه مغايراً لسائر البياعات، فإنه بيع للفاني بالباقي وكلا البدلين له سبحانه وتعالى. والإشارة بقوله: (وذلك) إلى الجنة أو إلى نفمس المبيع الذي ربحوا فيه الجنة (هو الفوز العظيم) وصف الفوز وهو الظفر بالمطلوب بالعظيم يدل على أنه فوز لا فوز مثله، قال عمر بن الخطاب: إن الله بايعك وجعل الصفقتين لك، وقال الحسن: اسمعوا إلى بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، وعنه أن الله أعطاك الدنيا فاشتر الجنة ببعضها، وقال قتادة: ثامنهم فأغلى لهم، وقال الصادق: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها. التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ

التوبة 9:112

(التائبون) رفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين والتائب الراجع أي هم الراجعون إلى طاعة الله عن الحالة المخالفة للطاعة، وقال الزجاج: عندي أن قوله التائبون رفع بالابتداء وخبره مضمر، أي التائبون ومن بعدهم إلى آخر الآية لهم الجنة أيضاً وإن لم يجاهدوا. قال: وهذا أحسن إذ لو كانت هذه أوصافاً للمؤمنين المذكورين لكان الوعد خاصاً بالمجاهدين. وقد ذهب إلى هذا طائفة من المفسرين، وقيل إن الخبر قوله: (الآمرون) وقيل إن التائبون بدل من الضمير المستتر في يقاتلون، وذهب آخرون إلى أن هذه الأوصاف راجعة إلى المؤمنين في الآية الأولى وإنها على جهة الشرط، أي لا يستحق الجنة بتلك المبايعة إلا من كان من المؤمنين على هذه الأوصاف، وقال ابن عطية وقيل غير ذلك. وجوز صاحب الكشاف أن يكون التائبون مبتدأ وخبره العابدون وما بعده إخبار كذلك أي التائبون عن الكفر على الحقيقة الجامعون لهذه الخصال، وفيه من البعد ما لا يخفى. ثم قيل المراد به التوبة عن الشرك والبراءة من النفاق وقيل من كل معصية، وقيل من جميع المعاصي، لأن اللفظ عام يتناول الكل، وحاصل ما ذكر أوصاف تسعة، الستة الأولى تتعلق: لمعاملة الخالق، والسابع والثامن يتعلقان: لمعاملة المخلوق، والتاسع يعم القبيلين. قاله الحفناوي، وأتى بترتيب هذه الصفات في الذكر على أحسن نظم، وهو ظاهر بالتأمل فإنه قدم التوبة أولاً ثم ثنى بالعبادة إلى آخرها. (العابدون) أي القائمون بما أمروا به من عبادة الله مع الإخلاص (الحامدون) الذين يحمدون الله سبحانه على كل حال في السراء والضراء ويقومون بشكره على جميع نعمه دنيا وأخرى (السائحون) السياحة في اللغة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء وهي مما يعين العبد على الطاعة لانقطاعه عن الخلق ولا يحصل له من الاعتبار بالتفكر في مخلوقات الله سبحانه، فالسياحة لها أثر عظيم في تهذيب النفس وتحسين أخلاقها. وفي القاموس السياحة بالكسر الذهاب في الأرض للعبادة ومنه المسيح بن مريم، وذكرت في اشتقاقه خمسين قولاً في شرحي لمختصر البخاري، والسائح الصائم الملازم للسياحة، قيل هم الصائمون، وإليه ذهب جمهور المفسرين، وبه قال ابن مسعود ومنه قوله تعالى؛ (عابدات سائحات) وإنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها كما يترك السائح في الأرض، قاله سفيان بن عيينة. وقال الأزهري: سمي الصائم سائحاً لأن الذي يسيح في الأرض متعبداً لا زاد معه فكان ممسكاً عن الأكل، وكذلك الصائم ممسك عنه، قال الزجاج: ومذهب الحسن أن السائحين هنا هم الذين يصومون الفرض، وقيل أنهم الذين يديمون الصيام، وقال عطاء: السائحون هم الغزاة والمجاهدون، وقال عبد الرحمن بن زيد: هم المهاجرون، وقال عكرمة: هم الذين يسافرون لطلب الحديث، وقيل هم الحائرون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر، وقيل هم طلبة العلم مطلقاً لأنهم ينتقلون من بلد إلى بلد في طلبه ويسيحون في الأرض يطلبونه من مظانه ويدخل فيه طالب الحديث دخولاً أولياً. (الراكعون الساجدون) معناه المصلون المحافظون على الصلوات، وعبر عنها بهما لأنهما معظم أركانها وبهما يمتاز المصلي من غيره بخلاف غيرهما كالقيام والقعود لأنهما حالتا المصلي وغيره (الآمرون بالمعروف) أي القائمون بأمر الناس بما هو معروف في الشريعة (والناهون عن المنكر) أي القائمون بالإنكار على من فعل منكراً أي شيئاً ينكره الشرع. قال الحسن: أما أنهم لم يأمروا الناس بالمعروف حتى كانوا من أهله، ولم ينهوا عن المنكر حتى انتهوا عنه، لم يأت بعاطف بين هذه الأوصاف لمناسبتها لبعضها إلا في هذين الوصفين للمضادة بينهما إذ الأول طلب فعل والثاني طلب ترك أو كف (والحافظون لحدود الله) أي القائمون بحفظ شرائعه التي أنزلها الله في كتبه وعلى لسان رسله، وقيل بطاعة الله. وقال الحسن: بفرائض الله وهم أهل الوفاء ببيعة الله، وقيل بأوامره ونواهيه أو بمعالم الشرع، وقيل إن العطف في الصفات يجيء بالواو وبغيرها، كقوله: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب) وقيل إن الواو زائدة، وقيل هى واو الثمانية المعروفة عند النحاة كما في قوله تعالى: (ثيبات وأبكاراً) وقوله: (وفتحت أبوابها) وقوله: (سبعة وثامنهم كلبهم). وقد أنكر واو الثمانية أبو علي الفارسي وناظره في ذلك ابن خالويه، قال الخفاجي: وقائل هذا القول يعني كون السبع عدداً تاماً هو أبو البقاء تبعاً لغيره ممن أثبت واو الثمانية، وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله صاحب المغنى اهـ والحافظ ابن القيم في البدائع. (وبشر المؤمنين) الموصوفين بالصفات السابقة بالجنة، عن ابن عباس قال: من مات على هذه التسع فهو في سبيل الله، ومن مات وفيه تسع فهو شهيد، وفيه إظهار في مقام الإضمار للتنبيه على علة الحكم أي سبب استحقاقهم الجنة هو إيمانهم وحذف المبشر به لخروجه عن حد البيان. مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ

التوبة 9:113

(ما كان) أي لا يصح ولا ينبغي ولا يجوز (للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) لما بين الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة، بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيداً وصرح بأن ذلك متحتم (ولو كانوا أولي قربى) فإن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها. وقد ذكر أهل التفسير أن (ما كان) في القرآن يأتي على وجهين (الأول) على النفي نحو ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، والآخر على النهي نحو ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله. (من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم الاعتداد بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده. عن عليّ قال: أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه، ففعلت وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه (ما كان للنبي) الآية. وقد روى في سبب نزول الآية استغفار النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب من طرق كثيرة وأصله في الصحيحين، وما فيهما مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح فكيف وهو ضعيف غالبه، وقيل إن أريد بطلب المغفرة للكافر هدايته للإسلام قبل الموت جاز الاستغفار له، وإن أريد به أن يغفر ذنبه مع بقائه على الكفر لم يجز فمفهوم هذه الآية فيه تفصيل. وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافراً، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون ربامحيته وشجوا وجهه " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم. وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه ويمسح الدم عن وجهه ويقول: " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " [[مسلم 1792 - البخاري 1633.]].

التوبة 9:114

(وما كان استغفار إبراهيم لأبيه) بقوله واغفر لأبي أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه، وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء منهم والأموات بين أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد صلى الله عليه وسلم بل هو مشروع أيضاً في دين إبراهيم فتكون المبالغة في وجوب الانقطاع أكمل وأقوى. (إلا عن موعدة وعدها إياه) ذكر سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره لأبيه ناشئاً عن شيء ولأجل شيء إلا عن موعدة مبنية على عدم تبين أمره وعدها إياه أي لأجلها. (فلما تبين له أنه عدو لله) مصر على العداوة والكفر ومستمر عليه، وأنه غير مستحق للاستغفار بموته على الكفر (تبرأ منه) وترك الاستغفار له، وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار ومن أعداء الله، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصر على الكفر ومات عليه وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدو لله، فإن ثبوت هذه العداوة يدل على الموت على الكفر، وكذلك لم يعلم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية، وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل. وقيل المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى الإسلام وهو ضعيف جداً وقيل المراد به هنا النهي عن الصلاة على جنائز الكفار فهو كقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجئ إلى ذلك. ثم ختم الله سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم فقال: (إن إبراهيم) استئناف مسوق لبيان الحامل له علي الاستغفار قبل التبين فليس لغيره أن يقتدي به فيه إذ ليس لغيره ما له من الرأفة والرقة، فلا بد من أن يكون غيره أكثر اجتناباً وتبرياً (لأوّاه) هو كثير التأوه كما تدل على ذلك صيغة المبالغة، وبه قال كعب الأحبار، وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه، والتأوّه أن يقول الرجل عند الشكاية والتوجع آه، وقد أوَّه الرجل تأويها، وتأوه تأوها إذا قال: أوَّه أي أتوجع. وحكى قطرب: يقال آه يؤه كقام يقوم أوهاً، وأنكر النحويون هذا القول عليه، وقالوا: لا يقال من أوه فعل ثلاثي. وقد اختلف أهل العلم في معنى الأواه، فقال ابن مسعود وعبيد بن عمير أنه الذي يكثر الدعاء وقال الحسن وقتادة: أنه الرحيم بعباد الله. وروي عن ابن عباس: أنه المؤمن التواب بلغة الحبش، وقال الكلبى: أنه الذي يذكر الله في الأرض القفر، وروي مثله عن ابن المسيب، وقيل الذي يكثر الذكر من غير تقييد، روي ذلك عن عقبة بن عامر. وقيل هو الذي يكثر التلاوة؛ وقيل أنه الفقيه، قاله مجاهد والنخعي، وقيل المتضرع الخاضع روي ذلك عن عبد الله بن شداد، وقيل الموقن قاله مجاهد، وقيل هو الذي إذا ذكر خطاياه استغفر لها روي ذلك عن أبي أيوب، وقيل هو الشفيق قاله عبد العزيز بن يحيى، وقيل هو المسيح قاله سعيد بن جبير، وقال أبو عبيدة هو المتأوه شفقاً وفرقاً المتضرع إيقاناً ولزوماً للطاعة. قال الزجاج: انتظم في قول أبي عبيدة جميع ما قيل في الأواه، وقيل أنه المعلم للخير؛ وقيل أنه الراجع عن كل ما يكرهه الله الخائف من النار، قاله عطاء، والمطابق لمعنى الأواه لغة أن يقال إنه الذي يكثر التأوه من ذنوبه فيقول مثلا آه من ذنوبي، آه مما أعاقب به بسببها ونحو ذلك، وبه قال الفراء: وهو مروى عن أبي ذر. وكان إبراهيم عليه السلام يكثر أن يقول أوّه من النار قبل أن لا ينفع أوه، وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء والفعل منه أوه قال في الصحاح وقد أوه الرجل تأويهاً وتأوه تأوها والاسم منه الآهة بالمد، قال المثقب العبدي: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين وعن ابن شداد بن الهاد قال: قال رجل يا رسول الله ما الأواه قال: الخاشع المتضرع في الدعاء، أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي حاتم، وفيه شهر بن حوشب فيه الخلاف وهذا إن ثبت وجب المصير إليه وتقديمه على ما ذكره أهل اللغة في معنى الأواه. (حليم) الكثير الحلم كما تفيده صيغة المبالغة، وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى ثم يقابله بالإحسان واللطف كما فعل إبراهيم مع أبيه حين قال له لئن لم تنته لأرجمنك فأجابه بقوله: (سلام عليك سأستغفر لك ربي) وقيل الذي لا يعاقب أحداً قط إلا لله، قال ابن عباس: كان من حلمه إذا آذاه الرجل من قومه قال له هداك الله، وقيل الحليم السيد. وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

التوبة 9:115

(وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم) لما نزلت الآية المتقدمة في النهي عن الاستغفار للمشركين خاف جماعة ممن كان يستغفر لهم العقوبة من الله بسبب ذلك الاستغفار فأنزل الله الآية أي أن الله سبحانه لا يوقع الضلال على قوم ولا يسميهم ضلالاً بعد أن هداهم إلى الإسلام والقيام بشرائعه ما لم يقدموا على شيء من المحرمات بعد أن تبين لهم أنه محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به؛ وهذا مثل قوله في آل عمران [بعد إذ هديتنا] وفيه وجهان أي بعد أن هداهم أو بعد وقت هداهم فيه يعني إذ بمعنى أن أو أنها ظرف بمعنى وقت. (حتى يبين لهم ما يتقون) أي ما يجب عليهم اتقاؤه من محرمات الشرع وقال الضحاك: ما يأتون وما يذرون، وقال مقاتل والكلبي: هذا قي المنسوخ أي ما كان الله ليبطل عمل قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يبين الناسخ، قال ابن عباس: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قوماً بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون أي ينهاهم قبل ذلك. وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في طاعته ومعصيته عامة فافعلوا أو اتركوا (إن الله بكل شيء عليم) مما يحل لعباده ويحرم عليهم ومن سائر الأشياء التي خلقها ومنه مستحق الإضلال والهداية. إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ثم بين لهم

التوبة 9:116

(إن الله) سبحانه (له ملك السموات والأرض) لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع يتصرف في ملكه بما يشاء من التصرفات التي من جملتها أنه (يحي ويميت) ومن قضت مشيئته بإحيائه وبإماتته (وما لكم) أي لعباده (من دون الله من ولي) يواليهم (ولا نصير) ينصرهم فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قرب، فإن القرابة لا تنفع شيئاً ولا تؤثر أثراً بل التصرف في جميع الأشياء لله وحده.

التوبة 9:117

(لقد تاب الله) أي أدام توبته (على النبي) فيما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الإذن في التخلف أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين، وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أو له لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار، وقد يكون التوبة منه على النبي من باب أنه ترك ما هو الأولى والأليق كما في قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم. ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب ويتوبوا عما قد لابسوه منها، قال أهل المعاني: هو مفتاح كلام للتبرك وفيه تشريف لهم في ضم توبتهم إلى توبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله: (فإن لله خمسه وللرسول) فهو تشريف له. (و) كذلك تاب الله سبحانه على (المهاجرين والأنصار) فيما قد اقترفوه من الذنوب، ومن هذا القبيل ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل. ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم (الذين اتبعوه) أي النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتخلفوا عنه (في ساعة العسرة) هي غزوة تبوك فإنهم كانوا فيها في عسرة شديدة، وقد ذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم سار إلى تبوك في سبعين ألفاً ما بين راكب وماش من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر القبائل، فالمراد بالساعة أوقات جميع تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها، والعسرة صعوبة الأمر والشدة والضيق. وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك وتسمى غزوة العسرة، والجيش الذي سار يسمى جيش العسرة لأنه كان عليهم عسرة في الزاد والظهر والماء. وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء؛ فأهطلت ثم سكبت فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر. (من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) في كاد ضمير الشأن بيان لتناهي الشدة وبلوغها النهاية، ومعنى يزيغ يتلف بالجهد والمشقة والشدة، وقيل معناه يميل عن الحق ويترك المناصرة والممانعة، وقيل معناه يهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة، وفي قراءة ابن مسعود من بعد ما زاغت وهم المتخلفون على هذه القراءة. وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: (ثم تاب عليهم) تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعاً إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم وإن كان الضمير إلى الفريق الثاني فلا تكرار، وذكر التوبة أولاً قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطييباً لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيماً لشأنهم، وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم. ثم أتبعه بقوله: (إنه بهم رؤوف رحيم) تأكيداً لذلك أي رفيق بعباده لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات، وبين الرؤوف والرحيم فرق لطيف وإن تقاربا في المعنى، قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة ولا تكاد الرأفة تكون معها، وقيل الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال النفع. وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ

التوبة 9:118

(و) تاب (على الثلاثة الذين خُلفوا) أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم، قال ابن جرير معنى خلفوا تركوا يقال خلفت فلاناً فارقته، وقرئ خلفوا بالتخفيف أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الغزو، وقرئ خالفوا، وقيل معنى خلفوا فسدوا مأخوذ من خلوف الفم، وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار لم يقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم. (حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) كناية عن شدة التحير وعدم الاطمئنان، يعني أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم، والرحب الواسع يقال منزل رحب ورحيب وراحب والمضموم مصدر والمفتوح مكان، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديباً لهم لينزجروا عن المعاصي. (وضاقت عليهم أنفسهم) أي أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة وشدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم وترك كلامهم فلا يسعها سرور ولا أنس، وعبر بالظن في قوله: (وظنوا) عن العلم أي علموا وأيقنوا (أن لا ملجأ) يلجؤون إليه قط (من الله) أي من عذابه أو من سخطه (إلا إليه) سبحانه بالتوبة والاستغفار. (ثم تاب) أي رجع (عليهم) بالقبول والرحمة وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة (ليتوبوا) عنها ويرجعوا فيها إلى الله ويندموا على ما وقع منهم ويحصلوا التوبة وينشؤوها فحصل التغاير وصح التعليل (إن الله هو التواب) أي الكثير القبول لتوبة التائبين (الرحيم) أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده. قال أبو بكر الوراق: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة، وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والرأفة والإحسان من الله تعالى، وأنه لا يجب عليه شيء.

التوبة 9:119

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم (وكونوا مع الصادقين) هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة يفيد الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم، قال نافع: قيل للثلاثة كونوا مع محمد وأصحابه. وقال سعيد بن جبير: كونوا مع أبي بكر وعمر وزاد الضحاك وأصحابهما وعن ابن عباس مع علي بن أبي طالب، وعن جعفر قال: مع الثلاثة الذين خلفوا. قال ابن جرير: مع المهاجرين وقيل مع الذين خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، وقيل مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة، وهذه الآية تدل على فضيلة الصدق. روي أن أبا بكر احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة حين قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فقال: إن الله يقول في كتابه (للفقراء المهاجرين) إلى قوله: (أولئك هم الصادقون) فمن هؤلاء قال الأنصار أنتم هم؛ فقال إن الله يقول: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فأمركم أن تكونوا معنا ولم يأمرنا أن نكون معكم.

التوبة 9:120

مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ قيل والآية تدل على أن الإجماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم، وقيل مع بمعنى من، أي كونوا منهم والله أعلم. (ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) زيادة تأكيد لوجوب الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريم التخلف عنه أي ما صح وما استقام لهم ولمن حولهم كمزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار أن يتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقيل هو عام في كل الأعراب لأن اللفظ عام وحمله على العموم أولى، وإنما خصهم الله سبحانه لأنهم قد استنفروا فلم ينفروا بخلاف غيرهم من العرب فإنهم لم يستنفروا مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ابن زيد: هذا حين كان الإسلام قليلاً لم يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كثر الإسلام وفشا قال الله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة). (ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) أي وما كان لهم ذلك فيشحون بها ويصونونها ولا يشحون بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها، يقال رغبت عن كذا أي ترفعت عنه وأعرضت. والمعنى ولا يجعلوا أنفسهم راغبة معرضة عما ألقى فيه نفسه الكريمة، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق ويجاهدوا بين يديه أهل الشقاء، ويبذلوا أنفسهم دون نفسه بأن يصحبوه على البأساء والضراء علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا تعرضت مع عزتها وكرامتها للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له ولا يكترث بها أصحابها ولا يقيموا لها وزناً وتكون أخف شيء عليهم وأهونه. وفي هذا الإخبار معنى الأمر لهم مع ما يفيده إيراده على هذه الصيغة من التوبيخ لهم والتقريع الشديد والتهييج لهم والإزراء عليهم. والإشارة بقوله: (ذلك) إلى ما يفيده السياق من وجوب المتابعة لرسول الله صل الله عليه وسلم أي ذلك الوجوب (بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة) أي بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد، والظمأ العطش والنصب التعب، والمخمصة الجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن، وتوسيط كلمة لا هاهنا للدلالة على استقلال كل واحد منها بالفضيلة والاعتداد به. ومعنى (في سبيل الله) في طاعة الله (ولا يطأون موطئاً يغيظ) بفتح الياء باتفاق السبعة وإن كان يجوز لغة ضمها إذ يقال لغة غاظه وأغاظه بمعنى واحد، أي يغضب والكفار أي لا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بأقدامهم، أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف رواحلهم، فيحصل بسبب ذلك الغيظ والغم والحزن للكفار، والمَوْطِئ اسم مكان ويجوز أن يكون مصدراً، وفيه أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم. (ولا ينالون) أي لا يصيون (من عدو نيلاً) أي قتلاً وأسراً أو هزيمة أو غنيمة وأصله من نلت الشيء أنال أي أصبت، قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل منه، وليس هو من التناول إنما التناول من نلته بالعطية، قال غيره نلت أنول من العطية ونلته أناله أدركته. (إلا كتب لهم به) أي بكل واحد من الأمور الخمسة (عمل صالح) حسنة مقبولة يجازيهم بها وثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم وقبله منهم بحكم الوعد الكريم للثواب الجميل ونيل الزلفى. قال الأوزاعي وجماعة من الأئمة: هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة، وقال قتادة: هذا الحكم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم والأول أولى، وفي الآية دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله وكان سعيه مشكوراً. (إن الله لا يضيع أجر المحسنين) جملة في حكم التعليل لما سبق مع كونه يشمل كل محسن ويصدق على المذكورين هنا صدقاً أولياً، والعدول من الإضمار إلى الإظهار لأجل مدحهم. وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ

التوبة 9:121

(ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة) أي ولا يقع منهم الإنفاق في الحرب أو في سبيل الله، وإن كان شيئاً حقيراً صغيراً يسيراً، كتمرة فما دونها أو أكثر منها حتى علاقة سوط (ولا يقطعون وادياً) مقبلين أو مدبرين فيه، وهو في الأصل كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل؛ والعرب تقول واد وأودية على غير قياس، قال النحاس: ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة، والمراد هنا مطلق الأرض، قاله الحفناوي. (إلا كتب لهم) ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد (ليجزيهم الله) وبه (أحسن) جزاء (ما كانوا يعملون) من الأعمال، وقال الرازي: الأحسن من صفة أفعالهم وفيها الواجب والمندوب والمباح، فالله يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب دون المباح والأول أولى. وقيل يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيراً لأجرهم، وفي الآية دليل على فضل الجهاد وأنه من أحسن أعمال العباد. وقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية المذكورة بعدها وهي قوله

التوبة 9:122

(وما كان المؤمنون لينفروا كافة) فإنها تدل على جواز التخلف من البعض مع القيام بالجهاد من البعض، واختلف المفسرون في معنى هذه الآية؛ فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد، لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو وكان المسلمون إذا بعق رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركون المدينة خالية، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك، أي ما صح ولا استقام أن ينفروا جميعاً. (فلولا) تحضيضية فالمعنى على الطلب أي فهلا (نفر من كل فرقة منهم طائفة) الطائفة في اللغة الجماعة، أي بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة من تلك الفرق، ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة، قالوا ويكون الضمير في قوله: (ليتفقهوا في الدين) عائداً إلى الفرقة الباقية، والمعنى أن طائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو ومن بقي من الفرقة يقفون لطلب العلم ويعلمون الغزاة أو يذهبون في طلبه إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه ليأخذوا عنه الفقه في الدين. (ولينذروا قومهم) عطف علة ففيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة وتبليغ الشريعة لا الترفع على العباد والتبسط في البلاد كما هو دأب أبناء الزمان (إذا رجعوا) أي وقت رجوعهم (إليهم) من الغزو. وذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم والتفقه في الدين، جعله الله سبحانه متصلاً بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد فيكون السفر نوعين (الأول) سفر الجهاد (والثاني) السفر لطلب العلم، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر. والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية وبما يتوصل به إلى العلم بها من لغة ونحو وصرف وبيان وأصول، وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين وإنذار من لم يتفقه، فجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين الصحيحين، وهما تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض ديني. (لعلهم يحذرون) الترجي لوقوع الحذر منهم عن التفريط فيما يجب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ فعله فيترك أو فيما يجب تركه فيفعل، واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم تعتبر الأخبار ما لم تتواتر لم يفد ذلك.

التوبة 9:123

(يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) في هذا الفعل لغتان أكثرهما وليه يليه بالكسر فيما والثانية من باب وعد وهي قليلة الاستعمال، وجلست مما يليه أي يقاربه، وكأن الآية جاءت على اللغة الثانية وأصله يليون أي الأقرب فالأقرب منهم. أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار في الدار والبلاد والنسب، قيل مثل قريظة والنضير وخيبر ونحوها، قاله ابن عباس. وقال ابن عمر: هم الروم لأنهم كانوا سكان الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق، وقيل هم الديلم، وقال ابن زيد: هم العرب فقاتلوهم حتى فرغوا منهم، ثم أمروا بقتال أهل الكتاب وجهادهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدة كما قال. (وليجدوا) أي ليدركوا (فيكم غلظة) أي شدة وقوة وشجاعة، قال الخفاجي: قالوا أنها كلمة جامعة للجرأة والصبر على القتال وشدة العدواة والأنف في القتل والأسر، وظاهرها أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين غلظة، والمقصود أمر المؤمنين بالاتصاف بصفات كالصبر وما معه حتى يجدهم الكفار المتصفين بها فهي على حد قولهم لا أرينك هاهنا، والغلظة بالكسر ضد الرقة وهي لغة أسد، والفتح لغة أهل الحجاز والضم لغة تميم. حكى أبو عمرو اللغات الثلاث وبها قرئ لكن السبعة على الكسر، والغلظة أصلها في الإجرام فاستعيرت هنا للشدة والتجلد والصبر، وقال الحسن: صبراً على جهادهم والجهاد واجب لكل الكفار وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم وأقدم ثم الأقرب فالأقرب. ونقل عن بعض العلماء أنه قال أنزلت هذه الآية قبل الأمر بقتال المشركين كافة فلما نزلت (وقاتلوا المشركين كافة) صارت ناسخة لهذه الآية. وقال المحققون من العلماء: ولا وجه للنسخ فإنه تعالى أمرهم بقتالهم كافة وأرشدهم الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب قرباً مكانياً لا قرباً نسبياً حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد، وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة لأن قتالهم في دفعة واحدة لا يتصور، ولهذا السبب قد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً قومه، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال أهل الكتاب، وهم قريظة والنضير وخيبر وفدك، ثم انتقل إلى غزو الروم والشام فكان فتحه في زمن الصحابة ثم أنهم انتقلوا إلى العراق ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار لأنه إذا قاتل الأقرب أولاً تقوى بما ينال منهم من الغنائم على الأبعد. ثم أخبرهم الله بما يقوي عزائمهم ويثبت أقدامهم فقال: (واعلموا أن الله مع المتقين) بالنصرة لهم وتأييدهم على عدوهم ومن كان الله معه لم يقم له شيء. وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ

التوبة 9:124

(وإذا ما أنزلت سورة) حكاية منه سبحانه لبقية فضائح المنافقين أي والحال إذا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة من كتابه العزيز (فمنهم) أي فمن المنافقين (من يقول) لإخوانه منهم (أيكم زادته هذه) السورة النازلة (إيماناً) يقولون هذا استهزاء بالمؤمنين، ويجوز أن يقولوه لجماعة من المسلمين قاصدين بذلك صرفهم على الإسلام وتزهيدهم فيه، وقد تقدم بيان معنى السورة (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً) حكى الله سبحانه بعد مقالتهم هذه أن المؤمنين زادتهم إيماناً إلى إيمانهم لتصديقهم بها، والزيادة ضم شيء إلى آخر من جنسه مما هو في صفته، وقد تقدم الكلام على زيادة الإيمان (وهم يستبشرون) أي والحال أنهم يفرحون مع هذه الزيادة بنزول الوحي شيئا بعد شيء وما يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية.

التوبة 9:125

(وأما الذين في قلوبهم مرض) وهم المنافقون، والمراد بالمرض هنا الشرك والنفاق (فزادتهم) السورة المنزلة (رجساً إلى رجسهم) أي خبثاً مضموماً إلى خبثهم الذي هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد، وإظهار غير ما يضمرونه، ولذا عدى بإلى، وقيل أن إلى بمعنى مع، وسمي الكفر رجساً لأنه أقبح الأشياء وأصل الرجس في اللغة الشيء المستقذر (وماتوا وهم كافرون) أي وثبتوا واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفاراً منافقين، وقيل المعنى زادتهم إثماً إلى إثمهم. أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ

التوبة 9:126

(أو لا يرون) قرئ بالتحتية وبالفوقية خطاباً للمؤمنين، وقرأ الأعمش ألم يروا، وقرأ طلحة أو لا ترى خطاباً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم والهمزة على القراءة بالياء للإنكار والتوبيخ، وعلى الخطاب للتعجيب والرؤية قلبية أو بصرية (إنهم يفتنون) يختبرون، قاله ابن جرير وغيره أو يبتليهم الله بالقحط والشدة والجوع والسنة قاله مجاهد، وقال ابن عطية: بالأمراض والأوجاع، وقال قتادة: بالغزو والجهاد مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ وقال الحسن: بالعدو. (في كل عام مرة أو مرتين) عن أبي سعيد قال: كانت لهم في كل عام كذبة. أو كذبتان قال حذيفة: فيضل بها فئام من الناس كثير، وقيل أنهم يفتضحون بإظهار نفاقهم، وقيل ينافقون ثم يؤمنون ثم ينافقون؛ وقيل ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين ويرون ما وعد الله من النصر. (ثم لا يتوبون) بسبب ذلك من النفاق ونقض العهد ولا يرجعون إلى الله مع أن الابتلاء يقتضي الرجوع والتذكر، وثم للعطف على يرون (ولا هم يذكرون) أي لا يرون ولا ينظرون ولا يتعظون، وهذا تعجيب من الله سبحانه للمؤمنين من حال المنافقين وتصلبهم في النفاق وإهمالهم للنظر والاعتبار. ثم ذكر الله سبحانه ما كانوا يفعلونه عند نزول السورة بعد ذكره لما كانوا يقولونه فقال:

التوبة 9:127

(وإذا ما أنزلت سورة) فيها عيب المنافقين وذكرهم وتوبيخهم وقرأها النبي صلى الله عليه وسلم نظر بعضهم وأي بعض المنافقين (إلى بعض) آخر وتغامز بالعيون إنكاراً لها أو سخرية أو غيظاً لما فيها من عيوبهم. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العلم أنه قال: (نظر) في هذه الآية موضوع موضع قال أي قال بعضهم لبعض (هل يراكم من أحد) من المؤمنين لننصرف عن المقام الذي ينزل فيه الوحي فإنه لا صبر لنا على استماعه أو لنتكلم بما بزيد من الطعن والسخرية والضحك، وقيل المعنى وإذا أنزلت سورة ذكر الله فيها فضائح المنافقين ومخازيهم قال بعض من يحضر مجلس النبي صلى الله عليه وآله وسلم للبعض الآخر منهم هل يراكم من أحد. (ثم انصرفوا) إلى منازلهم عن ذلك المجلس أو عما يقتضي الهداية والإيمان إلى ما يقتضي الكفر والنفاق، والتراخي باعتبار وجدان الفرصة والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين. ثم دعا الله سبحانه عليهم فقال: (صرف الله قلوبهم) وعن الخير وما فيه الرشد لهم والهداية وهو سبحانه مصرف القلوب ومقلبها، وقيل المعنى إنه خذلهم عن قبول الهداية، قال الزجاج: أضلهم الله مجازاة على فعلهم، وقيل هو دعاء لا يراد به وقوع مضمونه كقولهم قاتله الله، وقيل إخبار بحالهم. ثم ذكر سبحانه السبب الذي لأجله انصرفوا عن مواطن الهداية أو السبب الذي لأجله استحقوا الدعاء عليهم بقوله صرف الله قلوبهم فقال: (بأنهم قوم لا يفقهون) ما يسمعونه لعدم تدبرهم وإنصافهم. عن ابن عباس: لا تقولوا انصرفنا من الصلاة فإن قوماً انصرفوا فصرف الله قلوبهم ولكن قولوا قضينا الصلاة، وعن ابن عمر نحوه. وأقول الانصراف يكون عن الخير كما يكون عن الشر وليس في إطلاقه هنا على رجوع المنافقين عن مجلس الخير ما يدل على أنه لا يطلق إلا على نحو ذلك، والإلزم أن كل لفظ يستعمل في لغة العرب في الأمور المتعددة إذا استعمل في القرآن في حكاية ما وقع من الكفار لا يجوز استعماله في حكاية ما وقع عن أهل الخير كالرجوع والذهاب والدخول والخروج والقيام والقعود، واللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله ووجه الملازمة ظاهر لا يخفى.

التوبة 9:128

لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ثم ختم الله سبحانه هذه السورة بما يهون عنده بعض ما اشتملت عليه من التكاليف الشاقة فقال موبخاً (لقد جاءكم) يا معشر العرب، والخطاب لهم عند جمهور المفسرين، وقال الزجاج: هي خطاب لجميع العالم أي لقد جاءكم (رسول) أرسله الله إليكم له شأن عظيم (من أنفسكم) أي من جنسكم في كونه عربياً قرشياً مثلكم تعرفون نسبه وحسبه، وأنه من ولد إسماعيل لا من العجم ولا من الجن ولا من الملك، وقرئ أنفس أفعل تفضيل من النفاسة والمراد الشرف أي أشرفكم وأفضلكم وسيأتي تخريجه. (عزيز عليه ما عنتم) ما مصدرية والعنت التعب لهم والمشقة عليهم ولقاء المكروه بعذاب الدنيا بالسيف ونحوه أو بعذاب الآخرة بالنار أو بمجموعها والمعنى شاق عليه عنتكم لكونه من جنسكم ومبعوثاً لهدايتكم (حريص) شحيح (عليكم) بأن تدخلوا النار أو حريص على إيمانكم وهدايتكم والأول أولى، وبه قال الفراء. (بالمؤمنين رؤوف رحيم) قد تقدم بيان معناهما اي هذا الرسول بالمؤمنين الطائعين منكم أيها العرب أو الناس رؤوف رحيم، فسماه الله رؤوفاً رحيماً لم يجمع لأحد من أنبيائه بين اسمين من أسمائه إلا النبي صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن ابن الفضل قرئ رؤوف بالمد وبالقصر وهما قراءتان سبعيتان في هذه الكلمة أينما وقعت في القرآن، والرؤوف أخص من الرحيم، وإنما قدم عليه رعاية للفواصل وعن ابن عباس في هذه الآية ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي " - صلى الله عليه وسلم - " مضريها وربيعيها ويمانيها، وعلى هذا يكون المقصود ترغيب العرب في نصره والإيمان به فإنه تم شرفهم بشرفه وعزهم وفخرهم بفخره، فإنه من عشائرهم. وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: من أنفسكم بفتح الفاء من النفاسة أي من أشرفكم، قال لم يصبه شيء من ولادة الجاهلية، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلنم " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح " وهذا فيه انقطاع ولكنه وصله الحافظ الرامهرمزي في كتابه الفاصل بين الراوي والواعي عن علي بن أبي طالب، وزاد " من لدن آدم إلى أن ولدني بني وأمي ". وقال علي ما معنى من أنفسكم يا رسول الله؛ قال: " نسباً وصهراً وحسباً ليس فيّ ولا في آبائي من لدن آدم سفاح كلنا نكاح ". وعن ابن عباس: أن رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " قرأ من أنفسكم، يعني من أعظمكم قدراً، وبه قرأ الزهري، وفي الباب أحاديث بمعناه. ويؤيده ما في صحيح مسلم وغيره من حديث واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشاً، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " [[مسلم 2276.]]. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي عن العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله حين خلق الخلق جعلني من خير خلقه، ثم حين فرقهم جعلني في خير الفريقين، ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة، وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم بيتاً وخيرهم نفساً " [[الإمام أحمد 1/ 210.]] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " بعثت من خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنت من القرن الذي كنت فيه " [[البخاري كتاب المناقب باب 23.]] أخرجه البخاري وفي الباب أحاديث.

التوبة 9:129

فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ثم قال مخاطباً لرسوله ومسلياً له ومرشداً له إلى ما يقوله عند أن يعصى (فإن تولوا أي أعرضوا عنك ولم يعملوا بما جئت به ولا قبلوه (فقل) يا محمد (حسبي) أي كافي (الله) سبحانه (لا إله إلا الله) أي المتفرد بالألوهية وهذه الجملة الحالية كالدليل لما قبلها (عليه توكلت) أي فوضت جميع أموري إليه لا إلى غيره (وهو رب العرش العظيم) وصفه بالعظيم لأنه أعظم المخلوقات قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة العرش وقرئ بالرفع صفة لرب، ورويت هذه القراءة عن ابن كثير. قال أبو بكر الأصم: وهذه القراءة أعجب إليّ لأن جعل العظيم صفة للرب أولى من جعله صفة للعرش. قال ابن عباس: إنما سمي العرش عرشاً لارتفاعه، وقد رويت أحاديث كثيرة في صفة العرش وماهيته وقدره، وقال السيوطي الكرسي، قال الصاوي: قوله الكرسي مرور على القول باتحاد العرش مع الكرسي، وهو خلاف الصحيح أن العرش غير الكرسي. اهـ وعبارة الخازن اعترض بعضهم على هذا التفسير بأن العرش غير الكرسي وأن الكرسي أصغر من العرش فكيف يفسر به وهو مدفوع بأن المسألة خلافية والمشهور ما سمعته؛ وقيل إنهما اسمان لشيء واحد فالعرش والكرسي معناهما الجسم العظيم المحيط بجميع المخلوقات المسمى بالعرش على القول المشهور. أ. هـ. وعن أبي بن كعب رضي الله عنه: أن آخر ما نزل هاتان الآيتان. ذكره القاضي والمفتي وغيرهما. قال السيوطي رواه الحاكم في المستدرك وقال الخفاجي أخرجه أحمد بن حنبل. وقوله آخر ما نزل الخ يعارضه ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن آخر آية نزلت (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة) وآخر سورة نزلت براءة. وعن ابن عباس رضي الله عنهما: آخر آية نزلت (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله وكان بينها وبين موته صلى الله عليه وسلم ثمانون يوماً، وقيل تسع ليال، وحاول بعضهم التوفيق بين هذه الروايات بما لا يخلو عن كدر، وفي هذه الآية إشكال مشهور في كتب الحديث.