Lafzullah

Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — مريم 19:1 – طه 20:135

المؤلف / المصدر: Fath Al-Bayan li Al-Qanuji

المحتويات
  1. مريم 19:1
  2. مريم 19:2
  3. مريم 19:3
  4. مريم 19:4
  5. مريم 19:5
  6. مريم 19:6
  7. مريم 19:7
  8. مريم 19:8
  9. مريم 19:9
  10. مريم 19:10
  11. مريم 19:11
  12. مريم 19:12
  13. مريم 19:13
  14. مريم 19:14
  15. مريم 19:15
  16. مريم 19:16
  17. مريم 19:17
  18. مريم 19:18
  19. مريم 19:19
  20. مريم 19:20
  21. مريم 19:21
  22. مريم 19:22
  23. مريم 19:23
  24. مريم 19:24
  25. مريم 19:25
  26. مريم 19:26
  27. مريم 19:27
  28. مريم 19:28
  29. مريم 19:29
  30. مريم 19:30
  31. مريم 19:31
  32. مريم 19:32
  33. مريم 19:33
  34. مريم 19:34
  35. مريم 19:35
  36. مريم 19:36
  37. مريم 19:37
  38. مريم 19:38
  39. مريم 19:39
  40. مريم 19:40
  41. مريم 19:41
  42. مريم 19:42
  43. مريم 19:43
  44. مريم 19:44
  45. مريم 19:45
  46. مريم 19:46
  47. مريم 19:47
  48. مريم 19:48
  49. مريم 19:49
  50. مريم 19:50
  51. مريم 19:51
  52. مريم 19:52
  53. مريم 19:53
  54. مريم 19:54
  55. مريم 19:55
  56. مريم 19:56
  57. مريم 19:57
  58. مريم 19:58
  59. مريم 19:59
  60. مريم 19:60
  61. مريم 19:61
  62. مريم 19:62
  63. مريم 19:63
  64. مريم 19:64
  65. مريم 19:65
  66. مريم 19:66
  67. مريم 19:67
  68. مريم 19:68
  69. مريم 19:69
  70. مريم 19:70
  71. مريم 19:71
  72. مريم 19:72
  73. مريم 19:73
  74. مريم 19:74
  75. مريم 19:75
  76. مريم 19:76
  77. مريم 19:77
  78. مريم 19:78
  79. مريم 19:79
  80. مريم 19:80
  81. مريم 19:81
  82. مريم 19:82
  83. مريم 19:83
  84. مريم 19:84
  85. مريم 19:85
  86. مريم 19:86
  87. مريم 19:87
  88. مريم 19:88
  89. مريم 19:89
  90. مريم 19:90
  91. مريم 19:91
  92. مريم 19:92
  93. مريم 19:93
  94. مريم 19:94
  95. مريم 19:95
  96. مريم 19:96
  97. مريم 19:97
  98. مريم 19:98
  99. طه 20:1
  100. طه 20:2
  101. طه 20:3
  102. طه 20:4
  103. طه 20:5
  104. طه 20:6
  105. طه 20:7
  106. طه 20:8
  107. طه 20:9
  108. طه 20:10
  109. طه 20:11
  110. طه 20:12
  111. طه 20:13
  112. طه 20:14
  113. طه 20:15
  114. طه 20:16
  115. طه 20:17
  116. طه 20:18
  117. طه 20:19
  118. طه 20:20
  119. طه 20:21
  120. طه 20:22
  121. طه 20:23
  122. طه 20:24
  123. طه 20:25
  124. طه 20:26
  125. طه 20:27
  126. طه 20:28
  127. طه 20:29
  128. طه 20:30
  129. طه 20:31
  130. طه 20:33
  131. طه 20:35
  132. طه 20:36
  133. طه 20:37
  134. طه 20:38
  135. طه 20:39
  136. طه 20:40
  137. طه 20:41
  138. طه 20:42
  139. طه 20:43
  140. طه 20:44
  141. طه 20:45
  142. طه 20:46
  143. طه 20:47
  144. طه 20:48
  145. طه 20:49
  146. طه 20:50
  147. طه 20:51
  148. طه 20:52
  149. طه 20:53
  150. طه 20:54
  151. طه 20:55
  152. طه 20:56
  153. طه 20:57
  154. طه 20:58
  155. طه 20:59
  156. طه 20:60
  157. طه 20:61
  158. طه 20:62
  159. طه 20:63
  160. طه 20:64
  161. طه 20:65
  162. طه 20:66
  163. طه 20:67
  164. طه 20:68
  165. طه 20:69
  166. طه 20:70
  167. طه 20:71
  168. طه 20:72
  169. طه 20:73
  170. طه 20:74
  171. طه 20:75
  172. طه 20:76
  173. طه 20:77
  174. طه 20:78
  175. طه 20:79
  176. طه 20:80
  177. طه 20:81
  178. طه 20:82
  179. طه 20:83
  180. طه 20:84
  181. طه 20:85
  182. طه 20:86
  183. طه 20:87
  184. طه 20:88
  185. طه 20:89
  186. طه 20:90
  187. طه 20:91
  188. طه 20:92
  189. طه 20:93
  190. طه 20:94
  191. طه 20:95
  192. طه 20:96
  193. طه 20:97
  194. طه 20:98
  195. طه 20:99
  196. طه 20:100
  197. طه 20:101
  198. طه 20:102
  199. طه 20:103
  200. طه 20:104
  201. طه 20:105
  202. طه 20:106
  203. طه 20:107
  204. طه 20:108
  205. طه 20:109
  206. طه 20:110
  207. طه 20:111
  208. طه 20:112
  209. طه 20:113
  210. طه 20:114
  211. طه 20:115
  212. طه 20:116
  213. طه 20:117
  214. طه 20:118
  215. طه 20:119
  216. طه 20:120
  217. طه 20:121
  218. طه 20:122
  219. طه 20:123
  220. طه 20:124
  221. طه 20:125
  222. طه 20:126
  223. طه 20:127
  224. طه 20:128
  225. طه 20:129
  226. طه 20:130
  227. طه 20:131
  228. طه 20:132
  229. طه 20:133
  230. طه 20:134
  231. طه 20:135

مريم 19:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة مريم هي مكية وآياتها ثمان أو تسع وتسعون آية قال ابن عباس: أنزلت بمكة. وعن ابن الزبير وعائشة مثله، وفي البيضاوي، إلا آية السجدة وفي الجلالين: إلا سجدتها فمدنية. أو وإلا (فخلف من بعدهم خلف) الآيتان وأخرج أحمد والبيهقي وابن أبي حاتم عن أم سلمة أن النجاشي قال لجعفر بن أبي طالب: هل معك مما جاء به -يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم- عن الله شيء؟ قال: نعم: فقرأ عليه صدراً من (كهعيص) فبكى النجاشي [[اخضل الشيء اخضلالاً واخضوضل أي ابتل إهـ صحاح، والأسقف رئيس من رؤساء النصارى في الدين والجمع أساقفة إهـ.]] حتى أخضلت لحيته وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم ثم قال النجاشي: أن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة وقد ذكر ابن إسحاق القصة بطولها. وقد تقدم في الجزء الأول من هذا التفسير أن أسماء السور وترتيبها وترتيب الآيات توقيفي ولم تذكر أمرأة باسمها صريحاًً في القرآن إلا مريم فذكرت فيه في ثلاثين موضعاً. بسم الله الرحمن الرحيم كهيعص (1) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (3) قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) (كهيعص) قال ابن عباس: كبير هاد أمين عزيز صادق. وعن ابن مسعود وناس من الصحابة: هو الهجاء القطع الكاف من الملك والهاء من الله والياء والعين من العزيز والصاد من المصور. وعن أم هانئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كاف هاد عالم صادق "، وعن علي كان يقول يا كهيعص اغفر لي، وعن السدي قال: كان ابن عباس يقول: في كهيعص، وحم، ويس، وأشباه هذا هو بسم الله الأعظم وعن ابن عباس: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن، وقيل هو اسم السورة. وعن الكلبي: هو ثناء أثنى الله به على نفسه. وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة، وقع بين من بعدهم، ولم يصح مرفوعاً في ذلك شيء. ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح، فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف، ورَدُّ لعلم في مثلها إلى الله سبحانه، ولذا قال في الجلالين: الله أعلم بمراده بذلك. وفي الخطيب أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وقد قدمنا تحقيق هذا في فاتحة سورة البقرة.

مريم 19:2

(ذكر) أي هذا ذكر، أو المتلو ذكر، وقيل إنه خبر الحروف المقطعة، وهو قول يحيى بن زياد. قال أبو البقاء: وفيه بعد، وقيل هو مبتدأ محذوف الخبر أي فيما يتلى عليك ذكر. قال الزجاج: المعنى هذا الذي نتلوه عليك ذكر (رحمة ربك) مضاف لفاعله ومفعوله (عبده زكريا) يعني إجابته إياه حين دعاه وسأله الولد. قيل عبده مفعول لذكر، ومعنى ذكر الرحمة بلوغها وإصابتها. كما يقال ذكرني معروف فلان أي بلغني. عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كان زكريا نجاراً " [[المستدرك كتاب التاريخ 2/ 590.]]، أخرجه أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه، وعن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن آزر بن مسلم من ذرية يعقوب

مريم 19:3

(إذ نادى ربه) ظرف زمان للرحمة أي رحمة الله إياه وقت أن ناداه (نداء) مشتملاً على دعاء (خفياً) سراً جوف الليل لأنه أسرع إلى الإجابة. واختلف في وجه كون ندائه هذا خفياً، فقيل لأنه أبعد عن الرياء وأقرب إلى الصفاء، وقيل أخفاه لئلا يلام على طلبه للولد في غير وقته، ولكونه من أمور الدنيا. وقيل أخفاه مخافة من قومه، وقيل كان ذلك منه لكونه قد صار ضعيفاً هرماً لا يقدر على الجهر، لأنه كان ابن خمس وسبعين أو ثمانين سنة وكان النداء في المحراب.

مريم 19:4

(قال رب إني وهن العظم مني) هذه الجملة مفسرة لقوله نادى ربه. فالنداء أوله قوله هذا وآخره قوله الأتي (واجعله رب رضياً) فجملة النداء ثمان جمل والدعاء منه هو قوله (فهب لي من لدنك ولياً) كما سيأتي، والوهن الضعف، يقال وهن يهن وهناً، من باب وعد إذا ضعف فهو واهن في الأمر والعمل والبدن، ووهنته أضعفته، يتعدى؛ ولا يتعدى في لغة فهو موهون البدن والعظم، والأجود أنه يتعدى بالهمزة، فيقال أوهنته، والوهن بفتحتين لغة في المصدر، ووهن يهن بالكسر فيهما لغة، وقرئ بالحركات الثلاث، أراد أن عظامه فترت ورقت، وضعفت قوته من الكبر. وذكر العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه فإذا وهن تداعى وتساقطت قوته، ولأنه أشد ما في الإنسان وأصلبه، فإذا وهن كان ما وراءه أوهن. ووحد العظم قصداً إلى الجنس المفيد لشمول الوهن لكل فرد من أفراد العظام، وقيل اشتكى سقوط الأضراس. (واشتعل الرأس شيباً) الاشتعال في الأصل انتشار شعاع النار، فشبه به انتشار بياض شعر الرأس في سواده بجامع البياض والإنارة، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكناية بأن حذف المشبه به، وأداة التشبيه، وهذه الاستعارة من أبدع الاستعارات وأحسنها. قال الزجاج: يقال للشيب إذا كثر جداً. قد اشتعل رأس فلان. (ولم أكن بدعائك) أي بدعائي إياك (رب شقياً) يقال شقي بكذا أي تعب فيه، ولم يحصل مقصوده منه، فالمعنى لم أكن خائفاً في وقت من الأوقات، بل كلما دعوتك استجبت لي، وهذا توسل بما سلف له من الاستجابة، وتنبيه على أن المطلوب -وإن لم يكن معتاداً- فإجابته لدعائه معتادة، وقد عوده سبحانه بالإجابة وأطعمه، ومن حق الكريم أن لا يخيب من أطعمه. قال العلماء: يستحب للمرء أن يجمع في دعائه بين الخضوع. وذكر نعم الله عليه. كما فعل زكريا هاهنا. فإن قوله الماضي غاية الخضوع والتذلل وإظهار الضعف والقصور عن سرد مطالبه وبلوغ مآربه، وفي هذا ذكر ما عوده الله. والإنعام عليه بإجابة أدعيته، والتعرض في الموضعين لوصف الربوبية لتحريك سلسلة الإجابة بالمبالغة في التضرع.

مريم 19:5

(وإني خفت) بكسر الخاء (الموالي من ورائي) وقرئ خفت بكسر التاء وفاعله الموالي، أي قلوا وعجزوا عن القيام بأمر الدين بعدي أو انقطعوا بالموت، مأخوذ من خفت القوم إذا ارتحلوا، وهذه قراءة شاذة وبعيدة عن الصواب. والموالي هنا هم الأقارب الذين يرثون وسائر العصبات من بني العم، ونحوهم، والعرب تسمي هؤلاء موالي. وقيل هم الناصرون له، وقيل الكلالة، وقيل جميع الورثة. واختلفوا في وجه المخافة من زكريا لمواليه من بعده، فقيل خاف أن يرثوا ماله وأراد أن يرثه ولده، فطلب من الله سبحانه أن يرزقه ولداً. وقال آخرون: إنهم كانوا مهملين لأمر الدين فخاف أن يضيع الدين بموته، فطلب ولياً يقوم به بعد موته، وهذا القول أرجح من الأول، لأن الأنبياء لا يورثون، وهم أجل من أن يعتذوا بأمور الدنيا، فليس المراد هنا وراثة المال، بل المراد وراثة العلم والنبوة والقيام بأمر الدين، وقد ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " [[مسلم 1757 - البخاري 1390.]]. (وكانت امرأتي عاقرأً) هي التي لا تلد لكبر سنها والتي لا تلد أيضاً لغير كبر، وهي المرادة هنا؛ ويقال للرجل الذي لا يلد عاقر أيضاً. قال ابن جرير: وكان اسم امرأته أشاع بنت فاقود بن ميل، وهي أخت حنة، وهي أم مريم، فولد لأشاع يحيى ولحنة مريم. وقال القتيبي: هي أشاع بنت عمران، فعلى القول الأول يكون يحيى بن زكريا ابن خالة أم عيسى. وعلى الثاني يكونان ابني خالة، كما ورد في الحديث الصحيح. (فهب لي من لدنك) أي أعطني من فضلك (ولياً) مرضياً لأن مثله لا يرجى إلا من فضلك وكمال قدرتك. ولم يصرح بطلب الولد لما علم من نفسه بأنه قد صار هو وامرأته في حالة لا يجوز فيها حدوث الولد بينهما، وحصوله منهما، وقد قيل: إنه كان ابن بضع وتسعين سنة، وقيل: بل أراد بالولي الذي طلبه هو الولد، ولا مانع من سؤال من كان مثله لما هو خارق للعادة. فإن الله سبحانه قد يكرم رسله ما يكون كذلك، فيكون من جملة المعجزات الدالة على صدقهم

مريم 19:6

(يرثني ويرث من آل يعقوب) قرئ بالرفع في الفعلين جميعاً على أنهما صفتان للولي، ولمسا بجواب الدعاء، وقرئ بالجزم فيهما على أنهما جواب للدعاء، ورجح الأول أبو عبيد، وقال: هي أصوب في المعنى لأنه طلب ولياً هذه صفته، فقال: هب لي الذي يكون وارثي. ورجح ذلك النحاس، والوراثة هنا هي وراثة العلم والنبوة على ما هو الراجح كما سلف. وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن يعقوب المذكور هنا هو يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم. وزعم بعضهم أنه يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان، وبه قال الكلبي ومقاتل: وآل يعقوب هم خاصته الذين يؤول أمرهم إليه للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين، وقد كان فيهم أنبياء وملوك، وقرئ يرثني وارث ال يعقوب، وقرئ وأرث آل يعقوب، أي أنا، وقرئ " أُوَ يَرِثُ آل يعقوب " على أن هذا المصغر فاعل يرثني، وهذه القراءات في غاية الشذوذ لفظاً ومعنى. (واجعله رب رضياً) أي مرضياً في أخلاقه وأفعاله؛ وقيل راضياً بقضائك، وقدرك، وقيل رجلاً صالحاً ترضى عنه، وقيل نبياً كما جعلت آباءه أنبياء.

مريم 19:7

(يا زكريا) بالهمز، وحذفه سبعيتان. قال جمهور المفسرين: إن هذا النداء من الله سبحانه، وقيل من جهة الملائكة، لقوله في آل عمران (فنادته الملائكة) ويمكن أن يكن وقع له الخطاب مرتين، مرة بواسطة الملائكة وأخرى من غير واسطة، وفي الكلام حذف، أي فاستجاب له دعاءه فقال: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام) وبين هذه البشارة ووجود الغلام في الخارج بالفعل ثلاث عشرة سنة لأن طلب زكريا للولد والبشارة به كان في صغر مريم وهي في كفالته، وأن الحمل بيحيى كان مقارناً للحمل بعيسى، وكانت مريم إذ ذاك بنت ثلاث عشرة سنة، وأن أشاع حملت به قبل حمل مريم بعيسى بستة أشهر. (اسمه يحيى) قد تقدم في آل عمران وجه التسمية بيحيى وزكريا. قال الزجاج: سمي يحيى لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها، وهو الممنوع من الصرف للعلمية والعجمية، وتقول في تثنيته يحييان رفعاً ويحيين نصباً وجراً، وفي جمع سلامته يحييون رفعاً، ويحيين نصباً وجراً. (لم نجعل له من قبل سمياً) فعيل بمعنى مفعول، أي مسمى يحيى قال أكثر المفسرين: معناه لم نسم أحداً قبله يحيى. وقال مجاهد وابن عباس وجماعة: معناه أنه لم يجعل له مثلاً ولا نظيراً، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السموّ، ورد هذا بأنه يقتضى تفضيله على إبراهيم وموسى. وقيل: معناه لم تلد عاقر مثله، والأول أولى. وفي إخباره سبحانه بأنه لم يُسَمً بهذا الاسم قبله أحداً فضيلة له من جهتين. الأولى أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به ولم يكملها إلى الأبوين، وسماه بخصوص يحيى لأنه به حيي رحم أمه بعد موته بالعقم، والجهة الثانية أن تسميته باسم لم يوضع لغيره تفيد تشريفه وتعظيمه. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (8) قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا (9) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (10) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (11) يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (13)

مريم 19:8

(قال رب أنّي) أي كيف ومن أين (يكون لي غلام) وليس معنى هذا الاستفهام الاستبعاد والإنكار، بل التعجب والاستكشاف من قدرة الله وبديع صنعه حيث يخرج ولداً من امرأة عاقر وشيخ كبير (وكانت امرأتي عاقراً) أي لا تلد؛ والجملة حال من الياء في لي، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في آل عمران. (وقد بلغت من الكبر عتياً) أي يأساً، يريد بذلك نحول الجسم والجلد ودقة العظم أو يبساً جساوة [[جسا ضد لطف وجست اليد وغيرها جسوا وجساء يبست وجسا الشيخ جسوا بلغ غاية السن والماء جمد، أهـ صحاح.]] في المفاصل والعظام من أجل الكبر والطعن في السن العالية يقال عتا الشيخ يعتو عتياً إذا انتهت سنه وكبر، وشيخ عات إذا صار إلى حال اليبس والجفاف والأصل عتواً لأنه من ذوات الواو فأبدلوها ياء لكونها أخف قال السمين: فيه أربعة أوجه أظهرها أنه مفعول به، أو مصدر مؤكد لمعنى الفعل أو مصدر وقع موقع الحال، أي عاتياً أو ذا عتو، الرابع أنه تمييز، وعلى هذه الأوجه الثلاثة (من) مزيدة ذكره أبو البقاء، والأول هو الأوجه، انتهى، وقرئ عِتياً بكسر العين وبضمها وهما لغتان، وكلتا الجملتين لتأكيد الاستبعاد. والتعجب المستفاد من قوله: (أنى يكون لي غلام) قال ابن عباس: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف عتيًّا أو عتياً. وعن عطاء في قوله عتياً قال: لبث زماناً في الكبر وقال السدي: هرماً، والمعنى كيف يحصل بيننا ولد الآن وقد كانت امرأتي عاقراً لم تلد في شبابها وشبابي: وهي الآن عجوز وأنا شيخ هرم. ثم أجاب الله سبحانه عن هذا السؤال المشعر بالتعجب والاستبعاد بقوله:

مريم 19:9

(قال) أي الملك المبلغ للبشارة، وهو كما قال الكواشي: جبريل عليه السلام، والأكثر على أنه الله تعالى لسلامته عن فك النظم. (كذلك) أي الأمر كذلك تصديق له والإشارة إلى ما سبق من قول زكريا: ثم ابتدأ بقوله: (قال ربك) أو قال قولاً مثل ذلك، والإشارة إلى مبهم يفسره قوله (هو عليَّ هين) وعلى الأول هذه الجملة مستأنفة مسوقة لإزالة استبعاد زكريا بعد تقريره، وإنما أعيد: قال ربك، اهتماماً أي قال هو مع بعده عندك، عليّ هين، وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع من المراد. قال الفراء: أي خلقه عليّ هين بأن أرد عليك قوة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق. (وقد خلقتك من قبل) أي من قبل يحيى، والجملة حال وقرأ سائر الكوفيين وقد خلقناك (ولم تك شيئاً) لأن المعدوم ليس بشيء، هذه الجملة مقررة لما قبلها قال الزجاج: أي فخلق الولد لك كخلقك، والمعنى أن الله سبحانه خلقه ابتداء وأوجده من العدم المحض، فإيجاد الولد له بطريق التوالد المعتاد أهون من ذلك وأسهل منه، وإنما لم ينسب ذلك إلى آدم عليه السلام لأنه المخلوق من العدم حقيقة بأن يقول: وقد خلقت أباك آدم من قبل ولم يك شيئاً، للدلالة على أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشاء آدم من العدم.

مريم 19:10

(قال رب اجعل لي آية) أي علامة تدلني على وقوع المسؤول وتحققه وحصول الحبل. والمقصود من هذا السؤال تعريفه وقت العلوق حيث كانت البشارة مطلقة عن تعيينه قال ابن الأنباري: وجه ذلك أن نفسه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما مَنَّ به عليه، وقيل: طلب آية تدله على أن البشرى من الله سبحانه لا من الشياطين، لأن إبليس أوهمه بذلك، كذا قال الضحاك والسدي وهو بعيد جداً. (قال آيتك أن لا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً) نصب على الحال أي آيتك أن لا تقدر على الكلام، والحال أنك سوي الخلق صحيح سليم من غير بأس ليس بك آفة تمنعك منه، والمراد ثلاث ليال بأيامها، كما في آل عمران ثلالة أيام وإنما عبر هنا بالليالي، وهناك بالأيام، لأن هذه السورة مكية، والمكي سابق على المدني، والليل سابق على النهار، فأعطى السابق للسابق، وأعطى المؤخر للمؤخر، وقيل: ثلاث ليال متتابعات، والأول أولى، قال ابن عباس: اعتقل لسانه من غير مرض، وفي لفظ من غير خرس.

مريم 19:11

(فخرج على قومه من المحراب) أي من مصلاه متغير اللون، عاجز الكلام فأنكروا ذلك عليه، في القاموس: الحراب الغرفة، وصدر البيت، وأكرم مواضعه، ومقام الإمام من المسجد، والوضع الذي يتفرد به الملك فيتباعد عن الناس، ومحاريب بني إسرائيل مساجدهم التي كانوا يجلسون فيها. وفي الشهاب: وأما المحراب المعروف الآن، وهو طاق مجوّف في حائط المسجد يصلي فيه الإمام فهو محدث لا تعرفه العرب، فتسميته محراباً اصطلاح للفقهاء انتهى، وهو ممنوع، بل هو معنى لغوي إذ هو من أفراد المعنى اللغوي الذي ذكره في القاموس بقوله: ومقام الإمام بالسجد واشتقاقه من الحرب كأن ملازمه يحارب الشيطان، وقيل من الحرب محركاً؛ كأن ملازمه يلقى حرباً وتعباً ونصباً. (فأوحى إليهم) أي أومأ؛ وأشار، بدليل قوله في آل عمران: إلا رمزاً وقيل كتب لهم على الأرض، وبالأول قال الكلبي، والقرظي وقتادة وابن منبه وبالثاني، قال مجاهد: وقد يطلق الوحي على الكتابة. قال ابن عباس: كتب لهم كتاباً (أن سبحوا) مصدرية أو مفسرة، والمعنى فأوحى إليهم بأن صلوا؛ أو أي صلوا. (بكرة وعشياً) أي نزهوا ربكم طرفي النهار؛ فهما ظرفا زمان للتسبيح. وانصرفت بكرة لأنه لم يقصد بها العلمية، فلو قصد بها العلمية امتنعت من الصرف، قال الفراء: العشي يؤنث، ويجوز تذكيره إذا أبهم، قال: وقد يقال: العشي جمع عشية قيل والمراد صلاة الصبح والعصر، وقيل المراد بالتسبيح هو قولهم سبحانه الله.

مريم 19:12

(يا يحيى) أي قال الله للمولود يا يحيى، أو ولد له مولود فبلغ المبلغ لذي يجوز أن يخاطب فيه. فقلنا له يا يحيى. وقال الزجاج: المعنى فوهبنا له وقلنا له يا يحيى أي بعد ولادته بثلاث سنين على ما قاله قتادة، وقيل بسنتين يعني على لسان الملك كما قاله أبو حيان (خذ الكتاب) المراد به التوراة لأنه المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن. والمراد بالأخذ إما الأخذ الحسي، أو الأخذ من حيث المعنى، وهو القيام بما فيه كما ينبغي، وذلك بتحصيل ملكة تقضي سهولة الإقدام على المأمور به، والإحجام على المنهي عنه، ثم أكده بقوله (بقوة) أي متلبساً بجد، وعزيمة، واجتهاد قاله مجاهد. (وآتيناه الحكم صبياً) المراد بالحكم الحكمة، وهي الفهم للكتاب الذي أمر بأخذه، وفهم الأحكام الدينية، وقيل هي العلم وحفظه والعمل به: وقيل النبوة، وقيل العقل، وقال مجاهد: الفهم، وقال مالك بن دينار: اللب، ولا مانع من حمل الحكم على جميع ما ذكر، والجملة مستأنفة. قال ابن عباس: أعطي الفهم، والعبادة، وهو ابن سبع سنين، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الغلمان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال يحيى ما للعب خُلقنا اذهبوا نصلي "، فهو قول الله (وآتيناه الحكم صبياً) أخرجه الحاكم في تاريخه، وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ القرآن قبل أن يحتلم فهو ممن أوتي الحكم صبياً "، أخرجه البيهقي، وأخرجه ابن أبي حاتم موقوفاً عليه.

مريم 19:13

(وحناناً) معطوف على الحكم، قال جمهور المفسرين: الحنان الرحمة والرقة والشفقة، العطف والمحبة وأصله توقان النفس مأخوذ من حنين الناقة على ولدها قال: يقول حنانك يا رب وحنانيك يا رب معنى واحد يريد رحمتك، قال إن الأول الحنان مشدداً من صفات الله عز وجل، والحنان محققاً للعطف والرحمة والحنان التوق والبركة. قال ابن عطية: والحنان في كلام العرب أيضاً ما عظم من الأمور في ذات الله ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل: والله لئن قتلتم هذا العبد لأتخذن قبره حناناً، يعني بلالاً لما مر به وهو يعذب، وقيل أن القائل لذلك هو ورقة ابن نوفل، قال الأزهري: معنى ذلك لأترحمن عليه ولأعطفن عليه لأنه من أهل الجنة. ومعنى (من لدنا) من عندنا ومن جنابنا، وقيل المعنى أعطيناه رحمة من لدنا، كائنة في قلبه، يتحنن بها على الناس، ومنهم أبواه وقرابته حتى يخلصهم من الكفر، قال ابن عباس في (حناناً) لا أدري ما هو إلا أني أظنه يعطف الله على عبده بالرحمة، وقد فسرها جماعة من السلف بالرحمة كما مر، ومنه قول الشاعر: وعسير بلاء حاق به ... ويسير حنانك يدفعه (وزكاة) معطوف على ما قبله، والزكاة التطهير والبركة والتنمية والبر أي جعلناه مباركاً للناس يهديهم إلى الخير، وقيل ذكيناه بحسن الثناء عليه كتزكية الشهود، وقيل صدقة تصدقنا بها على أبويه قاله ابن قتيبة، وقيل تصدقاً على الناس أي أعطيناه توفيقاً للتصدق عليهم وقيل يعني بالزكاة الطاعة والإخلاص، وقيل: هي العمل الصالح، فلم يعمد بذنب. (وكان تقياً) قال ابن عباس: طهر فلم يأت بذنب أي متجنباً لمعاصي الله سبحانه مطيعاً له بطبعه، وقد روي أنه لم يعمل معصية ولم يهم بها قط، ومن جملة تقواه أنه كان يتقوت بالعشب، وكان كثير البكاء فكان لدمعه مجار على خده. وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (14) وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (15) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (16) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (20)

مريم 19:14

(وبراً) فعل بمعنى فاعل أي باراً (بوالديه) والمعنى لطيفاً بهما محسناً إليهما، لأنه لا عبادة بعد تعظيم الله أعظم من برهما يدل عليه قوله تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً). (ولم يكن جباراً عصياً) أي لم يكن متكبراً يقتل، ويضرب على الغضب، ولا عاصياً لوالديه، أو لربه، وهذا وصف له عليه السلام بلين الجانب وخفض الجناح، والمراد أصل الفعل، فالمنفي أصل الجبر، والعصيان، لا المبالغة فيهما

مريم 19:15

(وسلام) منا (عليه). قال ابن جرير وغيره: معناه أمان عليه من الله، قال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة فهي أشرف وأنه من الأمان لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته. وإنما الشرف في أن سلم الله عليه. وقال سلام هنا منكراً، وفي قصة عيسى (والسلام) معرفاً لأن الأول من الله، والقليل منه كثير، والثاني من عيسى. ومعنى (يوم ولد) أنه أمن من الشيطان وغيره في ذلك اليوم، وسلم من أن يناله الشيطان كما ينال سائر بني آدم، أو أن الله حياه في ذلك اليوم (ويوم يموت ويوم يبعث حياً) قيل أوحش ما يكون الإنسان في ثلاثة مواطن: يوم ولد لأنه خرج مما كان فيه، ويوم يموت لأنه يرى قوماً لم يكن قد عرفهم وأحكاماً ليس لديها عهد، ويوم يبعث لأنه يرى هول يوم القيامة، فخص الله سبحانه يحيى بالكرامة والسلامة في المواطن الثلاثة.

مريم 19:16

(واذكر في الكتاب مريم) هذا شروع في ابتداء خلق عيسى، والمراد بالكتاب هذه السورة: أي اذكر يا محمد للناس في هذه السورة قصة مريم وخبرها ونبأها؛ أو المراد به جنس القرآن وهذه السورة منه (إذ انتبذت) النبذ الطرح والرمي. قال تعالى: (فنبذوه وراء ظهورهم)، والمعنى أنها تنحت وتباعدت. وقال ابن قتيبة: اعتزلت وقيل انفردت. (من أهلها) أي من قومها والمعاني متقاربة. واختلفوا في سبب انتباذها، فقيل لأجل أن تعبد الله سبحانه، وقيل للتطهر من حيضها (مكاناً شرقياً) أي من جانب الشرق، والنصب على الظرفية أو مفعول به، على أن معنى انتبذت أتت مكاناً، كما في السمين، وفي المصباح ما يؤيده. والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس، وإنما خص المكان بالشرق لأنهم يعظمون جهة الشرق لأنها مطلع الأنوار، حكى معناه ابن جرير، وقال ابن عباس: مكاناً أظلها من الشمس أن يراها أحد منهم، وقال: إنما اتخذت النصارى المشرق قبلة. لأن مريم اتخذت من أهلها مكاناً شرقياً. فاتخذوا ميلاده قبلة، وإنما سجدت اليهود على خوف حين شق فوقهم الجبل، فجعلوا ينحرفون وهم ينظرون إليه يتخوفون أن يقع عليهم، فسجدوا سجدة رضيها الله فاتخذوها عنه. وقيل كان ذلك اليوم شاتياً شديد البرد فجلست في مشرقه تعلي رأسها.

مريم 19:17

(فاتخذت) أي ضربت (من دونهم) أي من دون أهلها (حجاباً) أي حاجزاً وستراً يسترها عنهم لئلا يروها حال العبادة أو حال التطهر من الحيض. والحجاب الستر والحاجز (فأرسلنا إليها روحنا) هو جبريل عليه السلام ليبشرها بالغلام ولينفخ فيها فتحمل به. وقد اختلف الناس في نبوة مريم، فقيل إنها نبية لمجرد هذا الإرسال إليها ومخاطبتها للملك، وقيل لم تكن نبية لأنه إنما كلمها الملك وهو على مثال البشر، والمتفق عليه أن المنفي وحي الرسالة لا مطلق الوحي، والوحي هنا إنما هو بشارة الولد لا بالرسالة، وقد تقدم الكلام على هذا في آل عمران، وقيل هو روح عيسى لأن الله سبحانه خلق الأرواح قبل الأجساد. والأول أولى لقوله (فتمثل) أي جبريل عليه السلام (لها) بعد لبسها ثيابها (بشراً سوياً) تاماً مستوي الخلق لم يفقد من نعوت بني آدم شيئاً. وقال البيضاوي: ولعله أي التمثل ليهيج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها، إهـ قال في الخميس في أحوال أنفس نفيس: فيه نظر، انتهى، ولم يبين أحد هذا النظر الصحيح لا هو ولا غيره من المفسرين فيما تصفحت إلا أبا السعود حيث قال: هو مع مخالفته لمقام بيان آثار القدرة الخارقة للعادة يكذبه قوله تعالى:

مريم 19:18

(قالت إني أعوذ بالرحمن منك) فإنه شاهد عدل بأنه لم يخطر ببالها شائبة مثل ما إليه فضلاً عما ذكر من الحالة المرتبة على أقصى مراتب الميل والشهوة. نعم كان تمثله على ذلك الحسن الفائق والجمال الرائق لابتلائها وسبر عفتها، ولقد ظهر منها من الورع والعفاف ما لا غاية وراءه، وذكره تعالى بعنوان الرحمانية للمبالغة في العياذ به تعالى واستجلاب آثار الرحمة الخاصة التي هي العصمة مما دهمها إهـ. وقد تكلموا في كيفية تمثله، فقال إمام الحرمين: يفني الله الزائد من خلقه أو يزيله عنه ثم يعيده إليه، يعني أن له أجزاء أصلية كما في الإنسان وأجزاء زائدة، وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء وقال ابن حجر: إن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفيه الله تعالى عن الرأي فقط قاله الكرخي. وقيل إنما ظهر لها في سورة البشر لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه فتفهم كلامه ولو بدا لها في صورة الملائكة لنفرت ولم تقدر على استماع كلامه، وأنها لا تطيق أن تنظر إلى الملك وهو على صورته، فلما رأته في صورة إنسان حسن كامل الخلق قد خرق عليها الحجاب ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالله منه. و (قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً) أي ممن يتقي الله ويخافه، ويعامل بمقتضى التقوى والإيمان، وخصت الرحمن بالذكر ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه. وقيل أن تقياً اسم رجل صالح فتعوذت منه تعجباً. وقيل إنه اسم رجل فاجر معروف في ذلك الوقت، والأول أولى. وتعوذها من تلك الصورة الحسنة دل على كمال عفتها وغاية ورعها، وجواب الشرط محذوف، أي فلا تتعرض لي واتركني وانئه عني، أو فتنتهي عني لتعوذي، وهذه الجملة كقول القائل: أن كنت مؤمناً فلا تظلمني.

مريم 19:19

(قال) جبريل (إنما أنا رسول ربك) الذي استعذت به، ولست ممن يتوقع منه ما خطر على بالك من إرادة السوء؛ وإنما جئت (لأهب لك) جعل الهبة من قبله لكونه سبباً فيها، من جهة كون الإعلام لها من جهته أو من جهة كون النفخ الذي قام به في الظاهر، ويقويه ما في بعض المصاحف أمرني أن أهب لك، وقرئ ليَهَبَ على معنى أرسلني الله، ليهب لك (غلاماً زكياً) هو الطاهر من الذنوب، الذي ينمو على النزاهة والعفة. وقيل المراد بالزكي النبي.

مريم 19:20

(قالت أنّى يكون لي غلام) والحال أنني (لم يمسسني) أي لم يقربني (بشر) زوج بنكاح (ولم أك بغياً) أي فاجرة، فجعلت المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه، والزنا ليس كذلك، وإنما يقال فيه: فجر بها وحنث بها. وما أشبه ذلك. والبغيّ هي الزانية التي تبغي الرجال. قال المبرد: أصله بغوي على فعول. وقال ابن جني: إنه فعيل. وقال ابن الأنباري: أن بغياً غالب في النساء إجراء له مجرى حائض وعاقر. وقلما تقول العرب رجل بغي، وزيادة ذكر ذلك يتناول الحلال والحرام لقصد التأكيد تنزيهاً لجانبها من الفحشاء، يعني أن الولد لا يكون إلا من نكاح أو سفاح ولم يكن هنا واحد منهما. قيل وما استبعدت من قدرة الله شيئاً، ولكن أرادت كيف يكون هذا الولد، هل من قبل زوج نتزوجه في المستقبل؟ أم يخلقه الله سبحانه ابتداء. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (21) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (22) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (23) فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (24) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25)

مريم 19:21

(قال) جبريل (كذلك) أي الأمر هكذا من خلق غلام منك من غير أب (قال ربك هو) أي خلق ولدك بلا أب (عليّ هين) بأن ينفخ بأمري جبريل فيك فتحملي به، والجملة مستأنفة والكلام فيها كالكلام فيما تقدم من قول زكريا (و) خلقناه (لنجعله) أي هذا الغلام أو خلقه بلا أب (آية للناس) يستدلون بها على كمال القدرة على أنواع الخلق فإنه خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الخلق من ذكر وأنثى، قاله الكرخي. (و) لنجعله (رحمة) عظيمة كائنة (منا) لمن آمن به لما ينالونه منه من الهداية والخير الكثير، لأن كل نبي رحمة لأمته (وكان) خلقه (أمراً مقضياً) به في علمي مقدراً محكوماً مفروغاً منه لا يرد ولا يبدل ولا يتغير مسطوراً في اللوح المحفوظ قد قدره الله سبحانه وجف به القلم.

مريم 19:22

(فحملته) أي الموهوب هاهنا كلام مطوي، والتقدير فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها وهو بعيد عنها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملته وأحست في بطنها مصوراً؛ وكان سنها ثلاث عشرة سنة، أو عشراً، أو عشرين. أو ست عشرة سنة. وقيل كانت النفخة في ذيلها أو كمها، وقيل في فمها، وليس المراد أنه نفخ في فرجها مباشرة. عن أبي بن كعب قال: تمثل روح عيسى في صورة بشر فحملته، قال: حملت الذي خاطبها دخل في فيها، قيل أن وضعها كان متصلاً بهذا الحمل من غير مضي مدة للحمل، ويدل على ذلك قوله. (فانتبذت به مكاناً قصياً) أي تنحت بالحمل مصاحبة له واعتزلت إلى مكان بعيد من أهلها مخافة اللائمة؛ قيل كان هذا المكان وراء الجبل، وقيل أبعد مكان في تلك الدار؛ وقيل أقصى الوادي، وهو وادي بيت لحم، وقيل إنها حملت به ستة أشهر، وقيل ثمانية أشهر، وذلك آية أخرى، لأنه لا يعيش من ولد لثمانية أشهر، وقيل سبعة أشهر وقيل تسعة أشهر كحمل النساء، وقيل كان الحمل والولادة في ساعة واحدة وقيل حملته في ساعة وَصُوِّر في ساعة، ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومه، وكانت قد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى. قلت: وهذا التفصيل لا دليل عليه ولا مستند له إلا أخبار الأخبار أو آراء الرجال، ولو صح من نص صحيح لوجب المصير إليه وكان آية أخرى.

مريم 19:23

(فأجاءها) يقال جاء وأجاء لغتان بمعنى واحد، أي ألجأها واضطرها وجاء بها. وقرأ شبل فَاجَأَهَا من المفاجأة، وفي مصحف أبيّ (فلما أجاءها). قال في الكشاف: أن أجاءها منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء، وفيه بعد، والظاهر أن كل واحد من الفعلين موضوع بوضع مستقل (المخاض) أو وجع الولادة وهو مصدر مخضت المرأة تمخض مخضاً ومخاضاً، إذا دنا ولادها قرأ الجمهور بفتح الميم وقرئ بكسرها. (إلى جذع النخلة) الجذع ساق النخلة اليابسة التي لا رأس لها، كأنها طلبت شيئاً تستند أليه وتعتمد عليه وتتعلق به كما تتعلق الحامل لشدة وجع الطلق بشيء مما تجده عندها، والتعريف إما للجنس أو للعهد، والمستفيض المشهور أن ولادة عيسى كانت ببيت لحم، وأنها لما هربت وخافت عليه أسرعت به وجاءت به إلى بيت المقدس فوضعته على صخرة فانخفضت الصخرة له وصارت كالمهد، وهي الآن موجودة تزار بحرم بيت المقدس. ثم بعد أيام توجهت به إلى بحر الأردن فغمسته فيه، وهو اليوم الذي تتخذه النصارى عيداً ويسمونه يوم الغطاس، وهم يظنون أن المياه في ذلك اليوم تقدست فلذلك يغطسون في كل ماء. ومن زعم أنها ولدت بمصر، قال: بكورة أنهاس، ولم يثبت، انتهى من البحر لأبى حيان، وأنهاس بجانب البهنسا. (قالت) جزعاً مما أصابها (يا) للتنبيه لأن المنادى غير عاقل (ليتني مت قبل هذا) الوقت أو الأمر تمنت الموت استحياء من الناس، أو خوفاً من الفضيحة لأنها خافت أن يظن بها السوء في دينها أو لئلا يقع قوم بسببها في البهتان. (وكنت نسياً منسياً) أي شيئاً حقيراً متروكاً، والنَّسْيُ في كلام العرب الشيء الحقير الذي من شأنه أن يُنسى ولا يذكر ولا يعرف ولا يتألم لفقده كالوتد والحبل وقال الفراء: النسي ما تلقيه المرأة من خرق اعتلالها، فتقول مريم: نسياً منسياً أي حيضة ملقاة، وقد قرئ بفتح النون وكسرها وهما لغتان مثل الحجر والحجر والوتر والوتر، وقرأ القرظي: نِسأ بالهمز مع كسر النون، ونوف البكالي بالهمز مع فتح النون والمنسي المتروك الذي لا يذكر ولا يعرف ولا يخطر ببال أحد من الناس، قال ابن عباس: نسياً منسياً أي لم أخلق ولم أك دشيئاً.

مريم 19:24

(فناداها) أي خاطبها لا سمع قولها (من) قرئ بكسر الميم وفتحها وهما سبعيتان (تحتها) الضمير إما لمريم وإما للنخلة والأول أولى لتوافق الضميرين وكانت على أكمة وكان جبريل أسفل منها تحت الأكمة، قال قتادة: الذي ناداها جبريل، وبه قال ابن عباس: وزاد. ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وقد اختلفت الروايات عن السلف، هل هذا المنادى هو جبريل؟ أو عيسى؟ فمن قرأ (من) بالفتح فهو عيسى، ومن قرأ بالكسر فهو جبريل (أن لا تحزني) تفسير للنداء أو المعنى بأن لا تحزني على أنها مصدرية ولا ناهية أو نافية (قد جعل ربك تحتك) أي قربك (سرياً). قال جمهور المفسرين: السَّرِيُّ النهر الصغير لأن الماء يسري فيه، والسري. الجدول؛ والجمع سِرْيَان والسرِي الرئيس، والجمع سُرَاة وهو عزيز لا يكاد يوجد له نظير، لأنه لا يجمع فعيل على فعلة وجمع السراة سروات وسري مفعول، وجعل بمعنى صير أو خلق. وقيل: السري من سريت الثوب أي نزعته، وسررت الحبل عن الفرس، والأول أولى، والمعنى قد جعل تحت قدمك نهراً قيل: كان هذا قد انقطع عنه الماء فأرسل الله فيه الماء لمريم وأحيى به ذلك الجذع اليابس الذي اعتمدت عليه حتى أورق وأثمر. وقيل: معنى تحتك تحت أمرك أي إن أَمَرْتِهِ أن يجري جرى، وإن أمرتِهِ بالإمساك أمسك؛ والأول أولى. وعن جماعة من التابعين أن المراد بالسري هنا عيسى، والسري العظيم من الرجال، ومنه قولهم فلان سري، أي عظيم ومن قوم سُرَاة أي عظام. أخرج الطبراني وابن النجار وابن مردويه، عن ابن عمر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن السري الذي في الآية نهر أخرجه الله لها لتشرب منه "، وفي سنده أيوب بن نهيك الجبلي قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف وقال أبو زرعة: منكر الحديث، وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث، وقال الطبراني بعد إخراجه إنه غريب جداً.

مريم 19:25

(وهزي إليك بجذع النخلة) الْهَزُّ التحريك يقال هزه فاهتز والباء مزيدة للتأكيد، وقال الفراء؛ العرب تقول هزه وهز به، والجذع هو أسفل الشجرة، قال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة فهي جذع (تساقط عليك) أصله تتساقط؛ وقرئ تسقط ويسقط، فمن قرأ بالفوقية جعل الضمير للنخلة، ومن قرأ بالتحتية جعله للجذع (رطباً جنياً) الجَنيّ المأخوذ طرياً، وقيل: هو ما طاب وصلح للجني، وهو فعيل يعني مفعول، أي رطباً طرياً طيباً، قاله ابن عباس أي استحق أن يجنى. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (26) فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (28) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (29) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31)

مريم 19:26

(فكلي) من ذلك الرطب (واشربي) من ذلك الماء أو من عصير الرطب وقدم الأكل مع أن ذكر النهر مقدم على الرطب لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء. ثم قال: (وقري عيناً) قرأ الجمهور، بفتح القاف، وقرئ بكسرها، قال ابن جرير: هي لغة نجد، والمعنى طيبي نفساً وارفضي عنك الحزن وهو مأخوذ من القَرِّ والقِرَّة وهما البرد، والمسرور بارد القلب ساكن الجوارح، وذلك أن العين إذا فرح صاحبها كان دمعها قاراً أي بارداً وإذا حزن كان دمعها حاراً، ولذلك قالوا في الدعاء عليه: أسخن الله عينه. وقيل: المعنى وقري عيناً برؤية الولد الموهوب لك، وقال الشيباني: معناه نامي، قال أبو عمرو: أقر الله عينه أي أنام عينه، وأذهب سهره، وقيل مأخوذ من الاستقرار أي أعطاها الله ما يسكن عينها، فلا تطمح إلى غيره. (فإما ترين) أصله تَرْأَيِين مثل تسمعين (من البشر أحداً فقولي) أي إن طلب منك الكلام أحد من الناس فقولي، وبهذا المقدر يتخلص من إشكال وهو أن قولها فلن أكلم اليوم إنسياً، كلام فيكون ذلك تناقضاً لأنها قد كلمت إنسياً بهذا الكلام، وقيل قوله فقولي أي بالإشارة وليس بشيء، بل المعنى فلن أكلم اليوم إنسياً بعد هذا الكلام قاله السمين. (إني نذرت للرحمن صوماً) قيل المراد به الصوم الشرعي، وهو الإمساك عن المفطرات [[قوله (والأول أولى) لم يذكر الأول وأصل التركيب بعد قوله: (صوماً) أي امساكاً وسكوتاً، وقيل المراد الخ فتأمل إهـ مصححة.]] والأول أولى، وفي قراءة أبي صوماً صمتاً بالجمع بين اللفظين، وكذا روي عن أنس وروي عنه الواو بينهما، والذي عليه جمهور المفسرين أن الصوم هنا الصمت، ويدل عليه فلن أكلم اليوم إنسياً كما سيأتي ومعنى الصوم في اللغة أوسع من المعنيين. قال أبو عبيدة: كل ممسك من طعام أو كلام أو سير فهو صائم، وقراءة أبي تدل على أن المراد بالصوم هنا الصمت، لأنه تفسير للصوم، وقراءة أنس تدل على أن الصوم هنا غير الصمت كما يفيده الواو، ومعنى (فلن أكلم اليوم إنسياً) أنها لا تكلم أحداً من الإنس بعد إخبارهم بهذا الخبر، بل إنما تكلم الملائكة وتناجي ربها. ولما اطمأنت مريم عليها السلام بما رأت من الآيات

مريم 19:27

(فأتت به) أي بعيسى (قومها تحمله) أي أتت مصاحبة له وكان إتيانها إليهم في المكان القصي الذي أنتبذت فيه للوضع قيل: في يوم الوضع، وقيل بعد أن طهرت، قال ابن عباس: بعد أربعين يوماً بعدما تعالت من نفاسها، فلما رأوا الولد معها حزنوا، وكانوا أهل بيت صالحين. (قالوا) منكرين لذلك (يا مريم لقد جئت) أي فعلت، وارتكبت (شيئاً فرياً) عجيباً نادراً قاله أبو عبيدة، وقال مجاهد: الْفَرِيُّ العظيم أي من الأمر يقال في الخير والشر. وقال قطرب: الْفَريّ الجديد من الأسقية أي جئت بأمر بديع جديد لم تُسبقي إليه وقيل الْفَرِيُّ القطع أي شيئاً قاطعاً وخارقاً للعادة التي هي الولادة بواسطة الأب وقال سعيد بن مسعدة: الْفَرِيُّ المختلق المفتعل، والاسم الفرية ويقال فريت الجلد وأفريت بمعنى واحد قطعته والولد من الزنا كالشيء المفتري قال تعالى: (ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن).

مريم 19:28

(يا أخت هارون) هذا من كلامهم أيضاً، وقد وقع الخلاف في معنى هذه الأخوة وفي هارون المذكور، من هو؟ فقيل هو هارون أخو موسى، والمعنى أن من كانت نظنها مثل هارون في العبادة كيف تأتي بمثل هذا؟ وقيل كانت مريم من ولد هارون أخي موسى، فقيل لها يا أخت هارون كما يقال لمن كان من العرب يا أخا العرب، وقيل كان لها أخ من أبيها اسمه هارون، وقيل: هارون هذا رجل صالح في ذلك الوقت شبهت به في عفتها وصلاحها، وقيل: بل كان في ذلك الوقت رجل فاسق اسمه هارون فنسبوها إليه على جهة التعيير والتوبيخ حكاه ابن جرير ولم يسم قائله، وهو ضعيف. وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وغيرهم عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران فقالوا: أرأيت ما تقرؤون يا أخت هارون؟ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم " [[مسلم 2135 - الترمذي تفسير سورة 19 - الإمام أحمد 4/ 252.]]، وهذا التفسير النبوي يغني عن سائر ما روي عن السلف في ذلك. (ما كان أبوك) أي عمران (امرأ سوء وما كانت أمك) أي حنة (بغياً) هذا فيه تقرير لما تقدم من التعيير والتوبيخ وتنبيه على أن الفاحشة من ذرية الصالحين، مما لا ينبغي أن تكون

مريم 19:29

(فأشارت) أي مريم (إليه) أي إلى عيسى أن كلموه، وإنما اكتفت بالإشارة ولم تأمره بالنطق لأنها نذرت للرحمن صوماً عن الكلام، كما تقدم هذا على تقدير أنها كانت إذ ذاك في أيام نذرها، وعلى تقدير أنها قد خرجت منها فيمكن أن يقال إن اقتصارها على الإشارة للمبالغة في إظهار الآية العظيمة، وأن هذا المولود يفهم الإشارة ويقدر على العبارة. (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً) هذا الاستفهام للإنكار والتعجب من إشارتها إلى ذلك المولود بأن يكلمهم، قال أبو عبيدة: في الكلام حشو زائد والمعنى كيف نكلم صبياً في المهد. وقال الزجاج: الأجود أن يكون (مَنْ) في معنى الشرط والجزاء والمعنى من يكون في المهد صبياً فكيف نكلمه، ورجحه ابن الأنباري، وقيل إن كان هنا التامة التي هي بمعني الحدوث والوجود، وَرُدَّ بأنها لو كانت تامة لاستغنت عن الخبر، وقيل: أنها بمعنى صار. وقيل: إنها الناقصة على بابها من دلالتها على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي من غير تعرض للانقطاع، ولذلك يعبر عنها بأنها ترادف لم يزل، والمهد هو شيء معروف يتخذ لتنويم الصبي، ولفظ القاموس المهد الموضع يهيأ للصبي ويوطأ، والأرض كالمهاد، والجمع مهود انتهى، وقيل: هو هنا جحر الأم؛ وقيل سرير كالمهد. والمعنى كيف نكلم من سبيله أن يُنَوَّم في المهد لصغره. فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم

مريم 19:30

(قال إني عبد الله) فكان أول ما نطق به الاعتراف بالعبودية لله، لئلا يتخذوه إلهاً وفيه إزالة التهمة عن الأم لأن الله لم يختص بهذه المرتبة العظيمة من ولد في الزنا، ووصف نفسه بصفات ثمانية، أولها العبودية وآخرها تأمين الله له في أخوف المقامات (آتاني الكتاب) أي الإنجيل (وجعلني نبياً) أي حكم لي بإيتاء الكتاب، والنبوة في الأزل وإن لم يكن قد نزل عليه في تلك الحال ولا قد صار نبياً، وقيل إنه آتاه الكتاب وجعله نبياً في تلك الحال وهو بعيد جداً. وعن أنس قال: كان عيسى قد درس الإنجيل وأحكامها في بطن أمه فذلك قوله آتاني الكتاب، وهو أبعد، وقال عكرمة: قضى أن أكون كذلك، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم " كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد " [[لم يرو هذا الحديث في كتاب من الكتب المعتبرة كالصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم والمستدركات وإنما رواه صاحب الحلية عن ميسرة الفحل وابن سعد من طريق ابن أبي الجدعاء.]].

مريم 19:31

(وجعلني مباركاً) البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله (أينما كنت) وقيل البركة الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء زائدا عالياً محجاً، وقيل معنى المبارك النفاع للعباد لأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويرشد ويهدي وقيل: المعلم للخير وقيل: الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر. وعن أبي هريرة عنه صلى الله عليه وسلم قال: جعلني نفاعاً للناس أينما اتجهت أخرجه الإسماعيلي في معجمه وأبو نعيم في الحلية. وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: معلماً ومؤدباً، أخرجه ابن عدي وابن عساكر، وأينما شرطية لا استفهامية وجوابها إما محذوف وإما هو المتقدم عند من يرى ذلك. (وأوصاني) أي أمرني (بالصلاة والزكاة) أي بزكاة المال إذا ملكته، أو تطهير النفس عن الرذائل في الوقت المعين لهما وهو البلوغ أو الآن، قولان للمفسرين والأول أولى (ما دمت حياً) أي مدة دوام حياتي، وهذه الأفعال الماضية هي من باب تنزيل ما لم يقع منزلة الواقع تنبيهاً على تحقق وقوعه لكونه قد سبق في القضاء المبرم. وقيل: المراد إن الله صيره حين انفصل عن أمه بالغاً عاقلاً. قال الخازن: وهذا القول أظهر (قلت) بل أبعد ويحتاج إلى مستند صحيح ثابت. وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (34) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (35) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (36) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (37) أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (38) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39)

مريم 19:32

(وبراً بوالدتي) اقتصر على البر بوالدته لأنه قد علم في تلك الحال أنه لم يكن له أب وقرئ برأ بكسر الباء إما على حذف مضاف وإما على أنه مصدر وصف به مبالغة (ولم يجعلني جباراً شقياً) الجبار المتعظم الذي لا يرى لأحد عليه حقاً والشقي العاصي لربه. وقيل الخائب وقيل العاق. وقال ابن عباس: شقياً عصياً، أي بل أنا خاضع متواضع، ومن تواضعه أنه كان يأكل ورق الشجر ويجلس على التراب ولم يتخذ له مسكناً. روي أنه قال قلبي لين وأنا صغير في نفسي.

مريم 19:33

(والسلام) قال المفسرون: هو هنا بمعنى السلامة أي الأمان من الله (عليّ) والألف واللام فيه للعهد لأنه قد تقدم لفظه في قوله وسلام عليه أي ذلك السلام الموجه إلى يحيى موجه إليّ. وقال الزمخشري: والصحيح أن يكون هذا التعريف تعريضاً باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود وتحقيقه أن اللام للجنس، أي جنس السلام عليّ خاصة، فقد عَرض بأن ضده عليكم. ونظيره والسلام على من اتبع الهدى. (يوم وُلدت) فلم يضرني الشيطان في ذلك الوقت بالطعن ولا أغواني (ويوم أموت) أي ولا عند الموت (ويوم أبعث حياً) أي ولا عند البعث وإنما خص هذه المواضع لكونها أخوف من غيرها. وهذا آخر كلامه فعلموا به براءة أمه، ولم يتكلم بعد هذا الكلام، حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان في العادة.

مريم 19:34

(ذلك) أي المتصف بالأوصاف الثمانية السابقة. وقال الزجاج: ذلك الذي قال: إني عبد الله (عيسى بن مريم) لا ما تقوله النصارى من أنه ابن الله وأنه إله. (قول الحق) قرئ بالنصب على المدح أو على أنه مصدر مؤكد لقال إني عبد الله، قاله الزجاج. وقرئ بالرفع على أنه نعت لعيسى. قاله الكسائي. وسمي قول الحق كما سمي كلمة الله. والحق هو الله عز وجل قاله قتادة. وقال أبو حاتم: المعنى هو قول الحق. وقيل التقدير هذا الكلام قول الحق، وهو من باب إضافة الموصوف إلى الصفة مثل حق اليقين. وقيل الإضافة للبيان. وقرئ قال الحق، وروي ذلك عن ابن مسعود،. وقرأ الحسن قول الحق بضم القاف، والقَوْل والقُول والقال والمقال بمعنى واحد. (الذي فيه يمترون) أي ذلك عيسى ابن مريم الذي فيه يمترون، ومعناه يختلفون على أنه من المماراة أو يشكون على أنه من المرية، وقد وقع الاختلاف في عيسى، فقالت اليهود: هو ساحر وأنه ابن يوسف النجار، وقالت النصارى: هو ابن الله أو إله. وعن قتادة في الآية قال: اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض فأحيى من أحيى وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء. وهم اليعقوبية فقالت الثلاثة كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث قل فيه، فقال هو ابن الله، وهم النسطورية، فقال الاثنان كذبت، ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه، فقال هو ثالث ثلاثة: الله إله وعيسى إله وأمه إله. وهم الإسرائيلية وهم ملوك النصارى فقال. الرابع كذبت هو عبد الله ورسوله وروحه من كلمته، وهم المسلمون فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قال، فاقتتلوا وظهروا على المسلمين، فذلك قول الله سبحانه (ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس). قال قتادة: وهم الذين قال الله فيهم: فاختلف الأحزاب من بينهم، فاختلفوا فيه فصاروا أحزاباً، فاختصم القوم فقال المرء المسلم أنشدكم بالله هل تعلمون أن عيسى كان يطعم الطعام وأن الله لا يطعم؟ قالوا اللهم نعم. قال فهل تعلمون أن عيسى كان ينام وأن الله لا ينام؟ قالوا اللهم نعم، فخصمهم المسلمون فاقتتل القوم فذكر لنا أن اليعقوبية ظهرت يومئذ وأصيب المسلمون، فأنزل الله (فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم).

مريم 19:35

(ما كان لله أن يتخذ من ولد) أي ما صح ولا استقام ذلك. قال الزجاج: (من) مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة، والمعنى ما كان من صفته اتخاذ الولد أي ثبوت الولد له محال. ثم نزه الله نفسه فقال (سبحانه) أي تنزه وتقدس عن مقالتهم هذه. ثم صرح سبحانه بما هو شأنه، تعالى سلطانه فقال: (إذا قضى أمراً) من الأمور وهذا بمنزلة التعليل لما قبله (فإنما يقول له كن فيكون) أي فيكون حينئذ بلا تأخير لا يتعذر عليه إيجاده على الوجه الذي أراده، وفي إيراده في هذا الموضع تبكيت عظيم وإلزام بالحجة للنصارى، أي من كان هذا شأنه كيف يتوهم أن يكون له ولد، وقد سبق الكلام على هذا مستوفى في البقرة.

مريم 19:36

(وإن الله) بفتح أن بتقدير اذكر أو لأن، وإليه ذهب الزمخشري تابعاً للخليل وسيبويه، وبكسرها بتقدير قل، أو على الاستئناف، وقيل على الأول أنها عطف على الصلاة، أي أوصاني بالصلاة وبأن الله، وإليه ذهب الفراء، ولم يذكر مكي غيره، وقيل على الثاني عطف على قوله إني عبد الله، وهو من البعد بمكان (ربي وربكم فاعبدوه) هذا من تمام كلام عيسى بدليل ما قلت لهم إلا ما أمرتني الآية. (هذا صراط مستقيم) أي الذي ذكرته لكم من أنه ربي وربكم، هو الطريق القيم الذي لا اعوجاج فيه ولا يضل سالكه

مريم 19:37

(فاختلف الأحزاب) أي اليهود والنصارى (من بينهم) أي فاختلفت الفرق من أهل الكتاب في أمر عيسى، فأفرطت النصارى وغلت وفرطت اليهود وقصرت، ومن زائدة وقيل للتبعيض إذ بقي منهم فرقة أخرى مؤمنة يقولون إنه عبد الله كما تقدم. (فويل للذين كفروا) وهم المختلفون في أمره، عبر عنهم بالموصول إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحكم (من مشهد يوم عظيم) أي من شهود يوم القيامة وما يجري فيه من الحساب والجزاء والعقاب، أو من مكان الشهود فيه، أو من شهادة ذلك اليوم عليهم. وقيل المعنى فويل لهم من حضورهم المشهد العظيم الذي اجتمعوا فيه للتشاور.

مريم 19:38

(أسمع بهم وأبصر) قال أبو العباس: العرب تقول هذا في موضع التعجب فيقولون أسمع بزيد وأبصر به، أي ما أسمعه وأبصره، فعجب الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم منهم. وقال السمين: هذا لفظ أمر ومعناه التعجب، وقيل بل هو أمر حقيقة، والمأمور هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أسمع الناس وأبصرهم بهم وبحالهم، ماذا تصنع بهم من العذاب، وهو منقول عن أبي العالية، وقال ابن عباس: يقول الكفار يومئذ: أسمع شيء وأبصره، وهم اليوم لا يسمعون ولا يبصرون. (يوم يأتوننا) للحساب والجزاء (لكن الظالمون) الأصل لكنهم وهو من إقامة الظاهر مقام المضمر للإيذان بأنهم في ذلك ظالمون لأنفسهم (اليوم) أي في الدنيا (في ضلال) أي خطأ (مبين) أي واضح ظاهر، ولكنهم أغفلوا التفكر والاعتبار والنظر في الآثار (وأنذرهم) أي خوّف يا محمد كفار مكة (يوم الحسرة) أي يوم يتحسرون جميعاً، فالمسيء يتحسر على إساءته، والمحسن على عدم استكثاره من الخير. وعن ابن عباس قال: يوم الحسرة هو من أسماء يوم القيامة، وقرأ (أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وفي سنده علي ابن أبي طلحة وهو ضعيف، والآية التي استدل بها ابن عباس لا تدل على المطلوب لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام. (إذ قضي الأمر) من الحساب وطويت الصحف وصار أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار (وهم في غفلة) أي غافلين عما يعمل بهم وتلك الحال متضمنة للتعليل، أي أنذرهم لأنهم في حالة يحتاجون فيها إلى الإنذار، وهي الغفلة والكفر. (وهم لا يؤمنون) به، أخرج البخاري ومسلم وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون، وينظرون إليه، فيقولون: نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه، ثم ينادي يا أهل النار هل تعرفون هذا فيشرئبون وينظرون إليه فيقولون نعم هذا الموت، وكلهم قد رآه فيؤمن به فيذبح، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت؛ ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم

مريم 19:39

(وأنذرهم يوم الحسرة) الآية وأشار بيده فقال أهل الدنيا في غفلة [[مسلم 2849 - البخاري 1024.]]. وأخرج النسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه. وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (39) إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (40) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (41) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (42) يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا (43) يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45) قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (46) قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)

مريم 19:40

(إنّا نحن) تأكيد للضمير في إنا لأنه بمعناه (نرث الأرض) أي نميت سكانها فلا يبقى بها أحد يرث الأموات، فكأنه سبحانه ورث الأرض (ومن عليها) حيث أماتهم جميعاً (وإلينا يرجعون) أي يردون إلينا يوم القيامة فنجازي كلاًّ بعمله، وقد تقدم مثل هذا في سورة الحجر.

مريم 19:41

(واذكر) لكفار مكة (في الكتاب إبراهيم) أي خبره والمراد بذكر الرسول إياه في الكتاب أن يتلو ذلك على الناس كقوله: (واتل عليهم نبأ إبراهيم) فالمراد ما ذكر، وإلا فالذاكر له هو الله في كتابه، وعاش إبراهيم من العمر مائة وخمساً وسبعين سنة؛ وبينه وبين آدم ألفا سنة، وبينه وبين نوح ألف سنة ذكره السيوطي [[السيوطي يرجع في هذا إلى نقل عن التوراة في سفر التكوين مشوه، وليس له سند في الإسلام.]] وفي التحبير (إنه كان صديقاً نبياً) تعليل لما تقدم من الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يذكره، وهي معترضة ما بين البدل والمبدل منه والصديق كثير الصدق بليغه أي اذكر إبراهيم الجامع لهذين الوصفين، ولا ثبت أن كل نبي يجب أن يكون صديقاً ولا يجب في كل صديق أن يكون نبياً، ظهر بهذا قرب مرتبة الصديق من مرتبة النبي، فلهذا انتقل من ذكر كونه صديقاً إلى ذكر كونه نبياً.

مريم 19:42

(إذ قال لأبيه) بدل اشتمال من إبراهيم وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث للمبالغة، وأبو إبراهيم هو آزر على ما تقدم تقريره (يا أبت) التاء عوض عن الياء ولهذا لا يجتمعان (لم تعبد) الاستفهام للإنكار والتوبيخ أي لأي شيء ولأي سبب تعبد (ما لا يسمع) ما تقوله من الثناء عليه، والدعاء له (ولا يبصر) ما تفعله من عبادته؛ ومن الأفعال التي تفعلها مريداً بها الثواب، ويجوز أن يحمل نفي السمع والإبصار على ما هو أعم من ذلك أي لا يسمع شيئاً من المسموعات ولا يبصر شيئاً من المبصرات. (ولا يغني عنك شيئاً) من الأشياء فلا يجلب لك نفعاً؛ ولا يدفع عنك ضرراً، وهي الأصنام التي كان يعبدها آزر، أورد إبراهيم عليه السلام على أبيه الدلائل والنصائح وصدر كلا منها بالنداء المتضمن للرفق واللين استمالة لقلبه، وامتثالاً لأمر ربه، ووصف الأصنام بثلاثة أشياء كل واحد منها قادح في الإلهية، ورتب هذا الكلام على غاية الحسن، ثم كرر دعوته إلى الحق فقال:

مريم 19:43

(يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك) أي بعض العلم وهو علم الوحي أو التوحيد أو الآخرة أقوال ثلاثة ذكرها أبو حيان فأخبر أنه قد وصل إليه من العلم نصيب لم يصل إلى أبيه، وأنه قد تجدد له حصول ما يتوصل به منه إلى الحق ويقتدر به على إرشاد الضال، ولهذا أمره باتباعه فقال: (فاتبعني) في الإيمان، والتوحيد (أهدك صراطاً سوياً) مستوياً موصلاً إلى المطلوب منجياً من المكروه ثم أكد ذلك بنصيحة أخرى زاجرة له عما هو فيه فقال:

مريم 19:44

(يا أبت لا تعبد الشيطان) أي لا تطعه فإن عبادة الأصنام هي من طاعة الشيطان ثم علل ذلك بقوله: (إن الشيطان كان للرحمن عصياً) حين ترك ما أمره به من السجود لآدم. ومن أطاع من هو عاص لله سبحانه فهو عاصٍ لله، والعاصي حقيق بأن تسلب عنه النعم وتحل به النقم، قال الكسائي: العصي والعاصي واحد، ثم بين له الباعث على هذه النصائح فقال:

مريم 19:45

(يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن) إن لم تتب. قال الفراء: معنى أخاف هنا أعلم وبه فسر الأقلون الآية، وإليه أشار في التقرير وقال الأكثرون: أن الخوف هنا محمول على ظاهره لأن إبراهيم غير جازم بموت أبيه على الكفر، إذ لو كان جازماً بذلك لم يشتغل بنصحه، فوجب إجراؤه على ظاهره، ومعنى الخوف على الغير، هو أن يظن وصول الضرر إلى ذلك الغير. (فتكون للشيطان ولياً) أي أنك إن أطعت الشيطان كنت معه قريناً في النار واللعنة. فتكون بهذا السبب موالياً له أو تكون بسبب موالاته في العذاب معه، وليس هناك ولاية حقيقية لقوله سبحانه: (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو). وقيل الولي بمعنى التالي؛ وقيل بمعنى القريب. قال الشهاب: الْوَليُّ من الوَلِيْ وهو القرب، وكل من المتقاربين قريب من صاحبه أي تكون للشيطان قريباً منه في النار، تليه ويليك، فلما مرت هذه النصائح النافعة والمواعظ المقبولة بسمع آزر قابلها بالغلظة والفظاظة والقسوة المفرطة، حيث:

مريم 19:46

(قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم) ناداه باسمه ولم يقابل يا أبت بيا بني وأخره وقدم الخبر على المبتدأ. وصدره بهمزة الاستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب، ولإنكار نفس الرغبة كأنها مما لا يرغب عنها عاقل. والمعنى أمعرض أنت عن ذلك ومنصرف إلى غيره. ثم توعده وهدده فقال: (لئن لم تنته) عن مقالتك فيها أو الرغبة عنها، واللام للقسم (لأرجمنك) بالحجارة حتى تموت، وقيل باللسان فيكون معناه لأشتمنك. قاله ابن عباس، وقيل معناه لأضربنك وقيل لأبعدنك عني بالقول القبيح، وقيل لأظهرن أمرك فاحذرني (واهجرني ملياً) أي زماناً طويلاً. وقال ابن عباس حيناً. قال الكسائي: يقال هجرته ملياً وملوة وملاوة، بمعنى الملاوة من الزمان وهو الطويل. وقيل معناه اعتزلني سالم العرض سوياً لا تصيبك مني معرة، واختار هذا ابن جرير وعن ابن عباس قال: اجتنبني سوياً واجتنبني سالماً قبل أن تصيبك مني عقوبة وعن عكرمة: ملياً دهراً، وعن قتادة: سالماً، وعن الحسن مثله، فلما رأى إبراهيم إصرار أبيه على العناد

مريم 19:47

(قال سلام عليك) أي تحية توديع ومقاطعة ومتاركة، كقوله تعالى: وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً. وقيل معناه أمنة مني لك. قاله ابن جرير. وإنما أمنه مع كفره لأنه لم يؤمر بقتاله والأول أولى وبه قال الجمهور. وقيل معناه الدعاء له بالسلامة استمالة له ورفقاً به، وهذا في مقابلة قوله: لئن لم تنته، وهذا مقابلة للسيئة بالحسنة. ثم وعده بأن يطلب له المغفرة من الله سبحانه تألفاً له وطمعاً في لينه وذهاب قسوته. والشيخ لا يترك أخلاقه حتى ... يوارى في ثرى رمسه فقال: (سأستغفر لك ربي) وكان منه هذا الوعد قبل أن يعلم أنه يموت على كفره وتحق عليه الكلمة. ولهذا قال الله سبحانه في موضع آخر: (فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه) بعد قوله: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أياه) وقيل المراد باستغفاره له طلب توفيقه للإيمان الموجب للمغفرة، أي سأسأل لك ربي توبة تنال بها المغفرة، يعني الإسلام، والاستغفار للكافر بهذا الوجه جائز، كأنه يقول اللهم وفقه للإسلام أو تب عليه واهده. قاله الكرخي والصحيح هو الأول. (إنه كان بي حفياً) تعليل لما قبلها، والمعنى سأطلب لك المغفرة من الله، فإنه كان بي كثير البر واللطف. يقال حفي به وتحفى إذا بره. قال الكسائي. يقال حفي بي حفاوة وحفوة أي اعتنى بي وبالغ في إكرامي والطافي. وقال الفراء: حفياً أي عالماً لطيفاً يجيبني إذا دعوته. وبه قال ابن عباس. والحفي أيضاً المستقصي في السؤال، ومنه كأنك حفي عنها. وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (48) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا (49) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (50) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) ثم صرح الخليل بما تضمنه سلامه من التوديع والمتاركة فقال:

مريم 19:48

(وأعتزلكم وما تدعون من دون الله) أي أهاجر بديني عنكم وعن معبوداتكم حيث لم تقبلوا نصحي ولا نجعت فيكم دعوتي، وهذا في مقابلة قوله: واهجرني ملياً. (وأدعو ربي) وحده (عسى أن لا أكون بدعاء ربي شقياً) أي خائباً كما شقيتم بعبادة الأوثان. وقيل عاصياً قيل: أراد بهذا الدعاء هو أن يهب الله له ولداً وأهلاً يستأنس بهم في اعتزاله ويطمئن إليهم عند وحشته، وفي تصدير الكلام بعسى التواضع وهضم النفس والتنبيه على أن الإجابة والإثابة تفضل منه تعالى غير واجبين وأن ملاك الأمر خاتمته وهو عيب. وقيل: أراد دعاءه لأبيه بالهداية، وعسى للشك لأنه كان لا يدري أيستجاب له فيه أم لا، والأول أولى لقوله:

مريم 19:49

(فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) أي بأن ذهب مهاجراً من بابل أو كوئي إلى الأرض المقدسة (وهبنا له إسحاق ويعقوب) أي جعلنا هذين الموهوبين له أهلاً وولداً بدل الأهل الذين فارقهم يأنس بهما. وهذا يقتضي أنه عاش حتى رأى يعقوب وهو كذلك، كما مرت الإشارة إليه في قوله: فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وخصهما لأنه سيذكر إسماعيل بفضله منفرداً قال ابن عباس: وهبنا له إسحاق ابناً ويعقوب ابن ابنه (وكُلّا) مفعول لجعلنا قدم عليه للتخصيص، لكن بالنسبة إليهم أنفسهم لا بالنسبة إلى من عداهم، أي كل واحد منهم (جعلنا نبياً) لا بعضهم دون بعض.

مريم 19:50

(ووهبنا لهم من رحمتنا) أي للثلاثة بأن جعلناهم أنبياء، وذكر هذا بعد التصريح بجعلهم أنبياء لبيان أن النبوة هي من باب الرحمة. وقيل المراد بالرحمة هنا المال وسعة الرزق، وقيل كثرة الأولاد، وقيل الكتاب، ولا يبعد أن يندرج تحتها جميع هذه الأمور. ومن للتبعيض. (وجعلنا لهم لسان صدق علياً) أي الثناء الحسن قاله ابن عباس، عبر عنه باللسان لكونه يوجد به، كما عبر باليد عن العطية، وإضافته إلى الصدق ووصفه بالعلو للدلالة على أنهم أحقاء بما يقال فيهم من الثناء على ألسن العباد، ففي اللسان مجاز مرسل من إطلاق اسم الآلة وإرادة ما ينشأ منها. والمعنى وجعلنا لهم ثناء صادقاً يذكرهم الأمم كلها إلى يوم القيامة، بما لهم من الخصال المرضية، ويصلون على إبراهيم وعلى آله إلى قيام الساعة، وهذا توبيخ لكفار مكة إذ كان مقتضى ترضيهم وثنائهم على المذكورين أن يتبعوهم في الدين مع أنهم لم يفعلوا. ثم قفى الله سبحانه قصة إبراهيم بقصة موسى لأنه تلوه في الشرف، وقدمه على إسماعيل لئلا يفصل بينه وبين ذكر يعقوب فقال:

مريم 19:51

(واذكر في الكتاب) أي واقرأ عليهم من القرآن قصة (موسى إنه كان مخلصاً) بفتح اللام أي جعلناه مختاراً وأخلصناه، وقرئ بكسرها أي أخلص العبادة والتوحيد لله غير مراء للعباد (و) أنه (كان رسولاً نبياً) أي أرسله الله إلى عباده فأنبأهم عن الله بشرائعه التي شرعها لهم، فهذا وجه ذكر النبي بعد الرسول مع استلزام الرسالة للنبوة، فكأنه أراد بالرسول معناه اللغوي لا الشرعي، والله أعلم. وقال النيسابوري: الرسول النبي الذي معه كتاب والنبي الذي ينبئ عن الله عز وجل وإن لم يكن معه كتاب، وكان المناسب ذكر الأعم قبل الأخص إلا أن رعاية الفواصل اقتضت عكس ذلك؛ كقوله في طه: (رب هارون وموسى). قال مجاهد: النبي هو الذي يكلم وينزل عليه ولا يرسل، وفي لفظ الأنبياء الذين ليسوا برسل يوحى إلى أحدهم ولا يرسل إلى أحد، والرسل الأنبياء الذي يوحى إليهم ويرسلون.

مريم 19:52

(وناديناه) أي كلمناه كما في سورة القصص في قوله: (فلما أتاها نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) (من جانب الطور الأيمن) أي من ناحيته اليمنى، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير. ومعنى الأيمن أنه كان ذلك الجانب عن يمين موسى حين أقبل من مدين متوجهاً إلى مصر فإن الشجرة كانت في ذلك الجانب والنداء وقع منها، وليس المراد يمين الجبل نفسه، فإن الجبال لا يمين لها ولا شمال، وقيل معنى الأيمن الميمون. ومعنى النداء أنه تمثل له الكلام من ذلك الجانب. قال قتادة: جانب الجبل الأيمن. وهذا صريح في أن المراد بالطور هو الذي عند بيت المقدس، لا الطور الذي عند السويس، لأنه يكون على يسار المتوجه من مدين إلى مصر كما هو محسوس (وقربناه نجياً) أي أدنيناه بتقريب المنزلة حتى كلمناه، والنبي بمعنى المناجي كالجليس والنديم؛ فالتقريب هنا هو تقريب التشريف والإكرام، مثلت حاله بحال من قربه الملك لمناجاته. قال الزجاج: قرّبه منه في المنزلة حتى سمع مناجاته. وقيل: إن الله سبحانه رفعه حتى سمع صريف القلم، روي هذا عن بعض السلف، وبه قال أبو العالية، وروي نحوه عن جماعة من التابعين قال ابن عباس حتى سمع صريف القلم يكتب في اللوح المحفوظ وأخرجه الديلمي عنه مرفوعاً قال قتادة: في نجيا نجي بصدقه.

مريم 19:53

(ووهبنا له من رحمتنا) أي من نعمتنا، وفي (من) هذه وجهان. أحدهما أنها تعليلية أي من أجل رحمتنا، والثاني أنها تبعيضية، أي بعض رحمتنا (أخاه هارون نبياً) وذلك حين سأل ربه وقال: واجعل لي وزيراً من أهلي. هارون أخي قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، أي بأربع سنين، ولكن إنما وهب له نبوته. وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (52) وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (53) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (54) وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا (55) وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (56) وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57) أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58)

مريم 19:54

(واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد) وصف الله سبحانه إسماعيل بصدق الوعد مع كون جميع الأنبياء كذلك، لأنه كان مشهوراً بذلك مبالغاً فيه، وناهيك أنه وعد الصبر من نفسه على الذبح، فوفى بذلك وكان ينتظر لمن وعده بوعد الأيام والليالي، حتى قيل: إنه انتظر لبعض من وعده حولاً؛ والمراد بإسماعيل هنا هو إسماعيل بن إبراهيم، ولم يخالف في ذلك إلا من لا يعتد به، فقال هو إسماعيل بن حزقيل بعثه الله إلى قومه فسلخوا جلدة رأسه، فخيره الله فيما شاء من عذابهم، وثوابه فاستعفاه ورضي بثوابه. (وكان رسولاً نبياً) قد استدل بهذا إلى أن الرسول لا يجب أن يكون صاحب شريعة، فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته، وقيل أنه وصفه بالرسالة لكون إبراهيم أرسله إلى جرهم، وهم قبيلة من عرب اليمن نزلوا على هاجر أم إسماعيل بوادي مكة

مريم 19:55

(وكان يأمر أهله) المراد به هنا أمته وقيل جرهم وقيل عشيرته، كما في قوله: (وأنذر عشيرتك الأقربين). والمراد (بالصلاة والزكاة) هنا هما العبادتان الشرعيتان، ويجوز أن يراد معناهما اللغوي (وكان عند ربه مرضياً) أي رضياً زاكياً صالحاً، والمعنى قائماً لله بطاعته. وقيل رضيه لنبوته ورسالته، وهذا نهاية في المدح لأن المرضي عند الله هو الفائز في كل طاعة بأعلى الدرجات قال الفراء والكسائي: من قال مرضي بني على رضيت، قال وأهل الحجاز يقولون مرضوي.

مريم 19:56

(واذكر في الكتاب إدريس) هو ابن شيث بن آدم لصلبه، أفاده السيوطي في التحبير واسمه أخنوخ. قيل هو جد نوح، فإن نوحاً هو ابن لمك ابن متوشلخ ابن أخنوخ، وعلى هذا فيكون جد أبي نوح، ذكره الثعلبي وغيره، وقد قيل أن هذا خطأ، وامتناع إدريس للعجمة والعلمية. وقولهم سمي به لكثرة دراسته الكتب لا يصح، لأنه لو كان إفعيلاً من الدرس لم يكن فيه إلا سبب واحد وهو العلمية وكان منصرفاً، وهو أول مرسل بعد آدم عليه السلام وأول من أعطى النبوة من بني آدم وأول من خط بالقلم، ونظر في النجوم والحساب وأول من خاط الثياب وأول من اتخذ السلاح. وقاتل الكفار. (إنه كان صديقاً نبياً) وذلك إن الله شرفه بالنبوة، وأنزل عليه ثلاثين صحيفة. وقد اختلف في معنى قوله:

مريم 19:57

(ورفعناه مكاناً علياً) فقيل إن الله رفعه إلى السماء الرابعة. وقيل إلى السادسة وقيل إلى الثانية. وقد روى البخاري في صحيحه من حديث الإسراء، وفيه: " ومنهم إدريس في الثانية " [[البخاري 1684.]] وهو غلط من رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر، والصحيح: " أنه في السماء الرابعة " كما رواه مسلم في صحيحه من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم [[مسلم 162.]]. وقيل إن المراد برفعه ما أعطيه من شرف النبوة والزلفى عند الله، وقيل إنه رفع إلى الجنة. وقيل هو الرفعة بعلو المرتبة في الدنيا والأول أصح؛ عن ابن عباس قال: كان إدريس خياطاً، وكان لا يغرز غرزة إلا قال سبحان الله؛ وكان يمسي حين يمسي وليس على الأرض أفضل عملاً منه، فاستأذن ملك من الملائكة ربه فقال يا رب ائذن لي فأهبط إلى إدريس، فأذن له، فأتى إدريس فقال: إني جئتك لأخدمك، قال كيف تخدمني وأنت ملك وأنا إنسان، ثم قال إدريس هل بينك وبين ملك الموت شيء؟ قال الملك: ذاك أخي من الملائكة، قال هل تستطيع أن تنفعني؟ قال أما نؤخر شيئاً أو نقدمه فلا، ولكن سأكلمه لك فيرفق بك عند الموت، فقال اركب بين جناحي، فركب إدريس فصعد إلى السماء العليا فلقي ملك الموت وإدريس بين جناحيه، فقال له الملك: إن لي إليك حاجة قال علمت حاجتك، تكلمني في إدريس وقد محي اسمه من الصحيفة فلم يبق من أجله إلا نصف طرفة عين، فمات إدريس بين جناحي ملك أخرجه ابن أبي حاتم، وعنه سألت كعباً فذكر نحوه فهذا هو من الإسرائيليات التي يرويها كعب. وعنه قال رفع إدريس إلى السماء السادسة. وأخرج الترمذي وصححه وابن المنذر وابن مردويه قال: حدثنا أنس بن مالك عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال: لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة [[الترمذي تفسير سورة 19 - الإمام أحمد 3/ 260.]]. وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً نحوه، وعن مجاهد قال: رفع إدريس كما رفع عيسى ولم يمت. وعن ابن مسعود قال: إدريس هو إلياس، وحسنه السيوطي

مريم 19:58

(أولئك) خطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم والإشارة إلى الأنبياء المذكورين من أول السورة إلى هنا، وهم عشرة أولهم في الذكر زكريا وآخرهم فيه إدريس، وهو مبتدأ وقوله: (الذين أنعم الله عليهم) صفته و (من النبيين) بيان للموصول من بيان العام بالخاص و (من ذرية آدم) بدل منه بإعادة الخافض، وقيل (من) فيه للتبعيض، يعني إدريس ونوحاً. (وممن حملنا مع نوح) أي من ذرية من حملنا معه في السفينة، وهم من عدا إدريس، فإن إدريس من ذرية آدم لقربه منه، وإبراهيم من ذرية من حمل مع نوح لأنه من ذرية سام بن نوح، فإن إبراهيم بن آزر وبينه وبين نوح عشرة قرون كما في التحبير. (ومن ذرية إبراهيم) وهم الباقون (و) من ذرية (إسرائيل) وهو يعقوب؛ وكان منهم موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، وفيه دليل على أن أولاد البنات من الذرية. وقيل إنه أراد بقوله من ذرية آدم إدريس وحده، وبقوله ممن حملنا مع نوح إبراهيم وحده، وبقوله ومن ذرية إبراهيم، إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وبقوله إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، قال السدي: هذه تسمية الأنبياء الذين ذكرهم، أما من ذرية آدم فإدريس ونوح وأما من ذرية من حمل مع نوح فإبراهيم، وأما ذرية إبراهيم فإسماعيل وإسحاق ويعقوب، وأما ذرية إسرائيل فموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى، لأن مريم من ذريته. (وممن هدينا) أي من جملة من هدينا إلى الإسلام (واجتبينا) بالإيمان وقيل على الأنام وهذا آخر الصفات، والتقدير والكائنين ممن هدينا الخ، واعلم أنه تعالى أثنى على كل واحد ممن تقدم ذكره من الأنبياء بما يخصه من الثناء، ثم جمعهم آخراً فقال أولئك الخ، فرتب تعالى أحوال الأنبياء الذين ذكرهم على هذا الترتيب منبهاً بذلك على أنهم كما فضلوا بأعمالهم فلهم منزلة في الفضل بولادتهم من هؤلاء الأنبياء، ثم بين أنهم ممن هدينا واجتبينا منبهاً بذلك على أنهم خصوا بهذه المنازل لهداية الله لهم، ولأنه اختارهم للرسالة. (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً) وهذا خير لأولئك، ويجوز أن يكون الخبر هو الذين أنعم الله عليهم، وهذا استئناف لبيان خشوعهم لله وخشيتهم منه، والسجد والبُكِيّ جمع ساجد قياساً وباك على غير قياس، وقياسه بكاة، كقاض وقضاة، وقد تقدم في سبحان بيان معنى خروا سجداً، يقال بكى يبكي بكاء وبكياً؛ قال الخليل: إذا قصرت البكاء فهو مثل الحزن، أي ليس معه صوت، ومنه قول الشاعر: بكت عيني وحق لها بكاها ... وما يغني البكاء ولا العويل قال الزجاج: قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله بكوا وسجدوا خضوعاً وخشوعاً وخوفاً وحذراً، والمراد من الآيات ما خصهم به من الكتب المنزلة عليهم، وقيل المراد بها ذكر الجنة والنار والوعد والوعيد؛ وفيه استحباب البكاء وخشوع القلب عند سماع القرآن. قال صالح المري: قرأت القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي يا صالح هذه القراءة فأين البكاء؟ وفي الحديث: " اتلوا القرآن وابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا " [[ابن ماجة كتاب الإقامة باب 176 - كتاب الزهد باب 69.]]. وعن ابن عباس: إذا قرأتم سجدة سبحان فلا تعجلوا بالسجود حتى تبكوا، فإن لم تبك عين أحدكم فليبك قلبه، وقد استدل بهذه على مشروعية سجود التلاوة، وهذه السجدة من عزائم سجود القرآن، فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند تلاوة هذه الآية، وقال بعضهم: إنه الصلاة. وقال الرازي: يحتمل أنهم عند الخوف كانوا قد تعبدوا بالسجود فيفعلوا ذلك لأجل ذكر السجود في الآية. ولما مدح الله سبحانه هؤلاء الأنبياء بهذه الصفات ترغيباً لغيرهم في الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم، ذكر أضدادهم تنفيراً للناس على طريقتهم فقال: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (59) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا (60) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (61) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (62) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (63) وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)

مريم 19:59

(فخلف) أي وجد وحدث (من بعدهم) أي من بعد النبيين المذكورين (خلف) أي عقب سوء. قال أهل اللغة: يقال لعقب الخير والصدق خلف بفتح اللام، ولعقب الشر والسوء خلف بسكون اللام، وقد قدمنا الكلام على هذا في آخر الأعراف. (أضاعوا الصلاة) أي أخروها عن وقتها، قاله الأكثر، وهو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر ولا العصر حتى يأتي المغرب، وقيل أضاعوا الوقت، وقيل كفروا بها وجحدوا وجوبها، وقيل لم يأتوا بها على الوجه المشروع. وقيل تركوها كاليهود والنصارى، والظاهر أن من أخر الصلاة عن وقتها أو ترك فرضاً من فروضها أو شرطاً من شروطها أو ركناً من أركانها فقد أضاعها، ويدخل تحت الإضاعة من تركها بالمرة أو جحدها دخولاً أولياً. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقيل في اليهود وقيل في النصارى وقيل في قوم من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يأتون في آخر الزمان. وقال بالأولين السدي. وقال بالثالث مجاهد، ولفظه هم من هذه الأمة يتراكبون في الطرق كما تراكب الأنعام لا يستحيون من الناس ولا يخافون من الله في السماء، وعن ابن مسعود قال: ليس إضاعتها تركها، قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه. ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها. (واتبعوا الشهوات) أي فعلوا ما تشتهيه أنفسهم وترغب إليه من المحرمات كشرب الخمر والزنا (فسوف يلقون غياً) هو الشر عند أهل اللغة كما أن الخير هو الرشاد. والمعنى أنهم سيلقون شراً لا خيراً. وقيل الغي الضلال. وقيل الخيبة وقيل الخسران وقيل الهلاك وقيل العذاب وقيل هو اسم واد في جهنم تستعيذ من حره أوديتها أعد للزناة وشربة الخمر وشهاد الزور وأكلة الربا والعاقين لوالديهم. وقيل في الكلام حذف. والتقدير سيلقون جزاء الغي. قاله الزجاج. ومثله قوله سبحانه: يلق أثاماً. أي جزاء أثام. أخرج أحمد وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم، عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلا هذه الآية قال: " يكون خلف من بعد ستين سنة؛ أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، فسوف يلقون غياً، ثم يكون خلف يقرأون القرآن لا يعدو تراقيهم، ويقرأ القرآن ثلاثة؛ مؤمن ومنافق وفاجر " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 374.]]. وأخرج أحمد والحاكم وصححه عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم " سيهلك من أمتي أهل الكتاب وأهل اللبن " قلت: يا رسول الله ما أهل الكتاب؟ قال " قوم يتعلمون الكتاب يجادلون به الذين آمنوا "، قلت: ما أهل اللبن؟ قال " قوم يتبعون الشهوات ويضيعون الصلوات " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 374.]]. وعن عائشة أنها كانت ترسل بالصدقة لأهل الصدقة وتقول: لا تعطوا منها بربرياً، ولا بربرية، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " هم الخلف الذين قال الله فخلف من بعدهم خلف " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 244.]]، أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه. وعن ابن مسعود قال: الغي نهر أو واد في جهنم من قيح بعيد القعر خبيث الطعم يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات، وقد قال بأنه واد في جهنم، البراء بن عازب، وأخرج ابن جرير والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها سبعين خريفاً، ثم ينتهي إلى غي، وأثام "؛ قلت: وما غي؟ وأثام؟ قال " نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما اللذان ذكر الله في كتابه فسوف يلقون غياً "، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً. وأخرج ابن مردويه؛ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " الغي واد في جهنم ".

مريم 19:60

(إلا من تاب) مما فرط منه من تضييع الصلاة واتباع الشهوات فرجع إلى طاعة الله (وآمن) به (وعمل) عملاً (صالحاً) الاستثناء منقطع قاله الزجاج وجرى أبو حيان وغيره على أنه متصل، وهو ظاهر الآية، لما روي عن قتادة أنها في حق هذه الأمة، ويجوز أن يحمل على التغليظ، كما قال تعالى: (من استطاع إليه سبيلاً) وبهذا التأويل يحسن قول قتادة. إن هذا الكلام نازل في شأن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل في هذا الاستثناء دليل على أن الآية في الكفرة لا في المسلمين. (فأولئك يدخلون الجنة) بفتح الياء وضم الخاء، وقرئ بضم الياء وفتح الخاء (ولا يظلمون شيئاً) أي لا ينقص من أجورهم شيء، وإن كان قليلاً، فإن الله سبحانه يوفي أجورهم إليهم

مريم 19:61

(جنات عدن) قرئ بالرفع على الابتداء وقرئ بالنصب على البدل من الجنة بدل البعض، لكون جنات عدن، بعضاً من الجنة، وعلى المدح أيضاً. قال أبو حاتم: ولولا الخط لكان جنة عدن، يعني بالإفراد مكان الجمع وليس هذا بشيء، فإن الجنة اسم لمجموع الجنات التي هي بمنزلة الأنواع للجنس، وقرئ بصرف عدن؛ ومنعها عن الصرف، على أنها علم بمعنى العدن؛ وهو الإقامة أي بساتين إقامة وصفها بالدوام بخلاف جنات الدنيا فإنها لا تدوم، أو علم لأرض الجنة لكونها مقام إقامة. (التي وعد) ها (الرحمن عباده) متلبسة أو متلبسين (بالغيب) والمعنى أنهم لا يرونها فهي غائبة عنهم، أو هم غائبون عنها (إنه) أي الرحمن، وقيل إنه ضمير الشأن والأمر لأنه مقام تعظيم وتفخيم (كان وعده) أي موعوده على العموم فيدخل فيه الجنات دخولاً أولياً، وقيل الوعد مصدر على بابه (مأتياً) أي هم يأتونها، قال الفراء: لم يقل آتياً لأن كل ما أتاك فقد أتيته، وكذا قال الزجاج، وقال الزمخشري: كان وعده مفعولاً لا منجزاً.

مريم 19:62

(لا يسمعون فيها لغواً) هو الهذر، والفضول من الكلام الذي يلغي ولا طائل تحته، وهو كناية عن عدم صدور اللغو منهم، وقيل اللغو كل ما لم يكن فيه ذكر الله (إلا سلاماً) هو استثناء منقطع أي سلام بعضهم على بعض أو سلام الله أو سلام الملائكة عليهم، وقال الزجاج: السلام اسم جامع للخير، لأنه يتضمن السلامة، والمعنى أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤلمهم؛ وإنما يسمعون ما يسلمهم؛ وأبدى الزمخشري فيه ثلاثة أوجه ذكرها سليمان الجمل. (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) قال المفسرون: ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولا نهار ولا ليل بل ضوء ونور أبداً، ولكنهم يؤتون رزقهم على مقدار ما يعرفون من الغداء والعشاء في الدنيا، وبه قال ابن عباس وإنما يعرفون الليل بإرخاء الحجب، وغلق الأبواب، والنهار بفتحها ورفع الحجب، كما روي، والرزق في البكرة والعشي، أفضل العيش عند العرب، وقيل أراد دوام الرزق. أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال " وما هيجك على هذا؟ " قال سمعت الله يذكر في الكتاب: (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً) فقلت الليل من البكرة والعشي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس هناك ليل وإنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله بمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة ".

مريم 19:63

(تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً) أي هذه الجنة التي وصفنا أحوالها نورثها ونعطيها وننزل بها من كان من أهل التقوى، كما يتقي على الوارث مال مورثه، ولا يرد كالميراث الذي يأخذه الوارث فلا يرجع فيه المورث، أي نبقيها عليهم من ثمرة تقواهم، قرئ نورث بفتح الواو وتشديد الراء من ورّث مضعفاً وبالتخفيف، وقرأ الأعمش نورثها بإبراز عائد الموصول. وقيل في الكلام تقديم وتأخير، أي نورث من كان تقياً من عبادنا والوراثة أقوى لفظ يستعمل في التمليك، والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع ولا تبطل بردّ ولا إسقاط، وقيل يورث المتقون من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار، لو أطاعوا زيادة في كرامتهم. والآية تدل على أن المتقي يدخلها، وليس فيها دلالة على أن غير المتقي لا يدخلها، وأيضاً صاحب الكبيرة متق عن الكفر

مريم 19:64

(وما نتنزل إلا بأمر ربك) أي قال الله سبحانه قل يا جبريل، وما نتنزل وقتاً غب وقت، إلا بأمر الله على ما تقتضيه حكمته، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبطأ نزول جبريل عليه حين سألوه في أمر الروح، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، فأمر جبريل أن يخبره بأن الملائكة ما تتنزل إلا بأمر الله، قيل احتبس جبريل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً، وقيل خمسة عشر، وقيل اثني عشر، وقيل ثلاثة أيام، وقيل إن هذا حكاية عن أهل الجنة، وإنهم يقولون عند دخولها وما نتنزل هذه الجنان إلا بأمر ربك، والأول أولى بدلالة ما قبله، ومعناه يحتمل وجهين: الأول: وما نتنزل عليك إلا بأمر ربك لنا بالتنزل. والثاني: وما نتنزل عليك إلا بأمر ربك الذي يأمرك به بما شرعه لك ولأمتك. والتنزل: النزول على مهل فإنه مطاوع نزل بالتشديد وقد يطلق على مطلق النزول كما يطلق نزل المشدد بمعنى أنزل. وقد أخرج البخاري وغيره، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ " [[البخاري كتاب التوحيد باب 28 - الإمام أحمد 1/ 231.]] فنزلت هذه الآية إلى آخرها وكان ذلك الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم، وفي الباب روايات تدل على أنه السبب في النزول، ثم أكد جبريل ما أخبر به النبي (صلى الله عليه وسلم) فقال. (له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك) أي من الجهات والأماكن أو من الأزمنة الماضية والمستقبلة وما بينهما من الزمان أو المكان الذي نحن فيه، فلا نقدر أن ننتقل من جهة إلى جهة، ومن مكان إلى مكان أو من زمان إلى زمان إلا بأمر ربك ومشيئته، وقيل المعنى له ما سلف من أمر الدنيا وما يستقبل من أمر الآخرة. قاله سعيد بن جبير. وقيل ما أمامنا من أمور الآخرة وما خلفنا من أمور الدنيا وما بين ذلك أي ما يكون من هذا الوقت إلى قيام الساعة، وقيل هو ما بين النفختين قاله قتادة، وقبل الأرض التي بين أيدينا إذا نزلنا والسماء التي وراءنا وما بين السماء والأرض وقيل ما مضى من أعمارنا وما غبر منها؛ والحالة التي نحن فيها وعلى هذه الأقوال كلها يكون المعنى: أن الله سبحانه هو الحيط بكل شيء: لا يخفى عليه خافية ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة، فلا نقدم على أمر إلا بإذنه، وقال ما بين ذلك ولم يقل ما بين ذينك لأن المراد ما بين ما ذكرنا كما في قوله سبحانه عوان بين ذلك. (وما كان ربك نسياً) ناسياً أي لم يَنْسَكَ ولم يتركك وإن تأخر عنك الوحي وقيل المعنى أنه عالم بجميع الأشياء لا ينسى منها شيئاً، وقيل المعنى وما كان ربك ينسى الإرسال إليك عند الوقت الذي يرسل فيه رسله. أخرج البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم، وابن مردويه والطبراني والبيهقي والحاكم وصححه عن أبي الدرداء رفع الحديث، قال: " ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عافية فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً ثم تلا: (وما كان ربك نسياً) " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 375.]] ومن حديث جابر عند ابن مردويه مثله. رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (66) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (67) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (68) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (69) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (70) وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)

مريم 19:65

(رب السماوات والأرض) أي خالقهما (و) خالق (ما بينهما) ومالكهما ومالك ما بينهما ومن كان هكذا فالنسيان محال عليه. وكيف يتصور أن يحوم حول ساحته الغفلة؟ وفيه دليل على أن فعل العبد خلق الله لأنه حاصل بين السماوات والأرض، ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بعبادته، والصبر عليها فقال: (فاعبده واصطبر لعبادته) الفاء للسببية لأن كونه لا ينساك، وكونه رب العالمين، سبب موجب لأن يعبد، وعدى فعل الصبر باللام دون على التي يتعدى بها لتضمنه معنى الثبات (هل تعلم له سمياً؟) الاستفهام للإنكار، والمعنى أنه ليس له مثل ولا نظير حتى يشاركه في العبادة فيلزم من ذلك أن تكون غير خالصة له سبحانه، فلما انتفى المشارك استحق الله سبحانه أن يفرد بالعبادة وتخلص له هذا مبني على أن المراد بالسَّمِيِّ، هو الشريك في المسمى. وقيل المراد به الشريك في الاسم، كما هو الظاهر من لغة العرب فقيل المعنى أنه لم يسم شيء من الأصنام ولا غيرها بالله قط يعني بعد دخول الألف واللام التي عوضت عن الهمزة ولزمت أو برب السماوات والأرض. وإليه نحا أبو السعود. والجملة تأكيد لما أفادته الفاء من علية ربوبيته العامة لوجوب تخصيص العبادة به تعالى. قال الزجاج: تأويله والله أعلم هل تعلم له سمياً يستحق أن يقال له خالق وقادر وعالم بما كان وبما يكون؟ وعلى هذا لا سَمِيّ لله في جميع أسمائه لأن غيره وأن سمي بشيء من أسمائه فلله سبحانه حقيقة ذاك الوصف. والمراد بنفي العلم المستفاد من الإنكار هنا نفي المعلوم على أبلغ وجه وأكمله. وقال ابن عباس: هل تعلم؟ أي تعرف للرب شبهاً أو مثلاً، ليس أحد يسمي الرحمن غيره، وعنه قال: يا محمد هل تعلم لإلهك من ولد؟.

مريم 19:66

(ويقول الإنسان) المراد به ها هنا الكافر لأن الاستفهام هنا للإنكار والاستهزاء والتكذيب بالبعث. قال ابن جريج: الإنسان هو العاص بن وائل. وقيل أبي بن خلف أو الوليد بن المغيرة والنازل فيه الآية، وهذا من قبيل العام الذي أريد به الخاص، وقيل اللام في الإنسان للجنس بأسره، وإن لم يقل هذه المقالة إلا بعضهم، وهم الكفرة فقد يسند إلى الجماعة ما قام بواحد منهم، وعلى كل فلفظ الإنسان لا يشمل المؤمنين. (أئذا ما مت) قرئ على الاستفهام وعلى الخبر (لسوف أخرج حياً) من القبر كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم؟ والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحيى بعد الموت، و (حياً) حال مؤكدة لأن من لازم خروجه من القبر أن يكون حياً وهو كقوله: (ويوم أبعث حياً).

مريم 19:67

(أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه) الهمزة للإنكار التوبيخي والواو لعطف الجملة على أخرى مقدرة، أي أيقول ذلك ولا يذكر. وقرئ يذكر بالتخفيف وبالتشديد وأصله يتذكر، وفي قراءة أبي أو لا يتذكر، والمراد بالذكر هنا إعمال الفكر أي ألا يتفكر هذا الجاحد في أول خلقه فيستدل بالإبتداء على الإعادة؟. والابتداء أعجب وأغرب من الإعادة لأن النشأة الأولى هي إخراج لهذه المخلوقات من العدم إلى الوجوب ابتداعاً واختراعاً لم يتقدم عليه ما يكون كالمثال له، وأما النشأة الآخرة فقد تقدم عليها النشأة الأولى فكانت كالمثال لها. ومعنى (من قبل) من قبل بعثه، وقدره الزمخشري من قبل الحالة التي هو عليها الآن وهي حالة بقائه (ولم يك شيئاً) أي والحال أنه لم يكن حينئذ شيئاً من الأشياء أصلاً، فالإعادة بعد أن كان شيئاً موجوداً أسهل وأيسر وأهون. ثم لما جاء سبحانه وتعالى بهذه الحجة التي أجمع العقلاء على أنه لم تكن في حجج البعث حجة أقوى منها أكد بالقسم باسمه سبحانه. مضافاً إلى رسوله تشريفاً له وتعظيماً، أو لأن العادة جارية بتأكيد الخبر بالتمييز فقال:

مريم 19:68

(فوربك لنحشرنهم) أي لنسوقنهم إلى المحشر بعد إخراجهم من قبورهم أحياء كما كانوا (والشياطين) والواو للعطف أو بمعنى مع. والمعنى أن هؤلاء الجاحدين للبعث يحشرهم الله مع شياطينهم الذين أغووهم وأضلوهم في سلسلة، وهذا ظاهر على جعل اللام في الإنسان للعهد وهو الإنسان الكافر، وأما على جعلها للجنس فلكونه قد وجد في الجنس من يحشر مع شيطانه. (ثم لنحضرنهم حول جهنم) من خارجها قبل دخولها، وقيل في داخلها (جثياً) جمع جاث من قولهم جثا على ركبتيه يجثو جثواً أي جاثين على ركبهم لما يصيبهم من هول الموقف وروعة الحساب، أو يكون الجثي على الركب شأن أهل الموقف كما في قوله سبحانه: وترى كل أمة جاثية. وقيل المراد بقوله جثياً جماعات وأصله جمع جَثْوة، والجثوة هي المجموع من التراب والحجارة. قال ابن عباس: جثياً قعوداً.

مريم 19:69

(ثم لننزعن من كل شيعة) أي من كل أمة وفرقة وأهل دين وملة من الكفار. والشيعة الفرقة التي تبعث ديناً من الأديان، وخصص ذلك الزمخشري فقال هي الطائفة التي شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، قال الله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم [[هذا جزء من الآية رقم 159 من سورة الأنعام.]] وكانوا شيعاً) (أيهم أشد [[بقية آية مريم رقم 69.]] على الرحمن عتياً) أي أعصى لله وأعتى وقال ابن عباس: عتياً معصية وعصياً، فإنه ينزع من كل طوائف الغي والفساد أعصاهم وأعتاهم فإذا اجتمعوا طرحهم في جهنم، والعتي هنا مصدر كالعتو وهو التمرد في العصيان، أي عصياناً وجرأة. وقيل: المعنى لننزعن من أهل كل دين قادتهم ورؤساءهم في الشر، قاله قتادة وفي ذكر الأشد تنبيه على أنه تعالى يعفو عن كثير من أهل العصيان، ولو خص ذلك بالكفرة، فالمراد أنه يميز طوائفهم أعتاهم فأعتاهم ويطرحهم في النار على الترتيب، أو يدخل كُلاًّ طبقته التي تليق به، وللنحويين في إعراب أيهم كلام طويل وأقوال كثيرة أظهرها عند الجمهور من المعربين، وهو مذهب سيبويه أن أيهم موصولة بمعنى الذي وأن حركتها حركة بناء، وأشد خبر مبتدأ مضمر والجملة صلة لأي، وأيهم وصلتها في محل نصب مفعولاً به لننزعن، وعتياً تمييز محول عن المبتدأ المحذوف الذي هو أشد. أي عتوة أشد من عتو غيره. وعن ابن مسعود قال: يحشر الأول على الآخر حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر والأكابر جرماً، ثم قرأ: فوربك لنحشرنهم إلى قوله عتياً

مريم 19:70

(ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً) بكسر الصاد وضمها سبعيتان. قال ابن جريج: يعني أيهم أحق وأولى بالخلود في جهنم، يقال صلى يصلي صلياً، مثل مضى الشيء يمضي مضياً. قال الجوهري: يقال صليت الرجل ناراً إذا أدخلته النار وجعلته يصلاها، فإن ألقيته إلقاء كأنك تريد الإحراق، قلت أصليته بالنار بالألف، وصلَّيته تصلية، ومنه ويصلى سعيراً، ومن خفف فهو من قولهم: صلى فلان للنار بالكسر يصلى صلياً احترق. قال الله تعالى: (بالذين هم أولى بها صلياً)، ومعنى الآية أن هؤلاء الذين هم أشد على الرحمن عتياً، هم أولى بصليهما أو صليهم، أولى بالنار.

مريم 19:71

(وإن منكم إلا واردها) الخطاب للناس من غير التفات أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وقيل للكفار، وقرئ وإن منهم لمناسبة الآيات التي قبل هذه فإنها في الكفار، وهي قوله: فوربك لنحشرنهم، الآيات وكذلك قرأ عكرمة وجماعة، لكن الأكثرون على أن المخاطب العالم كلهم، والمعنى ما منكم من أحد مسلماً كان أو كافراً إلا واردها أي واصلها وداخلها، والضمير يرجع إلى النار؛ وقيل إلى يوم القيامة والأول أولى. وقد اختلف الناس في هذا الورود، فقيل الورود الدخول لقوله: لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها، لكنه يختص بالكفار لقراءة وإن منهم، وتحمل القراءة المشهورة على الالتفات ويستثنى الأنبياء والمرسلون، وتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم. وقالت فرقة: الورود هو المرور على الصراط، لأن الصراط ممدود عليها، فيسلم أهل الجنة ويتقاذف أهل النار، وعلى هذا لا يستثنى الأنبياء والمرسلون، بل يمر عليه جميع الخلق. روي ذلك عن ابن عباس وكعب الأحبار والسدي ورواه السدي عن ابن مسعود عن النبي (صلى الله عليه وسلم) والحسن. وعن مجاهد: ورود المؤمن النار هو مس الحمى جسده في الدنيا؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: " الحمى حظ كل مؤمن من النار " [[وتتمته: " وحمى ليلة تكفر خطايا سنة مجرمة " ضعيف الجامع الصغير 2795 سلسلة الأحاديث الضعيفة 3532.]]، وفيه بعد. وقيل ليس الورود الدخول إنما هو كما تقول وردت البصرة ولم أدخلها، وقد توقف كثير من العلماء عن تحقيق هذا الورود، وحمله على ظاهره لقوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) قالوا فلا يدخل النار من ضمن الله أن يبعده عنها، وأجابوا عنه بأن معناه أنهم مبعدون عن العذاب فيها والاحتراق بها، فمن دخلها وهو لا يشعر بها ولا يحس منها وجعاً ولا ألماً فهو مبعد عنها. وقالت فرقة: الورود هو الإشراف والاطلاع والقرب، وذلك أنهم يحضرون موضع الحساب وهو بقرب جهنم فيرونها وينظرون إليها في حالة الحساب، ثم ينجي الله الذين اتقوا مما نظروا إليه ويصار بهم إلى الجنة كما سيأتي، ومما يدل على أن الورود لا يستلزم الدخول قوله تعالى: (ولما ورد ماء مدين) فإن المراد أنه أشرف عليه لا أنه دخل فيه، ولا يخفى أن القول بأن الورود هو المرور على الصراط أو الورود على جهنم وهي خامدة فيه، جمع بين الأدلة من الكتاب والسنة فينبغي حمل هذه الآية على ذلك لأنه قد حصل الجمع بحمل الورود على دخول النار مع كون الداخل من المؤمنين مبعداً من عذابها، أو بحمله على المضي فوق الجسر المنصوب عليها، وهو الصراط. وأخرج أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي والحاكم وصححه عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن وقال بعضنا يدخلونها جميعاً ثم ننجي الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فذكرت له فقال -وأهوى بأصبعه إلى أذنيه- صممنا إن لم أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار ضجيجاً من بردها

مريم 19:72

(ثم ننجي الذين اتقوا) " الآية [[المستدرك كتاب الأحوال 4/ 587.]]. وأسنده أبو عمرو في كتاب التمهيد. وعلى هذا فالورود الدخول؛ وهو قول ابن عباس وخالد بن معدان وابن جريج وغيرهم. وفي الحديث فتقول النار للمؤمنين: جُزْ يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وعن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال: الورود الدخول وقال نافع: لا، فقرأ ابن عباس: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون) وقال أورود أم لا؟ وقرأ (يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار)، ورود أم لا؟ أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا؟ وقرأ ابن مسعود " وإن منكم إلا داخلها " مكان " واردها " وعنه قال ورودها الصراط وقال رجل من الصحابة لآخر: أيقنت بالورود. قال نعم، قال وأيقنت بالصدور قال لا، قال ففيم الضحك وفيم التثاقل. وأخرج أحمد والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن مسعود في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يرد الناس كلهم النار ثم يصدرون منها بأعمالهم، فأولهم كلمح البرق، ثم كالريح، ثم كحضر الفرس، ثم كالراكب المجد في رحله، ثم كشد الرجل في مشية " [[المستدرك كتاب الأهوال 4/ 586.]] وقد روى نحوه عنه من طريق، وهو في مسند الدارمي أيضاً. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " (وإن منكم إلا واردها) يقول مجتاز فيها ". وأخرج مسلم وغيره عن أم مبشر قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار أحد شهد بدراً والحديبية ". قالت حفصة أليس الله يقول: (وإن منكم إلا واردها) قال " ألم تسمعيه يقول (ثم ننجي الذين اتقوا) ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يموت لمسلم ثلاث من الولد فيلج النار إلا تحلة القسم؛ ثم قرأ سفيان (وإن منكم إلا واردها) " [[مسلم 2632 - البخاري 671.]]. وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه وأبو يعلى والطبراني عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من جهس من وراء المسلمين في سبيل الله متطوعاً لا يأخذه سلطان لم ير النار بعينيه إلا تحلة القسم، فإن الله يقول: (وإن منكم إلا واردها) " والأحاديث في تفسير هذه الآية كثيرة جداً. وأما فائدة دخول المؤمنين النار، إذا لم يكن عذاب فَبوُجُوه. أحدها أن ذلك مما يزيدهم سروراً إذا علموا الخلاص منه؛ وثانيها أنَّ فيه مزيد همّ على أهل النار حيث يرون المؤمنين يتخلصون منها وهم باقون فيها، وثالثها أنهم إذا شاهدوا ذلك العذاب على الكفار صار ذلك سبباً لمزيد التذاذهم بنعيم الجنة، ولا نقول صريحاً إن الأنبياء يدخلون النار أدباً معهم، ولكن نقول إن الخلق جميعاً يردونها كما دلت عليه أحاديث الباب، فالعصاة يدخلونها بجرائمهم، والأولياء والسعداء يدخلونها لشفاعتهم، فبين الداخلين بَوْنٌ. (كان على ربك حتماً مقضياً) أي كان ورودهم المذكور أمراً محتوماً لازماً قد قضى سبحانه أنه لا بد من وقوعه لا محالة بمقتضى حكمته لا بإيجاب غيره عليه قال مجاهد: مقضياً قضاء من الله. وقال عكرمة: قسماً واجباً. قالت الأشاعرة: إن هذا مشبه بالواجب من جهة استحالة تطرق الخلف إليه. وقد استدلت المعتزلة بهذه الآية على أن العقاب واجب على الله، وأن صاحب الكبيرة مخلد، والفاسق مخلد في النار، بدليل أن الله بين أن الكل يردونها، ثم لين صفة من ينجو، وهم المتقون، والفاسق لا يكون متقياً فبقي في النار أبداً. وأجيب عن ذلك بأن المتقي هو الذي يتقي الشرك، فصاحب الكبيرة متق، فوجب أن يخرج من النار بعموم قوله: (ثم ننجي الذين اتقوا) فالآية التي توهموها دليلا لهم هي من أقوى الدلائل على فساد قولهم، وهذا من حيث البحث وأما من حيث النص فقد وردت أحاديث تدل على إخراج المؤمن الموحد من النار وهي معروفة. ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (73) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (74) قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (75) وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا (76) (ثم ننجي) أي نخرج (الذين اتقوا) ما يوجب النار وهو الكفر بالله ومعاصيه وترك ما شرعه؛ وما أوجب العمل به من النار فلا يخلدون بعد أن أدخلوها قرئ ننجي بالتخفيف من أنجى؛ وقرئ بالتشديد وهما سبعيتان (ونذر) أي نترك (الظالمين) الذين ظلموا أنفسهم بفعل ما يوجب النار، أو ظلموا غيرهم بمظلمة في النفس أو المال أو العرض (فيها) أي في النار (جثياً) على الركب جمع جاث، وقد تقدم قريباً. قال ابن عباس جثياً باقين فيها.

مريم 19:73

(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) واضحات لا يلتبس معانيها. وقيل ظاهرات الإعجاز، وقيل إنها حجج وبراهين والأول أولى، وهي حال مؤكدة لأن آيات الله لا تكون إلاَّ واضحة، والضمير في عليهم راجع إلى الكفار الذي سبق ذكرهم في قوله (أئذا ما مت لسوف أخرج حياً)، أي هؤلاء إذا قرئ عليهم القرآن تعذروا بالدنيا وقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس: لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه، وقيل: عليهم أي على المؤمنين والأول أظهر، ووضع الظاهر موضع المضمر في قوله: (قال الذين كفروا) للإشعار بأن كفرهم هو السبب لصدور هذا القول عنهم، وقيل المراد بهم هنا هم المتمردون المصرون منهم، والأغنياء المتجملون بالثياب وغيرها. ومعنى (للذين آمنوا) قالوا لأجلهم، وقيل هي لام التبليغ كما في قوله: (وقال لهم نبيهم) أي خاطبوهم وشافهوهم بذلك، وبلغوا القول إليهم، يعني فقراء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت فيهم قشافة وفي عيشهم خشونة وفي ثيابهم رثاثة وفي منزلهم ضيق، وكان المشركون يرجلون شعورهم ويدهنون رؤوسهم ويلبسون أفخر ثيابهم. (أي الفريقين) المراد بهما المؤمنون والكافرون، كأنهم قالوا فريقنا (خير مقاماً) أم فريقكم؟ وقرئ بضم الميم، وهو موضع الإقامة أو مصدر بمعناها، وبالفتح منزلاً ومسكناً فهو غير النادي إذ هو متحدث القوم، وقيل هو الموضع الذي يقام فيه بالأمور الجليلة، والمعنى أي الفريقين أكبر جاهاً وأكثر أعوانا وأنصاراً. وعن مجاهد في الآية قال: قريش تقوله لها ولأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس: مقاماً المنازل (وأحسن ندياً) قال ابن عباس: ندياً المجالس. والنَّدِيُّ والنادي مجلس القوم ومتحدثهم ومجتمعهم. ومنه قوله تعالى: (وتأتون في ناديكم المنكر) وقوله: (فليدع ناديه) أي أهل ناديه. وناداه جالسه في النادي ومنه دار الندوة لأن المشركين كانوا يتشاورون فيها في أمورهم. وقيل هو مشتق من الندى وهو الكرم لأن الكرماء يجتمعون فيه.

مريم 19:74

(وكم) أي كثيراً (أهلكنا قبلهم من قرن) هي الجماعة والأمة الماضية وهو مفرد لفظاً متعدد معنى (هم أحسن أثاثاً) هو المال أجمع الإبل والغنم والبقر والعبيد والمتاع. وقيل هو متاع البيت خاصة، وقيل هو الجديد من الفرش، وقيل اللباس خاصة (رئياً) بمعنى المرئي، وهو كالذِّبحْ والطًحْن بمعنى المذبوح والمطحون قرئ بالهمزة، وقرئ بالياء المشددة من رأيت أي هم أحسن منظراً، وبه قال جمهور المفسرين: وحسن المنظر يكون من جهة حسن اللباس وحسن الأبدان وتنعمها أو مجموع الأمرين. ومعنى القراءة الأولى معنى الثانية، قال الجوهري: من همز جعله من المنظر من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمز إما أن يكون من تخفيف الهمزة أو يكون من رويت ألوانهم وجلودهم رياً أي امتلأت وحسنت، وقد ذكر الزجاج معنى هذا، وقرئ زياً وهو الهيئة والحسن والصورة، ويجوز أن يكون من زويت أي جمعت والزي محاسن مجموعة.

مريم 19:75

(قل) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب على هؤلاء المفتخرين بحظوظهم الدنيوية والكفار القائلين للمؤمنين أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً بقوله: (من كان) مستقراً (في الضلالة) أي الكفر والجهل والغفلة عن عواقب الأمور، وهذا شرط وجوابه (فليمدد له الرحمن مدّا) في الدنيا يستدرجه، وهذا وإن كان على صيغة الأمر فالمراد به الخبر، وإنما خرج مخرج الأمر لبيان الإمهال منه سبحانه للعصاة، وأن ذلك كائن لا محالة، لينقطع معاذير أهل الضلال، ويقال لهم يوم القيامة (أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر) أو للاستدراج كقوله سبحانه: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) والتعرض لعنوان الرحمانية لما أن المد من أحكام الرحمة الدنيوية، وذكر لفظ الرحمن في هذه السورة في ستة عشر موضعاً، وقيل المراد بالآية الدعاء بالمد والتنفيس. قال الزجاج: تأويله أن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه ويمده فيها لأن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر كأن المتكلم يقول أفعل ذلك وآمر به نفسي، وقال مجاهد: معناه فليدعه الله في طغيانه، وفي حرف أبي من كان في الضلالة فإنه يزيده الله ضلالة وطغياناً واستدراجاً بأن يطيل عمره، ويكثر ماله ويمكنه من التصرف فيه. (حتى) حرف ابتداء وليست جارة ولا عاطفة، قاله الكازروني والشهاب وفي زكريا أنها جارة أي فيستمرون في الطغيان إلى أن يشاهدوا الموعود (إذا رأوا) يعني الذين مد لهم في الضلالة (ما يوعدون) جاء بضمير الجماعة اعتباراً لمعنى (من) كما أن قوله: (من كان في الضلالة فليمدد له) اعتباراً بلفظها، وقيل هذه غاية للمد لا لقول المفتخرين إذ ليس فيه امتداد والغاية في الحقيقة هي قوله: (فسيعلمون) الآن. (إما العذاب وإما الساعة) هذا تفصيل لقوله: (ما يوعدون) أي هذا الذي يوعدون هو أحد الأمرين إما العذاب في الدنيا بالقتل والأسر كما وقع لهم يوم بدر وإما يوم القيامة وما يحل بهم حينئذ من العذاب الأخروي، فإما حرف تفصيل وهي مانعة خلو تجوز الجمع، والعذاب والساعة بدلان من ما. (فسيعلمون) جواب إذا أي هؤلاء القائلون أي الفريقين خير مقاماً إذا عاينوا ما يوعدون به من العذاب الدنيوي بأيدي المؤمنين أو الأخروي (من هو شر مكاناً) من الفريقين (وأضعف جنداً) قابل به أحسن ندياً من حيث إن حسن النادي يكون باجتماع وجوه القوم وأعيانهم وظهور شوكتهم واستظهارهم والمعنى فسيعلمون أهم خير؟ وهم وجندهم الشياطين في النار أم المؤمنون وهم في الجنة وعندهم ملائكة الرحمن؟ (ومن) على هذا استفهامية وهو أحد وجهين، ويجوز أن تكون موصولة بمعنى الذي، وليس المراد أن للمفتخرين هنالك جنداً ضعفاء بل لا جند لهم أصلاً، كما في قوله سبحانه: (ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصراً) ثم لما أخبر سبحانه عن حال أهل الضلالة أراد أن يبين حال أهل الهداية فقال:

مريم 19:76

(ويزيد الله الذين اهتدوا) بالإيمان (هدى) بما ينزل عليهم من الآيات، وذلك أن بعض الهدى يجر إلى البعض الآخر، والخير يدعو إلى الخير، وقيل: المراد بالزيادة العبادة من المؤمنين، والجملة مستأنفة لبيان حال المهتدين، وقيل الواو للعطف على جملة الشرط المحكية بالقول. قال الزجاج: المعنى أن الله يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقيناً كما جعل جزاء الكافرين أن يمدهم في ضلالتهم. (والباقيات الصالحات) أي الطاعات المؤدية إلى السعادة الأبدية التي تبقى لصاحبها (خير عند ربك ثواباً) مما يتمتع به الكفار من النعم الدنيوية التي افتخروا بها (وخير مرداً) هو هنا مصدر كالرد، والمعنى وخير رداً للثواب على فاعلها ليست كأعمال الكفار التي خسروا فيها، والمراد المرجع والعاقبة أي ما يرد إليه ويرجع وهو الجنة وأفعل التفضيل للتهكم بهم على سبيل المشاكلة للقطع بأن أعمال الكفار لا خير فيها أصلاً، ثم أردف سبحانه مقالة هؤلاء المفتخرين بأخرى مثلها على سبيل التعجب فقال: أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (77) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (78) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (79) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (80) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (83) فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (84) يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (85)

مريم 19:77

(أفرأيت الذي كفر بآياتنا) استفهام تعجيب أي أخبرني بقصة هذا الكافر يعني " عاص بن وائل " واذكر حديثه عقب حديث أولئك، وإنما استعملوا: أرأيت بمعنى أخبر لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه، والآيات تعم كل آية، ومن جملتها آية البعث والفاء للعطف على مقدر أي أنظرت فرأيت واللام في (وقال لأوتين) هي الموطئة للقسم كأنه قال: والله لأوتين في الآخرة (مالاً وولداً) وهذا من شدة تعنته بكفره أي انظر إلى حال هذا الكافر، وتعجب من كلامه وَتَأَلِّيه على الله مع كفره به وتكذيبه بآياته. أخرج البخاري ومسلم وغيرهما في الآية من حديث خباب بن الأَرَتّ قال: كنت رجلاً قيناً وكان لي علي العاص بن وائل [[هو أبو سيدنا عمرو فهو جد عبد الله بن عمرو أحد العبادلة إهـ منه.]] دين فأتيته أتقاضاه فقال: لا والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقلت والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث قال: فإني إذا مت ثم بعثت جئتني ولي ثَمَّ مال وولد فأعطيك فأنزل الله فيه هذه الآية. وقرئ وُلْداً بضم الواو وبفتحها قيل هما لغتان معناهما واحد يقال ولد وولد كما يقال: عدم وعدم، وقيل بالضم للجمع وبالفتح للواحد، وقد ذهب الجمهور إلى أن هذا الكافر أراد بقوله: (لأوتين مالاً وولداً) أنه يؤتى ذلك في الدنيا، وقال جماعة في الجنة، قيل والمعنى أن أقمت على دين آبائي لأوتين، وقيل المعنى لو كنت على باطل لما أوتيت مالاً وولداً، ثم أجاب الله سبحانه عن قول هذا الكافر بما يدفعه ويبطله فقال:

مريم 19:78

(أطلع الغيب) بفتح الهمزة الاستفهامية وأطلع متعد بنفسه؛ كقوله: اطلع الجبل، قال المغرب: وليس متعدياً بعلى كما توهمه بعضهم، حتى يكون من الحذف والإيصال لكن في القاموس اطلع عليه فكأنه يتعدى ولا يتعدى، يقال اطلع الجبل إذا ارتقى إلى أعلاه، والمعنى أعلِمَ ما غاب عنه حتى يعلم أنه في الجنة. (أم اتخذ عند الرحمن عهداً) بذلك أي بأن يؤتى ما قاله فإنه لا يتوصل إلى هذا العلم إلا بإحدى هاتين الطريقتين؛ وقيل المعنى أنظر في اللوح المحفوظ؟ أم اتخذ عند الله عهداً؟ وقيل المعنى أم قال لا إله إلا الله فأرحمه بها ويرجو بها؟ قاله ابن عباس، وقيل المعنى أم قدم عملاً صالحاً فهو يرجوه؟. (كلا) حرف ردع وزجر أي ليس الأمر على ما قال هذا الكافر من أنه يؤتى المال والولد ولفظة: (كَلَّا) فيها للنحاة ستة مذاهب: أحدها: وهو مذهب جمهور البصريين كالخليل وسيبويه وأبي الحسن والأخفش وأبي العباس المبرد أنها حرف ردع وزجر وهذا معنى لائق بها حيث وقعت في القرآن وما أحسن ما جاءت في هذه الآية زجرت وردعت ذلك القائل. والثاني: وهو مذهب النضر بن شميل أنها حرف تصديق بمعنى نعم فتكون جواباً ولا بد حينئذ من أن يتقدمها شيء لفظاً أو تقديراً وقد تستعمل في القسم. والثالث: وهو مذهب الكسائي وأبى بكر بن الأنباري ونصر بن يوسف وابن واصل أنها بمعنى حقاً. والرابع: وهو مذهب أبي عبد الله الباهلي أنها رد لما قبلها، وهذا قريب من معنى الردع. الخامس: أنها صلة في الكلام بمعنى أي كذا، قيل وفيه نظر فإن أي حرف جواب، ولكنه مختص بالقسم. السادس: أنها حرف استفتاح، وهو قول أبي حاتم، قال السمين: ولتقرير هذه المذاهب موضع هو أليق بها قد حققتها بحمد الله فيه. انتهى .. وذكرت

مريم 19:79

(كلا) في القرآن في النصف الثاني فقط، وذكرت في خمس عشرة سورة منه كلها مكية، وجملة ما ذكرت ثلاثة وثلاثون مرة، ترجع إلى أقسام ثلاثة، قسم يجوز الوقف عليها، وعلى ما قبلها فيبتدأ بها وهذا باتفاق. وقسم اختلف فيه هل يجوز الوقف عليها أو يتعين على ما قبلها. وقسم لا يجوز الوقف عليها باتفاق. فالقسم الأول: خمسة مواضع اللتان في هذه السورة، واللتان في سورة الشعراء وواحدة في سورة سبأ. والقسم الثاني: تسعة، واحدة في سورة المؤمنين واثنتان في سورة سأل سائل واثنتان في سورة المدثر. الأولى والثالثة والأولى في سورة القيامة؛ والثانية في سورة ويل للمطففين، والأولى في سورة الفجر والتي في سورة ويل لكل. والقسم الثالث: هو التسع عشرة الباقية ذكره عز بن جماعة. (سنكتب) أي سنحفظ عليه (ما يقول) فنجازيه به في الآخرة أو سنظهر له ما يقول ونعلمه أو سننتقم منه انتقام من كتبت معصيته (ونمد له من العذاب مداً) أي نزيده عذاباً فوق عذابه مكان ما يدعيه لنفسه من الإمداد بالمال والولد، أو نطول له من العذاب ما يستحقه، وهو عذاب من جمع بين الكفر والاستهزاء

مريم 19:80

(ونرثه ما يقول) أي نميته فنرثه المال والولد الذي يقول إنه يؤتاه والمعنى مسمى ما يقول ومصداقه، قاله أبو السعود، وقيل المعنى نحرمه ما تمناه في الآخرة ونعطيه غيره من المسلمين قاله القرطبي. (ويأتينا) يوم القيامة (فرداً) لا مال له ولا ولد ولا عشيرة، بل نسلبه ذلك فكيف يطمع في أن نعطيه، وقيل المراد بما يقول نفس القول لا مسماه والمعنى إنما يقول هذا القول ما دام حياً، فإذا أَمَتْنَاه حُلْنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا رافضاً له، منفرداً عنه، والأول أولى.

مريم 19:81

(واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً) حكى سبحانه ما كان عليه هؤلاء الكفار الذين تمنوا ما لا يستحقون وَتَأَلَّوْا على الله سبحانه من اتخاذهم الآلهة من دون الله لأجل أن يتعززوا بذلك. وقال أبو السعود: حكاية لجناية عامة للكل مستتبعة لضد ما يرجون ترتبه عليها إثر حكاية مقالة الكافر المعهود واستتباعها لنقيض مضمونها. وقال الهروي: معناه ليكونوا لهم أعواناً. وقال الفراء؛ ليكونوا لهم شفعاء عند الله في الآخرة، وقيل معناه ليتعززوا بهم من عذاب الله ويمتنعوا بها.

مريم 19:82

(كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضداً) أي ليس الأمر كما ظنوا وتوهموا؛ والضمير في الفعل إما للآلهة، أي ستجحد هذه الأصنام عبادة الكفار لها يوم ينطقها الله سبحانه لأنها عند أن عبدوها جمادات لا تعقل ذلك، وإما للمشركين، أي سيجحد المشركون أنهم عبدوا الأصنام. ويدل على الوجه الأول قوله تعالى: (ما كانوا إيانا يعبدون) وقوله: (فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) ويدل على الوجه الثاني قوله تعالى: (والله ربنا ما كنا مشركين). قرئ كُلاًّ بضم الكاف والتنوين، وهي بمعنى جميعاً، وبالفتح مصدر أي كل هذا الرأي كلا والأصوب أنها حرف ردع وزجر والمعنى تكون هذه الآلهة التي ظنوها عزاً لهم ضداً عليهم، أي ضداً للعز، وضد العز الذل، هذا على الوجه الأول. وأما على الوجه الثاني فيكون المشركون للآلهة ضداً وأعداء يكفرون بها بعد أن كانوا يعبدونها ويحبونها ويؤمنون بها. قال ابن عباس: عليهم ضداً أعواناً وحسرة، وإنما وحد الضد وإن كان خبراً عن جمع لأحد وجهين إما لأنه مصدر في الأصل، والمصادر موحدة مذكرة، وإما لأنه مفرد في معنى الجمع.

مريم 19:83

(ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين) ذكر الزجاج في معنى هذا وجهين: أحدهما أن معناه خلينا بين الكافرين وبين الشياطين فلم نعصمهم منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان) الوجه الثاني: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال: (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطاناً) فمعنى الإرسال هنا التسليط، ومن ذلك قوله سبحانه لإبليس: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك). ويؤيد الوجه الثاني تمام الآية وهو قوله: (تؤزهم أزاً) فإن الأز والأزيز والهز والهزيز والاستفزاز أخوات معناها التحريك والتهييج وشدة الإزعاج فأخبر الله سبحانه أن الشياطين تحرك الكافرين وتهيجهم وتغريهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات وتحبيب الشهوات، وذلك هو التسليط لها عليهم. وقيل معنى الأز الاستعجال وهو مقارب لما ذكرنا لأن الاستعجال تحريك وتهييج واستفزاز وإزعاج، وسياق هذه الآية لتعجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من حالهم وللتنبيه على أن جميع ذلك بإضلال الشياطين وإغوائهم، والجملة حالية من الشياطين، أو من الكافرين أو منهما أو مستأنفة، كأنه قيل ماذا تفعل الشياطين بهم؟. قال ابن عباس: تؤزهم أزاً تغويهم إغواء، وتحرض المشركين على محمد وأصحابه وقال: تزعجهم إزعاجاً إلى معاصي الله، وفي الآية دليل على أن الله مدبر لجميع الكائنات

مريم 19:84

(فلا تعجل عليهم) بأن تطلب من الله إهلاكهم بسبب تصميمهم على الكفر وعنادهم للحق وتمردهم عن داعي الله سبحانه حتى تستريح أنت والمؤمنون من شرورهم وتطهر الأرض من فسادهم. ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: (إنما نعد لهم عداً) يعني نعد الأيام والليالي والشهور والسنين من أعمارهم إلى انتهاء آجالهم فلا نهمل ما بقع منهم بل نضبطه عليهم حتى نؤاخذهم به، وقيل نعد أنفاسهم وقيل خطواتهم وقيل لحظاتهم وقيل الساعات. وقال قطرب: نعد أعمالهم، وقيل المعنى لا تعجل عليهم إنما نؤخرهم ليزدادوا إثماً. قال الشهاب: أن العد كناية عن القلة، ولا ينافي هذا ما مر من أنه يمد لمن كان في الضلالة لأنه بالنسبة لظاهر الحال عندهم وهو قليل باعتبار عاقبته وعند العد. ثم لما قرر سبحانه أمر الحشر وأجاب عن شبهة منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين حينئذ فقال:

مريم 19:85

(يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً) أي اذكر يا محمد صلى الله عليه وسلم يوم إلخ. ومعنى الحشر إلى الرحمن حشرهم إلى جنته ودار كرامته، كقوله: إني ذاهب إلى ربي، والوفد جمع وافد كالركب جمع راكب والصحب جمع صاحب يقال وفد يفد وفداً إذا خرج إلى ملك أو أمر خطير. كذا قال الجوهري. وعن ابن عباس قال: وفداً ركباناً. وعن أبي هريرة قال: على الإبل. وعن علي قال: على نوق. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاث طرائق، راغبين وراهبين، اثنان على بعير وثلاثة على بعير وأربعة على بعير وعشرة على بعير وتحشر بقيتهم النار تقيل معهم حيث قالوا وتبيت معهم حيث باتوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا " والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً [[مسلم 2861 - البخاري 2450.]]. وقيل يركبون من أول خروجهم من القبور. وهو ظاهر الآية. وقيل من منصرفهم من الموقف، وعلى كلا القولين فيستمرون راكبين، حتى يقرعون باب الجنة. وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (86) لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (87) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (89) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (90) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (91) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (92)

مريم 19:86

(ونسوق المجرمين) أي الكافرين بكفرهم كما تساق البهائم (إلى جهنم ورداً) مشاة عطاشاً، والسوق الحث على السير، والورد العطاش، قاله الأخفش وغيره وبه قال ابن عباس وأبو هريرة. وقال الفراء وابن الأعرابي: هم المشاة. وقال الأزهري: هم المشاة العطاش كالإبل ترد الماء. وقيل ورداً أي للورد، كقولك جئتك إكراماً أي للإكرام. وقيل أفراداً. قيل ولا تناقض بين هذه الأقوال فهم يساقون مشاة عطاشاً أفراداً. وأصل الورد الجماعة التي ترد الماء من طير أو إبل أو قوم أو غير ذلك، والورد الماء الذي يورد، وقيل يساقون إلى النار بإهانة واستخفاف كأنهم نَعَمٌ عطاش تساق إلى الماء.

مريم 19:87

(لا يملكون الشفاعة) جملة مستأنفة لبيان بعض ما يكون في ذلك اليوم من الأمور؛ والضمير راجع إلى الفريقين. وقيل للمتقين خاصة وقيل للمجرمين خاصة والأول أولى، والمعنى أنهم لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم. وقيل لا يملك غيرهم أن يشفع لهم. والأول أولى. (إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً) هذا الاستثناء متصل على الوجه الأول، أي لا يملك الفريقان المذكوران الشفاعة إلا من تحلى واستأهل واستعد لذلك بما يصير به من جملة الشافعين لغيرهم، بأن يكون مؤمناً متقياً، فهذا معنى اتخاذ العهد عند الله. وقيل معناه أن الله أمره بذلك، كقولهم: عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به وقال ابن عباس: شهادة أن لا إله إلا الله ويبرأ من الحول والقوة ولا يرجو إلا الله. وعنه قال: " من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة " وقيل غير ذلك. وأما على الوجه الثاني فالاستثناء منقطع لأن التقدير لا يملك المجرمون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً، وهم المسلمون والأول أوجه، وبه جزم البيضاوي كالكشاف. وقيل متصل على هذا الوجه أيضاً، والتقدير لا يملك المجرمون الشفاعة إلا من كان منهم مسلماً، ودلت الآية على حصول الشفاعة لأهل الكبائر. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أدخل على مؤمن سروراً فقد سرني، ومن سرني فقد اتخذ عند الرحمن عهداً فلا تمسه النار، إن الله لا يخلف الميعاد ". وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال، قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) " من جاء بالصلوات الخمس يوم القيامة قد حافظ على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها لم ينقص منها شيئاً، جاء وله عند الله عهد أن لا يعذبه، ومن جاء قد انتقص منها شيئاً فليس له عند الله عهد إن شاء رحمه وإن شاء عذبه ".

مريم 19:88

(وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) قرئ بفتح الواو وضمها كما تقدم، والجملة مستأنفة لبيان قول اليهود والنصارى. ومن يزعم من العرب أن الملائكة بنات الله

مريم 19:89

(لقد جئتم شيئاً إدًّا) فيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وفيه رد لهذه المقالة الشنعاء، والإد كما قال الجوهري: الداهية والأمر الفظيع، وكذلك الإدة، وجمع الإِدةَّ إدَد؛ يقال أدت فلاناً الداهية تَؤُدُّه بالضم وتئده بالكسرِ وَتأده بالفتح إذا دهته وقرئ بالفتح، وقرأ الجمهور بالكسر، وقرئ آداً مثل ماداً، وهي مأخوذة من الثقل، يقال آده الحمل يؤوده إذا أثقله. قال الواحدي: إدّاً أي عظيماً في قول الجميع، وبه قال ابن عباس. والمعنى قلتم قولاً منكراً عظيماً، وقيل الِأدُّ العجب والِأدَّة الشدة والمعنى متقارب. والتركيب يدور على الشدة والثقل.

مريم 19:90

(تكاد السماوات يتفطرن منه) قرئ بالتحتية وبالفوقية، وقرئ يتفطرون من الانفطار، واختاره أبو عبيد لقوله: (إذا السماء انفطرت) وقوله: (السماء منفطر به) وقرأ ابن مسعود يتصدعن؛ والانفطار والتفطر التشقق. (وتنشق الأرض) كرر الفعل للتأكيد لأن يتفطرن وتنشق معناهما واحد أي تخسف بهم. (وتخر) أي تسقط وتنهدم (الجبال هداً) قال ابن عباس: هداً هدماً. لأن الشرك فزعت منه السماوات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين، وكادت تزول منه لعظمة الله سبحانه، وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين. وانتصاب (هداً) على أنه مصدر مؤكد لأن الخُرُور في معناه، أو هو مصدر لفعل مقدر، أي وَتنهدّ هداً أو على الحال أي مهدودة أو على أنه مفعول له أي لأنها تنهد. قال الهروي: هدني الأمر وهد ركني أي كسرني وبلغ مني، قال الجوهري: هد البناء يهده هداً كسره وضعضعه؛ وَهَدَّته المصيبة أوهنت ركنه، وانْهَدَّ الجبل أي انكسر، والْهَدُ صوت وَقْعِ الحائط كما قال ابن الأعرابي.

مريم 19:91

(أن) أي لأن (دعوا) أو من أجل أن جعلوا (للرحمن ولداً) وقال الكسائي: هو بتقدير الخافض، وقيل في محل رفع على أنه فاعل هداً، أي هدها دعاء الولد، والدعاء بمعنى التسمية، أي سموا للرحمن ولداً، أو بمعنى النسبة، أي نسبوا له ولداً

مريم 19:92

(و) الحال أنه (ما ينبغي) أو لا يصلح (للرحمن) ولا يليق به (أن يتخذ ولداً) لاستحالة ذلك عليه لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (95) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (96) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (97) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (98)

مريم 19:93

(إن كل من في السماوات والأرض) أي ما كل من فيهما (إلا) وهو (آتي الرحمن) وَجَّد آتي وآتيه الأتي حملاً على لفظ (كل) وهو اسم فاعل مَن أتى وهو مستقبل، أي يأتيه يوم القيامة (عبداً) مقراً بالعبودية خاضعاً ذليلاً منهم عزير وعيسى، كما قال (وكل أتوه داخرين) أي صاغرين، والمعنى أن الخلق كلهم عبيده، فكيف يكون واحد منهم ولداً له؟ وقرئ آت على الأصل

مريم 19:94

(لقد أحصاهم) أي حصرهم بعلمه، وَعَلِمَ عَدَدَهم وأحاط بهم (وعدهم عداً) أي عد أشخاصهم وأنفاسهم وأفعالهم وأيامهم وآثارهم بعد أن حضرهم، فلا يخفى عليه أحد منهم ولا شيء من أمورهم.

مريم 19:95

(وكلهم) أي كل واحد منهم تحت قهره وقدرته وتدبيره (آتيه يوم القيامة فرداً) أي وحيداً ولا ناصراً له ولا مال معه، كما قال سبحانه (يوم لا ينفع مال ولا بنون). ثم ذكر الله سبحانه من أحوال المؤمنين بعض ما خصهم به بعد ذكره لقبائح الكافرين فقال:

مريم 19:96

(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) الجمهور من السبعة وغيرهم على ضم الواو، وقرئ بكسرها وفتحها، أي حباً في قلوب عباده يجعله لهم من دون أن يطلبوه بالأسباب التي توجب ذلك، كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب، وهذا الجعل في الدنيا، والسين للدلالة على أن ذلك لم يكن من قبل وأنه مجعول من بعد نزول الآية، لأن المؤمنين كانوا بمكة حال نزول هذه الآية وكانوا ممقوتين حينئذ بين الكفرة فوعدهم الله تعالى بذلك إذا ظهر الإسلام فألف الله تعالى بين قلوب المؤمنين، ووضع فيها المحبة، أو في القيامة حين تعرض حسناتهم على رؤوس الأشهاد فينزع ما في صدورهم من الغل. وعن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب، والمعنى محبة في قلوب المؤمنين. وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: " قل اللهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي عندك وداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودة " فأنزل الله الآية في عليّ. أخرجه ابن مردويه والديلمي. وعن ابن عباس قال: محبة في الناس في الدنيا، وعن علي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن هذه الآية ما هو؟ قال: " المحبة الصادقة في صدور المؤمنين ". وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أحب الله عبداً نادى جبريل أني قد أحببت فلاناً فأحبه، فينادى في السماء، ثم ينزل المحبة في أهل الأرض، فذلك قوله: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً) وإذا أبغض الله عبداً نادى جبريل أني قد أبغضت فلاناً، فينادي في أهل السماء ثم ينزل البغضاء في الأرض " والأحاديث والآثار في هذا الباب كثيرة [[مسلم 2637 - البخاري 1515.]]. ثم ذكر سبحانه تعظيم القرآن، خصوصاً هذه السورة لاشتمالها على التوحيد والنبوة وبيان حال المعاندين فقال:

مريم 19:97

(فإنما يسرناه) أي القرآن بإنزالنا له (بلسانك) أي على لغتك العربية؛ وفصلناه وسهلناه والباء بمعنى على والفاء لتعليل كلام يساق فإليه النظم الكريم كأنه قيل بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر به فإنما يسرناه، الآية، ثم علل ما ذكره من التيسير فقال: (لتبشر به المتقين) أي المتلبسين بالتقوى المتصفين بها (وتنذر به قوماً لدّاً) ولو أنزلناه بغيرها لم يتيسر التبشير ولا الإنذار لعدم فهم المخاطبين لغير العربية، واللُّدّ جمع الألد وهو الشديد الخصومة، ومنه قوله تعالى (ألد الخصام) وقال أبو عبيدة: الألد الذي لا يقبل الحق، ويدعي الباطل، وقيل اللُّدُّ الصُّمُّ وقيل الظَّلَمَة، وقال ابن عباس: لُدَّاً فجاراً، وعن الحسن قال: صماً يعني عن الحق.

مريم 19:98

(وكم أهلكنا قبلهم من قرن) أي أمة وجماعة من الناس؛ وفي هذا وعد لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) بهلاك الكافرين ووعيد لهم وتخويف وإنذار. (هل تحس منهم من أحد) هذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها أي هل تشعر بأحد من القرون أو تراه أو تجد أو تعلم، والإحساس الإدراك بالحاسة والحواس خمس والحس والحسيس الصوت الخفي (أو تسمع لهم ركزاً) الركز: الخفاء والصوت الخفي ومنه ركز الرمح، إذا غيب طرفه في الأرض وقال اليزيدي وأبو عبيدة: الركز ما لا يفهم من صوت أو حركة، وقال سعيد ابن جبير: هل ترى منهم من أحد ركزاً صوتاً، وبه قال ابن عباس. والمعنى لما أتاهم عذابنا لم يبق شخص يُرى ولا صوت يسمع، يعني هلكوا كلهم، قال الحسن: بادواء جميعاً فلم يبق منهم عين ولا أثر، يعني هكذا هؤلاء إن أعرضوا عن تدبر ما أنزل عليك فعاقبتهم الهلاك، فَلْيَهُنْ عليك أمرهم، والله أعلم بالصواب.

طه 20:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة طه (آياتها مائة وخمس وثلاثون آية أو أربعون واثنتان) قال القرطبي: مكية في قول الجميع، وبه قال ابن عباس وابن الزبير. وقال السيوطي في الاتقان: استثني منها (فاصبر على ما يقولون). وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " كل القرآن يوضع عن أهل الجنة فلا يقرأون منه شيئا إلا سورة طه ويس فإنهم يقرأون بهما في الجنة " وعن أنس بن مالك فذكر قصة عمر بن الخطاب مع أخته وخباب. وقراءتهما طه وكان ذلك سبب إسلام عمر والقصة مشهورة في كتب السير. بسم الله الرحمن الرحيم طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8) وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) (طه) قد اختلف أهل العلم في معنى هذه الكلمة على أقوال: الأول: أنها من المتشابه الذي لا يفهم المراد به. والثاني: أنها بمعنى يا رجل في لغة عكل، وفي لغة عك [[عك قبيلة من قبائل العرب، إهـ خازن.]]، قال الكلبي: لو قلت لرجل من عك يا رجل لم يجب حتى تقول طه، وقيل إنها في لغة عك بمعنى يا حبيبي. وقال قطرب: هي كذلك في لغة طيء، أي بمعنى يا رجل، وكذا قال الحسن وعكرمة، وقيل هي كذلك في اللغة السريانية حكاه المهدوي، وحكى ابن جرير أنها كذلك في اللغة النبطية، وبه قال السدي وسعيد بن جبير، وحكى عن عكرمة أنها كذلك في لغة الحبشة ولا مانع من أن تكون هذه الكلمة موضوعة لذلك المعنى في تلك اللغات كلها إذا صح النقل. الثالث: أنها اسم من أسماء الله سبحانه. الرابع: أنها اسم للنبي صلى الله عليه وسلم. الخامس: أنها اسم للسورة. السادس: أنها حروف مقطعة كل واحد منها على معنى، ثم اختلفوا في هذه المعاني التي تدل عليها هذه الحروف، على أقوال كلها متكلفة متعسفة. السابع: أن معناها طوبى لمن اهتدى. الثامن: أن معناها طأ الأرض يا محمد قال ابن الأنباري: وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحمل مشقة الصلاة حتى كادت قدماه تتورم ويحتاج إلى التروح، فقيل له: طأ الأرض أي لا تتعب حتى تحتاج إلى التروض. وحكى القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى فأنزل الله طه يعني طأ الأرض يا محمد، وعن الحسن البصري أنه قرأ: طه، على وزن دع أمر بالوطء والأصل طأ فقلبت الهمزة هاء. التاسع: أنه قسم أقسم الله بطوله وهدايته، وعن أكثر المفسرين أن معناها يا رجل يريد النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول الحسن وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة ومجاهد وابن عباس غير أن بعضهم يقول: إنها بلسان الحبشة والنبطية والسريانية ويقول الكلبي. هي بلغة عك كما مر. قال ابن الأنباري: ولغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى لأن الله سبحانه لم يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم بلسان غير قريش انتهى وإذا تقرر أنها لهذا المعنى في لغة من لغات العرب كانت ظاهرة المعنى، واضحة الدلالة؛ خارجة عن فواتح السور، التي قدمنا بيان كونها من المتشابه في فاتحة سورة البقرة وهكذا إذا كانت لهذا المعنى في لغة من لغات العجم، واستعملتها العرب في كلامها في ذلك المعنى كسائر الكلمات العجمية التي استعملتها العرب الموجودة في الكتاب العزيز، فإنها صارت بذلك الاستعمال من لغة العرب، قال النسفي: وما روي أن معناه يا رجل فإن صح فظاهر وإلا فالحق ما هو المذكور في سورة البقرة، انتهى ولذا قال المحلى والله أعلم بمراده بذلك.

طه 20:2

(ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى) مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يعتريه من جهة المشركين من التعب، والشقاء يجيء في معنى التعب وشائع فيه. قال ابن كيسان: وأصل الشقاء في اللغة التعب والعناء، ولعله عدل إليه للإشعار بأنه أنزل عليه ليسعد والمعنى ما أنزلنا عليك يا محمد القرآن لتتعب بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم وتحسرك على أن يؤمنوا إذ ما عليك إلا أن تبلغ، فهو كقوله سبحانه: (فلعلك باخع نفسك). قال النحاس: بعض النحاة يقول هذه اللام في لتشقى لام النفي وبعضهم يقول لام الجحود، وقال ابن كيسان: هي لام الخفض وهذا التفسير للآية على قول من قال إن طه كسائر فواتح السور التي ذكرت تعديداً لأسماء الحروف، وإن جعلت اسماً للسورة كان قوله ما أنزلنا الخ خبراً عنها. وأما على أن معناها يا رجل أو بمعنى الأمر بوطء الأرض فتكون الجملة مستأنفة أيضاً مسوقة لصرفه (- صلى الله عليه وسلم -) عما كان عليه من المبالغة في العبادة. وعن ابن عباس قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما أنزل عليه الوحي كان يقوم على صدر قدميه إذا صلى فأنزل الله طه، الآية، وعنه قال: قالوا: لقد شقي هذا الرجل بربه فأنزل الله هذه الآية، وعنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يربط نفسه بحبل لئلا ينام فأنزل الله هذه الآية، وعن علي كان يراوح بين قدميه يقوم على كل رجل حتى نزلت هذه الآية وحسن السيوطي إسناده. وانتصاب

طه 20:3

(إلا تذكرة) على أنه مفعول له لأنزلنا، كقولك: ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقاً عليك، وقال الزجاج: هو بدل لتشقى، أي ما أنزلناه إلا تذكرة، وأنكره أبو علي الفارسي من جهة أن التذكرة ليست الشقاء، قال: وإنما هو منصوب على المصدرية أي أنزلناه لتذكر به تذكرة أو على المفعول من أجله أي ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى به ما أنزلناه إلا للتذكرة، وقيل الاستثناء منقطع لأن التذكرة ليست من جنس الشقاء المنفي أي لكن أنزلناه عظة. (لمن يخشى) أي لمن خاف الله أو لمن يؤول أمره إلى الخشية أو لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالإنزال. أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف منه فإنه المنتفع، وكأنه يشير إلى أن اللام في لمن للعاقبة

طه 20:4

(تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى) أي أنزلناه تنزيلاً، أو بدل من تذكرة، أو منصوب على المدح أو يخشى تنزيلاً من الله أو على الحال وبالرفع على معنى هذا تنزيل وتخصيص خلق الأرض والمسموات لكونهما أعظم ما يشاهده العباد من مخلوقاته عز وجل، والعلى جمع العليا أي المرتفعة كجمع كبرى وصغرى على كُبَر وصُغَر، وفي الآية إخبار لعباده عن كمال عظمته سبحانه وعظيم جلاله.

طه 20:5

(الرحمن على العرش) هو في اللغة السرير، وقيل هو ما علا فأظل وسمي مجلس السلطان عرشاً اعتباراً بعلوه (استوى) استواء يليق به، قال ثعلب: الاستواء الإقبال على الشيء. وكذا قال الزجاج والفراء، وقيل هو كناية عن الملك والعز والسلطان، وأما استوى بمعنى استقر، فقد رواه البيهقي في كتاب الأسماء والصفات بروايات كثيرة عن جماعة من السلف وضعفها كلها. وعن مالك: الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة؛ قال البغوي: أهل السنة يقولون الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب على الرجل الإيمان به ويكل العلم به إلى الله عز وجل، وعن الثوري والأوزاعي والليث وابن عيينة وابن المبارك وغيرهم في أمثال هذه الآيات التي جاءت في الصفات أقروها كما جاءت بلا كيف وفيه مذهبان. الأول: القطع بكونه تعالى متعالياً عن المكان والجهة وعدم الخوض في تأويلها وبه قال الخازن واختاره. الثاني: الخوض فيه على التفصيل، وفيه قولان: الأول: العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملك، فإذا استقام له ملكه، واطرد أمره ونفذ حكمه قالوا استوى على عرشه واستوى على سرير ملكه قاله القفال، قال الخازن: والذي قاله حق وصواب والمراد منه نفاذ القدرة وجريان المشيئة، ويدل على صحة هذا قوله في سورة يونس. (ثم استوى على العرش يدبر الأمر) فقوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ثم استوى على العرش. الثاني: أن يكون استوى بمعنى استولى، وهذا مذهب المعتزلة وجماعة من المتكلمين، واحتجوا عليه بقول الشاعر. قد استوى بشر على عراق ... من غير سيف ودم مهراق ورد هذا بأن العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى، وإنما يقال استوى فلان على كذا إذا لم يكن في ملكه، ثم ملكه واستولى عليه، والله تعالى لم يزل مالكاً للأشياء كلها ومستولياً عليها، فأي تخصيص للعرش هنا دون غيره من المخلوقات؛ وقال أبو الحسن الأشعري: المعنى أن الله مستو على عرشه وأنه فوق الأشياء بائن منها ولا تحله ولا يحلها ولا يماسها ولا يشبهها. وعن ابن الأعرابي: جاءه رجل فقال: ما معنى هذه الآية؟ قال: إنه مستو على عرشه كما أخبر فقال الرجل إنما معنى قوله: استوى استولى فقال له ابن الأعرابي: ما يدريك العرب لا تقول استوى فلان على الشيء، حتى يكون له فيه مضاد فأيهما غلب؟ قيل لمن غلب قد استولى عليه والله تعالى لا مضاد له فهو على عرشه كما أخبر، لا كما يظنه البشر، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في سورة الأعراف وفيه رسائل مستقلة وكتب مفردة للحفاظ والمحدثين ونزاع قديم بين المتقدمين والمتأخرين. والحق ما ذهب إليه سلف الأمة وأئمتها من إمرار الصفات على ظاهرها من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تحريف ولا تشبيه ولا تأويل، والذي ذهب إليه أبو الحسن الأشعري أنه سبحانه مستو على عرشه بغير حدّ ولا كيف وإلى هذا القول سبقه الجماهير من السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم والمجتهدين الأربعة وأهل الحديث والأثر، الذين يمرون الصفات كما وردت من دون تحريف ولا تعطيل ولا تأويل والبحث في تحقيق هذا يطول جداً وليس هذا موضع بسط ذلك رداً وتعقباً وقد أوضحنا ذلك إيضاحاً شافياً في رسائلنا (الانتقال الرجيح) و (هداية السائل) و (بغية الرائد) [[يسر الله لنا طبعها.]] وغيرها فليرجع إليها قاله الشوكاني.

طه 20:6

(له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما) من الموجودات؛ وقيلِ يعني الهواء (وما تحت الثرى) هو في اللغة التراب الندي فإن لم يكن ندياً فهو تراب ولا يقال له حينئذ ثرى، أي ما تحت التراب النديّ من شيء، والمراد الأرضون السبع لأنها تحته. قال الواحدي: والمفسرون يقولون: إنه سبحانه أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله سبحانه. قال قتادة: الثرى كل شيء مبتل. وأخرج أبو يعلى عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل ما تحت هذه الأرض؟ قال: " الماء "، قيل فما تحت الماء؟ قال: " ظلمة "، قيل فما تحت الظلمة؟ قال: " الهواء " قيل فما تحت الهواء، قال: " الثرى "، قيل فما تحت الثرى، قال: " انقطع علم المخلوقين عند علم الخالق ". وأخرج ابن مردويه عنه نحوه بأطول منه.

طه 20:7

(وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى) الجهر بالقول هو رفع الصوت به، والسر ما حدَّث به الإنسان غيره وأسره إليه، والأخفى من السر هو ما حدّث به الإنسان نفسه وأخطره بباله، والمعنى أن تجهر بذكر الله ودعائه فاعلم أنه غني عن ذلك فإنه يعلم السر وما هو أخفى من السر فلا حاجة لك إلى الجهر بالقول، وفي هذا معنى النهي عن الجهر كقوله سبحانه: (واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة) وقيل السر ما أسر الإنسان في نفسه، والأخفى منه هو ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله وهو لا يعلمه. وبه قال ابن عباس، وزاد فإنه يعلم ذلك كله فيما مضى من ذلك وما بقى علم واحد؛ وجميع الخلائق عنده في ذلك كنفس واحدة، وهو كقوله (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة). وقيل السر ما أضمره الإنسان في نفسه والأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد، وقيل السر سر الخلائق، والأخفى منه سر الله عز وجل، وأنكر ذلك ابن جرير وقال: إن الأخفى ما ليس في سر الإنسان وسيكون في نفسه. وعن ابن عباس أيضاً قال: السر ما علمته أنت، وأخفى ما قذف الله في قلبك مما لم تعلمه، وفي لفظ: يعلم ما تسر في نفسك ويعلم ما تعمل غداً. وفي الآية تنبيه على أن الذكر والدعاء والجهر فيهما ليس لإعلام الله تعالى وإسماعه، بل لغرض آخر كتصوير النفس بالذكر ورسوخها فيه ودفع الشواغل والوساس، ومنعها عن الاشتغال بغيره، وهضمها بالتضرع والجؤار ثم ذكر أن الموصوف بالعبادة على الوجه المذكور هو الله سبحانه المتنزه عن الشريك المستحق لتسميته بالأسماء الحسنى فقال:

طه 20:8

(الله) أي الموصوف بهذه الصفات الكمالية الله، وجملة (لا إله إلا هو) مستأنفة لبيان اختصاص الإلهية به سبحانه أي لا إله في الوجود إلا هو وهكذا جملة (له الأسماء الحسنى) مبينة لاستحقاقه تعالى لها وهي التسعة والتسعون، التي بها ورد الحديث الصحيح، وقد تقدم بيانها في سورة الأعراف؛ والحسنى تأنيث الأحسن فهي اسم تفضيل يوصف به الواحد من المؤنث والجمع من المذكر ثم قرر سبحانه أمر التوحيد الذي إليه انتهى مساق الحديث، بذكر قصة موسى المشتملة على القدرة الباهرة والخبر الغريب فقال:

طه 20:9

(وهل أتاك حديث موسى) الاستفهام للتقرير؛ ومعناه أليس قد أتاك؟ وقيل معناه قد أتاك، وقال الكلبي: لم يكن قد أتاه حديث موسى إذ ذاك، وفي سياق هذه القصة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لما يلاقيه من مشاق أحكام النبوة وتحمل أثقالها ومقاساة خطوبها وأن ذلك شأن الأنبياء قبله، وأنه أمر مستمر فيما بينهم كابراً عن كابر، والمراد بالحديث القصة الواقعة لموسى.

طه 20:10

(إذ رأى ناراً) أي اذكر وقت رؤيته ناراً، وقيل أي حين رأى ناراً كان كيت كيت، وكانت رؤيته للنار في ليلة مظلمة مثلجة شاتية شديدة البرد لما خرج مسافراً إلى أمه بعد استئذانه لشعيب وكانت ليلة الجمعة. (فقال لأهله امكثوا) المراد بالأهل هنا امرأته، وهي بنت شعيب واسمها صفورا، وقيل صفوريا، وقيل صفورة واسم أختها ليا، وقيل شرقا وقيل عبدا واختلف في التي تزوجها هل هي الصغرى أو الكبرى، والجمع لظاهر لفظ الأهل، أو للتفخيم، وقيل المراد بهم المرأة والولد والخادم، والمعنى أقيموا مكانكم، وذلك في مسيرة من مدين طالباً مصر، ولما قضى الأجل الذي جعله عليه شعيب وبينها وبين مصر ثمان مراحل، وعبر بالمكث دون الإقامة لأنها تقتضي الدوام والمكث ليس كذلك. (إني آنست ناراً) أي أبصرت يقال آنست الصوت سمعته وآنست الرجل أبصرته، وقيل الإيناس الإبصار البَيِّن، ومنه إنسان العين لأنه يبصر به الأشياء وقيل هو الوجدان وقيل الإحساس فهو أعم من الإبصار وقيل الإيناس مختص بإبصار ما يؤنس، والجملة تعليل للأمر بالمكث ولما كان الإتيان بالقبس ووجود الهدى متوقعين بني الأمر على الرجاء فقال: (لعلّي) لعدم الجزم بوفاء الوعد (آتيكم) أجيئكم (منها) أي من النار (بقبس) هو الجذوة والشعلة من النار في رأس عود أو قصبة أو فتيلة ونحوها وهو فَعَل بمعنى مفعول كالقَبَض والنَقَض بمعنى المقبوض والمنقوض وكذا المقياس يقال قبست منه ناراً أقبس قبساً فأَقْبَسَني أي أعطاني وكذا اقْتَبَسْتُ، قال اليزيدي: أَقْبَسْتُ الرجلَ علما وَقَبَسْتُهُ ناراً ففرقوا بينهما هذا قول المبرد، فإن كنت طلبتها له قلت: أقبسته، وقال الكسائي: أقبسته ناراً وعلماً سواء قال: وقبسته أيضاً فيهما. (أو) لمنع الخلو وهو الظاهر دون الجمع (أجد على النار) وحرف الاستعلاء للدلالة على أن أهل النار مستعلون على أقرب مكان إليها كما قال سيبويه (هدى) أي هادياً يهديني إلى الطريق، ويدلني عليها، قاله ابن عباس وكان أخطأها لظلمة الليل، قال الفراء: أراد هادياً، فذكره بلفظ المصدر، أو عبر بالمصدر لقصد المبالغة على حذف المضاف أي ذا هدى ولعله لم يقل قوماً يهدونني كما في الكشاف إذ لا دليل على فوق الواحد. فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)

طه 20:11

(فلما أتاها) أي النار التي أنسها (نودي) من الشجرة كما هو مصرح بذلك في سورة القصص أي من جهتها وناحيتها، قيل كانت الشجرة سمرة خضراء وقيل كانت من عوسج وقيل كانت العليق وقيل شجرة من العقاب والله أعلم بما كان. وقيل لم يكن الذي رآه ناراً، بل كان نوراً وذكر بلفظ النار، لأن موسى حسبه ناراً، وقيل هي النار بعينها، وهي إحدى حجب الرب سبحانه، ويدل له ما روي عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حجابه النار، لو كشفها لأهلكت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه " [[مسلم 179.]] أخرجه مسلم. (يا موسى) أي نودي من الشجرة، فقيل يا موسى وهذا أول الكلمات بينه وبين الله تعالى، وسيأتي آخرها وهو قوله: (أن العذاب على من كذب وتولى)؛ وهذا بالنسبة لهذه الواقعة، وهذه الحالة وإلا فله مكالمات أخر قاله سليمان الجمل ولما نودي موسى، قال: من المتكلم فقال الله تعالى:

طه 20:12

(إني أنا ربك) فعرف أنه كلام الله تعالى وليس هذا النداء والخطاب هو الذي وقع فيه الصعقة ودك الجبل كما تقدم ذكره في سورة الأعراف، بل هذا غيره؛ إذ هذا أول بدء رسالته، وذاك إنما كان بعد غرق فرعون حين أعطاه الله التوراة. (فاخلع نعليك) أمره الله سبحانه بخلع نعليه تعظيماً، لأن الحفوة أبلغ في التواضع وأقرب إلى التشريف والتكريم وحسن التأدب. وقيل معناه انزعهما لتصيب قدميك بركة الوادي المقدس، والأول أولى، قيل ومن ثَم طاف السلف بالكعبة حافين. قال النسفي: والقرآن يدل على أن ذلك احترام للبقعة وتعظيم لها، فخلعهما وألقاهما من وراء الوادي انتهى، وقيل لأنهما كانا من جلد حمار ميت أو من جلد مدبوغ، قاله علي وابن مسعود، وروي عن السدي وقتادة، وقيل معنى الخلع لهما تفريغ القلب من الأهل والمال وهو من بدع التفاسير، ثم علل سبحانه الأمر بالخلع فقال: (إنك بالواد المقدس) أي المطهر، والمبارك والقدس الطهارة، والأرض المقدسة الطهرة، سميت بذلك لأن الله تعالى أخرج منها الكافرين وعمرها بالمؤمنين (طوى) اسم للوادي، قال الجوهري: هو اسم موضع بالشام يكسر طاؤه ويضم ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه وجعله اسم واد ومكان جعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة، وقيل طوى كثني من الطي مصدر لنودي أو للمقدس، أي نودي نداءين أو قدس مرة بعد أخرى، قال ابن عباس: يعني الأرض المقدسة وذلك أنه مر بواديها ليلاً فطوى، يقال طويت وادي كذا وكذا، وقيل طوى واد مستدير عميق، مثل المطوي في استدارته.

طه 20:13

(وأنا اخترتك) بالإفراد وقرئ إنَّا اخْتَرْنَاكَ بالجمع، قال النحاس: والأول أولى لأنها أشبه بالخط وأولى بنسق الكلام، لقوله: (يا موسى إني أنا ربك) والمعنى اصطفيتك بالنبوة والرسالة، فنبأه وأرسله في ذلك الوقت وفي ذلك المكان، وكان عمره حينئذ أربعين سنة. (فاستمع لما يوحى) إليك مني أو للوحي، وفيه نهاية الهيبة والجلال له كأنه قال لقد جاءك أمر عظيم فتأهب له.

طه 20:14

(إنني أنا الله لا إله إلا أنا) ثم أمره بالعبادة فقال: (فاعبدني) لأن اختصاص الإلهية به سبحانه موجب لتخصيصه بالعبادة (وأقم الصلاة) خصها بالذكر مع كونها داخلة تحت الأمر بالعبادة لكونها أشرف طاعة وأفضل عبادة وعلل الأمر بإقامة الصلاة بقوله: (لذكري) أي لتذكرني، فإن الذكر الكامل لا يتحقق إلا في ضمن العبادة والصلاة، أو المعنى لتذكرني فيهما لاشتمالهما على الأذكار أو لذكري إياك أو لذكري خاصة لا تشوبه بذكر غيري، أو لأمري بها في الكتاب وذكري إياها، أو لتكون ذاكراً إلى غير ناس، وقيل لأوقات ذكري وهي مواقيت الصلاة، أو المعنى أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة وقيل لذكر صلاتي. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: (أقم الصلاة لذكري) [[مسلم 684 - البخاري 384.]]. وأخرج الترمذي وابن ماجة وابن حبان وغيرهم من حديث أبي هريرة قال. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، فإن الله قال: (أقم الصلاة لذكري) " [[الترمذي كتاب الصلاة الباب 16 - 17 - ابن ماجة كتاب الصلاة الباب 10.]]. وكان ابن شهاب يقرؤها للذكرى، وقيل المعنى لأذكرك بالمدح في عليين، فالمصدر على هذا يحتمل الإضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول. وقيل لإخلاص ذكري وطلب وجهي، ولا ترائي فيها، ولا تقصد بها غرضاً آخر.

طه 20:15

(إن الساعة) أي التي هي وقت الحساب والعقاب (آتية) أي كائنة وحاصلة لا محالة فاعمل الخير من عبادة الله والصلاة، وهذا تعليل لما قبله من الأمر (أكاد) أي أريد، قاله الأخفش. وقيل صلة (أخفيها) قال الواحدي: قال أكثر المفسرين: أخفيها من نفسي، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وقتادة. وقال المبرد وقطرب: هذا على عادة مخاطبة العرب، يقولون إذا بالغوا في كتمان الشيء: كتمته حتى من نفسي، أي لم أطلع عليه أحداً. ومعنى الآية أن الله تعالى بالغ في اخفاء الساعة فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف؛ وكذلك المعنى في إخفاء وقت الموت على الإنسان ليكون على حذر، تقديم الْوَجَل في كل وقت. وقد روي عن سعيد بن جبير أنه قرأ أخفيها بفتح الهمزة، ومعناه أظهرها، قال النحاس: وأجود من هذا ما روي عنه أنه قرأها بضم الهمزة، قال الفراء: معناه على الفتح أكاد أظهرها من خفيت الشيء إذا أظهرته، أخفيه. قال القرطبي: قال بعض اللغويين يجوز أن يكون أخفيها بضم الألف معناه أظهرها، لأنه يقال خفيت الشيء وأخفيته من حروف الأضداد يقع على الستر والإظهار، قال أبو عبيدة: خفيت وأخفيت بمعنى واحد، قال النحاس وهذا أحسن، وليس المعنى على أظهرها ولا سيما وأخفيها قراءة شاذة، فكيف ترد القراءة الصحيحة الشائعة، وقال ابن الأنباري: في الآية تفسير آخر، وهو أن الكلام ينقطع على (أكاد) وبعده مضمر، أي أكاد آتي بها، ووقع الابتداء بأخفيها إلى آخره، واختار هذا النحاس. وقال أبو علي الفارسي: هو من باب السلب وليس من الأضداد، ومعنى أخفيها أزيل عنها خفاءها وهو سترها، ومن هذا قولهم اشكيته أي أزلت شكواه وعن الأخفش أن كاد زائدة للتأكيد، قال: ومثله إذا أخرج يده لم يكد يراها، قال والمعنى أقارب ذلك لأنك إذا قلت كاد زيد يقوم جاز أن يكون قام: وأن يكون لم يقم، ودل على أنه قد أخفاها بدلالة غير هذه الآية على هذا. (لتجزى كل نفس بما تسعى) أي بسعيها، والسعي وإن كان ظاهراً في الأفعال فهو هاهنا يعم الأفعال، والتُّرُوك للقطع بأن تارك ما يجب عليه معاقب بتركه مأخوذ به.

طه 20:16

(فلا يصدنك عنها) أي لا يصرفنك عن الإيمان بالساعة والتصديق بها أو عن ذكرها ومراقبتها وهذا أولى وأليق بشأن موسى عليه السلام، وإن كان النهي بطريق التهييج والإلهاب. وقيل الضمير للصلاة بعيد وهو (من لا يؤمن بها) من الكفرة، وهذا النهي وإن كان للكافر بحسب الظاهر فهو في الحقيقة نهي له صلى الله عليه وسلم عن الانصداد أو عن إظهار اللين للكافرين، فهو من باب لا أريتك ههنا، كما هو معروف. (واتبع هواه) أي هوى نفسه بالانهماك في اللذات الحسية الفانية، وفي إنكار الساعة (فتردى) أي فتهلك لأن انصدادك عنها لصد الكافرين لك مستلزم للهلاك ومستتبع له.

طه 20:17

(وما تلك بيمينك يا موسى) قال الزجاج والفراء: إن تلك اسم ناقص، وُصِلَتْ بيمينك أي ما التي بيمينك. وروي عن الفراء أنه قال: تلك بمعنى هذه ولو قال ما ذلك لجاز، أي ما ذلك الشيء، وبالأول قال الكوفيون. قال الزجاج: ومعنى السؤال عن العصا التنبيه له عليها لتقع المعجزة بها بعد التثبيت فيها والتأمل لها، قال الفراء: ومقصود السؤال تقرير الأمر حتى يقول موسى هي عصاي لتثبيت الحجة عليه بعدما اعترف، وإلا فقد علم الله ما هي في الأزل. وقيل السؤال للتوطين لئلا يهول انقلابها حية، أو للإيناس ورفع الهيبة للمكالمة.

طه 20:18

(قال هي عصاي) وقرئ عصي على لغة هذيل قال ابن عباس: أعطاه ملك من الملائكة إذ توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض فيخرج له النبات، ويهش بها على غنمه ورق الشجر. وعن قتادة: كانت تضيء له بالليل، وكانت عصا آدم عليه السلام ورثها شعيب وأعطاها لموسى بعد أن زوَّجه ابنته. قيل وكان لها شعبتان وفي أسفلها سنان ولها محجن واسمها تبعة (أتوكأ) أي أتحامل (عليها) في المشي وأعتمدها عند الإعياء والوقوف على قطيع الغنم وعند الوثوب والنهوض للقيام، ومنه الاتكاء. (وأهش بها على غنمي) هش بالعصا يهش هشاً إذا خبط بها الشجر ليسقط منه الورق، أي أضرب بها الشجر فيتساقط منه الورق على غنمي؛ قاله عكرمة. وقد روي نحو هذا عن جماعة من السلف. وقرأ النخعي أهس بالسين المهملة، وهو زجر الغنم، وكذا قرأ عكرمة، وقيل هما لغتان بمعنى واحد، ولما ذكر تفصيل منافع العصا عقبه بالإجمال فقال: (ولي فيها مآرب) أي حوائج (أخرى) قاله مجاهد وقتادة، وأحدها مأرُبة مثلت الراء، كذا قال ابن الأعرابي وقطرب، والقياس أُخر، وإنما قال أخرى رداً إلى الجماعة أو لنسق الأخرى، ولما ذكر بعضها شكراً أجمل الباقي حياء من التطويل أو ليسأل عنها الملك العلام فيزيد في الإكرام ويتلذذ بالخطاب. وقد تعرض قوم لتعداد منافع العصا فذكروا من ذلك أشياء، منها قول بعض العرب: عصاي أركزها لصلاتي وأعدها لعداتي وأسوق بها دابتي وأقوى بها على سفري وأعتمد عليها في مشيتي ليتسع خطوي، وأثب بها النهر وتؤمنني العثر وألقي عليها كسائي فتقيني الحر وتدفيني من القر وتدني إلى ما بعد مني، وهي تحمل سفرتي وعلاقة أدواتي، أعصي [[يقال عصى بالسيف يعْصى إذا ضرب به، أ. هـ صحاح.]] بها عند الضراب وأقرع بها الأبواب وأقي بها عقور الكلاب، وتنوب عن الرمح في الطعان وعن السيف عند منازلة الأقران ورثتها عن أبي وأورثها بعدي بني. أهـ. وقال الشوكاني: قد وقفت على مصنف في مجلد لطيف في منافع العصا لبعض المتأخرين. وذكر فيه أخباراً وأشعاراً وفوائد لطيفة ونكتاً رشيقة، وقد جمع الله سبحانه لموسى في عصاه من البراهين العظام والآيات الجسام ما أمن به من كيد السحرة ومعرة المعاندين، واتخذها سليمان لخطبته وموعظته وطول صلاته، وكان ابن مسعود صاحب عصاة النبي صلى الله عليه وسلم وعنزته؛ وكان يخطب بالقضيب وكذلك الخلفاء من بعده، وكان عادة العرب العرباء أخذ العصا والاعتماد عليها عند الكلام وفي المحافل والخطب. وقال بعضهم: إمساك العصا سنة الأنبياء وزينة الصلحاء وسلاح على الأعداء وعون الضعفاء وغم المنافقين وزيادة في الطاعات. ويقال إذا كان مع المؤمن العصا يهرب منه الشيطان ويخشع منه المنافق والفاجر وتكون قبلته إذا صلى وقوته إذا أعيا.

طه 20:19

(قال ألقها يا موسى) هذه جملة مستأنفة أمره سبحانه بإلقائها ليريه ما جعل له فيها من المعجزة الظاهرة

طه 20:20

(فألقاها) أي طرحها موسى على الأرض (فإذا هي حية تسعى) ولم تكن قبل ذلك حية، فمرت بشجرة فأكلتها ومرت بصخرة فابتلعتها، فجعل موسى يسمع وقع الصخرة في جوفها قاله ابن عباس، وذلك بقلب الله سبحانه لأوصافها وأعراضها حتى صارت حية تسعى، أي تمشي بسرعة وخفة على بطنها. قيل كانت عصا ذات شعبتين فصار الشعبتان فماً وباقيها جسم حية تنتقل من مكان إلى مكان وتلتقم الحجارة مع عظم جرمها وفظاعة منظرها، وقال في موضع آخر كأنها جان. وهي الحية الصغيرة الجسم الخفيفة، وقال في موضع آخر كأنها ثعبان، وهو أكبر ما يكون من الحيات، ووجه الجمع أن الحية اسم جامع للكبير والصغير والذكر والأنثى. وقيل كانت في عظم الثعبان وسرعة الجان. وقيل سماها جاناً تارة نظراً للمبدأ وثعباناً مرة باعتبار المنتهى، وحية تارة أخرى باعتبار الاسم الذي يعم الحالين فلما رآها كذلك خاف وفزع وولى مدبراً ولم يعقب فنودي أن يا موسى. قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (23) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35) قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) و

طه 20:21

(قال) سبحانه عند ذلك (خذها ولا تخف) منها (سنعيدها سيرتها) أي حالتها (الأولى) قال ابن عباس: فلم يأخذها، ثم نودي الثانية أن خذها ولا تخف فلم يأخذها، فقيل له في الثالثة إنك من الآمنين فأخذها. قال الأخفش والزجاج: التقدير إلى سيرتها مثل واختار موسى قومه. قال: ويجوز أن يكون مصدراً لأن معنى سنعيدها سنسيرها، أو سائرة أو مسيرة، والمعنى سنعيدها بعد أخذك لها إلى حالتها الأولى التي هي العصوية، والأولى تأنيث الأول، والسيرة الحالة التي يكون عليها الإنسان غريزية أو مكتسبة، وهي في الأصل فِعْلة من السير كالرِّكْبَة من الركوب، ثم استعملت بمعنى الحالة والطريقة والهيئة. قيل إنه لما قيل له لا تخف طابت نفسه حتى بلغ من عدم الخوف إلى أن كان يدخل يده في فمها ويأخذ بلحييها، قال المحلي وأرى ذلك موسى لئلا يجزع إذا انقلبت حية لدى فرعون.

طه 20:22

(واضمم يدك) اليمنى بمعنى الكف لا بمعنى حقيقتها، وهي الأصابع إلى المنكب (إلى جناحك) قال الفراء والزجاج: جناح الإنسان عضده. وبه قال مجاهد وقال إلى بمعنى تحت وقال قطرب: جنبه، وعبر بالجناح عن الجنب لأنه في محل الجناح. وقال مقاتل: إلى بمعنى مع، أي مع جناحك الأيسر تحت العضد إلى الأبط. وجواب الأمر (تخرج) يدك خلاف ما كانت عليه من الأدمة حال كونها (بيضاء) نيرة مشرقة كائنة. (من غير سوء) أي عيب كنى به عن البرص، ويسمى هذا عند أهل البيان الاحتراس، وهو أن يؤتى بشيء يرفع توهم غير المراد، وذلك أن البياض قد يراد به البرص والبهق، فأتى بقوله: (من غير سوء) نفياً لذلك. والمعنى تخرج بيضاء ساطعاً نورها تضيء بالليل والنهار كضوء الشمس، تغشي البصر من غير برص، وبه قال ابن عباس. (آية) أي معجزة (أخرى) غير العصا. وقال الأخفش: أنها بدل من بيضاء، قال النحاس. وهو قول حسن، وقال الزجاج: المعنى آتيناك أو نؤتيك آية أخرى، لأنه لما قال: (تخرج بيضاء) دل على أنه قد آتاه آية أخرى، ثم علل سبحانه ذلك بقوله:

طه 20:23

(لنريك من آياتنا الكبرى) قيل والتقدير فعلنا ذلك لنريك، والكبرى معناها العظمى، أي لنريك بهاتين الأيتين يعني اليد والعصا بعض آياتنا الكبرى على رسالتك فلا يلزم أن تكون، اليد هي الآية الكبرى وحدها حتى تكون أعظم من العصا، فيرد على ذلك أنه لم يكن في اليد إلا تغير اللون فقط بخلاف العصا فإن فيها مع تغير اللون الزيادة في الحجم وخلق الحياة والقدرة على الأمور الخارقة ومن قال هي اليد قال لأنها لم تعارض أصلاً، وأما العصا فقد عارضها السحرة، والأول أولى. ثم صرح سبحانه بالغرض المقصود من هذه المعجزات فقال:

طه 20:24

(اذهب) رسولاً (إلى فرعون) ومن معه بهاتين الآيتين: العصا واليد، وانظر رسالته لبني إسرائيل من أين تؤخذ، قال بعضهم: تؤخذ من قوله: (وأنا اخترتك) أي للنبوة والرسالة، وخصه بالذكر لأن قومه تبع له، ثم علل ذلك بقوله. (إنه طغى) أي عصى وتمرد وتكبر وكفر وتجبر وتجاوز الحد في كفره إلى ادعاء الإلهية.

طه 20:25

(قال رب اشرح لي صدري) مستأنفة كأنه قيل فماذا قال موسى، ومعنى شرح الصدر توسيعه، تضرع عليه السلام إلى ربه وأظهر عجزه بقوله: " ويضيق صدري ولا ينطلق لساني "

طه 20:26

(ويسر لي أمري) أي سهل عليّ ما أمرتني به من تبليغ الرسالة إلى فرعون، والتيسير معناه التسهيل. قال الزمخشري: فإن قلت (لي) من قوله: (اشرح لي صدري ويسر لي أمري) ما جدواه، والكلام منتظم بدونه؟ قلت قد أبهم الكلام أولاً فقال: اشرح لي ويسر لي، فعلم أن ثم مشروحاً وميسراً، ثم بين ورفع الإبهام بذكرهما فكان آكد لطلب الشرح لصدره والتيسير لأمره، ويقال يسرت له كذا ومنه هذه الآية وتيسرته لكذا، ومنه فسنيسره لليسرى.

طه 20:27

(واحلل عقدة من لساني) يعني العجمة التي كانت فيه من أثر الجمرة التي ألقاها في فيه وهو طفل، أي أطلق عن لساني العقدة التي فيه، قيل أذهب الله سبحانه تلك العقدة جميعها بدليل قوله: (قد أوتيت سؤلك يا موسى) وقيل لم تذهب كلها لأنه لم يسأل حل عقدة لسانه بالكلية، بل سأل حل عقدة تمنع الإفهام بدليل قوله من لساني، أي كائنة من عند لساني، ويؤيد ذلك قوله هو أفصح مني لساناً، وقوله حكاية عن فرعون ولا يكاد يبين. وجواب الأمر قوله:

طه 20:28

(يفقهوا قولي) أي لكي يفهموا كلامي عند تبليغ الرسالة، والفقه في كلام العرب الفهم، ثم خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه. قاله الجوهري.

طه 20:29

(واجعل لي وزيراً من أهلي) أي معيناً وظهيراً، والوزير الموازر كالأكيل المواكل لأنه يحمل عن السلطان وزره أي ثقله. قال الزجاج: واشتقاقه في اللغة من الوزر وهو الملجأ الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، ومنه قوله تعالى: (كلا لا وزر) والوزير الذي يعتمد الملك على رأيه في الأمور ونلتجئ إليه. وقال الأصمعي: هو مشتق من الموازرة وهي المعاونة، نقله الزمخشري عن الأصمعي

طه 20:30

(هارون أخي) وكان أكبر من موسى وأفصح لساناً وأجمل وأوسم، وكان موسى آدم أقنى جعداً.

طه 20:31

(اشدد به أزري وأشركه في أمري) على صيغة الدعاء أي يا رب أحكم به قوتي واجعله شريكي في أمر الرسالة، والأزر القوة، يقال آزره أي قواه، وقيل الظهر أي اشدد به ظهري، وقرئ أشدد بهمزة قطع وأشركه بضم الهمزة، أي أشدد أنا به أزري وأشركه أنا في أمري. قال ابن عباس: نبئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى.

طه 20:33

(كي نسبحك كثيراً ونذكرك كثيراً) هذا الذكر والتسبيح هما الغاية من الدعاء المتقدم، والمراد التسبيح هنا باللسان. وقيل المراد به الصلاة

طه 20:35

(إنك كنت بنا بصيراً) هو المبصر والعالم بخفيات الأمور وهو المراد هنا، أي إنك كنت بنا عالماً في صغرنا فأحسنت إلينا فأحسن أيضاً كذلك الآن. ثم أخبره الله سبحانه بأنه قد أجاب ذلك الدعاء.

طه 20:36

(قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) أي أعطيت ما سألته منا عليك، والسؤل المسؤول، أي المطلوب، كقولك خبز بمعنى مخبوز، ومسؤوله هو قوله رب اشرح لي؛ وزيادة قوله يا موسى لتشريفه بالخطاب مع رعاية الفواصل.

طه 20:37

(ولقد مننا عليك مرة أخرى) كلام مستأنف لتقوية قلب موسى بتذكيره نعم الله عليه، والمن الإحسان والإفضال، والمعنى ولقد أحسنا إليك قبل هذه المرة وهي حفظ الله سبحانه له من شر الأعداء كما بينه سبحانه هنا، وأخرى تأنيث آخر بمعنى غير، وحاصل ما ذكره من المنن عليه من غير سؤال ثمانية. إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) الأولى: قوله:

طه 20:38

(إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى) إلى قوله: (عدو له) أي مننا ذلك الوقت وقت الإيحاء، والمراد به إما مجرد الإلهام لأمه واسمها يوحانذ، قاله السيوطي في شرح النقابة؛ أو في النوم بأن أراها ذلك، أو على لسان نبي أو على لسان ملك لا على طريق النبوة، كالوحي إلى مريم، أو بإخبار الأنبياء المتقدمين بذلك وانتهى الخبر إليها؛ والمراد بما يوحى ما سيأتي من الأمر لها أبهمه أولاً وفسره ثانياً تفخيماً لشأنه بقوله:

طه 20:39

(أن) مفسرة لأن الوحي فيه معنى القول، أو بأن (اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم) القذف هنا الطرح، أي اطرحيه في البحر، واليم البحر والنهر الكبير. قال الفراء: هذا أمر وفيه المجاراة، أي اقذفيه، والتابوت الصندوق. (فليلقه اليم بالساحل) الأمر للبحر مبني على تنزيله منزلة من يفهم ويميز لا كان إلقاؤه بالساحل أمراً واجب الوقوع، وهذا أمر معناه الخبر وإنما جيء به بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وآكدها، والساحل هو شط البحر، سمي ساحلاً لأن الماء سحله قال ابن دريد: والمراد هنا ما يلي الساحل من البحر لا نفس الساحل، والضمائر كلها لموسى لا للتابوت، وإن كان قد ألقي معه، لكن المقصود هو موسى مع كون الضمائر قبل هذا وبعده له قال السدي: اليم هو النيل. (يأخذه عدو لي وعدو له) جواب الأمر بالإلقاء أو القذف، والمراد بالعدو فرعون، فإن أم موسى لما ألقته في البحر، وهو النيل المعروف: وكان يخرج منه نهر إلى دار فرعون، فساقه الله في ذلك النهر إلى داره؛ فأخذ التابوت فوجد موسى فيه. وقيل أن البحر ألقاه بالساحل فنظره فرعون فأمر من يأخذه. وقيل وجدته ابنة فرعون، والأول أولى، والمنة الثانية قوله: (وألقيت عليك محبة مني) أي ألقى الله على موسى محبة عظيمة كائنة من الله تعالى في قلوب عباده لا يراه أحد إلا أحبه وقيل جعل عليه سبحة من جمال لا يراه أحد من الناس إلا أحبه وقال ابن جرير: المعنى وألقيت عليك رحمتي وقيل المعنى أحببتك؛ ومن أحبه الله أحبه الناس، والقلوب لا محالة. قال ابن عباس: كل من رآه ألقيت عليه منه محبة، وعن سلمة بن كهيل قال: حببتك إلى عبادي، والمنة الثالثة قوله: (ولتصنع على عيني) أي ولتربّى وتغذَّى بمرأى مني، ويحسن إليك وأنا مراعيك ومراقبك كما يراعي الإنسان الشيء بعينه إذا اعتنى به. قاله الزمخشري والعين هنا بمعنى الرعاية مجاز مرسل من إطلاق السبب على المسبب، يقال صنع الرجل جاريته إذا رباها، وصنع فرسه إذا داوم على علفه والقيام عليه، وتفسير (على عيني) بمرأى مني صحيح. قال النحاس: وذلك معروف في اللغة ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى فإن جميع الأشياء بمرأى من الله. وقال أبو عبيدة: وابن الأنباري: أن المعنى لتغذى على محبتي وإرادتي، تقول أتخذ الأشياء على عيني أي على محبتي قال ابن الأنباري: العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار: من قول العرب: عدا فلان على عيني أي على المحبة مني، قيل أي فعلت ذلك لتصنع. وقيل أي ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك، والعين أيضاً من ألفاظ الصفات فلا تؤَوَّل وَتُجْزى على ظاهرها وهو الأولى، وقرئ ولتصنع بإسكان اللام على الأمر وقرئ بفتح التاء والمعنى ولتكون حركتك وتصرفك بمشيئتي، وعلى عين مني، وقال الزمخشري قريباً منه.

طه 20:40

(إذ تمشي أختك) وكانت شقيقته واسمها مريم وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية (فتقول هل أدلكم على من يكفله) وذلك أنها خرجت متعرفة لخبره فوجدت فرعون وامرأته آسية يطلبان له مرضعة فقالت لهما هذا القول أي هل أدلكم على من يضمه إلى نفسه ويربيه ويكمل له رضاعه؟ وكانت أمه قد أرضعته ثلاثة أشهر؛ وقيل أربعة قبل إلقائه في اليم، فقالا لها ومن هو؟ قالت أمي، فقالا: هل لها لبن، قالت نعم ابن أخي هارون أكبر من موسى بسنة، وقيل بأكثر فجاءت الأم فقبل ثديها وكان لا يقبل ثدي مرضعة غيرها وهذا هو معنى: (فرجعناك إلى أمك). وفي مصحف أبيّ فرددناك وهذه هي المنة الرابعة. (كي تقر عينها) بلقائك قال الجوهري: قررت به عيناً قرة وقروراً ورجل قرير العين وقد قرت عينه تقر وتقر نقيض سخنت، والمراد بقرة العين السرور برجوع ولدها إليها بعد أن طرحته في البحر وعظم فراقه عليها (ولا تحزن) حيئنذ أي لا يحصل لها ما يكدر ذلك السرور من الحزن بسبب من الأسباب، ولو أراد الحزن بالسبب الذي قرت عنها بزواله لقدم نفي الحزن على قرة العين فيحمل هذا النفي على ما يحصل بسبب يطرأ بعد ذلك، ويمكن أن يقال إن الواو لما كانت لمطلق الجمع كان هذا الحمل غير متعين، قال البيضاوي: ولا تحزن أنت يا موسى على فراقها وفقد إشفاقها وهو تعسف. والمنة الخامسة قوله: (وقتلت نفساً) المراد بالنفس هنا نفس القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه واسمه (قاب قان) وكان طباخاً لفرعون وكان قتله له خطأ وكان عمره إذ ذاك اثنتي عشرة سنة، وقيل ثلاثين سنة (فنجيناك من الغم) أي الغم الحاصل معك من قتله خوفاً من العقوبة الأخروية أو الدنيوية أو منهما جميعاً، وقيل من جهة فرعون لا من جهة قتله لأنه كان كافراً وأيضاً قتله له كان خطأ، وقيل الغم هو القتل بلغة قريش وما أبعده هذا. والمنة السادسة قوله: (وفتناك فتوناً) الفتنة تكون بمعنى المحنة وبمعنى الأمر الشاق، وكل ما يبتلى به الإنسان، والفتون مصدر كالثبور والسكون والكفور أي اختبرناك اختباراً وابتليناك ابتلاء أو فتوناً من الابتلاء على أنه جمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث كحجوز في حجزة، وبدور في بدرة أي خلصناك مرة بعد مرة مما وقعت فيه من المحن التي سبق ذكرها قبل أن نصطفيك لرسالتنا أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ثم إلقاءه في البحر في التابوت، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم أخذه بلحية فرعون حتى هم بقتله؛ ثم تناوله الجمرة بدل الجوهر، ثم قتله القبطي وخروجه إلى مدين خائفاً. وقد أخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبن مردويه عن ابن عباس أثراً طويلاً في تفسير هذه الآية فمن أحب استيفاء ذلك فلينظر في كتاب التفسير من سنن النسائي ولعل المقصود بذكر تنجيته من الغم الحاصل له بذلك السبب وتنجيته من المحن هو الامتنان عليه بصنع الله سبحانه وتقوية قلبه عند ملاقاة ما سيقع له من ذلك مع فرعون وبني إسرائيل. والمنة السابعة قوله: (فلبثت سنين في أهل مدين) قال الفراء: تقدير الكلام وفتناك فتوناً فخرجت إلى أهل مدين فلبثت سنين ومثل هذا الحذف كثير في التنزيل، وكذا في كلام العرب، فإنهم يحذفون كثيراً من الكلام إذا كان المعنى معروفاً، ومدين هى بلد شعيب، وكانت على ثمان مراحل من مصر هرب إليها موسى فأقام بها عشرين سنة وهى أتم الأجلين وقيل أقام عند شعيب ثمانية وعشرين سنة، منها عشر مهر امرأته ابنة شعيب، ومنها ثماني عشرة سنة بقي فيها عنده حتى ولد له. (ثم جئت على قدر يا موسى) أي في وقت سبق في قضائي وعلمي وقدري أن أكلمك وأجعلك نبياً أو على ميقات ومقدار من الزمان يوحي فيه إلى الأنبياء قاله ابن عباس، وهو رأس أربعين سنة، أو على موعد قد عرفته بإخبار شعيب لك به قاله مجاهد وقتادة قال الشاعر: نال الخلافة إذ كانت له قدراً ... كما أتى ربه موسى على قدر وكلمة ثم المفيدة للتراخي للدلالة على أن مجيئه عليه السلام كان بعد مدة وذلك بسبب ما وقع له من ضلال الطريق وتفرق غنمه ونحو ذلك، وعلى بمعنى مع.

طه 20:41

(واصطنعتك لنفسي) بالرسالة والاصطناع اتخاذ الصنعة وهو الخير تسديه إلى إنسان، والمعنى اصطنعتك لوحي ورسالتي لتنصرف على إرادتي، قال الزجاح: تأويله اخترتك لإقامة حجتي وجعلتك بيني وبين خلقي وصرت بالتبليغ عني بالنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتجبت عليهم، قيل وهو تمثيل لما خَوَّله الله سبحانه من الكرامة العظمى بتقريب الملك لبعض خواصه وهذه هي المنة الثامنة. قال أبو السعود: وفي قوله يا موسى تشريف له عليه السلام وتنبيه على انتهاء الحكاية التي هي تفصيل المرة الأخرى التي وقعت قبل المرة المحكية أولاً وقوله (اصطنعتك لنفسي) تذكير لقوله: (وأنا اخترتك) وتمهيد لإرساله إلى فرعون مؤيداً بأخيه انتهى.

طه 20:42

(اذهب أنت وأخوك) أي وليذهب أخوك حسبما طلبت وهو كلام مستأنف مسوق لبيان ما هو المقصود من الاصطناع، وفيه اختصار لما ذكر المذهوب إليه في قوله اذهبا إلى فرعون وحذفه هنا. (بآياتي) أي بمعجزاتي التي جعلتها لك آية وهي اليد والعصا فقط وعليه أكثر المفسرين وقيل هي التسع الآيات وفيه نظر والباء للمصاحبة أي مصحوبين بها متمسكين بها في إجراء أحكام الرسالة وإكمال أمر الدعوة وليست المتعدية إذ ليس المراد مجرد ذهابهما وإيصالها إلى فرعون. (ولا تنيا) أي لا تضعفا ولا تفترا يقال ونى ينى وَنْياً إذا ضعف وتواني في الأمر توانياً لم يبادر إلى ضبطه ولم يهتم به فهو متوان أي غير مهتم ولا محتفل. (في ذكري) قال الفراء هذا وعن ذكري سواء، والمعنى لا تقتصرا عن ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما، ومن ذكر النعمة شكرها، وقيل المعنى لا تبطيا في تبليغ رسالتي، وفي قراءة ابن مسعود لا تهنا في ذكري.

طه 20:43

(اذهبا إلى فرعون) هذا أمر لهما جميعاً بالذهاب وموسى حاضر وهارون غائب بل كان في ذلك الوقت بمصر تغليباً لموسى، لأنه الأصل في أداء الرسالة وكذا الحال في صيغة النهي المذكورة وعلل الأمر بالذهاب بقوله: (إنه طغى) أي جاوز الحد في الكفر والتمرد، بادعائه الربوبية، وخص موسى وحده بالأمر بالذهاب فيما تقدم وجمعهما هنا تشريفاً لموسى بإفراده، وقيل الأول أمر لموسى بالذهاب إلى كل الناس، والثاني أمر لهما بالذهاب إلى فرعون. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46) فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (47) إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (48) قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (49) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (50) قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (52) ثم أمرهما سبحانه بالإنة للقول لما في ذلك من التأثير في الإجابة فإن التخشين بادئ بدء يكون من أعظم أسباب النفور والتصلب في الكفر فقال:

طه 20:44

(فقولا له قولاً ليناً) أي دَارِيَاه وارفقا به، ولا تعنُفا في قولكما في رجوعه عن ذلك؛ والقول اللين هو الذي لا خشونة فيه؛ يقال لأن الشيء يلين ليناً، والمراد تركهما للتعنيف كقولهما: (هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى) فإنه دعوة في صورة عرض ومشاورة، وقيل: القول اللين هو الكنية له أي: قولا له: يا أبا الوليد، وقيل يا أبا العباس، وقيل يا أبا مرة، وقيل أن بَعِدَاهُ بنعيم الدنيا والآخرة إن أجاب، وقيل أن يعداه بشباب لا يهرم بعده وملك لا يزول إلا بالموت. قاله البيضاوي. ثم علل الأمر بالإنة للقول له بقوله: (لعله يتذكر أو يخشى) أي بَاشِرَا ذلك مباشَرَةً من يرجو ويطمع فالرجاء راجع إليهما كما قاله جماعة من النحوين سيبويه وغيره، وقد تقدم تحقيقه في غير موضع. قال الزجاج: لعل لفظة طمع وترج فخاطبهم بما يعقلون، وقيل لعل هنا بمعنى الاستفهام، والمعنى فانظر هل يتذكر أو يخشى، وقيل بمعنى كي، والتذكر النظر فيما بلغاه من الذكر وإمعان الفكر فيه حتى يكون ذلك سبباً في الإجابة والخشية هي خشية عقاب الله الموعود به على لسانهما، وكلمة أو لمنع الخلو دون الجمع، وفائدة إرسالهما والمبالغة عليهما في الاجتهاد مع علم الله بأنه لا يؤمن إلزام الحجة وقطع المعذرة وإظهار ما حدث في أضاعيف ذلك من الآيات.

طه 20:45

(قالا ربنا إننا نخاف) أسند القول إليهما مع أن القائل حقيقة هو موسى تغليباً للإيذان بأصالته في كل قول وفعل، أو قاله هارون بعد ملاقاتهما، فحكى ذلك مع قول موسى عند نزول الآية؛ كما في قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات) فإن هذا الخطاب قد حكي بصيغة الجمع مع أن كلاً من المخاطبين لم يخاطب إلا بطريق الانفراد ضرورة استحالة اجتماعهم في الوجود، فكيف باجتماعهم في الخطاب. (أن يفرط) فرعون (علينا) بفتح الياء وضم الراء أي يَعْجَل ويبادر بعقوبتنا، قاله ابن عباس، يقال فَرَط منه أمر أي بَدَر، ومنه الفارط وهو الذي يتقدم القوم إلى الماء أي يعذبنا عذاب الفارط في الذنب وهو المتقدم فيه، كذا قال المبرد، وقال أيضاً: فرط منه أمر وأفرط أسرف وفرط ترك وقرئ يُفْرَط بضم الياء وفتح الراء أي يحمله حامل على التسرع إلينا، وقرأت طائفة من الإفراط أي يشتط في أذيتنا أي فلا يصبر إلى تمام الدعوة وإظهار المعجزة. (أو أن يطغى) أي يعتدي قاله ابن عباس وإظهار كلمة (أن) مع استقامة المعنى بدونها لإظهار كمال الاعتناء بالأمر والإشعار بتحقق الخوف من كل منهما

طه 20:46

(قال) تعالى (لا تخافا) ما توهمتماه من الأمرين ثم علل ذلك بقوله: (إنني معكما) بالنصر لكما والمعونة على فرعون (أسمع وأرى) أي أدرك ما يجري بينكما وبينه بحيث لا يخفى علي منه خافية، ولست بغافل عنكما فأفعل في كل حال ما يليق بكما من دفع ضرر وجلب نفع، وعن ابن جريج قال: أسمع ما يقول وأرى ما يجاوبكما به فأوحي إليكما فتُجَاوِبَاه. وعن ابن مسعود قال: لما بعث الله موسى إلى فرعون قال: رب أي شيء أقول قال: قل هيا شرا هيا، قال الأعشى: تفسير ذلك الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء وجود السيوطي إسناده، وسَبَقَه إلى تجويد إسناده ابن كثير في تفسيره، ثم أمرهما بإتيانه الذي هو عبارة عن الوصول إليه بعد أمرهما بالذهاب إليه فلا تكرار فقال:

طه 20:47

(فأتياه فقولا) أَمَرَهُما أن يقولا ست جمل. الأولى قوله: (إنّا رسولا ربك) أرسلنا إليك (فأرسل معنا بني إسرائيل) أي خل عنهم وأطلقهم من الأسر والقسر (ولا تعذبهم) بالبقاء على ما كانوا عليه، وقد كانوا عند فرعون في عذاب شديد، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم. ويكلفهم من العمل ما لا يطيقونه من الحفر والبناء وحمل الثقيل. (قد جئناك بآية من ربك) قيل هي العصا واليد. وقيل إن فرعون قال لهما وما هي؟ فأدخل موسى يده في جيب قميصه ثم أخرجها ولها شعاع كشعاع الشمس، فعجب فرعون من ذلك، ولم يره موسى العصا إلا يوم الزينة. قال الزمخشري؛ وهذه الجملة جارية من الجملة الأولى مجرى البيان والتفسير، لأن دعوى الرسالة لا تثبت إلا ببينتها التي هي مجيء الآية، وإنما وحد بآية ولم يثن معه آيتان لأن المراد تثبيت الدعوى ببرهانها، فكأنه قيل قد جئناك بمعجزة وبرهان وحجة على ما ادعيناه من الرسالة. (والسلام) أي السلامة من العذاب (على من اتبع الهدى) قال الزجاج: أي من اتبع الهدى سلم من سخط الله عز وجل ومن عذابه وليس بتحية. قال: والدليل على ذلك أنه ليس بابتداء لقاء ولا خطاب، قال الفراء: السلام على من اتبع ولمن اتبع سواء. والجملة السادسة قوله:

طه 20:48

(إنا قد أوحي إلينا) من جهة الله سبحانه (أن العذاب على من كذب) ما جئنا به (وتولى) أعرض عنه، والمراد بالعذاب الهلاك والدمار في الدنيا والخلود في النار، والمراد بالتكذيب التكذيب بآيات الله وبرسله والتولي الإعراض عن قبولها والإيمان بها. قال قتادة: كذب كتاب الله وتولى عن طاعته فأتياه وقالا جميع ما ذكر وسارعا إلى الامتثال من غير تلعثم.

طه 20:49

(قال) فرعون لهما (فمن ربكما يا موسى؟) فأضاف الرب إليهما لما أن المُرْسِل لا بد أن يكون رباً للرسول أو لأنهما قد صرحا بربوبيته تعالى للكل، ولم يضفه إلى نفسه لعدم تصديقه لهما ولجحده للربوبية وغاية عتوه ونهاية طغيانه، وخص موسى بالنداء لكونه الأصل في الرسالة. وقيل لمطابقة رؤوس الآي والأول أولى.

طه 20:50

(قال) موسى مجيباً له: (ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه) الذي هو عليه متميز به عن غيره؛ قرئ بفتح اللام على أنه فعل وبسكون اللام، والمعنى أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق بالمنفعة المنوطة به المطابقة له كاليد للبطش والرجل للمشي واللسان للنطق والعين للنظر والأذن للسمع، كذا قال الضحاك وغيره. قال الحسن وقتادة: أعطى كل شيء صلاحه وهداه لما يصلحه. وقال مجاهد: المعنى لم يخلق خلق الإنسان في خلق البهائم، ولا خلق البهائم في خلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديراً. ومنه قول الشاعر: وله في كل شيء خلقه ... وكذلك الله ما شاء فعل وقال الفراء: المعنى خلق للرجل المرأة ولكل ذكر ما يوافقه من الإناث أو المعنى أعطى خلقه كل شيء يحتاجون إليه ويرتفقون به، ومعنى (ثم هدى) أنه سبحانه هداهم إلى طريق الانتفاع بما أعطاهم فانتفعوا بكل شيء فيما خلق له، أو المعنى أعطى كل شيء خلقه الله سبحانه ولم يخله من عطائه. قال ابن عباس: خلق لكل شيء زوجة ثم هدى، قال هداه لمنكَحِهِ ومطعمه ومشربه ومسكنه، ولما سمع فرعون ما احتج به موسى في ضمن هذا الكلام على إثبات الربوبية وشاهَد ما نَظَمَه في سلك الاستدلال من البرهان النير كما لا يخفى من أن الخلق والهداية ثابتان بلا خلاف ولا بد لهما من خالق وهاد، وذلك الخالق والهادي هو الله سبحانه لا رب غيره، خاف أن يظهر للناس أحقية ما قاله موسى وبطلان خرافاته، أراد أن يصرف موسى عن سننه إلى ما لا يعنيه من الأمور التي لا تعلق لها بالرسالة من الحكايات لأجل أن يرى قومه أن عنده معرفة.

طه 20:51

(قال فما بال القرون الأولى) كقوم نوح وهود ولوط وصالح في عبادتهم الأوثان فإنها لم تُقِرّ بالرب، بل عبدت الأوثان ونحوها من المخلوقات. ومعنى البال الحال والشأن، أي ما حالهم وما شأنهم وماذا جرى عليهم من الحوادث المفصلة. فأجابه موسى و

طه 20:52

(قال علمها عند ربي) أي أن هذا الذي سألت عنه ليس مما نحن بصدده، بل هو من علم الغيب الذي استأثر الله به لا تعلمه أنت ولا أنا وإن العلم بأحوالهم لا تعلق له بمنصب الرسالة (في كتاب) أي أنها مثبتة في اللوح المحفوظ. قال الزجاج: المعنى أن أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها يوم القيامة والتقدير علم أعمالها عند ربي في كتاب. واعلم أن فرعون لما سأل موسى عن الإله وكان ذلك مما سبيله الاستدلال أجابه موسى بأوجز عبارة وأحسن معنى، ولما سأله عن القرون الأولى، وكان ذلك مما سبيله الإخبار ولم يأته خبر في ذلك وكله إلى عالم الغيوب. قاله الكرخي (لا يضل ربي ولا ينسى) اختلف في معناه على أقوال: الأول: أنه ابتداء كلام مستأنف تنزيه لله سبحانه عن هاتين الصفتين، وقد تم الكلام عند قوله في كتاب. قاله الزجاج قال: ومعنى لا يضل لا يهلك، من قوله تعالى: (أئذا ضللنا في الأرض)، ولا ينسى شيئاً من الأشياء فقد نزهه عن الهلاك والنسيان. الثاني: أن معنى لا يضل لا يخطىء. قاله ابن عباس. الثالث: أن معناه لا يغيب. قال ابن الأعرابي: أصل الضلال الغيبوبة. الرابع: أن المعنى لا يحتاج إلى كتاب ولا يضل عنه علم شيء من الأشياء ولا ينسى ما علمه منها. حكي هذا عن الزجاج أيضاً. قال النحاس: وهو أشبهها بالمعنى ولا يخفى أنه كقول ابن الأعرابي. الخامس: أن المعنى لا يذهب شيء عن علمه ولا ينسى، أي بعدما علم، وهذا كالرابع. السادس: أن اللفظ الأول إشارة إلى كونه عالماً بكل المعلومات. والثاني دليل على بقاء ذلك العلم أبد الآباد، وهو إشارة إلى نفي التغير. السابع: أن هاتين الجملتين صفة للكتاب، والمعنى أن الكتاب غير ذاهب عن الله ولا هو ناس له. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (53) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (54) مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (55) وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (58)

طه 20:53

(الذي جعل لكم الأرض مهداً) أي مهدها مهداً أو ذات مهد، وهو اسم لما يمهد كالفراش لما يفرش، وقرئ مهاداً. قال النحاس: والجمع أولى من المصدر لأن هذا الموضع ليس موضع مصدر إلا على حذف المضاف. وقيل مهاد مفرد كالفراش أو جمع معناه الفراش؛ فالمهاد جمع المهد، أي جعل كل موضع منها مهداً لكل واحد منكم، وهذا من جملة كلام موسى في جواب فرعون عن سؤاله الأول فهو مرتبط بقوله ثم هدى، لكنه ذكر في خلال كلامه على سبيل الاعتراض على سؤال فرعون الثاني وجوابه. (وسلك لكم فيها سبلاً) السلك إدخال الشيء في الشيء، والمعنى أدخل في الأرض لأجلكم طرقاً تسلكونها وسهلها لكم، وَوَسطَها بين الجبال والأودية والبراري تسلكونها من قطر إلى قطر لتقضوا منها مأربكم وتنتفعوا بمنافعها ومرافقها. وفي آية أخرى (الذي جعل لكم الأرض مهداً وجعل لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون). ثم قال سبحانه تتميماً لما وصفه به موسى (وأنزل من السماء ماء) هو ماء المطر. قيل إلى هنا انتهى كلام موسى، وما بعده وهو (فأخرجنا به) من كلام الله سبحانه. قاله ابن عطية وتبعه المحلى وفيه بعد. وقيل: هو من الكلام المحكي عن موسى، وإنما التفت إلى التكلم للتنبيه على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة والحكمة وإيذاناً بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة لمشيئته، ونوقش بأن هذا خلاف الظاهر مع استلزامه فوت الالتفات لعدم اتحاد المتكلم، ويجاب عنه بأن الكلام كله محكي عن واحد وهو موسى، والحاكي للجميع هو الله سبحانه. والمعنى فأخرجنا بذلك الماء بسبب الحرث، والمعالجة. (أزواجاً من نبات شتى) أي ضروباً وأشباهاً من أصناف النبات المختلفة الألوان والطعوم والروائح والمنافع، فمنها ما هو للناس، ومنها ما هو للدواب، سميت بذلك لازدواجها، واقتران بعضها ببعض. والنبات مصدر سمي به النابت، فاستوى فيه الواحد والجمع، وشتى جمع شتيت وزنه فعلَى وألفه للتأنيث. وقال الأخفش: التقدير أزواجاً شتى من نبات، يقال أمر شَتٌّ، أي متفرق وَشَتَّ الأمر شتاً يَشِتُ شتاً وشتاتاً تفرق واشْتَثَّ مثله، والشتيت المتفرق، وشتَّان اسم فعل ماض بمعنى افترق، ولذلك لا يكتفي بواحد، قاله السمين، قال ابن عباس: شيء مختلف.

طه 20:54

(كلوا وارعوا أنعامكم) أي قائلين لهم ذلك والأمر للإباحة وتذكير النعمة والجملة حال، يقال رعت الماشية الكلأ ورعاها صاحبها رعاية، أي أسامها وسرحها، يجئ لازماً ومتعدياً، والأنعام جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم. والمعنى مُعديها لانتفاعكم بالأكل والعلف آذنين فيه. (إن في ذلك) الإشارة إلى ما تقدم ذكره في هذه الآيات (لآيات) أي لعبر (لأولي النهى) جمع نُهْيَة وهي العقل، وسمي به لأنه ينهي صاحبه عن ارتكاب القبائح، وقيل: إنه اسم مفرد وهو مصدر كالهدى والسرى، قاله أبو علي وخص ذوي النهى لأنهم الذين يُنْتَهى إلى رأيهم. وقال ابن عباس: لأولي الحجى والعقل وعنه لأولي التقى، وهذا كله من موسى احتجاج على فرعون في إثبات الصانع جواباً لقوله: فمن ربكما يا موسى؟. (منها) أي من الأرض المذكورة سابقاً (خلقناكم) قال الزجاج وغيره: يعني أن آدم خلق من الأرض وأولاده منه، فعلى هذا يكون خلق كل إنسان غير آدم من الأرض بوسائط عديدة بقدر ما بينه وبين آدم. وقيل المعنى أن كل نطفة مخلوقة من تراب في ضمن خلق آدم، لأن كل فرد من أفراد البشر له حظ من خلقه وعلى هذا يدل ظاهر القرآن. (وفيها) أي في الأرض (نعيدكم) بعد الموت فتدفنون فيها وتتفرق أجزاؤكم حتى تصير من جنس الأرض، وجاء بـ (في) دون إلى للدلالة على الاستقرار (ومنها) أي من الأرض (نخرجكم) كما أخرجناكم عند ابتداء خلقكم (تارة) أي مرة (أخرى) بالبعث والنشور وتأليف الأجسام ورد الأرواح إليها على ما كانت عليه قبل الموت. عن عطاء الخراساني قال: إن الملك ينطلق فيأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق من التراب ومن النطفة، وذلك قوله:

طه 20:55

(منها خلقناكم وفيها نعيدكم). وأخرج أحمد والحاكم عن أبي أمامة قال: لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى)، بسم الله؛ وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 379.]]. وفي حديث في السنن أنه أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: " منها خلقناكم -ثم أخرى- وقال: وفيها نعيدكم -ثم أخرى- وقال: ومنها نخرجكم تارة أخرى ".

طه 20:56

(ولقد أريناه) الرؤية بصرية أي أَبْصَرْنا فرعون وَعَرَّفْناه (آياتنا كلها) المراد بها الآيات التسع المذكورة في قوله ولقد آتينا موسى تسع آيات، على أن الإضافة للعهد، وهي العصا واليد والسنين ونقص الثمرات والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم وطمس الأموال والشد على القلوب. وقال أبو السعود: هي العصا واليد وصيغة الجمع مع كونهما اثنتين باعتبار ما في تضاعيفهما من بدائع الأمور التي كل منها آية بينة لقوم يعقلون انتهى، وهذا مبني على أن هذا إخبار عما وقع له مع فرعون في أول دعائه له، وليس كذلك بل هذا إخبار عن جملة ما وقع له في مدة دعائه له، وهي عشرون سنة؛ وأن هذا من جملة الكلام المعْتَرَض به في أثناء القصة، وقيل: المراد جميع الآيات التي جاء بها موسى والتي جاء بها غيره من الأنبياء وأن موسى قد كان عرفه جميع معجزاته؛ ومعجزات سائر الأنبياء، والأول أولى، وقيل المراد بها حجج الله سبحانه الدالة على توحيده. (فكذب) فرعون بها أو بموسى، وزعم أنها سحر (وأبى) عليه أن يجيبه إلى الإيمان وأن يوحد الله، وهذا يدل على أن كفر فرعون كفر عناد لأنه رأى الآيات وكذب بها كما في قوله: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً).

طه 20:57

(قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا؟) مستأنفة مرتبة على جواب موسى؛ والهمزة للإنكار لما جاء به موسى من الآيات أي جئت يا موسى لتوهم الناس بأنك نبي يجب عليهم اتباعك، والإيمان بما جئت به حتى تتوصل بذلك الإيهام الذي هو شعبة من السحر إلى أن تَغْلِب على أرضنا، يعني مصر وتخرجنا منها، ويكون لك الملك فيها وإنما ذكر الملعون الإخراج من الأرض لتنفير قومه عن إجابة موسى فإنه إذا وقع في أذهانهم وتقرر في أفهامهم أن عاقبة إجابتهم لموسى الخروج من ديارهم وأوطانهم كانوا غير قابلين لكلامه ولا ناظرين في معجزاته ولا ملتفتين إلى ما يدعو إليه من الخير. (بسحرك يا موسى) فيه دليل على أنه خاف منه خوفاً شديداً وإلا فأي ساحر يقدر أن يخرج ملكاً من أرضه

طه 20:58

(فلنأتينك بسحر مثله) أي والله لنعارضنك بمثل ما جئت به من السحر في الغرابة، حتى يتبين للناس أن الذي جئت به سحر يقدر على مثله ساحر. (فاجعل بيننا وبينك موعداً) هو مصدر أي وعداً، وقيل اسم مكان أي اجعل لنا يوماً معلوماً أو مكاناً معلوماً أو أجلاً وميقاتاً، قال الجوهري: الميعاد المواعدة والوقت والموضع وكذلك الموعد، قال القشيري وأبو البقاء، والأظهر أنه مصدر ولهذا قال. (لا نخلفه) أي لا نخلف ذلك الوعد ولا نجاوزه، وقرئ بالرفع على أنه صفة لموعد أي لا نخلف ذلك الموعد، وقرئ بالجزم على أنه جواب الأمر، والاخلاف أن تعد شيئاً ولا تنجزه (نحن) توكيد مصحح للعطف على الضمير المرفوع المستتر في نخلفه. (ولا أنت) فوض تعيين الموعد إلى موسى إظهاراً لكمال اقتداره على الإتيان به بمثل ما أتي به موسى (مكاناً) منصوب باجعل على أنه مفعول فيه وأطال الكلام على نصبه السمين (سوى) بضم السين وبكسرها وهما قراءتان سبعيتان وكسر السين هي اللغة العالية الفصيحة، والمراد مكاناً مستوياً، وقيل مكاناً منصفاً عدلاً بيننا وبينك، قال سيبويه يقال: سوى وسوى أي عدل يعني عدلاً بين المكانين. قال أبو عبيدة والقتيبي: معناه مكاناً وسطاً بين الفريقين، لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين مستوية، وقيل معناه سوى هذا المكان وفيه بعد. قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى (60) قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى (61) فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (64) قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (65) ثم واعده موسى لوقت معلوم و

طه 20:59

(قال موعدكم) أي زمان الوعد (يوم الزينة) أو وعدكم وعد يوم الزينة وقرئ يوم بالنصب أي في يوم الزينة إنجاز موعدنا، قال مجاهد وقتادة ومقاتل والسدي: كان ذلك يوم عيد يتزينون فيه؛ وقال سعيد بن جبير: كان ذلك يوم عاشوراء، وبه قال ابن عباس، وعن ابن عمر نحوه. وقال الضحاك: يوم السبت، وقيل يوم النيروز، وقيل يوم كسر الخليج. وإنما جعل الميعاد زماناً بعد أن طلب منه فرعون أن يكون مكاناً سوى، لأن يوم الزينة يدل على مكان مشهور يجتمع فيه الناس ذلك اليوم، وإنما خص عليه السلام ذلك اليوم ليكون ظهور الحق وزهوق الباطل في يوم مشهور على رؤوس الأشهاد، ويشيع ذلك فيما بين كل حاضر وباد، ولما أن ذلك اليوم وقت ظهور غاية شوكتهم، ولإظهار كمال قوته، وكونه على ثقة من أمره وعدم مبالاته بهم. (وأن يحشر الناس ضحى) يعني وقت الضحى ذلك اليوم الذي هو عبارة من ارتفاع الشمس، والمراد بالناس أهل مصر، والمعنى يحشرون إلى العيد وقت الضحى نهاراً وينظرون في أمر موسى وفرعون جهاراً ليكون أبعد من الريبة وأبين لكشف الحق وليشيع في جميع أهل الوبر والمدر. قال الفراء: إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى، فذلك الموعد قال: وجرت عادتهم بحشر الناس في ذلك اليوم، وقرئ يحشر على البناء للمفعول وللفاعل أي وأن يحشر الله الناس، وقرئ بالنون؛ وبالفوقية أي وأن تحشر أنت يا فرعون، والضحى قال الجوهري: ضحوة النهار بعد طلوع الشمس، ثم بعده الضحى وهو حين تشرق الشمس، وخص الضحى لأنه أول النهار فإذا امتد الأمر بينهما كان في النهار متسع.

طه 20:60

(فتولى فرعون) أي انصرف من ذلك المقام والمجلس ليهيئ ما يحتاج إليه مما تواعدا عليه، وقيل معنى تولى أعرض عن الحق، والأول أولى: (فجمع كيده) أي جمع ما يكيد به سحره وحيلته، والمراد أنه جمع السحرة، قيل كانوا اثنين من القبط وسبعين من بني إسرائيل، وقيل أربعمائة وقيل اثنى عشر ألفاً، وقيل أربعة عشر ألفاً، وقال ابن المنذر: كانوا ثمانين ألفاً، وقيل غير ذلك مع كل واحد حبل وعصا. (ثم أتى) فرعون الموعد الذي تواعدا إليه مع جمعه الذي جمعه وأتى موسى أيضاً

طه 20:61

(قال لهم موسى) مستأنفة جواب سؤال مقدر. (ويلكم لا تفتروا على الله كذباً) دعا عليهم بالويل ونهاهم عن افتراء الكذب بإشراك أحد معه بادعاء كون ما ظهر على يدي سحراً، قال الزجاج: التقدير ألزمهم الله ويلاً، أو هو نداء كقوله: (يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا). (فيسحتكم بعذاب) عظيم السحت الاستئصال يقال سحت وأسحت بمعنى وأصله استقصاء الشعر قرئ من السحت، وهي لغة نجد وبني تميم، وقرئ من سحت وهي لغة الحجاز، قال ابن عباس: يسحتكم يهلككم، وقال قتادة: يستأصلكم؛ وقال أبو صالح: فيذبحكم. (وقد خاب من افترى) أي قد خسر وهلك من كذب على الله أيّ كذب كان

طه 20:62

(فتنازعوا) أي السحرة (أمرهم بينهم) لما سمعوا كلام موسى تناظروا وتشاوروا في أمر موسى وأخيه وتجاذبوا أطراف الكلام في ذلك أي هل هما ساحران أو رسولان؟ (وأسروا النجوى) أي من موسى وكانت نجواهم هي قولهم الآتي: أن هذان لساحران. وقيل إنهم تناجوا فيما بينهم، فقالوا إن كان ما جاء به موسى سحراً فسنغلبه وإن كان من عند الله فسيكون له أمر. وقيل الذي أسروه أنه إذا غلبهم اتبعوه، قاله الفراء والزجاج، وقيل الذي أسروه أنهم لما سمعوا قول موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذباً قالوا: ما هذا بقول ساحر، والنجوى المناجاة يكون اسماً ومصدراً.

طه 20:63

(قالوا) لأنفسهم أي قال بعضهم لبعض سراً، وحاصل ما قالوه ست جمل أولها قولهم: (إن هذان لساحران) وآخرها قولهم: (وقد أفلح اليوم من استعلى) وقرئ إن هذين وروي هذا عن عثمان وعائشة وغيرهما من الصحابة، وبها قرأ الحسن والنخعي وغيرهما من التابعين وهذه موافقة للإعراب الظاهر مخالفة لرسم المصحف فإنه مكتوب بالألف، وقرئ إن هذان بتخفيف إن على أنها نافية، وهذه موافقة للرسم وللإعراب. وقرأ أهل المدينة والكوفة إنَّ هذان بتشديد إن وبالألف فوافقوا الرسم وخالفوا الإعراب الظاهر. وقد تكلم جماعة من أهل العلم في توجيه هذه القراءة وقد استوفى ذلك ابن الأنباري والنحاس، فقيل إنها لغة بني الحرث بن كعب ومراد وخثعم وكنانة يجعلون رفع المثنى ونصبه وجره بالألف أي في أحواله الثلاث، وبه صرح سيبويه والأخفش وأبو زيد والكسائي والفراء. وقيل: إن بمعنى نعم هاهنا قاله عاصم، قال النحاس: رأيت الزجاج والأخفش يذهبان إليه، وقال الزجاج المعنى أن هذان لهما ساحران وأنكره أبو علي الفارسي وأبو الفتح وابن جني، وقيل أن الألف في هذا مشبهة بالألف في يفعلان فلم تغير، وقيل إنه هذان لساحران، وبه قال قدماء النحاة، وقال ابن كيسان: إنه لما كان يقال. هذا بالألف في الرفع والنصب والجر على حال واحدة، وكانت التثنية لا تغير الواحد أجريت مجرى الواحد، فثبتت الألف في الرفع والنصب والجر، وقيل تقديره ما هذان إلا ساحران فهذه أقوال تتضمن توجيه هذه القراءة بوجه تصح به وتخرج به عن الخطأ وبذلك يندفع ما روي عن عثمان وعائشة أنه غلط من الكاتب للمصحف. وحاصل القراءات السبعية التي في هذا التركيب أربعة واحدة لأبي عمرو، وهي التي بالياء، والثانية ألف بعدها نون مشددة ومخففة من ان، والأخريان تخفيف النون التي في هذان مع تشديد النون من ان وتخفيفها، وإثبات كل من الياء والألف في النطق وإن كان قراءة سبعية صحيحة متواترة لكنه مشكل من حيث مخالفته لخط الصحف الإمام فإنه ليس فيه ياء ولا ألف فإن رسمه كما في السمين هذن من غير ألف ولا ياء، ثم قال: وكم جاء في الرسم أشياء خارجة عن القياس، وقد نصوا على أنه لا نُجَوِّز القراءة بها فليكن هذا الموضع مما خرج عن القياس. (يريدان أن يخرجاكم من أرضكم) وهي أرض مصر (بسحرهما) الذي أظهراه (ويذهبا بطريقتكم المثلى) قال الكسائي: أي بسنتكم، والمثلى نعت، كقولك: امرأة كبرى تقول العرب فلان على الطريقة المثلى يعنون على الهدى المستقيم، قال الفراء: العرب تقول هؤلاء طريقة قومهم وطرائق قومهم لأشرافهم ونحوه في القاموس والمثلى تأنيث الأمثل وهو الأفضل يقال: فلان أمثل قومه أي أفضلهم وهم الأماثل وإنما أتت باعتبار التعبير بالطريقة وإلا فباعتبار المعنى كأن يقال أماثل، والمعنى أنهما أن يغلبا بسحرهما مال إليهما السادة والأشراف منكم أو يذهبا بمذهبكم الذي هو أمثل المذاهب. قال ابن عباس: يقول أمثلكم وهم بنو إسرائيل وقال علي: أي يصرف وجوه الناس إليهما.

طه 20:64

(فأجمعوا كيدكم) الفاء فصيحة، أي إذا كان الأمر كما ذكر من كونهما ساحرين فأجمعوا، والإجماع الإحكام والعزم على الشيء. قاله الفراء، تقول أجمعت على الخروج مثل أزمعت. وقال الزجاج: معناه ليكن عزمكم كلكم كالكيد مجمعاً عليه بحيث لا يتخلف عنه واحد منكم. (ثم ائتوا صفاً) أي مصطفين مجتمعين ليكون أنظم لأمرهم وأشهد لهيبتهم وأدخل في استجلاب الخشية، وهذا قول جمهور المفسرين. وقال أبو عبيدة: الصف المجمع، ويسمى المصلى الصف. قال الزجاج: وعلى هذا معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال أتيت الصف بمعنى أتيت المصلى. فعلى التفسير الأول نصب صفاً على الحال، وعلى الثاني على المفعولية، قال الزجاج: يجوز أن يكون المعنى " ثم ائتوا والناس مصطفون " فيكون مصدراً في موضع الحال ولذلك لم يجمع. (وقد أفلح اليوم من استعلى) أي فاز من غلب، يقال استعلى عليه إذا غلبه؛ وهذا كله من قول السحرة بعضهم لبعض، وقيل: من قول فرعون لهم، وهذه جملة معترضة.

طه 20:65

(قالوا يا موسى) اختر أحد الأمرين، كذا قدره الزمخشري، وهذا تفسير معنى (إما أن تلقي) ما تلقيه أو التقدير الأمر إما إلقاؤك أول أو إلقاؤنا، كذا قدره الزمخشري، أو إلقاؤك أول، ويدل عليه قوله: (وإما أن نكون) نحن (أول من ألقى) ما يلقيه، واختاره المحلى، أو أول من يفعل الإلقاء والمراد إلقاء العصا على الأرض، وكانت السحرة معهم عصيّ، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، فلما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول، وهذا منهم استعمال أدب حسن معه، وكأنه تعالى ألهمهم ذلك وقد وصلت إليهم بركته. قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (66) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (67) قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (68) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (69) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (70) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) وعلم موسى اختيار إلقائهم أولاً حتى

طه 20:66

(قال) لهم (بل ألقوا) أنتم أولاً، وإنما أمرهم بذلك لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا ما معهم فيصير آية نيرة للناظرين وعبرة بينة للمعتبرين، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع ذلك ويظهر سلطانه. وقيل: إنما بتَّ عليه السلام لهم القول مقابلة للأدب بأحسن من أدبهم، وإظهاراً لعدم المبالاة بسحرهم. فألقوا (فإذا حبالهم) الفاء فصيحة، يقال إذاً هذه هي المفاجئة، والتحقيق أنها إذاً الكائنة بمعنى الوقت للطالبة ناصباً لها، وقد يكون ناصبها فعلاً مخصوصاً وهو فعل المفاجأة (وعصيهم) بكسر العين اتباعاً لكسرة الصاد، وقرئ بضمها وهي لغة بني تميم. (يخيل إليه من سحرهم) بالتحتية على البناء للمفعول، وقرئ تخيل بالفوقية لأن العصي والحبال مؤنثة، وقريء نخيل بالنون على أن الله سبحانه هو المخيل لذلك، وقرئ بالتحتية مبنياً للفاعل على أن المخيل هو الكيد. وقيل المخيل هو (أنها تسعى) أي يخيل إليه سعيها، ذكر معناه الزجاج، وقال ومن قرأ بالفوقية جعل أن في موضع نصب، أي تخيل إليه ذات سعي. يقال خيل إليه إذا شبه له، وأدخل عليه التهمة والشبهة، وذلك أنهم لطخوها وطلوها بالزئبق فلما أصابها حر الشمس ارتعشت واهتزت واضطربت، فخيل إليه أنها تتحرك.

طه 20:67

(فأوجس) أي أحس وقيل وجد وقيل أضمر وقيل خاف (في نفسه خيفة موسى) وذلك لما يُعْرَض من الطباع البشرية عند مشاهدة ما يخشى منه، وقيل خاف أن يفتتن الناس قبل أن يلقي عصاه، أو لعله كان مأموراً بأن لا يفعل شيئاً إلا بالوحي، فلما تأخر نزول الوحي في ذلك المحفل بقي في الخجل. قاله ابن عادل وقيل أن سبب خوفه هو أن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس أمره على الناس فلا يؤمنوا، فأذهب الله سبحانه ما حصل معه من الخوف بما بشره به بقوله:

طه 20:68

(قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى) أي المستعلي عليهم بالظفر والغلبة، والجملة تعليل للنهي عن الخوف، وفيه إشارة إلى أن لهم علواً وغلبة بالنسبة إلى سائر الناس، ولذلك أوجس منهم خيفة فرد ذلك بأنواع من المبالغة، أحدها ذكر كلمة التوكيد وهي (إنَّ) وثانيها تكرير الضمير، وثالثها لام التعريف، ورابعها لفظ العلو وهو الغلبة الظاهرة، وهذا يكفي فيه ظن العلو في أمرهم لا أن الأعلى لمجرد الزيادة، لأنه لم يكن للسحرة علو حتى يكون هو أعلى منهم كما قيل. قاله الكرخي.

طه 20:69

(وألق ما في يمينك) يعني العصا، وإنما أبهمها تعظيماً وتفخيماً، أي لا تحتفل بهذه الأجرام فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها، وهذه على كثرتها أقل شيء عندها، فألقها ولا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم، وجاز أنه يكون الإبهام للتصغير أي وألق العُوَيْد الفريد الصغير الجرم، الذي بيدك فإنه بقدرة الله تعالى: (تلقف) على وحدته وكثرتها وصغره وعظمها. قرئ تلقف بسكون اللام من لقفه إذا ابتلعه بسرعة، وقرئ بالرفع على تقدير فإنها تلقف. وقال الزجاج: القراءة بالجزم جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال كأنه قال ألقها متلقفة (ما صنعوا) من الحبال والعصيّ. (إنما صنعوا كيد ساحر) أي جنسه، أي أن الذي صنعوه كيد ساحر، أو أن صنعهم كيد ساحر وقرئ سِحر، وإضافة الكيد إلى السحر على الاتساع من غير تقدير، أو بتقدير ذي سحر وقيل غير ذلك. (ولا يفلح) ولا يسعد (الساحر) أي جنس الساحر (حيث أتى) أي حيث كان وأين توجه وأقبل، وهذا من تمام التعليل.

طه 20:70

(فألقي السحرة) أي فألقى ذلك الأمر الذي شاهدوه من موسى والعمى إياهم (سجداً) لله تعالى، وذلك لأنهم كانوا في أعلى طبقات السحر، فلما رأوا ما فعله موسى خارجاً عن صناعتهم، عرفوا أنه ليس من السحر البتة، وقد مر تحقيق هذا في سورة الأعراف. قال صاحب الكشاف: سبحان الله ما أعجب أمرهم، قد ألقوا حبالهم وعصيهم للكفر والجحود، ثم ألقوا رؤوسهم بعد ساعة للشكر والسجود، فما أعظم الفرق بين الإلقاءين؛ وقيل إنهم لم يرفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار والثواب والعقاب (قالوا آمنا برب هارون وموسى) إنما قدم هارون على موسى هنا في حكاية كلامهم، وأخر في الشعراء رعاية لفواصل الآي وعناية بتوافق رؤوسها؛ ولأن الواو لا توجب ترتيباً. قال عكرمة: إن سحرة فرعون كانوا تسعمائة، فقالوا لفرعون: إن يكن هذان ساحرين فإنا نغلبهما فإنه لا أسحر منا، وإن كانا من رب العالمين فإنه لا طاقة لنا برب العالمين، فلما كان من أمرهم أن خروا سجداً أراهم الله في سجودهم منازلهم التي يصيرون إليها في الجنة، فعندها قالوا هذا القول، وقالوا أيضاً: (لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات) إلى قوله: (والله خير وأبقى).

طه 20:71

(قال) فرعون (آمنتم له) يقال آمن له وبه، فمن الأول قوله (فآمن له لوط)، ومن الثاني قوله في الأعراف: (آمنتم به). قيل: أن الفعل هنا متضمن معنى الاتباع، وقرئ على الاستفهام التوبيخي أي كيف آمنتم به (قبل أن آذن لكم) أي من غير إذن مني لكم بذلك. (إنه) أي أن موسى (لكبيركم) أي أسحركم وأعلاكم درجة في صناعة السحر، فلا عبرة بما أظهرتموه، أو معلمكم وأستاذكم، كما يدل عليه قوله: (الذي علمكم السحر) يعني إنكم تلامذته في السحر، فاصطلحتم وتواطأتم معه على أن تظهروا العجز من أنفسكم ترويجاً لأمره وتفخيماً لشأنه. قال الكسائي: الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال: جئت من عند كبيري. وقال محمد بن إسحاق: إنه لعظيم السحر. قال الواحدي: الكبير في اللغة الرئيس. ولهذا يقال للمعلم الكبير، أراد فرعون بهذا القول أن يدخل الشبهة على الناس حتى لا يؤمنوا، وإلا فقد علم أنهم لم يتعلموا من موسى ولا كان رئيساً لهم ولا بينه وبينهم مواصلة. (فلأقطعن أيديكم وأرجلكم) أي والله لأفعلن بكم ذلك، والتقطيع للأيدي. والأرجل (من خلاف) هو قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى، لأن كل واحد من العضوين يخالف الآخر بأن هذا يد وذاك رجل، وهذا يمين وذاك شمال، أي لأقطعنها مختلفات، ومن لابتداء الغاية، كان القطع ابتدئ من مخالفة العضو للعضو. (ولأصلبنكم في جذوع النخل) أي على جذوعها؛ كقوله: (أم لهم سلم يستمعون فيه) أي عليه، وإنما آثر كلمة (في) للدلالة على استقرارهم عليها؛ كاستقرار المظروف في الظرف، وهذا هو المشهور، وخص النخل لطول جذوعها؛ وقيل إنه نقر جذوع النخل حتى جوفها ووضعهم فيها فماتوا جوعاً وعطشاً، وهذا على الحقيقة كما أن الأول على المجاز وهو الأولى. (ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى) أراد لتعلمن هل أنا أشد عذاباً لكم على إيمانكم به أم موسى؟ ومعنى أبقى أدوم، وهو يريد بكلامه هذا الاستهزاء بموسى لأن موسى لم يكن من التعذيب في شيء، ويمكن أن يريد العذاب الذي توعدهم به موسى إن لم يؤمنوا، وقيل إشارة إلى أن إيمانهم لم يكن ناشئاً عن مشاهدة المعجزة بل كان من خوفهم من موسى حيث رأوا ما وقع من عصاه. قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (73) إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى (76)

طه 20:72

(قالوا) غير مكترثين بوعيده لهم (لن نؤثرك) أي لن نختارك (على مما جاءنا) به موسى أو جاءنا من عند الله على يده (من البينات) أي من المعجزات الواضحات من عند الله سبحانه كاليد والعصا، وقيل: إنهم أرادوا بالبينات ما رأوه في سجودهم من المنازل المعدة في الجنة، وأنما نسب المجيء إليهم وإن كانت البينات جاءت لهم ولغيرهم، لأنهم كانوا أعرف بالسحر من غيرهم، وقد علموا أن ما جاءهم به موسى ليس من السحر، فكانوا على جلية من العلم بالمعجز وغيره. وغيرهم كالمقلد وأيضاً كانوا هم المنتفعين بها. (و) لن نختارك على (الذي فطرنا) أي خلقنا والواو للعطف، وإنما أخروا ذكر الباري تعالى لأنه من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، وقيل إنها واو القسم والموصول مقسم به وجوابه محذوف، أي وحق الذي، أو والله الذي فطرنا لا نؤثرك على الحق، وهذان الوجهان في تفسير الآية ذكرهما الفراء والزجاج والسمين. (فاقض ما أنت قاض) هذا جواب منهم لفرعون لا قال لهم لأقطعن أيديكم الخ. والمعنى فاصنع ما أنت صانعه من القتل والصلب؛ واحكم ما أنت حاكم به. قال المفسرون: وليس في القرآن أن فرعون فعل بالسحرة ما هددهم به، ولم يثبت في الأخبار أيضاً. قاله أبو السعود. وفي بعض التفاسير أنه فعله بهم كما مر. (إنما تقضي هذه الحياة الدنيا) تعليل لعدم المبالاة المستفادة من قولهم: لن نؤثرك ومن الأمر بالقضاء، أي إنما تصنع ما تهواه أو تحكم بما تراه في هذه الدنيا وما لنا من رغبة فيها ولا رهبة من عذابها. والمعنى إنما سلطانك علينا ونفوذ أمرك فينا في هذه الحياة الدنيا ولا سبيل لك علينا فيما بعدها فسيزول عن قريب قال الفراء: ما بمعنى الذي، أي أن الذي تقضيه هو هذه الحياة الدنيا، فقضاؤك وحكمك منحصر في ذلك.

طه 20:73

(إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا) التي سلفت منا من الكفر وغيره (و) يغفر لنا (ما) أي الذي (أكرهتنا عليه من) عمل (السحر) في معارضة موسى فـ (ما) في محل نصب على المفعولية، وقيل ما نافية، قال النحاس: والأول أولى، ويجوز أن تكون في محل رفع بالابتداء والخبر محذوف، أي وما أكرهتنا عليه من السحر محطوط وموضوع عنا، أو لا يؤاخذنا به ربنا. قال ابن عباس: أخذ فرعون أربعين غلاماً من بني إسرائيل فأمر أن يعلموا السحر فتعلموا، وقال علموهم تعليماً لا يغلبهم أحد في الأرض، فهم من الذين آمنوا بموسى، وقالوا هذا القول: (والله خير) منك ثواباً (وأبقى) منك عذاباً. قال محمد بن كعب القرظي: خير منك إن أطيع وأبقى منك عذاباً إن عصي، وهذا رد لقوله: (ولتعلمن أينا) الخ حيث كان مراده نفسه.

طه 20:74

(إنه) أي الشأن (من يأت ربه مجرماً) هو المتلبس بالكفر والمعاصي، المائت عليها (فإن له جهنم لا يموت فيها) فيستريح (ولا يحيى) حياة تنفعه قال المبرد: لا يموت ميتة مريحة ولا يحيى حياة ممتعة، فهو يألم كما يألم الحي ويبلغ به حالة الموت في المكروه، إلا أنه لا يبطل فيها عن إحساس الألم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وهذا تحقيق لكون عذابه أبقى، وهذه الآية من جملة ما حكاه الله سبحانه من قول السحرة. وقيل هو ابتداء كلام، وهذا هو الأظهر. قاله النسفي. أخرج أحمد ومسلم وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فأتى على هذه الآية فقال: " أما أهلها الذين هم أهلها فإنهم لا يموتون فيها ولا يحييون، وأما الذين ليسوا بأهلها فإن النار تميتهم إماتة ثم يقوم الشفعاء فيشفعون، فيؤتى بهم ضبائر على نهر يقال له الحياة أو الحيوان فينبتون كما ينبت القثاء في حميل السيل " [[مسلم 185 - وأحمد بن حنبل 3/ 11.]].

طه 20:75

(ومن يأته) أي ومن يأت ربه (مؤمناً) أي مصدقاً به (قد عمل الأعمال (الصالحات) أي الطاعات ومات على الإيمان وليس فيه ما يدل على عدم اعتبار الإيمان المجرد عن العمل الصالح في استتباع الثواب، لأن ما نيط من الأعمال الصالحة هو الفوز بالدرجات العلى لا الثواب مطلقاً (فأولئك) الإشارة إلى من باعتبار معناه (لهم الدرجات العلى) أي المنازل الرفيعة التي قصرت دونها الصفات، والعلى جمع علياء مؤنث أعلى.

طه 20:76

(جنات عدن تجري من تحتها الأنهار) بيان للدرجات، وعدن علم للإقامة كما سبق (خالدين فيها) أي ماكثين دائمين، فيه مراعاة لمعنى من (وذلك) أي ما تقدم لهم من الأجر (جزاء من تزكى) أي من تطهر من الكفر والذنوب والمعاصي الموجبة للنار. وأخرج أبو داود وابن مردويه عن أبي سعيد قال، قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -): " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من تحتهم كما ترون الكوكب الدري في أفق السماء وإن أبا بكر وعمر منهم وأنْعِمَا " [[صحيح الجامع الصغير 2026.]]، وفي الصحيحين بلفظ " إن أهل عليين ليرون من فوقهم، كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء " [[مسلم 2831 - البخاري 1540.]]. وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (77) فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (79) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (80) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (81) وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (82)

طه 20:77

(ولقد أوحينا إلى موسى) هذا شروع في إنجاء بني إسرائيل وإهلاك عدوهم، وقد تقدم في البقرة والأعراف، وفي يونس، واللام في لقد هي الموطئة للقسم، وفي ذلك من التأكيد ما لا يخفى (أن أسر بعبادي) أي أسر بهم ليلاً من مصر إلى البحر، وقد تقدم هذا مستوفى. (فاضرب) أي اجعل (لهم طريقاً) وأشرعه، وقيل طريقاً مفعول به على سبيل المجاز بأن يكون المعنى اضرب البحر لينفلق لهم فيصير طريقاً لهم فعلى هذا تصح نسبة الضرب إلى الطريق؛ والمراد بالطريق جنسه، فإن الطرق كانت اثنتي عشرة بعدد أسباط بني إسرائيل (في البحر يبساً) أي يابساً وصف به الفاعل مبالغة، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم تلك الطريق، ومرت عليه الصَّبا فجففته حتى لم يكن فيها ماء ولا طين قاله محمد بن كعب ومجاهد، وقرئ بسكون الباء مخففاً من يَبْساً المحرك وهو مصدر أو جمع يابس كصحب وصاحب وصف به الواحد مبالغة. (ولا تخاف دركاً) أي آمناً من أن يدرككم العدوّ من ورائكم، والدرك اللحاق بهم من فرعون وجنوده، وبه قال ابن عباس قرأ الجمهور لا تخاف وهي أرجح لعدم الجزم في قوله سبحانه: (ولا تخشى) أي من فرعون أو من البحر أن يغرقك

طه 20:78

(فأتبعهم فرعون بجنوده) اتبع هنا مطاوع اتبع يقال: أتبعتهم إذا تبعتهم وذلك إذا سبقوك فلحقته، فالعنى تبعهم فرعون ومعه جنوده، وقيل الباء زائدة والأصل أتبعهم جنوده أي أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه، وقرئ فاتبعهم بالتشديد أي لحقهم بجنوده وهو معهم، كما يقال ركب الأمير بسيفه أي معه سيفه وقيل سائقاً جنوده معه. (فغشيهم من اليمِّ ما غشيهم) أي علاهم وأصابهم منه ما غمرهم من الأمر الهائل الذي لا يقادر قدره، ولا يبلغ كنهه، وقال السمين: هذا من باب الاختصار وجوامع الكلم أي ما يقل لفظها ويكثر معناها، والتكرير للتعظيم والتهويل؛ كما في قوله: (الحاقة ما الحاقة) وقيل غشيهم ما سمعت قصته؛ وقال ابن الأنباري: غشيهم البعض الذي غشيهم لأنه لم يغشهم كل ماء البحر بل الذي غشيهم بعضه، فهذه العبارة للدلالة على الذي أغرقهم بعض الماء، والأول أولى لما يدل عليه من التهويل والتعظيم. وقرئ (فغشاهم من اليمِّ ما غشاهم) أي غطاهم ما غطاهم من الغرق وسترهم ما لم يعلم كنهه إلا الله سبحانه فغرق فرعون وجنوده ونجا موسى وقومه.

طه 20:79

(وأضل فرعون قومه وما هدى) هذا إخبار عن حاله قبل الغرق أي أضلهم عن الرشد وما هداهم إلى طريق النجاة لأنه قدر أن موسى وقومه لا يفوتونه لكونهم بين يديه يمشون في طريق يابسة وبين أيديهم البحر وفي قوله: (وما هدى) تأكيد وتقرير لإضلاله لأن المضل قد يرشد من يضله في بعض الأمور وفيه تكذيب لفرعون في قوله: وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.

طه 20:80

(يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم) ذكر سبحانه ما أنعم به على بني إسرائيل بعد إنجائهم، وفي هذا الترتيب غاية الحسن حيث قدم تذكير نعمة الإنجاء ثم النعمة الدينية ثم الدنيوية والتقدير: قلنا لهم بعد إنجائهم يا بني إسرائيل ويجوز أن يكون خطاباً لليهود المعاصرين لنبينا صلى الله عليه وسلم لأن النعمة على الآباء معدودة من النعم على الأبناء، والمراد بعدوهم هنا فرعون وجنوده، وذلك بإغراقه وإغراق قومه في البحر بمرأى من بني إسرائيل. (وواعدناكم جانب الطور الأيمن) انتصاب جانب على أنه مفعول به لا على الظرفية لأنه مكان معين غير مبهم، وإنما تنتصب الأمكنة على الظرفية إذا كانت مبهمة، قال مكي: وهذا أصل لا خلاف فيه. قال النحاس: والمعنى أمرنا موسى أن يأمركم بالخروج معه لنكلمه بحضرتكم فتسمعوا الكلام، وقيل وعد موسى بعد إغراق فرعون أن يأتي جانب الطور فالوعد كان لموسى وإنما خوطبوا به لأن الوعد كان لأجلهم فهو من المجاز العقلي. وقرئ (ووعدناكم) لأن الوعد إنما هو من الله لموسى خاصة والمواعدة لا تكون إلا من اثنين، وقد قدمنا في البقرة هذا المعنى، والأيمن صفة للجانب، والمراد يمين الشخص لأن الجبل ليس له يمين ولا شمال، فإذا قيل خذ عن يمين الجبل فمعناه عن يمينك من الجبل (ونزلنا عليكم) أي في التيه (المن والسلوى) قد تقدم تفسير المن بالترنجبين والسلوى بالسمان وأوضحنا ذلك بما لا مزيد عليه، وقال أبو السعود: المن هو شيء حلو أبيض مثل الثلج كان ينزل من الفجر إلى طلوع الشمس لكل إنسان صاع ويبعث الريح الجنوب عليهم السماني فيذبح الرجل منهم ما يكفيه.

طه 20:81

(كلوا) أي قلنا لهم: كلوا (من طيبات ما رزقناكم) أي المنعم به عليكم المراد بالطيبات المستلذات، وقيل الحلال، على الخلاف المشهور في ذلك (ولا تطغوا فيه) الطغيان التجاوز أي لا تتجاوزوا ما هو جائز إلى ما لا يجوز كالسرف والبطر والمنع عن المستحق. وقيل: المعنى لا تجحدوا نبي الله فتكونوا طاغين، وقيل: لا تكفروا نعمة الله ولا تنسوا شكرها، وقيل: لا تعصوا النعم أي لا تحملنكم السعة والعافية على المعصية ولا مانع من حمل الطغيان على جميع هذه المعاني، فإن كل واحد منها يصدق عليه أنه طغيان. (فيحل) بكسر الحاء أي يجب (عليكم غضبي) أي يلزمكم وبضمها بمعنى ينزل بكم وهو مأخوذ من حلول الدين أي حضور وقت أدائه (ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى) قرئ بكسر اللام الأولى وبضمها وهما لغتان. قال الفراء: الكسر أحب إليّ من الضم لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع ويحل بالكسر يجب وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع وذكر نحو هذا أبو عبيدة وغيره، وَهَوَى بمعنى هلك، قال الزجاج: فقد هوى أي صار إلى الهاوية وهي قعر النار من هوى يهوي هوياً: أي سقط من علو إلى سفل وهوى فلان أي مات، وقال ابن عباس: هوى أي شقي.

طه 20:82

(وإني لغفار لمن تاب) من الذنوب التي أعظمها الشرك بالله أو من الشرك قاله ابن عباس (وآمن) بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقال ابن عباس: وحد الله (وعمل) عملاً (صالحاً) مما ندب إليه الشرع وحسنه، وقال ابن عباس: أدى الفرائض وظاهر اللفظ يشمل الفرض والنفل. (ثم اهتدى) أي استقام واستمر على ذلك حتى يموت، قاله الزجاج وغيره وقال سعيد بن جبير: لزم السنة والجماعة، وعن ابن عباس قال: من تاب من الذنب وآمن من الشرك وعمل صالحاً فيما بينه وبين ربه ثم اهتدى أي علم أن لعمله ثواباً وعلى تركه عقاباً يجزى عليه، وقيل تعلم العلم ليهتدي به، وقيل لم يشك في إيمانه والأول أرجح مما بعده، و (ثم) إما للتراخي باعتبار الانتهاء لبعده عن أول الاهتداء أو الدلالة على بعد ما بين المرتبتين فإن المداومة أعظم وأعلى من الشروع. والإيضاح أن المراد الاستمرار على تلك الطريقة إذ المهتدي في الحال لا يكفيه ذلك في الفوز بالنجاة، حتى يستمر عليه في المستقبل ويموت عليه، قاله الكرخي. وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى (83) قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (84) قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (85) فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (86) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (87) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (88)

طه 20:83

(وما أعجلك عن قومك يا موسى؟) هذا حكاية لما جرى بين الله سبحانه، وبين موسى عند موافاته الميقات. والسؤال وقع من الله لكنه ليس لاستدعاء المعرفة بل إما لتعريف غيره أو لتبكيته أو لتنبيهه كما صرح به الراغب وظاهره أنه ليس بمجاز كما يقول التلميذ سألني الأستاذ عن كذا ليعرف فهمي ونحو ذلك، قال المفسرون: كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقاً إلى ربه فقال الله تعالى له: ما الذي حملك على العجلة حتى تركت قومك وخرجت من بينهم؟ والمراد بهم جملة بني إسرائيل فإن موسى كان قد أمر هارون أن يسير بهم على أثره ويلحقونه في مكان المناجاة، فأجاب موسى عن ذلك. و

طه 20:84

(قال هم أولاء على أثري) أي بالقرب مني تابعون لأثري واصلون بعدي ليس بيني وبينهم إلا مسافة يسيرة، وقيل لم يرد أنهم يسيرون خلفه؛ بل أراد أنهم بالقرب منه ينتظرون عوده إليهم. بنو تميم يقولون أولى مقصورة وأهل الحجاز أولاء ممدودة؛ قاله عيسى بن عمرو، وقرئ إثر بكسر الهمز وإسكان الثاء وبفتحهما وهما لغتان. ثم قال مصرحاً بسبب ما سأله الله عنه، فقال: (وعجلت إليك رب لترضى) عني بمسارعتي إلى امتثال أمرك أو لتزداد رضا عني بذلك، وفيه دليل على جواز الاجتهاد، والمعنى عجلت إلى الوضع الذي أمرتني بالمصير إليه لترضى عني يقال رجل عجل وعجول بين العجلة والعجلة خلاف البطء. وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب من طريق عمرو بن ميمون عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تعجل موسى إلى ربه فرأى في ظل العرش رجلاً فعجب له فقال: من هذا يا رب؛ قال لا أحدثك من هو لكن سأخبرك بثلاث فيه كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله ولا يعن والديه ولا يمشي بالنميمة ".

طه 20:85

(قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك) مستأنفة كأنه قيل فماذا؟ قال الله أي ابتليناهم واختبرناهم وألقيناهم في فتنة ومحنة، قال ابن الأنباري: صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل من بعد انطلاقك من بينهم وهم الذين خلفهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف فافتتنوا غير اثني عشر ألفاً وهذه الفتنة وقعت لهم بعد خروج موسى من عندهم بعشرين يوماً، وهذا الإخبار من الله تعالى عنها قيل إنه كان وقت سؤاله بقوله: وما أعجلك الخ فهو أول حضوره الميقات وفي ذلك الوقت لم تكن الفتنة وقعت لهم كما علمت فيكون هذا الإخبار فيه تجوز من إطلاق الماضي على المستقبل على حد (أتى أمر الله) وقيل إنه كان بعد تمام الأربعين أو في العشر الأخير منها. قال الشهاب: وعليه الجمهور وعليه فيكون الإخبار حقيقاً لا تجوز فيه. (وأضلهم السامري) أي دعاهم إلى الضلالة وكان من قوم يعبدون البقر فدخل في دين بني إسرائيل في الظاهر وفي قلبه ما فيه من عبادة البقر وكان من قبيلة تعرف بالسامرة، وقيل كان من القبط، وقيل كان علجاً من علوج كرمان رفع إلى مصر، وكان جاراً لموسى وآمن به واسمه موسى بن ظفر وكان منافقاً، فقال لمن معه من بني إسرائيل إنما تخلف موسى عن الميعاد الذي بينكم وبينه لا صار معكم من الحلي، وهي حرام عليكم وأمرهم بإلقائها في النار وكان من أمر العجل ما كان.

طه 20:86

(فرجع موسى إلى قومه) قيل وكان الرجوع إلى قومه بعدما استوفى أربعين يوماً ذا القعدة وعشر ذي الحجة وأخذ التوراة، روي أنه لما رجع موسى سمع الصياح والضجيج وكانوا يرقصون حول العجل، فقال للسبعين الذين كانوا معه: هذا صوت الفتنة. وفي القرطبي: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي عن جماعة يجتمعون ويكثرون من ذكر الله وذكر رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم إنهم يضربون بالقضيب على شيء من الطبل ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشياً عليه ويحضرون شيئاً يأكلونه، فهل الحضور معهم جائز أم لا؟. فأجاب: يرحمك الله، مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأما الرقص والتواجد فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلاً جسداً له خوار، فقاموا يرقصون حوله ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما الطبل فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى؛ وإنما كان مجلس النبي مع أصحابه كأنما على رؤوسهم الطير من الوقار، فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من الحضور في المساجد وغيرها، ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يحضر معهم أو يعينهم على باطلهم. وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المسلمين. إهـ. (غضبان أسفاً) الأسَفِ الشديد الغضب، وقيل الحزين، وقد مضى في الأعراف بيان هذا مستوفى (قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً) الاستفهام للإنكار التوبيخي، والوعد الحسن وعدهم بالجنة إذا أقاموا على طاعته. وقيل وعدهم أن يسمعهم كلامه في التوراة على لسان موسى ليعملوا بما فيها فيستحقوا ثواب عملهم، وكانت ألف سورة كل سورة ألف آية، يحمل أسفارها سبعون جملاً، ولا وعد أحسن من ذلك. قاله النسفي، وقيل وعدهم النصر والظفر. وقيل هو قوله: (وإني لغفار لمن تاب) الآية. (أفطال عليكم العهد) أي أوعدكم ذلك فطال عليكم الزمان فنسيتم (أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) أي يلزمكم أو ينزل عليكم، والغضب العقوبة والنقمة. والمعنى أم أردتم أن تفعلوا فعلاً يكون سبب حلول غضب الله عليكم بإرادتكم واختياركم. (فأخلفتم موعدي) أي موعدكم إياي، فالصدر مضاف إلى المفعول لأنهم وعدوه أن يقيموا على طاعة الله عز وجل إلى أن يرجع إليهم من الطور. وقيل وعدوه أن يأتوا على أثره إلى الميقات فتوقفوا وتركوا المجيء بعده، وهذا ترتيب على كل واحد من شقي الترديد على سبيل البدل. فأجابوه و

طه 20:87

(قالوا ما أخلفنا موعدك) الذي وعدناك (بملكنا) بفتح اليم وقرئ بكسرها؛ واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لأنها على اللغة العالية الفصيحة، وهو مصدر ملكت الشيء أملكه ملكاً، والمصدر مضاف إلى الفاعل والمفعول محذوف، أي بملكنا أمورنا، أو بملكنا الصواب، بل أخطأنا ولم نملك أنفسنا، وكنا مضطرين إلى الخطأ، أي سوَّل لنا السامري ما سوّل. وغلب على عقولنا. قال ابن عباس: بملكنا أي بأمرنا. وقال قتادة، بطاقتنا، وعن السدي مثله، وقيل باختيارنا، وذلك أن المرء إذا وقع في الفتنة لم يملك نفسه، وقرئ بملكنا بضم اليم. والمعنى بسلطاننا، قاله الحسن، أي لم يكن لنا ملك فنخلف موعدك وقيل: أن الفتح والكسر والضم كلها لغات سبعية في مصدر ملكت الشيء. (ولكنا حملنا أوزاراً من زينة القوم) قرئ حملنا بضم الحاء وتشديد الميم وقرئ بفتح الحاء واليم مخففة، واختارها أبو عبيد وأبو حاتم لأنهم حملوا حلية القوم معهم باختيارهم وما حملوها كرهاً، فإنهم كانوا استعاروها منهم حين أرادوا الخروج مع موسى وأوهموهم أنهم يجتمعون في عيد لهم أو وليمة. وقيل هو ما أخذوه من آل فرعون لما قذفهم البحر إلى الساحل. وسميت أوزاراً أي آثاماً لأنه لا يحل لهم أخذها ولا تحل لهم الغنائم في شريعتهم، والأوزار في الأصل الأثقال كما صرح به أهل اللغة، والمراد بالزينة هنا الحلى (فقذفناها) أي طرحناها في النار طلباً للخلاص من إثمها، وقيل المعنى طرحناها إلى السامري لتبقى لديه حتى يرجع موسى فيرى فيها رأيه. (فكذلك ألقى السامري) أي فمثل ذلك القذف ألقاها السامري، قيل إنه قال لهم حين استبطأ القوم رجوع موسى. إنما احتبس عنكم لأجل ما عندكم من الحلى فجمعوه ودفعوه إليه فرمى به في النار وصاغ لهم منه عجلاً، ثم ألقى عليه قبضة من أثر الرسول، وهو جبريل.

طه 20:88

(فأخرج لهم) السامري من الحفرة، وهذا من كلامه تعالى: (عجلاً) صاغه من الحلى في ثلاثة أيام (جسداً) أي حال كونها جسداً أي صائرة جسداً، أي دماً ولحماً، والجسد جمعه أجساد. قال في البارع: لا يقال الجسد إلا للحيوان العاقل، وهو الإنسان والملائكة والجن، ولا يقال لغيره جسد إلا للزعفران، وللذم إذا يبس أيضاً جسد وجاسد والمعنى أخرج لهم عجلاً ذا جثة على التشبيه بالعاقل. (له خوار) صوت يسمع، أي يخور كما يخور الحي من العجول، والخوار صوت البقر؛ وقيل خواره كان بالريح لأنه كان عمل فيه خروقاً فإذا دخلت الريح في جوفه خار، ولم تكن فيه حياة. (فقالوا) أي السامري ومن وافقه بادئ الرأي (هذا إلهكم وإله موسى فنسي) أي فضل موسى ولم يعلم مكان إلهه هذا، وذهب يطلبه في الطور، وهذا يقتضي أنهم جعلوا العجل إلهاً يعبدونه لذاته، لا لتقريبه لهم من الله تعالى. وقيل المعنى فنسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم. قاله ابن عباس وقيل الناسي هو السامري؛ أي ترك السامري ما أمر به موسى من الإيمان وضل كذا قال ابن الأعرابي. أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (89) وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (90) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (91) قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (92) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (93) قَالَ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (94) قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ (95) قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (96)

طه 20:89

(أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً) الاستفهام للتوبيخ والتقريع، أي أفلا يعتبرون ويتفكرون في هذا العجل لا يرد عليهم جواباً، ولا يكلمهم إذا كلموه، فكيف يتهمون أنه إلهه وهو عاجز عن المكالمة، و (أن) مخففة ويرجع بالرفع في قراءة العامة، وقرئ بالنصب وفيه ضعف، والرؤية على الأول علمية، وعلى الثاني بصرية. (ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً) أي لا يقدر على أن يدفع عنهم ضراً، ولا أن يجلب إليهم نفعاً.

طه 20:90

(ولقد قال لهم هارون) اللام هي الموطئة للقسم، وجملة مؤكدة لما تضمنته الجملة التي قبلها من الإنكار عليهم والتوبيخ لهم، أي والله لقد نصح لهم هارون (من قبل) أي من قبل أن يأتي موسى ويرجع إليهم (يا قوم إنما فتنتم به) أي وقعتم في الفتنة بسبب العجل وابتليتم به وضللتم عن طريق الحق لأجله. قيل ومعنى القصر المستفاد من إنما هو أن العجل صار سبباً لفتنتهم لا لرشادهم، وليس معناه أنهم فتنوا بالعجل لا بغيره. (وإن ربكم الرحمن) لا العجل؛ خص هذا الموضع باسم الرحمن تنبيهاً على أنهم متى تابوا قبل الله توبتهم لأنه هو الرحمن ومن رحمته أن خلصهم من آفات فرعون (فاتبعوني) في أمري لكم بعبادة الله، ولا تتبعوا السامري في أمره لكم بعبادة العجل. (وأطيعوا أمري) لا أمره

طه 20:91

(قالوا لن نبرح عليه عاكفين) أجابوا هارون عن قوله المتقدم بهذا الجواب المتضمن لعصيانه وعدم قبول ما دعاهم إليه من الخير، وحذرهم عنه من الشر؛ أي لن نزال مقيمين على عبادة هذا العجل (حتى يرجع إلينا موسى) فينظر هل يقرنا على عبادته أو ينهانا عنها؛ فجعلوا هذا غاية لعكوفهم لكن لا على طريق الوعد بل بطريق التعلل والتسويف فعند ذلك اعتزلهم هارون في اثنى عشر ألفاً من المنكرين لما فعله السامري. أخرج الحاكم وصححه عن عليّ قال: لما تعجل موسى إلى ربه عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلى بني إسرائيل فضربه عجلاً، ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار، فقال لهم السامري: هذا إلهكم وإله موسى، فقال لهم هارون: يا قوم الم يعدكم ربكم وعداً حسناً؟ فلما أن رجع موسى أخذ برأس أخيه فقال له هارون مما قال، فقال موسى للسامري ما خطبك؟ قال قبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها، وكذلك سوَّلت لي نفسي، فعمد موسى إلى العجل فوضع موسى عليه المبارد فبرده بها وهو على شط نهر، فما شرب أحد من ذلك الماء ممن كان يعبد ذلك العجل إلا اصفر وجهه مثل الذهب، فقالوا لموسى ما توبتنا؟ قال يقتل بعضكم بعضاً، فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه ولا يبالي بمن قتل حتى قتل منهم سبعون ألفاً، فأوحى الله إلى موسى: مرهم فليرفعوا أيديهم فقد غفرت لمن قتل وتبت على من بقي، والحكايات لهذه القصة كثيرة جداً.

طه 20:92

(قال يا هارون ما منعك) جملة مستأنفة، والمعنى أن موسى لما وصل إليهم أخذ بشعور رأس أخيه هارون وبلحيته، وقال ما منعك من اتباعي واللحوق بي عند أن وقعوا في هذه الضلالة ودخلوا في الفتنة؟. وقيل المعنى ما منعك من اتباعي في الإنكار عليهم؟ وقيل معناه هلا قاتلتهم إذ قد علمت أني لو كنت بينهم لقاتلتهم؟ وقيل معناه هلا فارقتهم؟. (إذ رأيتهم ضلوا

طه 20:93

ألا تتبعن؟) أي أيُّ شيء منعك حين رؤيتك لضلالهم من اتباعي، ومن أن تلحقني وتأتيني في الجبل فتخبرني بما فعلوا، وهذه الياء من ياءات الزوائد فحقها أن تحذف في الرسم كما هي كذلك في مصحف الامام ولا زائدة للتوكيد. (أفعصيت) الهمزة للإنكار والتوبيخ، والمعنى كيف خالفت (أمري) لك بالقيام لله ومنابذة من خالف دينه، وأقمت بين هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهاً؟ وقيل: المراد بقوله: (أمري) هو قوله الذي حكى الله عنه. وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين، فلما أقام معهم ولم يبالغ في الإنكار عليهم نسبه إلى عصيانه ومخالفة أمره، وبه قال ابن جرير والقرطبي.

طه 20:94

(قال) هارون (يا ابن أم) بفتح الميم وبكسرها، وعلى كل من القراءتين أراد أمي لكن على الأولى حذفت الألف المنقلبة عن الياء اكتفاء عنها بالفتحة، وعلى الثانية حذفت الياء اكتفاء عنها بالكسرة، ونسبه إلى الأم مع كونه أخاه لأبيه وأمه عند الجمهور استعطافاً له وترقيقاً لقلبه؛ فليس ذكرها لكونه أخاه من أمه فقط كما قيل، فإن الحق إنه كان شقيقه. (لا تأخذ بلحيتي) وكان أخذها بشماله (ولا برأسي) وكان أخذ شعره بيمينه غضباً، والمعنى ولا بشعر رأسي وكان قد أخذ بذؤابتيه، أي لا تفعل هذا بي عقوبة منك لي فإن لي عذراً هو (إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل) أي خشيت إن خرجت عنهم وتركتهم أن يتفرقوا فتقول لي إنك فرقت جماعتهم وتغضب عليّ، وذلك لأن هارون لو خرج لتبعه جماعة ممن لم يعبد العجل وتخلف مع السامري عند العجل آخرون، وربما أفضى ذلك إلى القتال بينهم. (ولم ترقب قولي) أي تقول لم تعمل بوصيتي لك فيهم وتحفظها، ومراده بوصية موسى له قوله هو: اخلفني في قومي وأصلح. قال أبو عبيدة: معناه ولم تنتظر عهدي وقدومي لأنك أمرتني أن أكون معهم. وقال ابن جريج: لم تنتظر قولي ما أنا صانع. وقال ابن عباس: لم تحفظ قومي، والياء في (قولي) وواقعة على موسى، وقيل واقعة على هارون، لَكِنْ المفسرون على الاحتمال الأول كالسمين والبيضاوي والخازن والخطيب فكلهم اقتصروا على ذلك. والمعنى على الثاني وخشيت عدم تأملك في القول حتى تفهم عذري، فاعتذر هارون إلى موسى هاهنا بهذا، واعتذر إليه في الأعراف بما حكاه الله عنه هنالك حيث قال: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني. ثم ترك موسى الكلام مع أخيه وخاطب السامري

طه 20:95

(قال فما خطبك) أي ما شأنك الداعي؟ وما الذي حملك على ما صنعت (يا سامري،

طه 20:96

قال بصرت بما لم يبصروا به) أي رأيت ما لم يروا وعلمت بما لم يعلموا وفطنت لما لم يفطنوا له وأراد بذلك أنه رأى جبريل على فرس الحياة فألقى في ذهنه أن يقبض قبضة من أثره، وأن ذلك الأثر لا يقع على جماد إلا صار حياً. وقرئ لم تبصروا بالفوقية على الخطاب وبالتحتية وهي أولى لأنه يبعد كل البعد أن يخاطب موسى بذلك ويدير لنفسه أنه علم ما لم يعلم به موسى يقال بَصر بالشيء أي علمه وأبصره أي نظر إليه. كذا قال الزجاج، وقيل هما بمعنى علمه والعامة على ضم الصاد، وقرئ بالكسر وهي لغة. (فقبضت قبضة) بالضاد المعجمة فيهما، وقرئ بالصاد المهملة فيهما، والفرق بينهما أن ما بالمعجمة هو الأخذ بجميع الكف، وما بالمهملة بأطراف الأصابع والقبضة بضم القاف القدر المقبوض. قال الجوهري: هي ما قبضت عليه من شيء. قال وربما جاء بالفتح وقد قرئ قبضة بضم القاف وفتحها ومعنى الفتح المرة من القبض ثم أطلقت على المقبوض وهو معنى القبضة بضم القاف. (من أثر الرسول) أي من المحل الذي وقع عليه حافر فرس جبريل أي الملك الذي أرسل إليك ليذهب بك إلى الطور للمناجاة وأخذ التوراة ولعل ذكره بعنوان الرسالة للإشعار بوقوفه على ما لم يقف عليه القوم، وللتنبيه على وقت أخذ القبضة. (فنبذتها) أي فطرحتها في الحلى المذابة المسبوكة على صورة العجل فَخَارَ (وكذلك) أي ومثل ذلك التسويل (سوّلت) أي زينت (لي نفسي) قاله الأخفش، وقيل حدثتني نفسي أن أفعله ففعلته اتباعاً لهواي، وهو اعتراف بالخطأ واعتذار فلما سمع موسى منه ذلك. قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهُ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا (97) إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا (98) كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (99) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا (100) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (101) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (102)

طه 20:97

(قال فاذهب) من بيننا (فإن لك في الحياة) أي ما دمت حياً وما عشت (أن تقول) لمن رأيته (لا مساس) أي لا تقربني وهو مأخوذ من المماسة أي لا يَمَسُّك أحد ولا تَمَسُّ أحداً، لكن لا بحسب الاختيار منك بل بموجب الاضطرار الملجئ إلى ذلك، لأن الله سبحانه أمر موسى أن ينفي السامري عن قومه وأمر بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يقربوه ولا يكلموه عقوبة له ولا شيء أوحش منها ولا أعظم في الدنيا. ويقال إن قومه باقية فيهم تلك الحالة إلى اليوم، قيل إنه لما قال له موسى ذلك هرب فجعل يهيم في البرية مع السباع والوحش ولا يجد أحداً من الناس يمسه حتى صار كمن يقول لا مساس لبعده عن الناس وبعد الناس عنه، قال الجوهري في الصحاح، وأما قول العرب: لا مساس مثل قطام فإنما بني على الكسر لأنه معدول عن المصدر وهو المس إهـ. ولا مساس مصدر ماس [[وأصلها قبل الإدغام: ماسس.]] كقتال من قاتل فهو يقتضي المشاركة وهو مبني مع لا الجنسية؛ والمراد به النهي أي لا تمسني ولا أمسك وحاصل ما قيل في معنى لا مساس ثلاثة أوجه. الأول: أنه حرم عليه مماسة الناس وكان إذا مسه أحد حم الماس والممسوس فلذلك كان يصيح إذا رأى أحداً: لا مساس. والثاني: أن المراد منع الناس من مخالطته، واعترض بأن الرجل إذا صار مهجوراً فلا يقول هو لا مساس، وإنما يقال له ذلك وأجيب بأن المراد الحكاية أي أجعلك يا سامري بحيث إذا أخبرت عن حالك قلت لا مساس. الثالث: أن المراد انقطاع نسله وأن يخبر بأنه لا يتمكن من مماسة المرأة قاله أبو مسلم وهو ضعيف جداً ويقال: إن موسى هم بقتل السامري، فقال الله تعالى لا تقتله فإنه سخي نقله القرطبي؛ وهذه الآية أصل في نفي أهل البدع والمعاصي وهجرانهم وأن لا يخالطوا قاله الكرخي، ثم ذكر حاله في الآخرة فقال: (وإن لك موعداً لن تخلفه) بفتح اللام وبالفوقية مبنياً للمفعول أي لن يخلفك الله ذلك الموعد وهو يوم القيامة والموعد مصدر أي إن لك وعداً لعذابك وهو كائن لا محالة، قال الزجاج: أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد، وقرئ لن تخلفه بكسر اللام وله معنيان أحدهما ستأتيه ولن تغيب عنه ولا مذهب لك عنه ولن تجده مخلفاً، كما تقول أحمدته أي وجدته محموداً، والثاني على التهديد أي لا بد لك أن تصير إليه، ولن يخلف الله موعده الذي وعدك بل توافيه وسيصل إليك، ولن تستطيع الروغان ولا الحيدة عنه، وقرئ لن نخلفه بالنون أي لن يخلفه الله. (وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفاً) أصله ظللت، وقرئ بكسر الظاء أي دمت وأقمت على عبادته، قاله ابن عباس والعاكف الملازم. (لنحرقنه) بالنار قرئ بضم النون وتشديد الراء من حرقه يحرقه وقرئ بتخفيف الراء من أحرقه يحرقه، ومن حرقت الشيء أحرقه حرقاً، إذا بردته وحككت بعضه ببعض أي لنبردنه بالمبارد، ويقال للمبرد المحرق والقراءة الأولى أولى، ومعناها الإحراق بالنار، وكذلك معنى الثانية، وقد جمع بين هذه الثلاث القراءات بأنه أحرق؛ ثم برد بالمبرد، وفي قراءة ابن مسعود لنذبحنه ثم لنحرقنه واللام هي الموطئة للقسم. (ثم لننسفنه في اليم نسفاً) قال ابن عباس. أي لنذرينه في هواء البحر بحيث لا يبقى منه عين ولا أثر، والمقصود من ذلك زيادة عقوبته وإظهار غباوة المفتنين به لمن له أدنى نظر، والنسف نقض الشيء لتذهب به الريح، وقرئ بضم السين وبكسرها وهما لغتان، والمِنْسَف ما ينسف به الطعام وهو شيء منصوب الصدر أعلاه مرتفع والنسافة ما يسقط منه، والنسف التفرقة والتذرية، وقيل قلع الشيء من أصله، واليم البحر قاله ابن عباس، وقال عليّ: النهر.

طه 20:98

(إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو) لا هذا العجل الذي فتنكم به السامري استئناف مسوق لتحقيق الحق إثر إبطال الباطل (وسع كل شيء علماً) أي وسع علمه كل شيء، وقرئ وسع مشددة، قال قتادة: وسع ملأ، وهذا آخر قصة موسى في هذه السورة المبتدأة بقوله: (وهل أتاك حديث موسى) الخ.

طه 20:99

(كذلك) كلام مستأنف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم تسلية له وتبصرة بأحوال من تقدم وتكثيراً لمعجزاته وتذكيراً للمستبصرين من أمته؛ أي كما قصصنا عليك خبر موسى: (نقص عليك من أنباء ما قد سبق) أي من أخبار الحوادث الماضية في الأمم الخالية لتكون تسلية لك، ودلالة على صدقك ومن للتبعيض أي بعض أخبار ذلك. (وقد آتيناك من لدنا ذكراً) منطوياً ومشتملاً على هذه القصص والأخبار والمراد بالذكر القرآن قاله ابن زيد، وسمي ذكراً لما فيه من الموجبات للتذكر والاعتبار، وقيل المراد بالذكر الشرف كقوله: (وإنه لذكر لك ولقومك) ثم توعد سبحانه المعرضين عن هذا الذكر فقال:

طه 20:100

(من أعرض عنه) فلم يؤمن به ولا عمل بما فيه، وقيل عن الله سبحانه (فإنه) أي المعرض عنه (يحمل يوم القيامة وزراً) أي إثماً عظيماً وعقوبة ثقيلة بسبب إعراضه

طه 20:101

(خالدين فيه) أي في عذاب الوزر، والمعنى أنهم مقيمون في جزائه فأقيم السبب مقام المسبب (وساء لهم) اللام للبيان كما في هيت لك (يوم القيامة حملاً) أي بئس الحمل، والمخصوص بالذم محذوف أي ساء لهم حملاً وزرهم.

طه 20:102

(يوم) أي اذكر يوم (ينفخ) قرئ بضم التحتية وبالنون مبنياً للفاعل، وبفتح الياء على أن الفاعل هو الله أو إسرافيل (في الصور) بسكون الواو، وقرئ بفتحها جمع صورة، والأول أولى وهو قرن ينفخ فيه يدعى به الناس للمحشر، والمراد بهذه النفخة الثانية لأنه أتبعه بقوله: (ونحشر المجرمين) المراد بهم المشركون والكافرون والعصاة المأخوذون بذنوبهم التي لم يغفرها الله لهم. والمراد بقوله: (يومئذ) يوم النفخ في الصور (زرقاً) أي زرق العيون مع سواد الوجوه، والزرقة الخضرة في العين كعين السنور، والعرب تتشاءم بزرقة العين لأن الروم كانوا أعدى أعدائهم وهم زرق؛ والزراقة أسوأ ألوان العين، وأبغضها إلى العرب ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكبد أصهب السبال أزرق العين. وقال الفراء: زرقاً أي عمياً، وقال الأزهري: عطاشاً، وهو قول الزجاج لأن سواد العين يتغير بالعطش إلى الزرقة، وقيل: إنه كناية عن الطمع الكاذب إذا تعقبته الخيبة، وقيل هو كناية عن شخوص البصر من شدة الحرص، والقول الأول أولى، والجمع بين هذه الآية وبين قوله: ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً ما قيل من أن ليوم القيامة حالات ومواطن تختلف فيها صفاتهم ويتنوع عندها عذابهم، قال ابن عباس: فيه حالات يكونون في حال زرقاً، وفي حال عمياً. يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (103) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (104) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (105) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (107) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا (108) يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (109)

طه 20:103

(يتخافتون بينهم) أي يتشاورون قاله ابن عباس، وقيل يتسارون جملة حالية أو مستأنفة لبيان ما هم فيه في ذلك اليوم، والخَفْتُ في اللغة السكون والمخافتة والتخافت والخفت بوزن السبت إسرار المنطق ثم قيل لمن خفض صوته خفته، والمعنى يخفضون أصواتهم ويخفونها ويقول بعضهم لبعض سراً لما لحقهم من هول ذلك اليوم ورعبه. (إن) أي ما (لبثتم) في الدنيا أو في القبور، أو ما بين النفختين وهو مقدار أربعين سنة (إلا عشراً) من الليالي بأيامها لأن الشهور غررها بالليالي فتكون الأيام داخلة فيها تبعاً، قاله في الكشاف، والمعنى أنهم يستقصرون ويستقلون مدة مقامهم ولبثهم في الدنيا جداً، وقيل: المراد بالعشر عشر ساعات، ثم لما قالوا هذا قال الله سبحانه

طه 20:104

(نحن أعلم بما يقولون) فيما بينهم. (إذ يقول أمثلهم طريقة) أي أعدلهم قولاً وأكملهم رأياً وأعلمهم عند نفسه وقال سعيد بن جبير أوفاهم عقلا (إن لبثتم إلا يوماً) واحداً ونسبة هذا القول إلى أمثلهم لكونه أدل على شدة الهول لا لكونه أقرب إلى الصدق.

طه 20:105

(ويسألونك عن) حال (الجبال) قال ابن جريج: قالت قريش كيف يفعل ربك بهذه الجبال يوم القيامة أي على سبيل الاستهزاء فأمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال (فقل) الفاء لجواب شرط محذوف، والتقدير. إن سألوك فقل، أو للمسارعة إلى إلزام السائلين (ينسفها ربي نسفاً). قال ابن الأعرابي وغيره: يقلعها قلعاً من أصولها ثم يصيرها رملاً تسيل سيلاً ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا، ثم كالهباء المنثور، يقال: نَسَفَت الريح التراب نسفاً من باب ضرب اقتلعته وفرقته واسم الآلة مِنْسَف بكسر الميم.

طه 20:106

(فيذرها) أي يترك الجبال باعتبار مواضعها أي فيذر مواضعها وأجزاءها السافلة الباقية بعد النسف وهي مقارُّها ومراكزُها، أي فيذر ما انبسط منها، وساوى مُسَطَّحُه مُسَطَّحَ أجزاء الأرض بعد نسف ما كان عليها من الجبال الشواهق، أو الضمير للأرض المدلول عليها بقرينة الحال أنها الباقية بعد نسف الجبال (قاعاً صفصفاً) قال ابن الأعرابي: هو الأرض الملساء بلا نبات ولا بناء وقال الفراء: القاع مستنقع الماء، والصفصف القرعاء الملساء التي لا نبات فيها، كأن أجزاءها صف واحد من كل جهة فـ (صفصفاً) قريب في المعنى من (قاعاً) فهو كالتأكيد له. قال الجوهري: القاع المستوي الصلب من الأرض والجمع أَقْوُع وَأَقْوَاع وقيعان، والظاهر -من لغة العرب- أن القاع الموضع المنكشف، والصفصف الستوى الأملس.

طه 20:107

(لا ترى فيها) الضمير راجع إلى الجبال بذلك الاعتبار، أو إلى الأرض على ما مر (عوجاً) أي انخفاضاً وهو بكسر العين التَّعَوُّج. قاله ابن الأعرابي (ولا أمتاً) هو التلال الصغار، والَأمْت في اللغة المكان المرتفع، وقيل العِوج اليل والأمت الأثر مثل الشراك، وقيل العوج الوادي والأمت الرابية، وقيل الأمت النتوء اليسير، يقال مد حبله حتى ما فيه أَمْت، وقيل هما الانخفاض والارتفاع. وقيل العوج الصدوع والأمت الأكمة، وقيل الأمت الشقوق في الأرض. وقيل الآكام. وقيل الأمت أن تغلظ في مكان، وتدق في مكان، ووصف مواضع الجبال بالعوج بكسر العين هاهنا يدفع ما يقال إن العوج بكسر العين في المعاني وبفتحها في الأعيان والمحسوسات؛ إلا أن يقال عبر فيه بمكسور العين لكونه لشدة خفائه، كأنه صار من قبيل المعاني؛ أي لا تدركه فيها، ولو تأملته بالمقاييس الهندسية. قاله أبو السعود. وقد تكلف لذلك صاحب الكشاف في هذا الموضع بما عنه غِنىً وفي غيره سعة. وعن ابن عباس قال: هي الأرض الملساء التي ليس فيها رابية مرتفعة ولا انخفاض. قال البيضاوي: هي ثلاثة أحوال مترتبة فالأولان باعتبار الإحساس والثالث باعتبار المقياس، ولذلك ذكر العوج وهو يخص المعاني.

طه 20:108

(يومئذ) أي يوم نسف الجبال (يتبعون الداعي) أي يتبع الناس داعي الله إلى المحشر فيقبلون من كل أوب إلى صوبه. قال الفراء: يعني بالداعي صوت الحشر، وقيل هو إسرافيل إذا نفخ في الصور، والراجح أن الداعي جبريل والنافخ إسرافيل تأمل. (لا عوج له) أي مَعْدِل لهم عن دعائه فلا يقدرون على أن يزيغوا عنه وينحرفوا منه بل يسرعون إليه، كذا قال أكثر المفسرين، وقيل لا عوج لدعائه ولا يزيغون عنه يميناً ولا شمالاً، بل يتبعونه ويأتونه سراعاً ولا يميلون إلى ناس دون ناس، وقيل لا عوج لذلك الاتباع، والأول أظهر. وعن محمد بن كعب القرظي قال: يحشر الناس يوم القيامة في ظلمة تطوى السماء وتتناثر النجوم وتذهب الشمس والقمر؛ وينادي مناد فيتبع الناس الصوت يَؤُمّونه، فذلك قول الله يومئذ (يتبعون الداعي لا عوج له). وعن أبي صالح في الآية قيل: يضع إسرافيل الصور في فيه ويقف على صخرة بيت المقدس وينادي: أيتها العظام البالية والجلود المتمزقة واللحوم المتفرقة والأوصال المتقطعة، هلمي إلى عرض الرحمن فإن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، فيقبلون من كل أوب إلى صوبه لا يعدلون عنه ويستوون إليه من غير انحراف، متبعين لصوته. (وخشعت الأصوات للرحمن) أي خفضت لهيبته وجلاله؛ وقيل ضعفت لعظمته، وقيل ذلت من شدة الفزع، وقيل سكنت، قاله ابن عباس، والمراد أصحاب الأصوات. (فلا تسمع إلا همساً) هو الصوت الخفي، قاله ابن عباس ومجاهد. وقال أكثر المفسرين: هو صوت نقل الأقدام إلى المحشر ووطئها، ومنه همست الإبل إذا سمع ذلك من وقع أخفافها على الأرض. وعن الضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن مثله، وعن سعيد أيضاً قال: سر الحديث والظاهر أن المراد هنا كل صوت خفي، سواء كان بالقدم أو من الفم بتحريك الشفاه أو غير ذلك، ويؤيده قراءة أبي: فلا ينطقون إلا همساً وهو مصدر همست الكلام، من باب ضرب إذا أخفيته والاستثناء مفرغ. وقال الزمخشري: الهمس الذكر الخفي ومنه الحروف المهموسة.

طه 20:109

(يومئذ) أي يوم يقع ما ذكرنا (لا تنفع الشفاعة) من شافع كائناً من كان (إلا) شفاعة (من أذن له الرحمن) في أن يشفع لغيره، وبه بدأ القاضي كالكشاف لما فيه من تعظيم الشافع، واللام للتعليل، أي لأجله. (ورضي له قولاً) أي رضي قوله في الشفاعة، أو رضي لأجله قول الشافع، والمعنى إنما تنفع الشفاعة لمن أذن له الرحمن في أن يشفع له وكان له قول يرضى، ومثل هذه الآية قوله: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى). وقوله (لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً). وقوله: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين). وفيه دلالة على أنه لا يشفع أحد لأحد إلا لمن يأذن الله له فيها، فلا شفاعة إلا بإذن منه سبحانه، وهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمنين، وبه صرح البغوي؛ وهذه الآية من أقوى الدلائل على ثبوت الشفاعة في حق الفساق، لأن قوله ورضي له قولاً، يكفي في صدقه أن يكون الله تعالى قد رضي له قولاً واحداً من أقواله. والفاسق قد رضي الله من أقواله شهادة أن لا إله إلا الله فوجب أن تكون الشفاعة نافعة له بعد الإذن، لأن الاستثناء من النفي إثبات. والجملة تفسير لمن يؤذن في الشفاعة له. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (110) وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (111) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (112) وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (113) وحاصل هذا التفسير أنه كل من قال في الدنيا لا إله إلا الله، أي كان مسلماً ومات على الإسلام وإن عمل السيئات

طه 20:110

(يعلم ما بين أيديهم) من أمور الساعة والآخرة (وما خلفهم) من أمور الدنيا، والمراد جميع الخلق. وقيل المراد بهم الذين يتبعون الداعي. وقيل الضمير للشافعين، وقال ابن جرير: يرجع إلى الملائكة أعلم الله من يعبدها أنها لا تعلم ما بين أيديها وما خلفها، والعموم أولى (ولا يحيطون به علماً) أي بالله سبحانه لا تحيط علومهم بذاته ولا بصفاته ولا بمعلوماته. وقيل الضمير راجع إلى ما في الموضعين، فإنهم لا يعلمونّ جميع ذلك

طه 20:111

(وعنت الوجوه للحي القيوم) أي ذلت وخضعت. قاله ابن الأعرابي وعن ابن عباس وقتادة مثله. وقال مجاهد: خشعت. وقال أبو العالية: خضعت، وعن ابن عباس قال: وعنت الوجوه: الركوع والسجود، قال الزجاج: معنى عَنَتْ في اللغة خضعت، يقال عنا يعنو عنواً إذا خضع وذل وأعناه غيره؛ أي أذله، ومنه قيل للأسير عانٍ والجمع عناة؛ وقيل هو من العناء بمعنى التعب، وذكر الوجوه وأراد بها أصحابها، وخص الوجوه بالذكر لأن الخضوع بها يتبين وأول ما يظهر فيها؛ ثم قسمها إلى قسمين بقوله: (وقد خاب من حمل ظلماً) أي خسر من حمل شيئاً من الظلم، وقيل هو الشرك، وبه قال ابن جريج وقتادة. وقوله

طه 20:112

(ومن يعمل من) الأعمال (الصالحات) الطاعات (وهو) أي والحال أنه (مؤمن) بالله لأن العمل لا يقبل من غير إيمان، بل هو شرط في القبول (فلا يخاف) قرئ برفعه على النفي والاستئناف، أي فهو لا يخاف، وقرئ بجزمه على النهي (ظلماً) يصاب به من نقص ثواب في الآخرة (ولا هضماً) هو النقص والكسر، يقال هضمت لك من حقي أي حططته وتركته ونقصت منه، وهذا يهضم الطعام، أي ينقص ثقله، وامرأة هضيم الكشح أي ضامرة البطن. ومنه أيضاً طلعها هضيم أي دقيق متراكب كان بعضه يظلم بعضاً فينقصه حقه، ورجل هضيم ومهتضم أي مظلوم، وهضمته واهتضمته وتهضمته كله بمعنى، قيل الظلم والهضم متقاربان، وفرق القاضي الماوردي بينهما فقال: الظلم منع جميع الحق، والهضم منع بعضه. قال قتادة: ظلماً أن يزاد في سيئاته ولا هضماً أن ينقص من حسناته، وقيل هضماً أي غضباً، وقيل لا يؤاخذ بذنب لم يعمله ولا تبطل عنه حسنة عملها

طه 20:113

(وكذلك) أي مثل ذلك الإنزال. (أنزلناه) أي القرآن كله حال كونه (قرآناً عربياً) أي بلغة العرب ليفهموه ويقفوا على ما فيه من النظم المعجز الدال على كونه خارجاً عن طوق البشر نازلاً من عند خالق القوى والقدر، وإضمار القرآن من غير سبق ذكره للإيذان بنباهة شأنه وكونه مركوزاً في العقول حاضراً في الأذهان (وصرفنا) أي وبينا (فيه) ضروباً (من الوعيد) تخويفاً وتهديداً وكررنا فيه بعضاً منه، والمراد الجنس ومن مزيدة على رأي الأخفش. (لعلهم يتقون) أي كي يخافوا الله فيجتنبوا معاصيه ويحذروا عقابه (أو يحدث لهم ذكراً) أي اعتباراً واتعاظاً بهلاك من تقدمهم من الأمم فيعتبرون، وقيل ورعاً، وقيل شرفاً وقيل طاعة وعبادة لأن الذكر يطلق عليها، وأضيف الذكر إلى القرآن ولم تضف التقوى إليه، لأن التقوى عبارة عن أن لا يفعل القبيح وذلك استمرار على العدم الأصلي فلم يحسن إسناده إلى القرآن، وأما حدوث الذكر فأمر يحدث بعد أن لم يكن فجازت إضافته إليه. قاله الكرخي. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120)

طه 20:114

(فتعالى الله الملك الحق) لما بين سبحانه للعباد عظيم نعمته عليهم بإنزال القرآن نزه نفسه عن مماثلة مخلوقاته في شيء من الأشياء، أي جل الله عن إلحاد الملحدين وعما يقول المشركون والمعطلون في صفاته، فإنه الملك الذي بيده الثواب والعقاب، نافذ أمره ونهيه وأنه الحق، أي ذو الحق في ملكوته وألوهيته أو الحقيق بأن يرجى وعده ويخشى وعيده، أو الثابت في ذاته وصفاته. وقيل إنما وصف نفسه باْلمَلِك الحق لأن ملكه لا يزول ولا يتغير وليس بمستفاد من قبل الغير ولا غيره أولى به منه. (ولا تعجل بالقرآن) أي بقراءته (من قبل أن يقضى) أي يتم (إليك وحيه) أي يفرغ جبريل من إبلاغه. قال المفسرون: كان النبي صلى الله عليه وسلم يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي حرصاً منه على ما ينزل عليه منه، فنهاه الله عن ذلك، ومثله قوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به) على ما يأتي إن شاء الله تعالى. وقيل المعنى ولا تُلْقِه إلى الناس قيل أن يأتيك بيان تأويله، وقرئ نقضي بالنون. قال ابن عباس: لا تعجل حتى نبينه لك. وقال قتادة: لا تَتْلُه على أحد حتى نتمه لك. وعن الحسن قال: لطم رجل امرأته فجاءت إلى النبي (- صلى الله عليه وسلم -) تطلب قصاصاً فجعل للنبي صلى الله عليه وسلم القصاص، فأنزل الله: (ولا تعجل بالقرآن)، الآية فوقف النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت: (الرجال قوامون على النساء)، الآية. أخرجه القربان وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه. (وقل رب زدني علماً) أي سَلْ في نفسك ربك زيادة العلم بكتابه وبمعانيه فإنه الموصل إلى مطلوبك دون الاستعجال فكلما أنزل عليه شيء منه زاد به علمه وما أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم بطلب الزيادة في شيء إلا في العلم، وفيه التواضع والشكر لله، والتنبيه على عظم موقع العلم وفضله، وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم زدني علماً وإيماناً ويقيناً ذكره الخطيب وأقول. رب زدني علماً نافعاً وعملاً صالحاً وإيماناً كاملاً ويقيناً تاماً وعاقبة محمودة.

طه 20:115

(ولقد عهدنا إلى آدم) اللام هي الموطئة للقسم، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تصريف الوعيد أي لقد أمرناه ووصيناه؛ والمعهود محذوف وهو ما سيأتي من نهيه عن الأكل من الشجرة (من قبل) أي من قبل هذا الزمان أو قبل أكله منها. (فنسي) المراد بالنسيان هنا ترك العمل بما وقع به العهد إليه فيه، وبه قال أكثر المفسرين كما في قوله (إنا نسيناكم) أي تركناكم في العذاب فلا يشكل بوصفه بالعصيان غياً، وقيل النسيان على حقيقته وأنه نسى ما عهد الله به إليه وسها عنه وكان آدم مأخوذاً بالنسيان في ذلك الوقت، وإن كان النسيان مرفوعاً عن هذه الأمة، والمراد من الآية تسلية النبي صلى الله عليه وسلم على القول الأول أي أن طاعة بني آدم للشيطان أمر قديم، وأن هؤلاء المعاصرين له إن نقضوا العهد فقد نقض أبوهم آدم، كذا قال ابن جرير والقشيري وما اعترضه ابن عطية قائلاً يكون آدم مماثلاً للكفار الجاحدين بالله، فليس بشيء، وقرئ فَنُسِّيَ بضم النون وتشديد السين مكسورة أي فنساه إبليس. قال ابن عباس: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي أي لقد عهدنا إلى آدم أن لا يقرب الشجرة فنسي فترك عهدي (ولم نجد) من الوجدان بمعنى العلم أو من الوجود ضد العدم (له عزماً) أي حزماً وصبراً عما نهيناه عنه أو حفظاً قاله ابن عباس، والعزم في اللغة توطين النفس على الفعل والتصميم عليه والمضي على المعتقد في أي شيء كان، وقد كان آدم عليه السلام قد وطن نفسه على أن لا يأكل من الشجرة وصمم على ذلك فلما وسوس إليه إبليس لانت عريكته وفتر عزمه وأدركه ضعف البشر، وقيل العزم: الصبر كما مر أي لم نجد له صبراً عن أكل الشجرة. قال النحاس: وهو كذلك في اللغة يقال: لفلان عزم أو صبر وثبات على التحفظ عن المعاصي حتى يسلم منها، ومنه (كما صبر أولوا العزم من الرسل)، وقيل المعنى ولم نجد له عزماً على الذنب، وبه قال ابن كيسان، وقيل ولم نجد له رأياً معزوماً عليه، وبه قال ابن قتيبة. ثم شرع سبحانه في كيفية ظهور نسيانه وفقدان عزمه فقال:

طه 20:116

(وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) أي اذكر، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود ذكر ما فيه من الحوادث للمبالغة لأنه إذا وقع الأمر بذكر الوقت كان ذكر ما فيه من الحوادث لازماً بطريق الأولى كررت هذه القصة في سبع سور من القرآن لسر يعلمه الله وبعض خلقه. (فسجدوا إلا إبليس) وهو أبو الجن كان يصحب الملائكة ويعبد الله معهم فالاستثناء منقطع، وقيل متصل، والأول أولى (أبى) أن يسجد لآدم وقال أنا خير منه

طه 20:117

(فقلنا يا آدم إن هذا) يعني إبليس (عدو لك ولزوجك) أي حواء بالمد حيث لم يسجد لك ولم ير فضلك، وسبب العداوة ما رأى من آثار نعمة الله على آدم فحسده فصار عدواً له. (فلا يخرجنكما من الجنة) أسند الخروج إليه وإن كان الله تعالى هو المخرج لأنه لما كان يوسوسه وفعل آدم ما يترتب عليه الخروج صح ذلك (فتشقى) الشقاء الشدة والعسر ويمد ويقصر يقال: شقي كرَضي شقاوة، والمعنى فتتعب في تحصيل ما لا بد منه في المعاش وتنصب ويكونَ عيشك من كدِّ يمينك بعرق جبينك وهو الحرث والزرع والطحن والخبز ولم يقل فتشقياً لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده أو أن في ضمن شقاء الرجل شقاء أهله كما أن في سعادته سعادتهم لأنه القيم عليهم أو أريد بالشقاء التعب في طلب القوت وذلك على الرجل دون المرأة لأن الرجل هو الساعي على زوجته، ثم علل ما يوجبه ذلك النهي بما فيه الراحة الكاملة عن التعب والاهتمام فقال:

طه 20:118

(إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى) المعنى أن لك فيها تمتعاً بأنواع المعاش وتنعماً بأصناف النعم من الآكل الشهية والملابس البهية، فإنه لا نُفي عنه الجوع والعري أفاد ثبوت الشبع والاكتساء له وهكذا قوله:

طه 20:119

(وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى) فإن نفي الظمأ يستلزم حصول الرِّيِّ ووجود المسكن الذي يدفع عنه مشقة الضحو يقال: ضحى الرجل يضحي ضحواً إذا برز للشمس فأصابه حرها وعن ابن عباس قال: لا يصيبك فيها عطش ولا حر إذ ليس فيها شمس وأهلها في ظل ممدود فذكر سبحانه هاهنا أنه قد كفاه الاشتغال بأمر المعاش، وتعب الكد في تحصيله. ولا ريب أن أصول المتاعب في الدنيا التي يدور عليها كفاية الإنسان هي تحصيل الشبع والري والكسوة والسكن وما عدا هذه ففضلات يمكن البقاء بدونها وهو إعلام من الله سبحانه لآدم أنه إن أطاعه فله في الجنة هذا كله وأن ضيع وصيته ولم يحفظ عهده أخرجه من الجنة إلى الدنيا فيحل به التعب والنصب بما يدفع به الجوع والعري والظمأ والضحو فالمراد على هذا بالشقاء المتقدم شقاء الدنيا كما قاله كثير من المفسرين لا شقاء الأخرى. قال الفراء: هو أن يأكل من كد يديه، قال الصفوي: قابل سبحانه وتعالى بين الجوع والعري والظمأ والضحو؛ وإن كان الجوع يقابل العطش، والعري يقابل الضحو، لأن الجوع ذل الباطن والعري ذل الظاهر، والظمأ حر الباطن والضحو حر الظاهر، فنفى عن ساكنها ذل الظاهر والباطن وحرهما، ذكره ابن لقيمة. قال أبو السعود: وفصل الظمأ من الجوع مع تجانسهما وتقارنهما في الذكر عادة وكذا حال العري والضحو المتجانسين لتوقية مقام الامتنان حقه للإشارة إلى أن نفي كل واحد من تلك الأمور نعمة على حيالها ولو جمع بين الجوع والظمأ لربما توهم أن نفيهما نعمة واحدة وكذا الحال في الجمع بين العري والضحو ولزيادة التقرير بالتنبيه على أن نفي كل واحد من هذه الأمور مقصود بالذات مذكور بالأصالة لا أن نفي بعضها مذكور بطريق الاستطراد والتبعية لبعض آخر كما عسى يتوهم لو جمع كل من المتجانسين انتهى.

طه 20:120

(فوسوس إليه الشيطان) قد تقدم تفسيره وما بعده في الأعراف في قوله: (فوسوس لهما الشيطان) أي ألقى إليه وسوسته، وأما وسوس له فمعناه وسوس لأجله وقال أبو البقاء: عدي بإلى لأنه بمعنى أسر، وعدي باللام في موضع آخر لكونه بمعنى ذكر له ويكون بمعنى لأجله. (قال يا آدم) بيان لصورة الوسوسة (هل أدلك على شجرة الخلد) هي الشجرة التي من أكل منها لم يمت أصلاً وبقي مخلداً. أخرج أحمد وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، وهي شجرة الخلد " [[أحمد بن حنبل 2/ 257 - 404 - 418 - 438 - 452 - 455 - 3/ 110 - 135 - 164 - 185 - 207 - 234 - مسلم 2826.]] (وملك لا يبلى) أي تصرف يدوم ولا يزول ولا ينقضي ولا يبيد ولا يفنى وهو لازم الخلود. فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (126)

طه 20:121

(فأكلا) أي آدم وحواء (منها) أي من الشجرة (فبدت لهما سوءآتهما) يعني عَريَا من الثياب التي كانت عليهما بسبب تساقط حلل الجنة عنهما، لما أكلا من الشجرة حتى ظهر لكل واحد منهما قُبَله وقُبُل الآخر ودُبُرَه وسمي كلاًّ منهما سوأة لأن انكشافه يسوء صاحبه ويحزنه. (وطفقا) طفق يفعل كذا مثل جعل يفعل وهو ككاد في وقوع الخبر فعلاً مضارعاً إلا أنه للشروع في أول الأمر وكاد للْمُدنو منه، قال الفراء: معنى طفقا في العربية أقبلا، وقيل أخذا وجعلا (يخصفان) يلصقان (عليهما) ويلزقان لأجل سوءآتهما أي يسترهما، فَعَلى تعليلية. (من ورق الجنة) أي من ورق التين بعضه ببعض حتى يصير طويلاً عريضاً يصلح للاستتار به (وعصى آدم ربه) أي خالف نهيه بالأكل من الشجرة فالعصيان هو المخالفة لكنه خالف بتأويل لأنه اعتقد أن أحداً لا يحلف بالله كاذباً أو لأنه اعتقد أن النهي قد نسخ لما حلف له إبليس أو اعتقد أن النهي عن شجرة معينة وأن غيرها من بقية أفراد الجنس ليس منهياً عنه. (فغوى) أي فضلّ عن الصواب أو عن مطلوبه وهو الخلود بالأكل من تلك الشجرة أي حاد عنه ولم يظفر به هذا هو الحق في تقرير هذا المقام، وقيل فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا، وقيل جهل موضع رشده، وقيل بشم [[البشم: التخمة يقال بشمت من الطعام بالكسر أهـ صحاح.]] من كثرة الأكل، قال ابن قتيبة: أكل آدم من الشجرة التي نهى عنها باستزلال إبليس وخدعه إياه، والقسم له بالله إنه له لمن الناصحين حتى دلاه بغرور، ولم يكن ذنبه عن اعتقاد متقدم ونية صحيحة، فنحن نقول عصى آدم ربه فغوى انتهى. قال القاضي أبو بكر بن العربي: لا يجوز لأحد أن يخير اليوم بذلك عن آدم. قلت لا مانع من هذا بعد أن أخبرنا الله سبحانه في كتابه بأنه عصاه، وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين، قال في المدارك: وفي التصريح بقوله: (وعصى آدم ربه فغوى) والعدول عن قوله: وزل آدم، مزجرة عظيمة وموعظة بليغة للمكلفين كافة كأنه قيل له انظروا واعتبروا كيف نعيت على النبي المعصوم زلته بهذه الغلظة فلا تتهاونوا بما يفرط منكم من الصغائر فضلاً عن الكبائر، ومما قال الشوكاني في هذا المعنى: عصى أبو الْعَالَمَ وهو الذي ... من طينة صوره الله وأسْجَدَ الأملاك من أجله ... وصير الجنة مأواه أغواه إبليس فمن ذا أنا الـ ... ـمسكينُ إنْ إبليسُ أغواه وحديث محاجة آدم وموسى في الصحيحين عن أبي هريرة كما سيأتي، وفيه: أتلومني على أمر قدره الله عليَّ قبل أن يخلقني بأربعين سنة، وقد أطال الرازي في بيان اختلاف الناس في عصمة الأنبياء في هذا المقام بما عنه غنى وفي تركه سعة وتبعه في ذلك الخازن في تفسيره فلا نطول الكلام بذكره.

طه 20:122

(ثم اجتباه ربه) أي اصطفاه وقربه واختاره بالحمل على التوبة والتوفيق لها من جَبَى إليّ كذا فاجتبيته، وأصل الكلمة الجمع، قال ابن فورك: كانت المعصية هذه من آدم قبل النبوة بدليل ما في هذه الآية فإنه ذكر الاجتباء والهداية بعد أن ذكر المعصية وإذا كانت المعصية قبل النبوة فجائز عليهم الذنوب وجهاً واحداً (فتاب عليه) من معصيته وقبل توبته. (وهدى) أي هداه إلى الثبات والمداومة على التوبة، فلم ينقضها أو إلى الاعتذار والاستغفار، قيل وكانت توبة الله عليه قبل أن يتوب هو وحواء، بقولهما: (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)، وقد مر وجه تخصيص آدم بالذكر دون حواء. وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حاج آدم موسى، قال له: أنت الذي أخرجت الناس من الجنة بذنبك وأشقيتهم بمعصيتك. قال آدم: يا موسى أنت الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه أتلومني على أمر كتبه الله عليّ قبل أن يخلقني، أو قدره عليّ قبل أن يخلقني؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فحج آدم موسى " [[مسلم 2652 - البخاري 1604.]]

طه 20:123

(قال اهبطا منها جميعاً) أي أنزلا بما اشتملتما من ذريتكما من الجنة إلى الأرض والخطاب وإن كان مثنى في اللفظ لكنه في المعنى للجمع ليحصل التوفيق بين هذه الآية وآية الأعراف، وهي قوله: قال اهبطوا، وبالجملة خصهما الله سبحانه بالهبوط لأنهما أصل البشر. ثم عمم الخطاب لهما ولذريتهما فقال: (بعضكم) بعض الذرية (لبعض عدو) من أجل ظلم بعضهم بعضاً، والمعنى تَعَادِيهِم في أمر المعاش ونحوه فيحدث بسبب ذلك القتال والخصام. (فإما يأتينكم مني هدى) بإرسال الرسل وإنزال الكتب (فمن اتبع هداي) أي الكتاب والرسول، وضع الظاهر موضع المضمر مع الإضافة إلى ضميره تعالى لتشريفه والمبالغة في إيجاب اتباعه (فلا يضل) في الدنيا (ولا يشقى) في الآخرة أخرج ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم في الحلية وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من اتبع كتاب الله هداه الله من الضلالة في الدنيا ووقاه سوء الحساب يوم القيامة، وذلك أن الله يقول: فمن اتبع. الآية [[ضعيف الجامع الصغير 5335.]] " وعن ابن عباس قال: أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآية.

طه 20:124

(ومن أعرض عن ذكري) أي الهدى الذاكر لي والداعي إليّ، أو عن ديني وتلاوة كتابي والعمل بما فيه، ولم يتبع هداي (فإن له معيشة ضنكاً) أي عيشاً ضيقاً في هذه الحياة الدنيا؛ يقال منزل ضنك وعيش ضنك أي ضيق، في القاموس الضنك الضيق في كل شيء، يقال ضَنُك ضَنْكاً وَضَنَاكة وضُنوكة ضاق. وهو مصدر يستوي فيه الواحد وما فوقه والمذكر والمؤنث، وقرئ بضم الضاد على فعلي. ومعنى الآية أن الله عز وجل جعل لمن اتبع هداه وتمسك بدينه أن يعيش في الدنيا عيشاً هنيئاً غير مهموم ولا مغموم ولا متعب نفسه، كما قال سبحانه (فلنحيينه حياة طيبة) وجعل لمن لم يتبع هداه وأعرض عن دينه أن يعيش عيشاً، ضيقاً، وفي تعب ونصب، ومع ما يصيبه في هذه الدنيا من المتاعب فهو في الآخرة أشد تعباً وأعظم ضيقاً وأكثر نصباً. وعن أبي سعيد الخدري مرفوعاً معيشة ضنكاً، قال: عذاب القبر. أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، ومسدد في مسنده، ولفظ عبد الرزاق: يضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه، ولفظ ابن أبي حاتم قال: ضمة القبر، وفي سنده ابن لهيعة، وفيه مقال معروف. وقال ابن كثير: الموقوف أصح. وأخرج البزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " المعيشة الضنكى أن تسلط عليه تسع وتسعون حية ينهشون لحمه حتى تقوم الساعة " وعنه مرفوعاً قال: عذاب القبر. أخرجه البيهقي والبزار وابن المنذر وغيرهم. قال ابن كثير بعد إخراجه بإسناد جيد عن ابن مسعود مثله موقوفاً، ومجموع ما ذكرنا هنا يرجح تفسير المعيشة الضنكى بعذاب القبر. وعنه قال: بالشقاء. وقيل هو الزقوم والضريع والغسلين في النار. وقيل هو الحرام والكسب الخبيث؛ والأول أولى. وقال ابن جبير: يسلبه القناعة حتى لا يشبع، وقيل الحياة في المعصية وإن كان في رخاء ونعمة، قاله الرازي. أو المراد بها عيشة في جهنم، وبما تقرر علم أنه لا يرد أن يقال. نحن نرى المعرضين عن الإيمان في خصب معيشة. (ونحشره) أي المعرض عن القرآن (يوم القيامة أعمى) أي مسلوب البصر، وهو كقوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً) قال النسفي: وهو الوجه، وقيل المراد العمى عن الحجة، وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدي إلى شيء منها. وقال عكرمة: عمي عليه كل شيء إلا جهنم. وفي لفظ: لا يبصر إلا النار

طه 20:125

(قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً) في الدنيا وعند البعث

طه 20:126

(قال كذلك) أي مثل ذلك فعلت أنت أو الأمر كذلك، ثم فسره بقوله: (أتتك آياتنا فنسيتها) أي أعرضت عنها وتركتها ولم تنظر فيها (وكذلك اليوم) أي مثل ذلك النسيان الذي كنت فعلته في الدنيا (تنسى) أي تترك في العمى أو النار وقيل نُسُوا من الخير والبركة والرحمة ولم يُنْسَوْا من العذاب في النار. قال الفراء: يقال إنه يخرج بصيراً من قبره فيعمى في حشره وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (127) أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (128) وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (130)

طه 20:127

(وكذلك) أي مثل ذلك الجزاء (نجزي من أسرف) الإسراف الانهماك في الشهوات، وقيل الشرك بالله، قاله سفيان: (ولم يؤمن بآيات ربه) بل كذب بها (ولعذاب الآخرة أشد) أي أفظع من المعيشة الضنكى (وأبقى) أي أدوم وأثبت لأنه لا ينقطع.

طه 20:128

(أفلم يهد لهم) الاستفهام للتقريع والتوبيخ وقرئ بالنون، والمعنى على هذا واضح والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها (كم أهلكنا قبلهم من القرون) قال القفال: جعل كثرة ما أهلك من القرون مبيناً لهم، قال النحاس: وهذا خطأ لأن كم استفهام فلا يعمل فيها ما قبلها. وقال الزجاج: المعنى أفلم يهد لهم الأمر بإهلاكنا من أهلكناه، وحقيقته تدل على الهدى فالفاعل هو الهدى، وقيل الفاعل ضمير الله أو الرسول أو القرآن، والجملة بعده تفسره. ومعنى الآية على ما هو الظاهر: أفلم يتبين لأهل مكة خبر من أهلكنا قبلهم من القرون حال كون تلك القرون (يمشون في مساكنهم) ويتقلبون في ديارهم فيعتبروا بهذا الإهلاك فيرجعوا عن تكذيب الرسول أو حال كون هؤلاء يمشون في مساكن القرون الذين أهلكناهم عند خروجهم للتجارة، وطلب العيشة إلى الشام وغيرها، فيرون بلاد الأمم الماضية والقرون الخالية خاوية خاربة من أصحاب الحجر وثمود، وقرى قوم لوط فإن ذلك مما يوجب اعتبارهم لئلا يحل بهم مثل ما حل بأولئك. (إن في ذلك لآيات) أي لعبراً (لأولي النُّهى) تعليل للإنكار وتقرير للهداية، والإشارة إلى مضمون كم أهلكنا، والنهى جمع نهية وهي العقل، أي بذوي العقول التي تنهى أربابها عن القبيح.

طه 20:129

(ولولا كلمة سبقت من ربك) أي الكلمة السابقة وهي وعد الله سبحانه بتأخير عذاب هذه الأمة إلى الدار الآخرة (لكان) عقاب ذنوبهم (لزاماً) أي لازماً لهم في الدنيا لا ينفك عنهم بحال ولا يتأخر، كما لزم القرون الماضية واللزام مصدر لازم. (وأجل مسمى) معطوف على قوله (كلمة) وهو يوم القيامة أو يوم بدر ويجوز عطفه على الضمير المستتر في (كان) العائد إلى الأخذ المفهوم من السياق أي لكان الأخذ العاجل، وأجل مسمى لازمين لهم، كما كانا لازمين لعاد وثمود وفيه تعسف ظاهر. قال ابن عباس: هذا من مقاديم الكلام؛ يقول: لولا كلمة وأجل مسمى لكان لزاماً أي موتاً. وعن السدي نحوه، وعن مجاهد قال: الأجل المسمى الكلمة التي سبقت. ثم لما بين الله سبحانه أنه لا يهلكهم بعذاب الاستئصال أمره بالصبر فقال

طه 20:130

(فاصبر على ما يقولون) من أنك ساحر كذاب شاعر كاهن ونحو ذلك من مطاعنهم الباطلة، والمعنى لا تحتفل بهم فإن لعذابهم وقتاً مضروباً بألا يتقدم ولا يتأخر، وأنهم معذبون لا محالة فَتَسَلَّ واصبر. وقيل هذا منسوخ بآية القتال. وقيل إنها محكمة. قال الشهاب: الفاء سببية، والمراد بالصبر عدم الاضطراب لما صدر عنهم لا ترك القتال حتى تكون الآية منسوخة. (وسبح بحمد ربك) أي متلبساً بحمده، قال أكثر المفسرين: والمراد الصلوات الخمس كما يفيده قوله: (قبل طلوع الشمس) فإنه إشارة إلى صلاة الفجر (وقبل غروبها) فإنه إشارة إلى صلاة العصر. وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود والنسائي عن عمارة بن رويبة سمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) يقول: " لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها " [[مسلم 634.]]. (ومن آناء الليل) العتمة والمراد بالآناء الساعات، وهي جمع إناء بالكسر والقصر وهو الساعة، ومعنى (فسبح) فصلّ المغرب والعشاء، والفاء إما عاطفة على مقدر، أو واقعة في جواب شرط مقدر أو زائدة. قال ابن عباس: وهي الصلاة المكتوبة. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث جرير قال: قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) " إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا "، وقرأ هذه الآية [[مسلم 633 - البخاري 358.]]. (وأطراف النهار) أي في طرفي نصفيه أي في الوقت الذي يجمع الطرفين وهو وقت الزوال فهو نهاية للنصف الأول وبداية للنصف الثاني، والمراد صلاة الظهر لأن الظهر في آخر طرف النهار الأول وأول طرف النهار الآخر. وقيل أن الإشارة إلى صلاة الظهر هي بقوله: (وقبل غروبها) لأنها هي وصلاة العصر قبل غروبها. وقيل المراد بالآية صلاة التطوع. ولو قيل ليس في الآية إشارة إلى الصلاة بل المراد التسبيح في هذه الأوقات أي قول القائل سبحان الله لم يكن ذلك بعيداً من الصواب، والتسبيح وإن كان يطلق على الصلاة لكنه مجاز، والحقيقة أولى إلا لقرينة تصرف ذلك إلى المعنى المجازي، وجمع الأطراف وهما طرفان لأمن الالتباس. (لعلك ترضى) أي سبح في هذه الأوقات رجاء أن تنال عند الله سبحانه ما ترضي به نفسك من الثواب، هذا على قراءة الجمهور، وقرئ تُرْضي بضم التاء أي يرضيك ربك وَتُعْطَى ما يرضيك. وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى (135)

طه 20:131

(ولا تمدن) أي لا تطل نظر (عينيك) بطريق الرغبة والميل (إلى ما متعنا به) أي لذذنا، فالإمتاع والتمتيع معناه الإيقاع في اللذة (أزواجاً منهم) مدّ النظر تطويله وأن لا يكاد يرده استحساناً للمنظور إليه وإعجاباً به، وفيه أن النظر غير الممدود معفو عنه، وذلك أن يبادر الشيء بالنظر ثم يغض الطرف، ولقد شدد المتقون في وجوب غض البصر عن أبنية الظلمة وعدد الفسقة في ملابسهم ومراكبهم، حتى قال الحسن: " لا تنظروا إلى دقدقة [[الدقدقة حكاية أصوات حوافر الدواب مثل الطقطقة. إهـ صحاح.]] هماليج [[الهملاج من البراذين واحد الهماليج ومشيها الهملجة فارسي معرب إهـ صحاح.]] الفسقة، ولكن انظروا كيف يلوح ذل المعصية من تلك الرقاب " وهذا لأنهم اتخذوا هذه الأشياء لعيون النظارة، فالناظر إليها محصل لغرضهم ومغر لهم على اتخاذها، وقد تقدم تفسير هذه الآية في الحجر. (زهرة الحياة الدنيا) أي زينتها وبهجتها بالنبات وغيره، وقرئ زهرة بفتح الهاء وهي نور النبات، وذكر السمين في نصبه تسعة أوجه. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد أن رسول الله ((- صلى الله عليه وسلم -)) قال: " إن أخوف ما أخاف عليك ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا "، قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؛ قال: " بركات الأرض ". (لنفتنهم فيه) أي لنجعل ذلك فتنة لهم وضلالة ابتلاء منا لهم، كقوله: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم). وقيل لنعذبهم في الآخرة، وقيل لنشدد عليهم في التكليف، وقيل أزيد لهم النعمة فيزيدوا بذلك كفراً وطغياناً (ورزق ربك) أي ثواب الله في الجنة وما ادخر لصالحي عباده في الآخرة (خير) مما رزقهم في الدنيا على كل حال، وأيضاً فإن ذلك لا ينقطع وهذا ينقطع وهو معنى (وأبقى) وقيل المراد بهذا الرزق ما يفتح الله على المؤمنين من الغنائم ونحوها، والأول أولى لأن الخيرية المحققة والدوام الذي لا ينقطع إنما يتحققان في الرزق الأخروي لا الدنيوي وإن كان حلالاً طيباً، قال تعالى: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق). عن أبي رافع قال: أضاف النبي " - صلى الله عليه وسلم - " ضيفاً ولم يكن عند النبي ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن بعنا أو أسلفنا دقيقاً إلى هلال رجب، فقال: لا إلا بِرَهْن، فأتيت النبي " - صلى الله عليه وسلم - " فأخبرته، فقال: " أما والله إني لأمين في السماء أَمين في الأرض، ولئن أسلفني أو باعني لأديت إليه، اذهب بدرعي الحديد، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية، كأنه يعزيه عن الدنيا. أخرجه البزار وأبو يعلى وابن أبي شيبة وغيرهم [[صحيح الجامع الصغير 1349.]].

طه 20:132

(وأْمر أهلك) المراد بهم أهل بيته، وقيل جميع أمته ولم يذكر هاهنا الأمر من الله له (بالصلاة) بل قصر الأمر على أهله إما لكون إقامته لها أمراِّ معلوماً أو لكون أمره بها قد تقدم في قوله: (وسبح بحمد ربك) الخ، أو لكون أمره بالأمر لأهله أمراً له؛ ولهذا قال: " واصطبر عليها " أي اصبر على محافظة الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر ولا تشتغل عنها بشيء من أمور الدنيا. وقيل اصبر عليها فعلاً، فإن الوعظ بلسان الفعل أبلغ منه بلسان القول. أخرج ابن النجار وابن عساكر وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: لما نزلت هذه الآية كان النبي صلى الله عليه وسلم يجيء إلى باب عليّ صلاة الغداة ثمانية أشهر يقول: " الصلاة رحمكم الله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً ". وأخرج أحمد والبيهقي وغيرهما عن ثابت قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله: " يا أهلاه صلوا صلوا " قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة. وعن عبد الله بن سلام، قال السيوطي: بسند صحيح قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وقرأ (وأمر أهلك بالصلاة) الآية: وكان عروة بن الزبير إذا رأى ما عند السلاطين قرأ هذه الآية ثم ينادى الصلاة الصلاة رحمكم الله، وكان بكر بن عبد الله المزني إذا أصاب أهله خصاصة قال قوموا فصلوا، بهذا أمر الله رسوله، وعن مالك بن دينار مثله. (لا نسألك رزقاً) أي لا نكلفك أن ترزق نفسك ولا أهلك وتشتغل بذلك عن الصلاة (نحن نرزقك) ونرزقهم (والعاقبة) المحمودة وهي الجنة (للتقوى) أي لأهل التقوى على حذف المضاف، كما قال الأخفش وفيه دليل على أن التقوى هي ملاك الأمر وعليها تدور دوائر الخير.

طه 20:133

(وقالوا) أي قال كفار مكة (لولا) هلا (يأتينا) محمد صلى الله عليه وسلم (بآية من) آيات (ربه) كما كان يأتي بها مَنْ قَبْله من الأنبياء؟ وذلك كالناقة والعصا أو المعنى هلا يأتينا بآية من الآيات التي قد اقترحناها عليه؟. فأجاب الله سبحانه وتعالى عليهم بقوله: (أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى) يريد بها التوراة والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة وفيها التصريح بنبوته والتبشير به، وذلك يكفي، فإن هذه الكتب المنزلة هم معترفون بصدقها وصحتها وفيها ما يدفع إنكارهم لنبوته ويبطل تعنتاتهم وتعسفاتهم، وقيل المعنى أو لم يأتهم إهلاكنا للأمم الذين كفروا واقترحوا الآيات فما يؤمنهم إن أتتهم الآيات التي اقترحوها أن يكون حالهم كحالهم. وقيل: المراد أو لم تأتهم آية هي من الآيات وأعظمها في باب الإعجاز؟ يعني القرآن فإنه برهان لما في سائر الكتب المنزلة، قالوا: وعاطفة على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل ألم تأتهم سائر الآيات ولم تأتهم خاصة بينة ما في الصحف الأولى تقريراً لإتيانه وإيذاناً بأنه من الوضوح بحيث لا يأتي معه إنكار أصلاً. قرئ أو لم يأتهم بالتحتية لأن معنى البينة البيان والبرهان.

طه 20:134

(ولو أنا أهلكناهم) مستأنفة سيقت لتقرير ما قبلها (بعذاب من قبله) أي من قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم أو من قبل إتيان البينة بنزول القرآن (لقالوا) يوم القيامة أي لكان لهم أن يحتجوا ويتعللوا بقولهم: (ربنا لولا) هلاًّ (أرسلت إلينا رسولاً) في الدنيا (فنتبع آياتك) اللاتي يأتي بها الرسول (من قبل أن نذل) بالعذاب والهوان في الدنيا (ونخزى) بدخول النار، وقرئ نُذَلّ وَنُخْزَى على البناء للمفعول وقد قطع الله معذرة هؤلاء الكفرة بإرسال الرسول إليهم قبل إهلاكهم، ولهذا حكى الله عنهم أنهم قالوا: (بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء).

طه 20:135

(قل) لهم يا محمد (كلٌّ) أي كل واحد منا ومنكم (متربص) أي منتظر لما يؤول إليه الأمر (فتربصوا) أنتم (فستعلمون) عن قريب (من أصحاب الصراط السوي) أي الطريق المستقيم (ومن اهتدى) من الضلالة، ونزع عن الغواية، أنحن أم أنتم؟ قال النحاس والفراء: نذهب إلى أن معنى مَنْ أصحاب الصراط السوي من لم يضل، ومعنى: من اهتدى من ضل ثم اهتدى، ومن في الموضعين استفهامية أو موصولة.