Lafzullah

Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — المؤمنون 23:1 – النور 24:64

المؤلف / المصدر: Fath Al-Bayan li Al-Qanuji

المحتويات
  1. المؤمنون 23:1
  2. المؤمنون 23:2
  3. المؤمنون 23:3
  4. المؤمنون 23:4
  5. المؤمنون 23:5
  6. المؤمنون 23:6
  7. المؤمنون 23:7
  8. المؤمنون 23:8
  9. المؤمنون 23:9
  10. المؤمنون 23:10
  11. المؤمنون 23:11
  12. المؤمنون 23:12
  13. المؤمنون 23:13
  14. المؤمنون 23:14
  15. المؤمنون 23:15
  16. المؤمنون 23:16
  17. المؤمنون 23:17
  18. المؤمنون 23:18
  19. المؤمنون 23:19
  20. المؤمنون 23:20
  21. المؤمنون 23:21
  22. المؤمنون 23:22
  23. المؤمنون 23:23
  24. المؤمنون 23:24
  25. المؤمنون 23:25
  26. المؤمنون 23:26
  27. المؤمنون 23:27
  28. المؤمنون 23:28
  29. المؤمنون 23:29
  30. المؤمنون 23:30
  31. المؤمنون 23:31
  32. المؤمنون 23:32
  33. المؤمنون 23:33
  34. المؤمنون 23:34
  35. المؤمنون 23:35
  36. المؤمنون 23:36
  37. المؤمنون 23:37
  38. المؤمنون 23:38
  39. المؤمنون 23:39
  40. المؤمنون 23:40
  41. المؤمنون 23:41
  42. المؤمنون 23:42
  43. المؤمنون 23:43
  44. المؤمنون 23:44
  45. المؤمنون 23:45
  46. المؤمنون 23:46
  47. المؤمنون 23:47
  48. المؤمنون 23:48
  49. المؤمنون 23:49
  50. المؤمنون 23:50
  51. المؤمنون 23:51
  52. المؤمنون 23:52
  53. المؤمنون 23:53
  54. المؤمنون 23:54
  55. المؤمنون 23:55
  56. المؤمنون 23:56
  57. المؤمنون 23:57
  58. المؤمنون 23:58
  59. المؤمنون 23:59
  60. المؤمنون 23:60
  61. المؤمنون 23:61
  62. المؤمنون 23:62
  63. المؤمنون 23:63
  64. المؤمنون 23:64
  65. المؤمنون 23:65
  66. المؤمنون 23:66
  67. المؤمنون 23:67
  68. المؤمنون 23:68
  69. المؤمنون 23:69
  70. المؤمنون 23:70
  71. المؤمنون 23:71
  72. المؤمنون 23:72
  73. المؤمنون 23:73
  74. المؤمنون 23:74
  75. المؤمنون 23:75
  76. المؤمنون 23:76
  77. المؤمنون 23:77
  78. المؤمنون 23:78
  79. المؤمنون 23:79
  80. المؤمنون 23:80
  81. المؤمنون 23:81
  82. المؤمنون 23:82
  83. المؤمنون 23:83
  84. المؤمنون 23:84
  85. المؤمنون 23:85
  86. المؤمنون 23:86
  87. المؤمنون 23:87
  88. المؤمنون 23:88
  89. المؤمنون 23:89
  90. المؤمنون 23:90
  91. المؤمنون 23:91
  92. المؤمنون 23:92
  93. المؤمنون 23:93
  94. المؤمنون 23:94
  95. المؤمنون 23:95
  96. المؤمنون 23:96
  97. المؤمنون 23:97
  98. المؤمنون 23:98
  99. المؤمنون 23:99
  100. المؤمنون 23:100
  101. المؤمنون 23:101
  102. المؤمنون 23:102
  103. المؤمنون 23:103
  104. المؤمنون 23:104
  105. المؤمنون 23:105
  106. المؤمنون 23:106
  107. المؤمنون 23:107
  108. المؤمنون 23:108
  109. المؤمنون 23:109
  110. المؤمنون 23:110
  111. المؤمنون 23:111
  112. المؤمنون 23:112
  113. المؤمنون 23:113
  114. المؤمنون 23:114
  115. المؤمنون 23:115
  116. المؤمنون 23:116
  117. المؤمنون 23:117
  118. المؤمنون 23:118
  119. النور 24:1
  120. النور 24:2
  121. النور 24:3
  122. النور 24:4
  123. النور 24:5
  124. النور 24:6
  125. النور 24:7
  126. النور 24:8
  127. النور 24:9
  128. النور 24:10
  129. النور 24:11
  130. النور 24:12
  131. النور 24:13
  132. النور 24:14
  133. النور 24:15
  134. النور 24:16
  135. النور 24:17
  136. النور 24:18
  137. النور 24:19
  138. النور 24:20
  139. النور 24:21
  140. النور 24:22
  141. النور 24:23
  142. النور 24:24
  143. النور 24:25
  144. النور 24:26
  145. النور 24:27
  146. النور 24:28
  147. النور 24:29
  148. النور 24:30
  149. النور 24:31
  150. النور 24:32
  151. النور 24:33
  152. النور 24:34
  153. النور 24:35
  154. النور 24:36
  155. النور 24:37
  156. النور 24:38
  157. النور 24:39
  158. النور 24:40
  159. النور 24:41
  160. النور 24:42
  161. النور 24:43
  162. النور 24:44
  163. النور 24:45
  164. النور 24:46
  165. النور 24:47
  166. النور 24:48
  167. النور 24:49
  168. النور 24:50
  169. النور 24:51
  170. النور 24:52
  171. النور 24:53
  172. النور 24:54
  173. النور 24:55
  174. النور 24:56
  175. النور 24:57
  176. النور 24:58
  177. النور 24:59
  178. النور 24:60
  179. النور 24:61
  180. النور 24:62
  181. النور 24:63
  182. النور 24:64

المؤمنون 23:1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سورة المؤمنون (وهي مكية وآياتها مائة وثماني عشرة) قال القرطبي: كلها مكيّة في قول الجميع. أي بلا خلاف وآياتها مائة وتسع آية عند البصريين، ومائة وثماني عشرة آية عند الكوفيين وسبب هذا اختلافهم في قوله: (ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ)، هل هو آية أو بعض آية. وقد أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم عن عبد الله بن السائب قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة الصبح، فاستفتح سورة المؤمنين حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون. أو ذكر عيسى أخذته سلعة فركع [[مسلم 455.]]. وأخرج البيهقي من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لما خلق الجنة قال لها تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون " وقد ورد في فضائل العشر الآيات من أول هذه السورة ما سيأتي قريباً. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (9) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) (قد أفلح المؤمنون) قال الفراء: قد لتأكيد فلاحهم، وإفادة ثبوت ما كان يتوقع الثبوت من قبل، أو لتقريب الماضي من الحال، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة قبل حال قيامها. والمعنى أن الفلاح قد حصل لهم وأنهم عليه في الحال، والفلاح الظفر بالمراد، والفوز بالمرام والنجاة عن المكروه. وقيل البقاء في الخير، ويقال أفلح إذا دخل في الفلاح؛ ويقال أفلحه إذا أصاره إلى الفلاح وقد تقدم معنى الفلاح في البقرة. وقرئ أُفلح بناء للمفعول، وقرئ أفلحوا على الإبهام والتفسير، أو على لغة أكلوني البراغيث. وقد أخرج أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمر بن الخطاب قال: كان إذا أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يوماً، فمكثنا ساعة فسرّى عنه فاستقبل القبله فقال: " اللهم زدنا ولا تنقصنا وأكرمنا ولا تهنا وأعطنا ولا تحرمنا وآثرنا ولا تؤثر علينا وارضنا وارض عنا "، ثم قال: " لقد أنزل عليّ عشر آيات من أقامهن دخل الجنة " ثم قرأ قد أفلح المؤمنون، حتى ختم العشر، وفي إسناده يونس ابن سليم [[الترمذي كتاب التفسير سورة 23/ 1.]]. قال النسائي: لا نعرفه، وعن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة: كيف كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت كان خلقه القرآن، ثم قالت تقرأ سورة المؤمنين، اقرأ قد أفلح المؤمنون -حتى بلغ العشر- فقالت هكذا كان خلق رسول الله " - صلى الله عليه وسلم - " ثم وصف هؤلاء المؤمنين بقوله:

المؤمنون 23:2

(الذين هم في صلاتهم خاشعون) وما عطف عليه، والخشوع منهم من جعله من أفعال القلوب، كالخوف والرهبة، ومنهم من جعله من أفعال الجوارح كالسكون وترك الالتفات والعبث، وهو في اللغة السكون والتواضع والخوف والتذلل. وقد اختلف الناس في الخشوع هل هو من فرائض الصلاة أو من فضائلها؟ على قولين. قيل الصحيح الأول وقيل الثاني، وادعى عبد الواحد بن يزيد إجماع العلماء على أنه ليس للعبد إلا ما عقل من صلاته. حكاه النيسابوري في تفسيره قال: ومما يدل على صحة القول قوله تعالى: (أفلا يتدبرون القرآن) والتدبر لا يتصور بدون الوقوف على المعنى، وكذا قال: (أقم الصلاة لذكري) والغفلة تضاد الذكر، ولهذا قال: (ولا تكن من الغافلين) وقوله: (حتى تعلموا ما تقولون) نهى للسكران والمستغرق في هموم الدنيا بمنزلته. أخرج البيهقي عن محمد بن سيرين قال: " نبئت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت (الذين هم في صلاتهم خاشعون) وزاد عبد الرزاق عنه فأمره بالخشوع فرمى ببصره نحو مسجده. وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن أبي هريرة كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء فنزلت هذه الآية فطأطأ رأسه. وعن علي قال: الخشوع في القلب وأن تلين كنفك للمرء المسلم وأن لا تلتفت في صلاتك. وقال ابن عباس: خاشعون، خائفون ساكنون، وقيل خاضعون بالقلب ساكنون بالجوارح فلا يلتفون يميناً ولا شمالاً، وهذا من فروض الصلاة عند الغزالي. وذهب بعضهم إلى أنه ليس بواجب لأن اشتراط الخضوع والخشوع مخالف لإجماع الفقهاء فلا يلتفت إليه، وقد ورد في مشروعية الخشوع في الصلاة والنهي عن الالتفات وعن رفع البصر إلى السماء أحاديث معروفة في كتب الحديث.

المؤمنون 23:3

(والذين هم عن اللغو معرضون) قال الزجاج: اللغو هو كل باطل ولهو وهزل ومعصية وما لا يجمل من القول والفعل، وقد تقدم تفسيره في البقرة. وقال الضحاك: إن اللغو هنا الشرك. وقال الحسن: إنه المعاصي كلها، وقيل هو معارضة الكفار بالسب والشتم. وقال ابن عباس: اللغو الباطل. وقيل المراد باللغو كل ما كان حراماً أو مكروهاً أو مباحاً لم تدع إليه ضرورة ولا حاجة. والمعنى أن لهم من الجد ما شغلهم عن الهزل، وفي وصفهم بالخشوع أولاً وبالإعراض ثانياً جمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفمس اللذين هما قاعدتا بناء التكليف، ومعنى إعراضهم عنه تجنبهم له وعدم التفاتهم إليه، وظاهره اتصافهم بصفة الإعراض عن اللغو في كل الأوقات، فيدخل وقت الصلاة في ذلك دخولاً أولياً، كما تفيده الجملة الأسمية.

المؤمنون 23:4

(والذين هم للزكاة فاعلون) أي يؤدونها، فعبر عن التأدية بالفعل لأنها مما يصدق عليه الفعل، أو المراد بالزكاة هنا المصدر لأنه الصادر عن الفاعل. وقيل يجوز أن يراد بها العين على تقدير مضاف، أي والذين هم لتأدية الزكاة فاعلون، أي دائمون.

المؤمنون 23:5

(والذين هم لفروجهم حافظون) الفرج يطلق على فرج الرجل والمرأة، فهو اسم سوأتهما، والمراد بحفظهما لها أنهم ممسكون لها بالعفاف عما لا يحل لهم، قيل والمراد هنا الرجال خاصة دون النساء بدليل قوله:

المؤمنون 23:6

(إلا على أزواجهم) الخ للإجماع على أنه لا يحل للمرأة أن يطأها من تملكه. قال الفراء: (على) بمعنى من، وقيل إن الاستثناء من نفي الإرسال المفهوم من الحفظ، أي لا يرسلونها على أحد إلا على أزواجهم، وقيل يلامون على كل مباشرة إلا على ما أحل لهم فإنهم غير ملومين عليه، ودل على المحذوف ذكر اللوم في آخر الآية. وقيل المعنى إلا والين على أزواجهم وقوامين عليهن، من قولهم: كان فلان على فلانة فمات عنها فخُلِّف عليها فلان [[فلان نائب فاعل لبناء خلف للمجهول.]] قاله الزمخشري، والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في جميع الأحوال إلا في حال تزوّجهم أو تسريهم، وجملة (أو ما ملكت أيمانهم) في محل جر، والمراد بذلك الإماء، وعبر عنهن بـ (ما) التي لغير العقلاء لأنه اجتمع فيهن الأنوثة المنبئة عن قصور العقل وجواز البيع والشراء فيهن كسائر السلع؛ فأجراهن بهذين الأمرين مجرى غير العقلاء، ولهذا تباع كما تباع البهائم، والمراد الإماء والجواري. (فإنهم غير ملومين) في إتيانهن بجماع أو غيره تعليل للاستثناء مما لا يجب عليهم حفظ فروجهم منه.

المؤمنون 23:7

(فمن ابتغى وراء) أي سوى (ذلك) من الزوجات وملك اليمين وقال الزجاج: ما بعد ذلك (فأولئك هم العادون) أي المجاوزون إلى ما لا يحل لهم فسمى سبحانه من نكح ما لا يحل عادياً. وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة. وعن القاسم بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: إني لأرى تحريمها في القرآن ثم تلا هذه الآية واستدل بها بعض أهل العلم على تحريم الاستمناء لأنه من الوراء لما ذكر، فهو حرام عند الجمهور؛ وقد جمع شيخنا الشوكاني في ذلك رسالة سماها بلوغ المنى في حكم الاستمنا، وذكر فيها أدلة المنع والجواز وترجيح الراجح منهما

المؤمنون 23:8

(والذين هم لأماناتهم) قرئ بالجمع، وقرأ ابن كثير بالإفراد، والأمانة ما يؤتمنون عليه. (وعهدهم) هو ما يعاهدون عليه من جهة الله سبحانه، أو من جهة عباده وقد جمع العهد والأمانة كل ما يتحمله الإنسان من أمر الدين والدنيا، فلا يرد ما يقال: كيف حكم على الموصوفين بالصفات السبعة بالفلاح مع أنه تعالى لم يتمم ذكر العبادات الواجبة كالصوم والحج؛ والأمانة أعم من العهد، فكل عهد أمانة (راعون) أي حافظون، والراعي القائم على الشيء بحفظ وإصلاح كراعي الغنم

المؤمنون 23:9

(والذين هم على صلواتهم) قرأ الجمهور بالجمع، ومن قرأ بالإفراد فقد أراد اسم الجنس. وهو في معنى الجمع. (يحافظون) المحافظة على الصلاة إقامتها والمحافظة عليها في أوقاتها وإتمام ركوعها وسجودها وقراءتها والمشروع من أذكارها. عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن الذين هم على صلاتهم دائمون؛ والذين هم على صلاتهم يحافظون. قال ذلك على مواقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على تركها؛ قال: تركها كفر، وقد وصفهم أولاً بالخشوع في الصلاة وآخراً بالمحافظة عليها فليس في الآية تكرار، والطهارات دخلت في جملة المحافظة على الصلوات لكونها من شرائطها، ثم مدح سبحانه هؤلاء فقال:

المؤمنون 23:10

(أولئك هم الوارثون) أي الأحقّاء بأن يسمَّوا بهذا الاسم دون غيرهم، لأن ضمير الفصل يدل على التخصيص، والحصر إضافي لا حقيقي، لأنه ثبت أن الجنة يدخلها الأطفال والمجانين والولدان والحور، ويدخلها الفساق من أهل القبلة بعد العفو، ولقوله تعالى: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) قاله الكرخي، ثم بين الموروث بقوله: الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)

المؤمنون 23:11

(الذين يرثون الفردوس) لغة رومية معربة، وقيل فارسية، وقيل حبشية، وقيل عربية، وهو أوسط الجنة وأعلى الجنان، كما صح تفسيره بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمعنى أن من عمل بما ذكر في هذه الآيات فهو الوارث الذي يرث من الجنة ذلك المكان، وهذا بيان لما يرثونه وتقييد للوراثة بعد إطلاقها وتفسير لها بعد إبهامها، وتفخيم لها ورفع لمحلها: وهي استعارة لاستحقاقهم الفردوس بأعمالهم حسبما يقتضيه الوعد الكريم للمبالغة فيه. وقيل المعنى أنهم يرثون من الكفار منازلهم فيها حيث فرقوها على أنفسهم، لأنه سبحانه خلق لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار. وعن أبي هريرة قال: يرثون مساكنهم ومساكن إخوانهم التي أعدت لهم لو أطاعوا الله. وعنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في الجنة ومنزل في النار، فإذا مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله: (أولئك هم الوارثون) [[ابن ماجة كتاب الزهد الباب 39.]] أخرجه ابن ماجة وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر والبيهقي وغيرهم، وأخرجه الترمذي وقال حسن صحيح، وعبد بن حميد عن أنس فذكر قصة، وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها " [[الترمذي كتاب التفسير سورة 23/ 2 - أحمد بن حنبل 3/ 260.]]. ويدل على هذه الوراثة المذكورة هنا قوله تعالى: (تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقياً)، وقوله: (تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون) وشهد لحديث أبي هريرة هذا ما في صحيح مسلم عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجىء يوم القيامة ناس من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم: ويضعها على اليهود والنصارى " [[مسلم 2767.]]، وفي لفظ له قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كان يوم القيامة دفع الله إلى كل مسلم يهودياً أو نصرانياً فيقول: هذا فكاكك من النار " [[مسلم 2767.]]. (هم فيها خالدون) حالية أو مستأنفة لا محل لها، ومعنى الخلود أنهم يدومون فيها لا يخرجون منها ولا يموتون فيها وتأنيث الضمير مع أنه راجع إلى الفردوس لأنه بمعنى الجنة، ولا حث الله سبحانه عباده على العبادة، ووعدهم الفردوس على فعلها وتضمن ذلك المعاد الأخروي عاد إلى تقرير المبدإ ليتمكن ذلك في نفوس المكلفين، فإن الابتداء في العادة أصعب من الإعادة لقوله: وهو أهون عليه، وجملة ما ذكره من الدلائل أنواع أربعة. الأول: الاستدلال بتقلب الإنسان في أطوار الخلقة وهي تسعة آخرها تبعثون. الثاني: خلق السماوات بقوله: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق). الثالث: إنزال الماء بقوله: (وأنزلنا من السماء ماء). الرابع: الاستدلال بأحوال الحيوانات بقوله: (وإن لكم في الأنعام لعبرة)، وأحوال الحيوان أربعة مذكورة في الآية فقال.

المؤمنون 23:12

(ولقد) أي والله لقد (خلقنا الإنسان) أي الجنس لأنهم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم، وقيل المراد به آدم (من سلالة) فعالة من السل وهو استخراج الشيء من الشيء، والسلالة الخلاصة لأنها تسل من بين الكدر، وقيل إنما سمي التراب الذي خلق آدم منه سلالة لأنه سلّ من كل تربة، يقال: سلك الشعرة من العجين، والسيف من الغمد، فانسل فالنطفة سلالة، والولد سليل وسلالة أيضاً. وقيل السلالة الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك فالذي يخرج هو السلالة قاله الكلبي، وعن ابن عباس قال: السلالة صفو الماء الرقيق الذي يكون منه الولد وعن ابن مسعود قال: إنَّ النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في شعر وظفر، فيمكث أربعين يوماً ثم ينحدر في الرحم فيكون علقة وللتابعين في تفسير السلالة أقوال قد قدمنا الإشارة إليها أي سلالة كائنة. (من طين) من للبيان، والمعنى أنه سبحانه خلق جوهر الإنسان أولاً من طين لأن الأصل آدم وهو من طين خالص وأولاده من طين ومني

المؤمنون 23:13

(ثم جعلناه) أي الجنس باعتبار أفراده الذين هم بنو آدم، أو جعلنا نسله على حذف مضاف إن أريد بالإنسان آدم (نطفة) قد تقدم تفسير النطفة في سورة الحج، وكذلك تفسير العلقة والمضغة. (في قرار مكين) المراد به الرحم وعبر عنها بالقرار الذي هو مصدر مبالغة واختلاف العواطف بـ (ثم) والفاء لتفاوت الاستحالات يعني أن بعضها مستبعد حصوله مما قبله وهو المعطوف بـ (ثم) فجعل الاستبعاد عقلاً أو رتبة بمنزلة التراخي، والبعد الحسي لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جداً وكذا جعل النطفة البيضاء دماً أحمر بخلاف جعل الدم لحماً مشابهاً له في اللون والصورة وكذا تصليبها حتى تصير عظماً، لأنه قد يحصل ذلك بالمكث فيما يشاهد، وكذا مدَّ لحم المضغة عليه ليستره، فسقط ما قيل: إن الوارد في الحديث أن مدة كل استحالة أربعون يوماً، وذلك يقتضي عطف الجميع بـ (ثم) إن نظر لآخر المدة وأولها أو يقتضي العطف بالفاء إن نظر لآخرها فقط.

المؤمنون 23:14

(ثم خلقنا النطفة علقة) أي أنه سبحانه أحال النطفة البيضاء علقة حمراء (فخلقنا العلقة مضغة) أي قطعة لحم غير مخلقة (فخلقنا المضغة) أي غالبها أو كلها، قولان حكاهما أبو السعود (عظاماً) أي متصلبة لتكون عموداً للبدن على أشكال مخصوصة. (فكسونا العظام لحماً) من بقية المضغة أو مما أنبت الله سبحانه على كل عظم لحماً على المقدار الذي يليق به ويناسبه (ثم أنشأناه خلقاً آخر) مبايناً للخلق الأول أي نفخنا فيه الروح بعد أن كان جماداً، قاله ابن عباس، وبه قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والربيع بن أنس والسدي والضحاك وابن زيد واختاره ابن جرير. وقيل أخرجناه إلى الدنيا، وقيل هو نبات الشعر وقيل خروج الأسنان قاله ابن عباس، وقيل تكميل القوى المخلوقة فيه، وقيل كمال بابه، وقيل إن ذلك تصريف أحواله بعد الولادة من الاستهلال إلى الرضاع إلى القعود والقيام إلى المشي إلى الفطام إلى أن يأكل ويشرب إلى أن يبلغ الحلم، ويتقلب في البلاد إلى ما بعدها، والصحيح أنه عام في هذا؛ وفي غيره من النطق والإدراك وحسن المحاولة وتحصيل المعقولات إلى أن يموت، قال الكرخي: المعنى حولنا النطفة عن صفاتها إلى صفة لا يحيط بها وصف الواصفين. (فتبارك الله) أي استحق التعظيم والثناء، وقيل مأخوذ من البركة أي كثر خيره وبركته (أحسن الخالقين) أي المصورين والخلق في اللغة التقدير، يقال خلقت الأديم إذا قسته لتقطع منه شيئاً؛ فمعناه أتقن الصانعين المقدرين خلقاً في الظاهر، وإلا فالله خالق الكل. عن صالح أبي الخليل: قال لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر)، قال عمر رضي الله عنه: فتبارك الله أحسن الخالقين قال: " والذي نفسي بيده ختمت بالذىِ تكلمت به يا عمر ". وعن أنس قال: قال عمر: وافقت ربي في أربع قلت: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)، وقلت: يا رسول الله لو اتخذت على نسائك حجاباً؟ فإنه يدخل عليك البر والفاجر فأنزل الله: (وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب)، وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم: لتنتهن أو ليبدلنه الله أزواجاً خيراً منكن فنزلت (عسى ربه إن طلقكن) الآية، ونزلت (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة) إلى قوله: (ثم أنشأناه خلقاً آخر) فقلت: فتبارك الله أحسن الخالقين، أخرجه الطيالسي وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن عساكر. وعن زيد بن ثابت قال: أملى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية (ولقد خلقنا الإنسان) الآية، فقال معاذ بن جبل: فتبارك الله أحسن الخالقين، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: " بها ختمت "، وفي إسناده جعفر الجعفي وهو ضعيف جداً، قال ابن كثير: وفي خبره هذا نكارة شديدة، وذلك أن هذه السورة مكية وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ إنما كان بالمدينة والله تعالى أعلم [[ابن كثير 3/ 242.]].

المؤمنون 23:15

(ثم إنكم بعد ذلك) أي الأمور المتقدمة (لميتون) أي لصائرون إلى الموت لا محالة

المؤمنون 23:16

(ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) من قبوركم إلى المحشر للحساب والجزاء والعقاب.

المؤمنون 23:17

(ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق) اللام جواب قسم محذوف، والجملة مبتدأة مشتملة على بيان خلق ما يحتاجون إليه، بعد بيان خلق أنفسهم، والمراد بالفوق جهة العلو من غير اعتبار فوقية لهم، لأن تلك النسبة إنما تعرض لهم بعد خلقهم، ووقت خلق السماوات لم نكن مخلوقين، ولم تكن هي فوقنا، بل خلقنا بعد، قاله الحفناوي. والطرائق هي السماوات، قال الخليل والفراء والزجاج: سميت طرائق لأنها طورق بعضها فوق بعض، كمطارقة المنعل، وكل ما فوقه مثله، فهو طريقه، قاله البيضاوي، قال أبو عبيدة: طارقت الشيء جعلت بعضه فوق بعض، والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة، وقيل لأنها طرائق الملائكة في العروج والهبوط والطيران، قاله الرازي، وقيل لأنها طرائق الكواكب ومتقلباتها. (وما كنا عن الخلق غافلين) المراد بالخلق هنا المخلوق أي: وما كنا عن هذه السبع الطرائق وحفظها عن أن تقع على الأرض بغافلين، وقال أكثر المفسرين: المراد الخلق كلهم بل حفظنا السماوات عن أن تسقط وحفظنا من في الأرض أن تسقط السماء عليهم فتهلكهم أو تميد بهم الأرض أو يهلكون بسبب من الأسباب المستأصلة لهم، ويجوز أن يراد نفي الغفلة عن القيام بمصالحهم وما يعيشهم ونفي الغفلة عن ضظهم وعن أعمالهم وأقوالهم. وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (20) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (21) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (22) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (23)

المؤمنون 23:18

(وأنزلنا من السماء ماء) هذا من جملة ما امتنّ الله سبحانه به على خلقه، والمراد بالماء ماء المطر، فإن به حياة الأرض وما فيها من الحيوان، ومن جملة ذلك ماء الأنهار النازل من السماء، والعيون والآبار المستخرجة من الأرض، فإنّ أصلها من ماء السماء، وقيل ماء أي عذباً، وإلا فالأجاج ثابت في الأرض مع القحط، والعذب يقل مع القحط، وفي الأحاديث أن الماء كان موجوداً قبل خلق السماوات والأرض، ثم جعل الله منه في السماء ماء وفي الأرض ماء كذا في البحر. و (من) ابتدائية وتقديمها على المفعول الصريح للاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر والعدول عن الإضمار لأن الإنزال لا يعتبر فيه عنوان كونها طرائق بل مجرد كونها بصفة العلو. (بقدر) أي: بتقدير منّا لاستجلاب منافعهم، ودفع مضارهم أو بمقدار ما يكون به صلاح الزرائع والثمار والشرب، فإنه لو كثر لكان به هلاك ذلك، ومثله قوله تعالى (وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم). (فأسكناه في الأرض) أي جعلناه ساكناً مستقراً ثابتاً فيها، بعضه على ظهرها، وبعضه في بطنها، ينتفعون به وقت حاجتهم إليه كالماء الذي يبقى في المستنقعات والغدران ونحوها عند انقطاع المطر، وأخرج ابن مردويه والخطيب قال السيوطي بسند ضعيف: عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند وجيحون وهو نهر بلخ ودجلة والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة من أسفل درجة من درجاتها على جناحي جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض وجعلها منافع للناس في أصناف معايشهم فذلك قوله: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض) فإذا كان عند خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن والعلم والحجر الأسود من ركن البيت ومقام إبراهيم وتابوت موسى بما فيه وهذه الأنهار الخمسة فيرفع كل ذلك إلى السماء فذلك قوله: (وإنا على ذهاب به لقادرون) فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض فقد أهلها خير الدنيا والآخرة ". قال البغوي: رواه الحسن بن سفيان بالإجازة عن سعيد بن سابق السكندري عن مسلمة بن علي [[مسلمة بن عُلَيّ بضم العين وفتح اللام وتشديد الياء شامي واهي الحديث، قال البخاري منكر الحديث، وقال النسائي متروك، والحديث ساقه ابن عدي بإسناده في الضعفاء ونبه دحيم بأنه ليس بشيء، وقال أبو حاتم لا يشتغل به. وقال ابن عدي: عامة أحاديثه غير محفوظة، أما مقاتل بن حيان وهو من رجال مسلم وإن لم يرو له البخاري فقد قال وكيع: ينسب إلى الكذب، وكان أحمد بن حنبل لا يعبأ بمقاتل بن حيان ولا بمقاتل بن سليمان، وقال ابن خزيمة: لا أحتج بمقاتل بن حيان. قلت: ومن ثم لا يعتد بهذا الحديث. " المطيعي ".]] عن مقاتل بن حيان عن عكرمة عن ابن عباس، والمعنى كما قدرنا على إنزاله فنحن قادرون على أن نذهب به بوجه من الوجوه، إما بالإفساد وإما بالتصعيد وإما بالتعميق والتغوير في الأرض، ولهذا التنكير حسن موقع لا يخفى، وفي هذا تهديد شديد لما يدل عليه من قدرته سبحانه على إذهابه وتغويره حتى يهلك الناس بالعطش وتهلك مواشيهم. ومثله قوله: (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)، ثم بين سبحانه ما يتسبب عن إنزال الماء فقال:

المؤمنون 23:19

(فأنشأنا) أي أوجدنا (لكم به) أي بذلك الماء (جنات من نخيل وأعناب) إنما أفردهما بالذكر لكثرة منافعهما فإنهما يقومان مقام الطعام والإدام والفواكه رطباً ويابساً. وقيل اقتصر سبحانه عليهما لأنهما الموجودان في الطائف والمدينة وما يتصل بذلك، كذا قال ابن جرير. وقيل لأنهما أشرف الأشجار ثمرة وأطيبها منفعة وطعماً ولذة. (لكم فيها) أي في هذه الجنات (فواكه كثيرة) تتفكهون بها (ومنها تأكلون) وتطعمون منها شتاء وصيفاً. وقيل: المعنى ومن هذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعاشكم، كقولهم فلان يأكل من حرفة كذا، وهو بعيد. وقيل المعنى أن لكم فيها فواكه من غير العنب والنخيل. وقيل المعنى لكم في هذين النوعين خاصة فواكه، لأن فيهما أنواعاً مختلفة متفاوتة في الطعم واللون. وقد اختلف أهل الفقه في لفظ الفاكهة على ماذا يطلق اختلافاً كثيراً، وأحسن ما قيل أنها تطلق على الثمرات التي يأكلها الناس، وليس بقوت لهم ولا طعام ولا إدام واختلف في البقول هل تدخل الفاكهة أم لا؟.

المؤمنون 23:20

(وشجرة) قال الواحدي: والمفسرون كلهم يقولون: إن المراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون، وخصت بالذكر لأنها لا يتعاهدها. أحد بالسقي، وهي التي يخرج الدهن منها، وهي أول شجرة نبتت بعد الطوفان، تعمر في الأرض كثيراً حتى قال بعضهم أنها تعمر ثلاثة آلاف سنة على ما ذكره الخازن، فذكرها الله سبحانه امتناناً منه على عباده بها، ولأنها أكرم الشجر وأعمها نفعاً وأكثرها بركة (تخرج من طور سيناء) خصت به مع أنها تخرج من غيره أيضاً لأن أصلها منه ثم نقلت إلى غيره، ذكره زكريا، وهو جبل ببيت القدس، والطور الجبل في كلام العرب، وقيل هو مما عرب من كلام العجم. واختلف في معنى سيناء، فقيل هو الحسن باللغة الشبطية، وقيل بالحبشيَّة، وقيل بالسريانية، ومعناه الجبل الملتف بالأشجار، وقيل كل جبل فيه أشجار مثمرة يسمى سيناء وسينين. وقيل هو من السنا وهو الارتفاع، وقيل هو المبارك. وذهب الجمهور إلى أنه اسم للجبل، كما تقول جبل أحد، وقيل هو جبل فلسطين، وقيل هو اسم المكان الذي فيه هذا الجبل. وقيل سيناء اسم حجر بعينه، أضيف الجبل إليه لوجوده عنده. وقيل هو كل جبل يحمل الثمار. وقرئ سيناء بفتح السين وبكسرها ولم يصرف لأنه جعل اسماً للبقعة، وزعم الأخفش أنه أعجمي. قال ابن عباس: هو الجبل الذي نودي منه موسى. (تنبت بالدهن) قال ابن عباس: هو الزيت يؤكل منه ويدهن به، وقرئ بفتح التاء وضم الباء، وبضم التاء وكسر الباء من الثلاثي والرباعي، والمعنى على الأولى أنها تنبت في نفسها متلبسة بالدهن؛ وعلى الثانية الباء بمعنى مع فهي للمصاحبة قال أبو علي الفارسي: التقدير تنبت جناها، ومعه الدهن. وقيل الباء زائدة قاله أبو عبيدة. وقال الفراء والزجاج: إنّ نبت وأنبت بمعنى؛ والأصمعي ينكر أنبت، وقرئ تُنبَت بضم التاء وفتح الباء. قال الزجاج؛ وابن جنيّ: أي تنبت ومعها الدهن. وقرأ ابن مسعود: تخرج بالدهن، وقرئ تنبت الدهن بحذف حرف الجر وقرئ بالدهان، والدهن عصارة كل شيء ذي دسم: قاله السمين. (وصبغ للآكلين) أي تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهناً يدهن به وكونه صبغاً يؤتدم به، وقرئ صباغ مثل لبس ولباس، وكل إدام يؤتدم به فهو صبغ وصباغ، وأصل الصبغ ما يلون به الثوب، وشبّه الإدام به لأن الخبز يكون بالأدام كالمصبوغ به، جعل الله سبحانه في هذه الشجرة المباركة أدماً وهو الزيتون ودهناً وهو الزيت.

المؤمنون 23:21

(وإن لكم في الأنعام لعبرة) هذه من جملة النعم التي امتن الله بها عليهم، وقد تقدم تفسير الأنعام في سورة النحل، وهي الإبل والبقر والغنم. قال النيسابوري: ولعل القصد بالأنعام هنا إلى الإبل خاصة لأنها هي المحمول عليها في العادة، ولأنه قرنها بالفلك، وهي سفائن البر، كما أن الفلك سفائن البحر. قال ذو الرمة: سفائن برّ تحت خدّي زمامها وبين سبحانه أنها عبرة وعظة لأنها مما يستدل بخلقها وأفعالها على عظم القدرة الإلهية، وخصها بالعبرة دون النبات لأن العبرة فيها أظهر، ثم فصل سبحانه ما في هذه الأنعام من النعم بعد ما ذكره من العبرة فيها للعباد فقال: (نسقيكم) بضم النون وفتحها. (مما في بطونها) يعني اللبن المتكوّن في بطونها المنصب إلى ضروعها من بين فرث ودم، فإن في انعقاد ما تأكله من العلف واستحالته إلى هذا الغذاء اللذيذ والمشروب النفيس أعظم عبرة للمعتبرين وأكبر موعظة للمتعظين، وقرئ بالفوقية على أن الفاعل هو الأنعام، وذكره هنا بلفظ الجمع لأنه راجع للأنعام مراداً بها الجمع، وفي النحل قال: مما في بطونه بالإفراد نظراً إلى أن الأنعام اسم مفرد، ذكره زكريا في متشابه القرآن. وقال الكرماني: إن ما في النحل مراد به بعض الأنعام وهو الإناث، فأتى بالضمير مفرداً مذكراً، والمراد منه هنا الكل الشامل للإناث والمذكور، بدليل العطف في قوله الآتي: (ولكم فيها منافع)، فإن هذا لا يخص الإناث، وهذا العطف لم يذكر في النحل، ثم ذكر ما فيها من المنافع إجمالاً فقال: (ولكم فيها) أي في ظهورها وألبانها وأولادها وأصوافها وأشعارها وهي حية (منافع كثيرة) ثم ذكر منفعة خاصة فقال: (ومنها تأكلون) بعد الذبح، لما في الأكل من عظيم الانتفاع لهم، وكذلك ذكر الركوب عليها لما فيه من المنفعة العظيمة فقال:

المؤمنون 23:22

(وعليها) أي وعلى الأنعام فإن أريد بها الإبل والبقر والغنم فالمراد وعلى بعض الأنعام وهو الإبل خاصة، وإن أريد بها الإبل خاصة فالمعنى واضح، ثم لما كانت الأنعام غالب ما يكون الركوب عليها في البر ضم إليها ما يكون الركوب عليه في البحر فقال: (وعلى الفلك تحملون) تتميماً للنعمة وتكميلاً للمنّة. ولما ذكر سبحانه الفلك أتبعه بذكر نوح لأنه أول من صنعه، وذكر ما صنعه قوم نوح معه بسبب إهمالهم للتفكر في مخلوقات الله سبحانه والتذكر لنعمه عليهم فقال:

المؤمنون 23:23

(ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه) وفي ذلك تعزية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتسلية له ببيان أن قوم غيره من الأنبياء كانوا يصنعون مع أنبيائهم ما يصنعه قومه معه، واللام جواب قسم محذوف والواو للاستئناف، وهذا شروع في خمس قصص هذا أولها؛ والثانية قصة هود أولها (ثم أنشأنا من بعدهم قرناً آخرين) والثالثة قوله (ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين) والرابعة قصة موسى وهارون المذكورة بقوله (ثم أرسلنا موسى وأخاه) والخامسة قصة عيسى وأمه المذكورة بقوله: (وجعلنا ابن مريم وأمّه آية). ثم إن اسم نوح يشكر، ونوح لقبه على ما قاله الرازي، أو عبد الله على ما قاله السيوطي، وعاش نوح من العمر ألف سنة وخمسين كما مرّ مراراً، وقدمت قصته لتتصل بقصة آدم المذكورة للمناسبة بين نوح وآدم من حيث أنه آدم الثاني، لانحصار النوع الإنساني بعده في نسله. (فقال يا قوم اعبدوا الله) وحده وأطيعوه ولا تشركوا به شيئاً كما يستفاد من الآيات الآخرة؛ وجملة (ما لكم من إله غيره) واقعة موقع التعليل لما قبلها؛ أي ما لكم في الوجود إله غيره سبحانه، ومن زائدة. (أفلا تتقون) تخافون أن تتركوا عبادة ربكم الذي لا يستحقها غيره وليس لكم إله سواه. وقيل المعنى أفلا تخافون أن يرفع عنكم ما خوّلكم من النعم ويسلبها عنكم؟ وقيل المعنى أفلا تقون أنفسكم عذابه الذي تقتضيه ذنوبكم بعبادتكم غيره؟. فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (26) فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (27)

المؤمنون 23:24

(فقال الملأ) أي الأشراف (الذين كفروا) به (من قومه) لأتباعهم وحاصل ما ذكروه من الشبه خمسة: أولاها قولهم (ما هذا إلا بشر مثلكم) أي من جنسكم في البشرية لا فرق بينه وبينكم (يريد) أي يطلب (أن يتفضل عليكم) بأن يسودكم ويتشرف حتى تكونوا تابعين له منقادين لأمره، ثم صرحوا بأن البشر لا يكون رسولاً فقالوا: (ولو شاء الله) إرسال رسول (لأنزل) أي لأرسل ملائكة رسلاً، وهي الشبهة الثانية، وإنما عبر بالإنزال عن الإرسال لأن إرسالهم إلى العباد يستلزم نزولهم إليهم. وقيل معناه لو شاء أن لا يعبد غيره لأنزل (ملائكة) لا بشراً (ما سمعنا بهذا) أي بمثل دعوى هذا المدعي للنبوة من البشر، أو بمثل كلامه، وهو الأمر بعبادة الله وحده، أو ما سمعنا ببشر يدعي هذه الدعوة، وقيل الباء زائدة، وهذه هي الشبهة الثالثة، والعجب منهم أنهم رضوا بالألوهية للحجر ولم يرضوا بالنبوة للبشر (في آبائنا الأولين) أي في الأمم الماضية قبل هذا، قالوا هذا اعتماداً منهم على التقليد واعتصاماً بحبله، ولم يقنعوا بذلك حتى ضموا إليه الكذب البحت والبهت الصراح فقالوا:

المؤمنون 23:25

(إن هو إلا رجل به جنة) أي حالة جنون لا يدري ما يقول، وهي الشبهة الرابعة (فتربصوا به حتى حين) أي انتظروا به حتى يستبين أمره بأن يفيق من جنونه فيترك هذه الدعوى أو حتى يموت فتستريحوا منه، وهي الشبهة الخامسة ولم يتعرض لردها لظهور فسادها. قال الفراء: ليس يريد بالحين هنا وقتاً بعينه، إنما هو كقولهم: دعه إلى يوم ما، فلما سمع عليه السلام كلامهم وعرف تماديهم على الكفر وإصرارهم عليه.

المؤمنون 23:26

(قال رب انصرني) عليهم فانتقم منهم بما تشاء وكيف تريد (بما كذبون) أي بسبب تكذيبهم إياي

المؤمنون 23:27

(فأوحينا إليه) أي أرسلنا إليه رسولاً من السماء (أن اصنع الفلك) أن مفسرة لما في الوحي من معنى القول، فلا حاجة إلى جعلها مصدرية، والفلك السفينة (بأعيننا) أي بمرأى منا أو متلبساً بحفظنا وكلاءتنا، وقيل بعلمنا لئلا يتعرض له أحد ولا يفسد عليه عمله، والأولى أولى، وجمع الأعين للمبالغة، وإن كانت العادة أن الرائي له عينان فقط، وقد تقدم معنى هذا في هود. (ووحينا) أي بأمرنا لك وتعليمنا إياك لكيفية صنعها، قيل وقد صنعها في عامين وجعل طولها ثلثمائة ذراع، وعرضها خمسين، وارتفاعها ثلاثين، وجعلها ثلاث طبقات السفلى للسباع والهوام، والوسطى للدواب والأنعام، والعليا للإنس كما مر (فإذا جاء أمرنا) الفاء لترتيب مضمون ما بعدها على ما قبلها من صنع الفلك، والمراد بالأمر الأمر بالعذاب (وفار التنور) أي أن مجيء الأمر هو فور التنور، أي تنور آدم الذي تخبز فيه حواء الصائر إلى نوح وكان من حجارة وقيل التنور وجه الأرض، واختلف في مكانه، فقيل في مسجد الكوفة، وقيل بالشام وقيل بالهند، والمعنى إذا وقع ذلك. (فاسلك) أي فأدخل (فيها) يقال سلك في كذا أي دخله؛ وأسلكته أدخلته. وقال ابن عباس أجعل معك في السفينة (من كل زوجين اثنين) قرئ كلٍ بالتنوين وبالإضافة، ومعنى الأولى من كل أمة زوجين، ومعنى الثانية من كل زوجين وهما أمة الذكر والأنثى اثنين، أي من غير البشر، وإلا فإنه أدخل فيها من البشر سبعين أو ثمانين فأدخل من هذا النوع زيادة على اثنين. (وأهلك) أي واسلك فيها أهلك، أي زوجتك وأولادك (إلا من سبق عليه القول) أي الوعد الأزليّ بإهلاكه منهم كإبنه كنعان وأمه (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) بالدعاء لهم بإنجائهم (إنهم مغرقون) تعليل للنهي عن المخاطبة أي إنهم مقضي عليهم بالإغراق لظلمهم، ومن كان هكذا فهو لا يستحق الدعاء له

المؤمنون 23:28

(فإذا استويت) أي علوت (أنت) واعتدلت (ومن معك) من أهلك وأتباعك (على الفلك) راكبين عليه (فقل) وكان الظاهر أن يقال، فقولوا أي أنت ومن معك، وإنما أفرد نوحاً بالأمر بالدعاء المذكور إظهاراً لفضله وإشعاراً في دعائه مندوحة عن دعائهم: (الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين) أي حال بيننا وبينهم وخلصنا منهم كقوله: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) وقد تقدم تفسير هذه القصة في سورة هود على التمام والكمال، وإنما جعل سبحانه استواءهم على السفينة نجاة من الغرق جزماً لأنه قد سبق في علمه أن ذلك سبب نجاتهم من الظلمة وسلامتهم من أن يصابوا بما أصيبوا به من العذاب، ثم أمره أن يسأل ربه ما هو أنفع له وأتم فائدة فقال: فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (29) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنَا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (32) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (33) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (34) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (35)

المؤمنون 23:29

(وقل رب أنزلني منزلاً مباركاً) أي أنزلني في السفينة قرئ منزلاً بضم الميم وفتح الزاي على أنه مصدر وبفتح الميم وكسر الزاي على أنه اسم مكان فعلى الأولى التقدير أنزلني إنزالاً مباركاً وعلى الثانية أنزلني مكاناً مباركاً، قال الجوهري: المنزل بفتح الميم والزاي النزول وهو الحلول تقول: نزلت نزولاً ومنزلاً. عن مجاهد قال: قال الله تعالى لنوح حين أنزل من السفينة، وقيل أمره الله سبحانه بأن يقول هذا القول عند دخول السفينة، وقيل عند خروجه منها وأراد بالبركة النجاة من الغرق وكثرة النسل بعد الإنجاء، والآية تعليم من الله لعباده إذا ركبوا ثم نزلوا أن يقولوا هذا القول. قال الواحدي: قال المفسرون: إنه أمر أن يقول عند استوائه على الفلك الحمد لله وعند نزوله منها: (رب أنزلني منزلاً مباركاً وأنت خير المنزلين) هذا ثناء منه على الله عز وجل أثر دعائه له.

المؤمنون 23:30

(إن في ذلك) أي ما تقدم مما قصه الله علينا من أمر نوح عليه السلام والسفينة وهلاك الكفار (لآيات) أي دلالات على كمال قدرته سبحانه وعلامات يستدل بها على عظيم شأنه (وإن كنا لمبتلين) أي لمختبرين قوم نوح بإرساله إليهم ووعظه أو لمختبرين لهم بإرسال الرسل إليهم ليظهر المطيع والعاصي من الناس أو الملائكة، وقيل المعنى أنه يعاملهم سبحانه معاملة المختبر لأحوالهم تارة بالإرسال وتارة بالعذاب لينظر من يعتبر ويذكر كقوله: (ولقد تركناها آية فهل من مذكر).

المؤمنون 23:31

(ثم أنشأنا من بعدهم) أي من بعد إهلاكهم (قرناً) أي قوماً (آخرين) قال أكثر المفسرين: إن هؤلاء هم عاد قوم هود لمجيء قصتهم على أثر قصة نوح في غير هذا الموضع؛ ولقوله في الأعراف (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) وقيل هم ثمود لأنهم الذين أهلكوا بالصيحة، وقد قال سبحانه في هذه القصة (فأخذتهم الصيحة)، وقيل هم أصحاب مدين قوم شعيب، لأنهم ممن أهلك بالصيحة.

المؤمنون 23:32

(فأرسلنا فيهم رسولاً منهم) عدّي فعل الإرسال بـ (في) مع أنه يتعدى بإلى للدلالة على أن الرسول المرسل إليهم نشأ فيهم وبين أظهرهم يعرفون مكانه ومولده ليكون سكونهم إلى قوله أكثر من سكونهم إلى من يأتيهم من غير مكانهم، وقيل وجه التعدية بفي أنه ضمن معنى القول، والأول أولى، لأن تضمين أرسلنا معنى قلنا: لا يستلزم تعديته بفي. (أن اعبدوا الله) أن مفسرة لأرسلنا أي قلنا لهم على لسان الرسول هذا القول (ما لكم من إله غيره) تعليل للأمر بالعبادة (أفلا تتقون)؟، عذابه الذي يقتضيه شرككم.

المؤمنون 23:33

(وقال الملأ من قومه) أي قادتهم وأشرافهم، ثم وصف الملأ بالكفر والتكذيب فقال: (الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة) أي بما في الآخرة من الحساب والعقاب أو بالمصير إليها أو كذبوا بالبعث. (وأترفناهم في الحياة الدنيا) أي وسعنا لهم نعم الدنيا فبطروا بسبب ما صاروا فيه من كثرة المال ورفاهة العيش حتى وصفوا رسولهم بمساواتهم في البشرية وفي الأكل والشرب فقالوا: (ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون) منه. قاله الفراء. وقيل (ما) مصدرية فلا تحتاج إلى عائد، وذلك يستلزم عندهم أنه لا فضل له عليهم، وهذه شبهة أولى تنتهي عند قوله: لخاسرون.

المؤمنون 23:34

(ولئن أطعتم بشراً مثلكم) فيما ذكر من الأوصاف (إنكم إذاً) أي إذا أطعتموه (لخاسرون) أي مغبونون بترككم آلهتكم واتباعكم إياه من غير فضيلة له عليكم ومن حمقهم أنهم أبوا اتباع مثلهم وعبدوا أعجز منهم.

المؤمنون 23:35

(أيعدكم أنكم إذا مِتّم) الهمزة للإنكار، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من تقبيح اتباعهم له بإنكار وقوع ما يدعوهم إلى الإيمان به واستبعاده، قرئ بكسر اليم من (مِتم) من مات يمات كخاف يخاف وبضمها من مات يموت كقال يقول (وكنتم) أي كان بعض أجزائكم (تراباً و) بعضها (عظاماً) نخرة لا لحم فيها، ولا أعصاب عليها، قيل وتقديم التراب لكونه أبعد في عقولهم، وقيل المعنى كان متقدموكم تراباً ومتأخروكم عظاماً. (أنكم مخرجون) أي مبعوثون من قبوركم أحياء كما كنتم للسؤال والحساب والثواب والعقاب وثنى أنكم للتأكيد؛ وحسن ذلك طول الفصل بين الأولى والثاني بالظرف، وإليه ذهب الجرمي والمبرد والفراء وقيل بدل من الأولى وإليه ذهب سيبويه. هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (36) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (37) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (38) قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِمَا كَذَّبُونِ (39) قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ (40) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (41) ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43)

المؤمنون 23:36

(هيهات هيهات) أي بعد، وقال ابن عباس: بعيد بعيد، قال ابن الأنباري: وفي هيهات عشر لغات، ثم سردها وهي مبينة في علم النحو، وقد قرئ ببعضها قال سليمان الجمل: فيه لغات كثيرة تزيد على أربعين، ثم ذكر منها مشهورها، وما قرئ به تركناها لقلة الفائدة هنا، هو اسم فعل ماض بمعنى مصدر والغالب في الاستعمال أن تستعمل هذه الكلمة مكررة، والثانية توكيد لفظي للأولى وليست المسئلة من التنازع، واللام في (لما توعدون) لبيان المستبعد كما في قوله (هيت لك)، كأنه قيل لماذا هذا الاستبعاد؟ فقيل لما توعدون. والمعنى بعد إخراجكم للوعد الذي توعدون، هذا على أن (هيهات) اسم فعل وقال الزجاج: هو في تقدير المصدر أي البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون على قراءة من نوّن، ثم بين سبحانه إترافهم بأنهم قالوا:

المؤمنون 23:37

(إنّ هي) أي ما الحياة (إلا حياتنا الدنيا) لا الحياة الآخرة التي تعدنا بها فأقيم الضمير مقام الأولى لدلالة الثانية عليها، حذراً من التكرار وإشعاراً بإغنائها عن التصريح كما في هي النفس تتحمل ما حملت، وهي العرب تقول ما شاءت، وحيث كان الضمير بمعنى الحياة الدالة على الجنس كانت (إن) النافية بمنزلة لا النافية للجنس، وجملة: (نموت ونحيا) مفسرة لما ادعوه من قصرهم حياتهم على حياة الدنيا، وقيل يموت الآباء ويحيا الأبناء، وقيل يموت قوم ويحيا قوم، أو يموت بعض، ويولد بعض، وينقرض قرن، فيأتي آخر وفيه تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وبه قرأ أبيّ وابن مسعود، ثم صرحوا بنفي البعث، وأن الوعد به منه افتراء على الله فقالوا: (وما نحن بمبعوثين) بعد الموت

المؤمنون 23:38

(إن هو إلا رجل افترى على الله كذباً) أي ما هو فيما يدعيه من النبوة والبعث إلا مفترياً يكذب على الله (وما نحن له بمؤمنين) أي بمصدقين له فيما يقوله.

المؤمنون 23:39

(قال) نبيهم لما علم بأنهم لا يصدقون البته (رب انصرني) عليهم وانتقم لي منهم (بما كذبون) أي بسبب تكذيبهم إياي

المؤمنون 23:40

(قال) الله سبحانه مجيباً لدعائه واعداً له بالقبول لما دعا به (عما قليل) من الزمان وفي معناه عن قريب و (عن) بمعنى بعد و (ما) مزيدة بين الظرف للتوكيد لقلة الزمان، كما في قوله: (فبما رحمة من الله). (ليصبحن نادمين) على ما وقع منهم من التكذيب والعناد، والإصرار على الكفر، ثم أخبر سبحانه بأنهم أخذتهم الصيحة، وحاق بهم عذابه، ونزل عليهم سخطه فقال:

المؤمنون 23:41

(فأخذتهم الصيحة). قال المفسرون: صاح بهم جبريل صيحة واحدة مع الريح التي أهلكهم الله بها فماتوا جميعاً، وقيل الصيحة هي نفس العذاب والهلاك الذي نزل بهم (بالحق) أي كائنة بالعدل من الله فماتوا، يقال: فلان يقضي بالحق أي بالعدل، ثم أخبر سبحانه عما صاروا إليه بعد العذاب النازل بهم فقال: (فجعلناهم غثاء) أي كغثاء السيل قيل الغثاء الجفاء، وقال الزجاج: هو البالي من ورق الشجر إذا جرى السيل فخالط زبده، وقيل كل ما يلقيه السيل، والقدر مما لا ينتفع به، وبه يضرب المثل في ذلك ولامه واو، لأنه من غثا الوادي يغثوا غثواً، وكذلك غثت القدر، وقال المحلي: هو نبت يبس، وعنه: هو العشب إذا يبس، والمعنى صيرناهم هلكى فيبسوا كما يبس الغثاء، وقال ابن عباس: جعلوا كالشيء الميت البالي من الشجر. (فبعداً للقوم الظالمين) أي بعدوا بعداً، أو ألزمنا بعداً فهو إخبار أو دعاء واللام لبيان من قيل له ذلك، كما في سقياً له وجدعاً له، قاله الزمخشري، وقال الحوفي: متعلق ببعداً، وهذا مردود لأنه لا يحفظ حذف هذه اللام، ووصول المصدر إلى مجرورها البتة، ولذلك مَنعوا الاشتغال في قوله: (فتعساً لهم)، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال لا يستعمل إظهارها، ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل.

المؤمنون 23:42

(ثم أنشأنا من بعدهم قروناً آخرين) أي مع رسلهم بعد إهلاكهم، قيل هم قوم صالح ولوط وشعيب ويونس وأيوب وغيرهم كما وردت قصتهم على هذا الترتيب في الأعراف وهود، وقيل هم بنو إسرائيل وكان فيهم الرسل قبل موسى، والقرون، الأمم، ولعل وجه الجمع هنا للقرون، والإفراد فيما سبق قريباً أنه أراد هاهنا أمماً متعددة، وهناك أمة واحدة، ثم بين سبحانه كمال علمه وقدرته في شأن عباده فقال:

المؤمنون 23:43

(ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون) أي ما يتقدم كل طائفة مجتمعة في قرن آجالها المكتوبة لها في الهلاك ولا يتأخر عنها، ومثل ذلك قوله تعالى: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)، ذكر الضمير بعد تأنيثه رعاية المعنى لأن أمة بمعنى قوم، ثم بين سبحانه أن رسله كانوا بعد هذه القرون متواترين وأن شأن أممهم كان واحداً في التكذيب لهم فقال: ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (44) ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (45) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ (46) فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (47) فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (48) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (49) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (50)

المؤمنون 23:44

(ثم أرسلنا رسلنا تترا) يعني إرسال كل رسول متأخر عن إنشاء القرن الذي أرسل إليه لا على معنى أن إرسال الرسل جميعاً متأخر عن إنشاء تلك القرون جميعاً ومعنى تترا تتواتر واحداً بعد واحد ويتبع بعضهم بعضاً من الوتر وهو الفرد، قال الأصمعي: واترت كتبي عليه أتبعت بعضها بعضاً إلا أن بين كل واحد منها وبين الآخر مهلة، وقال غيره: المتواترة المتتابعة بغير مهلة؛ والأول أولى لأن ما كان بدونها، قيل مداركة ومواصلة، كما في القاموس لا تترا، وقرئ تتراً بالتنوين على أنه مصدر، قال النحاس: وعلى هذا يجوز تِترا بكسر التاء لأن معنى ثم أرسلنا واترنا، وقرئ بألف من غير تنوين كشبعى ودعوى فألفه للتأنيث، أو في موضع الحال أي متواترين. قال ابن عباس: بعضهم على إثر بعض، أي غير متواصلين، لأن بين كل رسولين زمناً طويلاً. (كلما جاء أمةً رسولُها كذبوه) مستأنفة مبينة لمجيء كل رسول لأمته على أن المراد بالمجيء التبليغ (فاتبعنا) الأمم والقرون (بعضهم بعضاً) أي في الهلاك بما نزل بهم من العذاب (وجعلناهم أحاديث) أي سمراً وقصصاً وأخباراً يسمع بها ويتعجب منها ويتحدث من بعدهم بأمرهم وشأنهم، جمع أحدوثة وهي ما يتحدث به الناس، كالأعاجيب جمع أعجوبة، وهي ما يتعجب الناس منه، أو جمع حديث على غير قياس، وفي السمين ولكنه شاذ. وقال الأخفش: إنما يقال ذلك في الشر ولا يقال في الخير، كما يقال صار فلان حديثاً، أي عبرة، وكما قال سبحانه في آية أخرى (فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق). قلت: وهذه الكلية غير مسلمة، فقد يقال صار فلان حديثاً حسناً، وقد شذت العرب في ألفاظ فجمعوها على صيغة أفاعيل كأباطيل وأقاطيع. وقال الزمخشري: الأحاديث تكون اسم جمع للحديث. ومنه أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفاعيل ليس من أبنية اسم الجمع، وإنما ذكره أصحابنا فيما شذ من الجموع، كقطيع وأقاطيع، وإذا كان عباديد قد حكموا عليه بأنه جمع تكسير مع أنهم لم يلفظوا له بواحد فأحرى أحاديث، وقد لفظ له بواحد وهو حديث، فاتضح أنه جمع تكسير لا اسم جمع لما ذكرنا. (فبعداً لقوم) دعاء عليهم (لا يؤمنون) وصفهم هنا بعدم الإيمان، وفيما سبق قريباً بالظلم لكون كل من الوصفين صادراً عن كل طائفة من الطائفتين، أو لكون هؤلاء لم يقع منهم إلا مجرد عدم التصديق، وأولئك ضموا إليه تلك الأقوال الشنيعة التي هي أشد الظلم وأفظعه، ثم حكى سبحانه ما وقع من فرعون وقومه عند إرسال موسى وهارون إليهم فقال:

المؤمنون 23:45

(ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون) متلبسين (بآياتنا) هي التسع المتقدم ذكرها غير مرة، ولا يصح عد فلق البحر منها هنا، لأن المراد الآيات التي كذبوا بها واستكبروا عنها (وسلطان مبين) المراد به الحجة الواضحة البينة، قيل هي الآيات التسع نفسها، والعطف من باب: إلى الملك القرم وابن الهمام وقيل أراد العصا لأنها أم الآيات فيكون من باب عطف جبريل على الملائكة وقيل المراد بالآيات الدلائل التي كانت لهما، وبالسلطان المبين التسع الآيات

المؤمنون 23:46

(إلى فرعون وملئه) أي الأشراف منهم كما سبق بيانه غير مرة (فاستكبروا) أي طلبوا الكبر وكلفوه، وتعظموا عن الإيمان فلم ينقادوا للحق (وكانوا قوماً عالين) قاهرين للناس أو لبني إسرائيل بالبغي والظلم، مستعلين عليهم متطاولين كبراً وعناداً وتمرداً.

المؤمنون 23:47

(فقالوا أنؤمن لبشرين)؟ يعنون بهما موسى وهارون (مثلنا) الاستفهام للإنكار، أي كيف نصدق من كان مثلنا في البشرية، والبشر يطلق على الواحد، كقوله بشراً سوياً، كما يطلق على الجمع، كقوله: (فإما ترينّ من البشر أحداً)، فتثنيته هنا هي باعتبار المعنى الأول ويطلق على المثنى والمذكر والمؤنث، وأفرد المثل لأنه في حكم المصدر يجري مجراه في الإفراد والتذكير ولا يؤنث أصلاً، وقد يطابق ما هو له تثنية، كقوله: (يرونهم مثليهم رأي العين)، وجمعاً كقوله: (ثم لا يكونوا أمثالكم). (وقومهما) أي بنو إسرائيل (لنا عابدون) أي أنهم مطيعون لنا، منقادون لما نأمرهم به كانقياد العبيد. قال المبرّد: العابد المطيع الخاضع. قال أبو عبيدة: العرب تسمي كل من دان [[دانه أطاعه، فهو يتعدى ويلزم. " المطيعي ".]] الملك عابداً له، وقيل يحتمل أنه كان يدعي الإلهية فدعا الناس إلى عبادته فأطاعوه، وتقديم الظرف لرعاية الفواصل والجملة حالية

المؤمنون 23:48

(فكذبوهما) أي فأصروا على تكذيبهما (فكانوا من المهلكين) بالغرق في البحر. ثم حكى سبحانه ما جرى على قوم موسى بعد إهلاك عدوهم فقال:

المؤمنون 23:49

(ولقد آتينا موسى الكتاب) يعني التوراة، وخص موسى بالذكر لأن التوراة أنزلت عليه في الطور، وكان هارون خليفته في قومه (لعلهم) أي لعل قوم موسى (يهتدون) بها إلى الحق ويعملون بما فيها من الشرائع، فجعل سبحانه إيتاء موسى إياها إيتاء لقومه، لأنها وإن كانت منزلة على موسى فهي لإرشاد قومه. وقيل المعنى آتينا قوم موسى الكتاب. وقيل ضمير (لعلهم) يرجع إلى فرعون وملته، وهو وَهْمٌ، لأن موسى لم يؤت التوراة إلا بعد هلاك فرعون وقومه، كما قال سبحانه: (ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى)، ثم أشار سبحانه إلى قصة عيسى إجمالاً فقال:

المؤمنون 23:50

(وجعلنا ابن مريم وأمّه آية) أي علامة تدل على عظيم قدرتنا وبديع صنعنا وقد تقدم الكلام على هذا في آخر سورة الأنبياء في تفسير قوله سبحانه: (وجعلناها وابنها آية للعالمين). قال قتادة: (آية) أي ولدته من غير أب وفحل، وخلق من غير نطفة. وعن الربيع بن أنس قال: (آية) أي عبرة، ولم يقل آيتين لأن الأعجوبة فيهما واحدة أو المراد ابن مريم آية وأمه آية، فحذفت الأولى لدلالة الثانية عليها. (وآويناهما) أي أسكناهما وأنزلناهما وأوصلناهما وجعلناهما يأويان (إلى ربوة) بفتح الراء وضمها قراءتان سبعيتان، قيل هي أرض دمشق، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب ومقاتل. وقيل بيت المقدس، قاله قتادة وكعب. وقيل أرض فلسطين، قاله السدي. قال ابن عباس: الربوة المستوية، وهي المكان المرتفع من الأرض، وهو أحسن ما يكون فيه النبات، وأنبئنا أنه دمشق. وقيل هو أعلى مكان من الأرض فيزيد على غيره في الارتفاع ثمانية عشر ميلاً، فهو أقرب بقاع الأرض إلى السماء. وعن مرة البهزي قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " الربوة الرملة " أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. وعن أبي هريرة قال: هي الرملة من فلسطين، وقيل مصر، وسبب الإيواء أنها فرّت بابنها إليها لأن ملك ذلك الزمان كان أراد أن يقتل عيسى، فهربت به إلى تلك الربوة ومكثت بها اثنتي عشرة سنة، حتى هلك ذلك الملك. (ذات قرار) أي مستوى مستقر ليستقر عليه ساكنوه. وقال ابن عباس: أي ذات خصب. وقيل ذات ثمار (و) ماء (معين) قال يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (54) أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (55) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (56) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) الزجاج والفراء: هو الماء الجاري في العيون، فالميم على هذا زائدة كزيادتها في منبع. وقيل هو فعيل بمعنى مفعول. قال علي بن سليمان الأخفش: يقال معن الماء إذا جرى، فهو معين وممعون. وكذا قال ابن الأعرابي. وقيل هو مأخوذ من الماعون وهو النفع. قال ابن عباس المعين الماء الجاري، وقيل الذي تراه العيون وهو النهر الذي قال الله (قد جعل ربك تحتك سرياً).

المؤمنون 23:51

(يا أيها الرسل كلوا) قال الزجاج: هذه مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال ابن جرير: إن الخطاب لعيسى. قال الفراء. هو كما تقول للرجل الواحد كفوا عنا، وقيل إن هذه المقالة خوطب بها كل نبي في زمانه، لأن هذه طريقتهم التي ينبغي لهم الكون عليها. فيكون المعنى: وقلنا يا أيها الرسل خطاباً لكل واحد على انفراده لاختلاف أزمنتهم. ويدخل تحته عيسى دخولاً أولياً، فهذه حكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه الإجمال لما خوطب به كل رسول في عصره جيء بها إثر حكاية إيواء عيسى وأمه، إلى الربوة إيذاناً بأن ترتيب مبادي التنعم لم يكن من خصائصه عليه السلام، بل إباحة الطعام شرع قديم جرى عليه جميع الرسل، ووصّوْا به، أي وقلنا لكل رسول من الرسل كلوا (من الطيبات) وهو ما يستطاب ويستلذ وقيل هي الحلالات، وقيل هي ما جمع الوصفين المذكورين. ثم بعد أن أمرهم بالأكل من الطيبات أمرهم بالعمل الصالح فقال: (واعملوا) عملاً (صالحاً) وهو ما كان موافقاً للشرع، فعبر عن تلك الأوامر المتعددة المتعلقة بالرسل بصيغة الجمع عند الحكاية إجمالاً للإيجاز، وفيه من الدلالة على بطلان ما عليه الرهبان من رفض الطيبات ما لا يخفى، ثم علل هذا الأمر بقوله: (إني بما تعملون عليم) لا يخفى عليّ شيء منه وإني مجازيكم على حسب أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر، وهو تخويف للرسل، والمقصود أممهم. أخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: يا أيها الرسل كلوا " الآية. وقال: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر؛ ومطعمه حرام ومشربه حرام، وملبسه حرام وغذي بالحرام، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، فأنىَّ يستجاب لذلك [[مسلم 1015.]] " وعن حفص الفزاري قال: ذلك عيسى ابن مريم، كان يأكل من غزل أمه وهو مرسل لأن حفصاً تابعي.

المؤمنون 23:52

(وإن هذه أمتكم أمة واحدة) هذا من جملة ما خوطب به الأنبياء، والمعنى واعلموا أن هذه ملتكم وشريعتكم -أيها الرسل- ملة واحدة وشريعة متحدة، يجمعها أصل هو أعظم ما بعث الله به أنبياءه وأنزل فيه كتبه، وهو دعاء جميع الأنبياء إلى عبادة الله وحده لا شريك له. والمراد بها على هذه العقائد، إذ هي التي اتحدت في كل الشرائع، أما الأحكام الفرعية فقد اختلفت باختلاف الشرائع، وقيل المعنى أن هذا الذي تقدم ذكره هو دينكم وملتكم فالزموه. على أن المراد بالأمة هنا الدين كما في قوله: (إنا وجدنا آباءنا على أمة). وقال الخليل: أي أنا عالم بأن هذا دينكم الذي أمرتكم أن تؤمنوا به. قال الفراء: " واعلموا أن هذه أمتكم " وقال سيبويه " فاتقون لأن أمتكم أمة واحدة " وإنما أشير إليها بـ (هذه) هذه للتنبيه على كمال ظهور أمرها في الصحة والسداد وانتظامها بسبب ذلك في سلك الأمور المشاهدة، والفاء في (وأنا ربكم فاتقون) لترتيب الأمر بالتقوى على ما قبله من كونه ربكم المختص بالربوبية، أي لا تفعلوا ما يوجب العقوبة عليكم مني بأن تشركوا بي غيري، أو تخالفوا ما أمرتكم به أو نهيتكم عنه: ثم ذكر سبحانه ما وقع من الأمم من مخالفتهم لما أمرهم به الرسل فقال:

المؤمنون 23:53

(فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً) الفاء لترتيب عصيانهم على ما سبق من الأمر بالتقوى، والضمير يرجع إلى ما يدل عليه لفظ الأمة. والمعنى أنهم جعلوا دينهم مع اتحاده قطعاً متفرقة وأدياناً مختلفة. قال المبرد: زبراً فرقاً وقطعاً مختلفة، وأحدها زبور؛ وهي الفرقة والطائفة، ومثله الزبرة وجمعها زبر بالضم والفتح قيل معنى زبراً كتباً، فوصف سبحانه الأمم بأنهم اختلفوا، فاتبعت فرقة التوراة وفرقة الزبور وفرقة الإنجيل؛ ثم حرفوا وبدلوا، وفرقة مشركة اتبعوا ما رسمه لهم آباؤهم من الضلال، قرئ زبراً بضم الباء؛ وقرئ بفتحها؛ أي قطعاً كقطع الحديد (كل حزب بما لديهم فرحون) أي كل فريق من هؤلاء المختلفين بما عندهم من الدين معجبون مسرورون، لاعتقادهم أنهم على الحق.

المؤمنون 23:54

(فذرهم في غمرتهم) أي اتركهم في جهلهم فليسوا بأهل للهداية ولا يضيق صدرك بتأخير العذاب عنهم، فلكل شيء وقت شبه سبحانه ما هم فيه من الجهل بالماء الذي يغمر من دخل فيه، والغمرة في الأصل ما يغمرك ويعلوك، وأصلها الستر، والغمر الماء الكثير لأنه يغطي الأرض، وغمر الرداء هو الذي يشمل الناس بالعطاء، ويقال للحقد الغمر، والمراد هنا الحيرة والغفلة والضلالة، والآية خارجة مخرج التهديد لهم، والتسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا مخرج الأمر له صلى الله عليه وسلم بالكف عنهم، بل نهى له عن الاستعجال بعذابهم، والجزع من تأخيره. ومعنى (حتى حين) حتى يحضر وقت عذابهم بالقتل، أو حتى يموتوا على الكفر فيعذبون بالنار

المؤمنون 23:55

(أيحسبون) الهمزة للإنكار، والجواب عنه مقدر، يدل عليه قوله الآتي: بل لا يشعرون (أنما نمدهم به من مال وبنين) أي ما نعطيهم في هذه الدنيا من الأموال والبنين، ونجعله مدداً لهم.

المؤمنون 23:56

(نسارع لهم في الخيرات) أي فيما فيه خيرهم وإكرامهم، قال الزجاج: المعنى نسارع لهم به في الخيرات فحذفت به و (ما) في (أنما) موصولة والرابط هو هذا المحذوف، وقال الكسائي: إن (أنما) هو حرف واحد فلا تحتاج إلى رابط، وقرئ يسارع بالتحتية على أن فاعله هو الإمداد أو يسارع الله لهم، وقرئ بالنون، قال الثعلبي: وهذه هي الصواب لقوله: (نمدهم) وهذه الآية حجة على المعتزلة في مسألة الأصلح، لأنهم يقولون: إن الله لا يفعل بأحد من الخلق إلا ما هو أصلح له في الدين، وقد أخبر أن ذلك ليس بخير لهم في الدين ولا أصلح. (بل لا يشعرون) عطف على مقدر ينسحب إليه الكلام أي إضراب انتقالي عن الحسبان المستفهم عنه، استفهام تقريع، والمعنى كلا لا نفعل ذلك، بل هم لا يشعرون بشيء أصلاً كالبهائم التي لا تفهم ولا تعقل، فإن ما خوّلناهم من النعم وأمددناهم به من الخيرات، إنما هو استدراج لهم واستجرار إلى زيادة الإثم ليزدادوا إثماً، كما قال سبحانه (إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً) وهم يحسبونه مسارعة لهم في الخيرات، ولما نفى سبحانه الخيرات الحقيقية عن الكفرة المتنعمين أتبع ذلك بذكر من هو أهل للخيرات عاجلاً وآجلاً فوصفهم بصفات أربع. الأولى قوله:

المؤمنون 23:57

(إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) الإشفاق الخوف تقول أنا مشفق من هذا الأمر أي خائف، قيل الاشفاق هو الخشية فظاهر ما في الآية هو التكرار، وأجيب بحمل الخشية على العذاب أي من عذاب ربهم خائفون ولو من غير فعل خطيئة، وبه قال الكلبي ومقاتل، وأجيب أيضاً بحمل الاشفاق على ما هو أثر له وهو الدوام على الطاعة أي دائمون على طاعته وأجيب أيضاً بأن الاشفاق كمال الخوف فلا تكرار، وقيل هو تكرير للتأكيد كما أشار إليه في التقرير وفيه نظر. والصفة الثانية قوله:

المؤمنون 23:58

(والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) قيل المراد بالآيات هي التنزيلية، وقيل هي التكوينية؛ وقيل مجموعهما، قيل وليس المراد بالإيمان بها هو التصديق بوجودها فقط، فإن ذلك معلوم بالضرورة ولا يوجب المدح؛ بل المراد التصديق بكونها دلائل وأن مدلولها حق. والصفة الثالثة قوله:

المؤمنون 23:59

(والذين هم بربهم لا يشركون) معه غيره أي يتركون الشرك تركاً كلياً ظاهراً وباطناً. والصفة الرابعة قوله:

المؤمنون 23:60

(والذين يؤتون) أي يعطون (ما آتوا) أي ما أعطوا (وقلوبهم وجلة) أي خائفة أشد الخوف من أجل ذلك الإعطاء يظنون أن ذلك لا ينجيهم من عذاب الله، والجملة حالية. قال الزجاج: قلوبهم وجلة من (أنهم إلى ربهم راجعون) وسبب الوجل هو أن يخافوا أن لا يقبل منهم ذلك على الوجه المطلوب لا مجرد رجوعهم إليه سبحانه، وقيل المعنى أن من اعتقد الرجوع إلى الجزاء والحساب، وعلم أن المجازي والمحاسب هو الرب الذي لا تخفى عليه خافية لم يخل من وجل، وقرئ (يأتون ما أتوا) مقصوراً من الإتيان. قال الفراء: ولو صحت لم تخالف قراءة الجماعة لأن من العرب من يلزم في الهمز الألف في كل الحالات، قال النحاس: ومعناها يعملون ما عملوا يفعلون ما فعلوا من الطاعات. أخرج الترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه وغيرهم عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله، قول الله (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة) أهو الرجل يسرق ويزني ويشرب الخمر؟ وهو مع ذلك يخاف الله؛ قال: " لا، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويصلي وهو مع ذلك يخاف الله أن لا يتقبل منه " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 394.]]. وعن ابن عباس قال: يعطون ما أعطوا ويعملون خائفين، وعن ابن عمر قال: الزكاة، وعن عائشة قالت: هم الذين يخشون الله ويطيعونه. وأخرج البخاري في تاريخه والدارقطني والحاكم وصححه وغيرهم، عن عبيد بن عمير أنه سأل عائشة كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية (والذين يؤتون ما آتوا، والذين يؤتون ما أتوا) قالت: أيتهما أحب إليك؟ وقلت والذي نفسي بيده لأحدهما أحب إليّ من الدنيا وما فيها جميعاً، قالت أيتهما قلت الذين يأتون ما أتوا، فقالت أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها كذلك، وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف، وفي إسناده إسماعيل بن علي وهو ضعيف. أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (62) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ مِنْ هَذَا وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (63) حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (64) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (65) قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (66) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ (67)

المؤمنون 23:61

(أولئك) أي المتصفون بهذه الصفات (يسارعون في الخيرات) أي يبادرون بها ويرغبون في الطاعات أشد الرغبة، قال الفراء والزجاج: ينافسون فيها، وقيل يسابقون وقرئ يسرعون (وهم لها سابقون) اللام للتقوية أي هم سابقون إياها، وقيل اللام بمعنى إلى كما في قوله: (إن ربك أوحى لها) أي إليها وقيل هم سابقون الناس لأجلها، والأظهر أن الضمير يعود على الخيرات لتقدمها في اللفظ، وقيل يعود على الجنة، وقيل على السعادة. قال ابن عباس: أي سبقت لهم السعادة من الله، ثم لما انجر الكلام إلى ذكر أعمال المكلفين ذكر لها حكمين: الأول قوله:

المؤمنون 23:62

(ولا نكلف نفساً إلا وسعها) قد تقدم بيان هذا في آخر سورة البقرة، وفي تفسير الوسع قولان، الأول: أنه الطاقة، كما فسره بذلك أهل اللغة الثاني: أنه دون الطاقة؛ وبه قال مقاتل والضحاك والكلبي والمعتزلة قالوا: إن الوسع إنما سمي وسعاً لأنه يتسع على فاعله فعله، ولا يضيق عليه، فمن لم يستطع الجلوس فليومئ إيماء ومن لم يستطع الصوم فليفطر وهذه جملة مستأنفة للتحريض على ما وصف به السابقون من فعل الطاعات المؤدي إلى نيل الكرامات ببيان سهولته، وكونه غير خارج عن حد الوسع والطاقة، وأن ذلك عادة الله سبحانه في تكليف عباده، وهو رد على من جوز تكليف ما لا يطاق. (و) جملة (لدينا كتاب ينطق بالحق) من تمام ما قبلها من نفي التكليف بما فوق الوسع، والمراد بالكتاب صحائف الأعمال أي عندنا كتاب قد أثبت فيه أعمال كل واحد من المكلفين على ما هي عليه، يظهر به الحق المطابق للواقع من دون زيادة ولا نقص، ومثله قوله سبحانه (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) وفي هذا تهديد للعصاة، وتأنيس للمطيعين من الحيف والظلم، وقيل المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، فإنه قد كتب فيه كل شيء، وقيل المراد القرآن، والأول أولى، وفي هذه الآية تشبيه للكتاب ممن يصدر عنه البيان بالنطق بلسانه، فإن الكتاب يعرب عما فيه؛ كما يعرب الناطق المحق .. والمعنى ينطق متلبساً بالحق، وجملة (وهم لا يظلمون) مبينة لما قبلها من تفضله تعالى وعدله في جزاء عباده أي النفوس العاملة لا يظلمون شيئاً منها بنقص ثواب أو بزيادة عقاب، ومثله قوله سبحانه: (ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً) والجمع باعتبار عموم النفس لوقوعها في سياق النفي ثم أضرب سبحانه عن هذا فقال:

المؤمنون 23:63

(بل قلوبهم في غمرة) أي بل قلوب الكفار في غمرة غامرة لها (من هذا) الكتاب الذي ينطق بالحق أو عن الأمر الذي عليه المؤمنون يقال غمره الماء إذا غطاه، ونهر غمر يغطّي من دخله، والمراد بها هنا الغطاء والغفلة أو الحيرة والعمى والجهالة، قال ابن عباس: يعني بالغمرة الكفر والشك. (ولهم) أي للكفار (أعمال من دون ذلك) قال ابن عباس: يقول أعمال سيئة دون الشرك منها إقامة إمائهم في الزنا، وقال قتادة ومجاهد: أي لهم خطايا لا بد أن يعملوها من دون الحق. وقال الحسن وابن زيد: لهم أعمال سيئة لم يعملوها من دون ما هم عليه لا بد أن يعملوها فيدخلون النار، والمراد بال (دون) الغير أي الضد أي أن لهم أعمالاً مضادة ومخالفة لأوصاف المؤمنين، وقيل الإشارة بقوله: ذلك إما إلى أعمال المؤمنين، أو إلى أعمال الكفار أي لهم أعمال من دون أعمال المؤمنين، التي ذكرها الله، أو من دون أعمال الكفار التي تقدم ذكرها من كون قلوبهم في غفلة عظيمة مما ذكر، وهي فنون كفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما سيأتي من طعنهم في القرآن. قال الواحدي: إجماع المفسرين وأصحاب المعاني على أن هذا إخبار عما سيعملونها من أعمالهم الخبيثة؛ التي كتبت عليهم لا بد لهم أن يعملوها وجملة (هم لها عاملون) مقررة لما قبلها أي واجب عليهم أن يعملوها فيدخلوا بها النار لما سبق لهم في الأزل من الشقاوة لا محيص لهم عن ذلك أي مستمرون عليها؛ ثم رجع سبحانه إلى وصف الكفار فقال:

المؤمنون 23:64

(حتى) ابتدائية أو حرف جر أو غائية عاطفة، أقوال (إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون) مبينة لما قبلها، والضمير راجع إلى ما تقدم ذكره من الكفار، والمراد بالمترفين المتنعمون منهم وهم الذين أمدهم الله بما تقدم ذكره من المال والبنين أو المراد بهم الرؤساء منهم، والمراد بالعذاب هو عذابهم بالسيف يوم بدر، أو بالجوع بدعاء النبي (- صلى الله عليه وسلم -) عليهم حيث قال: " اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف " [[مسلم 675 - البخاري 483.]]. وقيل المراد عذاب الآخرة ورجح هذا بأن ما يقع منهم من الجؤار إنما يكون عند عذاب الآخرة لأنه الاستغاثة بالله، ولم يقع منهم ذلك يوم بدر ولا في سني الجوع، ويجاب عنه بأن الجؤار في اللغة الصراخ والصياح. قال الجوهري: الجؤار مثل الخوار، يقال: جأر الثور يجأر أي صاح وقد وقع منهم ومن أهلهم وأولادهم عند أن عذبوا بالسيف يوم بدر، وبالجوع في سني الجوع، وليس الجؤار هنا مقيداً بالجؤار الذي هو التضرع بالدعاء حتى يتم ما ذكره هذا القائل وجملة (إذا هم يجأرون) جواب الشرط وإذا هي الفجائية والمعنى حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب فأجاءوا الصراخ. قال ابن عباس: يجأرون يستغيثون أي بربهم، ويلتجئون إليه في كشف العذاب عنهم، ومع ذلك لا ينفعهم، ولذلك أخبر سبحانه أنه يقال لهم حينئذ على جهة التبكيت

المؤمنون 23:65

(لا تجأروا اليوم) فالقول مضمر والجملة مسوقة لتبكيتهم وإقناطهم وقطع أطماعهم. وخصص سبحانه المترفين مع أن العذاب لاحق بهم جميعاً واقع على مترفيهم وغير مترفيهم لبيان أنهم بعد النعمة التي كانوا فيها صاروا إلى حالة تخالفها وتباينها، فانتقلوا من النعيم التام إلى الشقاء الخالص، وخص اليوم بالذكر للتهويل والمعنى لا تصيحوا ولا تضجوا ولا تضجروا ولا تجزعوا ولا تستغيثوا. والجؤار الصراخ باستغاثة. وفي القاموس جأر كمنع جأراً وجؤاراً رفع صوته بالدعاء وتضرع واستغاث، والبقرة والثور صاحا، والنبات طال، والأرض طال نبتها. (إنكم منا لا تنصرون) تعليل للنهي عن الجؤار، والمعنى إنكم من عذابنا لا تمنعون ولا ينفعكم جزعكم. وقيل المعنى لا يلحقكم من جهتنا نصرة تمنعكم مما دهمكم من العذاب، ثم عدد الله سبحانه عليهم قبائحهم توبيخاً لهم فقال:

المؤمنون 23:66

(قد كانت آياتي) أي القرآن (تتلى عليكم) في الدنيا (فكنتم على أعقابكم تنكصون) أي ترجعون وراءكم. قال ابن عباس: تدبرون؛ وأصل النكوص أن يرجع القهقرى؛ أي إلى جهة الخلف، وهو أقبح المشيات لأنه لا يرى ما وراءه، وهو هنا استعارة للإعراض عن الحق، وقرأ علي بن أبي طالب على أدباركم بدل على أعقابكم.

المؤمنون 23:67

(مستكبرين به) أي بالبيت العتيق. وقيل بالحرم، والذي سوغ الإضمار قبل الذكر اشتهارهم بالاستكبار به وافتخارهم بولايته والقيام به، وكانوا يقولون لا يظهر علينا أحد لأنا أهل الحرم وخدامه، وإلى هذا ذهب جمهور المفسرين، وقيل الضمير عائد إلى القرآن، والمعنى أن سماعه يحدث لهم كبراً وطغياناً فلا يؤمنون به، قال ابن عطية: وهذا قول جيد، وقال النحاس: القول الأول أولى، وبينه بما ذكرناه، فعلى الأول يكون به متعلقاً بمستكبرين؛ وعلى الثاني بقوله: (سامراً) لأنهم كانوا يجتمعون حول البيت بالليل يسمرون، وكان عامة سمرهم ذكر القرآن والطعن فيه؛ والسامر كالحاضر، والحاج والراكب والغائب في الإطلاق على الجمع قال الواحدي: السامر الجماعة يسمرون بالليل، أي يتحدثون وقيل مأخوذ من السمر، وهو سهر الليل. وقال الراغب: السامر الليل المظلم، وقرئ سمراً وسماراً: ورويت هذه عن ابن عباس. قال: الراغب ويقال سامر وسمار وسمر وسامرون. ويجوز أن يتعلق (به) بقوله: (تهجرون) والهجر -بالفتح- الهذيان، أي يهذون في شأن القرآن؛ أو من الهجر -بالضم- وهو الفحش، وقرئ تُهْجِرون من أهجر، أي افحش في منطقه، ومن هجّر بالتشديد، ومن الهجران وهو الترك. ومن الهجر بسكون الجيم وهو القطع والصد، أي تهجرون آيات الله ورسوله وتزهدون فيهما فلا تصلونهما، وقرئ بالتحتية وفيه التفات. قال ابن عباس: تسمرون حول البيت وتقولون هجراً، وكانت قريشاً يتحلقون حلقاً يتحدثون حول البيت، وعنه قال: كان المشركون يهجرون برسول الله صلى الله عليه وسلم في القول بسمرهم، وعنه قال: إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية. أخرجه النسائي. أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (68) أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (69) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (70) وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (71) أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (72) وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (73) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (74)

المؤمنون 23:68

(أفلم يدبّروا القول) بين سبحانه أن سبب إقدامهم على الكفر هو أحد هذه الأمور الأربعة: الأول: عدم التدبر في القرآن، فإنهم لو تدبروا معانيه لظهر لهم صدقه وآمنوا به وبما فيه، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر، أي فعلوا ما فعلوا فلم يتدبروا، والمراد بالقول القرآن. ومثله (أفلا يتدبرون القرآن). والثاني قوله: (أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين) أم هي المنقطعة، أي بل أجاءهم من الكتاب فكان ذلك سبباً لاستكبارهم للقرآن، والمقصود تقرير أنه لم يأت آباءَهم الأولين رسول فلذلك أنكروه ومثله قوله: (لتنذر قوماً ما أنذر آباؤهم). وقيل إنه أتى آباءهم الأقدمين رسل، أرسل الله إليهم كما هي سنة الله سبحانه في إرسال الرسل إلى عباده، فقد عرف هؤلاء ذلك، فكيف كذبوا هذا القرآن؟ وقيل المعنى أم جاءهم من الأمن من عذاب الله ما لم يأت آباءهم الأولين كإسماعيل ومن بعده. والثالث قوله:

المؤمنون 23:69

(أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون) وفي هذا إضراب وانتقال من التوبيخ بما تقدم إلى التوبيخ بوجه آخر، أي بل ألم يعرفوه بالأمانة والصدق فأنكروه، ومعلوم أنهم قد عرفوه بذلك، عن أبي صالح قال: عرفوه ولكنهم حسدوه. والرابع قوله:

المؤمنون 23:70

(أم يقولون به جنة) هذا أيضاً انتقال من توبيخ إلى توبيخ أي بل أيقولون به جنون؟ مع أنهم قد علموا أنه أرجح الناس عقلاً وأثقبهم ذهناً وأوجههم لباً، ولكنه جاء بما يخالف هواهم، فدفعوه وجحدوه تعصباً وحمية، وسيأتي خامس في قوله، (أم تسألهم خرجاً)، ثم أضرب سبحانه عن ذلك كله فقال: (بل جاءهم بالحق) أي ليس الأمر كما زعموا في حق القرآن والرسول، بل جاءهم متلبساً بالحق، والحق هو الدين القويم، أو القرآن المشتمل على التوحيد وشرائع الإسلام، وعن أبي صالح قال: الحق هو الله عز وجل. (وأكثرهم للحق كارهون) لما جبلوا عليه من التعصب والانحراف عن الصواب والبعد عن الحق، فلذلك كرهوا هذا الحق الواضح الظاهر، والمراد بالحق هنا أعم من الأول؛ فلذلك أتى به مظهراً في مقام المضمر، وظاهر النظم القرآني أنّ أقلهم كانوا لا يكرهون الحق ولكنهم لم يظهروا الإيمان خوفاً من الكارهين له أو لقلة فطنتهم وعدم فكرتهم لا لكراهة الحق.

المؤمنون 23:71

(ولو اتبع الحق أهواءهم) مستأنفة لبيان أنه لو جاء الحق على ما يهوونه ويريدونه من الشريك والولد لله تعالى لكان ذلك مستلزماً للفساد العظيم وخروج نظام العالم عن الصلاح بالكلية، وهو معنى قوله: (لفسدت السماوات والأرض) قال ابن جريج ومقاتل والسدي: الحق هو الله؛ والمعنى لو جعل الله مع نفسه كما تحبون شريكاً لفسدت هي (ومن فيهن) وقال الفراء والزجاج: الحق القرآن، أي لو نزل القرآن بما يحبون من الشرك لفسد نظام العالم، وقيل المعنى لو كان الحق ما يقولون من اتخاذ الآلهة مع الله لأختلفت الآلهة، ومثل ذلك قوله: (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) لوجود التمانع في الشيء عادة عند تعدد الحاكم وقد ذهب إلى القول الأول الأكثرون، ولكنه يرد عليه أن المراد بالحق هنا هو الحق المذكور قبله، من قوله: (بل جاءهم بالحق)، ولا يصح أن يكون المراد به هنالك الله سبحانه، فالأولى تفسير الحق هنا وهناك بالصدق الصحيح من الدين الخالص من شرع الله، والمعنى ولو ورد الحق متابعاً لأهوائهم موافقاً لفاسد مقاصدهم لحصل الفساد، والمراد بمن في السماوات والأرض ما فيهما من المخلوقات وخص العقلاء بالذكر لأن غيرهم تبع. وقرأ ابن مسعود: وما بينهما، وسبب فساد المكلفين من بني آدم ظاهر، وهو ذنوبهم التي من جملتها الهوى المخالف للحق، وأما فساد ما عداهم فعلى وجه التبع لأنهم مدبرون في الغالب بذوي العقول، فلما فسدوا فسدوا، ثم ذكر سبحانه أن نزول القرآن عليهم من جملة الحق فقال: (بل أتيناهم بذكرهم) إضراب وانتقال عن قوله: (وأكثرهم للحق كارهون) أي كيف يكرهون الحق مع أن القرآن أتاهم بتشريفهم وتعظيمهم، فاللائق بهم الانقياد، فالمراد بالذكر هنا القرآن، أي أتيناهم بالكتاب الذي هو فخرهم وشرفهم لأن الرسول منهم والقرآن بلغتهم؛ ومثله قوله: (وإنه لذكر لك ولقومك) وحاصل المعنى بل أتيناهم بفخرهم وشرفهم الذي كان يجب عليهم أن يقبلوه، ويقبلوا عليه وقال قتادة: المعنى بذكرهم الذي ذكر فيه ثوابهم وعقابهم. وقيل المعنى بذكر ما لهم به حاجة من أمر الدين. وقرئ أتيتهم بتاء التكلم وأتيتهم بتاء الخطاب، أي أتيتهم يا محمد، وقرئ بذكراهم، ونذكرهم بصيغة التكلم من التذكير، وقيل الذكر هو الوعظ، وقيل الذي كانوا يتمنونه، ويقولون لو أن عندنا ذكراً من الأولين وقال ابن عباس: أتيناهم بينّا لهم. (فهم) بما فعلوا من الاستكبار والنكوص (عن ذكرهم) المختص بهم (معرضون) بسوء اختيارهم لا يلتفتون إليه بحال من الأحوال، وأتى بذكرهم مظهراً للتوكيد والتشنيع عليهم، وفي هذا التركيب ما يدل على أن إعراضهم مختص بذلك لا يتجاوزه إلى غيره؛ ثم بين سبحانه أن دعوة نبيه صلى الله عليه وسلم ليست مشوبة بأطماع الدنيا فقال:

المؤمنون 23:72

(أم) منقطعة، والمعنى لكنهم يزعمون أنك (تسألهم خرجاً) تأخذه على الرسالة، والخرج الأجر والجعل، فتركوا الإيمان بك وبما جئت به لأجل ذلك مع أنهم يعلمون أنك لم تسألهم ذلك ولا طلبته منهم (فخراج) أي فرزق (ربّك) الذي يرزقك في الدنيا وأجره الذي يعطيك في الآخرة (خير) لك وقرئ خراجاً، والخرج هو الذي يكون مقابلاً للدخل، يقال لكل ما تخرجه إلى غيرك خرجاً، والخراج غالب في الضريبة على الأرض. قال المبرّد: الخرج المصدر والخراج الاسم. وقال أبو عمرو بن العلاء: الخراج ما لزمك والخرج ما تبرعت به، وروي عنه أيضاً الخرج من الرقاب والخراج من الأرض، فالخرج أخص من الخراج، تقول خراج القرية وخرج الكوفة، فزيادة اللفظ لزيادة المعنى. (وهو خير الرازقين) أي أفضل المعطين، والجملة مقررة لما قبلها من كون خراجه سبحانه خيراً، ثم لما أثبت سبحانه لرسوله من الأدلة الواضحة المقتضية لقبول ما جاء به ونفي عنه أضداد ذلك قال:

المؤمنون 23:73

(وإنّك لتدعوهم إلى صراط مستقيم) أي إلى طريق واضحة تشهد العقول بأنها مستقيمة غير معوجة، والصراط في اللغة الطريق، فسمي الدين طريقاً لأنها تؤدى إليه، ثم وصفهم سبحانه بأنهم على خلاف ذلك فقال:

المؤمنون 23:74

(وإنّ الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون) يقال نكب عن الطريق ينكب نكوباً إذا عدل عنه ومال إلى غيره، والنكوب والنكب العدول والميل، ومنه النكباء للريح بين ريحين، سميت بذلك لعدولها عن المهاب، والمعنى أن هؤلاء الموصوفين بعدم الإيمان بالآخرة، أي البعث والثواب والعقاب، لعادلون عن صراط أو عن جنس الصراط، ثم بين سبحانه أنهم مصرّون على الكفر لا يرجعون عنه بحال فقال: وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (75) وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (76) حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (77) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (78) وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (79) وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (80) بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (81)

المؤمنون 23:75

(ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر) أي من قحط وجدب (للجوا في طغيانهم) أي لتمادوا في ضلالهم، وأصل اللجاج التمادي في العناد، ومنه اللَّجة بالفتح لتردد الصوت؛ ولجة البحر تردد أمواجه، ولجة الليل تردد ظلامه وقيل المعنى لو رددناهم إلى الدنيا ولم ندخلهم النار وامتحناهم للجوا في طغيانهم (يعمهون) أي يترددون ويتذبذبون ويخبطون.

المؤمنون 23:76

(ولقد أخذناهم بالعذاب) تأكيد للشرطية مسوق لتقريرها، والعذاب قيل هو الجوع الذي أصابهم في سني القحط، وقيل المرض وقيل القتل يوم بدر، واختاره الزجاج. وقيل الموت، وقيل المراد من أصابه العذاب من الأمم الخالية. (فما استكانوا) أي ما خضعوا ولا تذللوا (لربهم) بل أقاموا على ما كانوا فيه من التمرد على الله والانهماك في معاصيه (وما يتضرعون) أي وما يخشعون لله في الشدائد عند إصابتها لهم ولا يدعونه لرفع ذلك. أخرج النسائي والطبراني والحاكم وصححه وغيرهم عن ابن عباس قال: جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز " يعني الوبر بالدم، فأنزل الله (ولقد أخذناهم بالعذاب) إلى آخر الآية [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 394.]]، وأصل الحديث في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال: " اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف " الحديث [[البخاري كتاب الدعوات باب 58 - الترمذي تفسير سورة 44/ 1.]]، وأخرج البيهقي وغيره عن ابن عباس أن ابن أثال الحنفي لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أسير فخلى سبيله لحق باليمامة فحال بين أهل مكة وبين الميرة من اليمامة حتى أكلت قريش العلهز، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أليس تزعم أنك بعثت رحمة للعالمين؟ قال: بلى قال: فلقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع " فأنزل الله هذه الآية. وعن علي بن أبي طالب في الآية قال: " أي لم يتواضعوا في الدنيا ولم يخضعوا ولو خضعوا لله لاستجاب لهم ".

المؤمنون 23:77

(حتى) ابتدائية (إذا فتحنا عليهم باباً ذا عذاب شديد) قيل هو عذاب الآخرة، وقيل قتلهم يوم بدر بالسيف. قاله ابن عباس. وقيل القحط الذي أصابهم. وقيل فتح مكة. وقيل قيام الساعة (إذا هم فيه مبلسون) أي متحيرون لا يدرون ما يصنعون، والإبلاس التحير والأياس من كل خير. وقرئ مبلَسون بفتح اللام من أبلسه أي أدخله في الإبلاس والبلاس، مثل سلام المسح وهو فارسي معرب، وأبلس أيس، وقد تقدم في الأنعام.

المؤمنون 23:78

(وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة) امتنّ الله سبحانه عليهم ببعض النعم التي أعطاهم، والمقصود به التقريع والتوبيخ بالنسبة للكافرين وتذكير النعم بالنسبة للمؤمنين وهي نعمة السمع والبصر والفؤاد فصارت هذه الأمور معهم ليسمعوا المواعظ وينظروا العبر ويتفكروا بالأفئدة فلم ينتفعوا بشيء من ذلك لإصرارهم على الكفر وبعدهم عن الحق ولم يشكروه على ذلك ولهذا قال: (قليلاً ما تشكرون) أي شكراً قليلاً حقيراً غير معتدّ به باعتبار تلك النعم الجليلة، وقيل المعنى أنهم لا يشكرونه ألبتّة لا أن لهم شكراً قليلاً، كما يقال لجاحد النعمة ما أقل شكره أي لا يشكر، ومثل هذه الآية قوله: (فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم) وفيه تنبيه على أن من لم يعمل هذه الأعضاء فيما خلقت له فهو بمنزلة عادمها.

المؤمنون 23:79

(وهو الذي ذرأكم في الأرض) أي بثّكم فيها بالنسل كما تبث الحبوب، وقد تقدم تحقيقه (وإليه تحشرون) أي تجمعون يوم القيامة بعد تفرقكم

المؤمنون 23:80

(وهو الذي يحيي) النسم بالإنشاء ونفخ الروح في المضغة (ويميت) النسم بالإفناء على جهة الانفراد والاستقلال، وفي هذا تذكير بنعمة الحياة وبيان الانتقال منها إلى الدار الآخرة. (وله اختلاف الليل والنهار) خلقاً وإيجاداً، قال الفراء: هو الذي جعلهما مختلفين يتعاقبان، ويختلفان في السواد والبياض، وقيل اختلافهما نقصان أحدهما وزيادة الآخر، وقيل تكرارهما يوماً بعد يوم وليلة بعد ليلة. (أفلا تعقلون) كنه قدرته وتتفكرون في ذلك، ثم بين سبحانه أنه لا شبهة لهم في إنكار البعث إلا التشبث بحبل التقليد المبني على مجرد الاستبعاد فقال:

المؤمنون 23:81

(بل قالوا مثل ما قال الأولون) أي آباؤهم والموافقون لهم في دينهم من قوم نوح، وهود وصالح وغيرهم، ثم بين ما قاله الأولون فقال: قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (82) لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (83) قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (85) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (86) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (87) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (89)

المؤمنون 23:82

(قالوا أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون)؟ فهذا مجرد استبعاد لم يتعلقوا فيه بشيء من الشبه، ثم كملوا ذلك القول بقولهم:

المؤمنون 23:83

(لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل) أي وعدنا هذا البعث الآن ووعده آباؤنا الكائنون من قبلنا فلم نصدقه كما لم يصدقوه ثم صرحوا بالتكذيب، وفرّوا إلى مجرد الزعم الباطل فقالوا: (إن هذا إلا أساطير الأولين) أي ما هذا إلا أكاذيب الأولين التي سطروها في الكتب جمع أسطورة كأحدوثة، والأساطير: الأباطيل والترهات والكذب، وقيل جمع أسطار وهو جمع سطر، والأول أوفق، والمعنى لم نر هذا الوعد شيئاً، وإنا رأيناه أساطير الأولين، ثم أمر الله سبحانه نبيه (- صلى الله عليه وسلم -) أن يسأل أهل مكة عن أمور لا عذر لهم من الاعتراف فيها فقال:

المؤمنون 23:84

(قل لمن الأرض ومن فيها) المراد بمن الخلق جميعاً وعبر عنهم بمن تغليباً للعقلاء و (لمن) خبر مقدم والأرض مبتدأ مؤخر (إن كنتم تعلمون) شيئاً من العلم، وجواب الشرط محذوف أي فأخبروني، وفي هذا تلويح بجهلهم وفرط غباوتهم.

المؤمنون 23:85

(سيقولون لله) أي لا بد أن يقولوا ذلك لأنه معلوم ببداهة العقل وهذا إخبار من الله بما يقع منهم في الجواب قبل وقوعه، ثم أمره سبحانه أن يقول لهم بعد اعترافهم (قل أفلا تذكرون) ترغيباً لهم في التدبر وإمعان النظر والفكر فإن ذلك مما يقودهم إلى اتباع الحق وترك الباطل، لأن من قدر على ذلك ابتداء قدر على إحياء الموتى.

المؤمنون 23:86

(قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله) جاء سبحانه باللام نظراً إلى معنى السؤال، فإن قولك: مَن ربّه؟ ولمن هو؟ في معنى واحد كقولك: مَن رب هذه الدار؟ فيقال: زيد؛ ويقال لزيد، وقرئ الله بغير لام نظراً إلى لفظ السؤال، وهذا أوضح من الأولى، ولكنه يؤيدها أنها مكتوبة في جميع المصاحف باللام بدون الألف.

المؤمنون 23:87

(قل أفلا تتقون) عبادة غيره أو تحذرون عقابه أو قدرته على البعث، فلا تشركوا به، وفيه تنبيه على أن اتقاء عذاب الله لا يحصل إلا بترك عبادة الأوثان، والاعتراف بجواز الإعادة، فهذا الختم أبلغ من ختم الآية الأولى لاشتماله على الوعيد الشديد، ولما ذكر الأرض أولاً والسماء ثانياً، عمم الحكم هاهنا فقال:

المؤمنون 23:88

(قل من بيده ملكوت كل شيء)؟ الملكوت الملك وزيادة التاء للمبالغة نحو جبروت ورحموت ورهبوت، وقال مجاهد: يعني خزائن كل شيء (وهو يجير) أي أنه يغيث غيره إذا شاء ويمنعه (ولا يجار عليه) أي لا يمنع أحد أحداً من عذاب الآخرة؛ ولا يقدر على نصره وإغاثته، يقال: أجرت فلاناً إذا استغاث بك فحميته. وأجرت عليه إذا حميت عنه؛ والمعنى يحمي ولا يحمى عليه (إن كنتم تعلمون) فأجيبوا:

المؤمنون 23:89

(سيقولون لله) قرئ باللام نظراً إلى معنى السؤال كما سلف، وقرئ بغير لام نظراً إلى لفظ السؤال (قل فأنى تسحرون)؟ قال الفراء والزجاج: أي تصرفون عن الحق وتخدعون، والمعنى كيف يخيل إليكم الحق باطلاً؟ والصحيح فاسداً، والخادع لهم هو الشيطان أو الهوى أو كلاهما، ثم بين الله سبحانه أنه قد بالغ في الاحتجاج عليهم فقال: بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (90) مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (92) قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (93) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (94) وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (95) ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (96) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (97)

المؤمنون 23:90

(بل أتيناهم بالحق) أي بالأمر الواضح الذي يحق اتباعه (وإنهم لكاذبون) فيما ينسبونه إلى الله تعالى من الولد والشريك، ثم نفاهما عن نفسه فقال:

المؤمنون 23:91

(ما اتخذ الله من ولد) لأنه منزه عن النوع والجنس وولد الرجل من جنسه (وما كان معه من إله) شريك في الألوهية، ومن في الموضعين زائدة لتوكيد النفي، ثم بين سبحانه ما يستلزمه ما يدعيه الكفار من إثبات الشريك فقال: (إذاً لذهب كل إله بما خلق) وفي الكلام حذف أي لو كان مع الله آلهة أخرى لانفرد كل إله بخلقه واستبد به وامتاز ملكه عن ملك الآخر، ووقع بينهم التطالب والتحارب والتغالب. (ولعلا بعضهم على بعض) أي ولغلب القوي على الضعيف وقهره وأخذ ملكه كعادة الملوك من بني آدم، وحينئذ فذلك الضعيف المغلوب لا يستحق أن يكون إلهاً، وإذا تقرر عدم إمكان المشاركة في ذلك وأنه لا يقوم به إلا واحد؛ تعين أن يكون هذا الواحد هو الله سبحانه، وهذا الدليل كما دل على نفي الشريك فإنه يدل على نفي الولد لأن الولد ينازع أباه في ملكه، ثم نزّه سبحانه نفسه فقال: (سبحان الله عما يصفون) من الشريك والولد، وإثبات ذلك لله عز وجل

المؤمنون 23:92

(عالم الغيب والشهادة) أي هو مختص بعلم ما غاب وما شوهد، وأما غيره سبحانه فهو وإن علم الشهادة لا يعلم الغيب، وهذا دليل آخر على الوحدانية بواسطة مقدمة أخرى كأنه قيل الله علمهما وغيره لا يعلمهما فغيره ليس بإله وهذا من قبيل الشكل الثاني، وقرئ بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الله، وقرئ بالجر على أنه صفة لله عز وجل أو بدل منه، وروي عن يعقوب أنه كان يخفض إذا وصل ويرفع إذا ابتدأ. (فتعالى) الله (عما يشركون) عطف على معنى ما تقدم؛ كأنه قال: علم الغيب فتعالى، أو أقول: فتعالى، والمعنى أنه سبحانه متعال متعال عن أن يكون له شريك في الملك.

المؤمنون 23:93

(قل رب إمّا تريني ما يوعدون) أي إن كان ولا بد أن تريني العذاب المستأصل لهم

المؤمنون 23:94

(رب فلا تجعلني في القوم الظالمين) قال الزجاج: أي إن أنزلت بهم النقمة يا رب، فاجعلني خارجاً عنهم يعني إن النداء معترض، وذكر الرب مرتين قبل الشرط وبعده مبالغة في التضرع والابتهال، وأمره الله أن يسأله أن لا يجعله في القوم الظالمين مع أن الأنبياء لا يكونون معهم أبداً تعليماً له صلى الله عليه وسلم من ربه كيف يتواضع ويهضم نفسه أو لكون شؤم الكفر قد يلحق من لم يكن من أهله كقوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصّة) ثم لما كان المشركون ينكرون العذاب ويسخرون من النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر لهم ذلك أكد سبحانه وقوعه بقوله:

المؤمنون 23:95

(وإنّا على أن نريك ما نعدهم لقادرون) يعني أن الله سبحانه قادر على أن يرى رسوله عذابهم ولكنه يؤخره لعلمه بأن بعضهم سيؤمن أو لكون الله سبحانه لا يعذبهم والرسول فيهم، وقيل قد أراه الله سبحانه ذلك يوم بدر ويوم فتح مكة ثم أمره سبحانه بالصبر إلى أن ينقضي الأجل المضروب فقال:

المؤمنون 23:96

(ادفع بالتي هي أحسن السيئة) أي ادفع بالخصلة التي هي أحسن من غيرها وهي الصفح والإعراض عما يفعله الكفار من الخصلة السيئة وهي الشرك، قيل وهذه الآية منسوخة بآية السيف وقيل هي في حق هذه الأمة فيما بينهم منسوخة في حق الكفار. قال مجاهد: أي أعرض عن أذاهم إياك، وقال عطاء: ادفع بالسلام وعن أنس قال: هو قول الرجل لأخيه ما ليس فيه فيقول: إن كنت كاذباً فأنا أسأل الله أن يغفر لك وإن كنت صادقاً فأنا أسأل الله أن يغفر لي. (نحن أعلم بما يصفون) إياك به مما أنت على خلافه أو بما يصفون من الشرك والتكذيب وفي هذا وعيد لهم بالعقوبة، ثم علمه سبحانه ما يقويه على ما أرشده إليه من العفو والصفح ومقابلة السيئة بالحسنة فقال:

المؤمنون 23:97

(وقل رب أعوذ بك) أي أعتصم (من همزات الشياطين) جمع همزة وهي في اللغة الدفعة باليد أو بغيرها؛ يقال همزة ولمزة ونخسة أي دفعة، وقيل الهمز كلام من وراء القفا، واللمز المواجهة، والمراد بها هنا خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان ووساوسه، وقيل نفخهم ونفثهم، والجمع للمرات أو لتنوع الوساوس، أو لتعدد المضاف إليه، وفي الآية إرشاد لهذه الأمة إلى التعوذ من الشيطان، ومن همزات الشياطين؛ وهي سورات الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه. وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (98) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (103) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (104) أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (105)

المؤمنون 23:98

(وأعوذ بك رب أن يحضرون) أمره الله سبحانه أن يتعوذ بالله من حضور الشياطين بعد ما أمره أن يتعوذ من همزاتهم؛ وأُعيد كل من العامل والنداء مبالغة ولزيادة اعتناء بهذه الاستعاذة، والمعنى وأعوذ بك أن يكونوا معي في حال من الأحوال فإنهم إذا حضروا الإنسان لم يكن عمل إلا الوسوسة، والإغراء على الشر، والصرف عن الخير، وفي قراءة أُبيّ " وقل رب عائذاً بك ". وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والبيهقي، عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات نقولهن عند النوم من الفزع: " بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده، ومن همزات الشياطين وأن يحضرون " قال: فكان ابن عمرو يعلمها من بلغ من أولاده أن يقولها عند نومه، ومن كان منهم صغيراً - لا يغفل أن يحفظها كتبها له، فعلقها في عنقها [[أبو داوود كتاب الطب 19 - الترمذي كتاب الدعوات 90.]] وفي إسناده محمد ابن إسحاق وفيه مقال معروف وأخرج أحمد عن الوليد بن الوليد أنه قال: يا رسول الله إني أجد وحشة قال: " إذا أخذت مضجعك فقل أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون، فإنّه لا يحضرك وبالحري لا يضرك " [[الإمام أحمد 2/ 161.]].

المؤمنون 23:99

(حتى إذا جاء أحدَهم الموتُ) حتى هي الابتدائية دخلت على الشرطية، وهي مع ذلك غاية لما قبلها متعلقة بقوله لكاذبون. وقيل بيصفون والمراد بمجيء الموت مجيء علاماته، أي رأس مقعده من النار ومقعده من الجنة لو آمن (قال) أي ذلك الأحد الذي حضره الموت تحسراً وتحزناً على ما فرط منه. (رب ارجعون) أي ردوني إلى الدنيا، وإنما قال بضمير الجماعة لتعظيم المخاطب، وقيل هو على معنى تكرير الفعل، أي ارجعني ارجعني ارجعني، قاله أبو البقاء، ومثله قوله تعالى: (ألقيا في جهنم) قال المازني: معناه ألق ألق، وهكذا قيل في قول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ومثله قول الحجاج: يا حرسي اضربا عنقه. وقول الآخر: ألا فارحمون يا إله محمد وقيل إنهم لما استغاثوا بالله قال قائلهم: رب؛ ثم رجع إلى مخاطبة الملائكة فقال: ارجعون

المؤمنون 23:100

(لعلي أعمل) عملاً (صالحاً) في الدنيا إذا رجعت إليها من الإيمان وما يتبعه من أعمال الخير. أخرج ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إذا أدخل الكافر في قبره فيرى مقعده من النار، قال: (رب ارجعون) أتوب وأعمل صالحاً، فيقال له قد عمّرت ما كنت معمِّراً، فيضيق عليه قبره، فهو فالمنهوش ينازع ويفزع، تهوي إليه حيات الأرض وعقاربها. وعن ابن جريج قال: زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: " إن المؤمن إذا عاين الملائكة، قالوا: نرجعك إلى الدنيا؟ فيقول: إلى دار الهموم والأحزان؟ بل قدما إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً، وهو مرسل. وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا حضر الإنسان الوفاة يجمع له كل شيء يمنعه عن الحق فيجعل بين عينيه، فعند ذلك يقول رب ارجعون " الآية. وعن ابن عباس في قوله: (أعمل صالحاً) قال: أقول لا إله إلا الله (فيما تركت) أي في الموضع الذي ضيعت أو منعت، وقيل خلفت من التركة وهو الدنيا لأنه ترك الدنيا وصار إلى العقبى. قال قتادة: ما تمنى أن يرجع إلى أهله وعشيرته ولا ليجمع الدنيا ويقضى الشهوات، ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله، فرحم الله امْرءاً عمل فيما تمناه الكافر إذا رأى العذاب. ولما تمنى أن يرجع ليعمل، رد الله عليه ذلك بقوله: (كلاّ إنها كلمة هو قائلها) فجاء بكلمة الردع والزجر، والضمير في (إنها) يرجع إلى قوله: (رب ارجعون) أي أن هذه الكلمة هو قائلها لا محالة لا يخليها ولا يسكت عنها لاستيلاء الحسرة والندم عليه، وليس الأمر كما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا؛ أو المعنى أنه لو أجيب إلى ذلك لما حصل منه الوفاء كما في قوله: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) وقيل إن الضمير في (هو) يرجع إلى الله، أي لا خلف في خبره، وقد أخبرنا بأنه لا يؤخر نفساً إذا جاء أجلها. (ومن ورائهم) أي من أمامهم وبين أيديهم، والضمير للأحد والجمع باعتبار المعنى لأنه في حكم كلهم، كما أن الأفراد في الضمائر الأول باعتبار اللفظ (برزخ) هو الحاجز بين الشيئين. قاله الجوهري، واختلف في معنى الآية فقال الضحاك ومجاهد وابن زيد: حاجز بين الموت والبعث. وقال الكلبي: هو الأجل بين النفختين وبينهما أربعون سنة. وقال السدي: هو الأجل، وقيل: بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا. (إلى يوم يبعثون) أي يوم القيامة، وهو اقناط كلي عن الرجوع إلى الدنيا لما علم أنه لا رجعة يوم البعث إلى الدنيا، وإنما الرجوع فيه إلى حياة تكون في الآخرة. عن عائشة قالت: ويل لأهل المعاصي من أهل القبور، تدخل عليهم في قبورهم حيات سود، حية عند رأسه وحية عند رجليه، تقرضانه حتى تلتقيا في وسطه، فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون).

المؤمنون 23:101

(فإذا نفخ في الصور) قيل هذه هي النفخة الأولى، قاله ابن عباس. وقيل الثانية قاله ابن مسعود وهذا أولى. وهي النفخة التي بين البعث والنشور. وقيل المعنى فإذا نفخ في الأجساد أرواحها، على أن الصور جمع صورة لا القرن وقد قرئ بها وبضم الصاد وسكون الواو، والقرن الذي ينفخ فيه (فلا أنساب بينهم يومئذ) يتفاخرون بها أو تنفعهم لزوال التراحم والتعاطف، أي لا يذكرونها لما هم فيه من فرط الحيرة واستيلاء الدهشة، وهو جمع نسب وهو القرابة. (ولا يتساءلون) أي لا يسأل بعضهم بعضاً عنها، فإن لهم إذ ذاك شغلاً شاغلاً. ومنه قوله: (يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) وقوله: (ولا يسأل حميم حميماً) ولا ينافي هذا ما في الآية الأخرى من قوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فإن ذلك محمول على اختلاف المواقف يوم القيامة فالإثبات باعتبار بعضها والنفي باعتبار بعض آخر، كما قررناه في نظائر هذا، مما أثبت تارة ونفي أخرى. وعن ابن عباس في الآية قال: حين ينفخ في الصور فلا يبقى حي إلا الله. وعنه أنه سئل عن هذه الآية. وقوله: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) قال: إنها مواقف، فأما الموقف الذي لا أنساب بينهم ولا يتساءلون فعند الصعقة الأولى لا أنساب بينهم فيها إذا صعقوا، فإذا كانت النفخة الآخرة فإذا هم قيام يتساءلون وعنه أنه سئل عن الآيتين فقال: هذا في النفخة الأولى حين لا يبقى على الأرض شيء، وذاك لما دخلوا الجنة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون وعن ابن مسعود قال: إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين، وفي لفظ يؤخذ بيد العبد أو الأمة يوم القيامة على رؤوس الأولين والآخرين، ثم يناد مناد ألا إن هذا فلان بن فلان فمن كان له حق قبله فليأت إلى حقه. وأخرج أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن المسور بن مخرمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري " [[الإمام أحمد 4/ 323 - 4/ 332.]]. وأخرج البزار والطبراني وأبو نعيم والحاكم والضياء في المختارة عن عمر ابن الخطاب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي " [[صحيح الجامع الصغير 4403.]]. وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري " [[صحيح الجامع الصغير 4440.]] وأخرج أحمد عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: " ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه، بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة، وإني أيها الناس فرط لكم " [[أحمد بن حنبل 3/ 18 - 3/ 39.]].

المؤمنون 23:102

(فمن ثقلت موازينه) أي موزوناته من أعماله الصالحة، فالموازين جمع موزون ويجوز كونه جمع ميزان ومع وحدته جمعه لتعدد الموزون (فأولئك هم المفلحون) أي الفائزون بمطالبهم المحبوبة الناجون من الأمور التي يخافونها.

المؤمنون 23:103

(ومن خفت موازينه) وهي أعماله الصالحة (فأولئك الذين خسروا أنفسهم) أي ضيعوها وتركوا ما ينفعها (في جهنم خالدون) قد تقدم الكلام على هذه الآية مستوفى فلا نعيده.

المؤمنون 23:104

(تلفح وجوههم النار) أي تحرقها مستأنفة أو حالية أو خبر لأولئك. واللفح أشد النفح لأنه الإصابة بشدة، والنفح الإصابة مطلقاً، كما في قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك)، وقيل اللفح الإحراق، يقال: لفحته النار إذا أحرقته، ولفحته بالسيف إذا ضربته، وخص الوجوه لأنها أشرف الأعضاء وقيل تسفع. قال ابن عباس: تلفح تنفخ. أخرج ابن مردويه والضياء عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله (- صلى الله عليه وسلم -) في الآية: " تلفحهم لفحة فتسيل لحومهم على أعقابهم " وعن أبي مسعود قال: لفحتهم لفحة فما أبقت لحماً على عظم إلا ألقته على أعقابهم. (وهم فيها كالحون) حالية، والكالح الذي قد شمرت شفتاه. وبدت أسنانه قاله الزجاج، ودهر كالح أي شديد. قال أهل اللغة: الكلوح تكشر في عبوس وبابه خضع، ومنه كلوح الأسد أي تكشيره عن أنيابه، وقيل الكلوح تقطب الوجه، وكلح الرجل يكلح كلوحاً وكلاحاً وعن ابن مسعود قال: كلوح الرأس النضج بدت أسنانهم وتقلصت شفاههم، وعن ابن عباس قال: كالحون أي عابسون وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: " تشويهِ النار فتتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه وتسترخي شفته السفلى، حتى تضرب سرته " أخرجه الترمذي [[الترمذي جهنم باب 5 - تفسير سورة 23 - 4.]]، وقال: قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (108) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (111) حديث حسن صحيح غريب، وقد ورد في صفة أهل النار وما يقولونه وما يقال لهم أحاديث كثيرة معروفة

المؤمنون 23:105

(ألم تكن آياتي تتلى عليكم)؟ في الدنيا، يعني قوارع القرآن وزواجره تخوفون بها، ويقال لهم ذلك توبيخاً وتقريعاً (فكنتم بها تكذبون) وتزعمون أنها ليست من الله تعالى.

المؤمنون 23:106

(قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا) مستأنفة والمعنى غلبت علينا لذاتنا وشهواتنا فسمي ذلك شقوة لأنه يؤول إلى الشقاء وقرئ شقاوتنا، وبها قرأ ابن مسعود والحسن، وهما مصدران بمعنى سوء العاقبة، والشقاء ضد السعادة والشدة والعسر (وكنا قوماً ضالين) بسبب ذلك عن الهدى، فإنهم ضلوا عن الحق والصواب بتلك الشقوة، ثم طلبوا ما لا يجابون إليه فقالوا:

المؤمنون 23:107

(ربنا أخرجنا منها) أي من النار (فإن عدنا) إلى ما كنا عليه من الكفر والتكذيب وعدم الإيمان (فإنّا ظالمون) لأنفسنا بالعود إلى ذلك.

المؤمنون 23:108

(قال) تعالى لهم بلسان مالك بعد قدر الدنيا مرتين. قيل هو سبعة آلاف سنة بعدد الكواكب السيارة، وقيل إثنا عشرة ألف سنة بعدد البروج، وقيل ثلثمائة ألف سنة وستون بعدد أيام السنة. ذكره القرطبي في التذكرة، والتحقيق فيه ما ذكرناه في لقطة العجلان (اخسئوا فيها) أي اسكتوا في جهنم سكوت هوان قال المبرد: الخسء إبعاد بمكروه، وقال الزجاج: تباعدوا تباعد سخط، وأبعدوا بُعد الكلب، فالمعنى أبعدوا في جهنم، كما يقال للكب اخسأ، أي ابعد، وخسأت الكلب طردته. (ولا تكلمون) في إخراجكم من النار ورجوعكم إلى الدنيا، أو في رفع العذاب عنكم. وقيل المعنى لا تكلمون رأساً قال الحسن: هو آخر كلام يتكلم به أهل النار وما بعد ذلك إلا الزفير والشهيق وعواء كعواء الكلاب، ثم علل ذلك بقوله:

المؤمنون 23:109

(إنه) تعليل لما قبلها من الزجر عن دعائهم بالخروج منها (كان فريق من عبادي) وهم المؤمنون، وقيل الصحابة المهاجرون ومنهم بلال وصهيب وعمار وخباب. (يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين) ومحط التعليل قوله:

المؤمنون 23:110

(فاتخذتموهم سخرياً) بكسر السين وبضمها سبعيتان وفرق بينهما أبو عمرو فجعل الكسر من جهة الهزء، والضم من جهة السخرية قال النحاس: ولا يعرف هذا الفرق الخليل ولا سيبويه ولا الكسائي ولا الفراء. وحكي عن الكسائي أن الكسر بمعنى الاستهزاء والسخرية بالقول، والضم بمعنى التسخير والاستبعاد بالفعل. (حتى أنسوكم ذكري) أي اتخذتموه سخرياً إلى هذه الغاية فإنهم نسوا ذكر الله لشدة اشتغالهم بالاستهزاء (وكنتم منهم تضحكون) في الدنيا، والمعنى حتى نسيتم ذكري باشتغالكم بالسخرية والضحك، فنسب ذلك إلى عباده المؤمنين لكونهم السبب

المؤمنون 23:111

(إِني جزيتهم اليوم بما صبروا) مستأنفة لتقرير ما سبق لبيان حسن حالهم، والباء للسببية. (أنهم هم الفائزون) بفتح الهمزة مفعول ثان لجزيتهم وقرئ بكسرها على الاستئناف. والمعنى جزيتهم بصبرهم الفوز بالجنة. قال الله عز وجل تذكيراً لهم بأن ما ظنوه طويلاً دائماً فهو قليل بالإضافة إلى ما أنكروه، وقرئ قل على صيغة الأمر، والمعنى قل يا محمد للكفار، أو يكون أمراً للملك بسؤالهم، أو التقدير قولوا، فأخرج الكلام مخرج الأمر للواحد، والمراد الجماعة قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114) أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118)

المؤمنون 23:112

(كم لبثتم في الأرض) التي طلبتم الرجوع إليها، والغرض من هذا السؤال التبكيت والتوبيخ لأنهم كانوا ينكرون اللبث في الآخرة أصلاً، ويحتمل أن يكون السؤال عن جميع ما لبثوا في الحياة الدنيا وفي القبور. وقيل هو سؤال عن مدة لبثهم في القبور لقوله: (في الأرض) ولم يقل على الأرض، ورد بمثل قوله تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض) (عدد سنين) أي لبثتم كم عدداً من السنين -بفتح النون على أنها نون الجمع- ومن العرب من يخفضها وينونها.

المؤمنون 23:113

(قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم) استقصروا مدة لبثهم وشكوا في ذلك لعظم ما هم فيه من العذاب الشديد. وقيل إن العذاب رفع عنهم بين النفختين فنسوا ما كانوا فيه من العذاب في قبورهم، وقيل أنساهم الله ما كانوا فيه من العذاب من النفخة الأولى إلى النفخة الثانية، ثم لما عرفوا ما أصابهم من النسيان لشدة ما هم فيه من الهول العظيم أحالوا على غيرهم فقالوا: (فاسأل العادّين) جمع عادّ من العدد، أي المتمكنين من معرفة العدد، وهم الملائكة لأنهم الحفظة العارفون بأعمال العباد وأعمارهم، وقيل المعنى فاسئل الحاسبين العارفين بالحساب من الناس.

المؤمنون 23:114

(قال إن لبثتم إلا قليلاً) قرئ على الخبر وقرئ قل كما في الآية الأولى، وقد تقدم توجيه القراءتين أي ما لبثتم في الأرض إلا زمناً قليلاً أو لبثاً قليلاً، قال تعالى ذلك بلسان مالك تصديقاً لهم وتقريعاً وتوبيخاً (لو أنكم كنتم تعلمون) شيئاً من العلم، والجواب محذوف أي لعلمتم اليوم قلة فيكم في الأرض، أو في القبور أو فيهما فكل ذلك قليل بالنسبة إلى لبثهم في النار، ثم زاد في توبيخهم على تماديهم في الغفلة، وتركهم النظر الصحيح فيما يدل على حقية البعث والقيامة فقال:

المؤمنون 23:115

(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً) لا لحكمة، والهمزة للتوبيخ والتقرير والفاء للعطف على مقدر أي ألم تعلموا شيأ فحسبتم أو أغفلتم وتلاهيتم وتعاميتم فحسبتم والمعنى عابثين أو لأجل العبث، قال بالأول سيبويه وقطرب وبالثاني أبو عبيدة، والعبث في اللغة اللعب وما لا فائدة فيه، يقال: عبث يعبث عبثاً، فهو عابث أي لاعب وأصله من قولهم: عبثت الأقط أي خلطته، والمعنى أفحسبتم أنا خلقناكم للإهمال كما خلقت البهائم ولا ثواب ولا عقاب. (وأنكم إلينا لا ترجعون) بالبعث والنشور فيجازيكم بأعمالكم؛ قرئ ترجعون مبنياً للفاعل وللمفعول، وقدم إلينا على الفعل لأجل الفواصل، ثم نزه سبحانه نفسه فقال:

المؤمنون 23:116

(فتعالى الله) أي تنزه عن الأولاد والشركاء أو عن أن يخلق شيئاً عبثاً أو عن جميع ذلك وهو (الملك) الذي يحق له الملك على الإطلاق إيجاداً وإعداماً بدءاً وإعادة وإحياء وإماتة وعقاباً وإثابة، وكل ما سواه مملوك له بالذات مقهور لملكوته مالك بالعرض من وجه دون وجه وفي حال دون حال (الحق) في جميع أفعاله وأقواله وهذا استعظام له تعالى ولشؤونه. (لا إله إلا هو رب العرش الكريم) فكيف لا يكون إلهاً ورباً لما هو دون العرش الكريم وما تحته من المخلوقات وما أحاط به من الموجودات كائناً ما كان ووصف العرش بالكريم لنزول القرآن أو الرحمة أو الخير منه أو باعتبار من استوى عليه كما يقال بيت كريم إذا كان ساكنوه كراماً، أو لنسبته إلى أكرم الأكرمين من حيث أنه أعظم مخلوقاته وقرئ الكريم بالرفع على أنه نعت لرب. أخرج الحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل اليوم والليلة وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، عن ابن مسعود أنه قرأ في أذن مصاب: أفحسبتم حتى ختم السورة فبرئ فقال رسول الله صلى الله " بماذا قرأت في أذنه؟ " فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو أن رجلاً موقناً قرأ بها على جبل لزال ". وأخرج ابن السني وابن منده وأبو نعيم قال السيوطي بسند حسن عن إبراهيم التيمي قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا أمسينا وأصبحنا، أفحسبتم الخ فقرأناها فغنمنا وسلمنا، ثم زيف ما عليه أهل الشرك توبيخاً لهم وتقريعاً فقال:

المؤمنون 23:117

(ومن يدع مع الله إلهاً آخر) يعبده مع الله أو يعبده وحده (لا برهان له به) صفة كاشفة لقوله (إلهاً) لا مفهوم لها أو هي صفة لازمة جيء بها للتأكيد كقوله يطير بجناحيه، والبرهان الحجة الواضحة والدليل أفلح فيه مراعاة معنى (من) وفيه الإظهار في مقام الإضمار للنداء عليهم يستحقه وجملة لا برهان له به معترضة بين الشرط والجزاء، وقيل إن جواب الشرط قولُهُ لا برهان له به. (إنه) قرئ بالكسر على الاستئناف المفيد للعلة وبالفتح على التعليل (لا يفلح الكافرون) قرئ من أفلح، وقرئ بفتح الياء مضارع فلح بمعنى أفلح فيه مراعاة معنى (من) وفيه الإظهار في مقام الإضمار للنداء عليهم بهذا الوصف القبيح جعل فاتحة السورة (قد أفلح المؤمنون) وخاتمتها (إنه لا يفلح الكافرون) فشتان ما بين الفاتحة والخاتمة، ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله (- صلى الله عليه وسلم -) أن يدعوه بالمغفرة والرحمة فقال:

المؤمنون 23:118

(وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين) أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته وقيل أمره بالاستغفار لأمته وقد تقدم بيان كونه أرحم الراحمين وفي الرحمة زيادة على المغفرة، وهي إيصال الإحسان زيادة على غفر الذنب، وأيضاً الغفران قد يكون من غير إحسان الذي هو معنى الرحمة، ووجه اتصال هذا بما قبله أنه سبحانه لما شرح أحوال الكفار أمر بالانقطاع إليه والالتجاء إلى كفرانه ورحمته، لأن رحمته إذا أدركت أحداً أغنته عن رحمة غيره ورحمة غيره لا تغنيه عن رحمته.

النور 24:1

بسم الله الرحمن الرحيم سورة النور (هي مدنية وآياتها أربع وستون آية) وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعن عائشة قال: " لا تنزلوهن الغرف ولا تعلموهن الكتابة يعني النساء [[لم يصح في خطر تعليم الكتابة للنساء حديث، ومن الثابت أن بعض نساء السلف كن عالمات فقيهات، والتاريخ يحفظ لنا أسماء الكثيرات. " المطيعي "]] وعلموهن الغزل وسورة النور " أخرجه البيهقي والحاكم وابن مردويه، وعن مجاهد مرفوعاً قال: " علموا رجالكم سورة المائدة وعلموا نسائكم سورة النور " رواه البيهقي وابن المنذر وسعيد بن جبير وهو مرسل. بسم الله الرحمن الرحيم سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) (سورة) هي في اللغة اسم للمنزلة الشريفة ولذلك سميت السورة من القرآن سورة، ومنه قول زهير: ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب أي: منزلة وقرئ بالرفع، وفيه وجهان، أحدهما: إن يكون خبراً لمبتدأ محذوف، والتقدير هذه سورة ورجحه الزجاج والفراء والمبرد، قالوا: لأنها نكرة ولا يبتدأ بها في كل موضع، والثاني: إن يكون مبتدأ؛ وجاز الابتداء بالنكرة لكونها موصوفة بقوله: (أنزلناها) والخبر: الزانية والزاني وإلى هذا نحا ابن عطية، والمعنى السورة المنزلة المفروضة كذا وكذا إذ السورة عبارة عن آيات مسرودة لها مبدأ ومختتم، وهذا معنى صحيح ولا وجه لما قاله الأولون وقيل التقدير فمما أوحينا إليك سورة وَرُدَّ بأن مقتضى المقام بيان شأن هذه السورة الكريمة لا بيان أن في جملة ما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سورة شأنها كذا وكذا، وقرئ بالنصب أي: اتل سورة أو اقرأ أو أنزلنا سورة أو دونك سورة، قاله الزمخشري ورده أبو حيان وقيل أنزلنا الأحكام حال كونها سورة من سور القرآن. (وفرضناها) قرئ بالتخفيف والتشديد، ومعنى المشدد قطعناها في الإنزال نجماً نجماً، والفرض القطع والتشديد للتكثير أو للمبالغة أو لتأكيد الإيجاب أو لكثرة الفرائض فيها كالزنا والقذف اللعان والاستئذان وغض البصر وغير ذلك. ومعنى المخفف أوحيناها وجعلناها مقطوعة، وقيل ألزمناكم العمل بها وقيل قدرنا ما فيها من الحدود والفرض التقدير، ومنه أن الذي فرض عليك القرآن، وقيل بيناها قاله ابن عباس، وقيل أوجبنا ما فيها من الأحكام إيجاباً قطعياً وفيه من الإيذان بغاية وكادة الفرضية ما لا يخفى. (وأنزلنا فيها آيات بينات) أي أنزلنا في غصونها وتضاعيفها آيات واضحة الدلالة على مدلولها وتكرير (أنزلنا) لكمال العناية بإنزال هذه السورة وشأنها لما اشتملت عليه من الأحكام المفروضة. قال الرازي: ذكر الله في أول السورة أنواعاً من الأحكام والحدود، وفي آخرها دلائل التوحيد فقوله: (فرضناها) إشارة إلى الأحكام وقوله هذا إلى ما بين فيها من دلائل التوحيد ويؤيده قوله: (لعلكم تذكرون) فإن الأحكام لم تكن معلومة حتى نؤمر بتذكرها، أما دلائل التوحيد، فقد كانت كالمعلومة لهم لظهورها، فأمروا بتذكرها، قيل والمعنى تتعظون. وقيل قوله:

النور 24:2

(الزانية والزاني) تفصيل ما أجمل من الآيات البينات، والزنا هو وطء الرجل للمرأة في فرجها من غير نكاح ولا شبهة نكاح وقيل هو إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً و (الزانية) هي المرأة المطاوعة للزنا، الممكنة منه، كما تنبئ عنه الصيغة المكرهة، وكذلك (الزاني) وتقديم الزانية على الزاني لأنها الأصل في الفعل لكون الداعية فيها أوفر، ولولا تمكينها منه لم يقع، قاله أبو السعود؛ إنما قدمت المرأة هنا وأخرت في آية حد السرقة لأن الزنا إنما يتولد بشهوة الوقاع، وهي في المرأة أقوى وأكثر، والسرقة إنما تتولد من الجسارة والقوة والجرأة، وهي في الرجل أقوى وأكثر، قاله الكرخي. وقيل وجه تقديم الزانية على الزاني هاهنا أن الزنا في ذلك الزمان كان في النساء أكثر حتى كان لهن رايات تنصب على أبوابهن ليعرفهن من أراد الفاحشة منهن، وقيل لأن العار فيهن أكثر، إذ موضوعهن الحجبة والصيانة فقدم ذكر الزانية تغليظاً واهتماماً. (فاجلدوا) الجلد الضرب، يقال: جلده إذا ضرب جلده، مثل بطنه إذا ضرب بطنه ورأسه إذا ضرب رأسه، ودخول الفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط على مذهب الأخفش، وعلى مذهب سيبويه التقدير فيما يتلى عليكم حكم الزانية؛ ثم بين ذلك بقوله: (فاجلدوا) والخطاب في هذه الآية الكريمة للأئمة ومن قام مقامهم، وقيل للمسلمين أجمعين لأن إقامة الحدود واجبة عليهم جميعاً، والإمام ينوب عنهم إذ لا يمكنهم الاجتماع على إقامة الحدود. (كل واحد منهما مائة جلدة) هو حد الزاني الحر البالغ البكر، وكذلك الزانية، وثبت بالسنة زيادة على هذا الجلد وهو تغريب عام وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: التغريب إلى رأي الإمام، والحديث يرده، وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب، وتجلد المرأة ولا تغرب، وأما المملوك والمملوكة فجلد كل واحد منهما خمسين جلدة لقوله سبحانه: (فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) وهذا نص في الإماء وألحق بهن العبيد لعدم الفارق. وأما من كان محصناً من الأحرار فعليه الرجم بالسنة الصحيحة المتواترة؛ وبإجماع أهل العلم، بل وبالقرآن المنسوخ لفظه، الباقي حكمه وهو الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتّة، وزاد جماعة من أهل العلم مع الرجم جلد مائة، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في ذلك في شرحه للمنتقى، وقد مضى الكلام في حد الزنا مستوفى، وهذه الآية ناسخة لأية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وزاد النسفي والتغريب منسوخ بالآية، وليس بصحيح فقد أثبتته السنة الصحيحة كما أشرنا إليه. (ولا تأخذكم) بالتأنيث مراعاة للفظ، وبالياء لأنه مجازي، وللفصل بالمفعول والجار (بهما رأفة) يقال رأف يرأف رأفة، على وزن فعلة، ورأفة على وزن فعالة، مثل النشأة والنشاءة، وكلاهما بمعنى الرقة والرحمة. وقيل هي أرق الرحمة وأشدها. (في دين الله) أي في طاعته وحكمه، كما في قوله: ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك، أي لا يأخذكم الدين في استيفاء الحدود فتعطلوها، وهذا قول مجاهد وعكرمة وعطاء وسعيد بن جبير والنخعي والشعبي. وقيل تخففوا الضرب، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن. قال الزهري: يجتهد في حد الزنا والفرية، أي القذف، ويخفف في حد الشرب. وقيل يجتهد في حد الزنا ويخفف دون ذلك في حد القذف ودونه في حد الشرب، ثم قال: مثبتاً للمأمورين ومهيجاً لهم. (إن كنتم تؤمنون بالله وباليوم الآخر) أي إن كنتم تصدقون بالتوحيد والبعث الذي فيه جزاء الأعمال لا تعطلوا الحدود، وفي إلهاب الغضب لله ولدينه، وذلك لأن الإيمان بهما يقتضي التجلد في طاعة الله وفي إجراء أحكامه، وذكر اليوم الآخر لتذكير ما فيه من العقاب في مقابلة المسامحة في الحدود وتعطيلها، والحاصل أن الواجب على المؤمنين أن يتصلبوا في دين الله ويستعملوا الحث والمتانة ولا يأخذهم اللين والهوان في استيفاء حدود الله، وكفى برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أسوة في ذلك حيث قال: " لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها " [[مسلم 1688 - البخاري 1287.]]. (وليشهد عذابهما) أي لتحضر الجلد إذا أقيم عليهما زيادة في التنكيل بهما وشيوع العار عليهما واشتهار فضيحتهما (طائفة من المؤمنين) ندباً، والطائفة الفرقة التي تكون حافة حول الشيء من الطوف، وأقلها ثلاثة، لأنه أقل الجمع، وقيل اثنان. قاله عكرمة. وقيل واحد. قاله مجاهد. وقيل أربعة لأنهم عدد شهود الزنا. وقيل عشرة. قال ابن عباس: الطائفة الرجل فما فوقه، ولا يجب على الإمام حضور رجم، ولا على الشهود، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر برجم ماعز والغامدية ولم يحضر رجمهما، وإنما خص المؤمنين بالحضور لأن ذلك أفضح، والفاسق بين صلحاء قومه أخجل، وتسمية الجلد عذاباً دليل على أنه عقوبة، ثم ذكر سبحانه شيئاً يختص بالزاني والزانية فقال:

النور 24:3

(الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) يعني أن الغالب أن المائل إلى الزنا لا يرغب في نكاح الصوالح، والثانية لا يرغب فيها الصلحاء، فإن المشاكلة علة الألفة والتضامّ، والمخالفة سبب للنفرة والافتراق وقد اختلف أهل العلم في معنى هذه الآية على أقوال: الأول: إن المقصود منها تشنيع الزنا وتشنيع أهله، وأنه محرم على المؤمنين، ويكون معنى (الزاني لا ينكح إلا زانية) الوطء لا العقد، أي الزاني لا يزني إلا بزانية والزانية لا تزني إلا بزان، وزاد ذكر المشركة والمشرك، لكون الشرك أعم في المعاصي من الزنا. وردّ هذا الزجاج وقال: لا يعرف النكاح في كتاب الله إلا بمعنى التزويج، ويردّ هذا الرد بأن النكاح بمعنى الوطء ثابت في كتاب الله سبحانه. ومنه قول: (حتى تنكح زوجاً غيره) فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم بأن المراد به الوطء. ومن جملة القائلين بأن معنى الآية الزاني لا يزني إلا بزانية سعيد بن جبير وابن عباس وعكرمة، كما حكاه ابن جرير عنهم وعن ابن عباس قال: ليس هذا بالنكاح ولكن الجماع، لا يزني بها حين تزني إلا زانٍ أو مشرك. الثاني: إن الآية هذه نزلت في امرأة خاصة فتكون. خاصة بها، كما قال الخطابي عن ابن عمرو، قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح وتشترط أن ينفق عليها، فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأنزل الله هذه الآية، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه وغيرهم. الثالث: أنها نزلت في رجل من المسلمين فتكون خاصة به، قاله مجاهد. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له مرثد يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة؛ وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وذكر قصة فيها فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أنكح عناقاً؟ فلم يرد عليّ شيئاً. حتى نزلت (الزاني لا ينكح إلا زانية) الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يا مرثد، الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين فلا تنكحه " ا [[أبو داوود كتاب النكاح باب 4.]]، أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم. الرابع: أنها نزلت في أهل الصفة فتكون خاصة بهم قاله أبو صالح. الخامس: إن المراد بالزاني والزانية المحدودان. حكاه الزجاج وغيره عن الحسن قال: وهذا حكم من الله، فلا يجوز لزان محدود أن يتزوج إلا محدودة، وروي نحوه عن إبراهيم النخعي، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. قال ابن العربي: وهذا لا يصح نظراً، كما لا يثبت نقلاً. السادس: إن هذه الآية منسوخة بقوله سبحانه: (وأنكحوا الأيامى منكم) قال النحاس: وهذا القول عليه أكثر العلماء، والسابع أن هذا الحكم مؤسس على الغالب العام، والمعنى أن غالب الزناة لا يرغب إلا في الزواج بزانية مثله، وغالب الزواني لا يرغبن إلا في الزواج بزان مثلهن. قال الكرخي: إن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا لا يرغب في نكاح المرأة الصالحة، وإنما يرغب في نكاح فاسقة مثله أو في مشركة؛ والفاسقة لا ترغب في نكاح الرجل الصالح بل تنفر عنه، وإنما ترغب فيمن هو من جنسها من الفسقة والمشركين، فهذا على الأعم الأغلب، كما يقال: لا يفعل الخير إلا الرجل التقي، وقد يفعل الخير من ليس بتقي، فكذا هاهنا والفرق بين قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) وقوله: (والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك) أن الكلام يدل على أن الزاني لا يرغب إلا في نكاح الزانية بخلاف الزانية فقد ترغب في نكاح غير الزاني؛ فلا جرم بين ذلك بالكلام الثاني، والمقصود زجر المؤمنين عن نكاح الزواني بعد زجرهم عن الزنا، وهذا أرجح الأقوال، وسبب النزول يشهد له كما تقدم. وعن شعبة مولى ابن عباس قال: " كنت مع ابن عباس فأتاه رجل فقال: إني كنت أتبع امرأة فأصبت منها ما حرم الله عليّ، وقد رزقني الله منها توبة فأردت أن أتزوجها فقال الناس: (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة) فقال ابن عباس: ليس هذا موضع هذه الآية، إنّها كن نساء بغايا متعاليات، يجعلن على أبوابهن رايات يأتيهن الناس، يعرفن بذلك، فأنزل الله هذه الآية. تزوجها فما كان فيها من إثم فعليّ. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله " أخرجه أبو داود وابن المنذر والحاكم وابن أبي حاتم وغيرهم [[أبو داوود كتاب النكاح باب 4 - الإمام أحمد 2/ 324.]]. وعن علي أن رجلاً تزوج امرأة ثم إنه زنى فأقيم عليه الحد، فجاءوا به إلى عليّ ففرق بينه وبين امرأته، وقال: لا تتزوج إلا مجلودة مثلك. وعن مجاهد قال: " كن نساء في الجاهلية بغيات، فكانت منهن امرأة جميلة تدعى أم جميل، فكان الرجل من المسلمين يتزوج إحداهن لتنفق عليه من كسبها فنهى الله سبحانه أن يتزوجهن أحد من المسلمين ". وهو مرسل. وعن ابن عباس أنها نزلت في بغايا معلنات كن في الجاهلية وكن زواني مشركات فحرم الله نكاحهن على المؤمنين. وعنه قال كانت بغايا في الجاهلية، بغايا آل فلان وبغايا آل فلان فقال الله: (الزاني لا ينكح إلا زانية) فأحكم الله ذلك في أمر الجاهلية وروي نحو هذا عن جماعة من التابعين، وعن الضحاك قال: إنما عني بذلك الزنا ولم يعن به التزويج. وعن ابن عباس في هذه الآية قال: " الزاني من أهل القبلة لا يزني إلا بزانية مثله من أهل القبلة، أو مشركة من غير أهل القبلة، والزانية من أهل القبلة لا تزني إلا بزان مثلها من أهل القبلة، أو مشرك من غير أهل القبلة، وحرم الزنا على المؤمنين. وقد اختلف في جواز تزوج الرجل بامرأة قد زنى هو بها؛ فقال الشافعي وأبو حنيفة بجواز ذلك، وروي عن ابن عباس وعمر وابن مسعود وجابر أنه لا يجوز، قال ابن مسعود: " إذا زنى الرجل بالمرأة ثم نكحها بعد ذلك فهما زانيان أبداً " وبه قال مالك. (وحرم ذلك) أي الزنا أو نكاح الزواني لما فيه من التشبه بالفسقة والتعرض للتهمة والطعن في النسب والتسبب لسوء المقالة وغير ذلك من المفاسد، ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف الآثام فكيف بمزاوجة البغايا والقحاب وقيل هو مكروه فقط؛ وعبر بالتحريم عن كراهة التنزيه مبالغة في الزجر. (على المؤمنين) الأخيار الأبرار فعلى المؤمن أن لا يدخل نفسه تحت هذه العادة ويتصون عنها، وقدمت الزانية على الزاني أولاً ثم قدم عليها ثانياً، لأن تلك الآية سيقت لعقوبتهما على ما جنيا، والمرأة هي المادة التي منها نشأت تلك الجناية، لأنها لو لم تطمع الرجل ولم تومض له ولم تمكنه لم يطمع ولم يتمكن، فلما كانت أصلاً في ذلك بدئ بذكرها. وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل أصل فيه لأنه الخاطب ومنه بدئ الطلب.

النور 24:4

(والذين يرمون) استعار الرمي للشتم بفاحشة الزنا لكونه جناية بالقول ويسمى هذا الشتم بهذه الفاحشة الخاصة قذفاً، أي يشتمون (المحصنات) أي النساء العفيفات بالزنا، وكذا المحصنين، وإنما خصهن بالذكر لأن قذفهن أشنع، والعار فيهن أعظم، ويلحق الرجال بالنساء في هذا الحكم بلا خلاف بين علماء هذه الأمة، وقد جمع الشوكاني في ذلك رسالة رد بها على بعض المتأخرين من علماء القرن الحادي عشر لما نازع في ذلك. وقيل إن الآية تعم الرجال والنساء، والتقدير الأنفس المحصنات، ويؤيد هذا قوله في آية أخرى: (والمحصنات من النساء)، فإن البيان بكونهن من النساء يشعر بأن لفظ المحصنات يشمل غير النساء وإلا لم يكن للبيان كثير معنى؛ وقيل أراد بالمحصنات الفروج؛ كما قال: (والتي أحصنت فرجها)، فتتناول الآية الرجال والنساء؛ وقيل إن لفظ المحصنات وإن كان للنساء لكنه هاهنا يشمل النساء والرجال تغليباً، وفيه أن تغليب النساء على الرجال غير معروف في لغة العرب، وقد مضى في سورة النساء ذكر الإحصان وما يحتمله من المعاني؛ وللعلماء في الشروط المعتبرة في المقذوف والقاذف أبحاث مطولة مستوفاة في كتب الفقه، منها ما هو مأخوذ من دليل ومنها ما هو مجرد رأي بحت. قرئ المحصنات بفتح الصاد وكسرها، وذهب الجمهور من العلماء أنه لا حد على من قذف كافراً أو كافرة. وقال الزهري وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى: يجب عليه الحد. وذهب الجمهور أيضاً إلى أن العبد يجلد أربعين جلدة. (وقالوا) أي قال المؤمنون عند سماع الإفك (هذا إفك مبين) أي كذب بين ظاهر مكشوف لا حقيقة له، وقوله: (لولا جاءوا عليه) من تمام ما يقوله المؤمنون، أي هلا جاء الخائضون في الإفك (بأربعة شهداء) يشهدون على ما قالوا. (فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك) أي الخائضون في الإفك (عند الله) أي في حكمه وقضائه الأزلي، أو شرعه المؤسس على الدلائل الظاهرة المتقنة (هم الكاذبون) أي القاذفون الكاملون في الكذب، وهذا من باب الزواجر (ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة) هذا خطاب للسامعين، وفيه زجر عظيم (ولولا) هذه لامتناع الشيء لوجود غيره. والمعنى لولا أني قضيت عليك بالفضل في الدنيا بالنعم التي من جملتها الإمهال للتوبة، والرحمة في الآخرة بالعفو. (لمسّكم فيما أفضتم) أي بسبب ما أفضتم (فيه) من حديث الإفك، والإبهام لتهويل أمره، يقال: أفاض في الحديث واندفع، وخاض بمعنى (عذاب عظيم) أي لعاجلتكم بالعقاب على ما خضتم فيه من حديث الإفك: وقيل المعنى لولا فضل الله عليكم لمسكم العذاب في الدنيا والآخرة معاً، ولكن برحمته ستر عليكم في الدنيا ويرحم في الآخرة من أتاه تائباً. (إذ تلقونه بألسنتكم) من التلقي، والأصل تتلقونه. قال مقاتل ومجاهد: المعنى يرويه بعضكم عن بعض. قال الكلبي: وذلك أن الرجل منهم يلقى الرجل فيقول بلغني كذا وكذا ويتلقونه تلقياً. قال الزجاج: معناه يلقيه بعضكم إلى بعض، وقرئ الإلقاء ومعناها واضح، وقرئ بفتح التاء وكسر اللام وضم القاف، وهي مأخودة من قول العرب: ألق [[الصحيح ولق يلق ولقاً وهي في الصحاح في مادة الواو، وفي القاموس في باب القاف فصل الواو ففاؤها واو وليس ألفاً. " المطيعي "]] الرجل يَلَق ولقا إذا كذب، قال ابن سيده: جاءوا بالمتعدي شاهداً على غير المتعدي. قال ابن عطية: وعندي أراد يلقون فيه، فحذف حرف الجر فاتصل الضمير. وقال الخليل وأبو عمر: وأصل الولق الإسراع يقال جاءت الإبل تلق أي تسرع، وعن ابن جرير مثله وزاد الولق هو الإسراع بالشيء بعد الشيء كعدد في إثر عدد وكلام في إثر كلام، وقرئ تألقونه من الألق وهو الكذب؛ وقرئ يلقونه وهو مضارع ولق بكسر اللام والتلقي والتلقف والتلقن معان متقاربة خلا أن في الأول معنى الاستقبال، وفي الثاني معنى الخطف، والأخذ بسرعة، وفي الثالث معنى الحذق والمهارة؛ وقال الراغب: في التلقن الحذق في التناول، وفي التلقف الاحتيال فيه. (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم) معناه أن قولهم هذا مختص بالأفواه من غير أن يكون واقعاً في الخارج معتقداً في القلوب، وقيل إن ذكر الأفواه للتأكيد كما في قوله: يطير بجناحيه ونحوه. (وتحسبونه) أي الحديث الذي وقع الخوض فيه والإذاعة له (هيناً) أي شيئاً يسيراً لا يلحقكم فيه إثم (هو عند الله عظيم) ذنبه وعقابه والجملة في محل الحال؛ قيل جزع بعضهم عند الموت فقيل له في ذلك فقال أخاف ذنباً لم يكن مني على بال وهو عند الله عظيم. (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا) هذا عتاب لجميع المؤمنين أي هلا إذ سمعتم حديث الإفك قلتم تكذيباً للخائضين فيه المفترين له بمجرد أول السماع: ما ينبغي لنا ولا يمكننا أن نتكلم بهذا الحديث، ولا يصدر ذلك منا بوجه من الوجوه (سبحانك هذا بهتان عظيم) التعجب من أولئك الذين جاؤا بالإفك وأصله التنزيه لله سبحانه ثم كثر حتى استعمل في كل متعجب منه، والبهتان هو أن يقال في الإنسان ما ليس فيه أي هذا كذب عظيم لكونه قيل في أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وصدوره مستحيل شرعاً من مثلها، ثم وعظ سبحانه الذين خاضوا في الإفك فقال: (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً) أي ينصحكم أو يحرج الله عليكم، قاله ابن عباس أو يحرم عليكم أو ينهاكم كراهة أن تعودوا أو من أن تعودوا أو في أن تعودوا لمثل هذا القذف؛ أو استماع حديثه مدة حياتكم (إن كنتم مؤمنين) عائد إلى جميع الجمل التي قبله وتارة إلى بعضها لا تقوم به حجة ولا يصلح للاستدلال فإنه قد يكون ذلك لدليل، كما وقع هنا من الإجماع واتفاق الأئمة الأربعة على عدم رجوع هذا الاستثناء إلى جملة الجلد، فالقاذف يجلد عند الجميع سواء تاب أو لم يتب ومما يؤيد ما قررناه ويقويه أن المانع عن قبول الشهادة وهو الفسق المتسبب عن القذف قد زال فلم يبق ما يوجب الرد للشهادة. واختلف العلماء في صورة توبة القاذف، فقال عمر بن الخطاب والشعبي والضحاك وأهل المدينة: إن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي وقع منه، وأقيم عليه الحد بسببه، وقالت فرقة منهم مالك وغيره: إن توبته تكون بأن يحسن حاله ويصلح عمله ويندم على ما فرط منه ويستغفر الله من ذلك ويعزم على ترك العود إلى مثله وإن لم يكذب نفسه ولا رجع عن قوله، وقد أجمعت الأمة على أن التوبة تمحو الذنب ولو كان كفراً فتمحو ما هو دون الكفر بالأولى وحكى هذا الإجماع القرطبي. قال أبو عبيد: الاستثناء يرجع إلى الجمل السابقة وليس من رمي غيره بالزنا بأعظم جرماً من مرتكب الزنا، والزاني إذا تاب قبلت شهادته لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، وإذا قبل الله التوبة من العبد كان العباد بالقبول أولى، مع أن مثل هذا الاستثناء موجود في مواضع من القرآن، منها قوله (إنما جزاء الذين يحاربون الله) إلى قوله:

النور 24:5

(إلا الذين تابوا) ولا شك أن هذا الاستثناء يرجع إلى الجميع، قال الزجاج: وليس القاذف بأشد جرماً من الكافر فحقه إذا تاب وأصلح أن تقبل شهادته قال وقوله: (أبداً) أي ما دام قاذفاً كما يقال: لا تقبل شهادة الكافر أبداً، فإن معناه ما دام كافراً انتهى. وعن ابن عباس في الآية قال: تاب الله عليهم من الفسوق، وأما الشهادة فلا تجوز وعن عمر بن الخطاب أنه قال لأبي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك وعنه قال: توبتهم إكذابهم أنفسهم، فإن أكذبوا أنفسهم قبلت شهادتهم، وعن ابن عباس أيضاً قال: من تاب وأصلح فشهادته في كتاب الله تقبل. وفي الباب روايات عن التابعين وقصة المغيرة في خلافة عمر مروية من طرق معروفة، وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البينة وإلا حد في ظهرك "، فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة؟ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " البينة وإلا حد في ظهرك "، فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد ونزل جبريل فأنزل عليه

النور 24:6

(والذين يرمون أزواجهم) حتى بلغ (إن كان من الصادقين) فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: " الله يعلم أن أحدكما لكاذب فهل منكما تائب؟ " ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا أنها موجبة، فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج [[خدلج: ممتلىء لحماً.]] الساقين فهو لشريك بن سحماء فجاءت به كذلك فقال النبي (- صلى الله عليه وسلم -) " لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن " [[البخاري تفسير سورة 24/ 3 - الترمذي تفسير سورة 24/ 3.]]. وأخرج هذه القصة أبو داود الطيالسي وعبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس مطولة وأخرجها البخاري ومسلم وغيرهما، ولم يسمّوا الرجل ولا المرأة. وفي آخر القصة أن النبي (- صلى الله عليه وسلم -) قال له: " اذهب فلا سبيل لك عليها " فقال: يا رسول الله مالي؟ قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها ". وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن سعد قال: جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله أيقتل به؟ أم كيف يصنع؟ فسأل عاصم رسول الله صك الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم السائل، فقال: عويمر والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه فوجده قد أنزل عليه فدعا بهما فلاعن بينهما قال عويمر: إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها ففارقتها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة للمتلاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين، فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذباً، فجاءت به مثل المنعت المكروه " [[أبو داوود كتاب الطلاق باب 27.]]. وفي الباب أحاديث كثيرة وفيما ذكرنا كفاية، وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود قالوا: لا يجتمع المتلاعنان أبداً، ثم ذكر سبحانه بعد ذكره لحكم القذف على العموم حكم نوع من أنواع القذف وهو قذف الزوج للمرأة التي تحته بعقد النكاح فقال: إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10) إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) (والذين يرمون أزواجهم) جمع زوج بمعنى الزوجة فإن حذف التاء منها أفصح من إثباتها إلا في الفرائض، ولم يقيد هنا بالمحصنات إشارة إلى أن اللعان يشرع في قذف المحصنة وغيرها فهو في قذف المحصنة يسقط الحد عن الزوج وفي قذف غيرها يسقط التعزير كأن كانت ذمية أو أمة أو صغيرة تحتمل الوطء بخلاف قذف الصغيرة التي لا تحتمله، وبخلاف قذف الكبيرة التي ثبت زناها ببينة أو إقرار، فإن الواجب في قذفهما التعزير لكنه لا يلاعن لدفعه كما في كتب الفروع وقد وقع قذف الزوجة بالزنا لجماعة من الصحابة كهلال بن أمية وعويمر العجلاني وعاصم بن عدي. (ولم يكن لهم شهداء) يشهدون بما رموهن به من الزنا (إلا أنفسهم) بالرفع على البدل من شهداء، ولم يذكر الزمخشري غيره، وقيل إنه نعت له على أن إلا بمعنى غير وبالنصب على الاستثناء على الوجه المرجوح، ولا مفهوم لهذا القيد، بل يلاعن ولو كان واجداً للشهود الذين يشهدون بزناها لنفي ولد ولدفع العقوبة حداً أو تعزيراً. (فشهادة أحدهم) أي الشهادة التي تزيل عنه حد القذف أو فالواجب شهادة أحدهم أو فشهادة أحدهم كائنة أو واجبة، وقيل فعليهم أن يشهد أحدهم (أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين) فيما رماها به من الزنا وهي المشهود به.

النور 24:7

(و) الشهادة (الخامسة أنّ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) فيما رماها به من الزنا. قرأ الجمهور (أن) بالتشديد ونافع بتخفيفها.

النور 24:8

(ويدرأ) أي يدفع (عنها) أي عن المرأة (العذاب) الدنيوي وهو الحد، والمعنى أنه يدفع عن المرأة الحد (أن تشهد) أي شهادتها (أربع شهادات بالله إنه) أي الزوج (لمن الكاذبين) فيما رماني به من الزنا

النور 24:9

(و) تشهد الشهادة (الخامسة أن غضب الله عليها إن كان) الزوج (من الصادقين) فيما رماها به من الزنا، وتخصيص الغضب بالمرأة للتغليظ عليها لكونها أصل الفجور ومادته ولأن النساء يكثرن اللعن في العادة ومع استكثارهن منه لا يكون له في قلوبهن كبير موقع بخلاف الغضب.

النور 24:10

(ولولا فضل الله عليكم) فيه التفات عن الغيبة، والخطاب لكل من الفريقين أي القاذفين والمقذوفات، ففي الكلام تغليب صيغة المذكور على صيغة الأناث؛ حيث لم يقل عليكم وعليكن (ورحمته) لنال الكاذب منهما عذاب عظيم قاله الزجاج أو لعاجلكم بالعقوبة، ولكنه ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان أو لفضحكم، فجواب (لو) محذوف، ثم بين سبحانه كثير توبته على من تاب، وعظيم حكمته البالغة فقال: (وأنّ الله تواب) أي يعود على من تاب إليه ورجع عن معاصيه بالتوبة عليه والمغفرة له في ذلك وغيره (حكيم) فيما شرع لعباده من اللعان، وفرض عليهم من الحدود.

النور 24:11

(إن الذين جاءوا بالإفك) هذا شروع في الآيات المتعلقة بالإفك، وهي ثمانية عشر تنتهي بقوله: (أولئك مبرءون) والإفك أسوأ الكذب وأفحشه وأقبحه وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب، لكونه مصروفاً عن الحق، وقيل هو البهتان. وأجمع المسلمون على أنّ المراد بما في الآية ما وقع من الإفك على عائشة أم المؤمنين، وإنما وصفه الله بأنه إفك لألن المعروف من حالها رضي الله عنها خلاف ذلك. قال الواحدي: ومعنى القلب في هذا الحديث الذي جاء به أولئك النفر أن عائشة كانت تستحق الثناء بما كانت عليه من الحصانة والشرف والعقل والديانة وعلو النسب والسبب والعفة لا القذف، فالذين رموها بالسوء قلبوا الأمر عن وجهه فهو إفك قبيح وكذب ظاهر. (عصبة منكم) العصبة الجماعة من العشرة إلى الأربعين، والمراد بهم هنا عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم. وقيل العصبة من الثلاثة إلى العشرة. وقيل من عشرة إلى خمسة عشر، وأصلها في اللغة الجماعة الذين يتعصب بعضهم لبعض. وقد أخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم حديث عائشة الطويل في سبب نزول هذه الآيات بألفاظ متعددة وطرق مختلفة، حاصله أن سبب النزول هو ما وقع من أهل الإفك الذين تقدم ذكرهم في شأن عائشة، وذلك أنها خرجت من هودجها تلتمس عقداً لها انقطع من جزع، فرحلوا وهم يظنون أنها في هودجها فرجعت وقد ارتحل الجيش والهودج معهم، فأقامت في ذلك المكان ومرّ بها صفوان بن المعطل وكان متأخراً عن الجيش فأناخ راحلته وحملها عليها، فلما رأى ذلك أهل الإفك قالوا ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا: هذا حاصل القصة مع طولها وتشعب أطرافها فلا نطول بذكر ذلك. وجملة (لا تحسبوه شراً لكم) إن كانت خبراً لـ (إن) فظاهر، وإن كان الخبر (عصبة) فهي مستأنفة خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة وأبو بكر وصفوان بن المعطل الذي قذف مع عائشة أم المؤمنين وتسلية لهم، والضمير المنصوب للإفك، والشر ما زاد ضره على نفعه. (بل هو خير لكم) الخير ما زاد نفعه على ضره، وأما الخير الذي لا شر فيه فهو الجنة، والشر الذي لا خير فيه فهو النار. ووجه كونه خيراً لهم أنه يحصل لهم به الثواب العظيم مع بيان براءة أم المؤمنين عائشة، وصيرورة قصتها هذه شرعاً عاماً، وهذا غاية الشرف والفضل، وفيه تهويل الوعيد لمن تكلم فيهم، والثناء على من ظن بهم خيراً. (لكل امرئ منهم) أي من العصبة الكاذبة (ما اكتسب من الإثم) بسبب تكلمه بالإفك (والذي تولى) أي تحمل (كبره) أي معظمه (منهم) فبدأ بالخوض فيه وأشاعه وهو ابن أبيّ، قرأ جماعة بضم الكاف. قال الفراء: وهو وجه جيد، لأن العرب تقول: فلان تولى عظم كذا وكذا، أي أكبره. وقرئ بكسرها. قيل هما لغتان. وقيل هو بالضم معظم الإفك وبالكسر البداءة به، وقيل هو بالكسر الإثم. فالمعنى أن الذي تولى معظم الإفك من العصبة (له عذاب عظيم) في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما، واختلف في هذا الذي تولى كبره من عصبة الإفك من هو منهم، فقيل هو عبد الله بن أُبي، وقيل هو حسان والأول هو الصحيح، وقد روى محمد بن إسحاق وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم جلد في الإفك رجلين وامرأة، وهم مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش، وقيل جلد عبد الله بن أبيّ وحسان وحمنة ولم يجلد مسطحاً لأنه لم يصرح بالقذف، ولكن كان يسمع ويشيع من غير تصريح، وقيل لم يجلد أحداً منهم. قال القرطبي: المشهور من الأخبار والمعروف عند العلماء أن الذين حُدّوا حسان ومسطح وحمنة ولم يسمع بحد لعبد الله بن أُبَيّ. ويؤيد هذا ما في سنن أبي داود عن عائشة قالت: لما نزل عذرى قام النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل من المنبر أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدّهم، وسماهم حسان ومسطح وحمنة، واختلفوا في وجه تركه صلى الله عليه وسلم لجلد عبد الله بن أبيّ، فقيل لتوفير العذاب العظيم له في الآخرة؛ وحد من عداه ليكون ذلك تكفيراً لذنبهم. كما ثبت صلى الله عليه وآله وسلم في الحدود أنه قال: " إنها كفارة لمن أقيمت عليه ". وقيل ترك حده تألفاً لقومه واحتراماً لابنه، فإنه كان من صالحي المؤمنين وإطفاء لثائرة الفتنة، فقد كان ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن معه، كما في صحيح مسلم. وأخرج البخاري وابن المنذر والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فقال: الذي تولى كبره منهم عليّ فقلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، كلهم سمع عائشة تقول: الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أُبيّ قال: فقال لي فما كان جرمه؟ قلت حدثني شيخان من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر ابن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام أنهما سمعا عائشة تقول: كان مسيئاً في أمري. وقال يعقوب بن شيبة [[عبد الله بن محمد بن أبي شيبة.]] في مسنده: دخل سليمان بن يسار على هشام ابن عبد الملك فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال ابن أُبَيّ. قال كذبت هو عليّ، قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ فقال: ابن أبيّ، قال: كذبت، هو عليّ، قال: أنا أكذب، لا أبا لك والله لو نادى مناد من السماء أن الله قد أحل الكذب ما كذبت. حدثني عروة وسعيد وعبد الله وعلقمة عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال: " دخل حسان ابن ثابت على عائشة فشبب. وقال: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل قالت: لكنك لست كذلك، قلت: تدعين مثل هذا يدخل عليك؟ وقد أنزل الله فيه (والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) فقالت: وأي عذاب أشد من العمى، ثم صرف سبحانه الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى المؤمنين بطريق الالتفات فقال:

النور 24:12

(لولا) تحضيضية، أي هلا (إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيراً تأكيداً للتوبيخ والتقريع ومبالغة في معاتبتهم وشروعاً في توبيخهم وتعييرهم وزجرهم بتسعة زواجر. الأول هذا؛ والثاني

النور 24:13

(لولا جاءوا عليه)، والثالث

النور 24:14

(ولولا فضل الله). والرابع

النور 24:15

(إذ تلقونه)، والخامس

النور 24:16

(ولولا إذ سمعتموه)، والسادس

النور 24:17

(يعظكم الله)، والسابع (إن الذين يحبون) والثامن (ولولا فضل الله عليكم) والتاسع (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان -إلى سميع عليم-). ومعنى الآية كان ينبغي للمؤمنين حين سمعوا مقالة أهل الإفك أن يقيسوا ذلك على أنفسهم، فإن كان ذلك يبعد فيهم فهو في أم المؤمنين أبعد. وقيل كان ينبغي لكم بمجرد سماعه أن تحسنوا الظن في أم المؤمنين، فضلاً عن أن تتمادوا في سماعه؛ فضلاً أن تصرّوا عليه بعد السماع. قال الحسن: معنى بأنفسهم بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس واحدة في اشتراك الكل في الإيمان، ألا ترى إلى قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم)؟. قال الزجاج: وكذلك يقال للقوم الذين يقتل بعضهم بعضاً أنهم يقتلون أنفسهم. قال المبرد: ومثله قوله تعالى: (فاقتلوا أنفسكم) قال النحاس: معنى (بأنفسهم) بإخوانهم. وقيل بأبناء جنسهم، فأوجب الله سبحانه على المسلمين إذا سمعوا رجلاً يقذف أحداً ويذكره بقبيح لا يعرفونه به أن ينكروا عليه ويكذبوه وإنما عدل عن الخطاب إلى الغيبة وعن الضمير إلى الظاهر ولم يقل ظننتم بأنفسكم خيراً، وقلتم ليبالغ في التوبيخ بطريق الالتفات وليدل التصريح بلفظ الإيمان على أن الاشتراك فيه يقتضي أن لا يصدق مؤمن على أخيه ولا مؤمنة على أختها قول عائب ولا طاعن، وهذا من الأدب الحسن الذي قل القائم به والحافظ له، وليتك تجد من يسمع فيسكت ولا يشيع ما يسمعه بإخوانه، وكفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع. قال العلماء: في الآية دليل على أن درجة الإيمان والعفاف لا يزيلها الخبر المحتمل وإن شاع. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم عن بعض الأنصار أن امرأة أبي أيوب قالت له حين قال أهل الإفك ما قالوا: ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى وذلك الكذب، أكنت أنت فاعلة ذلك يا أم أيوب؟ قالت: لا والله، قال: فعائشة خير منك وأطيب، إنما هذا كذب وإفك باطل، فلما نزل القرآن ذكر الله من قال من الفاحشة ما قال من أهل الإفك، ثم قال: (لولا إذ سمعتموه) الآية، أي كما قال أبو أيوب وصاحبته. وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز وقبيصة: يجلد ثمانين قال القرطبي: وأجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما. وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: " أن من قذف مملوكه بالزنا أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن تكون كما قال " [[مسلم 1660 - البخاري 2520.]] وشرائط الإحصان خمسة: الإسلام والعقل والبلوغ والحرية والعفة من الزنا؛ والمحصن كالمحصنة في وجوب حد القذف؛ وبسط الكلام في هذا في كتب الفروع. ثم ذكر سبحانه شرطاً لإقامة الحد على من قذف المحصنات فقال: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء) يشهدون عليهن بوقوع الزنا منهن برؤيتهم. ولفظ (ثم) يدل على أنه يجوز أن تكون شهادة الشهود في غير مجلس القذف. وبه قال الجمهور. وخالف في ذلك مالك. وظاهر الآية أنه يجوز أن تكون الشهود مجتمعين ومفترقين، وخالف في ذلك الحسن ومالك، وإذا لم يكمل الشهود أربعة كانوا قذفة يحدون حد القذف. وقال الحسن والشعبي: إنه لا حد على الشهود ولا على المشهود عليه. وبه قال أحمد وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن، ويرد ذلك ما وقع في خلافة عمر رضي الله عنه من جلده للثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بالزنا، ولم يخالف في ذلك أحد في الصحابة. وقد اختلف في إعراب (شهداء) على أقوال، ثم بين الله سبحانه ما يجب على القاذف فقال: (فاجلدوهم) أي كل واحد منهم (ثمانين جلدة) الجلد الضرب كما تقدم والمجالدة المضاربة في الجلود أو بالجلود، ثم استعير للضرب بالعصا والسيف وغيرهما، وقد تقدم بيان الجلد قريباً. (ولا تقبلوا لهم شهادة) أي فاجمعوا لهم بين الأمرين، الجلد وترك قبول الشهادة في شيء لأنهم قد صاروا بالقذف غير عدول بل فسقة كما حكم الله به عليهم في آخر هذه الآية. ومعنى (أبداً) ما داموا في الحياة، ثم بين سبحانه حكمهم بعد صدور القذف منهم وإصرارهم عليه وعدم رجوعهم إلى التوبة فقال: (وأولئك هم الفاسقون) لإتيانهم كبيرة، وهذه الجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها، والفسق هو الخروج عن الطاعة ومجاوزة لحد المعصية، وفيه دليل على أن القذف من الكبائر لأن اسم الفسق لا يقع إلا على صاحب كبيرة، ثم بين الله سبحانه أن هذا التأييد لعدم قبول شهادتهم هو مع عدم التوبة فقال: (إلا الذين تابوا من بعد ذلك) أي من بعد اقترافهم لذنب القذف (وأصلحوا) أعمالهم التي من جملتها ذنب القذف ومداركة ذلك بالتوبة والانقياد للحد (فإنّ الله غفور رحيم) يغفر ذنوبهم ويرحمهم، وقد اختلف أهل العلم في هذا الاستثناء هل يرجع إلى الجملتين قبله؟ وهي عدم قبول الشهادة، والحكم عليهم بالفسق، أم إلى الجملة الأخيرة وهذا الاختلاف بعد اتفاقهم على أنه لا يعود إلى جملة الجلد بل يجلد التائب كالمصرّ وبعد إجماعهم أيضاً على أن الاستثناء يرجع إلى جملة الحكم بالفسق فمحل الخلاف هل يرجع إلى جملة عدم قبول الشهادة أم لا؛ فقال الجمهور: إن هذا الاستثناء يرجع إلى الجملتين، فإذا تاب القاذف قبلت شهادته وزال عنه الفسق لأن سبب ردها هو ما كان متصفاً به من الفسق بسبب القذف فإذا زال بالتوبة بالإجماع كانت الشهادة مقبولة. وقال القاضي شريح وإبراهيم النخعي والحسن البصري وسعيد بن جبير ومكحول وابن زيد وسفيان الثوري وأبو حنيفة: إن هذا الاستثناء يعود إلى جملة الحكم بالفسق لا إلى جملة عدم قبول الشهادة فيرتفع بالتوبة عن القاذف وصف الفسق ولا تقبل شهادته أصلاً. وذهب الشافعي والضحاك إلى التفصيل فقالا: لا تقبل شهادته وإن تاب. إلا أن يعترف على نفسه بأنه قد قال البهتان فحينئذ نقبل شهادته، وقول الجمهور هو الحق لأن تخصيص التقييد بالجملة الآخرة، دون ما قبلها مع كون الكلام واحداً في واقعة شرعية من متكلم واحد خلاف ما تقتضيه لغة العرب، وأولوية الجملة الأخيرة المتصلة بالقيد بكونه قيداً لها لا تنفي كونه قيداً لا قبلها، غاية الأمر أن تقييد الأخيرة بالقيد المتصل بها أظهر من تقييد ما قبلها به، ولهذا كان مجمعاً عليه وكونه أظهر لا ينافي كونه فيما قبلها ظاهر. وقد أطال أهل الأصول الكلام في القيد الواقع بعد جمل، كلا هو معروف عند من يعرف ذلك الفن، والحق هو هذا، والاحتجاج بما وقع تارة من القيود فإن الإيمان يقتضي عدم الوقوع في مثله ما دمتم أحياء، وفيه تهييج عظيم وتقريع بالغ.

النور 24:18

(ويبين الله لكم الآيات) في الأمر والنهي لتعملوا بذلك وتتأدبوا بآداب الله وتنزجروا عن الوقوع في محارمه (والله عليم) بما تبدونه وما تخفونه أو بأمر عائشة وصفوان (حكيم) في تدبيراته لخلقه أو في حكمه ببراءتهما ثم هدد سبحانه القاذفين ومن أراد أن يتسامع الناس بعيوب المؤمنين وذنوبهم فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21)

النور 24:19

(إنّ الذين يحبون أن تشيع الفاحشة) هي فاحشة الزنا، والقول السيئ، أي يحبون أن تفشوا الفاحشة وتنتشر من قولهم شاع الشيء يشيع شيوعاً وشيعاً وشيعاناً إذا ظهر وانتشر، والمراد بشيوعها شيوع خبرها. قال علي بن أبي طالب: قائل الفاحشة والذي شيع بها في الإثم سواء. (في الذين آمنوا) أي المحصنين العفيفين أو كل من اتصف بصفة الإيمان (لهم عذاب أليم في الدنيا) بإقامة الحد عليهم (والآخرة) بعذاب النار (والله يعلم) جميع المعلومات (وأنتم لا تعلمون) إلا ما علمكم به وكشفه لكم. ومن جملة ما يعلمه الله عظم ذنب القذف وعقوبة فاعله.

النور 24:20

(ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم) لعاجلكم بالعقوبة ومن رأفته لعباده أن لا يعاجلهم بذنوبهم، ومن رحمته لهم أن يتقدم إليهم بمثل هذا الإعذار والإنذار وهو تكرير لما تقدم تذكيراً للمنة منه سبحانه على عباده بترك المعاجلة لهم.

النور 24:21

(يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان) جمع خطوة وهي ما بين القدمين والخَطوة بالفتح المصدر أي لا تتبعُوا مسألك الشيطان ومذاهبه وآثاره ولا تسلكوا طرائفه التي يدعوكم إليها، قرأ الجمهور: خطوات بفتح الخاء والطاء وقرئ بضم الخاء والطاء وبإسكان الطاء وهما سبعينان. (ومن يتبع خطوات الشيطان) جواب الشرط محذوف تقديره فقد غوى وقيل جزاء الشرط محذوف أقيم مقامه ما هو علة له أعني قوله: (فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر) أي فقد ارتكب الفحشاء والمنكر لأنّ دأبه أن يستمر آمراً لغيره بهما أو صار فيه خاصية الشيطان وهي الأمر بهما، والفحشاء ما أفرط قبحه، والمنكر ما ينكره الشرع، وضمير إنه للشيطان، وقيل للشأن والأولى أن يكون عائداً إلى (من) لأن من اتبع الشيطان صار مقتدياً به في الأمر بالفحشاء والمنكر والآية عامة في حق كل واحد، لأن كل مكلف ممنوع من ذلك. (ولولا فضل الله عليكم ورحمته) قد تقدم بيانه، وجواب لولا هو قوله: (ما زكى منكم من أحد أبداً) أي لولا التفضل والرحمة من الله ما طهر أحد منكم نفسه من دنسها ما دام حياً قرئ زكى مخففاً ومشدداً أي ما طهره الله، وقال مقاتل: ما صلح، والأولى تفسير زكى بالتطهر والتطهير وهو الذي ذكره ابن قتيبة، وعن ابن عباس قال: ما اهتدى أحد من الخلائق لشيء من الخير، والآية على العموم وقيل خاصة بالذين خاضوا في الإفك وأنهم طهروا وتابوا غير عبد الله فإنه استمر على الشقاوة حتى هلك، والأول أولى. (ولكن الله يزكي من يشاء) من عباده بالتفضل عليهم والرحمة لهم (والله سميع) لما يقولونه (عليم) بجميع المعلومات، وفيه حث بالغ على الإخلاص، وتهييج عظيم لعباده التائبين، ووعيد شديد لمن يتبع الشيطان ويحب أن تشيع الفاحشة في عباد الله المؤمنين ولا يزجر نفسه بزواجر الله سبحانه. وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (25)

النور 24:22

(ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة) لا ناهية والفعل مجزوم بحذف الياء لأنه معتل بها أي لا يحلف ووزنه يفتعل من الأليّة كهدية، يقال أليّة وألايا مثل هدية وهدايا، وهي اليمين يقال ائتلى يأتلي بوزن انتهى ينتهي إذا حلف، ومنه قوله سبحانه: (للذين يؤلون من نسائهم) وقالت فرقة: هو من ألوت في كذا إذا قصرت ومنه لم آل جهداً أي لم أقصر وكذا منه قوله تعالى: (لا يألونكم خبالاً) والأول أولى بدليل سبب النزول، قال ابن عباس: لا تقسموا أن لا تنفعوا أحداً. أخرج ابن المنذر عن عائشة قالت: كان مسطح بن أثاثة ممن تولى كبره من أهل الإفك، وكان قريباً لأبي بكر، وكان في عياله فحلف أبو بكر أن لا ينيله خيراً أبداً فأنزل الله هذه الآية، قالت فأعاده أبو بكر إلى عياله وقال: لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا تحللتها وأتيت الذي هو خير، وقد روي هذا من طرق عن جماعة من التابعين. وعن ابن عباس في الآية قال: كان ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد رموا عائشة بالقبيح وأفشوا ذلك وتكلموا فيها، فأقسم ناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم أبو بكر أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من هذا ولا يَصِلُوه فقال: لا يقسم أولوا الفضل منكم والسعة أن لا يصلوا أرحامهم، وأن لا يعطوهم من أموالهم، كالذي كانوا يفعلون قبل ذلك، فأمر الله أن يغفر لهم ويعفي عنهم. (أن يؤتوا) قال الزجاج أي على أن لا يؤتوا فحذف (لا) وقال أبو عبيدة: لا حاجة إلى إضمار لا، والمعنى: لا يحلفوا على أن لا يحسنوا إلى المستحقين للإحسان من (أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله) الجامعين لتلك الأوصاف، وعلى الوجه الآخر يكون المعنى: لا يقصروا في أن يحسنوا إليهم وإن كانت بينهم وبينهم شحناء لذنب اقترفوه، وقرئ بتاء الخطاب على الالتفات. ثم علمهم سبحانه أدباً آخر فقال: (وليعفوا) عن ذنبهم الذي أذنبوه عليهم، وجناتهم التي اقترفوها، من عفا الربع أي درس، والمراد محو الذنب حتى يعفو كما يعفو أثر الربع (وليصفحوا) بإغضاء عن الجاني والإغماض عن جنايته، والإعراض عن لومه، فإن العفو أن يتجاوز عن الجاني، والصفح أن يتناسى جرمه. وقيل: العفو بالفعل والصفح بالقلب، وقرئ في الفعلين جميعاً بالفوقية ثم ذكر سبحانه ترغيباً عظيماً لمن عفا وصفح فقال: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) بسبب عفوكم وصفحكم عن الفاعلين للإساءة عليكم، قال أبو بكر: بلى أنا أحب أن يغفر الله لي، ورجع إلى مسطح ما كان ينفقه عليه (والله غفور رحيم) أي كثير المغفرة والرحمة لعباده مع كثرة ذنوبهم، فكيف لا يقتدي العباد بربهم في العفو والصفح عن المسيئين إليهم؟.

النور 24:23

(إن الذين يرمون) بالزنا (المحصنات) العفائف قد مر تفسيرها، وذكرنا أن الإجماع على أن حكم المحصنين من الرجال حكم المحصنات من النساء في حد القذف (الغافلات) أي اللاتي غفلن عن الفاحشة بحيث لا تخطر ببالهن ولا يفطن لها، وفي ذلك من الدلائل على كمال النزاهة، وطهارة الجيب ما لم يكن في المحصنات، وقيل: هنّ السليمات الصدور، النقيات القلوب، اللاتي ليس فيهن دهاء ولا مكر، لأنهن لم يجربن الأمور، ولم يرزن الأحوال فلا يفطن لما تفطن له المجربات العرافات، وكذلك البله من الرجال الذين غلبت عليهم سلامة الصدور، وحسن الظن بالناس، لأنهم أغفلوا أمر دنياهم فجهلوا حذق التصرف فيها، وأقبلوا على آخرتهم فشغلوا نفوسهم بها. (المؤمنات) بالله ورسوله، وقد اختلف في هذه الآية هل هي خاصة أو عامة، فقال سعيد بن جبير: هي خاصة فيمن رمى عائشة، وقال مقاتل: هي خاصة بعبد الله بن أُبي، رأس المنافقين وقال الضحاك، والكلبي: هي في عائشة وسائر أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - دون سائر المؤمنين والمؤمنات، فمن قذف إحدى أمهات المؤمنين فهو من أهل هذه الآية. قال الضحاك: ومن أحكام هذه الآية، أنه لا توبة لمن رمى إحدى أزواجه - صلى الله عليه وسلم -، ومن قذف غيرهن فقد جعل الله له التوبة، كما تقدم في قوله (إلا الذين تابوا)، وقيل إن هذه الآية خاصة بمن أصرّ على القذف، ولم يتب، وقيل إنها خاصة بمشركي مكة، لأنهم كانوا يقولون للمرأة إذا خرجت مهاجرة إِنما خرجت لتفجر. وقيل إنها تعمّ كل قاذف ومقذوف من المحصنات والمحصنين، واختاره النحاس وهو الموافق لما قرره أهل الأصول، من أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال أهل العلم: إن كان المراد بهذه الآية المؤمنين من القذفة فالمراد باللعنة في قوله: (لعنوا في الدنيا والآخرة) الإبعاد عن الثناء الحسن على ألسنة أهل الإيمان، وضرب الحد، وهجر سائر المؤمنين لهم، وزوالهم عن رتبة العدالة، واستيحاش أهل الإيمان منهم، وإن كان المراد بها ْمن قذف عائشة خاصة. كانت هذه الأمور في جانب عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين، وإن كانت في مشركي مكة، فإنهم ملعونون في الدنيا والآخرة. (ولهم عذاب عظيم) على ذنب عظيم، وجملة

النور 24:24

(يوم تشهد عليهم ألسنتهم) مقررة لما قبلها، مبينة لحلول وقت ذلك العذاب بهم، وتعيين اليوم لزيادة التهويل بما فيه من العذاب، الذي لا يحيط به وصف، قرئ تشهد بالفوقية، وبالتحتية، وهما سبعيتان، والمعنى تشهد ألسنة بعضهم على بعض في ذلك اليوم، وقيل تشهد عليهم ألسنتهم في ذلك اليوم بما تكلموا به. (وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) أي: بما عملوا في الدنيا من قول أو فعل، وأن الله سبحانه ينطقها بالشهادة عليهم، والمشهود به محذوف. وهو ذنوبهم التي اقترفوها، أي تشهد هذه عليهم بذنوبهم التي اقترفوها ومعاصيهم التي عملوها. أخرج الطبراني، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، عن أبي سعيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فجحد وخاصم، فيقال احلفوا فيحلفون. ثم يصمتهم الله وتشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم، ثم يدخلهم النار "، وقد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من طريق جماعة من الصحابة ما يتضمن شهادة الجوارح على العصاة.

النور 24:25

(يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) أي يوم تشهد عليهم جوارحهم بأعمالهم القبيحة يعطيهم الله جزاءهم عليها موفراً. فالمراد بالدين هنا الجزاء بالحق الثابت الذي لا شك في ثبوته، قرئ يوفيهم من أوفى مخففاً، ومن وفّى مشدداً، وقرئ الحقُ بالرفع على أنه نعت لله، وروي ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه، وبالنصب على أنه نعت لدينهم، قال أبو عبيدة: ولولا كراهة خلاف الناس لكان الوجه الرفع، ليكون نعتاً لله عز وجل، وليكون موافقاً لقراءة أُبي، وذلك أن جرير بن حازم قال: رأيت في مصحف أبيّ: يوفيهم الله الحق دينهم، قال النحاس: وهذا الكلام من أبي عبيدة غير مرضي، لأنه احتج بما هو مخالف للسواد الأعظم، ولا حجة أيضاً فيه، لأنه لو صح أنه في مصحف أبيّ كذلك، لجاز أن يكون دينهم بدلاً من الحق وعن ابن عباس قال: دينهم أي حسابهم، وكل شيء في القرآن الدين فهو الحساب وأخرج الطبراني وغيره عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم. (ويعلمون أنّ الله هو الحق المبين) أي يعلمون عند معاينتهم لذلك، ووقوعه على ما نطق به الكتاب العزيز، أن الله هو الحق الثابت في ذاته وصفاته، وأفعاله (المبين) المظهر للأشياء كما هي في أنفسها، وإنما سمي سبحانه الحق لأن عبادته هي الحق دون عبادة غيره؛ وقد سمي بالحق أي الموجود لأن نقيضه الباطل، وهو المعدوم، وتفسيره بظهور ألوهيته تعالى وعدم مشاركة الغير له فيها، وعدم قدرة ما سواه على الثواب والعقاب، ليس له كثير مناسبة للمقام، ولم يغلظ الله سبحانه وتعالى؛ في القرآن في شيء من المعاصي تغليظه في إفك عائشة. فأوجز في ذلك وأشبع، وفصل وأجمل، وأكد وكرر؛ وما ذلك إلا ما روي عن ابن عباس من أذنب ذنباً ثم تاب منه قبلت توبته إلا من خاض في أمر عائشة، وهذا منه تعظيم ومبالغة في أمر الإفك. ولقد برأ الله تعالى أربعة بأربعة، برأ يوسف بشاهد من أهلها، وموسى بالحجر الذي ذهب بثوبه، ومريم بإنطاق ولدها، وعائشة بهذه الآي العظام في كتابه المعجز؛ المتلو على وجه الدهر، بهذه المبالغات؛ فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك حيث لم يرض لها ببراءة صبي ولا نبي. حتى برأها بكلامه من القذف والبهتان؛ وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسوله. والتنبيه على أنافة محله صلى الله عليه وآله وأصحابه أجمعين. الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (26) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (29) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ثم ختم سبحانه الآيات الواردة في أهل الإفك بكلمة جامعة فقال:

النور 24:26

(الخبيثات) من النساء (للخبيثين) من الرجال أي مختصات بهم لا يكدن يتجاوزنهم إلى غيرهم، كلام مستأنف مؤسس على قاعدة السنة الإلهية الجارية فيما بين الخلق. على موجب أن الله تعالى ملكاً يسوق الأهل إلى أهلها (و) كذا (الخبيثون للخبيثات) أي مختصون بهن لا يتجاوزنهن لأن المجانسة من دواعي الانضمام. (و) هكذا (الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) قال مجاهد، وسعيد بن جبير وعطاء وأكثر المفسرين: المعنى الكلمات الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من الكلمات، والكلمات الطيبات من القول للطيبين من الناس، والطيبون من الناس للطيبات من الكلمات، وعن ابن عباس مثله، وزاد نزلت في الذين قالوا في زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قالوا من البهتان، وعن قتادة نحوه، وكذا روي عن جماعة من التابعين قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل. قال الزجاج: ومعناه لا يتكلم بالخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء، ولا يتكلم بالطيبات إلا الطيب من الرجال والنساء، وهذا ذم للذين قذفوا عائشة، بالخبث، ومدح للذين برءوها. وقيل: إن هذه الآية مبنية على قوله: (الزاني لا ينكح إلا زانية) فالخبيثات الزواني، والطيبات العفائف، وكذا الخبيثون والطيبون، وعن ابن زيد قال: نزلت في عائشة حين رماها المنافقون بالبهتان، والفرية فبرأها الله من ذلك، وكان ابن أبيّ هو الخبيث؛ وكان هو أولى بأن تكون له الخبيثة، ويكون هو لها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم طيباً فكان أولى أن تكون له الطيبة، وكانت عائشة الطيبة، وكانت أولى بأن يكون لها الطيب. (أولئك مبرءون مما يقولون) الإشارة إلى الطيبين والطيبات، أي هم مبرءون مما يقوله الخبيثون والخبيثات، وقيل الإشارة إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وقيل: إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعائشة وصفوان بن المعطل، وقيل إلى عائشة وصفوان فقط، قال الفراء: وجمع كما قال: فإن كان له إخوة، والمراد أخوان، قال ابن زيد: هاهنا برئت عائشة. (لهم مغفرة) عظيمة لما لا يخلو عنه البشر من الذنوب (ورزق كريم) هو رزق الجنة، روي أن عائشة كانت تفتخر بأشياء لم تعطها امرأة غيرها، منها أن جبريل أتى بصورتها في خرقة حرير، وقال هذه زوجتك، ومنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتزوج بكراً غيرها، وقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجرها وفي يومها. ودفن في بيتها، وكان ينزل عليه الوحي وهي معه في اللحاف، ونزلت براءتها من السماء، وأنها ابنة الصديق وخليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وخلقت طيبة، ووعدت مغفرة ورزقاً كريماً. وكان مسروق إذا حدث عن عائشة يقول: حدثتني الصديقة ابنة الصديق حبيبة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، المبرأة من السماء؛ وقال حسان معتذراً في حقها: حصان، رزان، ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل حليلة خير الناس، ديناً ومنصباً ... نبي الهدى، والمكرمات الفواضل عقيلة حي من لؤي بن غالب ... كرام المساعي مجدها غير زائل مهذبة، قد طيب الله خيمها ... وطهرها من كل شين وباطل ولما فرغ سبحانه من ذكر الزجر عن الزنا والقذف شرع في ذكر الزجر عن دخول البيوت بغير استئذان لما في ذلك من مخالطة الرجال بالنساء فربما يؤدي إلى أحد الأمرين المذكورين، وأيضاً فإن الإنسان يكون في بيته ومكان خلوته على حالة قد لا يحب أن يراه عليها غيره، فنهى الله سبحانه عن دخول بيوت الغير فقال:

النور 24:27

(يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم) أي التي لستم تملكونها ولا تسكنونها، وليس لكم عليها يد شرعية أما المكتري. والمستعير، فكل منهما يدخل بيته، والمعنى لا تدخلوها إلى غاية هي قوله: (حتى تستأنسوا) الاستئناس: الاستعلام، والاستخبار أي حتى تستعلموا من في البيت والمعنى حتى تعلموا أن صاحب البيت قد علم بكم، وتعلموا أنه قد أذن بدخولكم فإذا علمتم ذلك دخلتم، ومنه قوله (فإن آنستم منها رشداً) أي علمتم. قال الخليل: الاستئناس الاستكشاف من أنس الشيء إذا أبصره كقوله (إني آنست ناراً) أي أبصرت. وقال ابن جرير: إنه بمعنى تؤنسوا أنفسكم، قال ابن عطية وتصريف الفعل يأبى أن يكون من أنس ومعنى كلام ابن جرير هذا أنه من الاستئناس الذي هو خلاف الاستيحاش لأن الذي يطرق باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا؟ فهو كالمستوحش حتى يؤذن له فإذا أذن له استأنس. فنهى سبحانه عن دخول تلك البيوت حتى يؤذن للداخل وقيل: هو من الإنس وهو أن يتعرف هل ثَمَّ إنسان أم لا؟ قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: حتى تستأذنوا ويؤيده ما حكاه القرطبي عن ابن عباس وأُبي وسعيد بن جبير أنهم قرءوا حتى تستأذنوا، قال ما لك فيما حكاه عنه ابن وهب: الاستئناس فيما نرى والله أعلم - الاستئذان؛ وعن ابن عباس قال: أخطأ الكاتب: حتى تستأذنوا. (وتسلموا على أهلها) وفي مصحف عبد الله حتى تسلموا على أهلها، وتستأذنوا؛ وعن عكرمة نحوه: أخرج ابن أبي شيبة؛ والطبراني وغيرهما عن أبي أيوب قال: قلت يا رسول الله أرأيت قول الله حتى تستأنسوا أو تسلموا على أهلها، هذا التسليم قد عرفناه فما الاستئناس. قال: " يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة؛ ويتنحنح؛ فيؤذن أهل البيت " قال ابن كثير: هذا حديث غريب [[ابن كثير 3/ 280.]]. وأخرج الطبراني عن أبي أيوب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الاستئناس أن تدعو الخادم حتى يستأنس أهل البيت، الذين تسلم عليهم " وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه مدرى يحك بها رأسه قال: " لو أعلم أنك تنظر لطعنت بها في عينيك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر " [[مسلم 2156 - البخاري 2300.]] وفي لفظ: إنما جعل الإذن من أجل البصر، وعن أنس قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبت عمري كله في هذه الآية فما أدركتها: إن أستأذِنَ على بعض إخواني فيقول: إرجع فأرجع وأنا مغتبط لقوله (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم). وعن ابن عباس قال: نسخ واستثنى من ذلك. فقال (ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة فيها متاع لكم) أخرج أحمد والبخاري في الأدب وأبو داود والترمذي والنسائي والبيهقي من طريق كلدة أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بِلِبَأَ [[ألِلّبَأ: هو أول ما يُحلَب عند الولادة، ولَبَأَتِ الشاة ولدَها أرضعته اللّبَأ (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 4/ 221، تحقيق محمود محمد الطناحي، طبعة عيسى البابي الحلبي بالقاهرة).]] وضَغابيس [[الضغابيس: صغار القِثّاء، وأحدها ضُغبوس، وقيل هي نبتٌ ينبت في أصول الثُمام، يُشبه الهِليون، يُسلَق بالخل والزيت ويؤكل (النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير 3/ 89).]]. والنبي - صلى الله عليه وسلم - بأعلى الوادي قال: فدخلت عليه ولم أسلم ولم أستأذن، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " أرجع فقل: السلام عليكم أأدخل؟ " قال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه. وأخرج أحمد والبخاري في الأدب؛ وأبو داود والبيهقي في السنن من طريق ربعي قال: حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيت فقال: أألج؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لخادمه أخرج إلى هذا فعلمه الإستئذان. فقل له: قل السلام عليكم أأدخل؟. وأخرج ابن جرير عن عمر بن سعيد الثقفي نحوه مرفوعاً. ولكنه قال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأمة له يقال لها روضة: " قومي إلى هذا فعلميه " واختلفوا هل يقدم الاستئذان على السلام؟ أو العكس؟ فقيل: يقدم الاستئذان فيقول أأدخل سلام عليكم؟ لتقديم الاستئناس في الآية على السلام. وقال الأكثرون: إنه يقدم السلام على الاستئذان فيقول: السلام عليكم أأدخل؟ وهو الحق لأن البيان منه - صلى الله عليه وسلم - للآية كان هكذا: وقيل: إن وقع بصره على إنسان قدّم السلام: وإلا قدم الاستئذان. (ذلكم) أي الاستئناس والتسليم أي دخولكم مع الاستئذان والسلام (خير لكم) من التهجم بغير إذن ومن الدخول بغتة (لعلكم تذكّرون) أنّ الاستئذان خير لكم، وهذه الجملة متعلقة بمقدر أي: أمرتم بالاستئذان والمراد بالتذكر الاتعاظ، والعمل بما أمروا به.

النور 24:28

(فإن لم تجدوا فيها) أي في البيوت التي لغيركم (أحداً) ممن يستأذن عليه، ويصلح للإذن، أو كان ولكنه لم يأذن أو لم يكن فيها أحد أصلاً (فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم) بدخولها من جهة من يملك الإذن فإن المانع من الدخول ليس الاطلاع على العورات فقط، بل وعلى ما يخفيه الناس عادة مع أن التصرف في ملك الغير بغير إذنه محظور، واستثنى ما إذا عرض فيه حرق أو غرق أو كان فيه منكر ونحوه وعن مجاهد قال: المعنى فإن لم تجدوا فيها أحداً، أي لم يكن فيها متاع. وضعفه ابن جرير. وهو حقيق بالضعف فإن المراد بالأحد المذكور أهل البيوت الذين يأذنون للغير بدخولها لامتاع الداخلين إليها. (وإن قيل لكم) أي: إن قال لكم أهل البيت: (ارجعوا فارجعوا) ولا تعاودوهم بالاستئذان مرة أخرى ولا تنتظروا بعد ذلك أن يؤذن لكم بعد أمرهم لكم بالرجوع. ولا تقفوا على الباب ملازمين، ثم بين سبحانه أن الرجوع أفضل من الإلحاح وتكرير الاستئذان، والقعود على الباب، والإصرار على الانتظار، فقال: (هو) أي الرجوع (أزكى لكم) أي: أفضل وأطهر من التدنس بالمشاحة على الدخول ومن اللج والعناد والوقوف على الأبواب، لما في ذلك من سلامة الصدر، والبعد من الريبة، والفرار من الدناءة والرذالة، وإذا حضر أحد إلى الباب فلم يستأذن وقعد على الباب منتظراً جاز وكان ابن عباس يأتي دور الأنصار لطلب الحديث فيقعد على الباب ولا يستأذن حتى يخرج إليه الرجل فيراه ويقول: يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لو أخبرتني بمكانك؟ فيقول هكذا أمرنا أن نطلب العلم (والله بما تعملون عليم) لا تخفى عليه من أعمالكم خافية، ومنه الدخول بإذن وغير إذن.

النور 24:29

(ليس عليكم جُناح) في الدخول بغير استئذان (أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة) أي البيوت التي ليست بموضوعة لسكنى طائفة مخصوصة، بل كانت موضوعة ليدخلها كل من له حاجة تقصد منها، وقد اختلف الناس في المراد بهذه البيوت فقال محمد بن الحنفية وقتادة ومجاهد هي الفنادق التي في الطرق السابلة الموضوعة لابن السبيل، يأوي إليها. وقال ابن زيد، والشعبي: هي حوانيت القيساريات وبيوت التجار، وحوانيتهم في الأسواق والرُّبَط، قال الشعبي: لأنهم جاءوا بيوعهم فجعلوها فيها، وقالوا للناس: هلم وقال عطاء: المراد بها الخرب التي يدخلها الناس للبول والغائط ففي هذا أيضاً متاع، وقيل هي بيوت مكة، روي ذلك عن محمد بن الحنفية أيضاً، وهو موافق لقول من قال: إن الناس شركاء فيها ولكن قد قيد سبحانه هذه البيوت المذكورة هنا بأنها غير مسكونة. (فيها متاع لكم) المتاع: النفعة عند أهل اللغة فيكون معنى الآية فيها منفعة لكم، كاستكنان من الحر، والبرد، وإيواء الرحال: والسلع، والشراء، والبيع، ومنه قوله: ومتعوهن. وقولهم: أمتع الله بك، وقد فسر الشعبي المتاع في كلامه المتقدم بالأعيان التي تباع، قال جابر ابن زيد: وليس المراد بالمتاع الجهاز، ولكن ما سواه من الحاجة. قال النحاس: وهو حسن موافق للغة. (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) أي ما تظهرون، وما تخفون، وفيه وعيد لمن لم يتأدب بآداب الله في دخول بيوت الغير، ويدخل الخربات، والدور الخالية من أهل الريبة، ولما ذكر سبحانه حكم الاستئذان أتبعه بذكر حكم النظر على العموم فقال:

النور 24:30

(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) فيندرج تحته غض البصر من المستأذن كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: " إنما جعل الإذن من أجل البصر " [[مسلم 2156 - البخاري 2300.]]، وخص المؤمنين مع تحريمه على غيرهم لكون قطع ذرائع الزنا التي منها النظر هم أحق بها من غيرهم، وأولى بذلك ممن سواهم، وقيل: إن في الآية دليلاً على أن الكفار غير مخاطبين بالشرعيات كما يقوله بعض أهل العلم، وفي الكلام حذف، والتقدير: قل للمؤمنين غضوا يغضوا، ومعنى غض البصر إطباق الجفن على العين بحيث يمنع الرؤية، و (من) هي التبعيضية، وإليه ذهب الأكثرون وعليه اقتصر القاضي كالكشاف، وبينوه بأن المعنى غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل. وقيل وجه التبعيض أنه يعفى للناظر، أول نظرة تقع من غير قصد، وقال الأخفش: إنها زائدة، وأنكر ذلك سيبويه. وقيل: إنها لبيان الجنس قاله أبو البقاء، واعترض عليه بأنه لم يتقدم مبهم حتى يكون مفسراً بـ (من) وقيل إنها لابتداء الغاية، قاله ابن عطية، وعليه اقتصر أبو حيان في النهر، وقيل: الغض: النقصان، يقال: غض فلان من فلان، أي: وضع منه. فالبصر إذاً لم يمكن من عمله فهو مغضوض منه، ومنقوص، فتكون (من) صلة للغض، وليست لمعنى من تلك المعاني الأربعة، وفي هذه الآية دليل على تحريم النظر إلى غير من يحل النظر إليه. قال ابن عباس: يغضوا أبصارهم يعني. من شهواتهم، مما يكره الله. وأخرج أبو داود، والترمذي، والبيهقي في سننه، عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " لا تتبع النظرة النظرة فإن الأولى لك وليست لك الأخرى " [[أبو داوود كتاب النكاح باب 43 - الترمذي كتاب الأدب 28.]]. وفي مسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، عن جرير البجلي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف [[مسلم 2159 - الترمذي كتاب الأدب باب 28.]]. وفي الصحيحين؛ وغيرهما؛ من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إياكم والجلوس على الطرقات "! قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا نتحدث فيها! فقال: " إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه ". قالوا: وما حقه يا رسول الله؟ قال: " غض البصر؛ وكف الأذى؛ ورد السلام؛ والأمر بالمعروف؛ والنهي عن المنكر " [[مسلم 2121 - البخاري 1217.]]. (ويحفظوا فروجهم) أي يجب عليهم حفظها عما يحرم عليهم ولا يحل لهم. وقيل المراد ستر فروجهم عن أن يراها من لا تحل له رؤيتها، ولا مانع من إرادة المعنيين، فالكل يدخل تحت حفظ الفرج، وقيل وجه المجيء بمن في الأبصار دون الفروج أنه موسع في النظر فإنه لا يحرم منه إلا ما استثنى، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن؟ وكذا الإماء المستعرضات للبيع بخلاف حفظ الفرج، فإنه مضيق فيه. فإنه لا يحل منه إلا ما استثنى. وقيل الوجه أن غض البصر كلِّه كالمتعذر، بخلاف حفظ الفرج، فإنه ممكن على الإطلاق قال أبو العالية: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلا ما في هذا الموضع فإنه أراد به الإستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه. (ذلك) أي ما ذكر من الغض والحفظ (أزكى) أي أطهر (لهم) من دنس الريبة، وأطيب من التلبس بهذه الدنيئة (إن الله خبير بما يصنعون) لا يخفى عليه شيء من صنعهم، فيجازيهم عليه، وفي ذلك وعيد لمن لم يغض بصره ويحفظ فرجه.

النور 24:31

وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) خص سبحانه الإناث بهذا الخطاب على طريق التأكيد لدخولهن تحت خطاب المؤمنين تغليباً كما في سائر الخطابات القرآنية وظهر التضعيف في يغضضن، ولم يظهر في يغضوا لأن لام الفعل من الأول متحركة، ومن الثاني ساكنة، وهما في موضع جزم جواباً للأمر. وبدأ سبحانه بالغض في الموضعين قبل حفظ الفرج. لأن النظر وسيلة إلى عدم حفظ الفرج. والوسيلة مقدمة على المتوسل إليه. وعن مقاتل قال: بلغنا. والله أعلم، أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت يزيد كانت في نخل لها لبني حارثة. فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيبدو ما في أرجلهن. يعني الخلاخل، وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء ما أقبح هذا! فأنزل الله في ذلك وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن الآية. وبالجملة أمر الله سبحانه المؤمنين والمؤمنات بغض الأبصار. فلا يحل للرجل أن ينظر إلى المرأة، ولا للمرأة أن تنظر إلى الرجل، فإن علاقتها به كعلاقته بها وقصدها منه كقصده منها، وقال مجاهد: إذا أقبلت المرأة جلس إبليس على رأسها فزينها لمن ينظر، وإذا أدبرت جلس على عجيزتها فزينها لمن ينظر، وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على خمسة وعشرين ضميراً للإناث ما بين مرفوع ومجرور ولم يوجد لها نظير في القرآن في هذا الشأن. (و) كذلك (يحفظن فروجهن) أي يجب عليهن حفظ فروجهن على الوجه الذي تقدم في حفظ الرجال لفروجهم، أخرج البخاري وأهل السنن وغيرهم عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: " احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " قلت: يا نبي الله إذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: " إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت: إذا كان أحدنا خالياً؟ قال: فالله أحق أن يستحيا منه من الناس " [[الترمذي كتاب الأدب باب 22، 39 - الإمام أحمد 5/ 4.]]. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين السماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطو، والنفس تتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " [[مسلم 2657 - البخاري 2372.]]. وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه الله إيماناً يجد حلاوته في قلبه "، والأحاديث في هذا الباب كثيرة [[المستدرك كتاب الرقاق 4/ 314.]]. (ولا يبدين زينتهن) أي ما يتزين به من الحلية وغيرها مثل الخلخال والخضاب في الرجل والسوار في المعصم والقرط في الأذن والقلائد في العنق فلا يجوز للمرأة إظهارها ولا يجوز للأجنبي النظر إليها ثم استثنى سبحانه من هذا النهي فقال: (إلا ما ظهر منها) أي ما جرت العادة والجبلة على ظهوره واختلف الناس في ظاهر الزينة ما هو؟ فقال ابن مسعود وسعيد بن جبير: هو الثياب وزاد سعيد الوجه وقال عطاء والأوزاعي: الوجه والكفان وقال ابن عباس وقتادة والمسور بن مخرمة: هو الكحل والخاتم والسوار والخضاب في الكف إلى نصف الساق ونحو ذلك فإنه يجوز للمرأة أن تبديه وقال ابن عطية: إن المرأة لا تبدي شيئاً من الزينة وتخفي كل شيء من زينتها، ووقع الاستثناء فيما يظهر منها بحكم الضرورة ولا يخفى عليك أن ظاهر النظم القرآني النهي عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها كالجلباب والخمار ونحوهما مما في الكف والقدمين من الحلية ونحوها. وإن كان المراد بالزينة مواضعها، كان الاستثناء راجعاً إلى ما يشق على المرأة ستره كالكفين والقدمين ونحو ذلك وهكذا إذا كان النهي عن إظهار الزينة يستلزم النهي عن إظهار مواضعها بفحوى الخطاب فإنه يحمل الاستثناء على ما ذكرناه في الموضعين وأما إذا كانت الزينة تشمل مواضع الزينة وما تتزين به النساء فالأمر واضح والاستثناء يكون من الجميع. قال القرطبي في تفسيره: الزينة على قسمين خلقية ومكتسبة فالخلقية وجهها فإنه أصل الزينة والمكتسبة ما تحاوله المرأة في تحسين خلقها كالثياب والحلى والكحل والخضاب ومنه قوله تعالى: (خذوا زينتكم) وعن ابن مسعود قال: الزينة السوار والدملج والخلخال والقرط والقلادة إلا ما ظهر منها قال: الثياب والجلباب وعنه قال: الزينة زينتان زينة ظاهرة وزينة باطنة لا يراها إلا الزوج فأما الزينة الظاهرة فالثياب وأما الزينة الباطنة فالكحل والسوار والخاتم وفي لفظ فالظاهرة منها الثياب وما خفي الخلخالان والقرطان والسواران. وعن ابن عباس في الآية قال: الكحل والخاتم والقرط والقلادة وعنه قال: هو خضاب الكف والخاتم وعن ابن عمر قال: الزينة الظاهرة الوجه والكفان وقال ابن عباس: إلا ما ظهر منها أي وجهها وكفاها والخاتم وعنه قال: رقعة الوجه وباطن الكف وعن عائشة أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخ وضمت طرف كمها. وأخرج أبو داود والبيهقي وابن مردويه عن عائشة أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: " يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفه " [[أبو داوود كتاب اللباس باب 31.]]. وهذا مرسل لأنه من طريق خالد بن دريك عن عائشة ولم يسمع منها وإنما رخص في هذا القدر للمرأة أن تبديه من بدنها لأن المرأة لا تجد بداً من مزاولة الأشياء بيديها ومن الحاجة إلى كشف وجهها خصوصاً في الشهادة والمحاكمة والنكاح وتضطر إلى المشي في الطرقات وظهور قدميها وخاصة الفقيرات منهن قال المحلى: فيجوز نظره أي نظر ما ظهر منها لأجنبي إن لم يخف فتنة في أحد وجهين، والثاني يحرم لأنه مظنه الفتنة ورجح حسماً للباب انتهى أي باب النظر عن تفاصيل الأحوال كالخلوة بالأجنبية. (وليضربن بخمرهنّ على جيوبهنّ) الخُمُر جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها ومنه اختمرت المرأة وتخمرت والجيوب جمع جيب وهو موضع القطع من الدرع والقميص مأخوذ من الجوب وهو القطع وقيل المراد بالجيب هنا محله وهو العنق وإلا فهو في الأصل طوق القميص وعدي الضرب بـ (على) لتضمينه معنى الإلقاء والباء زائدة أو تبعيضية. وقال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام واسعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليستر بذلك ما كان يبدو منها، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء الذي هو الإلصاق وقرئ خمرهن بتحريك الميم وبكسرها وكثير من متقدمي النحويين لا يجوزون الكسر قال الزجاج: يجوز أن تبدل من الضمة كسرة وأما ما روي عن حمزة من الجمع بين الضم والكسرة فمحال لا يقدر الإنسان أن يتكلم به إلا على الإيماء. وقد فسر الجمهور الجيوب بما قدمنا، وهو المعنى الحقيقي وقال مقاتل: إن معنى (على جيوبهن) على صدورهن، فالمضاف محذوف، أي على مواضع جيوبهن، وقد أخرج البخاري في صحيحه وأبو داود، والنسائي والبيهقي وغيرهم في سننهم، عن عائشة قالت: رحم الله النساء المهاجرات الأولات، لما أنزل الله (وليضربن بخمرهن على جيوبهن) شققن أكثف مروطهن فاختمرن به، وأخرج الحاكم وصححه، وابن جرير وغيرهما عنها بلفظ أخذ النساء أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها. (ولا يبدين زينتهن) أي مواضع الزينة الباطنة، وهي ما عدا الوجه والكفين، كالصدر والساق والرأس ونحوها، قال الخطيب: أي الزينة الخفية التي لم يبح لهن كشفها في الصلاة، ولا للأجانب وقال أبو السعود: كرر النهي لاستثناء بعض مواضع الرخصة باعتبار الناظر، بعد ما استثنى بعض موارد الضرورة باعتبار المنظور فقال: (إلا لبعولتهن) أي لا يدعن الجلباب والخمار إلا لأزواجهن، والبعل هو الزوج والسيد في كلام العرب، وقدم البعول لأنهم المقصودون بالزينة، ولأن كل بدن الزوجة والسرية حلال لهم، ومثله قول سبحانه (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) [المؤمنون: 5 - 6] ثم لما استثنى الله سبحانه الزوج أتبعه باستثناء ذوي المحارم فقال: (أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ) فجوز للنساء أن يبدين الزينة الباطنة لهؤلاء لكثرة المخالطة الضرورية بينهم وبينهن وعدم خشية الفتنة من قبلهم، لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب وقد روي عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا لا ينظران إلى أمهات المؤمنين، ذهاباً منهما إلى أن أبناء البعولة لم يذكروا في الآية التي في أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي قوله (لا جناح عليهن في آبائهن)، والمراد بأبناء بعولتهن ذكور أولاد الأزواج ويدخل في قوله (أو أبنائهن) أولاد الأولاد وإن سفلوا أو أولاد بناتهن وإن سفلوا وكذا آباء البعولة وآباء الآباء، وآباء الأمهات، وإن علوا وكذلك أبناء البعولة وإن سفلوا وكذلك أبناء الإخوة والأخوات. وذهب الجمهور إلى أن العم والخال كسائر المحارم في جواز النظر إلى ما يجوز لهم وقال الشعبي وعكرمة: ليس العم والخال من المحارم قال الكرخي: وعدم ذكر الأعمام والأخوال لما أن الأحوط أن يتسترن منهم حذراً من أن يصفوهن لأبنائهم والمعنى أن سائر القرابات تشترك مع الأب والابن في المحرمية إلا ابني العم والخال وهذا من الدلالات البليغة في وجوب الاحتياط عليهن في النسب، وليس في الآية ذكر الرضاع وهو كالنسب. (أو نسائهن) أي: المختصات بهن من جهة الاشتراك في الإيمان، الملابسات لهن بالخدمة أو الصحبة، ويخرج من ذلك نساء الكفار من أهل الذمة وغيرهم، فلا يحل لهن أن يبدين زينتهن لهن، لأنهن لا يتحرجن عن وصفهن للرجال، وفي هذه المسألة خلاف بين أهل العلم، قال ابن عباس: هن المسلمات لا تبديها ليهودية ولا نصرانية، وهو النحر، والقرط، والوشاح وما يحرم أن يراه إلا محرم. وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي، وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب أنه كتب إلى أبي عبيدة: أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المؤمنين يدخلن الحمامات، مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك عن ذلك، فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها. (أو ما ملكت أيمانهن) فيجوز لهم نظرهن، إلا ما بين السرة والركبة، فيحرم نظره لغير الأزواج، قاله المحلي: وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء، من غير فرق بين أن يكونوا مسلمين، أو كافرين. وبه قال جماعة من أهل العلم، وإليه ذهبت عائشة، وأم سلمة، وابن عباس، ومالك. وقال سعيد ابن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية إنما عني بها الإماء، ولم يعن بها العبيد، وكان الشعبي يكره أن ينظر المملوك إلى شعر مولاته، وهو قول عطاء، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين وروي عن ابن مسعود، وبه قال أبو حنيفة، وابن جريج وقال ابن عباس: لا بأس أن يرى العبد شعر سيدته. وأخرج البيهقي، وأبو داود، وغيرهما، عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى فاطمة رضي الله تعالى عنها بعبد قد وهب لها، وعلى فاطمة ثوب إذا قنع به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما تلقى، قال: " إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك، وغلامك " وهو ظاهر القرآن [[أبو داوود وكتاب اللباس باب 32.]]. وأخرج عبد الرزاق، وأحمد، عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا كان لإحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه [[أبو داوود كتاب العتق الباب 1 - أحمد بن حنبل 6/ 289 - 308 - 311.]] " قال سليمان الجمل عن شيخه: فيجوز لهن أن يكشفن لهم ما عدا ما بين السرة والركبة، ويجوز للعبيد أيضاً أن ينظروا له، وأن يكشفوا لهن من أبدانهم، ما عدا ما بين السرة والركبة، لكن بشرط العفة، وعدم الشهوة من الجانبين. (أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال) أصل الإربة، والإرب، والمأربة الحاجة، والجمع مآرب، أي: حوائج، ومنه قوله سبحانه: (ولي فيها مآرب أخرى) قيل: المراد بغير أولى الإربة من الرجال الحمقاء الذين لا حاجة لهم في النساء، وقيل. البله، وقيل: العنين، وقيل: الخصي، وقيل: المخنث، وقيل: الشيخ الكبير، وقيل: هو المجبوب، ولا وجه لهذا التخصيص، بل المجبوب الذي بقي أنثياه، والخصي الذي بقي ذكره، والعنين والمخنث، وهو المتشبه بالنساء، والشيخ الهرم كالفحل. كذا أطلق الأكثرون. وقال في الشامل: لا يحل للخصي النظر إلى أن يكبر ويهرم وتذهب شهوته، وكذا المخنث، وبه قال شيخه القاضي أبو الطيب، وأطلق أبو مخلد البصري في الخصي، والمخنث، وجهين، والمراد بالآية ظاهرها، وهم من يتبع أهل البيت في فضول الطعام، ولا حاجة له في النساء، ولا يحصل منه ذلك في حال من الأحوال، فيدخل في هؤلاء من هو بهذه الصفة، ويخرج من عداه. قال ابن عباس في الآية: هذا الذي لا تستحي منه النساء، وعنه قال: هذا الرجل يتبع القوم وهو مغفل في عقله لا يكترث للنساء، وعنه قال: كان الرجل يتبع الرجل في الزمان الأول لا يغار عليه، ولا ترهب المرأة أن تضع خمارها عنده، وهو الأحمق الذي لا حاجة له في النساء، وعنه قال: هو المخنث الذي لا يقوم زبّه. وأخرج مسلم وأبو داود، والنسائي، والبيهقي، وغيرهم، عن عائشة قالت: كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم مخنث، فكانوا يدعونه من غير أولى الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً، وهو عند بعض نسائه، وهو ينعت امرأة، قال: إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت بثمان. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " ألا أرى هذا يعرف ما هاهنا لا يدخلَنَّ عليكم " فحجبوه [[مسلم 2181 - أبو داوود - كتاب اللباس باب 33.]]. (أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء) الطفل يطلق على المفرد، والمثنى والمجموع. أو المراد به هنا الجنس، الموضوع وضع الجمع، بدلالة وصفه. بوصف الجمع، وفي مصحف أبي: أو الأطفال. على الجمع قاله ابن قتيبة، قيل: معناه لم يبلغوا حد الشهوة، قاله الفراء، والزجاج، يقال: ظهرت على كذا إذا غلبته، وقهرته، والمعنى: لم يطلعوا على عورات النساء، ويكشفوا عنها للجماع، أو لم يبلغوا حد الشهوة للجماع، وقيل: لم يعرفوا العورة من غيرها من الصغر، وقيل: لم يبلغوا، وأن القدرة على الوطء، من: ظهر على فلان، إذا قوي عليه، وقيل: لم يحتلم. قرأ الجمهور: عورات بسكون الواو، تخفيفاً لحرف العلة، وهي لغة جمهور العرب وعامتها وقرئ بفتحها، وهي لغة هذيل بن مدركة، والعورات جمع عورة، وهي ما يريد الإنسان ستره من بدنه، وغلب في السوأتين. واختلف العلماء في وجوب ستر ما عدا الوجه والكفين من الأطفال فقيل لا يلزم، لأنه لا تكليف عليه، وهو الصحيح، وقيل: يلزم، لأنها قد تشتهي المرأة، وهكذا اختلف في عورة الشيخ الكبير، الذي قد سقطت شهوته، والأولى بقاء الحرمة، كما كانت، فلا يحل النظر إلى عورته، ولا يحل له أن يكشفها، وقد اختلف العلماء في حد العورة. قال القرطبي: أجمع المسلمون على أن السوأتين عورة من الرجل، والمرأة، وأن المرأة كلها عورة إلا وجهها ويديها، على خلاف في ذلك. وقال الأكثر: إن عورة الرجل من سرته إلى ركبته. قال ابن عباس: الزينة التي تبديها لهؤلاء قرطها وقلادتها، وسوارها، فأما خلخالها، ومعضدها، ونحرها، وشعرها!، فإنها لا تبديها إلا لزوجها، ومجموع هذه المستثنيات اثنا عشر نوعاً. (ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) أي: لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت ليسمع صوت خلخالها من يسمعه من الرجال فيعلمون أنها ذات خلخال، فإن ذلك مما يورث الرجال ميلاً إليهن، ويوهم أن لهن ميلاً إلى الرجال وهذا سد لباب المحرمات وتعليم للأحوط وإلا فصوت النساء ليس بعورة عند الشافعي، فضلاً عن صوت خلخالهن وقال الزجاج: وسماع هذه الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها قال ابن عباس في الآية: وهو أن تقرع الخلخال بالآخر عند الرجال أو تكون في رجلها خلاخل، فتحركهن عند الرجال، فنهى الله عن ذلك، لأنه من عمل الشيطان. وسماع صوت الزينة كإظهارها ومنه سمي صوت الحلى وسواساً فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه به ما عليهن من الحلي وغيره. وفي القرطبي من فعل ذلك منهن فرحاً بحليهن فهو مكروه، ومن فعل ذلك منهن تبرجاً وتعرضاً للرجال فهو حرام مذموم وكذلك من ضرب بنعله الأرض من الرجال فعل ذلك عجباً حرم فإن العجب كبيرة، وإن فعل ذلك تبرجاً لم يحرم انتهى. ثم أرشد سبحانه عباده إلى التوبة عن المعاصي فقال: (وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون) مما وقع لكم من النظر الممنوع منه ومن غيره وفيه الأمر بالتوبة ولا خلاف بين المسلمين في وجوبها وأنها فرض من فرائض الدين. قيل العبد لا يخلو عن سهو ويقصر في أوامره ونواهيه، وإن اجتهد فلذا وصاهم جميعاً بالتوبة، وقد تقدم الكلام على التوبة في سورة النساء. وقيل إن المراد بالتوبة هنا هي عما كانوا يعملونه في الجاهلية، والأول أولى لما تقرر في السنة أن الإسلام يجبُّ ما قبله، وقد ورد أحاديث في الأمر بالتوبة والاستكثار منها قيل وأحوج الناس إلى التوبة من توهّم أنه ليس له حاجة إلى التوبة، وظاهر الآية يدل على أن العصيان لا ينافي الإيمان ثم ذكر ما يرغبهم في التوبة فقال (لعلكم تفلحون) أي تفوزون بسعادة الدنيا والآخرة أو تنجون من ذلك لقبول التوبة منه وفي الآية تغليب المذكور على الإناث. ولما أمر سبحانه بغض الأبصار وحفظ الفروج أرشد بعد ذلك إلى ما يحل للعباد من النكاح الذي يكون به قضاء الشهوة وسكون دواعي الزنا، ويسهل بعده غض البصر عن جميع المحرمات. وحفظ الفرج عما لا يحل فقال: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33)

النور 24:32

(وأنكحوا الأيامى منكم) الأيّم بالتشديد التي لا زوج لها ومن ليس له زوجة فيشمل الرجل والمرأة غير المتزوجين والجمع أيامى والأصل أيايم قال أبو عمرو والكسائي: اتفق أهل اللغة على أن الأيم في الأصل هي المرأة التي لا زوج لها بكراً كانت أو ثيباً قال أبو عبيدة: يقال رجل أيم وامرأة أيم وأكثر ما يكون في النساء وهو كالمستعار في الرجال والخطاب في الآية للأولياء والسادة. وقيل للأزواج والأول أرجح وفيه دليل على أن المرأة لا تنكح نفسها. وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل ثلاثاً " [[الترمذي كتاب النكاح باب 14 - ابن ماجة كتاب النكاح باب 15.]] أخرجه أبو داود والترمذي وعندهما عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا نكاح إلا بولي " [[الترمذي كتاب النكاح باب 14 - أبو داوود كتاب النكاح باب 19.]] وقد خالف في ذلك أبو حنيفة فجوز للمرأة تزويج نفسها واختلف أهل العلم في هذا النكاح هل هو مباح؟ أو مستحب؟ أو واجب؟ فذهب إلى الأول الشافعي وغيره وإلى الثاني مالك وأبو حنيفة وإلى الثالث بعض أهل العلم على تفصيل لهم في ذلك فقالوا: إن خشي على نفسه الوقوع في المعصية وجب عليه، وإلا فلا. والظاهر أن القائلين بالإباحة والاستحباب لا يخالفون في الوجوب مع الخشية وبالجملة فهو مع عدمها سنة من السنن المؤكدة لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح بعد ترغيبه في النكاح ومن رغب عن سنتي فليس مني ولكن مع القدرة عليه وعلى مؤنه، وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحسن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " أخرجه البخاري ومسلم [[مسلم 1400 - البخاري 967.]]. قال ابن عباس: أمر الله سبحانه بالنكاح ورغبهم فيه وأمرهم أن يزوجوا أحرارهم وعبيدهم، ووعدهم في ذلك الغنى كما سيأتي. وعن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال: أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى، وعن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب قال: ما رأيت كرجل لم يلتمس الغنى في الباءة وقد وعد الله فيها ما وعد فقال (إن يكونوا فقراء) الآية وعن ابن مسعود نحوه. وعن عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " أنكحوا النساء يأتينكم بالمال " أخرجه البزار والدارقطني وأخرجه أبو داود في مراسيله عن عروة مرفوعاً. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل الله " [[الترمذي فضائل الجهاد باب 20 - النسائي كتاب النكاح باب 5.]]. وقد ورد في الترغيب في مطلق النكاح أحاديث كثيرة ليس هذا موضع ذكرها والمراد بالأيامى هاهنا الأحرار والحرائر وأما المماليك فقد بين ذلك بقوله: (والصالحين من عبادكم وإمائكم) وقرئ عبيدكم والصلاح هو الإيمان وقيل القيام بحقوق النكاح حتى يقوم العبد بما يلزم بها وتقوم الأمة بما يلزم للزوج، أو المراد بالصلاح أن لا تكون صغيرة لا تحتاج إلى النكاح، وخص الصالحين بالذكر ليحصن دينهم ويحفظ عليهم صلاحهم، ولأن الصالحين منهم هم الذين مواليهم يشفقون عليهم وينزلونهم منزلة الأولاد في المودة، وكانوا مظنة التوصية والاهتمام بهم، ومن ليس بصالح فحاله على العكس من ذلك، وذكر سبحانه الصلاح في المماليك دون الأحرار لأن الغالب في الأحرار الصلاح بخلاف المماليك. وفيه دليل على أن المملوك لا يزوج نفسه وإنما يزوجه ويتولى تزويجه مالكه وسيده، وقد ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للسيد أن يكره عبده وأمته على النكاح وقال مالك لا يجوز، ثم رجع سبحانه إلى الكلام في الأحرار فقال: (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله) أي لا تمتنعوا من تزويج الأحرار بسبب فقر الرجل والمرأة أو أحدهما مالاً فإنهم إن يكونوا فقراء يغنهم الله سبحانه ويتفضل عليهم بذلك، فإن في فضل الله غنية عن المال فإنه غاد ورائح، قال الزجاج: حث الله على النكاح وأعلم أنه سبب لنفي الفقر ولا يلزم أن يكون هذا حاصلاً لكل فقير إذا تزوج فإن ذلك مقيد بالمشيئة، وقد يوجد في الخارج كثير من الفقراء لا يحصل لهم الغنى إذا تزوجوا، وقيل المعنى أنه يغنيهم بغنى النفس أي القناعة، وقيل المعنى أن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله من فضله بالحلال ليتعففوا عن الزنا، والوجه الأول أولى ويدل عليه قوله سبحانه: (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء) فيحمل المطلق هنا على المقيد هناك. وقيل هو اجتماع الرزقين رزق الزوج والزوجة، وقيل إنَّ الله وعد الغنى بالنكاح وبالتفرق وهو قوله: (وإن يتفرقا يغن الله كلاً من سعته) وجملة (والله واسع عليم) مقررة لما قبلها ومؤكدة والمراد أنه سبحانه ذو سعة لا ينقص من سعة ملكه غنى من يغنيه من عباده، عليم بمصالح خلقه، يغني من يشاء ويفقر من يشاء ثم ذكر سبحانه حال العاجزين عن النكاح بعد بيان جواز مناكحتهم إرشاداً لهم إلى ما هو الأولى فقال:

النور 24:33

(وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً) يقال استعف إذا طلب أن يكون عفيفاً أي ليطلب العفة عن الزنا والحرام من لا يجد سبب نكاح وهو المال، وقيل النكاح هنا ما ينكح به المرأة من المهر والنفقة كاللحاف اسم لما يلتحف به واللباس اسم لما يلبس قال ابن عباس: ليتزوج من لا يجد فإن الله سيغنيه، وقيد سبحانه هذا النهي بتلك الغاية وهي: (حتى يغنيهم الله من فضله) أي يرزقهم رزقاً يستغنون به ويتمكنون بسببه من النكاح، وفي هذه الآية ما يدل على تقييد الجملة الأولى وهي (إن يكونوا فقراء يغنهم الله) بالمشيئة كما ذكرنا، فإنه لو كان وعداً -حتماً لا محالة في حصوله- لكان الغنى والزواج متلازمين، وحينئذ لا يكون للأمر بالاستعفاف مع الفقر كثير فائدة فإنه يستغني عند تزوجه لا محالة فيكون في تزوجه مع فقره تحصيل للغنى، إلا أن يقال إن الأمر بالاستعفاف للعاجز عن تحصيل مبادئ النكاح، ولا ينافي ذلك وقوع الغنى له من بعد أن ينكح، فإنه قد صدق عليه أنه لم يجد نكاحاً إذا كان غير واجد لأسبابه، التي يتحصل بها وأعظمها المال. وانظر كيف رتب هذه الأوامر فأمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية وهو غض البصر، ثم بالنكاح المحصن المغني عن الحرام، ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يقدر عليه، ثم لما رغب سبحانه في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشد المالكين إلى طريقة يصير بها المملوك من جملة الأحرار فقال: (والذين يبتغون الكتاب مما ملكت إيمانكم) من العبيد والإماء، والكتاب مصدر كاتب كالمكاتبة، يقال كاتب يكاتب كتاباً، ومكاتبة، كما يقال: قاتل يقاتل قتالاً، ومقاتلة، وقيل: الكتاب هاهنا اسم عين للكتاب الذي يكتب فيه الشيء، وذلك لأنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتاباً، فيكون المعنى: الذين يطلبون كتاب المكاتبة ومعناها في الشرع أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجماً، فإذا أداه فهو حر. عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى، فسألته الكتابة فأبى، فنزلت هذه الآية. وظاهر قوله (فكاتبوهم) أن العبد إذا طلب المكاتبة من سيده، وجب عليه أن يكاتبه بالشرط المذكور بعده، وهو (إن علمتم فيهم خيراً) الخير هو القدرة على أداء ما كوتب عليه، وإن لم يكن له مال، وقيل هو المال فقط كما ذهب إليه مجاهد والحسن، وعطاء، والضحاك، وطاووس، ومقاتل وروي عن علي، وابن عباس، وعنه أيضاً أمانة ووفاء، وعنه قال: إن علمت مكاتبك يقضيك، وعنه قال: حيلة ولا تلقوا مؤونتهم على المسلمين، وذهب إلى الأول ابن عمر، وابن زيد، واختاره مالك، والشافعي والفراء والزجاج. قال الفراء: يقول إن رجوتم عندهم وفاء، وتأدية للمال وقال الزجاج: لما قال: (فيهم) كان الأظهر الاكتساب والوفاء وأداء الأمانة وقال النخعي: إن الخير الدين، والأمانة، وروي مثل هذا عن الحسن. وقال عبيدة السلماني: إقامة الصلاة قال الطحاوي: وأقول من قال إنه المال لا يصح عندنا، لأن العبد مال لمولاه، فكيف يكون له مال، قال: والمعنى عندنا إن علمتم فيهم الدين والصدق. قال أبو عمرو بن عبد البر: من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالاً، وإنما يقال علمت فيه الخير والصلاح والأمانة، ولا يقال علمت فيه المال، هذا حاصل ما وقع من الاختلاف بين أهل العلم، في الخير المذكور في هذه الآية وإذا تقرر لك هذا فاعلم أنه قد ذهب إلى ظاهر ما يقتضيه الأمر المذكور في الآية من الوجوب عكرمة وعطاء ومسروق، وعمرو ابن دينار، والضحاك، وأهل الظاهر، فقالوا: يجب على السيد أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك، وعلم فيه خيراً، وقال الجمهور من أهل العلم، لا يجب ذلك، وتمسكوا بالإجماع على أنه لو سأل العبد سيده أن يبيعه من غيره لم يجب عليه ذلك، ولم يجبر عليه، فكذا الكتابة لأنها معاوضة. ولا يخفاك أنه حجة واهية، وشبهة داحضة، والحق ما قاله الأولون وبه قال عمر وابن عباس واختاره ابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب فأقبل علي بالدرة وقال: كاتبه وتلا (فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً) فكاتبته قال ابن كثير إن إسناده صحيح. وعن يحيى بن كثير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن علمتم فيهم حرفة، ولا ترسلوهم كلاًّ على الناس ". أخرجه أبو داود في المراسيل، والبيهقي في سننه. ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي، وجوزها أبو حنيفة إلى نجم واحد، وقيل: إن الأمر مطلق، فيجوز حالاً، ومؤجلاً، ومنجماً، وغير منجم. ثم أمر سبحانه الموالي بالإحسان إلى المكاتبين فقال: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم) ففي هذه الآية الأمر للمالكين بإعانة المكاتبين على مال الكتابة، إما بأن يعطوهم شيئاً من المال أو بأن يحطوا عنهم مما كوتبوا عليه. وظاهر الآية عدم تقدير ذلك بمقدار، وقيل: الثلث، وقيل الربع، وقيل: العشر. ولعل وجه تخصيص الموالي بهذا الأمر هو كون الكلام فيهم، وسياق الكلام معهم، فإنهم هم المأمورون بالكتابة. وقال الحسن والنخعي وبريدة: إن الخطاب بقوله: (وآتوهم) لجميع الناس. وقال زيد بن أسلم: إن الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم، كما في قوله سبحانه: (وفي الرقاب)، وللمكاتب أحكام معروفة إدا وفى ببعض مال الكتابة. قال ابن عباس: أي: ضعوا عنهم من مكاتبتهم، وعن نافع قال: كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة، ويقول: تطعمني من أوساخ الناس وعن ابن عباس في الآية قال: أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب. وعن علي ابن أبي طالب: أمر الله السيد أن يدع للمكاتب الربع من ثمنه، وهذا تعليم من الله ليس بفريضة، ولكن فيه أجراً. وقال صاحب الجمل: إن الأمر للوجوب. وعن بريدة في الآية قال: حث الناس على أن يعطوه، ثم إنه سبحانه لما أرشد الموالي إلى نكاح الصالحين من المماليك، نهى المسلمين عما كان يفعله أهل الجاهلية من إكراه إمائهم على الزنا فقال: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء) المراد بالفتيات هنا الإماء وإن كان الفتى والفتاة قد يطلقان على الأحرار في مواضع أخر، والفتى: الشاب، والفتاة: الشابة، والبِغاء بالكسر والمد، مصدر بغت المرأة تبغي بغاء، إذا زنت، وفجرت، وهذا مختص بزنا النساء، فلا يقال: للرجل إذا زنى: إنه بغى. قاله الأزهري. والجمع: البغايا، والبغيّ القينة، وإن كانت عفيفة، لثبوت الفجور لها في الأصل، قاله الجوهري، ولا يراد به الشتم لأنه اسم جعل كاللقب. والأمة تباغي، أي: تزاني، وشرط الله سبحانه هذا النهي بقوله: (إن أردن تحصناً) لأن الإكراه لا يتصور، ولا يكون إلا عند إرادتهن للتحصن، فإن من لم ترد التحصن لا يصح أن يقال لها مكرهة على الزنا، والمراد بالتحصن هنا التعفف والتزوج، وقيل: إن هذا القيد راجع إلى الأيامى. قال الزجاج، والحسن بن الفضل: في الكلام تقديم، وتأخير، أي: وأنكحوا الأيامى منكم، والصالحين من عبادكم وإمائكم، إن أردن تحصناً. وقيل: إن هذا الشرط ملغى، وقيل: إن هذا الشرط باعتبار ما عليه، فإنهم كانوا يكرهونهن، وهن يردن التعفف، وليس لتخصيص النهي بصورة إرادتهن التعفف عن الزنا، وقيل: إن هذا الشرط خرج مخرج الغالب لأن الغالب أن الإكراه لا يكون إلا عند إرادة التحصن، فلا يلزم منه جواز الإكراه عند عدم إرادة التحصن، وهذا الوجه أقوى هذه الوجوه. فإن الأمة قد تكون غير مريدة للحلال، ولا للحرام، كما فيمن لا رغبة لها في النكاح، والصغيرة، فتوصف بأنها مكرهة على الزنا مع عدم إرادتها للتحصن، فلا يتم ما قيل من أنه لا يتصور الإكراه إلا عند إرادة التحصن إلا أن يقال إن المراد بالتحصن هنا مجرد التعفف، وإنه لا يصدق على من كانت تريد الزواج أنها مريدة للتحصن، وهو بعيد. فقد قال الحبر ابن عباس: إن المراد بالتحصن: التعفف، والتزوج، وتابعه على ذلك غيره. أخرج مسلم، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وغيرهم، عن جابر بن عبد الله قال: كان عبد الله بن أُبيّ يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً، وكانت كارهة، فأنزل الله هذه الآية. وذكر مسلم في صحيحه عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها. مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، وكان يريدهما على الزنا فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله هذه الآية. وأخرج البزار، وغيره، عن أنس نحو حديث جابر الأول، وعن علي ابن أبي طالب قال: كان أهل الجاهلية يبغين [[يبغين إماؤهم هو وجه صحيح في جمع الفعل قبل.]] إماؤهم فنهوا عن ذلك في الإسلام، وعن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا يأخذون أجورهن فنزلت الآية، وقد ورد النهي منه صلى الله عليه وآله وسلم عن مهر البغي، وكسب الحجام، وحلوان الكاهن، ثم علل سبحانه هذا النهي بقوله: (لتبتغوا عرض الحياة الدنيا) وهو ما تكسبه الأمة بفرجها، وهذا التعليل خارج مخرج الغالب، والمعنى: إن هذا الغرض هو الذي كان يحملهم على إكراه الإماء على البغاء في الغالب، لأن إكراه الرجل لأمته على البغاء، لا لفائدة له أصلاً، لا يصدر مثله عن العقلاء، فلا يدل هذا التعليل على أنه يجوز له أن يكرهها، إذا لم يكن مبتغياً بإكراهها عرض الحياة الدنيا، وقيل إن هذا التعليل للإكراه هو باعتبار أن عادتهم كانت كذلك، لا أنه مدار للنهي عن الإكراه لهن، وهذا يلاقي المعنى الأول، ولا يخالف. (ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم) هذا مقرر لما قبله، ومؤكد له، والمعنى أن عقوبة الإكراه راجعة إلى المكرِهين لا إلى المكرهات، كما تدل عليه قراءة ابن مسعود وغيره، فإن الله غفور رحيم لهن. قيل وفي هذا التفسير بعد، لأن المكرهة على الزنا غير آثمة، وأجيب بأنها وإن كانت مكرهة فربما لا تخلو في تضاعيف الزنا عن شائبة مطاوعة، إما بحكم الجبلة البشرية، أو بكون الإكراه قاصراً عن حد الإلجاء المزيل للاختيار بالمرة، وإما لغاية تهويل أمر الزنا وحث المكرهات على التثبت في التجافي عنه والتشديد في تحذير المكرهين، ببيان أنهن حيث كن عرضة للعقوبة، لولا أن تداركتهن المغفرة والرحمة مع قيام العذر في حقهن، فما حال من يكرههن في استحقاق العقاب، وقيل: إن المعنى غفور رحيم لهم، إما مطلقاً أو بشرط التوبة، ولما فرغ سبحانه من بيان تلك الأحكام شرع في وصف القرآن بصفات ثلاث فقال: وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (34) اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (35) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36)

النور 24:34

(ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين) فالأولى أنه آيات بينات أي واضحات في أنفسهن تصدقها الكتب المتقدمة والعقول المستقيمة، أو موضحات ومبينات فيدخل فيها الآيات المذكورة في هذه السورة دخولاً أولياً، والصفة الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا من قبل هؤلاء. أي خبراً عجيباً كائناً من جهة أمثال الذين مضوا من القصص العجيبة، والأمثال المضروبة لهم في الكتب السابقة. فإن العجب من قصة عائشة هو كالعجب من قصة يوسف ومريم، وما اتهما به ثم تبين بطلانه وبراءتهما سلام الله عليهما، والصفة الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة، فإن الله قد ختم على قلوب غيرهم، وجعل على أبصارهم غشاوة عن سماع المواعظ، والاعتبار بقصص الذين خلوا، وفهم ما تشتمل عليه الآيات البينات، ثم أردف الله وصف القرآن بكونه سبحانه في غاية الكمال ونهاية الجمال، فقال:

النور 24:35

(الله نور السماوات والأرض) مستأنفة لتقرير ما قبلها، قال البيضاوي: النور في الأصل كيفية تدركها الباصرة أولاً، وتدرك بواسطتها سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما، وهو بهذا المعنى لا يصح إطلاقه على الله تعالى، إلا بتقدير مضاف أي ذو نور السماوات كقولك زيد عدل. أو يكون المراد المبالغة في وصفه سبحانه بأنه نور لكمال جلاله وظهور عدله وبسطة أحكامه، كما يقال فلان نور البلد، وقمر الزمن، وشمس العصر، قيل ومعنى النور في اللغة الضياء. وهو الذي يبين الأشياء وُيري الأبصار حقيقة ما تراه فيجوز إطلاق النور على الله على طريقة المدح. ولكونه أوجد الأشياء المنورة، وأوجد أنوراها. ويدل عليه قراءة زيد بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي: الله نَوَّرَ السماوات والأرض على صيغة الفعل الماضي. وفاعله ضمير يرجع إلى الله والسماوات مفعوله فمعنى الله نورهما أنه سبحانه صيرهما منيرتين باستقامة أحوال أهلهما وكمال تدبيره عز وجل لمن فيهما كما يقال الملك نور البلد، وهكذا قال الحسن ومجاهد والأزهري والضحاك والقرظي وابن عرفة، وابن جرير وغيرهم. وقال هشام الجواليقي وطائفة من المجسمة: إنه سبحانه نور لا كالأنوار وجسم لا كالأجسام. وقال ابن عباس وأنس في الآية: الله هادي السماوات والأرض فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهدايته من حيرة الضلالة ينجون، وقيل نور السماء بالملائكة ونَوَّرَ الأرض بالأنبياء، وقيل مزين السماء والأرض زين السماء بالشمس والقمر والنجوم وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين ويقال زين الأرض بالنبات والأشجار، وقيل معناه أن الأنوار كلها منه وقد يذكر هذا اللفظ على طريق المدح كما قال الشاعر. إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار عنها نورها وجمالها وعن ابن عباس يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما، (مثل نوره) مبتدأ، وخبره (كمشكاة) أي صفة نوره الفائض عنه الظاهر على الأشياء كمشكاة، وهذه الجملة إيضاح لما قبلها وتفسير فلا محل لها، وثم مضاف محذوف أي كمثل مشكاة وهي الكوة في الحائط التي لا منفذ لها كذا حكاه الواحدي عن جميع المفسرين وحكاه القرطبي عن جمهورهم. قيل هي لغة حبشية، وقيل عربية ورسمت بالواو كالصلاة والزكاة، وأصل المشكاة الوعاء يجعل فيه الشيء، وقيل هي عمود القنديل الذي يجعل فيه الفتيلة، وقيل هي الانبوبة وسط الفتيل، وقيل هي الحديدة أو الرصاصة التي يوضع فيها الزيت، وقيل هي العمود الذي يوضع على رأسه المصباح، وقيل ما يعلق فيه القنديل من الحديدة وقال مجاهد: هي القنديل والأول أولى. ووجه تخصيص المشكاة أنها أجمع للضوء الذي يكون من مصباح أو غيره، وعن ابن عباس قال في الآية: مثل نوره أي هداه في قلب المؤمن كمشكاة يقول موضع الفتيلة، وفي إسناده مقال وعن أبيّ بن كعب قال: هو المؤمن الذي قد جعل الإيمان، والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره) وبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فصدر المؤمن المشكاة وعن ابن عباس: مثل نوره الذي أعطى المؤمن كمشكاة، وفي قراءة أبيّ مثل نور المؤمن وفي لفظ نور من آمن به كمشكاة، وعن ابن عباس أيضاً: مثل نور من آمن بالله كمشكاة وهي الكوة وعنه قال: هي خطأ من الكاتب هي أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة بل مثل نور المؤمن كالمشكاة وقيل المعنى مثل نور الله عز وجل في قلب المؤمن وهي النور الذي يهتدى به وقيل أراد بالنور القرآن، وقيل أراد محمداً - صلى الله عليه وسلم -، وقيل هو الطاعة سمى الله طاعته نوراً، وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تشريفاً وتفضيلاً، وقيل مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن والدلائل تسمى نوراً قاله القرطبي. واختلفوا في هذا التشبيه هل هو مركب؟ أو غير مركب؟ وقيل ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به بل وقع التشبيه فيه لجملة بجملة. (فيها مصباح) هو السراج الضخم، وأصله من الضوء (المصباح في زجاجة) واحدة الزجاج يعني القنديل قال الزجاج: النور في الزجاج وضوء النار أبين منه في كل شيء وضوءه يزيد في الزجاج، ووجه ذلك أن الزجاج جسم شفاف. يظهر فيه النور أكمل ظهور ثم وصف الزجاجة فقال: (الزجاجة كأنها) والنور فيها (كوكب دري) منسوب إلى الدر لكون الصفاء والحسن والإشراق فيه ما يشابه الدر، وقال الضحاك: الكوكب الدري الزهرة، وقرئ درىء بكسر الدال أخذوه من درات النجوم تدرأ إذا اندفعت، قاله أبو عمرو، وقرئ بضم الدال مهموزاً، وأنكره الفراء والزجاج والمبرد. وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا يهمز، لأنه ليس في كلام العرب. والدراري هي المشهورة من الكواكب، كالمشتري والزهرة والمريخ، وما يضاهيها من الثوابت. وقال أُبيّ: دري أي مضيء من الدرء بمعنى الدفع لدفعه الظلام. ثم وصف المصباح بقوله: (يوقد) وقد قرئ بالتاء على أن الضمير راجع إلى الزجاجة دون المصباح. وقرئ بالتحتية وتخفيف القاف. وضم الدال. وقرئ توقد على أنه فعل ماض. من التفعل. والضمير في هاتين راجع إلى المصباح. قال النحاس: وهاتان متقاربتان لأنهما جميعاً للمصباح. وهو أشبه بهذا الوصف لأنه الذي ينير ويضيء وإنما الزجاجة وعاء له وقرئ على أنه فعل مضارع وأصله تتوقد. (من شجرة) أي ابتداء إيقاد المصباح منها، وقيل يوقد من زيت شجرة (مباركة) أي كثيرة المنافع والبركة، وقيل المنماة. قال أُبَيّ: أصل المبارك الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له (زيتونة) الزيتون من أعظم الثمار نماء. قيل ومن بركتها أن أغصانها تورق من أسفلها إلى أعلاها. وهي إدام ودهان. ودباغ ووقود وليس فيها شيء إلا وفيه منفعة. وهي أصفى الأدهان وأضوءها. وقيل إنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان ونبتت في منازل الأنبياء. ودعا لها سبعون نبياً بالبركة، منهم إبراهيم، ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهي شجرة [[قد ورد في البخاري مرفوعاً عن ابن عمر صريحاً أن الشجرة التي لا يسقط ورقها هي النخلة. ولا يمنع هذا من مشاركة شجرة الزيتون لها في هذه الصفة.]] لا يسقط ورقها. وعن أسيد بن ثابت. أو أبي أسيد الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " كلوا الزيت، وادهنوا به. فإنه من شجرة مباركة " أخرجه الترمذي [[الترمذي كتاب الأطعمة باب 43 - الإمام أحمد 3/ 497.]]. (لا شرقية ولا غربية) صفة لشجرة ودخلت (لا) لتفيد النفي، وقرئ بالرفع أي لا هي شرقية ولا هي غربية، وقد اختلف المفسرون في معنى هذا الوصف فقال عكرمة، وقتادة، وغيرهما: إن الشرقية هي التي تصيبها الشمس إذا شرقت، ولا تصيبها إذا غربت، لأن لها ستراً، والغربية هي التي تصيبها إذا غربت، ولا تصيبها إذا شرقت، وهذه الزيتونة هي في صحراء، أو في منكشف من الأرض بحيث لا يسترها، ولا يواريها عن الشمس شيء لا في حال شروقها، ولا في حال غروبها، وما كانت من الزيتون هكذا فثمرها أجود، وأنضج، وزيتها أصفى. وقيل: إن المعنى أنها شجرة في دوحة، قد أحاطت بها، فهي غير منكشفة من جهة الشرق ولا من جهة الغرب حكى هذا ابن جرير عن ابن عباس قال ابن عطية: وهذا لا يصح عنه، لأن الشجرة التي بهذه الصفة يفسد جناها، وذلك مشاهد في الوجود. ورجح القول الأول الفراء، والزجاج. وقال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية. قال الثعلبي: فقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا، لأن قوله زيتونة بدل من قوله: شجرة. قال ابن زيد: إنها من شجر الشام. فإن الشام لا شرقي. ولا غربي. والشام هي الأرض المباركة، وشجرها أفضل، وقيل: معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس، ولا في مضحاة لا يصيبها الظل، فهي لا تضرها شمس ولا ظل، وقيل: معناها أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر، ولا في غرب يضرها البرد. قال أُبي. فمثله كمثل شجرة التفت بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك هذا المؤمن، قد أجير من أن يظله شيء من الفتن، ثم وصف الزيتونة بوصف آخر فقال: (يكاد) أي: يقرب (زيتها يضيء) من صفائه (ولو لم تمسسه نار) قرئ بالفوقية لأن النار مؤنثة، قال أبو عبيد: إنه لا يعرف إلا هذه القراءة، وقرأ ابن عباس بالتحتية، لكون تأنيثها غير حقيقي. والمعنى أن هذا الزيت في صفائه وإنارته يكاد يضيء بنفسه من غير أن تمسه النار أصلاً. (نور) أي هو نور كائن (على نور) صفة لنور مؤكدة له، وقيل نور الله أي هداه للمؤمنين نور على نور الإيمان. وقال مجاهد: والمراد النار على الزيت، وقال الكلبي: المصباح نور، والزجاجة نور، وقيل نور بالزيت مع نور بالنار. وقال السدي: نور الإيمان، ونور القرآن. وقيل نور متضاعف من غير تحديد، لتضاعفه بحد معين، وتحديد مراتب تضاعف ما مثل به من نور المشكاة بما ذكر، لكونه أقصى مراتب تضاعفه عادة. وعن ابن عباس أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم: كيف يخلص نور الله من السماء، فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: (الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة)، وهي كوة البيت، (فيها مصباح)، وهو السراج، يكون في الزجاجة وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى، (لا شرقية ولا غربية). قال: وهي وسط الشجر لا تنالها الشمس إذا طلعت، ولا إذا غربت، وذلك أجود الزيت يكاد زيتها يضيء بغير نار (نور على نور) يعني بذلك إيمان العبد وعمله، (يهدي الله لنوره من يشاء)، وهو مثل المؤمن. وعن ابن عمر قال: المشكاة جوف محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والزجاجة قلبه، والمصباح الذي في قلبه، والشجرة إبراهيم، لا شرقية ولا غربية، لا يهودية ولا نصرانية، ثم قرأ (ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً) الآية. وعن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله يعني هذه الآية قال: مثل نور محمد صلى الله عليه وآله وسلم ككوة ضربها الله مثلاً لفمه، فيها مصباح والمصباح قلبه، والزجاجة صدره، كأنها كوكب دري، شبه صدر محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالكوكب الدري، ثم رجع المصباح إلى قلبه؛ فقال يوقد من شجرة إلى قوله يكاد قال: يكاد محمد صلى الله عليه وآله وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد الزيت أن يضيء ولو لم تمسسه نار. قال ابن العربي: قال ابن عباس: هذا مثل نور الله، وهداه، في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسسه النار، فإن مسته النار زاد ضوؤه، كذلك قلب المؤمن، يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم؛ فإذا جاء العلم زاد هدى على هدى، ونوراً على نور، كقلب إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة، قال: هذا ربي من قبل أن يخبره أحد بأن له رباً، فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى، إذ قال له ربه: أسلم، قال: أسلمت لرب العالمين. وأقول: إن تفسير النظم القرآني بهذا، ونحوه، مما تقدم عن أُبيّ ابن كعب، وابن عباس، وابن عمر رضي الله تعالى عنهم ليس على ما يقتضيه لغة العرب، ولا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يجوز العدول عن المعنى العربي إلى هذه المعاني، التي هي شبيهة بالألغاز والتعمية، ولكن هؤلاء الصحابة ومن وافقهم ممن جاء بعدهم استبعدوا تمثيل نور الله سبحانه بنور المصباح في المشكاة، ولهذا قال ابن عباس: هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة. كما قدمنا عنه. ولا وجه لهذا الاستبعاد، فإنا قد قدمنا في أول البحث ما يرفع الإشكال ويوضح ما هو المراد على أحسن وجه، وأبلغ أسلوب، وعلى ما تقتضيه لغة العرب، ويفيده كلام الفصحاء، فلا وجه للعدول عن الظاهر، لا من كتاب. ولا من سنة، ولا من لغة. وأما ما حكي عن كعب الأحبار في هذا كما قدمنا فإن كان هو سبب عدول أولئك الصحابة الأجلاء عن الظاهر في تفسير الآية، فليس مثل كعب رحمه الله، ممن يقتدي به في مثل ذلك، وقد نبهناك -فيما سبق- أن تفسير الصحابي إذا كان مستنده الرواية عن أهل الكتاب -كما يقع ذلك كثيراً- فلا تقوم به الحجة ولا يسوغ لأجله العدول عن التفسير العربي، نعم، إن صحت قراءة أُبيّ بن كعب، كانت هي المستندة لهذه التفاسير المخالفة للظاهر، وتكون كالزيادة المبينة للمراد، وإن لم تصح، فالوقوف على ما تقتضيه قراءة الجمهور من السبعة، وغيرهم، ممن قبلهم، وممن بعدهم هو المتعين. (يهدي الله لنوره) هداية خاصة، موصلة إلى المطلوب، وليس المراد بالهداية هنا مجرد الدلالة قال ابن عباس: لنوره لدين الإسلام، وهو نور البصيرة (من يشاء) من عباده لأن الأسباب دون مشيئته لاغية إذ بها تمامها (ويضرب الله الأمثال للناس) أي يبين الأشياء بأشباهها ونظائرها، تقريباً لها إلى الأفهام، وتسهيلاً لإدراكها، لأن إبراز المعقول في هيئة المحسوس وتصويره بصورته يزيده وضوحاً وبياناً. (والله بكل شيء عليم) لا يغيب عنه شيء من الأشياء معقولاً، كان أو محسوساً، ظاهراً كان، أو باطناً. ومنه ضرب الأمثال.

النور 24:36

(في بيوت) أي: ذلك المصباح يوقد في بيوت، وقيل: متعلق بما قبله، أي كمشكاة في بعض بيوت الله، وهي المساجد، كأنه قيل: مثل نوره كما يرى في المسجد نور المشكاة من صفتها كيت وكيت، وقيل: صفة لزجاجة. وقال ابن الأنباري: سمعت أبا العباس يقول: هو حال للمصباح، والزجاجة، والكوكب، كأنه قيل: وهي في بيوت، وعلى هذه الأقوال لا يوقف على (عليم) وقيل: متعلق بما بعده، وهو يسبح الآتي، أي: يسبح رجال في بيوت، وعلى هذا يكون قولها فيها؛ تكريراً للتوكيد، والتذكير، والإيذان بأن التقديم للاهتمام، لا لقصر التسبيح على الوقوع في البيوت فقط. وقيل: متعلق بمحذوف، أي: سبّحوه في بيوت، وعلى هذين القولين يوقف على (عليم) فهذه ستة أوجه ذكرها السمين، وغيره. وقيل: إنه منفصل عما قبله، كأنه قال تعالى: الله في بيوت أذن الله أن ترفع. قال الحكيم الترمذي: وبذلك جاءت الأخبار أنه من جلس في المسجد فإنما يجالس ربه، وقد قيل على تقدير تعلقه بمشكاة أو بمصباح، أو بيوقد، ما الوجه في توحيد المصباح، والمشكاة، وجمع البيوت، ولا تكون المشكاة الواحدة، ولا المصباح الواحد إلا في بيت واحد. وأجيب بأن هذا من الخطاب، الذي يفتح أوله بالتوحيد. ويختم بالجمع، كقوله سبحانه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) ونحوه. وقيل معنى في بيوت في كل واحد من البيوت فكأنه قال: في كل بيت، أو في كل واحد من البيوت، واختلف الناس في البيوت على أقوال الأول أنها جميع المساجد، وهو قول مجاهد، والحسن وغيرهما. قال ابن عباس: بيوت الله في الأرض تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض. الثاني أن المراد بها بيوت بيت المقدس، روي ذلك عن الحسن، الثالث أنها بيوت النبي - صلى الله عليه وسلم - روي هذا عن مجاهد، الرابع: هي البيوت كلها قاله عكرمة. الخامس: أنها المساجد الأربعة الكعبة، ومسجد قبا، ومسجد المدينة، ومسجد بيت المقدس، قاله ابن زيد والقول الأول أظهر لقوله: (يسبح له فيها بالغدو والآصال) والباء من بيوت تضم وتكسر كل ذلك ثابت في اللغة، ومعنى: (أذن الله) أمر وقضى ومعنى (أن ترفع) تبنى قاله مجاهد وعكرمة وغيرهما ومنه قوله سبحانه، (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت). وقال الحسن البصري: وغيره معنى ترفع تعظم فلا يذكر فيها الخنا من القول، ويرفع شأنها وتطهر من الأنجاس والأقذار، ورجحه الزجاج، وقيل المراد بالرفع هنا مجموع الأمرين. (و) معنى (يذكر فيها اسمه) كل ذكر لله عز وجل، وقيل هو التوحيد، وقيل المراد تلاوة القرآن، والأول أولى، وفي القرطبي قد كره بعض أصحابنا تعليم الصبيان في المساجد، لأنهم لا يتحرزون عن الأقذار والأوساخ فيؤدي ذلك إلى عدم تنظيف المساجد. وقد ورد في تعظيم المساجد وتنزيهها عن القذر واللغو وتنظيفها وتطييبها أحاديث ليس هذا موضوع ذكرها. (يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال) قرئ يسبح مبنياً للفاعل وللمفعول، فعلى الثانية يكون رجال مرفوعاً بفعل مقدر كأنه قيل من يسبحه؟ فقيل يسبحه رجال وعلى الأولى يكون رجال فاعل يسبح وقرئ تسبح بالفوقية وكسر الموحدة وعلى هذا يكون الفاعل أيضاً رجال، وإنما أنث الفعل لكون جمع التكسير يعامل معاملة المؤنث في بعض الأحوال. واختلف في هذا التسبيح ما هو؟ فالأكثرون حملوه على الصلاة المفروضة قالوا: الغدوة صلاة الصبح، والآصال صلاة الظهر والعصر والعشاءين لأن اسم الآصال يشملها، والمعنى يصلي له فيها بالغداة صلاة الصبح. وبالآصال صلاة الظهر والعصر، والعشائين، وإنما وحد الغدو، لأن صلاته واحدة، وفي الآصال صلوات، والآصال جمع أصل جمع أصيل، وهو العشي، وقيل صلاة الصبح والعصر. وقيل المراد صلاة الضحى، قاله ابن عباس وعنه في الآية قال: هي المساجد تكرم، وينهى عن اللغو فيها، ويذكر فيها اسم الله، يتلى فيها كتابه، يسبح له فيها بالغدو والآصال، صلاة الغداة، وصلاة العصر، وهما أول ما فرض الله من الصلاة فأحب أن يذكرهما ويذكر بهما عباده، وعنه قال: إن صلاة الضحى لفي القرآن، وما يغوص عليها إلا غواص في هذه الآية، وقيل المراد بالتسبيح هنا معناه الحقيقي، وهو تنزيه الله سبحانه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله، ويؤيد هذا ذكر الصلاة والزكاة، بعده وهذا أرجح مما قبله، لكونه المعنى الحقيقي مع وجود دليل، يدل على خلاف ما ذهب إليه الأولون وهو ما ذكرناه، قيل: خص الرجال بالذكر في هذه المساجد لأن النساء ليس عليهن حضور المساجد لجمعة ولا لجماعة. رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (39)

النور 24:37

(لا تلهيهم تجارة ولا بيع) هذه صفة لرجال، أي لا يشغلهم التجارة في السفر، والبيع في الحضر، وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان، وقال الفراء، التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على يديه، وخص قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها، وبمثل قول الفراء، قال الواقدي فقال التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون. ومعنى (عن ذكر الله) هو ما تقدم في قوله: (يذكر فيها اسمه)، أي باللسان والقلب، وقيل المراد الأذان، وقيل ذكره بأسمائه الحسنى، أي يوحدونه ويمجدونه، وقيل المراد الصلاة، ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الآية قال: " هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الذين يبتغون من فضل الله ". وعن ابن عباس قال: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم، وقاموا إلى المسجد فصلوا، وعنه في الآية قال: ضرب الله هذا المثل قوله: (كمشكاة) لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس وأبيعهم ولكن لم تكن تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعنه قال: عن ذكر الله عن شهود الصلاة، وعن ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله). وعن ابن مسعود أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم فقال: هؤلاء الذين قال الله فيهم (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) وأخرج البيهقي، وابن أبي حاتم وغيرهما، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يجمع الله يوم القيامة الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم مناد فينادي أين الذين كانوا يحمدون الله في السرّاء والضرّاء؟ فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يعود فينادي أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يقوم سائر الناس فيحاسبون " [[الحاكم، كتاب التفسير 2/ 399.]] وأخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه عن جمقبة بن عامر مرفوعاً نحوه. (وإقام الصلاة) أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وأدائها في وقتها جماعة لأن مؤخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله: ثلاثة تحذف تاآتها ... مضافة عند جميع النحاة وهي إذا شئت أبو عذرها ... وليت شعري وإقام الصلاة وقيل الرابع عد الأمر، أي عدة الأمر، وقيل في توجيه حذفها غير ذلك وقد احتاج من حمل ذكر الله على الصلاة المفروضة أن يحمل إقام الصلاة على تأديتها في أوقاتها فراراً من التكرار ولا ملجئ إلى ذلك؛ بل يحمل الذكر على معناه الحقيقي كما قدمنا. (وإيتاء الزكاة) المفروضة؛ وقيل المراد طاعة الله والإخلاص إذ ليس لكل مؤمن مال (يخافون يوماً) أي يوم القيامة والنصب على أنه مفعول للفعل لا ظرف له يعني أن هؤلاء الرجال -وإن بالغوا في ذكر الله تعالى والطاعات- فإنهم مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته، ثم وصف هذا اليوم بقوله: (تتقلب فيه القلوب) أي تضطرب وتتحول من الهول والفزع. وقيل المراد انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها ولا تخرج (و) تشخص (الأبصار) من هول ذلك اليوم، وقيل المراد بتقلبها هو أن تصير عمياً بعد أن كانت مبصرة، وقيل المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك؛ وأما تقلب الأبصار فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون وإلى أي ناحية يصيرون، وقيل المراد تحول قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين ومثله قوله: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) فما كان يراه في الدنيا غياً يراه في الآخرة رشداً؛ وقيل المراد التقلب على جمر جهنم وقيل غير ذلك.

النور 24:38

(ليجزيهم الله أحسن ما عملوا) اللام لام العاقبة والصيرورة لا لام العلة الباعثة أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح، والذكر وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم، من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف، وقيل: المراد بما في هذه الآية ما يتفضل به سبحانه عليهم، زيادة على ما يستحقونه، والأول أولى لقوله: (ويزيدهم من فضله) فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به، أي يتفضل بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها أو بمقاديرها، ولم يخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها، بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، وقوله عليه السلام حكاية عنه عز وجل: " أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " [[مسلم 2824 - البخاري 1534.]] غير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله تعالى: (والله يرزق من يشاء بغير حساب) فإنه تذييل مقرر للزيادة، ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجور أعمالهم، من الخيرات بما لا يفي به الحساب والمعنى من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، أو أن إعطاءه سبحانه لا نهاية له. قال الكرخي: وضع الموصول موضع ضمير (هم) للتنبيه بما في حيز الصلة على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى لا أعمالهم المحكية وذلك تنبيه على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين، وما يؤول إليه أمرهم ذكر مثلاً للكافرين فقال:

النور 24:39

(والذين كفروا أعمالهم) التي هي من أعمال الخير، كالصدقة، والعتق والوقف، والصلاة، وفك العاني، وعمارة البيت، وسقاية الحاج (كسراب) هو ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار، على صورة الماء في ظن ما يراه، وسمي سراباً لأنه يسرب، أي: يجري كالماء؛ يقال: سرب الفحل، أي مضى، وسار في الأرض ويسمى الآل وقيل الآل هو الذي يكون ضحى، كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض. حتى يصير كأنه بين السماء والأرض (بقيعة) أي فيها فالباء بمعنى في، وهو جمع قاع وهو الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء مثل جيرة وجار قاله الهروي. وقال أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، حكاه النحاس قال الجوهري: القاع المستوى من الأرض والجمع أقوع وأقواع وقيعان صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والقيعة مثل القاع قال: وبعضهم يقول هو جمع والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت وفيه يكون السراب، وقرئ بقيعاه بهاء مدورة كما يقال رجل عزهاه، وقيعات بتاء مبسوطة وقيل الألف متولدة من إشباع العين على الأولى وجمع قيعة على الثاني. (يحسبه الظمآن ماء) الظمآن العطشان، وقرئ الظمآن بغير همز، والمشهور عنهم الهمز، وتخصيص الظمآن بالحسبان مع كون الريان يراه كذلك. لتحقيق التشبيه، المبني على الطمع، ولأنه أحوج إليه من غيره، فالتشبيه به أتم. (حتى إذا جاءه) أي: إذا جاء العطشان ذلك الذي حسبه ماء، أو جاء موضعه (لم يجده شيئاً) مما قدره، وحسبه، وظنه، ولا من غيره. والمعنى أن الكفار يعولون على أعمالهم، التي يظنونها من الخير، ويطمعون في ثوابها، فإذا قدموا على الله سبحانه، لم يجدوا منها شيئاً، لأن الكفر أحبطها، ومحا أثرها. عن ابن عباس قال: هو مثل ضربه الله، كرجل عطش، فاشتد عطشه، فرأى سراباً، فحسبه ماء، فطلبه، فظن أنه قدر عليه، حتى أتى، فلما أتاه، لم يجده شيئاً، وقبض عند ذلك، يقول الكافر كذلك، إذا أتاه الموت، لم يجد عمله، يغني عنه شيئاً، ولا ينفعه، إلا كما نفع السراب العطشان. (ووجد الله عنده) بالمرصاد، وقيل وجد وعد الله بالجزاء، على عمله. وقيل وجد أمر الله عند حشره، وقيل حكمه، وقضاءه، عند المجيء. وقيل قدم على الله. وقيل عند العمل، والمعنى متقارب (فوفاه حسابه) أي أعطاه، وافياً، كاملاً، حساب عمله المذكور، وجزاءه. فإن اعتقاده لنفعه بغير إيمان، وعمله بموجبه، كفر على كفر، موجب للعقاب قطعاً. وإفراد الضميرين الراجعين إلى الذين كفروا، إمّا لإرادة الجنس، كالظمآن الواقع في التمثيل، وإما للحمل على كل واحد منهم، وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم. (والله سريع الحساب) لعباده من آمن منهم، ومن كفر. عن السدي، عن أبيه، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الكفار يبعثون يوم القيامة ورداً عطاشاً، فيقولون أين الماء؟ فيمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه فيجدون الله عنده، فيوفيهم حسابهم، والله سريع الحساب. أخرجه ابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وفي إسناده السدي عن أبيه، وفيه مقال. معروف. أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)

النور 24:40

(أو كظلمات) معطوف على (كسراب) ضرب الله سبحانه مثلاً آخر، لأعمال الكفار أي: كما أنها تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات، فهي أيضاً تشبه الظلمات. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار إن مثلت بما يوجد، فمثلها كمثل السراب، وإن مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات التي وصفت. وقال أيضاً: إن شئت مثلت بالسراب، وإن شئت مثلت بهذه الظلمات، فـ (أو) للإباحة والتخيير، حسبما تقدم من القول في (أو كصيّب). قال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم، لأنه أيضاً من أعمالهم. قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر الكفار، وقيل (أو) للتقسيم باعتبار وقتين، فإنها كالسراب في الدنيا، وكالظلمات في الآخرة. وقيل: أو للتنويع، يعني أن أعمالهم إن كانت حسنة فهي كسراب، وإن كانت سيئة فهي كظلمات. (في بحر لجيّ) معظم الماء، والجمع: لجج، وهو الذي لا يدرك عمقه، ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى فقال: (يغشاه) أي: يعلو هذا البحر (موج) فيستره، ويغطيه بالكلية، والموج: ما ارتفع من الماء، ثم وصف هذا الموج بقوله: (من فوقه) أي من فوق هذا الموج (موج) ثان متراكم فيه إشارة إلى كثرة الأمواج، وتراكم بعضها فوق بعض، ثم وصف الموج الثاني فقال: (من فوقه سحاب) فيجتمع حينئذ جوف البحر وأمواجه والسحاب المرتفعة فوقه، وقيل: إن المعنى، يغشاه موج، من بعده موج، فيكون الموج يتبع بعضه بعضاً، حتى كأن بعضه فوق بعض، والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه، زاد الخوف شدة، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر، ثم إذا أمطرت تلك السحاب. وهبت الريح المعتادة، في الغالب عند نزول المطر، تكاثفت الهموم، وترادفت الغموم، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية، ولهذا قال سبحانه: (ظلمات بعضها فوق بعض) أي هي ظلمات أو هذه ظلمات، متكاثفة، مترادفة. ففي هذه الجملة بيان لشدة الأمر، وتعاظمه، وبلوغه النهاية القصوى. ووجه الشبه أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات؛ ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب. وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات؛ ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول؛ وظلمة العمل. وقال أبي ابن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات؛ كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى ظلمات يوم القيامة في النار. قرئ سحابُ ظلماتٍ بالإضافة ووجهها أن السحاب ترتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها لهذه الملابسة، وقرئ بالقطع والتنوين، ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج فوق الموج ما يغشي قلبه، من الجهل، والشك، والحيرة، وبالسحاب الرين، والختم، والطبع، على قلبه. وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد وعن ابن عباس قال: يعني بالظلمات الأعمال. وبالبحر اللجى قلب الإنسان؛ يغشاه موج؛ يعني بذلك الغشاوة التي على القلب؛ والسمع، والبصر، ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله: (إذا أخرج) أي الناظر، أو الحاضر في هذه الظلمات، أو من ابتلى بها (يده) مع أنها أقرب شيء إليه (لم يكد يراها) أي لم يقرب من رؤيتها، قال الزجاج، وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ولم يكد. وقال الفراء: إن كاد زائدة، والمعنى إذا أخرج يده لم يرها، كما تقول: ما كدت أعرفه. وقال المبرد: يعني لم يرها إلا من بعد الجهد لشدة الظلمة. قال النحاس؛ أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذن لم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة. (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) مقررة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة. قال الزجاج: ذلك في الدنيا، والمعنى من لم يهده الله لم يهتد. وقيل: إن المعنى من لم يجعل له نوراً، يمشي به يوم القيامة، فما له من نور، يهتدي به إلى الجنة. وقيل: من لم يجعل له ديناً، وإيماناً فلا دين له. وقيل: المعنى من لم يقدر له الهداية، ولم يوفقه لأسبابها فما له من نور، خلاف الموفق، الذي له نور على نور. والآية عامة في حق جميع الكفار، وقيل خاصة فيمن نزلت فيه، وهو عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدين في الجاهلية، ويلبس المسوح، فلما جاء الإسلام كفر، وعاند والأول أولى.

النور 24:41

(ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)؟ قد تقدم تفسير مثل هذه الآية في تفسير سورة سبحان، والخطاب لكل من له أهلية النظر، أو للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد علمه من جهة الاستدلال، ومعنى (ألم تر) ألم تعلم؟ والهمزة للتقرير، أي قد علمت علماً يقيناً، شبيهاً بالمشاهدة، والوثاقة بالوحي، وظاهره أنه استعارة، ومقتضى كلام النحويين أن رأى العلمية حقيقة، قاله الشهاب والتسبيح التنزيه في ذاته، وأفعاله، وصفاته، عن كل ما لا يليق به. ومعنى (من في السماوات والأرض) من هو مستقر فيهما من العقلاء وغيرهم، وتسبيح غير العقلاء ما يسمع من أصواتها، ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها، وقيل إن التسبيح هنا هو الصلاة من العقلاء، والتنزيه من غيرهم، وقد قيل أن هذه الآية تشكل الحيوانات، والجمادات، وأن آثار الصنعة البديعة الإلهية في الجمادات ناطقة، ومخبرة باتصافه سبحانه، بصفات الجلال، والكمال وتنزهه عن سمات النقص والزوال. وفي ذلك تقريع للكفار وتوبيخ لهم حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له يعبدونها، كعبادته عز وجل، وبالجملة فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق، بكل نوع من أنواع المخلوقات، على طريقة عموم المجاز. (والطير صافّات) أي باسطات أجنحتها في الهواء، وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السماوات والأرض، لعدم استمرار استقرارها في الأرض، وكثرة لبثها في الهواء، وهو ليس من السماء، ولا من الأرض، ولما فيها من الصنعة البديعة، التي يقدر بها تارة على الطيران، وتارة على المشي، بخلاف غيرها من الحيوانات. وذكر حالة من حالات الطير، وهي كون صدور التسبيح منها، حال كونها صافات لأجنحتها، لأن هذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبحة، من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شيء، ثم زاد في البيان فقال: (كل قد علم صلاته وتسبيحه) أي كل واحد من هذه المسبحات لله، قد علم صلاة المصلي، وتسبيح المسبح. وقيل إن المجنى أن كل مصل، ومسبح؛ قد علم صلاة نفسه، وتسبيح نفسه. قال السمين: وهذا أولى لتوافق الضمائر. قيل والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر للتأكيد، والصلاة قد تسمى تسبيحاً. وقيل المراد بها هنا الدعاء، أي علم دعاءه. وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علّمها الله ذلك؛ وألهمها إليه لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه؛ وعظم شأنه من كونه جعلها مسبحة له، عالمة بما يصدر منها، غير جاهلة له وقال السدي: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه، وقيل إن ضرب أجنحة الطير صلاته، وصوته تسبيحه؛ أو المعنى كل واحد من هذه المسبحة؛ قد علم الله صلاته له؛ وتسبيحه إياه؛ والأول أرجح؛ لاتفاق القراء على رفع (كل) ولو كان الضمير لله لكان نصب كل أولى، وقيل المعنى علم كل صلاة الله وتسبيحه؛ أي اللذين أمر بهما وبأن يفعلا، كإضافة الخلق إلى الخالق، والأول أولى. وقرئ عُلِم على البناء للمفعول. (والله عليم بما يفعلون) مقررة لما قبلها، أي لا يخفى عليه طاعتهم، ولا تسبيحهم، ولا يعزب عن علمه شيء. ثم بين سبحانه أن المبدأ منه، والمعاد إليه فقال

النور 24:42

(ولله) لا لغيره (ملك السماوات والأرض) أي خزائن المطر، والرزق، والنبات، لأنه خالقهما، ولا يملكهما أحد سواه ومن ملك شيئاً فبتمليكه تعالى إياه. (وإلى الله) لا إلى غيره (المصير) أي الرجوع بعد الموت، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في غير موضع، ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر، من الآثار العلوية، فقال:

النور 24:43

(ألم تر أن الله يزجي سحاباً)؟ الإزجاء السوق قليلاً، قليلاً، والمعنى أنه يسوق السحاب سوقاً رفيقاً إلى حيث يشاء، يقال زجى الشيء تزجية، دفعه برفق، وتزجى بكذا اكتفى به، وأزجى الإبل ساقها. والمزجى الشيء القليل، وبضاعة مزجاة، قليلة، والريح تزجي السحاب. والبقرة تزجي ولدها، أي تسوقه. (ثم يؤلف بينه) أي بين أجزائه فيضم بعضه إلى بعض ويجمعه بعد تفرقه ليقوى، ويتصل، ويكثف، والأصل في التأليف الهمز. وقرئ يؤلف بالواو تخفيفاً والسحاب واحد في اللفظ ولكن معناه جمع ولهذا دخلت (بين) عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له. قال الفراء: إن الضمير في (بينه) راجع إلى جملة السحاب كما تقول الشجر قد جلست بينه لأنه جمع وأفرد الضمير باعتبار اللفظ. (ثم يجعله ركاماً) أي متراكماً يركب بعضه بعضاً والركم جمع الشيء، يقال ركم الشيء يركمه ركماً، أي جمعه، وألقى بعضه على بعض، وبابه نصر، وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع والركمة الطين المجموع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه (فترى الودق) هو المطر عند جمهور المفسرين يقال ودقت السحاب فهي وادقة، وودق المطر يدق أي قطر يقطر. وقيل إن الودق المطر، ضعيفاً كان، أو شديداً، والرؤية هنا بصرية. (يخرج من خلاله) أي من فتوقه وفروجه، التي هي مخارج القطر منه، قال كعب [[لقد نبه المؤلف في أكثر من موضع على رفض التلقي عن كعب الأحبار، وهو الحق الذي تجب الصيرورة إليه لأن السحاب هو عين المطر لقوله تعالى: " وهو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيرسله إلى بلد ميت " ولا عبرة بما ذهب إليه المصنف في تفسير البقرة من الرد على من قال بأن المطر أبخرة منعقدة من الماء. لأنه مدفوع بالقرآن الكريم وبالحقائق العلمية وهي معجزات التنزيل، المطيعي.]]: إن السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل المطر من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض. وقرئ: من خلله على الإفراد، وقد وقع الخلاف في (خلال) هل هو مفرد؟ كحجاب، أو جمع كجبال؟. (وينزل من السماء) أي: من عال لأن السماء قد يطلق على جهة العلو (من جبال) أي من قطع عظام تشبه الجبال (فيها من يرد) من للتبعيض وهو مفعول ينزل قيل: التقدير من برد برداً. وقيل: ينزل من السماء قدر جبال، أو مثل جبال، من برد إلى الأرض قال الأخفش: إن (من) زائدة في الموضعين، أي ينزل من السماء برداً، يكون كالجبال. والحاصل أن من في (من السماء) لابتداء الغاية باتفاق المفسرين، بلا خلاف، وفي من جبال ثلاثة أوجه. الأول: أنها لابتداء الغاية، والثاني: أنها للتبعيض. كأنه قال: وينزل بعض جبال، الثالث: أنها زائدة، أي: ينزل من السماء جبالاً، وأما (من) في من برد ففيها أربعة أوجه الثلاثة المتقدمة، والرابع أنها لبيان الجنس، قاله الحوفي، والزمخشري. أي وينزل من السماء بعض جبال. التي هي البرد. فالمنزل برد، لأن بعض البرد برد. قال الزجاج: معنى الآية وينزل من السماء من جبال، برد فيها، وذكر أبو البقاء أن التقدير شيئاً من جبال. قيل أن في السماء جبالاً من برد، كما في الأرض جبال من حجر. وقيل: المراد بذكر الجبال الكثرة كما يقال فلان يملك جبالاً من ذهب وفضة. (فيصيب به) أي بما ينزل من البرد كما في البيضاوي، والخازن (من يشاء) أن يصيبهم من عباده (ويصرفه عمن يشاء) منهم، أو يصيب به مال من يشاء، ويصرفه عن مال من يشاء، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في البقرة (يكاد سنا برقه) العامة على قصر سنا، وهو الضوء، وهو من ذوات الواو، يقال سنا يسنو سناً، أي أضاء يضيء، وبالمدّ الرفعة، كذا قال المبرّد، وغيره. قرئ سناء برقه بالمد على المبالغة، في شدة الضوء، والصفاء، فأطلق عليه اسم الرفعة والشرف وقرئ بضم الباء من بُرَقِه، وفتح الراء. وهي على هذه جمع برق. وقال النحاس: البرقة المقدار من البرق. والبرقة الواحدة، والمعنى: يكاد ضوء البرق الذي في السحاب. (يذهب بالأبصار) من شدة بريقه، وزيادة لمعانه. وهو كقوله: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) وقرئ: يذهب، من الإذهاب، ويذهب من الذهاب، والأبصار جمع بصر، أي الناظرة، والباء للإلصاق. وقيل: للتعدية وقيل: هي بمعنى: من، والمفعول محذوف تقديره: يذهب النور من الأبصار، فسبحان من يخرج الماء، والنار، والنور، والظلمة من شيء واحد وقيل: زائدة. يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)

النور 24:44

(يقلب الله الليل والنهار) أي: يعاقب بينهما، فيأتي بالليل، ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار، ويذهب بالليل. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال الله تعالى: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " أخرجه البخاري ومسلم [[مسلم 3346 - البخاري 2042.]]. وقيل يزيد في أحدهما، وينقص الآخر. وقيل يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر، ونفع وضر. وقيل بالحر والبرد، وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة، وبضوء الشمس أخرى. تغيير الليل بظلمة السحاب تارة، وبضوء القمر أخرى. (إن في ذلك) إشارة إلى ما تقدم من إزاء السحاب، وإنزال الودق والبرد، وتقليب الجديدين (لعبرة) أي لدلالة واضحة يكون بها الاعتبار (لأولي الأبصار) أي لكل من له بصر يبصر به، فهي براهين لائحة على جوده، ودلائل واضحة على صفاته، لمن نظر وتدبر، ثم ذكر سبحانه دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان، وبديع صنعته فقال:

النور 24:45

(والله خلق كل دابّة) وقرئ: خالق، والمعنيان صحيحان، والدابة كل ما دب على الأرض من الحيوان. يقال دب يدب فهو دابّ، والهاء للمبالغة، ومعنى (من ماء) من نطفة، وهي المني، كذا قال الجمهور، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة فمنها هوام، ومنها بهائم، وقال جماعة: إن المراد الماء المعروف لأن آدم خلق من الماء والطين. قيل وخلق كل دابة من نطفة، إنما هو بحسب الأغلب في خلق حيوانات الأرض المشاهدة، وإلا فالملائكة خلقوا من نور، وهم أكثر المخلوقات عدداً، والجانّ خلقوا من نار، وهم بقدر تسعة أعشار الإنس. كما قيل، وآدم خلق من الطين، وعيسى من الريح، التي نفخها جبريل، في جيب مريم، وخلق الدود من نحو الفاكهة، والعفونات، ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة فقال: (فمنهم من يمشي على بطنه) وهي الحيات، والهوام، والحوت والدود، ونحو ذلك، وسمي الزحف على البطن مشياً، استعارة، كما استعير المشفر للشفة، وبالعكس. كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، وفلان ما يمشي له أمر، أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين (ومنهم من يمشي على رجلين) وهم الإنسان والطير والنعام. (ومنهم من يمشي على أربع) كالبهائم، وسائر الحيوانات، وقدم ما هو أعرف في القدرة، وهو الماشي بغير آلة المشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع وقال: (من) ولم يقل (ما) تغليباً لمن يعقل، على ما لا يعقل لأن جعل النفيس أصلاً، والخسيس تبعاً أولى. قال ابن عباس: كل شيء يمشي على أربع إلا الإنسان، وأقول هذه الطيور على اختلاف أنواعها، تمشي على رجلين، وهكذا غيرها، كالمنعامة فإنها تمشي على رجلين، وليست من الطير، فهذه الكلية المروية عنه رضي الله تعالى عنه لا تصح، ولم يتعرض سبحانه لما يمشي على أكثر من أربع لقلته. وقيل: لأن المشي على أربع فقط، وإن كانت القوائم كثيرة وقيل: لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع، ولا وجه يكون لهذا، فإن المراد التنبيه على بديع الصنع، وكمال القدرة، فكيف يقال، لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع. وقيل: ليس في القرآن ما يدل على عدم المشي على أكثر من أربع لأنه لم ينف ذلك، ولا جاء بما يقتضي الحصر، وفي مصحف أبيّ: ومنهم من يمشي على أكثر، فعم بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع، كالسرطان، والعناكب، والحيوان المعروف بأم أربع وأربعين، وكثير من خشاش الأرض كالعقارب. وقيل: إنما لم يتعرض لهذا القسم لدخوله في قوله: (يخلق الله ما يشاء) أي: مما ذكر هنا، ومما لم يذكره، كالجمادات مركبها وبسيطها، ناميها وغير ناميها، على اختلاف الصور والأعضاء، والهيئات، والحركات، والطبائع، والقوى، والأفعال، مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته (إن الله على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء، ولا يمنعه مانع، بل الكل من مخلوقاته، داخل تحت قدرته سبحانه.

النور 24:46

(لقد أنزلنا آيات مبينات) بكسر الياء وفتحها سبعيتان وكذلك في كل ما جاء في هذا الجمع في القرآن، والمراد بها القرآن، فإنه قد اشتمل على بيان كل شيء، ما فرطنا في الكتاب من شيء، وفيه التفات قد تقدم مثل هذا في غير موضع (والله يهدي من يشاء) بتوفيقه للنظر الصحيح وإرشاده إلى التأمل الصادق (إلى صراط مستقيم) أي طريق مستو لا عوج فيه، فيتوصل بذلك إلى الخير التام، وهو نعيم الجنة، ثم شرع سبحانه في بيان أحوال من لم تحصل له الهداية إلى الصراط المستقيم فقال:

النور 24:47

(ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا) وهؤلاء هم المنافقون، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فإنهم كما حكى الله عنهم هاهنا، ينسبون إلى أنفسهم الإيمان بالله وبالرسول، والطاعة لله ولرسوله نسبة بمجرد اللسان لا عن اعتقاد صحيح. وعن قتادة قال: أناس من المنافقين أظهروا الإيمان والطاعة، وهم في ذلك يصدون عن سبيل الله وطاعته وجهاده مع رسوله. (ثم يتولى) أي يعرض (فريق منهم) أي من هؤلاء المنافقين القائلين هذه المقالة (من بعد ذلك) أي من بعد ما صدر عنهم مما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان والطاعة ثم حكم عليهم سبحانه وتعالى بعدم الإيمان فقال (وما أولئك) القائلون بهذه المقالة (بالمؤمنين) على الحقيقة الموافق قلوبهم لألسنتهم فيشمل الحكم بنفي الإيمان جميع القائلين. ويندرج تحتهم من تولى اندراجاً أولياً. وقيل إن الإشارة بقوله (أولئك) راجع إلى من تولى، والأول أولى والكلام مشتمل على حكمين، الحكم الأول على بعضهم بالتولي، والحكم الثاني على جميعهم بعدم الإيمان، وقيل أراد بمن تولى من تولى عن قبول حكمه صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل أراد بذلك رؤساء المنافقين، وقيل أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين، ولا ينافي ما تحتمله هذه الآية باعتبار لفظها ورودها على سبب خاص، ثم وصف هؤلاء المنافقين بأن فريقاً منهم يعرضون عن إجابة الدعوة إلى الله وإلى رسوله في خصومتهم فقال:

النور 24:48

(وإذا دعوا إلى الله ورسوله) المبلغ عنه (ليحكم بينهم) أي الرسول فالضمير راجع إليه. لأنه المباشر للحكم. وإن كان الحكم في الحقيقة لله سبحانه ومثل ذلك قوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه (إذا فريق منهم معرضون) إذا هي الفجائية، أي فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إلى الله والرسول، أو عن الإجابة، والمجيء إليه. وهذا هو شأن مقلدة المذاهب بعينه اليوم [[قياس مع الفارق ولا يجوز تشبيه المؤمنين بالمنافقين.]]، يعرضون عن إجابة الداعي إلى الله ورسوله، وعن التحاكم إليهما، أي إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم ذكر سبحانه أن إعراضهم إنما هو إذا كان الحق عليهم، وأما إذا كان لهم فإنهم يذعنون لعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحكم إلا بالحق فقال: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)

النور 24:49

(وإن يكن لهم الحق) أي إذا كان الحكم لهم على غيرهم (يأتوا إليه مذعنين) مطيعين منقادين لحكمه طلباً لحقهم، لا رضاء بحكم رسولهم. قال الزجاج: الإذعان الإسراع مع الطاعة، يقال: أذعن لي بحقي، أي طاوعني لما كنت ألتمس منه، وصار يسرع إليه، وبه قال مجاهد. وقال الأخفش وابن الأعرابي: مذعنين مقرين وقال النقاش: خاضعين. والمعنى أنهم لمعرفتهم أنه ليس معك إلا الحق المر، والعدل البحت، يمتنعون عن المحاكمة إليك، إذا ركبهم الحق، لئلا تنتزعه من أحداقهم، بقضائك عليهم لخصومهم، وإن ثبت لهم الحق على خصم أسرعوا إليك، ولم يرضوا إلا بحكومتك لتأخذ لهم ما وجب لهم في ذمة الخصم. ثم قسم الأمر في إعراضهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم فقال:

النور 24:50

(أفي قلوبهم مرض) هذه الهمزة للتوبيخ والتقريع لهم، والمرض النفاق أي أكان هذا الإعراض منهم بسبب النفاق الكائن في قلوبهم وقيل مرض أي كفر وميل إلى الظلم (أم ارتابوا) وشكوا في أمر نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعدله في الحكم، أو رأوا منه تهمة فزال ثقتهم ويقينهم به. (أم يخافون أن يخيف الله عليهم ورسوله) في الحكومة، والحيف الميل في الحكم يقال حاف في قضيته أي جار فيما حكم به، ثم أضرب عن ضرب هذه الأمور التي صدرها بالاستفهام الإنكاري فقال (بل أولئك هم الظالمون) أي ليس ذلك لشيء مما ذكر بل لعنادهم وظلمهم فإنه لو كان الإعراض لشيء مما ذكر لما أتوا إليه مذعنين إذا كان الحق لهم. وقيل إضراب عن القسمين الأخيرين، لتحقق القسم الأول، ووجه التقسيم أن امتناعهم إما لخلل فيهم أو في الحاكم، والثاني إما أن يكون محققاً عندهم، أو متوقعاً، وكلاهما باطل لأن منصب نبوته، وفرْط أمانته صلى الله عليه وآله وسلم يمنعه، فتعين الأول. وظلمهم يعم خلل عقيدتهم، وميل نفوسهم إلى الحيف. وضمير الفصل لنفي ذلك عن غيرهم، سيما المدعو إلى حكمه. قاله البيضاوي. وفي هذه الآية دليل على وجوب الإجابة إلى القاضي العالم بحكم الله العادل في حكمه لأن العلماء ورثة الأنبياء، والحكم من قضاة الإسلام العالمين بحكم الله العارفين بالكتاب والسنة العادلين في القضاء، هو حكم بحكم الله ورسوله، الداعي إلى التحاكم إليهم قد دعا إلى الله وإلى رسوله أي إلى حكمهما. قال ابن خواز منداد: واجب على كل من دعى إلى مجلس الحاكم أن يجيب ما لم يعلم أن الحاكم فاسق قال القرطبي: في هذه الآية دليل على وجوب إجابة الداعي إلى الحاكم لأن الله سبحانه ذم من دعى إلى رسوله ليحكم بينه وبين خصمه، فأعرض بأقبح ذم، فقال (أفي قلوبهم مرض) الآية انتهى فإن كان القاضي مقصراً لا يعلم بأحكام الكتاب والسنة، ولا يعقل حجج الله، ومعاني كلامه وكلام رسوله بل كان جاهلاً جهلاً بسيطاً. وهو من لا علم له بشيء من ذلك، أو جهلاً مركباً، وهو من لا علم عنده بما ذكرنا، ولكنه قد عرف بعض اجتهادات المجتهدين، واطلع على شيء من علم الرأي، فهذا في الحقيقة جاهل، وإن اعتقد أنه يعلم بشيء من العلم فاعتقاده باطل. فمن كان من القضاة هكذا فلا تجب الإجابة إليه، لأنه ليس ممن يعلم بحكم الله ورسوله حتى يحكم به بين المتخاصمين إليه بل هو من قضاة الطاغوت وحكام الباطل، فإن ما عرفه من علم الرأي إنما رخص في العمل به للمجتهد الذي هو منسوب إليه عند عدم الدليل من الكتاب والسنة، ولم يرخص فيه لغيره ممن يأتي بعده، وإذا تقدر لديك هذا، وفهمته حق فهمه، علمت أن التقليد والانتساب إلى عالم من العلماء دون غيره .. والتعبد بجميع ما جاء به من رواية ورأى وإهمال ما عداه، من أعظم ما حدث في هذه الملة الإسلامية من البدع المضلة والفواقر الموحشة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقد أوضحت هذا في كتابي الجنة وأوضحه الشوكاني في القول المفيد، وأدب الطلب وغيره في غيرهما فمن أراد أن يقف على حقيقة هذه البدعة التي طبقت الأقطار الإسلامية فليرجع إليها، وعن الحسن في الآية قال: إن الرجل كان يكون بينه وبين الرجل خصومة أو منازعة. على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإذا دعي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محق أذعن وعلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سيقضي له بالحق. وإذا أراد أن يظلم فدعى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - أعرض. وقال: انطلق إلى فلان فأنزل الله سبحانه (وإذا دعوا إلى الله ورسوله) إلى قوله: (هم الظالمون) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من كان بينه وبين أخيه شيء فدعاه إلى حكم من حكام المسلمين فلم يجب فهو ظالم لا حق له " أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. قال ابن كثير: [[ابن كثير 3/ 298.]] بعد أن ساق هذا المتن ما لفظه وهذا حديث غريب وهو مرسل: وقال ابن العربي: هذا حديث باطل فأما قوله فهو ظالم فكلام صحيح وأما قوله فلا حق له فلا يصح ويحتمل أن يريد أنه على غير الحق انتهى. وأقول: وأما كون الحديث مرسلاً فظاهر وأما ما دعوى كونه باطلاً فمحتاجة إلى برهان فقد أخرجه ثلاثة من أئمة الحديث كما ذكرنا ويبعد كل البعد أن يتفقوا على ما هو باطل وليس في إسناده عند ابن أبي حاتم كذاب ولا وضاع ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن الحسن عن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " فمن دعي إلى سلطان فلم يجب فهو ظالم لا حق له " انتهى، ولا يخفاك أن قضاة العدل، وحكام الشرع الذين هم على الصفة التي قدمنا لك قريباً. هم سلاطين الدين المترجمون عن الكتاب والسنة، المبينون للناس ما نزل إليهم. ثم لما ذكر ما كان عليه أهل النفاق، أتبعه بما يجب على المؤمنين أن يفعلوه إذا دعوا إلى حكم الله ورسوله، فقال:

النور 24:51

(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله) أي: إلى كتاب الله العزيز وسنة رسوله المطهرة (لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) أي هذا القول، لا قولاً آخر، وهذا وإن كان على طريقة الخبر، فليس المراد به ذلك، بل المراد به تعليم الأدب الشرعي عند هذه الدعوة من أحد المتخاصمين للآخر، والمعنى أنه ينبغي للمؤمنين أن يكونوا هكذا، إذا سمعوا الدعاء المذكور، قابلوه بالطاعة والإذعان والإجابة. قال مقاتل وغيره: يقولون: سمعنا قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأطعنا أمره، وإن كان ذلك فيما يكرهونه ويضرهم. وقد قدمنا الكلام على الدعوة إلى الله ورسوله للحكم بين المتخاصمين، وذكرنا من تجب الإجابة إليه من القضاة، ومن لا تجب، وهذه الآية على إيجازها حاوية لكل ما ينبغي للمؤمنين أن يفعلوه. ثم أثنى سبحانه عليهم بقوله: (وأولئك) المؤمنون الذين قالوا هذا القول (هم المفلحون) أي: الناجون الفائزون بخيري الدنيا والآخرة، ثم أردف الثناء عليهم بثناء آخر فقال:

النور 24:52

(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ) هذه الجملة مقررة لما قبلها، من حسن حال المؤمنين، وترغيب من عداهم إلى الدخول في عدادهم والمتابعة لهم في طاعة الله ورسوله، في كتابه وسنته والخشية من الله عز وجل فيما مضى والتقوى له فيما يستقبل وفي (وَيَتَّقْهِ) قراءات من الجزم والكسر. (فأولئك) أي: الموصوفون بما ذكر من الطاعة والخشية والتقوى (هم الفائزون) بالنعيم الدنيوي، والآخروي، لا من عداهم. وعن بعض الملوك أنه سأل عن آية كافية فتليت له هذه الآية، وهي جامعة لأسباب الفوز والفلاح الكاملة الشاملة وبالله التوفيق، وهو المستعان. ثم حكى سبحانه عن المنافقين أنهم لما كرهوا حكمه، أقسموا بأنه لو أمرهم بالخروج إلى الغزو لخرجوا، فقال:

النور 24:53

(وأقسموا بالله جهد أيمانهم) المعنى: يجهدون أيمانهم جهداً ومعناه طاقة ما قدروا أن يحلفوا، مأخوذ من قولهم: جهد نفسه إذا بلغ طاقتها، وأقصى وسعها، وقيل: التقدير مجتهدين في إيمانهم، كقولهم: افعل ذلك جهدك وطاقتك وقد خلط الزمخشري الوجهين فجعلهما واحداً. وقيل: جهد اليمين أن يحلف بالله ولا يزيد على ذلك شيئاً. (لئن أمرتهم) بالخروج إلى الجهاد (ليخرجن) وليغزون، ولما كانت مقالتهم هذه كاذبة، وأيمانهم فاجرة رد الله عليهم زاجراً فقال: (قل لا تقسموا) أي لا تحلفوا على ما تزعمونه من الطاعة والخروج إلى الجهاد إن أمرتم به. وهاهنا تمّ الكلام ثم ابتدأ فقال: (طاعة معروفة) أي طاعتهم طاعة معروفة بأنها طاعة نفاقية لم تكن عن اعتقاد، وقيل: طاعة معروفة أولى بكم من أيمانكم. وقيل: لتكن منكم طاعة، أو لتوجد، وفي هذا ضعف لأن الفعل لا يحذف إلا إذا تقدم ما يشعر به، وقيل: أمركم طاعة، بل قال الواسطي: إنه الأولى لأن الخبر محط الفائدة، وعليه فالمعنى: أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة معلومة، لا يشك فيها ولا يرتاب. وقرئ: طاعةً بالنصب أي أطيعوا طاعة. (إن الله خبير بما تعلمون) من الطاعة بالقول، وما تشمرونه من المخالفة بالفعل وهذا تعليل لما قبلها من كون طاعتهم طاعة نفاق. ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمرهم بطاعة الله ورسوله، فقال: قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (54) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56)

النور 24:54

(قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) طاعة ظاهرة وباطنة، بخلوص اعتقاد وصحة نية وهذا التكرير منه سبحانه لتأكيد وجوب الطاعة عليهم، فإن قوله: (قل لا تقسموا طاعة معروفة) في حكم الأمر بالطاعة وقيل: إنهما مختلفان فالأول نهى بطريق الرد والتوبيخ، والثاني أمر بطريق التكليف لهم والإيجاب عليهم. (فإن تولوا) خطاب للمأمورين وفيه رجوع من الخطاب مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى الخطاب لهم لتأكيد الأمر عليهم والمبالغة في العناية بهدايتهم إلا الطاعة والإنقياد. وجواب الشرط قوله: (فإنما عليه) أي: على النبي (ما حمل) مما أمر به من التبليغ وقد فعل (وعليكم ما حملتم) أي: ما أمرتم به من الطاعة والإجابة، وهو وعيد لهم كأنه قال لهم: فإن توليتم فقد صرتم حاملين للحمل الثقيل، وفيه المشاكلة. (وإن تطيعوه) فيما أمركم به ونهاكم عنه (وتهتدوا) إلى الحق وترشدوا إلى الخير وتفوزوا بالأجر. قد أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال: قدم زيد بن أسلم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يأخذون منا الحق ولا يعطونا؟ قال: " فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم " [[مسلم 1846 - الترمذي كتاب الفتن الباب 30.]]. وعن جابر أنه سئل إن كان على إمام فاجر، فلقيت معه أهل ضلالة، أقاتل؟ أم لا؟ قال: قاتل أهل الضلالة أينما وجدتهم. وعلى الإمام ما حمل وعليكم ما حملتم (و) جملة (ما على الرسول إلا البلاغ المبين) مقررة لما قبلها واللام إما للعهد فيراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وإما للجنس فيراد كل رسول والبلاغ المبين: التبليغ الواضح أو الموضح، والمعنى: إن الرسول قد أدى البلاغ فأدوا أيضاً أنتم ما عليكم من طاعته.

النور 24:55

(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات) الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ولمن معه و (من) للبيان. وقيل: للتبعيض والجملة مقررة لما قبلها، من أن طاعتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبب لهدايتهم وهذا وعد من الله سبحانه لمن آمن بالله وعمل الأعمال الصالحات بالاستخلاف لهم، كما قال سبحانه. (ليستخلفنهم في الأرض) بدلاً عن الكفار، وهو وعد يعم جميع الأمة، وقيل هو خاص بالصحابة، ولا وجه لذلك فإن الإيمان، وعمل الصالحات لا يختص بهم. بل يمكن وقوع ذلك من كل واحد من هذه الأمة. ومن عمل بكتاب الله وسنة رسوله فقد أطاع الله ورسوله. واللام في (ليستخلفنهم) جواب لقسم محذوف أو جواب للوعد، وتنزيله منزلة القسم لأنه ناجز لا محالة والمعنى ليجعلنهم فيها خلفاء يتصرفون فيها تصرف الملوك في مملوكاتهم، وقد أبعد من قال إنها مختصة بالخلفاء الأربعة أو بالمهاجرين أو أن المراد بالأرض أرض مكة. وقد عرفت أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قال ابن العربي: إنها بلاد العرب والعجم وهو الصحيح لأن أرض مكة محرمة على المهاجرين ففي الحديث لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن توفي بمكة وقال في الصحيح أيضاً يمكث المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثاً، وظاهر قوله (كما استخلف الذين من قبلهم) كل من استخلفه الله في أرضه فلا يخص ذلك بني إسرائيل ولا أمة من الأمم دون غيرها قرئ على البناء للفاعل والمفعول. (وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم) معطوفة على ليستخلفنهم داخلة تحت حكمه كائنة من جملة الجواب، والمراد بالتمكين هنا التثبيت والتقرير أي يجعله الله ثابتاً مقرراً ويوسع لهم في البلاد ليملكوها ويظهر دينهم على جميع الأديان، والمراد بالدين هنا الإسلام كما في قوله (ورضيت لكم الإسلام ديناً)، ذكر سبحانه وتعالى الاستخلاف لهم أولاً وهو جعلهم ملوكاً، وذكر التمكين ثانياً فأفاد ذلك أن هذا الملك ليس على وجه العروض والطروّ بل على وجه الاستقرار والثبوت بحيث يكون الملك لهم ولعقبهم من بعدهم. (وليبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً) معطوفة على التي قبلها وقرئ من أبدل ومن بدل وهما لغتان وزيادة البناء تدل على زيادة المعنى فقراءة التشديد أرجح من التخفيف، وزعم ثعلب أن بينهما فرقاً، وأنه يقال بدلته أي غيرته وأبدلته أزلته وجعلت غيره مكانه قال النحاس: وهذا القول صحيح والمعنى أنه سبحانه يجعل لهم مكان ما كانوا فيه من الخوف من الأعداء أمناً ويذهب عنهم أسباب الخوف الذي كانوا فيه بحيث لا يخشون إلا الله سبحانه ولا يرجون غيره. وقد كان المسلمون قبل الهجرة وبعدها بقليل في خوف شديد من المشركين، لا يخرجون إلا في السلاح، ولا يمسون ولا يصبحون إلى على ترقب لنزول المضرة بهم من الكفار، ثم صاروا في غاية الأمن، والدعة وأذل الله لهم شياطين المشركين وفتح عليهم البلاد ومهد لهم في الأرض ومكنهم منها فللَّه الحمد. وعن البراء قال: فينا نزلت ونحن في خوف شديد، وعن أبي العالية قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمكة نحواً من عشر سنين يدعون إلى الله وحده وإلى عبادته وحده لا شريك له سراً وهم خائفون، ولا يؤمرون بالقتال حتى أمروا بالهجرة إلى المدينة، فقدموا المدينة فأمرهم الله بالقتال وكانوا بها خائفين، يمسون في السلاح ويصبحون في السلاح، فغبروا بذلك ما شاء الله، ثم أن رجلاً من أصحابه قال: يا رسول الله ما يأتي علينا يوم نأمن فيه ونضع السلاح؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لن تغبروا إلا يسيراً حتى يجلس الرجل منكم في الملأ العظيم محتبياً ليست فيهم حديدة " فأنزل الله وعد الله الذين آمنوا إلى آخر الآية فأظهر الله نبيه على جزيرة العرب فأمنوا ووضعوا السلاح. ثم إن الله قبض نبيه فكانوا كذلك آمنين في زمان أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم. حتى وقعوا فيما وقعوا وكفروا النعمة فأدخل الله عليهم الخوف الذي كان رفع عنهم واتخذوا الحجر والشرط وغيروا فغير ما بهم. وعن أُبيّ بن كعب قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وآوتهم الأنصار رمتهم العرب عن قوس واحدة كانوا لا يبيتون إلا في السلاح ولا يصبحون إلا فيه. فقالوا: أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله، فنزلت هذه الآية، وأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وافتتحوا أبعد بلاد المشرق والمغرب ومزقوا ملك الأكاسرة وملكوا خزائنهم واستولوا على الدنيا. وفي الآية أوضح دليل على صحة خلافة أبي بكر الصديق، والخلفاء الراشدين بعده لأن المستخلفين الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم هم وفي أيامهم كانت الفتوحات العظيمة وفتحت كنوز كسرى وغيره من الملوك وحصل الأمن والتمكين وظهور الدين، وعن سفينة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: " الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً ثم قال: أمسك خلافة أبي بكر سنتين وخلافة عمر عشر سنين وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وعلي ستاً قال علي: قلت لحماد القائل لسعيد: أمسك سفينة قال: نعم. أخرجه [[أبو داوود كتاب السنة باب 8 - الترمذي، كتاب الفتن باب 48.]] أبو داود والترمذي. قلت وفيه إجمال، تفصيله أن خلافة أبي بكر كانت سنتين وثلاثة أشهر وخلافة عمر كانت عشر سنين وستة أشهر وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر وعلى هذا تكون مدة خلافة الأئمة الأربعة تسعة وعشرين سنة وستة أشهر وكملت ثلاثين سنة بخلافة الحسن وكانت ستة أشهر ثم نزل عنها والله أعلم. وجملة (يعبدونني) حالية أو مستأنفة مسوقة للثناء عليهم، وفيه أوجه سبعة ذكرها السمين (لا يشركون بي شيئاً) أي يعبدونني غير مشركين بي في العبادة شيئاً من الأشياء. وقيل معناه لا يراؤن بعبادتي أحداً، وقيل معناه لا يخافون أحداً غيري قاله ابن عباس وقيل معناه لا يحبون غيري. (ومن كفر) هذه النعم (بعد ذلك) الوعد الصحيح، أي: من استمر على الكفر أو من كفر بعد الإيمان (فأولئك هم الفاسقون) أي الكاملون في الفسق وهو الخروج عن الطاعة، والطغيان في الكفر وعن مجاهد قال: الفاسقون العاصون. وعن أبي العالية قال: الكفر بهذه النعمة ليس الكفر بالله، ولذلك قال الفاسقون ولم يقل الكافرون. قال أهل التفسير: أو من كفر بهذه النعمة، وجحد حقها الذين قتلوا عثمان فلما قتلوه غير الله ما بهم من الأمن وأدخل عليهم الخوف حتى صاروا يقتتلون بعد أن كانوا إخواناً والقصة معروفة.

النور 24:56

(وأقيموا الصلاة) أي فآمنوا واعملوا الصالحات وأقيموا الصلاة (وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول) قد تقدم الكلام على إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وكرر الأمر بطاعة الرسول للتأكيد وخصه بالطاعة لأن طاعته طاعة الله، ولم يذكر ما يطيعونه فيه لقصد التعميم كما يشعر به الحذف على ما تقرر في لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ (57) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) علم المعاني من أن مثل هذا الحذف مشعر بالتعميم (لعلكم ترحمون) أي افعلوا ما ذكر راجين أن يرحمكم الله سبحانه.

النور 24:57

(لا تحسبن) بالفوقية أي لا تحسبن يا محمد وقرئ بالتحتية (الذين كفروا معجزين) فائتين وقال قتادة: سابقين (في الأرض) وقد تقدم تفسيره وتفسير ما بعده (ومأواهم النار) عطف خبر على إنشاء أو على مقدر أي بل هم مقهورون مدركون، ومأواهم (ولبئس المصير) أي المرجع النار ولما فرغ سبحانه من ذكر ما ذكره من دلائل التوحيد رجع إلى ما كان فيه من الاستئذان فذكره هاهنا على وجه أخص فقال.

النور 24:58

(يا أيها الذين آمنوا) الخطاب للمؤمنين ويدخل المؤمنات فيه تغليباً كما في غيره من الخطابات، قال العلماء: هذه الآية خاصة ببعض الأوقات واختلفوا في المراد بقوله: (ليستأذنكم) على أقوال أنها منسوخة قاله سعيد بن المسيب وقال سعيد بن جبير: إن الأمر فيها للندب لا للوجوب، وقيل كان ذلك واجباً حيث كانوا لا أبواب لهم، ولو عاد الحال لعاد الوجوب حكاه المهدوي عن ابن عباس، وقيل إن الأمر هاهنا للوجوب وإن الآية حكمة غير منسوخة وإن حكمها ثابت على الرجال والنساء، قال القرطبي: وهو قول أكثر العلماء وقال السلمي: إنها خاصة بالنساء وقال ابن عمر: هي خاصة بالرجال دون النساء، والمراد بقوله. (الذين ملكت أيمانكم) العبيد والإماء وعن مقاتل بن حيان قال: بلغنا أن رجلاً من الأنصار وأمرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم طعاماً فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد -غلامهما- بغير إذن فأنزل الله في ذلك هذه الآية يعني بها العبيد والإماء، وعن السدي قال: كان أناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن، فلا يرد كيف أمرهم الله بالاستئذان؟ مع أنهم غير مكلفين ولو كان المقصود أمرهم بالذات لما كان لتخصيص النداء والخطاب بالمؤمنين وجه. (والذين لم يبلغوا الحلم منكم) أي الصبيان والمراد الأحرار قرئ الحلم بسكون اللام وبضمها قال الأخفش: الحلم من حلم الرجل بفتح اللام ومن الحلم حلم بضم اللام يحلم بكسرها، واتفقوا على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا فيما إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة: لا يكون بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها، والجارية سبع عشرة سنة وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأحمد في الغلام والجارية بخمس عشرة سنة يصير مكلفاً وتجري عليه الأحكام وإن لم يحتلم. (ثلاث مرات) أي ثلاثة أوقات في اليوم والليلة، وعبر عن الأوقات بالمرات لأن الأصل وجوب الاستئذان هو بسبب مقارنة تلك الأوقات لمرور المستأذنين بالمخاطبين لا نفس الأوقات، وانتصاب ثلاث مرات على المصدرية أي ثلاث استئذانات، ورجح هذا أبو حيان وقال: لأنك إذا قلت ضربتك ثلاث مرات لا يفهم منه إلا ثلاث ضربات، أو منصوب على الظرفية أي ثلاث أوقات ثم فسر تلك الأوقات بقوله. (من قبل صلاة الفجر) وذلك لأنه وقت القيام عن المضاجع وطرح ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة وربما يبيت عرياناً أو على حالة لا يجب أن يراه غيره فيها (وحين تضعون ثيابكم) التي تلبسونها في النهار (من) شدة حر (الظهيرة) وذلك عند انتصاف النهار فإنهم قد يتجردون عن الثياب لأجل القيلولة (من) للبيان أو بمعنى في أو بمعنى اللام ثم ذكر سبحانه الوقت الثالث فقال: (ومن بعد صلاة العشاء) وذلك لأنه وقت التجرد عن ثياب اليقظة والخلوة بالأهل والالتحاف بثياب النوم، ثم أجمل سبحانه هذه الأوقات بعد التفصيل بقوله (ثلاث عورات لكم) أي أوقات ثلاث عورات وقيل جعل نفس ثلاث مرات نفس ثلاث عورات مبالغة وقيل هو ثلاث. وقال أبو حاتم: النصب ضعيف مردود، وقال الفراء: الرفع أحب إلي، قال الكسائي: العورات الساعات التي تكون فيها العورة، قال الزجاج: المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات، وعورات جمع عورة وهي في الأصل الخلل. ثم غلب في الخلل الواقع فيما يهم حفظه ويتعين ستره أي هي ثلاث أوقات، يختل فيها الستر، وقرئ عَورات بفتح الواو وهي لغة هذيل وتميم. فإنهم يفتحون عين فعلات سواء كان واواً أو ياء. والجملة مستأنفة، مسوقة لبيان علة وجوب الاستئذان. عن عبد الله بن سويد قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العورات الثلاث فقال: " إذا أنا وضعت ثيابي بعد الظهيرة لم يلج عليَّ أحد من الخدم من الذين لم يبلغوا الحلم، ولا أحد لم يبلغ الحلم من الأحرار إلا بإذن، وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء ومن قبل صلاة الصبح " أخرجه ابن مردويه. وعن ابن عباس قال: إنه لم يؤمن بها أكثر الناس يعني آية الإذن. وإني لآمر جاريتي هذه، الجارية قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي، وعنه قال: ترك الناس ثلاث آيات لم يعملوا بهن هذه الآية والآية التي في سورة النساء (وإذا حضر القسمة) الآية، والآية التي في الحجرات (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم). وعنه قال: إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلا يدخل عليه صبي ولا خادم إلا بإذنه حتى يصلي الغداة، وإذا خلا بأهله عند الظهر فمثل ذلك. ورخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن وهو قوله (ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن) فأما من بلغ الحلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال. وهو قوله:

النور 24:59

(وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم). وعنه أن رجلاً سأله عن الاستئذان في الثلاث العورات، التي أمر الله بها في القرآن فقال: إن الله ستير يحب الستر، وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجاب في بيوتهم، فربما فجأ الرجل خادمه، أو ولده أو يتيم في حجره، وهو على أهله، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمي الله، ثم جاء الله بعد بالستور، فبسط عليهم في الرزق، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به. وعن ابن عمر في الآية قال: هي على المذكور دون الإناث. ولا وجه هذا التخصيص، فالاطلاع على العورات في هذه الأوقات كما يكرهه الإنسان من الذكور يكرهه من الإناث. وعن السلمي قال: هي في النساء خاصة، والرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار. وعن ابن مسعود قال: عليكم إذن على أمهاتكم، وعنه قال: يستأذن الرجل على أبيه وأمه وأخته، أخرجه البخاري في الأدب وعن جابر نحوه، وسئل الشعبي عن هذه الآية أمنسوخة هي؟ قال: لا والله. قال السائل: إن الناس لا يعلمون بها، قال: والله المستعان. وقال سعيد بن جبير: إن ناساً يقولون أن هذه الآية نسخت والله ما نسخت ولكنها مما تهاون به الناس وقال سعيد بن المسبب: إنها منسوخة والأول أولى. (لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ) أي ليس على المماليك ولا على الصبيان إثم في الدخول بغير استئذان، لعدم ما يوجبه من مخالفة الأمر، والاطلاع على العورات، بعد كل واحدة من هذه العورات الثلاث، وهي الأوقات المتخللة بين كل اثنين منها، والجملة مستأنفة مقررة للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة. وقال أبو البقاء (بعدهن) أي بعد استئذانهم فيهن، ورُدّ بأنه لا حاجة إلى هذا التقدير، الذي ذكره، بل المعنى ليس عليكم جناح ولا عليهم أي العبيد والإماء والصبيان في عدم الاستئذان بعد هذه الأوقات المذكورة. (طوافون) أي هم طوافون (عليكم) والجملة مستأنفة مبينة للعذر رخص في ترك الاستئذان والمعنى يطوفون عليكم، ومنه الحديث في الهرة إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات. أي هم خدمكم فلا بأس أن يدخلوا عليكم في غير هذه الأوقات بغير إذن (بعضكم) يطوف. أو طائف (على بعض) والجملة تدل مما قبلها، أو مؤكدة لها، والمعنى أن كلا منكم يطوف على صاحبه، العبيد على الموالي والموالي على العبيد، وإنما أباح سبحانه الدخول في غير تلك الأوقات، الثلاثة بغير استئذان لأنها كانت العادة أنهم لا يكشفون عوراتهم في غيرها. (كذلك) أي مثل ذلك التبيين (يبين الله لكم الآيات) الدالة على ما شرعه لكم من الأحكام (والله عليم) أي كثير العلم بالمعلومات (حكيم) كثير الحكمة في أفعاله. وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (60) (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم) بين سبحانه هاهنا حكم الأطفال الأحرار إذا بلغوا الحلم، بعد ما بين فيما مر حكم الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، في أنه لا جناح عليهم في ترك الاستئذان، فيما عدا الأوقات الثلاثة فقال (فليستأذنوا) إذا دخلوا عليكم في جميع الأوقات (كما استأذن الذين من قبلهم) الموصول عبارة عن الذين قيل لهم لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا الآية، والمعنى استئذاناً كما استأذن الأحرار الكبار الذين أمروا بالاستئذان من غير استثناء. قال عطاء: واجب على الناس أن يستأذنوا إذا احتلموا، أحراراً كانوا، أو عبيداً. وسئل حذيفة أيستأذن الرجل على والدته؟ قال: نعم. إن لم تفعل رأيت منها ما تكره. وقال الزهري وسعيد بن المسيب: يستأذن الرجل على أمه وفي هذا المعنى نزلت هذه الآية. (كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم) بأمور خلقه فيما يبين من الأحكام (حكيم) بما دبر وشرع من مصالح الأنام

النور 24:60

(والقواعد من النساء) المراد بهن العجائز اللاتي قعدن عن الحيض، أو عن الاستمتاع، أو عن الولد من الكبر، فلا يلدن ولا يحضن واحدتها قاعد، بلا هاء ليدل حذفها على أنه قعود الكبر، كما قالوا امرأة حامل ليدل حذف الهاء على أنه حمل حبل ويقال قاعدة في بيتها، وحاملة على ظهرها، قال الزجاج: هن اللاتي قعدن عن التزويج وهو معنى قوله: (اللاتي لا يرجون نكاحاً) أي لا يطمعن فيه لكبرهن، وقال أبو عبيدة: اللاتي قعدن عن الولد وليس هذا بمستقيم، لأن المرأة تقعد عن الولد وفيها مستمتع. وقيل هن العجائز اللواتي إذا رآهن الرجال استقذروهن. فأما من كانت فيها بقية جمال، وهي محل الشهوة فلا تدخل في حكم هذه الآية، ثم ذكر سبحانه حكم القواعد فقال: (فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن) التي تكون على ظاهر البدن كالجلباب، والرداء الذي فوق الثياب، والقناع الذي فوق الخمار، ونحوها، لا الثياب إلى العورة الخاصة، والخمار. وإنما جاز لهن ذلك لانصراف الأنفس عنهن، إذ لا رغبة للرجال فيهن، فأباح الله سبحانه لهن ما لم يبحه لغيرهن. وعن ابن عباس في الآية قال: هي المرأة لا جناح عليها أن تجلس في بيتها بدرع وخمار، وتضع عنها الجلباب، ما لم تتبرج بما كرهه الله. وعنه أنه كان يقرأ أن يضعن من ثيابهن، ويقول: هو الجلباب، وعن ابن عمر قال: تضع الجلباب، وعن ابن مسعود مثله، وزاد الرداء، ثم استثنى حالة من حالاتهن فقال: (غير متبرجات بزينة) أي غير مظهرات للزينة التي أمرن بإخفائها في قوله (ولا يبدين زينتهن) لينظر إليهن الرجال، أو زينة خفية كقلادة، وسوار وخلخال. والتبرج التكشف، والظهور للعيون والتكلف في إظهار ما يخفي وإظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال، ومنه بروج مشيدة، وبروج السماء. ومنه قولهم سفينة بارجة أي لا غطاء عليها. (وأن يستعففن) أي وأن يتركن وضع الثياب، ويطلبن العفة عنه، وقرئ بغير السين (خير لهن والله سميع عليم) أي كثير السماع، والعلم بليغهما.

النور 24:61

لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج) اختلف أهل العلم في هذه الآية، هل هي محكمة أو منسوخة، قال بالأول جماعة من العلماء وبالثاني جماعة، قيل أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، ويقولون لهم. قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرجون من ذلك. وقالوا: لا ندخلها وهم غيب، فنزلت هذه الآية رخصة لهم، فمعنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيوت أقاربهم، أو بيوت من يدفع إليهم المفتاح، إذا خرج للغزو قال النحاس: وهذا القول من أجل ما روى في الآية لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف، وقيل: إن هؤلاء المذكورين كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء، حذاراً من استقذارهم إياهم، وخوفاً من تأذيهم بأفعالهم فنزلت. وقيل: إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به القدرة الكاملة على المشي على وجه يتعذر الإتيان به مع العرج، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه، وقيل؛ المراد بهذا الحرج المدفوع عن هؤلاء، هو الحرج في الغزو أي لا حرج على هؤلاء في تأخرهم عن الغزو، وقيل: كان الرجل إذا أدخل أحداً من هؤلاء الزمنى إلى بيته، فلم يجد شيئاً يطعمهم إياه ذهب بهم إلى بيوت قرابته فيتحرج الزمنى من ذلك فنزلت. وعن سعيد بن جبير قال: لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل): قالت الأنصار: ما بالمدينة مال أعز من الطعام؟ كانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى، يقولون: إنه لا يبصر موضع الطعام، وكانوا يتحرجون الأكل مع الأعرج، يقولون: إن الصحيح يسبقه إلى المكان، ولا يستطيع أن يزاحم. ويتحرجون الأكل مع المريض، يقولون لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح، وكانوا يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقاربهم، فنزلت ليس على الأعمى، يعني في الأكل مع الأعمى وعن مقسم نحوه. وعن مجاهد قال: كان الرجل يذهب بالأعمى، أو الأعرج، أو المريض إلى بيت أمه أو بيت أخيه أو بيت عمه أو بيت عمته أو بيت خاله، أو بيت خالته فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلا بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم، وعن عائشة قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فيدفعون مفاتيحهم إلى زمناهم، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب نفس، وإنما نحن زمنى، فأنزل الله: (ولا على أنفسكم أن تأكلوا) إلى قوله (أو ما ملكتم مفاتحه) كما سيأتي. وعن ابن عباس قال: لما نزلت (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكف الناس عن ذلك، فأنزل الله (ليس على الأعمى حرج)، إلى قوله (أو ما ملكتم مفاتحه) وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته. والذي رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام والتمر وشرب اللبن وكانوا أيضاً يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم فقال ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً. وعن الضحاك قال: كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض، ولا أعرج، لا يستطيع المزاحمة على الطعام فنزلت رخصة في مؤاكلهم، وعن الزهري أنه سئل عن قوله (ليس على الأعمى حرج)، ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا؟ فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرجون من ذلك، يقولون لا ندخلها، وهم غيّب، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم. (ولا على أنفسكم) أي عليكم، وعلى من يماثلكم من المؤمنين، وهذا ابتداء كلام مستأنف، أي ولا عليكم أيها الناس، والحاصل أن رفع الحرج عن الأعمى والأعرج، والمريض. إن كان باعتبار مؤاكلة الأصحاء، أو دخول بيوتهم، فيكون ولا على أنفسكم متصلاً بما قبله، وإن كان رفع الحرج عن أولئك باعتبار التكاليف التي يشترط فيها وجود البصر، وعدم العرج، وعدم المرض، فقوله (ولا على أنفسكم)، ابتداء كلام غير متصل بما قبله. (أن تأكلوا) أنتم ومن معكم (من بيوتكم) أي البيوت التي فيها متاعكم، وأهلكم، فيدخل بيوت الأولاد، وكذا قال المفسرون لأنها داخلة في بيوتهم، لكون بيت ابن الرجل بيته، فلذا لم يذكر سبحانه بيوت الأولاد وذكر بيوت الآباء، وبيوت الأمهات ومن بعدهم. قال النحاس، وعارض بعضهم هذا، فقال: هذا تحكم على كتاب الله سبحانه، بل الأولى في الظاهر أن يكون الإبن مخالفاً لهؤلاء، ويجاب عن هذه العارضة، بأن رتبة الأولاد بالنسبة إلى الآباء، لا تنقص عن رتبة الآباء بالنسبة إلى الأولاد، بل للآباء خصوصية في أموال الأولاد، لحديث أنت ومالك لأبيك، وحديث ولد الرجل من كسبه. وقد ذكر سبحانه بيوت الإخوة والأخوات، بل بيوت الأعمام والعمات بل بيوت الأخوال والخالات، فكيف ينفي سبحانه الحرج عن الأكل من بيوت هؤلاء، ولا ينفيه عن بيوت الأولاد أو المعنى من بيوت أزواجكم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج، ولأن الزوجين صارا كنفس واحدة، وقيل أراد من أموال عيالكم، والعموم أولى فيشمل الكل. (أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ) وقد قيد بعض العلماء جواز الأكل من بيوت هؤلاء بالإذن منهم، لأن الإذن ثابت دلالة وقال آخرون: يشترط الإذن قيل هذا إذا كان الطعام مبذولاً، فإن كان محرزاً دونهم، لم يجز لهم كله قال الخطيب: وهؤلاء يكفي فيهم أدنى قرينة، بل ينبغي أن يشترط فيهم أن لا يعلم عدم الرضا بخلاف غيرهم من الأجانب، فلا بد فيهم من صريح الإذن أو قرينة قوية هذا ما ظهر لي، ولم أر من تعرض لذلك، ثم قال سبحانه: (أو ما ملكتم مفاتحه) أي البيوت التي تملكون التصرف فيها. بإذن أربابها وذلك كالوكلاء، والخزان فيهم فإنهم يملكون التصرف في بيوت من أذن لهم بدخول بيته وإعطائهم مفتاحه، وقيل المراد بها بيوت المماليك، قرئ ملكتم بفتح الميم وتخفيف اللام وبضم الميم وكسر اللام مع تشديدها وقرئ مفاتيحه ومفتاحه على الإفراد، والمفاتح جمع مفتح، والمفاتيح جمع مفتاح. (أو صديقكم) أي لا جناح عليكم أن تأكلوا من بيوت صديقكم، وإن لم يكن بينكم وبينه قرابة فإن الصديق في الغالب يسمح لصديقه بذلك وتطيب به نفسه والصديق يطلق على الواحد، والجمع ومثله العدو، والخليط والفطين والعشير قال قتادة: إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته. ثم أكلت من طعامه بغير إذنه لم يكن بذلك بأس. وعن ابن زيد قال: هذا شيء قد انقطع، إنما كان هذا في أوله، ولم يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة فربما دخل الرجل البيت، وليس فيه أحد فربما وجد الطعام، وهو جائع فسوغه الله أن يأكله، وقال: ذهب ذلك اليوم؛ البيوت فيها أهلها فإذا خرجوا أغلقوا. قال النسفي: فأما الآن فقد غلب الشح على الناس. فلا يؤكل إلا بإذن، انتهى، قال المحلي: المعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر؛ وإن لم يحضروا أي الأصناف الأحد عشر. إذا علم رضاهم به بصريح اللفظ، أو بالقرينة وإن كانت ضعيفة، وخصوا هؤلاء بالذكر، لأن العادة جارية بالتبسط بينهم وقيل إن هذا كان جائزاً في صدر الإسلام ثم نسخ والأول أولى، ثم قال سبحانه (وليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً) أي مجتمعين أو مفترقين جمع شت، وهو المصدر بمعنى التفرق، يقال: شت القوم، أي: تفرقوا، وهذا كلام مستأنف مشتمل على بيان حكم آخر، من جنس ما قبله وقد كان بعض العرب يتحرج أن يأكل وحده، حتى يجد له أكيلاً يؤاكله فيأكل معه وبعض العرب كان لا يأكل إلا مع ضيف. قال قتادة: كان هذا الحي من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده، في الجاهلية، حتى إن كان الرجل يسوق الذود الحفل، وهو جائع، حتى يجد من يؤاكله، ويشاربه فأنزل الله هذه الآية. وعن عكرمة وأبي صالح قالا: كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم فنزلت رخصة لهم وعن ابن عباس قال: خرج الحرث غازياً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف على أهله خالد بن يزيد فحرج أن يأكل من طعامه وكان مجهوداً فنزلت وقد ترجم البخاري في صحيحه باب قوله تعالى هذا، ومقصوده فيما قال أهل العلم في هذا الباب إباحة الأكل جميعاً وإن اختلفت أحوالهم في الأكل فقد سوغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك فصار سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد والولائم والإملاق في السفر وما ملكت مفاتحه بأمانة أو قرابة أو صداقة فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك، والنهد ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر نفقتهم ينفقونه بينهم. قال ابن دريد: يقال من ذلك تناهد القوم الشيء بينهم قال المزي وفي حديث الحسن: أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم والنهد ما تخرجه الرفقة عند المناهدة وهو استقسام النفقة بالسوية بالسفر وغيره (فإذا دخلتم بيوتاً) هذا شروع في بيان أدب آخر أدب به عباده أي إذا دخلتم بيوتاً غير البيوت التي تقدم ذكرها (فسلموا على أنفسكم) أي على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم، وقيل المراد البيوت المذكورة سابقاً وعلى القول الأول فقال الحسن والنخعي: هي المساجد والمراد سلموا على من فيها من صنفكم فإن لم يكن في المساجد فقيل يقول: السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل يقول السلام عليكم مر الملائكة، وقال بالقول الثاني أعني أنها البيوت المذكورة سابقاً جماعة من الصحابة والتابعين، وقيل المراد بالبيوت هنا كل البيوت المسكونة وغيرها فيسلم على أهل المسكونة. وأما غير المسكونة فيسلم على نفسه بأن يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، قال ابن العربي: القول بالعموم في البيوت هو الصحيح ولا دليل على التخصيص، وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه فإذا دخل بيتاً لغيره استأذن (تحية) أي فحيوا تحية ثابتة صادرة مشروعة. (من عند الله) أي من جهته ومن لدنه يعني أن الله حياكم بها، وقال الفراء: إن الله أمركم أن تفعلوها طاعة له، ثم وصف هذه التحية فقال: (مباركة) أي كثيرة البركة والخير دائمتهما يثاب عليها (طيبة) أي تطيب بها نفس المستمع، وقيل حسنة جميلة، وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب، قال ابن عباس في الآية: وهو السلام لأنه اسم الله وهو تحية أهل الجنة. وعن جابر بن عبد الله قال: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة، أخرجه البخاري وغيره، وعن ابن عباس قال: هو المسجد إذا دخلته فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وعن ابن عمر قال: إذا دخلت البيت غير المسكون أو المسجد فقل: السلام الخ. (كذلك يبين الله لكم الآيات) أي يفصل لكم معالم دينكم تأكيداً لما سبق، وقد قدمنا أن الإشارة بذلك إلى مصدر الفعل (لعلكم تعقلون) تعليل لذلك التبين برجاء يعقل آيات الله سبحانه وفهم معانيها. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (62) لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (64)

النور 24:62

(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله) مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدمها من الأحكام، وإنما من صيغ الحصر، والمعنى لا يتم إيمان ولا يكمل حتى يؤمن بالله ورسوله (وإذا كانوا معه) أي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو صلة ثانية ومحط الكمال (على أمر جامع) أي طاعة يجتمعون عليها نحو الجمعة والجماعة والنحر والفطر والجهاد أو تشاور في أمر وأشباه ذلك. وسمى الأمر جامعاً مبالغة، وفيه إسناد مجازى لأن الأمر لما كان سبباً في جمعهم نسب الجمع إليه مجازاً، وقرئ على أمر جميع والحاصل أن الأمر الجامع والجميع هو الذي يعم نفعه أو ضرره وهو الأمر الجليل الذي يحتاج إلى اجتماع أهل الرأي والتجارب. (لم يذهبوا) أي يتفرقوا عنه ولم ينصرفوا عما اجتمعوا له لعروض عذر لهم (حتى يستأذنوه) واعتبار هذا في كمال إيمانهم لأنه كالمصداق لصحته والمميز المخلص فيه عن المنافق، فإن ديدنه وعادته التسلل والفرار، ولتعظم الجرم في الذهاب عن مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير إذنه. قال المفسرون: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صعد المنبر يوم الجمعة وأراد الرجل أن يخرج من المسجد لحاجة أو لعذر لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث يراه فيعرف أنه إنما قام ليستأذن فيأذن لمن يشاء منهم قال مجاهد: وإذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده، قال الزجاج: أعلم الله أن المؤمنين إذا كانوا مع نبيهم فيما يحتاج فيه إلى الجماعة لم يذهبوا حتى يستأذنوه وكذلك ينبغي أن يكونوا مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه في جمع من جموعهم إلا بإذنه، وللإمام أن يأذن على ما يرى لقوله فأذن لمن شئت منهم قال العلماء: كل أمر اجتمع عليه المسلمون مع الإمام لا يخالفونه ولا يرجعون عنه إلا بإذن. ثم قال سبحانه مؤكداً على أسلوب أبلغ ومعظماً لهذا الأمر (إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله) فبين سبحانه أن المستأذنين هم المؤمنون بالله ورسوله، كما حكم أولاً بأن المؤمنين الكاملي الإيمان هم الجامعون بين الإيمان بهما وبين الاستئذان وأن الذاهب بغير إذن ليس كذلك. (فإذا استأذنوك لبعض شأنهم) أي لأجل بعض الأمور التي يهمهم كما وقع لسيدنا عمر حين خرج مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك حيث استأذن الرسول في الرجوع إلى أهله فأذن له النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: ارجع فلست بمنافق (فأذن لمن شئت منهم) فإنه يأذن لمن شاء منهم ويمنع من شاء على حسب ما تقتضيه المصلحة التي يراها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفيه رفع شأنه - صلى الله عليه وسلم -. واستدل به على أن بعض الأحكام مفوض إلى رأيه ومن منع ذلك قيد المشيئة بأن تكون تابعة لعلمه بصدقه، أي فأذن لمن علمت أن له عذراً، ثم أرشده الله سبحانه إلى الاستغفار لهم فقال: (واستغفر لهم الله) بعد الإذن فيه إشارة إلى أن الاستئذان وإن كان لعذر مسوغ فلا يخلو عن شائبة تأثير أمر الدنيا على الآخرة، لأن اغتنام مجالسه أولى من الاستئذان (إن الله غفور رحيم) أي كثير المغفرة لفرطات العباد والرحمة بالتيسير عليهم، بالغ فيهما إلى الغاية التي ليس وراءها غاية.

النور 24:63

(لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) مستأنفة مقررة لما قبلها أي لا تجعلوا دعوته إياكم كالدعاء من بعضكم لبعض في التساهل في بعض الأحوال عن الإجابة بل أجيبوه فوراً وإن كنتم في الصلاة أو الرجوع بعير استئذان أو رفع الصوت وقال سعيد بن جبير ومجاهد: المعنى قولوا يا رسول الله برفق ولين ولا تقولوا يا محمد بتجهم وعلى هذا جماعة كثيرة وقال قتادة: أمرهم أن يشرفوه ويفخموه، وقيل المعنى لا تتعرضوا الدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة. وقيل: المعنى يجب عليكم المبادرة لأمره، واختاره أبو العباس، ويؤيده قوله: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) وقيل معناه لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم، وكبيركم وفقيركم، وغنيكم، يسأله حاجة، فربما تجاب دعوته وربما لا تجاب فإن دعوات الرسول مسموعة مستجابة، وعن سعيد بن جبير في الآية قال: يعني كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه، ولكن وقروه، وقولوا له: يا رسول الله؛ يا نبي الله، قال: لا تصيحوا به من بعيد: يا أبا القاسم!! ولكن كما قال الله في الحجرات: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله)، والأول أولى. (قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً) أي: يخرجون وينسلون من المسجد في الخطبة واحداً بعد واحد، من غير استئذان، خفية مستترين بشيء، و (قد) للتحقيق، والتسلل: الخروج من البين في خفية. يقال: تسلل فلان من بين أصحابه، إذا خرج من بينهم، واللواذ من الملاوذة، وهو أن تستر بشيء مخافة من يراك؛ وأصله أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا واللوذ ما يطيف بالجبل، وقيل اللواذ الروغان من شيء إلى شيء في خفية، أي متلاوذين، يلوذ بعضهم ببعض، وينضم إليه، وقيل: يلوذون لواذاً، وقرئ: لَوَاذ بفتح اللام. وفي الآية بيان ما كان يقع من المنافقين، فإنهم كانوا يتسللون عن صلاة الجمعة متلاوذين ينضم بعضهم إلى بعض استتاراً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان يوم الجمعة أثقل يوم على المنافقين لما يرون من الاجتماع للصلاة والخطبة، فكانوا يفرون عن الحضور ويتسللون في خفية، ويستتر بعضهم ببعض، وينضم إليه وقيل اللواذ الفرار من الجهاد، وبه قال الحسن عن مقاتل قال: كان لا يخرج أحد لرعاف أو إحداث حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يشير إليه بأصبعه التي تلي الإبهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وآله وسلم يشير إليه بيده. وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة، والجلوس في المسجد فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستر به حتى يخرج، فأنزل الله هذه الآية، أخرجه أبو داود في مراسيله. (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي: يخالفون أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بترك العمل بمقتضاه، ويذهبون سمتاً خلاف سمته، وعُدِّيَ فعل المخالفة بعن، مع كونه متعدياً بنفسه لتضمينه، معنى الإعراض، أو الصد. وقيل الضمير لله سبحانه لأنه الآمر بالحقيقة. قال أبو عبيدة والأخفش (عن) زائدة هنا، وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة، بل هي بمعنى: بعد كقوله: (ففسق عن أمر ربه)، أي: بعد أمر ربه، والأولى ما ذكرناه من التضمين. (أن تصيبهم فتنة) أي: فليحذر المخالفون عن أمر الله، أو أمر رسوله، أو أمرهما جميعاً إصابة فتنة لهم، والفتنة هنا غير مقيدة بنوع من أنواع الفتن، وقيل: هي القتل. وقيل: الزلازل. وقيل: تسلط سلطان جائر. وقيل: الطبع على قلوبهم. وقيل: إسباغ النعم استدراجاً، أو محنة في الدنيا. (أو يصيبهم عذاب أليم) أي: في الآخرة، كما أن الفتنة التي حذرهم من إصابتها لهم هي في الدنيا، وكلمة (أو) لمنع الخلو، قال القرطبي: احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب بهذه الآية، ووجه ذلك أن الله سبحانه حذرهم من مخالفة أمره، وتوعد بالعقاب عليها، بقوله: (أن تصيبهم فتنة) الآية، فيجب امتثال أمره، ويحرم مخالفته، والآية تشمل كل من خالف أمر الله، وأمر رسوله.

النور 24:64

(ألا إن لله) تنبيه على أن لا يخالفوا أمر من له (ما في السماوات والأرض) من المخلوقات بأسرها فهي ملكه، وخلقه وعبيده (قد يعلم ما أنتم عليه) أيها العباد من الأحوال التي أنتم عليها، فيجازيكم بحسب ذلك، ويعلم هاهنا بمعنى علم، وأدخل قد ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين الحق، ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد. (ويوم) أي ويعلم يوم (يرجعون إليه) فيجازيهم فيه بما عملوا، وفيه التفات عن الخطاب، وتعليق علمه سبحانه بيوم الرجوع لا بنفس رجوعهم لزيادة تحقق علمه، لأن العلم بوقت وقوع الشيء يستلزم العلم بوقوعه على أبلغ وجه (فينبئهم بما عملوا) من الأعمال التي من جملتها مخالفة الأمر، والظاهر من السياق أن هذا الوعيد للمنافقين. (والله بكل شيء عليم) لا يخفى عليه شيء من أعمالهم وغيرها، عن عقبة بن عامر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو يقرأ هذه الآية في خاتمة سورة النور، وهو جاعل أصبعيه تحت عينيه. يقول: بكل شيء بصير، أخرجه الطبراني وغيره. قال السيوطي بسند حسن.