Lafzullah

Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — الأنبياء 21:1 – الحج 22:78

المؤلف / المصدر: Fath Al-Bayan li Al-Qanuji

المحتويات
  1. الأنبياء 21:1
  2. الأنبياء 21:2
  3. الأنبياء 21:3
  4. الأنبياء 21:4
  5. الأنبياء 21:5
  6. الأنبياء 21:6
  7. الأنبياء 21:7
  8. الأنبياء 21:8
  9. الأنبياء 21:9
  10. الأنبياء 21:10
  11. الأنبياء 21:11
  12. الأنبياء 21:12
  13. الأنبياء 21:13
  14. الأنبياء 21:14
  15. الأنبياء 21:15
  16. الأنبياء 21:16
  17. الأنبياء 21:17
  18. الأنبياء 21:18
  19. الأنبياء 21:19
  20. الأنبياء 21:20
  21. الأنبياء 21:21
  22. الأنبياء 21:22
  23. الأنبياء 21:23
  24. الأنبياء 21:24
  25. الأنبياء 21:25
  26. الأنبياء 21:26
  27. الأنبياء 21:27
  28. الأنبياء 21:28
  29. الأنبياء 21:29
  30. الأنبياء 21:30
  31. الأنبياء 21:31
  32. الأنبياء 21:32
  33. الأنبياء 21:33
  34. الأنبياء 21:34
  35. الأنبياء 21:35
  36. الأنبياء 21:36
  37. الأنبياء 21:37
  38. الأنبياء 21:38
  39. الأنبياء 21:39
  40. الأنبياء 21:40
  41. الأنبياء 21:41
  42. الأنبياء 21:42
  43. الأنبياء 21:43
  44. الأنبياء 21:44
  45. الأنبياء 21:45
  46. الأنبياء 21:46
  47. الأنبياء 21:47
  48. الأنبياء 21:48
  49. الأنبياء 21:49
  50. الأنبياء 21:50
  51. الأنبياء 21:51
  52. الأنبياء 21:52
  53. الأنبياء 21:53
  54. الأنبياء 21:54
  55. الأنبياء 21:55
  56. الأنبياء 21:56
  57. الأنبياء 21:57
  58. الأنبياء 21:58
  59. الأنبياء 21:59
  60. الأنبياء 21:60
  61. الأنبياء 21:61
  62. الأنبياء 21:62
  63. الأنبياء 21:63
  64. الأنبياء 21:64
  65. الأنبياء 21:65
  66. الأنبياء 21:66
  67. الأنبياء 21:67
  68. الأنبياء 21:68
  69. الأنبياء 21:69
  70. الأنبياء 21:70
  71. الأنبياء 21:71
  72. الأنبياء 21:72
  73. الأنبياء 21:73
  74. الأنبياء 21:74
  75. الأنبياء 21:75
  76. الأنبياء 21:76
  77. الأنبياء 21:77
  78. الأنبياء 21:78
  79. الأنبياء 21:79
  80. الأنبياء 21:80
  81. الأنبياء 21:81
  82. الأنبياء 21:82
  83. الأنبياء 21:83
  84. الأنبياء 21:84
  85. الأنبياء 21:85
  86. الأنبياء 21:86
  87. الأنبياء 21:87
  88. الأنبياء 21:88
  89. الأنبياء 21:89
  90. الأنبياء 21:90
  91. الأنبياء 21:91
  92. الأنبياء 21:92
  93. الأنبياء 21:93
  94. الأنبياء 21:94
  95. الأنبياء 21:95
  96. الأنبياء 21:96
  97. الأنبياء 21:97
  98. الأنبياء 21:98
  99. الأنبياء 21:99
  100. الأنبياء 21:100
  101. الأنبياء 21:101
  102. الأنبياء 21:102
  103. الأنبياء 21:103
  104. الأنبياء 21:104
  105. الأنبياء 21:105
  106. الأنبياء 21:106
  107. الأنبياء 21:107
  108. الأنبياء 21:108
  109. الأنبياء 21:109
  110. الأنبياء 21:110
  111. الأنبياء 21:111
  112. الأنبياء 21:112
  113. الحج 22:1
  114. الحج 22:2
  115. الحج 22:3
  116. الحج 22:4
  117. الحج 22:5
  118. الحج 22:6
  119. الحج 22:7
  120. الحج 22:8
  121. الحج 22:9
  122. الحج 22:10
  123. الحج 22:11
  124. الحج 22:12
  125. الحج 22:13
  126. الحج 22:14
  127. الحج 22:15
  128. الحج 22:16
  129. الحج 22:17
  130. الحج 22:18
  131. الحج 22:19
  132. الحج 22:20
  133. الحج 22:21
  134. الحج 22:22
  135. الحج 22:23
  136. الحج 22:24
  137. الحج 22:25
  138. الحج 22:26
  139. الحج 22:27
  140. الحج 22:28
  141. الحج 22:29
  142. الحج 22:30
  143. الحج 22:31
  144. الحج 22:32
  145. الحج 22:33
  146. الحج 22:34
  147. الحج 22:35
  148. الحج 22:36
  149. الحج 22:37
  150. الحج 22:38
  151. الحج 22:39
  152. الحج 22:40
  153. الحج 22:41
  154. الحج 22:42
  155. الحج 22:43
  156. الحج 22:44
  157. الحج 22:45
  158. الحج 22:46
  159. الحج 22:47
  160. الحج 22:48
  161. الحج 22:49
  162. الحج 22:50
  163. الحج 22:51
  164. الحج 22:52
  165. الحج 22:53
  166. الحج 22:54
  167. الحج 22:55
  168. الحج 22:56
  169. الحج 22:57
  170. الحج 22:58
  171. الحج 22:59
  172. الحج 22:60
  173. الحج 22:61
  174. الحج 22:62
  175. الحج 22:63
  176. الحج 22:64
  177. الحج 22:65
  178. الحج 22:66
  179. الحج 22:67
  180. الحج 22:68
  181. الحج 22:69
  182. الحج 22:70
  183. الحج 22:71
  184. الحج 22:72
  185. الحج 22:73
  186. الحج 22:74
  187. الحج 22:75
  188. الحج 22:76
  189. الحج 22:77
  190. الحج 22:78

الأنبياء 21:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة الأنبياء (مكية. قال القرطبي في قول الجميع، وهي مائة وإحدى أو اثنتا عشرة آية) وسميت بذلك لذكر قصص الأنبياء فيها وأخرج البخاري وغيره عن ابن مسعود قال بنو إسرائيل والكهف ومريم والأنبياء من العتاق الأول وهن من تلادى. عن عامر بن ربيعة أنه نزل به رجل من العرب فأكرم عامر مثواه وكلم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجاءه الرجل فقال: إني استقطعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وادياً ما في ديار العرب واد أفضل منه. وقد أردت أن أقطع إليك قطعة تكون لك ولعقبك من بعدك، فقال عامر: لا حاجة لي في قطعتك نزلت اليوم سورة أذهلتنا عن الدنيا يريد هذه السورة. بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) (اقترب للناس حسابهم) يقال قرُب الشيء واقترب، قال الزجاج المعنى: اقترب لهم وقت حسابهم أي القيامة، كما في قوله: (اقتربت الساعة) وتقديم (للناس) على الحساب لإدخال الروعة، ومعنى اقتراب الحساب دُنوّه منهم لأنه في كل ساعة أقرب إليهم من الساعة التي قبلها. وقيل: لأن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما انقرض ومضى، وموت كل إنسان قيام ساعته، والقيامة أيضاً قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، والمراد بالناس العموم، وقيل المشركون مطلقاً، وقيل: كفار مكة وعلى هذا الوجه قيل المراد بالحساب عذابهم يوم بدر. (وهم في غفلة) عن حسابهم وعما يفعل بهم في الدنيا (معرضون) عن الآخرة غير متأهبين لا يجب عليهم من الإيمان بالله والقيام بفرائضه والانزجار عن مناهيه، أخرج النسائي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية " قال في الدنيا " وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من أمر الدنيا ".

الأنبياء 21:2

(ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث) تعليل لما قبله ومن لابتداء الغاية أو زائدة، وقد استدل بوصف الذكر بكونه محدثاً على أن لفظ القرآن محدث، لأن الذكر هنا هو القرآن، وأجيب بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، ولا خلاف في حدوثها فالمعني محدث تنزيله وإنما النزاع في الكلام النفسي. وهذه المسألة أعني قدم القرآن وحدوثه قد ابتلي بها كثير من أهل العلم والفضل في الدولة المأمونية والمعتصمية والواثقية وجرى للإمام أحمد بن حنبل ما جرى من الضرب الشديد والحبس الطويل وضرب بسببها عنق محمد بن نصر الخزاعي، وصارت فتنة عظيمة في ذلك الوقت وما بعده؛ والقصة أشهر من أن تذكر، ومن أحب الوقوف على حقيقتها طالع ترجمة الإمام أحمد بن حنبل في كتاب النبلاء لمؤرخ الإسلام الذهبي. ولقد أصاب أئمة السنة بامتناعهم من الإجابة إلى القول بخلق القرآن وحدوثه وحفظ الله بهم أمة نبيه صلى الله عليه وسلم عن الابتداع. ولكنهم رحمهم الله جاوزوا ذلك إلى الجزم بقدمه، ولم يقتصروا على ذلك حتى كفروا من قال بالحدوث بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من قال لفظي بالقرآن مخلوق بل جاوزوا ذلك إلى تكفير من وقف، وليتهم لم يجاوزوا حدّ الوقف وإرجاع العلم إلى علام الغيوب فإنه لم يسمع من السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقت قيام المحنة وظهور القول في هذه المسألة شيء من الكلام ولا نقل عنهم كلمة في ذلك فكان الامتناع من الإجابة إلى ما دعوا إليه والتمسك بأذيال الوقف وإرجاع علم ذلك إلى عالمه هو الطريقة المثلى وفيه السلامة والخلوص من تكفير طوائف من عباد الله والأمر لله سبحانه. وقيل معنى الآية أن الله يحدث الأمر بعد الأمر فينزل الآية بعد الآية، والسورة بعد السورة في وقت الحاجة لبيان الأحكام وغيرها من الأمور والوقائع وهذا القول كالأول؛ وقيل الذكر المحدث ما قاله رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) وبينه سوى ما في القرآن والأول أولى. (إلا استمعوه) من النبي (- صلى الله عليه وسلم -) أو غيره ممن يتلوه استثناء مفرغ (وهم يلعبون) جملة حالية أي لاعبين لا يعتبرون ولا يتعظون، والمعنى يستهزئون به

الأنبياء 21:3

(لاهية قلوبهم) حال أيضاً وهما حالان مترادفان أو متداخلان قاله الزمخشري والمعنى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث في حال من الأحوال إلا في حال الاستماع مع اللعب والاستهزاء ولهوة القلب. (وأسروا النجوى الذين ظلموا) كلام مستأنف مسوق لبيان جناية خاصة إثْرَ حكاية جناياتهم المعتادة، والنجوى اسم من التناجي وهو لا يكون إلا سراً، فمعناه المبالغة في الإخفاء بحيث لم يفهم أحد تناجيهم ومسارتهم تفصيلاً ولا إجمالاً وإنما قالوا ذلك سراً لأنهم كانوا في مبادي الشر والعناد وتمهيد مقدمات الكيد والفساد، وقد اختلف في محل الموصول على أقوال قال أبو عبيدة: أسروا هنا من الأضداد أي بمعنى أخفوا كلامهم؛ أو بمعنى أظهروه وأعلنوه. (هل هذا) بدل من النجوى مفسر لها أو مفعول لمضمر وهل بمعنى النفي أي قالوا ما هذا الرسول (إلا بشر مثلكم) لا يتميز عنكم بشيء وما يأتي به سحر (أفتأتون السحر) أي إذا كان بشراً مثلكم، وكان الذي جاء به سحراً فكيف تجيبونه إليه وتتبعونه. (وأنتم تبصرون) حال من فاعل تأتون مقرر للإنكار ومؤكد للاستيعاد وقالوا ما ذكر بناء على ما ثبت في اعتقادهم الزائغ أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل ما يظهر على يد البشر يكون سحراً فأطلع الله سبحانه نبيه (- صلى الله عليه وسلم -) على ما تناجوا به وأمره أن يجيب عليهم فقال:

الأنبياء 21:4

(قال ربي يعلم القول في السماء والأرض) أي لا يخفى عليه شيء مما يقال فيهما وفي مصاحف أهل الكوفة (قال ربي) أي قال محمد: ربي يعلم فهو عالم بما تناجيتم به قيل: الأولى أولى لأنهم أسروا هذا القول فأطلع الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك وأمره أن يقول لهم هذا، قال النحاس: والقراءتان صحيحتان وهما بمنزلة آيتين. (وهو السميع) لكل ما يسمع (العليم) بكل معلوم فيدخل في ذلك ما أسروا دخولاً أولياً (بل) للانتقال من غرض إلى غرض آخر في المواضع الثلاثة وهي:

الأنبياء 21:5

(بل قالوا) و (بل افتراه) و (بل هو شاعر)، كما ذكره ابن مالك في شرح كافيته، من أنها لا تقع في القرآن إلا على هذا الوجه وسبقه إليه صاحب الوسيط ووافقه ابن الحاجب وهو الحق. (قالوا) الذي يأتي به من القرآن (أضغاث أحلام) أي أخلاط رآها في النوم. قاله الزجاج. وقال القتيبي: هي الرؤيا الكاذبة، وقال اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل. قال قتادة: أي دقل الأحلام إنما هي رؤيا رآها، يعني أباطيل وأهاويل رآها في النوم. (بل افتراه) حكى سبحانه إضرابهم عن قولهم أضغاث أحلام، أي بل قالوا افتراه واختلقه من تلقاء نفسه من غير أن يكون له أصل. ثم حكى عنهم أنهم أضربوا عن هذا وقالوا: (بل هو شاعر) وما أتى به من جنس الشعر، أي كلام يخيل للسامع معاني لا حقيقة لها ويرغبه فيها، هذا هو المراد بالشعر هنا، وفي هذا الإضراب منهم والتلون والتردد أعظم دليل على أنهم جاهلون بحقيقة ما جاء به لا يدرون ما هو ولا يعرفون كنهه، أو كانوا قد علموا أنه حق وأنه من عند الله، ولكن أرادوا أن يدفعوه بالصدر ويرموه بكل حجر ومدر، وهذا شأن من غلبته الحجة وقهره البرهان. ثم بعد هذا كله قالوا: (فليأتنا بآية) وهذا جواب شرط محذوف، أي إن لم يكن كما قلنا بل كان رسولاً من عند الله فليأتنا بآية إتياناً كائناً (كما أرسل الأولون) أي مثل ما أرسل موسى بالعصا وغيرها، وصالح بالناقة، وكان سؤالهم هذا سؤال تعنت، لأن الله سبحانه قد أعطاهم من الآيات ما يكفي، ولو علم الله سبحانه أنهم يؤمنون إذا أعطاهم ما يقترحونه لأعطاهم ذلك كما قال، (ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون). قال الزجاج: اقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال فقال الله مجيباً لهم: مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (7) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9) لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (10)

الأنبياء 21:6

(ما آمنت قبلهم) أي قبل مشركي مكة (من) أهل (قرية أهلكناها) أي أهلكنا أهلها بتكذيبهم، أو أهلكناها بإهلاك أهلها، وفيه بيان أن سنة الله في الأمم السالفة أن المقترحين إذا أعطوا ما اقترحوه، ثم لم يؤمنوا نزل بهم عذاب الاستئصال لا محالة ومن مزيدة للتوكيد، والمعنى ما آمنت قرية من القرى التي أهلكناها بسبب اقتراحهم قبل هؤلاء؛ فكيف نعطيهم ما اقترحوا وهم أسوة من قبلهم. (أفهم يؤمنون) الهمزة للتقريع والتوبيخ، والمعنى أن لم تؤمن أمة من الأمم اْلمُهْلَكة عند إعطاء ما اقترحوا فكيف يؤمن هؤلاء لو أعطوا ما اقترحوا قال قتادة: قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: إذا كان ما تقوله حقاً ويسرك أن نُؤمن فحوّل لنا الصفا ذهباً، فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك ولكنه إن كان ثُمَّ لم يؤمنوا لم يُنْظروا، وإن شئت استأنيت بقومك قال: " بل أَسْتَأْنِي بقومي "، فأنزل الله (ما آمنت قبلهم) الآية. ثم أجاب الله سبحانه عن قولهم: (هل هذا إلا بشر مثلكم) بقوله:

الأنبياء 21:7

(وما أرسلنا) أي لم نرسل (قبلك) إلى الأمم السالفة " إلا رجالاً " من البشر مخصوصين من أفراد جنسك متأهلين للاصطفاء والإرسال، ولم نرسل اليهم ملائكة، كما قال سبحانه: (قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً). (نوحي إليهم) مستأنفة لبيان كيفية الإرسال أو صفة (رجالاً) أي متصفين بصفة الإيحاء إليهم، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية؛ ثم أمرهم الله بأن يسألوا أهل الذكر إن كانوا يجهلون هذا فقال: (فاسألوا أهل الذكر) هم أهل الكتابين اليهود والنصارى (إن كنتم لا تعلمون) أن رسل الله من البشر فإنهم لا يجهلون ذلك ولا ينكرونه وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وتقدير الكلام إن كنتم لا تعلمون ما ذكر فاسألوا أهل الذكر، وتوجيه الخطاب إلى الكفرة لتبكيتهم واستنزالهم عن رتبة التكبر، وقد استدل بالآية على أن التقليد جائز وهو خطأ، ولو سلم لكان المعنى سؤالهم عن النصوص من الكتاب والسنة، لا عن الرأي البحت، وليس التقليد إلا قبول قول الغير دون حجته، والمقلد إذا سأل أهل الذكر عن كتاب الله وسنة رسوله لم يكن مقلداً. قال الرازي ومن الناس من قال المراد بأهل الذكر أهل القرآن وهو بعيد لأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي الرسول صلى الله عليه وسلم. فأما تعلق كثير من الفقهاء بهذه الآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وفي أن للمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر فبعيد لأن هذه الآية خطاب مشافهة وهي واردة في هذه الواقعة المخصوصة ومتعلقة باليهود والنصارى على التعيين أهـ. وقد قدمنا في سورة النحل أن سياق هذه الآية الكريمة يفيد أن المراد بها السؤال الخاص، وبه يظهر لك أن هذه الآية دليل الاتباع لا دليل التقليد فارجع إليه. وقد أوضح الشوكاني هذا في رسائل بسيطة، منها (القول المفيد في حكم التقليد)، (وأدب الطلب ومنتهى الأرب) وغيره في غيرها. ثم لما فرغ سبحانه عن الجواب عن شبهتهم أكد كون الرسل من جنس البشر فقال:

الأنبياء 21:8

(وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام) أي أن الرسل أسوة لسائر أفراد بني آدم في حكم الطبيعة يأكلون كما يأكلون ويشربون كما يشربون، والجسد جسم الإنسان والجنة والملائكة. قال الزجاج: هو واحد ينبئ عن جماعة، أي وما جعلناهم ذوي أجساد غير طاعمين (وما كانوا خالدين) بل يموتون كما يموت غيرهم من البشر في الدنيا، وقد كانوا يعتقدون أن الرسل لا يموتون، فأجاب الله عليهم بهذا.

الأنبياء 21:9

(ثم صدقناهم الوعد) أي أوحينا إليهم ما أوحينا، ثم أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك من كذبهم، ولذا قال سبحانه: (فأنجيناهم ومن نشاء) من عبادنا المؤمنين الذين صدقوهم، والمراد إنجاؤهم من العذاب وإهلاك من كفر بالعذاب الدنيوي. (وأهلكنا المسرفين) أي المجاوزين للحد في الكفر والمعاصي وهم المشركون

الأنبياء 21:10

(ولقد أنزلنا إليكم) يا معشر قريش (كتاباً) عظيم الشأن نير البرهان، يعني القرآن (فيه ذكركم) كلام مستأنف مسوق لتحقيق أحقية القرآن الذي ذكر في صدر السورة إعراضهم عما يأتيهم منه، والمراد بالذكر هنا الشرف، أي فيه شرفكم، قاله ابن عباس، كقوله: وأنه لذكر لك ولقومك، أي فيه ما يوجب الثناء عليكم لكونه بلسانكم نازلاً بين أظهركم على لسان رسول منكم، واشتهاره سبب لاشتهاركم، وجعل ذلك فيه مبالغة في سببيته له. وقيل أي ذكر أمر دينكم وأحكام شرعكم وما تصيرون إليه من ثواب أو عقاب، وقيل فيه حديثكم، قاله مجاهد والحسن. وقيل مكارم أخلاقكم وقيل صيتكم، وقيل فيه تذكرة لكم لتحذروا، فيكون الذكر بمعنى الوعد والوعيد، وقيل فيه موعظتكم، قال أبو السعود: وهو الأنسب بسياق النظم الكريم ومساقه فإن قوله: (أفلا تعقلون) إنكار توبيخي فيه بعث لهم على التدبر في أمر الكتاب والتأمل فيما في تضاعيفه من فنون المواعظ والزواجر التي من جملتها القوارع السابقة واللاحقة، والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي ألا تتفكرون فلا تعقلون إن الأمر كذلك، أو لا تعقلون شيئاً من الإشياء التي من جملتها ما ذكر؟ ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال: وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (11) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (12) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (13) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (14) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (15) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ (17) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (18)

الأنبياء 21:11

(وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة) (كم) هي الخبرية المفيدة للتكثير والقصم كسر الشيء ودقه، يقال قصمت ظهر فلان إذا كسرته، واقتصمتْ سنّه إذا انكسرت، والمعنى هنا الإهلاك والعذاب. وأما الفصم بالفاء فهو الصدع في الشيء من غير بينونة، أي وكم قصمنا من أهل قرية كانوا ظالمين، أي كافرين بالله مكذبين بآياته، والظلم في الأصل وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا الكفر في موضع الإيمان. قال ابن عباس: بعث الله نبياً من حمير يقال له شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا، فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله: (وكم قصمنا -إلى قوله- خامدين). وعن الكلبي في الآية قال: هي " حضور " بني أزد باليمن، فيكون التكثير باعتبار أفراد تلك القرية. (وأنشأنا بعدها) أي أوجدنا وأحدثنا بعد إهلاك أهلها (قوماً آخرين) ليسوا منهم

الأنبياء 21:12

(فلما أحسوا بأسنا) أي أدركوا وشعروا ورأوا عذابنا بحاسة البصر وقال الأخفش: خافوا وتوقعوا. والبأس العذاب الشديد. (إذا هم منها يركضون) أي يسرعون هاربين ويهربون مسرعين من قريتهم لما رأوا مقدمة العذاب، أو من بأسنا لأنه في معنى النقمة والبأساء، فأنث الضمير حملاً على المعنى، ومن على الأول لابتداء الغاية وللتعليل على الثاني، والركض الفرار والهرب والانهزام، وأصله من ركض الرجل الدابة برجليه، يقال رَكَضَ الْفَرَس إذاْ كَدًه بساقيه، ثم كثر حتى قيل: ركض الفرس إذا عَدَا، ومنه (ارْكُضْ بِرِجْلِك) والمعنى أنهم يهربون منها راكضين دوابهم، فقيل لهم.

الأنبياء 21:13

(لا تركضوا) أي لا تهربوا، قيل أن الملائكة نادتهم بذلك عند فرارهم وقيل: أن القائل لهم ذلك من هنالك من المؤمنين استهزاء بهم وسخرية منهم (وارجعوا إلى ما أترفتم) يعني ما تنعمتم (فيه) من الدنيا ولين العيش، يعني إلى نعمكم التي كانت سبب بطركم وكفركم، والمترف المنعم، يقال أترف فلان أي وسع عليه في معاشه، وقل فيه همه. وقال سعيد بن جبير: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم (ومساكنكم) التي تسكنونها وتفتخرون بها (لعلكم تسألون) أي تقصدون للسؤال والتشاور والتدبير في المهمات، وهذا على طريقة التهكم بهم والتوبيخ لهم. وقيل: المعنى لعلكم تسألون عما نزل بكم وجرى عليكم من العقوبة فتخبرون السائل عن علم ومشاهدة. وقيل: لعلكم تسألون أن تؤمنوا كما كنتم تسئلون ذلك قبل نزول العذاب بكم، أو تسئلون شيئاً من دنياكم على العادة فتعطون من شئتم وتمنعون من شئتم، فإنكم أهل نعمة وثروة؛ وهذا كله توبيخ وتهكم بهم وقيل غير ذلك. قال المفسرون وأهل الأخبار: أن المراد بهذه الآية أهل حضور من اليمن وكان أهلها عرباً، وكان الله سبحانه قد بعث إليهم نبياً اسمه شعيب بن مهدم. وقبره بجبل من جبال اليمن يقال له صنين، وبينه وبين حضور نحو بريد، قالوا وليس هو شعيباً صاحب مدين (قلت) وآثار القبر بجبل صنين موجودة، والعامة من أهل تلك الناحية يزعمون أنه قبر قدم بن قادم، فلما كذبوه وقتلوه اتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف ونادى مناد من جو السماء يا لثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا بالذنوب حين لم ينفعهم. و

الأنبياء 21:14

(قالوا) لما قالت لهم الملائكة لا تركضوا (يا ويلنا) أي يا هلاكنا (إنا كنا ظالمين) لأنفسنا مستوجبين العذاب بما قدمنا، فاعترفوا على أنفسهم بالظلم الموجب للعذاب وقالوا ذلك على سبيل الندامة ولم ينفعهم الندم.

الأنبياء 21:15

(فما زالت تلك) أي هذه الجملة والكلمة (دعواهم) هي قولهم يا ْويلنا أي يدعون بها ويرددونها (حتى جعلناهم حصيداً) بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل، والحصيد هنا بمعنى المحصود. ومعنى (خامدين) أنهم ميتون من خمدت النار وهمدت إذا طفئت، فشبه خمود الحياة بخمود النار، كما يقال لمن مات قد طفىء، والخمود عبارة عن سكون لهبها مع بقاء الحر، والهمود عبارة عن ذهابها بالكلية حتى تصير رماداً، فالأحسن أن يكون المراد بالخمود هنا الهمود فإنه أبلغ معنى، والمعنى جعلناهم جامعين لماثلة الحصاد والخمود، كقولك جعلته حلواً حامضاً؛ أي جعلته جامعاً للطعمين. قال مجاهد: بالسيف ضرب الملائكة وُجُوهَهم حتى رجعوا إلى مساكنهم. أخرج ابن أبي حاتم عن ابن وهب قال: حدثني رجل من الجزريين قال: كان باليمن قريتان يقال لإحداهما حضور وللأخرى قلابة، فبطروا وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم؛ فجهز لهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه فرجعوا منهزمين؛ فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً، فلما رأى بختنصر غزاهم هو بنفسه، فقاتلهم حتى خرجوا منها يركضون؛ فسمعوا منادياً يقول: لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيا ومساكنكم، فرجعوا فسمعوا صوت مناد يقول: يا لثارات النبي فقتلوا بالسيف، فهي التي قال الله: (وكم قصمنا من قرية -إلى قوله- خامدين). قلت: وقرى حضور معروفه الآن، بينها وبين مدينة صنعاء نحو بريد في جهة الغرب منها.

الأنبياء 21:16

(وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) أي لم نخلقهما عبثاً ولا باطلاً بل للتنبيه على أن لهما خالقاً قادراً يجب امتثال أمره، واللعب هو محط النفي وفيه إشارة إجمالية إلى تكوين العالم؛ والمراد بما بينهما سائر المخلوقات الكائنة بين السماء والأرض على اختلاف أنواعها وتباين أجناسها، والمعنى ما سوينا هذا السقف المرفوع وهذا المهاد الموضوع وما بينهما من العجائب للعب واللهو، وإنما سويناهما لفوائد منها التفكر في خلقهما وما فيهما من المنافع التي لا تعد ولا تحصى وليستدل بها على قدرة مدبرها ولنجازي المحسن والمسيء على ما تقتضيه حكمتنا، واللعبُ فعْلٌ يروقُ أَوّلُهُ وَلا ثباتَ له. ثم نزه ذاته عن سمات النقص فقال:

الأنبياء 21:17

(لو أردنا أن نتخذ لهواً) اللهو ما يتلهى به، تقول أهل نجد لهوت عنه ألهو لهياً، والأصل لهُوُى من باب قعد على فعول وأهل العالية لَهيت عنه ألْهَى من باب تعب ومعناه السلوان والترك، ولهوت به لهواً من باب قتل أولعت به وتلهيت به أيضاً، قال الطرطوشي: وأصل اللهو؛ الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة وألهاني الشيء بالألف شغلني. قيل: اللهو هنا الزوجة والولد، وقيل: الزوجة فقط، وقيل: الولد فقط، قال الجوهري: قد يكنى باللهو عن الجماع ومنه قول الشاعر: وفيهن ملهى للصديق ومنظر والجملة مستأنفة لتقرير مضمون ما قبلها، وجواب لو قوله: (لاتخذناه من لدنا) أي من عندنا ومن جهة قدرتنا لا من عندكم ويستثنى نقيض التالي لينتج نقيض المقدم. قال المفسرون: أي من الولدان أو الحور العين أو الملائكة، وفي هذا رد على من قال بإضافة الصاحبة والولد إلى الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، وقيل: أراد الرد على من قال الأصنام أو الملائكة بنات الله؛ وقال ابن قتيبة: الآية رد على النصارى. (إن كنا فاعلين) قال الفراء والمبرد والزجاج: ويجوز أن تكون (إن) للنفي كما ذكره المفسرون أي ما فعلنا ذلك ولم نتخذ صاحبة ولا ولداً ويجوز أن تكون للشرط أي إن كنا ممن يفعل ذلك لاتخذناه من لدنا، قال الفراء: وهذا أشبه الوجهين بمذهب العربية.

الأنبياء 21:18

(بل نقذف بالحق على الباطل) هذا إضراب عن اتخاذ اللهو أي دع ذلك الذي قالوا فإنه كذب وباطل بل شأننا أن نرمي بالحق على الباطل وبالإيمان على الكفر، وقيل الحق قول لا إله إلا الله، وأنه لا ولد له، والباطل قولهم: اتخذ الله ولداً. (فيدمغه) أي يقهره ويهلكه وأصل الدمغ شق الرأس حتى يبلغ الدماغ، ومنه الدامغة، قال الزجاج: المعنى نذهبه ذهاب الصغار والإذلال؛ وذلك أن أصله إصابة الدماغ بالضرب قيل: أراد بالحق الحجة وبالباطل الشبهة وقيل: الحق المواعظ والباطل المعاصي، وقيل الباطل الشيطان، وقيل بكذبهم ووصفهم الله سبحانه بغير صفاته. (فإذا هو زاهق) أي زائل ذاهب، وقيل هالك تالف، والمعنى متقارب (وإذا) هي الفجائية (ولكم الويل) يا معشر الكفار (مما تصفون) أي لكم العذاب في الآخرة بسبب وصفكم لله بما لا يجوز عليه من الصاحبة والولد، وقيل: الويل واد في جهنم، وهو وعيد لقريش؛ بأن لهم من العذاب مثل الذي لأولئك و (من) هي التعليلية وهذا وجه وجيه و (ما) مصدرية أو موصولة أو نكرة موصوفة. وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (19) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (20) أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (21) لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ (24)

الأنبياء 21:19

(وله من في السماوات والأرض) عبيداً وملكاً، وهو خالقهم ورازقهم ومالكُهم والنعم عليهم بأصناف النعم، فكيف يجوز أن يكون بعض مخلوقاته شريكاً له يُعْبَد كما يُعْبد، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها (ومن عنده) يعني الملائكة، وفيه رد على القائلين بأن الملائكة بنات الله، وفي التعبير عنهم بكونهم عنده إثْرَ ما عبر عنهم بمن في السماوات إشارة إلى تشريفهم وكرامتهم ومزيد الاعتناء بهم وأنهم عنده بمنزلة المقربين عند الملوك: قال أبو السعود: بطريق التمثيل وأقول أنا بل بطريق التحقيق كما هو ظاهر النظم القرآني، ثم وصفهم بقوله: (لا يستكبرون) أي لا يتعاظمون ولا يأنفون (عن عبادته) سبحانه والتذلل له. (ولا يستحسرون) أي لا يعيون ولا يتعبون مأخوذ من الحسير وهو البعير المنقطع بالإعياء والتعب يقال حسر البعير يحسر حسوراً أعيي وكَلُّ واستحسر؛ وتحسر مثله وحسرته انا حسراً يتعدى ولا يتعدى، قال أبو زيد: لا يَكِلون، وقال ابن الأعرابي: لا يفشلون، وقال ابن عباس: لا يرجعون، قال الزجاج: معنى الآية أن هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله لا يأنفون عن عبادته ولا يتعظمون عنها، كقوله: (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته) وقيل: المعنى لا ينقطعون عن عبادته وهذه المعاني متقاربة.

الأنبياء 21:20

(يسبحون الليل والنهار لا يفترون) أي ينزهون الله سبحانه دائماً لا يضعفون عن ذلك ولا يسامون، وقيل يصلون الليل والنهار، قال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء فكذلك تسبيحهم دائم أي ضروري فيهم سجية وطبيعة، وهذه الجملة إما مستأنفة وقعت جواباً عما نشأ مما قبله أو حالية.

الأنبياء 21:21

(أم اتخذوا آلهة من الأرض) قال المفضل مقصود هذا الاستفهام الجحد أي لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء والإيجاد من العدم، وأم هي المنقطعة والهمزة لإنكار الوقوع. قال المبرد: أن أم هنا بمعنى هل. أي هل اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض يحيون الموتى؟ ولا يكون (أم) هنا بمعنى بل لأن ذلك يوجب لهم إنشاء الموتى إلا أن يقدر أم مع الاستفهام فتكون أم المنقطعة فيصح المعنى. (هم ينشرون) أي يبعثون الموتى، والجملة مستأنفة أو صفة لآلهة وهذه الجملة هي التي يدور عليها الإنكار، والتجهيل لا نفس الاتخاذ فإنه واقع منهم لا محالة، والمعنى بل اتخذوا آلهة من الأرض لهم خاصة مع حقارتهم وينشرون الموتى وليس الأمر كذلك فإن ما اتخذوها آلهة بمعزل عن ذلك وقرئ ينشرون من أنشره أي أحياه، وقرئ بفتح الياء أي يَحْيَوْن ولا يموتون ثم إن الله سبحانه أقام البرهان على بطلان تعدد الآلهة فقال:

الأنبياء 21:22

(لو كان فيهما آلهة إلا الله) أي لو كان في السماوات والأرض آلهة معبودون غير الله، والجمع ليس قيداً وإنما عبر به مشاكلة لقوله (أم اتخذوا آلهة) وكذلك قوله فيهما ليس قيداً وإنما عبر به لأن هذا دليل إقناعي بحسب ما يفهمه المخاطب وبحسب ما فرط منهم، وهم إنما اتخذوا آلهة في الأرض والسماء لا فيما وراءهما كالملائكة الحافين من حول العرش، قاله الحفناوي، والصحيح: أن الآية حجة قطعية الدلالة والقول بأنها حجة إقناعية قول منكر بشع أي إنكار وإبشاع. (لفسدتا) أي لبطلتا يعني: السماوات والأرض بما فيهما من المخلوقات، وخرجتا عن نظامهما المشاهد وهلك من فيهما لوجود التمانع من الآلهة على العادة عند تعدد الحاكم من التمانع في الشيء وعدم الاتفاق عليه لأن كل أمر صدر عن الاثنين فأكثر لم يجر على النظام، ويدل العقل على ذلك، وذلك أنا لو قدرنا إلهين لكان أحدهما إذا انفرد صح منه تحريك الجسم واذا انفرد الثاني صح منه تسكينه فإذا اجتمعا وجب أن يبقيا على ما كانا عليه حال الانفراد، فعند الاجتماع يصح أن يحاول أحدهما التحريك، والآخر التسكين، فإما أن يحصل المراد وهو محال وإما أن يمتنعا وهو أيضاً محال لأنه يكون كل واحد منهما عاجزاً فثبت أن القول بوجود إلهين يوجب الفساد فكان القول به باطلاً، قاله الكرخي. أقول الأدلة القرآنية والحجج الفرقانية الدالة على توحيد الله تعالى تغني عن البراهين الكلامية والمسائل العقلية الفلسفية في هذا المرام، وليس وراء بيان الله بيان ودونه خرط القتاد. قال الرازي: القول بوجود إلهين يفضي إلى المحال ثم ذكر دلائل ذلك وهذه حجة تامة في مسألة التوحيد، والفساد لازم على كل التقديرات التي قدروها، وإذا وقفْتَ على هذه عرفت أن جميع ما في العالم العلوي والسفلي من المحدثات والمخلوقات فهو دليل على وحدانية الله تعالى. وأما الدلائل السمعية على الوحدانية فكثيرة في القرآن وكل من طعن في دلالة التمانع فسر الآية بأن المراد لو كان في السماء والأرض آلهة يقول بإلهيتها عبدة الأصنام لزم فساد العالم، لأنها جمادات لا تقدر على تدبير العالم فلزم إفساد العالم، قالوا: وهذا أولى؛ لأنه تعالى حكى عنهم في قوله: (أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون) ثم ذكر الدلالة على فساد هذا فوجب أن يختص الدليل به. قال علي القاري: وأما قول التفتازاني: الآية حجة إقناعية فالمحققون كالغزالي وابن الهمام، ما قنعوا بالإقناعية بل جعلوها من الحقائق القطعية، بل قيل يكفر قائلها. انتهى. قال الكسائي وسيبويه والأخفش والزجاج وجمهور النحاة إن (إلا) هنا ليست للاستثناء بل بمعنى غير صفة للآلهة، ولذلك ارتفع الاسم الذي بعدها، وظهر فيه إعراب غير التي جاءت إلا بمعناها، وقال الفراء: أن (إلا) هنا بمعنى سوى، ووجه الفساد أن كون إله آخر مع الله يستلزم أن يكون كل واحد منهما قادراً على الاستبداد بالتصرف؛ فيقع عند ذلك التنازع والاختلاف، ويحدث بسببه الفساد. (فسبحان الله رب العرش عما يصفون) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ثبوت الوحدانية بالبرهان أي تنزه عز وجل عما لا يليق به من ثبوت الشريك له وفي إرشاد للعباد أن ينزهوا الرب سبحانه عما لا يليق به

الأنبياء 21:23

(لا يسأل عما يفعل) مستأنفة مبينة أنه سبحانه لقوة سلطانه وعظيم جلاله لا يسأله أحد من خلقه عن شيء من قضائه وقدره من إعزاز وإذلال وإسعاد وإشقاء لأنه الرب المالك للأعناق. (وهم) أي العباد (يسألون) عما يفعلون سؤال توبيخ وتقريع يقال لهم يوم القيامة لم فعلتم كذا وكذا، لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟. وقيل: أن المعنى أنه سبحانه لا يؤاخذ على أفعاله وهم يؤاخذون، قيل والمراد بذلك أنه سبحانه بين لعباده أن من يسأل عن أعماله كالمسيح والملائكة لا يصلح لأن يكون إلهاً، قال ابن عباس: ما في الأرض قوم أبغض إليّ من القدرية وما ذاك إلا أنهم لا يعلمون قدرة الله، قال الله (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).

الأنبياء 21:24

(أم اتخذوا من دونه آلهة) أم بمعنى بل وفيه إضراب وانتقال من إظهار بطلان كونها آلهة بالبرهان السابق إلى إظهار بطلان اتخاذها آلهة مع توبيخهم بطلب البرهان منهم ولهذا قال: (قل هاتوا برهانكم) على دعوى أنها آلهة أو على جواز اتخاذ آلهة سوى الله ولا سبيل لهم إلى شيء من ذلك لا من عقل ولا نقل لأن دليل العقل قد مر بيانه، وأما دليل النقل فقد أشار إليه بقوله: (هذا ذكر من معي وذكر من قبلي) أي هذا الوحي الوارد في شأن التوحيد التضمن للبرهان القاطع، ذكر أمتي وذكر الأمم السألفة وقد أقمته عليكم وأوضحته لكم، فأقيموا أنتم برهانكم. وقيل المعنى هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد منها أن الله أمر باتخاذ إنه سواه؟. قال الزجاج: قيل لهم هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل أنبأ أمته بأن لهم إلهاً غير الله، فهل في ذكر من قبلي إلا توحيد الله، وفيه تبكيت لهم متضمن لإثبات نقيض مدعاهم. وقيل معنى الكلام الوعيد والتهديد؛ أي افعلوا ما شئتم فعن قريب ينكشف الغطاء. وقرئ ذكرٌ مِن مَعي بالتنوين وكسر الميم، أي هذا ذكر مما أنزل إليّ ومما هو معي وذكرٌ مِنْ قبلي، قاله الزجاج. وقيل ذكر كائن من قبلي، أي جئت بما جاءت به الأنبياء من قبلي. ثم لما توجهت الحجة عليهم ذمهم بالجهل بمواضع الحق فقال: (بل أكثرهم لا يعلمون الحق) وهذا إضراب من جهة الله سبحانه غير داخل في الكلام الملقن وانتقال من تبكيتهم بمطالبتهم بالبرهان إلى بيان أنه لا تؤثر فيهم المحاجة وإقامة البرهان لكونهم جاهلين للحق لا يميزون بينه وبين الباطل، وقرئ الحق بالرفع على معنى هذا الحق أو هو الحق. (فهم معرضون) تعليل لما قبله من كون أكثرهم لا يعلمون. أي فهم لأجل هذا الجهل المستولي على أكثرهم معرضون عن قبول الحق وعن النظر الموصل إليه، مستمرون على الإعراض عن التوحيد واتباع الرسول، فلا يتأملون حجة ولا يتدبرون في برهان ولا يتفكرون في دليل. وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (29)

الأنبياء 21:25

(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه) استئناف مقرر لما أجمل قبله من كون التوحيد مما نطقت به الكتب الآلهية وأجمعت عليه الرسل، وقرئ نوحي بالنون وبالياء (أنه لا إله إلا أنا) وفي هذا تقرير لأمر التوحيد وتأكيد لما تقدم من قوله: هذا ذكر من معي. وختم الآية بالأمر لعباده فقال: (فاعبدون) فقد اتضح لكم دليل العقل ودليل النقل، وقامت عليكم حجة الله.

الأنبياء 21:26

(وقالوا اتخذ الرحمن ولداً) هؤلاء القائلون هم خزاعة وجهينة وبنو سلمة وبنو مليح، فإنهم قالوا الملائكة بنات الله، وقيل: هم اليهود، ويصح حمل الآية على كل من جعل لله ولداً. وقد قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله. وقالت طائفة من العرب: الملائكة بنات الله، ثم نزه الله سبحانه عز وجل نفسه فقال: (سبحانه) أي تنزيهاً له عن ذلك، وهو يقول على ألسنة العباد؛ ثم أضرب عن قولهم وأبطله فقال: (بل عباد مكرمون) قرئ من الإكرام والتكريم؛ أي ليسوا كما قالوا، بل عباد الله سبحانه مكرمون بكرامته لهم مقربون عنده، والعبودية تنافي الولادة بحسب المعتاد الذي لا يتخلف عند العرب من كون عبد الانسان لا يكون ولده، أو بحسب قواعد الشرع من أن الإنسان إذ ملك ولده عتق عليه، والأول في تقرير المنافاة أظهر إذ الكلام مع جهال العرب وهم لا يعرفون قواعد الشرع. قال قتادة: قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت بينهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: (بل عباد مكرمون) أي الملائكة أكرمهم بعبادته واصطفاهم ووصفهم بصفات سبعة؛ الأولى هذه والأخيرة. ومن يقل منهم. فهذه الضمائر كلها للملائكة.

الأنبياء 21:27

(لا يسبقونه بالقول) وصفهم بصفة أخرى، أي لا يقولون شيئاً حتى يقوله أو يأمرهم به، كذا قال ابن قتيبة وغيره، وفي هذا دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم (وهم بأمره يعملون) أي هم القائمون بما يأمرهم الله به، التابعون له المطيعون لربهم فلا يخالفونه قولاً ولا عملاً.

الأنبياء 21:28

(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي ما عملوا وما هم عاملون. وقيل ما كان قبل خلقهم وما يكون بعد خلقهم، أو يعلم ما بين أيديهم. وهو الآخرة وما خلفهم، وهو الدنيا، والجملة تعليل لما قبلها، ووجه التعليل أنهم إذا علموا بأنه عالم بما قدموا وأخروا لم يعملوا عملاً ولا يقولوا قولاً إلا بأمره. (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) أن يشفع الشافعون له وهو ممن رضى عنه وقيل: هم أهل لا إله إلا الله، وقد ثبت في الصحيح. أن الملائكة يشفعون في الدار الآخرة [[وردت أحاديث كثيرة فيها شفاعة الملائكة منها: البخاري كتاب التوحيد باب 24 - الإمام أحمد 5/ 43.]]، قال قتادة: لأهل التوحيد، وعن مجاهد نحوه، وعن الحسن: لمن قال لا إله إلا الله، وقال ابن عباس: الذين ارتضاهم بشهادة أن لا إله إلا الله. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في البعث عن جابر أن رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) تلا هذه الآية وقال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " [[المستدرك كتاب الإيمان 1/ 69.]]. (وهم من خشيته مشفقون) أي من خشيتهم منه، والخشية الخوف مع التعظيم ولهذا خص به العلماء؛ والإشفاق: الخوف مع التوقع والاعتناء والحذر فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر، وإن عدي بعلى فبالعكس أي لا يأمنون مكر الله، بل هم خائفون وَجِلُون.

الأنبياء 21:29

(ومن يقل منهم) أي من الملائكة على سبيل الفرض، لتحقق عصمتهم (إني إله من دونه) قال المفسرون: عني بهذا إبليس لأنه لم يقل أحد من الملائكة إني اله إلا إبليس، وذلك على سبيل التسمح، والتجوز إذ هو معترف بالعبودية وآيس من رحمة الله وكونه من الملائكة باعتبار أنه كان مغموراً فيهم وقيل الضمير للخلائق مطلقاً، وقيل الإشارة إلى جميع الأنبياء. (فذلك) القائل على سبيل الفرض والتقدير (نجزيه جهنم) بسبب هذا القول الذي قاله، كما نجزي غيره من المجرمين (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء الفظيع (نجزي الظالمين) أو مثل ما جعلنا جزاء هذا القائل جهنم فكذلك نجزي الظالمين الواضعين الإلهية والعبادة في غير موضعها، والمراد بالظالمين المشركون. أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (31) وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (33) وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (34) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)

الأنبياء 21:30

(أو لم ير الذين كفروا) الهمزة للإنكار بواو، وتركها قراءتان سبعيتان والواو للعطف على مقدر، والرؤية هي القلبية أي ألم يتفكروا ولم يعلموا، وحاصل ما ذكر من هنا إلى يسبحون ستة أدلة على التوحيد، وهذا تجهيل لهم بتقصيرهم في التدبر في الآيات التكوينية الدالة على استقلاله تعالى بالألوهية وكون جميع ما سواه مقهوراً تحت ملكوته. (أن السماوات والأرض كانتا رتقاً) قال الأخفش: إنما قال كانتا دون كنّ لأنهما صنفان أي جماعتا السماوات والأرض، وبه قال الزمخشري. وقال أبو البقاء: الضمير يعود على الجنسين، وقال الحوفي: أراد الصنفين كما قال سبحانه؛ (إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا)، وقال الزجاج: إنما قال كانتا لأنه يعبر عن السماوات بلفظ الواحد لأنها كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. والرًتْقُ السد ضد الفتق، يقال رتقت الفتق أرتقُه فارتتق أي التأم، ومنه الرتقاء للمنضمة الفرج، يعني أنهما كانا شيئاً واحداً ملتزقين ملتصقين. وقال: رتقاً ولم يقل رتقين لأنه مصدر والتقدير كانتا ذواتي رتق، وقيل مرتوقتين مسرودتين. قال البيضاوي: والكفرة وإن لم يعلموا ذلك فهم متمكنون من العلم به نظراً، فإن الفتق عارض مفتقر إلى مؤثر واجب ابتداء أو بواسطة أو استفساراً من العلماء ومطالعة الكتب انتهى، ومنعه الكازروني، وقال فيه نظر وتمكنهم هذا ممنوع، ويجوز أن يكونا مخلوقين منفصلين؛ بلا رتق وفتق؛ فإن استدل عليهما بأن القرآن نص عليهما فنقول هذا كاف في إثباتهما ولا حاجة إلى الدليل العقلي المذكور. (ففتقناهما) أي ففصلناهما أي فصلنا بعضهما من بعض بالهواء فرفعنا السماء وأبقينا الأرض مكانها، والفتق الفصل بين الشيئين وهو من أحسن البديع هنا حيث قابل الرتق بالفتق قيل كانت السماوات مرتتقة طبقة واحدة ففتقها الله وجعلها سبع سموات، وكذلك الأرض كانت طبقة واحدة فجعلها سبع أرضين. وعن ابن عباس قال: فتقت السماء بالغيث وفتقت الأرض بالنبات. وقد أطال الكلام القرطبي في ذلك، ولقل عن كعب الأخبار وغيره أحوال خلق الأرض العليا والسفلى؛ ولا يصار إليها إلا أن يصح من ذلك شيء من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم (وجعلنا من الماء) أي خلقنا وأحيينا أو صيرنا بالماء الذي ننزله من السماء وينبع من الأرض. (كل شيء حي) فيشمل الحيوان والنبات، والمعنى أن الماء سبب حياة كل شيء، وقيل: المراد بالماء هنا نطفة الرجل وبه قال أبو العالية وأكثر المفسرين وخرج هذا اللفظ مخرج الأغلب والأكثر وهذا احتجاج على المشركين بقدرة الله. سبحانه، وبديع صنعه، وقد تقدم تفسير هذه الآية. (أفلا يؤمنون) الهمزة للإنكار عليهم حيث لم يؤمنوا مع وجود ما يقتضيه من الآيات الربانية

الأنبياء 21:31

(وجعلنا في الأرض رواسي) أي جبالاً ثوابت جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ، يقال جبال راسية وراسيات ورواس (أن تميد بهم) الميد: التحرك والدوران أي لئلا تتحرك وتدور بهم أو كراهة ذلك، وقد تقدم تفسير ذلك في النحل مستوفى. (وجعلنا فيها) أي في الرواسي أو في الأرض وهو الظاهر (فجاجاً) طرقاً واسعة، قال أبو عبيدة: هي المسالك، وقال الزجاج: كل مخترق بين جبلين فهو فج و (سبلاً) تفسير للفجاج، لأن الفج قد لا يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً (لعلهم يهتدون) إلى مصالح معاشهم ومقاصدهم في الأسفار، وما تدعو إليه حاجاتهم

الأنبياء 21:32

(وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) عن أن يقع ويسقط على الأرض، كقوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض). وقال الفراء: محفوظاً بالنجوم من الشيطان كقوله: (وحفظاً من كل شيطان مارد)، وقيل محفوظاً لا يحتاج إلى عماد، وقيل المراد بالمحفوظ هنا المرفوع، وقيل محفوظاً عن الشرك والمعاصي، وقيل عن الهدم والنقض، وقيل عن الفساد والانحلال إلى الوقت المعلوم. (وهم عن آياتها) أي الآيات الكائنة فيها الدالة على وجود الصانع ووحدته وتناهي قدرته وكمال حكمته وأضاف الآيات إلى السماء لأنها مجعولة فيها وذلك كالشمس والقمر والنجوم، وكنفية حركاتها في أفلاكها ومطالعها ومغاربها (معرضون) أي لا يعتبرون بها فيها ولا يتفكرون فيما توجبه من الإيمان.

الأنبياء 21:33

(وهو الذي خلق) هذا تذكير لهم بنعمة أخرى مما أنعم الله به عليهم وذلك بأنه خلق لهم (الليل) ليسكنوا فيه (والنهار) ليتصرفوا فيه في معايشهم (و) جعل (الشمس) آية النهار (والقمر) آية الليل ليعلموا عدد الشهور والحساب كما تقدم بيانه في (سبحان). (كل في فلك) أي مستدير كالطاحونة في السماء (يسبحون) في دوران أي يجرون قاله ابن عباس يعني كل واحد من الشمس والقمر والنجوم في وسط الفلك يسيرون بسرعة كالسابح في الماء. قال ابن عباس: فلك كفلكة المغزل يدورون في أبواب السماء، كما تدور الفلكة في المغزل، وعنه قال: هو فلك السماء الذي فيه ذلك الكوكب، وكل كوكب يجري في السماء الذي قدر فيه، والجمع في الفعل باعتبار المطالع، قال سيبويه: إنه لما أخبر عنهن بفعل من يعقل وجعلهن في الطاعة بمنزلة من يعقل، جعل الضمير عنهن ضمير العقلاء، ولم يقل يسبحن أو تسبح، وكذا قال الفراء، وقال الكسائي: إنما قال يسبحون لأنه رأس الآية والفلك واحد أفلاك النجوم وأصل الكلمة من الدوران، ومنه فلك المغزل لاستدارتها، والفلك مدار النجوم الذي يضمها وهو في كلام العرب كل شيء مستدير، وقيل الفلك استدارة السماء، وقيل الفلك ماء أو موج مكفوف دون السماء تجري فيه الكواكب. وقال أهل الهيئة: الأفلاك أجرام صلبة لا ثقيلة ولا خفيفة غير قابلة للخرق والالتئام والنمو والذبول، وفي الرازي: الفلك في كلام العرب كل شيء مستدير وجمعه أفلاك، واختلف العقلاء فيه فقال بعضهم: الفلك ليس بجسم، وإنما هو استدارة هذه النجوم. وقال الأكثرون: الأفلاك أجسام تدور النجوم عليها وهذا أقرب إلى ظاهر القرآن، واختلف الناس في حركات الكواكب والوجوه الممكنة. فيها ثلاثة فإنه إما أن يكون الفلك ساكناً، والكواكب تتحرك فيه، كحركة السمك في الماء الراكد، وإما أن يكون الفلك متحركاً والكواكب أيضاً إما مخالفة لجهة حركته أو موافقة لجهتها إما بحركة مساوية لحركة الفلك في السرعة والبطء أو مخالفة، وإما أن يكون الفلك متحركاً، والكواكب ساكنة. والذي يدل عليه لفظ القرآن القسم الأول وهو أن تكون الأفلاك ساكنة والكواكب جارية فيها، كما تسبح السمكة في الماء الراكد انتهى، والحق أنه لا سبيل إلى معرفة صفة السماوات، والأفلاك وما فيها إلا بإخبار الصادق المصدوق.

الأنبياء 21:34

(وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد) أي دوام البقاء في الدنيا لكونه مخالفاً للحكمة التكوينية والتشريعية (أفإن مت) بأجلك المحتوم، وقرئ مت بكسر الميم وضمها وهما لغتان. (فهم الخالدون) قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم إن محمداً سيموت قال: ويجوز حذف الفاء وإضمارها، والمعنى إن مت فهم يموتون أيضاً فلا شماتة في الموت وكان سبب نزول هذه الآية قول المشركين فيما حكاه الله عنهم (أم يقولون: شاعر نتربص به ريب المنون). أخرج البيهقي وغيره عن عائشة قالت: دخل أبو بكر على النبي (- صلى الله عليه وسلم -) وقد مات فقبله، وقال وانبياه واخليلاه واصفياه ثم تلا وما جعلنا. الآية.

الأنبياء 21:35

(كل نفس) مخلوقة فلا يراد الباري تعالى: (ذائقة الموت) أي ذائقة مرارة مفارقة جسدها فلا يبقى أحد من ذوات الأنفس المخلوقة كائناً ما كان وهذا دليل على ما أنكر من خلودهم، قيل هذا العموم مخصوص بقوله تعالى: (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فإن الله حي لا يموت ولا يجوز عليه الموت، والذوق هاهنا عبارة عن مقدمات الموت وآلامه العظيمة قبل حلوله. (ونبلوكم) أي نختبركم (بالشر) أي بالشدة (والخير) أي الرخاء (فتنة) مصدر لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قال: نفتنكم فتنة أو مفعول له أي لننظر كيف شكركم وصبركم، والمراد أنه سبحانه يعاملهم معاملة من يبلوهم فالله لا يخفى عليه شيء. (وإلينا ترجعون) لا إلى غيرنا لا استقلالاً ولا اشتراكاً فنجازيكم بأعمالكم حسبما يظهر منكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وفيه إشارة إلى أن المقصود من هذه الحياة الدنيا الابتلاء والتعريض للثواب والعقاب. وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (36) خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (37) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (39) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (40) وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (41)

الأنبياء 21:36

(وإذا رآك الذين كفروا) يعني الستهزئين من المشركين (إن يتخذونك إلا هزواً) أي ما يتخذونك إلا مهزوءاً بك، والهزء السخرية وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: (إنا كفيناك المستهزئين) والمعنى ما يفعلون بك إلا اتخاذك هزواً (أهذا الذي يذكر آلهتكم؟) أي يقولون أهذا الذي؟ فعلى هذا يكون هو جواباً ويكون قوله: أن يتخذونك اعتراضاً بين الشرط والجزاء، ومعنى يذكر يعيب، قال الزجاج: يقال فلان يذكر الناس أي يغتابهم ويذكرهم بالعيوب وفلان يذكر الله يصفه بالتعظيم ويثني عليه، وإنما يحذف مع الذكر ما عقل معناه، وعلى ما قالوا لا يكون الذكر في كلام العرب العيب، وحيث يراد به العيب يحذف منه السوء، وقيل يطلق على المدح والذم مع القرينة. (وهم بذكر الرحمن هم كافرون) أي بالقرآن، أو هم بذكر الرحمن الذي خلقهم كافرون؛ إذ قالوا ما نعرفه، والمعنى أنهم يعيبون على النبي صلى الله عليه وسلم أن يذكر آلهتهم التي لا تضر ولا تنفع بالسوء، والحال أنهم بذكر الله سبحانه بما يليق به من التوحيد، أو بالقرآن كافرون، فهم أحق بالعيب لهم والإنكار عليهم.

الأنبياء 21:37

(خلق الإنسان من عجل) أي جعل لفرط استعجاله في أحواله كأنه مخلوق من العجل، وفيه استعارة بالكناية، والعجل والعجلة ضد البطء، وقد عَجِل من باب طَرِب، والمعنى أن الإنسان من حيث هو مطبوع على العجلة فيستعجل كثيراً من الأشياء وإن كانت تضره، وقال الفراء: كأنه يقول بنيته وخلقته من العجلة وعلى العجلة. وقال الزجاج. خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر منه الشيء خلقت منه، كما تقول أنت من لعب وخلقت من لعب، تريد المبالغة في وصفه بذلك، ويدل على هذا المعنى قوله: (وكان الإنسان عجولاً) والمراد بالإنسان الجنس، وقيل آدم، فإنه لما خلقه الله ونفخ فيه من الروح صار الروح في رأسه، فذهب ينهض قبل أن يبلغ الروح إلى رجليه فوقع؛ فقيل: (خلق الإنسان من عجل) كذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والسدي والكلبي ومجاهد، ولفظ عكرمة: لما نفخ في آدم الروح صار في رأسه فعطس، فقال الحمد لله، فقالت الملائكة يرحمك الله؛ فذهب ينهض قبل أن تمور في رجليه فوقع، فقال الله: (خلق الإنسان من عجل) وعن ابن جريج نحوه. وقال أبو عبيدة وكثير من أهل المعاني: العجل الطين بلغة حمير، وقيل إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث وهو القائل: (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك) إلخ، وقيل نزلت في قريش لأنهم استعجلوا العذاب، وقال الأخفش: معناه أنه قيل له كن فكان، وقيل: أن هذه الآية من المقلوب، أي خلق العجل من الإنسان لشدة صدوره منه وملازمته له. وقد حكى هذا عن أبي عبيدة والنحاس وأبى عمرو، والقول الأول أولى. (سأوريكم آياتي) أي نقماتي منكم ومواعيدي في الآخرة بعذاب النار أو في الدنيا كوقعة بدر (فلا تستعجلون) بالإتيان فإنه نازل بكم لا محالة. وقيل المراد بالآيات ما دل على صدق محمد صلى الله عليه وسلم من المعجزات، وما جعله الله له من العاقبة المحمودة، والأول أولى ويدل عليه قوله:

الأنبياء 21:38

(ويقولون متى هذا الوعد) أي متى حصول هذا الوعد الذي تعدنا به من العذاب، قالوا ذلك على جهة الاستهزاء والسخرية، وقيل المراد بالوعد هنا القيامة (إن كنتم) يا معشر المسلمين (صادقين) في وعدكم، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين الذين يتلون الآيات القرآنية المنذرة بمجيء الساعة وقرب حضور العذاب.

الأنبياء 21:39

(لو يعلم الذين كفروا حين) أي لو عرفوا ذلك الوقت، وقال أبو السعود: استئناف مسوق لبيان شدة هول ما يستعجلونه لجهلهم بشأنه، وإيثار صيغة المضارع في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم العلم انتهى. وجواب (لو) محذوف لأنه أبلغ من الوعيد، فقدره الزمخشري لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم هو الذي هوَّنه عندهم وقدره ابن عطية، ولو علموا الوقت الذي (لا يكفون) يدفعون. (عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم) لما استعجلوا الوعيد، وقدره الحوفي لسارعوا، وقال الزجاج: التقدير لعلموا صدق الوعد أي البعث. وقيل لو علموه ما أقاموا على الكفر. وقال الكسائي: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة أي لو علموه علم يقين لعلموا أن الساعة آتية، ويدل عليه قوله الآتي:

الأنبياء 21:40

(بل تأتيهم بغتة) وتخصيص الوجوه والظهور بالذكر بمعنى القدام والخلف لكونهما أشهر الجوانب في استلزام الإحاطة بها للإحاطة بالكل بحيث لا يقدرون على دفعها من جانب من جوانبهم. (ولا هم ينصرون) أي لا يمنعون منها في القيامة ولا ينصرهم أحد من العباد فيدفع ذلك عنهم (بل) إضراب انتقالي من بيان السبب إلى بيان كيفية وقوع الموعود فقال: (تأتيهم) أي لا يُكْفَوْنَهَا بل تأتيهم العدة أو النار أو الساعة (بغتة) أي فجأة (فتبهتهم) قال الجوهري: بهته بهتاً أخذه، بغتاً، وقال الفراء: أي تحيرهم. وقيل تفجؤهم وقيل تدهشهم. (فلا يستطيعون ردها) أي صرفها عن وجوههم ولا عن ظهورهم، فالضمير راجع إلى النار، وقيل إلى الوعد بتأويله بالعدة، وقيل إلى الحين بتأويله بالساعة (ولا هم ينظرون) أي يمهلون ويؤخرون لتوبة واعتذار.

الأنبياء 21:41

(ولقد استهزئ برسل من قبلك) مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزيته، كأنه قال: إن استهزأ بك هؤلاء فقد فُعِلَ ذلك بمن قبلك من الرسل على كثرة عددهم وخطر شأنهم (فحاق) أي أحاط ودار بسبب ذلك (بالذين سخروا منهم) أي من أولئك الرسل وهزؤوا بهم (ما كانوا به يستهزئون) ما مصدرية أو موصولة، أي فأحاط بهم استهزاؤهم، أي جزاؤه على وضع السبب موضع المسبب أو نفس الاستهزاء إن أريد به العذاب الأخروي بناء على تجسم الأعمال أو الأمر الذي كانوا يستهزئون به. قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (42) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (43) بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (44) قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ (45)

الأنبياء 21:42

(قل من يكلؤكم) أي يحرسكم، قاله ابن عباس، والمعنى يحفظكم، والكلاءة الحراسة والحفظ، يقال كلأه الله كِلأة بالكسر، أي حفظه وحرسه، وحكي يكلوْكم بفتح اللام وإسكان الواو، أي قل يا محمد لأولئك المستهزئين بطريق التقريع والتوبيخ من يحرسكم ويحفظكم (بالليل) أي فيه إذا نمتم (والنهار) إذا انصرفتم إلى معايشكم، وتقديم الليل لما أن الدواهي أكثر فيه وقوعاً وأشد وقعاً (من) بأس (الرحمن) وعذابه الذي تستحقون حلوله بكم ونزوله عليكم. قال الزجاج: معناه من يحفظكم من بأس الرحمن؟. وقال الفراء: المعنى من يحفظكم مما يريد الرحمن إنزاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وفي التعرض لعنوان الرحمة إيذان بأن كالئهم ليس إلا رحمته العامة (بل هم عن ذكر ربهم معرضون) فلا يذكرونه ولا يخطرونه ببالهم ولا يتفكرون فيه بل يعرضون عنه أو عن القرآن أو عن مواعظ الله أو عن معرفته.

الأنبياء 21:43

(أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) أم بمعنى بل والهمزة للإضراب عن الكلام السابق المشتمل على بيان جهلهم بحفظه سبحانه إياهم إلى توبيخهم وتقريعهم باعتمادهم على من هو عاجز عن نفع نفسه والدفع عنها، والمعنى بل لهم آلهة تمنعهم مما يسوءهم من عذابنا، وفيه تقدير وتأخير، والتقدير أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم. ثم وصف آلهتهم هذه التي زعموا أنها تنصرهم بما يدل على الضعف والعجز فقال: (لا يستطيعون نصر أنفسهم) أي هم عاجزون عن نصر أنفسهم فكيف يستطيعون أن ينصروا غيرهم، فهو استئناف مقرر لما قبله من الإنكار وموضح لبطلان اعتقادهم (ولا هم) أي الكفار (منا يصحبون) أي يجارون من عذابنا قال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منا أحد لأن المجير صاحب الجار. والعرب تقول: صحبك الله أي حفظك وأجارك، تقول العرب أنا لك جار، وصاحب من فلان أي مجير منه، وهو اختيار الطبري. قال المازني: هو من أصحبت الرجل إذا منعته. وقال مجاهد: يحفظون قال ابن عباس: أي لا ينصرون ولا يجارون ولا يمنعون. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير ولا يجعل الله رحمته صاحباً لهم. ذكره القرطبي. ولما أبطل كون الأصنام نافعة أضرب عن ذلك منتقلاً إلى بيان أن ما هم فيه من الخير والتمتع بالحياة العاجلة هو من الله لا من مانع يمنعهم من الهلاك ولا من ناصر ينصرهم على أسباب التمتع فقال:

الأنبياء 21:44

(بل متعنا هؤلاء وآباءهم) يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم (حتى طال عليهم العمر) وامتد بهم الزمان، فاغتروا بذلك وظنوا أنهم لا يزالون كذلك؛ فرد الله سبحانه عليهم قائلاً: (أفلا يرون) أي لا ينظرون فيرون (أنّا نأتي الأرض) أي نقصد أرض الكفر (ننقصها) بالظهور عليها (من أطرافها) فنفتحها بلداً بلداً وأرضاً بعد أرض بتسليط المسلمين عليها، وأسنده إلى نفسه تعظيما لهم. وفيه تعظيم للجهاد والمجاهدين. وقيل ننقصها بالقتل والسبي، وهو تصوير لما يجريه الله على أيدي المسلمين. وقد مضى في الرعد الكلام على هذه مستوفى. (أفهم الغالبون) الاستفهام للإنكار والفاء للعطف على مقدر كنظائره، أي كيف يكونون غالبين بعد نقصنا لأرضهم من أطرافها، وفي هذا إشارة إلى أن الغالبين هم المسلمون أصحاب النبي.

الأنبياء 21:45

(قل إنما أنذركم) أي أخوفكم وأحذركم ما تستعجلونه من الساعة ْ (بالوحي) من الله أي بالقرآن لا من قبل نفسي، وذلك شأني وما أمرني الله به (ولا يسمع الصم الدعاء) إما من تتمة الكلام الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقوله لهم أو من جهة الله تعالى. والمعنى أن من أصم الله سمعه وختم على قلبه وجعل على بصره غشاوة لا يسمع الدعاء. وقرئ لا يُسْمَع بضم الياء وفتح الميم على ما لم يسم فاعله، وقرئ بالفوقية وكسر الميم، أي أنك يا محمد لا تُسْمِع هؤلاء و (ال) في الصم للجنس فيدخل المخاطبون فيه دخولاً أولياً أو للعهد. (إذا ما ينذرون) أي يخوَّفون لتركهم العمل بما سمعوه من الإنذار، والأصل ولا يسمعون إذا ما ينذرون، فوضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على تصامَّهم وسدهم أسماعهم إذا ما أنذروا، وللتسجيل عليهم. وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (46) وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (50)

الأنبياء 21:46

(ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك) المراد بالنفحة الدليل، مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان، وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه، يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة. وقيل هي النصيب وقيل هي الطرف وقيل وقعة خفيفة والمعنى متقارب، أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، وفيه مبالغات ثلاث ذكر المس وما في النفحة من معنى القلة، فإن أصل النفح هبوب رائحة الشيء والبناء الدال على المرة. (ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين) بالإشراك وتكذيب محمد، أي ليدعون على أنفسهم بالويل والهلاك ويعترفون عليها بالظلم.

الأنبياء 21:47

(ونضع الموازين القسط) العادلة (ليوم القيامة) أي لأهلها، وقيل اللام بمعنى في، أي في يوم القيامة، والموازين جمع ميزان، وهو يدل على أن هناك موازين، وممكن أن يراد ميزان عبر عنه بلفظ الجمع للتعظيم أو باعتبار أجزائه فإن الصحيح أنه ميزان واحد لجميع الأمم ولجميع الأعمال. وقد ورد في السنة في صفة الميزان ما فيه كفاية، وقد مضى في (الأعراف)، وفي (الكهف) في هذا ما يغني عن الإعادة، والقسط صفة للموازين وصف به مبالغة، قال الزجاج: قسط مصدر يوصف به، تقول: ميزان قسط، وموازين قسط؛ والمعنى ذوات قسط، والقسط العدل وصف به الموازين، لأن الميزان قد يكون مستقيماً، وقد يكون غير مستقيم، فبين الله أن تلك الموازين تجري على حد العدل. وقرئ القصط بالصاد والطاء، وأما ماهية جرمه من أي الجوهر، وأنه موجود الآن أو سيوجد فنمسك عن تعيينه ولا يكون الوزن في حق كل أحد، لأن من لا حساب عليه لا يوزن له كالأنبياء والملائكة، والوزن يكون للمكلفين من الجن والإنس، وقد يوزن العبد نفسه " كما ورد عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) لرجل عبد الله بن مسعود في الميزان أثقل من جبل أحد " [[الإمام أحمد 1/ 114 - 1/ 421 - 5/ 131.]] " ومن مات له ولد يجعل ذلك الولد في الميزان " [[البخاري كتاب الجنائز باب 6.]] وكيفيته ثقلا وخفة مثلها في الدنيا. (فلا تظلم نفس شيئاً) أي لا ينقص من إحسان محسن ولا يزاد في إساءة مسيء (وإن كان مثقال حبة من خردل) أي إن كان العمل المدلول عليه بوضع الموازين مثقال حبة، كذا قال الزجاج. وقال أبو علي الفارسي: وإن كان الظلامة مثقال حبة، قال الواحدي: وهذا أحسن لتقدم قوله: فلا تظلم نفس شيئاً، وقرئ برفع (مثقال) على أن كان تامة أي إن وقع أو أن وجد مثقال حبة، ومثقال الشيء ميزانه أي وإن كان في غاية الخفة والقلة والحقارة، فإن حبة الخردل مثل في الصغر. (أتينا بها) أي أحضرناها وجئنا بها أي بموزونها للمجازاة عليها، وقرئ آتينا بالمد على معنى جازينا بها يقال آتى يؤاتي مؤاتاة جازى (وكفى بنا حاسبين) أي مُحْصِين في كل شيء، والحسب في الأصل معناه: الْعَدّ، وقيل عالمين لأن من حسب شيئاً علمه وحفظه، وقيل مجازين على ما قدموه من خير وشر والغرض منه التحذير، فإن المحاسب إذا كان في العلم بحيث لا يمكن أن يشتبه عليه شيء، وفي القدرة بحيث لا يعجز عن شيء فحقيق بالعاقل أن يكون على أشد الخوف منه. وقد أخرج أحمد والترمذي وابن جرير في تهذيبه والبيهقي وغيرهم عن عائشة أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأضربهم وأشتمهم فكيف أنا منهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك إياهم دون ذنوبهم كان فضلاً لك، وإن كان عقابك إياهم بقدر ذنوبهم كان كفافاً لا عليك ولا لك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل " فجعل الرجل يبكي ويهتف، فقال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) " أما تقرأ كتاب الله (ونضع الموازين القسط) إلى قوله (حاسبين) " فقال الرجل: يا رسول الله ما أجد لي ولهم خيراً من مفارقتهم أشهدك أنهم أحرار. [[الترمذي تفسير سورة 21/ 2 - الإمام أحمد 6/ 280.]] وفي معناه أحاديث، وروي عن الشبلي أنه رؤى في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: حاسبونا فدققوا ... ثم منوا فأعتقوا وكذا كل مالك ... بالمماليك يرفق ثمِ شرع الله سبحانه في تفصيل ما أجمله سابقاً بقوله (وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم) وذكر عشر قصص، الأولى. قصة موسى، ثم إبراهيم ثم لوط ثم نوح ثم داود وسليمان ثم أيوب ثم إسماعيل وإدريس وذي الكفل، ثم يونس ثم زكريا ثم مريم وابنها عيسى فقال:

الأنبياء 21:48

(ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكراً للمتقين) المراد بالفرقان هنا التوراة قاله أبو صالح، وعن قتادة مثله لأن فيها الفرق بين الحلال والحرام والحق والباطل. وقال ابن زيد الفرقان: الحق، وقيل الفرقان هنا هو النصر على الأعداء كما في قوله: وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان؛ قال الثعلبي: وهذا القول اشبه بظاهر الآية، ومعنى ضياء أنهم استضاؤوا بها في ظلمات الجهل والغواية، ومعنى الذكر الموعظة أي أنهم يتعظون بما فيها. وخص المتقين لأنهم ينتفعون بذلك ووصفهم بقوله

الأنبياء 21:49

(الذين يخشون ربهم بالغيب) لأن هذه الخشية تلازم التقوى أو يخشون عذابه وهو غائب عنهم أو هم غائبون عنه، لأنهم في الدنيا، والعذاب في الآخرة؛ وقيل يخافونه في الخلوات إذا غابوا عن أعين الناس. (وهم من الساعة مشفقون) أي وهم من أهوال القيامة خائفون وَجِلُون، وهذا من ذكر الخاص بعد العام، لكونها أعظم المخلوقات وللتنصيص على إنصافهم بضد ما أنصف به المستعجلون وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على ثبات الإشفاق ودوامه.

الأنبياء 21:50

(وهذا) أي القرآن قاله قتادة، والإشارة إليه بأداة القرب إيماء إلى سهولة تناوله عليهم (ذكر مبارك) قال الزجاج: أي ذكر لمن تذكر به وموعظة لمن اتعظ به والمبارك كثير البركة والخير (أنزلناه) صفة للذكر أو خبر بعد خبر. (أفأنتم له منكرون)؟ الاستفهام للإنكار لما وقع منهم من الإنكار أي كيف تنكرون كونه منزلاً من عند الله؟ مع اعترافكم بأن التوراة منزلة من عنده، أو أنكم من أهل اللسان تدركون مزايا الكلام ولطائفه، وتفهمون من بلاغة القرآن ما لا يدركه غيركم؛ مع أن فيه شرفكم وَصِيَّتكم. كما يشير إليه لفظ الذكر على ما سبق، فلو أنكره غيركم لكان ينبغي لكم مناصبته، وتقديم الظرف على المتعلق دال على التخصيص أي أفأنتم للقرآن خاصة دون كتاب اليهود فإنهم كانوا يراجعون اليهود فيما عنّ لهم من المشكلات. وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (51) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (52) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (53) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (54) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (55) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (56) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)

الأنبياء 21:51

(ولقد آتينا إبراهيم رشده) أي الرشد اللائق به، وبأمثاله من الرسل الكبار، وهو الاهتداء الكامل المستند إلى الهداية الخاصة الخالصة بالوحي، والاقتدار على إصلاح الأمة باستعمال النواميس الإلهية، وقال مجاهد: هديناه صغيراً. (من قبل) أي قبل إيتاء موسى وهارون التوراة، أو محمد صلى الله عليه وسلم، وقال الفراء: أي أعطيناه هداه من قبل النبوة والبلوغ أي وفقناه للنظر والاستدلال لما جن عليه الليل فرأى الشمس والقمر والنجم، وعلى هذا أكثر المفسرين وبالأول قال أقلهم. (وكنا به عالمين) أي أنه موضع لإيتاء الرشد وأنه يصلح لذلك

الأنبياء 21:52

(إذ) أي اذكر حين (قال لأبيه) آزر (وقومه) نمروذ ومن اتبعه (ما هذه التماثيل) وهي الصور والأصنام، قاله مجاهد، وفيه تجاهل لهم ليحقر آلهتهم مع علمه بتعظيمهم لها. وأصل التمثال: الشيء المصنوع المشابه لشيء من مخلوقات الله سبحانه، يقال مَثَّلْتُ الشيء بالشيء إذا جعلته مشابهاً له، واسم ذلك اْلمُمَثل تمثال، وهو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي أو غيره من الحيوانات وأنكر عليهم عبادتها بقوله: (التي أنتم لها عاكفون) العكوف عبارة عن اللزوم والاستمرار على الشيء لغرض من الأغراض، واللام في لها للاختصاص، ولو كانت للتعدية لجيء بكلمة على أي ما هذه الأصنام التي أنتم مقيمون على عبادتها؟ وقيل: إن العكوف مضمن معنى العبادة وكانت تلك الأصنام اثنين وسبعين صنماً، بعضها من ذهب وبعضها من فضة، وبعضها من حديد، وبعضها من رصاص، وبعضها من نحاس وبعضها من حجر، وبعضها من خشب، وكان كبيرها من ذهب مكللاً بالجواهر في عينيه ياقوتتان متقدتان تضيآن في الليل.

الأنبياء 21:53

(قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين) فقلدناهم واقتدينا بهم أجابوه بهذا الجواب الذي هو العصا التي يتوكأ عليها كل عاجز والحبل الذي يتشبث به كل غريق؛ وهو التمسك بمجرد تقليد الآباء أي وجدنا آباءنا يعبدونها، فعبدناها اقتداء بهم ومشياً على طريقتهم. وهكذا يجيب هؤلاء المقلدة من أهل هذه الملة الإسلامية فإن العالم بالكتاب والسنة إذا أنكر عليهم العمل بمحض الرأي المدفوع بالدليل، قالوا: هذا قد قال به إمامنا الذي وجدنا آباءنا له مقلدين وبرأيه آخذين، قال الحفناوي: أي فلم يكن جوابهم إلا التقليد انتهى، وجوابهم هو ما أجاب به الخليل هاهنا.

الأنبياء 21:54

(قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين) أي في خسران واضح ظاهر لا يخفى على أحد، ولا يلتبس على ذي عقل، فإن قوم إبراهيم عبدوا الأصنام التي لا تضر ولا تنفع ولا تسمع ولا تبصر، وليس بعد هذا الضلال ضلال، ولا يساوي هذا الخسران خسران، قال النسفي: أراد أن المقلدين والمُقَلدين منخرطون في سلك ضلال ظاهر وأكد بـ (أنتم) ليصح العطف لأن العطف على ضمير هو في حكم بعض الفعل ممتنع. انتهى. أقول: وهؤلاء المُقَلَّدة من أهل الإسلام استبدلوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم كتباً قد دونت فيها اجتهادات عالم من علماء الإسلام زعم أنه لم يقف على دليل يخالفها إما لقصور منه أو لتقصير في البحث فوجد ذلك الدليل من وجده وأبرزه واضح المنار كأنه علم في رأسه نار، وقال هذا كتاب الله أو هذه سنة رسوله وأنشدهم: دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمِنٌ في دينه كمُخَاطِرِ فقالوا كما قال الأول: وهل أنا إلا من غَزِيَّة إن غوت ... غَوِيت وإن ترشد غَزِيَّةُ أرشد وقد أحسن من قال: يأبي الفتى إلا اتباع الهوى ... ومنهجُ الحق له واضح قال البيضاوي: والتقليد إن جاز فإنما يجوز لمن علم في الجملة أنه على الحق ثم لما سمع أولئك مقالة الخليل.

الأنبياء 21:55

(قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين) أي أجادّ أنت فيما تقول أم أنت لاعب مازح؟ وليس المراد به حقيقة المجيء إذ لم يكن غائباً عنهم و (أم) متصلة وإن كان يعدها جملة لأنها في حكم المفرد، إذ التقدير أي الأمرين واقع مجيئك بالحق؟ أم لعبك؟ وفي إيراد الشق الثاني بالجملة الاسمية الدالة على الثبات إيذان برجحانه عندهم ثم

الأنبياء 21:56

(قال) مضرباً عما بنوا عليه مقالتهم من التقليد. (بل ربكم رب السماوات والأرض) وقيل هو إضراب عن كونه لاعباً، بإقامة البرهان على ما ادعاه، والأول أظهر (الذي فطرهن) أي خلقهن وأبدعهن والضمير للسموات أو للتماثيل وهو أدخل في تضليلهم وإقامة الحجة عليهم لأن فيه تصريحاً بأن معبوداتهم من جملة مخلوقاته. (وأنا على ذلكم) الذي ذكرته لكم من كون ربكم هو رب السماوات والأرض فقط دون ما عداه كائناً ما كان (من الشاهدين) أي العالمين به على سبيل الحقيقة المبرهنين عليه، فإن الشاهد على الشيء هو من كان عالماً به، مبرهناً عليه مبيناً له.

الأنبياء 21:57

(وتالله لأكيدن أصنامكم) أخبرهم بأنه سينتقل من المحاجة باللسان إلى تغيير المنكر بالفعل ثقة بالله سبحانه ومحاماة على دينه، وهذه طريقة فعلية دالة على أنه على الحق، بعد أن أتى بطريقة قولية، فجمع بين القول والفعل، والكيد المكر، يقال كاده يكيده كيداً ومكيدة، والمراد هنا الاجتهاد في كسر الأصنام. قيل: إنه عليه السلام قال ذلك سراً، وقيل سمعه رجل منهم فأفشاه. (بعد أن تولوا مدبرين) أي بعد أن تراجعوا من عبادتها ذاهبين منطلقين. قال المفسرون. كان لهم عيد في كل سنة يجتمعون فيه، فقالوا لإبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فقال إبراهيم هذه المقالة. فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (58) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (59) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (60) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (61) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)

الأنبياء 21:58

(فجعلهم جذاذاً) أي تولوا فجعلهم جذاذاً؛ أي حطاماً بفأس. قاله ابن عباس وعنه قال: فتاتاً. الْجَذّ القطع والكسر، يقال جذذت الشيء قطعته وكسرته، الواحد جذاذة، والجذاذ ما تكسر منه. قال الجوهري. قال الكسائي ويقال لحجارة الذهب الجذاذ لأنها تكسر، وقرئ جذاذاً بكسر الجيم، أي كِسَراً وَقِطَعاً، جمع جذيذ وهو الهشيم، مثل خفيف وخفاف وظريف وظراف، وقرئ بالضم كالحطام، والرِّقاق فعال بمعنى مفعول وقرئ بفتحها. قال قطرب: هي في لغاتها كلها مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، والقراءتان الأوليان سبعيتان، وهذا هو الكيد الذي وعدهم به. (إلا كبيراً لهم) أي عظيم آلهتهم. قاله ابن عباس، يعني تركه ولم يكسره، والضمير للآلهة أو عائد على عابديها ووضع الفأس في عنقه ثم خرج. (لعلهم إليه) أي إلى إبراهيم (يرجعون) فيحاجهم بما سيأتي فيحجهم. وقال الرازي: أما إذا قلنا إن الضمير راجع إلى الكبير، فالمعنى لعلهم يرجعون إليه كما يرجع إلى العالم في حل المشكلات فيقولون له ما لهؤلاء مكسورة ومالك صحيحاً؟ وما لهذا الفأس في عنقك؟ وقال ذلك بناء على كثرة جهالاتهم واستهزاء بهم، وكان من عادتهم إذا رجعوا إليها سجدوا إليها ثم ذهبوا إلى منازلهم. وقيل المعنى لعلهم إلى الصنم الكبير يرجعون فيسألونه عن الكاسر، لأن من شأن المعبود أن يرجع إليه في المهمات، فإذا رجعوا إليه لم يجدوا عنده خبراً، فيعلمون حينئذ أنها لا تجلب نفعاً ولا تدفع ضرراً، ولا تعلم بخير ولا شر، ولا تخبر عن الذي ينوبها من الأمر. وقيل لعلهم إلى الله يرجعون، وهو بعيد جداً

الأنبياء 21:59

(قالوا) في الكلام حذف؛ والتقدير فلما رجعوا من عيدهم ورأوا ما حدث بآلهتهم من التكسير قالوا: (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) الاستفهام للتوبيخ والتشنيع والإنكار، وقيل (من) موصولة مبتدأ، و (إنه لمن) الخ خبره، أي فاعل هذا ظالم والأول أولى. عن ابن مسعود قال: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم مروا عليه فقالوا يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال إني سقيم، وقد كان بالأمس قال: (تالله لأكيدن أصنامكم) الآية، فسمعه ناس منهم فلما خرجوا انطلق إلى أهله فأخذ طعاماً، ثم انطلق إلى آلهتهم فقربه إليهم فقال ألا تأكلون؟ فكسرها إلا كبيرهم؛ ثم ربط في يده الذي كسر به آلهتهم، فلما رجع القوم من عيدهم دخلوا، فإذا هم بآلهتهم قد كسرت، وإذا كبيرهم في يده الذي كسر به الأصنام، قالوا من فعل هذا بآلهتنا؟.

الأنبياء 21:60

(قالوا) أي قال الذين سمعوا إبراهيم يقول: (وتالله لأكيدن أصنامكم) مجيبين المستفهمين لهم (سمعنا فتى يذكرهم) أي يعيبهم ويسبهم. وسمع هنا متعدية لاثنين لدخولها على ما لا يسمع، فالأول فتى والثاني جملة يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع، كأن قلت سمعت كلام زيد فإنها تتعدى لواحد. (يقال له إبراهيم) قال الزجاج: أي هو إبراهيم، فهو خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ محذوف الخبر؛ أي يقال له إبراهيم فاعل ذلك، وقيل ارتفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله، أي يقال له هذا اللفظ، ولهذا قال أبو البقاء: المراد الاسم لا المسمى. وقيل على النداء أي يا إبراهيم. ومن غرائب التدقيقات النحوية وعجائب التوجيهات الإعرابية أن الأعلم الشنتمري الأشبيلي قال: أنه مرتفع على الإهمال قال ابن عطية: ذهب إلى رفعه بغير شيء.

الأنبياء 21:61

(قالوا فأتوا به على أعين الناس) القائلون هم السائلون، أمروا بعضهم أن يأتي به ظاهراً بمرأى من الناس قيل إنه لما بلغ الخبر نمرود وأشراف قومه كرهوا أن يأخذوه بغير بينة فقالوا هذه المقالة ليكون ذلك حجة عليه يستحلون بها منه ما قد عزموا على أن يفعلوه به. (لعلهم يشهدون) أي يحضرون عقابه حتى ينزجر غيره عن الاقتداء به في مثل هذا. وقيل: لعلهم يشهدون عليه بأنهم رأوه يكسر أصنامهم، أو لعلهم يشهدون طعنه على أصنامهم.

الأنبياء 21:62

(قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) مستأنفة وفي الكلام حذف، أي فجاء إبراهيم حين أتوا به، فاستفهموه هل فعل ذلك لإقامة الحجة عليه في زعمهم

الأنبياء 21:63

(قال) إبراهيم مقيماً للحجة عليهم مبكتاً لهم، وقال المحلي: قال ساكتاً عن فعله (بل فعله كبيرهم هذا) مشيراً إلى الصنم الذي تركه ولم يكسره. وقال الشهاب: هذا على طريقة الكناية الفرضية، فهذا يستلزم نفي فعل الصنم الكبير للكسر وإثباته لنفسه، وحاصله أنه إشارة لنفسه على الوجه الأبلغ مضمناً فيه الاستهزاء والتضليل. انتهى. أخرج أبو داود والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم يكذب إبراهيم في شيء قط إلا في ثلاث كلهن في الله. قوله إني سقيمٌ ولم يكن سقيماً. وقوله لسارة أختي، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا " [[الترمذي تفسير 21/ 3 - مسلم 2371 - البخاري 1113.]] وهذا الحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة بأطول من هذا، وقد روي نحوه أبو يعلى من حديث أبي سعيد. وقيل: أراد إبراهيم عليه السلام بنسبة الفعل إلى ذلك الكبير من الأصنام أنه فعل ذلك لأنه غار وغضب من أن يعبد وتعبد الصغار معه، إرشاداً لهم إلى أن عبادة هذه الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تدفع، لا تستحسن في العقل مع وجود خالقها وخالقهم والأول أولى، وقرئ بل فعله بتشديد اللام، على معنى بل فَلَعَلَّ الفاعل كبيرهم. (فاسألوهم) عن فاعله (إن كانوا ينطقون) أي إن كانوا ممن يمكنه النطق ويقدر على الكلام ويفهم ما يقال له فيجيب عنه بما يطابقه، وفيه تقديم جواب الشرط، أراد عليه السلام أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة، لأنهم إذا قالوا إنهم لا ينطقون، قال لهم فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه؛ فهذا الكلام من باب فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق، فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته. وإنما قال: ينطقون ولم يقل يسمعون أو يعقلون، مع أن السؤال موقوف على السمع والعقل أيضاً، لما أن نتيجة السؤال الجواب، وأن عدم نطقهم أظهر في تبكيتهم.

الأنبياء 21:64

(فرجعوا إلى أنفسهم) أي رجع بعضهم إلى بعض رجوع المنقطع عن حجته المتفطن لصحة حجة خصمه المراجع لعقله، وذلك أنهم تنبهوا وفهموا عند هذه المقاولة بينهم وبين إبراهيم، أن من لا يقدر على دفع المضرة عن نفسه ولا على الإضرار بمن فعل به ما فعله إبراهيم بتلك الأصنام يستحيل أن يكون مستحقاً للعبادة ولهذا (فقالوا) أي قال بعضهم لبعض. (إنكم أنتم الظالمون) لأنفسكم بعبادة هذه الجمادات، وليس الظالم من نسبتم إليه الظلم بقولكم أنه لمن الظالمين

الأنبياء 21:65

(ثم نكسوا على رؤوسهم) أي رجعوا إلى جهلهم وعنادهم، شبه سبحانه عودهم إلى الباطل بصيرورة أسفل الشيء أعلاه. وقيل المعنى أنه طأطأوا رؤوسهم خجلة من إبراهيم، وهو ضعيف لأنه لم يقل نكسوا رؤوسهم بفتح الكاف؛ وإسناد الفعل إليهم حتى يصح هذا التفسير، بل قال نكسوا على رؤوسهم، وقرئ نُكِّسوا بالتشديد وأنه لغة من المخفف، فليس التشديد لتعدية ولا تكثير. ثم قالوا بعد أن نكسوا مخاطبين لإبراهيم (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) أي لقد علمت أن النطق ليس من شأن هذه الأصنام فكيف تأمرنا بسؤالهم؟ وما هذه حجازية أو تميمية. قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (66) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (67) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (69) وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70) وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ (72)

الأنبياء 21:66

(قال) إبراهيم مبكتاً لهم ومزرياً عليهم (أفتعبدون من دون الله) أي بدله (ما لا ينفعكم شيئاً) من النفع إن عبدتموه (ولا يضركم) بنوع من أنواع الضرر إذا لم تعبدوه، ثم تضجر عليه السلام منهم فقال:

الأنبياء 21:67

(أف) بكسر الفاء مع التنوين وتركه وفتحها بلا تنوين بمعنى مصدر، فالقراءات ثلاث وكلها سبعية، أي نتناً وقبحاً (لكم ولما تعبدون من دون الله) وفي هذا تحقير لهم ولمعبوداتهم، واللام في لكم لبيان المتأفف له، أي لكم ولآلهتكم والتأفف صوت يدل على التضجر (أفلا تعقلون) أي آليس لكم عقول تتفكرون بها فتعلمون هذا الصنع القبيح الذي صنعتموه، أو أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة ولا تصلح لها وإنما يستحقها الله تعالى.

الأنبياء 21:68

(قالوا) أي قال بعضهم لبعض لما أعيتهم الحيلة في دفع إبراهيم وعجزوا عن مجادلته وضاقت عليهم مسالك المناظرة. (حرّقوه) انصرافاً منهم إلى طريق الظلم والغشم وميلاً منهم إلى إظهار الغلبة بأي وجه كان وعلى أي أمر اتفق؛ وهكذا ديدن المبطل المحجوج إذا قرعت شبهته بالحجة القاطعة، وافتضح لا يبقى له مفزع إلا المناصبة. والقائل هو النمروذ بن كنعان بن السحاريب بن نمروذ بن كوش بن حام ابن نوح. وقيل القائل رجل من أكراد فارس اسمه هينون، خسف الله به الأرض ثم قالوا: (وانصروا آلهتكم) أي انصروها بالانتقام من هذا الذي فعل بها ما فعل وبتحريفه. (إن كنتم فاعلين) للنصر، فجمعوا له الحطب الكثير وأضرموا النار في جميعه وأوثقوا إبراهيم وجعلوه في منجنيق ورموه في النار. قاله المحلي، وكانت مدة الجمع شهراً ومدة الإيقاد سبعة أيام ومدة مكث إبراهيم في النار سبعة أيام. وفي الرازي أربعين يوماً أو خمسين، ومثله في أبي السعود، وكان وقت إلقائه فيها ابن ست عشرة سنة. وقيل ست وعشرين قاله الماوردي. (قلنا في الكلام حذف تقديره: فأضرموا النار وذهبوا بإبراهيم إليها فعند ذلك

الأنبياء 21:69

(قلنا يا نار كوني برداً وسلاماً) أي ذات برد وسلام؛ أي أبردي برداً غير ضار، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه للمبالغة. قيل وانتصاب (سلاماً) على أنه مصدر أي وسلمنا سلاماً. (على إبراهيم) ولو لم يقل (على إبراهيم) لما أحرقت نار ولا اتقدت، قاله أبو حيان في البحر، عن ابن عباس قال: لما جمع لإبراهيم ما جمع، وألقي في النار جعل خازن المطر يقول: متى أومر بالمطر؟ فأرسله فكان أمر الله أسرع، قال الله: (كوني برداً وسلاماً) فلم تبق في الأرض نار إلا طفئت. وأخرج أحمد وابن ماجه وابن حبان وأبو يعلى وابن أبي حاتم والطبراني، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن إبراهيم حين ألقي في النار لم تكن دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ، فإنه كان ينفخ على إبراهيم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله وهو سام أبرص " [[الإمام أحمد 6/ 280 - البخاري كتاب الأنبياء باب 8.]]، وذكر بعض الحكماء أن الوزغ لا يدخل بيتاً فيه زعفران وأنه يبيض قاله ابن لقيمة. وعن ابن عمر قال: أول كلمة قالها إبراهيم حين ألقي في النار حسبنا الله ونعم الوكيل، أخرجه ابن أبي شيبة وابن المنذر، وعن السدي قال: كان جبريل هو الذي ناداها أي النار، وعن ابن عباس قال: لو لم يتبع بردها سلاماً، لمات إبراهيم من بردها، وعن عليّ نحوه. وعن معتمر بن سليمان التيمي قال: جاء جبريل إلى إبراهيم وهو يوثق ليلقى في النار، فقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وعن كعب قال: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه وذهبت حرارتها وبقيت إضاءتها. وعن المنهال بن عمرو قال: أخبرت أن إبراهيم ألقي في النار، فكان فيها إما خمسين وإما أربعين، فقال: ما كنت أياماً وليالي قط أطيب عيشاً إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل عيشي إذ كنت فيها.

الأنبياء 21:70

(وأرادوا به كيداً) أي مكراً وهو التحريق (فجعلناهم الأخسرين) أي أخسر من كل خاسر ورددنا مكرهم عليهم فجعلنا لهم عاقبة السوء كما جعلنا لإبراهيم عاقبة الخير لأنهم خسروا السعي والنفقة، فلم يحصل لهم مرادهم، وصار سعيهم برهاناً على بطلانهم، أو الأخسرين بمعنى الهالكين بإرسال البعوض على نمروذ وقومه فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغه بعوضة فأهلكته.

الأنبياء 21:71

(ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين) قد تقدم أن لوطاً هو ابن أخي إبراهيم قاله ابن عباس أي هاران الأصغر، وكان لهما أخ ثالث اسمه ناخور، والثلاثة أولاد آزر، وأما هاران الأكبر فكان عماً لإبراهيم وكانت سارة بنت عم إبراهيم الذي هو هاران الأكبر وكانت آمنت بإبراهيم فحكى الله سبحانه هاهنا أنه نجى إبراهيم ولوطاً عليهما السلام. قال المفسرون. والأرض هي أرض الشام؛ قاله أبيٌ وكانا بالعراق وسماها سبحانه مباركة لكثرة خصبها وأشجارها وثمارها وأنهارها ولأنها معادن الأنبياء وأصل البركة ثبوت الخير، ومنه برك البعير إذا لزم مكانه فلم يبرح وقيل: الأرض المباركة مكة، وقيل: بيت المقدس لأن منها بعث الله أكثر الأنبياء: وهي أيضاً كثيرة الخصب، والأول أولى لأن إبراهيم خرج من كوثى من أرض العراق؛ ومعه لوط، وسارة، فخرج يلتمس الفرار بدينه والأمان على عبادة ربه حتى نزل حران فمكث بها ما شاء الله، ثم خرج من حران حتى قدم مصر، ثم ورجع إلى الشام، فنزل السبع من أرض فلسطين وترك لوطاً بالمؤتفكة وهي على مسيرة يوم وليلة من السبع، فبعثه الله نبياً إلى أهلها وما قرب منها، ذكره الخازن. وقد تقدم تفسير للعالمين ثم قال سبحانه ممتناً على إبراهيم

الأنبياء 21:72

(ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة) وهي الزيادة من غير سؤال، وكان إبراهيم قد سأل الله أن يهب له ولداً فوهب له إسحاق، وجملة ما عاشه من السنين مائة وسبع وأربعون ثم وهب لإسحاق يعقوب من غير دعاء، فكان ذلك نافلة. وقيل المراد بالنافلة هنا العطية، قاله الزجاج ومجاهد، وقيل النافلة هنا ولد الولد لأنه زيادة على الولد، وقال ابن عباس: نافلة ابن الابن، وعن قتادة والحكم نحوه، وقال الفراء: النافلة يعقوب خاصة لأنه ولد الولد. (وكًلاًّ جعلنا صالحين) أي كل واحد من هؤلاء الأربعة إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب لا بعضهم دون بعض جعلناه صالحاً عاملاً بطاعة الله تاركاً لمعاصيه، وقيل المراد بالصلاح هنا النبوة. وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (73) وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (74) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (76) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (77) وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78)

الأنبياء 21:73

(وجعلناهم أئمة) أي رؤساء يقتدى بهم في الخيرات والأعمال الصالحات. (يهدون) الناس (بأمرنا) أي بما أنزلنا عليهم من الوحي (وأوحينا إليهم فعل الخيرات) أي أن يفعلوا الطاعة، وقيل شرائع النبوات (وإقام الصلاة) الأصل الإقامة إلا أن المضاف إليه جعل بدلاً من الهاء، والمعنى المحافظة عليها. (وإيتاء الزكاة) الواجبة، وخصهما بالذكر لأن الصلاة أفضل العبادات البدنية وشرعت لذكر الله، والزكاة أفضل العبادات المالية، ومجموعهما التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله (وكانوا لنا) خاصة دون غيرنا من الأصنام قاله العمادي (عابدين) أي مطيعين فاعلين ما نأمرهم به تاركين، لما ننهاهم عنه، وقيل موحدين.

الأنبياء 21:74

(ولوطاً آتيناه حكماً) أي نبوة (وعلماً) أي معرفة بأمر الدين أو فقهاً لائقاً به فيكون من عطف السبب على المسبب وقيل الحكم هو فصل الخصومات بالحق، وقيل هو الفهم (ونجيناه من القرية) هي سدوم كما تقدم (التي كانت تعمل) أي يعمل أهلها، ففيه مجاز عقلي (الخبائث) هي اللواطة والضراط، وحذف الحصى والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغير ذلك كما سيأتي. ثم علل سبحانه ذلك بقوله: (إنهم كانوا قوم سوء فاسقين) أي خارجين عن طاعة الله

الأنبياء 21:75

(وأدخلناه) بإنجائنا له من القوم المذكورين (في) أهل (رحمتنا) وقيل في النبوة، وقيل في الإسلام، وقيل في الثواب، وقيل في الجنة (إنه من الصالحين) الذين سبقت لهم منا الحسنى.

الأنبياء 21:76

(و) اذكر (نوحاً إذ نادى) ربه (من قبل) أي من قبل هؤلاء الأنبياء المذكورين وبعث وهو ابن أربعين سنة، ومكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعاش بعد الطوفان ستين سنة. فتكون مدة عمره ألفاً وخمسين سنة كذا في التحبير، وكان عليه السلام أطول الأنبياء عمراً وأشدهم بلاء. والمعنى دعا على قومه بقوله رب: لا تذر إلخ، دعاء تفصيلياً ودعا دعاء آخر إجمالياً، بقوله: إني مغلوب فانتصر، وإما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فدعا لقومه بالهداية بقوله: رب اهد قومي فإنهم لا يفهمون كما فهمنا ولذلك ورد أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ثلثا أهل الجنة ولهم ثلاثة أرباع الجنة، بل تسعة أعشارها وبقية الأمم لهم العشر، ذكره السنوسي في شرح الصغرى. (فاستجبنا له) دعاءه (فنجيناه وأهله) أي المؤمنين منهم (من الكرب العظيم) أي من الغرق بالطوفان وتكذيب قومه له، والكرب الغم الشديد

الأنبياء 21:77

(ونصرناه) نصراً مستتبعاً للانتقام، وقيل منعناه (من القوم الذين كذبوا بآياتنا) الدالة على رسالته أي من أن يصلوا إليه بسوء؛ وقيل من بمعنى على. ثم علل سبحانه ذلك بقوله: (إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين) أي لم نترك منهم أحداً، بل أغرقنا كبيرهم وصغيرهم ذكرهم وأنثاهم بسبب إصرارهم على الذنب (و) اذكر

الأنبياء 21:78

(داود وسليمان) أي قصتهما (إذ يحكمان) أي وقت حكمهما، والمراد من ذكرهما ذكر خبرهما (في) شأن (الحرث) قيل كان زرعاً وهو أشبه بالعرف، وقيل كرماً وعليه أكثر المفسرين، وبه قال ابن عباس واسم الحرث يطلق عليهما، قال مرة: كان الحرث تبناً. (إذ نفشت) قال ابن السكيت: النفش بالتحريك أن تنشر الغنم بالليل من غير راع أي تفرقت وانتشرت، ورعت بأن انفلتت (فيه غنم القوم) أي غنم بعض القوم من أمة داوود (وكنا لحكمهم) أي لحكم الحاكمين، وفيه جواز إطلاق الجمع على الاثنين، وهو مذهب طائفة من أهل العربية كالزمخشري والرضي وتقدمهما إلى القول به الفراء، وإنما وقع الجمع موقع التثنية مجازاً أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان وتدل عليه قراءة لحكمهما. وقيل المراد الحاكمان والمحكوم عليه فهؤلاء جماعة وفيه الجمع بين الحقيقة والمجاز، فإن الحقيقة إضافة المصدر لفاعله، والمجاز إضافته لمفعوله، ومعنى (شاهدين) حاضرين، والجملة اعتراضية. وقد روى البيهقي في سننه عن ابن مسعود، ولفظه قال: كرم قد أنبتت عناقيده فأفسدته الغنم فقضى داود بالغنم لصاحب الكرم؛ فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله، قال: وما ذاك؟ قال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها حتى إذا عاد الكرم كما كان، دفعت الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها فذلك قوله. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79) وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (80) وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (81) وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (82)

الأنبياء 21:79

(ففهمناها سليمان) وعن مسروق نحوه، وكذا عن ابن عباس لكنه لم يذكر الكرم، وعنه بأطول منه، والضمير المنصوب يعود إلى القضية المفهومة من الكلام أو إلى الحكومة المدلول عليها بذكر الحكم. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " بينما امرأتان معهما ابنان جاء الذئب فأخذ أحد الابنين فتحاكما إلى داود فقضى به للكبرى فخرجتا فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما فقالت الصغرى: رحمك الله هو ابنها لا تشقه فقضى به للصغرى " [[مسلم 1720 - البخاري 1611.]] وهذا الحديث وإن لم يكن داخلاً فيما حكته الآية لكنه من جملة ما وقع لهما. قال المفسرون: دخل رجلان على داود وعنده ابنه سليمان، أحدهما صاحب حرث، والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا انفلتت غنمه ليلاً فوقعت في حرثي، فلم تبق منه شيئاً، فقال: لك رقاب الغنم فقال سليمان: أو غير ذلك ينطلق أصحاب الكرم بالغنم فيصيبوا من ألبانها ومنافعها، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كَرْمهم، فقال داود: القضاء ما قضيت وحكم بذلك. قال النحاس: إنما قضى داود بالغنم لصاحب الحرث، لأن ثمنها كان قريباً منه، وأما في حكم سليمان فقد قيل كانت قيمة ما نال من الغنم وقيمة ما أفسدت الغنم سواء، قال جماعة من العلماء: إن داود حكم بوحي، وحكم سليمان بوحي نسخ الله به حكم داود، فيكون التفهيم على هذا بطريق الوحي، وقال الجمهور: إن حكمهما كان باجتهاد وكلام أهل العلم في حكم اجتهاد الأنبياء معروف وهكذا ما ذكروه في اختلاف المجتهدين، وهل كل مجتهد مصيب؟ أو الحق مع واحد؟. وقد استدل المستدلون بهذه الآية على أن كل مجتهد مصيب ولا شك أنها تدل على رفع الإثم عن المخطئ، وأما كون كل واحد منهما مصيباً فلا تدل عليه هذه الآية ولا غيرها بل صرح الحديث المتفق عليه في الصحيحين وغيرهما " أن الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر " [[مسلم 1716 - البخاري 2593.]] فسماه النبي صلى الله عليه وسلم فكيف يقال أنه مصيب لحكم الله موافق له فإن حكم الله سبحانه واحد لا يختلف باختلاف المجتهدين، وإلا لزم توقف حكمه عز وجل على اجتهادات المجتهدين واللازم باطل فالملزوم مثله. وأيضاً يستلزم أن تكون العين التي اختلف فيها اجتهاد المجتهدين بالحل والحرمة حلالاً وحراماً في حكم الله سبحانه، وهذا اللازم باطل بالإجماع فالملزوم مثله؛ وأيضاً يلزم أن حكم الله سبحانه لا يزال يتجدد عند وجود كل مجتهد، له اجتهاده في تلك الحادثة، ولا ينقطع ما يريده الله سبحانه فيها إلا بانقطاع المجتهدين، واللازم باطل فالملزوم مثله. والحاصل أن المجتهدين لا يقدرون على إصابة الحق في كل حادثة، لكن لا يصرون على الخطأ كما رجع داود هنا إلى حكم سليمان لما ظهر له أنه الصواب. وقد أوضح الشوكاني هذه المسألة بما لا مزيد عليه في القول المفيد وأدب الطلب، فمن أحب الوقوف على تحقيق الحق فليرجع إليهما وإلى المؤلف الذي سميناه حصول المأمول من علم الأصول، وإلى كتابنا الجنة في الأسوة الحسن بالسنة، ففيهما ما يغني عن غيرهما. قال الحسن: لولا هذه الآية لرأيت الحكام قد هلكوا، ولكن الله حمد هذا بصوابه وأثنى على هذا باجتهاده. وقال مجاهد: كان هذا صلحاً وما فعله داود كان حكماً والصلح خير، فإن قلت فما حكم هذه الحادثة التي حكم فيها داوود وسليمان في هذه الشريعة المحمدية والملة الإسلامية؟. قلت قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث البراء أنه شرع لأمته أن على أهل الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل مضمون على أهلها [[الموطأ كتاب الأقضية 36 - الإمام أحمد 5/ 436.]]، وهذا الضمان هو مقدار الذاهب عنها أو قيمته وقد ذهب جمهور العلماء إلى العمل بما تضمنه هذا الحديث. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وجماعة من الكوفيين إلى أن هذا الحكم منسوخ وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً في ليل أو نهار لا يلزم صاحبها شيء، وأدخلوا فسادها في عموم قول النبي: " جرح العجماء جبار " [[مسلم 1710 - البخاري 802 بلفظ: " العجماء وجرحها جبار ".]]؛ قياساً لجميع أفعالها على جرحها. ويجاب عنه بأن هذا القياس فاسد الاعتبار لأنه في مقابلة النص. ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يضمن رب الماشية ما أفسدته من غير فرق بين الليل والنهار ويجاب عنه بحديث البراء، وقد بسط الشوكاني رحمه الله الكلام عليه في شرحه للمنتقى، ومما يدل على أن هذين الحكمين من داوود وسليمان كانا بوحي من الله سبحانه لا باجتهاد، قوله: ففهمناها سليمان. (وكلا آتينا حكماً وعلماً) فإن الله سبحانه أخبرنا بأنه أعطى كل واحد منهما هذين الأمرين وهما إن كانا خاصين فصدقهما على هذه القضية التي حكاها الله سبحانه عنهما مقدم على صدقهما على غيرهما، وإن كانا عامين فهذا الفرد من الحكم والعلم، وهو ما وقع من كل واحد منهما في هذه القضية أحق أفراد ذلك العام بدخوله تحته ودلالته عليه. ومما يستفاد من ذلك دفع ما عسى يوهمه تخصيص سليمان بالتفهيم من عدم كون حكم داوود حكماً شرعياً، أي وكل واحد منهما أعطيناه حكماً وعلماً كثيراً، لا سليمان وحده، ولما مدح داوود وسليمان على سبيل الاشتراك ذكر ما. يختص بكل واحد منهما فبدأ بداود فقال: (وسخرنا) التسخير التكليف للعمل بلا أجرة، وسخره تسخيراً كلفه عملاً بلا أجرة، والمراد هنا التذليل أي ذللنا (مع داود الجبال يسبحن) التسبيح إما حقيقة أو مجاز، وقد قال بالأول جماعة وهو الظاهر، وذلك أن داوود كان إذا سبح سبحت الجبال معه. وقيل إنها كانت تصلي معه إذا صلى. قاله قتادة، وهو معنى التسبيح. وقال بالمجاز جماعة آخرون، وحملوا التسبيح على تسبيح من رآها تعجباً من عظيم خلقها وقدرة خالقها. وقيل كانت الجبال تسير مع داوود حيث سار، وكان من رآها سائرة معه سبح، والظاهر وقوع التسبيح منها بالنطق، خلق الله فيها الكلام كما سبح الحصى في كف رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع الناس ذلك، وكان داوود هو الذي يسمع وحده. قاله أبو حيان. (و) كذا سخرنا (الطير) للتسبيح معه (وكنا فاعلين) ما ذكر من التفهيم وإيتاء الحكم والتسخير، وقدم الجبال على الطير لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة وأدخل في الإعجاز لأنها جماد والطير حيوان ناطق وهو جمع طائر، وجمع الطير طيور وأطيار، ويقع الطير على الواحد والجمع. وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من التذكير، ولا يقال للواحد طير بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة.

الأنبياء 21:80

(وعلمناه صنعة لبوس لكم) اللبوس عند العرب السلاح كله، درعاً كان أو جوشنا أو سيفاً أو رمحاً، والمراد في الآية الدروع خاصة، وهو بمعنى الملبوس كالركوب والحلوب، قيل أول من صنع الدروع وسردها واتخذها حلقاً داوود عليه السلام، وكانت من قبل صفائح؛ قالوا إن الله ألان الحديد لداود عليه السلام بأن يعمل منه بغير نار كأنه طين، والدرع يجمع بين الخفة والحصانة، وهو قوله (لتحصنكم) بالفوقية بإرجاع الضمير إلى الصنعة أو إلى اللبوس بتأويل الدرع أي لشمنعكم، وقرئ بالنون بإرجاع الضمير إليه سبحانه؛ وقرئ بالياء بإرجاع الضمير إلى اللبوس أو إلى داوود أو إلى الله سبحانه (من بأسكم) أي من حربكم مع أعدائكم، أو من وقع السلاح فيكم. (فهل أنتم) يا أهل مكة (شاكرون) لهذه النعمة التي أنعمنا بها عليكم، والاستفهام في معنى الأمر، ثم ذكر سبحانه ما خص به سليمان فقال:

الأنبياء 21:81

(و) سخرنا (لسليمان الريح) عبر هنا باللام الدالة على التمليك، وفي داوود بـ (مع) وذلك أن الجبال والطير لما اشتركا معه في التسبيح ناسب فيه ذكر (مع) الدالة على الاصطحاب، ولما كانت الريح مستخدمة لسليمان أتى بلام الملك لأنها في طاعته وتحت أمره، والريح هو جسم متحرك لطيف ممتنع بلطفه من القبض عليه يظهر للحس بحركته ويخفي عن البصر بلطفه. (عاصفة) أي شديدة الهبوب وخفيفته، يقال عصفت الريح أي اشتدت فهي ريح عاصف وعصوف (تجري بأمره) أي إن أراد أن تشتد اشتدت، وإن أراد أن تلين لانت، فهي جامعة للوصفين في وقت واحد، وهذه آية أخرى غير التسخير. (إلى الأرض التي باركنا فيها) أي تجري منتهية إليها في رواحه من سفره، أي رجوعه منه وهي أرض الشام. عن ابن عباس قال: كان سليمان يوضع له ستمائة ألف كرسي، ثم يجيء أشراف الإنس فيجلسون مما يليه، ثم يجيء أشراف الجن فيجلسون مما يلي أشراف الإنس، ثم يدعو الطير فتظلهم، ثم يدعو الريح فتحملهم تسير مسيرة شهر في الغداة الواحدة. (وكنا بكل شيء) وتدبيره (عالمين و) سخرنا له

الأنبياء 21:82

(من الشياطين) أي الكافرين من الجن دون المؤمنين (من يغوصون له) في البحار ويستخرجون منها ما يطلبه منهم، والغوص النزول تحت الماء، يقال غاص في الماء، والغوّاص الذي يغوص في البحر على اللؤلؤ. (ويعملون عملاً دون ذلك قال الفراء: أي سوى ذلك، ودون بمعنى غير وسوى لا بمعنى أقل وأدون، أي سوى الغوص كالبناء والنورة والطاحون والقوارير والصابون، لأن ذلك من استخراجهم، وقيل يراد بذلك المحاريب والتماثيل، وغير ذلك مما يسخرهم فيه. (وكنا لهم) أي لأعمالهم (حافظين) وقال الفراء أي من أن يهربوا ويمتنعوا أو حفظناهم من أن يخرجوا عن أمره قال الزجاج: كان يحفظهم من أن يفسدون ما عملوا، وإن دأبهم أن يفسدوا بالليل ما عملوا بالنهار. وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (84) وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (85) وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ (86)

الأنبياء 21:83

(و) اذكر (أيوب إذ نادى ربه) لما ابتلي بفقد ماله وولده وتمزيق جسده وهجر جميع الناس له إلا زوجته، وضيق عيشه (أني) أي بأني (مسني الضر) اختلف في الضر الذي كان نزل به ماذا هو، فقيل إنه قام ليصلي فلم يقدر على النهوض. وقيل إنه أقر بالعجز فلا يكون ذلك منافياً للصبر. وقيل انقطع الوحي عنه أربعين يوماً. وقيل: إن دودة سقطت من لحمه فأخذها وردها في موضعها فأكلت منه فصاح مسني الضر. وقيل: كانت الدود تناول بدنه فيصبر حتى تناولت دودة قلبه. وقيل: إنه ضره قول إبليس لزوجته اسجدي لي، فخاف ذهاب إيمانها، وقيل: إنها تقذره قومه؛ وقيل: أراد بالضر الشماتة، وقيل غير ذلك. وأخرج ابن عساكر والديلمي وابن النجار عن عقبة بن عامر قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قال الله لأيوب: تدري ما جرمك عليّ حتى ابتليتك؟ قال لا يا رب، قال لأنك دخلت على فرعون فداهنت عنده في كلمتين ". وعن ابن عباس قال: إنما كان ذنب أيوب أنه استعان به مسكين على ظالم يدرؤه فلم يعنه ولم يأمر بالمعروف ولم ينه الظالم عن ظلم المسكين فابتلاه الله، وفي إسناده جُوَيبر، ولما نادى ربه متضرعاً إليه وصفه بغاية الرحمة فقال: (وأنت أرحم الراحمين) وألطف في السؤال ولم يصرح بالمطلوب فكأنه قال أنت أهل أن ترحم وأيوب أهل أن يرحم فارحمه واكشف عنه الضر. قيل وإنما شكا إليه تلذذاً بالنجوى منه لا تضرراً بالشكوى، والشكاية إليه غاية القرب، كما أن الشكاية منه غاية البعد، فأخبر الله سبحانه باستجابته لدعائه فقال:

الأنبياء 21:84

(فاستجبنا له) نداءه الذي في ضمنه الدعاء (فكشفنا ما به من ضر) أي شفاه الله مما كان به وأعاده بما ذهب عليه. وقال له اركض برجلك فركض فنبعت عين ماء، فأمره أن يغتسل منها، ففعل فذهب كل داء كان بظاهره، ثم مشى أربعين خطوة، فأمره أن يضرب برجله الأرض مرة أخرى ففعل فنبعت عين ماء بارد، فأمره أن يشرب منها، فشرب فذهب كل داء كان بباطنه، فصار كأصح ما كان. عن عبد الله بن عبد بن عمير قال: كان لأيوب أخوان جاءا يوماً فلم يستطيعا أن يدنوا منه من ريحه فقام من بعيد، فقال أحدهما للآخر: لو كان علم الله من أيوب خيراً ما ابتلاه بهذا، فجزع أيوب من قولهما جزعاً لم يجزع من شيء قط مثله، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لم أبت ليلة قط شبعاناً وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، فصدق من السماء وهما يسمعان. ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصاً قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان، ثم خر ساجداً وقال: اللهم بعزتك لا أرفع رأسي حتى تكشف عني، فما رفع رأسه حتى كشف الله عنه، وقد رواه ابن أبي حاتم مرفوعاً بنحو هذا. (وآتيناه أهله ومثلهم معهم) قيل تركهم الله عز وجل وأعطاه مثلهم في الدنيا. قال النحاس: والإسناد بذلك صحيح، وقد كان مات أهله جميعاً إلا امرأته فأحياهم الله في أقل من طرف البصر وآتاه مثلهم معهم، وهو ظاهر القرآن، وبه قال أكثر المفسرين، وكان له سبعة بنين وسبع بنات. وقيل كان ذلك بأن ولد له ضعف الذين أماتهم الله؛ فيكون معنى الآية على هذا آتيناه مثل أهله ومثلهم معهم. وعن مجاهد قال: قيل له يا أيوب إن أهلك لك في الجنة فإن شئت أتيناك بهم وإن شئت تركناهم لك في الجنة وعوضناك مثلهم، قال له بل اتركهم لي في الجنة، قال فتركوا له في الجنة وعوض مثلهم في الدنيا، وقال ابن مسعود: أوتي أهله بأعيانهم ومثلهم معهم. وأخرج ابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والروياني وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه، كانا من أخص إخوانه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لصاحبه ذات يوم: تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنباً ما أذنبه أحد، قال وما ذاك؟ قال منذ ثماني عشرة سنة ولم يرحمه الله فيكشف عنه ما به. فلما راحا إلى أيوب لم يصبر الرجل حتى ذكر له ذلك، فقال أيوب لا أدري ما نقول غير أن الله يعلم أني أمر بالرجلين يتنازعان يذكران الله فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهة أن يذكر الله إلا في حق " [[المستدرك كتاب التاريخ 2/ 581.]] وكان يخرج لحاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيديه حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله إلى أيوب في مكانه أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب، فاستبطأته فتلقته وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك، رأيت نبي الله المبتلى؛ والله على ْذلك ما رأيت رجلاً أشبه به منك إذ كان صحيحاً، قال فإني أنا هو. قال وكان له اندران، أندر للقمح واندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على اندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في اندر الشعير الورق حتى فاض. وأندر هو البيدر بلغة أهل الشام والجمع الأنادر؛ والبيدر موضع يداس فيه الطعام، وأندر اسم جنس فيكون مصروفاً (رحمة من عندنا) أي آتيناه ذلك لرحمتنا له (وذكرى للعابدين) أي وتذكرة لغيره من العابدين ليصبروا كما صبر فيثابوا كثوابه، واختلف في مدة إقامته على البلاء، فقيل سبع سنين وسبعة أشهر وسبعة أيام وسبع ليال؛ وقيل ثلاثين سنة، وقيل ثماني عشرة سنة. قال الكرخي: وهذا القول هو الصحيح، وعاش أيوب ثلاثاً وستين سنة وكان أيوب رجلاً من الروم، ينتسب للعيص بن إسحاق، وكانت أمه من ولد لوط بن هاران.

الأنبياء 21:85

(و) اذكر (إسماعيل) الصابر على الانقياد للذبح وعاش مائة وثلاثين سنة (وإدريس) هو أخنوخ جد نوح ولد في حياة آدم قبل موته بمائة سنة، وبعث بعد موته بمائتي سنة، وعاش بعد نبوته مائة وخمسين سنة، فتكون جملة عمره أربعمائة وخمسين سنة، وكان بينه وبين نوح ألف سنة. (وذا الكفل) هو إلياس، وقيل يوشع بن نون، وقيل زكريا، والصحيح أنه رجل من بني إسرائيل كان لا يتورع عن شيء من المعاصي فتاب فغفر الله له وقيل إن اليسع لما كبر قال: من يتكفل لي بكذا وكذا من خصال الخير حتى استخلفه فقال رجل: أنا فاستخلفه، وسمي ذا الكفل، وقيل كان رجلاً يتكفل بشأن كل إنسان إذا وقع في شيء من المهمات. وقيل هو ولد أيوب واسمه بشر بعثه الله بعد أبيه، وسماه ذا الكفل وأمره بالتوحيد، وكان مقيماً بالشام حتى مات وعمره خمس وسبعون سنة، وعن مجاهد قال: رجل صالح غير نبي تكفل لنبي قومه أن يكفيه أمر قومه ويقيمهم له ويقضي بينهم بالعدل ففعل ذلك فسمي ذا الكفل. وعن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل قاض فحضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب، فقال رجل أنا، فسمي ذا الكفل، فكان ليله جميعاً يصلي ثم يصبح صائماً فيقضي بين الناس وذكر قصة. وعن أبي موسى الأشعري قال: ما كان ذو الكفل نبياً ولكن كان في بني إسرائيل رجل صالح يصلي كل يوم مائة صلاة، فتوفي فتكفل له ذو الكفل من بعده، فكان يصلي كل يوم مائة صلاة، فسمي ذا الكفل. وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان ذو الكفل من بني إسرائيل لا يتورع عن ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين ديناراً على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت فقال ما يبكيك أكرهتك؟ قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته اذهبي فهي لك، وقال والله لا أعصي الله بعدها أبداً فمات من ليلته فأصبح مكتوب على بابه " إن الله قد غفر لذي الكفل " [[الترمذي، كتاب القيامة باب 48 - الإمام أحمد 2/ 23.]]. وقد ذهب الجمهور إلى أنه ليس بنبي، وبه قال أبو موسى الأشعري ومجاهد وغيرهما، وقال جماعة: هو نبي ولعله هو الصحيح، وبه قال الحسن لأن الله قرن ذكره بإسماعيل وإدريس؛ ولأن السورة ملقبة بسورة الأنبياء؛ ثم وصف الله سبحانه هؤلاء بالصبر فقال: (كل من الصابرين) على القيام بما كلفهم الله به

الأنبياء 21:86

(وأدخلناهم في رحمتنا) أي في الجنة أو في النبوة أو في الخير على عمومه، ثم علل ذلك بقوله: (إنهم من الصالحين) أي الكاملين في الصلاح. وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88) وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (89) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (90)

الأنبياء 21:87

(و) اذكر (ذا النون) هو يونس بن متى على وزن شتى اسم لوالده على ما ذكره صاحب القاموس، أو اسم لأمه على ما قاله ابن الأثير وغيره. وقال الشهاب: ومتى اسم أبيه على الصحيح، وسمي ذا النون لابتلاع الحوت له، فإن النون اسم للحوت وجمعه أنوان ونينان، والحوت السمكة، وجمعه حيتان، وقيل سمي به لأنه رأى صبياً مليحاً، فقال: دسموا نونته لئلا تصيبه العين وعن ابن الأعرابي أن نونة الصبي هي الثقبة التي تكون في ذقن الصبي الصغير ومعنى دسموا سودوا. (إذ ذهب مغاضباً) أي اذكره وقت ذهابه مغاضباً أي مراغماً لقومه لا لربه، وقال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير: مغاضباً لربه، واختاره ابن جرير والقتيبي، وحكى عن ابن مسعود، قال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى مغاضباً لأجل ربه، كما تقول: غضبت لك أي من أجلك، وقال الضحاك، مغاضباً لقومه، وحكى عن ابن عباس. وقالت فرقة منهم الأخفش إنما خرج مغاضباً للملك الذي كان في وقته واسمه حزقيا، وقيل لم يغاضب ربه ولا قومه ولا الملك، ولكنه مأخوذ من غضب إذا أنف، وذلك أنه لما وعد قومه بالعذاب وكانوا يسكنون فلسطين وخرج عنهم، تابوا وكشف الله عنهم العذاب، فلما رجع وعلم أنهم لم يهلكوا أنف من ذلك وخرج عنهم. (فظن أن لن نقدر عليه) بفتح النون وكسر الدال؛ واختلف في معنى الآية على هذه القراءة، فقيل: معناها أنه وقع في ظنه أن الله تعالى لا يقدر على معاقبته، وقد حكى هذا القول عن الحسن وسعيد بن جبير، وهو قول مردود؛ فإن هذا الظن بالله كفر؛ ومثل ذلك لا يقع من الأنبياء عليهم السلام. وذهب جمهور العلماء إلى أن معناها فظن أن لن نضيق عليه كقوله: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أي يضيق، ومنه قوله: (ومن قدر عليه رزقه)، يقال يقدر وقدر وقتر وقتر أي ضيق، وقيل هو من القدر الذي هو القضاء والحكم دون القدرة والاستطاعة أي فظن أن لن نقضي عليه العقوبة، قاله قتادة ومجاهد، واختاره الفراء والزجاج. قال ثعلب: هو من القدير ليس من القدرة يقال منه قدر الله لك الخير يقدره قدراً؛ ويؤيده قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري، نقَدَّر بضم النون وتشديد الدال من التقدير، وحكى هذا عن ابن عباس، ويؤيده قراءة قتادة والأعرج يُقَدّرَ مبنياً للمفعول من التقدير، وقرئ يُقَدّرَ مخففاً مبنياً للمفعول. وقد اختلف العلماء في تأويل الحديث الصحيح في قول الرجل الذي لم يعمل خيراً قط لأهله أن يحرقوه إذا مات؛ ثم قال فوالله لئن قدر الله عليّ، الحديث [[مسلم 2756 - البخاري 1635.]] كما اختلفوا في تأويل هذه الآية والكلام في هذا يطول، وقد ذكرنا هاهنا ما لا يحتاج معه الناظر إلى غيره. (فنادى في الظلمات) الفاء فصيحة أي كان ما كان من التقام الحوت له فنادى، والمراد بالظلمات ظلمة الليل وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت، قاله ابن مسعود. وكان نداؤه هو قوله: (أن) أي بأن (لا إله إلا أنت سبحانك) يعني تنزيهاً من أن يعجزك شيء (إني كنت من الظالمين) الذين يظلمون أنفسهم، وأول هذا الدعاء تهليل وأوسطه تسبيح وآخره إقرار بالذنب. وقال الحسن وقتادة: هذا القول من يونس اعتراف بذنبه وتوبة من خطيئته قال ذلك وهو في بطن الحوت، قيل مكث فيه أربعين يوماً وليلة، وقيل سبعة وقيل ثلاثة كما في الخازن، وفي البيضاوي أربع ساعات. ثم أخبر الله سبحانه بأنه استجاب له فقال:

الأنبياء 21:88

(فاستجبنا له) دعاءه الذي دعانا به في ضمن اعترافه بالذنب على ألطف وجه (ونجيناه من الغم) أي غم الذلة والوحشة والوحدة بإخراجنا له من بطن الحوت حتى قذفه إلى الساحل (وكذلك ننجي المؤمنين) أي نخلصهم من همهم بما سبق من عملهم، وما أعددناه لهم من الرحمة إذا دعونا واستغاثوا بنا وهذا هو معنى الآية الأخرى وهي قوله: (فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) قرئ ننجي بنونين وبواحدة وجيم مشددة وتسكين الياء علي الفعل الماضي، وإضمار المصدر أي وكذلك نجى النجاة المؤمنين؛ كما تقول ضرب زيداً، أي ضرب الضرب زيداً، قاله الفراء وأبو عبيد وثعلب. وخطأها أبو حاتم والزجاج، وقالا: هي لحن لأنه نصب اسم ما لم يسم فاعله، وإنما يقال نجى المؤمنون، وقيل أدغم النون في الجيم وبه قال القتبي وأبو عبيدة واعترضه النحاس، فقال: هذا لا يجوز عند أحد من النحويين لبعد مخرج المدغم والمدغم فيه. قيل كانت هذه الواقعة قبل الرسالة وصححه الخازن ويدل له قوله تعالى بعد ذكر خروجه من بطن الحوت، في سورة الصافات (وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون). وأخرج أحمد والترمذي والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي، عن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعت رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) قال: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت -الخ- لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له " [[المستدرك كتاب الدعاء 1/ 505.]]. وأخرج ابن جرير عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي دعوة يونس بن متى، قلت: يا رسول الله هل ليونس خاصة؟ أم لجماعة المسلمين قال: هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا به، ألم تسمع قول الله (وكذلك ننجي المؤمنين) فهو شرط من الله لمن دعاه ". وأخرج الحاكم من حديثه أيضاً نحوه، وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " [[مسلم 2376 - البخاري 1608.]] وروي أيضاً في الصحيح وغيره من حديث ابن مسعود، وروي أيضاً في الصحيحين من حديث أبي هريرة.

الأنبياء 21:89

(و) اذكر خبر (زكريا إذ نادى ربه) أي وقت ندائه لربه قال: (رب لا تذرني فرداً) أي منفرداً وحيداً لا ولد لي يرثني، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران (وأنت خير الوارثين) أي خير من يبقى بعد كل من يموت فأنت حسبي إن لم ترزقني ولداً فإني أعلم أنك لا تضيع دينك وأنه سيقوم بذلك من عبادك من تختاره له وترتضيه للتبليغ.

الأنبياء 21:90

(فاستجبنا له) دعاءه (ووهبنا له يحيى) ولداً، وقد تقدم تفسيره مستوفى في سورة مريم (وأصلحنا له زوجه) قال أكثر المفسرين: إنها كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً، فهذا هو المراد بإصلاح زوجه، وقيل كانت سيئة الخلق فجعلها الله سبحانه حسنة الخلق، ولا مانع من إرادة الأمرين جميعاً، وذلك بأن يصلح الله سبحانه ذاتها فتكون ولوداً بعد أن كانت عاقراً، ويصلح أخلاقها فتكون أخلاقها مرضية بعد أن كانت غير مرضية. قال ابن عباس: كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله، وروي نحو ذلك عن جماعة من التابعين، وقال أيضاً: وهبنا له ولدها، وعن قتادة قال: كانت عاقراً فجعلها الله ولوداً ووهب له منها يحيى. (إنهم كانوا يسارعون في الخيرات) هذه الجملة تعليل لما قبلها من إحسانه سبحانه إلى أنبيائه عليهم السلام، والمعنى يبادرون في وجوه الخيرات مع ثباتهم واستقرارهم في أصل الخير وهو السر في إيثار كلمة في على كلمة إلى المشعرة بخلاف المقصود من كونهم خارجين عن أصل الخيرات متوجيهن إليها كما في قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) وقيل الضمير راجع إلى زكريا وامرأته ويحيى (ويدعوننا رغباً ورهباً) أي يتضرعون إلينا في حال الرخاء وحال الشدة. وقيل الرغبة رفع بطون الأكف إلى السماء والرهبة رفع ظهورها، والتقدير يرغبون رغباً ويرهبون رهباً، أو للرغب والرهب، أو راغبين وراهبين (وكانوا لنا خاشعين) أي متواضعين متضرعين. قال قتادة: أذلاء، وقال ابن جريج: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله. وأخرج ابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله رغباً ورهباً، فقال: رغباً هكذا ورهباً هكذا، وبسط كفيه يعني جعل ظهرهما للأرض في الرغبة وعكسه في الرهبة ". وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (91) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (92) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ (94) وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (95) حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (96) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (97)

الأنبياء 21:91

(و) اذكر خبر (التي أحصنت فرجها) وهي مريم فإنها أحصنت فرجها من الحلال والحرام ولم يمسسها بشر؛ وإنما ذكرها مع الأنبياء وإن لم تكن منهم لأجل ذكر عيسى، وما في ذكر قصتها من الآية الباهرة، ومعنى أحصنت عفت فامتنعت من الفاحشة وغيرها. وقيل المراد بالفرج جيب القميص، أي أنها طاهرة الأثواب، وقد مضى بيان مثل هذا في سورة النساء ومريم. (فنفخنا فيها من روحنا) أضاف سبحانه الروح إليه وهو للملك تشريفاً وتعظيماً، وهو يريد روح عيسى. وقيل المراد بالروح جبريل؛ أي أمرناه فنفخ في جيب درعها فحملت بعيسى. (وجعلناها وابنها آية للعالمين) قال الزجاج: الآية فيهما واحدة لأنها ولدته من غير فحل. وقيل أن التقدير على مذهب سيبويه وجدلناها آية وجعلنا ابنها آية، كقوله تعالى: (والله ورسوله أحق أن يرضوه) والمعنى أن الله سبحانه جعل قصتهما آية تامة مع تكاثر آيات كل واحد منهما، وقيل أراد بالآية الجنس الشامل لكل واحد منهما من الآيات. ثم لما ذكر سبحانه الأنبياء بين أنهم كلهم مجتمعون على التوحيد فقال:

الأنبياء 21:92

(إن هذه أمتكم أمة واحدة) الأمة الملة وهي الدين كما قال ابن قتيبة، ومنه (إنا وجدنا آباءنا على أمة) أي على دين وملة؛ كأنه قال إن هذا دينكم دين واحد لا خلاف بين الأمم المختلفة في التوحيد، ولا يخرج عن ذلك إلا الكفرة المشركون بالله. وقيل المعنى أن هذه الشريعة التي بينتها لكم في كتابكم شريعة واحدة، وقيل المعنى أن هذه ملتكم ملة واحدة وهي ملة الإسلام. والنصب على الحال، أي أمة متفقة غير مختلفة قال ابن عباس أي أن هذا دينكم ديناً واحداً، وعن مجاهد مثله وعن قتادة نحوه. (وأنا ربكم فاعبدون) خاصة لا تعبدوا غيري كائناً ما كان.

الأنبياء 21:93

(وتقطعوا أمرهم بينهم) أي تفرقوا فرقاً في الدين حتى صاروا كالقطع المتفرقة. وقال الأخفش: اختلفوا فيه، وهو القول الأول. قال الأزهري: أي تفرقوا في أمرهم، فنصب أمرهم بحذف في والمقصود بالآية المشركون، ذمهم الله بمخالفة الحق واتخاذهم آلهة من دون الله. وقيل المراد جميع الخلق وأنهم جعلوا أمرهم في أديانهم قطعاً وقسموه بينهم، فهذا موحد وهذا يهودي، وهذا نصراني وهذا مجوسي وهذا عابد وثن، ثم أخبر سبحانه بأن مرجع الجميع إليه فقال: (كل إلينا راجعون) أي كل واحد من هذه الفرق الثابت على دينه الحق، والزائغ عنه إلى غيره راجع إلينا بالبعث لا إلى غيرنا

الأنبياء 21:94

(فمن يعمل من الصالحات) أي بعض الأعمال الصالحة كالفرائض والنوافل لا كلها، إذ لا يطيق ذلك أحد وقيل (من) زائدة (وهو مؤمن) بالله ورسله واليوم الآخر (فلا كفران لسعيه) أي لا جحود لعمله ولا بطلان لثوابه ولا تضييع لجزائه؛ بل يشكر ويثاب عليه. والمراد نفي الجنس للمبالغة لأن نفي الماهية يستلزم نفي جميع أفرادها، والكفر ضد الإيمان، والكفر أيضاً جحود النعمة وهو ضد الشكر، يقال كفر كفوراً، وكفراناً. وفي قراءة ابن مسعود فلا كفر لسعيه (وإنا له) أي لسعيه (كاتبون) أي حافظون، بأن نأمر الحفظة بكتبه فنجازيه عليه، ومثله قوله سبحانه (إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى).

الأنبياء 21:95

(وحرام) هكذا قرأ أهل المدينة، وقرأ أهل الكوفة وحرم، وبها قرأ عليّ وابن مسعود وابن عباس وهما لغتان مثل حل وحلال، وقرئ وحرم (على قرية أهلكناها) أي قدرنا إهلاكها (أنهم لا يرجعون) أي ممتنع البتة عدم رجوعهم إلينا للجزاء. وقيل (لا) زائدة، أي أن يرجعوا بعد الهلاك إلى الدنيا، واختاره أبو عبيدة. وقيل أن لفظ حرام هنا بمعنى الواجب؛ أي واجب على قرية. وقيل حرام أي ممتنع رجوعهم إلى التوبة، على أن (لا) زائدة. قال النحاس: والآية مشكلة. ومن أحسن ما قيل فيها وأجله ما روي عن ابن عباس في معنى الآية قال: واجب أنهم لا يتوبون. قال الزجاج وأبو علي الفارسي: إن في الكلام إضماراً، أي وحرام على قرية حكمنا باستئصالها أو بالختم على قلوب أهلها أن يتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون أي لا يتوبون.

الأنبياء 21:96

(حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج) حتى هذه هي التي يحكى بعدها الكلام وقيل حتى للغاية، والمعنى أن هؤلاء المذكورين سابقاً مستمرون على ما هم عليه إلى يوم القيامة، وهي فتح سد يأجوج ومأجوج، وأطال سليمان الجمل في بيان (حتى) هذه وذكر لها وجوهاً، ويأجوج ومأجوج بالهمز وتركه اسمان أعجميان وهما قبيلتان من الإنس، يقال إنهما تسعة أعشار بني آدم، والمراد بالفتح فتح السد الذي عليهم على حذف المضاف. (وهم) أي يأجوج ومأجوج أو العالم بأسره والأول أظهر (من كل حدب) أي نشز، وهو كل أكمة وكدية من الأرض مرتفعة، والجمع أحداب مأخوذ من حدبة الأرض، ومعنى (ينسلون) يسرعون وقيل يخرجون. قال الزجاج: النسلان مشية الذئب إذا أسرع، يقال نسل فلان في العَدْوِ ينسِل بالكسر والضم نسلاً ونسولاً ونسلاناً، والنسلان مقارنة الخطأ مع الإسراع. وقال ابن عباس: ينسلون يقبلون، وقد ورد في صفة يأجوج ومأجوج وفي وقت خروجهم وبيان حالهم ومآلهم أحاديث وآثار كثيرة لا يتعلق بذكرها هنا كثير فائدة، وكتابنا حجج الكرامة قد اشتمل عليها اشتمالاً تاماً فليرجع إليه.

الأنبياء 21:97

(واقترب الوعد الحق) المراد به ما بعد الفتح من الحساب، وقال الفراء والكسائي وغيرهما: المراد بالوعد الحق القيامة، والواو زائدة، والمعنى حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج اقترب الوعد الحق وهو القيامة، فاقترب جواب اذا، ومنه قوله تعالى: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه). وأجاز الفراء أن يكون جوابه فإذا هي شاخصة، وقال البصريون: الجواب محذوف والتقدير قالوا يا ويلنا وبه قال الزجاج، وقيل غير ذلك. (فإذا هي) يعني القيامة، بارزة واقعة كأنها آية حاضرة (شاخصة أبصار الذين كفروا) يعني أن القيامة إذا قامت شخصت أبصار الكفار من شدة الأهوال ولا تكاد تطرف من هول ذلك اليوم وهول ما هم فيه. ومعنى شاخصة مرتفة الأجفان، وإنما هو في القيامة بعد النفخة الثانية، فالتعقيب عرفي أريد به المبالغة هنا. (يا ويلنا) على تقدير القول (قد كنا في غفلة) في الدنيا (من هذا) أي من هذا الذي دهمنا من البعث والحساب (بل كنا ظالمين) أضربوا عن وصف أنفسهم بالغفلة، أي لم نكن غافلين، بل كنا ظالمين لأنفسنا بالتكذيب وعدم الانقياد للرسل، ثم بين سبحانه حال معبوديهم يوم القيامة فقال: إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (99) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (100) إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101)

الأنبياء 21:98

(إنكم) يا أهل مكة (وما تعبدون من دون الله) من الأصنام والشمس والقمر وإبليس وأعوانه (حصب) أي وقود (جهنم) وحطبها، فكل ما أوقدت به النار أو هيجتها به فهو حصب، كذا قال الجوهري، وقال أبو عبيدة؛ كل ما قذفته في النار فقد حصبتها به، ومثل ذلك قوله تعالى: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) وقرئ حطب جهنم بالطاء وقرئ حضب بالمعجمة. قال الفراء: ذكر لنا أن الحضب في لغة أهل اليمن الحطب، ووجه إلقاء الأصنام في النار مع كونها جمادات لا تعقل ذلك ولا تحس به التبكيت لمن عبدها وزيادة التوبيخ لهم وتضاعف الحسرة عليهم، وقيل إنها تحمى فتلصق بهم زيادة في تعذيبهم، وكذلك الشمس والقمر يكونان ثورين عقيرين في النار أيضاً، كما صح بذلك خبر أبي هريرة، أخرجه البيهقي وأصله في البخاري. (أنتم لها واردون) الخطاب لهم ولما يعبدون تغليباً، واللام في لها للتقوية لضعف عمل اسم الفاعل. وقيل هي بمعنى على، والمراد بالورود هنا الدخول. قال كثير من أهل العلم: ولا يدخل في هذه الآية عيسى وعزير والملائكة؛ لأن (ما) لما لا يعقل، ولو أراد العموم لقال ومن تعبدون. قال الزجاج: ولأن المخاطبين بهذه الآية مشركو مكة دون غيرهم. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: " فالملائكة وعيسى وعزير يُعبدون من دون الله " فنزلت (إن الذين سبقت) الآية. وفي الباب روايات

الأنبياء 21:99

(لو كان هؤلاء) أي هذه الأصنام (آلهة) كما تزعمون (ما وردوها) أي ما ورد العابدون والمعبودون في النار، وقيل العابدون فقط، لكنهم وردوها فلم يكونوا آلهة، وفي هذا تبكيت لعباد الأصنام وتوبيخ شديد (وكل فيها) أي كل العابدين والمعبودين في النار (خالدين) لا يخرجون منها.

الأنبياء 21:100

(لهم) أي لهؤلاء الذين وردوا النار (فيها زفير) وهو صوت نفس المغموم، والمراد هنا الأنين والبكاء والتنفس الشديد والعويل. وقد تقدم بيان هذا في هود (وهم فيها لا يسمعون) أي لا يسمع بعضهم زفير بعض لشدة الهول. وقال ابن مسعود في الآية: إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت أُخر، ثم تلك التوابيت في توابيت أُخر عليها مسامير من نار، فلا يسمعون شيئاً ولا يرى أحد منهم أن في النار أحداً يعذب غيره. وقيل لا يسمعون شيئاً لأنهم يحشرون صماً، كما قال سبحانه: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً) وإنما سلبوا السماع لأن فيه بعض تروّح وتأنس. وقيل لا يسمعون ما يسرهم، بل يسمعون ما يسوءهم، ثم لما بين سبحانه حال هؤلاء الأشقياء شرع في بيان حال السعداء فقال:

الأنبياء 21:101

(إن) هي بمعنى إلا، أي إلا (الذين سبقت لهم منا الحسنى) أي العدة الجميلة والخصلة الحسنى التي هي أحسن الخصال وهي السعادة. وقيل التوفيق أو التبشير بالجنة أو نفس الجنة (أولئك) أي الموصوفون بتلك الصفة (عنها) عن جهنم (مبعدون) لأنهم قد صاروا في الجنة. وقال الجنيد: المعنى سبقت منا العناية في البداية فظهرت لهم الولاية في النهاية. لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (102) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (103) يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (104) وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (105)

الأنبياء 21:102

(لا يسمعون حسيسها) الحس والحسيس الصوت تسمعه من شيء يمر قريباً منك. والمعنى لا يسمعون حركة النار وصوتها وحركة تلهبها. أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حيات على الصراط تقول حس حس ". وعن ابن عثمان النهدي قال: حيات على الصراط تلسعهم فإذا لسعتهم قالوا: حس حس، وقال ابن عباس: لا يسمع أهل الجنة حسيس النار إذا نزلوا منزلهم من الجنة. (وهم فيما اشتهت أنفسهم) من النعيم والكرامة (خالدون) أي دائمون مقيمون، والشهوة طلب النفس اللذة، وفي الجنة ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين كما قال تعالى: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون)

الأنبياء 21:103

(لا يحزنهم) بفتح الياء وضم الزاي، وقرئ بضم الياء وكسر الزاي. قال اليزيدي: حزنه لغة قريش وأحزنه لغة تميم، بيان لنجاتهم من الفزع بالكلية إثر بيان نجاتهم من النار لأنهم إذا لم يحزنهم (الفزع الأكبر) وهو أهوال يوم القيامة من البعث والحساب والعقاب، والأمر بالعبد إلى النار، لا يحزنهم ما عداه بالضرورة. وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة، وقيل هو حين يذبح الموت وينادي يا أهل النار خلود ولا موت، وقيل هو حين يطبق على جهنم، وذلك بعد أن يخرج الله منها من يريد أن يخرجه، ثم تغلق النار على أهلها. وأخرج أحمد والترمذي وحسنة عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ثلاثة على كثبان المسك لا يهولهم الفزع الأكبر يوم القيامة؛ رجل أمَّ قوماً وهم له راضون، ورجل كان يؤذن في كل يوم وليلة وعبد أدى حق الله وحق مواليه " [[الترمذي كتاب البر باب 54 - كتاب الجنة باب 25 - الإمام أحمد 2/ 26.]]. (وتتلقاهم الملائكة) أي تستقبلهم على أبواب الجنة يهنونهم، وقال المحلي: عند خروجهم من القبور، ولا مانع أنها تستقبلهم في الحالين، ويقولون لهم (هذا يومكم الذي كنتم توعدون) به في الدنيا وتبشرون بما فيه، هكذا قال جماعة من المفسرين: إن المراد بقوله: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى) إلى هنا هم كافة الموصوفين بالإيمان والعمل الصالح لا المسيح وعزير والملائكة، لأن علياً قرأ هذه الآية، ثم قال: أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف. وقال أكثر المفسرين: إنه لما نزل (إنكم وما تعبدون) الآية أتى ابن الزبعري [[الزبعري معناه السيء الخلق الغليط وهو لقب والمد عبد الله القرشي ولقد أسلم بعد هذه القصة إهـ منه.]] إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد ألست تزعم أن عزيراً رجل صالح وأن عيسى رجل صالح، وأن مريم امرأة صالحة؟ قال: " بلى "، قال: فإن الملائكة وعيسى وعزيراً ومريم يعبدون من دون الله، فهؤلاء في النار، فأنزل الله هذه الآية إلى آخرها أخرجه ابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس وأخرجه أبو داود والطبراني من وجه آخر بأطول منه.

الأنبياء 21:104

(يوم نطوي) بنون العظمة أي اذكر يوم نطوي (السماء كطي السجل للكتب) وقرئ تطوى بالفوقية ورفع السماء، وبالتحتية على معنى يطوي الله السماء، والأولى أظهر وأوضح والطي في هذه الآية يحتمل معنيين: أحدهما الذي هو ضد النشر، ومنه قوله: (والسماوات مطويات بيمينه). والثاني الإخفاء والتعمية والمحو، لأن الله سبحانه يمحو ويطمس رسومها، ويكدر نجومها، والمراد بالسماء الجنس والسجل الصحيفة أي طياً كطي الطومار للكتابة، وقيل السجل الصك وهو مشتق من المساجلة وهي المكاتبة وأصلها من السجل وهو الدلو، يقال ساجلت الرجل، إذا نزعت دلواً ونزع هو دلواً؛ ثم استعيرت للمكاتبة والمراجعة في الكلام، وقرئ السُّجُلّ بضم السين والجيم وتشديد اللام، وقرئ السجل بفتح السين وإسكان الجيم، وقيل السجل اسم ملك في السماء الثالثة، وهو الذي يطوي كتب بني آدم. وقيل هو اسم كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله ابن عباس أخرجه أبو داود والنسائي، وعن ابن عمر مثله، قال ابن كثير: هذا منكر جداً، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه، وإن كان في سنن أبي داود منهم الحافظ المزي وقد أفرد الشوكاني لهذا الحديث جزءاً على حده، وقد تصدى الإمام ابن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، وقال: ولا نعرف في الصحابة أحداً اسمه سجل، وكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا معروفين، وليس فيهم أحد اسمه السجل انتهى، وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث، وأما من ذكر في أسماء الصحابة هذا فإنما اعتمد على هذا الحديث لا على غيره والله أعلم، قال: والصحيح عن ابن عباس أن السجل هو الصحيفة، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد، واختاره ابن جرير لأنه المعروف في اللغة، قلت فالأولى التعويل على المعنى اللغوي؛ والمصير إليه. وأخرج النسائي عن ابن عباس قال: السجل هو الرجل أي بلغة الحبشة، والأول أولى، وقرئ للكتب جمعاً؛ وللكتاب وهو متعلق بمحذوف حال من السجل أي كطي السجل كائناً للكتب فإن الكتب عبارة عن الصحائف وما كتب فيها فسجلها بعضر أجزائها وبه يتعلق الطي حقيقة. وأما على الثانية فالكتاب مصدر، واللام للتعليل، أي كما يطوى الطومار للكتابة أي ليكتب فيه أو لما يكتب فيه من المعاني الكثيرة والأعمال المنتشرة وهذا على أن معنى الطي ضد النشر. وعن علي قال: كطي السجل ملك، وعن عطية وأبي جعفر مثله، قال ابن عمر: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبوها نوراً. (كما بدأنا أول خلق نعيده) بعد إعدامه تشبيهاً للإعادة بالابتداء في تناول القدرة لهما على السواء أي كما بدأناهم في بطون أمهاتهم، وأخرجناهم إلى الأرض حفاة عراة غرلاً، كذلك نعيدهم يوم القيامة، وإنما خص أول الخلق بالذكر تصويراً للإيجاد عن العدم، والمقصود بيان صحة الإعادة بالقياس على المبدأ لشمول الإمكان الذاتي لهما، وقيل معنى الآية نهلك كل نفس كما كان أول مرة، قاله ابن عباس، وقيل المعنى نغير السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها، والأول أولى؛ وهو مثل قوله: (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) ثم قال سبحانه. (وعداً علينا) أي وعدنا وعداً علينا إنجازه والوفاء به وهو البعث والإعادة ثم أكد سبحانه ذلك بقوله: (إنا كنا فاعلين) أي محققين هذا الوعد فاستعدوا له وقدموا صالح الأعمال للخلاص من هذه الأهوال، قال الزجاج: معناه إنا كنا قادرين على ما نشاءه، وقيل فاعلين ما وعدناكم، ومثله قوله: (كان وعده مفعولاً).

الأنبياء 21:105

(ولقد كتبنا في الزبور) هو في الأصل الكتاب، يقال زبرت أي كتبت وعلى هذا يصح إطلاق الزبور على التوراة والإنجيل، وعلى كتاب داود المسمى بالزبور، والمراد جنس الكتب المنزلة، قاله الزجاج. وقيل المراد به هنا كتاب داود خاصة (من بعد الذكر) أي اللوح المحفوظ كما في البيضاوي والخازن وأبي السعود وأبي حيان. وقيل هو القرآن قاله ابن عباس، وعنه قال: والذكر الأصل الذي نسخت منه هذه الكتب الذي في السماء أي والله لقد كتبنا في كتاب داوود من بعد كتبنا في كتاب داوود من بعد كتبنا في التوراة أو من بعد كتبنا في اللوح المحفوظ. (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) قد اختلف في معنى هذه الآية فقيل المراد أرض الجنة، قاله ابن عباس، واستدل القائلون بهذا بقوله سبحانه: (وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض)، وقيل هي الأرض المقدسة، وقيل هي أرض الأمم الكثيرة الكافرة، يرثها نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته بفتحها، وقيل المراد بذلك بنو إسرائيل بدليل قوله سبحانه: (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها). والظاهر أن هذا تبشير لأمته صلى الله عليه وسلم بوراثة أرض الكافرين، وعليه أكثر المفسرين. قال ابن عباس: أخبر الله سبحانه في التوراة والزبور وسابق علمه قبل أن تكون السماوات والأرض أن يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويدخلهم الجنة وهم الصالحون، وقيل عام في كل صالح فيتناول أمة محمد صلى الله عليه وسلم وغيرها من الأمم. إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (108) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ (109) إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (111) قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (112)

الأنبياء 21:106

(إن في هذا لبلاغاً) أي فيما جرى ذكره في هذه السورة من الوعظ والتنبيه لكفاية ووصول إلى البغية، قاله الرازي، يقال: في هذا الشيء بلاغ، وبلغة وتبلغ أي كفاية، وقيل الإشارة بهذا إلى القرآن، والقرآن زاد الجنة، كبلاغ المسافر. (لقوم عابدين) أي مشغولين بعبادة الله مهتمين بها، والعبادة هي الخضوع والتذلل، وهم أمة محمد (- صلى الله عليه وسلم -) ورأس العبادة الصلاة قال أبو هريرة: الصلوات الخمس، وأخرج ابن مردويه وأبو نعيم والديلمي، عن أنس قال: قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في الآية قال: " إن في الصلوات الخمس شغلاً للعبادة ". وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية وقال: " هي الصلوات الخمس في المسجد الحرام جماعة "، وقيل هم العالمون العاملون الموحدون، وقال الرازي: والأولى أنهم الجامعون بين الأمرين، لأن العلم كالشجرة، والعمل كالثمرة، والشجر بدون الثمر غير مفيد، والثمر بدون الشجر غير كائن.

الأنبياء 21:107

(وما أرسلناك) يا محمد بالشرائع والأحكام (إلا رحمة للعالمين) أي الإنس والجن، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال؛ والعلل أي: ما أرسلناك لعلة من العلل إلا لرحمتنا الواسعة، فإن ما بعثت به سبب لسعادة الدارين، وقيل معنى كونه رحمة للكفار أنهم آمنوا به من الخسف والمسخ والاستئصال، وقيل المراد بالعالمين المؤمنون خاصة، والأول أولى، بدليل قوله سبحانه: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم. وعن ابن عباس في الآية قال: من آمن تمت به الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي مما كان يصيب الأمم في عاجل الدنيا من العذاب من المسخ، والخسف والقذف. وأخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قيل يا رسول الله ادع الله على المشركين، قال: " إني لم أبعث لعاناً، وإنما بعثت رحمة " [[مسلم 2599.]] وأخرج أحمد والطيالسي والطبراني وأبو نعيم، عن أبي امامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله بعثني رحمة للعالمين وهدى للمتقين " [[الإمام أحمد 5/ 265.]]. وأخرج أحمد والطبراني عن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أيما رجل من أمتي سببته سبة في غضبي أو لعنته لعنة، فإنما أنا رجل من بني آدم أغضب كما يغضبون، وإنما بعثني رحمة للعالمين، فأجعلها عليه صلاة يوم القيامة " [[الإمام أحمد 5/ 294.]]. وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إنما أنا رحمة مهداة " [[طبقات ابن سعد 1/ 192 - الطبراني المعجم الكبير 1/ 76/2.]] وقد روي معنى هذا من طرق، ثم بين سبحانه أن أصل تلك الرحمة هو التوحيد والبراءة من الشرك فقال:

الأنبياء 21:108

(قل إنما يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحد) إن كانت (ما) موصولة فالمعنى أن الذي يوحى إليّ هو أن وصفه تعالى مقصور على الوحدانية لا يتجاوزها إلى ما يناقضها أو يضادها وإن كانت ما كافة فالمعنى أن الوحي إليّ مقصور على استئثار الله بالوحدة (فهل أنتم مسلمون) منقادون مخلصون للعبادة ولتوحيد الله سبحانه، والمراد بهذا الاستفهام الأمر، أي أسلموا.

الأنبياء 21:109

(فإن تولوا) أي أعرضوا عن الإسلام (فقل) لهم (آذنتكم) أي أعلمتكم أنَّا وإياكم حرب لا صلح بيننا كائنين (على سواء) في الإعلام لم أخص به بعضكم دون بعض، كقوله سبحانه: (وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) أي أعلمهم أنك نقضت العهد نقضاً سويت بينهم فيه. وقال الزجاج: المعنى أعلمتكم بما يوحى إليّ على استواء في العلم به، ولا أظهر لأحد شيئاً كتمته على غيره. (وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون) أي ما أدري أقريب حصوله أم بعيد وهو غلبة الإسلام وأهله على الكفر وأهله، وقيل المراد العذاب أو القيامة المشتملة عليه ولا يعلمها إلا الله تعالى، وقيل آذنتكم بالحرب ولكن لا أدري ما يؤذن لي في محاربتكم.

الأنبياء 21:110

(إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون) أي يعلم سبحانه ما تجاهرون به من الكفر والطعن على الإسلام وأهله وما تكتمونه من ذلك وتخفونه لا تخفى عليه منه خافية

الأنبياء 21:111

(وإن أدري لعله) أي ما أدري لعل الإمهال (فتنة لكم) واختبار ليرى كيف صنعكم. عن الربيع بن أنس قال: " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم رأى فلاناً، وهو بعض بني أمية على المنبر يخطب الناس، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية يقول هذا الملك. وقال: ابن عباس، يقول ما أخبركم به من العذاب والساعة لعل تأخير ذلك عنكم فتنة لكم. (ومتاع إلى حين) أي وتمتع إلى وقت مقدر تقتضيه حكمته ثم حكى سبحانه وتعالى دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله:

الأنبياء 21:112

(قال رب احكم بالحق) بيني وبين هؤلاء المكذبين بما هو الحق عندك ففوض الأمر إليه سبحانه. وقال ابن عباس: لا يحكم الله إلا بالحق، وإنما يستعجل بذلك في الدنيا يسأل ربه، وقرئ رب بضم الباء قال النحاس: وهذا لحن عند النحويين. وقرئ أَحْكَمُ بقطع الهمزة وفتح الكاف وضم الميم، أي قال محمد: ربي أحكم بالحق من كل حاكم، وقرئ أَحْكَمَ بصيغة الماضي، أي أحكم الأمور بالحق، وقرئ قُلْ بصيغة الأمر، أي قل يا محمد. قال أبو عبيدة: الصفة هنا أقيمت مقام الموصوف، والتقدير رب احكم بحكمك الحق. وقد استجاب سبحانه دعاء نبيه صلى الله عليه وسلم فعذبهم ببدر، ثم جعل العاقبة والغلبة والنصر لعباده المؤمنين، والحمد لله رب العالمين. ثم قال سبحانه متمماً لتلك الحكاية (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) من الكفر والتكذيب، أي هو كثير الرحمة لعباده، والمستعان به في الأمور التي من جملتها ما تصفونه من أن الشوكة تكون لكم. ومن قولكم: (هل هذا إلا بشر مثلكم؟) وقولكم: (اتخذ الرحمن ولداً)، وكثيراً ما يستعمل الوصف في كتاب الله بمعنى الكذب، كقوله: (ولكم الويل مما تصفون) وقوله: (سيجزيهم وصفهم)، وقرئ بالتحتية وبالفوقية على الخطاب.

الحج 22:1

سورة الحج (هي سبع أو ثمان وسبعون آية) اختلف العلماء هل هي مكية أو مدنية؟ قال ابن عباس: نزلت بالمدينة. وعن ابن الزبير ومجاهد مثله. وقال قتادة: إلا أربع آيات. " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " -إلى قوله- " عذاب يوم مقيم " فهن مكيات. وقال ابن عباس: سوى ثلاث آيات. وقيل: أربع آيات إلى قوله " عذاب الحريق " وعن النقاش أنه عد ما أنزل منها بالمدينة عشر آيات. وقال الجمهور: إن السورة مختلطة منها مكي ومنها مدني. قال القرطبي: وهذا هو الصحيح لأن الآيات تقتضي ذلك، لأن " يا أيها الناس " مكي، و " يا أيها الذين آمنوا " مدني. قال العزيزي: وهي من أعاجيب السور؛ نزلت ليلاً ونهاراً، سفراً وحضراً، مكياً ومدنياً؛ سلمياً وحربياً، ناسخاً ومنسوخاً، محكماً ومتشابهاً. وقد ورد في فضلها ما أخرجه أحمد أبو داود والترمذي وغيرهم عن عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله: أفضلت سورة الحج على سائر القرآن بسجدتين؟ قال: " نعم. فمن لم يسجدهما فلا يقرؤها " [[الإمام أحمد 4/ 151 - الترمذي كتاب الجمعة باب 54.]]. قال الترمذي: هذا حديث حسن ليس إسناده بالقوي، وقد روي عن كثير من الصحابة أن فيها سجدتين، وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال بعضهم: إن فيها سجدة واحدة، وهو قول سفيان الثوري، وروي هذا عن ابن عباس وإبراهيم النخعي. بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) لما انجر الكلام في خاتمة السورة المتقدمة إلى ذكر الإعادة وما قبلها وما بعدها بدأ سبحانه في هذه السورة بذكر القيامة وأهوالها حثاً على التقوى التي هي أنفع زاد فقال: (يا أيها الناس اتقوا ربكم) أي احذروا عقابه بفعل ما أمركم به من الواجبات وترك ما نهاكم عنه من المحرمات؛ ولفظ الناس يشمل جميع المكلفين من الوجودين ومن سيوجد على ما تقرر في موضعه، وقد قدمنا طرفاً من ذلك في سورة البقرة. (إن زلزلة الساعة شيء عظيم) تعليل لما قبله من الأمر بالتقوى، والزلزلة شدة الحركة والازعاج، وأصلها من زل عن الموضع، أي زال عنه وتحرك، وزلزل الله قدمه أي حركها، وتكرير الحرف يدل على تأكيد المعنى، وهو من إضافة المصدر إلى فاعله، ومفعوله محذوف تقديره الأرض، ويكون إسناد الزلزلة إلى الساعة على سبيل المجاز العقلي، وهي على هذا الزلزلة التي هي إحدى أشراط الساعة التي تكون في الدنيا قبل يوم القيامة، هذا قول الجمهور، أو إلى الظرف لأنها تكون فيها، كقوله: (بل مكر الليل والنهار)، ووقتها يكون يوم القيامة. وقيل إنها تكون في النصف من شهر رمضان، ومن بعدها طلوع الشمس من مغربها. ولا حجة فيها للمعتزلة في تسمية المعدوم شيئاً، فإن هذا اسم لها حال وجودها. وقيل في التعبير عنها بالشيء: إيذان بأن العقول قاصرة عن إدراك كنهها. وقد أخرج أحمد والترمذي وصححه والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم، عن عمران بن حصين قال: لما نزلت (يا أيها الناس) -إلى قوله- (عذاب شديد)، أنزلت عليه هذه وهو في سفر فقال: " أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: " ذلك يوم يقول الله لآدم: ابعث بعث النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار وواحداً إلى الجنة "، فأنشأ المسلمون يبكون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " قاربوا وسددوا وأبشروا فإنها لم تكن نبوة قط إلا كان بين يديها جاهلية، فتؤخذ العدة من الجاهلية، فإن تمت وإلا كملت من المنافقين. وما مثلكم والأمم إلا كمثل الرقمة في ذراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير ". ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة "، فكبروا. ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " فكبروا، ثم قال " إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة "، فكبروا، قال: ولا أدري، قال الثلثين أم لا؟ [[المستدرك كتاب الإيمان 1/ 29.]]. وأخرج الترمذي وصححه وابن جرير وابن المنذر عنه مرفوعاً نحوه، وقال في آخره " اعملوا وأبشروا، فوالذي نفس محمد بيده إنكم لمع خليقتين ما كانتا مع شيء إلا كثرتاه، يأجوج ومأجوج ومن مات من بني آدم ومن بني إبليس، فسري عن القوم بعض الذي يجدون، قال: اعملوا وأبشروا فوالذي نفس محمد بيده ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الدابة " [[الترمذي تفسير سورة 22/ 1 - 22 - 2.]]. وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: فذكر نحوه وفي آخره فقال: " من يأجوج ومأجوج ألف ومنكم واحد وهل أنتم في الأمم إلا كالشعرة السوداء في الثور الأبيض أو كالشعرة البيضاء في الثور الأسود؟ " [[مسلم 222 - البخاري 1584.]].

الحج 22:2

(يوم ترونها) أي وقت رؤيتكم للزلزلة (تذهل كل مرضعة عما أرضعت) أي تغفل كل ذات رضاع عن رضيعها، قال قطرب: تذهل تشتغل؛ وقيل تنسى، وقيل: تلهو؛ وقيل: تسلو، وهذه معانيها متقاربة. قال المبرد (ما) هنا بمعنى المصدر، أي تذهل عن الإرضاع، قال: وهذا يدل على أن هذه الزلزلة في الدنيا، إذ ليس بعد القيامة حمل وإرضاع، إلا أن يقال: إن من ماتت حاملاً فتضع حملها للهول، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ويقال هذا مثل، كما يقال: (يوماً يجعل الولدان شيباً)، وقيل يكون مع النفخة الأولى، قال ويحتمل أن تكون الزلزلة عبارة عن أهوال يوم القيامة؛ كما في قوله (مسّتهم البأساء والضراء وزلزلوا). (وتضع كل ذات حمل حملها) أي تلقي جنينها بغير تمام من شدة الهول، كما أن المرضعة تترك ولدها بغير رضاع لذلك (وترى الناس سكارى) قرأ الجمهور بفتح التاء والراء خطاباً لكل واحد؛ أي يراهم الرائي كأنهم سكارى، وقرئ ترى بضم التاء مسنداً إلى المخاطب من أرأيتك، أي تظنهم سكارى، قال الفراء: ولهذه وجه جيد في العربية. (وما هم بسكارى) حقيقة، وقرئ سكرى بغير ألف، وهما لغتان يجمع بهما سكران، مثل كسلى وكسالى، ولما نفى سبحانه عنهم السكر أوضح السبب الذي لأجله شابهوا السكارى فقال: (ولكن عذاب الله شديد) فبسبب هذه الشدة والهول العظيم طاشت عقولهم واضطربت أفهامهم فصاروا كالسكارى، بجامع سلب كمال التمييز وصحة الإدراك وروي أن هاتين الآيتين نزلتا في غزوة بني المصطلق ليلاً فقرأهما النبي (- صلى الله عليه وسلم -) فلم ير أكثر باكياً من تلك الليلة. قاله أبو حيان في البحر، ثم لما أراد سبحانه أن يحتج على منكري البعث قدم قبل ذلك مقدمة تشمل أهل الجدال كلهم فقال:

الحج 22:3

(ومن الناس من يجادل في الله) أي في شأن الله وقدرته وصفاته، والمعنى أنه يخاصم في ذلك فيزعم أنه غير قادر على البعث (بغير علم) يعلمه ولا حجة يدلي بها أو يؤول أو يمثل أو يعطل أو يشبه صفاته بصفات الخلق من دون حجة نيّرة أو يكابر في دين الله ويقول فيه ما لا خير فيه من الأباطيل وتقليد آراء الرجال (ويتبع) فيما يقوله ويتعاطاه ويحتج به ويجادل عنه. (كل شيطان مريد) أي متمرد على الله متجرد للفساد، وهو العاتي، سمي بذلك لخلوه عن كل خير. وقال الزجاج: المريد والمارد المرتفع الأملس، والمراد إما إبليس وجنوده أو رؤساء الكفار الذين يدعون أشياعهم إلى الكفر. قال المفسرون: نزلت في النضر بن الحارث؟ وكان كثير الجدال، وكان ينكر أن الله يقدر على إحياء الأموات، وقيل نزلت في الوليد بن المغيرة وعتبة بن ربيعة.

الحج 22:4

(كتب عليه) أي قضى على الشيطان، قاله قتادة وعن مجاهد مثله (أنه من تولاه) أي من اتخذه ولياً واتبعه (أنّه) أي فشأن الشيطان أنه (يضله) عن طريق الحق والجنة، وقد وصف الشيطان بوصفين، الأول أنه مريد، والثاني ما أفاده جملة: كتب عليه الخ. (ويهديه إلى عذاب السعير) أي يحمله على مباشرة ما يصير به في العذاب، وفي الآية زجر عن اتباعه، ثم ذكر سبحانه ما هو المقصود من الاحتجاج على الكفار بعد فراغه من تلك المقدمة فقال:

الحج 22:5

يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث) قرأ الجمهور بسكون العين وقرئ بفتحها وهي لغة، وشكّهم يحتمل أن يكون في وقوعه أو في مكانه. والمعنى إن كنتم في شك من الإعادة بعد الموت فانظروا في مبدأ خلقكم أي خلق أبيكم آدم ليزول عنكم الريب ويرتفع الشك وتدحض الشبهة الباطلة. (فإنا خلقناكم من تراب) في ضمن خلق أبيكم آدم وهذا أول تطور الإنسان في أطوار سبعة وهي التراب والنطفة والعلقة والمضغة والإخراج طفلاً وبلوغ الأشد والتوفي أو الرد إلى أرذل العمر كما سيأتي تفصيل ذلك (ثم) خلقناكم (من نطفة) أي من مني سمي نطفة لقلته والنطفة القليل من الماء، وقد يقع على الكثير منه والنطفة القطرة، يقال نطف ينطف أي قطر: وليلة نطوف أي دائمة القطر (ثم من علقة) وهي الدم الجامد والعلق الدم العبيط أي الطري أو المتجمد وقيل الشديد الحمرة، والمراد الدم الجامد المتكون من مني (ثم من مضغة) وهي القطعة من اللحم قدر ما يمضغ الماضغ يتكون من العلقة (مخلَّقة) أي مستبينة الخلق ظاهرة التصوير (وغير مخلقة) أي لم يستبن خلقها ولا ظهر تصويرها. قال ابن عباس: المخلقة ما كان حياً تام الخلق وغير المخلقة ما كان سقطاً، وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين، وقال ابن الأعرابي: مخلّقة يريد قد بدا خلقه وغير مخلّقة لم تصوّر، قال: الأكثر ما أكمل خلقه بنفخ الروح فيه فهو المخلقة وهو الذي ولد لتمام، وما سقط كان غير مخلقة أي غير حي بإكمال خلقته بالروح، قال الفرّاء: مخلّقة تام الخلق وغير مخلقة السقط. وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم، عن ابن مسعود قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل الله إليه الملك فينفغ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات يكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " [[مسلم 2643 - البخاري 1514.]]، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جداً. (لنبين لكم) أي خلقناكم على هذا النمط البديع، لنبين لكم، كمال قدرتنا بتصريفنا أطوار خلقكم لتستدلوا بها في ابتداء الخلق على إعادته (ونقر) مستأنف أي نثبت (في الأرحام ما نشاء) فلا يكون سقطاً، ولم يقل من نشاء لأنه يرجع إلى الحمل وهو جماد قبل أن ينفخ فيه الروح، وقرئ ما نشاء بكسر النون (إلى أجل مسمى) وهو وقت الولادة (ثمّ نخرجكم) من بطون أمهاتكم (طفلاً) أي أطفالاً وإنما أفرده إرادة للجنس الشامل للواحد والمتعدد. قال الزجاج: طفلاً في معنى أطفالاً، ودل عليه ذكر الجماعة، يعني في (نخرجكم) والعرب كثيراً ما تطلق اسم الواحد على الجماعة، والمعنى نخرج كل واحد منكم نحو القوم يشبعهم رغيف أي كل واحد منهم. وقال المبرّد: هو اسم يستعمل مصدراً كالرضا والعدل، فيقع على الواحد، والجمع قال الله تعالى: (أو الطفل الذين لم يظهروا)؛ ثم قيل نصبه على التمييز، قاله ابن جرير وفيه بعد، والظاهر أنه على الحال والطفل يطلق على الولد الصغير من وقت انفصاله إلى البلوغ، وأما الطفل بالفتح فهو الناعم والمرأة طفلة. (ثم لتبلغوا أشدّكم) كأنه قيل نخرجكم لتكبروا شيئاً فشيئاً، ثم لتبلغوا إلى الأشد، وقيل أن ثم زائدة، والأشد هو كمال العقل، وكمال القوة والتمييز؛ قيل وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين، وهو في الأصل جمع شدة كأنعم جمع نعمة، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى في الأنعام (ومنكم من يتوفى) أي يموت قبل بلوغ الأشد الكبر، وقرئ مبنياً للفاعل أيضاً. (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر) أي أخسّه وأدونه وهو الهرم والخرف وهو خمس وسبعون سنة قاله علي، وقيل ثمانون سنة، وقال قتادة: تسعون سنة حتى لا يعقل، ولهذا قال سبحانه (لكيلا يعلم) أي يعقل (من بعد علم) أي بعد عقله الأول (شيئاً) من الأشياء أو شيئاً من العلم، والمعنى أنه يصير من بعد أن كان ذا علم بالأشياء وفهم لها لا علم له ولا فهم كهيئته الأولى في أوان الطفولية من سخافة الرأي وقلة الفقه والعقل والفهم فينسى ما يعلمه، وينكر ما يعرفه، ومثله قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين) وقوله: (ومن نعمّره ننكّسه في الخلق) قال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة أي فهذا الرد والنكس خاص بغير قارئ القرآن والعلماء، وأما هؤلاء فلا يردّون في آخر عمرهم إلى الأرذل بل يزداد عقلهم كلما طال عمرهم. (وترى الأرض هامدة) هذه حجة أخرى على البعث فإنّه سبحانه احتج بإحياء الأرض بإنزال الماء على إحياء الأموات، والهامدة اليابسة التي لا تنبت شيئاً، قال ابن قتيبة: أي ميتة يابسة كالنار إذا طفئت، وقيل دارسة، والهمود السكون والخشوع والدروس، وقيل هي التي ذهب عنها الندى؛ وقيل هالكة، ومعاني هذه الأقوال متقاربة. (فإذا أنزلنا عليها الماء) أي ماء المطر والأنهار والبحار والعيون والسواقي (اهتزت) أي تحركت في رأي العين، والاهتزاز شدة الحركة، يقال هززت الشيء فاهتز أي حركته فتحرك، والمعنى تحركت بالنبات؛ لأن النبات لا يخرج منها حتى يزيل بعضها من بعض إزالة حقيقية، فسمّاه اهتزازاً مجازاً، وقال المبرّد المعنى اهتز نباتها، واهتزازه شدة حركته، والاهتزاز في النبات أظهر منه في الأرض (وربت) أي ارتفعت، وقيل انتفخت وزادت، والمعنى واحد وأصله الزيادة؛ يقال: ربا الشيء يربو ربواً إذا زاد، ومنه الربا والربوة وربأت أي ارتفعت حتى صارت بمنزلة الرابية، وهو الذي يحفظ القوم على مكان مشرف، ويقال له راب ورابية وربيئة. (وأنبتت) أي أخرجت (من كل زوج بهيج) أي من كل صنف حسن ولون مستحسن سارّ للناظرين إليه والبهجة الحسن، قاله ابن عباس، يعني الشيء المشرق الجميل و (من) زائدة، والإسناد مجازي، لأن المنبت في الحقيقة هو الله تعالى. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (10) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)

الحج 22:6

(ذلك) الصنع البديع حاصل (بأن) أي بسبب أن (الله هو الحق) وحده في ذاته وصفاته وأفعاله المحقق والموجد لا سواه من الأشياء فهذه الآثار الخاصة من فروع القدرة العامة التامة، والحق هو الموجود الذي لا يتغير ولا يزول، وقيل ذو الحق على عباده، وقيل الحق في أفعاله. قال الزجاج: ذلك في موضع رفع، أي الأمر ما وصفه لكم وبين بأن الله هو الحق؛ والجملة مستأنفة ولما ذكر افتقار الموجودات إليه سبحانه، وتسخيرها على وفق إرادته واقتداره، قال بعد ذلك هذه المقالات. (وأنه يحيى الموتى وأنه على كل شيء) من الأشياء (قدير) والمعنى أنه المتفرد بهذه الأمور، وأنها من شأنه لا يدعي غيره أنه يقدر على شيء منها فدل سبحانه بهذا على أنه الحق الحقيقي الغني المطلق، وأن وجود كل موجود مستفاد منه

الحج 22:7

(وأن الساعة آتية) أي في مستقبل الزمان، قيل لا بد من إضمار فعل أي ولتعلموا أن الساعة آتية. (لا ريب فيها) ولا تردد، ثم أخبر سبحانه عن البعث فقال: (وأن الله يبعث من في القبور) فيجازيهم بأعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأن ذلك كائن لا محالة، والحاصل أنّه تعالى ذكر أسباباً خمسة، الثلاثة الأول مؤثرة، والأخيران غير مؤثرين.

الحج 22:8

(ومن الناس من يجادل في) شأن (الله) كقول من قال: إن الملائكة بنات الله والمسيح ابن الله وعزيراً ابن الله، قيل نزلت في النضر بن الحرث وقيل في أبي جهل، وقيل في رجل من بني عبد الدار، قاله ابن عباس، وقيل هي عامة لكل من يتصدى لإضلال الناس وإغوائهم وعلى كل حال فالاعتبار بما يدل عليه اللفظ وإن كان السبب خاصاً. والمعنى ومن الناس فريق يجادل في الله فيدخل في ذلك كل مجادل في ذات الله أو صفاته أو شرائعه الواضحة (بغير علم) أي كائناً بغير علم، قيل والمراد بالعلم هو العلم الضروري (ولا هدى) وهو العلم النظري الاستدلالي؛ لأن الدليل يهدي إلى المعرفة، والأولى حمل العلم على العموم وحمل الهدى على معناه اللغوي وهو الإرشاد. (ولا كتاب) أي وحي (منير) وهو القرآن، والمعنى أنه يجادل من غير مقدمة ضرورية ولا نظرية ولا سمعية والعلم للإنسان من أحد هذه الوجوه الثلاثة والمنير: النير البيّن الحجة الواضح البرهان، وهو إن دخل تحت قوله بغير علم فإفراده بالذكر كإفراد جبريل بالذكر بعد ذكر الملائكة وذلك لكونه الفرد الكامل الفائق على غيره من أفراد العلم، وأما من حمل العلم على الضروري والهدى على الاستدلالي، فقد حمل الكتاب هنا على الدليل السمعي فتكون الآية متضمنة لنفي الدليل العقلي ضرورياً كان أو استدلالياً، ومتضمنة لنفي الدليل النقلي بأقسامه وما ذكرناه أولى. قيل والمراد بهذا المجادل في هذه الآية هو المجادل في الآية الأولى أعني قوله: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد) وبذلك قال كثير من المفسرين والتكرير للمبالغة في الذم، كما تقول لرجل تذمّه وتوبّخه: أنت فعلت هذا! أنت فعلت هذا! ويجوز أن يكون التكرير لكونه وصفه في كل آية بزيادة ما وصفه به في الآية الأخرى، وقيل الآية الأولى واردة في المقلَّدين اسم فاعل، والثانية في المقلِّدين اسم مفعول، ذكره الزمخشري وقال وهو أوفق وأظهر بالمقام انتهى. ولا وجه لهذا كما أنه لا وجه لقول من قال إن الآية الأولى خاصة بإضلال المتبوعين لتابعيهم، والثانية عامة في كل إضلال وجدال.

الحج 22:9

(ثاني عطفه) حال أي لاوي عنقه، قاله قتادة، وعن ابن عباس والسدي وابن زيد وابن جريج أنه المعرض والعطف الجانب وعطفا الرجل جانباه من يمين وشمال، وفي تفسيره وجهان: الأول: إن المراد به من يلوي عنقه مرحاً وكبراً ذكر معناه الزجاج قال: وهذا يوصف به المتكبر، قال ابن عباس: أي مستكبراً في نفسه، وقال المبرّد: العطف من انثنى من العنق. الوجه الثاني: أنّ المراد بقوله: (ثاني عطفه) الإعراض أي معرضاً عن الذكر كذا قال الفرّاء والمفضّل وغيرهما كقوله تعالى: (ولّى مستكبراً كأن لم يسمعها) وقوله: (لووا رؤوسهم) وقوله: (أعرض ونأى بجانبه) وقيل المعنى مانع تعطفه إلى غيره. (ليضل عن سبيل الله) أي ليستمر أو ليزيد ضلاله، وإن ضلاله كالغرض له لكونه مآله، قرئ ليضل بفتح الياء وضمها والسبيل هنا الدين، يعني أن غرضه هو الإضلال عن السبيل وإن لم يعترف بذلك، وقيل هي لام العاقبة كأنه جعل ضلاله عائداً لجداله (له في الدنيا خزي) مستأنفة مبينة لما يحصل له بسبب جداله من العقوبة والخزي والذل، وذلك بما يناله من العقوبة في الدنيا ومن العذاب المعجل، وسوء الذكر على ألسن الناس، وقيل الخزي الدنيوي هو القتل كما وقع في يوم بدر. (ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق) أي عذاب النار المحرقة، ثم يقال له

الحج 22:10

(ذلك) أي ما تقدم من العذاب الدنيوي والأخروي (بما قدمت يداك) من الكفر والمعاصي والباء للسببية، وعبر باليد عن جملة البدن لكون مباشرة المعاصي تكون بها في الغالب، وفي غير هذه السورة (أيديكم) لأن هذه الآية نزلت في أبي جهل وحده وفي غيرها نزلت في جماعة تقدم ذكرهم. (وأن الله ليس بظلام) أي بذي ظلم (للعبيد) أي والأمر أنه سبحانه لا يعذب عباده بغير ذنب. وقد مر الكلام على هذه الآية في آخر آل عمران فلا نعيده

الحج 22:11

(ومن الناس من يعبد الله على حرف) هذا بيان لشقاق أهل الشقاق. قال أكثر المفسرين الحرف الشك. وأصله من حرف الشيء أي طرفه. مثل حرف الجبل والحائط فإن القائم عليه غير مستقر. والذي يعبد الله على حرف قلق في دينه على غير ثبات وطمأنينة كالذي هو على حرف الجبل ونحوه يضطرب اضطراباً ويضعف قيامه. فقيل للشاك في دينه إنه يعبد الله على حرف. أي متزلزلاً لأنه على غير يقين من وعده ووعيده بخلاف المؤمن لأنه يعبده على يقين وبصيرة فلم يكن على حرف. ففي الآية استعارة تمثيلية. وقيل الحرف الشرط. والشرط هو قوله: (فإن أصابه خير) دنيوي من رخاء وصحة وعافية وسلامة وخصب وكثرة مال (اطمأنّ به) أي ثبت على دينه واستمر على عبادته أو اطمأن قلبه بذلك الخير الذي أصابه وسكن إليه (وإن أصابته فتنة) أي شيء يفتتن به من مكروه يصيبه في أهله وماله أو نفسه ومعيشته كالجدب والمرض وسائر المحن. (انقلب على وجهه) أي ارتد ورجع إلى الوجه الذي كان عليه من الكفر، ثم بين حاله بعد انقلابه على وجهه فقال: (خسر الدنيا والآخرة) أي ذهبا منه وفقدهما فلا حظّ له في الدنيا من الغنيمة والثناء الحسن وصون المال والدم ولا في الآخرة من الأجر وما أعده الله للصالحين من عباده وقرئ خاسر الدنيا على اسم الفاعل. (ذلك هو الخسران المبين) أي الواضح الظاهر الذي لا خسران مثله. فإنه إذا لم ينضم إليه الأخروي أو بالعكس لم يتمحض خسراناً فلم يظهر كونه كذلك ظهوراً تاماً، فانحصر الخسران المبين فيه على ما دل عليه الإتيان بضمير الفصل. قاله الكرخي. أخرج البخاري وغيره عن ابن عباس في الآية قال: كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاماً وأنتجت خيله قال هذا دين صالح. وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عنه بسند صحيح قال: كان ناس من الإعراب يأتون النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون، فإذا رجعوا إلى بلادهم فإن وجدوا عام غيث وعام خصب وعام ولاد حسن، قالوا إن ديننا هذا لصالح فتمسكوا به، وإن وجدوا عام جدب وعام ولاد سوء وعام قحط، قالوا ما في ديننا هذا خير فأنزل الله هذه الآية. وعن أبي سعيد قال: أسلم رجل من اليهود فذهب بصره وماله وولده. فتشاءم بالإسلام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقلني أقلني، قال: " إن الإسلام لا يقال "، فقال: لم أصب من ديني هذا خيراً، ذهب بصري ومالي ومات ولدي، فقال: " يا يهودي الإسلام يسبك الرجال كما تسبك النار خبث الحديد والذهب والفضة "، فنزلت هذه الآية. أخرجه ابن مردويه. يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14) مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)

الحج 22:12

(يدعو) أي يعبد هذا الذي انقلب على وجهه ورجع إلى الكفر (من دون الله) أي متجاوزاً عبادة الله إلى عبادة الأصنام (ما لا يضره) إن ترك عبادته وعصاه (وما لا ينفعه) إن عبده وأطاعه؛ لكون ذلك المعبود جماداً لا يقدر على ضر ولا نفع، والجمع بين نفي النفع والضر هنا؛ وإثباتهما في قوله: (لمن ضره أقرب من نفعه)، الآية، كما سيأتي بأن معبوداتهم لا تضر ولا تنفع بأنفسها ولكن بسبب عبادتها، فنسب الضرر إليها كما في قوله تعالى: (رب إنهنّ أضللن كثيراً من الناس)؛ حيث أضاف الإضلال إليها من حيث إنها كانت سبب الضلال. وقال الشهاب: دفع التنافي بأن النفي باعتبار ما في نفس الأمر والإثبات باعتبار زعمهم الباطل. انتهى. (ذلك) أي الدعاء المفهوم من يدعو (هو الضلال البعيد) عن الحق والرشد مستعار من ضلال من سلك غير الطريق فصار بضلاله بعيداً عنها. قال الفراء: البعيد الطويل.

الحج 22:13

(يدعو) أي يقول هذا الكافر يوم القيامة. (لمن ضرّه أكثر من نفعه) هذه الجملة مقررة لما قبلها من كون ذلك الدعاء ضلالاً بعيداً والأصنام لا نفع فيها بحال من الأحوال، بل هي ضرر بحت لمن عبدها، لأنه دخل النار بسبب عبادتها، وإيراد صيغة التفضيل مع عدم النفع بالمرة للمبالغة في تقبيح حال ذلك الداعي. أو ذلك من باب وأنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، واللام هي الموطئة للقسم و (من) موصولة أو موصوفة، وضره مبتدأ خبره أقرب، والجملة صلة الموصول وجملة (لبئس المولى ولبئس العشير) جواب القسم. والمعنى أنه يقول ذلك الكافر يوم القيامة (لبئس المولى) أنت (ولبئس العشير أنت)، و (المولى) الناصر، و (العشير) الصاحب. وقال الزجاج: أي ذلك هو الضلال البعيد يدعوه، وعلى هذا قوله؛ من ضره كلام مستأنف مبتدأ، وخبره لبئس المولى، قال: وهذا لأن اللام لليمين والتوكيد فجعلها أول الكلام. وقال الزجاج والفراء: يجوز أن يكون (يدعو) مكررة على ما قبلها على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء، أي يدعو ما لا يضره ولا ينفعه يدعو. وقال الفراء والكسائي والزجاج: معنى الكلام القسم، والتقدير يدعو من لَضره أقرب من نفعه. وقال محمد بن يزيد: المعنى يدعو لن ضره أقرب من نفعه إلهاً، قال النحاس: وأحسب هذا القول غلطاً منه. وقال الفراء والقفال: اللام صلة، والمعنى يدعو من ضره أقرب من نفعه، واللام في (لبئس المولى ولبئس العشير) على هذا موطئة للقسم.

الحج 22:14

(إنّ الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) لما فرغ سبحانه في ذكر حال المشركين ومن يعبد الله على حرف ذكر حال المؤمنين في الآخرة، وأخبر أنه يدخلهم هذه الجنات المتصفة بهذه الصفة، وهذا وعد لمن عبد الله بكل حال لا لمن عبده على حرف، وقد تقدم الكلام في جري الأنهار من تحت الجنات، وبينا أنه إن أريد بها الأشجار المتكاثفة الساترة لما تحتها فجريان الأنهار من تحتها ظاهر، وإن أريد بها الأرض فلا بد من تقدير مضاف أي من تحت أشجارها. (إن الله يفعل ما يريد) تعليل لما قبلها، أي يفعل ما يريده من الأفعال لا يسئل عما يفعل، فيثيب من يشاء ويعذب من يشاء، ويكرم من يطيعه، ويهين من يعصيه.

الحج 22:15

(من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة) قال النحاس، ومن أحسن ما قيل في هذه الآية إن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً " - صلى الله عليه وسلم - " وأنه يتهيأ له أن يقطع النصر الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم (فليمدد بسبب) أي فليطلب حيلة يصل بها (إلى السماء ثم ليقطع) النصر إن تهيأ له (فلينظر هل يذهبن كيده) وحيلته (ما يغيظ) إياه من نصر النبي " - صلى الله عليه وسلم - " وحمل (من) على الكفار يوافق كلام الجلال، ومثله في العمادي. وقال أبو السعود: المعنى أنه تعالى ناصر لرسوله في الدنيا والآخرة لا محالة من غير صارف يلويه ولا عاطف يثنيه، فمن كان يغيظه ذلك من أعاديه وحساده ويظن أن لن يفعله تعالى بسبب مدافعته ببعض الأمور ومباشرة ما يرده من المكايد فليبالغ في استفراغ المجهود وليجاوز في الجدّ كل حد معهود، فقصارى أثره وعاقبة أمره أن يختنق خنقاً مما يرى من ضلال مساعيه، وعدم إنتاج مقدمات مبادية. وقيل المعنى فليشدد حبلاً في سقف بيته ثم ليقطع، أي ليمد الحبل حتى ينقطع فيموت مختنقاً، والمعنى فليختنق غيظاً حتى يموت، فإن الله ناصره صلى الله عليه وسلم ومظهره ولا ينفعه غيظه. وبه قال ابن عباس. وقيل المعنى من كان يظن أن الله لا يرزقه فليقتل نفسه، فلينظر هل ينفعه ذلك أو يأتيه برزق؟. وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)

الحج 22:16

(وكذلك) أي مثل ذلك الإنزال البديع من الآيات السابقة (أنزلناه) أي القرآن (آيات بينات) واضحات ظاهرة الدلالة على مدلولاتها (وأن الله يهدي من يريد) هدايته ابتداء أو زيادة فيها لمن كان مهدياً من قبل، ويضل من يريد ضلالته معطوف على هاء (أنزلناه) فـ " إن " وصلتها في محل نصب، ويصح أن تكون في موضع رفع خبر المبتدأ مضمر؛ أي والأمر أن الله الخ.

الحج 22:17

(إنّ الذين آمنوا) بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو بما ذكر من الآيات البينات (والذين هادوا) هم اليهود المنتسبون إلى ملة موسى (والصابئين) هم قوم يعبدون النجوم؛ وقيل هم من جنس النصارى وليس ذلك بصحيح بل هم فرقة معروفة لا ترجع إلى ملة من الملل المنتسبة إلى الأنبياء (والنصارى) هم المنتسبون إلى ملة عيسى (والمجوس) هم الذين يعبدون النار ويقولون إن للعالم أصلين النور والظلمة. وقيل هم قوم يعبدون الشمس والقمر، وقيل هم يستعملون النجاسات. وقيل هم قوم من النصارى اعتزلوهم ولبسوا المسوح، وقيل إنهم أخذوا بعض دين اليهود وبعض دين النصارى. (والذين أشركوا) هم الذين يعبدون الأصنام؛ وقد مضى تحقيق هذا في البقرة، ولكنه سبحانه قدم هنالك النصارى على الصابئين وأخّرهم عنهم هنا، فقيل وجه التقديم هنالك أنهم أهل كتاب دون الصابئين، ووجه تقديمهم هنا أن زمنهم متقدم على زمن النصارى. قال قتادة: الصابئون هم قوم يعبدون الملائكة ويصلّون للقبلة ويقرأون الزبور، والمجوس عبدة الشمس والقمر والنيران؛ والذين أشركوا عبدة الأوثان (إن الله يفصل) أي يقضي (بينهم يوم القيامة) فيُدخل المؤمنين منهم الجنة، والكافرين منهم النار، وقيل الفصل هو أن يُميز المُحق من المبطل بعلامة يعرف بها كل واحد منهما. وقيل يفصل بينهم في الأحوال والأماكن جميعاً فلا يجازيهم جزاء واحداً بغير تفاوت، ولا يجمعهم في موطن واحد قال قتادة: الأديان ستة؛ فخمسة للشيطان وواحد للرحمن. وعن عكرمة قال: فصل قضاء بينهم فجعل الخمسة مشتركة وجعل هذه الأمة واحدة. وعن ابن عباس قال: (والذين هادوا) اليهود والصابئون ليس لهم كتاب، والمجوس أصحاب الأصنام، والمشركون نصارى العرب (إن الله) تعليل لما قبلها وكأن قائلاً قال: أهذا الفصل عن علم أو لا؟ فقيل إن الله (على كل شيء) من أفعال خلقه وأقوالهم " شهيد " عالم علم مشاهدة لا يعزب عنه شيء منها، ومن قضيته الإحاطة بتفاصيل ما صدر عن كل فرد من أفراد الفرق المذكورة، والظاهر تعميم الكلام لعبدة الأوثان ولعباد الشمس والقمر والنجوم. قاله الكرخي.

الحج 22:18

(ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض) الرؤية هنا هي القلبية لا البصرية، وذلك لأن رؤية سجود هذه الأشياء لله إنما جاءنا من طريق العقل لأنا لا نراه بأبصارنا، والخطاب لكل من يصلح له، وهو من تتأتى منه الرؤية، والمراد بالسجود هنا هو الانقياد الكامل لا سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، سواء جعلت كلمة (مَنْ) خاصة بالعقلاء أو عامة لهم ولغيرهم، ولهذا عطف. (والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب) على (من) فإن ذلك يفيد أن السجود هو الانقياد لا الطاعة الخاصة بالعقلاء، وإنّما أفرد هذه الأمور بالذكر مع كونها داخلة تحت (من) على تقدير جعلها عامة لكون قيام السجود بها مستبعداً في العادة. وقوله: (وكثير من الناس) مرتفع على الابتداء وخبره محذوف، تقديره وكثير من الناس يستحق الثواب، وإنما لم يرتفع بالعطف على (من) لأن سجود هؤلاء الكثير هو سجود الطاعة الخاصة بالعقلاء، والمراد بالسجود المتقدم هو الانقياد فلو ارتفع بالعطف لكان في ذلك جمع بين معنيين مختلفين في لفظ واحد، وأنت خبير بأنه لا ملجئ إلى هذا بعد حمل السجود على الانقياد، ولا شك أنه يصح أن يراد من سجود كثير من الناس هو انقيادهم، لا نفس السجود الخاص، فارتفاعه بالعطف لا بأس به، وإن أبي ذلك صاحب الكشاف ومتابعوه. (وكثير) مرتفع بالابتداء وخبره (حق عليه العذاب) قاله الكسائي والفراء وقيل معطوف على كثير، الأول أي وكثير من الناس يسجد؛ وكثير منهم يأبى ذلك. وقيل المعنى وكثير من الناس في الجنة، وكثير حق عليه العذاب. هكذا حكاه ابن الأنباري. (ومن يهن الله) أي من أهانه الله بأن جعله كافراً شقياً (فما له من مكرم) يكرمه فيصير سعيداً عزيزاً. وحكى الأخفش والكسائي والفراء أي من إكرام؛ فهو على هذا مكرم بفتح الراء اسم مصدر. (إن الله يفعل ما يشاء) من الأشياء التي من جملتها ما تقدم ذكره من الشقاوة والسعادة والإكرام والإهانة، وظاهر هذه الآية والتي قبلها ينقض على المعتزلة قولهم لأنهم يقولون: شاء أشياء ولم يفعل وهو يقول يفعل ما يشاء هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (20) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (21) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (22) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (24) وهذه السجدة من عزائم السجود، فيسنّ للقارئ والمستمع أن يسجدا عند تلاوتها أو سماعها

الحج 22:19

(هذان خصمان) أحدهما أنجس الفرق اليهود والنصارى والصابئون والمجوس والذين أشركوا، والخصم الآخر المسلمون فهما فريقان يختصمان قاله الفراء وغيره، وقيل المراد بالخصمين الجنة والنار، قالت الجنة خلقني لرحمته، وقالت النار: خلقني لعقوبته وهو ضعيف، وقيل المراد بالخصمين هم الذين برزوا يوم بدر فمن المؤمنين حمزة وعلي وعبيدة، ومن الكافرين عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة، وقد كان أبو ذر يقسم أن هذه الآية نزلت في هؤلاء المتبارزين كما ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما، وقال بمثل هذا جماعة من الصحابة والتابعين وهم أعرف من غيرهم بأسباب النزول. وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أيضاً عن علي أنه قال: فينا نزلت هذه الآية، وأنا أول من يجثو في الخصومة على ركبتيه بين يدي الله يوم القيامة: وقال سبحانه. (اختصموا) ولم يقل اختصما لأنهم جمع، ولو قال اختصما لجاز، قاله الفراء (في) شأن (ربهم) أي في دينه أو في ذاته أو في صفاته أو في شريعته لعباده أو في جميع ذلك. قال أبو حيان: الظاهر أن الاختصام هو في الآخرة، بدليل التقسيم بالفاء الدالة على التعقيب في قوله: فالذين كفروا، وإن قلنا هذا في الدنيا فالجواب أنه لما كان تحقيق مضمونه في ذلك اليوم صح جعل يوم القيامة ظرفاً له بهذا الاعتبار ثم فصّل سبحانه ما أجمله في قوله يفصل بينهم فقال: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) أي قدرت لهم على قدر جثثهم لأن الثياب الجدد تقطع على مقدار بدن من يلبسها، فالتقطيع مجاز عن التقدير بذكر المسبب وهو التقطيع وإرادة السبب وهو التقدير والتخمين، والظاهر أنه بعد ذلك جعل تقطيعها استعارة تمثيلية تهكمية شبه إعداد النار وإحاطتها بهم بتفصيل ثياب لهم وجمع الثياب لأن النار لتراكمها عليهم كالثياب الملبوس بعضها فوق بعض وهذا أبلغ من جعلها من مقابلة الجمع بالجمع. قال الأزهري: المعنى سوّيت وجعلت لبوساً لهم، وإنما شبهت النار بالثياب لأنها مشتملة عليهم كاشتمال الثياب وعبر بالماضي عن المستقبل تنبيهاً على تحقق وقوعه. وقيل إن هذه الثياب من نحاس قد أذيب فصار كالنار وهي السرابيل المذكورة في آية أخرى، قاله سعيد بن جبير، وزاد ليس من الآنية شيء إذا حمي أشد حراً منه، وقيل المعنى في الآية أحاطت النار بهم، والحق إجراء النظم القرآني على ظاهره ولا نرتضي تأويله بما يخالف لفظه ومعناه، وقرئ قُطِعَت بالتخفيف. (يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم) هو الماء الحار المغلي بنار جهنم انتهت حرارته، والجملة مستأنفة، قال النحاس: يذاب على رؤوسهم

الحج 22:20

(يصهر به) أي يذاب بالحميم (ما في بطونهم). قال ابن عباس: تسيل أمعاؤهم (والجلود) قال ابن عباس: يتناثر جلودهم، وعن أبي هريرة أنه تلا هذه الآية فقال: سمعت رسول صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفة فيسلت ما في جوفه حتى يمرق من قدميه وهو الصهر، ثم يعاد كما كان " أخرجه الترمذي [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 387.]] والحاكم وصححاه وابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهم. وعن ابن عباس قال: يمشون وأمعاؤهم تتساقط وجلودهم، وعنه قال: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون، والصهر الإذابة والصهارة ما ذاب منه، يقال صهرت الشيء فانصهر أي أذبته فذاب فهو صهير، والمعنى أنه يذاب بذلك الحميم ما في بطونهم من الأمعاء والأحشاء ويصهر به الجلود. وقيل إنّ الجلود لا تذاب بل تحرق فيقدر فعل يناسب ذلك. ويقال وتحرق به الجلود ولا يخفى أنه لا ملجئ لهذا، فإن الحميم إذا كان يذيب ما في البطون فإذابته للجلد الظاهر بالأولى.

الحج 22:21

(ولهم) يجوز في الضمير وجهان أظهرهما أنه يعود على الذين كفروا وفي اللام حينئذ قولان: أحدهما: أنها للاستحقاق. والثاني: أنها بمعنى على، كقوله. ولهم اللعنة وليس بشيء. الوجه الثاني: إن الضمير يعود على الزبانية أعوان جهنم ويدل عليه سياق الكلام وفيه بعد. وقوله (مقامع) جمع مقمعة ومقمع، يقال قمعته ضربته بالمقمعة وهي قطعة من حديد، يقال: قمعه يقمعه من باب قطع إذا ضربه بشيء يزجره به ويذله والمقمعة المطرقة، وقيل السوط وسميت المقامع مقامع لأنها تقمع المضروب أي تذلُله، قال ابن السكيت: يقال: أقمعت الرجل عني إقماعاً إذا طلع عليك فرددته عنك، والمعنى لهم مقامع كائنة. (من حديد) يضربون بها، أخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن مقمعاً من حديد وضع في الأرض فاجتمع الثقلان ما أقلوه من الأرض، ولو ضرب الجبل بمقمع من حديد لتفتت ثم عاد كما كان " [[المستدرك، كتاب الأهوال 4/ 608.]].

الحج 22:22

(كلما أرادوا) الإرادة هنا مجاز عن القرب (إن يخرجوا منها) أي من النار (من) أجل (غم) شديد من ضموم النار يأخذ بأنفاسهم وهو بدل اشتمال من منها بإعادة الجار أو الأولى لابتداء الغاية، والثانية بمعنى من أجل أي من أجل غم يلحقهم فخرجوا. (أعيدوا فيها) أي ردوا إليها بالضرب بالمقامع، وهي الجرز من الحديد؛ والمراد إعادتهم إلى معظم النار لا أنهم ينفصلون عنها بالكلية ثم يعودون إليها، عن سلمان قال: النار سوداء مظلمة لا يضيء لهبها ولا جمرها، ثم قرأ. كلما أرادوا الآية (و) قيل لهم (ذوقوا عذاب الحريق) أي المحرق الغليظ المنتشر العظيم الإهلاك البالغ نهاية الإحراق وأصل الحريق الاسم من الاحتراق تحرق الشيء بالنار واحترق حرقة واحتراقاً، والذوق مماسة يحصل معها إدراك الطعم، وهو هنا توسع، والمراد به إدراك الألم، قال الزجاج: وهذا لأحد الخصمين، وقال في الخصم الآخر وهم المؤمنون.

الحج 22:23

(إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) ثم بين بعض ما أعده لهم من النعيم بعد دخولهم الجنة فقال: (يُحَلَّوْنَ فيها) بالتشديد والبناء للمفعول، وقرئ مخففاً أي يحليهم الله أو الملائكة بأمره (من) للتبعيض أي يحلون بعض (أساور) للبيان أو زائدة، وهي جمع أسورة، والأسورة جمع سوار، وفيه لغتان كسر السين وضمها، وفيه لغة ثالثة وهي أسوار. (من ذهب) من للبيان (ولؤلؤاً) بالنصب أي ويحلون لؤلؤاً وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف، قال القشيري: والمراد ترصيع السوار باللؤلؤ، ولا يبعد أن يكون في الجنة سوار من لؤلؤ مصمت كما أن فيها أساور من ذهب، قال القرطبي: يسور المؤمن في الجنة بثلاثة أسورة سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ. (ولباسهم) أي جميع ما يلبسونه (فيها حرير) كما تفيده هذه الإضافة، ويجوز أن يراد أن هذا النوع من الملبوس الذي كان محرماً عليهم في الدنيا حلال لهم في الآخرة، وأنه من جملة ما يلبسونه فيها، ففيها ما تشتهيه الأنفس؛ وكل واحد منهم يعطى ما تشتهيه نفسه، وينال ما يريده. وفي الصحيحين وغيرهما عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة " [[مسلم 2073 - البخاري 2279.]] وفي الباب أحاديث. وغيّر الأسلوب حيث لم يقل: ويلبسون فيها حريراً، للمحافظة على الفواصل، وللدلالة على أن الحرير ثيابهم المعتادة في الجنة، فإن العدول إلى الجملة الاسمية يدل على الدوام.

الحج 22:24

(وهُدوا) أي: أرشدوا (إلى الطيب من القول) قيل هو لا إله إلا الله، وقيل الحمد لله، وقيل القرآن؛ وقيل هو ما يأتيهم من الله سبحانه من البشارات وقد ورد في القرآن ما يدل على هذا القول المجمل هنا، وهو قوله سبحانه: (الحمد لله الذي صدقنا وعده) الحمد لله الذي هدانا لهذا، الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، وقل ابن عباس: هدوا أُلهموا، وعن أبي العالية قال: في الخصومة إذا قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم، وعن ابن زيد قال: لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله الذي صدقنا وعده. (و) معنى (هدوا إلى صراط الحميد) أنهم أرشدوا إلى الصراط المحمود، وهو الطريق الموصلة إلى الجنة أو صراط الله الذي هو دينه القويم وهو الإسلام قاله الضحاك. إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (26) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)

الحج 22:25

(إن الذين كفروا ويصدون) أي يمنعون (عن سبيل الله) ودينه من أراد الدخول فيه، وعطف المضارع على الماضي لأن المراد بالمضارع ما مضى من الصد ومثل هذا قوله: (إنّ الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، والمسجد الحرام)؛ أو المراد بالصد هنا الاستمرار لا مجرد الاستقبال؛ فصح عطفه بذلك على الماضي أي كفروا، والحال أنهم يَصدون، وقيل الواو زائدة، والمضارع خبر إنَّ، والأولى أن يقدر خبر إن بعد قوله الآتي (والباد) وذلك نحو خسروا أو هلكوا والمراد بالصد المنع. (والسجد الحرام) قيل: المراد به المسجد نفسه كما هو الظاهر من هذا النظم القرآني؛ وقيل: الحرم كله، لأن المشركين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه عنه يوم الحديبية، وقيل المراد به مكة بدليل قوله: (الذي جعلناه للناس) على العموم يصلّون فيه، ويطوفون به (سواء) مستويان (العاكف) المقيم (فيه) الملازم له، ويدخل فيه الغريب إذا جاور وأقام به ولزم التعبد فيه (والباد) أي الواصل من البادية، والمراد به الطارئ عليه المنتاب إليه من غير فرق بين كونه من أهل البادية أو من غيرهم، وصف المسجد الحرام بذلك لزيادة التقريع والتوبيخ للصادين عنه، وقيل جعلناه للناس قبلة لصلاتهم ومنسكاً ومتعبداً للعاكف والبادي، سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك به. وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة من أهل العلم. ومعنى التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة وقضاء النسك فيه وفي فضل الصلاة فيه والطواف به. عن جبير بن مطعم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحداً طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار " أخرجه الترمذي وأبو داود والنسائي [[النسائي كتاب الحج باب 42.]]. قال القرطبي: وأجمع الناس على الاستواء في المسجد الحرام نفسه، واختلفوا في مكة فذهب مجاهد ومالك إلى أن دور مكة ومنازلها يستوي فيها المقيم والطارئ وذهب عمر بن الخطاب وابن عباس وجماعة إلى أن للقادم أن ينزل حيث وجد، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أم أبي. وذهب الجمهور إلى أن دور مكة ومنازلها ليست كالمسجد الحرام ولأهلها منع الطارئ من النزول فيها. والحاصل أن الكلام في هذا راجع إلى أصلين: الأول ما في هذه الآية، هل المراد بالمسجد الحرام نفسه أو جميع الحرم أو مكة على الخصوص. والثاني هل كان فتح مكة صلحاً أو عنوة؟ وعلى فرض أن فتحها كان عنوة. وهل أقرها النبي صلى الله عليه وسلم في أيدي أهلها على الخصوص أو جعلها لمن نزل بها على العموم، وقد أوضح الشوكاني هذا في شرحه على المنتقي بما لا يحتاج الناظر فيه إلى زيادة. ثم قال فيه بعد ذكر حجج الفريقين. ومن أوضح الأدلة على أنها فتحت عنوة قوله صلى الله عليه وسلم، " وإنما أحلَّت لي ساعة من نهار " [[البخاري كتاب العلم باب 37. 39 - أبو داوود كتاب المناسك باب 89.]]، فإن هذا تصريح بأنها أحلت له في ذلك بسفك الدماء بها وأن حرمتها ذهبت فيه وعادت بعده، ولو كانت مفتوحة صلحاً لما كان لذلك معنى، وقد ذكر المقبلي في الاتحاف أدلة قوية على أن المراد به نفس المسجد. وعن ابن عباس: المسجد الحرام الحرم كله خلق الله فيه سواء. وعن سعيد بن جبير مثله. وأيضاً قال: هم في منازل مكة سواء فينبغي لأهل مكة أن يتوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم. والبادي وأهل مكة سواء -يعني في المنزل والحرم. وعن ابن عمرو قال: من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطنه ناراً. وعن عمر بن الخطاب أن رجلاً قال له عند المروة: أقطعني مكاناً لي ولعقبي فأعرض عنه وقال: هو حرم الله، سواء العاكف فيه والباد. وكان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاج في عرصات الدور. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " في الآية: " سواء المقيم والذي يدخل " أخرجه الطبراني وغيره، قال السيوطي: بإسناد صحيح. وعن ابن عمر مرفوعاً قال: " مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها " أخرجه ابن مردويه. وعن علقمة بن نضلة قال: " توفي رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " وأبو بكر وعمر وما يدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى سكن. رواه ابن ماجة. وأخرج الدارقطني عن ابن عمر مرفوعاً " من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً، وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها لأنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي، وإليه ذهب أبو حنيفة وعلى القول الأول يجوز ذلك، وإليه ذهب الشافعي مستدلاً بقوله تعالى: (الذين أخرجوا من ديارهم) فنسب الديار إليهم نسبة ملك واشتراء. وقال رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " يوم الفتح: " من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن " [[مسلم 1780.]] والأول أقوى والله أعلم. (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) مفعول (يرد) محذوف لقصد التعميم، أي من يرد فيه مراداً، أي مراداً بعدول عن القصد والاعتدال. والإلحاد في اللغة الميل، إلا أنه سبحانه بين هنا أنه الميل بظلم. وقد اختلف في هذا الظلم ماذا هو، فقيل هو الشرك، وقيل الشرك والقتل، وقيل صيد حيواناته وقطع أشجاره. وقيل هو الحلف فيه بالأيمان الفاجرة. وقيل المراد المعاصي فيه على العموم حتى شتم الخادم، وقيل هو دخول الحرم بغير احرام أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم؛ وقيل احتكار الطعام، لما روى يعلى بن أمية أن رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " قال: " إن احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه " أخرجه أبو داود [[أبو داوود كتاب المناسك 89.]]. وعن ابن عمر " بيع الطعام بمكة الحاد " وعنه سمعت رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " يقول: " احتكار الطعام بمكة إلحاد " [[مشكاة المصابيح 2723.]] أخرجه البيهقي في الشعب، والباء في بإلحاد قيل ليست بزائدة إنْ كان مفعول (يرد) محذوفاً كما ذكرنا. وقيل زائدة، وبه قال الأخفش، والمعنى عنده ومن يرد فيه إلحاداً بظلم، وقال أهل الكوفة: المعنى بأن يلحد، وقيل من يرد الناس بإلحاد، وقيل إن يرد مضمناً معنى يهم، والمعنى من يهم فيه بإلحاد، والباء في بظلم للسببية وقيل غير ذلك. (نذقه من عذاب أليم) في الآخرة إلا أن يتوب. قاله السدي، قيل المراد بهذه الآية أنه يعاقب بمجرد الإرادة للمعصية في ذلك المكان، وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود وابن عمر والضحاك وابن زيد وغيرهم حتى قالوا: لو همّ الرجل في الحرم بقتل رجل بعدن لعذبه الله. وعن ابن مسعود رفعه قال: لو أن رجلاً همّ بإلحاد بظلم وهو بعدن أبين لأذاقه الله عذاباً أليماً. قال ابن كثير: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري وقفه أشبه من رفعه. وعنه قال: من همّ بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم يكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم. وعن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنَيْس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب ابن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة، فنزلت فيه (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم)؛ يعني من لجأ إلى الحرام بإلحاد بميل عن الإسلام. والحاصل أن هذه الآية دلت على أن من كان في البيت الحرام مأخوذ بمجرد الإرادة للظلم فهي مخصصة لما ورد من أن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها إلا أن يقال إن الإرادة فيها زيادة على مجرد حديث النفس، وبالجملة فالبحث عن هذا تقرير الحق فيه على وجه يجمع بين الأدلة ويرفع الإشكال يطول جداً، ومثل هذه الآية حديث " إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار "، قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: " إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " [[مسلم 2888 - البخاري 29.]]، فدخل النار هنا بمجرد حرصه على قتل صاحبه، وقد أفرد الشوكاني هذا البحث برسالة مستقلة.

الحج 22:26

(و) اذكر (إذ بوأنا لإبراهيم) يقال بوأته منزلاً وبوأت له، كما يقال مكنتك ومكنت لك، قال الزجاج: معناه جعلنا (مكان البيت) مبوأ لإبراهيم، وقيل معنى بوأنا بينا له، وقيل وطأنا، وقد رفع البيت إلى السماء أيام الطوفان، فأعلم الله إبراهيم مكانه بريح أرسلها فكنست مكان البيت فبناه على أسه القديم وجعل طوله في السماء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعاً بذراعهم؛ وأدخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفاً، وجعل له باباً وحفر له بئراً يلقى فيها ما يهدى للبيت وبناه قبله شيث وقبل شيث آدم وقبل آدم الملائكة وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة. (إن لا تشرك بي شيئاً) أي أوحينا إليه أن لا تعبد غيري، قال المبرد: كأنه قيل له وحّدني في هذا البيت، لأن معنى لا تشرك بي وحّدني. وقالت فرقة: الخطاب بقوله: (أن لا تشرك) لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا ضعيف جداً. (وطهر بيتي) من الشرك والأقذار وعبادة الأوثان، وفي الآية طعن على أن من أشرك من قطان البيت، أي هذا كان الشرط على أبيكم فمن بعده، وأنتم فلم تفوا بل أشركتم. والمعنى تطهيره من الكفر والأوثان والدماء والبدع وسائر النجاسات. وقيل: عنى به التطهير عن الأوثان فقط، وذلك أن جرهماً والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم، وقيل المعنى نزهه أن يعبد فيه صنم، وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. وقد مر في سورة براءة ما فيه كفاية في هذا المعنى. (للطائفين) الذين يطوفون بالبيت (والقائمين) هم المصلون (و) ذكر قوله: (الركع السجود) بعده لبيان أركان الصلاة دلالة على عظم شأن هذه العبادة، وقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا في البيت، كالطواف عنده والصلاة إليه.

الحج 22:27

(وأذّن) أي ناد (في الناس بالحج) أي بدعوته والأمر به، وقرئ آذن بالمد والأذان الاعلام. وعن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فرغت، قال: أذن في الناس بالحج، قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعليّ البلاغ، قال: رب كيف أقول؟ قال: " قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق " فسمعه من في السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون، وفي الباب آثار عن جماعة من الصحابة؛ وبه قال جماعة من المفسرين، وزادوا: فعلا على المقام، فأشرف به حتى صار كأعلى الجبال. وقيل: علا على جبل أبي قبيس فلما صعده للنداء خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى فأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه يميناً وشمالاً وشرقاً وغرباً، ونادى في الناس بالحج قال: يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتاً وكتب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم، فأجابه كل من كتب له أن يحج ممن كان في أصلاب الرجال وأرحام الأمهات، لبيك اللهم لبيك. قال القسطلاني: فمن لبى مرة حج مرة، ومن لبى مرتين حج مرتين، ومن لبى أكثر حج بقدر تلبيته. انتهى، قيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجاً. وقيل إن الخطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى أعلمهم يا محمد بوجوب الحج عليهم، وعلى هذا فالخطاب لإبراهيم انتهى عند قوله: (والركع السجود) وقيل إن خطابه انتهى عند قوله (مكان البيت)، وما بعده خطاب لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم أمره أن يقول ذلك في حجة الوداع. عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " فقال: " يا أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا " أخرجه مسلم [[مسلم 1337 - النسائي كتاب المناسك باب 1.]]، قال في المدارك: والأول أظهر وقرأ الجمهور بالحج بفتح الحاء، وابن إسحاق في كل القرآن بكسرها. (يأتوك رجالاً) هذا جواب الأمر وعده الله إجابة الناس له إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، فمعنى رجالاً مشاة جمع راجل وقيل: جمع رجل، وقرئ بضم الراء رُجالاً، وقرئ على وزن كسالى، وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي، قال الكرخي: إذ للراكب بكل خطوة سبعون حسنة وللراجل سبعمائة من حسنات الحرم، كل حسنة مائة ألف حسنة، وإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين، انتهى. أقول: المعتمد في الباب أن الركوب أفضل من المشي لأن رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " حج راكباً كما في الروايات الصحيحة المشهورة، وفضيلة الاتباع تربو على غيره، وإن كان المشي فضيلة في نفسه سواء قدر على المشي أم لا قبل الإحرام وبعده، والحديث الذي ذكره الكرخي تبعاً للغزالي، والرافعي ضعيف على ما فيه، قاله ابن علان في مثير شوق الأنام إلى بيت الله الحرام، وممن ضعّفه ابن حجر المكي في شرح العباب وشرح المنهاج. والجواب عن التقديم أنه قد لا يفيد التفضيل قطعاً أو على الأصح، وقد يتقدم المفضول ويتأخر الأفضل، قال تعالى: (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) وقال: (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) وقال: (إن مع العسر يسراً) إلى غير ذلك من الآيات فليعلم، وقال: (يأتوك) وإن كانوا يأتون البيت لأن من أتى الكعبة حاجاً فقد أتى إبراهيم لأنه أجاب نداءه. (وعلى كل ضامر) أي وركباناً على كل بعير، والضامر: البعير المهزول، الذي أتعبه السفر، يقال ضمر يضمر ضموراً؛ وضَمَر الفرس من باب دخل وضمُر أيضاً بالضم فهو ضامر فيهما، وناقة ضامر وضامرة وتضمير الفرس أيضاً أن تعلفه حتى يسمن، ثم ترده إلى القوت وذلك في أربعين يوماً، ووصف الضامر بقوله: (يأتين) باعتبار المعنى لأن ضامر في معنى ضوامر. (من كل فج عميق) الفج الطريق الواسع، الجمع فجاج والعميق البعيد، قال النسفي: قدم الرجال على الركبان إظهاراً لفضيلة المشاة انتهى، وليس بشيء لأن الاستطاعة المفسرة بالزاد والراحلة في الحديث الصحيح شرط في فريضة الحج واستدل بذلك بعضهم على أنه لا يجب الحج على راكب البحر، وهو استدلال ضعيف، لأن مكة ليست على بحر، وإنما يتوصل إليها على إحدى هاتين الحالتين بمشي أو ركوب، فذكر تعالى ما يتوصل به إليها. لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (28) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)

الحج 22:28

(ليشهدوا) أي ليحضروا (منافع لهم) وهي تعمّ منافع الدنيا والآخرة وقيل المراد بها المناسك، وقيل المغفرة، وقيل التجارة كما في قوله: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم). قال ابن عباس: أسواقاً كانت لهم ما ذكر الله منافع إلا الدنيا، وعنه قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة، فأما منافع الآخرة فرضوان الله؛ وأما منافع الدنيا فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم، والذبائح والتجارات، ونكر منافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات، وللنسفي في هذا المقام كلام حسن من باب الاعتبار تركنا ذكره روما للاختصار فمن شاء إدراكه فليرجع إلى المدارك. (ويذكروا اسم الله) عند ذبح الهدايا والضحايا، وقيل إن هذا الذكر كناية عن الذبح لأنه لا ينفك عنه تنبيهاً على أن المقصود مما يتقرب به إلى الله تعالى أن يذكر اسمه (في أيام معلومات) هي أيام النحر كما يفيد ذلك قوله الآتي (على ما رزقهم من بهيمة الأنعام) وبه قال ابن عمر والصاحبان، وقيل عشر ذي الحجة وهو قول أكثر المفسرين والشافعي وأبي حنيفة. قال ابن عباس: الأيام المعلومات أيام العشر، وعنه قال: يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وعنه قال: أيام التشريق؛ وعنه قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة، وقد تقدم الكلام في الأيام المعلومات والمعدودات في البقرة فلا نعيده؛ والكلام في وقت ذبح الأضحية معروف في كتب الفقه وشروح الحديث. (على) ذبح (ما رزقهم من بهيمة الأنعام) هي الأنعام فالإضافة في هذا كالإضافة في قولهم مسجد الجامع وصلاة الأولى والبهيمة مبهمة في كل ذات أربع في البر والبحر، فبينت بالأنعام، وهي الإبل والبقر والضأن والمعز التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا (فكلوا منها) أي من لحومها والأمر هنا للندب عند الجمهور، وذهبت طائفة إلى أن الأمر للوجوب، وهذا التفات من الغيبة إلى الخطاب. (وأطعموا البائس الفقير) البائس ذو البؤس، وهو شدة الفقر فذكر الفقير بعده لمزيد من الإيضاح، وقال ابن عباس: البائس، الزّمِن [[الزَمن بزاي مشددة مفتوحة بعدها ميم مكسورة وهو ذو العاهة.]] الذي لا شيء له والأمر هنا للوجوب؛ وقيل للندب.

الحج 22:29

(ثم) أي بعد حلهم خروجهم من الإحرام وبعد الإتيان بما عليهم من النسك (ليقضوا تفثهم) المراد بالقضاء هنا هو التأدية أي ليؤدوا إزالة وسخهم لأن التفث هو الوسخ والدرن، والشعث والقذارة من طول الشعر والأظفار، وقد أجمع المفسرون كما حكاه النيسابوري على هذا. قال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث، وقال أبو عبيدة: لم يأت في الشعر ما يحتج به في معنى. التفث، وقال المبرد: أصل التفث في اللغة كل قاذورة تلحق الإنسان، وقيل قضاؤه ادهانه لأن الحاج مغبر شعث لم يدهن، ولم يستحد فإذا قضى نسكه وخرج من إحرامه حلق شعره ولبس ثيابه فهذا هو قضاء التفث قال الزجاج: كأنه خروج من الإحرام إلى الإحلال. وعن ابن عمر قال: التَفثُ المناسك كلها، وعن ابن عباس نحوه، وعنه قال: التفث حلق الرأس والأخذ من العارضين ونتف الابط وحلق العانة والوقوف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، وقص الأظفار، وقص الشوارب والذبح. (وليوفوا) بالتخفيف والتشديد (نذورهم) أي ما ينذرون به من البر في حجهم، والأمر للوجوب، وقيل المراد بالنذر هنا أعمال الحج، أو الهدايا والضحايا (وليطوفوا بالبيت العتيق) هذا الطواف هو طواف الإفاضة الواجب ووقته يوم النحر بعد الرمي والحلق. قال ابن جرير: لا خلاف في ذلك بين المتأولين والعتيق القديم كما يفيده قوله سبحانه: (إنّ أول بيت وضع للناس) الآية، وقد سمي العتيق لأن الله أعتقه من أن يتسلط عليه جبار، فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله منه، وقيل لأن الله يعتق فيه رقاب المذنبين من العذاب. وقيل لأنه أعتق من غرق الطوفان فإنه رفع في أيامه، وقيل لأنه لم يملك قط وقيل العتيق الكريم، وقد ورد في وجه تسمية البيت بالعتيق آثار عن جماعة من الصحابة، وهو مطاف أهل الغبراء، كما أن العرش مطاف أهل السماء، فإن الطالب إذا هاجته معية الطرب، وجذبته جواذب الطلب، جعل يقطع مناكب الأرض مراحل، ويتخذ مسالك المهالك منازل فإذا عاين البيت لم يزده التسلي به إلا اشتياقاً، ولم يفده باستلام الحجر إلا احتراقاً فيرده الأسف لهفان ويردده الكهف حوله في الدوران. وورد في فضل الطواف أحاديث ليس هذا موضع ذكرها.

الحج 22:30

(ذلك) أي الأمر ذلك، وهذا وأمثاله يطلق ويذكر للفصل بين الكلامين أو بين طرفي كلام واحد كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني، ثم إذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا، وقد كان كذا، قاله أبو حيان في البحر، أو المعنى. افعلوا ذلك، والمشار إليه هو ما سبق من أعمال الحج (ومن يعظم حرمات الله) جمع حرمة، وهي ما لا يحل انتهاكه. قال الزجاج: الحرمة ما وجب القيام به، وحرم التفريط فيه وهي في هذه الآية ما نهى عنها، ومنع من الوقوع فيها كالجدال والجماع والصيد، والظاهر من الآية عموم كل حرمة في الحج وغيره، كما يفيده اللفظ، وإن كان السبب خاصاً وتعظيمها ترك ملابستها. قال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة وما نهى الله عنه من معاصيه كلها، وقيل هي البيت الحرام، والمشعر الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام، والشهر الحرام، وتعظيمها القيام بمراعاتها وحفظ حرمتها، وقيل هي مناسك الحج، وتعظيمها إقامتها وإتمامها. (فهو) أي فالتعظيم (خير له) من التهاون بشيء منها (عند ربه) يعني في الآخرة، وقيل إن صيغة التفضيل هنا لا يراد بها معناها الحقيقي، بل المراد أن ذلك التعظيم خير ينتفع به أي قربة وطاعة يثاب عليها عند الله فهو عدة بخير. (وأحلت لكم الأنعام) أن تأكلوها بعد الذبح وهي الإبل والبقر والغنم كما تقدم (إلا ما يتلى عليكم) تحريمه في الكتاب العزيز من المحرمات وهي الميتة وما ذكر معها في آية المائدة فالاستثناء منقطع لما ذكر في آية المائدة بما ليس من جنس الأنعام كالدم ولحم الخنزير، ويجوز أن يكون متصلاً بأن يصرف إلى ما يحرم من بهيمة الأنعام بسبب عارض كالموت ونحوه، وقيل وجه الانقطاع أنه ليس في الأنعام محرم، قاله الشهاب والسمين، وقيل في قوله: (إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم). (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الرجس: القذر والوسخ وعبادة الأوثان قذر معنوي والوثن التمثال وأصله من وثن الشيء أي أقام في مقامه وسمى الصليب وثناً لأنه ينصب ويركز في مقامه فلا يبرح عنه، والمراد اجتناب عبادة الأوثان وسماها رجساً لأنها سبب الرجس، وهو العذاب، وقيل جعلها سبحانه رجساً حكماً والرجس النجس وليست النجاسة وصفاً ذاتياً لها، ولكنها وصف شرعي فلا تزول إلا بالإيمان كما أنها لا تزول النجاسة الحسية إلا بالماء، قال الزجاج: (مِن) هنا لتخليص جنس من أجناس أي فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن. وقال ابن عباس: يقول اجتنبوا طاعة الشيطان في عبادة الأوثان (واجتنبوا قول الزور) الذي هو الباطل وسمي زوراً لأنه مائل عن الحق، ومنه قوله تعالى: (تزاور عن كهفهم) وقوله: (مدينة زوراء) أي مائلة، والمراد هنا قول الزور على العموم فهو تعميم بعد تخصيص، فإن عبادة الأوثان رأس الزور، والمشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فأعظمه الشرك بالله بأي لفظ كان. وقال الزجاج: المراد هنا تحليلهم بعض الأنعام وتحريمهم بعضها، وقولهم: هذا حلال وهذا حرام، وقيل المراد به شهادة الزور، وقال ابن عباس: يعني الافتراء على الله والتكذيب به وقيل هو قول المشركين في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك أخرج أحمد والترمذي وابن المنذر وغيرهم عن أيمن بن حريم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيباً فقال: " يا أيها الناس عدلت شهادة الزور شركاً بالله ثلاثاً، ثم قرأ هذه الآية [[الترمذي كتاب الشهادات باب 3.]]، قال أحمد: غريب ولا نعرف لأيمن بن حريم سماعاً من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ثبت في الصحيحن وغيرهما من حديث أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ ثلاثاً، قلنا بلى يا رسول الله، قال الإشراك بالله، وعقوق الوالدين وكان متكئاً فجلس فقال وقول الزور ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " [[مسلم 87 - البخاري 1291.]]. حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34)

الحج 22:31

(حنفاء لله) أي مستقيمين على الحق أو مائلين إلى الحق مسلمين عادلين عن كل دين سوى دينه، ولفظ حنفاء من الأضداد يقع على الاستقامة، ويقع على الميل، وقيل معناه حجاجاً قاله ابن عباس. وعن أبي بكر الصديق نحوه ولا وجه لهذا (غير مشركين به) شيئاً من الأشياء كما يفيده الحذف من العموم تأكيد لما قبله، وهما حالان من الواو في اجتنبوا، والأولى مؤسسة، والثانية مؤكدة، قيل أن أهل الجاهلية كانوا يحجون مشركين، فلما أظهر الله الإسلام قال الله للمسلمين: حجوا الآن غير مشركين به. (ومن يشرك بالله) مبتدأة مؤكدة لما قبلها من الأمر بالاجتناب، والغرض بهذا ضرب المثل لمن يشرك بالله، والمعنى أن بعد من أشرك به عن الحق والإيمان (فكأنما خر) أي كبعد من سقط (من السماء) إلى الأرض، أي انحط من أوج الإيمان إلى حضيض الكفر. (فتخطفه الطير) يقال خطفه يخطفه إذا سلبه، ومنه قوله: (يخطف أبصارهم) أي تخطف لحمه وتسلبه وتقطعه بمخالبها وتذهب به، وقرئ بتشديد الطاء وفتحها وبكسر الخاء والطاء وبكسر التاء مع كسرهما. (أو تهوي به الريح) أي تقذفه وترمي به (في مكان سحيق) يقال سحق يسحق سحقاً فهو سحيق إذا بعد، أي بعيد فلا يصل إليه أحد بحال، قاله الزجاج وقيل شبه حال المشرك بحال الهاوي من السماء لأنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة، إما باستلاب الطير لحمه أو بسقوطه في المكان السحيق. قال الزمخشري: يجوز في هذا التشبيه أن يكون من المركب والمفرق، فإن كان تشبيهاً مركباً فكأنه قال: من أشرك بالله فقد أهلك نفسه إهلاكاً ليس بعده هلاك، بأن صور حاله بصورة حال من خر من السماء فاختطفته الطير متفرقاً موزعاً في حواصلها، وعصفت به الريح حتى هوت به في بعض الأماكن البعيدة وإن كان مفرقاً، فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي ترك الإيمان وأشرك بالله بالساقط من السماء والأهواء المردية بالطير المختطفة، والشيطان الموقع في الضلال بالريح التي تهوي بما عصفت به في بعض المهاوي المتلفة.

الحج 22:32

(ذلك ومن يعظم شعائر الله) جمع شعيرة أو شعارة بالكسر بوزن قلادة وهي كل شيء فيه لله شعار، ومنه شعار القوم في الحرب وهو علامتهم التي يتعارفون بها، ومنه إشعار البُدُن وهو الطعن في جانبها الأيمن، فشعائر الله أعلام دينه، وتدخل فيها الهدايا في الحج دخولاً أولياً. وعن ابن عباس في الآية قال: الشعار البدن والاستسمان والاستحسان والاستعظام وينبغي للإنسان أن يترك المشاحة في ثمنها. روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهدى مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب، وأن عمر أهدى نجيبة طلبت منه بثلاثمائة دينار. (فإنها) الضمير يرجع إلى الشعائر بتقدير مضاف محذوف، أي فإن تعظيم الشعائر (من تقوى القلوب) أي مبتدأ وناشئ من أفعال القلوب التي هي من التقوى، وإنما ذكر القلوب لأنها مراكز التقوى

الحج 22:33

(لكم فيها) أي في الشعائر على العموم أو على الخصوص وهي البدن كما يدل عليه السياق واجبة أو مندوبة. (منافع) ومنها الركوب والدر والنسل والصوف والوبر وغير ذلك مما لا يضرها (إلى أجل مسمى) وهو وقت نحرها، وقيل إلى أن تسمى بدناً، قاله ابن عباس، وعن مجاهد نحوه، وقال: في ظهورها وألبانها وأوبارها وأشعارها وأصوافها منافع إلى أن تسمى هدياً، فإذا سميت هدياً ذهبت المنافع. (ثم محلِها) أي حيث يحل نحرها حين تسمى (إلى البيت العتيق) المعنى أنها تنتهي إلى البيت وما يلية من الحرم، فمنافعهم الدنيوية المستفادة منها مستمرة إلى وقت نحرها، ثم تكون منافعها بعد ذلك دينية. وقيل إن محلها هاهنا مأخوذ من إحلال الحرام، والمعنى أن شعائر الحج كلها من الوقوف بعرفة ورمي الجمار والسعي ينتهي إلى طواف الإفاضة بالبيت، فالبيت على هذا مراد بنفسه. قال عكرمة: إذا دخلت الحرم فقد بلغت محلها.

الحج 22:34

(ولكل أمة) هي الجماعة المجتمعة على مذهب واحد (جعلنا منسكاً) مصدر من نسك ينسك إذا ذبح القربان، والذبيحة نسيكة، قال الأزهري: إن المراد بالمنسك في الآية موضع النحر، ويقال منسِك بكسر السين وفتحها لغتان. قال الفراء المنسك في كلام العرب الموضع المعتاد في خير أو شر، وقال ابن عرفة: منسكاً أي مذهباً من طاعة الله. وروي عن الفراء أن المنسك العيد، وبه قال ابن عباس وقيل هو الحج. وقال مجاهد في الآية: إهراق الدماء، وعن عكرمة قال: ذبحاً، وعن زيد بن أسلم قال: مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكاً غيرها، والأول أولى لقوله: (ليذكروا اسم الله) والمعنى جعلنا لكل أهل دين من الأديان أو لجماعة مسلمة سلفت قبلكم ذبحاً يذبحونه ودماً يريقونه أو متعبداً أو طاعة أو عيداً أو حجاً يحجونه ليذكروا اسم الله وحده ويجعلوا نسكهم خاصاً به (على) ذبح (ما رزقهم من بهيمة الأنعام) سماها بهيمة لأنها لا تتكلم، وقيد بالأنعام لأن القربان لا يكون إلا من الأنعام دون غيرها وإن أجاز أكله، وفي القاموس البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لا يميز، والجمع بهائم، والأبهم الأعجم، واستبهم استعجم فلم يقدر على الكلام. وفي الآية دليل على أن المقصود من الذبح المذكور هو ذكر اسم الله عليه، وقد وردت أحاديث في الأضحية ليس هذا موضع ذكرها. ثم أخبرهم سبحانه بتفرده بالإلهية وأنه لا شريك له فقال: (فإلهكم إله واحد) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ثم أمرهم بالإسلام والانقياد لطاعته وعبادته فقال: (فله أسلموا) أي انقادوا وأخلصوا وأطيعوا وتقديم الظرف على الفعل للقصر، والفاء كالفاء التي قبلها. (وبشر المخبتين) من عباده، أي المتواضعين الخاشعين المخلصين. وقال مجاهد: أي المطمئنين، وقال عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا، وهو مأخوذ من الخبت وهو المنخفض من الأرض، والمعنى بشّرهم يا محمد بما أعد الله لهم من جزيل ثوابه وجليل عطائه، ولا يخفى حسن التعبير بالمخبتين هنا من حيث إن نزول الخبت مناسب للحجاج لما فيهم من صفات المتواضعين، كالتجرد عن اللباس وكشف الرأس والغربة عن الأوطان، ولذا وصف سبحانه هؤلاء المخبتين بقوله: الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37) إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)

الحج 22:35

(الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم) أي خافت وحذرت مخالفته وحصول الوجل منهم عند الذكر له سبحانه دليل على كمال يقينهم وقوة إيمانهم (والصابرين على ما أصابهم) من البلايا والمصائب والمحن في طاعة الله (والمقيمي الصلاة) وصفهم بإقامة الصلاة، أي الإتيان بها في أوقاتها على وجه الكمال لأن السفر مظنة التقصير فيها، ثم وصفهم سبحانه بقوله: (ومما رزقناهم ينفقون) أي يتصدقون به وينفقونه في وجوه البر ويضعونه في مواضع الخير، والمراد صدقة التطوع، ويعلم منه أنهم كانوا يتصدقون الصدقة الواجبة بالأولى.

الحج 22:36

(والبُدن) قرئ بضم الباء وسكون الدال وبضمهما وهما لغتان، وهذا الاسم خاص عند الشافعي بالابل، وسميت بدنة لأنها تبدن، والبدانة السمن. وقال أبو حنيفة ومالك: إنه يطلق على الإبل والبقر، والأول أولى لا سيأتي من الأوصاف التي هي ظاهرة في الابل، ولما تفيده كتب اللغة من اختصاص هذا الاسم بالابل. قال ابن لقيمة: فكلام الشافعية موافق لكلام الأزهري، وكلام الحنفية موافق لكلام الصحاح. وقال ابن كثير في تفسيره: واختلفوا في صحة إطلاق البَدَنَةْ على البقرة على قولين: أصحهما أنه يطلق عليها ذلك شرعاً [[ابن كثير 3/ 221.]]، كما صح في الحديث قال ابن عمر: لا نعلم البدن إلا من الإبل والبقر. وقال أيضاً: البدن ذات الجوف وعن مجاهد قال: ليس البدن إلا من الإبل وعن عطاء نحو ما قال ابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن. وقيل لا تسمى الغنم بدنة لصغرها. (جعلناها لكم من شعائر الله) أي من أعلام الشريعة التي شرعها الله تعالى وإضافتها إلى اسمه تعظيم لها، وقيل لأنها تشعر، وهو أن تطعن بحديدة في سنامها فيعلم بذلك أنها هدي، وقد تقدم بيانه قريباً. (لكم فيها خير) أي منافع دينية ودنيوية كما تقدم، وهي جملة مستأنفة، مقررة لما قبلها أو حالية. قاله السمين. (فاذكروا اسم الله عليها) أي على نحرها بأن تقولوا عند ذبحها: الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر، اللهم منك وإليك (صواف) أي أنها قائمات قد صفت قوائمها لأنها تنحر قائمة معقولة وقرئ صوافي أي خوالص لله لا يشركون به في التسمية على نحرها أحداً وواحد صواف صافة وهي قراءة الجمهور، وواحد صوافي صافية. وفي قراءة ابن مسعود صوافن بالنون جمع صافنة، وهي التي قد رفعت إحدى يديها بالعقل لئلا تضطرب، ومنه قوله تعالى: (الصافنات الجياد)، وأصل هذا الوصف في الخيل، يقال صفن الفرس فهو صافن إذا قام على ثلاث قوائم وثنى الرابعة. قال ابن عباس في الآية: إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها على ثلاث قوائم معقولة ثم قل بسم والله أكبر. وفي الصحيحين وغيرهما عنه أنه رأى رجلاً قد أناخ بدنته وهو ينحرها ْفقال ابعثها قياماً مقيدة سنة محمد صلى الله عليه وسلم، وكون قيامها سنّة إنما هو على سبيل الندب، ويجوز نحرها وذبحها مضجعة على جنبها كالبقر. (فإذا وجبت جنوبها) الوجوب السقوط، يقال وجبت الشمس أي سقطت ووجب الجدار سقط، ومنه الواجب الشرعي كأنه سقط علينا ولزمنا، أي فإذا سقط جنبها بعد نحرها على الأرض، وذلك عند خروج روحها فهو كناية عن الموت، وجمع الجنوب مع أن البعير إذا خر يسقط على أحد جنبيه، لأن ذلك الجمع في مقابلة جمع البدن. (فكلوا منها) إن شئتم، ذهب الجمهور إلى أن هذا الأمر للندب (وأطعموا القانع والمعتر) هذا الأمر قيل هو للندب كالأول، وبه قال مجاهد والنخعي وابن جرير وابن سريج. وقال الشافعي وجماعة: هو للوجوب، واختلف في القانع من هو؟ فقيل هو السائل؛ يقال قنع الرجل بفتح النون يقنع بكسرها إذا سأل، وقيل هو المتعفف عن السؤال المستغنى ببلغة، ذكر معناه الخليل وبه قال ابن عباس، قال ابن السكيت: من العرب من ذكر القنوع بمعنى القناعة، وهي الرضا والتعفف وترك المسألة، وبالأول قال زيد بن أسلم وابنه وسعيد بن جبير والحسن، وبالثاني قال عكرمة وقتادة. وقال ابن عمر وابن عباس: القانع الذي يقنع بما آتيته. وأما المعتر فقال محمد بن كعب القرظي ومجاهد وإبراهيم والكلبي والحسن: أنه الذي يتعرض من غير سؤال وقيل هو الذي يعتريك ويسألك، وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع: الفقير والمعتر الزائر. وروي عن ابن عباس أن كليهما الذي لا يسأل ولكن القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك وقرأ الحسن والمعتري ومعناه كمعنى المعتر، يقال اعتره واعتراه وعره وعراه إذا تعرض لما عنده أو طلبه. ذكره النحاس. قال ابن عباس: المعتر السائل، وعنه الذي يعترض، وعنه القانع الذي يجلس في بيته، وعنه أنه سئل عن هذه الآية فقال: أما القانع فالقانع بما أرسلت إليه في بيته، والمعتر الذي يعتريك. وعنه قال: القانع الذي يسأل والمعتر الذي يتعرض ولا يسأل. وقيل القانع المسكين، والمعتر الذي ليس بمسكين، وقيل القانع جارك الذي ينظر ما دخل عليك، والمعتر الذي يعتر ببابك ويريك نفسه، وقد روي عن التابعين في تفسير هذه الآية أقوال مختلفة، والمرجع المعنى اللغوي لا سيما مع الاختلاف بين الصحابة ومن بعدهم في تفسير ذلك. (كذلك) أي مثل ذلك التسخير البديع المفهوم من قوله صواف (سخرناها) أي ذللنا البدن (لكم) فصارت تنقاد لكم إلى مواضع نحرها فتنحرونها وتنتفعون بها بعد أن كانت مسخرة للحمل عليها والركوب على ظهورها والحلب لها ونحو ذلك (لعلكم تشكرون) هذه النعمة التي أنعم الله بها عليكم.

الحج 22:37

(لن ينال الله) أي لن يصعد ولا يرفع إليه ولا يبلغ رضاه لا يقع موقع القبول منه (لحومها) التي تتصدقون بها (ولا دماؤها) التي تنصب عند نحرها من حيث أنها لحوم ودماء. (ولكن يناله) أي يبلغ إليه (التقوى منكم) أي تقوى قلوبكم ويصل إليه إخلاصكم له في العمل الصالح وإرادتكم بذلك وجهه مع الإيمان، فإن ذلك هو الذي يقبله الله ويجازي عليه. وقيل المراد أصحاب اللحوم والدماء، أي لن يرضى المضحون والمتقربون إلى ربهم باللحوم والدماء ولكن بالتقوى. قال الزجاج: أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به. وحقيقة معنى هذا الكلام تعود إلى القبول، وذلك أن ما يقبله الإنسان يقال قد ناله ووصل إليه، فخاطب الله الخلق كعادتهم في مخاطباتهم. قال ابن عباس: " كان المشركون إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء، فينضحون بها نحو الكعبة، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها)، وعن ابن جريج نحوه. (كذلك سخرها لكلم) كرر هذا للتذكير (لتكبروا الله) هو قول الناحر الله أكبر عند النحر فذكر في الآية الأولى الأمر بذكر اسم الله عليها، وذكر هنا للتكبير للدلالة على مشروعية الجمع بين التسمية والتكبير وقيل المراد بالتكبير وصفه سبحانه بما يدل على الكبرياء. ومعني (على ما هداكم) على ما أرشدكم إليه من علمكم بكيفية التقرب بها و (ما) مصدرية أو موصولة (وبشر المحسنين) قيل المراد بهم المخلصون، وقيل الموحدون، والظاهر أن المراد بهم كل من يصدر منه من الخير ما يصح به إطلاق اسم المحسن عليه.

الحج 22:38

(إن الله يدافع) وقرئ يدفع وصيغة المفاعلة هنا مجردة عن معناها الأصلي وهو وقوع الفعل من الجانبين كما تدل عليه القراءة الأخرى وقد ترد هذه الصيغة ولا يراد بها معناها الأصلي كثيراً مثل عاقبت اللص ونحو ذلك، وقد قدمنا تحقيقه وقيل إن إيراد هذه الصيغة هنا للمبالغة، وقيل للدلالة على تكرر الواقع. (عن الذين آمنوا) أي يدافع عن المؤمنين غوائل المشركين، وقيل يعلي حجتهم وقيل يوفقهم، وقال أبو حيان: لم يذكر الله ما يدفعه عنهم ليكون أفخم وأعظم وأعم، والجملة مستأنفة لِيُبيَن هذه المزية الحاصلة للمؤمنين من رب العالمين وأنه المتولي للمدافعة عنهم. (إن الله لا يحب كل خوان كفور) مقررة لمضمون الجملة الأولى، فإن المدافعة من الله لهم عن عباده المؤمنين مشعرة أثم إشعار بأنهم مبغضون إلى الله غير محبوبين له. قال الزجاج: من ذكر غير اسم الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته فهو خوّان كفور وإيراد صيغتي المبالغة للدلالة على أنهم كذلك في الواقع لا لإخراج من خان دون خيانتهم أو كفر دون كفرهم. أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41)

الحج 22:39

(أذن للذين يقاتلون) قرئ أذن مبنياً للمفعول وللفاعل وكذلك يقاتلون وعلى كلا القراءتين فالإذن من الله سبحانه لعباده المؤمنين بأنهم إذا صلحوا للقتال أو قاتلهم المشركون قاتلوهم، قال المفسرون: كان مشركو مكة يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بألسنتهم وأيديهم فيشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: " اصبروا فإني لم أؤمر بالقتال " حتى هاجر فأنزل الله هذه الآية بالمدينة، وهي أول آية نزلت في القتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية، وقيل نزلت في قوم بأعيانهم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة فاعترضهم مشركو مكة، فأذن الله في قتال الذين يمنعونهم من الهجرة. وهذه الآية مقررة أيضاً لمضمون قوله: (إن الله يدافع) فإن إباحة القتال لهم هي من جملة دفع الله عنهم، والباء في (بأنهم ظلموا) للسببية أي بسبب ما كان يقع عليهم من المشركين من سب وضرب وطرد ثم وعدهم الله سبحانه النصر على المشركين على طريق الرمز والكناية كما وعد بدفع أذى الكفار عنهم فقال: (وإن الله على نصرهم لقدير) وفيه تأكيد لما مر من المدافعة أيضاً، أخرج أحمد والترمذي وحسّنه والنسائي وابن ماجة، عن ابن عباس قال: لما أخرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة. قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم إنا لله وإنا إليه راجعون؛ ليهلكن القوم فنزلت: (أذن للذين يقاتلون) الخ، وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين، ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله:

الحج 22:40

(الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق) المراد بالديار مكة (إلا أن يقولوا). قال سيبويه: هو استثناء منقطع أي لكن لقولهم: (ربنا الله) أي أخرجوا بغير حق يوجب إخراجهم لكن لقولهم: ربنا الله وحده، وقال الفراء والزجاج: هو استثناء متصل والتقدير: الذين أخرجوا من ديارهم بلا حق إلا بأن يقولوا ربنا الله فيكون مثل قوله سبحانه: (وما تنقمون منا إلا أن آمنا بآيات ربنا). (ولولا دفع الله الناس) وقرئ دفاع (بعضهم) بدل بعض من الناس (ببعض لهدمت) بالتشديد للتكثير وبالتخفيف أي لخربت باستيلاء أهل الشرك على أهل الملل؛ وتكرر الهدم لكثرة المواضع (صوامع) للرهبان ومعابدهم المتخذة في الصحراء، وقيل صوامع الصابئين وهي جمع صومعة وهي بناء مرتفع محدب يقال: صمع الثريدة إذا رفع رأسها ورجل أصمع القلب أي حاد الفطنة والأصمع من الرجال الحديد القول، وقيل الصغير الأذن ثم استعمل في المواضع التي يؤذن عليها في الإسلام. (وبيع) جمع بيعة وهي كنيسة النصارى في البلد، وقيل مساجد اليهود (وصلوات) هي كنائس اليهود وقيل النصارى، وقد ذكر ابن عطية في صلوات تسع قراءات وهي جمع صلاة وسميت الكنيسة صلاة لأنها يصلى فيها، وقيل هي كلمة معربة أصلها بالعبرانية صلوتاً قاله السمين، ومعناه في لغتهم المصلى فلا يكون مجازاً، قاله الشهاب. (ومساجد) للمسلمين، وقدمت الصوامع والبيع والصلوات على المساجد لكونها أقدم بناء وأسبق وجوداً أو ليكون فيه الانتقال من شريف إلى أشرف، والظاهر من الهدم معناه الحقيقي كما ذكره الزجاج وغيره. وقيل المعنى المجازي هو تعطيلها من العبادة، والمعنى لولا ما شرعه الله للأنبياء والمؤمنين من قتال الأعداء بعضهم ببعض، وإقامة الحدود لاستولى أهل الشرك وذهبت مواضع العبادة من الأرض، وقيل المعنى لولا هذا الدفع لهدمت في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم المساجد. قال ابن عطية: هذا أصوب ما قيل في تأويل هذه الآية فعلى هذا إنما دفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف وقبل النسخ، وقيل المعنى ولولا دفع الله ظلم الظلمة بعدل الولاة، وقيل لولا دفع الله العذاب بدعاء الأخيار. وعن علي قال: إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، والمعنى: لولا دفع الله بأصحاب محمد عن التابعين لهدمت. الآية؟ قال أبو حيان: أجرى الله العادة في الأمم بذلك بأن ينتظم به الأمر وتقوم الشرائع وتصان المتعبدات من الهدم وأهلها من القتل والشتات ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وقتل داود جالوت)، ثم قال: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض. (يذكر فيها اسم الله) ذكراً أو وقتاً (كثيراً) والجملة صفة للمساجد، وقيل لجميع المذكورات الأربع لأن كل واحد منها جمع (ولينصرن الله) اللام هي جواب لقسم محذوف أي والله لينصرن الله (من ينصره) أي دينه وأولياءه ومعنى نصره تعالى هو أن يظفر أولياءه بأعدائهم ويكون النصر بالتجليد في القتال وبإيضاح الأدلة والبينات وبالإعانة على المعارف والطاعات. (إن الله لقوي) على نصر أوليائه (عزيز) على انتقام أعدائه والقوي القادر على الشيء والعزيز الجليل الشريف قاله الزجاج، وقيل الممتنع الذي لا يرام ولا يدافع ولا يمانع

الحج 22:41

(الذين إن مكناهم في الأرض) بنصرهم على عدوهم، قيل المراد بهم المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان، وقيل أهل الصلوات الخمس وقيل ولاة العدل وقيل غير ذلك وهو إخبار من الله بالغيب عما ستكون عليه سيرتهم إن مكن لهم في الأرض. وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء يريد أن الله أثنى عليهم قبل أن يحدثوا من الخير ما أحدثوا، فتباً لمن يطعن بهم من أهل البدع والرفض بعد ذلك وتعساً لهم. (أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر) هذا جواب الشرط وفيه إيجاب الأمر بالمعروف، على من مكنه الله في الأرض وأقدره على القيام بذلك، وقد تقدم تفسير الآية (ولله عاقبة الأمور) أي مرجعها إلى حكمه وتدبيره دون غيره. وعن زيد بن أسلم في قوله: (الذين إن مكناهم في الأرض) قال: أرض المدينة (أقاموا الصلاة) قال: المكتوبة (وآتوا الزكاة) قال: المفروضة (وأمروا بالمعروف) قال: بلا إله إلا الله، (ونهوا عن المنكر) قال: عن الشرك بالله (ولله عاقبة الأمور) قال: وعند الله ثواب ما صنعوا، وقد أنجز الله تعالى وعده بأن سلط المهاجرين والأنصار على صناديد العرب وأكاسرة العجم وقياصرتهم وأورثهم أرضهم وديارهم. وعن عثمان بن عفان قال: فينا نزلت هذه الآية أُخرجنا من ديارنا بغير حق ثم مُكِّنَّا في الأرض فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر فهي لي ولأصحابي. وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (42) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (47)

الحج 22:42

(وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد) قوم هود (وثمود) قوم صالح

الحج 22:43

(وقوم إبراهيم وقوم لوط وأصحاب مدين) هم قوم شعيب هذه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعزية له متضمنة للوعد له بإهلاك المكذبين له، كما أهلك سبحانه المكذبين لمن كان قبله وفيه إرشاد له صلى الله عليه وسلم إلى الصبر على قومه والاقتداء بمن قبله من الأنبياء في ذلك، وقد تقدم ذكر هذه الأمم وما كان منهم ومن أنبيائهم وكيف كانت عاقبتهم. والمعنى فأنت يا أشرف الخلق لست بأوحدي في التكذيب، فإن هؤلاء قد كذبوا رسلهم قبل قومك فتسل بهم، قاله الخطيب، وتأنيث قوم باعتبار المعنى وهو الأمة أو قبيلة واستغنى في عاد وثمود عن ذكر قوم لاشتهارهم بهذا الاسم الأخصر، والأصل في التعبير العلم ولا علم لغيرهما فلهذا لم يقل: قوم هود وقوم صالح ولم يقل قوم شعيب لأن قومه يشملون أصحاب مدين وأصحاب الأيكة،

الحج 22:44

وأصحاب مدين سابقون على أصحاب الأيكة في التكذيب له، فخصوا في الذكر بسبقهم في التكذيب وإنما غير النظم في قوله: (وكُذِّب موسى) فجاء بالفعل مبنياً للمفعول، ولم يقل وقوم موسى لأن قوم موسى لم يكذبوه، وإنما كذبه غيرهم من القبط (فأمليت للكافرين) أي أخرت عنهم العقوبة وأمهلتهم، والفاء لترتيب الإمهال على التكذيب وفيه وضع الظاهر موضع الضمر زيادة في التشنيع عليهم، والنداء عليهم بصفة الكفر. (ثم أخذتهم) أي أخذت كل فريق من المكذبين السبعة بالعذاب بعد انقضاء مدة الإمهال (فكيف كان نكير) هذا الاستفهام للتقرير أي فانظر كيف كان إنكاري وتغييري ما كانوا فيه من النعم، وحمل الاستفهام على التعجب أوضح قال أبو حيان: ويصحب هذا الاستفهام معنى التعجب، فكأنه قيل ما أشد ما كان إنكاري عليهم والنكير اسم من المنكر ومصدر بمعنى الإنكار. قال الزجاج: أي ثم أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار، قال الجوهري: النكير والإنكار تغيير المنكر، فالمراد بالإنكار التغيير للضد بالضد، كالحياة بالموت، والعمارة بالخراب وليس بمعنى الإنكار اللساني والقلبي وأثبت ياء نكير حيث وقع في القرآن ورش في الوصل، وحذفها في الوقف، والباقون يحذفونها وصلاً ووقفاً، ثم ذكر سبحانه كيف عذب أهل القرى المكذبة فقال:

الحج 22:45

(فكأين من قرية أهلكناها) أي أهلها وقد تقدم الكلام على هذا التركيب في آل عمران (وهي ظالمة) المراد بنسبة الظلم إليها نسبته إلى أهلها، أي وأهلها ظالمون (فهي خاوية) الخوي بمعنى السقوط، أي فهي ساقطة (على عروشها) أي سقوفها، وذلك بسبب تعطل سكانها حتى تهدمت فسقطت حيطانها فوق سقوفها، وإسناد السقوط على العروش إليها لتنزيل الحيطان منزلة كل البنيان لكونها عمدة فيه، وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة. قال قتادة: " خربة ليس فيها أحد ". (وبئر) أي ومن أهل بئر (معطلة) هكذا قال الزجاج، يقال بأرت الأرض أي حفرتها، ومنه التأبير وهو شق كيزان طلع الإناث وذر طلع المذكور فيه، والبئر فعل بمعنى مفعول، وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى القليب، والمراد بالمعطلة المتروكة. وقيل الخالية عن أهلها لهلاكهم؛ وقيل الغائرة، وقيل معطلة من الدلاء والأرشية. قال قتادة: عطلها أهلها وتركوها. وقال ابن عباس: التي تركت لا أهل لها. (وقصر مشيد) هو المرفوع البنيان كذا قال قتادة والضحاك. وعن قتادة أيضاً: شيّدوه وحصّنوه فهلكوا وتركوه، وقال سعيد بن جبير وعطاء وعكرمة ومجاهد وابن عباس: المراد بالمشيد المجصص مأخوذ من الشيد وهو الجص، وقيل المشيد الحصين، قاله الكلبي. وقال الجوهري: المشيد المعمول بالشيد، والشيد بالكسر كل شيء طليت به الحائط من جص أو بلاط وبالفتح المصدر، تقول شاده يشيده جصصه والمشيد بالتشديد المطول. قال الكسائي للواحد من قوله تعالى: (في بروج مشيدة) وإنما بني هنا من شاده، وفي النساء من شيَّده لأنه هنا وقع بعد جمع فناسب التكثير، وهنا وقع بعد مفرد فناسب التخفيف، ولأنه رأس آية وفاصلة. والمعنى وكم من قصر مشيد معطل مثل البئر المعطلة، ومعنى التعطيل في القصر هو أنه معطل من أهل أو من آلاته أو نحو ذلك. قال القرطبي في تفسيره: ويقال أن هذه البئر والقصر بحضرموت معروفان، فالقصر مشرف على قلة جبل [[قُلة جبل بضم القاف أعلى الجبل.]] لا يرتقي إليه بحال، والبئر في سفحه لا تقر الريح شيئاً سقط فيها إلا أخرجته. وحكى الثعلبي وغيره أن البئر كان بعدن من اليمن في بلد الحضر، وأصحاب القصر الحضر وأصحاب البئر ملوك البدو. وحكى الثعلبي وغيره أيضاً أن البئر كان بعدن من اليمن في بلد يقال له حضور أنزل بها أربعة آلاف ممن آمن بصالح ونجوا من العذاب ومعهم صالح، فمات صالح فسمّي المكان حضرموت، لأن صالحاً لما حضره مات فبنوا حضوراً؛ وقعدوا على هذه البئر وامّروا عليهم رجلاً منهم، فأقاموا دهراً وتناسلوا حتى كثروا وعبدوا الأصنام وكفروا، فأرسل الله إليهم نبياً يقال له حنظلة بن صفوان وكان حمالاً فيهم فقتلوه في السوق، فأهلكهم الله وعطلت بئرهم وخربت قصورهم ثم ذكر قصة طويلة. وقال بعد ذلك: وأما القصر المشيد فقصر بناه شداد بن عاد بن إرم لم يبن في الأرض مثله فيما ذكروا وزعموا، وحاله أيضاً كحال هذه البئر المذكورة في إيحاشه بعد الإنس وإقفاره بعد العمران وأن أحداً لا يستطيع أن يدنو منه على أميال لما يسمع فيه من عزيف الجن والأصوات المنكرة بعد النعيم والعيش الرغد وبهاء الملك وانتظام الأهل كالسلك، فبادوا وما عادوا، فذكرهم الله سبحانه في هذه الآية موعظة وعبرة. قال: وقيل إنهم الذين أهلكهم بختنصر على ما تقدم في سورة الأنبياء في قوله: (وكم قصمنا من قرية)، فتعطلت بئرهم وخرت قصورهم. إهـ. وقال النسفي: والأظهر أن البئر والقصر على العموم. ثم أنكر الله سبحانه على أهل مكة عدم اعتبارهم بهذه الآثار قائلاً:

الحج 22:46

(أفلم يسيروا في الأرض) حثاً لهم على السفر ليروا مصارع تلك الأمم فيعتبروا، ويحتمل أن يكونوا قد سافروا ولم يعتبروا، فلهذا أنكر عليهم كما في قوله: (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون)؛ وعلى هذا فالاستفهامٍ ليس على حقيقته (فتكون لهم قلوب) تفريع على المنفي فهو منفي أيضاً. (يعقلون بها) ما يجب أن يعقل من التوحيد ونحوه، والعقل هنا بمعنى العلم، والمعنى أنهم بسبب ما شاهدوا من العبر تكون لهم قلوب يعقلون بها ما يجب أن يتعقلوه؛ وأسند التعقل إلى القلوب لأنها محل العقل كما أن الآذان محل السمع وقيل إن العقل محله الدماغ، ولا مانع من ذلك فإن القلب هو الذي يبعث على إدراك العقل وإن كان محله خارجاً عنه. وقد اختلف علماء العقول في محل العقل وماهيته اختلافاً كثيراً لا حاجة إلى التطويل بذكره. (أو آذان يسمعون بها) ما يجب أن يسمعوه مما تلاه عليهم أنبياؤهم من كلام الله، وما نقله أهل الأخبار إليهم من أخبار الأمم المهلكة وما نزل بالمكذبين (فإنها لا تعمى الأبصار) قال الفراء: الهاء عماد، يجوز أن يقال فإنه وهي قراءة ابن مسعود والمعنى واحد، التذكير على الخبر والتأنيث على الأبصار، أو القصة أي فإن الأبصار لا تعمى، أو فإن القصة لا تعمى الأبصار، أي أبصار العيون (ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) أي ليس الخلل في مشاعرهم، وإنما أصابت الآفة عقولهم باتباع الهوى والانهماك في التقليد، أي لا تدرك عقولهم مواطن الحق ومواضع الاعتبار. قال الفراء والزجاج: إن قوله التي في الصدور من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام، كقوله عشرة كاملة، ويقولون بأفواههم ويطير بجناحيه، ثم حكى سبحانه عن هؤلاء ما كانوا عليه من التكذيب والاستهزاء فقال:

الحج 22:47

(ويستعجلونك) أي يطلبون عجلتك (بالعذاب) لأنهم كانوا منكرين لمجيئه أشد إنكار، فاستعجالهم له هو على طريقة الاستهزاء والسخرية، وكأنهم كانوا يقولون ذلك عند سماعهم لما يقوله الأنبياء عن الله سبحانه من الوعد منه عز وجل بوقوعه عليهم وحلوله بهم، ولهذا قال: (ولن يخلف الله وعده) قال الفراء: في هذه الآية وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة. وذكر الزجاج وجهاً آخر فقال: أعلم أن الله لا يفوته شيء، وإن يوماً عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعجلون به من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أن الله تفضل بالإمهال انتهى. والمعنى والحال أنه لا يخلف وعداً أبداً، وقد سبق الوعد فلابد من مجيئه حتماً أو الجملة اعتراضية مبينة لما قبلها. قال المحلي: أنجزه يوم بدر، أي أنزل العذاب بهم في الدنيا فقتل منهم سبعون وأسر منهم سبعون. (وإن يوماً) من أيام عذابهم (عند ربك) في الآخرة (كألف سنة مما تعدون) أي من سني الدنيا، والجملة مستأنفة مسوقة لبيان حالهم في الاستعجال وخطابهم في ذلك لبيان كمال حكمه لكون المدة القصيرة عنده كالمدة الطويلة عندهم كما في قوله: (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً). قال الفراء: هذا وعيد لهم بامتداد عذابهم في الآخرة أي يوم من أيام عذابهم في الآخرة في الثقل والاستطالة كألف سنة. وقيل المعنى وإن يوماً من الخوف والشدة في الآخرة كألف سنة من سني الدنيا فيها خوف وشدة، وكذلك يوم النعيم قياساً، واقتصر في التشبيه على الألف لأن الألف منتهى العدد بلا تكرار. وقرئ يعدون بالتحتية لقوله ويستعجلونك، وبالفوقية على الخطاب، واختار الأولى أبو عبيدة والثانية أبو حاتم. وعن ابن عباس قال: إن يوماً من الأيام الستة التي خلق الله فيها السماوات والأرض كألف سنة، وعن عكرمة قال: هو يوم القيامة، وعنه قال: الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة، وقد مضى منها ستة آلاف. وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (48) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (49) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (50) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (51) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) وأخرج ابن عدي والديلمي عن أنس مرفوعاً نحوه، وتمام البحث في مدة الدنيا ماضيها وباقيها في كتابنا لقطة العجلان مما تمس إلى معرفته حاجة الإنسان:

الحج 22:48

(وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها) أي أهلها، هذا إعلام منه سبحانه أنه أخذ قوماً بعد الاملاء والتأخير، قيل وتكرير هذا مع ذكره قبله للتأكيد وليس بتكرار في الحقيقة، لأن الأول سيق لبيان الإهلاك مناسباً لقوله: (فكيف كان نكير). والثاني سيق لبيان الإملاء مناسباً لقوله: (ولن يخلف الله وعده وإن يوماً عند ربك كألف سنة) فكأنه قيل: وكم من أهل قرية كانوا مثلكم ظالمين قد أمهلتهم حيناً ثم أخذتهم بالعذاب، والمرجع للكل إلى حكمي. (و) جملة (إليَّ المصير) تذييل لتقرير ما قبلها

الحج 22:49

(قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين، فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم) أمره سبحانه أن يخبر الناس بأنه نذير لهم بين يدي الساعة مبين لهم ما نزل إليهم،

الحج 22:50

فمن آمن وعمل صالحاً فاز بالمغفرة وستر الذنوب، ومن كان على خلاف ذلك فهو في النار. والرزق الكريم الجنة، والكريم من كل نوع ما يجمع فضائله ويجوز كمالاته.

الحج 22:51

(والذين سعوا في آياتنا) أي اجتهدوا في إبطالها حث قالوا القرآن شعر أو سحر أو أساطير الأولين. (معاجزين) يقال عاجزه سابقه، لأن كل واحد منهما في طلب إعجاز الآخر فإذا سبقه قيل أعجزه وعجزه، قاله الأخفش. وقيل معناه ظانين ومقدرين أن يعجز الله سبحانه ويفوتوه فلا يعذبهم، قاله الزجاج. وقيل معاندين قاله الفراء وقال ابن عباس: مراغمين ومشاقين. (أولئك أصحاب الجحيم) أي النار الموقدة

الحج 22:52

(وما أرسلنا من قبلك) من لابتداء الغاية، وهذا شروع في تسلية ثانية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد التسلية الأولى. (من رسول ولا نبي) من زائدة لتأكيد النفي، وفيه دليل بين على ثبوت التغاير بين الرسول والنبي. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء فقال: " مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، فقيل فكم الرسل منهم؟ فقال: ثلثمائة وثلاثة عشر " [[الإمام أحمد 5/ 266.]]، والفرق بينهما أن الرسول الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عياناً ومحاورته شفاهاً، والنبي الذي يكون وحيه إلهاماً أو مناماً. وقيل الرسول من بعث بشرع وأمر بتبليغه، والنبي من أمر أن يدعو إلى شريعة من قبله ولم ينزل عليه كتاب ولا بد لهما جميعاً من المعجزة الظاهرة، وقرأ ابن مسعود ولا نبي ولا محدث، وعن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مثله، وزاد فنسخت محدث، قال: والمحدثون صاحب يس ولقمان ومؤمن آل فرعون وصاحب موسى. (إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته) معنى تمنى تشهى وهيأ في نفسه ما يهواه، قال الواحدي، قال المفسرون: معنى تمنى تلا، قال جماعة المفسرين، في سبب نزول هذه الآية: أنه صلى الله عليه وسلم لما شق عليه إعراض قومه عنه تمنى في نفسه أن لا ينزل عليه شيء ينفرهم عنه لحرصه على إيمانهم، فكان ذات يوم جالساً في ناد من أنديتهم، وقد نزل عليه سورة (والنجم إذا هوى) فأخذها يقرأها عليهم حتى بلغ قوله: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى. وكان ذلك التمني في نفسه، فجرى على لسانه مما ألقاه الشيطان عليه: تلك الغرانيق [[هذه الرواية أدخلها على الإسلام يهودي تجلى الغموض عنه وإن وثقه بعض الناس؛ فإن هذه الرواية تشجب هذا التوثيق وتحجبه؛ ذلك أن ابن سعد في الطبقات يرويها عن رجل يدعى عبد الله بن حنطب ليس له صحبة، والطبري يرويها عن محمد بن كعب القرظي، كان أبوه من سبي بني قريظة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أطلقه لأنه رآه دون البلوغ، فتزوج وخلّف محمداً هذا وقد ولد بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. ومن هنا ندرك أن هذه الرواية لم يجرؤ واحد على إسنادها لأحد الصحابة رضوان الله عليهم، وربما تكون قد دست من طريق بني قريظة وكان إرسالهم إياها عن طريق ابن حنطب وابن كعب. ويأتي بعد هذا ابن السائب الكلبي والواقدي فيرويانها عن ابن عباس؛ وحسبك فهما كذابان بالإجماع.]] العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما سمعت قريش ذلك فرحوا، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قراءته حتى ختم السورة، فلما سجد في آخرها سجد معه جميع من في النادي من المسلمين والمشركين فتفرقت قريش مسرورين بذلك وقالوا قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه جبريل فقال ما صنعت؟ تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله، فحزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخاف خوفاً شديداً فأنزل الله هذه الآية، هكذا قالوا. ولم يصح شيء من هذا ولا ثبت بوجه من الوجوه؛ ومع عدم صحته بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله سبحانه، حيث قال الله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين)، وقوله: (وما ينطق عن الهوى). وقوله: (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم) فنفى المقاربة للركون فضلاً عن الركون. قال البزار: هذا حديث لا نعلمه يروى عن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) بإسناد متصل. وقال البيهقي: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل، ثم أخذ يتكلم أن رواة هذه القصة مطعون فيهم. وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: إن هذه القصة من وضع الزنادقة، قال القاضي عياض في الشفاء: إن الأمة أجمعت -فيما طريقه البلاغ- أنه معصوم فيه من الأخبار عن شيء بخلاف ما هو عليه قصداً ولا عمداً ولا سهواً ولا غلطاً. قال الرازي: هذه القصة باطلة موضوعة، لا يجوز القول بها، قال تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وقال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) ولا شك أن من جوز على الرسول تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضرورة أن أعظم سعيه كان في نفي الأوثان، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه وجوزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك أي مما ألقاه الشيطان على لسانه، ويبطل قوله تعالى: (بلغ ما أنزل إليك من ربك، وإن لم تفعل فما بلغت رسالته) فإنه لا فرق عند العقل بين النقصان من الوحي وبين الزيادة فيه. فبهذه الوجوه النقلية والعقلية عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة انتهى ملخصاً، قال ابن كثير: قد ذكر كثير من المفسرين هاهنا قصة الغرانيق، وما كان من رجوع كثير من المهاجرين إلى أرض الحبشة ظناً منهم أن مشركي قريش قد أسلموا، ولكنها من طرق كلها مرسلة ولم أرها مسندة من وجه صحيح، والحاصل أن جميع الروايات في هذا الباب إما مرسلة أو منقطعة لا تقوم الحجة بشيء منها، وقد أسلفنا عن الحفاظ في هذا البحث ما فيه كفاية. وفي الباب روايات من أحب الوقوف على جميعها فلينظرها في الدر المنثور للسيوطي، ولا يأتي التطويل بذكرها هنا بفائدة فقد عرّفناك أنها جميعها لا تقوم بها الحجة، لأنه لم يروها أحد من أهل الصحة، ولا أسندها ثقة بسند صحيح، أو سليم متصل، وإنما رواها المفسرون، والمؤرخون المولعون بكل غريب؛ الملفقون من الصحف كل صحيح وسقيم، وقد دل على ضعف هذه القصة اضطراب رواتها وانقطاع سندها واختلاف ألفاظها. والذي جاء في الصحيح من حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ والنجم فسجد فيها وسجد من كان معه غير أن شيخاً من قريش أخذ كفاً من حصى أو تراب فرفعه إلى جبهته، قال عبد الله: فلقد رأيته بعد قتل كافراً، أخرجه البخاري ومسلم [[مسلم 576 - البخاري 588.]]. وصح من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس رواه البخاري، فهذا الذي جاء في الصحيح لم يذكر فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر تلك الألفاظ ولا قرأها والذي ذكره الفسرون عن ابن عباس في هذه القصة فقد رواه عنه الكلبي وهو ضعيف جداً، بل متروك لا يعتمد عليه، وكذا أخرجه النحاس بسند آخر فيه الواقدي فهذا توهين هذه القصة. وقد أجابوا عنه من حيث المعنى بوجوه أخرى يطول ذكرها بلا فائدة زائدة وقد استوفاها الخازن في تفسيره، والنسفي في المدارك ونبه الحافظ ابن حجر على ثبوت أصلها في الجملة، وقال إن ثلاثة أسانيد منها على شرط الصحيح لكنها مراسيل، وإذا تقرر لك بطلان ذلك عرفت أن معنى. تمنى قرأ وتلا كما قدمنا من حكاية الواحدي لذلك عن المفسرين. قال البغوي: إن أكثر المفسرين قالوا معنى تمنى تلا، وقرأ كتاب الله ومعنى ألقى الشيطان في أمنيته أي في تلاوته وقراءته، قال ابن جرير: هذا القول أشبه بتأويل الكلام، ويؤيد هذا ما تقدم في تفسير قوله: (لا يعلمون الكتاب إلا أماني) وقيل معنى تمنى حدّث، ومعنى في أمنيته في حديثه، روي هذا عن ابن عباس، وقيل معنى تمنى قال، فحاصل معنى الآية أن الشيطان أوقع في مسامع المشركين ذلك من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا جرى على لسانه فتكون هذه الآية تسلية لرسول الله (- صلى الله عليه وسلم -). أي لا يهولك ذلك ولا يحزنك فقد أصاب مثل هذا من قبلك من المرسلين والأنبياء وعلى تقدير أن معنى تمنى حدّث نفسه كما حكاه الفراء والكسائي فإنهما قالا: يقال تمنى إذا حدث نفسه، فالمعنى أنه إذا حدث نفسه بشيء تكلم به الشيطان وألقاه في مسامع الناس من دون أن يتكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا جرى على لسانه. قال ابن عطية: لا خلاف أن القاء الشيطان إنما هو لألفاظ مسموعة وقعت بها الفتنة، قال القاضي عياض: وهذا أحسن الوجوه وهو الذي يظهر ترجيحه، وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل، وقال في أمنيته في تلاوته، وقد قيل في تأويل الآية: إن المراد بالغرانيق الملائكة ويرد بقوله الآتي: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) أي يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة. وقيل إن ذلك جرى على لسانه سهواً ونسياناً وهما مجوزان على الأنبياء، ويرد بأن السهو والنسيان فيما طريقه البلاغ غير جائز، كما هو مقرر في مواطنه، قال الضحاك: يعني بالتمني التلاوة، والقراءة فينسخ الله أي جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبي صلى الله عليه وسلم. وقال مجاهد: إذا تمنى أي تكلم وأمنيته كلامه، فأخبر تعالى في هذه الآية أن سنة الله في رسله إذا قالوا قولاً زاد الشيطان فيه من قبل نفسه فهذا نص في أن الشيطان زاد في قول النبي صلى الله عليه وسلم لا أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله لأنه معصوم، وقد شبق إلى ذلك الطبري مع جلالة قدره وسعة علمه وشدة ساعده في النظر فصوب هذا المعنى قاله الحافظ في الفتح؛ ثم لما سلاه سبحانه بهذه التسلية وأنها قد وقعت لمن قبله من الرسل والأنبياء بين سبحانه أنه يبطل ذلك ولا يثبته ولا يستحر تغرير الشيطان فقال: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) أي يبطله ويجعله ذاهباً غير ثابت (ثم يحكم الله آياته) أي يثبتها (والله عليم حكيم) أي كثير العلم والحكمة في كل أقواله وأفعاله. لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (53) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (54) وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (55)

الحج 22:53

(ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة) تعليل أي ذلك الإلقاء الذي يلقيه الشيطان ضلالة ومحنة وبلية (للذين في قلوبهم مرض) أي شكل ونفاق (والقاسية قلوبهم) هم المشركون فإن قلوبهم لا تلين للحق أبداً ولا ترجع إلى الصواب بحال ثم سجل سبحانه على هاتين الطائفتين بأنهم ظالمون فقال: (وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) أي عداوة شديدة ووصف الشقاق بالبعد مبالغة والموصوف به حقيقة من قام به ولما بين سبحانه أن ذلك الإلقاء كان فتنة في حق أهل النفاق والشك والشرك بين أنه في حق المؤمنين العالمين بالله العارفين به سبب لحصول العلم لهم بأن القرآن حق وصدق، فقال:

الحج 22:54

(وليعلم الذين أوتوا العلم) أي التوحيد والقرآن والتصديق بنسخ الله ما يشاء (أنه الحق من ربك) أي: الحق النازل من عنده، وقيل الضمير في (أنه) راجع إلى تمكين الشيطان من الإلقاء لأنه مما جرت به عادته مع أنبيائه؛ ولكنه يرد هذا قوله: (فيؤمنوا به) فإن المراد الإيمان بالقرآن أي يثبتوا على الإيمان به. (فتخبت له قلوبهم) أي تخشع وتسكن وتنقاد، فإن الإيمان به وإخبات القلوب له لا يمكن أن يكونا لتمكين من الشيطان بل للقرآن (وإن الله لهادي الذين آمنوا) في أمور دينهم (إلى صراط مستقيم) أي طريق صحيح قويم، لا عوج به وقرئ لهادٍ بالتنوين.

الحج 22:55

(ولا يزال الذين كفروا في مرية منه) أي في شك من القرآن؛ وقيل من الدين الذي يدل عليه ذكر الصراط المستقيم، وقيل من الرسول وقيل من إلقاء الشيطان فيقولون ما باله ذكر الأصنام بخير، ثم رجع عن ذلك؛ وقرئ مُرية بضم الميم، وهما لغتان مشهورتان، وظاهر كلام أبي البقاء أنهما قراءتان، قال السمين: ولا أحفظ الضم هنا. (حتى تأتيهم الساعة) أي القيامة أو الموت (بغتة) أي فجأة (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) وهو يوم القيامة لأنه لا يوم بعده فكان بهذا الاعتبار عقيماً وهو في اللغة من لا يكون له ولد، ولما كانت الأيام تتوالى جعل ذلك كهيئة الولادة، ولما لم يكن بعد ذلك اليوم يوم وصف بالعقم، وقيل يوم حرب يقتلون فيه كيوم بدر، قاله ابن عباس، وعن أبيّ بن كعب نحوه، وعن سعيد بن جبير وعكرمة مثله. وعن مجاهد قال: يوم القيامة لا ليلة له، وعن الضحاك وسعيد مثله أيضاً؛ وقيل إن اليوم وصف بالعقم لأنه لا رأفة فيه ولا رحمة فكأنه عقيم من الخير، ومنه قوله تعالى: (فأرسلنا عليهم الريح العقيم) أي التي لا خير فيها ولا تأتي بمطر وفيه استعارة بالكناية بأنه شبه اليوم المنفرد عن سائر الأيام، والزمان الذي لا خير فيه بالنساء العقم تشبيهاً مضمراً في النفس، وإثبات العقم تخييل؛ فإن الأيام بعضها نتائج لبعض، فكل يوم يلد مثله. الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (56) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (57) وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (58) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (59)

الحج 22:56

(الملك يومئذ) أي السلطان الظاهر والاستيلاء التام يوم القيامة والتنوين عوض عن الجملة أي يوم يؤمنون أو يوم تزول مريتهم (لله) سبحانه وحده لا منازع له فيه ولا مدافع له عنه (يحكم) أي يفصل (بينهم) مستأنفة أو هي حالية، ثم فسر هذا الحكم بقوله: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات) كائنون (في جنات النعيم) مستقرون في أرضها منغمسون في نعيمها فضلاً من الله

الحج 22:57

(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي جمعوا بين الكفر بالله والتكذيب بآياته (فأولئك لهم عذاب) متصف بأنه (مُهين) للمعذّبين بالغ منهم المبلغ العظيم بسبب كفرهم.

الحج 22:58

(والذين هاجروا في سبيل الله) أفرد سبحانه المهاجرين بالذكر تخصيصاً لهم بمزيد الشرف وتفخيماً لشأنهم، قال بعض المفسرين: هم الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، وقال بعضهم: الذين هاجروا من الأوطان في سرية أو عسكر ولا يبعد حمل ذلك على الأمرين، والكل في سبيل الله وطاعته. (ثم قتلوا) وقرئ مشدداً على التكثير (أو ماتوا) في حال المهاجرة (ليرزقنهم الله) جواب قسم محذوف (رزقاً) أي مرزوقاً (حسناً) أو مصدر مؤكد وفيه دليل على وقوع الجملة القسمية خبراً للمبتدأ ومن يمنعه، فقوله مرجوح والرزق الحسن هو نعيم الجنة الذي لا ينقطع، وقيل هو الغنيمة لأنه حلال، وقيل هو العلم والفهم كقول شعيب: ورزقني منه رزقاً حسناً، والتسوية في الوعد بالرزق لا يدل على تفضيل في قدر المعطي ولا تسوية، فإن يكن تفضيل فمن دليل آخر، والمقرر في كتب الفروع أن المقتول أفضل لأنه شهيد. وقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن سلمان الفارسي أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من مات مرابطاً أجرى الله عليه مثل ذلك الأجر وأجرى عليه الرزق وأمن من الفتانين، اقرأوا إن شئتم والذين هاجروا -إلى قوله- حليم ". قلت: ويؤيد. هذا قوله سبحانه: (ومن يخرج من بيته مهاجراً إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله). (وإن الله لهو خير الرازقين) أي أفضلهم فإنه سبحانه يرزق بغير حساب بمحض الإحسان، وكل رزق يجري على يد العباد بعضهم لبعض فهو منه سبحانه لا رازق سواه ولا معطي غيره، والجملة تذييل مقررة لما قبلها. ولما ذكر الرزق أعقبه بذكر المسكن بقوله:

الحج 22:59

(ليدخلنهم مدخلاً يرضونه) مستأنفة أو بدل من جملة ليرزقنهم الله، قرئ مُدخلاً بفتح الميم وبضمها وهو اسم مكان أريد به الجنة أو مصدر ميمي مؤكد للفعل المذكور، وقد مضى الكلام على مثل هذا في سورة سبحان، وفي هذا من الامتنان عليهم والتبشير لهم ما لا يقادر قدره، فإن المدخل الذي يرضونه هو الأوفق لنفوسهم والأقرب إلى مطلبهم على أنهم يرون في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وذلك هو الذي يرضونه وفوق الرضا. (وإن الله لعليم) بدرجات العاملين ومراتب استحقاقهم. وقيل بأحوال من قضى نحبه مجاهداً، وآمال من مات وهو ينتظر معاهداً (حليم) عن تفريط المفرطين منهم بإمهال من قاتلهم معانداً لا يعاجلهم بالعقوبة. ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (60) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (61) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (62) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (63) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (64)

الحج 22:60

(ذلك) أي ما تقدم أو الأمر ذلك وما بعده مستأنف. وقال الزجاج: أي الأمر ما قصصنا عليكم من إنجاز الوعد للمهاجرين خاصة إذا قُتلوا أو ماتوا، فهو على هذا خبر مبتدأ محذوف. (ومن عاقب بمثل ما عوقب به) أي من جازى الظالم بمثل ما ظلمه، والعقاب مأخوذ من التعاقب وهو مجيء الشيء بعد غيره، وحينئذ يسمى الابتداء عقاباً باسم الجزاء مشاكلة كقوله: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) وقوله: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم)، أو من قبيل تسمية السبب باسم المسبب، والعقوبة في الأصل إنما تكون بعد فعل تكون جزاء عنه؛ والمراد بالمثلية أنه اقتصر على المقدار الذي ظلم به ولم يزد عليه. عن ابن جريج قال: تعاون المشركون على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فأخرجوه فوعده الله أن ينصره، وهو في القصاص أيضاً (ثم بغى عليه) أي أن الظالم له في الابتداء عاوده بالمظلمة بعد تلك المظلمة الأولى. وقيل المراد بهذا البغي هو ما وقع من المشركين من إزعاج المسلمين من أوطانهم بعد أن كذبوا نبيهم وآذوا من آمن به. وقيل المعنى ثم كان المجازي مبغياً عليه، أي مظلوماً، ومعنى (ثم) تفاوت الرتبة، لأن الابتداء بالقتال معه نوع ظلم، كما قيل في أمثال العرب: البادئ أظلم. وقيل إن هذه الآية مدنية، وهي في القصاص والجراحات. (لينصرنّه الله) اللام جواب قسم محذوف، أي والله لينصرن الله المبغي عليه على الباغي (إنّ الله لعفوّ غفور) أي لكثير العفو والغفران للمؤمنين فيما وقع منهم من الذنوب أو القتال في الشهر الحرام وقيل العفو والغفران لما وقع من المؤمنين من ترجيح الانتقام على العفو.

الحج 22:61

(ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) إشارة إلى ما تقدم من نصر الله سبحانه للمبغي عليه والباء للسببية، أي ذلك النصر بسبب أنه سبحانه قادر، ومن كمال قدرته إيلاج الليل في النهار والنهار في الليل. قاله الرازي. وقال البيضاوي: قادر على تقليب الأمور بعضها على بعض، جارية عادته على المداولة بين الأشياء المتعاندة، وعبر عن الزيادة بالإيلاج لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر. وقيل يجعل ظلمة الليل مكان ضياء النهار، وذلك بغيبوبة الشمس، ويجعل ضياء النهار مكان ظلمة الليل بطلوع الشمس، فالمراد تحصيل أحد العرضين في محل الآخر، وقد مضى في آل عمران معنى هذا الإيلاج. (وإن الله سميع) يسمع كل مسموع لا يشغله سمع عن سمع (بصير) يبصر كل مبصر، أو سميع للأقوال وإن اختلفت في النهار الأصوات بفنون اللغات، بصير بما يفعلون لا يستتر عنه شيء بشيء في الليالي وإن توالت الظلمات فلا يعزب عنه مثقال ذرة

الحج 22:62

(ذلك) إشارة إلى ما تقدم من اتصافه سبحانه بكمال القدرة الباهرة والعلم التام (بأن الله هو الحق) أي هو سبحانه ذو الحق فدينه حق وعبادته حق ونصره لأوليائه على أعدائه حق ووعده حق، فهو عز وجل في نفسه وأفعاله وصفاته كلها حق. (وأن ما يدعون من دونه الباطل) قرئ بالفوقية على الخطاب للمشركين وبالتحتية على الخبر وهما سبعيتان، والمعنى أن الذي يدعونه إلهاً وهي الأصنام هو الباطل الذي لا ثبوت له ولا لكونه إلهاً، أي المعدوم في حد ذاته والباطل ألوهيته، والباطل الزائل. وقال مجاهد: الباطل هنا الشيطان (وأن الله هو العلي) أي العالي على كل شيء بقدرته وذاته، المتقدس عن الأشباه والانداد المتصف بصفات الكمال المتنزه عما يقوله الظالمون والمعطلون (الكبير) أي ذو الكبرياء الذي يصغر كل شيء سواه، هو عبارة عن كمال ذاته وعظيم قدرته وسلطانه وتفرده بالإقية، ثم ذكر سبحانه دليلاً بيناً على كمال قدرته فقال:

الحج 22:63

(ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء) الاستفهام للتقرير كما قاله الخليل وسيبويه، قال الخليل: المعنى الم تعلم أنه أنزل من السماء مطراً فكان كذا وكذا، ذكر هنا ستة أشياء أولها إنزال الماء الناشئ منه اخضرار الأرض كما قال: (فتصبح الأرض مخضرة) قال الفراء: أي ذات خضرة كما تقول مبقلة ومسبعة، أي ذات بقل وسباع وهو عبارة عن استعجالها إثر نزول الماء بالنبات واستمرارها كذلك عادة. وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة الاخضرار مع الإشعار بتجدد الإنزال واستمراره. وهذا المعنى لا يحصل إلا بالمستقبل، والرفع هنا متعين لأنه لو نصب لانعكس المعنى المقصود من الآية فينقلب إلى نفي الاخضرار، والمقصود إثباته. قال ابن عطية: هذا لا يكون بعد الاخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة، والظاهر أن المراد بالاخضرار اخضرار الأرض في نفسها، لا باعتبار النبات فيها، كما في قوله: (فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت)، والمراد بقوله: (إن الله لطيف) أي يصل علمه إلى كل دقيق وجليل، وقيل لطيف بأرزاق عباده، وقيل باستخراج النبات. (خبير) أي أنه ذو خبرة بتدبير عباده وما يصلح لهم، وقيل خبير بما ينطوون عليه من القنوط عند تأخير المطر. وقيل خبير بحاجتهم وفاقتهم. أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (65) وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (66) لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (69) والثاني قوله:

الحج 22:64

(له ما في السماوات وما في الأرض) خلقاً وملكاً وتصرفاً وعبيداً، وكلهم محتاجون إلى رزقه (وإن الله لهو الغني) فلا يحتاج إلى شيء (الحميد) أي المستوجب للحمد في كل حال.

الحج 22:65

(ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض) هذه نعمة أخرى ثالثة ذكرها الله سبحانه فأخبر عباده بأنه سخر لهم وذلل ما يحتاجون إليه من الدواب والشجر والأنهار والحجر. والحديد والنار لما يراد منها، والحيوان للأكل والركوب والحمل عليه والنظر إليه وجعله لمنافعهم (و) سخر لكم (الفلك) أي السفن في حال جريها. (تجري في البحر بأمره) أي بتقديره وإذنه، فلولا أن الله سخرها لكانت تغوص أو تقف، وهذه نعمة رابعة. والنعمة الخامسة قوله: (ويمسك السماء) كراهة (أن تقع على الأرض) وذلك بأنه خلقها على صفة مستلزمة للإمساك لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا به، والسماء جرم ثقيل، وما كان كذلك لا بد له من السقوط لولا مانع يمنع منه، وهو القدرة، فأمسكها الله بقدرته لئلا تسقط فتبطل النعم التي امتن بها علينا. (إلا بإذنه)، أي بإرادته ومشيئته، وذلك يوم القيامة، والظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم الأحوال وهو لا يقع في الكلام الموجب إلا أن قوله: (ويمسك السماء أن تقع على الأرض) في قوة النفي، أي لا يتركها تقع في حالة من الأحوال إلا في حالة كونها ملتبسة بمشيئته تعالى فالباء للملابسة. (إن الله بالناس لرءوف رحيم) أي كثير الرأفة والرحمة حيث سخر هذه الأمور لعباده، وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم، تفضلاً منه على عباده وإنعاماً عليهم، ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى سادسة فقال:

الحج 22:66

(وهو الذي أحياكم) بعد إن كنتم جماداً، بل لم تكونوا شيئاً (ثم يميتكم) عند انقضاء أعماركم (ثم يحييكم) عند البعث للحساب والعقاب (إن الإنسان لكفور) أي لكثير الجحود لنعم الله عليه مع كونها ظاهرة غير مستترة ولا ينافي هذا خروج بعض الأفراد عن هذا الجحد، لأن المراد وصف جميع الجنس بوصف من يوجد فيه ذلك من أفراده مبالغة وعن الحسن في قوله (كفور)، قال: يعد المصيبات وينسى النعم. ثم عاد سبحانه إلى بيان أمر التكاليف مع الزجر لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أهل الأديان عن منازعته فقال:

الحج 22:67

(لكل أمة جعلنا منسكاً) أي لكل قرن من القرون الماضية والباقية وضعنا شريعة خاصة بحيث لا تتخطى أمة منهم شريعتها المعينة لها إلى شريعة أخرى؛ لا استقلالاً ولا اشتراكاً. وقيل عيداً. وقيل موضع قربان يذبحون فيه. وقيل موضع عبادة. (هم ناسكوه) الضمير لكل أمة، أي تلك الأمة هي العاملة به لا غيرها، فكانت التوراة منسك الأمة التي كانت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى، والإنجيل منسك الأمة التي كانت من مبعث عيسى إلى مبعث محمد صلى الله عليه وسلم؛ والقرآن منسك المسلمين إلى يوم القيامة، والمنسك مصدر لا اسم مكان كما يدل عليه هم ناسكوه، ولم يقل ناسكون فيه. وقيل هو الذبائح ولا وجه للتخصيص ولا اعتبار بخصوص السبب. (فلا ينازعنك في الأمر) الفاء لترتيب النهي على ما قبله والضمير راجع إلى الأمم الباقية آثارهم. يعني قد عينا لكل أمة شريعة، ومن جملة الأمم هذه الأمة المحمدية وذلك موجب لعدم منازعة من بقي منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومستلزم لطاعتهم إياه في أمر الدين، والنهي إما على حقيقته أو كناية عن نهيه عن الالتفات إلى نزاعهم له. قال الزجاج: إنه نهي له صلى الله عليه وسلم عن منازعتهم، أي لا تنازعهم أنت كما تقول لا يخاصمك فلان، أي لا تخاصمه، وكما تقول لا يضاربنك فلان، أي لا تضاربه، وذلك أن المفاعلة تقتضي العكس ضمناً ولا يجوز لا يضربنك فلان وأنت تريد لا تضربه. وحكي عن الزجاج أنه قال في معنى الآية: فلا ينازعنك، أي فلا يجادلنك؛ قال ودل على هذا وإن جادلوك. وقرئ فلا ينزعنك في الأمر أي لا يستخفنك ولا يغلبنك عن دينك. وقرأ الجمهور فلا ينازعنك من المنازعة كما تقدم. وقال ابن عباس: هم ناسكوه أي ذابحوه فلا ينازعنك في الأمر أي في الذبح، وعن عكرمة ومجاهد نحوه، وعن مجاهد قال: قول أهل الشرك، أما ما ذبح الله بيمينه فلا تأكلوه، وأما ما ذبحتم بأيديكم فهو حلال. (وادع) هؤلاء المنازعين أو ادع الناس على العموم (إلى) دين (ربك) وتوحيده والإيمان به (إنك لعلى هدى) أي طريق (مستقيم) لا اعوجاج فيه

الحج 22:68

(وإن جادلوك) أي وأن أبوا إلا الجدال بعد البيان لهم وظهور الحجة عليهم. (فقل الله أعلم بما تعملون) فكل أمرهم إلى الله، وقل لهم هذا القول المشتمل على الوعيد

الحج 22:69

(الله يحكم بينكم) أي بين المسلمين والكافرين (يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون) من أمر الدين فيتبين حينئذ الحق من الباطل، وفي هذه الآية تعليم لهذه الأمة بما ينبغي لهم أن يجيبوا به من أراد الجدال بالباطل. أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (70) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (71) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (72) يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) وقيل إنها منسوخة بآية السيف وهذا إنما يصح إذا كان المراد من قوله: (وإن جادلوك) الكف عن قتالهم وهو غير متعين؛ بل يصح أن يكون المعنى: فاترك جدالهم وفوض الأمر إلى الله فيكون هذا وعيداً لهم على أعمالهم، وهذا المعنى لا تنسخه آية السيف، بل هو باق بعد مشروعية القتال لعدم المنافاة.

الحج 22:70

(ألم تعلم)؟ مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، والاستفهام للتقرير أي قد علمت يا محمد وتيقنت (أن الله يعلم ما في السماء والأرض) ومن جملة ذلك ما أنتم عليه من الاختلاف (إن ذلك) الذي في السماء والأرض من معلوماته (في كتاب) أي مكتوب عنده في أم الكتاب. أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس قال: خلق الله اللوح المحفوظ مسيرة مائة عام، وقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على عرشه: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: علمي في خلقي إلى يوم تقوم الساعة، فجرى القلم بما هو كائن في علم الله إلى يوم القيامة، فذلك قوله سبحانه للنبي صلى الله عليه وسلم: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض) يعني ما في السماوات السبع والأرضين السبع، إن ذلك العلم في كتاب، يعني في اللوح المحفوظ، مكتوب قبل أن يخلق السماوات والأرضين. (إن ذلك) يعني إن الحكم منه سبحانه بين عباده فيما يختلفون فيه (على الله يسير) أي هين أو أن إحاطة علمه بما في السماء والأرض جملة وتفصيلاً يسير عليه، وأن تعذر على الخلق.

الحج 22:71

(ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً) هذا حكاية لبعض فضائحهم أي أنهم يعبدون أصناماً: لم يتمسكوا في عبادتها بحجة نيرة من الله سبحانه فهو نفي للدليل السمعي (وما ليس لهم به علم) من دليل عقلي يدل على جواز ذلك بوجه من الوجوه (وما للظالمين) بالإشراك (من نصير) ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله، وقد تقدم الكلام على هذه الآية في آل عمران.

الحج 22:72

(وإذا تتلى عليهم آياتنا) من القرآن (بينات) أي حال كونها واضحات ظاهرات الدلالة (تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر) أي الأمر الذي ينكر وهو غضبهم وعبوسهم عند سماعها أو المراد بالمنكر الإنكار أي تعرف في وجوههم إنكارها والمنكر مصدر، وقيل هو التجبر والترفع وهذا من إيقاع الظاهر موقع المضمر للشهادة عليهم بوصف الكفر. (يكادون يسطون) السطو: الوثب والبطش، والسطوة شدة البطش، يقال سطا به يسطو إذا بطش به بضرب أو شتم أو أخذ باليد، وأصل السطو: القهر، وقال ابن عباس: أي يبطشون (بالذين يتلون عليهم آياتنا) هم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، والجملة مستأنفة؛ كأنه قيل ما ذلك المنكر الذي يعرف في وجوههم؟ فقيل: يكادون يسطون، وهكذا ترى أهل البدع المضلة إذا سمع الواحد منهم ما يتلوه العالم عليهم من آيات الكتاب العزيز أو من السنة الصحيحة، مخالفاً لما اعتقده من الباطل والضلالة رأيت في وجهه من المنكر ما لو تمكن من أن يسطو بذلك العالم لفعل به ما لا يفعله بالمشركين. وقد رأينا وسمعنا من ذلك من أهل البدع ما لا يحيط به الوصف والله ناصر الحق ومظهر الدين، ومدحض الباطل، ودامغ البدع وحافظ المتكلمين بما أخذه عليهم المبينين للناس ما نزل إليهم وهو حسبنا ونعم الوكيل؛ ثم أمر رسوله أن يرد عليهم فقال: (قل أفأنبئكم) أي أخبركم (بشر من ذلكم) الذي فيكم من الغيظ على من يتلو عليكم آيات الله ومقاربتكم للوثوب وهو (النار) التي (وعدها الله الذين كفروا) وقيل المعنى أفأخبركم بشر مما يلحق تالي القرآن منكم من الأذى والتوعد لهم والتوثب عليهم، وقرئ النار بالحركات الثلاث (وبئس المصير) أي الموضع الذي يصيرون إليه وهو النار.

الحج 22:73

(يا أيها الناس ضرب مثل) هذا متصل بقوله: (ويعبدون من دون الله)، وإنما قال ضرب مثل لأن حجج الله عليهم بضرب الأمثال لهم أقرب إلى أفهامهم، قال ابن عباس: نزلت في صنم، قال الأخفش: ليس ثَمَّ مثل وإنما المعنى ضربوا لي مثلاً؛ قال النحاس: المعنى ضرب الله عز وجل لما يعبدونه من دونه مثلاً، قال: وهذا من أحسن ما قيل فيه أي بين الله لكم شبهاً ولمعبودكم، وقال القتيبي: معنى ضرب مثل أي عبدت آلهة لم تستطع أن تخلق ذباباً، وأصل المثل جملة من الكلام متلقاة بالرضاء والقبول مسيرة في الناس مستغربة عندهم وجعلوا مضربها مثلاً لموردها، ثم قد يستعيرونها للقصة أو الحالة أو الصفة المستغربة لكونها مماثلة لها في الغرابة كهذه القصة المذكورة في هذه الآية. (فاستمعوا له) أي لضرب هذا المثل وتدبروه حق تدبره، فإن الاستماع بلا تدبر وتعقل لا ينفع، والمعنى أن الكفار جعلوا لله مثلاً لعبادتهم غيره فكأنه قال: جعلوا لي شبيهاً في عبادتي فاستمعوا خبر هذا الشبه، ثم بين حالها وصفتها فقال: (إن الذين تدعون من دون الله) المراد بهم الأصنام التي كانت حول الكعبة وغيرها، وقيل المراد بهم السادة الذين صرفوهم عن طاعة الله، لكونهم أهل الحل والعقد فيهم؛ وقيل الشياطين الذين حملوهم على معصية الله، والأول أوفق بالمقام وأظهر في التمثيل. (لن يخلقوا ذباباً) واحداً مع ضعفه وصغره وقلته وهو اسم للواحد يطلق على الذكر والأنثى وجمع القلة إذبة والكثرة ذبان بالكسر مثل غراب وأغربة وغربان وبالضم كقضبان. وقال الجوهري: الذباب معروف، الواحد ذبابة، وسمي ذباباً لأنه كلما ذب لاستقذاره آب لاستكباره و (لن) لتأكيد النفي المستقبل وتأكيده هنا للدلالة على أن خلق الذباب منهم مستحيل، كأنه قال: محال أن يخلقوا. وتخصيص الذباب لمهانته واستقذاره، والمعنى لن يقدروا على خلقه مع كونه صغير الجسم حقير الذات وهو أجهل الحيوانات، لأنه يرمي نفسه في المهلكات، ومدة عيشه أربعون يوماً، وأصل خلقته من العفونات ثم يتوالد بعضه من بعض يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود، وعلى الأسود فيرى أبيض. (ولو اجتمعوا له) أي لخلق الذباب، والتقدير لن يخلقوه على كل حال، ولو في هذه الحالة المقتضية لجمعهم، فكأنه تعالى قال: إن هذه الأصنام إن اجتمعت لا تقدر على خلق ذبابة على ضعفها فكيف يليق بالعاقل جعلها معبوداً كما أشار إليه في التقرير، ثم بين سبحانه كمال عجزهم وضعف قدرتهم فقال: (وإن يسلبهم الذباب شيئاً لا يستنقذوه منه) أي إذا أخذ واختطف منهم هذا الخلق الأقل الأرذل شيئاً من الأشياء بسرعة لا يقدرون على تخليصه منه؛ لكمال عزهم وفرط ضعفهم، والاستنقاذ والانقاذ التخليص، وإذا عجزوا عن خلق هذا الحيوان الضعيف، وعن استنقاذ ما أخذه منهم فهم عن غيره مما هو أكبر منه جرماً وأشد منه قوة وأعجز وأضعف، قال عكرمة: أي لا تستنقذ الأصنام ذلك الشيء، ثم عجب سبحانه من ضعف الأصنام والذباب فقال: (ضعف الطالب والمطلوب) فالصنم كالطالب من حيث إنه يطلب خلق الذباب أو يطلب استنقاذ ما سلبه منه، والمطلوب الذباب وهذا كالتسوية بينهم وبين الذباب في الضعف ولو حققت وجدت الطالب أضعف فإن الذباب حيوان وهو جماد وهو غالب وذاك مغلوب، وقيل الطالب عابد الصنم والمطلوب الصنم قال ابن عباس: الطالب آلهتهم والمطلوب الذباب، ثم بين سبحانه أن المشركين الذين عبدوا من دون الله آلهة عاجزة إلى هذه الغاية في العجز ما عرفوا الله حق معرفته فقال: (ما قدروا الله حق قدره) أي ما عظموه حق تعظيمه، ولا عرفوه حق معرفته حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له مع كون حالها هذا الحال، وقد مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (74) اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (76) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (77) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (78) تقدم في الأنعام

الحج 22:74

(إن الله لقوي) على خلق كل شيء (عزيز) غالب لا يغالبه أحد بخلاف آلهة المشركين، فإنها جماد لا يعقل ولا ينفع ولا يضر ولا يقدر على شيء، ثم أراد سبحانه أن يرد عليهم ما يعتقدونه في النبوات والإلهيات فقال:

الحج 22:75

(الله يصطفي من الملائكة رسلاً) كجبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل [[لعل المصنف يريد بعزرائيل ملك الموت، ولم يثبت من طريق صحيح تسمية ملك الموت عزرائيل- المطيعي.]] والحفظة (و) يصطفي أيضاً رسلاً (من الناس) وهم الأنبياء فيرسل الملك إلى النبي والنبي إلى الناس أو يرسل الملك بقبض أرواح مخلوقاته أو لتحصيل ما ينفعه أو لإنزال العذاب عليهم. أخرج الحاكم وصححه عن عكرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله اصطفى موسى بالكلام وإبراهيم بالخلة " [[المستدرك كتاب التاريخ 2/ 575.]]؛ وأخرج عن أنس، وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " موسى بن عمران صفي الله " [[المستدرك كتاب التاريخ 2/ 576.]] قال المحلي: نزل لما قال المشركون: (أأنزل عليه الذكر من بيننا) أي وليس بأكبرنا ولا أشرفنا، والقائل هو الوليد بن المغيرة، ووجه مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما ذكر ما يتعلق بالإلهيات ذكر هاهنا ما يتعلق بالنبوءات، وقال الرازي: وجه المناسبة أنه لما أبطل فيما قبلها عبادة الأوثان أبطل هاهنا عبادة الملائكة. (إن الله سميع) لأقوال عباده (بصير) بمن يختاره من خلقه

الحج 22:76

(يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي ما قدموا من الأعمال، وما يتركونه من الخير والشر، كقوله تعالى: (ونكتب ما قدموا وآثارهم) وقيل ما مضى ولم يأت وقيل ما عملوا وما سيعملونه أو أمر الدنيا وأمر الآخرة. (وإلى الله) لا إلى غيره (ترجع الأمور) لما تضمن ما ذكره من أن الأمور ترجع إليه، الزجر لعباده عن معاصيه، والحض لهم على طاعاته، صرح بالمقصود فقال:

الحج 22:77

(يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) أي صلوا الصلاة التي شرعها الله لكم، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود، وخص، الصلاة لكونها أشرف العبادات، ثم عمم فقال: (واعبدوا ربكم) أي افعلوا جميع أنواع العبادة التي أمركم الله بها، وقيل وحّدوه (وافعلوا الخير) أي ما هو خير وهو أعم من الطاعة الواجبة والمندوبة وقيل المراد بالخير هنا المندوبات ثم علل ذلك بقوله: (لعلكم تفلحون) أي إذا فعلتم هذه كلها رجوتم الفلاح، وفي هذا إشارة إلى أن دخول الجنة ليس مرتباً على هذه الأعمال مثلاً، بل هذه الأمور كلفنا الله بها شرعاً، وأما قبولها فشيء آخر يتفضل الله به علينا، وهذه الآية من مواطن سجود التلاوة عند الشافعي ومن وافقه، لا عند أبي حنيفة ومن قال بقوله، وقد تقدم أن هذه السورة فضلت بسجدتين وهذا دليل على ثبوت السجود عند تلاوة هذه الآية. وقد اختلف في عدة سجود التلاوة فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها أربع عشرة سجدة، لكن الشافعي رحمه الله تعالى قال: في الحج سجدتان، وأسقط سجدة ص، وقال أبو حنفية: في الحج سجدة، وأثبت سجدة ص، وقيل خمس عشرة سجدة، وقال قوم: ليس في المفصل سجدة، فعلى هذا تكون إحدى عشرة سجدة، وسجود التلاوة سنة عند الشافعي؛ وواجب عند أبي حنيفة، ودلائل الأقوال مبسوطة في مواطنها، ثم أمرهم بما هو سنة الدين وأعظم أعماله فقال:

الحج 22:78

(وجاهدوا في الله) أي في ذاته من أجله، والمراد به الجهاد الأكبر وهو الغزو للكفار ومدافعتهم إذا غزوا بلاد المسلمين، وقيل المراد بالجهاد هنا امتثال ما أمرهم الله به في الآية المتقدمة، وامتثال جميع ما أمر به ونهى عنه على العموم. ومعنى (حقَّ جهاده) المبالغة في الأمر بهذا الجهاد باستفراغ الطاقة لأنه أضاف الحق إلى الجهاد، والأصل إضافة الجهاد إلى الحق أي جهاداً خالصاً لله فعكس ذلك لقصد المبالغة وأضاف الجهاد إلى الضمير اتساعاً أو لاختصاصه به سبحانه من حيث كونه مفعولاً له، ومن أجله، وقيل المراد بحق جهاده هو أن لا يخافوا في الله لومة لائم، وقيل المراد به استفراغ ما في وسعهم في إحياء دين الله وقال مقاتل والكلبي: إن الآية منسوخة بقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) كما أن قوله: (اتقوا الله حق تقاته) منسوخ بذلك، ورد ذلك بأن التكليف مشروط بالقدرة فلا حاجة إلى المصير إلى النسخ. عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال لي عمر: ألسنا كنا نقرأ فيما نقرأ (وجاهدوا في الله حق جهاده) في آخر الزمان، كما جاهدتم في أوله؟ قلت بلى ومتى هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء. وأخرج الترمذي وصححه وابن حبان عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله " [[الترمذي كتاب فضائل الجهاد الباب 2 أحمد بن حنبل 6/ 20 - 22.]]، ثم عظم سبحانه شأن المكلفين بقوله: (هو اجتباكم) أي اختاركم لدينه وفيه تشريف لهم عظيم، ثم لما كان في التكليف مشقة على النفس في بعض الحالات قال: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي من ضيق وشدة، وقد اختلف العلماء في هذا الحرج الذي رفعه الله فقيل هو ما أحله الله من النساء مثنى وثلاث ورباع وملك اليمين، وقيل المراد قصر الصلاة والإفطار للمسافر والصلاة بالإيماء على من لا يقدر على غيره وإسقاط الجهاد عن الأعرج والأعمى والمريض وأكل الميتة عند الضرورة واغتفار الخطأ في تقديم الصيام وتأخيره لاختلاف الأهلة وكذا في الفطر والأضحى، وقيل المعنى أنه سبحانه ما جعل عليهم حرجاً بتكليف ما يشق عليهم، ولكن كلفهم بما يقدرون عليه، ورفع عنهم التكاليف التي فيها حرج فلم يتعبدهم بها كما تعبد بها بني إسرائيل. وقيل المراد بذلك أنه جعل لهم من الذنب مخرجاً بفتح باب التوبة، وقبول الاستغفار والتكفير فيما شرع فيه الكفارة، والأرش أو القصاص في الجنايات ورد المال أو مثله، أو قيمته في الغصب ونحوه؛ فليس في دين الإسلام ما لا يجد العمد فيه سبيلاً إلى الخلاص من الذنوب ومن العقاب، وقيل المراد بالدين التوحيد ولا حرج فيه، بل فيه تخفيف فإنه يكفِّر ما قبله من الشرك وإن امتد ولا يتوقف الإتيان به على زمان أو مكان معين. وفي القرطبي. قال العلماء: رفع الحرج إنما هو لمن استقام على منهاج الشرع؛ وأما السُّرّاق وأصحاب الحدود فعليهم الحرج وهم جاعلوه على أنفسهم بمفارقتهم الدين، وليس في الشرع أعظم حرجاً من إلزام ثبات رجل لاثنين في سبيل الله، لكنه مع صحة اليقين وجودة العزم ليس بحرج، انتهى. والمعنى الأول أولى، والظاهر أن الآية أعم من هذا كله فقط حط سبحانه ما فيه مشقة من التكاليف على عباده إما بإسقاطها من الأصل وعدم التكليف بها كما كلف بها غيرهم أو بالتخفيف، وتجويز العدول إلى بدل لا مشقة فيه أو بمشروعية التخلص عن الذنب بالوجه الذي شرعه الله، وما أنفع هذه الآية وأجل موقعها وأعظم فائدتها، ومثلها قوله سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) وقوله: (ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحمِّلنا ما لا طاقة لنا به) وفي الحديث الصحيح أنه سبحانه قال: " قد فعلت " كما سبق بيانه في تفسير هذه الآية والأحاديث في هذا كثيرة. وعن عائشة أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية فقال: " الضيق ". وقال أبو هريرة لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى؛ قال: فما هذه الآية؟ قال: الإصر الذي كان على بني إسرائيل وضع عنكم، وعن ابن عباس كان يقول: وما جعل عليكم في الدين من حرج، توسعة الإسلام وما جعل الله من التوبة والكفارات، وعنه قال: هذا في هلال رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الأضحى، وفي الفطر وأشباهه، وعنه سئل عن الحرج فقال: ادع لي رجلاً من هذيل فجاءه فقال: ما الحرج فيكم؟ قال: الحرجة من الشجر التي ليس فيها مخرج، فقال ابن عباس: الذي ليس له مخرج، وفي لفظ قال الهذيلي: الشيء الضيق قال: هو ذاك، وعن عمر بن الخطاب قرأ هذه الآية ثم قال: ادع لي رجلاً من بني مدلج وقال: ما الحرج فيكم؟ قال: الضيق. (ملة إبيكم إبراهيم) أي وسع عليكم دينكم توسعة ملة أبيكم قاله الزمخشري وقال الزجاج: المعنى اتبعوا ملة أبيكم، وبه قال الحوفي، واتّبعه أبو البقاء، وقال الفراء: كملة أبيكم، وقيل التقدير وافعلوا الخير كفعل أبيكم إبراهيم فأقام الملة مقام الفعل وقيل النصب على الإغراء وقيل على الاختصاص أي أعني بالدين ملة أبيكم، وإنما جعله سبحانه أباهم لأنه أبو العرب قاطبة، ولأن لى عند غير العرب الذين لم يكونوا من ذريته حرمة عظيمة كحرمة الأب على الابن لكونه أباً لنبيهم صلى الله عليه وسلم، قال السديّ: ملة أبيكم أي دين أبيكم. (هو سماكم المسلمين من قبل) أي قبل نزول القرآن في الكتب المتقدمة، قال ابن عباس: الله عز وجل سماكم، وروي نحوه عن جماعة من التابعين، وأخرج أحمد والبخاري في تاريخه، والترمذي وصححه والنسائي والبيهقي وغيرهم، عن الحرث الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من دعا بدعوى الجاهلية فإنّه من جثيِّ جهنم " قال رجل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: " نعم فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله " [[الترمذي كتاب الأدب الباب 78.]]، وقيل إن الكناية راجعة إلى إبراهيم يعني إبراهيم سماكم المسلمين في أيامه من قبل هذا الوقت وهو قوله: (ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك) فاستجاب الله دعاءه فينا. (وفي هذا) أي في حكمه أن من اتبع محمداً (- صلى الله عليه وسلم -) فهو مسلم، قال النحاس: وهذا القول مخالف لقول علماء الأمة، وقيل أي في القرآن يعني فضلكم على سائر الأمم وسماكم بهذا الاسم الأكرم، ثم علل سبحانه ذلك بقوله: (ليكون الرسول شهيداً عليكم) يوم القيامة بتبليغه إليكم (وتكونوا) أنتم (شهداء على الناس) أن رسلهم قد بلغتهم، فإن تسمية الله أو إبراهيم لهم حكم بإسلامهم وعدالتهم وهو سبب لقبول شهادة الرسول الداخل فيهم دخولاً أولياً وقبول شهادتهم على الأمم، قاله الشهاب، وقد تقدم بيان معنى هذه الآية في البقرة، ثم أمرهم بما هو أعظم الأركان الإسلامية فقال: (فأقيموا الصلاة) بواجباتها وداوموا عليها (وآتوا الزكاة) بشرائطها وتخصيص الخصلتين بالذكر لمزيد شرفهما (واعتصموا بالله) أي اجعلوه عصمة لكم مما تحذرون والتجئوا إليه في جميع أحوالكم ولا تطلبوا ذلك إلا منه، وقيل الاعتصام هو التمسك بالكتاب والسنة، وقيل تمسكوا بدين الله، وقيل ثقوا به تعالى في مجامع أموركم (هو مولاكم) أي ناصركم ومتولي أموركم دقيقها وجليلها (فنعم المولى) هو (ونعم النصير) أي الناصر لكم هو يعني لا مماثل له في الولاية لأموركم، والنصرة على أعدائكم.