Lafzullah

Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — يونس 10:1 – هود 11:123

المؤلف / المصدر: Fath Al-Bayan li Al-Qanuji

المحتويات
  1. يونس 10:1
  2. يونس 10:2
  3. يونس 10:3
  4. يونس 10:4
  5. يونس 10:5
  6. يونس 10:6
  7. يونس 10:7
  8. يونس 10:8
  9. يونس 10:9
  10. يونس 10:10
  11. يونس 10:11
  12. يونس 10:12
  13. يونس 10:13
  14. يونس 10:14
  15. يونس 10:15
  16. يونس 10:16
  17. يونس 10:17
  18. يونس 10:18
  19. يونس 10:19
  20. يونس 10:20
  21. يونس 10:21
  22. يونس 10:22
  23. يونس 10:23
  24. يونس 10:24
  25. يونس 10:25
  26. يونس 10:26
  27. يونس 10:27
  28. يونس 10:28
  29. يونس 10:29
  30. يونس 10:30
  31. يونس 10:31
  32. يونس 10:32
  33. يونس 10:33
  34. يونس 10:34
  35. يونس 10:35
  36. يونس 10:36
  37. يونس 10:37
  38. يونس 10:38
  39. يونس 10:39
  40. يونس 10:40
  41. يونس 10:41
  42. يونس 10:42
  43. يونس 10:43
  44. يونس 10:44
  45. يونس 10:45
  46. يونس 10:46
  47. يونس 10:47
  48. يونس 10:48
  49. يونس 10:49
  50. يونس 10:50
  51. يونس 10:51
  52. يونس 10:52
  53. يونس 10:53
  54. يونس 10:54
  55. يونس 10:55
  56. يونس 10:56
  57. يونس 10:57
  58. يونس 10:58
  59. يونس 10:59
  60. يونس 10:60
  61. يونس 10:61
  62. يونس 10:62
  63. يونس 10:63
  64. يونس 10:64
  65. يونس 10:65
  66. يونس 10:66
  67. يونس 10:67
  68. يونس 10:68
  69. يونس 10:69
  70. يونس 10:70
  71. يونس 10:71
  72. يونس 10:72
  73. يونس 10:73
  74. يونس 10:74
  75. يونس 10:75
  76. يونس 10:76
  77. يونس 10:77
  78. يونس 10:78
  79. يونس 10:79
  80. يونس 10:80
  81. يونس 10:81
  82. يونس 10:82
  83. يونس 10:83
  84. يونس 10:84
  85. يونس 10:85
  86. يونس 10:86
  87. يونس 10:87
  88. يونس 10:88
  89. يونس 10:89
  90. يونس 10:90
  91. يونس 10:91
  92. يونس 10:92
  93. يونس 10:93
  94. يونس 10:94
  95. يونس 10:95
  96. يونس 10:96
  97. يونس 10:97
  98. يونس 10:98
  99. يونس 10:99
  100. يونس 10:100
  101. يونس 10:101
  102. يونس 10:102
  103. يونس 10:103
  104. يونس 10:104
  105. يونس 10:105
  106. يونس 10:106
  107. يونس 10:107
  108. يونس 10:108
  109. يونس 10:109
  110. هود 11:1
  111. هود 11:2
  112. هود 11:3
  113. هود 11:4
  114. هود 11:5
  115. هود 11:6
  116. هود 11:7
  117. هود 11:8
  118. هود 11:9
  119. هود 11:10
  120. هود 11:11
  121. هود 11:12
  122. هود 11:13
  123. هود 11:14
  124. هود 11:15
  125. هود 11:16
  126. هود 11:17
  127. هود 11:18
  128. هود 11:19
  129. هود 11:20
  130. هود 11:21
  131. هود 11:22
  132. هود 11:23
  133. هود 11:24
  134. هود 11:25
  135. هود 11:26
  136. هود 11:27
  137. هود 11:28
  138. هود 11:29
  139. هود 11:30
  140. هود 11:31
  141. هود 11:32
  142. هود 11:33
  143. هود 11:34
  144. هود 11:35
  145. هود 11:36
  146. هود 11:37
  147. هود 11:38
  148. هود 11:39
  149. هود 11:40
  150. هود 11:41
  151. هود 11:42
  152. هود 11:43
  153. هود 11:44
  154. هود 11:45
  155. هود 11:46
  156. هود 11:47
  157. هود 11:48
  158. هود 11:49
  159. هود 11:50
  160. هود 11:51
  161. هود 11:52
  162. هود 11:53
  163. هود 11:54
  164. هود 11:55
  165. هود 11:56
  166. هود 11:60
  167. هود 11:61
  168. هود 11:62
  169. هود 11:63
  170. هود 11:64
  171. هود 11:65
  172. هود 11:66
  173. هود 11:67
  174. هود 11:68
  175. هود 11:69
  176. هود 11:70
  177. هود 11:71
  178. هود 11:72
  179. هود 11:73
  180. هود 11:74
  181. هود 11:75
  182. هود 11:76
  183. هود 11:77
  184. هود 11:78
  185. هود 11:79
  186. هود 11:80
  187. هود 11:81
  188. هود 11:82
  189. هود 11:83
  190. هود 11:84
  191. هود 11:85
  192. هود 11:86
  193. هود 11:87
  194. هود 11:88
  195. هود 11:89
  196. هود 11:90
  197. هود 11:91
  198. هود 11:92
  199. هود 11:93
  200. هود 11:94
  201. هود 11:95
  202. هود 11:96
  203. هود 11:97
  204. هود 11:98
  205. هود 11:99
  206. هود 11:100
  207. هود 11:101
  208. هود 11:102
  209. هود 11:103
  210. هود 11:104
  211. هود 11:105
  212. هود 11:106
  213. هود 11:107
  214. هود 11:108
  215. هود 11:109
  216. هود 11:110
  217. هود 11:111
  218. هود 11:112
  219. هود 11:113
  220. هود 11:114
  221. هود 11:115
  222. هود 11:116
  223. هود 11:117
  224. هود 11:118
  225. هود 11:119
  226. هود 11:120
  227. هود 11:121
  228. هود 11:122
  229. هود 11:123

يونس 10:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة يونس عليه السلام وهي مائة وتسع آيات وهي مكيّة. قال الحسن وعطاء وعكرمة وجابر: إلا ثلاث آيات (فإن كنت في شك) إلى آخرهن قاله ابن عباس وبه قال قتادة. وقال مقاتل إلا آيتين (فإن كنت في شك) إلى آخرهما أو ثلاث، وقال الكلبى إلا قوله (ومنهم من يؤمن به) الآية فإنها نزلت بالمدينة. وقالت فرقة من أولها نحو من أربعين آية مكي وباقيها مدني. قاله القرطبي, وقال ابن سيرين: كانت هذه السورة بعد السابعة, وأخرج بن مردويه عن أنس قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن الله أعطاني الرائيات أي الطواسين مكان الإنجيل. وعن الأحنف قال: صليت خلف عمر غداة فقرأ يونس وهود وغيرهما: قال الصاوي: سميت السورة بذلك لذكر اسمه فيها وقصته, وقد جرت عادة الله بتسمية السورة ببعض أجزائها. الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1) (الر) قال الجلال: الله أعلم بمراده بذلك، قال الصاوي: هذا أحد الأقوال: وهو أتمها واسلمها. اهـ. وقد تقدم الكلام مستوفى على هذه الحروف الواقعة في أوائل السور في أول سورة البقرة فلا نعيده ففيه ما يغني عن الإعادة. وقد قيل إن معنى (الر) أنا الله أرى. قال النحاس: ورأيت أبا إسحاق يميل إلى هذا القول لأن سيبويه قد حكى مثله عن العرب، وقال الحسن وعكرمة (الر) قسم، وقال قتادة (الر) اسم للسورة، وقيل غير ذلك مما فيه تكلف لعلم ما استأثر الله بعلمه. وقد اتفق القراء على أن (آلر) ليس بآية وعلى أن (طه) آية، وفي مقنع أبي عمرو والداني أن العادّين لـ " طه " آية هم الكوفيون فقط، ولعل الفرق أن (الر) لا تشاكل مقاطع الآي التي بعدها. (تلك) أي ما تضمنته السورة من الآيات والتبعيد للتعظيم، وقيل الآيات المتقدمة على هذه السورة، وقال مجاهد وقتادة: أراد التوارة والإنجيل وسائر الكتب المتقدمة فإن تلك إشارة إلى غائب مؤنث، وقيل تلك بمعنى هذه أي هذه (آيات الكتاب الحكيم) وهو القرآن، ويؤيد كون الإشارة إلى القرآن أنه لم يجر للكتب المتقدمة ذكر وأن الحكيم من صفات القرآن لا من صفات غيره، والإضافة بمعنى من لأن هذه السورة بعض القرآن، والحكيم المحكم بالحلال والحرام والحدود والأحكام، قاله أبو عبيدة وغيره. وقيل الحكيم معناه الحاكم فهو فعيل بمعنى فاعل، كقوله (وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس) وقيل بمعنى المحكوم، أي حكم الله فيه بالعدل والإحسان قال الحسن وغيره. وقيل الحكيم ذو الحكمة لاشتماله عليها، وقيل الحكيم المنظوم نظماً متقناً لا يعتريه خلل بوجه من الوجوه، وقيل الممتنع من الفساد، فيكون المعنى لا تغيره الدهور والمراد براءته من الكذب والتناقض. أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) والاستفهام في قوله

يونس 10:2

(أكان الناس عجباً أن أوحينا) لإنكار العجب مع ما يفيده من التقريع والتوبيخ، أي أكان إيحاؤنا عجباً للناس، والعجب حالة تعتري الإنسان من رؤية شيء على خلاف العادة، وقيل العجب ما لا يعرف سببه والمراد بالناس هنا أهل مكة، يعني قريشاً. (إلى رجل منهم) أي من جنسهم، وليس في هذا ما يقتضي العجب فإنه لا يلابس الجنس ويرشده ويخبره عن الله سبحانه إلا من كان من جنسه، ولو كان من غير جنسهم لكان من الملائكة أو من الجن ويتعذر المقصود حينئذ من الإرسال لأنهم لا يأنسون إليه ولا يشاهدونه، ولو فرضنا تشكله لهم وظهوره فإما أن يظهر في غير شكل النوع الإنساني وذلك أوحش لقلوبهم وأبعد من إنسهم أو في الشكل الإنساني فلا بد من إنكارهم لكونه في الأصل غير إنسان. هذا إن كان العجب منهم لكونه من جنسهم، وإن كان لكونه يتيماً أو فقيراً فذلك لا يمنع من أن يكون من كان كذلك جامعاً من خصال الخير والشرف ما لا يجمعه غيره وبالغاً في كمال الصفات إلى جد يقصر عنه من كان غنياً أو غير يتيم، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يصطفيه الله بالرسالة من خصال الكمال عند قريش ما هو أشهر من الشمس وأظهر من النهار حتى كانوا يسمون الأمين (أن أنذر الناس) أي خوفهم قيل: أن هي المفسرة لأن في الايحاء معنى القول، وقيل مصدرية والإنذار إخبار مع تخويف كما أن البشارة إخبار مع سرور. (وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم) من إضافة الموصوف إلى الصفة كمسجد الجامع وصلاة الأولى وحب الحصيد، وفائدة هذه الإضافة التنبيه على زيادة الفضل ومدح القدم لأن كل شيء أضيف إلى الصدق فهو ممدوح ومثله مقعد صدق ومدخل صدق. واختلفت عبارات المفسرين وأهل اللغة في معنى قدم صدق، فقيل منزل صدق، وقال الزجاج: درجة عالية، وقال ابن الأعرابي: القدم المتقدم في الشرف وقال أبو عبيدة والكسائي: كل سابق من خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال لفلان قدم في الإسلام وله عندي قدم صدق وقدم خير وقدم شر. وقال ثعلب: القدم كل ما قدمت من خير. وقال ابن الأنباري: القدم كناية عن العمل الذي لا يقع فيه تأخير ولا إبطاء، وقال قتادة: سلف صدق، وقال الربيع والضحاك: ثواب صدق، وقال الحسن: هو محمد صلى الله عليه وسلم يشفع لهم، ونحوه عن زيد بن أسلم وهو قول قتادة. وقال الحكيم الترمذي: قدمه صلى الله عليه وسلم في المقام المحمود، وقال مجاهد: الأعمال الصالحة صلاتهم وصومهم وصدقتهم وتسبيحهم، وقيل عمل صالح أسلفوه يقدمون عليه. قاله الحسن. وقال الليث وأبو الهيثم: القدم السابقة أي سبق لهم عند الله خير، وقال مقاتل: أعمالاً قدموها واختاره ابن جرير. قال ابن عباس: ما سبق لهم من السعادة في الذكر الأول يعني اللوح المحفوظ. وقال أيضاً: أجراً حسناً بما قدموا من أعمالهم. وعن ابن مسعود قال: القدم هو العمل الذي قدموه، قال الله سبحانه (سنكتب ما قدموا وآثارهم) والآثار ممشاهم، قال: مشى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين اسطوانتين من مسجده ثم قال: هذا أثر مكتوب، وقيل غير ما تقدم مما لا حاجة إلى التطويل بإيراده والروايات من التابعين وغيرهم في هذا كثيرة وقد قدمنا أكثرها، والسبب في إطلاق لفظ القدم على هذه المعاني أن السعي والسبق لا يحصل إلا بالقدم، فسمي المسبب باسم السبب كما سميت النعمة يداً لأنها تعطي باليد. (قال الكافرون إن هذا لساحر مبين) قرئ لساحر على أنهم أرادوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باسم الإشارة وقرئ لسحر على أنهم أرادوا القرآن، وقد تقدم معنى السحر في البقرة، والجملة مستأنفة كأنه قيل ماذا صنعوا بعد التعجب؛ وقال القفال: فيه إضمار والتقدير فلما أنذرهم قال الكافرون ذلك. ثم إن الله سبحانه جاء بكلام يبطل به العجب الذي حصل للكفار من الإيحاء إلى رجل منهم فقال (إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) من أيام الدنيا أي في قدرها لأنه لم يكن ثمَّ شمس ولا قمر، ولو شاء لخلقهن في لمحة والعدول عنه لتعليم خلقه التأني والتمهل في الأمور، وتخصيص الستة بالذكر مع أن التثبت يتأتى بأقل منها وبأزيد عليها قد استأثر الله بعلمه. والمعنى أن من كان له هذا الاقتدار العظيم الذي تضيق العقول عن تصوره كيف يكون إرساله لرسوله إلى الناس من جنسهم محلاًّ للتعجب مع كون الكفار يعترفون بذلك فكيف لا يعترفون بصحة هذه الرسالة لهذا الرسول. (ثم استوى على العرش) استواء يليق به وهذه طريقة السلف المفوضين وقد تقدم تفسير هذه الآية في الأعراف بما فيه كفاية فلا نعيده هنا، قال الكرخي: إن الاستواء على العرش صفة له سبحانه بلا كيف. انتهى فهذه الصفة يجب الإيمان بها وإمرارها على ظاهرها من غير تأويل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. وطريقة الخلف المؤولين محجوجة بنصوص الكتاب والسنة وأقوال سلف الأمة وأئمتها، وظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض لأن كلمة ثم للتراخي وذلك يدل على أنه تعالى كان قبل العرش غنياً عنه، فلما خلقه امتنع أن تنقلب حقيقته وذاته عن الاستغناء إلى الحاجة فوجب أن يبقى بعد خلق العرش غنياً عنه، ولكن لما قال هو سبحانه وتعالى باستوائه عليه وجب الإيمان به على ما يليق لجلاله. ثم ذكر ما يدل على مزيد قدرته وعظيم شأنه مع ما مر من خلق هاتيك الأجرام العظام فقال (يدبر الأمر) وترك العاطف لأن جملة يدبر كالتفسير والتفصيل لما قبلها، وأصل التدبير النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المقبول والشكل المحمود، وقال مجاهد: يقضيه ويقدره وحده على الوجه الأتم الأكمل، وقيل يبعث الأمر، وقيل ينزل الأمر، وقيل يأمر به ويمضيه، والمعنى متقارب؛ واشتقاقه من الدبر، والأمر الشأن وهو أحوال ملكوت السموات والأرض والعرش وسائر الخلق من الجزئيات الحادثة شيئاً فشيئاً على أطوار شتى لا تكاد تحصى. (ما من شفيع) يشفع عنده يوم القيامة (إلا من بعد إذنه) له في الشفاعة لأنه عالم بمصالح عباده في تدبيرهم فلا يجوز لأحد أن يسأله ما ليس له به علم، قال الزجاج: إن الكفار الذين خوطبوا بهذه الآية كانوا يقولون أن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فرد الله عليهم بأنه ليس لأحد أن يشفع إليه في شيء إلا بعد إذنه لأنه أعلم بموضع الحكمة والصواب، وله التصرف المطلق في العالم، وقد تقدم معنى الشفاعة في البقرة، وفي هذا بيان لاستبداده بالأمور في كل شيء سبحانه وتعالى. (ذلكم) أي فاعل هذه الأشياء العظيمة من الخلق والتدبير (الله ربكم) أي سيدكم لا رب لكم سواه، وفي هذه الجملة زيادة تأكيد لقوله

يونس 10:3

(إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض) (فاعبدوه) أمرهم بعبادته بعد أن بين لهم أنه الحقيق بها دون غيره لبديع صنعه وعظيم اقتداره فكيف تعبدون الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تنفع ولا تضر. والاستفهام في قوله (أفلا تذكرون) للإنكار والتوبيخ والتقريع لأن من له أدنى تذكر وأقل اعتبار يعلم بهذا ولا يخفى عليه. إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) ثم بين لهم ما يكون آخر أمرهم بعد الحياة الدنيا فقال

يونس 10:4

(إليه مرجعكم جميعاً) وفي هذا من التهديد والتخويف ما لا يخفى، والمراد بالمرجع الرجوع إليه سبحانه إما بالموت أو بالبعث أو بكل واحد منهما، وانتصاب (وعد الله) على المصدر أو هو منصوب بفعل مقدر. ثم أكد ذلك الوعد بقوله (حقاً) فهو تأكيد للتأكيد، فيكون في الكلام من الوكادة ما هو الغاية في ذلك وقرئ وعدُ الله حق على الاستئناف. ثم علل سبحانه ما تقدم بقوله (إنه) بالكسر استئنافاً (يبدأ الخلق) أي إن هذا شأنه يبتدئ خلقه من التراب (ثم يعيده) إليه والخلق بمعنى المخلوق والمضارع بمعنى الماضي، وعبر به استحضاراً للصورة الغريبة أو معنى الإعادة الجزاء يوم القيامة، قال مجاهد ينشئه ثم يميته ثم يحييه للبعث، وقيل ينشئه من الماء ثم يعيده من حال إلى حال. وقرئ أنه بالفتح وهي شاذة أي وعدكم الله انه يبدأ الخلق ثم يعيده أو التقدير لأنه يبدأ الخلق، قال أحمد بن يحيي: التقدير حقاً إبداؤه الخلق، وفي الآية دليل على إمكان الحشر والنشر والمعاد وصحة وقوعه، ورد على منكري البعث. ثم ذكر غاية ما يترتب على الإعادة فقال (ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط) أي بالعدل الذي لا جور فيه أي يجزيهم متلبساً بالقسط أو متلبسين به أو بسبب قسطهم، والمراد به هنا الإيمان بدليل المقابلة في قوله بما كانوا يكفرون. (والذين كفروا) يحتمل وجهين أحدهما أن يكون مرفوعاً بالابتداء وجملة (لهم شراب من حميم وعذاب أليم) خبره والثاني أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبله وتكون الجملة بعده مبينة لجزائهم، وقيل الجملة في محل نصب على الحال أي حال كونهم لهم هذا الشراب وهذا العذاب المؤلم. ولكن يشكل على ذلك إن هذا الشراب وهذا العذاب الأليم هما من الجزاء والحميم الماء الحار الذي قد انتهى حره، وكل مسخن عند العرب فهو حميم، وتغيير الأسلوب للمبالغة في استحقاقهم للعقاب والتنبيه على أن المقصود بالذات من الإبداء والإعادة هو الإثابة والعذاب وقع بالعرض وأنه تعالى يتولى إثابة المؤمنين بما يليق بلطفه وكرمه، ولذلك لم يعينه، وأما عقاب الكفرة فكأنه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وسوء أفعالهم (بما كانوا يكفرون) أي بسبب كفرهم.

يونس 10:5

(هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً) ذكر هاهنا بعض نعمه على المكلفين وهو مما يستدل به على وجوده ووحدته وقدرته وعلمه وحكمته باتقان صنعه في هذين النيرين المتعاقبين على الدوام بعد ما ذكر قبل هذا إبداعه للسموات والأرض واستواءه على العرش وغير ذلك. والضياء قيل جمع ضوء كالسياط والسوط والحياض والحوض والأولى أن يكون ضياء مصدراً لا جمعاً ولا بد من تقدير مضاف أي جعل الشمس ذات ضياء والقمر ذا نور إلا أن يحمل على المبالغة كأنهما جعلا نفس الضياء والنور قيل الضياء أقوى من النور، وقيل هو ما كان بالذات والنور ما كان بالعرض، فما قام بالشمس يقال له ضياء وما قام بالقمر يقال له نور. ومن هنا قال الحكماء إن نور القمر مستفاد من ضوء الشمس، والشعاع الفائض من الشمس قيل جوهر، وقيل عرض، قال الصاوي: والحق أنه عرض لقيامه بالأجرام، وضياء مفعول ثان إن جعل الجعل بمعنى التصيير، وحال أن جعل بمعنى الخلق، قال السدي: لم يجعل الشمس كهيئة القمر لكي يعرف الليل من النهار وهو قوله (فمحونا آية الليل) الآية، قال ابن عباس: وجوههما إلى السموات وأقفيتهما إلى الأرض، وعن ابن عمرو مثله. (وقدره) أى قدر مسير القمر في (منازل) أو قدره ذا منازل وبه يعرف انقضاء الشهور والسنين وذلك إن الشهور المعتبرة في الشرع مبنية على رؤية الأهلة والسنة المعتبرة في الشرع هي القمرية لا الشمسية، ومنازله هي المسافة التي يقطعها في يوم وليلة بحركته الخاصة به وجملتها ثمانية وعشرون وهي معروفة منقسمة على اثني عشر برجاً لكل برج منزلان وثلث منزل ينزل القمر في كل ليلة منزلاً منها إلى انقضاء ثمانية وعشرين لا يتخطاه، فيبدو صغيراً في أول منازله ثم يكبر قليلاً قليلاً حتي يبدو كاملاً، وإذا كان في آخر منازله رق واستقوس ثم يستتر ليلتين لا يبصر ولا يرى إذا كان الشهر كاملاً أو ليلة إذا كان الشهر ناقصاً. والكلام في هذا يطول وقد جمع الشوكاني فيه رسالة مستقلة جواباً عن سؤال أورده عليه بعض الأعلام، وقيل إن الضمير راجع إلى كل واحد من الشمس والقمر كما قيل في قوله تعالى (وإذا رأوا تجارة أو لهواً انفضوا إليها) وقوله (والله ورسوله أحق أن يرضوه) وقد قدمنا تحقيق هذا فيما سبق من هذا التفسير والأولى رجوع الضمير إلى القمر وحده كما في قوله تعالى (والقمر قدرناه منازل). ثم ذكر بعض المنافع المتعلقة بهذا التقدير فقال (لتعلموا) بذلك التقدير (عدد السنين والحساب) أي حساب الشهور والأيام والساعات ونقصانها وزيادتها ووقت دخولها وانقضائها، فإن في العلم بعدد السنين من المصالح الدينية والدنيوية ما لا يحصى، وفي العلم بحساب الأشهر والأيام والليالي من ذلك ما لا يخفى. ولولا هذا التقدير الذي قدره الله سبحانه لم يعلم الناس بذلك ولا عرفوا ما يتعلق به كثير من مصالحهم، والسنة تتحصل من اثني عشر شهراً، والشهر يتحصل من ثلاثين يوماً إن كان كاملاً، ومن تسع وعشرين يوماً إن كان ناقصاً واليوم يتحصل من ساعات معلومة هي أربع وعشرون ساعة لليل والنهار، وقد يكون لكل واحد منهما اثنتا عشرة ساعة في أيام الاستواء، ويزيد أحدهما على الآخر في أيام الزيادة وأيام النقصان، والاختلاف بين السنة الشمسية والقمرية معروف ذكرناه في لقطة العجلان وحجج الكرامة. (ما خلق الله ذلك) بين سبحانه أنه ما خلق الشمس والقمر واختلاف تلك الأحوال (إلا بالحق) والصواب دون الباطل والعبث، والإشارة بقوله (ذلك) إلى المذكور قبله من جعل الشمس ضياء والقمر نوراً أو تقديره منازل والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال. (يفصل الآيات لقوم يعلمون) معنى التفصيل تبيينها والمراد بالآيات التكوينية أو التنزيلية أو مجموعهما، ويدخل هذه الآيات التكوينية المذكورة هنا دخولاً أولياً في ذلك، قرئ يفصل بالياء والنون وهما سبعيتان، وعلى الثانية فيه التفات. إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6) إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) ثم ذكر سبحانه المنافع الحاصلة من اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السموات والأرض من تلك المخلوقات فقال

يونس 10:6

(إن في اختلاف الليل والنهار) أي في تعاقبهما وكون كل منها خلفة للآخر بحسب طلوع الشمس وغروبها أو في تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كل منهما وانتقاص الآخر باختلاف حال الشمس بالنسبة إلينا قرباً وبعداً بحسب الأزمنة أو في اختلافهما وتفاوتهما بحسب الأمكنة أما في الطول والقصر فإن البلاد القريبة من القطب الشمالي أيامها الصيفية أطول ولياليها الصيفية أقصر من أيام البلاد البعيدة منه ولياليها، وأما في أنفسها فإن كروية الأرض تقتضي أن يكون بعض الأوقات في بعض الأماكن ليلاً وفي مقابله نهاراً. (وما خلق الله في السماوات) من ملائكة وشمس وقمر ونجوم وغير ذلك (والأرض) من حيوان وجبال وبحار وأنهار وأشجار وغيرها (لآيات) دلالات على قدرته تعالى (لقوم يتقون) الله سبحانه ويجتنبون معاصيه، خصهم بهذه الآيات لأنهم الذين يمعنون النظر والتفكر في مخلوقات الله سبحانه حذراً منهم عن الوقوع في شيء مما يخالف مراد الله سبحانه، ونظراً لعاقبة أمرهم وما يصلحهم في معادهم. قال القفال: من تدبر في هذه الأحوال علم أن الدنيا مخلوقة لبقاء الناس فيها وأن خالقها وخالقهم ما أهملهم بل جعلها لهم دار عمل، وإذا كان كذلك فلابد من أمر ونهي. عن خليفة العبدي قال: لو أن الله تبارك وتعالى لم يعبد إلا عن رؤية ما عبده أحد، ولكن المؤمنين تفكروا في مجيء هذا الليل اذا جاء فملأ كل شيء وغطى كل شيء وفي مجيء سلطان النهار اذا جاء فمحا سلطان الليل، وفي السحاب المسخر بين السماء والأرض، وفي النجوم وفي الشتاء والصيف، فو الله ما زال المؤمنون يتفكرون فيما خلق ربهم حتى أيقنت قلوبهم بربهم، وقد تقدم تفسير هذه الآية في نظائرها.

يونس 10:7

(إن الذين لا يرجون لقاءنا) شرع الله سبحانه في شرح أحوال من لا يؤمن بالمعاد ومن يؤمن به، وقدم الطائفة التي لم تؤمن لأن الكلام في هذه السورة مع الكفار الذين يعجبون مما لا عجب فيه، ويهملون النظر والتفكر فيما لا ينبغي إهماله مما هو مساعد لكل حي طول حياته فيتسبب عن إهمال النظر والتفكر الصادق عدم الإيمان بالمعاد. ومعنى الرجاء هنا الخوف وقيل الطمع، فالمعنى على الأول لا يخافون عقاباً وعلى الثاني لا يطمعون في ثواب إذا لم يكن المراد باللقاء حقيقته، فإن كان المراد به حقيقته كان المعنى لا يخافون رؤيتنا أو لا يطمعون في رؤيتنا، وقيل المراد بالرجاء هنا التوقع فيدخل تحته الخوف والطمع فيكون المعنى لا يتوقعون لقاءنا فهم لا يخافونه ولا يطمعون فيه. (ورضوا بالحياة الدنيا) عوضاً عن الآخرة فعملوا لها (واطمأنوا بها) أي وقد سكنت نفوسهم إليها وفرحوا بها (والذين هم عن آياتنا غافلون) العطف إنما هو لتغاير الصفات أي غفلوا عن آياتنا الكونية والشرعية لا يعتبرون بها ولا يتفكرون فيها قيل المراد بالآيات أدلة التوحيد وقيل محمد والقرآن. أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)

يونس 10:8

(أولئك) أي المتصفون بالصفات السابقة من عدم الرجاء وحصول الرضا والاطمئنان والغفلة (مأواهم النار) أي مثواهم ومكان إقامتهم (بما كانوا) أي بسبب ما كانوا (يكسبون) من الكفر والتكذيب بالمعاد، فهذا حال الذين لا يؤمنون بالمعاد. وأما حال الذين يؤمنون به فقد بينه سبحانه بقوله

يونس 10:9

(إن الذين آمنوا) أي فعلوا الإيمان الذي طلبه الله منهم بسبب ما وقع منهم من التفكر والاعتبار فيما تقدم ذكره من الآيات (وعملوا الصالحات) التي يقتضيها الإيمان وهي ما شرعه الله لعباده المؤمنين (يهديهم ربهم بإيمانهم) أي يرزقهم الهداية بسبب هذا الايمان المضموم إليه العمل الصالح فيصلون بذلك إلى الجنة. وعبارة أبي السعود يهديهم بسبب إيمانهم إلى مأواهم ومقصدهم وهي الجنة وإنما لم تذكر تعويلاً على ظهورها وانسياق النفس إليها. قال القاضي: ومفهوم الترتيب وإن دل على أن سبب الهداية هو الإيمان والعمل الصالح، لكن دل منطوق قوله بإيمانهم على استقلال الإيمان بالسببية وأن العمل الصالح كالتتمة والرديف له: انتهى. وهذا رد لما في الكشاف من أن الآية دلت على أن المعتبر في الهداية إلى الجنة هو المقيد بالعمل الصالح لا المطلق، قال الخفاجي: وقد رد هذا بأن الجمع بين العمل الصالح والإيمان ظاهر في أنهما السبب والتصريح بسببية الإيمان المضاف إلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالتنصيص على أنه ذلك الإيمان المقرون بما معه لا المطلق، لكنه ذكر لأصالته وزيادة شرفه فلا استدراك ولا دلالة على استقلاله ثم إن النزاع إنما هو في سبب الهداية إلى طريق الجنة لا إلى الاستقامة على سلوك السبيل المؤدي إلى الثواب وأن من لا يكون مهتدياً إلى الجنة لا يدخل الجنة مطلقاً ومنعه مكابرة فتدبر. اهـ وعبارة أبي السعود: وفي النظم الكريم إشعار بأن مجرد الإيمان والعمل الصالح لا يكفي في الوصول إلى الجنة، بل لا بد بعد ذلك من الهداية الربانية وأن الكفر والمعاصي كافية في دخول النار، ثم أنه لا نزاع في أن المراد بالإيمان الذي جعل سبباً لتلك الهداية هو إيمانهم الخاص المشفوع بالأعمال الصالحة لا الإيمان المجرد عنها ولا ما هو أعم منهما، إلا أن ذلك بمعزل عن الدلالة، على خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة من أن الإيمان الخالي عن العمل الصالح يفضي إلى الجنة في الجملة ولا يخلد صاحبه في النار، فإن منطوق الآية الكريمة أن الإيمان المقرون بالعمل الصالح سبب للهداية إلى الجنة، وأما أن كل ما هو سبب لها يجب أن يكون كذلك فلا دلالة لها ولا لغيرها عليه قطعاً، كيف لا وقوله عز وجل (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) مناد بخلافه فإن المراد بالظلم هو الشرك كما أطبق عليه المفسرون، والمعنى لم يخلطوا إيمانهم بشرك. ولئن حمل على ظاهره أيضاً يدخل في الاهتداء من آمن ولم يعمل صالحاً ثم مات قبل أن يظلم بفعل حرام أو بترك واجب. اهـ وقال النسفي في المدارك: وهذا دليل على أن الإيمان المجرد منج حيث قال: بإيمانهم ولم يضم إليه العمل الصالح. ولفظ الخازن والمهايمي بإيمانهم وبأعمالهم، وقال الصاوي: أي وبسبب أعمالهم أيضاً، فالإيمان والأعمال الصالحة سببان موصلان لدار السعادة، أو المراد بالإيمان الكامل ليشمل الأعمال، والمسألة من المعارك ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات. (تجري من تحتهم الأنهار) مستأنفة أو خبر ثان لأن أو في محل النصب على الحال والمعنى من تحت بساتينهم أو من بين أيديهم لأنهم على سرر مرفوعة (في جنات النعيم) خبر آخر أو حال أخرى منه أو من الأنهار أو متعلق بتجري.

يونس 10:10

دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) (دعواهم فيها سبحانك اللهم) أي دعاؤهم ونداؤهم وطلبهم لما يشتهونه في الجنة هذا اللفظ وهو من باب الإسناد اللفظي، وقيل هذا من باب الإسناد المعنوي فلا يلزم أن يقولوا هذا اللفظ فقط، بل يقولونه أو ما يؤدي معناه من جميع صفات التنزيه والتقديس. قيل الدعاء العبادة كقوله (وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) وقيل معنى دعواهم هنا الادعاء الكائن بين المتخاصمين، والمعنى أن أهل الجنة يدعون في الدنيا والآخرة تنزيه الله سبحانه من المعائب والإقرار له بالإلهية، وقيل قولهم وكلامهم. قال القفال: أصله من الدعاء لأن الخصم يدعو خصمه إلى من يحكم بينهما، وقيل معناه طريقتهم وسيرتهم وذلك إن المدعي للشيء مواظب عليه فيمكن أن يجعل الدعوى كناية عن الملازمة وإن لم يكن في قوله سبحانك اللهم دعوى ولا دعاء وقيل معناه تمنيهم كقوله (ولهم ما يدعون) وكان تمنيهم في الجنة ليس إلا تسبيح الله وتقديسه. وأخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا قالوا سبحانك اللهم أتاهم ما اشتهوا من الجنة من ربهم، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. فهذه الكلمة علامة بين أهل الجنة والخدم في إحضار الطعام، فإذا أرادوه قالوا سبحانك اللهم فيأتوهم به في الوقت على حسب ما يشتهون واضعين له على الموائد في كل صحفة لون من الطعام لا يشبه بعضه بعضاً فإذا فرغوا من الطعام حمدوا الله على ما أعطاهم كما يأتي فترفع الموائد عند ذلك .. قال الزجاج: أعلم الله إن أهل الجنة يبتدئون بتعظيم الله وتنزيهه ويختمون بشكر الله والثناء عليه وقيل أنهم يلهمون ذلك كما ذكر في الحديث والمعنى نسبحك يا الله تسبيحاً. (وتحيتهم فيها سلام) أي تحية بعضهم للبعض فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل أو تحية الله أو الملائكة لهم فيكون من إضافة المصدر إلى المفعول، والتحية التكرمة بالحالة الجليلة أصلها أحياك الله حياة طيبة، والسلام السلامة من كل مكروه وقد مضى تفسير هذا في سورة النساء. (وآخر دعواهم) أي وخاتمة دعائهم الذي هو التسبيح في كل مجلس (أن) يقولوا (الحمد لله رب العالمين) وليس معناه انقطاع الحمد فإن أقوال أهل الجنة وأحوالها لا آخر لها والدعوى مشهورة في الادعاء لكنها وردت بمعنى الدعاء أيضاً وهو المراد هنا بقرينة ما بعده لأنه من جنس الدعاء، وتكون أيضاً بمعنى العبادة، وقد جوز إرادته هنا وإن كانت الجنة ليست دار تكليف أي لا عبادة لهم غير هذا القول، والأول أظهر، والثاني أدق أو المراد أنه عبادة لهم تلذذاً لا تكليفاً ذكره الخفاجي؛ قال أبو السعود ولا يساعده تعيين الخاتمة اهـ. قال النحاس: مذهب الخليل أن (أنْ) هذه مخففة من الثقيلة والمعنى أنه الحمد لله، وقال المبرد يجوز إن تعملها خفيفة عملها ثقيلة والرفع أقيس، ولم يحك أبو عبيد إلا التخفيف، قال أبو الهذيل: الحمد أول الكلام وآخر الكلام ثم تلا هذه الآية. وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11) وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ولما ذكر الله سبحانه الوعيد على عدم الإيمان بالمعاد، ذكر أن هذا العذاب من حقه أن يتأخر عن هذه الحياة الدنيا فقال

يونس 10:11

(ولو يعجل الله للناس الشر) أي إجابة دعائهم بالشر مما لهم فيه مضرة ومكروه في نفس أو مال، والتعجيل تقديم الشيء قبل وقته، وقال القفال: لما وصفهم بالغفلة أكد ذلك بأن من غاية غفلتهم أن الرسول متى أنذرهم استعجلوا العذاب، فبين الله سبحانه أنه لا مصلحة في إيصال الشر إليهم فلعلهم يتوبون أو يخرج من أصلابهم من يؤمن. قيل ومعناه لو عجل الله للناس العقوبة (استعجالهم بالخير) أي كما يستعجلون بالثواب والخير أي استعجالاً مثل استعجالهم قال مكي: وهذا مذهب سيبويه أو تعجيلاً مثل استعجالهم، وهذا تقدير أبي البقاء وهو الطاهر، وقال الزمخشري: أصله تعجيله لهم بالخير وهو ضعيف جداً، وقيل منصوب على إسقاط كاف التشبيه أي كاستعجالهم، والاستعجال طلب العجلة. (لقضي إليهم أجلهم) أي لأهلكهم، وقيل معناه لأميتوا، قال ابن قتيبة: إن الناس عند الغضب والضجر قد يدعون على أنفسهم وأهلهم وأولادهم بالموت وتعجيل البلاء كما يدعون بالرزق والرحمة وإعطاء المسؤول، يقول لو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلون به استعجالهم بالخير لفرغ من إهلاكهم، ولكن الله عز وجل بفضله وكرمه يستجيب للداعي في الخير ولا يستجب له في الشر، وقال مجاهد: في الآية هو قول الإنسان لولده وأهله عند الغضب لعنكم الله لا بارك الله فيكم، وقال سعيد بن جبير: هو قول الرجل للرجل اللهم العنه اللهم اخزه وهو يحب أن يستجاب له، وقال قتادة: هو دعاء الرجل على نفسه وأهله وماله بما يكره أن يستجاب له فيه. وقيل الآية خاصة بالكفار الذين أنكروا البعث وما يترتب عليه، وقيل نزلت في النضر بن الحرث حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء الأية. وقرئ لقضي على البناء للفاعل وهي قراءة حسنة لمناسبة ذلك لقوله (ولو يعجل الله) وصورة القياس هكذا لو يعجل الله الشر للناس لأهلكهم لكنه لم يهلكهم بل أمهلهم فلم يعجل لهم الشر، ويدل على هذا القول قوله (فنذر الذين لا يرجون لقاءنا) أي لا يتوقعونه فالفاء للعطف على مقدر، يدل عليه الكلام فكأنه قيل لكن لا يعجل لهم الشر، ولا يقضي إليهم أجلهم فيذرهم أي فيتركهم ويمهلهم (في طغيانهم) أي الذي هو عدم رجاء اللقاء وإنكار البعث والجزاء وما يتفرع على أعمالهم السيئة ومقالاتهم الشنيعة، والطغيان التطاول وهو العلو والارتفاع (يعمهون) يعني يتركهم يتحيرون في تطاولهم وتكبرهم وعدم قبولهم للحق استدراجاً لهم منه سبحانه وخذلاناً. ثم بين سبحانه أنهم كاذبون في استعجال الشر ولو أصابهم ما طلبوه لأظهروا العجز والجزع فقال

يونس 10:12

(وإذا مس الإنسان الضر) أي هذا الجنس الصادق على كل ما يحصل التضرر به كالمرض والفقر (دعانا لجنبه) اللام للوقت أو بمعنى على أي دعانا مضطجعاً (أو قاعداً أو قائماً) كأنه قال دعانا في جميع الأحوال المذكورة وغيرها، وخص المذكورة بالذكر لأنها الغالب على الإنسان ولا يخلو عنها عادة وما عداها نادر كالركوع والسجود. ويجوز أن يراد أنه يدعو الله حال كونه مضطجعاً غير قادر على القعود، وقاعداً غير قادر على القيام وقائماً غير قادر على المشي والأول أولى، قال الزجاج: أن تعديد أحوال الدعاء أبلغ من تعديد أحوال المضرة لأنه إذا كان داعياً على الدوام ثم نسي في وقت الرخاء كان أعجب. وعن أبي الدرداء قال: ادع الله يوم سرائك يستجاب لك يوم ضرائك. وأقول أنا أكثر من شكر الله على السراء ليدفع عني الضراء فإن وعده للشاكرين بزيادة النعم مؤذن بدفعه عنهم النقم لذهاب حلاوة النعمة عند وجود مرارة النقمة، اللهم اجمع لنا بين جلب النعم وسلب النقم فإنا نشكرك عدد ما شكرك الشاكرون ونحمدك عدد ما حمدك الحامدون بكل لسان في كل زمان ومكان. (فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه) أي مضى على طريقته التي كان عليها قبل أن يمسه الضر. ونسي حالة الجهد والبلاء والضيق والفقر، وأهمل جانب الله أو مضى عن موقف الدعاء والتضرع لا يرجع إليه كأنه لا عهد له به كأنه لم يدعنا عند أن مسه الضر إلى كشف ذلك الضر الذي مسه. وقيل معنى مر، استمر على كفره مشبهاً بمن لم يدعنا ولم يشكر ولم يتعظ، وهذه الحالة التي ذكرها الله سبحانه للداعي لا تختص بأهل الكفر بل تتفق لكثير من المسلمين تلين ألسنتهم بالدعاء وقلوبهم بالخشوع والتذلل عند نزول ما يكرهون بهم، فاذا كشفه الله عنهم غفلوا عن التضرع والدعاء وذهلوا عما يجب عليهم من شكر النعمة التي أنعم الله بها عليهم من إجابة دعائهم ورفع ما نزل بهم من الضر ودفع ما أصابهم من المكروه. وهذا مما يدل على أن الآية تعم المسلم والكافر كما يشعر به لفظ الناس ولفظ الإنسان. اللهم أوزعنا شكر نعمك وأذكرنا الأحوال التي مننت علينا فيها بإجابة الدعاء حتى نستكثر من الشكر الذي لا نطيق سواه ولا نقدر على غيره، وما أغناك عنه وأحوجنا إليه ولئن شكرتم لأزيدنكم. (كذلك) أي مثل ذلك التزيين العجيب أي كما زين له الدعاء عند الضرر والإعراض عند الرخاء (زين للمسرفين ما كانوا يعملون) أي عملهم، والمسرف في اللغة هو الذي ينفق المال الكثير لأجل الغرض الخسيس، والتزيين هو إما من جهة الله تعالى على طريق التخلية وعدم اللطف بهم أو من طريق الشيطان بالوسوسة أو من طريق النفس الأمارة بالسوء، والمعنى إنه زين لهم الإعراض عن الدعاء والغفلة عن الشكر والاشتغال بالشهوات. ثم ذكر سبحانه ما يجري مجرى الردع والزجر عما صنعه هؤلاء فقال

يونس 10:13

(ولقد أهلكنا القرون) يعني الأمم الماضية (من قبلكم) أي قبل هؤلاء الكفار المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم يعني أهلكناهم من قبل زمانكم، وقيل الخطاب لأهل مكة على طريق الالتفات للمبالغة في الزجر. (لما ظلموا) أي أهلكناهم حين فعلوا الظلم بالتكذيب والتجارؤ على الرسل والتطاول في المعاصي من غير تأخير لإهلاكهم كما أخرنا إهلاككم. وقيل الظلم هنا الشرك أي لما أشركوا. (وجاءتهم رسلهم) الذين أرسلناهم إليهم (بالبينات) أي بالآيات الواضحات الدالة على صدق الرسل (وما كانوا ليؤمنوا) الجملة اعتراضية واللام لتأكيد النفي، أي وما صح لهذه الأمم وما استقام أن يؤمنوا برسلهم لعدم استعدادهم لذلك وسلب الإلطاف عنهم. (كذلك نجزي القوم المجرمين) أي مثل ذلك الجزاء وهو الاستئصال الكلي لكل مجرم، وهذا وعيد شديد لمن كان في عصره من الكفار أو لكفار مكة على الخصوص. ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) ثم خاطب سبحانه الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال

يونس 10:14

(ثم جعلناكم خلائف) أي استخلفناكم (في الأرض) بعد تلك القرون التي تسمعون أخبارها وتنظرون آثارها، والخلائف جمع خليفة، وقد تقدم الكلام عليه في آخر سورة الأنعام. (لننظر كيف تعملون) اللام لام كي أي لكي ننظر أي عمل تعملونه من أعمال الخير والشر، أو على أي حالة تعملون الأعمال اللائقة بالاستخلاف وقيل النظر هنا بمعنى العلم أي لنختبر أعمالكم كقوله تعالى (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) ذكره الواحدي والرازي، وقيل لنعامل معاملة من ينظر فهي استعارة تمثيلية والأول أولى. عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الدنيا حلوة خضرة وأن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واحذروا فتنة النساء [[مسلم 2742.]] ". أخرجه مسلم. ثم حكى الله سبحانه نوعاً ثالثاً من تعنتهم وتلاعبهم بآياته فقال

يونس 10:15

(وإذا تتلى عليهم) فيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة إعراضاً عنهم (آياتنا) التي في الكتاب العزيز، أي وإذا تلا التالي عليهم آياتنا الدالة على إثبات التوحيد وإبطال الشرك حال كونها (بينات) أي واضحات الدلالة على المطلوب (قال الذين لا يرجون لقاءنا) أي لا يخافون البعث وهم المنكرون للمعاد. وقال قتادة: هم مشركو مكة، وقد تقدم تفسيره قريباً، أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم. (ائت بقرآن غير هذا أو بدّله) طلبوا منه صلى الله عليه وسلم لما سمعوا ما غاظهم فيما تلاه عليهم من القرآن من ذم عبادة الأوثان والوعيد الشديد لمن عبدها أحد أمرين: إما الإتيان بقرآن غير هذا القرآن مع بقاء هذا القرآن على حاله؛ وإما تبديل هذا القرآن بنسخ بعض آياته أو كلها ووضع أخرى مكانها مما يطابق إرادتهم ويلائم غرضهم. قال الرازي: إقدامهم على هذا الالتماس إما على سبيل السخرية والاستهزاء أو على سبيل التجربة والامتحان، حتى أنه لو فعل ذلك علموا أنه كاذب في قوله إن هذا القرآن ينزل عليه من عند الله تعالى. فأمره الله أن يقول في جوابه (قل ما يكون) أي ما ينبغي ولا يحل (لي أن أبدله من تلقاء نفسي) فنفى عن نفسه أحد القسمين وهو التبديل لأنه الذي يمكنه لو كان ذلك جائزاً بخلاف القسم الآخر وهو الإتيان بقرآن آخر، فإن ذلك ليس بوسعه ولا يقدر عليه. وقيل أنه صلى الله عليه وسلم نفى عن نفسه أسهل القسمين ليكون دليلاً على نفي أصعبهما بالطريق الأولى، وهذا منه صلى الله عليه وسلم من باب مجازاة السفهاء. إذ لا يصدر مثل هذا الاقتراح عن العقلاء بعد أن أمره الله سبحانه بذلك وهو أعلم بمصالح عباده وبما يدفع الكفار عن هذه الطلبات الساقطة والسؤالات الباردة. قال الزجاج: سألوه إسقاط ما فيه من ذكر البعث والنشور، وقيل سألوه أن يسقط ما فيه من عيب آلهتهم وتسفيه أحلامهم، وقيل سألوه أن يحول الوعد وعيداً والحرام حلالاً والحلال حراماً. ثم أمره أن يؤكد ما أجاب به عليهم من أنه ما صح له ولا استقام أن يبدله من تلقاء نفسه بقوله (إن أتبع إلا ما يوحى إليّ) من عند الله سبحانه من غير تبديل ولا تحويل ولا تحريف ولا تصحيف، فقصر حاله صلى الله عليه وسلم على اتباع ما يوحى إليه، وربما كان مقصد الكفار بهذا السؤال التعريض للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) بأن القرآن كلامه، وأنه يقدر على الإتيان بغيره والتبديل له. ثم أمره الله سبحانه أن يقول لهم تكميلاً للجواب عليهم (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم) فإن هذه الجملة كالتعليل لما قدمه من الجواب قبلها واليوم العظيم هو يوم القيامة، أي إني أخاف إن عصيت ربي بفعل ما تطلبون على تقدير إمكانه عذاب يوم القيامة. ثم أكد سبحانه كون هذا القرآن من عند الله وإنه صلى الله عليه وسلم إنما يبلغ إليهم منه ما أمره الله بتبليغه لا يقدر على غير ذلك فقال

يونس 10:16

(قل لو شاء الله) أي أن هذا القرآن المتلو عليكم هو بمشيئة الله وإرادته ولو شاء الله أن لا أتلوه عليكم ولا أبلغكم إياه (ما تلوته عليكم) فالأمر كله منوط بمشيئة الله ليس لي في ذلك شيء (ولا أدراكم به) أي ولو شاء الله ما أدراكم بالقرآن أي ما أعلمكم به على لساني، يقال دريت الشيء وأدراني الله به، هكذا قرأ الجمهور بالألف من أدراه يدريه، أعلمه يعلمه، وقرأ ابن كثير: ولأدراكم به بغير ألف بين اللام والهمزة والمعنى لأعلمكم به على لسان غيري من غير أن أتلوه عليكم، فيكون اللام لام تأكيد دخلت على ألف أفعل. وقد قرئ أدرأكم بالهمزة فقيل هي منقلبة عن الألف لكونهما من واد واحد، ويحتمل أن يكون من درأته إذا دفعته وأدرأته إذا جعلته دارياً، والمعنى لا أجعلكم بتلاوته خصماء تدرءونني بالجدال وتكذبونني، وقرأ ابن عباس والحسن ولا أدرأتكم به قال أبو حاتم: أصله ولا أدريتكم به فأبدل من الياء ألفا، قال النحاس: وهذا غلط، والرواية عن الحسن ولا أدرأتكم به بالهمزة. (فقد لبثت فيكم عمراً من قبله) تعليل لكون ذلك بمشيئة الله ولم يكن من النبي صلى الله عليه وسلم إلا التبليغ، أي أقمت فيما بينكم زماناً طويلاً من قبل القرآن وهو أربعون سنة تعرفونني بالصدق والأمانة لست ممن يقرأ ولا ممن يكتب (أفلا تعقلون) الهمزة للتقريع والتوبيخ أي أفلا تجرون على ما يقتضيه العقل من عدم تكذيبي لما عرفتم من العادة المستمرة لي المدة الطويلة بالصدق والأمانة وعدم قراءتي للكتب المنزلة على الرسل وتعلمي لما عند أهلها من العلم ولا طلبي لشيء من هذا الشأن ولا حرصي عليه. ثم جئتكم بهذا الكتاب الذي عجزتم عن الإتيان بسورة منه وقصرتم عن معارضته وأنتم العرب المشهود لهم بكمال الفصاحة، المعترف لهم بأنهم البالغون فيها إلى مبلغ لا يتعلق به غيركم. أخرج ابن أبي شيبة والبخاري والترمذي عن ابن عباس قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم لأربعين سنة فمكث بمكة ثلاث عشرة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة [[البخاري كتاب مناقب الأنصار باب 45.]] وعن السدي نحوه. قال النووي: ورد في عمره صلى الله عليه وسلم ثلاث روايات: إحداها أنه توفي وهو ابن ستين سنة والثانية خمس وستون سنة والثالثة ثلاث وستون سنة وهي أصحها وأشهرها، رواه مسلم من حديث أنس وعائشة وابن عباس، واتفق العلماء عليها؛ وتأولوا الباقي عليه، فرواية ستين سنة اقتصر فيها على العقود وترك الكسر، ورواية الخمس متأولة أيضا بأنها حصل فيها اشتباه. فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)

يونس 10:17

(فمن أظلم) استفهام فيه معنى الجحد أي لا أحد أظلم (ممن افترى على الله كذباً) زيادة كذباً مع أن الافتراء لا يكون إلا كذباً لبيان أن هذا مع كونه افتراء على الله هو كذب في نفسه فربما يكون الافتراء كذباً في الإسناد فقط كما إذا أسند ذنب زيد إلى عمرو، وذكر معنى هذا أبو السعود في تفسيره. قيل وهذا من جملة رده صلى الله عليه وسلم على المشركين لما طلبوا منه أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن أو يبدله، فبين لهم أنه لو فعل ذلك لكان من الافتراء على الله ولا ظلم يماثل ذلك، وقيل المفتري على الله الكذب هم المشركون. (أو كذب بآياته) وهم أهل الكتاب (إنه) أي أن الشأن (لا يفلح المجرمون) تعليل لما قبله، أي لا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير، قال عكرمة: قال النضر: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله هذه الآية. ثم نعى الله سبحانه عليهم عبادة الأصنام وبين أنها لا تنفع من عبدها ولا تضر من لم يعبدها فقال

يونس 10:18

(ويعبدون من دون الله) أي متجاوزين الله سبحانه إلى عبادة غيره لا بمعنى ترك عبادته بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاء بها وضم عبادة الغير إليها للتقرب والشفاعة. (ما لا يضرهم ولا ينفعهم) أي ما ليس من شأنه الضرر ولا النفع، ومن حق المعبود أن يكون مثيباً لمن أطاعه، معاقباً لمن عصاه، ونفي الضر والنفع هنا عن الأصنام باعتبار الذات وإثباتهما لها في الحج في قوله (يدعو لمن ضره أقرب من نفعه) باعتبار السبب فلا منافاة بينهما. (ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله) أي زعموا أنهم يشفعون في الآخرة فلا يعذبهم الله بذنوبهم؛ قاله ابن جريج، وهذا غاية الجهالة منهم حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال، وقيل أرادوا بهذه الشفاعة إصلاح أحوال دنياهم، قاله الحسن، أي لإنكارهم البعث وما يترتب عليه. ثم أمر الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يجيب عنهم فقال (قل) لهم تبكيتاً (اتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض) والمعنى أتخبرون الله أن له شركاء في ملكه يعبدون كما يعبد، أو أتخبرونه أن لكم شفعاء بغير إذنه والله سبحانه لا يعلم لنفسه شريكاً ولا شفيعاً بغير إذنه من جميع مخلوقاته الذين هم في سماواته وفي أرضه، وهذا الكلام حاصله عدم وجود من هو كذلك أصلاً وفي هذا من التهكم بالكفار ما لا يخفى. (سبحانه وتعالى عما يشركون) بالياء والتاء سبعيتان، نزه الله سبحانه نفسه عن إشراكهم، وهو يحتمل أن يكون ابتداء كلام غير داخل في الكلام الذي أمر الله سبحانه رسوله بأن يجيب به عليهم ويحتمل أن يكون من تمام ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم جواباً عليهم. وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19) وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)

يونس 10:19

(وما كان الناس) قد تقدم تفسيره في البقرة والمعنى أن الناس جميعاً ما كانوا (إلا أمة واحدة) موحدة لله سبحانه مؤمنة به من لدن آدم إلى نوح، وقيل من عهد إبراهيم إلى عمرو بن لحي لأن التوحيد والإسلام ملة قديمة اجتمعت عليه الناس قاطبة فطرة وتشريعاً، وأن الشرك وفروعه جهالات ابتدعها الغواة. (فاختلفوا) أي فصار البعض كافراً، وبقي البعض الآخر مؤمناً فخالف بعضهم بعضاً، وقال الزجاج: هم العرب كانوا على الشرك وقال: كل مولود يولد على الفطرة فاختلفوا عند البلوغ والأول أظهر؛ وليس المراد أن كل طائفة أحدثت ملة من ملل الكفر مخالفة للأخرى بل المراد كفر البعض وبقي البعض على التوحيد كما قدمنا، وقال ابن مسعود: كانوا على هدى، وروي أنه قرأ هكذا. وعن مجاهد قال: آدم وحده فاختلفوا حين قتل أحد ابني آدم أخاه، وعن السدي قال: أهل دين واحد على دين آدم فكفروا وقيل ليس في الآية ما يدل على أي دين كانوا من إيمان أو كفر فهو موقوف على دليل من خارج، وقيل كانوا في الكفر وهو منقول عن جماعة من المفسرين والأول أولى. (ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي أنه سبحانه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه إلا يوم القيامة (لقضي بينهم) في الدنيا بنزول العذاب وتعجيل العقوبة للمكذبين وكان ذلك فصلاً بينهم (فيما فيه يختلفون) لكنه قد امتنع ذلك بالكلمة التي لا تتخلف، وقيل المعنى لقضى بينهم بإقامة الساعة عليهم، وقيل لفرغ من هلاكهم، وقيل: الكلمة أن الله أمهل هذه الأمة فلا يهلكهم بالعذاب في الدنيا قاله الكلبي. وقيل الكلمة أنه لا يأخذ أحداً إلا بحجة وهي إرسال الرسل كما قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وقيل الكلمة قوله سبقت رحمتي غضبي وعبر بالمضارع عن الماضي حكاية للحال الماضية.

يونس 10:20

(ويقولون) ذكر سبحانه هاهنا نوعاً رابعاً من مخازيهم وجاء بالمضارع لاستحضار صورة ما قالوه، قيل والقائلون هم أهل مكة كأنهم لم يعتدوا بما قد نزل على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من الآيات الباهرة والمعجزات القاهرة التي لو لم يكن منها إلا القرآن لكفى به دليلاً بيناً ومصدقاً قاطعاً. (لولا) أي هلا (أنزل عليه آية) من الآيات التي نقترحها عليه ونطلبها منه كإحياء الأموات وجعل الجبال ذهباً ونحو ذلك (من ربه) كما كان للأنبياء من الناقة والعصا واليد؛ ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: (فقل إنما الغيب لله) أي أن نزول الآية غيب والله هو المحيط بعلمه المستأثر به لا علم لي ولا لكم ولا لسائر مخلوقاته وإنما علي التبليغ. (فانتظروا) نزول ما اقترحتموه من الآيات (إني معكم من المنتظرين) لنزولها وقيل المعنى انتظروا قضاء الله بيني وبينكم بإظهار الحق على الباطل، وقال الربيع: خوفهم عذابه وعقوبته إن لم يؤمنوا. وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21) هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)

يونس 10:21

(وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا) لما بين سبحانه في الآية المتقدمة أنهم طلبوا آية عناداً ومكراً ولجاجاً أكد ذلك بما ذكره هنا من أنه سبحانه إذا أذاقهم رحمة منه من بعد أن مستهم الضراء فعلوا مقابل هذه النعمة العظيمة المكر منهم في آيات الله. والمراد بإذاقتهم رحمته سبحانه أنه وسع عليهم في الأرزاق وأدرَّ عليهم النعم بالمطر والخصب وصلاح الثمار بعد أن مسهم الضر بالجدب وضيق المعايش، فما شكروا نعمته ولا قدروها حق قدرها. بل أضافوها إلى أصنامهم التي لا تنفع ولا تضر وطعنوا في آيات الله واحتالوا في دفعها بكل حيلة وهو معنى المكر فيها وإذا الأولى شرطية وجوابها إذا لهم مكر، وهي فجائية ذكر معنى ذلك الخليل وسيبويه، ويستفاد منه السرعة لأن المعنى أنهم فاجؤوا المكر أي أوقعوه على جهة الفجاءة والسرعة، وقال مجاهد: في الآية استهزاء وتكذيب. وهذا تفسير مراد، وإلا فأصل المكر إخفاء الحيل والمكايد، وقال مقاتل: لا يقولون هذا رزق الله إنما يقولون سقينا بنوء كذا وكذا. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عنهم فقال: (قل الله أسرع مكراً) أي أعجل عقوبة وأشد أخذاً وأقدر على الجزاء من سرعة مكرهم، وقد دل أفعل التفضيل على أن مكرهم كان سريعاً ولكن مكر الله أسرع منه، وتسمية عقوبة الله سبحانه مكراً من باب المشاكلة كما قرر في مواطن من عبارات الكتاب العزيز. (إن رسلنا) أي الملائكة (يكتبون ما تمكرون) قرئ بالتاء والياء، والأولى سبعية والثانية عشرية أي لا يخفى ذلك على الملائكة الذين هم الحفظة فكيف يخفى على العليم الخبير؛ وفي هذا وعيد لهم شديد وتحقيق للانتقام منهم. وهذه الجملة تعليل للتي قبلها فإن مكرهم إذا كان ظاهراً لا يخفى فعقوبة الله كائنة لا محالة ومعنى هذه الآية قريب من معنى الآية المتقدمة وهي إذا مس الإنسان الضر، وفي هذه الآية زيادة وهي أنهم لا يقتصرون على مجرد الإعراض بل يطلبون الغوائل لآيات الله بما يدبرونه من المكر.

يونس 10:22

(هو الذي يسيركم في البر والبحر) ضرب سبحانه لهؤلاء مثلاً حتى ينكشف المراد انكشافاً تاماً، وهو كلام مستأنف ومعنى تسييرهم في البر أنهم يمشون على أقدامهم التي خلقها لينتفعوا بها ويركبون على ما خلقه الله لركوبهم من الدواب ومعنى تسييرهم في البحر أنه ألهمهم لعمل السفائن التي يركبون فيها في لجج البحر، ويسر ذلك لهم ودفع عنهم أسباب الهلاك. وقد قرأ ابن عامر وهو الذي ينشركم في البر والبحر بالنون من النشر كما في قوله تعالى: (فانتشروا في الأرض) أي ينشرهم سبحانه في البحر فينجي من يشاء ويغرق من يشاء. (حتى) غاية للسير في البحر والغاية مضمون الجملة الشرطية بكمالها (إذا كنتم في الفلك) يقع على الواحد والجمع ويذكر ويؤنث والحركات فيه بينها تغاير اعتباري (وجرين) أي السفن (بهم) أي بالراكبين عليها والفائدة في صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة المبالغة كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم مزيد الإنكار والتقبيح، قاله الزمخشري. وقيل أن مخاطبة الله لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بمنزلة الخبر عن الغائب وكل من أقام الغائب مقام المخاطب حسن منه أن يرده إلى الغائب، وقيل هذا الالتفات فيه امتنان وإظهار نعمة المخاطبين، والمسيرون في البحر مؤمنون وكفار والخطاب شامل فحسن خطابهم بذلك ليستديم الصالح الشكر، ولعل الطالح يتذكر هذه النعمة. ولما كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نجوا بغوا في الأرض عدل عن خطابهم بذلك إلى الغيبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صدوره منهم وهو البغي بغير الحق، قاله السمين، وقيل إن الالتفات في الكلام من الغيبة إلى الحضور وبالعكس من فصيح كلام العرب. وقال الرازي: الانتقال من مقام الخطاب إلى مقام الغيبة في هذا المقام دليل المقت والتبعيد كما أن عكس ذلك في قوله إياك نعبد دليل الرضا والتقريب. بريح طيبة أي ساكنة لينة الهبوب إلى جهة المقصد، والباء للسببية أو للحال (وفرحوا بها) أي ريح السفينة فالقيود المعتبرة في الشرط ثلاثة أولها الكون في الفلك والثاني جريها بهم بالريح الطيبة التي ليست بعاصفة وثالثها فرحهم والقيود المعتبرة في الجزاء ثلاثة. الأول (جاءتها) أي جاءت الفلك وعارضته وقابلته أو جاءت الريح الطيبة أي تلقتها (ريح عاصف) أي ذات عصف وهو من باب النسب كلابن وتامر وهو مما يستوى فيه المذكر والمؤنث كما صرحوا به والعصوف شدة هبوب الريح وهي الهواء بين السماء والأرض، والجمع أرواح ورياح، وقيل أرياح على لفظ الواحد، وغلطه أبو حاتم وهي مؤنثة على الأكثر، وقد تذكر على معنى الهواء نقله أبو زيد، وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر، وراح اليوم يروح روحاً من باب قال، وفي لغة من باب خاف إذا اشتدت ريحه فهو رائح. والثاني (وجاءهم) أي ركبان السفينة (الموج من كل مكان) أي من جميع الجوانب للفلك، والموج ما ارتفع من غوارب الماء وعلا فوق البحر، وقيل هو شدة حركة الماء واختلاطه. (و) الثالث (ظنوا أنهم أحيط بهم) أي غلب على ظنونهم الهلاك، وأصله من إحاطة العدو بقوم أو ببلد، فجعل هذه الإحاطة مثلاً في الهلاك وإن كان بغير العدو، كما هنا وهو استعارة تبعية، وقيل الظن هنا اليقين أي أيقنوا أنه الهلاك، وقيل بل المراد المقاربة من الهلاك والدنو منه والإشراف عليه. وقوله (دعوا الله) بدل من ظنوا لكون هذا الدعاء الواقع منهم إنما كان عند ظن الهلاك وهو الباعث عليه فكان بدلاً منه بدل اشتمال لاشتماله عليه، وممكن أن يكون جملة مستأنفة كأنه قيل ماذا صنعوا فقيل دعوا الله. (مخلصين له الدين) أي لم يشوبوا دعاءهم بشيء من الشوائب كما جرت عادتهم في غير هذا الموطن أنهم يشركون أصنامهم في الدعاء، وليس هذا لأجل الإيمان بالله وحده بل لأجل أن ينجيهم مما شارفوه من الهلاك لعلمهم أنه لا ينجيهم إلا الله سبحانه. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد وإن المضطر يجاب دعاؤه وإن كان كافراً، وفي هذه الآية بيان أن هؤلاء المشركين كانوا لا يلتفتون إلى أصنامهم في هذه الحالة وما شابهها. فيا عجباً لما حدث في الإسلام من طوائف يعتقدون في الأموات فإذا عرضت لهم في البحر مثل هذه الحالة دعوا الأموات ولم يخلصوا الدعاء لله كما فعله المشركون كما تواتر ذلك إلينا تواتراً يحصل به القطع. فانظر هداك الله ما فعلت هذه الاعتقادات الشيطانية وأين وصل بها أهلها وإلى أين رمى بهم الشيطان، وكيف اقتادهم وتسلط عليهم حتى انقادوا له انقياداً ما كان يطمع في مثله ولا في بعضه من عباد الأصنام، فإنا لله وإنا إليه راجعون. واللام في (لئن أنجيتنا) هي الموطئة للقسم المحذوف على إرادة القول أي دعوا قائلين ذلك، ويجوز أن يجري دعوا الله مجرى قالوا لأن الدعاء بمعنى القول إذ هو نوع من أنواعه فتحكى به الجملة، وهو مذهب كوفي والأول هو الأولى لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائهم على ذلك فقط. (من هذه) أي ما وقعوا فيه من مشارفة الهلاك في البحر من الريح العاصفة والأمواج الشديدة (لنكونن) في كل حال (من الشاكرين) أي ممن يشكر نعمك التي أنعمت بها علينا منها هذه المحنة التي نحن بصدد سؤالك أن تفرجها عنا وتنجينا منها، وهذا جواب القسم وفيه من المبالغة في الدلالة على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه منتظمين في سلك المنعوتين بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكرن.

يونس 10:23

فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23) (فلما أنجاهم) الله من هذه المحنة التي وقعوا فيها وأجاب دعاءهم لم يفوا بما وعدوا من أنفسهم، بل فعلوا فعل الجاحدين لا فعل الشاكرين وجعلوا البغي في الأرض بغير الحق مكان الشكر (إذا هم يبغون) أي فأجاؤا البغي والفساد وسارعوا إليه، والبغي هو الفساد من قولهم بغى الجرح إذا ترامى في الفساد، وقيل هو الشرك، وزيادة (في الأرض) للدلالة على أن فسادهم هذا شامل لأقطار الأرض، والبغي وإن كان ينافي أن يكون بحق بل لا يكون إلا بالباطل لكن زيادة. (بغير الحق) إشارة إلى أنهم فعلوا ذلك بغير شبهة عندهم بل تمرداً وعناداً لأنهم قد يفعلون ذلك لشبهة يعتقدونها مع كونها باطلة. وقيل البغي: مجاوزة الحد وهو محمود إن كان من العدل إلى الإحسان ومن الفرض إلى التطوع، ومذموم إن كان من الحق إلى الباطل أو إلى الشبهة، وقال الزمخشري: البغي قد يكون بحق وهو استيلاء المسلمين على أرض الكفرة وهدم دورهم وإحراق زروعهم وقلع أشجارهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة، وهذا فائدة تقييده بغير الحق. (يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم متاع الحياة الدنيا) لما ذكر سبحانه أن هؤلاء المتقدم ذكرهم يبغون في الأرض بغير الحق، ذكر عاقبة البغي وسوء مغبته، قرئ بنصب متاع على أنه مصدر مؤكد لفعل مقدر بطريق الاستئناف، أي بغيكم وبال على أنفسكم تتمتعون متاع الحياة الدنيا؛ وقيل على أنه ظرف زمان نحو مقدم الحاج أي زمن متاع الحياة الدنيا، وقيل على أنه مفعول له، أي لأجل متاع الحياة الدنيا. وقيل منصوب على نزع الخافض كمتاع، وقيل على الحال على أنه مصدر بمعنى المفعول أي ممتعين، وقيل على أنه مفعول لفعل دل عليه المصدر، أي تبغون متاع الحياة الدنيا. وقد نوقش غالب هذه الأقوال في توجيه النصب، والحق الذي تقتضيه جزالة التنزيل إنما هو الوجه الأول، أما من قرأ برفع متاع فيجعله خبراً لمبتدأ، أي بغيكم متاع الحياة الدنيا ويكون على أنفسكم متعلقاً بالمصدر، والتقدير إنما بغيكم على أمثالكم والذين جنسهم جنسكم متاع الحياة الدنيا ومنفعتها التي لا بقاء لها، فيكون المراد بأنفسكم على هذا الوجه أبناء جنسهم، وعبر عنهم بالأنفس استعارة لما يدركه الجنس على جنسه من الشفقة. وقيل ارتفاع متاع على أنه خبر ثان وقيل على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هو متاع كما في قوله تعالى: (إلا ساعة من نهار بلاغ) أي هذا بلاغ. وقد نوقش أيضاً بعض هذه الوجوه في توجيه الرفع بما يطول به البحث في غير طائل، والحاصل أنه إذا جعل خبر المبتدأ على أنفسكم فالمعنى أن ما يقع من البغي على الغير هو بغي على نفس الباغي باعتبار ما يؤول إليه الأمر من الانتقام منه مجازاة على بغيه، وأن جعل الخبر متاعاً فالمراد أن بغي هذا الجنس الإنساني على بعضه بعضاً هو سريع الزوال قريب الاضمحلال كسائر أمتعة الحياة الدنيا فإنها ذاهبة عن قريب متلاشية بسرعة ليس لذلك كثير فائدة ولا عظيم جدوى. وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه وأبو نعيم والخطيب في تاريخه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث هن رواجع على أهلها: المكر والنكث والبغي، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بغيكم على أنفسكم ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه. وعن مكحول: ثلاث من كن فيه كن عليه: المكر والبغي والنكث. أقول أنا: وينبغي أن يلحق بهذه الثلاث التي دل القرآن على أنها تعود على فاعلها " الخدع " فإن الله يقول: (يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم) وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عليه وسلم: " لو بغى جبل على جبل لاندك الباغي منهما " [[ضعيف الجامع الصغير 4813.]]. ثم ذكر سبحانه ما يكون على ذلك البغي من المجازاة يوم القيامة مع وعيد شديد فقال: (ثم إلينا مرجعكم) تقديم الخبر للدلالة على الثبات والقصر، والمعنى أنكم بعد هذه الحياة الدنيا ومتاعها ترجعون إلى الله سبحانه فيجازي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه. (فننبئكم بما كنتم تعملون) في الدنيا من خير وشر، والمراد بذلك المجازاة كما تقول لمن أساء سأخبرك بما صنعت وفيه أشد وعيد وأفظع تهديد. ثم لما ذكر سبحانه ما تقدم من متاع الدنيا جاء بكلام مستأنف يتضمن بيان حالها وسرعة تقتضيها وقصر مدة التمتع بها وقرب زمان الرجوع الموعود به، بعد أن تملأ الأعين برونقها وتخلب النفوس ببهجتها، وتحمل أهلها على أن يسفكوا دماء بعضهم بعضاً ويهتكوا حرمهم، حباً لها وعشقاً لجمالها الظاهري، وتكالباً على التمتع بها وتهافتاً على نيل ما تشتهي الأنفس منها بضرب من التشبيه المركب العجيب البديع المثال المنتظم في سلك الأمثال فقال. إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)

يونس 10:24

(إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء) أي إن مثلها في سرعة الذهاب والاتصاف بوصف يضاد ما كانت عليه ويباينه، مثل ما على الأرض من أنواع النبات في زوال رونقه وذهاب بهجته وسرعة تقضيه، بعد أن كان غضاً مخضراً طرياً قد تعانقت أغصانه المتمايلة، وزهت أوراقه المتصافحة، وتلألأت أنواع نوره وحاكت الزهر أنواع زهره، وإنما ليست للحصر لأنه تعالى ضرب للحياة الدنيا أمثالاً غير هذا، وليس المشبه به هو ما دخله الكاف في قوله كماء بل ما يفهم من الكلام. (فاختلط به) أي بسببه (نبات الأرض) بأن اشتبك بعضه ببعض لكثرته حتى بلغ إلى حد الكمال، ويحتمل أن يراد أن النبات كان في أول بروزه ومبدأ حدوثه غير مهتز، ولا مترعرع فإذا نزل الماء عليه اهتز، وربا حتى اختلط بعض الأنواع ببعض (مما يأكل الناس والأنعام) أي كائناً من الحبوب والثمار والكلأ والتبن والعشب. (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها) قال في الصحاح: الزخرف الذهب ثم يشبه به كل مموه مزور. اهـ. وفي القاموس الزخرف بالضم الذهب وكمال حسن الشيء، ومن القول حسنه، ومن الأرض ألوان نباتها، والمعنى أن الأرض استوفت واستكملت لونها الحسن المشابه بعضه للون الذهب وبعضه للون الفضة وبعضه للون الياقوت وبعضه للون الزمرد وحتى غاية لمحذوف، أي ما زال ينمو ويزهر حتى أخذت حسنها ونضارتها وبهجتها، وأظهرت ألوان زهرها من أبيض وأخضر وأحمر وأصفر وغير ذلك. (وازينت) أي تزينت به، وقرئ أزينت على وزن أفعلت أي ازينت بالزينة التي عليها، شبهها بالعروس التي تلبس الثياب الجيدة المتلونة ألواناً كثيرة ففي الكلام استعارة مكنية. (وظن أهلها) أي أهل تلك الأرض الآخذة زخرفها (إنهم قادرون عليها) أي غلب على ظنونهم أو تيقنوا أنهم قادرون على حصادها والانتفاع بها محصلون لثمرتها رافعون لغلتها متمكنون على جدادها وقطافها، والضمير في عليها للأرض والمراد النبات الذي هو عليها. (أتاها) أي جاءها (أمرنا) بإهلاكها واستئصالها وضربها ببعض العاهات (ليلاً أو نهاراً) أو للتنويع أي تارة يأتي قضاؤنا وعذابنا ليلاً، وتارة يأتي نهارا (فجعلناها حصيداً) أي جعلنا زرعها شبيهاً بالمحصود في قطعه من أصوله، قال أبو عبيدة: الحصيد المستأصل وقيل المقطوع بالمناجل. (كأن لم تغن بالأمس) أي كأن لم يكن زرعها موجوداً فيها بالأمس مخضراً طرداً، من غني بالمكان بالكسر يغني بالفتح إذا أقام، قال البيضاوي: أي لم تلبث أي لم تقم ولم تمكث. وقيل لم تكن ولم توجد، وفي القاموس ما يقتضي أن غني يأتي بمعنى كان ووحد كقوله غنيت دارنا بتهامة أي كانت بها. والمراد بالأمس الوقت القريب والزمن الماضي لا خصوص اليوم الذي قبل يومك، قاله الكرخي، والمغاني في اللغة المنازل، وقال قتادة: كأن لم ينعم، وقرأ " لم يَغْنَ " بالتحتية بإرجاع الضمير إلى الزخرف، قرأ من عده " تغن " بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الأرض. (كذلك) أي مثل ذلك التفصيل البديع (نفصل الآيات) القرآنية التي من جملتها هذه الآية المنبهة على أحوال الدنيا، ويجوز أن يراد الآيات التكوينية (لقوم يتفكرون) فيما اشتملت عليه، عن أبي مجلز قال: كان مكتوباً في سورة يونس إلى جنب هذه الآية (ولو أن لابن آدم واديين من مال لتمنى ثالثاً ولا يشبع نفس ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) فمحيت. قال النسفي في الآية: هذا من التشبيه المركب، شبهت حال الدنيا في سرعة تقضيها وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأرض في جفافه، وذهابه حطاماً بعد ما التف وتكاثف وزين الأرض بخضرته ورفيفه، والتنبيه على حكمة التشبيه أن الحياة صفوها شبيبتها وكدرها شيبتها، كما أن صفو الماء في أعلى الإناء: ألم تر أن العمر كأس سلافة ... فأوله صفو وآخره كدر وحقيقته تزيين جثة الطين بمصالح الدنيا والدين كاختلاط النبات على اختلاف التلوين، فالطينة الطيبة تنبت بساتين الأنس ورياحين الروح وزهرة الزهد وكروم الكرم، وحبوب الحب، وحدائق الحقيقة وشقائق الطريقة. والخبيثة تخرج خلاف الخلف؛ وثمام الإثم وشوك الشرك، وشيح الشح وحطب العطب ولعاع اللعب. ثم يدعوه معاده، كما يحين للحرث حصاده، فتزايله الحياة مغتراً كما يهيج النبات مصفراً، فتغيب جثته في الرمس كأن لم تغن بالأمس، إلى أن يعود ربيع البعث وموعد العرض والبحث. وكذلك حال الدنيا كالماء ينفع قليله، ويهلك كثيره ولا بد من ترك ما زاد، كما لا بد من أخذ الزاد، وأخذ المال لا يخلو من زلة، كما أن خائض الماء لا ينجو من بلة، وجمعه وإمساكه، تلف صاحبه وإهلاكه، فما دون النصاب كضحضاح ماء؛ يجاوز بلا احتماء، والنصاب كنهر حائل بين المجتاز والجواز إلى المفاز لا يمكن إلا بقنطرة وهي الزكاة وعمارتها بذل الصلاة، فمتى اختلت القنطرة غرقته أمواج القناطير المقنطرة. وكذا المال يساعد الأوغاد، دون الأمجاد، كما أن الماء يجتمع في الوهاد دون النجاد، وكذلك المال لا يجتمع إلا بكد البخيل، كما أن الماء لا يجتمع إلا بسد المسيل ثم يفنى ويتلف ولا يبقى كالماء في الكف انتهى.

يونس 10:25

(والله يدعو إلى دار السلام) لما نفر عباده عن الميل إلى الدنيا بما ضربه لهم من المثل السابق، رغبهم في الدار الآخرة بإخبارهم بهذه الدعوة منه عز وجل إلى دار السلام، قال الحسن وقتادة: السلام هو الله تعالى وداره الجنة، وقال الزجاج: والمعنى والله يدعو إلى دار السلامة، ومعنى السلام والسلامة واحد كالرضاع والرضاعة. وقيل أراد دار السلام الذي هو التحية لأن أهلها ينالون من الله السلام بمعنى التحية كما في قوله: (تحيتهم فيها سلام) وقيل السلام اسم لأحد الجنان السبع (أحدها) دار السلام (والثانية) دار الجلال (والثالثة) جنة عدن (والرابعة) جنة المأوى (والخامسة) جنة الخلد (والسادسة) جنة الفردوس (والسابعة) جنة النعيم. وقيل المراد دار السلام الواقع من المؤمنين بعضهم على بعض في الجنة، وقد اتفقوا على أن دار السلام هي الجنة، وإنما اختلفوا في سبب التسمية بدار السلام. (ويهدي من يشاء) هدايته، قال أبو العالية: يهديهم للمخرج من الشبهات والفتن والضلالات (إلى صراط مستقيم) دين الإسلام، جعل سبحانه الدعوة إلى دار السلام عامة والهداية خاصة بمن يشاء أن يهديه تكميلاً للحجة وإظهاراً للاستغناء عن خلقه. أخرج ابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي جعفر محمد بن علي قال: حدثني جابر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما فقال: " إني رأيت في المنام كأن جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجلي يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلاً، فقال اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك، إنما مثلك ومثل أمتك مثل ملك اتخذ داراً ثم بنى فيها بيتاً ثم جعل فيها مأدبة، ثم بعث رسولاً يدعو الناس إلى طعامه، فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من ترك فالله هو الملك والدار الإسلام والبيت الجنة وأنت يا محمد رسول، فمن أجابك دخل الإسلام ومن دخل الإسلام دخل الجنة ومن دخل الجنة أكل منها [[المستدرك كتاب تجبير الرؤيا 4/ 393. وفي رواية: أكل منها مما فيها ثم تلا -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم).]] " وقد روي معنى هذا من طرق.

يونس 10:26

لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) ثم قسم سبحانه أهل الدعوة إلى قسمين وبين حال كل طائفة فقال: (للذين أحسنوا) بالقيام بما أوجبه الله عليهم من الإيمان والأعمال والكف عما نهاهم عنه من المعاصي، وقيل للذين شهدوا أن لا إله إلا الله (الحسنى) أي المثوبة الحسنى وإن كان معه ذنوب، فعصاة المؤمنين داخلون في هذا، وقال ابن الأنباري: الحسنى في اللغة تأنيث الأحسن، والعرب توقع هذه اللفظة على الخصلة المحبوبة المرغوب فيها ولذلك ترك موصوفها، وقيل المراد بالحسنى الجنة. (وزيادة) قيل المراد بها ما يزيد على المثوبة من التفضل كقوله: (ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله) وقيل الزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وبه قال جماعة من الصحابة منهم أبو بكر الصديق وحذيفة وأبو موسى الأشعري وعبادة بن الصامت، وبه قال الحسن وعكرمة والضحاك ومقاتل والسدي. وقيل الزيادة هي مضاعفة الحسنة إلى عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقيل الزيادة غرفة من لؤلؤة واحدة لها أربعة أبواب، قاله علي بن أبي طالب، وقيل الزيادة مغفرة من الله ورضوان قاله مجاهد، وقيل هي ما يعطيهم سبحانه في الدنيا من فضله لا يحاسبهم عليه يوم القيامة، قاله ابن زيد، وقيل غير ذلك مما لا فائدة في ذكره. وأخرج أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجة وابن خزيمة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية ثم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعداً يريد أن ينجزكموه فيقولون وما هو؟ ألم يثقل موازيننا ويبيض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويزحزحنا عن النار؟ قال فيكشف لهم الحجاب فينظرون إليه فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم " [[الإمام أحمد، 4/ 333.]]. وفي لفظ من حديث أبي موسى مرفوعاً: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه الرحمن، أخرجه الدارقطني وابن جرير وغيرهما، وروي مثله عن جماعة من الصحابة مرفوعاً بطرق، وقد روي عن التابعين ومن بعدهم روايات في تفسير الزيادة غالبها أنها النظر إلى وجه الله سبحانه، وقد ثبت التفسير بذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يبق حينئذ لقائل مقال ولا التفات إلى المجادلات الواقعة بين المتمذهبة الذين لا يعرفون من السنة المطهرة ما ينتفعون به، فإنهم لو عرفوا ذلك لكفوا عن كثير من هذيانهم والله المستعان. (ولا يرهق) الرهق الغشيان، وقيل أصله المقاربة، وقيل معناه يلحق ومنه قيل غلام مراهق إذا لحق بالرجال، وقيل يعلو والمعاني متقاربة والمعنى لا يغشى (وجوههم قتر) هو غبار معه سواد، وقيل سواد الوجه واحده قترة وقيل هو الدخان ومنه غبار القدر، وقيل التقليل ومنه ولم يقتروا، ومنه على المقتر قدره، وقيل الكآبة. (ولا ذلة) هي ما يظهر على الوجه من الخضوع والانكسار والهوان، يعني لا يعلو وجوههم غبرة ولا يظهر فيها هوان، وقال مجاهد في الآية: خزي، وعن صهيب عنه صلى الله عليه وآله وسلم قال: هذا بعد نظرهم إليه عز وجل، أخرجه أبو الشيخ، والجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال، قاله أبو البقاء. وهذا ليس بجائز لأن المضارع متى وقع حالاً منفياً بلا امتنع دخول واو الحال عليه كالمثبت أو في محل الرفع نسقاً على الحسنى، والتقدير وأن لا يرهق أي وعدم رهقهم. (أولئك أي المتصفون بالصفات السابقة هم (أصحاب الجنة هم فيها خالدون) أي المتنعمون بأنواع نعمها لا يخرجون منها أبداً. وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27) وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)

يونس 10:27

(والذين كسبوا السيئات جزاء سيئة بمثلها) أي يجازى سيئة واحدة بسيئة واحدة لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة؛ وهذا أولى مما عداه وفيه سبعة أوجه قررها السمين لا نطول بذكرها، والمراد بالسيئة إما الشرك أو المعاصي التي ليست بشرك وهي ما يتلبس به العصاة من المعاصي، قال ابن كيسان: الباء زائدة والمعنى جزاء سيئة مثلها وقيل جزاء سيئة كائن بمثلها. وقيل التقدير فلهم جزاء سيئة، وفيه التنبيه على الفرق بين الحسنات والسيئات لأن الحسنات يضاعف ثوابها لعاملها من الواحدة إلى العشرة إلى السبعمائة إلى أضعاف كثيرة تفضلاً منه سبحانه وتكرماً، وأما السيئات فإنه يجازي فاعلها عليها بمثلها عدلا منه سبحانه. (وترهقهم) أي تغشاهم (ذلة) أي هوان وخزي، وقال ابن عباس: ذلة وشدة (ما لهم من الله من عاصم) أي لا يعصمهم أحد كائناً من كان من سخط الله وعذابه، أو ما لهم من جهة الله ومن عنده من يعصمهم كما يكون للمؤمنين والأول أولى. (كأنما أغشيت وجوههم قطعاً من الليل مظلماً) القطع بفتح الطاء جمع قطعة وبإسكانها جزء وهما قراءتان سبعيتان، قال ابن السكيت: القطع طائفة من الليل وقيل ظلمة آخر الليل، وقال الأخفش: سواد الليل، والجملة حالية أو مستأنفة أي أغشيت وألبست وجوههم قطعاً وسواداً من الليل في حال ظلمته. (أولئك) أي الموصوفون بهذه الصفات الذميمة (أصحاب النار هم فيها خالدون) إطلاق الخلود هنا مقيد بما تواتر في السنة من خروج عصاة الموحدين.

يونس 10:28

(ويوم نحشرهم جميعاً) الحشر الجمع من كل جانب وناحية إلى موضع واحد وقال مجاهد: الحشر الموت، ويوم منصوب على المفعولية بمضمر أي أنذرهم يوم نحشرهم لموقف الحساب، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوالهم القبيحة، والمعنى أن الله سبحانه يحشر العابد والمعبود لسؤالهم يوم القيامة. (ثم نقول) في حالة الحشر ووقت الجمع (للذين أشركوا) تقريعاً لهم على رؤوس الأشهاد وتوبيخاً لهم مع حضور من يشاركهم في العبادة وحضور معبوداتهم (مكانكم) أي الزموا مكانكم واثبتوا فيه وقفوا في موضعكم، ولا تنفكوا منه ولا تبرحوا عنه حتى تسألوا وتنظروا ما يفعل بكم، ونصب مكانكم على أنه في الأصل ظرف لفعل أقيم مقامه لا على أنه اسم فعل وحركته حركة بناء كما هو رأي الفارسي، قاله أبو السعود. قال الخفاجى: وهذا كله تكلف، قال الدماميني: لا أدري ما الداعي إلى جعل هذا الظرف اسم فعل إما لازماً وإما متعدياً، وهلا جعلوه ظرفاً على بابه ولم يخرجوه عن أصله أي اثبت مكانك انتهى وفيه بحث. والضمير في قوله (أنتم) تأكيد للضمير الذي في مكانكم لسده مسد الزموا (وشركاؤكم) عطف عليه وقرىء بالنصب على المفعول معه، وفي هذا وعيد وتهديد للعابدين والمعبودين، والمراد بالشركاء هنا الملائكة وقيل الشياطين وقيل الأصنام وأن الله سبحانه ينطقها في هذا الوقت وقيل المسيح وعزير، والظاهر أنه كل معبود للمشركين كائناً ما كان. (فزيلنا) أي فرقنا وقطعنا ما كان (بينهم) من التواصل في الدنيا يقال زيلته فتزيل أي فرقته فتفرق، والمزايلة المفارقة والتزايل التباين، قال السيوطي: ميزنا بينهم وبين المؤمنين، كما في آية (وامتازوا اليوم أيها المجرمون) انتهى. وفيه مسامحة. قال القرطبي: هذا التفسير بعيد من سابقه ولاحقه إذ هما في الكلام على المشركين ومعبوداتهم فالأولى القول الآخر الذي جرى عليه غيره كالبيضاوي والخازن ونص الخطيب: بينهم، أي بين المشركين وشركائهم، وذلك حين يتبرأ كل معبود عمن عبده، وهذا أنسب بقوله. (وقال شركاؤهم) الذين عبدوهم وجعلوهم شركاء لله سبحانه، وإنما أضاف الشركاء إليهم مع أنهم جعلوهم شركاء لله سبحانه لكونهم جعلوا لهم نصيباً من أموالهم، فهم شركاؤهم في أموالهم من هذه الحيثية، وقيل لكونهم شركاءهم في هذا الخطاب والإضافة لأدنى ملابسة. (ما كنتم إيّانا تعبدون) في الحقيقة ونفس الأمر، وإنما عبدتم هواكم وضلالكم وشياطينكم الذين أغووكم، لأنها الآمرة لكم بالإشراك على حد قوله (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم) الآية. وهذا الجحد من الشركاء وإن كان مخالفاً لما قد وقع من المشركين من عبادتهم فمعناه إنكار عبادتهم إياهم عن أمرهم لهم بالعبادة وتقديم المفعول للفاصلة. فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)

يونس 10:29

(فكفى بالله شهيداً بيننا وبينكم) إن كنا أمرناكم بعبادتنا أو رضينا ذلك منكم (إن كنا عن عبادتكم لغافلين) القائل لهذا الكلام هم المعبودون قالوا لمن عبدهم من المشركين، والمراد بالغفلة هنا عدم الرضاء بما فعله المشركون من العبادة لهم، أو عدم علمهم بها، أو كل من الأمرين. وفي هذا دليل على أن هؤلاء المعبودين غير الشياطين لأنهم يرضون بما فعله المشركون من عبادتهم، قال أبو السعود: هذا من كلام الأصنام كما علمت. انتهى. قلت: ويمكن أن يكونوا من الشياطين ويحمل هذا الجحد منهم على أنهم لم يجيروهم على عبادتهم ولا أكرهوهم عليها.

يونس 10:30

(هنالك) أي في ذلك المكان الدهش أو في ذلك الموقف الدحض أو في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان (تبلو) أي تختبر وتذوق (كل نفس) مؤمنة كانت أو كافرة، سعيدة أو شقية جزاء (ما أسلفت) من العمل وتعاينه بكنهه متتبعة لآثاره من نفع أو ضر، وخير أو شر، فمعنى تبلو تذوق وتختبر، وقيل تعلم وقيل تتبع فهو من التلو، وهذا على القراءة بالفوقية بإسناد الفعل إلى كل نفس. وأما على القراءة بالنون فالمعنى أن الله يبتلي كل نفس ويختبرها وأنه يعاملها معاملة من يختبرها ويتفقد أحوالها، ويجوز أن يراد يصيب بالبلاء أي العذاب كل نفس عاصية بسبب ما أسلفت من الشر، والبلية والبلاء والبلوى واحد، والجمع البلايا ومعنى الكل الاختبار. أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يمثل لهم يوم القيامة ما كانوا يعبدون من دون الله فيتبعونهم حتى يؤدوهم النار ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم (هنالك تبلو) الآية. وعن ابن زيد قال: تعاين كل نفس ما عملت، وقرئ تتلو من التلاوة، أي تقرأ كل نفس صحيفة عملها من خير أو شر. (وردوا) أي الذين أشركوا (إلى الله) أي إلى جزائه وما أعد لهم من عقابه والرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه (مولاهم) ربهم ومالكهم (الحق) صفة له، أي الصادق الربوبية دون ما اتخذوه من المعبودات الباطلة، وقرئ بالنصب على المدح كقولهم الحمد لله أهل الحمد (وضل عنهم) أي ضاع وبطل وذهب في الموقف (ما كانوا يفترون) عليه من أن الآلهة التي لهم حقيقة بالعبادة تشفع لهم إلى الله وتقربهم إليه. والحاصل أن هؤلاء المشركين يرجعون في ذلك المقام إلى الحق ويعترفون به ويقرون ببطلان ما كانوا يعبدونه ويجعلونه إلهاً، ولكن حين لا ينفعهم ذلك. وعن السدي قال: نسخها قوله (بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم). ثم لما بين الله سبحانه فضائح المشركين أتبعها بإيراد الحجج الدامغة من أحوال الرزق والحواس والموت والحياة والابتداء والإعادة والإرشاد والهدى، وبنى سبحانه الحجج على الاستفهام وتفويض الجواب إلى المسؤولين ليكون أبلغ في إلزام الحجة وأوقع في النفوس فقال: قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32)

يونس 10:31

(قل) يا محمد للمشركين احتجاجاً لحقية التوحيد وبطلان ما هم عليه من الشرك؛ وهذه أسئلة ثمانية، جواب الخمسة الأولى منها منهم، وجواب الاثنين بعدها منه صلى الله عليه وسلم بتعليم الله إياه لعدم قدرتهم عليه، وجواب الأخير لم يذكر لشهرته والعلم به. (من يرزقكم من السماء) بالمطر (والأرض) بالنبات والمعادن فإن الأرزاق تحصل بأسباب سماوية ومواد أرضية أو من كل واحدة منهما توسعة عليكم، ومن لابتداء الغاية فإن اعترفوا حصل المطلوب وإن لم يعترفوا بأن الله هو الذي خلقهما فقل. (أم من يملك السمع والأبصار) أم هي المنقطعة بمعنى بل وفي هذا إضراب انتقال، انتقال من سؤال إلى سؤال على القاعدة المقررة في القرآن لا إضراب إبطال، أي من يستطيع خلقهما وتسويتهما أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالهما من أدنى شيء وحقيقة الملك معروفة ويلزمها الاستطاعة لأن المالك لشيء يستطيع التصرف فيه والحفظ له والحماية، لذلك تجوّز به عن كل منهما وخصهما بالذكر لما فيهما من الصنعة العجيبة والخلقة الغريبة حتى ينتفعوا بهما هذا الانتفاع العظيم ويحصلون بهما من الفوائد ما لا يدخل تحت حصر الحاصرين، ثم انتقل إلى حجة ثالثة فقال (ومن يخرج الحي من الميت) أي الإنسان من النطفة والطير من البيضة والنبات من الحبة أو المؤمن من الكافر، والأول أقرب إلى الحقيقة (ويخرج الميت من الحي) أي النطفة من الإنسان أو الكافر من المؤمن، أو البيضة من الطائر الحي، والمراد بهذا الاستفهام عمن يحيي ويميت، وهذه حجة رابعة ثم انتقل إلى حجة خامسة فقال: (ومن يدبر الأمر) بين الخلائق أي يقدره ويقضيه، وهذا من عطف العام على الخاص لأنه قد عم ما تقدم وغيره (فسيقولون الله) أي سيكون قولهم في جواب هذه الاستفهامات الخمس إن الفاعل لهذه الأمور هو الله سبحانه إن أنصفوا وعملوا على ما يوجبه الفكر الصحيح والعقل السليم، والمعنى الله يفعل ذلك. (فقل) أمره أن يقول لهم ذلك وعظاً وتذكيراً بعد أن يجيبوا بهذا الجواب (أفلا تتقون) الاستفهام للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي تعلمون ذلك أفلا تتقون وتفعلون ما يوجبه هذا العلم من تقوى الله الذي يفعل هذه الأفعال، وتعبدون هذه الأموات والأصنام التي لا تقدر على شيء من هذه الأمور بل ولا تعلم به، وفي البيضاوي أفلا تتقون عقابه بإشراككم إياه ما لا يشاركه في شيء من ذلك.

يونس 10:32

(فذللكم) الذي يفعل هذه الأفعال (الله) وهو (ربكم) المتصف بأنه (الحق) لا ما جعلتموهم شركاء له في الموتى والأصنام، والاستفهام في قوله (فماذا بعد الحق إلا الضلال) للتقريع والتوبيخ إن كانت ما استفهامية لا إن كانت نافية كما يحتمله الكلام، والمعنى أي شيء بعد الحق إلا الضلال فإن ثبوت ربوبية الرب سبحانه حق بإقرارهم وكان غيره باطلاً لأن واجب الوجود يجب أن يكون واحداً في ذاته وصفاته. (فأنى تصرفون) أي كيف تستجيزون العدول عن الحق الظاهر وتقعون في الضلال إذ لا واسطة بينهما فمن تخطى أحدهما وقع في الآخر، والاستفهام للإنكار والاستبعاد والتعجب. كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35) وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)

يونس 10:33

(كذلك) أي كما ثبت أن الحق ليس بعده إلا الضلال أو كما حق أنهم مصروفون عن الحق كذلك (حقت كلمة ربك) أي حق حكمه وقضاؤه (على الذين فسقوا) خرجوا من الحق إلى الباطل وتمردوا في كفرهم عناداً ومكابرة، قال الزمخشري: أي مثل ذلك الحق حقت، وقال الزجاج: أي حقت عليهم هذه الكلمة ووجبت وهي (أنهم لا يؤمنون) أي عدم إيمانهم بدل كل من كل، أو المعنى لأنهم لا يؤمنون فيكون تعليلاً لحقيتها عليهم.

يونس 10:34

(قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده) أورد سبحانه في هذا حجة سادسة على المشركين وأمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقولها لهم وهم وإن كانوا لا يعترفون بالمعاد لكنه لما كان أمراً ظاهراً بيّناً وقد أقام الأدلة عليه في هذه السورة على صورة لا يمكن دفعها عند من أنصف ولم يكابر كان كالمسلم عندهم الذي لا جحد له ولا إنكار فيه. والمعنى هل من هذه الأصنام والأموات التي تزعمون أنها آلهة من يقدر على أن ينشئ الخلق من العدم على غير مثال سبق ثم يعيده بعد الموت في القيامة كهيئته أول مرة للجزاء. وهذا السؤال استفهام إنكار، وإنما لم يعطف على ما قبله إيذاناً باستقلاله في إثبات المطلوب، وعبارة أبي السعود هذا احتجاج آخر على حقية التوحيد وبطلان الإشراك بإظهار كون شركائهم بمعزل عن استحقاق الألوهية ببيان اختصاص خواصها من بدء الخلق وإعادته به تعالى. اهـ والحاصل أنه لا يقال إن الكفار ينكرون الإعادة والبعث فكيف يحتج عليهم بها لأن إلزام الخصم كما يصح بما يعترف به يصح أيضاً بما تبينت وثبتت حقيته لقوة برهانه، فلذا جعل الإعادة كالبدء في الإلزام لظهور برهانها وإن لم يعترفوا بها. ولذلك أمر الرسول أن ينوب عنهم في الجواب كما قال سبحانه (قل الله يبدأ الخلق ثم يعيده) أي هو الذي يفعل ذلك لا غيره، وهذا القول الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر الله سبحانه له نيابة عن المشركين في الجواب كما تقدم، إما عن طريق التلقين لهم وتعريفهم كيف يجيبون وإرشادهم إلى ما يقولون، وإما لكون هذا المعنى قد بلغ في الوضوح إلى غاية لا يحتاج معها إلى إقرار الخصم ومعرفة ما لديه، وإما لكون المشركين لا ينطقون بما هو الصواب في هذا الجواب فراراً منهم عن أن تلزمهم الحجة أو أن يسجل عليهم بالمكابرة إن حادوا عن الحق. (فأنى تؤفكون) أي فكيف تصرفون عن الحق وتنقلبون منه إلى غيره، والمراد التعجب من أحوالهم. ثم أمره الله سبحانه أن يورد عليهم حجة سابعة فقال

يونس 10:35

(قل هل من شركائكم) الاستفهام هاهنا كالاستفهامات السابقة (من يهدي إلى الحق) الإستدلال بالهداية بعد الاستدلال بالخلق وقع كثيراً في القرآن كقوله (الذي خلقني فهو يهدين) وقوله (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) وقوله (الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى) وفعل الهداية يجيء متعدياً باللام وإلى وهما بمعنى واحد، روى ذلك عن الزجاج. وقيل كما يعدى بإلى لتضمنه معنى الانتهاء باللام للدلالة على أن المنتهى غاية الهداية والمعنى متقارب، وقد يحذف الحرف تخفيفاً وقد جمع بين المتعديين هنا بحرف الجر، فعدى الأول والثالث بإلى والثاني باللام والتعدية بهذين الحرفين من باب التفنن في البلاغة، ولذلك قال الزمخشري هداه للحق وإلى الحق فجمع بين اللغتين: والمراد بالحق في المواضع الثلاثة ضد الباطل. ولما كانوا جاهلين بالجواب الحق في ذلك أو معاندين أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب بقوله (قل) لهم (الله) الذي له الإحاطة الكاملة (يهدي للحق) من يشاء دون غيره ممن زعمتموهم شركاء، ودليل ذلك ما تقدم من الأدلة الدالة على اختصاصه سبحانه بهذا، وهداية الله سبحانه لعباده إلى الحق هي بما نصبه لهم من الآيات في المخلوقات وإرساله للرسل وإنزاله للكتب، وخلقه لما يتوصل به العباد إلى ذلك من العقول والأفهام والأسماع والأبصار. والاستفهام في قوله (أفمن) للتقرير وإلزام الحجة والفاء لترتيبه على ما سبق وهو برهان ثامن لم يذكر جوابه في الآية، والمعنى أفمن (يهدي) الناس (إلى الحق) وهو الله سبحانه (أحق أن يتبع) ويقتدي (أم من لا يهدي) أي أم الأحق بأن يتبع ويقتدي به من لا يهتدي بنفسه (إلا أن يهدى) الاستثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا يهتدي في حال من الأحوال إلا في حال هدى الغير إياه، وكان مقتضى المقابلة أن يقال أم من لا يهدي، وإنما خولف إشارة إلى أنه إذا لم يهتد بنفسه لا يهدي غيره. وقال النحاس: الاستثناء منقطع كما تقول فلان لا يسمع غيره إلا أن يسمع أي لكنه يحتاج أن يسمع، فمعنى إلا أن يهدى أي لكنه يحتاج أن يهدى (فما لكم كيف تحكمون) هذا تعجيب من حالهم باستفهامين متواليين أي أيُّ شيء يثبت لكم في هذه الحالة؟ فهذه جملة مستقلة، وكيف تحكمون لي باتخاذ هؤلاء شركاء لله؟ وهي جملة أخرى مستقلة، وكلا الاستفهامين للتقريع والتوبيخ. ثم بين سبحانه ما هؤلاء عليه في أمر دينهم وعلى أي شيء بنوه وبأي شيء اتبعوا هذا الدين الباطل وهو الشرك فقال

يونس 10:36

(وما يتبع أكثرهم إلا ظناً) هذا كلام مبتدأ غير داخل في الأوامر السابقة، والمعنى ما يتبع هؤلاء المشركون في إشراكهم بالله وجعلهم له أنداداً إلا مجرد الظن والتخمين والتحدس، ولم يكن ذلك عن بصيرة والتفات إلى فرد من أفراد العلم، فضلاً عن أن يسلكوا مسالك الأدلة الصحيحة الهادية إلى الحق المبنية على المقدمات اليقينية الصادقة فيفهموا مضمونها ويقفوا على مقتضاها وبطلان ما يخالفها، بل ظن من ظن من سلفهم أن هذه المعبودات تقربهم إلى الله وأنها تشفع لهم. ولم يكن ظنه هذا لمستند قط بل مجرد خيال مختل وحدس باطل فقلدوا فيه آباءهم ولعل تنكير الظن هنا للتحقير، أي إلا ظناً ضعيفاً واهياً لا يستند إلى ما تستند إليه سائر الظنون. وقيل المراد بالآية أنه ما يتبع أكثرهم في الإيمان بالله والإقرار به إلا ظناً والأول أولى، وقيل المراد بالأكثر الكل لأن جميعهم يتبعون الظن في دعواهم أن الأصنام تشفع لهم، قال الكرخي: وفيه دليل على أن تحصيل العلم في الأصول واجب والاكتفاء بالتقليد والظن غير جائز، وقيل المراد بالأكثر الرؤساء. ثم أخبرنا الله سبحانه (إن الظن لا يغني من الحق شيئاً) لأن أمر الدين إنما ينبني على العلم وبه يتضح الحق من الباطل، والظن لا يقوم مقام العلم ولا يدرك به الحق ولا يغني عن الحق في شيء من الأشياء، والجملة مستأنفة لبيان شأن الظن وبطلانه ومن بمعنى عن والحق بمعنى العلم (إن الله عليم بما يفعلون) من الأفعال القبيحة الصادرة لا عن برهان فيندرج تحتها ما حكى عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعة والاتباع للظنون الفاسدة اندراجاً أولياً. وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)

يونس 10:37

(وما كان هذا القرآن أن يفترى) قيل إن بمعنى اللام أي ليفترى، وقيل بمعنى لا أي لا يفترى. لما فرغ سبحانه من دلائل التوحيد وحججه شرع في تثبيت أمر النبوة أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآن المشتمل على الحجج البينة والبراهين الواضحة مفترى من الخلق (من دون الله) وإنما هو من عند الله عز وجل، وكيف يصح أن يكون مفترى على سبيل الافتعال والاختلاق وقد عجز عن الإتيان بسورة منه القوم الذين هم أفصح العرب لساناً وأدقهم إذهاناً. قال الفراء: ومعنى الآية وما ينبغي لهذا القرآن أن يفترى كقوله (وما كان لنبي أن يغل وكقوله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة) يعني ليس وصف القرآن وصف شيء يمكن أن يفترى به على الله لأن المفترى هو الذي يأتي به البشر، وأنه مبرأ عن الافتراء والكذب. (ولكن) كان هذا القرآن، ووقعت لكن هنا أحسن موقع إذ هي بين نقيضين وهما الكذب والصدق المضمن للتصديق، وفيه أوجه (أحدها) العطف على خبر كان (الثاني) أنه خبر لكان مضمرة وتقدم تقديره وإليه ذهب الكسائي والفراء وابن سعدان والزجاج وهذا كالذي قبله في المعنى (الثالث) تقديره وما كان هذا القرآن أن يفترى ولكن أنزل للتصديق (والرابع) تقديره ولكن يصدق الذي، قاله السمين. (تصديق الذي بين يديه) أي أمامه من الكتب الإلهية المنزلة على الأنبياء قبله، أي أنها قد بشرت به قبل نزوله فجاء مصدقاً لها، ونفس هذا التصديق معجزة مستقلة، لأن أقاصيصه موافقة لما في الكتب المتقدمة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يطلع على ذلك ولا تعلمه ولا سأل عنه ولا اتصل بمن له علم بذلك، وقيل المعنى ولكن تصديق النبي الذي بين يدي القرآن وهو محمد (- صلى الله عليه وسلم -) لأنهم شاهدوه قبل أن يسمعوا منه القرآن. (وتفصيل الكتاب) التفصيل التبيين، أي بين ما في كتب الله المتقدمة، والألف واللام في الكتاب للجنس، وقيل أراد ما بين في القرآن من الأحكام فيكون المراد بالكتاب القرآن وقيل اللوح المحفوظ (لا ريب فيه) الضمير عائد إلى القرآن وهو داخل في حكم الاستدراك وهو خبر ثالث أو حال من الكتاب أي منتفياً عنه الريب أو مستأنف أو معترض بين تصديق وبين (من رب العالمين) أي كائن منه خبر رابع أو حال ثانية أو متعلق بتصديق أو بتفصيل أو التقدير أنزل للتصديق من رب العالمين.

يونس 10:38

(أم يقولون افتراه) الاستفهام للإنكار عليهم مع تقرير ثبوت الحجة وأم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي بل أيقولون افتراه واختلقه. وقال أبو عبيدة: أم بمعنى الواو أي ويقولون، وقيل الميم زائدة أي أيقولون والاستفهام للتقريع والتوبيخ والإنكار والاستبعاد، أي هذا القول منهم في غاية البعد والشناعة، وقيل التقدير أيقرون به أم يقولون. ثم أمره الله سبحانه أن يتحداهم حتى يظهر عجزهم ويتبين ضعفهم فقال (قل) تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان مقالتهم الفاسدة (فأتوا) أي إن كان الأمر كما تزعمون من أن محمداً افتراه فأتوا أنتم على جهة الافتراء (بسورة مثله) في البلاغة وجودة الصناعة فأنتم مثله في معرفة لغة العرب وفصاحة الألسن، وحسن النظم وبلاغة الكلام، والمراد مثل هذه السورة لأنها أقرب ما يمكن أن يشار إليه، هكذا قال الرازي وهي مكية والأولى التناول لجميع السور، فإنهم لا يقدرون أن يأتوا بأقصر سورة. (وادعوا) بمظاهريكم ومعاونيكم (من استطعتم) دعاءه والاستعانة به من قبائل العرب ومن آلهتكم التي تجعلونها شركاء لله (من دون الله) أي من سوى الله من خلقه (إن كنتم صادقين) في دعواكم إن هذا القرآن مفترى، فإن ذلك مستلزم لإمكان الإتيان بمثله، وهو أيضا مستلزم لقدرتكم عليه. وسبحان الله العظيم ما أقوى هذه الحجة وأوضحها وأظهرها للعقول، فإنهم لما نسبوا الافتراء إلى واحد منهم في البشرية والعربية قال: لهم هذا الذي نسبتموه إليّ وأنا واحد منكم ليس عليكم إلا أن تأتوا وأنتم الجمع الجَمّ بسورة مماثلة لسورة من سوره، واستعينوا بمن شئتم من أهل هذه اللسان العربية على كثرتهم وتباين مساكنهم، أو من غيرهم من بني آدم ومن الجن أو من الأصنام، فإن فعلتم هذا بعد اللتيا والتي فأنتم صادقون فيما نسبتموه إليّ والصقتموه بي. فلم يأتوا عند سماع هذا الكلام المنصف والتنزل البالغ بكلمة ولا نطقوا ببنت شفة، بل كاعوا عن الجواب وتشبثوا بأذيال العناد البارد والمكابرة المجردة عن الحجة، وذلك مما لا يعجز عنه مبطل. ومراتب تحدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن أربعة: أولها: أنه تحداهم بكل القرآن كما قال تعالى (قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن) ثانيها: أنه تحداهم بعشر سور. قال تعالى (قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات). ثالثها: أنه تحداهم بسورة واحدة كما قال تعالى (فأتوا بسورة مثله) رابعها: أنه تحداهم بحديث مثله كما قال تعالى (فليأتوا بحديث مثله) فهذا مجموع الدلائل التي ذكرها الله في إثبات إن القرآن معجز. بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39) وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40) ثم إن الله تعالى ذكر السبب الذي لأجله كذبوا بالقرآن وأتى به عقب هذا التحدي البالغ فقال

يونس 10:39

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه) فأضرب عن الكلام الأول وانتقل إلى بيان أنهم سارعوا إلى تكذيب القرآن قبل أن يتدبروه ويفهموا معانيه وما اشتمل عليه، وهكذا صنع من تصلب في التقليد ولم يبال بما جاء به من دعا إلى الحق وتمسك بذيول الإنصاف، بل يرده بمجرد كونه لم يوافق هواه، ولا جاء على طبق دعواه قبل أن يعرف معناه ويعلم مبناه كما تراه عياناً، وتعلمه وجداناً. والحاصل أن من كذب بالحجة النيرة والبرهان الواضح قبل أن يحيط بعلمه فهو لم يتمسك بشيء في هذا التكذيب إلا مجرد كونه جاهلاً إنما كذب به غير عالم به، فكان بهذا التكذيب، منادياً على نفسه بالجهل بأعلى صوته ومسجلاً بقصوره عن تعقل الحجج بأبلغ تسجيل، وليس على الحجة ولا على من جاء بها من تكذيبه شيء. ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه (ولما يأتهم تأويله) أي بل كذبوا بما لم يحييطوا بعلمه ولم يأتهم تأويله، أي كذبوا به حال كونهم لم يفهموا تأويل ما كذبوا به ولا بلغته عقولهم ولا وصلت أذهانهم معانيه الرائقة المُنبئة عن علو شأنه. والمعنى أن التكذيب وقع منهم قبل الإحاطة بعلمه، وقبل أن يعرفوا ما يؤول إليه من صدق ما اشتمل عليه من حكاية ما سلف من أخبار الرسل المتقدمين، والأمم السابقين، ومن حكايات ما سيحدث من الأمور المستقبلة التي أخبر عنها قبل كونها أو قبل أن يفهموه حق الفهم وتتعقله عقولهم، فإنهم لو تدبروه كل التدبر لفهموه كما ينبغي، وعرفوا ما اشتمل عليه من الأمور الدالة أبلغ دلالة على أنه كلام الله. وعلى هذا فمعنى تأويله ما يئول إليه لمن تدبره من المعاني الرشيقة واللطائف الأنيقة وكلمة التوقع أظهر في المعنى الأول، والمعنى أن القرآن معجز من جهة النظم ومن جهة المعنى من حيث الإخبار بالغيب. (كذلك) أي مثل ذلك التكذيب (كذب الذين من قبلهم) من الأمم عند أن جاءتهم الرسل بحجج الله وبراهينه فإنهم كذبوا به قبل أن يحيطوا بعلمه، وقبل أن يأتيهم تأويله (فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) من الأمم السالفة من سوء العاقبة بالخسف والمسخ ونحو ذلك من العقوبات التي حلت بهم، كما حكى ذلك القرآن عنهم واشتملت عليه كتب الله المنزلة عليهم، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل فرد من الناس والجملة في قوة فأهلكناهم.

يونس 10:40

(ومنهم) أي ومن هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن (من يؤمن به) في نفسه ويعلم أنه صدق وحق ولكنه كذَّب مكابرة وعناداً، وقيل المراد ومنهم من يؤمن به في المستقبل وإن كذب به في الحال (ومنهم من لا يؤمن به) ولا يصدقه في نفسه بل كذب به جهلاً وتقليداً، أو لا يؤمن به في المستقبل بل يبقى على جحوده وإصراره؛ وقيل الضمير في الموضعين للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قيل أن هذا التقسيم خاص بأهل مكة، وقيل عام في جميع الكفار (وربك أعلم بالمفسدين) فيجازيهم بأعمالهم والمراد بهم المصرون المعاندون. وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)

يونس 10:41

(وإن كذبوك فقل) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم إن أصروا على تكذيبه واستمروا عليه (لي) جزاء (عملي ولكم عملكم) أي جزاؤه فقد أبلغت إليكم ما أمرت بإبلاغه وليس علي غير ذلك، ثم أكد بقوله (أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون) أي لا تؤاخذون بعملي ولا أوخذ بعملكم، وفيه توكيد لما أفادته لام الاختصاص من عدم تعدي أجر العمل إلى غير عامله. وقد قيل أن هذا منسوخ بآية السيف لما فيه من إيهام الإعراض عنهم وتخلية سبيلهم كما ذهب إليه جماعة من المفسرين منهم مقاتل والكلبي، وعن ابن زيد قال: أمره الله بهذا ثم نسخه فأمره بجهادهم. قال الرازي: وهو بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، بل هو باق فكان القول بالنسخ باطلاً.

يونس 10:42

(ومنهم من يستمعون إليك) بين الله سبحانه في هذا إن في أولئك الكفار من بلغت حاله، في النفرة والعداوة إلى هذا الحد وهي أنهم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة لعدم حصول أثر السماع وهو حصول القبول والعمل بما يسمعونه، وجمع الضمير في يستمعون حملاً على معنى من وأفرده في ومنهم من ينظر حملاً على لفظه، قيل والنكتة كثرة المستمعين بالنسبة إلى الناظرين لان الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر من المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع والنور الموافق لنور البصر، والتقدير في قوله ومنهم من يستمعون ومنهم من ينظر ومنهم ناس يستمعون ومنهم بعض ينظر. (أفأنت تسمع الصم) الهمزة للإنكار يعني أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صم والصمم مانع من سماعهم فكيف يطمع منهم في ذلك مع حصول المانع وهو الصمم، فكيف إذا انضم إلى ذلك (ولو كانوا لا يعقلون) فإن من كان أصمَّ غير عاقل لا يفهم شيئاً ولا يسمع ما يقال له، والفاء عاطفة. وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه، ولذلك لا توصف به البهائم، وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مريضة بمعارضة الوهم ومتابعة الإلف والتقليد، تعذر أفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق. والكلام في

يونس 10:43

(ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) كالكلام فيما تقدم لأن العمى مانع فكيف يطمع من صاحبه في النظر، وقد انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة، لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهماً يقوم مقام النظر، وكذلك الأصم العاقل قد يتحدس تحدساً يفيده بعض فائدة بخلاف من جمع له بين عمى البصر والبصيرة فقد تعذر عليه الإدراك، وكذا من جمع له بين الصمم وذهاب العقل فقد انسد علبيه باب الهدى. والمقصود من هذا الكلام تسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن الطبيب إذا رأى مريضاً لا يقبل العلاج أصلاً أعرض عنه واستراح من الاشتغال به والهمزة للإنكار. إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45)

يونس 10:44

(إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون) ذكر هذا عقب ما تقدم من عدم الاهتداء بالأسماع والأبصار لبيان أن ذلك لم يكن لأجل نقص فيما خلقه الله لهم من السمع والعقل والبصر والبصيرة بل لأجل ما صار في طبائعهم من التعصب والمكابرة للحق والمجادلة بالباطل، والإصرار على الكفر فهم الذين ظلموا أنفسهم بذلك، ولم يظلمهم الله شيئاً من الأشياء، بل خلقهم وجعل لهم من المشاعر ما يدركون به أكمل إدراك، وركب فيهم من الحواس ما يصلون به إلى ما يريدون، ووفر مصالحهم الدنيوية عليهم وخلى بينهم وبين مصالحهم الدينية *فعلى نفسها براقش تجني* قيل والنكتة في وضع الظاهر موضع المضمر زيادة اليقين والتقرير، وتقديم المفعول على الفعل لإفادة القصر أو لمجرد الاهتمام مع مراعاة الفاصلة.

يونس 10:45

(و) اذكر (يوم نحشرهم) أي المشركين المنكرين للبعث لموقف الحساب، وأصل الحشر إخراج الجماعة وإزعاجهم من مكانهم أي إحياؤهم من القبور (كأن) أي كأنهم (لم يلبثوا) أي مشبهين بمن لم يلبث (إلا ساعة من النهار) أي شيئاً قليلاً. والمراد باللبث هو اللبث في الدنيا وقيل في القبور، استقلوا المدة الطويلة إما لأنهم ضيعوا أعمارهم في الدنيا فجعلوا وجودها كالعدم أو استقصروها للدهش والحيرة أو لطول وقوفهم في المحشر أو لشدة ما هم فيه من العذاب، نسوا لذات الدنيا وكأنها لم تكن ومثل هذا قولهم (لبثنا يوماً أو بعض يوم) أو لأن مقامهم في الدنيا في جنب مقامهم في الآخرة قليل جداً. والمقصود من هذا التشبيه كما قاله أبو السعود بيان كمال سهولة الحشر بالنسبة إليه تعالى ولو بعد دهر طويل، وإظهار بطلان استعبادهم وإنكارهم له بقولهم (أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون) ونحو ذلك أو بيان تمام الموافقة بين النشأتين في الأشكال والصور فإن اللبث اليسير يلزمه عدم التبدل والتغير. والمراد بالساعة الزمن القليل فإنها مثل في غاية القلة وتخصيصها بالنهار لأن ساعاته أعرف حالاً من ساعات الليل. (يتعارفون بينهم) أي يعرف بعضهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً، بيان وتقرير لما سبق وذلك يقع في الحشر الذي هو الاجتماع أي في ابتدائه وينقطع في أثنائه وقيل عند خروجهم من القبور ثم ينقطع التعارف بينهم لما بين أيديهم من الأمور المدهشة للعقول المذهلة للأفهام، وأما البعث فلا تعارف فيه لعدم الاجتماع الذي هو لازمه. وهذا أحد وجهين في المقام ذكره البيضاوي وأبو البقاء، وغالب المفسرين على خلافه وهو تفسير الحشر بالبعث من القبور وجرى على هذا أبو السعود والخازن والقرطبي، وقيل أن هذا التعارف هو تعارف التوبيخ والتقريع يقول بعضهم لبعض أنت أضللتني وأغويتني، لا تعارف شفقة ورأفة كما قال تعالى (ولا يسأل حميم حميماً) وقوله تعالى (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون) فيجمع بأن المراد بالتعارف هو تعارف التوبيخ، وعليه يحمل قوله (ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول) وقوله تعالى (كلما دخلت أمة) الآية وقوله (ربنا إنا أطعنا سادتنا) الآية، قال القرطبي: وهو الصحيح. وقد جمع بين الآيات المختلفة في مثل هذا وغيره بأن المواقف يوم القيامة مختلفة فقد يكون في بعض المواقف ما لا يكون في الآخر. (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله) هذا تسجيل من الله سبحانه عليهم وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) بالخسران وتعجيب منه ولذا أتى بحرف التحقيق، والمراد باللقاء يوم القيامة عند الحساب والجزاء أي من باع آخرته الباقية بدنياه الفانية قد خسر لأنه آثر الفاني على الباقي، والجملة مستأنفة أو في محل نصب بإضمار قول أي قائلين قد خسر (وما كانوا مهتدين) نفى عنهم أن يكونوا من جنس المهتدين لجهلهم وعدم طلبهم لما ينجيهم وينفعهم ويصلحهم.

يونس 10:46

(وإما نرينك بعض الذي نعدهم) أصله إن نُرِكَ وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط ولأجله زيدت نون التأكيد خلافاً لسيبويه، والمعنى أن حصلت منا الإراءة لك بعض الذي وعدناهم من إظهار دينك في حياتك بقتلهم وأسرهم، وجواب الشرط محذوف، والتقدير فتراه أو فذاك. وجملة (أو نتوفينك) معطوفة على ما قبلها، المعنى أو لا نرينك ذلك في حياتك بل نتوفينك قبل ذلك (فإلينا مرجعهم) فعند ذلك نعذبهم في الآخرة فنريك عذابهم فيها، وجواب أو نتوفينك محذوف أيضاً والتقدير أو نتوفينك قبل الإراءة فنحن نريك ذلك في الآخرة، وقيل أنه جواب للشرط وما عطف عليه إذ معناه صالح لذلك، وإلى هذا ذهب العوفي وابن عطية. وقيل أن جواب أو نتوفينك هو قوله فإلينا مرجعهم لدلالته على ما هو المراد من إراءة النبي صلى الله عليه وسلم تعذيبهم في الآخرة وقيل العدول في الموضعين إلى صيغة المستقبل لاستحضار الصورة، والأصل أريناك أو توفيناك وفيه نظر فان إراءة صلى الله عليه وسلم ببعض ما وعد المشركين من العذاب لم تكن قد وقعت كالوفاة. وحاصل معنى هذه الآية: إن لم ننتقم منهم عاجلاً انتقمنا منهم آجلاً، وقد أراد الله قتلهم وأسرهم وذلهم وذهاب عزهم وانكسار سورة كبرهم بما أصابهم به في يوم بدر وما بعده من المواطن فلله الحمد. (ثم الله شهيد على ما يفعلون) من تكذيبهم وكفرهم فيعذبهم أشد العذاب وجاء بثم الدالة على التبعيد مع كون الله سبحانه شهيدا على ما يفعلونه في الدارين للدلالة على أن المراد بهذه الأفعال ما يترتب عليها من الجزاء أو ما يحصل من إنطاق الجوارح بالشهادة عليهم يوم القيامة، فجعل ذلك بمنزلة شهادة الله عليهم كما ذكره النيسابوري. وفي السمين (ثم) هنا ليست للترتيب الزماني بل هي لترتيب الأخبار لا لترتيب القصص في نفسها كقولك زيد عالم ثم هو كريم. قال الزمخشري: ذكرت الشهادة والمراد مقتضاها ونتيجتها وهو العقاب، كأنه قيل ثم الله معاقب على ما يفعلون، وفيه وعيد لهم وتهديد شديد.

يونس 10:47

(ولكل أمة) من الأمم الخالية في وقت من الأوقات (رسول) يرسله الله إليهم يبين لهم ما شرعه الله لهم من الأحكام على حسب ما تقتضيه المصلحة (فإذا جاء رسولهم) إليهم وبلغهم ما أرسله الله به فكذبوه جميعاً (قضى بينهم) أي بين الأمة ورسولها (بالقسط) أي العدل فنجا الرسول وهلك المكذبون له، فيكون ما يعذبون به عدلاً لا ظلماً كما قال سبحانه (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً) وقوله تعالى (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) ويجوز أن يراد بالضمير في (بينهم) الأمة على تقدير أنه كذبه بعضهم وصدقه البعض الآخر فيهلك المكذبون وينجو المصدقون، وفي وقت هذا القضاء قولان أحدهما أنه في الدنيا، والآخر أنه في الأخرة، والأول أولى. (وهم لا يظلمون) في ذلك القضاء فلا يعذبون بغير ذنب ولا يؤاخذون بغير حجة، ومنه قوله تعالى (وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم) وقوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد) والمراد المبالغة في إظهار العدل والنصفة بين العباد. ثم ذكر سبحانه شبهة أخرى من شبه الكفار

يونس 10:48

(و) ذلك إن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما هددهم بنزول العذاب كانوا (يقولون متى هذا الوعد) والاستفهام منهم للإنكار والاستبعاد، والقدح في النبوة لا طلباً لتعيين وقت مجيئه على وجه الإلزام كما في سورة الملك فإن المطلوب هناك تعيين الوقت. (إن كنتم صادقين) خطاباً منهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وللمؤمنين، ويحتمل أن يراد بالقائلين هذه المقالة جميع الأمم الذين لم يسلموا لرسلهم الذين أرسلهم الله إليهم. ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يجيب عليهم بما يحسم مادة الشبهة ويقطع اللجاج فقال

يونس 10:49

(قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً) أي لا أقدر على جلب نفع لها ولا دفع ضر عنها، فكيف أقدر على أن أملك ذلك لغيري، وقدم الضر لأن السياق لإظهار العجز عن ظهور الوعد الذي استعجلوه واستبعدوه. والاستثناء في قوله (إلا ما شاء الله) منقطع كما ذكره أئمة التفسير، وبه قال الزمخشري أي ولكن ما شاء الله من ذلك كان فكيف اقدر على أن أملك لنفسي ضراً أو نفعاً، وقيل متصل تقديره إلا ما شاء الله أن أملكه وأقدر عليه، والأول أولى. وفي هذا أعظم واعظ وأبلغ زاجر لمن صار ديدنه وهجيراه المناداة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والاستغاثة به عند نزول النوازل التي لا يقدر على دفعها إلا الله سبحانه، وذلك من صار يطلب من الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يقدر على تحصيله إلا الله سبحانه، فإن هذا مقام رب العالمين الذي خلق الأنبياء والصالحين وجميع المخلوقين رزقهم وإحياهم ويميتهم فكيف يطلب من نبي من الأنبياء أو ملك من الملائكة أو صالح من الصالحين ما هو عاجز عنه غير قادر عليه، ويترك الطلب لرب الأرباب القادر على كل شيء الخالق الرازق المعطي المانع. وحسبك في هذه الآية موعظة فإن هذا سيد ولد آدم وخاتم الرسل يأمره الله بأن يقول لعباده لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً فكيف يملكه لغيره، وكيف يملكه غيره ممن رتبته دون رتبته، ومنزلته لا تبلغ إلى منزلته لنفسه، فضلاً عن أن يملكه لغيره. فيا عجباً لقوم يعكفون على قبور الأموات الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى، ويطلبون منهم من الحوائج ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل، كيف لا يتيقظون لما وقعوا به من الشرك ولا ينتبهون لما حل بهم من المخالفة لمعنى لا إله إلا الله، ومدلول قل هو الله أحد. وأعجب من هذا اطلاع أهل العلم على ما يقع من هؤلاء ولا ينكرون عليهم ولا يحولون بينهم وبين الرجوع إلى الجاهلية الأولى بل إلى ما هو أشد منها. فإن أولئك يعترفون بأن الله سبحانه هو الخالق الرازق المحيي المميت الضار النافع، وإنما يجعلون أصنامهم شفعاء لهم عند الله ومقربين إليه، وهؤلاء يجعلون لهم قدرة على الضر والنفع وينادونهم تارة على الاستقلال وتارة مع ذي الجلال وكفاك من شر سماعه، والله ناصر دينه ومظهر شريعته من أوضار الشرك وأدناس الكفر. ولقد توسل الشيطان أخزاه الله بهذه الذريعة إلى ما تقر به عينه وينثلج به صدره من كفر كثير من هذه الأمة المباركة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم بين سبحانه أن لكل طائفة حداً محدوداً لا يتجاوزونه فلا وجه لاستعجال العذاب فقال (لكل أمة) ممن قضى بينهم وبين رسولهم أو بين بعضهم لبعض (أجل) أي وقت خاص ومدة مضروبة يحل بهم ما يريده الله سبحانه لهم عند حلوله والأجل يطلق على مدة العمر، وعلى آخر جزء منه، والمراد هنا الثاني كما يؤخذ من التفاسير. (فإذا جاء أجلهم) أي أجل كل أمة، قال أبو السعود: أن جعل الأجل عبارة عن حد معين من الزمان فمعنى مجيئه ظاهر، وأن أريد به ما امتد من الزمان فمجيئه عبارة عن انقضائه إذ هناك يتحقق مجيئه بتمامه (فلا يستأخرون) عن ذلك الأجل المعين (ساعة) أي شيئاً قليلاً من الزمان (ولا يستقدمون) منه، ومثله قوله تعالى (ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) والسين زائدة فيهما، والكلام على هذه الآية المذكورة هنا قد تقدم في تفسير الآية التي في أول الأعراف فلا نعيده. قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51)

يونس 10:50

(قل أرأيتم إن أتاكم عذابه) هذا منه سبحانه تزييف لرأي الكفار في استعجال العذاب بعد التزييف الأول، أي أخبروني عن عذاب الله إن أتاكم أي شيء تستعجلون منه وليس شيء من العذاب يستعجله العاقل، إذ العذاب كله مر المذاق، موجب لنفار الطبع منه. فتكون جملة الاستفهام جاءت على سبيل التلطف بهم، والتنبيه لهم على أن العذاب لا ينبغي أن يستعجل، أو جاءت على سبيل التعجب والتهويل للعذاب، أي أيُّ شيء شديد تستعجلون منه، أي ما أشد وما أهول ما تستعجلون من العذاب. قاله أبو حيان. (بياتاً) أي وقت بيات، والمراد به الوقت الذي يبيتون فيه وينامون ويغفلون عن التحرز، والبيات بمعنى التبييت اسم مصدر كالسلام بمعنى التسليم، وكذلك قوله (أو نهاراً) أي وقت الاشتغال بطلب المعاش والكسب، والاستفهام في قوله (ماذا يستعجل منه المجرمون) للإنكار المتضمن للنهي كما في قوله (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) ووجه الإنكار عليهم في استعجالهم إن العذاب مكروه تنفر منه القلوب وتأباه الطبائع فما المقتضى لاستعجالهم له، وضمير منه راجع إلى العذاب، وقيل إلى الله، والجملة جواب الشرط بحذف الفاء وقيل أن الجواب محذوف. والمعنى أن أتاكم عذابه تندموا على الاستعجال أو تعرفوا الخطأ منكم فيه، وقيل أن الجواب قوله

يونس 10:51

(أثُّمَّ إذا ما وقع) ويكون جملة ماذا يستعجل اعتراضاً، والمعنى إن أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعه حين لا ينفعكم الإيمان، والأول أولى. قال الحفناوي: ولم يقل يستعجلون منه للدلالة على ما يوجب ترك الاستعجال وهو الإجرام لأن من حق المجرم أن يخاف من العذاب على إجرامه وأن يهلك فزعاً من مجيئه وأن ابطأ فكيف يستعجله. ودخول الهمزة الاستفهامية في (أَثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به) لإنكار إيمانهم حيث لا ينفع الإيمان وذلك بعد نزول العذاب، وهو يتضمن معنى التهويل عليهم وتفظيع ما فعلوه في غير وقته مع تركهم له في وقته الذي يحصل به النفع والدفع، وهذه الجملة داخلة تحت القول المأمور به، وجيء بكلمة ثم التي للتراخي دلالة على الاستبعاد، وجيء بإذا مع زيادة ما للتأكيد دلالة على تحقق وقوع الإيمان منهم في غير وقته ليكون في ذلك استجهال لهم. والمعنى أبعد ما وقع عذاب الله عليكم وحل بكم سخطه وانتقامه آمنتم حين لا ينفعكم هذا الإيمان شيئاً ولا يدفع عنكم ضراً، وقيل أن هذه الجملة ليست داخلة تحت القول المأمور به وأنها من قول الملائكة استهزاء بهم وإزراء عليهم، والأول أولى، وقيل ثم هنا بفتح الثاء بمعنى هناك والأول أولى. (آلآن) بهمزتين الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة ال المعرفة إذا اجتمع هاتان الهمزتان وجب في الثانية أحد أمرين: تسهيلها من غير ألف بينها وبين الأولى وإبدالها مداً بقدر ثلاث ألفات، وقد وقع في القرآن الكريم من هذا القبيل ستة مواضع اثنان في الأنعام وهما (آلذكرين) مرتين، وثلاثة في هذه السورة فقط آلآن هنا وفيما سيأتي ولفظ (آلله أذن لكم) وواحد في النمل (آلله خير) فلا يجوز في هذه المواضع الستة تحقيق الهمزتين، بل يجب أحد الأمرين اللذين قد عرفتهما، قيل هو استئناف بتقدير للقول غير داخل تحت القول الذي أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم، أي قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوع العذاب آلآن آمنتم به (و) الحال أنكم (قد كنتم به) أي العذاب (تستعجلون) يعني تكذبون لأن استعجالهم كان على جهة التكذيب والاستهزاء ويكون المقصود بأمره صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم هذا القول على سبيل التوبيخ لهم والازراء عليهم. ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52) وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)

يونس 10:52

(ثم قيل للذين ظلموا) أنفسهم بالكفر وعدم الإيمان (ذوقوا عذاب الخلد) أي العذاب الدائم الذي لا ينقطع وهو عطف على ما قدر قبل آلآن، والمراد منه التقريع والتوبيخ لهم يوم القيامة على سبيل الإهانة، أي قيل لهم أن هذا الذي تطلبونه ضرر محض عار عن النفع من كل وجه، والعاقل لا يطلب ذلك، والقائل لهم هذه المقالة قيل هم خزنة جهنم، ولا يبعد أن يكون القائل لذلك هم الأنبياء على الخصوص أو المؤمنون على العموم. (هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون) في الحياة الدنيا من الكفر والمعاصي والأعمال والاستفهام للتقرير، والاستثناء مفرغ وكأنه يقال لهم هذا القول عند استغاثتهم من العذاب وحلول النقمة بهم. ثم حكى الله سبحانه عنهم بعد هذا البيانات البالغة والجوابات عن أقوالهم الباطلة أنهم استفهموا تارة أخرى عن تحقق العذاب فقال

يونس 10:53

(ويستنبئونك) أي يستخبرونك على جهة الاستهزاء منهم والإنكار (أحق هو) أي ما تعدنا به من العذاب في العاجل والآجل، وهذا السؤال منهم جهل محض وظلمات بعضها فوق بعض، فقد تقدم ذكره عنهم مع الجواب عليه، فصنيعهم في هذا التكرير صنيع من لا يعقل ما يقول ولا ما يقال له. وقيل المراد بهذا الاستخبار منهم هو عن حقية القرآن. (قل) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم في جواب استفهامهم الخارج مخرج الاستهزاء، أي قل لهم يا محمد غير ملتفت إلى ما هو مقصودهم من الاستهزاء (إي) أي نعم (وربي إنه) أي أن ما أعدكم به من العذاب (لحق) ثابت كائن لا محالة. ْوفي هذا الجواب تأكيد من وجوه (الأول) القسم مع دخول الحرف الخاص بالقسم الواقع موقع نعم (الثاني) دخول إن المؤكدة (الثالث) اللام في لحق (الرابع) اسمية الجملة وذلك يدل على أنهم قد بلغوا في الإنكار والتمرد إلى الغاية التي ليس وراءها غاية. ثم توعدهم بأشد توعد ورهبهم بأعظم ترهيب فقال (وما أنتم بمعجزين) أي فائتين العذاب بالهرب والتحيل الذي لا ينفع والمكابرة التي لا تدفع من قضاء الله شيئاً بل هو مدرككم ولا بد، وهذه الجملة إما معطوفة على جملة جواب القسم أو مستأنفة لبيان عدم خلوصهم عن عذاب الله بوجه من الوجوه. ثم زاد في التأكيد فقال

يونس 10:54

(ولو) امتناعية على ما هو الكثير فيها (أن لكل نفس) من الأنفس المتصفة بأنها (ظلمت) نفسها بالكفر بالله وعدم الإيمان به (ما في الأرض) من كل شيء من الأشياء التي تشتمل عليها من الأموال النفيسة والذخائر الفائقة (لافتدت به) أي جعلته فدية لها من العذاب يوم القيامة لا ينفعها الفداء ولا يقبل منها، ومثله قوله تعالى (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً ولو افتدى به) ويجوز أن يكون الافتداء متعدياً وأن يكون قاصراً، فإذا كان مطاوعاً لمتعد كان قاصراً، تقول فديته فافتدى وإن لم يكن مطاوعاً يكون بمعنى فدى فيتعدى لواحد، والفعل يحتمل الوجهين فإن جعلناه متعدياً فمفعوله محذوف تقديره لافتدت به نفسها وهو من المجاز كقوله تعالى (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها). (وأسروا الندامة) الضمير راجع إلى الكفار الذين سياق الكلام معهم، وقيل راجع إلى الأنفس المدلول عليها بكل نفس وإن كان المراد خصوص الرؤساء منهم. ومعنى أسروا أخفوا، أي لم يظهروا الندامة على ترك الإيمان بل أخفوها لما قد شاهدوه في ذلك الموطن مما سلب عقولهم وذهب بتجلدهم، ويمكن أنه بقي فيهم وهم على تلك الحالة عرق ينزعهم إلى العصبية التي كانوا عليها في الدنيا فأسروا الندامة لئلا يشمت بهم المؤمنون. وقيل أسرها الرؤساء فيما بينهم دون اتباعهم خوفاً من توبيخهم لهم لكونهم هم الذين أضلوهم وحالوا بينهم وبين الإسلام، وقيل معنى أسروا أظهروا لأن أسر من الأضداد ومعنى الأول هو الشهور في اللغة وهو في الآية يحتمل الوجهين؛ وقيل وجدوا ألم الحسرة في قلوبهم لأن الندامة لا يمكن إظهارها. وذكر المبرد في ذلك وجهين: الأول: أنها بدت في وجوهم أسرة الندامة وهي الانكسار واحدها سرار وجمعها أسارير والثاني: ما تقدم وقيل معنى أسروا الندامة أخلصوها لأن إخفاءها إخلاصها، قيل أنه ماض على بابه قد وقع، وقيل بل هو بمعنى المستقبل. (لما) ظرف بمعنى حين أي حين (رأوا العذاب) أي وقوع هذا منهم كان عند رؤية العذاب ومعاينته، وأما بعد الدخول فيه فهم الذين قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا. (وقضي بينهم بالقسط) أي العدل مستأنفة وهو الظاهر أو معطوفة على رأوا أي قضى الله بين المؤمنين وبين الكافرين أو بين الرؤساء أو بين الظالمين من الكفار والمظلومين بالعدل، وقيل معنى القضاء بينهم إنزال العقوبة عليهم (وهم لا يظلمون) أي لا يظلمهم الله فيما فعله بهم من العذاب الذي حل بهم فإنه بسبب ما كسبوا. أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) وجملة

يونس 10:55

(ألا إن لله ما في السماوات والأرض) مسوقة لتقرير كمال قدرته لأن من ملك ما في السماوات والأرض يتصرف به كيف يشاء، وغلب غير العقلاء لأنهم أكثر المخلوقات، قيل لما ذكر سبحانه افتداء الكفار بما في الأرض لو كان لهم ذلك بين أن الأشياء كلها لله وليس لهم شيء يتمكنون من الافتداء به. وقيل لما أقسم على حقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، أراد أن يصحب من ذلك بدليل البرهان البين، بأن ما في العالم على اختلاف أنواعه ملكه يتصرف به كيف يشاء وفي تصدير الجملة بحرف التنبيه انتباه للغافلين وإيقاظ للذاهلين. ثم أكد ما سبق بقوله (ألا إن وعد الله حق) أي كائن لا محالة وهو عام يندرج فيه ما استعجلوه من العذاب اندارجاً أولياً، وتصدير الجملة بحرف التنبيه كما قلنا في التي قبلها مع الدلالة على تحقق مضمون الجملتين وتقرير ما سلف من الآيات الكريمة والتنبيه على وجوب استحضار المحافظة عليه (ولكن أكثرهم) أي أكثر الناس يعني الكفار (لا يعلمون) ما فيه صلاحهم فيعملون به وما فيه فسادهم فيجتنبونه لقصور عقلهم واستيلاء الغفلة عليهم.

يونس 10:56

(هو يحيي ويميت) أي يهب الحياة ويسلبها (وإليه ترجعون) في الدار الآخرة فيجازي كلاًّ بما يستحقه ويتفضل على من يشاء من عباده. يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)

يونس 10:57

(يا أيها الناس) قيل أراد قريشاً وقيل هو على العموم وهو الأولى واختاره الطبري وفيه التفات ورجوع إلى استمالتهم عقب تحذيرهم من غوائل الضلال وشروع في بيان أدلة الرسالة بعد بيان أدلة التوحيد (قد جاءتكم موعظة) يعني القرآن فيه ما يتعظ به من قرأه وعرف معناه والوعظ في الأصل هو التذكير بالعواقب سواء كان بالترغيب أو الترهيب، والواعظ هو كالطبيب، ينهى المريض عما يضره وقيل الوعظ زجر مقترن بتخويف، وقال الخليل: هو التذكير بالخير فيما يرق له القلب. (من ربكم) من لابتداء الغاية وهو مجاز، أو للتبعيض أي موعظة كائنة من مواعظ ربكم (وشفاء لما في الصدور) من الشكوك التي تعتري بعض المرتابين لوجود ما يستفاد منه فيه من العقائد الحقة، واشتماله على تزييف العقائد الباطلة. عن أبي سعيد الخدري قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إني أشتكي صدري، فقال: اقرأ القرآن، يقول الله: (شفاء لما في الصدور) أخرجه ابن المنذر وابن مردويه. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن واثلة بن الأسقع أن رجلاً شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجع حلقه قال: >>عليك بقراءة القرآن والعسل فالقرآن شفاء لما في الصدور، والعسل شفاء من كل داء<< والشفاء في الأصل مصدر جعل وصفاً مبالغة أو هو اسم لما يشفى به أي يتداوى فهو كالدواء لما يداوى به، وإنما خص الصدر بالذكر لأنه موضع القلب وغلافه وهو أعز موضع في بدن الإنسان لمكان القلب فيه، وداء الجهل أضر للقلب من داء المرض للبدن، والقرآن مزيل لأمراض القلب كلها. (وهدى ورحمة للمؤمنين) بأنجائهم من الضلال، نزل بالعطف تغاير الصفات منزلة تغاير الذات، والهدى والإرشاد لمن اتبع القرآن وتفكر فيه وتدبر معانيه إلى الطريق الموصلة إلى الجنة، والرحمة هي ما يوجد في الكتاب العزيز من الأمور التي يرحم بها عباده فيطلبها من أراد ذلك حتى ينالها فالقرآن العظيم مشتمل على هذه الأمور جامع لهذه الأشياء كلها. قال الكرخى: والحاصل أن الموعظة إشارة إلى تطهير ظواهر الخلق عما لا ينبغي وهو الشريعة، والشفاء إشارة إلى تطهير الباطن عن العقائد الفاسدة والأخلاق الذميمة وهو الطريقة، والهدى إشارة إلى ظهور نور الحق في قلوب الصديقين وهو الحقيقة، والرحمة إشارة إلى كونها بالغة في الكمال والإشراق إلى حيث تصير مكملة للناقصين، وهي النبوة فهذه درجات عقلية ومراتب برهانية مدلول عليها بهذه الألفاظ القرآنية لا يمكن تأخير ما تقدم ذكره إ-هـ. ثم أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم، وجعل الخطاب معه بعد خطابه للناس على العموم فقال

يونس 10:58

(قل بفضل الله وبرحمته) المراد بالفضل من الله سبحانه تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحييط به الحصر والرحمة رحمة لهم، وروي عن ابن عباس أنه قال: فضل الله القرآن، ورحمته الإسلام؛ وعن الحسن والضحاك ومجاهد وقتادة إن فضل الله الإيمان ورحمته القرآن. وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله وسلم: فضل الله القرآن ورحمته: أن جعلكم من أهله. رواه أبو الشيخ وابن مردويه، وقد روي عن جماعة من التابعين نحو هذه الروايات المتقدمة، والأولى حمل الفضل والرحمة على العموم، ولدخل في ذلك ما في القرآن منهما دخولاً أولياً. وتكرير الباء في برحمته للدلالة على أن كل واحد من الفضل والرحمة سبب مستقل في الفرح، وأصل الكلام قل بفضل الله وبرحمته فيفرحوا ثم حذف هذا الفعل لدلالة الثاني عليه في قوله (فبذلك فليفرحوا) وقيل أن فرحوا بشيء فليخصوا فضل الله ورحمته بالفرح وهو اللذة في القلب بسبب إدراك المطلوب وتقديم الظرف على الفعل لإفادة الحصر والتكرير للتأكيد والتقرير وإيجاب اختصاص الفضل والرحمة بالفرح دون ما عداهما من فوائد الدنيا وفي هاتين الفائين أوجه ذكرها في الجمل. وقد ذم الله سبحانه الفرح في مواطن كقوله (لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين) وجوَّزه في قوله (فرحين بما آتاهم الله من فضله) وكما في هذه الآية وقيل التقدير جاءتكم موعظة بفضل الله ورحمته فبذلك أي فبمجيئهما فليفرحوا (هو خير) أي إن هذا خير لهم (مما يجمعون) من حطام الدنيا ولذاتها الفانية قرئ بالياء والتاء وهما سبعيتان. ثمِ أشار سبحانه بقوله

يونس 10:59

(قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراماً وحلالاً) إلى طريق أخرى غير ما تقدم في إثبات النبوة وتقرير ذلك ما حاصله أنكم تحكمون بتحليل البعض وتحريم البعض، فإن كان بمجرد التشهي والهوى فهو مهجور باتفاق العقلاء مسلمهم وكافرهم، وإن كان لاعتقادكم أنه حكم الله فيكم وفيما رزقكم فلا تعرفون ذلك إلا بطريق موصلة إلى الله ولا طريق يتبين بها الحلال من الحرام إلا من جهة الرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده. والمعنى أخبروني الذي أنزل الله إليكم من رزق أي زرع وضرع وغيرهما فجعلتم بعضه حراماً كالبحيرة والسائبة وبعضه حلالاً كالميتة وذلك كما كانوا يفعلونه في الأنعام والحرث حسبما سبق حكاية ذلك عنهم في سورة الأنعام من الكتاب العزيز، وقيل ما استفهامية، وإليه ذهب الحوفي والزمخشري والظاهر أنها موصولة كما تقدم لأن فيه إبقاء أرأيت على بابها، ومعنى إنزال الرزق كون المطر ينزل من جهة العلو. وقال الزجاج: أنزل بمعنى خلق كما قال (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية ازواج وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد) (قل آلله أَذِنَ لكم) في هذا التحليل والتحريم والهمزة للإنكار (أم على الله تفترون) أم منقطعة بمعنى بل كما في الكشاف، والظاهر أنها متصلة كما قال السفاقسي: أي آلله اذن لكم أم تكذبون عليه في نسبة الإذن إليه. قال الكرخي: وكفى به زاجراً لمن أفتى بغير إتقان كبعض فقهاء هذا الزمان اهـ. وإظهار الاسم الشريف وتقديمه على الفعل للدلالة على كمال قبح الافتراء. قلت وفي هذه الآية الشريفة ما يصك مسامع المتصدرين للإفتاء لعباد الله في شريعته بالتحليل والتحريم والجواز وعدمه، مع كونهم من المقلدين الذين لا يعقلون حجج الله ولا يفهمونها ولا يدرون ما هي، ومبلغهم من العلم الحكاية لقول قائل من هذه الأمة قد قلدوه في دينهم وجعلوه شارعاً مستقلاً، ما عمل به من الكتاب والسنة فهو العمول به عندهم وما لم يبلغه أو بلغه ولم يفهمه حق فهمه وأخطأ الصواب في اجتهاده وترجيحه فهو في حكم المنسوخ عندهم، المرفوع حكمه عن العباد، مع كون من قلدوه متعبداً بهذه الشريعة كما هم متعبدون بها ومحكوماً عليه بأحكامها كما هم محكوم عليهم بها، وقد اجتهد رأيه وأدى ما عليه وفاز بأجرين مع الإصابة وأجر مع الخطأ، إنما الشأن في جعلهم لرأيه الذي أخطأ فيه شريعة مستقلة ودليلاً معمولاً به. وقد أخطأوا في هذا خطأً بيّناً وغلطوا غلطاً فاحشاً فان الترخيص للمجتهد في اجتهاد رأيه يخصه وحده، ولا قائل من أهل الإسلام المعتد بأقوالهم أنه يجوز لغيره أن يعمل به تقليداً له واقتداء به، وما جاء به المقلدة في تقويم هذا الباطل فهو من الجهل العاطل، اللهم كما رزقتنا من العلم ما نميز به الحق والباطل فارزقنا من الإنصاف ما نظفر عنده بما هو الحق عندك يا واهب الخير. قال النسفي: الآية زاجرة عن التجوز فيما يسئل من الأحكام وباعثة على وجوب الاحتياط فيه وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إيقان وإتقان وإلا فهو مفتر على الديّان. وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61) ثم قال

يونس 10:60

(وما ظن الذين يفترون على الله الكذب يوم القيامة) أي أيُّ شيء ظنهم في هذا اليوم وما يصنع بهم فيه، أي لا ينبغي هذا الحسبان ولا صحة له بوجه من الوجوه، وهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة لتعظيم الوعيد لهم غير داخلة تحت القول الذي أمر الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم بل مبتدأة مسوقة لبيان ما سيحل بهم من عذاب الله، وذكر الكذب بعد الافتراء مع إن الافتراء لا يكون إلا كذباً لزيادة التأكيد. (إن الله لذو فضل على الناس) يتفضل عليهم بأنواع النعيم في الدنيا والآخرة ومنه بعثة الرسل وإنزال الكتب لبيان الحلال والحرام وإبقاء الكتاب والسنة إلى آخر الدهر والزمان (ولكن أكثرهم لا يشكرون) الله على نعمه الواصلة إليهم منه سبحانه في كل وقت من الأوقات وطرفة من الطرفات، ولا يصرفون مشاعرهم إلى ما خلقت له.

يونس 10:61

(وما تكون في شأن) الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما نافية والشأن الأمر بمعنى القصد وجمعه شئون، قال الأخفش: تقول العرب ما شأنت شأنه أي ما عملت عمله، وما قصدت قصده فهو مصدر بمعنى المفعول. (وما تتلو منه من قرآن) قال الفراء والزجاج: الضمير يعود على الشأن والجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي تلاوة كائنة منه، إذ التلاوة للقرآن من أعظم شؤونه صلى الله عليه وسلم، والمعنى أنه يتلو من أجل الشأن الذي حدث القرآن فيعلم كيف حكمه أو يتلو القرآن الذي ينزل في ذلك الشأن، وقال ابن جرير الطبري: الضمير في منه عائد إلى الكتاب أي ما يكون من كتاب الله من قرآن وأعاده تفخيماً له كقوله (إني أنا الله) وقيل ما تتلو من الله من قرآن نازل عليك، فمن الثانية زائدة والأولى إما تعليلية أو ابتدائية بحسب الوجهين المتقدمين. والخطاب في (ولا تعملون من عمل) لرسول الله وللأمة، وقيل الخطاب لكفار قريش (إلا كنا عليكم شهوداً) استثناء مفرغ من أعم الأحوال للمخاطبين بالأفعال الثلاثة أي ما تلابسون بشيء منها في حال من الأحوال إلا في حال كوننا رقباء مطلعين عليه حافظين له، يقال شهدت على الشيء اطلعت عليه فأنا شاهد وشهيد، والجمع أشهاد وشهود. والضمير في (إذ تفيضون فيه) عائد إلى العمل يقال أفاض فلان في الحديث والعمل إذا اندفع فيه، وقال الضحاك الضمير في (فيه) عائد إلى القرآن والمعنى إذ تشيعون في القرآن الكذب، والإفاضة الدخول في العمل على جهة الانتصاب إليه والانبساط فيه. قال ابن الأنباري: إذ تدفعون فيه وتبسطون في ذكره، وقيل الإفاضة الدفع بكثرة، وقال الزجاج: تنشرون فيه، وقيل تخوضون فيه، وقيل تأخذون أي تشرعون فيه والمعاني متقاربة. (وما يعزب) أي يغيب ويخفى، وقيل يبعد، وقال ابن كيسان: يذهب، وهذه المعاني متقاربة، قرئ بضم الزاي وبكسرها سبعيتان وهما لغتان فصيحتان (عن ربك) أي عن علمه، ومن في (من مثقال ذرة) زائدة للتأكيد أي وزن ذرة أي نملة حمراء وهي خفيفة الوزن جداً (في الأرض ولا في السماء) أي في دائرة الوجود والإمكان، وإنما عبر عنها بهما مع أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء لا فيهما ولا فيما هو خارج عنهما لأن الناس لا يشاهدون سواهما وسوى ما فيهما من المخلوقات؛ وقدم الأرض على السماء لأنها محل استقرار العالم، فهم يشاهدون ما فيها من قرب. (ولا أصغر من ذلك) أي من مثقال ذرة كلام برأسه مقرر لما قبله، ولا نافية للجنس (ولا أكبر) منها (إلا) وهو (في كتاب مبين) فكيف يغيب عنه وهو الكتاب الذي عند الله، يعني اللوح المحفوظ، قاله السدي. وقد أورد على توجيه النصب والرفع في أصغر وأكبر على العطف على لفظ مثقال ومحله أو على لفظ ذرة إشكال، وهو أنه يصير تقدير الآية لا يعزب عنه شيء في الأرض ولا في السماء إلا في كتاب، ويلزم منه أن يكون ذلك الشيء الذي في الكتاب خارجاً عن علم الله وهو محال. وقد أجيب عن هذا الإشكال بأن الأشياء المخلوقة قسمان: قسم أوجده الله ابتداء من غير واسطة كخلق الملائكة والسماوات والأرض، وقسم آخر أوجده بواسطة القسم الأول من حوادث عالم الكون والفساد، ولا شك أن هذا القسم الثاني متباعد في السلسلة العلية عن مرتبة الأول. فالمراد من الآية أنه لا يبعد عن مرتبة وجوده سبحانه شيء في الأرض ولا في السماء إلا وهو في كتاب مبين أثبت فيه صورة تلك المعلومات، والغرض الرد على من يزعم أنه غير عالم بالجزئيات. وأجيب أيضاً بأن الاستثناء منقطع أي لكن هو في كتاب مبين، وذكر أبو علي الجرجاني أن إلا بمعنى الواو أي وهو أيضا في كتاب مبين، والعرب قد تضع إلا موضع الواو، ومنه قوله تعالى: (إنى لا يخاف لدى المرسلون إلا من ظلم) يعني ومن ظلم، وقوله: (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا) أي والذين ظلموا، وقدر هو بعد الواو التي جاءت إلا بمعناها كما في قوله (وقولوا حطة) أي هي حطة. قال الكرخي: وهذا الوجه فيه تعسف، ومثله قوله: (ولا تقولوَا ثلاثة) (وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). وجوّز الكواشي كونه متصلاً مستثنى من " يعزب " على أن معناه يبين أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64) ويصدر، والمعنى لا يصدر عن الله شيء بعد خلقه له إلا وهو في كتاب؛ وقال الكلبي: قد حاول الرازي جعله متصلاً بعبارة طويلة محصلها أنه جعله استثناء مفرغاً وهو حال من أصغر وأكبر، وهو في قوة المتصل، ولا يقال فيه متصل ولا منقطع. ثم لما بين سبحانه إحاطته بجميع الأشياء وكان في ذلك تقوية لقلوب المطيعين وكسر لقلوب العاصين ذكر حال المطيعين فقال:

يونس 10:62

(ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم) الولي في اللغة ضد العدو فهو المحب، ومحبة العباد لله طاعتهم له، ومحبته لهم إكرامه إياهم، وعلى الأول يكون فعيل بمعنى فاعل، وعلى الثاني بمعنى مفعول فهو مشترك بينهما، وتركيب الواو واللام والياء يدل على معنى القرب، فولي كل شيء هو الذي يكون قريباً منه. والمراد بالأولياء خُلَّص المؤمنين كأنهم قربوا من الله سبحانه بطاعته واجتناب معصيته، والمراد بنفي الخوف عنهم أنهم لا يخافون أبداً كما يخاف غيرهم، لأنهم قد قاموا بما أوجب الله عليهم وانتهوا عن العاصي التي نهاهم عنها، فهم على ثقة من أنفسهم وحسن ظن بربهم. وكذلك (ولا هم يحزنون) على فوت مطلب من المطالب لأنهم يعلمون أن ذلك بقضاء الله وقدره فيسلمون للقضاء والقدر، ويريحون قلوبهم عن الهم والكدر، فصدورهم منشرحة وجوارحهم نشطة وقلوبهم مسرورة. وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء بقوله:

يونس 10:63

(الذين آمنوا وكانوا يتقون) أي يؤمنون بما يجب الإيمان به، ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من معاصي الله سبحانه قال أبو السعود: والمراد بالتقوى المرتبة الثالثة منها الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك التي يفيدها الإيمان أيضاً، ومرتبة التجنب عن كل ما يؤثم من فعل وترك، أعني تنزه الإنسان عن كل ما يشغل سره عن الحق، والتبتل إليه بالكلية وهي التقوى الحقيقي المأمور به في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) وبه يحصل الشهود والحضور والقرب الذي عليه يدور إطلاق الاسم عليه فملاك أمر الولاية هو التقوى المذكور فأولياء الله هم المؤمنون المتقون. وعن سعيد بن جبير قال: هم الذين إذا رُؤوا ذكر الله. وعن ابن عباس قال: إذا رُؤوا يذكر الله لرؤيتهم. وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا لم تكن العلماء أولياء الله فليس لله ولي، قال النووي: وذلك في العالم العامل بعلمه. وقد أكثر أهل العلم من المتكلمين والصوفية وغيرهم في تعريف الولي ووصفه وأطالوا المقالات في ذلك بما لا حاجة إليه، وهذه الآية تغني عنها، فإنه إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. والحاصل أن ولي الله من كان آتياً بالاعتقاد الصحيح المبني على الدليل، وبالأعمال الصالحة على وفق ما وردت به السنة المطهرة، لأن الإيمان مبني على العقيدة والعمل، ومقام التقوى هو أن يتقي العبد كل ما نهى الله عنه. وعن عمرو بن الجموح أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله وأبغض لله فقد استحق الولاية من الله وأن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم " [[الإمام أحمد 3/ 430.]] " أخرجه أحمد وغيره. وأخرج أحمد عن عبد الرحمن بن غنم يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم " خيار عباد الله الذين إذا رُؤوا ذكر الله، وشرار عباده المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الأحبة الباغون البراء العنت " [[الإمام أحمد 6/ 459.]]. وعن ابن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خياركم من ذكركم الله رؤيته وزاد في علمكم منطقه ورغبكم في الآخرة عمله " [[ضعيف الجامع الصغير 2873.]] أخرجه الحكيم الترمذي، وعن ابن عمر مرفوعاً: إن لله عباداً ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء يوم القيامة بقربهم ومجلسهم منه، فجثى أعرابي على ركبتيه فقال: يا رسول الله صفهم لنا، جلهم لنا، قال قوم من أفناء الناس من نزاع القبائل تصافوا في الله وتحابوا في الله، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور فيجلسهم، يخاف الناس ولا يخافون، هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " [[المستدرك كتاب البر والصلة 4/ 170.]] أخرجه الحاكم وصححه. وأخرج أبو داود وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن عمر ابن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه، قال ابن كثير: [[ابن كثير 2/ 422.]] وإسناده جيد، وروي بطريق عن جماعة من الصحابة، وقد ورد في فضل المتحابين في الله أحاديث ليس فيها أنهم المرادون بالآية.

يونس 10:64

(لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة) تفسير لمعنى كونهم أولياء الله أي لهم البشرى من الله ما داموا في الحياة بما يوحيه إلى أنبيائه وينزله في كتبه من كون حال المؤمنين عنده هو إدخالهم الجنة ورضوانه عنهم كما وقع كثير من البشارات للمؤمنين في القرآن الكريم. وكذلك ما يحصل لهم من الرؤيا الصالحة وما يتفضل الله به عليهم من إجابة دعائهم، وما يشاهدونه من التبشير لهم عند حضور آجالهم بتنزل الملائكة عليهم قائلين لهم لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة. قاله الزهري وقتادة. وأما البشرى في الآخرة فتلقى الملائكة لهم مبشرين بالفوز بالنعيم والسلامة من العذاب، والبشرى مصدر أريد به المبشر به، والمراد حال كونهم في الدنيا وحال كونهم في الآخرة. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير والبيهقي وغيرهم عن رجل من أهل مصر قال: سألت أبا الدرداء عن معنى قوله: (لهم البشرى) فقال: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما سألني عنها أحد غيرك منذ أنزلت عليَّ، هي الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له فهي بشراه في الحياة الدنيا وبشراه في الآخرة الجنة " وفي إسناده هذا الرجل المجهول. وعن عبادة بن الصامت مرفوعاً مثله عند أحمد والدارمي والترمذي وابن ماجة. وأخرج أحمد والبيهقي عن ابن عمر مرفوعاً قال: الرؤيا الصالحة يبشر بها المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة فمن رأى ذلك فليخبر بها " [[الإمام أحمد 2/ 219.]] الحديث، وفي الباب أحاديث وقد وردت أحاديث صحيحة بأن الرؤيا الصالحة من المبشرات، وأنها جزء من أجزاء النبوة ولكنها لم تقيد بتفسير هذه الآية. وقد روي عن ابن عباس أن المراد بالبشرى في الآية هي قوله: (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً) وعنه أنها قوله: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) وقيل البشرى في الحياة الدنيا هي الثناء الحسن وفي الآخرة الجنة. وعن أبي ذر قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه، قال: تلك عاجل بشرى المؤمن " [[مسلم 2642.]] أخرجه مسلم، قال أهل العلم وهي دليل للبشرى المؤخرة في الأخرة، وهذه البشرى المعجلة دليل على رضاء الله عنه؛ وقيل غير ذلك واللفظ أوسع من ذلك. (لا تبديل لكلمات الله) أي لا تغيير لأقواله ولا خلف لمواعيده على العموم فيدخل فيها ما وعد به عباده الصالحين دخولاً أولياً (ذلك) أي المذكور قبله من كونهم مبشرين بالبشارتين في الدارين (هو الفوز العظيم) الذي لا يقادر قدره ولا يماثله غيره، والجملتان اعتراض في آخر الكلام عند من يجوزه وفائدتهما تحقيق المبشر به وتعظيم شأنه، والأولى اعتراضية والثانية تذييلية. وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)

يونس 10:65

(ولا يحزنك قولهم) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحزن من قول الكفار المتضمن للطعن عليه وتكذيبه والقدح في دينه، والمقصود تسلية له صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئة عن مقالاتهم الموحشة، وتبشير له بأنه تعالى ينصره. ثم استأنف سبحانه الكلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم معللاً لما ذكره من النهي فقال: (إن العزة لله جميعاً) أي الغلبة والقدرة والقهر له في مملكته وسلطانه، ليست لأحد من عباده، وإذا كان ذلك كله له فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم الكاذبة وهم لا يملكون من الغلبة شيئاً، ولا ينافي هذا ما في سورة المنافقين (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) لأن كل عزة بالله فهي كلها لله حقيقة لكن قد يظهرها على يد رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى أيدي المؤمنين تكريماً وتعظيماً لهم؛ ومنه قوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إنّا لننصر رسلنا) (هو السميع) لما يقولون (العليم) بما يدبرون ويعزمون عليه وهو مكافئهم بذلك.

يونس 10:66

(ألا إن لله من في السماوات ومن في الأرض) ومن جملتهم هؤلاء المشركون المعاصرون للنبي صلى الله عليه وسلم، وإذا كانوا في ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء فكيف يستطيعون أن يؤذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما لا يأذن الله به، و (ألا) كلمة تنبيه معناه أنه لا ملك لأحد فيهما إلا لله عز وجل فهو يملك ما فيهما. وقال في الآية الأولى (ما) وفي هذه (من) فمجموعهما دل على أن الله يملك جميع كل شيء فيهما من العقلاء وغيرهم، أو غلب العقلاء على غيرهم لكونهم أشرف: وفي الآية نعي على عباد البشر والملائكة، والجمادات لأنهم عبدوا المملوك وتركوا المالك وذلك مخالف لما يوجبه العقل، ولهذا عقبه بقوله: (وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء) ما نافية وشركاء مفعول يتبع وعلى هذا يكون مفعول يدعون محذوفاً، والأصل وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء، شركاء في الحقيقة إنما هي أسماء لا مسميات لها، فحذف أحدهما لدلالة المذكور عليه، ويجوز أن يكون المذكور مفعول يدعون وحذف مفعول يتبع لدلالة المذكور عليه، يعني أنهم وأن سموا معبوداتهم شركاء لله فليس شركاء له على الحقيقة لأن ذلك محال (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا). وقيل ما استفهامية أي أيُّ شيء يتبع الذين يدعون؛ وعلى هذا شركاء منصوب بيدعون والكلام خارج مخرج التوبيخ لهم والإزراء عليهم. وقيل موصولة، والمعنى أن الله مالك لمعبوداتهم لكونها من جملة من في السماوات ومن في الارض. ثم زاد سبحانه في تأكيد الرد عليهم والدفع لأقوالهم فقال: (إن يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون يقيناً إنما يتبعون ظناً ويظنون أنهم آلهة تشفع لهم، وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً (وإن هم إلا يخرصون) أصل معنى الخرص الحزر بتقديم الزاي على الراء أي التخمين والتقدير، ويستعمل بمعنى الكذب لغلبته في مثله، والاسم الخرص بالكسر أي يقدرون أنهم شركاء تقديراً باطلاً وكذباً بحتاً وقد تقدمت هذه الآية في الأنعام. هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) ثم ذكر سبحانه طرقاً من آثار قدرته مع الامتنان على عباده ببعض نعمه فقال:

يونس 10:67

(هو الذي جعل لكمٍ الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصراً) الجعل إن كان بمعنى الإبداع والخلق فمبصرًا حال، وإن كان بمعنى التصيير فهو المفعول الثاني أي جعل لعباده الزمان منقسماً إلى قسمين أحدهما مظلم وهو الليل لأجل أن يسكن العباد فيه عن الحركة والتعب ويريحون أنفسهم عن الكد والكسب، والآخر مبصر لأجل أن يسعوا فيه بما يعود على نفعهم وتوفير معايشهم ويحصلون ما يحتاجون إليه في وقت مضيء منير لا يخفى عليهم كبير ولا حقير، وجعله سبحانه للنهار مبصراً مجاز. والمعنى أنه مبصر صاحبه كقولهم نهاره صائم وقال قطرب: تقول العرب أظلم الليل وأبصر النهار بمعنى صار ذا ظلمة وذا ضياء، وفي الكلام شبه احتباك حيث حذف من كل ما أثبته أو مقابله في الآخر فحذف مظلماً لدلالة مبصراً عليه وحذف لتتحركوا لدلالة لتسكنوا عليه، وهذا أفصح الكلام. (إن في ذلك) الجعل المذكور (لآيات) عجيبة كثيرة (لقوم يسمعون) ما يتلى عليهم من الآيات التنزيلية المنبهة على الآيات التكوينية مما ذكره الله سبحانه هاهنا منها ومن غيرها مما لم يذكره فعند السماع منهم لذلك يتفكرون ويعتبرون ويعلمون أن الذي خلق هذه الأشياء كلها هو الله المتفرد بالوحدانية في الوجود فيكون ذلك من أعظم أسباب الإيمان.

يونس 10:68

(قالوا اتخذ الله ولداً) هذا نوع آخر من أباطيل المشركين أو أهل الكتاب التي كانوا يتكلمون بها وهو زعمهم بأن الله سبحانه اتخذ وتبنى ولداً فرد ذلك عليهم بقوله: (سبحانه) فتنزه جل وعلا عما نسبوه إليه من هذا الباطل البين وكلمتهم الحمقاء، وبين أنه (هو الغني) عن ذلك، وأن الولد إنما يطلب لأجل الحاجة، والغنى المطلق لا حاجة له حتى يكون له ولد يقضيها، وإذا انتفت الحاجة انتفى الولد، وأيضاً إنما يحتاج إلى الولد من يكون بصدد الانقراض ليقوم الولد مقامه، والأزلي القديم لا يفتقر إلى ذلك، وقد تقدم تفسير الآية في البقرة. ثم بالغ في الرد عليهم بما هو كالبرهان فقال: (له ما في السماوات وما في الأرض) وإذا كان الكل له وفي ملكه فلا يصح أن يكون شيء مما فيهما ولداً له للمنافاة بين الملك والبنوة والأبوة. ثم زيف دعواهم الباطلة وبين أنها بلا دليل فقال (إن) أي ما (عندكم من سلطان) حجة وبرهان (بهذا) القول الذي تقولونه ومن زائدة للتأكيد؛ ثم وبخهم على هذا القول العاطل عن الدليل الباطل عند العقلاء (أتقولون على الله ما لا تعلمون) استفهام توبيخ ويستفاد من هذا أن كل قول لا دليل عليه ليس هو من العلم في شيء بل من الجهل المحض. ثم أمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول لهم قولاً يدل على أن ما قالوه كذب، وأن من كذب على الله لا يفلح فقال:

يونس 10:69

(قل إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) أي كل مفتر هذا شأنه ويدخل فيه قائل هذا القول دخولاً أوّلياً؛ وذكر الكذب مع الافتراء للتأكيد كما سبق في مواضع من الكتاب العزيز والمعنى أن هؤلاء الذين يكذبون على ربهم لا يفوزون بمطلب من المطالب، ولا يسعدون وإن اغتروا بطول السلامة والبقاء في النعمة مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70) وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71) ثم بين سبحانه أن هذا الافتراء وإن فاز صاحبه بشيء من المطالب العاجلة فهو

يونس 10:70

(متاع) قليل (في الدنيا) ثم يتعقبه الموت والرجوع إلى الله، فيعذب المفتري عذاباً مؤبداً، والجملة مستأنفة لبيان إن ما يحصل للمفتري بافترائه وما يتراءى فيه بحسب الظاهر من نيل المطالب والحظوظ الدنيوية بمعزل أن يكون من جنس الفلاح وليس بفائدة يعتد بها، بل هو متاع يسير في الدنيا يتعقبه الموت والعذاب الشديد بسبب الكفر الحاصل بأسباب من جملتها الكذب على الله، وليس بنافع في الآخرة، وقال الأخفش: إن التقدير لهم متاع في الدنيا، وقال الكسائي: ذلك متاع أو هو متاع. (ثم إلينا مرجعهم) بعد الموت (ثم نذيقهم العذاب الشديد بما) أي بسبب ما (كانوا يكفرون) أي يجحدون في الدنيا من نعمة الله عليهم ويصفونه بما لا يليق بجلاله. ولما بالغ سبحانه في تقرير البراهين الواضحة ودفع الشبه المنهارة شرع في ذكر قصص الأنبياء وما جرى لهم مع أممهم، لما في ذلك من التسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والأسوة بمن سلف من الأنبياء، ولما كان قوم نوح أول الأمم هلاكاً وأعظمهم كفراً وجحوداً ذكر الله قصتهم وأنه أهلكهم بالغرق ليصير ذلك موعظة وعبرة لكفار قريش فقال:

يونس 10:71

(واتل عليهم) أي على الكفار المعاصرين لك المعارضين لما جئت به بأقوالهم الباطلة (نبأ نوح) أي خبره، والنبأ هو الخبر الذي له خطر وشأن؛ والمراد بعض ما جرى له مع قومه الذين كفروا بما جاء به كما فعله كفار قريش وأمثالهم. (إذ) أي وقت أن (قال لقومه) اللام لام التبليغ (يا قوم إن كان كبر) أي عظم وثقل (عليكم مقامي) من باب الإسناد المجازي كقولهم ثقل عليّ ظله، والمقام بفتح الميم الموضع الذي يقام فيه، وبالضم مكان الإقامة أو الإقامة نفسها، وقد اتفق القراء هنا على الفتح. وقرأ أبو رجاء وأبو مجلز وابن الجوزي بالضم، قال ابن عطية: ولم يقرأ هنا بالضم، وكأنه لم يطلع على قراءة هؤلاء، وكنى بالمقام عن نفسه كما يقال فعلته لمكان فلان أي لأجله، ومنه (ولمن خاف مقام ربه) أي خاف ربه، ويجوز أن يراد بالمقام المكث أي شق عليكم مكثي بين أظهركم لأنه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ويجوز أن يراد بالمقام القيام لأن الواعظ يقوم حال وعظه. والمعنى أن كان كبر عليكم قيامي بالوعظ في مواطن اجتماعكم (و) كبر عليكم (تذكيري) لكم (بآيات الله) التكوينية والتنزيلية (فعلى الله توكلت) أي دمت على تخصيص التوكل به تعالى، وهذه الجملة جواب الشرط، والمعنى أني لا أقابل ذلك منكم إلا بالتوكل على الله، فإن ذلك دأبي الذي أنا عليه قديماً وحديثاً، ويجوز أن يريد إحداث مرتبة مخصوصة من مراتب التوكل، ويجوز أن يكرن جواب الشرط فأجمعوا كما يأتي، قاله الأكثرون، والجملة اعتراض كقولك إن كنت أنكرت عليّ شيئاً فالله حسبي وثقتي. وقيل (فأجمعوا أمركم) عطف على الجواب، وجزم السفاقسي بأن جوابه محذوف أي فافعلوا ما شئتم، والمعنى اعزموا عليه، من أجمع الأمر إذا نواه وعزم عليه قاله الفراء، وروي عنه أجمع الشيء أعده وقال مؤرج السدوسي: أجمع الأمر أفصح من أجمع عليه، وقال أبو الهيثم: أجمع أمره جعله جميعاً بعدما كان متفرقاً، وتفرقه أن يقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر واحد فقد جمعه أي جعله جميعاً. فهذا هو الأصل في الإجماع ثم صار بمعنى العزم والتصميم، يقال أجمع في المعاني وجمع في الأعيان وقد يستعمل كل واحد مكان الآخر، وفي التنزيل (فجمع كيده) قال ابن الأنباري: المراد من الأمر هنا وجوه كيدهم ومكرهم فالتقدير لا تدعو من أمركم شيئاً إلا أحضرتموه. (وشركاءكم) أي ادعوهم لنصرتكم، قاله الكسائي والفراء، وقال الزجاج والفارسي: والمعنى مع شركائكم، ولم يذكر الزمخشري غير هذا، وقيل أجمعوا شركاءكم، وفي مصحف أُبَي: وادعوا شركاءكم، قال النحاس وغيره: وقراءة الرفع بعيدة، وقال المهدوي: يجوز رفع الشركاء بالابتداء والخبر محذوف أي وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، ونسبة ذلك إلى الشركاء مع كون الأصنام لا تعقل لقصد التوبيخ والتقريع لمن عبدها. (ثم لا يكن أمركم عليكم غمة) أي خفياً، والغمة التغطية من قولهم غم الهلال إذا استتر أي ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً قاله الزجاج، وقال الهيثم: معناه لا يكن أمركم مبهماً، وقيل أن الغمة ضيق الأمر، كذا روي عن أبي عبيدة. والمعنى لا يكن أمركم عليكم بمصاحبتي والمجاملة لي ضيقاً شديداً بل ادفعوا هذا الضيق والشدة بما شئتم وقدرتم عليه، وعلى الوجهين الأولين يكون المراد بالأمر الثاني هو الأمر الأول، وعلى الثالث يكون المراد غيره، وإنما نسب عدم الستر الذي هو عدم الغمة إلى الأمر مبالغة. (ثم اقضوا إليّ) ذلك الأمر الذي تريدونه بي؛ وأصل اقضوا من القضاء وهو الأحكام، والمعنى احكموا ذلك الأمر. قال الأخفش والكسائي: هو مثل " وقضينا إليه ذلك الأمر " أي أنهيناه إليه وأبلغناه إياه. وقيل معناه ثم امضوا إليّ، قال النحاس: هذا قول صحيح في اللغة ومنه قضى الميت مضى. وعن بعض القراء ثم افضوا بالفاء أي توجهوا (ولا تنظرون) أي ثم لا تمهلوني ولا تؤخروني، بل عجلوا أمركم ونفذوا واصنعوا ما بدا لكم. فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74) وفي هذا الكلام من نوح عليه السلام ما يدل على وثوقه بنصر ربه وعدم مبالاته بما يتوعده به قومه، ثم بين لهم أن كل ما أتى به إليهم من الأعذار والإنذار وتبليغ الشريعة عن الله ليس هو لطمع دنيوي ولا لغرض خسيس فقال

يونس 10:72

(فإن توليتم) أي إن أعرضتم عن العمل بنصحي لكم وتذكيري إياكم، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها. (فما سألتكم) في مقابلة ذلك عليه (من أجر) تؤدونه إليّ حتى تتهموني فيما جئت به والفاء جزائية (إن أجري) أي ما ثوابي في النصح والتذكير (إلا على الله) سبحانه فهو يثيبني آمنتم أو توليتم (وأمرت أن أكون من المسلمين) المنقادين لحكم الله الذين يجعلون أعمالهم خالصة لله سبحانه لا يأخذون عليها أجراً ولا يطمعون في عاجل أو من المستسلمين لكل ما يصعب من البلاء.

يونس 10:73

(فكذبوه) أي استمروا على تكذيبه وأصروا على ذلك. وليس المراد أحدثوا تكذيبه بعد أن لم يكن. (فنجيناه) أي نوحاً عليه السلام (ومن معه) أي من قد أجابه وصار على دينه، وكانوا ثمانين: أربعين رجلاً وأربعين امرأة (في الفلك) أي السفينة، والمفرد على وزن قفل والجمع على وزن أسد والمراد هنا المفرد. (وجعلناهم) أي الذين نجاهم معه في الفلك حملاً على معنى من (خلائف) جمع خليفة، والمعنى أنه سبحانه جعلهم خلفاء يسكنون الأرض التي كانت للمهلكين بالغرق ويخلفونهم فيها (وأغرقنا) بالطوفان (الذين كذبوا بآياتنا) من الكفار المعاندين لنوح الذين لم يؤمنوا به، تأخيره عن ذكر الإنجاء والاستخلاف حسبما وقع في قوله تعالى: (ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً) الآية لإظهار كمال العناية بشأن المقدم ولتعجيل المسرة للسامعين وللإيذان بسبق الرحمة التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات جرائم المجرمين (فانظر كيف كان عاقبة المنذرين) من إهلاكهم، فكذلك نفعل بمن كذبك، فيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد للمشركين وتهويل عليهم.

يونس 10:74

(ثم بعثنا من بعده) أي من بعد نوح عليه السلام (رسلاً إلى قومهم) لم يسم هنا من كان بعد نوح من الرسل، وقد كان بعده هود وصالح وإبراهيم ولوط وشعيب (فجاؤوهم بالبينات) أي بالمعجزات الباهرات والدلالات الواضحات وبما أرسلهم الله به من الشرائع التي شرعها لقوم كل نبي (فما كانوا ليؤمنوا) أي فما أحدثوا الإيمان بل استمروا على الكفر وأصروا عليه. والمعنى أنه ما صح ولا استقام لقوم من أولئك الأقوام الذين أرسل الله إليهم رسله أن يؤمنوا في وقت من الأوقات (بما كذبوا به من قبل) أي من قبل تكذيبهم الواقع منهم عند مجئ الرسل إليهم، والمعنى أن كل قوم من العالم لم يؤمنوا عند أن أرسل الله إليهم الرسول المبعوث إليهم على الخصوص بما كانوا مكذبين به من قبل مجيئه إليهم، لأنهم كانوا غير مؤمنين بل مكذبين بالدين، ولو كانوا مؤمنين لم يبعث إليهم رسولاً، وهذا مبني على أن الضمير في (كانوا) و (كذبوا) راجع إلى القوم المذكورين في قوله (إلى قومهم) وقيل ضمير كذبوا راجع إلى قوم نوح، أي فما كان قوم الرسل ليؤمنوا بما كذب به قوم نوح، وقيل المعنى بما كذبوا به من قبل أي في عالم الذر. (كذلك) أي مثل ذلك الطبع العظيم المحكم (نطبع) بنون العظمة، وقرئ بالياء على أن الضمير لله (على قلوب المعتدين) أي المتجاوزين للحدود ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76) المعهودة في الكفر والعناد المتجافين عن قبول الحق وسلوك طريق الرشاد، وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنهم، لانهماكهم في الغي والضلال، وقد تقدم تفسير هذا في غير موضع.

يونس 10:75

(ثم بعثنا من بعدهم) أي بعد الرسل المتقدم ذكرهم وخص (موسى وهارون) بالذكر مع دخولهما تحت الرسل لمزيد شرفهما وخطر شأن ما جرى بينهما وبين فرعون (إلى فرعون وملئه) المراد بالملأ الأشراف، هكذا قرره بعض المفسرين؛ وقرر بعضهم أن المراد بالملأ هنا مطلق القوم من استعمال الخاص في العام وهو ظاهر صنيع السيوطي في الجلالين. (بآياتنا) أي مصحوبين بالمعجزات وهي التسع المذكورة في الكتاب العزيز (فاستكبروا) عن قبولها ولم يتواضعوا لها ولم يذعنوا لما اشتملت عليه من المعجزات الموجبة لتصديق من جاء بها، والاستكبار ادعاء الكبر من غير استحقاق، والفاء فصيحة، وقيل عن الإيمان بموسى وهارون، والأول أولى. (وكانوا قوماً مجرمين) أي كانوا ذوي إجرام عظام وآثام كبيرة، فبسبب ذلك اجترؤوا على ردها لأن الذنوب تحول بين صاحبها وبين إدراك الحق وإبصار الصواب، قيل وهذه الجملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها.

يونس 10:76

(فلما جاءهم) أي فرعون وملأه (الحق) أي المعجزات التسع (من عندنا قالوا إن هذا لسحر مبين) أي لم يؤمنوا بها، بل حملوها على السحر مكابرة منهم. قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80)

يونس 10:77

(قال موسى) أي جملاً ثلاثاً: الأولى (أتقولون للحق لما جاءكم) قيل في الكلام حذف والتقدير أتقولون للحق سحر، فلا تقولوا ذلك. ثم استأنف إنكاراً آخر من جهة نفسه فقال: (أسحر هذا) وهي الثانية والملجئ إلى هذا أنهم لم يستفهموه عن السحر حتى يحكي ما قالوه بقوله أسحر هذا بل هم قوم قاطعون بأنه سحر لأنهم قالوا إن هذا إلا سحر مبين، فحينئذ لا يكون قوله (أسحر هذا) من قولهم. وقال الأخفش: هو قولهم، وفيه نظر لما قدمنا. وقيل معنى أتقولون أتعيبون الحق وتطعنون فيه وكان عليكم أن تذعنوا له ثم قال (أسحر هذا) منكراً لما قالوه؛ والاستفهام للتقريع والتوبيخ بعد الجملة الأولى المستأنفة، والمعنى أتقولون للحق لما جاءكم إن هذا لسحر مبين، وهو أبعد شيء من السحر. ثم أنكر عليهم وقرعهم ووبخهم فقال: (أسحر هذا) فجاء موسى عليه السلام بإنكار بعد إنكار وتوبيخ بعد توبيخ وتجهيل بعد تجهيل. والثالثة (ولا يفلح الساحرون) أي والحال كذا فلا يظفرون بمطلوب ولا يفوزون بخير ولا ينجون من مكروه، فكيف يقع في هذا من هو مرسل من عند الله، وقد أيده بالمعجزات والبراهين الواضحة، وحاصل السحر تمويه وتخييل وصاحب ذلك لا يفلح أبداً.

يونس 10:78

(قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا) مستأنفة، قال مجاهد: لتلوينا وتصرفنا، وقال السدي: لتصدنا عن آلهتنا، وفي هذا ما يدل على أنهم انقطعوا عن الدليل وعجزوا عن إبراز الحجة، ولم يجدوا ما يجيبون به عما أورده عليهم، بل لجؤوا إلى ما يلجأ إليه أهل الجهل والبلادة، وهو الاحتجاج بما كان عليه آباؤهم من الكفر، وضموا إلى ذلك ما هو غرضهم وغاية مطلبهم وسبب مكابرتهم للحق وجحودهم للآيات البينة وهو الرياسة الدنيوية التي خافوا عليها وظنوا أنها ستذهب عنهم إن آمنوا. وكم بقي على الباطل وهو يعلم أنه باطل بهذه الذريعة من طوائف هذا العالم في سابق الدهر ولاحقه، فمنهم من حبسه ذلك عن الخروج من الكفر، ومنهم من حبسه عن الخروج إلى السنة من البدعة وإلى الرواية الصحيحة من الرأي البحت. قال أبو السعود: استئناف بياني مسوق لبيان أنه عليه السلام ألقمهم الحجر فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلق بكلامه صلى الله عليه وسلم فضلاً عن الجواب الصحيح، واضطروا إلى التشبث بذيل التقليد الذي هو دأب كل عاجز محجوج وديدن كل عاند لدود. انتهى. واللفت والفتل أخوان وكلاهما من باب ضرب، يقال لفته لفتاً إذا صرفه عن الشيء ولواه عنه، وفي السمين: اللفت الليَّ والصرف، يقال لفته عن رأيه إذا صرفه، ولواه عنه إلى ذات اليمين أو الشمال. وقال الأزهري: لفت الشيء وفتله لواه وهذا من المقلوب. قلت ولا يدعي فيه قلب حتى يرجح أحد اللفظين في الاستعمال على الآخر. أي تريد أن تصرفنا عن الشيء الذي وجدنا عليه آباءنا وهو عبادة الأصنام. (وتكون لكما) أي لموسى وهارون (الكبرياء) مصدر على وزن فعلياء ومعناها العظمة والملك والسلطان (في الأرض) أي مصر، وفيه خمسة أوجه جوزها أبو البقاء. " أحدها " أن يكون متعلقاً بنفس الكبرياء " الثاني " أن يتعلق بنفس تكون " الثالث " أن يتعلق بالاستقرار في لكما لوقوعه خبراً " الرابع " أن يكون حالاً من الكبرياء " الخامس " أن يكون حالاً من الضمير في لكما لتحمله إياه. قال الزجاج: سمي الملك كبرياء لأنه أكبر ما يطلب من أمور الدنيا، وقيل سمي بذلك لأن الملك يتكبر، والحاصل أنهم عللوا عدم قبولهم دعوة موسى بأمرين: التمسك بالتقليد للآباء والحرص على الرياسة الدنيوية، لأنهم إذا أجابوا النبي وصدقوه صارت مقاليد أمر أمته إليه، ولم يبق للملك رياسة تامة لأن التدبير للناس بالدين يرفع تدبير الملوك لهم بالسياسات والعادات. ثم قالوا (وما نحن لكما بمؤمنين) تصريحاً منهم بالتكذيب وقطعاً للطمع في إيمانهم، وقد أفردوا الخطاب لموسى في قولهم أجئتنا لتلفتنا ثم جمعوا بينه وبين هارون في الخطابين الأخيرين، ووجه ذلك أنهم أسندوا المجيء والصرف عن طريق آبائهم إلى موسى لكونه المقصود بالرسالة المبلغ عن الله ما شرعه لهم، وجمعوا بينهما في الضميرين الآخرين لأن الكبرياء شامل لهما في زعمهم، ولكن ترك الإيمان بموسى يستلزم ترك الإيمان بهارون، وقد مرت القصة في الأعراف.

يونس 10:79

(وقال فرعون) لما رأى اليد البيضاء والعصا (ائتوني بكل ساحر عليم) لأنه اعتقد أنهما من السحرة فأمر قومه بأن يأتوا بكل ساحر، أراد أن يعارض معجزة موسى بأنواع من التلبيس ليظهر أن ما أتى به موسى سحر، وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف، وقرئ " سحَّار " على صيغة المبالغة أي كثير السحر كثير العلم بعمله وأنواعه.

يونس 10:80

(فلما جاء السحرة) في الكلام حذف أي فأتوا بهم إليه، فلما جاء السحرة (قال لهم موسى) بعد أن قالوا له اما أن تلقى وإما أن نكون نحن الملقين (ألقوا ما أنتم ملقون) أي اطرحوا على الأرض ما معكم من حبالكم وعصيكم ليظهر الحق ويبطل الباطل ويتبين أن ما أتوا به فاسد زاهق. فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81) وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82)

يونس 10:81

(فلما ألقوا) ما ألقوه من ذلك الحبال والعمى (قال) لهم (موسى ما جئتم به) ما موصولة مبتدأ و (السحر) خبره، والمعنى أنه سحر لا أنه آية من آيات الله كما سماه فرعون وقومه أو هو من جنس السحر، يريهم أن حاله بين لا يعبأ به كأنه قال: ما جئتم به مما لا ينبغي أن يجاء به، وقرىء السحر على الاستفهام فما استفهامية أي شيء جئتم به أهو السحر الذي يعرف حاله كل أحد، ولا يتصدى له عاقل، وقرئ ما جئتم به سحر، وقرئ ما أتيتم به سحر، ودلالتهما على المعنى الثاني في القراءة المشهورة أظهر، وأجاز الفراء وغيره نصب السحر بجئتم وما شرطية والجزاء: (إن الله سيبطله) على تقدير الفاء أي سيمحقه بالكلية ويهلكه فيصير باطلاً بما يظهره على يديَّ من الآيات والمعجزة فلا يبقى له أثر والسين للتأكيد: (إن الله لا يصلح عمل المفسدين) أي عمل هذا الجنس فيشمل كل من يصدق عليه أنه مفسد، ويدخل فيه السحر والسحرة دخولاً أولياً، والجملة تعليل لما قبلها أو عملكم فيكون من باب وضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعار بعلة الحكم.

يونس 10:82

(ويحق الله الحق) أي يبينه ويوضحه (بكلماته) التي أنزلها في كتبه على أنبيائه لاشتمالها على الحجج والبراهين أو بوعده الصادق لموسى أنه يظهره أو بما سبق من قضائه وقدره لموسى أنه يغلب السحرة، أو بأوامره وأحكامه، والأول أولى. (ولو كره المجرمون) من آل فرعون أو المجرمون على العموم ويدخل تحتهم آل فرعون دخولاً أوليا والإجرام الآثام.

يونس 10:83

فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83) (فما آمن لموسى إلا ذرية) اسم يقع على القليل من القوم، وقيل المراد به التصغير وقلة العدد (من قومه) أي من قوم موسى، وهم طائفة من ذراري بني إسرائيل، وقيل المراد طائفة من ذراري فرعون فيكون الضمير عائداً على فرعون. قيل ومنهم مؤمن آل فرعون وامرأته وماشطة ابنته وامرأة خازنه. وقيل هم قوم آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرائيل. روي هذا عن الفراء، كما يقال لأولاد فارس الذين نقلوا إلى اليمن الأبناء لأن أمهاتهم من غير جنس الآباء. (على) أي مع (خوف من فرعون وملئهم) الضمير لفرعون وجمع لأنه لما كان جباراً جمعوا ضميره تعظيماً له. وقيل أن قوم فرعون سموا فرعون مثل ثمود فرجع الضمير إليهم بهذا الاعتبار، وقيل أنه عائد على مضاف محذوف أي على خوف من آل فرعون روي هذا عن الفراء ومنعه الخليل وسيبويه، وروي عن الأخفش أن الضمير يعود على الذرية وقواه النحاس. (أن يفتنهم) أي يصرفهم عن دينهم بالعذاب الذي كان ينزله بهم وهو بدل اشتمال أو مفعول للمصدر أو مفعول له بعد حذف اللام والضمير عائد لفرعون وأفرد، ولم يقل أن يفتنوهم أي فرعون والملأ للدلالة على أن الخوف من الملأ كان بسبب فرعون وتجبره من حيث استعانتهم به. (وإن فرعون لعال في الأرض) أي عات متكبر متغلب على أرض مصر اعتراض تذييلي مؤكد لمضمون ما سبق (وإنه لمن المسرفين) المجاوزين للحد في الكفر وما يفعله من القتل والصلب وتنويع العقوبات أو لأنه كان عبداً فادعى الربوبية. وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86)

يونس 10:84

(وقال موسى يا قوم) تطميناً لقلوبهم وإزالة للخوف عنهم، وسماهم قومه من حيث إيمانهم به وإلا فهم من قوم فرعون أو المراد به بنو إسرائيل أو مطلق من آمن به ولو من القبط (إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين) قيل أن هذا من باب التكرير للشرط فشرط في التوكل على الله الإيمان به والإسلام أي الاستسلام لقضائه وقدره، وبه قال الكرخي. وقيل أن هذا ليس من تعليق الحكم بشرطين بل المعلق بالإيمان هو وجوب التوكل والمشروط بالإسلام حصوله ووجوده فإنه لا يوجد مع التخليط، والمعنى أن يسلموا أنفسهم لله أي يجعلوها له سالمة خالصة لا حظ للشيطان فيها لأن التوكل لا يكون مع التخليط، قال الكازروني: المعنى إن كنتم آمنتم وجب عليكم التوكل وإن كنتم مسلمين توكلتم عليه.

يونس 10:85

(فقالوا) أي قوم موسى مجيبين له (على الله توكلنا) أي اعتمدنا لا على غيره ثم دعوا الله مخلصين فقالوا (ربنا لا تجعلنا فتنة) أي موضع فتنة (للقوم الظالمين) والمعنى لا تسلطهم علينا فيعذبونا حتى يفتنونا عن ديننا، قاله مجاهد أو لا تجعلنا فتنة لهم يفتنون بنا غيرنا فيقولون لهم لو كان هؤلاء على حق لما سلطنا عليهم وعذبناهم، قاله مجاهد أيضاً وعلى المعنى الأول تكون الفتنة بمعنى المفتون. ولما قدموا التضرع إلى الله سبحانه أن يصون دينهم عن الفساد أتبعوه بسؤال عصمة أنفسهم فقالوا:

يونس 10:86

(ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) أي من أيديهم، وفي هذا دليل على أنه كان لهم اهتمام بأمر الدين فوق اهتمامهم بسلامة أنفسهم. وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87) وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88)

يونس 10:87

(وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبَوءا لقومكما بمصر بيوتاً) قيل هي الإسكندرية، وقيل هي مصر المعروفة لا الإسكندرية، وأن هي المفسرة لأن في الإيحاء معنى القول أي اتخذوا لقومكما يقال بوأت زيداً مكاناً وبوأت لزيد مكاناً، والمبوأ المنزل الملزوم، ومنه بَوَّأَهُ الله منزلاً أي ألزمه إياه وأسكنه فيه، ومنه حديث " من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " [[مسلم 3 - البخاري 94.]] والتبوء النزول والرجوع؛ واللام زائدة أي بوآ قومكما، وقيل غير زائدة. (واجعلوا بيوتكم قبلة) أي متوجهة إلى جهة القبلة، قال قتادة: ذلك حين منعهم فرعون الصلاة فأمروا أن يجعلوا مساجدهم في بيوتهم وأن يوجهوها نحو القبلة، وعن مجاهد قال: كانوا لا يصلون إلا في البيع حتى خافوا من آل فرعون فأمروا أن يصلوا في بيوتهم، وعن ابن عباس نحوه، وقيل المراد بالبيوت هنا المساجد، وإليه ذهب جماعة من السلف، وقيل التي يسكنون فيها أمروا بأن يجعلوها مقابلة بعضها بعضاً. والمراد بالقبلة على القول الأول هي جهة بيت المقدس وهو قبلة اليهود إلى اليوم، وقيل جهة الكعبة وأنها كانت قبلة موسى ومن معه، قال أبو سنان: إن آدم فمن بعده كانوا يصلون قبل الكعبة، وظاهر القرآن لا يدل على تعيينها، وقيل أنهم يجعلون بيوتهم مستقبلة للقبلة ليصلوا فيها سراً لئلا يصيبهم من الكفار معرة بسبب الصلاة. ومما يؤيد هذا قوله (وأقيموا الصلاة) أي التي أمركم الله بإقامتها فإنه يفيد أن القبله هي قبلة الصلاة إما في الساجد أو في البيوت لا جعل البيوت متقابلة وقيل أمر الله موسى وهارون وقومهما باتخاذ الساجد على رغم الأعداء وتكفل بأن يصونهم عن شر الأعداء، ذكره الخطيب، وإنما جعل الخطاب في أول الكلام مع موسى وهارون ثم جعله لهما ولقومهما في قوله (واجعلوا) و (أقيموا) ثم أفرد موسى بالخطاب بعد ذلك فقال (وبشر المؤمنين) أي بالنصر والجنة لأن اختيار المكان مفوض إلى الأنبياء، ثم جعل عاماً في استقبال القبلة وإقامة الصلاة لأن ذلك واجب على الجميع لا يختص بالأنبياء ثم جعل خاصاً بموسى لأنه الأصل في الرسالة وهارون تابع له فكان ذلك تعظيماً للبشارة وللمبشر بها. وقيل أن الخطاب في (وبشر المؤمنين) لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم على طريقة الالتفات والاعتراض والأول أولى.

يونس 10:88

(و) لما بالغ موسى عليه السلام في إظهار المعجزات وإقامة الحجج البينات ولم يكن لذلك تأثير فيمن أرسل إليهم، دعا عليهم بعد أن بين سبب إصرارهم على الكفر وتمسكهم بالجحود والعناد (قال موسى) مبيناً للسبب أولاً (ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالاً في الحياة الدنيا) قد تقدم أن الملأ هم الأشراف، والزينة اسم لكل ما يتزين به من ملبوس ومركوب وحلية وفراش وسلاح وغير ذلك، والمال ما زاد على هذه الأشياء من الصامت ونحوه. ثم كرر النداء للتأكيد فقال (ربنا ليضلوا عن سبيلك) قال الخليل وسيبويه: أنها لام العاقبة والصيرورة، والمعنى أنه لما كان عاقبة أمرهم الضلال صار كأنه سبحانه أعطاهم ما أعطاهم من النعم ليضلوا، وقيل أنها لام كي؛ قاله الفراء: أي أعطيتهم لكي يضلوا، وقال قوم أن المعنى أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا فحذفت لا، كما قال سبحانه (يبين الله لكم أن تضلوا). قال النحاس: ظاهر هذا الجواب حسن إلا أن العرب لا تحذف لا إلا مع أن فموَّه صاحب هذا التأويل بالاستدلال بقوله تعالى المتقدم، وقيل اللام للدعاء عليهم، والمعنى إِبتلهِمْ بالهلاك عن سبيلك، قاله ابن الأنباري واستدل بقوله سبحانه بعد هذا (اطمس) و (اشدد) وإليه ذهب الحسن البصري، وقيل أنها لام العلة والمعنى إنك آتيتهم ما آتيتهم على سبيل الاستدراج فكان الإيتاء لهذه العلة. وقد أطال صاحب الكشاف في تقرير هذا بما لا طائل تحته، والقول الأول هو الأولى، وقرئ ليضلوا بضم الياء أي يوقعوا الإضلال على غيرهم، وقرأ الباقون بالفتح أي يضلون في أنفسهم. (ربنا اطمس على أموالهم) أي امسخها وأزل صورها، قال الزجاج: طمس الشيء إذهابه عن صورته وإزالة أثر الشيء بالمحو. قال مجاهد: أهلكها، وقال أكثر المفسرين أمسخها وغيرها عن هيئاتها، والمعنى الدعاء عليهم بأن يمحق الله أموالهم ويهلكها. وقرئ بضم الميم من (اطمُس) وقد روي عن قتادة أن أموالهم وحروثهم وزروعهم وجواهرهم ودراهمهم ودنانيرهم تحولت حجارة منقوشة كهيئتها صحاحاً وأنصافاً وأثلاثاً. قيل أن عمر بن عبد العزيز دعا بخريطة فيها شيء من بقايا آل فرعون فأخرج منها البيضة منقوشة والجوزة مشقوقة وهي حجارة. قال السدي: مسخ الله أموالهم حجارة والنخل والثمار والدقيق والأطعمة، وقال القرظي: صارت صورهم حجارة، وفيه ضعف لأن موسى دعا على أموالهم ولم يدع على أنفسهم بالمسخ، وهذا الطمس هو أحد الآيات التسع التي أوتيها موسى عليه السلام. (واشدد على قلوبهم) أي اربط عليها واجعلها قاسية مطبوعة حتى لا تقبل الحق ولا تنشرح للإيمان ولا تلين، قال الواحدي: وهذا دليل على أن الله تعالى يفعل ذلك لمن يشاء، ولولا ذلك لما جسر موسى على هذا السؤال. (فلا يؤمنوا) أي آتيتهم النعم ليضلوا ولا يؤمنوا، قاله المبرد والزجاج، وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة: هو دعاء بلفظ النهي والتقدير، اللهم فلا يؤمنوا. وقال الأخفش: أنه جواب الأمر أي اطمس واشدد فلا يؤمنوا (حتى يروا العذاب الأليم) أي فلا يحصل منهم الإيمان إلا مع المعاينة لما يعذبهم الله به وعند ذلك لا ينفع إيمانهم، قال ابن عباس العذاب هو الغرق. وقد استشكل بعض أهل العلم ما في هذه الآية من الدعاء على هؤلاء وقال: إن الرسل إنما تطلب هداية قومهم وإيمانهم، وأجيب بأنه لا يجوز لنبي أن يدعو على قومه إلا بإذن الله سبحانه، وإنما يأذن الله بذلك لعلمه بأنه ليس فيهم من يؤمن، ولهذا لما أعلم الله نوحاً عليه السلام بأنه لن يؤمن من قومه إلا من قد آمن قال: (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً). قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)

يونس 10:89

(قال) الله تعالى (قد أجيبت دعوتكما) جعل الدعوة هاهنا مضافة إلى موسى وهارون، وفيما تقدم أضافها إلى موسى وحده، فقيل إن هارون كان يؤمِّن على دعاء موسى فسمى هاهنا داعياً وإن كان الداعي موسى وحده، ففي أول الكلام أضاف الدعاء إلى موسى لكونه الداعي، وهاهنا أضافه إليهما تنزيلاً للمؤمن منزلة الداعي. ويجوز أن يكونا جميعاً داعيين، ولكن أضاف الدعاء إلى موسى في أول الكلام لإصالته في الرسالة. قال النحاس: سمعت علي بن سليمان يقول: الدليل على أن الدعاء لهما قول موسى ربنا ولم يقل رب، وقرئ دعاؤكما ودعواكما. قال ابن عباس: فاستجاب له وحال بين فرعون وبين الإيمان، ويزعمون أن فرعون مكث بعد هذه الدعوة أربعين سنة لحكمة يعلمها هو، وعن ابن جريج ومجاهد نحوه (فاستقيما) أي امضيا لأمري ودوما على الاستقامة، قاله ابن عباس، والاستقامة الثبات على ما هما عليه من الدعاء إلى الله. قال الفراء وغيره: أمرا بالاستقامة على أمرهما والثبات عليه وعلى دعاء فرعون وقومه إلى الإيمان إلى أن يأتيهما تأويل الإجابة أربعين سنة ثم أهلكوا، وقيل معنى الاستقامة ترك الاستعجال ولزوم السكينة والرضاء والتسليم لما يقضي الله به سبحانه. (ولا تتبعان) قرئ بتشديد النون للتأكيد وبتخفيفها على النفي لا على النهي أو أنه نفي في معنى النهي أي لا تسلكا (سبيل الذين لا يعلمون) حكمة تأخير المطلوب، نهاهما عن سلوك طريقة من لا يعلم بعبادة الله سبحانه في إجراء الأمور على ما تقتضيه المصالح تعجيلاً وتأجيلاً، وقيل أنه خبر محض مستأنف لا تعلق له بما قبله، والمعنى أنهما أخبرا بأنهما لا يتبعان، وأما تشديد التاء وتخفيفها فلغتان من أتبع يتبع، وتبع يتبع وهما بمعنى واحد، يقال تبعه أي مشى خلفه واتبعه كذلك إلا أنه حاذاه في المشي واتبعه لحقه. قال الرازي: وهذا النهي لا يدل على أن ذلك قد صدر من موسى وهارون كما أن قوله (لئن أشركت ليحبطن عملك) لا يدل على صدور الشرك منه.

يونس 10:90

(وجاوزنا ببني إسرائيل البحر) هو من جاوز المكان إذا خلفه وتخطاه، والباء للتعدية أي جعلناهم مجاوزين البحر حتى بلغوا الشط، لأن الله سبحانه جعل البحر يبساً فمروا فيه حتى خرجوا منه إلى البر، والمراد بحر القلزم وهو بحر السويس وكانوا ستمائة ألف، قاله الخطيب. وفي الخازن قال أهل التفسير: اجتمع يعقوب وبنوه إلى يوسف وهم اثنان وتسعون وخرج بنوه مع موسى من مصر في الوقت المعلوم وهم ستمائة ألف، وقد تقدم تفسير هذا في سورة البقرة في قوله سبحانه (وإذ فرقنا بكم البحر) وقرأ الحسن وجوزنا وهما لغتان والآية دليل على خلق الأفعال. (فأتبعهم فرعون وجنوده) يقال تبع وأتبع بمعنى واحد إذا لحقه. قال الأصمعي: يقال تبعه بقطع الألف إذا لحقه وأدركه، واتبعه بوصل الألف إذا اتبع أثره أدركه أو لم يدركه، وكذا قال أبو زيد، وقال أبو عمرو: اتبعه بالوصل اقتدى به، وفي المختار تبعه من باب طرب إذا مشى خلفه أو مر به فمضى معه، وكذا اتبعه وهو افتعل، واتبعه على افعل إذا كان قد سبقه فلحقه؛ وقال الأخفش: تبعه وأتبعه بمعنى مثل ردفه وأردفه. (بغياً) ظلماً (وعدوا) اعتداء، أي لأجلهما أو باغين معتدين، وقرأ الحسن عدواً بضم العين والدال وتشديد الواو، وقيل أن البغي الاستعلاء في القول بغير حق، والعدو في الفعل، قال عكرمة: العدو والعتو والعلو في كتاب الله التجبر. (حتى إذا أدركه الغرق) أي ناله ووصله وألجمه غاية لاتباعه، وذلك أن موسى خرج ببني إسرائيل على حين غفلة من فرعون، فلما سمع فرعون بذلك لحقهم بجنوده ففرق الله البحر لموسى وبني إسرائيل فمشوا فيه حتى خرجوا من الجانب الآخر، وتبعهم فرعون والبحر باق على الحالة التي كان عليها عند مضي موسى ومن معه، فلما تكامل دخول جنود فرعون وكادوا أن يخرجوا من الجانب الآخر انطبق عليهم فغرقوا كما حكى الله سبحانه ذلك. (قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل) أي صدقت، ولم ينفعه هذا الإيمان لأنه وقع منه بعد إدراك الغرق له كما تقدم في النساء، ولم يقل اللعين آمنت بالله أو برب العالمين، بل قال ما تقدم لأنه بقي فيه عرق من دعوى الإلهية (وأنا من المسلمين) أي المستسلمين لأمر الله المنقادين له الذين يوحدونه وينفون ما سواه. فإن قيل إنه آمن ثلاث مرات كما في هذه الآية فما السبب في عدم القبول؟. قيل إنه آمن عند نزول العذاب، والإيمان والتوبة عنده غير مقبول، ويدل عليه قوله تعالى: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) وأن الإيمان إنما يتم بالإقرار بالتوحيد والنبوة، وفرعون لم يقر بالنبوة فلم يصح إيمانه، وقيل غير ذلك، ذكره الخطيب. أخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أغرق الله فرعون فقال: آمنت. الآية. قال جبريل: يا محمد لو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة " [[الإمام أحمد 1/ 245.]] والمعنى دس جبريل في فيه بأمر الله فلا اعتراض عليه. وقد روى هذا الحديث الترمذي من غير وجه وقال صحيح حسن غريب، وصححه أيضا الحاكم عن ابن عباس من طرق أخرى وإسناده على شرط البخاري، وليس في رواتهما متهم وإن كان فيهم من هو سيء الحفظ فقد تابعه عليه غيره. وقد أطال الخازن في جواب ما اعترض به الرازي وأشكله في هذا الحديث بما يطول ذكره. وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال لي جبريل: ما كان على الأرض -يعني أبغض إليّ- من فرعون فلما آمن جعلت أحشو فاه حمأة وأنا أعطه خشية أن تدركه الرحمة. وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر مرفوعاً نحوه، وأبو الشيخ عن أبي أمامة نحوه أيضاً، وفي إسناد حديث أبي هريرة رجل مجهول وباقي رجاله ثقات. والعجب كل العجب ممن لا علم له بفن الرواية من المفسرين، ولا يكاد يميز بين أصح الصحيح من الحديث وأكذب الكذب منه، كيف يتجارى على الكلام في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، والحكم ببطلان ما صح منها؛ ويرسل لسانه وقلمه بالجهل البحت، والقصور الفاضح الذي يضحك منه كل من له أدنى ممارسة بفن الحديث. فيا مسكين ما لك ولهذا الشأن الذي لست فيه في شيء، ألا تستر نفسك وتربع على ضلعك وتعرف بأنك بهذا العلم من أجهل الجاهلين، وتشتغل بما هو علمك الذي لا تجاوزه وحاصلك الذي ليس لك غيره، وهو علم اللغة وتوابعه من العلوم الآلية. ولقد صار صاحب الكشاف عفا الله عنه بسبب ما يتعرض له في تفسيره من علم الحديث الذي ليس هو منه في ورد ولا صدر سخرة للساخرين، وعبرة للمعتبرين، فتارة يروي في كتابه الموضوعات وهو لا يدري أنه منها، وتارة يتعرض لرد ما صح ويجزم بأنه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم والبهت عليه، وقد يكون في الصحيحين وغيرهما مما يلتحق بهما من رواية جماعة من الصحابة بأسانيد كلها أئمة ثقات حجج إثبات. وأدنى نصيب من عقل يحجر صاحبه عن التكلم في علم لا يعلمه ولا يدري به أقل دراية، وإن كان ذلك العلم من علوم الاصطلاح التي يتواضع عليها طائفة من الناس، ويصطلحون على أمور فيما بينهم، فما بالك بعلم السنة الذي هو قسم كتاب الله، وقائله رسول الله صلى الله عليه وسلم وراويه عنه خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وكل حرف من حروفه وكلمة من كلماته يثبت بها شرع عام لجميع أهل الإسلام.

يونس 10:91

(آلآن) أي فقيل له أتؤمن من الآن، وقد اختلف من القائل لفرعون بهذه المقالة، فقيل هي من قول الله سبحانه، وقيل من قول جبريل، وقيل من قول ميكائيل وقيل من قول فرعون قال ذلك في نفسه لنفسه، والمعنى إنكار الإيمان منه عند أن ألجمه الغرق، والمقصود التقريع والتوبيخ له، قال ابن عباس: لم يقبل الله إيمانه عند نزول العذاب به وقد كان في مهل، والإيمان والتوبة عند اليأس لا يقبل (وقد عصيت قبل) تأكيد لهذا المقصود، والجملة حالية أي وقد أيست من نفسك ولم يبق لك اختيار، والإيمان في هذه الحالة لا يفيد، يعني آلآن تتوب وقد ضيعت التوبة في وقتها وآثرت دنياك الفانية على الآحمرة الباقية (وكنت من المفسدين) في الأرض بضلالك عن الحق وإضلالك لغيرك. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)

يونس 10:92

(فاليوم ننجيك) أي نخرجك من البحر ونلقيك على الشط، وذلك أن بني إسرائيل لم يصدقوا أن فرعون غرق وقالوا هو أعظم شأناً من ذلك فألقاه الله على نجوة من الأرض أي مكان مرتفع حتى شاهدوه أحمر قصيراً كأنه ثور، ثم أعاده إلى البحر ثانياً، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتاً أبداً، قاله الخازن، وقيل المعنى نخرجك مما وقع فيه قومك من الرسوب في قعر البحر ونجعلك طافياً ليشاهدوك ميتاً بالغرق، وقرئ بالحاء المهملة من التنحية، أي نطرحك على ناحية من الأرض. وقد اختلف المفسرون في معنى (ببدنك) فقيل معناه بجسدك بعد سلب الروح منه لا كما هو مطلوبك فهو تخييب له وحسم لطمعه، والباء للمصاحبة، وقيل معناه بدرعك والدرع تسمى بدناً، والأبدان الدروع، قاله أبو عبيدة، ورجح الأخفش الأول. وقرأ أبو حنيفة رحمه الله بأبدانك وهو مثل قولهم هو بأجرامه أي ببدنك كله وافياً بأجزائه، وقيل عرياناً لا شيء عليه، وقيل الباء سببية لأن بدنه سبب في تنجيته. (لتكون لمن خلفك آية) هذا تعليل لتنجيته ببدنه، وفي ذلك دليل على أنه لم يظهر جسده دون قومه إلا لهذه العلّة لا سوى، والمراد بالآية العلامة، أي لتكون علامة يعرفون بها هلاكك وإنك لست كما تدعي ويندفع عنهم الشك في كونك قد صرت ميتاً بالغرق. وقيل المراد ليكون طرحك على الساحل وحدك دون المغرقين من قومك آية من آيات الله يعتبر بها الناس أو يعتبر بها من سيأتي من الأمم إذا سمعوا ذلك حتى يحذروا من التكبر والتجبّر والتمرد على الله سبحانه فإن هذا الذي بلغ إلى ما بلغ إليه من دعوى الإلهية واستمر على ذلك دهراً طويلاً كانت له هذه العاقبة القبيحة. وقرئ لمن خلفك على صيغة الماضي، أي لمن يأتي بعدك من القرون أو من خلفك في الرياسة أو في السكون في المسكن الذي كنت تسكنه، وهذا آخر مقول جبريل عليه السلام. (وإن كثيراً من الناس عن آياتنا) التي توجب الاعتبار والتفكر وتوقظ من سنة الغفلة (لغافلون) عما توجبه تلك الآيات، وهذه الجملة تذييلية جيء بها عقب الحكاية تقرير الكلام المحكى.

يونس 10:93

(ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق) هذا من جملة ما عدده الله سبحانه من النعم التي أنعمها عليهم، ومعنى بوأنا أسكنا يقال بوأت زيداً منزلاً أسكنته فيه، والمبوأ اسم مكان أو مصدر، وإضافته إلى الصدق على ما جرت عليه قاعدة العرب فإنهم كانوا إذا مدحوا شيئاً أضافوه إلى الصدق، والمراد به هنا المنزل المحمود الصالح المختار المرضي، قيل هو أرض مصر، قاله الضحاك، وقيل جميع ما كان تحت أيدي فرعون وقومه من ناطق وصامت وزرع وغيره، وقيل الأردن وفلسطين، وقيل الشام قاله قتادة، وقيل بيت المقدس لأنها بلاد الخصب والخير والبركة. (ورزقناهم من الطيبات) أي المستلذات من الرزق (فما اختلفوا) في أمر دينهم وتشعبوا فيه شعباً بعدما كانوا على طريقة واحدة غير مختلفة (حتى جاءهم العلم) أي لم يقم منهم هذا الاختلاف في الدين إلا بعد ما جاءهم العلم بقراءتهم التوراة وعلمهم بأحكامها وما اشتملت عليه من الأخبار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل العلم هو القرآن المنزل على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فاختلفوا فيه وفي صفته وآمن به من آمن منهم، وكفر به من كفر، قال ابن زيد: يعني كتاب الله الذي أنزله وأمره الذي أمرهم به، وإنما سمي القرآن علماً لأنه سبب العلم، فيكون المراد بالمختلفين على القول الأول هم اليهود بعد أن أنزلت عليهم التوراة وعلموا بها، وعلى القول الثاني هم اليهود المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد روي في الحديث أن اليهود اختلفوا على إحدى وسبعين فرقة وأن النصارى اختلفوا على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة [[الإمام أحمد، 2/ 332 نحوه. وقد ألف العلماء الكثير من الكتب حول ماهية هذه الفرق وبعضهم كتب وعَدَّ الفرق الضالة، انظر مثلاً كتاب (الفَرْقُ بين الفِرقْ) للبغدادي.]] وهو في السنن والمسانيد، والكلام فيه يطول. (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) من أمر الدين بإنجاء المؤمنين وتعذيب الكافرين فيجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته، والحق بعمله بالحق، والمبطل بعمله بالباطل. فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95)

يونس 10:94

(فإن كنت) يا محمد (في شك) هو في أصل اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض، ومنه شك الجوهر في العقد والشاك كأنه يضم إلى ما يتوهمه شيئاً آخر خلافه فيتردد ويتحير، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والمراد غيره كما ورد في القرآن في غير موضع. وعن ابن عباس قال: لم يشك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يسأل ونحوه عن سعيد بن جبير والحسن البصري وعن قتادة قال: ذكر لنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا أشك ولا أسأل وهو مرسل. (مما) أي في شك ناشئ مما (أنزلنا اليك) بأن تشك فيه، ومن للابتداء أو أنها بمعنى في من أول الأمر، قال القاضي عياض في الشفاء: احذر ثبت الله قلبك أن يخطر ببالك ما ذكره بعض المفسرين من إثبات شك النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فيما أوحى إليه فمثل هذا لا يجوز عليه اهـ. وقال ثعلب والمبرد: أي قل يا محمد للكافر فإن كنت في شك (فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك) يعني مسلمي أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأمثاله وقد كان عبدة الأوثان يعترفون لليهود بالعلم ويقرون بأنهم اعلم منهم، فأمر الله سبحانه نبيه أن يرشد الشاكين فيما أنزله الله إليه من القرآن أن يسألوا أهل الكتاب الذين قد أسلموا فإنهم سيخبرونهم بأنه كتاب الله حقا، وأن هذا رسوله وأن التوراة شاهدة بذلك ناطقة به فإن ذلك محقق عندهم ثابت في كتبهم، والمراد إظهار نبوته عليه السلام بشهادة الأخبار، وفي هذا الوجه مع حسنه مخالفة للظاهر. قال الزجاج: إن الله خاطب الرسول وهو شامل للخلق، وهذا وجه حسن أيضاً لكن فيه بعد لأن الرسول متى كان داخلاً في هذا الخطاب كان الإيراد موجوداً، والاعتراض وارداً. ْوقيل أن في قوله (فإن) للنفى أي ما أنت في شك حتى تسأل وهذا أبعد. وقال القتيبي: المراد بهذه الآية من كان من الكفار غير قاطع بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتصديقه بل كان في شك، وقيل المراد بالخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا غيره والمعنى لو كنت ممن يلحقه الشك فيما أخبرناك به فسألت أهل الكتاب لأزالوا عنك الشك، وقيل الشك هو ضيق الصدر أي إن ضاق صدرك بكفر هؤلاء فاصبر واسأل يخبرونك بصبر من قبلك من الأنبياء على أذى قومهم. وقيل معنى الآية الفرض والتقدير كأنه قال له فإن وقع لك شك مثلاً وخيل لك الشيطان خيالاً منه تقديراً، فاسأل فإنهم سخبرونك عن نبوءتك وما نزل عليك، ويعترفون بذلك لأنهم يجدونه مكتوباً عندهم، وقد زال فيمن أسلم منهم ما كان مقتضياً للكتم عندهم. (لقد) أي اقسم لقد (جاءك الحق من ربك) وفي هذا بيان ما يقلع الشك من أصله ويذهب به بجملته، وهو شهادة الله سبحانه بأن هذا الذي وقع الشك فيه على اختلاف التفاسير في الشاك هو الحق الذي لا يخالطه باطل ولا تشوبه شبهة. ثم عقبه بالنهي للنبي صلى الله عليه وسلم عن الامتراء فقال (فلا تكونن من الممترين) فيما أنزل الله عليه بل تستمر على ما أنت عليه من اليقين وانتفاء الشك، ويمكن أن يكون هذا النهي له تعريضاً لغيره كما في مواطن من الكتاب العزيز، وهكذا القول في نهيه صلى الله عليه وسلم عن التكذيب في قوله تعالى

يونس 10:95

(ولا تكونن من الذين كذبوا بآيات الله) فإن الظاهر فيه التعريض إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) ولا سيما بعد تعقيبه بقوله (فتكون من الخاسرين) وفي هذا التعريض من الزجر للممترين والمكذبين ما هو أبلغ وأوقع من النهي لهم أنفسهم، لأنه إذا كان ينهى عنه من لا يتصور صدوره عنه فكيف بمن يمكن منه ذلك.

يونس 10:96

(إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون) قد تقدم مثله في هذه الصورة والمعنى أنه حق عليهم قضاء الله وقدره بأنهم يصرون على الكفر ويموتون عليه، لا يقع منهم الإيمان بحال من الأحوال وإن وقع منهم ما صورته صورة الإيمان كمن يؤمن منهم عند معاينة العذاب فهو في حكم العدم، قال مجاهد: حق عليهم سخط الله بما عصوه، وقيل لعنة الله، وقيل الكلمة هي قوله " خلقت هؤلاء للنار ولا أبالي "

يونس 10:97

(ولو جاءتهم كل آية) من الآيات التكوينية والتنزيلية فإن ذلك لا ينفعهم لأن الله سبحانه قد طبع على قلوبهم وحق منه القول عليهم (حتى يروا العذاب الأليم) فيقع منهم ما صورته صورة الإيمان وليس بإيمان، ولا يترتب عليه شيء من أحكامه.

يونس 10:98

(فلولا كانت قرية آمنت) لولا هذه هي التحضيضية التي بمعنى هلا، كما قال الأخفش والكسائي وغيرهما، ويدل على ذلك ما في مصحف أبَيّ وابن مسعود (فهلا قرية) وفي هذا التحضيض معنى التوبيخ والنفي فوبخ الله أهل القرى المهلكة قبل يونس على عدم إيمانهم قبل نزول العذاب بهم، والمعنى فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها آمنت إيماناً معتداً به نافعاً وذلك بأن يكون خالصاً لله قبل معاينة عذابه ولم تؤخره كما أخره فرعون. (فنفعها إيمانها) في حال اليأس (إلا قوم يونس) استثناء منقطع من القرى لأن المراد أهلها، والمعنى لكن قوم يونس، وقد قال بأن هذا الاستثناء منقطع جماعة من الأئمة منهم الكسائي والأخفش والفراء، وقيل متصل، والجملة في معنى النفي، كأنه قيل ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس، قال ابن جرير: خص قوم يونس من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب، وحكى ذلك عن جماعة من المفسرين. وقال الزجاج: أنه لم يقع العذاب وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان، وهذا أولى من قول ابن جرير. (لما آمنوا) إيماناً معتداً به قبل معاينة العذاب حين رؤية أَماراته أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم (كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا) هو العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم يروه أو الذي قد رأوا علاماته دون عينه (ومتعناهم إلى حين) أي بعد كشف العذاب عنهم متعهم الله في الدنيا إلى حين معلوم قدره لهم أي إلى وقت انقضاء آجالهم. قال قتادة: لم يكن هذا في الأمم قبل قوم يونس لم ينفع قرية كفرت ثم آمنت حين عاينت العذاب إلا قوم يونس، وذكر لنا أن قومه كانوا بنينوى من أرض الموصل فلما فقدوا نبيهم قذف الله في قلوبهم التوبة، وبحث في ذلك الزجاج فقال: أنه لم يقع بهم العذاب وإنما رأوا علامته ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان. قال القرطبي: وهو كلام حسن فإن المعاينة التي لا ينفع معها الإيمان هي التلبس بالعذاب كقصة فرعون. وأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن يونس دعا قومه فلما أبوا أن يجيبوه وعدهم العذاب فقال: إنه يأتيكم يوم كذا وكذا ثم خرج عنهم، وكانت الأنبياء إذا وعدت قومها العذاب خرجت، فلما أظلهم العذاب خرجوا ففرقوا بين المرأة وولدها والسخلة وولدها، وخرجوا يعجون إلى الله، وعلم الله منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب وقعد يونس في الطريق يسأل عن الخبر فمر به رجل فقال: ما فعل قوم يونس؟ فحلله بما صنعوا فقال: لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم، وانطلق مغاضباً، يعني مراغماً. وعن سعيد بن جبير قال: غشي قوم يونس العذاب كما يغشى القبر، بالثوب إذا دخل فيه صاحبه ومطرت السماء دماً. وعن ابن عباس: إن العذاب كان هبط على قوم يونس لم يكن بينهم وبينه إلا قدر ثلثي ميل فلما دعوا كشفه الله عنهم، وقال قتادة: قدر ميل. وقال وهب: غامت السماء غيماً أسود هائلاً يدخن دخاناً شديداً، فهبط حتى غشى مدينتهم واسودت أسطحتهم فتابوا وأخلصوا النية فرحمهم ربهم وكشف ما نزل بهم من العذاب بعدما أظلهم، وكان ذلك اليوم يوم عاشوراء، وكان يوم الجمعة، قيل أنهم قالوا: يا حي حين لا حي، ويا حي يحيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت. وقيل قالوا: اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلَّت وأنت أعظم وأجل، فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله، قاله الفضيل بن عياض، والله أعلم ما قالوه. ثم بيّن سبحانه إن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره فقال

يونس 10:99

(ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم) بحيث لا يخرج عنهم أحد (جميعاً) مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون فيه ويختلفون، ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفاً للمصلحة التي أرادها الله سبحانه. قال الأخفش: جاء بقوله جميعاً بعد كلهم للتأكيد كقوله (لا تتخذوا إلهين اثنين) وقيل أتى به مع إن كُلاًّ منهما يفيد الإحاطة والشمول للدلالة على أن وجود الإيمان منهم بصفة الاجتماع الذي لا يدل عليه كلهم، ذكره الكرخي. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على إيمان جميع الناس أخبره الله بأن ذلك لا يكون لأن مشيئته الجارية على الحكمة البالغة والمصالح الراجحة لا تقتضي ذلك فقال (أفأنت تكره الناس) استفهام تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم أي أتكرههم بما لم يشأه الله منهم. (حتى يكونوا مؤمنين) فإن ذلك ليس في وسعك يا محمد ولا داخل تحت قدرتك، وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وسلم ودفع لما يضيق به صدره من طلب صلاح الكل الذي لو كان لم يكن صلاحاً محققاً بل يكون إلى الفساد أقرب، ولله الحكمة البالغة وإيلاء الاسم حرف الاستفهام للإعلام بأن الإكراه ممكن مقدور عليه، وإنما الشأن في المكره من هو وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه لأنه هو القادر على أن يخلق في قلوبهم ما يضطرون عنده إلى الإيمان وذلك غير مستطاع للبشر. وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) ثم بيّن سبحانه ما تقدم بقوله

يونس 10:100

(وما كان) أي ما صحّ وما استقام (لنفس) من الأنفس (أن تؤمن إلا بإذن الله) أي بتسهيله وتيسيره ومشيئته لذلك فلا يقع غير ما يشاؤه كائناً ما كان (ويجعل الرجس) بكسر الراء وضمنها لغتان، أي العذاب أو السخط أو الكفر أو الخذلان الذي هو سبب العذاب، وهذا معطوف على محذوف، كأنه قيل فيأذن لبعضهم في الإيمان ويجعل الخ، والمضارع في المعطوف والمعطوف عليه بمعنى الماضي. والمراد بقوله (على الذين لا يعقلون) هم الكفار الذين لا يتعقلون حجج الله ولا يتفكرون في آياته ولا يتدبرون فيما نصبه لهم من الأدلة.

يونس 10:101

(قل انظروا) بضم اللام وكسرها سبعيتان (ماذا في السماوات والأرض) لما بين سبحانه أن الإيمان لا يحصل إلا بمشيئة الله أمر بالنظر والاستدلال بالدلائل السماوية والأرضية، والمراد بالنظر التفكر والاعتبار، أي قل يا محمد للكفار تفكروا واعتبروا بما فيهما من المصنوعات الدالة على الصانع ووحدته وكمال قدرته. ثم ذكر سبحانه أن التفكر والتدبر في هذه الدلائل لا ينفع في حق من استحكمت شقاوته فقال (وما تغني) أي ما تنفع على أن (ما) نافية وهذا هو الظاهر ويجوز أن تكون استفهامية أي أيُّ غنى تغني (الآيات) هي التي عبَّر عنها بقوله ماذا في السماوات والأرض، ففي الكلام إظهار في مقام الإضمار، والجملة إما حالية أو اعتراضية بنوع إيضاح (والنذر) جمع نذير وهم الرسل أو جمع إنذار وهو المصدر (عن قوم لا يؤمنون) في علم الله سبحانه، والمعنى أن من كان هكذا لا يجدى فيه شيء ولا يدفعه عن الكفر دافع.

يونس 10:102

(فهل ينتظرون إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم) أي فهل ينتظر هؤلاء الكفار المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم بتكذيبه إلا مثل وقائع الله سبحانه بالكفار الذين خلوا من قبل هؤلاء قوم نوح وعاد وثمود، فقد كان الأنبياء المتقدمون يتوعدون كفار زمانهم بأيام مشتملة على أنواع العذاب، وهم يكذبونهم ويصممون على الكفر حتى ينزل الله عليهم عذابه ويحل بهم انتقامه، والعرب تسمي العذاب أياماً والنعم أياماً، كقوله تعالى (وذكرهم بأيام الله). ثم قال: (قل) يا محمد لهؤلاء الكفار المعاصرين لك (فانتظروا) أي تربصوا لوعد ربكم (إني معكم من المنتظرين) لوعد ربي، وفي هذا تهديد شديد ووعيد بالغ بأنه سينزل بهؤلاء ما نزل بأولئك من الإهلاك.

يونس 10:103

(ثم ننجي) بالتشديد باتفاق العشرة وقرئ بالتخفيف وهما لغتان فصيحتان أنجى ينجي إنجاء، ونجى ينجي تنجية بمعنى واحد، وثم للعطف على مقدر يدل عليه ما قبله، كأنه قيل أهلكنا الأمم ثم نجينا (رسلنا) المرسلين إليهم (و) نجينا (الذين آمنوا) والتعبير بلفظ الفعل المستقبل لاستحضار صورة الحال الماضية تهويلاً لأمرها. (كذلك) صفة لمصدر محذوف أي إنجاء مثل ذلك الإنجاء، وقوله (حقاً علينا) اعتراض، أي حق ذلك علينا حقاً أي وجب وتحتم بمقتضى الفضل والكرم (ننجي) بالتخفيف والتشديد قراءتان سبعيتان (المؤمنين) من عذابنا للكفار والمراد بالمؤمنين الجنس فيدخل في ذلك الرسل واتباعهم أو يكون خاصاً بالمؤمنين وهم أتباع الرسل لأن الرسل داخلون في ذلك بالأولى، وقال السيوطي: النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه حين تعذيب المشركين لهم. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105)

يونس 10:104

(قل يا أيها الناس) أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يظهر التباين بين طريقته وطريقة المشركين مخاطباً لجميع الناس أو للكفار منهم أو لأهل مكة على الخصوص بقوله (إن كنتم في شك من ديني) الذي أنا عليه وهو عبادة الله وحده لا شريك له ولم تعلموا بحقيقته ولا عرفتم صحته، وأنه الدين الحق الذي لا دين غيره فاعلموا أني بريء من أديانكم التي أنتم عليها. (فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله) في حال من الأحوال (ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم) أي أخصه بالعبادة لا أعبد غيره من معبوداتكم من الأصنام وغيرها، وخص صفة التوفي من بين الصفات لما في ذلك من التهديد لهم، أي أعبد الله الذي يتوفاكم فيفعل بكم ما يفعل من العذاب الشديد، ولكونه يدل على الخلق أولاً وعلى الإعادة ثانياً، ولكونه أشد الأحوال مهابة في القلوب ولكونه قد تقدم ذكر الإهلاك والوقائع النازلة بالكفار من الأمم السابقة فكأنه قال أعبد الله الذي وعدني بإهلاككم. ولما ذكر أنه لا يعبد إلا الله بيَّن أنه مأمور بالإيمان فقال (وأمرت أن أكون من المؤمنين) أي بأن أكون من جنس من آمن بالله وأخلص له الدين

يونس 10:105

(وأن أقم وجهك للدين) المعنى أن الله سبحانه أمره بالاستقامة في الدين والثبات فيه وعدم التزلزل عنه بحال من الأحوال وخص الوجه لأنه أشرف الأعضاء، أو أمره باستقبال القبلة في الصلاة وعدم التحول عنها (حنيفاً) أي مائلاً عن كل دين من الأديان إلى دين الإسلام مستقيماً عليه غير معوج عنه إلى دين آخر، ثم أكد الأمر المتقدم بالنهي عن ضده فقال: (ولا تكونن من المشركين) عطف على أقم داخل تحت الأمر، وهو من باب التعريض لغيره صلى الله عليه وسلم. وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)

يونس 10:106

(ولا تدع من دون الله) على حال من الأحوال (ما لا ينفعك ولا يضرك) بشيء من النفع والضر إن دعوته، ودعاء من كان هكذا لا يجلب نفعاً ولا يقدر على ضر، ضائع لا يفعله عاقل على تقدير أنه لا يوجد من يقدر على النفع والضر غيره فكيف إذا كان موجوداً فإن العدول عن دعاء القادر إلى دعاء غير القادر أقبح وأقبح. (فإن فعلت) أي فإن دعوت ولكنه كنى عن القول بالفعل (فإنك إذاً من الظالمين) هذا جزاء الشرط، أي فإنك في عداد الظالمين لأنفسهم، والمقصود من هذا الخطاب التعريض لغيره صلى الله عليه وسلم.

يونس 10:107

(و) جملة (إن يَمْسَسْك الله بضر فلا كاشف له إلا هو) مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى أن الله سبحانه هو الضار النافع، فإن أنزل بعبده ضراً لم يستطع أحد أن يكشفه كائناً من كان بل هو المختص بكشفه كما هو اختص بإنزاله. (وإن يردك بخير) أيَّ خير كان لم يستطع أحد أن يدفعه عنك ويحول بينك وبينه كائناً من كان، هو من القلب وأصله أن يرد بك الخير، ولكن لما تعلق كل واحد منهما بالآخر جاز أن يكون كل واحد منهما مكان الآخر. قال النيسابوري: وفي تخصيص الإرادة بجانب الخير والمس بجانب الشر دليل على أن الخير يصدر عنه سبحانه بالذات والشر بالعرض. قلت: وفي هذا نظر فإن المس هو أمر وراء الإرادة فهو مستلزم لها، وقيل أن الضر إنما مسهم لا بالقصد الأول والمعنى متقارب. (فلا راد لفضله) أي لا دافع لما أرادك به من الخير ووضع الفضل موضع الضمير للدلالة على أنه متفضل بما يريد بهم من الخير لا استحقاق لهم عليه، ولم يستثن لأن مراد الله تعالى لا يمكن رده وإرادة الله قديمة لا تتغير بخلاف مس الضر فإنه صفة فعل. (يصيب به) أي بفضله أو بكل واحد من الخير والضر (من يشاء من عباده) وجملة (وهو الغفور الرحيم) تذييلية. عن عامر بن قيس قال: ثلاث آيات في كتاب الله اكتفيت بهن عن جميع الخلائق أولهن (إن يَمْسَسْك الله) الآية، والثانية (ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له) والثالثة (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) أخرجه البيهقي في الشعب، وأخرج أبو الشيخ عن الحسن نحوه. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109) ثم ختم هذه السورة بما يستدل به على قضائه وقدره فقال

يونس 10:108

(قل يا أيها الناس) لأجل أن تنقطع معذرتهم فهذا نهاية الأمر (قد جاءكم الحق من ربكم) أي القرآن أو الإسلام أو محمد صلى الله عليه وسلم (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه) أي منفعة اهتدائه مختصة به (ومن ضل فإنما يضل عليها) أي ضرر كفره مقصور عليه لا يتعداه، وليس لله حاجة في شيء من ذلك ولا غرض يعود إليه ومن في الموضعين يجوز أن تكون شرطية والفاء واجبة الدخول وأن تكون موصولة والفاء جائزته (وما أنا عليكم بوكيل) أي بحفيظ يحفظ أموركم وتوكل إليه، إنما أنا بشير ونذير. ثم أمره الله سبحانه أن يتبع ما أوحاه من الأوامر والنواهي التي شرعها الله له ولأمته فقال

يونس 10:109

(واتبع ما يوحى إليك) ثم أمره بالصبر على أذى الكفار وما يلاقيه من مشاق التبليغ وما يعانيه من تلون أخلاق المشركين وتعجرفهم فقال (واصبر) وجعل ذلك الصبر ممتداً إلى غاية هي قوله (حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين) أي يحكم الله بينه وبينهم في الدنيا بالنصر له عليهم وفي الآخرة بعذابهم بالنار وهم يشاهدونه صلى الله عليه وسلم هو وأمته المتبعون له المؤمنون به العاملون بما يأمرهم به المنتهون عما ينهاهم عنه، ينقلبون في نعيم الجنة الذي لا ينفد ولا يمكن وصفه ولا يوقف على أدنى مزاياه. وقال مجاهد: هذا منسوخ بأمره بجهادهم والغلظة عليهم وبه قال ابن عباس، قال السيوطي: وقد صبر حتى حكم على المشركين بالقتال وأهل الكتاب بالجزية اهـ؛ وأشار بهذا إلى قول مجاهد، قاله الكرخي.

هود 11:1

سورة هود عليه السلام وهي مائة وثلاث وعشرون آية، وهي مكيّة في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر ومجاهد وابن زيد، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية وهي قوله: (وأقم الصلاة طرفي النهار) وقال مقاتل: أو إلا (فلعلك تارك) الآية (وأولئك يؤمنون به) الآية. والحاصل أن المدني عند ابن عباس آية واحدة وعند مقاتل آيتان. وعن كعب قال: قال رسول الله صلى لله عليه وآله وسلم: " اقرؤا هود يوم الجمعة " [[ضعيف الجامع الصغير 1168.]]. أخرجه الدارمي وأبو داود والبيهقي وغيرهم، وعن أبي بكر الصديق قال: قلت يا رسول الله لقد أسرع إليك الشيب فقال: " شيبتني هود والواقعة والمرسلات وعم يتساءلون وإذا الشمس كورت " [[الترمذي تفسير سورة 56/ 6.]] أخرجه الطبراني والترمذي وحسنه. وعن أنس مرفوعاً وهل أتاك حديث الغاشية رواه البزار، وقد روي بطرق عن جمع من الصحابة. قال بعض العلماء: سبب شيبه من هذه السور ما فيها من ذكر القيامة والبعث والحساب والجنة والنار والله أعلم بمراد رسوله صلى الله عليه وسلم. بسم الله الرحمن الرحيم الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3) (الر) إن كان مسروداً على سبيل التعديد كما في سائر فواتح السور فلا محل له، وإن كان اسماً للسورة فهو في محل الرفع على أنه مبتدأ وما بعده خبره أو خبر مبتدأ محذوف وهو الأظهر، أو في محل النصب بتقدير فعل يناسب المقام نحو اذكر أو اقرأ. وقوله (كتاب) خبر لمبتدأ محذوف أي هذا كتاب، ويدل على ذلك قوله في آية أخرى (ذلك الكتاب) والإشارة إما إلى بعض القرآن أو إلى مجموعه. ومعنى (أحكمت آياته) صارت محكمة متقنة لا نقص فيها ولا نقض لها كالبناء المحكم المرصف، وقيل معناه أنها لم تنسخ بخلاف التوراة والإنجيل، وعلى هذا فيكون هذا الوصف للكتاب باعتبار الغالب وهو المحكم الذي لم ينسخ، وقيل معناه أحكمت آياته بالأمر والنهي، والآيات المراد بها حقيقتها وهي الجمل من السور المنفصل بعضها عن بعض أي نظمت نظماً متقناً لا يعتريه خلل بوجه من الوجوه، وقيل معنى أحكامها إن لا فساد فيها أخذاً من قولهم أحكمت الدابة إذا وضعت عليها الحكمة لتمنعها من الجماح. (ثم فصلت) بالوعد والوعيد والثواب والعقاب، وقيل أحكمها الله من الباطل ثم فصلها بالحلال والحرام، وقيل أحكمت جملته ثم فصلت آياته، وقيل جُمعت في اللوح المحفوظ ثم فُصلت بالوحي، وقيل أيدت بالحجج القاطعة الدالّة على كونها من عند الله، والتراخي المستفاد من ثم إما زماني إن فسر التفصيل بالتنجيم على حسب المصالح، وإما رتبي إن فسر بغيره مما تقدم، وإليه ذهب الزمخشري، وقال: هي محكمة أحسن الأحكام ثم مفصلة أحسن التفصيل كما يقال فلان كريم الأصل ثم كريم الفعل. (من لدن حكيم خبير) فيه طباق حسن، لأن المعنى أحكمها حكيم وفصلها خبير عالم بواقع الأمور، وقيل صفة ثانية لكتاب خبر ثان وإليه نحا الزمخشري وقيل غير ذلك

هود 11:2

(أن لا تعبدوا إلا الله) قال الكسائي والفراء: التقدير أحكمت بأن، وقال الزجاج: أحكمت ثم فصلت لئلا تعبدوا، وقيل تعليل للفعلين قبله أي لأجل إن تتركوا عبادة غير الله وتعبدوا الله فأخذ الترك من لا النافية والإثبات من الاستثناء. وقيل تقديره هي أن لا تعبدوا، وقيل أن مفسرة لما في التفصيل من معنى القول أي قال لا تعبدوا أو أمركم أن لا تعبدوا، وهذا أظهر الأقوال لأنه لا يحوج إلى إضمار، ولما ذكر شؤون الكتاب ذكر أن من جاء به مرسل من عند الله لتبليغ احكامه فقال (إنني لكم منه نذير وبشير) أي ينذرهم ويخوفهم من عذابه لمن عصاه ويبشرهم بالجنة والرضوان لمن أطاعه، والضمير في منه راجع إلى الله سبحانه أي كائن من جهة الله. وهذا على ظاهره ليس بجيد لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف فكيف تجعل صفة لنذير وكأنه يريد أنه صفة في الأصل لو تأخر، ولكن لما تقدم صار حالاً، صرح به أبو البقاء فصوابه كائناً من جهته، وقيل يعود على الكتاب أي نذير لكم من مخالفته وبشير منه لمن آمن وعمل صالحاً، وقدم الإنذار لأن التخويف أهم إذ يحصل به الانزجار، وقيل هو من كلام الله سبحانه كقوله (ويحذركم الله نفسه)

هود 11:3

(وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) قدم الإرشاد إلى الاستغفار على التوبة لكونه وسيلة إليها وقيل أن التوبة عن متممات الاستغفار وقيل معنى استغفروا توبوا، ومعنى توبوا أخلصوا التوبة واستقيموا عليها، وقيل استغفروا من سالف الذنوب ثم توبوا من لاحقها. وقيل استغفروا من الشرك ثم ارجعوا إليه بالطاعة؛ قال الفراء: ثم هاهنا بمعنى الواو أي وتوبوا إليه لأن الاستغفار هو التوبة والتوبة هي الاستغفار فذكرهما للتأكيد، وقيل إنما قدم ذكر الاستغفار لأن المغفرة هي الغرض المطلوب والتوبة هي السبب إليها، وما كان آخراً في الحصول كان أولاً في الطلب، وقيل استغفروا في الصغائر وتوبوا إليه في الكبائر. ثم رتب على ما تقدم أمرين: الأول (يمتعكم متاعاً حسناً) أصل الامتاع الإطالة ومنه امتع الله بك، فمعنى الآية يطول نفعكم في الدنيا بمنافع حسنة مرضية موسعة للرزق ورغد العيش، وقيل هو الرضاء بالميسور والصبر على المقدور (إلى أجل مسمى) إلى وقت مقدر عند الله وهو الموت، وقيل القيامة، وقيل دخول الجنة والأول أولى. والأمر الثاني قوله (ويؤت كل ذي فضل) في الطاعة والعمل (فضله) أي جزاء فضله إما في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما جميعاً، والضمير راجع إلى كل ذي فضل، وقيل راجع إلى الله سبحانه على معنى إن الله يعطي كل من فضلت حسناته الذي يتفضل به على عباده. عن ابن مسعود قال: من عمل سيئة كتبت عليه سيئة، ومن عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، فإن عوقب بالسيئة التي عملها في الدنيا بقيت له عشر حسنات وإن لم يعاقب بها في الدنيا أخذ من الحسنات العشر واحدة وبقيت له تسع حسنات ثم يقول هلك من غلب آحاده إعشاره، وقال أبو العالية من كثرت طاعاته في الدنيا زادت حسناته ودرجاته في الجنة. ثم توعدهم على مخالفة الأمر فقال (وإن تولوا) أي تعرضوا عن الإخلاص في العبادة والاستغفار والتوبة (فإني أخاف عليكم عذاب يوم كبير) هو يوم القيامة، ووصفه بالكبر لما فيه من الأهوال، وقيل اليوم الكبير يوم بدر، وقيل صفة لعذاب فهو منصوب وإنما خفض على الجوار. إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4) أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5) ثم بينَّ سبحانه عذاب اليوم الكبير بقوله

هود 11:4

(إلى الله مرجعكم) أي رجوعكم إليه بالموت ثم البعث ثم الجزاء لا إلى غيره. (وهو على كل شيء قدير) ومن ذلك عذابكم على عدم الامتثال, وهذه الجملة مقررة لما قبلها. ثم أخبر الله سبحانه بأن هذا الإنذار والتحذير والتوعد لم ينجع فيهم، ولا لانت له قلوبهم، بل هم مصرون على العناد مصممون على الكفر، فقال مصدراً لهذا الإخبار بكلمة التنبيه الدالة على التعجيب من حالهم، وأنه أمر ينبغي أن يتنبه له العقلاء ويفهموه

هود 11:5

(ألا إنهم يثنون صدورهم) يقال ثنى صدره عن الشيء إذا ازور وانحرف عنه، فيكون في الكلام كناية عن الإعراض لأن من عارض عن الشيء ثنى عنه صدره وطوى عنه كشحه. وقيل معناه يعطفون صدورهم على ما فيها من الكفر والإعراض عن الحق وعداوة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يكون ذلك مخفياً مستوراً فيها كما تعطف الثياب على ما فيها من الأشياء المستورة، فيكون في الكلام كناية عن الإخفاء لما يعتقدونه من الكف كما كان دأب المنافقين، والوجه الثاني أولى، ويؤيده قوله (ليستخفوا منه) أي من الله فلا يطلع عليه رسوله والمؤمنين أو من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم كرر كلمة التنبيه مبيناً للوقت الذي يثنون فيه صدورهم فقال (ألا حين يستغشون ثيابهم) أي يستخفون في وقت استغشاء الثياب وهو التغطي بها، وقد كانوا يقولون: إذا أغلقنا أبوابنا واستغشينا ثيابنا وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم فمن يعلم بنا. وقيل معناه يأوون إلى فراشهم ويتدثرون بثيابهم، وقيل أنه حقيقة، وذلك أن بعض الكفار كان إذا مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدره وولى ظهره واستغشى ثيابه لئلا يسمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال البخاري عن ابن عباس: يغطون رؤوسهم، وروى عنه أيضاً قال: يعني به الشك في الله وعمل السيئات، وكذا روي عن مجاهد والحسن وغيرهما، أي إنهم كانوا يثنون صدورهم إذا قالوا شيئاً أو عملوه فيظنون إنهم سيخفون من الله بذلك، فأعلمهم سبحانه أنه حين يستغشون ثيابهم عند منامهم في ظلمة الليل يعلم سرهم وعلانيتهم. وعن عبد الله بن شداد قال: كان المنافقون إذا مر أحدهم بالنبي (- صلى الله عليه وسلم -) ثنى صدره وتغشى ثوبه لكيلا يراه فنزلت، وعن الحسن قال: في ظلمة الليل في أجواف بيوتهم، وعن قتادة قال: كانوا يحنون صدورهم لكيلا يسمعوا كتاب الله. وجملة (يعلم ما يسرون وما يعلنون) مستأنفة لبيان أنه لا فائدة لهم في الاستخفاء لأن الله سبحانه يعلم ما يسرونه في أنفسهم أو في ذات بينهم وما يظهرونه فالظاهر والباطن عنده سواء والسر والجهر سيان (إنه عليم بذات الصدور) تعليل لما قبله وتقرير له، وذات الصدور هي الضمائر التي تشتمل عليها الصدور وقيل هي القلوب. والمعنى أنه عليم بجميع الضمائر أو عليم بالقلوب وأحوالها في الأسرار والإظهار فلا يخفى عليه شيء من ذلك. وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) ثم أكد كونه عالماً بكل المعلومات بما فيه غاية الامتنان ونهاية الإحسان فقال

هود 11:6

(وما من دابة) هي كل حيوان يدب على وجه الأرض، وتطلق على كل ذي أربع من الحيوان على سبيل العرف، والمراد منه الإطلاق فيدخل فيه الآدمي وغيره من جميع الحيوان، وفي المصباح دب منه الصغير يدب من باب ضرب إذا مشى ودب الجيش دبيباً أيضاً سار، ومن زائدة للتأكيد أي ما من حيوان وغيره. (في الأرض إلا على الله رزقها) أي الرزق الذي يحتاج إليه من الغذاء اللائق بالحيوان على اختلاف أنواعه تفضلاً منه وإحساناً، وإنما جيء به على طريق الوجوب كما تشعر به كلمة (على) اعتباراً بسبق الوعد به منه، وقيل أن (على) على بابها وأنه عليه من باب الفضل لا الوجوب لأنه لا يجب عليه شيء. والحاصل أن المراد بالوجوب وجوب اختيار لا وجوب إلزام، فهو موكول إلى مشيئته، إن شاء رزقها وإن شاء لم يرزقها. وقيل أن على بمعنى " من " أي من الله رزقها، أي ما يقوم به رمقها وتعيش به، قال مجاهد: ما جاءها من رزق فمن الله، وربما لم يرزقها فتموت جوعاً. ووجه اتصال هذا الكلام بما قبله إن الله سبحانه لما كان لا يغفل عن كل حيوان باعتبار ما قسمه له من الرزق، فكيف يغفل عن أحواله وأقواله وأفعاله (ويعلم مستقرها) أي محل استقرارها في الأرض أو محل قرارها في الأصلاب (ومستودعها) موضعها في الأرحام وما يجري مجراها كالبيضة ونحوها، وقال الفراء: مستقرها حيث تأوى إليه ليلاً أو نهاراً، ومستودعها موضعها الذي تموت فيه، وقد مر تمام الأقوال في سورة الأنعام. ووجه تقديم المستقر على المستودع على قول الفراء ظاهر، وأما على القول الأول فلعل وجه ذلك أن المستقر أنسب باعتبار ما هي عليه حال كونها دابة، والمعنى وما من دابة إلا يرزقها الله حيث كانت من إماكنها بعد كونها دابة، وقبل كونها دابة، وذلك حين تكون في الرحم ونحوه. وفي البيضاوي أماكنها في الحياة وفي الممات أو الأصلاب والأرحام أو مساكنها من الأرض حين وجدت بالفعل ومودعها من المواد والمقار حين كانت بعد بالقوة. اهـ والمراد كالمني والعلقة، والمقار كالصلب والرحم، وعن ابن مسعود قال: مستقرها في الأرحام ومستودعها حيث تموت، ويؤيد هذا التفسير ما أخرجه الحاكم وصححه عن ابن مسعود عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال: إذا كان أجل أحدكم بأرض أتيحت له إليها حاجة حتى إذا بلغ أقصى أثره منها فيقبض، فتقول الأرض يوم القيامة: هذا ما استودعتني [[المستدرك كتاب الإيمان 1/ 41.]] ثم ختم الآية بقوله (كل في كتاب مبين) أي كل مما تقدم ذكره من الدواب ومستقرها ومستودعها ورزقها في اللوح المحفوظ أي مثبت فيه قبل خلقها. ثم أكد دلائل قدرته بالتعرض لذكر خلق السماوات والأرض وكيف كان الحال قبل خلقها فقال

هود 11:7

(وهو الذي خلق السماوات والأرض) وما بينهما (في ستة أيام) الكلام على التوزيع، فكان خلق السماوات في يومين والأرضين في يومين، وما عليها من أنواع الحيوان والنبات والأقوات والجمادات في يومين، والمراد بالأيام هنا الأوقات، أي في ستة أوقات، كما في قوله (ومن يولهم يومئذ دبره) وقيل مقدار ستة أيام. وقيل المراد هنا الأيام المعروفة وهي المقابلة لليالي أولها الأحد وآخرها الجمعة ولا يستقيم ذلك لأنه لم تكن حينئذ أرض ولا سماء، وليس اليوم إلا عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأرض؛ وفي الجمل وهذا مشكل جداً إذ لا يتعين الأحد ولا غيره من الأيام إلا عند وجودها بالفعل، وفي تلك الحال لم يكن زمان قط فضلاً عن تفضيله أياماً فضلاً عن تخصيص كل يوم باسم. والجواب عن هذا الإشكال بأن المراد مقدار ستة أيام لا يدفع هذا الإشكال إنما يدفع الإشكال الآخر وهو أنه لم يكن ثم زمان اهـ. (وكان عرشه) قبل خلقهما (على الماء) ليس تحته شيء غيره، سواء كان بينهما فرجة أو كان موضوعاً على متنه فلا دلالة فيه على إمكان الخلاء، كيف لا ولو دل لدل على وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماء أول ما حدث في العالم بعد العرش، وإنما يدل على أن خلقهما أقدم من خلق السماوات والأرض من غير تعرض للنسبة بينهما. قلت: وكونه قبل خلقهما مأخوذ من كان لأن المعنى المستفاد منها بالنسبة للحكم لا للتكلم وهو خلق السماوات والأرض، وهذا ظاهر سواء كانت الجملة معطوفة أو حالية بتقدير قد. ونقل عن السلف أنه كان على الماء وهو الآن على ما كان عليه وعبارة سليمان الجمل: بل هو في مكانه الذي هو فيه الآن وهو ما فوق السماوات السبع والماء في المكان الذي هو فيه الآن وهو ما تحت الأرضين السبع. انتهى عن ابن عباس أنه سئل على أي شيء كان الماء؟ قال على متن الريح، وعن أبي رزين العقيلي قال: قلت يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء وخلق عرشه على الماء [[الترمذي تفسير سورة 11/ 1.]] أخرجه الترمذي. قال أحمد: يريد. بالعماء أنه ليس معه شيء. قال البيهقي: العماء إن كان ممدوداً فمعناه سحاب رقيق والمعنى فوق سحاب مدبراً له وعالياً عليه، وإن كان مقصوراً فمعناه لا شيء ثابت لأنه مما عمي عن الخلق لكونه غير شيء، ونحوه قال جمع من أهل العلم. قال الأزهري: فنحن نؤمن به ولا نكيف صفته، وقد وردت أحاديث كثيرة في صفة العرش، وفي كيفية خلق السماوات والأرض ليس هذا موضع ذكرها. (ليبلوكم) أي خلق هذه المخلوقات ليبتلي عباده بالاعتبار والتفكر والاستدلال على كمال قدرته على البعث والجزاء (أيكم أحسن عملاً) فيما أمر به ونهى عنه من غيره، ويدخل في العمل الاعتقاد لأنه من أعمال القلب، وقيل المراد بالأحسن عملاً الأتم عقلاً، وقيل الأزهد في الدنيا وقيل الأكثر شكراً، وقيل الأتقى لله، وجاز تعليق فعل البلوى لما في الاختبار من معنى العلم لأنه طريق إليه فهو ملابس له. (ولئن قلت) اللام موطئة للقسم فقد اجتمع في الكلام شرط وقسم، والقاعدة أن يحذف جواب المتأخر ويذكر جواب المتقدم، فقوله ليقولن جواب القسم وجواب الشرط محذوف، وكذا في قوله (ولئن أخرنا) وقوله (ولئن أذقنا الإنسان) وقوله (ولئن أذقناه) فالمواضع أربعة. ولما كان الابتلاء يتضمن حديث البعث أتبع ذلك بذكره، والمعنى لئن قلت لهم يا محمد على ما توجبه قضية الابتلاء (إنكم مبعوثون من بعد الموت) فيجازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، قيل أنكم بمعنى لعلكم على أن الرجاء باعتبار حال المخاطبين، أي توقعوا ذلك ولا تبثوا القول بإنكاره (ليقولن الذين كفروا) من الناس (إن هذا) الذي تقوله يا محمد (إلا سحر مبين) أي كالسحر أو باطل كبطلان السحر وخدع كخدعه فالكلام من باب التشبيه البليغ. ويجوز أن تكون الإشارة بهذا إلى القرآن لأنه المشتمل على الأخبار بالبعث وقرئ ساحر يعني النبي صلى الله عليه وسلم. وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)

هود 11:8

(ولئن أخرنا عنهم العذاب) أي الذي يستعجلونه استهزاء، وهو ما تقدم ذكره في قوله (عذاب يوم كبير) وقيل عذاب يوم القيامة وما بعده، وقيل عذاب يوم بدر (إلى أمة معدودة) أي إلى طائفة من الأيام قليلة لأن ما يحصره العد قليل والأمة اشتقاقها من الأم وهو القصد وأراد بها الوقت المقصود لإيقاع العذاب، وقيل هي في الأصل الجماعة من الناس، وقد يسمى الحين باسم ما يحصل فيه، كقولك كنت عند فلان صلاة العصر، أي في ذلك الحين، فالمراد على هذا إلى حين تنقضي أمة معدودة من الناس (ليقولن ما يحبسه) أي أيُّ شيء يمنعه من النزول استعجالاً له على جهة الاستهزاء والتكذيب والسخرية. فأجابهم الله بقوله (ألا) أداة استفتاح داخلة على ليس في المعنى (يوم يأتيهم) أي العذاب (ليس مصروفاً) أي محبوساً (عنهم) بل واقع بهم لا محالة، ويوم منصوب بخبر (ليس) مقدماً عليه وهو دليل البصريين على جواز تقديم خبرها عليها إذ المعمول تابع للعامل فلا يقع إلا حيث يقع متبوعه وإلا يلزم تقديم الفرع على أصله. ورد بأن الظرف يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسعاً، ويبنى الأمر فيه على التسامح فيه، وبأنه قد يقدم المعمول حيث لا مجال لتقدم العامل كما في قوله تعالى (فأما اليتيم فلا تقهر * وأما السائل فلا تنهر) فإن اليتيم والسائل مع كونهما منصوبين بالفعلين المجزومين قد تقدما على لا الناهية مع امتناع تقدم الفعلين عليها. قال أبو حيان: وقد تتبعت جملة من دواوين العرب فلم أظفر بتقديم خبر (ليس) عليها ولا بتقديم معموله إلا ما دل عليه ظاهر هذه الآية، وقول الشاعر: فيأبى فما يزاد إلا لجاجة ... وكنت أبياً في الخنا لست أقدم قلت وهذا الخلاف بينهم في تقديم الخبر على (ليس) لا على اسمها فإنه جائز بلا خلاف والكلام فيه وفي أدلته مفصل في كتب النحو. (وحاق) أي أحاط (بهم ما كانوا به يستهزءون) أي العذاب الذي كانوا يستعجلونه استهزاء منهم، ووضع هذا مكان يستعجلون لأن استعجالهم كان استهزاء منهم، وعبر بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه فكأنه قد حاق بهم

هود 11:9

(ولئن أذقنا الإنسان) أي الجنس فيشمل المؤمن والكافر، ويدل على ذلك الاستثناء الآتي، قيل المراد به جنس الكفار، ويؤيده أن اليأس والكفران والفرح والفخر هي أوصاف أهل الكفر لا أهل الإسلام في الغالب، وقيل المراد بالإنسان الوليد بن المغيرة، وقيل عبد الله بن أمية المخزومي (منا رحمة) أي نعمة من توفير الرزق والصحة والسلامة من المحن وسعة العيش والرخاء. (ثم نزعناها منه) أي سلبناه إياها وأخذناها قهراً عليه، وإيراد النزع للإشعار بشدة تعلقه بها وحرصه عليها (إنه ليؤوس) أي آيس من الرحمة شديد القنوط من عودها وأمثالها لقلة صبره وعدم ثقته بالله (كفور) عظيم الكفران وهو الجحود لها. قاله ابن الأعرابي وفي إيراد صيغتي المبالغة ما يدل على أن الإنسان كثير اليأس وكثير الجحد عند أن يسلبه الله بعض نعمه فلا يرجو عودها ولا يشكر ما قد سلف له منها. وفي التعبير بالذوق ما يدل على أنه يكون منه ذلك عند سلب أدنى نعمة ينعم الله بها عليه لأن الإذاقة والذوق أقل ما يوجد به الطعم. وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)

هود 11:10

(ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته) والنعماء إنعام يظهر أثره على صاحبه؛ والضراء ظهور أثر الإضرار على من أصيب به، والمعنى أنه إن أذاق الله سبحانه العبد نعماءه من الصحة والسلامة والغنى بعد أن كان في ضر من فقر أو مرض أو خوف، لم يقابل ذلك بما يليق به من الشكر لله سبحانه، وفي اختلاف الفعلين نكتة لا تخفى. (ليقولن) أي بل يقول (ذهب السيئات عني) أي المصائب التي ساءته من الضر والفقر والخوف والمرض عنه وزال أثرها غير شاكر لله ولا مثن عليه بنعمه (إنه لفرح فخور) أي كثير الفرح بطراً أو أشراً كثير الفخر على الناس بتعديد المناقب والتطاول عليهم بما يتفضل الله به عليه من النعم، والفرح لذة تحصل في القلب بنيل المراد والمشتهى. وفي التعبير عن ملابسة الضر له بالمس مناسبة للتعبير في جانب النعماء بالإذاقة فإن كليهما لأدنى ما يطلق عليه اسم الملاقاة كما تقدم.

هود 11:11

(إلا الذين صبروا) فإن عادتهم الصبر عند نزول المحن، والشكر عند حصول المنن، قال الأخفش: هو استثناء منقطع، يعني ولكن الذين صبروا فإنهم ليسوا كذلك، وقيل متصل إذ المراد بالإنسان الجنس لا واحد بعينه قاله الفراء (وعملوا الصالحات) في حالة النعمة والنقمة. (أولئك) إشارة إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصبر وعمل الصالحات (لهم مغفرة) لذنوبهم وإن جمت (وأجر) يؤجرون به على أعمالهم الحسنة (كبير) متناه في الكبر، وهو الجنة، ووصف الأجر به لما احتوى عليه من النعيم السرمدي ودفع التكاليف والأمن من عذاب الله والنظر إلى وجهه الكريم، واختياره على العظيم لعله لرعاية الفواصل. فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13) ثم سلى الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم فقال

هود 11:12

(فلعلك) لعظم ما تراه منهم من الكفر والتكذيب واقتراح الآيات التي يقترحونها عليك على حسب هواهم وتعنتهم (تارك بعض ما يوحى إليك) مما أنزله الله عليك وأمرك بتبليغه مما يشق عليهم سماعه أو يستشقون العمل به كسب آلهتم، وأمرهم بالإيمان بالله وحده. وقيل هذا الكلام خارج مخرج الاستفهام أي هل أنت تارك، وقيل هو في معنى النفي مع الاستبعاد أي لا يكون منك ذلك بل تبلغهم جميع ما أنزل الله عليك أحبوا ذلك أم كرهوا، شاءوا أم أبوا. (وضائق به صدرك) الضمير راجع إلى " ما " أو إلى بعض وعبر بضائق دون ضيق لأن اسم الفاعل فيه معنى الحدوث والعروض والصفة المشبهة فيها معنى اللزوم (أن يقولوا) أي كراهة أو مخافة، أو لأجل أن أو بأن لا. وقال أبو البقاء: لأن يقولوا (لولا) أي هلا (أنزل عليه كنز) أي مال مكنوز مخزون ينتفع به ويستغني به (أو جاء معه ملك) يصدقه ويبين لنا صحة رسالته. ثم بيَّن سبحانه أن حاله صلى الله عليه وسلم مقصور على النذارة فقال (إنما أنت نذير) أي ليس عليك إلا الإنذار بما أوحى إليك، وليس عليك حصول مطلوبهم وإيجاد مقترحاتهم (والله على كل شيء وكيل) يحفظ ما يقولون وهو فاعل بهم ما يجب أن يفعل.

هود 11:13

(أم يقولون افتراه) أم هي المنقطعة بمعنى بل والهمزة، أضرب عما تقدم من تهاونهم بالوحي وعدم قنوعهم بما جاء به من المعجزات الظاهرة، وشرع في ذكر ارتكابهم لما هو أشد من ذلك وهو افتراؤهم عليه بأنه افتراء، والاستفهام للتقريع والتوبيخ والضمير المستتر للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والبارز لما يوحى. ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عليهم بما يقطعهم ويبيَّن كذبهم ويظهر به عجزهم فقال (قل فأتوا بعشر سور مثله) أي مماثلة له في البلاغة وحسن النظم، وجزالة اللفظ، وفخامة المعنى، ووصف السور بما يوصف به المفرد فقال مثله ولم يقل أمثاله لأن المراد مماثله كل واحدة من السور أو لقصد الإيماء إلى أن وجه الشبه ومداره المماثلة في شيء واحد وهو البلاغة البالغة إلى حد الإعجاز. وهذا إنما هو على القول بأن المطابقة في الجمع والتثنية والإفراد شرط، وقيل لفظة مثل وإن كانت بلفظ الإفراد فإنها يوصف بها المثنى والمجموع والمؤنث كقوله تعالى (أنؤمن لبشرين مثلنا) وتجوز المطابقة قال تعالى (وحور عين كأمثال اللؤلؤ) وقال تعالى: (ثم لا يكونوا أمثالكم) والهاء في مثله تعود لما يوحى. ثم وصف السور بصفة أخرى فقال (مفتريات) جمع مفتراة كمصطفيات في مصطفاة فانقلبت الألف ياء كالتثنية، قاله السمين أي مختلفات حيث قالوا له افتريت هذا القرآن من عند نفسك وليس من عند الله، فتحداهم وأرخى لهم العنان وفاوضهم على مثل دعواهم وقال مفتريات في مقابلة قولهم افتراه. ولما تحداهم بهذا الكلام أمره بأن يقول لهم (وادعوا) للاستظهار على المعارضة بالعشر السور (من استطعتم) دعاءه وقدرتم على الاستعانة به من هذا النوع الإنساني و (من دون الله) أي ممن تعبدونه وتجعلونه شريكاً لله سبحانه أي ادعوا من استطعتم متجاوزين الله سبحانه (إن كنتم صادقين) فيما تزعمون من افترائي له. فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15)

هود 11:14

(فإلَّم) تكتب بغير نون كما في خط المصحف وهذا في خصوص هذا الموضع (يستجيبوا لكم) أي فإن لم يفعلوا ما طلبته منهم وتحديتهم به من الإتيان بعشر سور مثله، ولا استجابوا إلى المعارضة المطلوبة منهم، ويكون الضمير في لكم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أو للنبي (- صلى الله عليه وسلم -) وحده وجمع تعظيماً وتفخيماً. (فاعلموا) أمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أو للرسول وحده على التأويل الذي سلف قريباً ومعنى أمرهم بالعلم أمرهم بالثبات عليه لأنهم عالمون بذلك من قبل عجز الكفار عن الإتيان بعشر سور مثله أو المراد بالأمر بالعلم الأمر بالازدياد منه إلى حد لا يشوبه شك، ولا تخالطه شبهة، وهو علم اليقين، والأول أولى. (إنما أنزل) متلبساً (بعلم الله) المختص به الذي لا تطلع على كنهه العقول ولا تستوضح معناه الأفهام لما اشتمل عليه من الإعجاز الخارج عن طوق البشر، وليس مفترى على الله، وإنما أداة حصر ويجوز في ما أن تكون موصولة اسمية أو حرفية تقديره فاعلموا أن تنزيله أو أن الذي أنزله متلبس بعلم الله (وأن لا إله إلا هو) أي واعلموا أن الله هو المتفرد بالألوهية لا شريك له ولا يقدر غيره على ما يقدر عليه، ثم ختم الآية بقوله (فهل أنتم مسلمون) أي ثابتون على الإسلام راسخون فيه مخلصون له إذا تحقق عندكم إعجازه. عن مجاهد قال: الخطاب لأصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم أي هل أنتم مزدادون من الطاعات لأنه قد حصل لكم بعجز الكفار عن الإتيان بمثل عشر سور من هذا الكتاب طمأنينة فوق ما كنتم وبصيرة زائدة وإن كنتم مسلمين من قبل هذا فإن الثبوت عليه وزيادة البصيرة فيه والطمأنينة به مطلوب منكم. وقيل المعنى فإن لم يستجب لكم من دعوتموهم للمعاضدة والمناصرة على الإتيان بعشر سور من سائر الكفار ومن تعبدونهم وتزعمون أنهم يضرون وينفعون فاعلموا أن هذا القرآن الذي أنزله الله على هذا الرسول خارج عن قدرة غيره سبحانه وتعالى لما اشتمل عليه من الإعجاز الذي يتقاصر دونه قوة المخلوقين وأنه أنزل الله الذي لا تحيط به العقول ولا تبلغه الأفهام. واعلموا أنه المتفرد بالألوهية لا شريك له فهل أنتم بعد هذا مسلمون أي داخلون في الإسلام متبعون لأحكامه مقتدون بشرائعه بعد قيام الحجة القاطعة. وفي مثل هذا الاستفهام إيجاب بليغ لما فيه من معنى الطلب والتنبيه على قيام الموجب وزوال العذر، وهذا الوجه أقوى من الوجه الأول من جهة، وأضعف منه من جهة. فأما جهة قوته فلاتّساق الضمائر وتناسبها وعدم احتياج بعضها إلى تأويل، وأما ضعفه في ترتيب الأمر بالعلم على عدم الاستجابة ممن دعوهم واستعانوا بهم من الخفاء واحتياجه إلى تكلف، وهو أن يقال إن عدم استجابة من دعوهم واستعانوا بهم من الكفار والآلهة مع حرصهم، على نصرهم ومعاضدتهم ومبالغتهم في عدم إيمانهم واستمرارهم على الكفر، يفيد حصول العلم لهؤلاء الكفار بأن هذا القرآن من عند الله وأن الله سبحانه هو الإله وحده لا شريك له وذلك يوجب دخولهم في الإسلام. واعلم أنه قد اختلف التحدث للكفار بمعارضة القرآن فتارة وقع بمجموع القرآن كقوله: (لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله) وبعشر سور كما في هذه الآية وذلك لأن العشرة أول عقد من العقود، وبسورة منه كما تقدم في البقرة ويونس، وذلك لأن السورة أقل طائفة منه. ثم إن الله سبحانه توعد من كان مقصور الهمة على الدنيا لا يطلب غيرها ولا يريد سواها فقال:

هود 11:15

(من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) واختلف أهل التفسير في هذه الآية فقال الضحاك: نزلت في الكفار وأهل الشرك واختاره النحاس بدليل الآية التي بعدها (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) وقال أنس: نزلت في اليهود والنصارى، وعن الحسن مثله، وقيل نزلت في المنافقين، وقيل الآية واردة في الناس على العموم كافرهم ومسلمهم والحمل على العموم أولى. والمعنى أن من كان يريد بعمله حظ الدنيا يكافأ بذلك وليس المراد مجرد الإرادة والمراد بزينتها ما يزينها ويحسنها من الصحة والأمن والسعة في الرزق وارتفاع الحظ ونفاذ القول وكثرة الأولاد والرياسة ونحو ذلك، وإدخال كان في الآية يفيد أنهم مستمرون على إرادة الدنيا بأعمالهم لا يكادون يريدون الآخرة ولهذا قيل أنهم مع إعطائهم حظوظ الدنيا يعذبون في الآخرة لأنهم جردوا قصدهم إلى الدنيا ولم يعملوا للآخرة. وظاهر قوله: (نوف إليهم أعمالهم فيها) أن من أراد بعمله الدنيا حصل له الجزاء الدنيوي لا محالة، ولكن الواقع في الخارج يخالف ذلك فليس كل متمن ينال من الدنيا أمنيته وإن عمل لها وأرادها فلا بدّ من تقييد ذلك بمشيئة الله سبحانه، عن ابن عباس قال: يعني من عمل صالحاً التماس الدنيا صوماً أو صلاة أو تهجداً بالليل لا يعمله إلا لذلك. قال القرطبي: ذهب أكثر العلماء إلى أن هذه الآية مطلقة وكذلك الآية التي في الشورى (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) (ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها) كذلك (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) وقيدتها وفسرتها التي في سبحان (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد). (وهم فيها لا يبخسون) أي وهؤلاء المريدون بأعمالهم الدنيا هم في الدنيا لا ينقصون من جزائهم فيها بحسب أعمالهم لها وذلك في الغالب، وليس بمطرد بل إن قضت به مشيئته سبحانه ورجحته حكمته البالغة. وقال القاضي: معنى الآية من كان يريد بعمل الخير الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم وافية كاملة من غير بخس في الدنيا وهو ما ينالون من الصحة والكفاف وسائر اللذات والطيبات والمنافع، فخص الجزاء بمثل ما ذكره وهو حاصل لكل عامل للدنيا ولو كان قليلاً يسيراً. أهـ. وإنما عبر عن عدم نقص أعمالهم بنفي البخس الذي هو نقص الحق مع أنه ليس لهم شائبة حق فيما أوتوه كما عبر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاء الحقوق مع أن أعمالهم بمعزل عن كونها مستوجبة لذلك، بناء للأمر على ظاهر الحال ومحافظة على صور الأعمال ومبالغة في نفي النقص، كأن ذلك نقص لحقوقهم فلا يدخل تحت الوقوع والصدور عن الكريم أصلاً.

هود 11:16

أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16) (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار) الإشارة إلى المريدين المذكورين ولا بدّ من تقييد هذا بأنهم لم يريدوا الآخرة بشيء من الأعمال المعتد بها الموجبة للجزاء الحسن في الدار الآخرة أو تكون الآية خاصة بالكفار كما تقدم. (وحبط ما صنعوا فيها) أي ظهر في الدار الآخرة حبوط ما صنعوه من الأعمال التي كانت صورتها صورة الطاعات الموجبة للجزاء الأخروي لولا أنهم أفسدوها بفساد مقاصدهم وعدم الخلوص وإرادة ما عند الله في دار الجزاء، بل قصروا ذلك على الدنيا وزينتها. ثم حكم سبحانه ببطلان عملهم فقال: (وباطل ما كانوا يعملون) أي إنه كان عملهم في نفسه باطلاً غير معتد به، لأنه لم يعمل لوجه صحيح يوجب الجزاء ويترتب عليه ما يترتب على العمل الصحيح. عن مجاهد قال: هم أهل الرياء، وهذا مشكل لأن قوله أولئك الذين، الآية لا يليق بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب النار. ويدل له ما روي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تعلم علماً لغير الله أو أراد به غير الله فليتبوأ مقعده من النار [[الترمذي، كتاب العلم باب 6.]] أخرجه الترمذي. وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه [[مسلم 2985.]] أخرجه مسلم. وفي الباب أحاديث بمعناه والرياء هو الشرك الأصغر كما ورد في الحديث، وهذا هو أحد الأقوال. والذي تقتضيه جزالة النظم الكريم أن المراد به مطلق الكفرة بحيث يندرج فيهم القادحون في القرآن العظيم اندراجاً أولياً، فإنه عز وعلا لما أمر نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآن مُنزل بعلم الله وبأن لا قدرة لغيره على شيء أصلاً، وهيجهم على الثبات على الإسلام والرسوخ فيه عند ظهور عجز الكفرة وما يدعون من دون الله عن المعارضة، وتبين أنهم ليسوا على شيء أصلاً، اقتضى الحال أن يتعرض لبعض شئونهم الموهمة لكونهم على شيء في الجملة ممن نيلهم الحظوظ العاجلة واستيلائهم على المطالب الدنيوية، وبيان أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه، ولقد بينَّ ذلك أي بيان.

هود 11:17

أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17) ثم بيَّن سبحانه أن بين من كان طالباً للدنيا فقط ومن كان طالباً للآخرة تفاوتاً وتبايناً بعيداً فقال: (أفمن كان على بيّنة) برهان يدل على الحق (من ربه) في اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان بالله كغيره، ممن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وقيل المراد به النبي صلى الله عليه وسلم، أي أفمن كان معه بيان من الله ومعجزة كالقرآن ومعه شاهد كجبريل، وقد بشرت به الكتب السابقة كمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها. والضمير في (ويتلوه شاهد) راجع إلى البيّنة باعتبار تأويلها بالبرهان أي يؤيده ويشدّده ويقويه، والضمير في (منه) راجع إلى القرآن لأنه تقدم ذكره في قوله أم يقولون افتراه أو راجع إلى الله تعالى. والمعنى ويتلو البرهان الذي هو البيّنة شاهد يشهد بصحته من القرآن أو من الله سبحانه، والشاهد هو الإعجاز الكائن في القرآن أو المعجزات التي ظهرت لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فإن ذلك من الشواهد التابعة للقرآن. وقال الفراء: قال بعضهم: ويتلوه شاهد منه الإنجيل وإن كان قبله فهو يتلو القرآن في التصديق، والهاء في منه لله عز وجل. وقيل المراد بمن كان على بيّنة من ربه هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وإضرابه. وعن علي بن أبي طالب قال: ما من رجل من قريش إلا نزل فيه طائفة من القرآن، فقال له رجل: ما نزل فيك؟ قال: أما تقرأ سورة هود (أفمن كان على بيّنة من ربه ويتلوه شاهد منه) فرسول الله صلى الله عليه وسلم بيّنة من ربه وأنا شاهد منه، أخرجه أبو نعيم وابن أبي حاتم. وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ويتلوه شاهد منه، علي [[فيه رائحة التشيع.]] أخرجه ابن عساكر. وعنه وددت أني أنا هو ولكنه لسان محمد. وعن ابن عباس أن الشاهد جبريل، ووافقه سعيد بن جبير وعلقمة وإبراهيم ومجاهد والضحاك وأكثر المفسرين. وقال الحسن وقتادة: هو لسان النبي صلى الله عليه وسلم. ووجه ذلك أن اللسان لما كان يعرب عما في الجنان، ويظهره جعل كالشاهد له لأنه آية الفصل والبيان وبه يتلى القرآن. وقال مجاهد: الشاهد هو ملك يحفظ النبي (- صلى الله عليه وسلم -) ويسدده والأول أولى. (ومن قبله) أي القرآن (كتاب موسى) عطف على شاهد والتقدير ويتلوه الشاهد وشاهد آخر وهو كتاب موسى، فهو إن كان متقدماً في النزول فهو يتلو الشاهد في الشهادة، وإنما قدم الشاهد على كتاب موسى مع كونه متأخراً في الوجود لكونه وصفاً لازماً غير مفارق فكان أعرق في الوصفية من كتاب موسى. ومعنى شهادة كتاب موسى وهو التوراة أنه بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأخبر بأنه رسول من الله. قال الزجاج: والمعنى ويتلوه من قبله كتاب موسى لأن النبي صلى الله عليه وسلم موصوف في كتاب موسى يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، وقرئ كتاب موسى بالنصب أي يتلو كتاب موسى جبريل. (إماماً ورحمة) الإمام هو الذي يؤتم به في أمور الدين ويقتدى به في الأحكام والشرائع، والرحمة النعمة العظيمة التي أنعم الله بها على من أنزله عليهم وعلى من بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار ما اشتمل عليه من الأحكام الشرعية الموافقة لحكم القرآن. (أولئك) أي المتصفون بتلك الصفة الفاضلة وهو الكون على البينة من الله (يؤمنون به) أي يصدقون بالنبي صلى الله عليه وسلم أو بالقرآن (ومن يكفر به) أي بالنبي أو بالقرآن (من الأحزاب) وهم المتحزبون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل مكة وغيرهم أو المتحزبون من أهل الأديان كلها قال قتادة: الكفار أحزاب كلهم على الكفر. (فالنار موعده) أي هو من أهل النار لا محالة وفي جعل النار موعداً إشعار بأن فيها ما لا يحيط بها الوصف من أفانين العذاب. عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار [[شرح السنة 1/ 104.]] أخرجه البغوي بسنده، قال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله حتى بلغني هذا الحديث، فقلت أين هذا في كتاب الله حتى أتيت على هذه الآية. (فلا تك في مرية منه) أي في شك من كون القرآن نازلاً من عند الله وفيه تعريض بغيره صلى الله عليه وسلم لأنه معصوم عن الشك في القرآن أو في شك من الموعد. والمرية بالكسر والضم والأولى لغة الحجاز، وبها قرأ جماهير الناس، والثانية لغة أسد وتميم وبها قرأ السلمي وغيره (إنه الحق من ربك) فلا مدخل للشك منه بحال من الأحوال (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) بذلك مع وجوب الإيمان به وظهور الدلائل الموجبة له، ولكنهم يعاندون مع علمهم بكونه حقاً أو قد طبع على قلوبهم فلا يفهمون أنه الحق أصلاً. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19)

هود 11:18

(ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً) أي لا أحد أظلم منهم لأنفسهم لأنهم افتروا عليه سبحانه كذباً بقولهم لأصنامهم هؤلاء شفعاؤنا عند الله. وقولهم الملائكة بنات الله، وأضافوا كلامه سبحانه إلى غيره، واللفظ وإن كان لا يقتضي إلا نفي وجود من هو أظلم منهم كما يفيده الاستفهام الإنكاري فالمقام يفيد نفي المساوي لهم في الظلم، فالمعنى على هذا لا أحد مثلهم في الظلم فضلاً عن أن يوجد من هو أظلم منهم، وذكر لهم هنا من أوصافهم أربعة عشر وصفاً، أولها افتراء الكذب وآخرها كونهم في الآخرة أخسر من غيرهم (أولئك) أي الموصوفون بالظلم المتبالغ (يعرضون على ربهم) يوم القيامة فيحاسبهم على أعمالهم أو المراد بعرضهم عرض أعمالهم عرضاً تظهر به فضيحتهم (ويقول الأشهاد) جمع شهيد، ورجحه أبو علي بكثرة ورود شهيد في القرآن كقوله (ويكون الرسول عليكم شهيداً، فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً). وقيل هو جمع شاهد كأصحاب وصاحب. قال مجاهد: هم الملائكة الحفظة وقيل المرسلون. قاله ابن عباس، وقيل الملائكة والمرسلون والعلماء الذين بلغوا ما أمرهم الله بإبلاغه، وقيل جميع الخلائق، قاله قتادة. والمعنى أنه يقول هؤلاء الأشهاد عند العرض (هؤلاء) المعرضون أو المعروضة أعمالهم (الذين كذبوا على ربهم) في الدنيا بما نسبوه إليه ولم يصرحوا بما كذبوا به، كأنه كان أمراً معلوماً عند أهل ذلك الموقف (ألا لعنة الله على الظالمين) الذين ظلموا أنفسهم بالافتراء، هذا من تمام كلام الأشهاد، أي يقولون ألا لعنة الله الخ، ويجوز أن يكون من كلام الله سبحانه. قاله بعدما قال الأشهاد. وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يدني المؤمن حتى يضع كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول رب أعرف، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال فإني سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. ثم يعطى كتاب حسناته وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد إلى قوله الظالمين [[البخاري كتاب التوحيد باب 36 بلفظ: " يدنو أحدكم من ربه حتى ... ".]]. والفائدة في قول الأشهاد بهذه المقالة المبالغة في فضيحة الكفار والتقريع لهم على رؤوس الأشهاد. ثم وصف هؤلاء الظالمين الذين لعنوا بأنهم

هود 11:19

(الذين يصدون عن سبيل الله) أي يمنعون من قدروا على منعه عن دين الله والدخول فيه، وقال السدي عن محمد صدت قريش عنه الناس. (ويبغونها عوجاً) أي يصفونها بالاعوجاج تنفيراً للناس عنها أو يبغون أهلها أن يكونوا معوجين بالخروج عنها إلى الكفر، يقال بغيتك شراً أي طلبته لك. وقال أبو مالك: يعني يرجون بمكة غير الإسلام ديناً. (وهم) أي والحال أنهم هم بالآخرة (كافرون) أي غير مصدقين فكيف يصدون الناس عن طريق الحق وهم على الباطل البحت، وتكرير الضمير لتأكيد كفرهم واختصاصهم به، حتى كأن كفر غيرهم غير معتد به بالنسبة إلى عظيم كفرهم. أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20) أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21)

هود 11:20

(أولئك) الموصوفون بتلك الصفات (لم يكونوا معجزين في الأرض) أي ما كانوا يعجزون الله في الدنيا إن أراد عقوبتهم، وقيل معناه سابقين، وقيل فائتين، وقيل مفلتين أنفسهم من أخذه لو أرادوا ذلك في الأرض مع سعتها وإن هربوا فيها كل مهرب (وما كان لهم من دون الله من أولياء) يدفعون عنهم ما يريده الله سبحانه من عقوبتهم وإنزال بأسه بهم؛ ومن زائدة (يضاعف) وقرئ يضعَّف بالتشديد (لهم العذاب) في الآخرة مستأنفة لبيان أن تأخير العذاب والتراخي عن تعجيله لهم ليكون عذاباً مضاعفاً بسبب صدهم عن سبيل الله وإنكارهم البعث، بعد الموت وقال السيوطي: بإضلالهم غيرهم قال الصاوي: حاصله [[قوله حاصله أي حاصل قول السيوطي إهـ منه.]] إن المضاعفة مخصوصة بالحسنات، وأما السيئات فلا تضاعف قال تعالى (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) فمعنى المضاعفة الشدة لأنهم يعذبون عذابين عذاباً على ضلالهم في أنفسهم وعذاباً على إضلالهم غيرهم. (ما كانوا يستطيعون السمع) أي أفرطوا في إعراضهم عن الحق وبغضهم له حتى كأنهم لا يقدرون على السمع للحق وهذا تعليل لمضاعفة العذاب (وما كانوا يبصرون) أي ولا يقدرون على الإبصار لفرط تعاميهم عن الصواب. ويجوز أن يراد بقوله (وما كان لهم من دون الله من أولياء) أنهم جعلوا آلهتهم أولياء من دون الله ولا ينفعهم ذلك، فما كان هؤلاء الأولياء يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون فكيف ينفعونهم فيجلبون لهم نفعاً ويدفعون عنهم ضراً. وقوله: (يضاعف لهم العذاب) اعتراض وسط بينهما نعياً عليهم من أول الأمر سوء العاقبة ويجوز أن يكون ما هي المدة، والمعنى أنه يضاعف لهم العذاب مدة استطاعتهم السمع والبصر، وقال الفراء: لا يستطيعون السمع لأن الله أضلهم في اللوح المحفوظ. وقال الزجاج: لبغضهم النبي صلى الله عليه وسلم وعداوتهم له لا يستطيعون أن يسمعوا منه ولا يفهموا عنه. قال النحاس: هذا معروف في كلام العرب يقال فلان لا يستطيع أن ينظر إلى فلان، إذا كان ثقيلاً عليه.

هود 11:21

(أولئك) المتصفون بتلك الصفات (الذين خسروا أنفسهم) بعبادة غير الله، والمعنى اشتروا عبادة الآلهة بعبادة الله فكان خسرانهم في تجارتهم أعظم خسران (وضل) أي ذهب وضاع (عنهم ما كانوا يفترون) من الآلهة التي يدعون أنها تشفع لهم ولم يبق بأيديهم إلا الخسران. لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23) مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)

هود 11:22

(لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون) قال الخليل وسيبويه: لا جرم بمعنى حق فهي عندهما بمنزلة كلمة واحدة وبه قال الفراء، وروي عن الخليل والفراء أنها بمنزلة قولك لا بد ولا محالة، ثم كثر استعمالها حتى صارت بمنزلة حقًا. وقال الزجاج: أن جرم بمعنى كسب وفاعله مضمر أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، وأن منصوبة بجرم. قال الأزهري: وهذا من أحسن ما نقل في هذه اللغة، وقال الكسائي: معنى لا جرم لا صد ولا منع، وقال جماعة من النحويين: أن معنى لا جرم لا قطع قاطع قالوا والجرم القطع وقد جرم النخل واجترمه أي قطعه. ووردت هذه اللفظة في القرآن في خمسة مواضع متلوة بأن واسمها ولم يجيء بعدها فعل ويقال في كل واحد منها ما قيل هنا، وفيه لغات بكسر الجيم وبضمها ولا جر بحذف الميم، ولا أن ذا جرم ولا ذو جرم وغير ذلك: وفي هذه الآية بيان أنهم قد بلغوا في الخسران إلى حد يتقاصر عنه غيرهم ولا يبلغ إليه، وهذه الآيات مقررة لما سبق من نفي المماثلة بين من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها وبين من كان على بينة من ربه.

هود 11:23

(إن الذين آمنوا) أي صدقوا بكل ما يجب عليهم التصديق به من كون القرآن من عند الله وغير ذلك من خصال الإيمان (وعملوا الصالحات) أراد بها جميع أعمال الجوارح (وأخبتوا إلى ربهم) أي أنابوا إليه وسكنوا، وقيل خشعوا وقيل خضعوا وقيل خافوا، قاله ابن عباس وقيل اطمأنوا قاله مجاهد، وهذا إشارة إلى أعمال القلوب، وقيل وأصل الإخبات الاستواء في الخبت وهو الأرض المستوية الواسعة فيناسب معنى الخشوع والاطمئنان. قال الفراء: إلى ربهم ولربهم واحد، وقيل لفظ الإخبات يتعدى باللام وإلى فإذا قلت أخبت فلان إلى كذا فمعناه اطمأن إليه، وإذا قلت له فمعناه خشع وخضع (أولئك) الموصوفون بتلك الصفات الصالحة (أصحاب الجنة هم فيها خالدون) لا انقطاع لنعيمها ولا زوال لأهلها.

هود 11:24

(مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع) ضرب للفريقين مثلاً وهو تشبيه فريق الكافرين بالأعمى والأصم وتشبيه فريق المؤمنين بالبصير والسميع على أن كل فريق شبه بشيئين أو شبه بمن جمع بين الشيئين، فالكافر شبه بمن جمع بين العمى والصمم، والمؤمن شبه بمن جمع بين السمع والبصر، وعلى هذا يكون الواو في والأصم وفي والسميع لعطف الصفة على الصفة. (هل يستويان مثلاً) أي حالاً وصفة (أفلا تذكرون) في عدم استوائهما وفيما بينهما من التفاوت الظاهر لا يخفى على من له تذكر وعنده تفكر وتأمل. والهمزة لإنكار عدم التذكر واستبعاد صدوره عن المخاطبين. ولما أورد سبحانه على الكفار المعاصرين لمحمد صلى الله عليه وسلم أنواع الدلائل التي هي أوضح من الشمس أكد ذلك بذكر القصص على طريقة الافتنان في الكلام، ونقله من أسلوب إلى أسلوب لتكون الموعظة أظهر والحجة أبين والقبول أتم فقال. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)

هود 11:25

(ولقد) الواو للابتداء واللام هي الموطئة للقسم (أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين) بالكسر على إرادة القول أي فقال أو قائلا، وقرئ بالفتح على إضمار حرف الجر أي أرسلناه متلبساً بذلك الكلام وهو إني لكم، واقتصر على النذارة دون البشارة لأن دعوته كانت لمجرد الإنذار أو لكونهم لم يعملوا بما بشرهم به. وفي هذه السورة ذكر أنواع من القصص، الأولى قصة نوح، الثانية قصة هود، الثالثة قصة صالح، الرابعة قصة إبراهيم؛ الخامسة قصة لوط، السادسة قصة شعيب، السابعة قصة موسى وهي آخر القصص على الترتيب الزماني.

هود 11:26

(أن لا تعبدوا إلا الله) أن مصدرية أو مفسرة متعلقة بأرسلنا أو بنذير أو بمبين ولا ناهية (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) تعليلية والمعنى نهيتكم عن عبادة غير الله لأني أخاف عليكم، وفيها تحقيق لمعنى الإنذار، واليوم هو يوم القيامة أو يوم الطوفان، ووصفه بالأليم من باب الإسناد المجازي مبالغة. ثم ذكر ما أجاب به قومه عليه، وهذا الجواب يتضمن الطعن منهم في نبوته من ثلاث جهات

هود 11:27

(فقال الملأ الذين كفروا من قومه) الملأ الأشراف كما تقدم غير مرة، ووصفهم بالكفر ذماً لهم وفيه دليل على أن بعض أشراف قومه لم يكونوا كفرة (ما نراك إلا بشراً مثلنا) هذه الجهة الأولى من جهات طعنهم في نبوته، أي نحن وأنت مشتركون في البشرية فلم تكن لك علينا مزية تستحق بها النبوة دوننا. والجهة الثانية (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) أي ولم يتبعك أحد من الأشراف فليس لك مزية علينا باتباع هؤلاء الأراذل لك، والأراذل جمع أرذل بضم الذال وأرذل جمع رذل بسكونها مثل أكالب واكلب وكلب فهو جمع الجمع، وقيل الأراذل جمع أرذل كالأساود جمع أسود، وهم السفلة كالحاكة والأساكفة، والأرذل الأدون من كل شيء فقال النحاس الأراذل الفقراء والذين لا حسب لهم والحسب الصناعات. وقال الزجاج: نسبوهم إلى الحياكة ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانة لأن الرفعة في الدين ومتابعة الرسل لا تكون بالشرف والمال والمناصب العلية بل للفقراء الخاملين وهم أتباع الرسل ولا تضرهم خسة صنائعهم إذا حسنت سيرتهم في الدين، وهذه عادة الله في الأنبياء والأولياء أن أول من يتبعهم ضعفاء الناس لذلهم فلا يتكبرون عن الاتباع بمال ولا جاه. وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: السفلة هو الذي يصلح الدنيا بدينه قيل له فمن سفلة السفله، قال: الذي يصلح دنيا غيره بفساد دينه. والظاهر من كلام أهل اللغة أن السفلة هو الذي يدخل في الحرف الدنية، والرؤية في الموضعين أن كانت القلبية فبشراً في الأول واتبعك في الثاني هما المفعول الثاني، وإن كانت البصرية فهما منتصبان على الحال. (بادي الرأي) أي في ظاهر الرأي من غير تعمق، يقال بدا يبدو إذا ظهر قال الأزهري: معناه فيما يبدو لنا من الرأي، وقيل أول الرأي قرئ بالهمز وتركه وهما سبعيتان ونصبه على الظرف أي وقت حدوث أول رأيهم. والوجه الثالث من جهات قدحهم في نبوته (وما نرى لكم علينا من فضل) بالمال والشرف والجاه والرأي خاطبوه في الوجهين الأولين منفرداً، وفي هذا الوجه خاطبوه مع متبعيه، ثم أضربوا عن الثلاثة المطاعن وانتقلوا إلى ظنهم المجرد عن البرهان الذي لا مستند له إلا مجرد العصبية والحسد واستبقاء ما هم فيه من الرياسة الدنيوية فقالوا (بل نظنكم كاذبين) فيما تدعونه، ويجوز قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) أن يكون هذا خطاباً للأراذل وحدهم، والأول أولى لأن الكلام مع نوح لا معهم إلا بطريق التبعية له. ثم ذكر سبحانه ما أجاب به نوح عليه السلام عليهم إجمالاً فقال

هود 11:28

(قال يا قوم أرأيتم) أي أخبروني (إن كنت على بينة) برهان (من ربي) في النبوة يدل على صحتها ويوجب عليكم قبولها مع كون ما جعلتموه قادحاً ليس بقادح في الحقيقة فإن المساواة في صفة البشرية لا تمنع المفارقة في صفة النبوة واتباع الأراذل كما تزعمون ليس مما يمنع من النبوة فإنهم مثلكم في البشرية والعقل والفهم فاتباعهم لي حجة عليكم لا لكم، ويجوز أن يريد بالبينة المعجزة، وفي هذا الخطاب غاية التلطف بهم. (وآتاني رحمة من عنده) وهي النبوة وقيل الرحمة المعجزة والبينة النبوة قيل ويجوز أن يكون الرحمة هي البينة نفسها والأولى تفسير الرحمة بغير ما فسرت به البينة وقيل الرحمة هي على الحق، وقيل هي الهداية إلى معرفة البرهان، وقيل الإيمان والإفراد في (فعميت) على إرادة كل واحدة منهما أو على إرادة البينة لأنها هي التي تظهر لمن تفكر وتخفى على من لم يتفكر، ومعنى عميت خفيت يقال عميت عن كذا وعمي عليّ كذا إذا لم أفهمه. قيل وهو من باب القلب لأن البينة أو الرحمة لا تعمي، وإنما يعمى عنها فهو كقولهم أدخلت القلنسوة رأسي، وقيل أن عمى الدليل بمعنى خفائه مجازاً فيقال حجة عمياء كما يقال مبصرة للواضحة وهو استعارة تبعية، شبه خفاء الدليل بالعمى في إن كُلاًّ يمنع الوصول إلى المقاصد وقرئ فعميت بضم العين وتشديد الميم على البناء للمفعول أي فعماها الله. (عليكم) فلم تهدكم كما لو عمي على القوم دليلهم في المفازة بقوا بغيرها وفي قراءة أُبيّ فعماها عليكم. والاستفهام في (أنلزمكموها) للإنكار أي لا يمكنني أن أضطركم إلى المعرفة بها أي بالرحمة والمراد إلزام الجبر بالقتل ونحوه لا إلزام الإيجاب إذ هو حاصل ولذا فسره السيوطي بقوله أنجبركم على قبولها (وأنتم) أي والحال أنكم (لها كارهون) أي منكرون ونافون لها، والمعنى أخبروني إن كنت على حجة ظاهرة الدلالة على صحة النبوة إلا أنها خافية عليكم أيمكننا أن نضطركم إلى العلم بها والحال أنكم لها كارهون غير متدبرين فيها فإن ذلك لا يقدر عليه إلا الله عز وجل. وعن قتادة قال: أما والله لو استطاع نبي الله لألزمها قومه، ولكنه لم يستطع ذلك ولم يمكنه.

هود 11:29

(ويا قوم لا أسالكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله) فيه التصريح منه عليه السلام بأنه لا يطلب على تبليغ الرسالة مالاً حتى يكون بذلك محلاً للتهمة، ويكون لقول الكافرين مجال بأنه ادعى طلباً للدنيا، والضمير في عليه راجع إلى ما قاله لهم فيما قبل هذا. (و) قوله (ما أنا بطارد الذين آمنوا) كالجواب عما يفهم من قولهم (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا) من التلميح منهم إلى إبعاد الأراذل عنه وقيل إنهم سألوه طردهم تصريحاً لا تلميحاً، وهذا كما قالت قريش لمحمد (- صلى الله عليه وسلم -) كما تقدم في سورة الأنعام (ولا تطرد الذين يدعون ربهم) الآية ثم علل ذلك بقوله (إنهم ملاقوا ربهم) أي لا أطردهم فإنهم ملاقون يوم القيامة ربهم فهو يجازيهم على إيمانهم لأنهم طلبوا بإيمانهم ما عنده سبحانه، وكأنه قال هذا على وجه الإعظام لهم، ويحتمل أنه قاله خوفاً من مخاصمتهم له عند ربهم بسبب طرده لهم. ثم بين لهم ما هم عليه في هذه المطالب التي طلبوها منه والعلل التي اعتلوا بها عن إجابته فقال (ولكني أراكم قوماً تجهلون) كل ما ينبغي أن يعلم، ومن ذلك استرذالهم للذين اتبعوه وسؤالهم له أن يطردهم. وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31) قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) ثم أكد عدم جواز طردهم بقوله

هود 11:30

(ويا قوم من ينصرني من الله) أي من يمنعني من عذاب الله وانتقامه (إن طردتهم) فإن طردهم بسبب سبقهم إلى الإيمان والإجابة إلى الدعوة التي أرسل الله رسوله لأجلها ظلم عظيم لا يقع من الأنبياء المؤيدين بالعصمة، ولو وقع ذلك منهم فرضاً وتقديراً لكان فيه من الظلم ما لا يكون لو فعله غيرهم من سائر الناس. (أفلا تذكرون) معطوف على مقدر كأنه قيل أتستمرون على ما أنتم عليه من الجهل بما ذكر فلا تذكرون من أحوالهم ما ينبغي تذكره وتتفكرون فيه حتى تعرفوا ما أنتم عليه من الخطأ، وماءهم عليه الصواب، وقيل تقديره أتأمروني بطردهم فلا تذكرون، وقيل الأصل فلا تذكرون، وقيل أفلا بمعنى هلا التحضيضية كما ذكره الكرخي.

هود 11:31

(ولا أقول لكم عندي خزائن الله) أعطيكم منها، بين لهم أنه كما لا يطلب منهم شيئاً من أموالهم على تبليغ الرسالة، كذلك لا يدعي أن عنده خزائن الله حتى تستدلوا بعدمها على كذبه كما قالوا (وما نرى لكم علينا من فضل) والمراد بخزائن الله خزائن رزقه، وقال ابن الأنباري: الخزائن هنا بمعنى غيوب الله وما هو منطو عن الخلق والأول أولى لقوله (ولا أعلم الغيب) أي ولا أدعي أني أعلم بغيب الله بل لم أقل لكم إلا إني نذير مبين إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم وهذا رد لقولهم (وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي) أي في ظاهر حالهم وأول فكرهم، وفي الباطن لم يتبعوك، فقال لهم إني إنما أعوّل على الظاهر لأني لا أعلم الغيب فأحكم به. (ولا أقول) لكم (إني ملك) حتى تقولوا ما نراك إلا بشراً مثلنا، فإن البشرية ليست من موانع النبوة بل من مباديها، وقد استدل بهذا من قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء، والأدلة نفي هذه المسألة مختلفة وليس لطالب الحق إلى تحقيقها حاجة، فليست هي مما كلفنا الله بعلمه (ولا أقول للذين) أي في شأن الذين (تزدري أعينكم) أي تحتقر وتستصغر، والإزدراء مأخوذ من أزرى عليه إذا عابه وزرى عليه إذا احتقره، والمعنى أني لا أقول لهؤلاء المتبعين لي المؤمنين بالله الذين تعيبونهم وتحتقرونهم (لن يؤتيهم الله خيراً) أي توفيقاً وهداية وإيماناً وأجراً بل قد آتاهم الخير العظيم بالإيمان به واتباع نبيه، فهو مجازيهم بالجزاء العظيم في الآخرة ورافعهم في الدنيا إلى أعلى محل، ولا يضرهم احتقاركم لهم شيئاً. (الله أعلم بما في أنفسهم) من الإيمان به والإخلاص له فمجازيهم على ذلك ليس لي ولا لكم من أمرهم شيء (إني إذاً لمن الظالمين) لهم أن فعلت ما تريدونه بهم أو من الظالمين لأنفسهم إن فعلت ذلك بهم ثم جاوبوه بغير ما تقدم من كلامهم وكلامه

هود 11:32

(قالوا) عجزاً عن القيام بالحجة وقصوراً عن رتبة المناظرة وانقطاعاً عن المباراة بقولهم (يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا) أي خاصمتنا بأنواع الخصام ودفعتنا بكل حجة لها مدخل في المقام، ولم يبق لنا في هذا الباب مجال فقد ضاقت علينا المسالك وانسدت أبواب الحيل (فائتنا بما تعدنا) من العذاب الذي تخوفنا منه وتخافه علينا (إن كنت من الصادقين) فيما تقوله لنا. قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) فأجاب بأن ذلك ليس إليه وإنما هو بمشيئة الله وإرادته و

هود 11:33

(قال إنما يأتيكم به الله إن شاء) فإن قضت مشيئته وحكمته بتعجيله عجله لكم، وإن قضت مشيئته وحكمته بتأخيره أخره (وما أنتم بمعجزين) بفائتين عما أراده الله بكم بهرب أو مدافعة

هود 11:34

(ولا ينفعكم نصحي) الذي أبذله لكم وأستكثر منه قياماً مني بحق النصيحة لله بإبلاغ رسالته لكم بإيضاح الحق؛ وبيان بطلان ما أنتم عليه (إن أردت أن أنصح لكم) وجواب هذا الشرط محذوف والتقدير لا ينفعكم نصحي كما يدل عليه ما قبله (إن كان الله يريد أن يغويكم) أي إغواءكم فلا ينفعكم النصح مني، وكان جواب هذا الشرط محذوفاً كالأول وتقديره ما ذكرنا، وهذا التقدير إنما هو على مذهب من يمنع من تقدم الجزاء على الشرط، وأما على مذهب من يجيزه فجزاء الشرط الأول ولا ينفعكم نصحي، والجملة جزاء للشرط الثاني. قال ابن جرير: معنى يغويكم يهلككم بعذابه؛ وظاهر لغة العرب أن الإغواء الإضلال، فمعنى الآية لا ينفعكم نصحي إن كان الله يريد أن يضلكم عن سبيل الرشاد، ويخذلكم عن طريق الحق. وحكى عن طي أصبح فلان غاوياً أي مريضاً وليس هذا العنى هو المراد في الآية، وقد ورد الأغواء بمعنى الإهلاك، ومنه فسوف يلقون غياً، وهو غير ما في الآية هذه. (هو ربكم) فإليه الإغواء وإليه الهداية (وإليه ترجعون) فيجازيكم بأعمالكم إن خيراً فخير، وأن شراً فشر أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37) وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)

هود 11:35

(أم يقولون افتراه) أنكر سبحانه عليهم قولهم إن ما أوحى إلى نوح مفترى ثم أمره أن يجيب بكلام منصف فقال (قل إن افتريته فعليَّ إجرامي) بكسر الهمزة مصدر أجرم أي فعل ما يوجب الإثم وجرم وأجرم بمعنى، قاله النحاس أي اكتسب الذنب وافتعله، والمعنى فعلّي إثمي أو جزاء كسبي، ومن قرأ بفتح الهمزة قال هو جمع جرم ذكره النحاس أيضاً. قال قتادة: إجرامي أي عملي، والإجرام اكتساب السيئة واقترافها، يقال جرم جرماً أذنب والاسم منه الجرم بالضم والجريمة مثله، وأجرم هو الفاشي في الاستعمال، ويجوز جرم ثلاثياً، والمعنى إن كنت افتريته فعليّ عقاب جرمي، وإن كنت صادقاً وكذبتموني فعليكم عقاب ذلك التكذيب إلا أنه حذفت هذه البقية لدلالة الكلام عليها، ولا يدل ذلك على أنه كان شاكاً لأنه قول يقال على وجه الإنكار عند اليأس من القبول (وأنا بريء مما تجرمون) أي من إجرامكم بسبب ما تنسبون إلى من الافتراء، قيل وفي الكلام حذف والتقدير لكن ما افتريته فالإجرام وعقابه ليس إلا عليكم وأنا بريء منه. وقد اختلف المفسرون في هذه الآية فقيل أنها حكاية عن نوح وما قاله لقومه، وقيل هي حكاية عن المحاورة الواقعة بين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكفار مكة قاله مقاتل، فعلى هذا تكون الآية معترضة في قصة نوح والأول أولى، لأن الكلام قبلها وبعدها مع نوح عليه السلام.

هود 11:36

(وأوحي إلى نوح أنه) في محل رفع على أنه نائب الفاعل الذي لم يسم، ويجوز أن يكون في محل نصب بتقدير الباء أي بأنة (لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) وفي الكلام تأييس له من إيمانهم وإنهم مستمرون على كفرهم مصممون عليه لا يؤمن أحد منهم إلا من قد سبق إيمانه، أو المراد إلا من استعد للإيمان وتوقع منه ولا يراد ظاهره، وإلا كان المعنى إلا من آمن فإنه يؤمن وقيل أن الاستثناء منقطع وهو على طريقة قوله (إلا ما قد سلف) قال قتادة: وذلك حين دعا عليهم نوح قال (لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وعن الحسن قال: إن نوحاً لم يدع على قومه حتى نزلت الآية هذه فانقطع عند ذلك رجاؤه منهم فدعا عليهم (فلا تبتئس بما كانوا يفعلون) البؤس الحزن أي فلا تحزن عليهم، قاله ابن عباس والبائس المستكين، فنهاه الله سبحانه عن أن يحزن حزن مستكين لأن الابتئاس حزن في استكانة، يقال ابتأس فلان إذا بلغه ما يكره والمبتئس الكاره الحزين. ثم إن الله سبحانه لما أخبره أنهم لا يؤمنون البتة عرفه الله هلاكهم وألهمه الأمر الذي يكون به خلاصة وخلاص من آمن معه فقال

هود 11:37

(واصنع الفلك) الظاهر أنه أمر إيجاب لأنه لا سبيل إلى صون روح نفسه وأرواح غيره من الهلاك إلا بهذا الطريق وصون النفس من الهلاك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، أي اعمل السفينة متلبساً (بأعيننا) أي بمرأى منا وبأبصارنا لك وهو مجاز عن كلاء الله له بالحفظ وعبر بالأعين عن ذلك لأنها آلة الرؤية وهي التي تكون بها الحراسة والحفظ في الغالب. وقيل بعلمنا لك وجمع الأعين للمبالغة والتعظيم لا للتكثير، وقيل معناها بأعين ملائكتنا الذين جعلناهم عيوناً على حفظك، وقيل بأمرنا، والحق أن العين صفة من صفاته لا ندري كيفيتها فيجب إمرارها على ظاهرها من دون تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تقدير. ومعنى (ووحينا) بما أوحينا إليك من كيفية صنعتها، وقال ابن عباس: بعين الله ووجهه ولم يعلم نوح كيف يصنع الفلك فأوحى الله إليه أن يصنعها مثل جؤجؤ الطائر. (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) قيل هم امرأته وابنه أي لا تطلب إمهالهم وترك إهلاكهم أي لا تراجعني ولا تدني باستدفاع العذاب عنهم فقد حان وقت الانتقام منهم (إنهم مغرقون) تعليل لما قبله أي فإنهم محكوم منا عليهم بالغرق وقد مضى به القضاء فلا سبيل إلى دفعه ولا تأخيره، وقيل العنى ولا تخاطبني في تعجيل عقابهم فإنهم مغرقون في الوقت الضروب لذلك لا يتأخر إغراقهم عنه.

هود 11:38

(و) طفق (يصنع الفلك) أو أخذ أو أقبل يصنعها فاقتصر على يصنع وقيل هو حكاية حال ماضية لاستحضار صورتها العجيبة، وأياً ما كان ففيه ملاءمة للاستمرار المفهوم من الجملة الآتية الواقعة حالاً من ضميره، ومكث في صنع السفينة مائتي سنة ذكره الصاوي وقيل أربعمائة سنة ذكره أبو السعود، وقال ابن عباس: اتخذ نوح السفينة في سنتين وقيل ثلاثين سنة. وكان طولها ثلثمائة ذراع وسمكها في السماء ثلاثين ذراعاً وعرضها خمسين ذراعاً والذراع إلى المنكب، وكانت من خشب الساج لها ثلاثة بطون وأطباق سفلى ووسطى وعليا، وكان بابها في عرضها فحمل في أسفلها الدواب والوحش، وفي أوسطها الإنس وفي أعلاها الطير، وقيل السفلى للوحش والوسطى للطعام والعليا له ولمن آمن، قال الخفاجي: والساج شجر عظيم يكثر بالهند، وقيل إنه ورد في التوراة أنها من الصنوبر وقيل غير ذلك [[ليس على ما أورده المفسر من دليل صريح عن المعصوم فلا داعي إلى مثله.]]. (وكلما مر عليه ملأ) أي جماعة (من قومه سخروا منه) كل ظرفية وما مصدرية ظرفية أي كل وقت مرور قوم استهزؤوا به لعمله السفينة، والجملة في محل نصب على الحال، قال الأخفش والكسائي: يقال سخرت به ومنه. وفي وجه سخريتهم منه قولان (أحدهما) أنهم كانوا يرونه يعمل السفينة فيقولون: يا نوح صرت بعد النبوة نجاراً، وكان يصنعها في برية في أبعد موضع من الماء وفي وقت عزته عزة شديدة (والثاني) أنهم لما شاهدوه يعمل السفينة وكانوا لا يعرفونها قبل ذلك ولا كيفية استعمالها والانتفاع بها فتعجبوا من ذلك وقالوا: يا نوح ما تصنع بها. (قال) أمشي بها على الماء فعجبوا من قوله وسخروا به ثم أجاب عليهم بقوله (إن تسخروا منا) وهذا الكلام مستأنف على تقدير سؤال كأنه قيل فماذا قال لهم فقيل قال والمعنى أن تسخروا منا بسبب عملنا السفينة اليوم. (فإنا نسخر منكم) غداً عند الغرق، ومعنى السخرية هنا الاستجهال أي إن تستجهلونا فإنا نستجهلكم، وهذا على سبيل المشاكلة إذ السخرية لا تليق بمقام الأنبياء، وقيل أنه لجزائهم من جنس صنيعهم فلا يقبح (كما تسخرون) أي تستجهلون واستجهاله لهم باعتبار إظهاره لهم ومشافهتهم وإلا فهم عنده جهال قبل هذا وبعده والتشبيه لمجرد التحقيق والوقوع أو التجدد والتكرر. والمعنى إنا نسخر منكم سخرية متحققة واقعة كما تسخرون منا كذلك أو متجددة متكررة كما تسخرون منا كذلك، وقيل معناه نسخر منكم في المستقبل سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق وفيه نظر فإن حالهم إذ ذاك لا تناسبه السخرية إذ هم في شغل شاغل عنها ثم هددهم بقوله.

هود 11:39

فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) (فسوف تعلمون من) موصولة في محل نصب أو استفهامية في محل رفع أي أينا (يأتيه عذاب يخزيه) أي يهينه وهو عذاب الغرق في الدنيا، قاله ابن عباس: والمراد بعذاب الخزي العذاب الذي يخزي صاحبه ويحل عليه العار (ويحل) التلاوة بكسر الحاء ويجوز لغة ضمها كما في المصباح أي ينزل (عليه عذاب مقيم) في الآخرة وهو عذاب النار الدائم والخلود فيها. وقيل معنى يحل يجعل المؤجل حالاً مأخوذ من حلول الدين المؤجل. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان نوح مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم حتى كان آخر زمانه غرس شجرة فعظمت وذهبت كل مذهب، ثم قطعها ثم جعل يعمل منها سفينة ويمرون فيسألونه فيقول اعملها سفينة فيسخرون منه ويقولون تعمل سفينة في البر وكيف تجري، قال سوف تعلمون، فلما فرغ منها وفار التنور وكثر الماء في السكك خشيت أم الصبي عليه وكانت تحبه حباً شديداً فخرجت إلى الجبل حتى بلغت ثلثه فلما بلغها الماء خرجت حتى استوت على الجبل فلما بلغ الماء رقبته رفعته بين يديها حتى ذهب الماء بها، فلو رحم الله منهم أحداً لرحم أم الصبي [[المستدرك كتاب التفسير/هود 21/ 342.]]، وقد ضعفه الذهبي في مستدركه على مستدرك الحاكم، وقد روي في صفة السفينة وقدرها أحاديث وآثار ليس في ذكرها هنا كثير فائدة. حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40) وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41)

هود 11:40

(حتى إذا جاء أمرنا) حتى هي الابتدائية دخلت على الجملة الشرطية وجعلت غاية لقوله (واصنع الفلك بأعيننا) وما بينهما اعتراض والمراد بالأمر العذاب أو وقته وهو واحد الأمور لا الأوامر ويصح أن يراد الثاني على معنى جاء أمرنا بركوب السفينة. (وفار التنور) أي غلى، واختلف في تفسير التنور على أقوال (الأول) أنه وجه الأرض والعرب تسمي وجه الأرض تنوراً أو اشرف موضع فيها؛ روى ذلك عن ابن عباس وعكرمة والزهري وابن عيينة. (الثاني) أنه تنور الخبز الذي يخبزون فيه ابتدئ منه النبع على خلاف العادة وبه قال مجاهد وعطية والحسن وهو قول أكثر المفسرين، قيل وهذا أولى لأن اللفظ إذا دار بين الحقيقة والمجاز كان حمله على الحقيقة أولى، ولفظ التنور حقيقة في اسم الموضع الذي يخبز فيه (الثالث) أنه موضع اجتماع الماء في السفينة وروى هذا عن الحسن. (الرابع) أنه طلوع الفجر من قولهم تنور الفجر، روي ذلك عن علي بن أبي طالب (الخامس) أنه مسجد الكوفة، روي ذلك عن علي أيضاً ومجاهد، وقال مجاهد: كان ناحية التنور بالكوفة على يمين الداخل مما يلي باب كندة وكان الشعبي يحلف بالله أنه ما فار إلا من ناحية الكوفة. (السادس) أنه أعالي الأرض والمواضع المرتفعة قاله قتادة (السابع) أنه العين التي بالجزيرة المسماة عين الوردة وهي بالشام، روي ذلك عن عكرمة، وبه قال مقاتل (الثامن) أنه موضع بالهند، قال ابن عباس: كان تنور آدم بالهند وكانت حواء تخبز فيه وصار إلى نوح. قال النحاس: وهذه الأقوال ليست بمتناقضة لأن الله سبحانه قد أخبر بأن الماء قد جاء من السماء والأرض قال (ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيوناً) فهذه الأقوال تجتمع في إن ذلك كان علامة هكذا، قال: وفيه نظر فإن القول الرابع ينافي هذا الجمع ولا يستقيم عليه التفسير بنبع الماء إلا إذا كان المراد مجرد العلامة كما ذكره آخراً. وقد ذكر أهل اللغة أن الفوز الغليان، يقال فار الماء يفور فوراً نبع وجرى وفارت القدر فوراً من باب قال وفوراناً غلت، وعلى هذا لا تجوز في الآية إلا من حيث نسبة الفوران إلى التنور، وهو اسم أعجمي عربته العرب، وعلى هذا فلا اشتقاق له. وقيل فارسي لا تعرف له العرب اسماً غير هذا فلذلك جاء في القرآن بهذا اللفظ فخوطبوا بما يعرفون، وقيل جاء هكذا بكل لفظ عربي وعجمي، وأنه مما اتفق عليه لغة العرب والعجم كالصابون ووزنه تفعول ويعزى هذا لثعلب، وقيل فعول ويعزى لأبي على الفارسي، وقيل معنى فار التنور التمثيل بحضور العذاب كقولهم حمي الوطيس إذا اشتد الحرب، وعلى هذا فهو كناية عن اشتداد الأمر. وقيل كان من حجر لحواء فصار إلى نوح، وقد روى في تفسير التنور غير هذا. ذكر ابن جرير وغيره إن الطوفان كان في ثالث عشر من أبيب رجب في شدة القيظ وكان الفوران علامة لنوح على مجيئه وركوب السفينة. (قلنا) يا نوح (احمل فيها) أي في السفينة (من كل زوجين) مما في الأرض من الحيوانات (اثنين) ذكراً وأنثى، وقرئ من كل بالتنوين أي من كل شيء زوجين، والزوجان للاثنين اللذين لا يستغني أحدهما عن الآخر، ويطلق على كل واحد منهما زوج كما تقول للرجل زوجٍ وللمرأة زوجٍ؛ وهو المراد هنا أي من كل فردين متزاوجين اثنين بأن تحمل من الطير ذكراً وأنثى ومن الغنم ذكراً وأنثى، وهكذا وتترك الباقي، والمراد من الحيوانات التي تنفع والتي تلد أو تبيض ليخرج المضرات، والتي تتوالد من العفونة والتراب كالدود والقمل والبق والبعوض فلم يحمل منه شيئاً. ويطلق الزوج على الاثنين إذا استعمل مقابلاً للفرد، ويطلق الزوج على الضرب والصنف ومنه قوله تعالى (وأنبتت من كل زوج بهيج). قال الرازي: وأما ما يروى أن إبليس دخل السفينة فبعيد لأنه من الجن، وهو جسم ناري أو هوائي فكيف يفر من الغرق، وأيضاً فإن كتاب الله لم يدل على ذلك ولم يرد فيه خبر صحيح، فالأولى ترك الخوض فيه اهـ. (و) احمل (أهلك) والمراد امرأته المؤمنة وبنوه ونساؤهم (إلا من سبق عليه القول) أي من تقدم الحكم عليه بأنه من المغرقين في علمه أو في قوله (ولا تخاطبنى في الذين ظلموا أنهم مغرقون) على الاختلاف الشائع فيهم، فمن جعلهم جميع الكفار من أهله وغيرهم كان هذا الاستثناء من جملة احمل فيها وأهلك ومن قال المراد بهم ولده كنعان وامرأته الكافرة واعلة أم كنعان جعل الاستثناء من أهلك ويكون متصلاً إن أريد بالأهل ما هو أعم من المسلم والكافر منهم، ومنقطعاً إن أريد بالأهل المسلمون منهم فقط. (و) احمل (من آمن) من قومك في السفينة، وأفرد الأهل منهم لمزيد العناية بهم أو للاستثناء منهم على القول الآخر. ثم وصف الله سبحانه قلة المؤمنين مع نوح بالنسبة إلى من كفر به فقال (وما آمن معه إلا قليل) واعتبار المعية في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقر الأمان والنجاة، قيل كانوا ثمانية: نوح وأهله وبنوه الثلاثة ونساؤهم، وبه قال قتادة وابن جرير ومحمد بن كعب القرظي، وقيل كانوا ثمانين رجلاً أحدهم جرهم، قاله ابن عباس. قال الخفاجي: وهي الرواية الصحيحة. اهـ. ولما خرجوا من السفينة بنوا قرية يقال لها قرية الثمانين وهي موجودة بناحية الموصل، وقيل سبعة نوح وبنوه وثلاث كنائن له، قاله الأعمش، قال الخفاجي: ويرده عطف من آمن إلا أن يكون الأهل بمعنى الزوجة فإنه ثبت بهذا المعنى، وهو خلاف الظاهر، وقيل كانوا تسعة وسبعين: زوجته المسلمة وبنوه الثلاثة سام وحام ويافث ونساؤهم واثنان وسبعون رجلاً وامرأة من غيرهم. وعن ابن إسحاق كانوا عشرة خمسة رجال وخمس نسوة، وقيل غير ذلك، قال الطبري: والصواب من القول في ذلك أن يقال كما قال عز وجل (وما آمن معه إلا قليل) ولم يحد عدداً بمقدار، فلا ينبغي أن يجاوز في ذلك حد الله سبحانه وتعالى إذ لم يرد ذلك في كتاب ولا خبر صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هود 11:41

(وقال اركبوا فيها) القائل نوح، وقيل الله سبحانه، والأول أولى لقوله: (إن ربي لغفور رحيم) والركوب العلو على ظهر الشيء المتحرك حقيقة نحو ركب الدابة أو مجازاً نحو ركبه الدين؛ وفي الكلام حذف أي اركبوا الماء في السفينة فلا يرد إن ركب يتعدى بنفسه. وقيل أن الفائدة في زيادة " في " أنه أمرهم بأن يكونوا في جوف السفينة لا على ظهرها، وقيل بل أنها زيدت لرعاية جانب المحلية والمكانية في السفينة كما في قوله (فإذا ركبوا في الفلك) وقوله (حتى إذا ركبا في السفينة). قيل ولعل نوحاً قال هذه المقالة بعد إدخال ما أمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل فحمل الأزواج وأدخلها في الفلك وقال للمؤمنين اركبوا فيها، ويمكن أن يقال أنه أمر بالركوب كل من أمر بحمله من الأزواج والأهل والمؤمنين، ولا يمتنع أن يفهم خطابه من لا يعقل من الحيوانات، أو يكون هذا على طريقة التغليب، وقد روى صفة القصة وما حمله نوح في السفينة وكيف كان الغرق. وكم بقيت السفينة على ظهر الماء روايات كثيرة لا مدخل لها في تفسير كلام الله سبحانه (بسم الله) متعلق باركبوا أو حال من فاعله أي اركبوا مسمين الله أو قائلين بسم الله (مجريها ومرساها) بضم الميم فيهما من أجريت وأرسيت على إنهما اسماً زمان وهما في موضع نصب على الظرفية أي وقت إجرائها وإرسائها أو مصدران كالإجراء والإرساء بحذف الوقت كقولك آتيك خفوق النجم أو اسما مكان انتصبا بما في بسم الله من معنى الفعل أو إرادة القول. وقرئ الأول بفتح الميم والثاني بضمها وهاتان القراءتان سبعيتان، وقرئ بفتحها فيهما من جرى ورسى، وهذه شاذة، وقرئ مجريها ومرسيها بلفظ اسم الفاعل مجروري المحل على أنهما وصفان لله، ويجوز أن يكونا في موضع رفع بإضمار مبتدأ أي هو مجريها ومرسيها، والرسو الثبات والاستقرار. قال مجاهد في الآية: أي حين تركبون وتجرون وترسون. وعن الضحاك قال: كان إذا أراد أن ترسى قال: بسم الله فرست، وإذا أراد أن تجري قال: بسم الله فجرت. (إن ربي لغفور) للذنوب (رحيم) بعباده ومن رحمته إنجاء هذه الطائفة تفضلاً منه لبقاء هذا الجنس الحيواني وعدم استئصاله بالغرق. أخرج أبو يعلى والطبراني وابن السني وغيرهم عن الحسن بن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا الفلك أن يقولوا بسم الله الملك الرحمن بسم الله مجراها الآية (وما قدروا الله حق قدره) الآية [[ضعيف الجامع الصغير 1346 - تخريج الكلم 175 - الأحاديث الضعيفة 2932.]]. وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)

هود 11:42

(وهي تجري بهم) أي فركبوا مسمين والسفينة تجري، والجملة مستأنفة أو حالية ولذلك فسره الزمخشري بقوله أي تجرى وهم فيها (في موج) جمع موجة وهي ما ارتفع عن جملة الماء الكثير عند اشتداد الريح واضطرابه في خلاله (كالجبال) شبهها بالجبال المرتفعة على الأرض، أي كل موجة منه كالجبل في تراكمها وارتفاعها وعظمها. قال أهل السير: ارتفع الماء على أعلى جبل وأطوله أربعين ذراعاً، وقيل خمسة عشر ذراعاً حتى أغرق كل شيء وعم العباد وشمل كل البلاد، وما قيل من أن الماء طبق ما بين السماء والأرض وكانت السفينة تجري في جوفه كالحوت فغير ثابت. (ونادى نوح ابنه) هو كنعان وقيل يام وكان كافراً؛ واستبعد كون نوح ينادي من كان كافراً مع قوله (رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) وأجيب بأنه كان منافقاً فظن نوح أنه مؤمن، وقيل حملته شفقة الأبوه على ذلك وكان من صلبه على المعتمد. وقال ابن عباس: هو ابنه غير أنه خالفه في النية والعمل، وقيل أنه كان ابن امرأته ولم يكن ابنه. ويؤيده ما روي أن علياً قرأ (ونادى نوح ابنها) وقيل أنه كان لغير رشدة وولد على فراش نوح، ورد بأن قوله هذا وقوله (إن ابني من أهلي) يدفع ذلك مع ما فيه من عدم صيانة منصب النبوة فإن جناب الأنبياء أرفع من أن يشار إليه بأصبع الطعن. (وكان في معزل) أي في مكان عزل فيه نفسه عن قومه وقرابته بحيث لم يبلغه قول نوح (اركبوا فيها) وقيل في معزل من دين الله وقيل من السفينة. قيل وكان هذا النداء قبل أن يستيقن الناس الغرق، بل كان في أول فور التنور قبل سير السفينة. (يا بني) أصله بثلاث ياءات ياء التصغير ولام الكلمة وياء المتكلم (اركب معنا) في السفينة أي أسلم واركب، قال ملا عليّ الجيلاني: الظاهر أن معنى الآية أسلم لتستحق الركوب معنا. (ولا تكن مع الكافرين) في البعد عنا فتهلك معهم، نهاه عن الكون معهم خارج السفينة، ويمكن أن يراد بالكون معهم الكون على دينهم في الكفر، والأول أولى لأنه عليه السلام بصدد التحذير عن الهلكة فلا يلائمه النهي عن الكفر. ثم حكى الله سبحانه ما أجاب به ابن نوح على أبيه فقال

هود 11:43

(قال سآوي) أي سألتجئ وأصير (إلى جبل يعصمني) أي يمنعني بارتفاعه وعلوه (من) وصول (الماء) إليّ زعماً منه أن ذلك كسائر المياه في أزمنة السيول المعتادة التي ربما يتقي منها بالصعود إلى الربى، وأنى له ذلك وقد بلغ السيل الزبى، وجهلاً بأن ذلك إنما كان لإهلاك الكفرة، وأن لا محيص من ذلك سوى الالتجاء إلى ملجأ المؤمنين، فلذلك أراد عليه السلام أن يبين له حقيقة الحال، وأن يصرفه عن ذلك الفكر المحال. (قال) أي فأجاب عنه نوح بقوله (لا عاصم) من الجبال أي لا مانع (اليوم من أمر الله) فإنه يوم قد حق فيه العذاب وجف القلم بما هو كائن، فيه نفي جنس العاصم فيندرج تحته العاصم من الغرق في ذلك اليوم اندراجاً أولياً، وعبر عن الماء أو عن الغرق بأمر الله سبحانه تفخيماً لشأنه وتهويلاً لأمره (إلا من رحم) وقرئ على البناء للمفعول والاستثناء منقطع قاله الزجاج أي لكن من رحمه فهو يعصمه واستظهره السفاقسي أو متصل على أن يكون عاصم بمعنى معصوم أي لا معصوم اليوم من أمر الله إلا من رحمه الله مثل ماء دافق وعيشة راضية، واختار هذا الوجه ابن جرير والزمخشري وتبعه القاضي. وقيل العاصم بمعنى ذي العصمة كلابن وتامر، والتقدير لا عاصم قط إلا مكان من رحم الله وهو السفينة وحينئذ فلا يرد ما يقال أن معنى من رحم من رحمه الله ومن رحمه الله فهو معصوم، فكيف يصح استثناؤه عن العاصم لأن في كل وجه من هذه الوجوه دفعاً للإشكال. وذكر صاحب الانتصاف إن الاحتمالات الممكنة هنا أربعة لا عاصم إلا راحم، لا معصوم إلا مرحوم، لا عاصم إلا مرحوم، لا معصوم إلا راحم، فالأولان استثناء من الجنس، والآخران استثناء من غير الجنس فيكون منقطعاً أي لكن المرحوم يعصم على الأول؛ ولكن الراحم يعصم من أراد على الثاني قال عكرمة: لا ناج إلا أهل السفينة. (وحال بينهما الموج) أي حال بين نوح وابنه فتعذر خلاصه من الغرق وقيل بين ابن نوح وبين الجبل والأول أولى لأن تفرع (فكان من المغرقين) عليه يدل على الأول لا على الثاني لأن الجبل ليس بعاصم والمعنى فصار أو فكان كنعان من المغرقين في علم الله بالفعل والمهلكين بالماء. (وقيل) أي بعد ما تناهى الطوفان وأغرق الله قوم نوح والقيل كما قيل في هذين الموضعين عبارة عن تعلق القدرة التنجيزي بزوال الماء وبهلاكهم كما قيل في قوله تعالى (أن يقول له كن فيكون) وعلى هذا فالآية على الاستعارة المكنية والتخييلية وقيل تمثيلية، كما فصل ذلك الخفاجي في العناية تفصيلاً بسيطاً مع ما يصحبه من لطائف البلاغة. ولكن الحق الذي لا تردد فيه عند أولي البصيرة أن الآية على حقيقتها من النداء والأمر وهو المختار في قوله سبحانه (كن فيكون) وأمثاله أيضاً. وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45)

هود 11:44

(يا أرض ابلعي) يقال بلع الماء يبلعه مثل منع يمنع وبلع يبلع مثل حمد يحمد لغتان حكاهما الكسائي والفراء: والبلع الشرب وتغوير الماء ومنه البالوعة وهي الموضع الذي يشرب الماء والازدراد يقال بلع ما في فمه من الطعام إذا ازدرده، واستعير البلع الذي هو من فعل الحيوان للنشف دلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتاد الكائن على سبيل التدريج. قال الخفاجي: النشف من نشف الثوب العرق كسمع وبصر إذا شربه، قال المدقق: هذا أولى من جعل السكاكي البلع مستعاراً لغور الماء في الأرض لدلالته على جذب الأرض ما عليها كالبلع بالنسبة إلى الحيوان ولأن النشف فعل الأرض والغور فعل الماء. فالله دره ما أكثر اطلاعه على حقائق المعاني اهـ. وقال عكرمة: ابلعي هو بالحبشية ازدرديه وعن ابن منبه نحوه وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: معناه اشربي بلغة الهند وعن ابن عباس مثله. أقول وثبوت لفظ البلع وما يشتق منه في لغة العرب ظاهر مكشوف فمالنا وللحبشة والهند والمعنى انشفي وتشربي (ماءك) أي ما على وجهك من ماء الطوفان دون المياه المعهودة فيها من العيون والأنهار. وعبر عنه بالماء بعد ما عبر عنه بأمر الله، لأن المقام مقام النقص والتقليل لا مقام التفخيم والتهويل. (ويا سماء أقلعي) الإقلاع الإمساك يقال اقلع المطر إذا انقطع وأقلع عن الشي إذا تركه وهو قريب من الأول، والمعنى أمر السماء بإمساك الماء عن الإرسال، ولفظ أحمد المهايمي في تفسيره: أي اجذبي إلى جهة الفوق ما نزل منك اهـ. وقيل ميز الله بين الماءين فما كان من ماء الأرض أمرها فبلعته وصار ماء السماء بحاراً، وخوطبت الأرض أولاً بالبلع لأن الماء نبع منها أولاً قبل إن تمطر السماء. (وغيض الماء) أي نقص ونضب ما بين السماء والأرض من الماء يقال غاض الماء وغضته أنا وهو لازم ومتعد، فمن اللازم قوله تعالى (وما تغيض الأرحام) أي تنقص، وقيل بل هو هنا متعد أيضاً وسيأتي، ومن المتعدي هذه الآية لأنه لا يبنى للمفعول من غير واسطة حرف الجر إلا المتعدي بنفسه وهو إخبار عن حصور المأمورية من السماء والأرض معاً أي فامتثلا ما أمرا به ونقص الماء، ولا يخص غيض الماء بطوفان السماء كما توهم، وفيه كلام طويل في الكشف، قال الصاوي: أي ولم يذهب بالكلية لما علمت من بقاء ماء السماء. (وقضي الأمر) أي أحكم وفرغ منه يعني أهلك الله قوم نوح على تمام وإحكام وأنجز ما كان وعده، قاله القرطبي (واستوت على الجودي) أي استقرت السفينة على الجبل المعروف بالجودي، روى أنه عليه السلام ركب في الفلك في عاشر رجب ونزل عنها في عاشر المحرم فصام ذلك اليوم شكراً فصار سنة، والجودي جبل بقرب الموصل. وقيل أن الجودي اسم لكل جبل وقيل هو بالشام، وقيل بآمل وفي الحديث لقد بقي منها شيء أدركه أوائل هذه الأمة ويقال أنه من جبال الجنة فلذا استوت عليه بعد أن طافت الأرض كلها ستة أشهر. (وقيل بعداً للقوم الظالمين) القائل هو الله سبحانه ليناسب صدر الآية، وقيل هو نوح وأصحابه والمعنى وقيل هلاكاً لهم وهو من الكلمات التي تختص بدعاء السوء، ووصفهم بالظلم للإشعار بأنه علة الهلاك وللإيماء إلى قوله (ولا تخاطبني في الذين ظلموا). قال عبد الرحمن بن خلدون: اتفقوا على أن الطوفان الذي كان في زمن نوح وبدعوته ذهب بعمران الأرض أجمع وبما كان من خراب المعمور وهلك الذين ركبوا معه في السفينة ولم يعقبوا فصار أهل الأرض كلهم من نسله وعاد أباً ثانيا للخليقة انتهى. وقال ابن الأثير في الكامل: وأما المجوس فلا يعرفون الطوفان وكان بعضهم يقر به ويزعم أنه كان في إقليم بابل وما قرب منه، وأن مساكن ولد خومرت كانت بالمشرق فلم يصل ذلك إليهم، وكذلك جميع الأمم المشرقية من الهند والفرس والصين لا يعترفون بالطوفان، وبعض الفرس يعترف به ويقول لم يكن عاماً ولم يتعد عقبة حلون. والصحيح أن جميع أهل الأرض من ولد نوح عليه السلام لقوله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) فجميع الناس من ولد سام وحام ويافث أولاد نوح انتهى. وقال المقريزي في الخطط: أن جميع أهل الشرائع أتباع الأنبياء من المسلمين واليهود والنصارى قد أجمعوا على أن نوحاً هو الأب الثاني للبشر، وأن العقب من آدم عليه السلام انحصر فيه ومنه ذرأ الله جميع أولاد آدم، فليس أحد من بني آدم إلا وهو من أولاد نوح، وخالفت القبط والمجوس وأهل الهند والصين ذلك فأنكروا الطوفان. وزعم بعضهم أن الطوفان إنما حدث في إقليم بابل وما وراءه من البلاد الغربية فقط وأن أولاد كيومرت الذي هو عندهم الإنسان الأول كانوا بالبلاد الشرقية من بابل فلم يصل الطوفان إليهم ولا إلى الهند والصين. والحق ما عليه أهل الشرائع وأن نوحاً عليه السلام لما أنجاه الله ومن معه بالسفينة نزل بهم وهم ثمانون رجلاً سوى أولاده فماتوا بعد ذلك ولم يعقبوا، وصار العقب من نوح في أولاده الثلاثة، ويؤيد هذا قول الله تعالى عن نوح. (وجعلنا ذريته هم الباقين) انتهى. وقد أطبق علماء البلاغة على أن هذه الآية الشريفة بالغه من الفصاحة والبلاغة إلى محل يتقاصر عن الوصف وتضعف عن الإتيان بما يقاربه قدرة القادرين على فنون البلاغة الثابتين الأقدام في علم البيان، الراسخين في اللغة المطلعين على ما هو مدون من خطب مصاقع خطباء العرب وأشعار بواقع شعرائهم المرتاضين بدقائق علوم العربية وأسرارها. قال الصاوي وسليمان الجمل: قال بعضهم: هذه الآية أبلغ آية في القرآن باحتوائها على أحد وعشرين نوعاً من أنواع البديع، والحال أن كلماتها تسعة عشر انتهى. قلت: وقد تعرض لبيان ما اشتملت عليه من ذلك جماعة فأطالوا وأطابوا رحمنا الله وإياهم برحمته الواسعة منهم أبو حيان محمد بن يوسف الإمام الأندلسي في تفسيره المسمى بالنهر الماد من المحيط ذكر فيه أحداً وعشرين نوعاً من البديع وكذا السيد محمد بن أسماعيل بن صلاح الأمير في رسالته المسماة بالنهر المورود، في تفسير آية هود، وهو المناسبة والمطابقة، والمجاز، والاستعارة، والإشارة والتمثيل، والأرداف، والتعليل، وصحة التقسيم، والاحتراس، والإيضاح، والمساواة، وحسن النسق، والإيجاز، والتسهيم والتهذيب، وحسن البيان، والتمكين، والتجنيس، والمقابلة، والذم، والوصف. وبسط في بيان هذه الأنواع أتم بسط وقال هذا كله نظراً في الآية من جانب البلاغة، وأما النظر فيها من جانب الفصاحة المعنوية فهى كما ترى نظم للمعاني لطيف سديد وتأدية لها ملخصة مبينة، لا تعقيد يعثر الفكر في طلب المراد ولا التواء يشيك الطريق على المرتاد، بل ألفاظها تسابق معانيها، ومعانيها تسابق ألفاظها. وأما النظر فيها من جانب الفصاحة اللفظية فألفاظها على ما ترى عربية أصلية مستعملة جارية على قانون اللغة سليمة عن التنافر، بعيدة عن البشاعة عذبة على العذبات سلسة على الاسلات، كل منها كالماء في السلاسة وكالعسل في الحلاوة وكالنسيم في الرقة. انتهى. قلت: النظر في هذه الآية من أربع جهات: (الأول) من جهة علم البيان وهو النظر فيما فيها من المجاز وغيره كما تقدمت الإشارة إليه (والثاني) من جهة علم المعاني، وهو النظر في فائدة كل كلمة فيها وجهة كل تقديم وتأخير فيما بين جملها (والثالث والرابع) من جهة الفصاحة المعنوية واللفظية كما تقدم. وقد ذكر طرفاً من هذه الجهات الأربع النسفي في المدارك، ثم قال: ومن ثم أطبق المعاندون، على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية، ولله در شأن التنزيل لا يتأمل العالم آية من آياته إلا أدرك لطائف لا تسع الحصر. ولا تظنن الآية مقصورة على المذكور فلعل المتروك أكثر من المسطور. اهـ. قال القاضي: والآية في غاية الفصاحة لفخامة لفظها وحس نظمها والدلالة على كنه الحال مع الإيجاز الخالي عن الإخلال. قال الخفاجي: هذه الآية حوت من البلاغة أمراً عجيباً ترقص الرؤوس له طرباً وما اشتملت عليه من الفصاحة والنكات مفصل في شرح المفتاح. وقال أبو السعود: ولقد بلغت الآية الكريمة من مراتب الإعجاز قاصيتها، وملكت من غرر المزايا ناصيتها، وقد تصدى لتفصيلها المهرة المتقنون، ولعمري إن ذلك فوق ما يصفه الواصفون، فحري بنا أن نوجز الكلام في هذا الباب ونفوّض الأمر إلى تأمل أولي الألباب والله عنده علم الكتاب.

هود 11:45

(ونادى نوح ربه) أي دعاه، والظاهر أن هذا النداء كان قبل سيرها لأنه سؤال في تجاه ابنه ولا معنى للسؤال إلا عند إمكان النجاة، والمراد أنه أراد دعاءه بدليل الفاء في قوله (فقال رب إن ابني من أهلي) وعطف الشيء على نفسه غير سائغ فلابد من التقدير المذكور قاله الزمخشري. وقيل عطف تفسير أو تفصيل إذ القول المذكور هو عين النداء فهو مرتبط في المعنى بقوله (ونادى نوح ابنه) والمعنى أنه من الأهل الذين وعدتني بتنجيتهم بقولك وأهلك. فإن قيل كيف طلب نوح عليه السلام إنجاز ما وعده الله بقوله (وأهلك) وهو المستثنى منه وترك ما يفيده الاستثناء وهو إلا من سبق عليه القول فيجاب بأنه لم يعلم إذ ذاك أنه ممن سبق عليه القول فإنه كان يظنه من المؤمنين. (وإن وعدك الحق) الصدق الذي لا خلف فيه وهذا منه (وأنت أحكم الحاكمين) أي أتقن المتقنين لما يكون به الحكم فلا يتطرق إلى حكمك نقض، وقيل أراد به أعلمهم وأعدلهم أي أنت أكثر علماً وعدلاً من ذوي الحكم، وقيل أن الحاكم بمعنى ذي الحكمة كدراع.

هود 11:46

قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) ثم أجاب الله سبحانه عن نوح ببيان أن ابنه غير داخل في عموم الأهل وأنه خارج بقيد الاستثناء (قال يا نوح إنه) يعنى هذا الابن الذي سألتني نجاته (ليس من أهلك) الذين آمنوا بك وتابعوك ومن أهل دينك، وإن كان من أهلك باعتبار القرابة، قال عكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وأكثر المفسرين: أنه ابن نوح من صلبه وهو الصحيح. وعن ابن عباس قال: ما بغت امرأة نبي قط، وأن الله نص عليه بقوله (ونادى نوح ابنه) ونوح أيضاً نص عليه بقوله (يا بني) ولا يجوز صرف الكلام عن الحق إلى المجاز من غير ضرورة. وقيل المعنى إنه ليس من الذين وعدتك أن أنجيهم معك، وإنما خالف هذا الظاهر من خالفه لأنه استبعد أن يكون ولد نبي كافراً، وهذا خطأ ممن قاله لأن الله يخرج الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر، ولا فرق في ذلك بين الأنبياء وغيرهم، فإن الله سبحانه قد أخرج قابيل من صلب آدم وهو نبي وكان كافراً. وأخرج إبراهيم: وهو نبي من صلب آزر وكان كافرآ، فكذلك أخرج كنعان من صلب نوح وهو كافر، فهو المتصرف في خلقه كيف شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ثم صرح بالعلة الموجبة لخروجه من عموم الأهل المبينة له بأن المراد بالقرابة قرابة الدين لا قرابة النسب وحده فقال (إنه عمل غير صالح) قرأ الجمهور (عمل) على لفظ المصدر وقرئ على لفظ الفعل، ومعنى الأولى المبالغة في ذمه كأنه جعل نفس العمل وأصله ذو عمل غير صالح، كذا قال أبو إسحق الزجاجي وأبو علي الفارسي وابن الأنباري والواحدي، وعبارة الصاوي إن الضمير عائد إلى الولد، ويقال في الإخبار عنه بعمل ما قيل في زيد عدل وهو الراجح. اهـ. ومعنى الثانية ظاهر، أي أنه عمل عملاً غير صالح، وهو كفره وعدم متابعته لأبيه. قاله أبو علي. قال الصاوي: أشار السيوطي إلى أن الضمير في (أنه) عائد إلى نوح على حذف مضاف، والمعنى قال الله له: يا نوح إن سؤالك عمل غير مقبول. انتهى. ويؤيده ما قال ابن عباس: يقول مسألتك اياي يا نوح عمل غير صالح لا أرضاه لك. ثم نهاه عن مثل هذا السؤال فقال (فلا تسألن ما ليس لك به علم) أي ما لا تعلم أصواب هو فتسأل عنه أم ليس كذلك فتتركه، وهو وإن كان نهياً عاماً بحيث يشمل كل سؤال لا يعلم صاحبه إن حصول مطلوبه منه صواب فهو يدخل تحته سؤاله هذا دخولاً أولياً. وفيه عدم جواز الدعاء بما لا يعلم الإنسان مطابقته للشرع وسمى دعاءه سؤالاً لتضمنه معنى السؤال باعتبار استنجازه في شأن ولده. (إني أعظك) من (أن تكون من الجاهلين) أي أحذرك وأنهاك أن تكون جاهلاً فتسأل مثل ما يسألون كقوله يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً، وسمى سؤاله جهلاً لأن حب الولد شغله عن تذكر استثناء من سبق عليه القول منهم بالإهلاك قاله الكرخي. قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48) وقيل المعنى أرفعك أن تكون منهم، قال ابن العربي: وهذه زيادة من الله وموعظة يرفع بها نوحاً عن مقام الجاهلين، ويعليه بها إلى مقام العلماء العاملين. ثم لما علم نوح بأن سؤاله لم يطابق الواقع وأن دعاءه ناشئ عن وهم كان يتوهم بادر إلى الاعتراف بالخطأ وطلب المغفرة والرحمة و

هود 11:47

(قال رب إني أعوذ بك) أي ألجأ إليك وأعتذر من (أن أسألك ما ليس لي به علم) أي أطلب منك بعد ذلك ما لا علم لي بصحته وجوازه (وإلا تغفر لي) ذنب ما دعوت به على غير علم مني وجهلي وإقدامي عليه (وترحمني) برحمتك التي وسعت كل شيء فتقبل توبتي (أكن من الخاسرين) في أعمالي فلا أربح فيها. وليس في الآية ما يقتضي صدور ذنب ومعصية من نوح سوى تأويله وإقدامه على سؤال ما لم يؤذن له فيه. وهذا ليس بذنب ولا معصية. وقال الخطيب: أخطأ في ذلك الاجتهاد كما وقع لآدم في الأكل من الشجرة فلم يصدر منه إلا هذه الزلة.

هود 11:48

(قيل يا نوح) القائل هو الله أو الملائكة (اهبط) أي أنزل من السفينة إلى الأرض أو من الجبل إلى المنخفض منها فقد بلعت الأرض ماءها وجفت (بسلام منا) أي بسلامة وأمن. وقيل بتحية وعظمة كما قال (سلام على نوح في العالمين) وذلك أن الغرق لما كان عاماً في جميع الأرض فعندما خرج من السفينة علم أنه ليس في الأرض شيء ينتفع به من النبات والحيوان فكان كالخائف في أنه كيف يعيش وكيف يدفع جهات الحاجات عن نفسه من المأكول والمشروب، فلما قال الله ذلك زال عنه الخوف لأن السلامة لا تكون إلا مع الأمن وسعة الرزق. ثم أردفه الله تعالى بالبركة بقوله (وبركات) أي خيرات نامية ونعم ثابتة باقية دائمة في نسلك وما يقوم به معاشك ومعاشهم من أنواع الأرزاق والبركة مشتق من بروك الجمل وهو ثبوته ومنه البركة لثبوت الماء فيها (عليك) وفي هذا الخطاب دليل على قبول توبته ومغفرة زلته وخلاصه من الخسران وإعلام وبشارة من الله تعالى بفيضان أنواع الخيرات عليه في كل ما يأتي وما يذر. (وعلى أمم) ناشئة وهم المُتَشَعّبُونَ (ممن معك) أي من ذرية من كان معك في السفينة وهي الأمم إلى آخر الدهر؛ قيل الذين كانوا معه في السفينة لم يعقب أحد منهم إلا أولاد نوح الثلاثة، فانحصر النوع الإنساني بعد نوح في ذريته ولذلك يقال أنه آدم الصغير وقد كان بينه وبين آدم ألف سنة وثمانية أجداد. فالمراد من هذه الآية تقسيم ذرية أولاد نوح إلى فريق مؤمن وفريق كافر لا تقسيم من كان معه في السفينة إذ كانوا كلهم مؤمنين، قال أبو السعود: ويجوز أن تكون من بيانية أي وعلى أمم هم الذين معك، وإنما سموا أمماً لأنهم أمم متحزبة وجماعات متفرقة أو لأن جميع الأمم إنما تشعبت منهم، فحينئذ يكون المراد بالأمم المشار إليهم في قوله (وأمم سنمتعهم) بعض الأمم المتشعبة منهم وهي الأمم الكافرة المتناسلة منهم إلى يوم القيامة، ويبقى أمر الأمم المؤمنة الناشئة منهم مبهماً غير متعرض له ولا مدلول عليه ومع ذلك ففي دلالة المذكور على خبره المحذوف خفاء، لأن من المذكورة بيانية والمحذوفة تبعيضية أو ابتدائية فتأمل اهـ. قيل أراد الله سبحانه بهذا الأمم الذين كانوا معه من صار مؤمناً من ذريتهم وأراد بقوله وأمم سنمتعهم من صار كافراً من ذريتهم إلى يوم القيامة، والتقدير ومنهم أمم أو يكون أمم، والمعنى سنمتعهم في الدنيا بما فيها من المتاع ونعطيهم منها ما يعيشون به (ثم يمسهم منا) في الآخرة أو في الدنيا (عذاب أليم) وعن الضحاك قال: وعلى أمم ممن معك يعني ممن لم يولد أوجب الله لهم البركات لما سبق لهم في علم الله من السعادة، وأمم سنمتعهم يعني متاع الحياة الدنيا لما سبق لهم في علم الله من الشقاوة. قال محمد بن كعب القرظي: دخل في ذلك السلام والبركات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ودخل في ذلك العذاب الأليم كل كافر وكافرة إلى يوم القيامه وعن ابن زيد: هبطوا والله راض عنهم، ثم أخرج منهم نسلاً منهم من رحم الله ومنهم من عذب، وقيل المراد بالأمم الممتعة قوم هود وصالح ولوط وشعيب وبالعذاب ما نزل بهم، وإلى هنا انتهت قصة نوح عليه السلام. تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49) وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51)

هود 11:49

(تلك) أي قصة نوح وهو مبتدأ (من أنباء الغيب) خبره أي من جنسها والأنباء جمع نبأ وهو الخبر أي أخبار الغيب التي مرت بك في هذه السورة (نوحيها) أي القصة (إليك) خبر ثانٍ والمجيء بالمضارع لاستحضار الصورة. (ما كنت) يا محمد (تعلمها أنت) تفصيلاً خبر ثالث وإلا كانت مشهورة عند كل القرون لكن إجمالاً (ولا) يعلمها (قومك) يعني العرب بل هي مجهولة عندكم وفي ذكرهم تنبيه على أنه لم يتعلمه إذا لم يخالط غيرهم وإنهم مع كثرتهم لما لم يسمعوه فكيف بواحد منهم (من قبل هذا) أي الوحي أو القرآن أو من قبل هذا الوقت، (فاصبر) على ما تلاقيه من كفار زمانك كما صبر نوح على أذى قومه والفاء لتفريع ما بعدها على ما قبلها (إن العاقبة) المحمودة في الدنيا والآخرة (للمتقين) لله المؤمنين بما جاءت به رسله؛ وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتبشير له بأن الظفر للمتقين في عاقبة الأمر ولا اعتبار بمباديه.

هود 11:50

(و) أرسلنا (إلى عاد أخاهم هوداً) أي واحداً منهم النسب لا في الدين، وهود عطف بيان وقوم عاد كانوا عبدة أوثان وقد تقدم مثل هذا في الأعراف، وقيل هم عادان الأولى والأخرى، فهؤلاء هم عاد الأولى من ذرية سام ابن نوح، وعاد الأخرى هم شداد ولقمان وقومهما المذكورون في قوله (إرم ذات العماد) وأصل عاد اسم رجل ثم صار اسماً للقبيلة كتميم وبكر ونحوهما وبين هود ونوح ثمانمائة سنة وعاش أربعمائة سنة وأربعاً وستين سنة. (قال يا قوم اعبدوا الله) وحدوه ولا تشركوا معه شيئاً في العبادة (ما لكم من إله غيره) في معنى العلة لما قبله قرئ غيره بالجر على اللفظ، وبالرفع على محل من إله، وبالنصب على الاستثناء (إذ أنتم) أي ما أنتم باتخاذ إله غير الله وجعله شفيعاً (إلا مفترون) أي كاذبون على الله عزّ وجل. ثم خاطبهم فقال

هود 11:51

(يا قوم لا أسألكم عليه أجراً) أي لا أطلب منكم أجراً على الذي أبلغكم وأنصحكم به من الإرشاد إلى عبادة الله وحده وأنه لا إله لكم سواه، فالضمير راجع إلى مضمون هذا الكلام وخاطب بهذا كل نبي قومه إزاحة لما عسى أن يتوهموه وإمحاضاً للنصحية، فإنها ما دامت مشوبة بالمطامع فهي بمعزل عن التأثير، وقد تقدم معنى هذا في قصة نوح وقال هنا أجراً وهناك ما لا تفنناً أو لذكر الخزائن بعده هناك ولفظ المال بها أليق. (إن أجري إلا على الذي فطرني) أي ما أجري الذي أطلب إلا ممن خلقني فهو الذي يثيبني على ذلك (أفلا تعقلون) إن أجر الناصحين إنما هو من رب العالمين. وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) ثم أرشدهم إلى الاستغفار والتوبة فقال

هود 11:52

(ويا قوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه) أي اطلبوا مغفرته لما سلف من ذنوبكم بفعل الطاعة ثم توسلوا إليه بالتوبة وقد تقدم زيادة بيان لمثل هذا في قصة نوح ثم رغبهم في الإيمان بالخير العاجل فقال (يرسل السماء عليكم مدراراً) أي كثير الدرور أي السيلان والنزول والتتابع، والسماء المطر يقال درت السماء تدر فهي مدرار، ولم يؤنثه لأن المراد بالسماء المؤنثة السحاب أو المطر كما تقدم فذكر على المعنى أو أن مفعالاً للمبالغة فيستوي فيه المذكر والمؤنث أو أن الهاء حذفت من مفعال على طريق النسب قاله مكي. وكان قوم هود أهل بساتين وزروع وعمارة وكانت مساكنهم الرمال التي بين الشام واليمن، عن الضحاك قال: أمسك الله القطر عن عاد ثلاث سنين فأجدبت بلادهم وقحطت بسبب كفرهم فقال لهم هود (استغفروا) الآية فأبوا إلا تمادياً. (ويزدكم قوة إلى قوتكم) أي شدة مضافه إلى شدتكم أو خصباً إلى خصبكم أو عزاً إلى عزكم، قال الزجاج: قوة في النعم، وقال عكرمة: القوة إلى القوة ولد الولد، وقيل كانت قد عقمت نساؤهم ثلاثين سنة لم تلد؛ وقيل قوة في الدين إلى قوة الأبدان. (ولا تتولوا مجرمين) أي لا تعرضوا عما أدعوكم إليه وتقيموا على الكفر مصرين عليه والإجرام الآثام كما تقدم ثم أجابه قومه بما يدل على فرط جهالتهم وعظيم غباوتهم.

هود 11:53

(قالوا يا هود ما جئتنا ببينة) أي بحجة واضحة نعمل عليها ونؤمن لك بها غير معترفين بما جاءهم به من حجج الله وبراهينه عناداً وبعداً عن الحق والباء للتعدية أو للمصاحبة (وما نحن بتاركي آلهتنا) التي نعبدها من دون الله (عن قولك) أي لأجله أو تركاً صادراً عنه، فعن على الأول للتعليل كما أشار إليه ابن عطية ولكن المختار الثاني ولم يذكر الزمخشري غيره. (وما نحن لك بمؤمنين) أي بمصدقين في شيء مما جئت به

هود 11:54

(إن نقول إلا اعتراك) يقال عراه الأمر واعتراه إذا ألم به أي ما نقول إلا أنه أصابك (بعض آلهتنا) التي تعيبها وتسفه رأينا في عبادتها (بسوء) بجنون حتى نشأ عنه ما تقوله لنا وتكرره علينا من التنفير عنها والاستثناء مفرغ كما قال الزمخشري. فأجابهم بما يدل على عدم مبالاته بهم وعلى وثوقه بربه وتوكله عليه وأنهم لا يقدرون على شيء مما يريده به الكفار، بل الله سبحانه هو الضار النافع (قال إني أشهد الله) على نفسي (واشهدوا) أنتم أيضاً عليها (أني بريء مما تشركون) به

هود 11:55

(من دونه) أي من إشراككم من دون الله من غير أن ينزل به سلطاناً (فكيدوني جميعاً) أنتم وآلهتكم إن كانت كما تزعمون من أنها تقدر على الإضرار بي وإنها اعترتني بسوء (ثم لا تنظرون) أي لا تمهلوني بل عاجلوني واصنعوا ما بدا لكم واحتالوا في هلاكي. وفي هذا من إظهار عدم المبالاة بهم وبأصنامهم التي يعبدونها ما يصك مسامعهم ويوضح عجزهم وعدم قدرتهم على شيء وهذا من معجزاته الباهرة. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)

هود 11:56

(إني توكلت على الله ربي وربكم) فهو يعصمني من كيدكم وإن بلغتم في تطلب وجوه الإضرار بي كل مبلغ فمن توكل على الله كفاه. ثم لما بين لهم توكله على الله وثقته بحفظه وكلاءته وصفه بما يوجب التوكل عليه والتفويض إليه من اشتمال ربوبيته عليه وعليهم وأنه مالك للجميع فقال (ما من دابة) تدب على الأرض (الا هو آخذ بناصيتها) أي أن ناصية كل دابة. قال الرازي وهو بعيد لأن شرط الناسخ أن يكون رافعاً لحكم المنسوخ، ومدلول الآية اختصاص كل واحد بأفعاله وبثمرات أفعاله من الثواب والعقاب وآية القتال ما رفعت شيئاً من مدلولات هذه الآية، بل هو باق فكان القول بالنسخ باطلاً. (ومنهم من يستمعون إليك) بين الله سبحانه في هذا أن في أولئك الكفار من بلغت حاله في النفرة والعداوة إلى هذا الحد وهي أنهم يستمعون إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قرأ القرآن وعلم الشرائع في الظاهر ولكنهم لا يسمعون في الحقيقة لعدم حصول أثر السماع وهو حصول القبول والعمل بما يسمعونه، وجمع الضمير في يستمعون حملاً على معنى من وأفرده في ومنهم من ينظر حملاً على لفظه، قيل والنكتة كثرة المستمعين بالنسبة إلى الناظرين لأن الاستماع لا يتوقف على ما يتوقف عليه النظر من المقابلة وانتفاء الحائل وانفصال الشعاع والنور الموافق لنور البصر، والتقدير في قوله ومنهم من يستمعون ومنهم من ينظر ومنهم ناس يستمعون ومنهم بعض ينظر. (أفأنت تسمع الصم) الهمزة للإنكار يعني أن هؤلاء وإن استمعوا في الظاهر فهم صم والصمم مانع من سماعهم فكيف يطمع منهم في ذلك مع حصول المانع وهو الصمم، فكيف إذا انضم إلى ذلك (لو كانوا لا يعقلون) فإن من كان أصم غير عاقل لا يفهم شيئاً ولا يسمع ما يقال له، والفاء عاطفة. وفيه تنبيه على أن حقيقة استماع الكلام فهم المعنى المقصود منه ولذلك لا توصف به البهائم وهو لا يتأتى إلا باستعمال العقل السليم في تدبره، وعقولهم لما كانت مريضة بمعارضة الوهم ومتابعة الإلف والتقليد، تعذر إفهامهم الحكم والمعاني الدقيقة فلم ينتفعوا بسرد الألفاظ عليهم غير ما ينتفع به البهائم من كلام الناعق. والكلام في (ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون) كالكلام فيما تقدم لأن العمى مانع فكيف يطمع من صاحبه في النظر، وقد انضم إلى فقد البصر فقد البصيرة لأن الأعمى الذي له في قلبه بصيرة قد يكون له من الحدس الصحيح ما يفهم به في بعض الأحوال فهما يقوم مقام النظر، وكذلك الأصم (وعصوا) أي رؤساؤهم وسفلتهم (رسله) أي هوداً وحده لأنه لم يكن في عصره رسول سواه، وإنما جمع هنا للتعظيم أو لأن من كذب رسولاً فقد كذب جميع الرسل. وقيل إنهم عصوا هوداً ومن كان قبله من الرسل أو كانوا بحيث لو بعث الله إليهم رسلاً متعددين لكذبوهم (واتبعوا أمر كل جبار عنيد) الجبار المتكبر والعنيد الطاغي الذي لا يقبل الحق ولا يذعن له ويتجاوز في الظلم. قال أبو عبيدة: العنيد والعنود والعاند والمعاند هو المعارض بالخلاف منه، ومنه قيل للعرق الذي يتفجر بالدم عاند، وعن قتادة قال: عنيد مشرك، وقال السدي: العنيد المشاق. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62)

هود 11:60

(واتبعوا) أي جميعهم أو السفلة والرؤساء (في هذه الدنيا لعنة) أي ألحقوها على لسان الأنبياء، واللعنة هي الإبعاد من الرحمة والطرد من الخير، والمعنى أنها لازمة لهم لا تفارقهم ما داموا في الدنيا (و) اتبعوها (يوم القيامة) فلعنوا هنالك كما لعنوا في الدنيا. قال السدي: لم يبعث نبي بعد عاد ألا لعنت على لسانه، وقال قتادة: تتابعت عليهم لعنتان من الله، لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة. (ألا إن عاداً كفروا ربهم) قال الفراء: أي بنعمة ربهم، يقال كفرته وكفرت به مثل شكرته وشكرت له (ألا بعداً لعاد قوم هود) أي لا زالوا مبعدين من رحمة الله، والبعد الهلاك والتباعد عن الخير، يقال بعد يبعد بعدًا إذا تأخر وتباعد، وبعد يبعد بعداً إذا هلك، والمبالغة في التنصيص والتكرير بعبارتين مختلفتين تدل على تقوية التأكيد ونهاية التحقيق، وقد تقدم إن العرب تستعمله في الدعاء بالهلاك.

هود 11:61

(و) أرسلنا (إلى ثمود أخاهم صالحاً) وهم سكان الحجر، فقوم هود عاد الأولى وقوم صالح عاد الثانية كما قال المحلي في سورة النجم، وقرأ الحسن ثمود بالتنوين في جميع المواضع، واختلف سائر القراء فيه فصرفوه في موضع ولم يصرفوه في موضع، فالصرف باعتبار التأويل بالحي والمنع بالقبيلة، وهكذا سائر ما يصح فيه التأويلان، وبين صالح وهود مائة سنة، وعاش صالح مائتي سنة وثمانين سنة ومكانهم بين الشام والمدينة، وتقدم في الأعراف بسط قصتهم وقصة الناقة بأكثر مما هنا. والكلام فيه وفي قوله (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) كما تقدم في قصة هود (هو أنشأكم من الأرض) أي ابتدأ خلقكم لأن كل بني آدم من صلب آدم وهو مخلوق منها فمن لابتداء الغاية، وقيل هي بمعنى في (واستعمركم فيها) أي جعلكم عمارها وسكانها من قولهم أعمر فلان فلاناً داره فهي له عمرى فيكون استفعل بمعنى افعل مثل استجاب بمعنى أجاب والسين والتاء زائدتان. وقال الضحاك: معناه أطال عمركم، وكانت أعمارهم ثلثمائة إلى ألف سنة، وقيل معناه أمركم بعمارتها من بناء المساكن وغرس الأشجار. وقال ابن زيد: استخلفكم فيها. (فاستغفروه) أي سلوه المغفرة لكم من عبادة الأصنام (ثم توبوا إليه) أي ارجعوا إلى عبادته (إن ربي قريب مجيب) أي قريب الإجابة لمن دعاه، وقد تقدم القول فيه في البقرة عند قوله تعالى (فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان).

هود 11:62

(قالوا يا صالح قد كنت فينا مرجواً) أي كنا نرجو أن تكون فينا سيداً مطاعاً ننتفع برأيك ونسعد بسيادتك لما نرى فيك من مخايل الرشد والسداد لأنه كان من قبيلتهم، وكان يعين ضعيفهم ويغني فقيرهم (قبل هذا) الذي أظهرته من ادعائك النبوة ودعوتك إلى التوحيد، وقيل كان صالح يعيب آلهتهم وكانوا يرجون رجوعه إلى دينهم فلما دعاهم إلى الله قالوا انقطع رجاؤنا منك. والاستفهام في قوله: (أتنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا) للإنكار، أنكروا عليه هذا النهي، والمعنى ما كان يعبد آباؤنا فهو حكاية حال ماضية لاستحضار الصورة (وإننا لفي شك مما تدعونا إليه) من عبادة الله (مريب) موقع في الريبة من أربته فأنا أريبه إذا فعلت به فعلاً يوجب له الريبة، وهي قلق النفس وانتفاء

هود 11:63

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) الطمأنينة أو من أراب الرجل إذا كان ذا ريبة، فالإسناد مجازى للمبالغة كجد جده، والظاهر أنه على الأول مجازى أيضاً، والمعنى أننا مرتابون في عبادة الله وحده وترك عبادة الأوثان، والتنوين فيه وفي شك للتفخيم. (قال يا قوم أرأيتم) قال ابن عطية: هي من رؤية القلب، والشرط الذي بعده وجوابه يسد مسد مفعولين لأرأيتم. قال الشيخ: والذي تقرر أن أرأيت ضمن معنى أخبرني، وعلى تقدير أن لا يضمن فجعله الشرط والجواب لا تسد مسد مفعولي علمت. (إن كنت على بينة من ربي) أي حجة ظاهرة وبرهان صحيح (وآتاني منه) أي من جهته (رحمة) أي نبوة، وهذه الأمور وإن كانت متحققة الوقوع لكنها صدرت بكلمة الشك اعتباراً بحال المخاطبين لأنهم في شك من ذلك كما وصفوه عن أنفسهم، وعبارة الشهاب أنه من باب إرخاء العنان. (فمن ينصرني من الله) استفهام معناه النفي أي لا ناصر لي يمنعني من عذاب الله والنصرة مستعملة في لازم معناها وهو المنع ولذا عدي بمن (إن عصيته) في تبليغ الرسالة وراقبتكم وفترت عما يجب علي من البلاغ (فما تزيدونني) بتثبيطكم إياي (غير تخسير) بأن تجعلوني خاسراً بإبطال عملي وما منحني الله والتعرض لعقوبة الله لي، قال الفراء: أي تضليل وإبعاد من الخير. وقيل المعنى فما تزيدونني باحتجاجكم بدين آبائكم غير بصيرة بخسارتكم، وقال مجاهد وعطاء الخراساني: ما تزدادون أنتم إلا خساراً. وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)

هود 11:64

(ويا قوم هذه ناقة الله لكم آية) أي معجزة ظاهرة، وقد مر تفسير هذه الآية في الأعراف، وإنما قال هذه ناقة الله لأنه أخرجها لهم من جبل على حسب اقتراحهم. وقيل من صخرة صماء، والإضافة للتشريف كبيت الله وعبد الله (فذروها) أي فدعوها (تأكل في أرض الله) مما فيها من المراعي التي تأكلها الحيوانات وليس عليكم كلفة في مؤنتها، وهذا من تتمة إلزامهم. قال الكرخي: أي ترع نباتها وتشرب ماءها فهو من قبيل الاكتفاء نحو (تقيكم الحر) وجعل تأكل من عموم المجاز يحتاج إلى قرينة صارفة. (ولا تمسوها بسوء) قال الفراء: بعقر، والظاهر أن النهي عما هو أعم من ذلك (فيأخذكم) إن قتلتموها (عذاب قريب) في الدنيا، جواب النهي أي قريب من عقرها وذلك ثلاثة أيام.

هود 11:65

(فعقروها) أي فلم يمتثلوا الأمر من صالح ولا النهي بل خالفوا كل ذلك فوقع منهم العقر لها وعقرها قدار وهو من اشقى الأشقياء (فقال) لهم صالح (تمتعوا في داركم) أي بالعيش في منازلكم أو بلادكم ومساكنكم فإن العقاب نازل عليكم وعبر عن الحياة بالتمتع لأن الحي يكون متمتعاً بالحواس (ثلاثة أيام) ثم تهلكون قيل عقروها يوم الأربعاء فأقاموا الخميس والجمعة والسبت وأتاهم العذاب يوم الأحد. (ذلك) أي التمتع ثلاثة أيام (وعد غير مكذوب) فيه، فحذف الجار اتساعاً أو من باب المجاز كأن الوعد إذا وفي به صدق ولم يكذب، ويجوز أن يكون مصدراً أي وعد غير كذب. فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67)

هود 11:66

(فلما جاء أمرنا) أي عذابنا أو أمرنا بوقوع العذاب (نجينا صالحاً والذين آمنوا معه برحمة) عظيمة (منا) قد تقدم تفسير هذا في قصة هود، والباء للسببية أو للمصاحبة وهي بالنسبة إلى صالح النبوة وبالنسبة إلى المؤمنين الإيمان (و) نجيناهم (من خزي يومئذ) وهو هلاكهم بالصيحة، وسمي خزياً لأن فيه خزياً للكفار والخزي الذل والمهانة، وقيل من عذاب يوم القيامة والأول أولى ويومئذ بكسر الميم إعراباً وفتحها بناء لإضافته إلى مبنى، قال السيوطي: وهو الأكثر أي في الاستعمال وإلا فهما قراءتان سبعيتان على السواء (إن ربك هو القوي العزيز) القادر الغالب الذي لا يعجزه شيء والخطاب لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) والقصة تمت عند قوله يومئذ.

هود 11:67

(وأخذ الذين ظلموا الصيحة) أي في اليوم الرابع من عقر الناقة صيح بهم فماتوا وذكر الفعل لأن الصيحة والصياح واحد مع كون التأنيث غير حقيقي والصيحة فعلة تدل على المرة من الصباح وهو الصوت الشديد يقال صاح يصيح صياحاً أي صوت بقوة قيل صيحة جبريل وقيل صيحة من السماء فتقطعت قلوبهم وماتوا وتقدم في الأعراف فأخذتهم الرجفة قيل ولعلها وقعت عقب الصيحة. (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) ميتين صرعى هلكى ساقطين على وجوههم موتى قد لصقوا بالتراب كالطير إذا جثمت، والجثوم كالركوب من البعير والفاعل جاثم وجثام مبالغ يقال جثم الطائر والأرنب يجثم. كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68) وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)

هود 11:68

(كان لم يغنوا فيها) أي كأنهم لم يقيموا في بلادهم أو ديارهم ولم يعيشوا فيها ولم يعمروا ولم ينعموا، والتقدير مماثلين لمن لم يوجد ولم يقم في مقام قط، يقال غنيت بالمكان إذا أتيته وأقمت فيه. (ألا إن ثمود كفروا ربهم) وضع الظاهر موضع المضمر لزيادة البيان وصرح بكفرهم مع كونه معلوماً تعليلاً للدعاء عليهم بقوله (ألا بعداً لثمود) بالصرف وتركه قراءتان سبعيتان على معنى الحي والقبيلة وقد تقدم تفسير هذه القصة في الأعراف بما يحتاج إلى مراجعته ليضم ما في إحدى القصتين من الفوائد إلى الأخرى.

هود 11:69

(ولقد جاءت رسلنا إبراهيم) بسكون السين وضمها حيثما وقع مضافاً إلى الضمير بخلاف ما إذا أضيف إلى مظهر فليس فيه إلا ضمها، وهذا شروع في قصة إبراهيم لكنها مذكورة هنا توطئة لقصة لوط لا استقلالاً ولذا لم يذكرها على أسلوب ما قبلها وما بعدها فلم يقل وأرسلنا إبراهيم إلى كذا، وعاش إبراهيم من العمر مائة وخمساً وسبعين سنة وبينه وبين نوح ألفا سنة وستمائة سنة وأربعون سنة، وابنه إسحاق عاش مائة وثمانين سنة ويعقوب بن إسحاق عاش مائة وخمساً وأربعين سنة، ولوط عليه السلام هو ابن أخي إبراهيم عليه السلام. وكانت قرى قوم لوط بنواحي الشام وإبراهيم ببلاد فلسطين فلما أنزل الله الملائكة بعذاب قوم لوط مروا بإبراهيم ونزلوا عنده وكان كل من نزل عنده يحسن قِراه وكان مرورهم عليه لتبشيره بهذا البشارة الآتية فظنهم أضيافاً وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل، قاله عطاء، وقيل كانوا تسعة قاله الضحاك، وقيل أحد عشر قاله السدي، وقيل اثني عشر قاله مقاتل، وقيل كان جبريل ومعه سبعة أملاك، قاله محمد بن كعب القرظي والأول أولى لأن أقل الجمع ثلاثة. (بالبشرى) التي بشروه بها هي بشارته بالولد وقيل بإهلاك قوم لوط، والأول أولى (قالوا سلاماً) أي سلمنا عليك سلاماً وهذه تحيتهم التي وقعت منهم وهي لفظ سلاماً (قال) لهم إبراهيم (سلام) أي أمركم سلام أو عليكم سلام وهذه التحية الواقعة منه جواباً وهي لفظ سلام وحياهم بالجملة الاسمية في جواب تحيتهم بالفعلية ومن المعلوم أن الأولى أبلغ من الثانية فكانت تحيته أحسن من تحيتهم كما قال تعالى (فحيوا بأحسن منها). (فما لبث) أي إبراهيم (أن جاء بعجل حنيذ) قال أكثر النحاة " أن " هنا بمعنى حتى، وقيل التقدير فما لبث عن أن جاء أي ما أبطأ إبراهيم عن مجيئه بعجل، وما نافية قاله سيبويه، وقال الفراء: فما لبث مجيئه أي ما أبطأ مجيئه، وقيل أن ما موصولة والتقدير فالذي لبث إبراهيم هو مجيئه والحنيذ المشوي مطلقاً. وقيل المشوي بحرِّ الحجارة من غير أن تمسه النار، وهذا من فعل أهل البادية يقال حنذ الشاة يحنذها جعلها فوق حجارة محماة لينضجها فهي حنيذ وقيل هو سمين وقيل هو السميط، وقيل النضيج وهو فعيل بمعنى مفعول وإنما جاءهم بعجل لأن البقر كانت أكثر أمواله.

هود 11:70

(فلما رأى) الرؤية بصريه أي أبصر (أيديهم لا تصل إليه) أي لا يمدونها إلى العجل المشوي كما يمد يده من يريد الأكل (نكرهم) يقال نكرته وأنكرته واستنكرته إذا وجدته على غير ما تعهد، ويقال أنكرت لما تراه بعينك ونكرت لما تراه بقلبك، قيل وإنما استنكر منهم ذلك لأن عادتهم إن الضيف إذا نزل بهم ولم يأكل من طعامهم ظنوا أنه قد جاء بشر، ولم يأت بخير قاله قتادة. وفي الذاريات (قوم منكرون) أي غرباء لا أعرفهم قال ذلك في نفسه كما قاله ابن عباس، وقيل إنما أنكر أمرهم لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان، وقال أبو العالية: أنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض. (وأوجس منهم) أي أحس في نفسه (خيفة) أي خوفاً وفزعاً، وقيل معنى أوجس أضمر في نفسه، والأول ألصق بالمعنى اللغوي، والوجس هو رعب القلب والإيجاس الإدراك وقيل الإضمار، وفي السمين الإيجاس حديث النفس وأصله من الدخول كأن الخوف داخله والوجيس ما يعتري النفس أو أن الفزع ووجس في نفسه كذا أي خطر بها يجس وجساً ووجيساً وكأنه ظن أنهم قد نزلوا به لأمر ينكره أو لتعذيب قومه. (قالوا لا تخف) قالوا له ذلك مع كونه لم يتكلم بما يدل على الخوف بل أوجس ذلك في نفسه فلعلهم استدلوا على خوفه بأمارات كظهور أثره على وجهه أو قالوه له بعد ما قال عقب ما أوجس في نفسه من الخيفة قولاً يدل على الخوف كما في قوله في سورة الحجر (قال إنا منكم وجلون) ولم يذكر ذلك هاهنا اكتفاء بما هنالك. ثم عللوا نهيه عن الخوف بقولهم (إنا أرسلنا إلى قوم لوط) خاصة ولوط أول من آمن بإبراهيم وأبوه هاران أخو إبراهيم، ويمكن أن يكون إبراهيم عليه السلام قد قال قولاً يكون هذا جواباً عنه كما قال: (فما خطبكم أيها المرسلون * قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين).

هود 11:71

وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) (وامرأته) أي سارَّة زوجة إبراهيم وهي ابنة هارون بن ناحورا وهي ابنة عمّ إبراهيم (قائمة) قيل كانت قائمة عند تحاورهم وراء الستر تسمع كلامهم وقيل كانت واقفة قائمة تخدم الملائكة وهو جالس؛ والجملة مستأنفة أو حالية (فضحكت) الضحك هنا هو الضحك المعروف الذي يكون للتعجب أو للسرور كما قاله الجمهور، وأصل الضحك انبساط الوجه من سرور يحصل للنفس ولظهور الأسنان عنده سميت مقدمات الأسنان الضواحك ويستعمل في السرور المجرد وفي التعجب المجرد أيضا وعليه أكثر المفسرين. وقال مجاهد وعكرمة أنه الحيض، والعرب تقول ضحكت الأرنب إذا حاضت وقد أنكر بعض اللغويين أن يكون في كلام العرب ضحكت بمعنى حاضت، قال الراغب: وقول من قال حاضت ليس تفسيراً لقوله فضحكت كما تصوره بعض المفسرين وإنما ذكر ذلك تنصيصاً لحالها فإن ذلك أمارة لما بشرت به فحيضها في الوقت ليعلم أن حملها ليس بمنكر لأن المرأة ما دامت تحيض فإنها تحمل. قال الفراء: ضحكت بمعنى حاضت لم نسمعه من ثقة، وقال الزجاج: ليس بشيء ضحكت بمعنى حاضت، وقال ابن الأنباري: قد أنكر الفراء وأبو عبيده أن يكون ضحكت بمعنى حاضت، وقال في المحكم: ضحكت المرأة حاضت والأول أولى ولا مصير إلى المجاز إلا عند تعذر الحقيقة، وظاهر النص أنها ضحكت. قال قتادة: ضحكت تعجباً مما فيه قوم لوط من الغفلة ومما أتاهم من العذاب، وقال السدي: ضحكت تعجباً من عدم أكلهم، وقال مقاتل والكلبي: ضحكت من خوف إبراهيم من ثلاثة وهو فيما بين خدمه وحشمه وخواصه. وقيل ضحكت من زوال الخوف عنها وعن إبراهم، حين قالوا لا تخف. وقيل ضحكت سررواً من البشارة. وقال وهب: ضحكت تعجباً من أن يكون لها ولد على كبر سنها وسن زوجها. وقيل غير ذلك مما ليس في ذكره كثير فائدة والله أعلم مما ضحكت. وقال ابن عباس: حاضت وهي بنت ثمان وتسعين سنة. وعن مجاهد قال: وكان إبراهيم ابن مائة سنة. (فبشرناها بإسحاق) ظاهره أن التبشير كان بعد الضحك، وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، والمعنى فبشرناها فضحكت سروراً بالولد وولد إسحق بعد البشارة بسنة وكانت ولادته بعد إسماعيل بأربعة عشر سنة (ومن وراء) أي وهبنا لها من وراء (إسحاق يعقوب) وقرئ بجر يعقوب ومنعه الفراء وقرئ بالرفع على الابتداء وخبره الظرف الذي قبله وبالنصب وهما سبعيتان. وقد وقع التبشير هنا لها ووقع لإبراهيم في قوله تعالى (وبشرناه بغلام حليم) وبشروه بغلام عليم لأن كل واحد منهما مستحق للبشارة به لكونه منهما، قال ابن عباس: هو ولد الولد أي فبشرت بأنها تعيش حتى ترى ولد الولد وقد رأته.

هود 11:72

قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) (قالت يا ويلتا) مستأنفة كأنه قيل فماذا قالت وهي لم ترد الدعاء على نفسها بالويل، ولكنها كلمة تقع كثيراً على أفواه النساء إذا طرأ عليهن ما يعجبن منه، وأصل الويل الخزي، ثم شاع في كل أمر فظيع، والألف مبدلة من ياء الإضافة والاستفهام في قولها. (أألد وأنا عجوز) للتعجب، أي كيف ألد وأنا شيخة قد طعنت في السن يقال عجزت تعجز مخففاً ومثقلاً عجزاً وتعجيزاً أي طعنت في السن، ويقال عجوز وعجوزة، وأما عجزت بكسر الجيم فمعناه عظمت عجيزتها (وهذا بعلي) أي زوجي إبراهيم (شيخاً) لا تحبل من مثله النساء ونصبه على الحال والعامل فيه معنى اسم الإشارة. ومثل هذه الحال من غوامض العربية إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر، وقرئ بالرفع على أنه خبر محذوف أي هو شيخ أو خبر بعد خبر أو هو الخبر، وبعلي بدل؛ وجوَّز كونه عطف بيان، وكون شيخ تابعاً لبعلي أيضاً والبعل هو المستعلي على غيره، والزوج مستعل على المرأة قائم بأمرها فسمي بعلاً لذلك. قيل كان إبراهيم ابن مائة وعشرين سنة وهي بنت تسع وتسعين وقيل بنت تسعين وهذه المبشرة هي سارة امرأة إبراهيم، وقد كان ولد لإبراهيم من هاجر أمته إسماعيل فتمنت سارة أن يكون لها ابن وأيست منه لكبر سنها فبشرها الله به على لسان ملائكته، وكانت بين الولادة والبشارة سنة. (إن هذا لشيء عجيب) أي ما ذكرته الملائكة من التبشير بحصول الولد مع كونها في هذه السن العالية التي لا يولد لمن كان في مثلها شيء يقضى منه العجب ولم تنكر قدرة الله.

هود 11:73

قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) (قالوا أتعجين من أمر الله) مستأنفة جواب سؤال مقدر والاستفهام فيها للإنكار، أي كيف تعجبين من قضاء الله وقدره وهو لا يستحيل عليه شيء. وقيل المعنى لا تعجبي من ذلك، وإنما أنكروا عليها مع كون ما تعجبت منه من خوارق العادة لأنها من بيت النبوة، ولا يخفى على مثلها أن هذا من مقدوراته سبحانه، ولهذا قالوا. (رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت) أي الرحمة التي وسعت كل شيء واستتبعت كل خير، وإنما وضع المطهر موضع المضمر لزيادة تشريفها، والبركات الخيرات النامية المتكاثرة في كل باب، التي من جملتها هبة الأولاد، والبركة هى النمو والزيادة؛ وقيل الرحمة النبوة والبركات الأسباط من بني إسرائيل لما فيهم من الأنبياء وكلهم من ولد إبراهيم. وانتصاب أهل البيت على المدح أو الاختصاص وبين النصبين فرق ذكره السمين، وصرف الخطاب من صيغة الواحدة إلى الجمع لقصد التعميم، وقيل خطاب لها وله، وهذا على مهى الدعاء من الملائكة بالخير والبركة، وفيه دليل على أن أزواج الرجل من أهل بيته عن ابن عباس أنه كان ينهي عن أن يزاد في جواب التحية على قولهم عليكم السلام ورحمة الله وبركاته ويتلو هذه الآية. وعن ابن عمر نحوه (إنه حميد) أي يفعل موجبات الحمد من عباده على سبيل الكثرة (مجيد) كثير الإحسان إلى عباده بما يفيضه إليهم من الخيرات. وقيل المجيد المنيع الذي لا يرام. وقال الخطابي: المجيد الواسع الكريم وأصل المجد في كلامهم السعة، وقيل هو ذو الشرف والكرم والجملة تعليل لقوله رحمة الله وبركاته الخ.

هود 11:74

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74) (فلما ذهب عن إبراهيم الروع) أي الخيفة التي أوجسها في نفسه، يقال ارتاع من كذا إذا خاف. قال مجاهد: الروع الفرق وهو الخوف وقيل الفزع (وجاءته البشرى) أي بالولد أو بقولهم لا تخف (يجادلنا في قوم لوط) قال الأخفش والكسائي: إن يجادلنا في موضع جادلنا فيكون هو جواب لما، لما تقرر من أن جوابها يكون بالماضي لا بالمستقبل. قال النحاس: جعل المستقبل مكانه كما يجعل الماضي مكان المستقبل في الشرط وقيل أن الجواب محذوف ويجادلنا في محل نصب على الحال قاله الفراء وتقديره فلما ذهب عنه الروح وجاءته البشرى اجترأ على خطابنا حال كونه يجادلنا، أي يجادل رسلنا. وقيل أن المعنى أخذ أو جعل يجادلنا ومجادلته لهم، قيل أنه لما سمع قولهم إنا مهلكو أهل هذه القرية، قال: أرأيتم إن كان فيهم خمسون من المسلمين أتهلكونهم قالوا: لا، قال: فأربعون، قالوا: لا، قال فعشرون: قالوا: لا، قال: فعشرة فخمسة، قالوا: لا، قال: فواحد؛ قالوا: لا، قال: إن فيها لوطاً، قالوا: نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله. الآية. وعن ابن عباس قال: لا جاءت الملائكة إلى إبراهيم قالوا لإبراهيم إن كان فيها خمسة يصلون رفع عنهم العذاب، فهذا معنى مجادلته في قوم لوط، أي في شأنهم وأمرهم، وقيل معناه يكلمنا ويسألنا، لأن العبد لا يقدر أن يخاصم ربه وإن كان نبياً؛ ولهذا قال جمهور المفسرين معناه يجادل رسلنا. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77) ثم أثنوا على إبراهيم أو أثنى الله عليه فقال

هود 11:75

(إن إبراهيم لحليم) أي ليس بعجول في الأمور ولا بموقع لها على غير ما ينبغي (أوّاه) أي كثير التأوه أو الرحيم (منيب) أي راجع إلى الله، وقد تقدم في براءة الكلام على الأوّاه والمنيب هو المقبل إلى طاعة الله. وقال قتادة: المنيب المخلص. وفي الآية ما يشير إلى أن المراد بالمجادلة فيما تقدم مجادلة الرسل لا مجادلة الرب كما قاله الجمهور، والمقصود من ذلك بيان الحامل له على المجادلة، وهو رقة قلبه وفرط رحمته، فطلب تأخير العذاب عنهم لعلهم يؤمنون، ويرجعون عما هم فيه من الكفر والمعاصي.

هود 11:76

(يا إبراهيم أعرض عن هذا) هذا قول الملائكة له أي أعرض عن هذا المقال واترك هذا الجدال في أمر قد فرغ منه وجف به القلم وحق به القضاء (إنه قد جاء أمر ربك) الضمير للشأن والمعنى مجيء عذابه الذي قدره عليهم وسبق به قضاؤه في أزله (وإنهم آتيهم عذاب غير مردود) أي لا يرده دعاء ولا جدال بل هو واقع بهم لا محالة ونازل بهم على كل حال ليس بمصروف ولا مدفوع.

هود 11:77

(ولما جاءت رسلنا لوطاً) أي لما خرجت الملائكة من عند إبراهيم وكان بين إبراهيم وقرية لوط أربعة فراسخ، جاءوا إلى لوط فلما رآهم لوط وكانوا في صورة غلمان حسان مرد (سيء بهم) أي ساءه مجيئهم إليه، يقال ساءه يسوؤه لأنهم جاءوه في صورة غلمان حسان مرد، فظن أنهم أناس، فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم. (وضاق بهم ذرعاً) قال الأزهري: الذرع يوضع موضع الطاقة، وأصله أن البعير يذرع بيده في سيره على قدر سعة خطوة أي يبسطها فإذا حمل عليه أكثر من طاقته ضاق ذرعه عن ذلك فجعل ضيق الذرع كناية عن قلة الوسع والطاقة وشدة الأمر. وقيل هو من ذرعه القيء إذا غلبه وضاق عن حبسه، والمعنى أنه ضاق صدره لما رأى الملائكة في تلك الصورة خوفاً عليهم من قومه لما يعلم من فسقهم وارتكابهم لفاحشة اللواط ولم يجد مخلصاً. قال ابن عباس. ساء ظناً بقومه وضاق ذرعاً بأضيافه، وقيل ضاق بهم قلباً وصدراً ولا يعرف أصله، ويقال ضاق فلان ذرعاً بكذا إذا وقع في مكروه ولا يطيق الخروج منه (وقال هذا يوم عصيب) أي شديد كأنه قد عصب به الشر والبلاء أي شد به مأخوذ من العصابة التي يشد بها الرأس، يقال عصيب وعصيصب وعصوصب على التكثير أي يوم مكروه يجتمع فيه الشر، ومنه عصبة وعصابة أي مجتمعو الكلمة، ورجل معصوب أي مجتمع الخلق. وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)

هود 11:78

(وجاءه قومه يهرعون إليه) أي جاءوا لوطاً يسرعون إليه قاله قتادة، وقال الكسائي والفراء وغيرهما من أهل اللغة: لا يكون الإهراع إلا إسراعاً مع رعدة يقال أهرع الرجل إهراعاً أي أسرع في رعدة من برد أو غضب أو حمى وقيل يهرولون قاله مجاهد، وقيل هو مشي بين الهرولة والعدو، قاله الحسن وقال شمر: هو بين الهرولة والخبب والجمز. والمعنى أن قوم لوط لما بلغهم مجيء الملائكة في تلك الصورة أسرعوا إليه كأنما يدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه (ومن قبل) أي ومن قبل مجيء الرسل (كانوا يعملون السيئات) أي يأتون الرجال في أدبارهم وكانت ذلك عادتهم، فلا حياء عندهم منها فلما جاؤوا إلى لوط وقصدوا أضيافه لذلك العمل قام إليهم لوط مدافعاً. (قال يا قوم) خاطبهم بهذا الخطاب وهم من وراء الباب خارجه (هؤلاء بناتي) أي تزوجوهن ودعوا ما تطلبونه من الفاحشة بأضيافي، وقد كان له ثلاث بنات وقيل ابنتان وكانوا يطلبون منه أن يزوجهم بهن فيمتنع لخبثهم لا لعدم كفاءتهم، وكان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجهما بنتيه والمراد بالجمع ما فوق الواحد. وقيل أراد بقوله هؤلاء بناتي النساء جملة، لأن نبي القوم أب لهم قاله ابن عباس وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير، قال الكرخي: وهذا القول أولى لأن إقدام الإنسان على عرض بناته على الأوباش والفجار مستبعد لا يليق بأهل المروءة فكيف بالأنبياء. وأيضاً فبناته لا تكفي الجمع العظيم أما بنات أمته ففيهن كفاية للكل انتهى. لكن فيه مخالفة لظاهر النظم، وقيل كان في ملته يجوز تزوج الكافر بالمسلمة قال قتادة: المراد بناته لصلبه، وفي أضيافه ببناته، وقال الحسين بن الفضل: عرض بناته عليهم بشرط الإسلام، وقالت طائفة: أما كان هذا القول منه على طريق المدافعة ولم يرد الحقيقة، وعن حذيفة بن اليمان قال: عرض عليهم بناته تزويجاً وأراد أن يقي أضيافه بتزويج بناته. (هن أطهر لكم) أي أحل وأنزه والتطهر التنزه عما لا يحل، وليس في صيغة أطهر دلالة على التفضيل، بل هي مثل (الله أكبر) وقرأ الحسن وعيسى ابن عمر بنصب أطهر، وقرأ الباقون بالرفع، ووجه النصب أن يكون اسم إشارة مبتدأ وخبره بناتي. وهن ضمير فصل، وأطهر حال، وقد منع الخليل وسيبويه والأخفش مثل هذا، لأن ضمير الفصل الذي يسمى عماداً إنما يكون بين كلامين بحيث لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو كان زيد هو أخاك (فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي) أي اتقوا الله بترك ما تريدون من الفاحشة بهم، ولا تذلوني وتجلبوا عليَّ العار في ضيفي، والضيف يطلق على الواحد والاثنين والجماعة، لأنه في الأصل مصدر، ومنه قول الشاعر: لا تعدمي الدهر شفار الجازر ... للضيف والضيف أحق زائر ويجوز فيه التثنية والجمع، والأول أكثر، يقال خزي الرجل خزاية: أي استحيا أو ذلّ أو هان. وخزي خزياً: إذا افتضح، ومعنى في ضيفي: في حق ضيفي، فخزي الضيف خزي للمضيف، ثم وبخهم فقال (أليس منكم رجل رشيد) يرشدكم إلى ترك هذا العمل القبيح ويمنعكم منه، فأجابوا عليه معرضين عما نصحهم به، وأرشدهم إليه بقولهم

هود 11:79

(ما لنا في بناتك من حق) أي ما لنا فيهم من شهوة ولا حاجة لأن من احتاج إلى شيء فكأنه حصل له فيه نوع حق، ومعنى ما نسبوه إليه من العلم أنه قد علم منهم المكالبة على إتيان المذكور وشدة الشهوة إليهم، فهم من هذه الحيثية كأنهم لا حاجة لهم إلى النساء، ويمكن أن يريدوا: أنهم لا حق لنا في نكاحهنّ، لأنه لا ينكحهنّ ولا يتزوجهنّ إلّا مؤمن ونحن لا نؤمن أبداً، وقيل إنهم كانوا قد خطبوا بناته من قبل فردهم، وكان من سنتهم أن من خطب فردّ فلا تحل المخطوبة أبداً؛ (وإنك لتعلم ما نريد) من إتيان المذكور، ثم إنه لما علم تصميمهم على الفاحشة وأنهم لا يتركون ما قد طلبوه

هود 11:80

(قال لو أن لي بكم قوة) وجواب لو محذوف، والتقدير لدافعتكم عنهم ومنعتكم منهم، وهذا منه عليه السلام على طريق التمني: أي لو وجدت معيناً وناصراً، فسمي ما يتقوى به قوة (أو آوي إلى ركن شديد) عطف على ما بعد لوطاً فيه من معنى الفعل، والتقدير: لو قويت على دفعكم أو آويت إلى ركن شديد. وَقرئ (أو آويَ) بالنصب عطفاً على قوة كأنه قال: لو أن لي بكم قوة أو إيواء إلى ركن شديد، ومراده بالركن الرشيد: العشيرة، وما يمنع به عنهم هو ومن معه لأنه كان أولاً بالعراق مع إبراهيم فلما هاجر إلى الشام أرسله الله إلى أهل سدوم وهي قرية عند حمص. قال أبو هريرة: ما بعث الله نبياً بعده إلا في منعة من عشيرته، وقيل أراد بالقوة الولد وبالركن من ينصره من غير ولده، وقيل أراد بالقوة قوته في نفسه قال السدي: إلى جند شديد لقاتلتكم. وقد ثبت في البخاري وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يغفر الله للوط إن كان يأوي إلى ركن شديد، وهو مروي في غير الصحيح من طريق غيره من الصحابة، وقال النووي: المراد بالركن الشديد هو الله عز وجل فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها اهـ. وهو يخالف ظاهر الآية والحديث المتقدم. قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81) فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) ولما سمعته الملائكة يقول هذه المقالة ووجدوا قومه قد غلبوه وعجز عن مدافعتهم

هود 11:81

(قالوا يا لوط إنا رسل ربك) أخبروه أولاً أنهم رسل ربه ثم بشروه بقولهم (لن يصلوا إليك) وهذه الجملة موضحة لما قبلها لأنهم إذا كانوا مرسلين من عند الله إليه لم يصل عدوه إليه بسوء ولم يقدروا عليه ثم أمروه أن يخرج عنهم فقالوا له. (فأسر بأهلك) قرئ بالوصل وبالقطع من أسرى وسرى وهما لغتان سبعيتان فصيحتان، قال تعالى (والليل إذا يسر) وقال (سبحان الذي أسرى) وهل هما بمعنى واحد أو بينهما فرق. خلاف مشهور فقيل هما بمعنى واحد وهو قول أبي عبيد. وقيل أن أسرى للمسير من أول الليل وسرى للمسير من آخره وهو قول الليث، وأما سار فمختص بالنهار، وليس مقلوباً من سرى والباء للتعدية أو للمصاحبة والأهل هم بنتاه فلم يخرج من القرية إلا هو وبنتاه فقط، وفي القرطبي: خرج لوط وطوى الله له الأرض في وقته حتى نجا ووصل إلى إبراهيم. (بقطع) أي مصاحبين بقطع (من الليل) القطع الطائفة منه، قال ابن الأعرابي: بساعة منه؛ وقال الأخفش: بجنح من الليل، وقال الضحاك: ببقية الليل وقال قتادة: بعد مضي أوله " وقيل أنه السحر الأول، وقيل بنصف منه لأنه قطعة منه مساوية لباقيه، وقيل بظلمة منه، وقيل بعد هدو من الليل، وقال ابن عباس: بجوف الليل وبسواده. وقيل أن الباء بمعنى في؛ وقد تقدم الكلام على القطع في يونس بأشبع من هذا وقيل أن السرى لا يكون إلا في الليل فما وجه زيادة بقطع من الليل؟ قيل لو لم يقله لجاز أن يكون في أوله قبل اجتماع الظلمة وليس ذلك بمراد. (ولا يلتفت منكم أحد) أي بقلبه إلى ما خلف أو لا ينظر إلى ما وراءه أو لا يشتغل بما خلفه من مال أو غيره، قيل وجه النهي عن الالتفات أن لا يروا عذاب قومهم وهول ما نزل بهم فيرحموهم ويرقوا لهم، أو لئلا ينقطعوا عن السير المطلوب منهم بما يقع من الالتفات فإنه لا بد للملتفت من فترة في سيره، وقع فيه ضمير منكم للأهل فهو التفات فقوله لا يلتفت من تسمية النوع. وهذا من بديع النكات وهو عند المتأخرين من أهل البديع أن يؤتى بشيء من البديع ويذكر اسمه على سبيل التورية، وتبجحوا باختراعه وأنه قد وقع في القرآن في هذه الآية. قال الخفاجي: ثم أني وجدت منه قوله تعالى (من وجد في رحله فهو جزاؤه) في سورة يوسف فإن (فهو جزاؤه) جزاء من الشرطية وقد ذكر أنه جزاء ومنه قوله تعالى (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) إلى قوله: (كذلك يضرب الله الأمثال) اهـ. (إلا امرأتك) بالنصب سبعية والاستثناء من قوله فأسر بأهلك أي أسر بأهلك جميعاً إلا امرأتك فلا تسر بها لكونها كافرة، وأنكر قراءة الرفع جماعة منهم أبو عبيدة، قال النحاس: الرفع على البدل له معنى صحيح أي لا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك فإنها تلتفت وتهلك، وقيل أن الرفع على البدل من أحد ويكون الالتفات بمعنى التخلف لا بمعنى النظر إلى الخلف، فكأنه قال ولا يتخلف منكم أحد إلا امرأتك فإنها تتخلف، والملجئ إلى هذا التأويل البعيد الفرار من تناقض القراءتين. (إنه مصيبها ما أصابهم) من العذاب وهو رميهم بالحجارة، والجملة تعليل للاستثناء (إن موعدهم الصبح) هذه الجملة تعليل لما تقدم من الأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات، والمعنى أن موعد عذابهم أي وقت هلاكهم الصبح المسفر عن تلك الليلة، روي أنه قال لهم متى موعد هلاكهم فقالوا هذه المقالة فقال أريد أسرع من ذلك فقالوا (أليس الصبح بقريب) الهمزة للإنكار التقريري على حد (ألم نشرح لك صدرك) والجملة تأكيد للتعليل ولعل جعل الصبح ميقاتاً لهلاكهم لكون النفوس فيه أسكن، والناس فيه مجتمعون لم يتفرقوا إلى أعمالهم.

هود 11:82

(فلما جاء أمرنا) أي الوقت المضروب لوقوع العذاب فيه أو المراد بالأمر نفس العذاب والأول أولى (جعلنا عاليها) أي عالي قرى قوم لوط (سافلها) والمعنى أنه قلبها على هذه الهيئة وهي كون عاليها صار سافلها وسافلها صار عاليها وذلك لأن جبريل أدخل جناحه تحتها فرفعها من تخوم الأرض حتى أدناها من السماء ثم قلبها عليهم: قال مجاهد: لما أصبحوا غدا جبريل على قريتهم وقطعها من أركانها ثم أدخل جناحه ثم حملها على خوافي جناحه بما فيها ثم صعد بها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء صياحٍ ديكهم ونباح كلابهم ثم قلبها فكان أول ما سقط منها سرادقها فلم يصب قوما ما أصابهم. ثم إن الله طمس على أعينهم ثم قلبت قريتهم وهي خمس مدائن أكبرها سدوم وهي المؤتفكات المذكورة في سورة براءة يقال كان فيها أربعة آلاف ألف. (وأمطرنا عليها) أي على المدن حين رفعها جبريل أو على شذاذها وعلى من كان خارجاً عنها من مسافريها أو من بعد قلبها، قيل أنه يقال أمطرنا في العذاب ومطرنا في الرحمة وقيل هما لغتان يقال مطرت السماء وأمطرت حكى ذلك الهروي. (حجارة من سجيل) هو الطين المتحجر بطبخ أو غيره، وقيل هو الشديد الصلب من الحجارة، وقيل هو الكثير، وقيل أن السجيل لفظة غير عربية أصله سنج وجيل وهما بالفارسية حجر وطين عربتهما العرب فجعلتهما اسماً واحداً. قال سعيد: معناه سنك كل فارسي معرب لأن العرب إذا تكلمت بشيء من الفارسي صار لغة للعرب ولا يضاف إلى الفارسي مثل قوله سندس وإستبرق، فكل هذه ألفاظ فارسية تكلمت بها العرب واستعملتها في ألفاظهم فصارت عربية. قال قتادة وعكرمة: هو الحجر والطين، دليله قوله تعالى في موضع آخر (حجارة من طين) وقال مجاهد: أولها حجر وآخرها طين. وقال الحسن: أصل الحجارة طين فشدت، وقال الضحاك: يعني الآجر. وقيل هو من لغة العرب. وذكر الهروي إن السجيل اسم لسماء الدنيا. قال ابن عطية: وهذا ضعيف يرده وصفه بمنضود، وقيل هو بحر معلق في الهواء بين السماء والأرض، وقيل هي جبال في السماء الدنيا. وقال الزجاج: هو من التسجيل لهم أي ما كتب لهم من العذاب فهو في معنى سجين، ومنه قوله تعالى (وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم) وقيل هو من أسجلته إذا أعطيته فكأنه عذاب أعطوه والأول أولى. (منضود) أي نضد بعضه فوق بعض، ومنه (وطلح منضود) أي متراكب والمراد وصف الحجارة بالكثرة. وقيل بعضه في إثر بعض، يقال نضدت المتاع إذا جعلت بعضه على بعض فهو منضود ونضيد أي متتابع أو مجموع معه العذاب نعت لسجيل.

هود 11:83

مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) (مسوَّمة) معلمة أي التي لها علامة حال من حجارة، وسوغ مجيئها من النكرة تخصيص النكرة بالوصف، والتسويم العلامة، قيل كان عليها أمثال الخواتيم. قاله الحسن والسدي، وقيل مكتوب على كل حجر اسم من رمى به، وقال الفراء: زعموا أنها كانت مخططة بحمرة وسواد في بياض فذلك تسويمها. قال ابن جريج: عليها سيماء لا تشاكل حجارة الأرض، وقال قتادة وعكرمة: عليها خطوط حمر على هيئة الجزع. (عند ربك) أي في خزائنه أو في حكمه والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم (وما هي) أي الحجارة الموصوفة، وقيل العقوبة المفهومة من السياق والأول أولى لأنه أقرب مذكور (من الظالمين) وهم قوم لوط (ببعيد) فإنهم بظلمهم حقيق بأن تمطر عليهم، وفيه وعيد لكل ظالم من الظلمة، ومنهم كفار قريش ومن عاضدهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم. وقيل الضمير للقرى، أي هي قريبة من ظالمي مكة ممن كفر بالنبي (- صلى الله عليه وسلم -) فإنها بين الشام والمدينة يمرون بها في أسفارهم وتذكير البعيد على تأويل الحجارة بالحجر أو إجراء له على موصوف مذكر أي شيء بعيد أو مكان بعيد أو لكونه مصدراً كالزفير والصهيل، والمصادر يستوي في الوصف بها المذكر والمؤنث. وعن مجاهد قال: يرهب بها قريشاً أن يصيبهم ما أصابهم. وعن السدي قال: من ظلمة العرب إن لم يؤمنوا فيعذبوا بها، وعن قتادة قال: من ظالمي هذه الأمة. وقد ذكر المفسرون روايات وقصصاً في كيفية هلاك قوم لوط طويلة متخالفة وليس في ذكرها فائدة ولا سيما وبين من قال بشيء من ذلك وبين هلاك قوم لوط دهر طويل لا يتيسر له في مثله إسناد صحيح. وغالب ذلك مأخوذ عن أهل الكتاب وحالهم في الرواية معروف، وقد أمرنا بأن لا نصدقهم

هود 11:84

وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) ولا نكذبهم فاعرف هذا فهو الوجه لحذفنا كثيراً من هذه الروايات الكائنة في قصص الأنبياء وقومهم (و) أرسلنا (إلى مدين) هو اسم ابن إبراهيم الخليل ثم صار اسماً للقبيلة من أولاده وهو المراد هنا. وقيل هو في الأصل اسم مدينة بناها مدين المذكور والتقدير إلى أهل مدين قال المقريزي في الخطط: أن مدين أمة شعيب هم بنو مديان بن إبراهيم وأمهم قنطورا ابنة يقطان الكنعانية ولدت له ثمانية من الولد تناسلت منهم أمم، ومدين على بحر القلزم تحاذي تبوك على نحو ست مراحل، وهي أكبر من تبوك وبها البئر التي استقى منها موسى لسائمة شعيب وعمل عليها بيت. قال الفراء: مدين اسم بلد وقطر والجمهور على أن مدين أعجمي، وقيل عربي، فإن كان عربياً فإنه يحتمل أن يكون فعيلاً من مدن بالمكان أقام به وهو بناء نادر، وقيل مهمل أو مفعلاً من دان فتصحيحه شاذ وهو ممنوع الصرف على كل حال، سواء كان اسم الأرض أو اسم القبيلة عجمياً أو عربياً اهـ. وبه قال النحاس وقد تقدم الكلام على هذا في الأعراف بأبسط مما هنا وهم قوم شعيب. (أخاهم) في النسب لأن (شعيباً) بن ميكائيل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم عليه السلام، وقد تقدم تفسير قوله (قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) في أول السورة، وهذه الجملة مستأنفة كأنه قيل ماذا قال لهم شعيب عليه السلام لما أرسله الله تعالى إليهم. وقد كان شعيب عليه السلام يسمى خطيب الأنبياء لحسن مراجعته لقومه، وهذه عادة الأنبياء عليه السلام يبدؤون بالأهم فالأهم. ولما كان الدعوة إلى توحيد الله وعبادته أهم الأشياء دعاهم إليه ثم نهاهم عن أن ينقصوا المكيال والميزان لأنهم كانوا مع كفرهم أهل تطفيف، وكان المعتاد منهم البخس في الكيل والوزن، وكانوا إذا جاءهم البائع بالطعام أخذوا بكيل زائد، وكذلك إذا وصل إليهم الموزون أخذوا بوزن زائد، وإذا باعوا باعوا بكيل ناقص ووزن ناقص فقال: ْ (ولا تنقصوا المكيال والميزان) أي لا عند الأخذ ولا عند الدفع، والنقص فيهما على وجهين كما قدمنا الإشارة إليه، والمراد بالمكيال المكيل به وبالميزان الموزون به، وهذا أبلغ في الأمر بوفائهما (إني أراكم لخير) أي بثروة وسعة في الرزق تغنيكم عن البخس فلا تغيروا نعمة الله عليكم بمعصيته والإضرار بعباده، وهذه النعمة حقها أن تتفضلوا على الناس شكراً عليها لا أن تنقصوا حقوقهم، وهو في الجملة علة النهي. ثم ذكر بعد هذه العلة علة أخرى فقال (وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط) فهذه العلة فيها الاذكار لهم بعذاب الآخرة كما أن العلة الأولى فيها الإذكار لهم بنعيم الدنيا، ووصف اليوم بالإحاطة والمراد العذاب لأن العذاب واقع في اليوم، فهو مجاز في الإسناد كقولهم نهاره صائم، ومعنى إحاطة عذاب اليوم بهم أنه لا يشذ منهم أحد عنه ولا يجدون منه ملجأً ولا مهرباً، واليوم هو يوم القيامة، وقيل هو يوم الانتقام منهم في الدنيا بالصيحة. قال ابن عباس: الخير رخص السعر والعذاب غلاء السعر. وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87) ثم أكد النهي عن نقص الكيل والوزن بقوله:

هود 11:85

(ويا قوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط) الإيفاء هو التمام والقسط العدل وهو عدم الزيادة والنقص، وإن كانت الزيادة على الإيفاء فضل وخير ولكنها فوق ما يفيده اسم العدل والنهي عن النقص وإن كان يستلزم الإيفاء ففي تعاضد الدلالتين مبالغة بليغة وتأكيد حسن وشدة اهتمام فلذا كرر ليقوي الزجر والمنع من ذلك الفعل، والمعنى أتموهما ولا تطففوا فيهما، وقيل القسط تقويم لسان الميزان وتعديل المكيال. ثم زاد ذلك تأكيداً ثالثاً فقال (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) قد مر تفسير هذا في الأعراف وفيه النهي عن البخس على العموم والأشياء أعم مما يكال ويوزن فيدخل البخس بتطفيف الكيل والوزن في هذا دخولاً أولياً، فظهر بهذا البيان فائدة هذا التكرير، وقيل البخس الكسر خاصة. ثم قال (ولا تعثوا في الأرض) بتطفيف الكيل والوزن ومنع الناس حقوقهم، وقد مر أيضاً تفسيره في البقرة. والعثي في الأرض يشمل كل ما يقع فيها من الإضرار بالناس فيدخل فيه كل ما في السياق من نقص المكيال والميزان، وعثى مصدر قياسي وعثو سماعي وقيده بالحال وهو قوله (مفسدين) ليخرج ما كان صورته من العثي في الأرض، والمراد به الإصلاح كما وقع من الخضر في السفينة.

هود 11:86

(بقية الله) أي ما يبقيه لكم من الحلال بعد إيفاء الحقوق بالقسط (خير لكم) أي أكثر خيراً وبركة مما تبقونه لأنفسكم من التطفيف والبخس والفساد في الأرض، ذكر معناه ابن جرير وغيره من المفسرين، وقال مجاهد: بقية الله طاعته. وقال الربيع: وصيته، وقال الفراء: مراقبته، وقال قتادة: حظكم من ربكم. وقال ابن عباس: رزق الله، وقيل ثوابه في الآخرة. وبقيت ترسم التاء المجرورة؛ وإذا وقف عليه اضطراراً يصح الوقف بالمجرورة والمربوطة، وليس في القرآن غيرها. وإنما قيد ذلك بقوله (إن كنتم مؤمنين) لأن ذلك إنما ينتفع به المؤمن لا الكافر، والمراد بالمؤمنين هنا المصدقون لشعيب عليه السلام، وفي البيضاوي: بشرط أن تؤمنوا فإن خيريتها باستتباع الثواب مع النجاة وذلك مشروط بالإيمان (وما أنا عليكم بحفيظ) أحفظكم من الوقوع في المعاصي من التطفيف والبخس وغيرهما وأحفظ عليكم أعمالكم وأحاسبكم بها وأجازيكم عليها، وإنما أنا ناصح مبلغ، وقد أعذرت حين أنذرت؛ أو لست بحافظ عليكم نعم الله لو لم تتركوا سوء صنيعكم.

هود 11:87

(قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك) مستأنفة كأنه قيل فماذا قالوا لشعيب عليه السلام والاستفهام للإنكار عليه والاستهزاء به لأن الصلاة عندهم ليست من الخير الذي يقال لفاعله عند إرادة تليين قلبه وتذليل صعوبته كما يقال لمن كان كثير الصدقة إذا فعل مما لا يناسب الصواب أصدقتك أمرتك بهذا، وقيل المراد بالصلاة هنا القراءة قاله الأعمش، وقيل المراد بها الدين، وقيل المراد بها اتباعه، ومنه المصلي الذي يتلو السابق، قال الأحنف: أن شعيباً كان أكثر الأنبياء صلاة فلذلك قالوا هذه المقالة وإنما ذكر الصلاة لأنها من أعظم شعائر الدين. (أن نترك ما يعبد آباؤنا) أي عبادة الأوثان وفيه أن الترك فعلهم لا فعل شعيب وهو المأمور والإنسان يؤمر بفعل نفسه فالمضاف محذوف وهو التكليف وهذا فعله أي هل هي تأمرك بتكليفك إيانا ترك عبادة الأصنام، وهذا منهم جواب لشعيب عن أمره لهم بعبادة الله وحده. وقولهم (أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء) جواب له عن أمرهم بإيفاء الكيل والوزن ونهيهم عن نقصهما وعن بخس الناس، وعن العثي في الأرض معطوف على ما يعبد، فالترك مسلط عليه، وأو بمعنى الواو، والمعنى هل تأمرك بتكليفك لنا ترك إن نفعل في أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاء والزيادة والنقص، وهذا لف ونشر مرتب. وقرئ بالتاء في الفعلين عطفاً على مفعول تأمرك أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء، وقرئ نفعل بالنون وما تشاء بالفوقية أي نفعل فيها ما تشاء أنت وندع ما نشاء نحن وما يجري به التراضي بيننا. وعن ابن زيد في الآية قال: نهاهم عن قطع هذه الدنانير والدراهم فقالوا إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء إن شئنا قطعناها وإن شئنا أحرقناها وإن شئنا طرحناها، وعن محمد بن كعب وزيد بن أسلم وابن المسيب نحوه. ثم وصفوه بوصفين عظيمين فقالوا (إنك لأنت الحليم الرشيد) عند نفسك وفي اعتقادك ومعناه أن هذا الذي نهيتنا عنه وأمرتنا به يخالف ما نعتقده في نفسك من الحلم والرشد، وقيل أنهم قالوا ذلك لا على طريق الاستهزاء بل هو عندهم كذلك، وأنكروا عليه الأمر والنهي منه لهم بما يخالف الحلم والرشد في اعتقادهم والمعنى إنك فينا حليم رشيد فلا يحمد بك شق عصا قومك ومخالفتهم في دينهم. وقال ابن عباس: يقولون إنك لست بحليم ولا رشيد أي أرادوا السفيه الغاوي لأن العرب قد تصف الشيء بضده فيقولون للديغ سليم وللفلاة المهلكة مفازة؛ وقيل هو على حقيقته وإنما قالوا ذلك على سبيل السخرية قال قتادة: استهزاء به. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88) وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)

هود 11:88

(قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي) مستأنفة كالجمل التي قبلها، والمعنى أخبروني إن كنت على بيان وحجة واضحة وبصيرة وهداية من عند ربي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه (ورزقني منه) أي من فضله وخزائن ملكه ومن عنده وبإعانته بلا كد مني ولا تعب في تحصيله (رزقاً حسناً) أي كثيراً واسعاً حلالاً طيباً وقد كان عليه السلام كثير المال والنعمة، وقيل أراد بالرزق النبوة وقيل الحكمة وقيل العلم وقيل التوفيق وقيل المعرفة وقيل الهداية. وجواب الشرط محذوف يدل عليه سياق الكلام تقديره أأترك أمركم ونهيكم أو تقولون في شأني ما تقولون مما تريدون به السخرية والاستهزاء أو هل يسعني مع هذه النعمة أن أخون في وحيه، وهذا الجواب شديد المطابقة بقولهم إنك لأنت الحليم الرشيد أي كيف يليق بالحليم الرشيد أن يخالف أمر ربه وله عليه نعم كثيرة (وما أريد) بنهي لكم عن التطفيف والبخس (أن أخالفكم إلى ما أنهاكم) نهيتكم (عنه) فأفعله دونكم يقال خالفه إلى كذا إذا قصده وهو مول عنه وخالفته عن كذا في عكس ذلك، قال الزجاج: معناه لست أنهاكم عن شيء وأدخل فيه إنما أختار لكم ما أختار لنفسي، قال ابن الأنباري: بين أن الذي يدعوهم إليه من اتباع طاعة الله وترك البخس والتطفيف هو ما يرتضيه لنفسه ولا ينطوي إلا عليه، فكان هذا محض النصح لهم، وقال قتادة: لم أكن لأنهاكم عن أمر وأرتكبه. (إن أريد) أى ما أريد بالأمر والنهي (إلا الإصلاح) لكم ودفع الفساد عن دينكم ومعاملاتكم (ما استطعت) ما بلغت إليه استطاعتي وتمكنت منه طاقتي (وما توفيقي إلا بالله) أى ما صرت موفقاً هادياً نبياً مرشداً إلا بتأييد الله سبحانه وإقداري عليه ومنحي إياه (عليه توكلت) في جميع أموري التي منها أمركم ونهيكم (وإليه أنيب) أي إليه أرجع في كل ما نابني من الأمور وأفوض جميع أموري إلى ما يختاره لي من قضائه وقدره وقيل معناه إليه أرجع في الآخرة وقيل أن الإنابة الدعاء ومعناه وله أدعو. وعن علي قال: قلت يا رسول الله أوصني قال: قل الله ربي ثم استقم قلت ربي الله وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، قال؛ ليهنك العلم يا أبا الحسن لقد شربت العلم شرباً ونهلته نهلاً، أخرجه أبو نعيم في الحلية وفي إسناده محمد بن يوسف الكديمي.

هود 11:89

(ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي) قال الزجاج: معناه لا يكسبنكم والشقاق العداوة، وقال قتادة: لا يحملنكم فراقي، وعن السدي: لا يحملنكم عداوتي، وعن مجاهد نحوه (أن يصيبكم) مفعول ثان ليجرمنكم أي أن لا يكسبنكم معاداتكم لي أن لا يصيبكم (مثل ما أصاب قوم نوح) من الغرق (أو قوم هود) من الريح (أو قوم صالح) من الحجارة وغيرها. (وما قوم لوط منكم ببعيد) يحتمل أن يريد ليس مكانهم ببعيد من مكانكم أو ليس زمانهم ببعيد من زمانكم أو ليسوا منكم ببعيد في السبب الموجب لعقوبتهم وهو مطلق الكفر وأفرد لفظ بعيد لمثل ما سبق، وقيل بشيء بعيد كذا قدره الزمخشري وتبعه الشيخ، وقال الزمخشري يجوز أن يستوي في بعيد وقريب وقليل وكثير بين المذكر والمؤنث لورودها على زنة المصادر التي هي كالصهيل والنهيق ونحوهما، وقال قتادة: إنما كانوا حديثي عهد قريب بهلاكهم بعد نوح وثمود. وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91) ثم بعد ترهيبهم بالعذاب أمرهم بالاستغفار والتوبة فقال

هود 11:90

(واستغفروا ربكم) من عبادة الأوثان (ثم توبوا إليه) من البخس والنقصان في المكيال والميزان وقد تقدم تفسير الاستغفار مع ترتيب التوبة عليه في أول السورة (إن ربي رحيم) بالمؤمنين (ودود) للتائبين، وتقدم تفسير الرحيم والمراد هنا أنه عظيم الرحمة، والودود المحب صيغة مبالغة من ود الشيء يود وداً ووداد أو ودادة أي أحبه وآثره. قال في الصحاح: وددت الرجل أوده وداً إذا أحببته والود المحبة والمشهور وددت بكسر العين وسمع بفتحها والودود بمعنى فاعل أى يود عباده ويرحمهم، وقيل بمعنى مفعول بمعنى أن عباده يحبونه ويوادون أولياءه فهم بمنزلة المواد مجازاً، والأول أولى، والمعنى هنا أنه يفعل بعباده فعل من هو بليغ المودة بمن يوده من اللطف به وسوق الخير إليه ودفع الشر عنه وفي هذا تعليل لما قبله من الأمر بالاستغفار والتوبة. وجملة

هود 11:91

(قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول) مستأنفة كالجمل السابقة والمعنى أنك تأتينا بما لا عهد لنا به من الإخبار بالأمور الغيبية كالبعث والنشور ولا نفهم ذلك كما نفهم الأمور الحاضرة المشاهدة فيكون نفي الفقه على هذا حقيقة لا مجازاً. وقيل قالوا ذلك إعراضاً عن سماعه وإيذاناً بقلة المبالاة به واحتقاراً لكلامه مع كونه مفهوماً لديهم معلوماً عندهم، فلا يكون نفي الفقه حقيقة بل مجازاً، يقال فقه يفقه إذا فهم فقهاً وفقهاً وحكى الكسائي فقهاناً ويقال فقه فقهاً إذا صار فقيهاً. (وإنا لنراك فينا ضعيفاً) أى لا قوة لك تقدر بها على أن تمنع نفسك منا وتتمكن بها من مخالفتنا أو مهيناً لا عز لك، وهذا قريب من الأول، وقيل المراد أنه ضعيف في بدنه قاله علي بن عيسى وقيل أنه كان مصاباً ببصره، قال النحاس وحكى أهل اللغة أن حمير تقول للأعمى ضعيف أى قد ضعف بذهاب بصره كما يقال له ضرير أى ضر بذهاب بصره، وقال الزجاج: الأعمى يسمى ضعيفاً. عن سعيد بن جبير قال: كان أعمى، وإنما عمي من بكائه من حب الله عز وجل وعن شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " بكى شعيب عليه السلام من حب الله حتى عمي "، أخرجه ابن عساكر والواحدي، قال السدي: معناه إنما أنت واحد، وقال علي: كان مكفوفاً فنسبوه إلى الضعف، وقيل الضعيف العاجز عن الكسب والتصرف؛ وقال الحسن ومقاتل: يعني ذليلاً والأول أولى ويدل لصحته قوله. (ولولا رهطك) رهط الرجل جماعته وعشيرته الذين يستند إليهم ويتقوى بهم، ومنه الراهط لحجر اليربوع لأنه يتوثق به ويخبأ فيه ولده، والرهط والراهط يقع على الثلاثة إلى العشرة، وقيل إلى السبعة، قاله الزمخشري ولا يقع الرهط والعصبة والنفر إلا على الرجال ويجمع على أرهط وأرهط على أراهط وإنما جعلوا رهطه مانعاً من إيقاع الضرر به مع كونهم في قلة، والكفار ألوف مؤلفة لأنهم كانوا على دينهم فتركوه احتراماً لهم لا خوفاً منهم وقال علي: فوالله الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم. ما هابوا إلا العشيرة. (لرجمناك) أى لقتلناك بالحجارة، والرجم بالحجارة أسوأ القتلات وأشرها وقيل معناه لشتمناك وأغلظنا لك القول والأول أظهر. ثم أكدوا ما وصفوه به من الضعف بقولهم (وما أنت علينا بعزيز) أي كريم مكرم معظم حتى نكف عنك لأجل عزتك ومنعتك عندنا بل تركنا رجمك لعزة رهطك علينا لموافقتهم لنا في الدين لا لقوة شوكتهم.

هود 11:92

قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) (قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله) مستأنفة وإنما قال من الله ولم يقل مني لأن نفي العزة عنه وإثباتها لقومه كما يدل عليه إيلاء الضمير حرف النفي استهانة به والاستهانة بأنبياء الله استهانة بالله عز وجل، فقد تضمن كلامهم أن رهطه أعز عليهم من الله، فاستنكر ذلك عليهم وتعجب منه وألزمهم مما لا مخلص لهم عنه ولا مخرج لهم منه بصورة الاستفهام وفي هذا من قوة المحاجة ووضوح المجادلة وإلقام الخصم الحجر ما لا يخفى. والضمير في (واتخذتموه) راجع إلى الله سبحانه والمعنى واتخذتم الله عز وجل بسبب عدم اعتدادكم بنبيه الذي أرسله إليكم (وراءكم ظهرياً) أي منبوذاً وراء الظهر لا تبالون به، وقيل المعنى واتخذتم أمر الله الذي أمرني بإبلاغه إليكم وهو ما جئتكم به وراء ظهوركم كالشيء الملقى الذي لا يلتفت إليه. يقال جعلت أمره بظهر إذا قصرت فيه، وظهرياً منسوب إلى الظهر والكسر من تغييرات النسب، والقياس فتح الظاء كما قالوا في أمس إمسى بكسر الهمزة وفي دهر دهري بضم الدال، قال مجاهد: نبذتم أمره، وقال قتادة: لا تخافونه، وقال الضحاك: تهاونتم به، وقيل أن الضمير يعود إلى العصيان أي واتخذتم العصيان عوناً على عداوتي فالظهري على هذا بمعنى المعين المقوي (إن ربي بما تعلمون محيط) لا يخفى عليه شيء من أقوالكم، ولا أفعالكم فيجازيكم بها يوم القيامة.

هود 11:93

وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93) (ويا قوم اعملوا على مكانتكم) لما رأى إصرارهم على الكفر وتصميمهم على دين آبائهم وعدم تأثير الموعظة فيهم توعدهم بأن يعملوا على غاية تمكنهم ونهاية استطاعتهم يقال مكن مكانة إذا تمكن أبلغ تمكن. (إني عامل) على حسب ما يمكنني ويقدره الله لي ثم بالغ في التهديد والوعيد بقوله (سوف تعلمون) أينا الجاني على نفسه المخطئ في فعله وتعلمون عاقبة ما أنتم عليه من عبادة غير الله والإضرار بعباده، وقد تقدم مثله في الأنعام. قال الزمخشري: وصل سوف تارة بالفاء وتارة بالاستئناف كما هو عادة البلغاء من العرب، وأقوى الوصلين وأبلغهما الاستئناف لأنه أكمل في باب الفصاحة والتهويل اهـ. يعني حذف الفاء هنا لأنه جواب سائل هو المسمى في علم البيان بالاستئناف البياني كأن كان قائلاً قال: فماذا يكون بعد ذلك فهو أبلغ في التهويل. (من يأتيه عذاب يخزيه) أي سوف تعلمون من هو الذي يأتيه العذاب المخزي الذي يتأثر عنه الذل والفضيحة والعار (ومن هو كاذب) في زعمكم ومن هو المعذب، وفيه تعريض بكذبهم في قولهم لولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز. وقيل التقدير من هو كاذب فسيعلم كذبه ويذوق وبال أمره (وارتقبوا إني معكم رقيب) أي انتظروا إني معكم منتظر لما يقضي به الله بيننا. وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)

هود 11:94

(ولما جاء أمرنا) بعذابهم أو عذابنا (نجينا شعيباً والذين آمنوا معه برحمة منا) لهم بسبب إيمانهم أو بهدايتهم للإيمان (وأخذت الذين ظلموا) غيرهم بما أخذوا من أموالهم بغير وجه وظلموا أنفسهم بالتصميم على الكفر (الصيحة) التي صاح بها جبريل حتى خرجت أرواحهم من أجسادهم، وفي الأعراف (فأخذتهم الرجفة) وكذا في العنكبوت وقد قدمنا أن الرجفة الزلزلة وأنها تكون تابعة للصيحة لتموج الهواء المفضى إليها، وهذا في أهل قريته وأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بعذاب الظلة وهو نار نزلت من السماء أحرقتهم. (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) ميتين باركين على الركب وقد تقدم تفسيره وتفسير

هود 11:95

(كأن لم يغنوا فيها) قريباً وكذا تفسير (ألا بعداً لمدين كما بعدت ثمود) قال المهدوي: من ضم العين من بعدت فهي لغة تستعمل في الخير والشر، وبعدت بالكسر على قراءة الجمهور تستعمل في الشر خاصة وهي هنا بمعنى اللعنة وقيل بكسر العين بمعنى الهلاك وبضمها ضد القرب والمصدر البعد بفتح العين، والمعنى هلاكاً لهم كما هلكت ثمود والتشبيه من حيث إن هلاك كل بالصيحة. قال ابن الأنباري: من العرب من يسوي بين الهلاك والبعد الذي هو ضد القرب قيل لم يعذب أمتان قط بعذاب واحد إلا قوم شعيب وقوم صالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم الصيحة من فوقهم. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98)

هود 11:96

(ولقد أرسلنا موسى) هذه سابعة قصص ذكرت في هذه السورة فتقدم قصة نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط ومدين على هذا الترتيب وهذه قصة موسى (بآياتنا) أي بالتوراة حال كونه متلبساً بها (وسلطان مبين) أي المعجزات الباهرات. وقيل المراد بالآيات هي التسع المذكورة في غير هذا الموضع منها ثمانية في الأعراف، والتاسعة في يونس. وليس من الآيات المرادة هنا التوراة لأنها أنزلت بعد إغراق فرعون وقومه والسلطان العصا وهي وإن كانت من التسع لكنها لما كانت أعظم الآيات وأبهرها للعقول وأشدها خرقاً للعادة أفردت بالذكر. وقيل المراد بالآيات ما يفيد الظن، والسلطان ما يفيد القطع مما جاء به موسى وقيل هما جميعاً عبارة عن شيء واحد أي أرسلناه بما يجمع وصف كونه آية وكونه سلطاناً بيناً، وقيل أن السلطان المبين ما أورده موسى على فرعون في المحاورة بينهما.

هود 11:97

(إلى فرعون وملئه) أي أرسلناه بذلك إلى هؤلاء، وقد تقدم أن الملأ أشراف القوم وإنما خصهم بالذكر دون سائر القوم لأنهم أتباع لهم في الإصدار والإيراد وخص هؤلاء الملأ دون فرعون بقوله (فاتبعوا أمر فرعون) أي أمره لهم بالكفر لأن حال فرعون في الكفر أمر واضح إذ كفر قومه من الأشراف وغيرهم إنما هو مستند إلى كفره. ويحوز أن يراد بأمر فرعون شأنه وطريقه فيعم الكفر وغيره (وما أمر فرعون برشيد) أي ليس فيه رشد قط، بل هو غي وضلال، والرشيد بمعنى المرشد والإسناد مجازي، أو بمعنى ذي رشد، وفيه تعريض بأن الرشد في أمر موسى.

هود 11:98

(يقدم قومه) تعليل للنفي قبله من قدمه بمعنى تقدمه أي يصير متقدماً لهم (يوم القيامة) وسابقاً لهم إلى عذاب النار كما كان يتقدمهم في الدنيا (فأوردهم النار) أي أنه لا يزال متقدماً لهم وهم يتبعونه حتى يوردهم النار في الآخرة. والورود الدخول وأورد ماض لفظاً مستقبل معنى لأنه عطف على ما هو نص في الاستقبال. وعبر بالماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه والهمزة في أورد للتعدية لأنه قبلها يتعدى لواحد، قال تعالى (ولما ورد ماء مدين). وقيل بل هو ماض على حقيقته وهذا قد وقع وانفصل، وذلك أنه أوردهم في الدنيا النار، قال تعالى (النار يعرضون عليها) وقيل أوردهم موجباتها وأسبابها، وفيه بعد لأجل العطف بالفاء قال قتادة: يمضي فرعون بين أيدي قومه حتى يهجم بهم على النار. قال الخفاجي: وأنزل لهم النار منزلة الماء فسمى إتيانها وروداً فالنار استعارة مكنية تهكمية للضد وهو الماء وإثبات الورود لها تخييل. ثم ذم الورد الذي أوردهم إليه فقال (وبئس الورد المورود) أي المدخل المدخول فيه الذي وردوه لأن الوارد إلى الماء الذي يقال له الورد إنما يرده ليطفئ حر العطش ويذهب ظمأه، والنار على ضد ذلك، والورد يكون مصدراً بمعنى الورود فلابد من حذف مضاف تقديره وبئس مكان الورد المورود وهو النار، وإنما احتيج إلى هذا التقدير، لأن تصادق فاعل نعم وبئس ومخصوصهما شرط، فلا يقال نعم الرجل الفرس. وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) ثم ذمهم بعد ذم المكان الذي يردونه فقال

هود 11:99

(وأتبعوا) أي أتبع قوم فرعون مطلقاً أو الملأ خاصة أو هم وفرعون (في هذه) الدنيا (لعنة) عظيمة أي طرداً وإبعاداً من الأمم بعدهم (و) أتبعوا لعنة (يوم القيامة) يلعنهم أهل المحشر جميعاً، ثم أنه جعل اللعنة رفداً لهم على طريقة التهكم فقال (بئس الرفد المرفود) أي العون المعان أو العطاء المعطى. قال الكسائي وأبو عبيدة: رفدته أرفده رفداً أعنته وأعطيته، واسم العطية الرفد أي بئس العطاء والإعانة ما أعطوهم إياه وأعانوهم به والمخصوص بالذم محذوف أي رفدهم وهو اللعنة التي اتبعوها في الدنيا والآخرة كأنها لعنة بعد لعنة تمد الأخرى وتؤيدها. وسميت اللعنة عوناً لأنها إذا تبعتهم في الدنيا أبعدتهم عن رحمة الله وأعانتهم على ما هم فيه من الضلال، وسميت رفداً أي عوداً لهذا المعنى على التهكم، وإلا فاللعنة إذلال لهم وإنزال بهم إلى الحضيض الأسفل، وسميت معاناً لأنها أرفدت في الآخرة بلعنة أخرى لتكونا هاديتين إلى طريق الجحيم. وذكر الماوردي حكاية عن الأصمعي أن الرفد بالفتح القدح وبالكسر ما فيه من الشراب فكأنه ذم ما يستقونه في النار وهذا أنسب بالمقام، وقيل أن الرفد الزيادة، أي بئسما يرفدونه به بعد الغرق وهو الزيادة، قاله الكلبي: وأصل الرفد العون والعطاء والصلة، والإرفاد أيضاً الإعطاء والإعانة. قال أبو السعود: وقد فسر الرفد بالعطاء ولا يلائمه المقام، وأصله ما يضاف إلى غيره ليعمده.

هود 11:100

(ذلك) أي ما قصه الله سبحانه في هذه السورة من القصص السبعة (من أنباء القرى) أي من أخبار الأمم السالفة والقرون الماضية وما فعلوه بأنبيائهم (نقصه عليك) أي هو مقصوص عليك لتخبر به قومك لعلهم يعتبروا، وقد تقدم تحقيق معنى القصص (منها) أي من القرى التي أهلكنا أهلها (قائم وحصيد) القائم ما كان قائماً على عروشه والحصيد ما لا أثر له. وقيل القائم العامر والحصيد الخراب، وقيل القائم القرى الخاوية على عروشها والحصيد المستأصل بمعنى محصود، شبه ما بقي من آثار القرى بالزرع القائم على ساقه وشبه المقطوع والمعفو منها بالحصيد. قال ابن عباس: يعني قرى عامرة وقرى خامدة، وقال قتادة: قائم يرى مكانه وحصيد لا يرى له أثر، وقال ابن جريج: قائم خاو على عروشه وحصيد ملصق بالأرض، والمعنى بعضها باق وبعضها عاف، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لأنه لما ذكر أنباء القرى اتجه لسائل أن يقول ما حال هذه القرى أباقية آثارها أم لا؟

هود 11:101

(وما ظلمناهم) بما فعلنا بهم من العذاب والإهلاك (ولكن ظلموا أنفسهم) بأن جعلوها عرضة للهلاك باقتراف ما يوجبه من الكفر والمعاصي. (فما أغنت عنهم آلهتهم) أي فما دفعت عنهم أصنامهم أو ما نفعت، قاله أبو عاصم (التي يدعون) يعبدونها (من دون الله) أي غيره (من شيء) أي شيئاً من العذاب، وبأس الله، ومن زائدة (لما جاء) أي حين جاء (أمر ربك) أي عذابه (وما زادوهم غير تتبيب) أي هلاك وخسران. قال ابن عمر: أي هلكة وقال ابن زيد: أي تخسير، وقيل تدمير، والتتبيب اسم من تببه بالتشديد، وتبت يده تتب بالكسر خسرت كناية عن الهلاك وتباً له أي هلاكاً واستتب الأمر تهيأ ويستعمل لازماً ومتعدياً، يقال تببه غيره وتب هو بنفسه، والمعنى ما زادتهم أصنامهم التي يعبدونها إلا هلاكاً وخسراناً، وقد كانوا يعتقدون أنها تعينهم على تحصيل المنافع ودفع المضار. وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103)

هود 11:102

(وكذلك) أي مثل ذلك الأخذ (أخذ ربك) قرئ على أنه فعل وعلى أنه مصدر (إذا أخذ القرى وهي ظالمة) أي أهلها وهم ظالمون بالذنوب فلا يغني عنهم من أخذه شيء (إن أخذه) عقوبته للكافرين (أليم شديد) أي موجع غليظ على المأخوذ وهو مبالغة في التهديد والتحذير. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله سبحانه وتعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته "، ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك) الآية [[مسلم 2583 - البخاري 2013.]] ولا تظنن أن الآية حكمها مختص بظالمي الأمم الماضية بل هو عام في كل ظالم ويعضده الحديث.

هود 11:103

(إن في ذلك) أي أخذ الله سبحانه لأهل القرى أو في القصص السبعة التي قصها الله على رسوله (لآية) لعبرة وموعظة لأن القصص المذكورة فيها عذاب الدنيا وعذاب الآخرة وقد حصل الأول فيعلم العاقل أن القادر على إنزال الأول قادر على إنزال الثاني (لمن خاف عذاب الآخرة) لأنهم الذين يعتبرون بالعبر ويتعظون بالمواعظ. قال ابن زيد: يقول إنا سوف نفي لهم بما وعدناهم في الآخرة كما وفينا للأنبياء إنا لننصرهم. (ذلك) أي يوم القيامة المدلول عليه بذكر الآخرة (يوم مجموع له) صفة ليوم جرت على غير من هي له فلذلك رفعت الظاهر وهو (الناس) من الأولين والآخرين للمحاسبة والمجازاة (وذلك) أي يوم القيامة (يوم مشهود) يشهده أهل المحشر، أو مشهود فيها الخلائق، أو يشهده أهل السماء والأرض فاتسع في الظرف بإجرائه مجرى المفعول. وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104) يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106)

هود 11:104

(وما نؤخره) أي ذلك اليوم (إلا لأجل) اللام للتعليل أي لانتهاء أجل أي وقت (معدود) معلوم بالعدد لا يعلمه إلا الله وهو مدة الدنيا وقد عين سبحانه وقوع الجزاء بعده، وعبارة أبي السعود: إلا لانقضاء مدة قليلة مضروبة حسبما تقتضيه الحكمة.

هود 11:105

(يوم) حين (يأت) يوم القيامة وقيل الضمير لله تعالى كقوله إلا أن يأتيهم الله أو يأتي ربك (لا تكلم) أي لا تتكلم فيه (نفس) بما ينفع وينجى من جواب (إلا بإذنه) أي بما أذن لها من الكلام، وقيل لا تكلم بحجة ولا شفاعة إلا بإذنه سبحانه لها في التكلم بذلك كقوله لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن، وقوله تعالى (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه). وقد جمع بين هذا وبين قوله (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) وقوله إخباراً عن محاجة الكفار (ربنا ما كنا مشركين) وقوله (هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون) باختلاف أحوالهم باختلاف مواقف القيامة وقد تكرر مثل هذا الجمع في مواضع. وقد اشتملت هذه الآية على ثلاثة أنواع من البديع. الجمع في قوله لا تكلم نفس والتفريق في قوله فمنهم شقي وسعيد والتقسيم في قوله فأما الذين شقوا. (فمنهم) أي من الأنفس أو من أهل الموقف وإن لم يذكروا قال الزمخشري: لأن ذلك معلوم ولأن قوله لا تكلم نفس يدل عليه وكذا قال ابن عطية (شقي) هو من كتبت عليه الشقاوة (وسعيد) أي من كتبت له السعادة وتقديم الشقي على السعيد لأن المقام مقام تحذير. أخرج الترمذي وحسنه وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن عمر بن الخطاب قال: لما نزلت فمنهم شقي وسعيد قلت يا رسول الله فعلام نعمل على شيء قد فرغ منه أو على شيء لم يفرغ منه قال: بل على شيء قد فرغ منه وجرت به الأقلام يا عمر ولكن كل ميسر لما خلق له [[الترمذي كتاب القدر الباب الثالث.]] وقد استدل بهذه الآية على أن أهل الموقف قسمان لا ثالث لهما وظاهر الآية والحديث يدل على ذلك لكن بقي قسم آخر مسكوت عنه وهو من استوت حسناته وسيآته أو لا حسنات لهم ولا سيآت كالمجانين والأطفال فهم تحت مشيئته يحكم فيهم بما شاء وتخصيص القسمين لا ينفي القسم الثالث.

هود 11:106

(فأما الذين شقوا) أي الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه تعالى وهم الذين يموتون على الكفر وأن تقدم منهم إيمان (ففي النار) أي فمستقرون فيها (لهم فيها زفير وشهيق) قال الزجاج: الزفير من شدة الأنين وهو المرتفع جداً. قال: وزعم أهل اللغة من البصريين والكوفيين أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمير والشهيق بمنزلة آخره، وقيل الزفير للحمار والشهيق للبغل، وقيل الزفير الصوت الشديد والشهيق الصوت الضعيف، وقيل الزفير إخراج النفس والشهيق ردها، وقيل الزفير من الصدر والشهيق من الحلق. وقيل الزفير ترديد النفس في الصدر من شدة الخوف حتى تنتفخ منه الأضلاع والشهيق النفس الطويل الممتد أو رد النفس إلى الصدر والمراد بهما الدلالة على شدة كربهم وغمهم وتشبيه حالهم بمن استولت الحرارة على قلبه وانحصر فيه روحه وقال الليث: الزفير أن يملأ الرجل صدره حال كونه في الغم الشديد من النفس ويخرجه والشهيق أن يخرج ذلك النفس وهو قريب من قولهم تنفس الصعداء، والجملة إما مستأنفة أو حالية.

هود 11:107

خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107) (خالدين) لابثين (فيها) أي في النار (ما دامت السماوات والأرض) ما مصدرية أي مدة دوامهما في الدنيا وهذه المدة غير ما يزيده الله مما لا نهاية له ودامت هنا تامة لأنها بمعنى بقيت. وقد اختلف العلماء في بيان معنى هذا التوقيت لأنه قد علم بالأدلة القطعية تأبيد عذاب الكفار في النار وعدم انقطاعه عنهم. وثبت أيضاً إن السماوات والأرض تذهب عند انقضاء أيام الدنيا فقالت طائفة: أن هذا الإخبار جار على ما كانت العرب تعتاده إذا أرادوا المبالغة في دوام الشيء قالوا هو دائم ما دامت السماوات الأرض ومنه قولهم لا آتيك ما جن الليل وما اختلف الليل والنهار وما ناح الحمام ونحو ذلك فيكون المعنى أنهم خالدون فيها أبداً لا انقطاع لذلك ولا انتهاء له. وقيل أن المراد سماوات الآخرة وأرضها فقد ورد ما يدل على أن للآخرة سماوات وأرضاً غير هذه الموجودة في الدنيا وهي دائمة بدوام دار الآخرة، وأيضاً لا بد لهم من موضع يقلهم وآخر يظلهم وهما أرض وسماء؛ قال ابن عباس: لكل جنة أرض وسماء؛ وروى نحوه عن السدي والحسن (إلا ما شاء ربك) قد اختلف أهل العلم في معنى هذا الاستثناء على أقوال. الأول: أنه من قوله ففي النار كأنه قال: إلا ما شاء ربك من تأخير قوم عن ذلك روى هذا عن أبي سعيد الخدري. الثاني: أن الاستثناء إنما هو للعصاة من الموحدين وأنهم يخرجون بعد مدة من النار وعلى هذا يكون قوله سبحانه (فأما الذين شقوا) عاماً في الكفرة والعصاة ويكون الاستثناء من خالدين ويكون ما بمعنى من، وبهذا قال قتادة والضحاك وأبو سنان وغيرهم. قال البيضاوي: هو استثناء من الخلود في النار لأن بعضهم وهم فساق الموحدين يخرجون منها وذلك كاف في صحة الاستثناء، لأن زوال الحكم عن الكل يكفيه زواله عن البعض؛ وهم المرادون بالاستثناء الثاني فإنهم مفارقون عن الجنة أيام عذابهم، فإن التأبيد من مبدأ معين ينتقص باعتبار الابتداء كما ينتقص باعتبار الانتهاء، وهؤلاء وإن شقوا بعصيانهم فقد سعدوا بإيمانهم اهـ. وقد ثبت بالأحاديث المتواترة تواتراً يفيد العلم الضروري بأنه يخرج من النار أهل التوحيد فكان ذلك مخصصاً لكل عموم. الثالث: أن الاستثناء من الزفير والشهيق أي لهم فيها ذلك إلا ما شاء ربك من أنواع العذاب غير الزفير والشهيق، قاله ابن الأنباري. الرابع: أن معنى الاستثناء أنهم خالدون فيها ما دامت السماوات والأرض لا يموتون فيها إلا ما شاء ربك، فإنه يأمر النار فتأكلهم حتى يفنوا ثم يجدد الله خلقهم، روي ذلك عن ابن مسعود. الخامس: أن إلا بمعنى سوى ولكن والاستثناء منقطع والمعنى ما دامت السماوات والأرض سوى ما يتجاوز ذلك من الخلود كأنه ذكر في خلودهم ما ليس عند العرب أطول منه ثم زاد عليه الدوام الذي لا آخر له حكاه الزجاج. السادس: ما روي عن الفراء وابن الأنباري وابن قتيبة من أن هذا لا ينافي عدم المشيئة كقولك والله لأضربنه إلا أن أرى غير ذلك، ونوقش هذا بأن معنى الآية الحكم بخلودهم إلا المدة التي شاء الله فالمشيئة قد حصلت جزماً، وقد حكى هذا القول الزجاج أيضاً. السابع: أن المعنى خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك من مقدار موقفهم في قبورهم وللحساب حكاه الزجاج أيضاً. الثامن: أن المعنى خالدين فيها إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم لأهل النعيم وزيادة العذاب لأهل الجحيم حكاه الزجاج أيضاً واختاره الحكيم الترمذي. التاسع: أن إلا بمعنى الواو قاله الفراء والمعنى وما شاء ربك من الزيادة، قال مكي: وهذا القول بعيد عند البصريين أن يكون إلا بمعنى الواو. العاشر: أن إلا بمعنى الكاف، والتقدير كما شاء ربك ومنه قوله تعالى (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) أي كما قد سلف. الحادي عشر: أن هذا الاستثناء إنما هو على سبيل الاستثناء الذي ندب إليه الشارع في كل كلام فهو على حد قوله (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين) قاله ابن عطية، وروى نحو هذا عن أبي عبيد، ولا يحتاج إلى أن يوصف بمتصل ولا منقطع. وهذه الأقوال هي جملة ما وقفنا عليه من أقوال أهل العلم، وقد نوقش بعضها بمناقشات ودفعت بدفوعات، وقد أوضح الشوكاني ذلك في رسالة مستقلة جمعها في جواب سؤال ورد من بعض الأعلام، قال السيوطي: وما تقدم من التأويل هو الذي ظهر وهو خال من التكلف، والله أعلم بمراده انتهى. قال في الجمل: أي التفسير للاستثناء وحاصله أن إلا في المعنى بمعنى حرف العطف والاستثناء منقطع، فكأنه قيل (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) وزيادة على هذه المدة لا منتهى لها؛ وقوله هو الذي ظهر أي ظهر له اختياره من ثلاثة عشر وجهاً للمفسرين في هذا المقام وهو وجه حسن لأن فيه التأبيد بما يعلمه المخاطبون بالمشاهدة ويعترفون به وهو دوام الدنيا. وأما التأبيد بدوام سموات الآخرة وأرضها كما قيل ففيه أنه غير معلوم للمخاطبين خصوصاً من ينكر البعث، وقد استوفى السمين الوجوه المذكورة، ولنقتصر على نقل بعضها لكونه أقرب من غيره انتهى. ثم ذكر الوجه الثاني والخامس والحادي عشر كما مر. وقال ابن حجر الهيتمي المكي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: دلت الآيات والأحاديث على أن عذاب الكفار في جهنم دائم مؤبد، وما ورد مما يخالف ذلك يجب تأويله، فمن ذلك قوله تعالى (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك إن ربك فعال لما يريد) فظاهره أن مدة عقابهم مساوية لمدة بقاء السماوات والأرض إلا ما شاء الله من هذه المدة فلا يكونون فيه خالدين فيها. وقد أوله العلماء بنحو عشرين وجهاً يرجع بعضها إلى حكمة التقييد بمدة دوام السماوات والأرض، وبعضها إلى حكمة الاستثناء ومعناه، فمن الأول أن المراد سماوات الجنة وأرضها إذ السماء كل ما علاك، والأرض كل ما استقررت عليه، وكون الجنة والنار لهما سماء وأرض بهذا الاعتبار أمر قطعي لا يخفى على أحد، فاندفع التنظير في هذا القول بأنه لا يجوز حمل ما في الآية عليه لأنه غير معروف للمخاطبين أو سماوات الدنيا وأرضها وأجرى ذلك على عادة العرب في الإخبار عن دوام الشيء وتأييده بذلك ونحوه كقولهم لا آتيك ما سال سيل وما جن ليل وما طما البحر، وما قام جبل، لأنه تعالى يخاطب العرب على عرفهم في كلامهم وهذه الألفاظ في عرفهم تفيد الأبد والدوام. وعن ابن عباس أن جميع الأشياء المخلوقة أصلها من نور العرش وأن السماوات والأرض في الآخرة تردان إلى النور الذي خلقنا منه وهما دائمتان أبداً من نور العرش. ثم هذا الجواب إنما يحتاج إليه بناء على أن مفهوم التقييد بدوام السماوات والأرض أنهم لا يبقون في النار إلا بقدر مدة دوامهما من حين إيجادها إلى إعدامهما، ومنع بعضهم ذلك بأن المفهوم من الآية أنهما متى كانتا دائمتين كان كونهم في النار باقياً، وقضية ذلك أنه كلما حصل الشرط وهو دوامهما حصل المشروط وهو بقاؤهم في النار، ولا يقتضي أنه إذا عدم الشرط يعدم المشروط. فإذا قلنا ما دامتا بقي عقابهم، ثم قلنا لكنهما دائمتان لزم دوام عقابهم أو لكنهما ما بقيتا لم يلزم عدم دوام عقابهم، لا يقال إذا دام عقابهم بقيتا أو عدمتا فلا فائدة للتقييد بدوامهما لأنا نقول بل فيه أعظم الفوائد وهو دلالته على بقاء ذلك العذاب دهراً دائماً طويلاً لا يحيط العقل بقدر طوله وامتداده. فأما أنه هل لذلك العذاب آخِر أم لا فذلك يحصل من أدلة أخرى، وهي الآيات المصرحة بتأييد خلودهم المستلزم أنه لا آخر له، ومن الثاني أنه استثناء من فيها لأنهم يخرجون من النار إلى الزمهرير وإلى شرب الحميم ثم يعودون فيها فهم خالدون فيها أبداً إلا في تلك الأوقات فإنها وإن كانت أوقات عذاب أيضاً إلا أنهم ليسوا حينئذ فيها حقيقة أو أن ما لمن يعقل كانكحوا ما طاب لكم من النساء وحينئذ فيكون استثناء لعصاة المؤمنين من ضمير خالدين متصلاً بناء على شمول شقوا لهم أو منقطعاً بناء على عدم شموله لهم وهو الأظهر، أو أنه منقطع وإلا بمعنى سوى أي ما دامتا سوى ما شاء ربك زيادة على ذلك. وبقيت أجوبة كثيرة أعرضت عنها لبعدها، ولا ينافي ذلك ما رواه أحمد عن عبد الله بن عمر وليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقاباً، لأن في سنده من قالوا فيه أنه غير ثقة وصاحب أكاذيب كثيرة عظيمة. نعم نقل غير واحد هذه المقالة عن ابن مسعود وأبي هريرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول عمر بن الخطاب وابن عباس وابن مسعود وأبي هريرة وأنس وإليه ذهب الحسن البصري وحماد بن سلمة، وبه قال علي بن طلحة الوالي وجماعة من المفسرين انتهى. ويرد ما نقله عن الحسن قول غيره، قال العلماء: قال ثابت: سألت الحسن عن هذا فأنكره، والظاهر أن هؤلاء الذين ذكرهم لم يصح عنهم من ذلك شيء، وعلى التنزل فمعنى كلامهم كما قاله العلماء ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهى ممتلئة بهم لا يخرجون عنها أبداً كما ذكره الله في آيات كثيرة. وفي تفسير الرازي قال قوم: أن عذاب الكفار منقطع وله نهاية، واستدلوا بهذه الآية وبـ " لابثين فيها أحقاباً "، وبأن معصية الظالم متناهية فالعقاب عليها بما لا يتناهى ظلم انتهى. والجواب عن الآية وقوله تعالى أحقاباً لا يقتضى أن له نهاية لما مر أن العرب يعبرون به وبنحوه عن الدوام، ولا ظلم في ذلك لأن الكافر كان عازماً على الكفر ما دام حياً فعوقب دائماً فهو لم يعاقب بالدائم إلا على دائم، فلم يكن عذابه إلا جزاء وفاقاً. واعلم أن التقييد والاستثناء في أهل الجنة ليس المراد بهما ظاهرهما باتفاق الكل لقوله تعالى (غير مجذوذ) فيؤول بنظير ما مر ويكون المراد بما إذا جعلناها بمعنى (من) أهل الأعراف عصاة المؤمنين الذين لم يدخلوها بعد. قال ابن زيد: أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار. انتهى كلام ابن حجر. وفي الذي تحامل به على ابن تيمية نظر فقد أوضح البحث الحافظ ابن القيم رحمه الله في حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح مستوفياً بما له وعليه فمن شاء فليرجع إليه. أخرج أبو الشيخ عن قتادة أنه تلا هذه الآية فقال حدثنا أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يخرج قوم من النار " ولا نقول كما قال أهل حروراء أن من دخلها بقى فيها. وعن جابر قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: " إن شاء آلله أن يخرج أناساً من الذين شقوا من النار فيدخلهم الجنة فعل "، أخرجه ابن مردويه. وعن خالد بن معدان في الآية قال: إنها في ذوي التوحيد من أهل القبلة وعن جابر بن عبد الله أو أبي سعيد الخدري قال: هذه الآية قاضية على القرآن كله يقول حيث كان في القرآن خالدين فيها تأتي عليه، وعن ابن عباس في قوله (إلا ما شاء ربك) قال: فقد شاء ربك أن يخلد هؤلاء في النار، وأن يخلد هؤلاء في الجنة. وعنه قال: استثنى الله من النار أن تأكلهم، وعن السدي في الآية قال: فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة (إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً) إلى آخر الآية، فذهب الرجاء لأهل النار أن يخرجوا منها وأوجب لهم خلود الأبد. وقوله: وأما الذين سعدوا؛ الآية، فجاء بعد ذلك من مشيئة الله ما نسخها، فأنزل بالمدينة (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات) -إلى قوله- (ظلاًّ ظليلاًّ)، فأوجب لهم خلود الأبد. وعن أبي نضرة قال: ينتهي القرآن كله إلى هذه الآية، يعني (إن ربك فعال لما يريد) وفي المناوي الكبير على الجامع الصغير ما نصه: تنبيه: ما ذكرته آنفا من أن عذاب الكفار في جهنم دائم أبداً هو ما دلت عليه الآيات والأخبار وأطبق عليه جمهور الأمة سلفاً وخلفاً، ووراء ذلك أقوال يجب تأويلها، فمنها ما ذهب إليه الشيخ محيي الدين بن عربي أنهم يعذبون فيها مدة ثم تنقلب عليهم وتبقى طبيعة نارية لهم يتلذذون بها لموافقتها لطبيعتهم، فإن الثناء بصدق الوعد لا بصدق الوعيد بل بالتجاوز، وقال (فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله)، ولم يقل وعيده، بل قال ويتجاوز عن سيئاتهم مع أنه توعد على ذلك وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد. وقال في موضع آخر: أن أهل النار إذا أدخلوها لا يزالون خائفين مترقبين أن يخرجوا منها فإذا أغلقت عليهم أبوابها اطمأنوا لأنها خلقت على وفق طباعهم قال الحافظ آبن القيم: وهذا في طرف أي جهة، والمعتزلة القائلون بأنه يجب على الله تعذيب من توعده بالعذاب في طرف آخر، فأولئك عندهم لا ينجو من النار من دخلها أبداً، والقولان مخالفان لما علم بالاضطرار أن الرسول جاء به وأخبر به عن الله. ومنها قولُ جمع: النارُ تفنى فإنه تعالى جعل لها أمداً تنتهي إليه ثم يزول عذابها لهذه الآية، وقوله تعالى (لابثين فيها أحقاباً) قال هؤلاء: وليس في القرآن دلالة على بقاء النار وعدم فنائها، إنما الذي فيه أن الكفار خالدون فيها وأنهم غير خارجين منها وأنه لا يفتر عنهم عذابها وأنهم لا يموتون، وأن عذابهم فيها مقيم وأنه غرام لازم، وهذا لا نزاع فيه من الصحابة والتابعين، إنما النزاع في أمر آخر وهو أن النار أبدية أو مما كتب عليه الفناء، وأما كون الكفار لا يخرجون منها ولا يدخلون الجنة فلم يختلف فيه أحد من أهل السنة. وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله القول بفنائها عن جمع من الصحابة والتابعين، وقد نصر هذا القول ابن القيم كشيخه ابن تيمية وهو مذهب متروك وقول مهجور لا يصار إليه ولا يعول عليه، وقد أول ذلك كله الجمهور، وأجابوا عن الآيات المذكورة بنحو عشرين وجهاً وعما نقل أولئك الصحب بأن معناه ليس فيها أحد من عصاة المؤمنين، أما مواضع الكفار فهي ممتلئة منهم لا يخرجون عنها أبداً كما ذكر الله في آيات كثيرة، انتهى كلامه. قلت وبالله التوفيق: أخرج ابن المنذر عن عمر قال: لو لبث أهل النار في النار كقدر رمل عالج لكان لهم على ذلك يوم يخرجون فيه، وروى عبد بن حميد بإسناد رجالة ثقات عن عمر نحوه. وأخرج بن راهويه عن أبي هريرة قال: سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ (فأما الذين شقوا). وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن إبراهيم قال: ما في القرآن آية أرجى لأهل النار من هذه الآية (خالدين فيها) الخ. قال: وقال ابن مسعود: ليأتين عليها زمان تخفق أبوابها، وروى أحمد عن ابن عمرو بن العاص: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد، وحكاه البغوى وغيره عن أبي هريرة وغيره وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً، وعن قتادة قال: الله أعلم بتثنيته على ما وقعت. وقد روى عن جماعة من السلف مثل ما ذكره ابن مسعود وعمر وأبو هريرة كابن عباس وابن عمر وجابر وأبي سعيد من الصحابة. وعن أبي مجلز وعبد الرحمن بن زيد ابن أسلم وغيرهما من التابعين، وورد في ذلك حديث في معجم الطبراني الكبير عن أبي أمامة صدى بن عجلان الباهلي وإسناده ضعيف. وقد ثبت بذلك صحة ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية عن هؤلاء وانتصره الحافظ ابن القيم، ووضح وهن ما قاله ابن حجر والمناوي عليهما وإن كان لا شك في أن الراجح هو الأول. ولقد تكلم صاحب الكشاف في هذا الموضع بما كان له في تركه سعة وفي السكوت: عنه غنى فقال: ولا يخدعنك قول المجبرة أن المراد بالاستثناء خروج أهل الكبائر من النار، فإن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم، وما ظنك بقوم نبذوا كتاب الله لما روى لهم بعض النوابت عن ابن عمرو: ليأتين على جهنم يوم تصفق فيه أبوابها ليس فيها أحد. ثم قال: وأقول ما كان لابن عمرو في سيفيه ومقاتلته بهما علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يشغله عن تسيير هذا الحديث. ا. هـ. قال الشوكاني: وأقول أما الطعن على من قال بخروج أهل الكبائر من النار فالقائل بذلك يا مسكين رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) كما صح عنه في دواوين الإسلام التي هي دفاتر السنة المطهرة وكما صح عنه في غيرها من طريق جماعة من الصحابة يبلغون عدد التواتر، فما لك والطعن على قوم عرفوا ما جهلته وعملوا بما أنت عنه في مسافة بعيدة، وأي مانع من حمل الاستثناء على هذا الذي جاءت به الأدلة الصحيحة الكثيرة كما ذهب إلى ذلك وقال به جمهور العلماء من السلف والخلف. وأما ما ظننته من أن الاستثناء الثاني ينادي على تكذيبهم ويسجل بافترائهم فلا مناداة ولا مخالفة، وأي مانع من حمل الاستثناء في الموضعين على العصاة من هذه الأمة فالاستثناء الأول يحمل على معنى إلا ما شاء ربك من خروج العصاة من هذه الأمة من النار والاستثناء الثاني يحمل على معنى إلا ما شاء ربك من عدم خلودهم في الجنة كما يخلد غيرهم، وذلك لتأخر دخولهم إليها مقدار المدة التي لبثوا فيها في النار وقد قال بهذا من أهل العلم من قدمنا ذكره، وبه قال ابن عباس حبر الأمة. وأما الطعن على صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحافظ سنته وعابد الصحابة عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه فإلى أين يا محمود أتدري. ما صنعت، وفي أي واد وقعت، وعلى أي جنب سقطت، ومن أنت حتى تصعد إلى هذا المكان وتتناول نجوم السماء بيدك القصيرة ورجلك العرجاء، أما كان لك في مِكسَرَي طِلبَتك من أهل النحو واللغة ما يردك عن الدخول فيما لا تعرف والتكلم بما لا تدري، فيالله العجب ما يفعل القصور في علم الرواية والبعد عن معرفتها إلى أبعد مكان من الفضيحة لمن لم يعرف قدر نفسه ولا أوقفها حيث أوقفها الله سبحانه. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108) فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109)

هود 11:108

(وأما الذين سعدوا) أي في علمه تعالى وهم الذين يموتون على الإيمان وإن تقدم منهم كفر أو غيره من المعاصي قرأ الكسائي وغيره سعدوا بضم السين وقرأ الباقون بفتحها، قال سيبويه: لا يقال سعد فلان كما لا يقال شقي فلان لكونه مما لا يتعدى، قال النحاس: ورأيت علي بن سليمان يتعجب من قراءة الكسائي بضم السين مع علمه بالعربية وهذا لحن لا يجوز. قال السمين: قرأ الأخوان وحفص بضم السين والباقون بفتحها فالأولى من قولهم سعده الله أي أسعده حكى الفراء عن هذيل أنها تقول كذلك، قال الأزهري: سعد فهو سعيد كسلم فهو سليم وسعد فهو مسعود، وقال أبو عمرو بن العلاء: يقال سعد الرجل كما يقال حسن، وقيل سعده لغة مهجورة وقد ضعف جماعة قراءة الأخوين، وفي المصباح: سعد فلان يسعد من باب تعب في دين أو دنيا سعداً وبالمصدر سمى ومنه سعد بن عبادة والفاعل سعيد والجمع سعداء ويعدى بالحركة في لغة فيقال سعده الله يسعده بفتحتين فهو مسعود، وقرئ في السبعة بهذه اللغة في هذه الآية بالبناء للمفعول والأكثر أن يتعدى بالهمزة فيقال أسعده الله وسعد بالضم خلاف شقي. (ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض) معنى الآية كما مر في قوله، وأما الذين شقوا (إلا ما شاء ربك) من الزيادة التي لا منتهى لها فالمعنى خالدين فيها أبداً وقد عرف من الأقوال المتقدمة ما يصلح لحمل هذا الاستثناء عليه ولا يستقيم إلا على التأويل المذكور في الوجه الخامس والسابع وما بعده (عطاء) اسم مصدر والمصدر في الحقيقة الإعطاء أو يكون مصدراً على حذف الزوائد كقوله أنبتكم من الأرض نباتاً أو منصوب بمقدر يقال عطوت بمعنى ناولت (غير مجذوذ) من جذه يجذه إذا قطعه وكسره والجذاذ بكسر الجيم ما تكسر منه والضم أفصح والجذاذات القراضات، والمعنى يعطيهم الله عطاء غير مقطوع يعني أنه ممتد إلى غير نهاية. قال القاضي: وهو تصريح بأن الثواب لا ينقطع وتنبيه على أن المراد من الاستثناء في الثواب ليس الانقطاع ولأجله فرق بين الثواب والعقاب في التأبيد انتهى، قال الخفاجي: وقع لبعضهم هنا أن النار ينقطع عذابها بخلاف نعيم أهل الجنة وأورد فيه حديثاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقد تقدم، قال ابن الجوزي: أنه موضوع وأشار لنحو منه الزمخشري إلا أنه تكلم في ابن عمرو كلاماً لا ينبغي ذكره انتهى. وقد ثبت بالنصوص القاطعة أن لا وجود لذلك فيقدر الخلود، ولا يتوهم جواز التعارض بين هذه وبين النصوص الدالة على عدم الخلود لأن المحتمل لا يعارض القطعي. ولما فرغ الله سبحانه من أقاصيص الكفرة وبيان حال السعداء والأشقياء سلّى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرح أحوال الكفرة من قومه في ضمن النهي عن الامتراء فقال

هود 11:109

(فلا تك) حذف النون لكثرة الاستعمال ولأن النون إذا وقعت طرف الكلام لم يبق عند التلفظ بها إلا مجرد الغنة فلا جرم أسقطوها قاله الكرخي (في مرية مما يعبد هؤلاء) أي ما يعبدونه غير نافع لهم ولا ضار ولا تأثير له في شيء والمرية الشك والإشارة بهؤلاء إلى كفار عصره صلى الله عليه وآله وسلم من قريش. وقيل المعنى لا تك في شك من بطلان ما يعبد هؤلاء من الأصنام، وقيل لا تك في شك من سوء عاقبتهم ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني وهذا النهي له صلى الله عليه وسلم هو تعريض لغيره ممن يداخله شيء من الشك فإنه صلى الله عليه وسلم لا يشك في ذلك أبداً. ثم بين له سبحانه بقوله (ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم) أن معبودات هؤلاء كمعبودات آبائهم وأن عبادتهم كعبادة آبائهم (من قبل) وفي هذا الاستئناف تعليل للنهي عن الشك والمعنى أنهم سواء في الشرك بالله وعبادة غيره فلا يكن في صدرك حرج مما تراه من قومك فهم كمن قبلهم من طوائف البشر وفي الخازن يعني أنه ليس لهم في عبادة هذه الأصنام مستند إلا تقليد آبائهم انتهى. وجاء بالمضارع في كما يعبد لاستحضار الصورة. ثم بين له أنه مجازيهم بأعمالهم فقال (وإنا لموفوهم نصيبهم) من العذاب (غير منقوص) لا ينقص ذلك شيء وانتصاب غير على الحالى والتوفية لا تستلزم عدم النقص فقد يجوز أن يوفى وهو ناقص كما يجوز أن يوفى وهو كامل، قال القاضي كالزمخشري: فإنك تقول وفيته حقه وتريد به وفاء بعضه ولو مجازاً انتهى. وأنت خبير بأنه إذا لم تكن قرينة المجاز قائمة كما في هذا المقام لا تكون الحال إلا للتأكيد لأن التوفية تقتضي الإكمال فقد استفيد معناها من عاملها وهو شأن المؤكدة وفائدته دفع توهم التجوز، قال بعضهم: وجعلها مقيدة له لدفع احتمال كونه منقوصاً في حد نفسه مبني على الذهول عن كون العامل هو التوفية تأمل قاله الكرخي، وقيل المراد نصيبهم من الرزق وقيل ما هو أعم من الخير والشر. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110) وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)

هود 11:110

(ولقد آتينا موسى الكتاب) أي التوراة (فاختلف فيه) أي في شأنه وتفاصيل أحكامه فآمن به قوم وكفر به آخرون وعمل بأحكامه قوم وترك العمل ببعضها آخرون فلا يضيق صدرك يا محمد بما وقع من هؤلاء في القرآن، وقيل في سببية أي هو سبب اختلافهم وقيل بمعنى على. (ولولا كلمة) الإنظار إلى يوم القيامة أي الحكم الأزلي بتأخير عذابهم (سبقت من ربك) لما علم في ذلك من الصلاح (لقضي بينهم) أي بين قومك أو بين قوم موسى فيما كانوا فيه مختلفين فأثيب المحق وعذب المبطل وعذبوا في الحال وفرغ من عذابهم وإهلاكهم والكلمة هي أن رحمته سبحانه سبقت غضبه فأمهلهم ولم يعاجلهم لذلك وقيل أن الكلمة هي أنهم لا يعذبون بعذاب الاستئصال وهذا من جملة التسلية له صلى الله عليه وسلم. ثم وصفهم بأنهم في شك من الكتاب فقال (وإنهم لفي شك منه) أي من القرآن أن حمل على قوم محمد صلى الله عليه وسلم أو من التوراة أن حمل على قوم موسى (مريب) موقع في الريبة من أراب إذا حصل الريب لغيره أو صار هو في نفسه ذا ريب ثم جمع الأولين والآخرين في حكم توفية العذاب لهم أو هو والثواب فقال:

هود 11:111

(وإن كُلاًّ) أي كل الخلائق (لما ليوفينهم ربك أعمالهم) أي جزاءها وفي إن وكُلاًّ ولما أقوال متخالفة هل إن مخففة أم مثقلة والتنوين في كُلاًّ مع النصب عوض عن المضاف إليه ونصبه بأن ولما خفيفة أم ثقيلة وهي بمعنى إلا أم لا. وأحسن هذه الأقوال أنها بمعنى الاستثنائية، وقد روي ذلك عن الخليل وسيبويه ورجحه الزجاج، وقرأ أبيّ أن كُلاًّ إلا ليوفينهم وقرئ بالتنوين بمعنى جميعاً وبسط الكلام في ذلك في جمل، قال السمين: هذه الآية الكريمة مما تكلم الناس فيها قديماً وحديثاً وعسر على أكثرهم تلخيصها قراءة وتخريجاً وقد سهل الله تعالى ذلك فذكرت أقاويلهم وما هو الراجح منها فأقول: قرأ بعضهم إن ولما مخففتين وبعضهم خفف إن وثقل لما وبعضهم شددهما وبعضهم شدد إن وخفف لما فهذه أربع قراءات في هذين الحرفين وكلها متواترة سبعية قال: والرابعة وهي تشديد إن وتخفيف لما فواضحة جداً وقرئ شاذاً وإن كل بتخفيف إن ورفع كل ولما بالتشديد، وهي قراءة الحسن البصري وعليها فلما بمعنى إلا انتهى ملخصاً وقرئ أيضاً شاذاً قراءات أخر فلتراجع في السمين وغيره. (إنه بما تعملون) أيها المختلفون (خبير) لا يخفي عليه منه شيء والجملة تعليل لما قبلها وفيه وعد للمحسنين المصدقين ووعيد للمكذبين الكافرين. ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بكلمة جامعة لأنواع الطاعة له سبحانه فقال

هود 11:112

(فاستقم كما أمرت) أي كما أمرك الله فيدخل في ذلك جميع ما أمره به وجميع ما نهاه عنه لأنه قد أمره بتجنب ما نهاه عنه كما أمره بفعل ما تعبده بفعله. وأمته اسوته في ذلك. قال قتادة: أمره أن يستقيم على أمره ولا يطغى في نعمته، وقال سفيان: استقم على القرآن، وعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال: شمروا شمروا فما رئي ضاحكاً قال أبو السعود: وبالجملة فهذا الأمر منتظم لجميع محاسن الأحكام الأصلية والفرعية والكمالات النظرية والعملية والخروج عن عهدته في غاية ما يكون من الصعوبة ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: شيبتني سورة هود [[الترمذي، تفسير سورة، 56/ 6.]]. (و) ليستقم (من تاب معك) أي آمن ورجع عن الكفر إلى الإسلام وشاركك في الإيمان وما أعظم موقع هذه الآية وأشد أمرها فإن الاستقامة كما أمر الله لا تقوم بها إلا الأنفس المطهرة والذوات المقدسة ولهذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم شيبتني هود كما تقدم. وعن سفيان الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك قال: قل آمنت بالله ثم استقم [[مسلم، 38.]] أخرجه مسلم أقول هي تشمل العقائد والأعمال والأخلاق فإنها في العقائد اجتناب التشبيه والتأويل والتعطيل والصرف عن الظاهر وفي الأعمال الاحتراز عن الزيادة والنقصان والبدع والمحدثات والتغيير للكتاب والتبديل للسنن والتقليد للرجال وللآراء وفي الأخلاق التباعد عن طرفي الإفراط والتفريط وهذا في غاية العسر وبالله التوفيق وهو المستعان. (ولا تطغوا) الطغيان مجاوزة الحد لما أمر الله سبحانه بالاستقامة المذكورة بين أن الغلو في العبادة والإفراط في الطاعة على وجه يخرج به عن الحد الذي حده والمقدار الذي قدره ممنوع منه منهى عنه وذلك كمن يصوم ولا يفطر ويقوم الليل ولا ينام ويترك الحلال الذي أذن الله به ورغب فيه ولهذا يقول الصادق المصدوق فيما صح عنه: " أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأنكح النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني " [[النسائي، كتاب النكاح، باب 4.]]، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولأمته تغليباً لحالهم على حاله أو النهي عن الطغيان خاص بالأمة. قال ابن عباس: لا تطغوا لا تظلموا، وقال العلاء بن عبد الله: لم يرد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنى الذين يجيئون من بعدهم، وعن ابن زيد الطغيان خلاف أمره وارتكاب معصيته (إنه بما تعملون بصير) يجازيكم على حسب ما تستحقون، والجملة تعليل لما قبلها، قيل ما نزلت آية على رسول الله صلّى الله عليه وسلم هي أشد عليه من هذه الآية.

هود 11:113

وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) قرئ بفتح الكاف وضمها وهي لغة تميم وقيس والأول لغة أهل الحجاز، قال أبو عمرو: ولغة تميم بكسر التاء وفتح الكاف، وهم يكسرون حرف المضارعة في كل ما كان من باب علم يعلم، قال الأزهري: وليست بالفصيحة وركن يركن بفتحتين وليست بالأصل، بل من تداخل اللغتين. وقال الراغب: والصحيح إنه يقال بالفتح فيهما وبالكسر في الماضي والفتح في المضارع؛ وبالفتح في الماضي والضم في المضارع، وقرئ على البناء للمفعول من أركنه، وقال في الصحاح: ركن إليه يركن بالضم، وحكى أبو زيد: ركن إليه بالكسر يركن ركوناً فيهما، أي مال إليه وسكن، قال الله تعالى (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا) وأما بالفتح فيهما فإنما هو على الجمع بين اللغتين. اهـ. وقال في شمس العلوم: الركون السكون، وقال في القاموس: ركن إليه كنصر وعلم ومنع ركوناً مال وسكن. اهـ، فهؤلاء الأئمة من رواة اللغة فسروا الركون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد بما فيده به صاحب الكشاف حيث قال: فإن الركون هو الميل اليسير. وهكذا فسره المفسرون بمطلق الميل والسكون من غير تقييد إلا من كان من المتقيدين بما ينقله صاحب الكشاف، ومن المفسرين من ذكر في تفسير الركون قيوداً لم يذكرها أئمة اللغة. قال القرطبي في تفسيره: الركون حقيقة الاستناد والاعتماد والسكون إلى الشيء والرضا به، ومن أئمة التابعين من فسر الركون بما هو أخص من معناه اللغوي، فروي عن قتادة وعكرمة أن معناها لا تودوهم ولا تطيعوهم. وقال عبد الرحمن بن زيد: الركون هنا الادهان، وذلك أن لا ينكر عليهم كفرهم، وقال أبو العالية: معناه لا ترضوا أعمالهم، وقال ابن عباس: الركون إلى الشرك ولا تركنوا لا تميلوا ولا تدهنوا. وعن عكرمة: لا تصطنعوهم. وقد اختلف أيضا الأئمة من المفسرين في هذه الآية هل هي خاصة بالمشركين أو عامة، فقيل خاصة وإن معنى الآية النهي عن الركون إلى المشركين وإنهم المرادون بالذين ظلموا. وقد روي ذلك عن ابن عباس، وقيل إنها عامة في الظلمة من غير فرق بين كافر ومسلم، وهذا هو الظاهر من الآية، ولو فرضنا أن سبب النزول هم المشركون لكان الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإن قلت وقد وردت الأدلة الصحيحة البالغة عدد التواتر الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثبوتاً لا يخفى على من له أدنى تمسك بالسنة المطهرة بوجوب طاعة الأئمة والسلاطين والأمراء حتى ورد في بعض ألفاظ الصحيح أطيعوا السلطان وإن كان عبداً حبشياً رأسه كالزبيبة، وورد وجوب طاعتهم ما أقاموا الصلاة وما لم يظهر منهم الكفر البواح وما لم يأمروا بمعصية الله. وظاهر ذلك أنهم وإن بلغوا في الظلم إلى أعلى مراتبه وفعلوا أعظم أنواعه مما لم يخرجوا به إلى الكفر البواح فإن طاعتهم واجبة حيث لم يكن ما أمروا به من معصية الله، ومن جملة ما يأمرون به تولي الأعمال لهم والدخول في المناصب الدينية التي ليس الدخول فيها من معصية الله، ومن جملة ما يأمرون به الجهاد وأخذ الحقوق الواجبة من الرعايا، وإقامة الشريعة بين المتخاصمين منهم وإقامة الحدود على من وجبت عليه. وبالجملة فطاعتهم واجبة على كل من صار تحت أمرهم ونهيهم في كل ما يأمرون به مما لم يكن من معصية الله، ولا بد في مثل ذلك من المخالطة لهم والدخول عليهم ونحو ذلك مما لا بد منه ولا محيص عن هذا الذي ذكرنا من وجوب طاعتهم بالقيود المذكورة لتواتر الأدلة الواردة به، بل قد ورد به الكتاب العزيز أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم. بل ورد أنهم يعطون الذي لهم من الطاعة وإن منعوا ما هو عليهم للرعايا، كما في بعض الأحاديث الصحيحة: " أعطوهم الذي لهم واسألوا الله الذي لكم " بل ورد الأمر بطاعة السلطان وبالغ في ذلك النبي (- صلى الله عليه وسلم -) حتى قال: " وإن أخذ مالك وضرب ظهرك " [[مسلم 1847 بلفظ: " تسمع وتطيع للأمير. وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع واطع ".]]. فإن اعتبرنا مطلق الميل والسكون فمجرد هذه الطاعة المأمور بها مع ما تستلزمه من المخالطة هي ميل وسكون، وإن اعتبرنا الميل والسكون ظاهراً وباطناً فلا يتناول النهي في هذه الآية من مال إليهم في الظاهر لأمر يقتضى ذلك شرعاً كالطاعة أو للتقية ومخافة الضرر منهم، أو لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة إذا لم يكن له ميل إليهم في الباطن ولا محبة ولا رضى بأفعالهم. قلت: أما الطاعة على عمومها بجميع أقسامها حيث لم تكن في معصية الله فهي على فرض صدق مسمى الركون عليها مخصصة لعموم النهي عنه بأدلتها التي قدمنا الإشارة إليها ولا شك في هذا ولا ريب، فكل من أمروه ابتداء أن يدخل في شيء من الأعمال التي أمرها إليهم مما لم يكن من معصية الله كالمناصب الدينية ونحوها إذا وثق من نفسه بالقيام بما وكل إليه فذلك واجب عليه، فضلاً عن أن يقال جائز له. وأما ما ورد من النهي عن الدخول في الإمارة فذلك مقيد بعدم وقوع الأمر ممن تجب طاعته من الأئمة والسلاطين والأمراء جمعاً بين الأدلة أو مع ضعف المأمور عن القيام بما أمر به، كما ورد تعليل النهي عن الدخول في الإمارة بذلك في بعض الأحاديث الصحيحة. وأما مخالطتهم والدخول عليهم لجلب مصلحة عامة أو خاصة أو دفع مفسدة عامة أو خاصة مع كراهة ما هم عليه من الظلم وعدم ميل النفس إليهم ومحبتها لهم وكراهة المواصلة لهم لولا جلب تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة، فعلى فرض صدق مسمى الركون على هذا فهو مخصص بالأدلة الدالة على مشروعية جلب المصالح ودفع المفاسد، والأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، ولا تخفى على الله خافية. وبالجملة فمن ابتلى بمخالطة من فيه ظلم فعليه أن يزن أقواله وأفعاله وما يأتي وما يذر بميزان الشرع، فإن زاغ عن ذلك فعلى نفسها براقش تجني، ومن قدر على الفرار منهم قبل أن يؤمر من جهتهم بأمر يجب عليه طاعته فهو الأولى له والأليق به. يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اجعلنا من عبادك الصالحين الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر الذين لا يخافون فيك لومة لائم وقونا على ذلك ويسره لنا وأعنا عليه. قال القرطبي في تفسيره: وصحبة الظالم على التقية مستثناة من النهي بحال الاضطرار انتهى. وقال النيسابوري في تفسيره: قال المحققون: الركون المنهي، عنه هو الرضا بما عليه الظلمة أو تحسين الطريقة وتزيينها عند غيرهم ومشاركتهم في شيء من تلك الأبواب، فأما مداخلتهم لدفع شيء من الضرر واجتلاب منفعة عاجلة فغير داخلة في الركون. قال: وأقول هذا من طريق المعاش والرخصة ومقتضى التقوى هو الاجتناب عنهم بالكلية، أليس الله بكاف عبده. اهـ. (فتمسكم النار) بحرها بسبب الركون إليهم، وفيه إشارة إلى أن الظلمة أهل النار أو كالنار، ومصاحبة النار توجب لا محالة مس النار، قيل هذا فيمن ركن إلى من ظلم فكيف بالظالم. والجملة حالية أو مستأنفة. قال أبو السعود: وإذا كان حال الميل في الجملة إلى من وجد منه ظلم ما في الإفضاء إلى مساس النار هكذا، فما ظنك بمن يميل إلى الراسخين في الظلم والعدوان ميلاً عظيماً ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتهم ويلقي شراشره على مؤانستهم ومعاشرتهم ويبتهج بالتزيي بزيهم؛ ويمد عينيه إلى زهرتهم الفانية، ويغبطهم بما أوتوا من القطوف الدانية، وهو في الحقيقة من الحبة طفيف، ومن جناح البعوض خفيف، بمعزل عن أن تميل إليه القلوب، ضعف الطالب والمطلوب. والآية أبلغ ما يتصور في النهي عن الظلم والتهديد عليه، وخطاب الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين تثبيت على الاستقامة التي هي العدل، فإن الميل إلى أحد طرفي الإفراط والتفريط ظلم على نفسه أو غيره انتهى. (وما لكم من دون الله من أولياء) إن ركنتم إليهم، والمعنى أنها تمسكم النار حال عدم وجود من ينصركم وينقذكم منها، ونفى الأولياء ليس بطريق نفي أن يكون لكل واحد منهم أولياء حتى يصدق أن يكون له ولي بل لمكان لكم بطريق انقسام الآحاد على الأحاد لكن لا على معنى نفي استقلال كل منهم بنصير بل على معنى نفي أن يكون لواحد منهم نصير بقرينة المقام. (ثم لا تنصرون) من جهة الله سبحانه إذ قد سبق في علمه أنه يعذبكم بسبب ركونكم الذي نهيتم عنه فلم تنتهوا عناداً وتمرداً والجملة حالية أو مستأنفة معترضة وأتى بثم هنا تنبيهاً على تراخي رتبة كونهم غير منصورين من جهة الله بعدما أوعدهم بالعذاب وأوجبه عليهم، ويجوز أن يكون منزلاً منزلة الفاء بمعنى الاستبعاد فإنه لما بين أن الله تعالى معذبهم وأن غيره لا ينقذهم أنتج أنهم لا ينصرون أصلاً. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)

هود 11:114

(وأقم الصلاة طرفي النهار) لما ذكر الله سبحانه الاستقامة خص من أنواعها إقامة الصلاة لكونها رأس الإيمان، والمراد صلاة الغداة والعشي وهما الفجر والعصر، قاله الحسن، وقيل الظهر موضع العصر، وقيل الطرفان الصبح والمغرب، قاله ابن عباس. وقيل هما الظهر والعصر، وقال مجاهد: صلاة الفجر وصلاتي العشي يعني الظهر والعصر، ورجح ابن جرير أنهما الصبح والمغرب. قال: والدليل عليه إجماع الجميع على أن أحد الطرفين الصبح، فدل على أن الطرف الآخر المغرب. قال الرازي: كثرت المذاهب في تفسير طرفي النهار والأشهر أنهما الفجر والعصر لأن أحد طرفي النهار هو طلوع الشمس والثاني هو غروبها، فالطرف الأول هو صلاة الفجر، والطرف الثاني لا يجوز أن يكون صلاة المغرب لأنها داخلة تحت قوله وزلفاً من الليل فوجب حمل الطرف الثاني على صلاة العصر. (وزلفاً) أي في زلف (من الليل) والزلف الساعات القريبة بعضها من بعض ومنه سميت المزدلفة لأنها منزل بعد عرفة بقرب مكة، وقرئ زلفاً بضم اللام جمع زليف، ويجوز أن يكون واحده زلفة، وقرئ بإسكان اللام، وقرأ مجاهد: زلفى على وزن فعلى، وقرأ الباقون: زلفا بفتح اللام كغرفة وغرف، قال ابن الأعرابي: الزلف الساعات واحدتها زلفة. وقال قوم: الزلفة أول ساعة من الليل بعد مغيب الشمس، وفي القاموس الزلفة الطائفة من الليل والجمع زلف وزلفات والزلف ساعات الليل الآخذة من النهار وساعات النهار الأخذة من الليل. قال الأخفش: معنى زلفاً من الليل صلاة الليل، قال ابن عباس: صلاة العتمة، وقال الحسن: هما زلفتان صلاة المغرب وصلاة العشاء، وعن مجاهد والحسن نحوه، وقال أيضاً: ساعة بعد ساعة يعني صلاة العشاء الآخرة. (إن الحسنات) أي الواجبة والمندوبة وغيرها على العموم ومن جملتها بل عمادها الصلوات. عن ابن مسعود قال: هي الصلوات الخمس. وزاد ابن عباس والباقيات الصالحات (يذهبن السيئات) على العموم، وقيل المراد بها الصغائر ومعنى يذهبن يكفرنها حتى كأنها لم تكن. أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن ابن مسعود أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له كأنه يسأل عن كفارتها، فأنزلت عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار) الآية، فقال الرجل يا رسول الله ألي هذه؟ قال: هي لمن عمل بها من أمتي. وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود وغيرهم عن أبي أمامة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال يا رسول الله أقم في حد الله، مرة أو مرتين، فأعرض عنه؛ ثم أقيمت الصلاة فلما فرغ قال أين الرجل؟ قال أنا ذا، قال أتممت الوضوء وصليت معنا آنفا؟ قال نعم، قال فإنك من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فلا تعد وأنزل الله حينئذ على رسوله (وأقم الصلاة طرفي النهار) وفي الباب أحاديث كثيرة بألفاظ مختلفة. ووردت أحاديث صحيحة أيضاً أن الصلوات الخمس كفارات لما بينهن. وقال مجاهد: الحسنات قول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، والأول أولى، وبه قال ابن المسيب والقرطبي والضحاك وجمهور المفسرين: أي الصلوات الخمس وله تدل الأحاديث. (ذلك) إشارة إلى قوله فاستقم وما بعده، وقيل إلى القرآن (ذكرى للذاكرين) أي موعظة للمتعظين. عن الحسن قال: هم الذين يذكرون الله في السراء والضراء والشدة والرخاء والعافية والبلاء. وعن ابن جريج قال: لما نزع الذي قبَّل المرأة تذكر فذلك قوله ذلك ذكرى للذاكرين.

هود 11:115

(واصبر) على ما أمرت به من الاستقامة وعدم الطغيان والركون إلى الذين ظلموا، وقيل أن المراد الصبر على ما أمر به دون ما نهى عنه لأنه لا مشقة في اجتنابه وفيه نظر فإن المشقة في اجتناب المنهى عنه كائنة وعلى فرض كونها دون مشقة امتثال الأمر فذلك لا يخرجها عن مطلق المشقة (فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) أي يوفيهم أجورهم ولا يضيع منها شيئاً فلا يهمله ولا يبخسه بنقص قيل المحسنون المصلون.

هود 11:116

(فلولا كان) هذا عود إلى أحوال الأمم الخالية لبيان أن سبب حلول عذاب الاستئصال بهم أنه ما كان فيهم من ينهي عن الفساد ويأمر بالرشاد فقال (فلولا) أي فهلا كان (من القرون) الماضية المهلكة بالعذاب الكائنة (من قبلكم أولوا بقية) من الرأي والعقل والدين، والبقية في الأصل اسم لما يستبقيه الرجل مما يخرجه وهو لا يستبقي إلا أجوده وأفضله فصار لفظ البقية مثلاً في الجودة يقال فلان ذو بقية إذا كان فيه خير، والمراد بها حينئذ جيد الشيء وخياره، من قولهم فلان بقية الناس وبقية الكرام وإنها صفة على فعيلة للمبالغة بمعنى فاعلة ولذلك دخلت التاء فيها. وقيل معناه أولو بقية من خير يقال فلان على بقية من الخير إذا كان على خصلة محمودة ومنه قولهم في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا؛ وقيل أنها مصدر بمعنى البقوى، كالتقية بمعنى التقوى أي فهلا كان منهم ذووا بقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط الله وعقابه، وقرئ بتخفيف الياء وهي اسم فاعل من بقي، والتقدير أولو طائفة بقية أي باقية. وقرئ بضم الباء وسكون القاف، أخرج ابن مردويه عن أبي بن كعب قال: أقرأني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أولو بقية وأحلام. (ينهون) قومهم (عن الفساد في الأرض) ويمنعونهم من ذلك لكونهم ممن جمع الله له بين جودة العقل وقوة الدين، وفي هذا من التوبيخ للكفار ما لا يخفى والاستثناء في قوله (إلا قليلاً) منقطع أي لكن قليلاً (ممن أنجبنا منهم) أي من الأمم الماضية وهم أتباع الأنبياء نهوا عن الفساد في الأرض وسائرهم تركوا النهي، وقيل هو متصل لأن في حرف التحضيض معنى النفي فكأنه قال ما كان في القرون أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا منهم إلا أنه يؤدي إلى النصب في غير الموجب وإن كان غير النصب أولى. قال الزمخشري: إن جعلته متصلاً كان المعنى فاسداً لأن الكلام يؤول إلى أن الناجين لا يحضون على النهي ومن في ممن بيانية لأنه لم ينج إلا الناهون قيل هؤلاء القليل هم قوم يونس لقوله فيما مر إلا قوم يونس، وقيل هم أتباع الأنبياء أهل الحق من الأمم على العموم. (واتبع الذين ظلموا) أنفسهم بسبب مباشرتهم للفساد وتركهم للنهي عنه (ما أترفوا فيه) أي أنعموا من الشهوات فاهتموا بتحصيل أسبابها وأعرضوا عما وراء ذلك والمترف الذي أبطرته النعمة يقال صبي مترف منعم البدن. وفي القاموس الترفة بالضم النعمة والطعام والشيء الظريف تخص به صاحبك وترف كفرح تنعم وأترفته النعمة أطغته وأترف فلان أصر على المكر والمترف كمكرم المتروك يصنع ما يشاء ولا يمنع والمتنعم لا يمنع من تنعمه أي صاروا تابعين للنعم التي صاروا بها مترفين من خصب العيش ورفاهية الحال وسعة الرزق، وآثروا ذلك على الاشتغال بأعمال الآخرة واستغرقوا بأعمارهم في الشهوات النفسانية. وقبل المراد بالذين ظلموا، تاركوا النهي ورد بأنه يستلزم خروج مباشري الفساد عن الذين ظلموا وهم أشد ظلماً ممن لم يباشر وكان ذنبه ترك النهي وقرئ واتبع على البناء للمفعول ومعناه اتبعوا جزاء ما أترفوا فيه، قال مجاهد: واتبع الذين ظلموا أي في ملكهم وتجبرهم وتركهم للحق، وقال ابن عباس: أترفوا وأبطروا. وجملة (وكانوا مجرمين) متضمنة لبيان سبب إهلاكهم أي وكان هؤلاء الذين اتبعوا ما أترفوا فيه مجرمين كافرين والإجرام الآثام والمعنى أنهم أهل إجرام بسبب اتباعهم للشهوات واشتغالهم بها عن الأمور التي يحق الاشتغال بها ويجوز أن تكون معطوفة على واتبع الذين أي اتبعوا شهواتهم وكانوا بسبب ذلك الاتباع مجرمين.

هود 11:117

(وما كان ربك ليهلك القرى) أي ما صح ولا استقام بل استحال في الحكمة أن يهلك القرى التي أهلكها حسب ما بلغك انباؤها ويعلم من ذلك حال باقيها من القرى الظالمة واللام لتأكيد النفي (بظلم) أي متلبساً به قيل هو حال من الفاعل أي ظالماً لها والتنكير للتفخيم والإيذان بأن إهلاك المصلحين ظلم عظيم والمراد تنزيه الله تعالى عن ذلك بالكلية بتصويره بصورة ما يستحيل صدوره عنه تعالى وإلا فلا ظلم فيما فعله الله تعالى بعباده كائناً ما كان لما تقرر من قاعدة أهل السنة. قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى وما كان ربك ليهلك أحداً وهو يظلمه وإن كان على نهاية الصلاح لأن تصرفه في ملكه دليله قوله تعالى (إن الله لا يظلم الناس شيئاً) وقوله: وإن الله ليس بظلام للعبيد (وأهلها مصلحون) حال من المفعول والعامل عامله ولكن لا باعتبار تقييده بما وقع حالاً من فاعله أعني بظلم لدلالته على تقييد نفي الإهلاك ظلماً بحال كون أهلها مصلحين ولا ريب في فساده بل مطلقاً عن ذلك. وقيل المراد بالظلم الشرك والباء للسببية أي لا يهلك القرى بسبب إشراك أهلها أي بمجرد الشرك وحده حتى ينضم إليه الفساد في الأرض ومتابعة الهوى كما أهلك قوم شعيب بنقص المكيال والميزان وبخس الناس أشياءهم وأهلك قوم لوط بسبب ارتكابهم للفاحشة الشنعاء وهم مصلحون يتعاطون الحق فيما بينهم لا يظلمون الناس شيئاً وذلك لفرط رحمته ومسامحته في حقوقه تعالى. ومن ذلك قدم الفقهاء عند تزاحم الحقوق حقوق العباد الفقراء على حقوق الله الغني الحميد وقيل الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم وأنت تدري أن مقام النهي عن المنكرات التي أقبحها الإشراك بالله لا يلائمه فإن الشرك داخل في الفساد في الأرض دخولاً أولياً ولذلك ينهى كل من الرسل الذين قصت أنباؤهم أمته أولاً عن الإشراك ثم عن سائر المعاصي التي كانوا يتعاطونها فالوجه حمل الظلم على مطلق الفساد الشامل للشرك وغيره من أصناف المعاصي وحمل الإصلاح على إصلاحه والإقلاع عنه يكون بعضهم متصدين للنهي عنه وبصنعهم متوجهين إلى الاتعاظ غير مصرين على ما هم عليه من الشرك وغيره من أنواع الفساد. وقيل المعنى وما كان يهلكهم بذنوبهم وهم مخلصون في الإيمان فالظلم المعاصي على هذا، أخرج الطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي عن جرير قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل عن تفسير هذه الآية فقال: وأهلها ينصف بعضهم بعضاً، وروي موقوفاً على جرير، قيل والمراد بالهلاك عذاب الاستئصال في الدنيا وأما عذاب الآخرة فهو لازم لهم.

هود 11:118

وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة) أي أهل دين واحد إما أهل ضلالة أو أهل هدى، وقيل معناه جعلهم مجتمعين على الحق غير مختلفين فيه أو مجتمعين على دين الإسلام دون سائر الأديان ولكنه لم يشأ ذلك فلم يكن ولهذا قال: (ولا يزالون مختلفين) في ذات بينهم على أديان شتى ما بين يهودي ونصراني ومجوسي ومشرك ومسلم فكل هؤلاء قد اختلفوا في أديانهم اختلافاً كثيراً لا ينضبط، وقيل مختلفين في الحق أو دين الإسلام وقيل مختلفين في الرزق فهذا غني وهذا فقير، وعن ابن عباس في الآية قال: أهل الحق وأهل الباطل. عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين والنصارى كذلك وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة " [[أبو داود كتاب السنة باب 1.]]. أخرجه أبو داود والترمذي بنحوه عن معاوية قال: قام فينا رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) فقال: " ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثتتين وسبعين فرقة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة " [[أبو داود كتاب السنة باب 1.]]، أخرجه أبو داود. قال الخطابي: فيه دلالة على أن هذه الفرق غير خارجة عن الملة والدين إذ جعلهم من أمته، وقال غيره: المراد بها أهل البدع والأهواء الذين تفرقوا واختلفوا وظهروا بعده كالخوارج والقدرية والمعتزلة والرافضة وغيرهم والمراد بالواحدة هي فرقة السنة والجماعة الذين اتبعوا الرسول في قوله وفعله ولم يقلدوا أحداً في خلافه.

هود 11:119

إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) (إلا من رحم ربك) أي إلا أهل رحمته فإنهم لا يختلفون وعن عطاء ابن أبي رباح قال: لا يزالون مختلفين أي اليهود والنصارى والمجوس والحنيفية وهم الذين رحم ربك. وقال الحسن: الناس مختلفون على أديان شتى إلا من رحم ربك فمن رحم ربك غير مختلف. وعن مجاهد قال: من اختلف أهل الباطل ومن رحم أهل الحق فمن الله عليهم بالتوفيق والهداية إلى الدين الحق، فإنهم لم يختلفوا أو إلا من رحم ربك من المختلفين في الحق أو دين الإسلام بهدايته إلى الصواب الذي هو حكم الله وهو الحق الذي لا حق غيره أو إلا من رحم ربك بالقناعة والأولى تفسير لجعل الناس أمة واحدة بالمجتمعة على الحق حتى يكون معنى الاستثناء في إلا من رحم واضحاً غير محتاج إلى تكلف. (ولذلك) أي ولما ذكر من الاختلاف أو ولرحمته وصح تذكير الإشارة إلى الرحمة لكون تأنيثها غير حقيقي، والضمير في (خلقهم) إن كان راجعاً إلى الناس فالإشارة إلى الاختلاف واللام للعاقبة أو إليه وإلى الرحمة، وإن كان إلى من فإلى الرحمة، وقيل الإشارة بذلك إلى مجموع الاختلاف والرحمة ولا مانع من الإشارة بها إلى شيئين كما في قوله (عوان بين ذلك) وقوله (وابتغ بين ذلك سبيلاً) وقوله (فبذلك فليفرحوا) قال مجاهد: خلقهم للرحمة وعن عكرمة نحوه وقال ابن عباس: خلقهم فريقين، فريقاً يرحم فلا يختلف، وفريقاً لا يرحم فيختلف فذلك قوله فمنهم شقي وسعيد. وقال الحسن وعطاء: خلقهم للاختلاف، وقال أشهب: سألت مالك بن أنس عن هذه الآية فقال: خلقهم ليكون فريق في الجنة وفريق في السعير. وقال الفراء: خلق أهل الرحمة للرحمة وأهل الاختلاف للاختلاف. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الرد على المنطقين: أن القوم كلما بعدوا عن اتباع الرسل والكتب المنزلة كان أعظم في تفرقهم واختلافهم فإنهم يكونوا أضل، وقد أمر الله بالجماعة والائتلاف، ونهى عن الفرقة والاختلاف فقال تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا) وقال تعالى (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) وقال (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات). وقد أخبر أن أهل الرحمة لا يختلفون فقال تعالى (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك) ولذلك يوجد أتبع الناس للرسول أقلهم اختلافاً كأهل الحديث والسنة فإنهم أقل اختلافاً من جميع الطوائف، ثم من كان إليهم أقرب كان من الاختلاف أبعد، فأما من بعد عن السنة كالمعتزلة والرافضة فتجدهم أكثر الطوائف اختلافاً، وأما اختلاف الفلاسفة فلا يحصره أحد. وقد ذكر أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات مقالات غير الإسلاميين عنهم من المقالات ما لم يذكره الفارابي وابن سينا وأمثالهما، وكذلك القاضي أبو بكر بن الطيب في كتاب الدقائق الذي رد فيه على الفلاسفة والمنجمين، ورجح فيه منطق المتكلمين من العرب على منطق اليونان. وكذلك متكلمة المعتزلة والشيعة وغيرهم في ردهم على الفلاسفة ذكروا أنواعاً من المقالات وردوها ولكن مذهب الفلاسفة الذي نصره الفارابي وابن سينا وأمثالهما كالسهروردي المقتول على الزندقة وكأبي بكر بن الصائغ وابن رشد الحفيد هو مذهب المشائين أتباع ارسطو صاحب المنطق وهو الذي يذكره الغزالي في كتاب مقاصد الفلاسفة، وعليه رد في التهافت، وهو الذي يذكره الرازي في الملخص والمباحث المشرقية ويذكره الآمدي في دقائق الحقائق ورموز الكنوز وغير ذلك. وعلى طريقتهم مشى أبو البركات صاحب المعتبر لكن لم يقلدهم تقليد غيره بل اعتبر ما ذكروه بحسب نظره وعقله، وكذلك الرازي والآمدي يعترضان عليهم في كثير مما يذكرونه بحسب ما يسنح لهم، وابن سينا أيضاً قد يخالف الأولين في بعض ما ذكروه. والفلاسفة طوائف كثيرون وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والإلهيات وفي الهيئة أيضاً وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره، وهذا الرد عليهم مذكور في كثير من كتب أهل الكلام. والفلاسفة ليسو أمة واحدة لها مقالة في العلم الآلهي والطبيعي وغيرهما بل هم أصناف متفرقون وبينهم من التفرق والاختلاف ما لا يحصيه إلا الله أعظم مما بين الملة الواحدة كاليهود والنصارى أضعافا مضاعفة. والمقصود أن نظار المسلمين ما زالوا يصنفون في الرد عليهم في المنطق وغير المنطق ويثبتون خطأهم فيما ذكروه جميعاً إذ لا يحكم بين الناس فيما تنازعوا فيه إلا كتاب منزل ونبي مرسل كما قال تعالى (وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ولهذا قال تعالى (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً) انتهى المقصود بتصرف في العبارة. وحاصل الآية إن الله خلق أهل الباطل وجعلهم مختلفين، وخلق أهل الحق وجعلهم متفقين وحكم على بعضهم بالاختلاف ومصيرهم إلى النار وحكم على بعضهم بالرحمة ومصيرهم إلى الجنة وهم أهل الاتفاق. ويدل لصحة هذا قوله (وتمت كلمة ربك) أي ثبتت كما قدره في أزله وإذا تمت وحقت ووجبت وامتنعت من التغيير والتبديل وقيل الكلمة هي قوله للملائكة (لأملأن جهنم من الجنة) أي الجن والتاء للمبالغة (والناس أجمعين) أي ممن يستحقها من الطائفتين. وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120) وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

هود 11:120

(وكُلاًّ) أي وكل نبأ فالتنوين عوض عن المضاف إليه (نقص عليك) أي نخبرك به مما يحتاج إليه وقوله (من أنباء الرسل) بيان لكُلاًّ، وقوله (ما نثبت به فؤادك) بدل منه والأظهر أن يكون المضاف إليه المحذوف في (كُلاًّ) المفعول المطلق لنقص أي كل اقتصاص أي كل أسلوب من أساليبه نقص عليك من أنباء الرسل، وقوله (ما نثبت) مفعول نقص وفائدته التنبيه على أن المقصود بالاقتصاص زيادة يقينه عليه السلام وطمأنينة قلبه وثبات نفسه على أداء الرسالة واحتمال أذية الكفار بالوقوف على تفاصيل أحوال الأمم السالفة في تماديهم في الضلال وما لقي الرسل من جهتهم من مكابدة المشاق لأن تكاثر الأدلة أثبت للقلب وأرسخ في النفس وأقوى للعلم. (وجاءك في هذه) أي السورة قاله ابن عباس وأبو موسى الأشعري وسعيد بن جبير والحسن وعليه الأكثر: أو في هذه الدنيا قاله قتادة وفيه بعد لأنه لم يجر للدنيا ذكر، وقيل في هذه الآية أو في هذه الأنباء (الحق) أي البراهين القاطعة الدالة على صحة المبدأ والمعاد. وقيل النبوة وعلى الأول يكون تخصيص هذه السورة بمجيء الحق فيها مع كونه قد جاء في غيرها من السور لقصد بيان اشتمالها على ذلك لا بيان كونه موجوداً فيها دون غيرها. وقيل لأنها جمعت من إهلاك الأمم وشرح حالهم ما لم يجمع غيرها، وقيل خصها بالذكر تشريفاً لها والتعريف في الحق اما للجنس أو للعهد وإنما عرفه ونكر تالييه تفخيماً له لكونه يطلق على الله بخلاف تالييه. (وموعظة) يتعظ بها الواقف عليها إذا تذكر أحوال الأمم الماضية (وذكرى للمؤمنين) أي يتذكر بها من تفكر فيها منهم، وخص المؤمنين لكونهم المتأهلين للاتعاظ والتذكر.

هود 11:121

(وقُل للذين لا يؤمنون) بهذا الحق ولا يتعظون ولا يتذكرون (اعملوا) حال كونكم قارين وثابتين (على مكانتكم) على تمكنكم وحالكم وجهتكم من الكفر وقد تقدم تحقيقه. وقال قتادة: على منازلكم (إنا عاملون) على مكانتنا وحالنا وجهتنا من الإيمان بالحق والاتعاظ والتذكر وفي هذا تشديد للوعيد وتهديد لهم.

هود 11:122

(وانتظروا) عاقبة أمرنا، وقال ابن جريج: انتظروا مواعيد الشيطان إياكم على ما يزين لكم (إنا منتظرون) عاقبة أمركم وما يحل بكم من عذاب الله وعقوبته وفيه من الوعيد والتهديد ما لا يخفى.

هود 11:123

(ولله غيب السماوات والأرض) أي علم جميع ما هو غائب عن العباد فيهما وخص الغيب مع كونه يعلم، بما هو مشهود كما يعلم بما هو مغيب لكونه من العلم الذي لا يشاركه فيه غيره. وقيل أن غيب السماوات والأرض نزول العذاب من السماء وطلوعه من الأرض، والأول أولى؛ وبه قال أبو علي الفارسي وغيره وأضاف الغيب إلى المفعول توسعاً. (وإليه يرجع) بالبناء للفاعل يعود وللمفعول يرد (الأمر كله) أي أمر الخلق كلهم في الدنيا والآخرة فيجازي كُلاًّ بعمله فينتقم ممن عصى ويثيب من أطاع. وقال ابن جريج: فيقضي بينهم بحكم العدل (فاعبده وتوكل عليه) فإنه كافيك كل ما تكره ومعطيك كل ما تحب والفاء لترتيب الأمر بالعبادة والتوكل على كون مرجع الأمور كلها إلى الله سبحانه قيل هذا الخطاب له ولجميع الخلق مؤمنهم وكافرهم وفي تأخير الأمر بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعار بأنه لا ينفع دونها. (وما ربك بغافل عما تعملون) بل عالم بجميع ذلك ومجاز عليه إن خيراً فخيراً وإن شراً فشراً، وقرأ أهل المدينة والشام وحفص بالفوقية على الخطاب وهي سبعية والباقون بالتحتية وهم الجمهور: وأخرج عبد الله بن أحمد وابن الدريس وابن جرير وأبو الشيخ عن كعب الأحبار قال: فاتحة التوراة فاتحة الأنعام وخاتمة التوراة خاتمة هود (ولله غيب السماوات والأرض) إلى آخر الآية. استدراك فاتنا أن نعلق على الآيات التي مرت في سورة هود الواردة في بيان وظيفة الرسل بأوسع مما كتبه المؤلف فرأينا أن نستدركه هنا: وظيفة الرسل الأساسية هي ما بعثهم الله لأجله من تبليغ رسالته بإنذار من تولى عن الإيمان وعمى، وتبشير من أجاب الدعوة فآمن واهتدى، والشواهد عليها من هذه السورة قوله تعالى في دعوة رسوله خاتم النبيين (إنني لكم منه نذير مبين) وقوله حكاية عن رسوله هود صلى الله عليه وسلم فإن تولوا فقد أبلغتكم ما أرسلت به إليكم. وموضوع التبليغ هو الدعوة إلى أركان الدين، وعليها مدار سعادة المكلفين في الدنيا والآخرة، وكلها مبطلة لما كان عليه أقوامهم المشركون من أن بينهم وبين الله تعالى وسائط منهم أو من غيرهم من خلقه يقربونهم إليه بجاههم الشخصي ويقضون حوائجهم من جلب نفع أو دفع ضر بشفاعتهم لهم عنده، أو بتصرفهم في خلقه بما خصهم به من خوارق العادات، إلا ما جعله من آياته دليلاً على صدقهم في دعوى الرسالة. والرسل بشر بمعنى أنهم لا يملكون من أمور العالم شيئاً مما هو فوق كسب البشر، غير ما خصهم الله به من الرسالة دون شؤون ربوبيته، حتى أنهم لا يملكون هداية أحد إلى الدين بالفعل لأن هدايتهم خاصة بالتبليغ والتعليم، وحكاية نوح مع ابنه الكافر حجة في هذا الموضوع واضحة. والشواهد على هذا في القرآن كثيرة، ومنها في هذه السورة ما علمت من آيات توحيد الربوبية، والرد على مشركي مكه في اقتراحهم مجيء الملك بقوله تعالى (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل) وقوله حكاية عن نوح (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك) وفي معناه آيات كثيرة في السور الأخرى. ومنها في احتجاج المشركين على رسلهم بأنهم بشر في قصة نوح (فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ما نراك إلا بشراً مثلنا) وقد قال مثل هذا سائر أقوام الرسل بعده إلى خاتمهم محمد صلوات الله عليهم أجمعين. ولو كان أولئك الرسل في عصرهم على غير ما يعهد أقوامهم من البشر بأن كانوا يتصرفون في الكون بالضر والنفع وعلم الغيب لما احتجوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما يدير الذين ضلوا من أقوامهم من بعدهم عما جاءوا به مع دعوى اتباعهم فزعموا أنهم وبعض من وصفوا بالصلاح والولاية من أتباعهم يضرون وينفعون: أحياؤهم وأمواتهم في هذا سواء. بل يزعمون أنهم أحياء في قبورهم حياة مادية بدنية، يأكلون فيها ويشربون ويسمعون كلام من يدعوهم ويستغيث بهم، ويستجيبون دعاءهم فيها: يخالفون بهذه الدعاوي مئات من آيات القرآن المحكمات في صفات الأنبياء، وكونهم بشراً لا يقدرون على شيء مما لا يقدر عليه البشر. وقد يحتجون بما ورد فيه من بعض أنباء الغيب في حياة الشهداء البرزخية فيقيسون عليها بأهوائهم حياة أوليائهم رجماً بالغيب وافتراء على الله.