Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — غافر 40:1 – الشورى 42:53
المحتويات
- غافر 40:1
- غافر 40:2
- غافر 40:3
- غافر 40:4
- غافر 40:5
- غافر 40:6
- غافر 40:7
- غافر 40:8
- غافر 40:9
- غافر 40:10
- غافر 40:11
- غافر 40:12
- غافر 40:13
- غافر 40:14
- غافر 40:15
- غافر 40:16
- غافر 40:17
- غافر 40:18
- غافر 40:19
- غافر 40:20
- غافر 40:21
- غافر 40:22
- غافر 40:23
- غافر 40:24
- غافر 40:25
- غافر 40:26
- غافر 40:27
- غافر 40:28
- غافر 40:29
- غافر 40:30
- غافر 40:31
- غافر 40:32
- غافر 40:33
- غافر 40:34
- غافر 40:35
- غافر 40:36
- غافر 40:37
- غافر 40:38
- غافر 40:39
- غافر 40:40
- غافر 40:41
- غافر 40:42
- غافر 40:43
- غافر 40:44
- غافر 40:45
- غافر 40:46
- غافر 40:47
- غافر 40:48
- غافر 40:49
- غافر 40:50
- غافر 40:51
- غافر 40:52
- غافر 40:53
- غافر 40:54
- غافر 40:55
- غافر 40:56
- غافر 40:57
- غافر 40:58
- غافر 40:59
- غافر 40:60
- غافر 40:61
- غافر 40:62
- غافر 40:63
- غافر 40:64
- غافر 40:65
- غافر 40:66
- غافر 40:67
- غافر 40:68
- غافر 40:69
- غافر 40:70
- غافر 40:71
- غافر 40:72
- غافر 40:73
- غافر 40:74
- غافر 40:75
- غافر 40:76
- غافر 40:77
- غافر 40:78
- غافر 40:79
- غافر 40:80
- غافر 40:81
- غافر 40:82
- غافر 40:83
- غافر 40:84
- غافر 40:85
- فصلت 41:1
- فصلت 41:2
- فصلت 41:3
- فصلت 41:4
- فصلت 41:5
- فصلت 41:6
- فصلت 41:7
- فصلت 41:8
- فصلت 41:9
- فصلت 41:10
- فصلت 41:11
- فصلت 41:12
- فصلت 41:13
- فصلت 41:14
- فصلت 41:15
- فصلت 41:16
- فصلت 41:17
- فصلت 41:18
- فصلت 41:19
- فصلت 41:20
- فصلت 41:21
- فصلت 41:22
- فصلت 41:23
- فصلت 41:24
- فصلت 41:25
- فصلت 41:26
- فصلت 41:27
- فصلت 41:28
- فصلت 41:29
- فصلت 41:30
- فصلت 41:31
- فصلت 41:32
- فصلت 41:33
- فصلت 41:34
- فصلت 41:35
- فصلت 41:36
- فصلت 41:37
- فصلت 41:38
- فصلت 41:39
- فصلت 41:40
- فصلت 41:41
- فصلت 41:42
- فصلت 41:43
- فصلت 41:44
- فصلت 41:45
- فصلت 41:46
- فصلت 41:47
- فصلت 41:48
- فصلت 41:49
- فصلت 41:50
- فصلت 41:51
- فصلت 41:52
- فصلت 41:53
- فصلت 41:54
- الشورى 42:1
- الشورى 42:3
- الشورى 42:4
- الشورى 42:5
- الشورى 42:6
- الشورى 42:7
- الشورى 42:8
- الشورى 42:9
- الشورى 42:10
- الشورى 42:11
- الشورى 42:12
- الشورى 42:13
- الشورى 42:14
- الشورى 42:15
- الشورى 42:16
- الشورى 42:17
- الشورى 42:18
- الشورى 42:19
- الشورى 42:20
- الشورى 42:21
- الشورى 42:22
- الشورى 42:23
- الشورى 42:24
- الشورى 42:25
- الشورى 42:26
- الشورى 42:27
- الشورى 42:28
- الشورى 42:29
- الشورى 42:30
- الشورى 42:31
- الشورى 42:32
- الشورى 42:33
- الشورى 42:34
- الشورى 42:35
- الشورى 42:36
- الشورى 42:37
- الشورى 42:38
- الشورى 42:39
- الشورى 42:40
- الشورى 42:41
- الشورى 42:42
- الشورى 42:43
- الشورى 42:44
- الشورى 42:45
- الشورى 42:46
- الشورى 42:47
- الشورى 42:48
- الشورى 42:49
- الشورى 42:50
- الشورى 42:51
- الشورى 42:52
- الشورى 42:53
غافر 40:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة غافر
وهي سورة المؤمن وتسمى سورة الطول وهي خمس وثمانون آية
وقيل اثنتان وثمانون آية قاله القرطبي، وهي مكيّة في قول عطاء وجابر وعكرمة، قال الحسن إلا قوله: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) لأن الصلوات نزلت بالمدينة وقال ابن عباس وقتادة إلا آيتين نزلتا بالمدينة وهما (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ) والتي بعدها، وكذا نص عليه السيوطي في الإتقان، وفي لب الأصول في أسباب النزول، قال ابن عباس أنزلت حم المؤمن بمكة، وعن سمرة بن جندب قال نزلت الحواميم جميعاً بمكة.
وأخرج محمد بن نصر وابن مردويه عن أنس بن مالك سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " إن الله أعطاني السبع الحواميم مكان التوراة، وأعطاني الراءات إلى الطواسين مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي، وقال ابن عباس إن لكل شيء لباباً، وإن لباب القرآن حم، قال ابن مسعود الحواميم ديباج القرآن، وعنه قال: " إذا وقعت في آل حم وقعت في روضات دمثات أتأنق فيهن " [[السيوطي في الدر 5/ 344.]].
وعن سعد بن إبراهيم الحواميم تسمى العرائس، رواه الدارمي في مسنده، وقال الجوهري آل حم سور في القرآن، فأما قول العامة الحواميم فليس من كلام العرب، وبه قال الحريري في درة الغواص قال أبو عبيدة الحواميم على غير قياس، والأولى أن تجمع بذوات حم انتهى، فتلخص من مجموع هذه الأخبار أن هذه السور السبع تسمى الحواميم، وتسمى ال حم، وتسمى ذوات حم فلها جموع ثلاثة خلافاً لمن أنكر الأول منها.
وأخرج البيهقي في الشعب عن خليل بن مرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " الحواميم سبع وأبواب النار سبع يجيء كل حم منا يقف على باب من هذه الأبواب، يقول اللهم لا تدخل من هذا الباب من كان يؤمن بي ويقرؤني ".
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (2) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)
(بسم الله الرحمن الرحيم
حم) قرأ الجمهور بفتح الحاء مشبعاً [[الحاء من حروف (حس طهر) وكلها تمد مداً طبيعياً.]]، وقرىء بإمالته إمالة محضة، وبإمالته بين بين وقرأ الجمهور بسكون الميم كسائر الحروف المقطعة وقرأ الزهري بضمها على أنها خبر مبتدأ مضمر أو مبتدأ والخبر ما بعده وقرأ عيسى بن عمر الثقفي بفتحها، وهي تحتمل وجهين أحدهما أنها منصوبة بفعل مقدر، أي اقرأ حم، وإنما منعت من الصرف للعلمية والتأنيث، أو للعلمية وشبه العجمة وذلك إنه ليس في الأوزان العربية وزن فاعيل بخلاف الأعجمية، نحو قابيل وهابيل والثاني أنها حركة بناء تخفيفاً كأين وكيف، وقرأ ابن أبي إسحق وأبو السماك بكسرها لالتقاء الساكنين. أو بتقدير القسم وقرأ الجمهور بوصل الحاء بالميم، وقرأ أبو جعفر بقطعها.
وقد اختلف في معناه فقيل: هو اسم من أسماء الله قاله أبو أمامة، وقيل اسم من أسماء القرآن قاله قتادة، وقال الضحاك والكسائي: معناه قضى، وجعلاه بمعنى حم أي وقع وقضى، وقيل: مفاتيح خزائنه، وقيل: اسم الله الأعظم، وقيل بدء أسماء الله تعالى كحميد وحليم وحكيم وحنان، وكمالك ومجيد ومنان ومتكبر ومصور ومؤمن ومهيمن، وقيل معناه حم أمر الله أي قرب نصره لأوليائه، وانتقامه من أعدائه؛ وهذا كله تكلف لا موجب له؛ وتعسف لا ملجىء إليه، والحق أن هذه الفاتحة لهذه السورة وأمثالها من المتشابه الذي استأثر الله بعلم معناه، كما قدمنا تحقيقه في فاتحة سورة البقرة.
وأخرج الترمذي والحاكم وصححه، وأبو داود وغيرهم، عن المهلب ابن أبي صفرة قال: حدثني من سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول ليلة الخندق " إن أتيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون "، وعن البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنكم تلقون عدوكم فليكن شعاركم حم لا ينصرون " أخرجه النسائي والحاكم وابن أبي شيبة.
غافر 40:2
(تنزيل الكتاب) هو خبر لحم على تقدير أنه مبتدأ أو خبر لمبتدأ مضمر أي هذا تنزيل أو هو مبتدأ وخبره (من الله) قال الرازي: المراد بالتنزيل المنزل، والمعنى أن القرآن منزل من عند الله ليس بكذب عليه (العزيز) المنيع بسلطانه الغالب، القاهر في ملكه (العليم) الكثير العلم بخلقه، وما يقولونه ويفعلونه، فهو تهديد للمشركين وبشارة للمؤمنين.
غافر 40:3
(غافر الذنب) أي ذنب المؤمنين، وعن ابن عمر قال: ساتر الذنب لمن يقول: لا إله إلا الله (وقابل التوب) أي توبة الراجعين أو عمن يقول: لا إله إلا الله. والتوب والثوب والأوب أخوات في معنى الرجوع مصادر، وقال الأخفش: التوب جمع توبة، كدوم ودومة، وإدخال الواو في هذا الوصف لإفادة الجمع للمذنب التائب بين قبول توبته ومحو حوبته قاله العمادي أو لتغاير الوصفين إذ ربما يتوهم الاتحاد قاله البيضاوي.
(شديد العقاب) أي مشدودة لمن لا يقول: لا إله إلا الله، أو على المخالفين والكافرين، وقيل: قابل التوب لأوليائه، وشديد العقاب لأعدائه وقيل قابل التوب من الشرك وشديد العقاب لمن لا يوحده (ذي الطول) أي ذي الفضل على العارفين، أو الغني عن كل العالمين وأصل الطول الإنعام والتفضل أي ذي الإنعام على عباده والتفضل عليهم، وقال مجاهد وابن عباس: ذي الغنى والسعة، ومنه قوله: (ومن لم يستطع منكم طولاً) أي غنى وسعة، وقال عكرمة: ذي المن قال الجوهري والطول بالفتح لمن يقال: منه طال عليه ويطول عليه إذا امتن عليه. وقال محمد بن كعب: ذي التفضل قال الماوردي والفرق بين المن والتفضل أن المن عفو عن ذنب، والتفضل إحسان غير مستحق، والله سبحانه موصوف على الدوام بكل من هذه الصفات، فإضافة المشتق منها للتعريف كالأخيرة، وقال السمين: فيها ثلاثة أوجه أحدها أنها كلها صفات للجلالة، الثاني أن الكل أبدال، لأن اضافتها غير محضة الثالث أن غافر وقابل نعتان، وشديد العقاب بدل انتهى.
ثم ذكر ما يدل على توحيده، وأنه الحقيق بالعبادة فقال: (لا إله إلا هو) استئناف أو حال لازمة، وقال أبو البقاء: صفة قال ابن عادل: وهذا على ظاهره فاسد، لأن الجملة لا تكون صفة للمعارف، ويمكن أن يريد أنه صفة لشديد العقاب لأنه لم يتعرف عنده بالإضافة (إليه) لا إلى غير (المصير) أي مصير من يقول لا إله إلا الله فيدخل الجنة ومصير من لا يقول لا إله إلا الله فيدخل النار، وذلك في اليوم الآخر، قال الكرخي حال من الجملة قبله.
أخرج أبو عبيدة وابن سعد ومحمد بن نصر وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ حم المؤمن إلى: إليه المصير وآية الكرسي حين يصبح حفظ بهما حتى يمسي، ومن قرأهما حين يمسي حفظ بهما حتى يصبح " [[ضعيف الجامع الصغير 5781/مشكاة المصابيح 2144.]]
ثم لما ذكر الله سبحانه أن القرآن كتاب الله أنزله ليهتدى به في الدين. ذكر أحوال من يجادل فيه لقصد إبطاله فقال: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ (4) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ (5) وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (6)
غافر 40:4
(مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) أي ما يخاصم في دفع آيات الله وتكذيبها بالطعن فيها إلا الكفار، والمراد الجدال بالباطل، القصد إلى دحض الحق، كما في قوله وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأما الجدال لاستيضاح الحق وإيضاح الملتبس، وحل المشكل وتكذيبها، وكشف المعضل، واستنباط المعاني، ورد أهل الزيغ بها، ورفع اللبس، والبحث عن الراجح والمرجوح، وعن المحكم والمتشابه، ودفع ما يتعلق به المبطلون من متشابهات القرآن، وردهم بالجدال إلى المحكم، فهو من أعظم ما يتقرب به المتقربون، وأفضل ما يجاهد في سبيله المجاهدون، وبذلك أخذ الله الميثاق على الذين أوتوا الكتاب فقال:
(وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه) وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) وقال: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن).
فتلخص أن الجدال نوعان، جدال في تقرير الحق؛ وجدال في تقرير الباطل؛ أما الأول فهو حرفة الأنبياء عليهم السلام، ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم نوح (يا نوح قد جادلتنا) وأما الثاني فهو مذموم، وهو المراد بهذه الآية، فجدالهم في آيات الله هو قولهم مرة هذا سحر، ومرة شعر، ومرة هو قول الكهنة، ومرة (أساطير الأولين) ومرة (إنما يعلمه بشر) وأشباه هذا قاله الكرخي. وأخرج عبد بن حميد وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن جدالاً في القرآن كفر "، وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المراء في القرآن كفر " [[صحيح الجامع 6563 - المشكاة/236.]]، أخرجه أبو داود وغيره.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال " هاجرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج يعرف في وجهه الغضب فقال إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب " [[صحيح الجامع 2370.]]، أخرجه مسلم، قال أبو العالية آيتان ما أشدهما على الذين يجادلون في القرآن هذه الآية، وقوله (وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد).
ولما حكم سبحانه على المجادلين في آيات الله بالكفر نهى رسوله صلى الله عليه وسلم عن أن يغتر بشيء من حظوظهم الدنيوية فقال:
(فلا يغررك تقلبهم في البلاد) أي فلا يغررك ما يفعلونه من التجارة النافقة في البلاد، كالشام واليمن، وما يحصلونه من المكاسب والأرباح، وما يجمعونه من الأموال سالمين غانمين، فإنهم معاقبون عما قليل، وإن أمهلوا لا يهملون، قال الزجاج: لا يغررك سلامتهم بعد كفرهم، فإن عاقبتهم الهلاك وهذا تسلية له صلى الله عليه وسلم ووعيد لهم، والفاء لترتيب النهي، أو وجوب الانتهاء على ما قبلها، من التسجيل عليهم بالكفر، الذي لا شيء أمقت منه عند الله، ولا أجلب لخسران الدنيا والآخرة قرأ الجمهور: لا يغررك بفك الإدغام وقرىء بالإدغام، وهو جواب لشرط مقدر، أي إذا تقرر عندك أن المجادلين في آيات الله كفار فلا يغررك الخ، ثم بين حال من كان قبلهم، وأن هؤلاء سلكوا سبيل أولئك في التكذيب فقال:
غافر 40:5
(كذبت قبلهم) أي قبل أهل مكة (قوم نوح والأحزاب من بعدهم) أي وكذبت الأحزاب الذين تحزبوا على الرسل من بعد قوم نوح، كعاد وثمود وغيرهما (وهمت كل أمة) من تلك الأمم المكذبة (برسولهم) الذي أرسل إليهم (ليأخذوه) أي ليتمكنوا منه فيحبسوه ويعذبوه، ويصيبوا منه ما أرادوا. وقال قتادة والسدى ليقتلوه، والأخذ قد يرد بمعنى الإهلاك كقوله: (فأخذتهم فكيف كان نكير) والعرب تسمي الأسير الأخيذ والأخذ بمعنى الأسر.
(وجادلوا) أي خاصموا رسولهم (بالباطل) من القول (ليدحضوا) أي ليزيلوا (به الحق) ومنه مكان دحض أي مزلقة، ومزلة أقدام، والباطل داحض لأنه يزلق ويزول فلا يستقر، قال يحيى بن سلام: جادلوا الأنبياء بالشرك ليبطلوا به الإيمان (فأخذتهم) أي فأخذت هؤلاء المجادلين بالباطل (فكيف كان عقاب) الذي عاقبتهم به وحذف ياء المتكلم اجتزاء بالكسرة عنها وصلاً ووقفاً لأنها رأس آية.
غافر 40:6
(وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ) أي وجبت وثبتت ولزمت، يقال: حق الشيء إذا لزم وثبت، والمعنى وكما حقت على الأمم المكذبة لرسلهم كلمة العذاب حقت كلمة ربك أي وعيده (على الذين كفروا) بك، وجادلوك بالباطل، وتحزبوا عليك، وهموا بما لم ينالوا، كما ينبىء عنه إضافة اسم الرب إلى ضميره صلى الله عليه وسلم فإن ذلك للإشعار بأن وجوب كلمة العذاب عليهم من إحكام تربيته التي من جملتها نصرته على أعدائه وتعذيبهم، قاله أبو السعود، وقرأ الجمهور كلمة بالتوحيد، وقرىء كلمات بالجمع وجملة.
(أنهم أصحاب النار) للتعليل أي لأجل أنهم مستحقون للنار، قال الأخفش: أي لأنهم، أو بأنهم وقال المحلي بدل من كلمة أي بدل الكل أو الاشتمال على إرادة اللفظ أو المعنى ثم ذكر أحوال حملة العرش ومن حوله فقال: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (7) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (8) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ (10)
غافر 40:7
(الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ) الموصول مبتدأ وخبره قوله: (يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا) والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ببيان أن هذا الجنس من الملائكة الذين هم أعلى طبقاتهم، وأولهم وجوداً يضمون إلى تسبيحهم لله، والإيمان به الاستغفار للذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا. وفيه دليل على أن الاشتراك في الإيمان يجب أن يكون أدعى شيء إلى النصيحة والشفقة، وإن تباعدت الأجناس وشطت الأماكن، والمراد بمن حول العرش هم الملائكة الذين يطوفون به مهللين مكبرين، وهم الكروبيون، وهو في محل رفع عطفاً على الذين الخ وهذا هو الظاهر، وقيل: يجوز أن يكون في محل نصب عطفاً على العرش والأول أولى.
والمعنى أن الملائكة الذين يحملون العرش وكذلك الملائكة الذين هم حول العرش ينزهون الله متلبسين بحمده على نعمه، ويؤمنون بالله ببصائرهم، ويستغفرون الله لعباده المؤمين به، وأخبر عنهم بالإيمان إظهاراً لفضله، وتعظيماً لأهله، ومساق الآية لذلك وهم اليوم أربعة، فإذا كان يوم القيامة أردفهم الله تعالى بأربعة أخر، كما قال تعالى:
(ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وهم أشرف الملائكة وأفضلهم، لقربهم من الله عز وجل، " وهم على صورة الأوعال، والعرش فوق ظهورهم "، ذكره القشيري وأخرجه الترمذي من حديث ابن عباس، واستفيد منه أن حمل الملائكة للعرش على ظهورها.
وقد وردت في بيان مسافة أظلافهم إلى ركبهم وأرجلهم وأقدامهم وما بين شحمة أذنهم إلى عاتقهم وألفاظ تسبيحهم أخبار وآثار، وكذا في صفة العرش وبعد ما بين السماء السابعة وبين العرش، والمعول عليه منها ما ورد في الصحيح ثم بين سبحانه كيفية استغفارهم للمؤمنين فقال حاكياً عنهم.
(ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلماً) أي وسع رحمتك كل شيء، وعلمك كل شيء، وتقديم الرحمة على العلم لأنها المقصودة بالذات ههنا، قاله البيضاوي وأبو السعود، لأن المقام مقام الاستغفار، وإلا فالعلم متقدم ذاتاً (فاغفر للذين تابوا) أي أوقعوا التوبة عن الذنوب، أو عن الشرك وإن كان عليهم ذنوب.
(واتبعوا سبيلك) وهو دين الإسلام (وقهم عذاب الجحيم) أي احفظهم منه واجعل بينهم وبينه وقاية بأن تلزمهم الاستقامة، وتتم نعمتك فإنك وعدت من كان كذلك بذلك، ولا يبدل القول لديك، وإن كان يجوز أن تفعل ما تشاء، وأن الخلق عبيدك.
غافر 40:8
(ربنا وأدخلهم جنات عدن) أي إقامة، معطوف على قوله قهم ووسط الجملة الندائية لقصد المبالغة بالتكرير، ووصف جنات عدن بأنها هي (التي وعدتهم) إياها (و) أدخل (من صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم) المراد بالصلاح هنا الإيمان بالله والعمل بما شرعه الله، فمن فعل ذلك فقد صلح لدخول الجنة، ويجوز عطف ومن صلح على الضمير في وعدتهم، أي ووعدت من صلح والأولى عطفه على الضمير الأول في وأدخلهم، لأن الدعاء لهم بالإدخال عليه صريح وعلى الثاني ضمني.
والمعنى ساو بينهم ليتم سرورهم، قرأ الجمهور بفتح اللام من صلح، وذرياتهم على الجمع، وقرأ ابن أبي عبلة بضم اللام، وقرأ عيسى بن عمر على الافراد (إنك أنت العزيز الحكيم) أي الغالب القاهر الكثير الحكمة الباهرة.
غافر 40:9
(وقهم السيئات) يقال: وقاه يقيه وقاية أي حفظه والمعنى احفظهم عن العقوبات أو جزاء السيئات على تقدير مضاف محذوف، قال قتادة: وقهم ما يسوؤهم من العذاب، وهذا دعاء يتناول عذاب الجحيم، وعذاب موقف القيامة، والحساب والسؤال، وقوله (وقهم عذاب الجحيم) مقصور على إزالة عذاب النار فيكون تعميماً بعد تخصيص، أو الأول دعاء للأصول، والثاني للفروع، والضمير راجع للمعطوف وهو الآباء والأزواج والذرية، أفاده أبو السعود.
(وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ) أي يوم القيامة، والتنوين عوض عن جملة غير موجودة في الكلام، بل متصيدة من السياق، وتقديرها يوم إذ تدخل من تشاء الجنة ومن تشاء النار، والمسببة عن السيئات، وهو يوم القيامة، وقيل: التقدير يوم إذ تؤاخذ بها، وجواب من (فقد رحمته) من عذابك وأدخلته جنتك (وذلك) أي ما تقدم من إدخالهم الجنات، ووقايتهم السيئات.
(هو الفوز العظيم) أي الظفر الذي لا ظفر مثله، والنجاة التي لا تساويها نجاة، حيث وجدوا بأعمال منقطعة نعيماً لا ينقطع، وبأفعال حقيرة ملكاً لا تصل العقول إلى كنه جلالته. قال مطرف أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة وأغش الخلق لهم هم الشياطين.
ثم لما ذكر سبحانه أصحاب النار وأنهم حقت عليهم كلمة العذاب، ذكر أحوالهم بعد دخول النار فقال:
غافر 40:10
(إن الذين كفروا ينادون) قال الواحدي. قال المفسرون إنهم لما رأوا أعمالهم ونظروا في كتابهم، وأدخلوا النار، ومقتوا أنفسهم بسوء صنيعهم، ناداهم حين عاينوا عذاب الله مناد: (لمقت الله) إياكم في الدنيا (أكبر من مقتكم أنفسكم) اليوم، أو من مقت بعضكم بعضاً اليوم قال الأخفش: هذه اللام هي لام الابتداء وقعت بعد ينادون، لأن معناه يقال لهم، والنداء قول، قال الكلبي: يقول كل إنسان من أهل النار لنفسه مقتك يا نفسي، فتقول الملائكة لهم وهم في النار: لمقت الله إياكم إذ أنتم في الدنيا أشد من مقتكم أنفسكم اليوم. وقال الحسن يعطون كتابهم فإذا نظروا إلى سيئاتهم مقتوا أنفسهم فينادون لمقت الله إياكم في الدنيا.
(إذ تدعون إلى الإيمان) فتكفرون أكبر من مقتكم إذ عاينتم النار والظرف منصوب بمقدر محذوف دل عليه المذكور، أي مقته تعالى إياكم وقت دعائكم، وقيل هو اذكروا، وقيل بالمقت المذكور أولاً، والمقت أشد البغض، والمراد به هنا لازمه وهو الغضب عليهم، وتعذيبهم، قاله أبو السعود وقال الكرخي المراد منه هنا أشد الإنكار والزجر (فتكفرون) أي فتصرون على الكفر اتباعاً لأنفكسم الأمارة، ومسارعة إلى هواها، واقتداء بأخلائكم المضلين، وتقليداً لأسلافكم المتقدمين، واستحباباً لآرائهم. ثم أخبر سبحانه عما يقولونه في النار فقال: قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (11) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14)
غافر 40:11
(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ) نعتان لمصدر محذوف، أي أمتنا إماتتين اثنتين، وأحيينا إحياءتين اثنتين، والمراد بالإماتتين أنهم كانوا نطفاً لا حياة لها في أصلاب آبائهم، ثم أماتهم بعد أن صاروا أحياء في الدنيا والمراد بالإحياءتين أنه أحياهم الحياة الأولى في الدنيا، ثم أحياهم عند البعث، ومثل هذه الآية قوله:
(وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) قاله ابن مسعود، أي كانوا أمواتاً في صلب آبائهم، ثم أخرجهم فأحياهم، ثم أماتهم، ثم يحييهم بعد الموت. وقيل: معنى الآية أنهم أميتوا في الدنيا عند انقضاء آجالهم ثم أحياهم الله في قبورهم للسؤال، ثم أميتوا ثم أحياهم الله في الآخرة.
ووجه هذا القول أن الموت سلب الحياة، ولا حياة للنطفة، ووجه القول الأول أن الموت قد يطلق على عادم الحياة من الأصل، وقد ذهب إلى التفسير الأول جمهور السلف، وقال ابن زيد: المراد بالآية أنه خلقهم في ظهر آدم واستخرجهم، وأحياهم، وأخذ عليهم الميثاق، ثم أماتهم، ثم أحياهم في الدنيا، ثم أماتهم.
وقال ابن عباس: قال كنتم تراباً قبل أن يخلقكم، فهذه ميتة، ثم أحياكم فخلقكم فهذه حياة ثم يميتكم فترجعون إلى القبور فهذه ميتة أخرى ثم يبعثكم يوم القيامة فهذه حياة أخرى، فهما موتتان وحياتان، كقوله (كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم) الآية.
ثم ذكر سبحانه اعترافهم بعد أن صاروا في النار بما كذبوا به في الدنيا فقال حاكياً عنهم: (فاعترفنا بذنوبنا) التي أسلفناها في الدنيا، من تكذيب الرسل، والإشراك بالله، وترك توحيده، فاعترفوا حيث لا ينفعهم الاعتراف وندموا حيث لا ينفعهم الندم، والمعنى لما رأوا الإماتة والإحياء قد تكررا عليهم، علموا أن الله قادر على الإعادة كما هو قادر على الإنشاء، فاعترفوا، وقد جعلوا اعترافهم هذا مقدمة لقولهم: (فهل إلى خروج) لنا عن النار ورجوع لنا إلى الدنيا لنطيع ربنا.
(من سبيل) أي من طريق لنتخلص منها أم اليأس واقع دون ذلك؟ فلا خروج ولا سبيل إليه وهذا كلام من غلب عليه اليأس، وإنما يقولون ذلك تحيراً، ولهذا جاء الجواب على حسب ذلك، ومثل هذا قولهم الذي حكاه الله عنهم (فهل إلى مرد من سبيل) وقوله (فأرجعنا نعمل صالحاً) وقوله (يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا) الآية؟ ثم أجاب الله سبحانه عن قولهم هذا بقوله:
غافر 40:12
(ذلكم) مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي الأمر ذلكم، أو مبتدأ خبره محذوف، أي ذلكم العذاب الذي أنتم فيه (بأنه) أي بسبب أنه (إذا دعى الله) في الدنيا (وحده) دون غيره (كفرتم به) وتركتم توحيده (وإن يشرك به) غيره من الأصنام أو غيرها (تؤمنوا) بالإشراك وتصدقوا به، وتجيبوا الداعي إليه فبين سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من إشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدعاء، وترك توحيد الله.
(فالحكم لله) وحده دون غيره وهو الذي حكم عليكم بالخلود في النار، وعدم الخروج منها فتعذيبه لكم عدل نافذ (العلي) المتعالي سلطانه عن أن يكون له مماثل في ذاته وصفاته فلا يرد قضاؤه (الكبير) الذي كبر عن أن يكون له مثل أو صاحبة أو ولد أو شريك فلا يحد جزاؤه، وقيل: كأن الحرورية أخذوا قولهم: لا حكم إلا لله من هذا.
وقال قتادة: لما خرج أهل حروراء قال علي: من هؤلاء؟ قيل: المحكمون أي يقولون: لا حكم إلا لله، فقال علي كلمة حق أريد بها الباطل.
غافر 40:13
(وهو الذي يريكم آياته) أي دلائل توحيده، وعلامات قدرته، من الريح والسحاب والرعد والبرق ونحوها (وينزل لكم من السماء رزقاً) يعني مطراً فإنه سبب الأرزاق، جمع سبحانه بين إظهار الآيات، وإنزال الأرزاق لأن بإظهار الآيات قوام الأديان، وبالأرزاق قوام الأبدان، وهذه الآيات هي التكوينية التي جعلها الله سبحانه في سماواته وأرضه، وما فيهما وما بينهما قرأ الجمهور: ينزل بالتشديد، وقرىء بالتخفيف، وصيغة المضارعة في الفعلين للدلالة على تجدد الإرادة والتنزيل واستمرارهما.
(وما يتذكر إلا من ينيب) أي ما يتعظ بتلك الآيات الباهرة فيستدل بها على التوحيد وصدق الوعد والوعيد إلا من يرجع إلى طاعة الله بما يستفيده من النظر في آيات الله ويتوب من الشرك، ويرجع إليه في جميع أموره، فإن المعاند لا يتذكر ولا يتعظ، ثم لما ذكر سبحانه ما نصبه من الأدلة على التوحيد أمر عباده بدعائه وإخلاص الدين له فقال:
غافر 40:14
(فادعوا الله مخلصين له الدين) أي إذا كان الأمر كما ذكر من اختصاص التذكير بمن ينيب فادعوا الله وحده مخلصين له العبادة التي أمركم بها (ولو كره الكافرون) ذلك فلا تلتفتوا إلى كراهتهم، ودعوهم يموتوا بغيظهم، ويهلكوا بحسرتهم.
رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (15) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (16) الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (18)
غافر 40:15
(رفيع الدرجات) مرفوع على أنه خبر آخر عن المبتدأ المقدم، أي هو الذي يريكم آياته وهو رفيع الدرجات، وكذلك (ذو العرش) خبر ثالث ويجوز أن يكون رفيع مبتدأ، وخبره ذو العرش، ويجوز أن يكونا خبرين لمبتدأ محذوف ورفيع صفة مشبهة، والمعنى رفيع الصفات عظيمها أو رفيع درجات ملائكته، أي معارجهم، أو رفيع درجات أنبيائه وأوليائه في الجنة، وقال الكلبي وسعيد بن جبير: رفيع السموات السبع، وعلى هذا الوجه يكون رفيع بمعنى رافع، وقيل: هو المرتفع بعظمته في صفات جلاله وكماله ووحدانيته، المستغني عن كل ما سواه وكل الخلق فقراء إليه ومعنى ذو العرش مالكه وخالقه، والمتصرف فيه، خلقه مطافاً للملائكة، وجعله فوق سمواته وذلك يقتضي علو شأنه وعظم سلطانه، ومن كان كذلك فهو الذي تحق له العبادة، ويجب له الإخلاص.
وجملة (يلقي الروح) في محل رفع على أنها خبر آخر للمبتدأ المتقدم أو للمقدر أي ينزل الوحي وسمي الوحي روحاً لأن الناس يحيون به من موت الكفر، كما تحيا الأبدان بالأرواح، ومثل هذه الآية قوله تعالى (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) وقيل الروح جبريل كما في قوله (نزل به الروح الأمين على قلبك) وقوله (نزله روح القدس من ربك بالحق)، وقوله (من أمره) متعلق بيلقي، ومن لابتداء الغاية ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حال من الروح أو المعنى من أجل أمره، أو بأمره أو من قضائه.
(على من يشاء من عباده) وهم الأنبياء (لينذر يوم التلاق) قرأ الجمهور مبنياً للفاعل ونصب اليوم والفاعل هو الله سبحانه أو الرسول أو من يشاء والمنذر به محذوف أي لينذر العذاب يوم التلاق، وقرىء لتنذر بالفوقية على أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول، أو ضمير يرجع إلى الروح لأنه يجوز تأنيثها، وقرىء على البناء للمفعول، ورفع يوم على النيابة، والتلاق بحذف الياء وإثباتها وقفاً ووصلاً، وتوجيه ذلك ذكره الفاسي في شرح الشاطبية فليراجع.
والمعنى يوم يلتقي أهل السموات والأرض في المحشر، وبه قال قتادة، وقال أبو العالية ومقاتل: يوم يلتقي العابدون والمعبدون، وقيل الظالم والمظلوم، وقيل يلتقي الخلق والخالق، وقيل الأولون والآخرون، وقيل جزاء الأعمال والعاملون.
قال ابن عباس: يوم التلاق يوم القيامة يلتقي فيه آدم وآخر ولده، وعنه قال: هو يوم الآزفة ونحو هذا من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذر عباده منه.
غافر 40:16
(يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ) أي خارجون من قبورهم لا يسترهم شيء من جبل أو أكمة أو بناء، لكون الأرض يومئذ قاعاً صفصفا، ولا ثياب عليهم وإنما هم عراة مكشوفون، كما في الحديث: " يحشرون عراة حفاة غرلاً "، وهو بدل من يوم التلاق، بدل كل من كل، ويوم ظرف مستقبل كإذا مضاف إلى الجملة الاسمية على طريقة الأخفش، وحركة يوم حركة إعراب على المشهور وقيل حركة بناء كما ذهب إليه الكوفيون، ويكتب هنا وفي الذاريات في قوله تعالى " يوم هم على النار يفتنون " منفصلاً وهو الأصل أفاده السمين، ونحوه في شرح الجزرية لشيخ الإسلام، لأن (هم) مرفوع بالابتداء فالمناسب القطع، وما عداهما نحو " من يومهم الذي يوعدون "، " حتى يلاقوا يومهم "، موصول لأن هم فيهما ضمير مبني في محل جر، فالمناسب الوصل.
وجملة: (لا يخفى على الله منهم شيء) مستأنفة مبينة لبروزهم، أي لا يخفى عليه سبحانه شيء من ذواتهم وأحوالهم وأعمالهم التي عملوها في الدنيا أو حال من ضمير بارزون، أو خبر ثان للمبتدأ وقوله (لمن) خبر مقدم، وقوله: (الملك اليوم) مبتدأ مؤخر، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا يقال عند بروز الخلائق في ذلك اليوم؟ فقيل يقال لمن الملك اليوم.
قال المفسرون إذا هلك كل من في السموات والأرض، فيقول الرب تبارك وتعالى هذا القول، فلا يجيبه أحد فيجيب تعالى نفسه فيقول: (لله الواحد القهار) خبر مبتدأ محذوف قال الحسن: هو السائل وهو المجيب، حين لا أحد يجيبه فيجيب نفسه. وقيل: إنه سبحانه يأمر منادياً بذلك فيقول أهل المحشر مؤمنهم وكافرهم (لله الواحد القهار).
قال النحاس: وهذا أصح ما قيل فيه وقيل: الأول ظاهر جداً، وقيل إنه يجيب المنادي بهذا الجواب أهل الجنة دون أهل النار إفاده الزمخشري. وقيل: هو حكاية لما ينطق به لسان الحال في ذلك اليوم لانقطاع دعاوى المبطلين، كما في قوله: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) وقال القرطبي: وذلك عند فناء الخلق، وقيل: بقوله تعالى بين النفختين، ويجيب نفسه بعد أربعين سنة.
غافر 40:17
(اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) هذا من تمام الجواب على القول بأن المجيب هو الله سبحانه، وأما على القول بأن المجيب هم العباد كلهم، أو بعضهم، فهو مستأنف لبيان ما يقوله الله سبحانه بعد جوابهم، أي اليوم تجزى كل نفس بما عملت في الدنيا من خير وشر (لا ظلم اليوم) على أحد منهم بنقص من ثوابه، أو بزيادة في عقابه.
(إن الله سريع الحساب) أي سريع حسابه، لأنه سبحانه لا يحتاج إلى تفكر في ذلك كما يحتاجه غيره لإحاطة علمه بكل شيء (فلا يعزب عنه مثقال ذرة) قيل: يحاسب جميع الخلق في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لأنه تعالى لا يشغله حساب عن حساب، يحاسب الخلق في وقت واحد، الحديث ورد بذلك.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن مسعود قال: " يجمع الله الخلق كلهم يوم القيامة بصعيد واحد بأرض بيضاء، كأنها سبيكة فضة لم يعص الله فيها قط، فأول ما يتكلم أن ينادي مناد: لمن الملك اليوم إلى قوله: " الحساب " أخرجه عبد بن حميد، قال: ما يبدأ به من الخصومات الدماء، وقال ابن عباس ينادي مناد بين يدي الساعة: يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات وينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول: لمن الملك اليوم لله الواحد القهار الآية.
وأخرج ابن أبي الدنيا في البعث والديلمي عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ثم أمر الله سبحانه رسول بإنذار عباده فقال:
غافر 40:18
(وأنذرهم يوم الآزفة) أي يوم القيامة، سميت بذلك لقربها، يقال: أزف فلان أو الرحيل أي قرب، يأزف أزفاً من باب تعب، وأزوفاً دنا وقرب، ومنه قوله تعالى (أزفت الآزفة) أي قربت الساعة ودنت القيامة، وقيل: إن يوم الآزفة هو يوم حضور الموت، والأول أولى. قال الزجاج: وقيل لها آزفة لأنها قريبة، وإن استبعد الناس أمرها، وما هو كائن فهو قريب.
(إذ القلوب لدى الحناجر) وذلك أنها تزول عن مواضعها، وترتفع عن أماكنها من الخوف، حتى تصير إلى الحنجرة وتلصق بحلوقهم، فلا تعود فيستريحوا بالنفس ولا تخرج فيستريحوا بالموت كقوله (وبلغت القلوب الحناجر) وهي جمع حنجور كحلقوم وزناً ومعنى، أو جمع حنجرة وهي الحلقوم و (كاظمين) بمعنى مغمومين مكروبين ممتلئين غماً، قال الزجاج: المعنى إذ قلوب الناس لدى الحناجر في حال كظمهم، قال قتادة وقعت قلوبهم في الحناجر من المخافة فهي لا تخرج ولا تعود في أمكنتها.
وقيل: هو إخبار عن نهاية الجزع، وإنما قال: كاظمين باعتبار أهل القلوب، لأن المعنى إذ قلوب الناس لدى حناجرهم، فيكون حالاً منهم. وقيل: حالاً من القلوب، وجمع الحال منها جمع العقلاء، لأنه أسند إليها ما يسند إلى العقلاء، فجمعت جمعه.
ثم بين سبحانه أنه لا ينفع الكافرين في ذلك اليوم أحد فقال: (ما للظالمين من حميم) أي قريب ومحب ينفعهم وحميمك قريبك الذي تهتم لأمره (ولا شفيع يطاع) في شفاعته لهم، قال الكرخي: حقيقة الإطاعة لا تتأتى هنا لأن المطاع يكون فوق المطيع رتبة، فمقتضاه أن الشافع يكون فوق المشفوع عنده، وهذا محال هنا لأن الله تعالى لا شيء فوقه، فحينئذ هو مجاز، ومعناه ولا شفيع يشفع، أي يؤذن له في الشفاعة، أو تقبل شفاعته. وقال المحلي: لا مفهوم للوصف إذ لا شفيع لهم أصلاً، أي لا مطاع ولا غيره ثم وصف سبحانه شمول علمه بكل شيء وإن كان في غاية الخفاء فقال: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19) وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (20) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (22)
غافر 40:19
(يعلم خائنة الأعين) وهي مسارقة النظر إلى ما لا يحل له النظر إليه، والخائنة مصدر كالعافية والكاذبة، أي يعلم خيانة الأعين، والجملة خبر آخر لقوله: هو الذي يريكم، أو خبر رابع عن المبتدأ الذي أخبر برفيع وما بعده عنه، والأول هو الظاهر، وقيل غير ذلك، قال المؤرج: فيه تقديم وتأخير أي يعلم الأعين الخائنة. وقيل: الإضافة على معنى من، أي: الخائنة من الأعين، قال قتادة: خائنة الأعين الهمز بالعين فيما لا يحب الله، وقال الضحاك: هو قول الإنسان: ما رأيت، وقد رأى، ورأيت، وما رأى. وقال السدي: إنه الرمز بالعين، وقال سفيان: هي النظرة بعد النظرة، وبه قال الفراء والأول أولى، وبه قال مجاهد قال ابن عباس في الآية: " الرجل يكون في القوم فتمر بهم المرأة فيريهم أنه يغض بصره عنها، وإذا غضوا نظر إليها، وإذا نظروا غض بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ود أن ينظر إلى عورتها " أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وأخرج الطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عنه في الآية قال: " إذا نظر إليها يريد الخيانة أم لا؟ وما تخفي الصدور، قال: إذا قدر عليها أيزني لها أم لا؟ ألا أخبركم بالتي تليها؟ والله يقضي بالحق، قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة.
وأخرج أبو داود والنسائي وابن مردويه عن سعد قال لما كان يوم فتح مكة أمن النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين وقال: اقتلوهم، وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به فقال: " يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى بيعته ثم بايعه، ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله، فقالوا ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك؟ هلا أومأت إلينا بعينك فقال إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين ".
(وما تخفي الصدور) أي القلوب من الضمائر، وتستره وتكنه، وتضمره عن معاصي الله أو من أمانة وخيانة أو النظرة الأولى، أو هل يزني بها لو خلا بها أو لا؟
غافر 40:20
(والله يقضي بالحق) فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر.
(والذين يدعون من دونه) أي يعبدونهم من دون الله، قرأ الجمهور بالتحتية يعني الظالمين، وقرىء بالفوقية على الخطاب لهم، وهما سبعيتان (لا يقضون بشيء) لأنهم لا يعلمون شيئاًً ولا يقدرون على شيء. فكيف يكونون شركاء لله، وهذا تهكم بهم لأن ما لا يوصف بالقدرة كالجماد لا يقال فيه يقضي أو لا يقضي.
(إن الله هو السميع البصير) فلا يخفى عليه من المسموعات والمبصرات خافية؛ تقرير لقوله: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور) ولقضائه بالحق، ووعيد لهم بأنه يسمع ما يقولون، ويبصر ما يعملون، وأنه يعاقبهم عليه. وتعريض بما يدعون من دونه وأنها لا تسمع ولا تبصر.
ولما خوفهم سبحانه بأحوال الآخرة أردفه ببيان تخويفهم بأحوال الدنيا فقال:
غافر 40:21
(أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم) لأن العاقل من اعتبر بحال غيره، أي اغفلوا ولم يسيروا في الأرض فيعتبروا بمن قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، كعاد وثمود وأضرابهم، أو العاقبة بمعنى الصفة أو بمعنى المآل أرشدهم الله سبحانه إلى الاعتبار بغيرهم، فإن الذين مضوا من الكفار (كانوا هم أشد منهم قوة) أي من هؤلاء الحاضرين من الكفار، وهذا بيان للتفاوت بين حال هؤلاء وأولئك، وفي قراءة منكم أي التفاتاً من الغيبة إلى الخطاب، وقع ضمير الفصل هنا بين معرفة ونكرة، مع أنه لا يقع إلا بين معرفتين لكون النكرة هنا مشابهة للمعرفة من حيث امتناع دخول أل عليها، لأن افعل التفضيل المقرون بمن لا تدخل عليه أل.
(وآثاراً في الأرض) بما عمروا فيها من الحصون المتينة، والمصانع الحصينة، والقصور المشيدة وبما لهم من العدد والعدة (فأخذهم الله بذنوبهم) أي عاقبهم، وأهلكهم بسبب ذنوبهم، وتكذيبهم رسلهم (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) أي دافع يدفع عنهم العذاب ويقيهم، وقد مر تفسير هذه الآية في مواضع.
غافر 40:22
(ذلك) أي ما تقدم من الأخذ (بأنهم) أي بسبب أنهم (كانت تأتيهم رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحة والمعجزات الظاهرة (فكفروا) بما جاؤوهم به (فأخذهم الله إنه قوي) يفعل كل ما يريده لا يعجزه شيء (شديد العقاب) لمن عصاه ولم يرجع إليه، ثم ذكر سبحانه قصة موسى ليعتبروا فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (25) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (26) وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (27)
غافر 40:23
(ولقد أرسلنا موسى بآياتنا) أي متلبساً بها وهي التسع التي تقدم ذكرها في غير موضع (وسلطان مبين) أي حجة بينة واضحة وهي التوراة، وقيل المراد به إما الآيات نفسها والعطف لتغاير العنوانين، وإما بعضها أي المشهورة منها كاليد والعصا. وأفردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات اعتناء بها.
غافر 40:24
(إلى فرعون وهامان وقارون) خصهم بالذكر لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم لأنهم رؤساء المكذبين بموسى، ففرعون الملك وهامان الوزير، وقارون صاحب الأموال والكنوز (فقالوا ساحر كذاب) فيما جاءهم به، والقائل فرعون وقومه، وأما قارون فلم يقل ذلك ففي الكلام تغليب، وكذا يقال في قوله قالوا اقتلوا، وقال الخطيب كان هذا قول قارون وإن لم يقل بالفعل. فإنه طبع على الكفر ففعله آخراً.
غافر 40:25
(فلما جاءهم) موسى (بالحق من عندنا) وهي معجزاته الظاهرة الواضحة (قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه) قال قتادة هذا قتل غير القتل الأول لأن فرعون قد كان أمسك وكف عن قتل الولدان وقت ولادة موسى فلما بعث الله موسى وأحس بأنه قد وقع ما وقع، أعاد القتل على بني إسرائيل غيظاً وحنقاً فكان يأمر بقتل المذكور وترك الإناث، ومثل هذا قول فرعون.
(سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم) والمعنى أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلونه أولاً، زعماً منه أنه يصدهم بذلك عن مظاهرته، ظناً منهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكهم على يده، فشغلهم الله عن ذلك بما أنزل عليهم من أنواع العذاب كالضفادع والقمل والدم والطوفان إلى أن خرجوا من مصر فأغرقهم الله تعالى.
(واستحيوا) أي استبقوا (نساءهم) للخدمة (وما كيد الكافرين إلا في ضلال) أي في خسران وضياع ووبال، لأنه يذهب باطلاً ولا يغني عنهم شيئاًً، ويحييق بهم ما يريده الله عز وجل وإن الناس لا يمتنعون من الإيمان وإن فعل بهم مثل هذا، بل ينفذ عليهم لا محالة القدر المقدور، والقضاء المحتم واللام إما للعهد والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر والإشعار بعلة الحكم، أو للجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً، والجملة اعتراض جيء بها في تضاعيف ما حكي عنهم من الأباطيل، للمسارعة إلى بيان بطلان ما أظهروه، واضمحلالاً بالمرة.
غافر 40:26
(وقال فرعون ذروني أقتل موسى) أي اتركوني أن أقتله، والظاهر من حال اللعين أنه قد استيقن أنه نبي وأن ما جاء به حق، ولكن كان يخاف إن هم بقتله أن يعاجل بالهلاك، وإنما قال ذلك تمويهاً وإيهاماً أنهم هم المانعون له من قتله، ولولاهم لقتله، مع أنه ما منعه إلا ما في نفسه من الفزع الهائل.
وقوله (وليدع ربه) تجلد منه، وإظهار لعدم المبالاة ولكنه أخوف الناس منه، وفي منعه من قتله وجوه ذكرها الخطيب، أي ليدع الذي يزعم أنه أرسله إلينا، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك، أي لا يهولنكم ذلك فإنه لا رب له حقيقة، بل أنا ربكم الأعلى، ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن يقتله فقال:
(إني أخاف) إن لم أقتله (أن يبدل دينكم) الذي أنتم عليه من عبادة غير الله ويدخلكم في دينه الذي هو عبادة الله وحده (أو أن يظهر في الأرض الفساد) أي يوقع بين الناس الخلاف والفتنة، جعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى وانتشاره في الأرض واهتداء الناس إليه فساد، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ومن تابعه، والمعنى أنه لا بد من وقوع أحد الأمرين أو وقوع الأمرين جميعاً.
غافر 40:27
(وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب) لما هدده فرعون بالقتل لم يأت في دفع شدة اللعين إلا بأن استعاذ بالله عز وجل من كل متعظم عن الإيمان بالله، غير مؤمن بالبعث والنشور، واعتمد عليه فلا جرم صانه الله من كل بلية ويدخل فرعون في هذا العموم دخولاً أولياً، ولم يسم فرعون بل ذكره بوصف يعمه وغيره من الجبابرة لتعميم الاستعاذة، والإشعار بعلة القساوة والجرأة على الله تعالى.
وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31)
غافر 40:28
(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ) قال الحسن ومقاتل والسدي: كان قبطياً وهو ابن عم فرعون، وهو الذي نجا مع موسى، وهو المراد بقوله (وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى) وقيل: كان من بني إسرائيل ولم يكن من آل فرعون وهو خلاف ما في الآية وقد تمحل لذلك بأن في الآية تقديماً وتأخيراً، والتقدير وقال رجل من بني إسرائيل يكتم إيمانه من آل فرعون، قال القشيري: ومن جعله إسرائيلياً ففيه بعد لأنه يقال: كتمه أمر كذا ولا يقال كتم منه كما قال سبحانه:
(ولا يكتمون الله حديثاً) وأيضاًً ما كان فرعون يحتمل من بني إسرائيل مثل هذا القول وقد اختلف في اسم هذا الرجل فقيل: حبيب، وقيل: شمعون، وهو الأصح كما في مبهمات القرآن وقيل: حزقيل وبه قال ابن عباس وأكثر العلماء، وقال وهب كان اسمه جبريل، وقيل غير ذلك قال ابن عباس: لم يكن في آل فرعون مؤمن غيره وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى، الذي قال: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك) قال ابن المنذر: أخبرت أنه حزقيل، وعن أبي إسحق قال: اسمه حبيب، قرأ الجمهور رجل بضم الجيم وقرىء بسكونها وهي لغة تميم ونجد، والأولى هي الفصيحة، وقرىء بكسر الجيم.
(أتقتلون رجلاً) الاستفهام للإنكار (أن يقول) أي لأن يقول أو كراهة أن يقول، وقال الزمخشري: أي وقت أن يقول، ورد ذلك لنص النحاة على خلافه، وقال الإمام تاج الدين ابن مكتوم: أجاز ابن جني ذلك والأول أولى (ربي الله) وهو ربكم أيضاًً لا ربه وحده، وهو إشارة إلى التوحيد، وهذا إنكار منه عظيم، كأنه قيل: أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة من غير روية وتأمل في أمره واطلاع على سبب يوجب قتله؟ وما لكم علة في ارتكابه إلا كلمة الحق وهو قوله ربي الله.
(وقد جاءكم بالبينات من ربكم) أي والحال أن قد جاءكم بالمعجزات الواضحات. والدلالات الظاهرات على نبوته، وصحة رسالته، والمعنى أنه لم يحضر لتصحيح قوله ببينة واحدة ولكن ببينات من عند من نسبت إليه الربوبية، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به.
أخرج البخاري وغيره من طريق عروة قال: قيل لعبد الله بن عمرو ابن العاص " أخبرنا بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خناقاً شديداً فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ)؟
وأخرج البزار وأبو نعيم في فضائل الصحابة عن علي ابن أبي طالب أنه قال: يا أيها الناس أخبروني من أشجع الناس؟ قالوا: أنت، قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه ولكن أخبروني عن أشجع الناس؟ قالوا: لا نعلم فمن؟ قال: أبو بكر، رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذته قريش فهذا يجنبه وهذا يتلتله وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً قال فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر يضرب هذا، يجىء هذا ويتلتل هذا، وهو يقول ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله؟ ثم دفع بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال أنشدكم أمؤمن آل فرعون خير؟ أم أبو بكر؟ فسكت القوم فقال ألا تجيبون؟ فوالله لساعة من أبي بكر خير من مثل مؤمن من آل فرعون ذاك رجل يكتم إيمانه وهذا رجل أعلن إيمانه ".
ثم تلطف الرجل المؤمن لهم في الدفع عن موسى واحتج عليهم بطريق التقسيم فقال:
(وإن يك كاذباً فعليه كذبه) أي ضرر كذبه (وإن يك صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم) هذا كلام صادر عن غاية الإنصاف، وعدم التعصب ولذلك قدم من شقي الترديد كونه كاذباً، وإنما خوفهم به اقتصاراً على ما هو أظهر احتمالاً عندهم، ولم يكن قوله هذا لشك منه فإنه كان مؤمناً كما وصفه الله، ولا يشك المؤمن.
والمعنى إذا لم يصبكم كله فلا أقل من أن يصيبكم بعضه، لا سيما إن تعرضتم له بسوء. وقال أبو عبيدة وأبو الهيثم. بعض هنا بمعنى كل، أي يصيبكم كل الذي يعدكم، والبعض قد يستعمل في لغة العرب بمعنى الكل، قال النسفي: وتفسير البعض بالكل مزيف انتهى نعم ولا ضرورة تلجىء إلى حمل ما في الآية على ذلك لأنه أراد التنزل معهم وإيهامهم أنه لا يعتقد صحة نبوته كما يفيده قوله (يكتم إيمانه).
قال أهل المعاني وهذا على المظاهرة في الحجاج، كأنه قال لهم: أقل ما يكون في صدقه أن يصيبكم بعض الذي يعدكم، وفي بعض ذلك هلاككم، فكأن الحاصل بالبعض هو الحاصل بالكل. وقال الليث: بعض ههنا صلة يريد بصيبكم الذي يعدكم، وقيل يصيبكم هذا العذاب الذي يقوله في الدنيا، وهو بعض ما يتوعدكم به من العذاب. وقيل إنه وعدهم بالثواب والعقاب فإذا كفروا أصابهم العذاب، وهو بعض ما وعدهم به وحذفت النون من يكن في الموضعين تخفيفاً لكثرة الاستعمال كما قال سيبويه.
(إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) هذا من تمام كلام الرجل المؤمن، وهو احتجاج آخر ذو وجهين، أحدهما أنه لو كان موسى مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات، ولا أيده بالمعجزات، وثانيهما أنه إذا كان كذلك خذله الله وأهلكه، فلا حاجة لكم إلى قتله، والمسرف المقيم على المعاصي المستكثر منها، والكذاب المفتري.
غافر 40:29
(يا قوم لكم الملك اليوم) ذكرهم ذلك الرجل المؤمن ما هم فيه من الملك ليشكروا الله ولا يتمادوا في كفرهم، ومعنى (ظاهرين) الظهور على الناس، والغلبة لهم، والاستعلاء عليهم (في الأرض) أي أرض مصر.
(فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا) أي من يمنعنا من عذابه ويحول بيننا وبينه عند مجيئه، وفي هذا تحذير منه لهم من نقمة الله بهم، وإنزال عذابه عليهم، وإنما نسب ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض لهم خاصة، ونظم نفسه في سلكهم فيما يهمهم من مجيء بأس الله تطييباً لقلوبهم، وإيذاناً بأنه مناصح ساع في تحصيل ما يجديهم، ودفع ما يرديهم، ليتأثروا بنصحه؛ فلما سمع فرعون ما قاله هذا الرجل من النصح الصحيح جاء بمراوغة يوهم بها قومه أنه لهم من النصيحة والرعاية بمكان مكين، وأنه لا يسلك بهم إلا مسلكاً يكون فيه جلب النفع لهم، ودفع الضر عنهم ولهذا.
(قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى) أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي، قاله ابن زيد، وهذا تفسير لمآل المعنى، والتفسير المطابق لجوهر اللفظ ما قال الضحاك ما أعلمكم إلا ما أعلم من الصواب، وهو قتل موسى والرؤية هنا هي القلبية الاعتقادية، لا البصرية العينية، فتعدى لمفعولين ثانيهما إلا ما أرى.
(وما أهديكم إلا سبيل الرشاد) أي ما أهديكم ولا أدعوكم بهذا الرأي إلا إلى طريق الحق والهدى، قرأ الجمهور بتخفيف الشين، وقرأ معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه - بتشديدها على أنها صيغة مبالغة كضراب، قال النحاس: هي لحن ولا وجه لذلك. ثم كرر ذلك الرجل المؤمن تذكيرهم، وحذرهم أن ينزل بهم ما نزل بمن قبلهم فقال الله حاكياً عنه:
غافر 40:30
(وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب) أي مثل يوم عذاب الأمم الماضية الذين تحزبوا على أنبيائهم، وأفرد اليوم لأن جمع الأحزاب قد أغنى عن جمعه، والأحزاب لم ينزل بها العذاب في يوم واحد، بل نزل بها في الدنيا في أيام مختلفة مترتبة ثم فسر الأحزاب فقال:
غافر 40:31
(مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم) أي مثل حالهم في العذاب، أو مثل عادتهم في الإقامة على التكذيب، أو مثل جزاء ما كانوا عليه من الكفر والتكذيب.
(وما الله يريد ظلماً للعباد) أي لا يعذبهم ولا يعاقبهم بغير ذنب، ولا يترك الظالم منهم بغير انتقام، أو لا يزيد على قدر ما يستحقون من العذاب أو لا يهلكهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم، ونفي الإرادة للظلم يستلزم نفي الظلم بفحوى الخطاب وتفسير المعتزلة بأنه لا يريد لهم أن يظلموا بعبد، لأن أهل اللغة قالوا إذا قال الرجل لآخر لا أريد ظلماً لك، معناه لا أريد أن أظلمك ثم زاد الرجل المؤمن في الوعظ والتذكير فقال: وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ (34) الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35) وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36)
غافر 40:32
(وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ) قرأ الجمهور بتخفيف الدال وحذف الياء، والأصل التنادي، وهو التفاعل من النداء، يقال تنادى القوم أي نادى بعضهم بعضاً وقرىء بإثبات الياء على الأصل وقرأ ابن عباس والضحاك وعكرمة بتشديد الدال، قال بعض أهل اللغة: هو لحن لأنه من ند يند إذا مر على وجهه هارباً، قال النحاس: وهذا غلط والقراءة حسنة على معنى التنافي قال الضحاك: في معناه أنهم إذا سمعوا بزفير جهنم ندوا هرباً فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا صفوفاً من
الملائكة، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله يوم التناد وعلى قراءة الجمهور المعنى يوم ينادي بعضهم بعضاً، أو ينادي أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار أو يوم ينادي فيه (كل أناس بإمامهم) ولا مانع من الحمل على جميع هذه المعاني، وهو ما حكى الله تعالى في سورة الأعراف:
(ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار)، (ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة) (ونادى أصحاب الأعراف) وقيل: ينادي مناد إلا إن فلاناً سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً، وألا إن فلاناً شقي شقاوة فلا يسعد بعدها أبداً وينادي حين يذبح الموت يا أهل الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا موت. وقيل ينادي المؤمن (هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ) وينادي الكافر: (يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ).
غافر 40:33
(يوم تولون مدبرين) أي منصرفين عن الموقف إلى النار أو فارين عنها غير معجزين، قال قتادة ومقاتل: المعنى إلى النار بعد الحساب (ما لكم من الله من عاصم)، يعصمكم من عذاب الله ويمنعكم منه (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) يهديه إلى طريق الرشاد، قرىء هاد بإثبات الياء وحذفها في الوقف، وبحذفها في الوصل مع حذفها خطاً.
غافر 40:34
(ولقد جاءكم يوسف) هذا من تمام وعظ مؤمن آل فرعون، ذكرهم قديم عتوهم على الأنبياء وقيل: إن هذا من قول موسى عليه السلام والأول أولى (من قبل) أي قبل موسى وهو يوسف بن يعقوب، في قول عمر إلى زمن موسى، قاله المحلي، أي عاش واستمر يوسف ابن يعقوب إلى زمن موسى الكليم، قال سليمان الجمل: وهذا القول لم يقله غيره من المفسرين وإنما غاية ما وجد بعد التفتيش ما نقله الشهاب بقوله وفي بعض التواريخ أن وفاة يوسف قبل مولد موسى بأربع وستين سنة، قال القاري: والصحيح أن المعمر هو فرعون موسى: أدرك يوسف وعاش إلى أن أرسل إليه موسى، وعمره أربعمائة سنة وأربعين سنة انتهى.
وقال السيوطي في التحبير: وعاش يوسف بن يعقوب مائة وعشرين سنة، وبين يوسف وموسى أربعمائة سنة انتهى وقيل: هو فرعون آخر.
(بالبينات) أي أنه جاءهم بالمعجرات الظاهرات، والآيات الواضحات من قبل مجيء موسى إليهم، أي جاء إلى آبائكم، فجعل المجيء إلى الآباء مجيئاً إلى الأبناء، وقال ابن جريج: المراد بالبينات رؤيا يوسف، وقيل: المراد بها قوله: (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)؟ وقيل: المراد بيوسف يوسف بن إفرائيم بن يوسف بن يعقوب، وكان أقام فيهم أي في القبط نبياً عشرين سنة، وحكى النقاش عن الضحاك أن الله بعثه إليهم رسولاً من الجن يقال له: يوسف قال الشوكاني رحمه الله: والأول أولى (فما زلتم) أي ما زال أسلافكم (في شك مما جاءكم به) من البينات ولم تؤمنوا به.
(حتى إذا هلك) يوسف (قلتم) أي قال أسلافكم: (لن يبعث الله من بعده رسولاً) فكفروا به في حياته وكفروا بمن بعده من الرسل بعد موته، وظنوا أن الله لا يجدد عليهم الحجة، وإنما قالوا ذلك على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان، ليكون لهم أساس في تكذيب الرسل الذين يأتون بعده، وهذا ليس إقراراً منهم برسالته، بل هو ضم منهم إلى الشك في رسالته، والتكذيب برسالة من بعده، أفاده الخطيب والخازن.
(كذلك) الضلال الواضح (يضل الله من هو مسرف) في معاصي الله مستكثر منها أو مشرك (مرتاب) في دين الله شاك في وحدانيته ووعده ووعيده، وقوله:
غافر 40:35
(الذين يجادلون في آيات الله) بدل (مَنْ)، والجمع باعتبار معناها، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ، أو بيان لها، أو صفة، أو في محل نصب بإضمار أعني، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هم الذين، أو مبتدأ وخبره يطبع، والأول أولى. قال ابن جريج: الذين يجادلون يهود، قيل: هذا من كلام الرجل المؤمن أيضاًً، وقيل: إنه ابتداء كلام من الله سبحانه.
(بغير سلطان) أي بغير حجة واضحة، وبرهان ساطع (أتاهم) صفة لسلطان (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا) يحتمل أن يراد به التعجب والاستعظام وأن يراد به الذم كبئس، وفاعل كبر ضمير يعود إلى الجدال المفهوم من: يجادلون، قال المحلي: كبر خبر المبتدأ انتهى، وهذا أولى وأحسن الأعاريب العشرة التي ذكرها السمين. وإليه نحا أبو حيان.
(كَذَلِكَ) الطبع المحكم البليغ (يطبع الله على كل قلب متكبر جبار) مستأنف قرأ الجمهور بإضافة قلب إلى متكبر واختارها أبو حاتم وأبو عبيدة وفي الكلام حذف والتقدير كذلك يطبع الله على كل قلب كل متكبر، فحذف كل الثانية لدلالة الأولى عليها، والمعنى أنه سبحانه يطبع على قلوب جميع المتكبرين الجبارين.
وقرىء بتنوين قلب على أن متكبراً صفة له فيكون القلب مراداً به الجملة، لأن القلب هو محل التكبر، وسائر الأعضاء تبع له في ذلك، وهما سبعيتان، وقرأ ابن مسعود على قلب كل متكبر، وتقديره عند الزمخشري على كل ذي قلب متكبر، قال الشيخ ولا ضرورة تدعو إلى اعتبار الحذف، قلت بل ثم ضرورة إلى ذلك، وهي توافق القراءتين.
ثم لما سمع فرعون هذا رجع إلى تكبره وتجبره، معرضاً عن الموعظة نافراً عن قبولها.
غافر 40:36
(وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً) أي قصراً مشيداً كما تقدم بيان تفسيره في سورة القصص، وقيل صرحاً أي بناء ظاهراً لا يخفى على الناظرين وإن بعد، ومنه يقال صرح الشيء إذا ظهر، وفي المصباح الصرح بيت واحد يبنى مفرداً طولاً ضخماً، وفي السمين الصرح القصر، أو صحن الدار، أو بلاط يتخذ من زجاج، وأصله من التصريح وهو الكشف (لعلي أبلغ الأسباب) أي الطرق من السماء إلى السماء، قال قتادة والزهري والسدي والأخفش هي الأبواب أي أبوابها الموصلة إليها.
غافر 40:37
أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ (37)
(أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ) بيان للأسباب لأن الشيء إذا أبهم ثم فسر كان أوقع في النفوس، وأفخم للشأن، أو بدل منها، وأنشد الأخفش عند تفسير الآية بيت زهير:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو رام أسباب السماء بسلم
وقيل أسباب السموات الأمور التي يستمسك بها وكل ما أواك إلى شيء فهو سبب إليه كالرشاء ونحوه (فأطلع إلى إله موسى) أي انظر إليه، وأطلع على حاله، قرأ الأعرج السلمي وعيسى بن عمر وحفص بالنصب على جواب الأمر في قوله ابن لي، وهذا رأى البصريين. أو على جواب الترجي كما قال أبو عبيدة وغيره وهذا رأى الكوفيين.
قال النحاس معنى النصب خلاف معنى الرفع لأن معنى النصب متى بلغت الأسباب اطلعت، وقرأ الجمهور بالرفع عطفاً على أبلغ فهو على هذا داخل في حيز الترجي، ومعناه لعلي أبلغ، ولعلي أطلع بعد ذلك، وقيل غير ذلك، وفي هذا دليل على أن فرعون كان بمكان من الجهل عظيم، وبمنزلة من فهم حقائق الأشياء سافلة جداً.
(وإني لأظنه) أي موسى (كاذباً) في ادعائه بأن له إلهاً غيري، مستوياً على العرش فوق السموات أو فيما يدعيه من الرسالة قيل: قال فرعون ذلك تمويهاً وتلبيساً، وتخليطاً على قومه، وإلا فهو يعرف ويعتقد حقيقة الإله، وأنه ليس في جهة العلو، ولكنه أراد التلبيس على قومه توصلاً لبقائهم على الكفر، فكأنه يقول. لو كان إله موسى موجوداً لكان له محل، ومحله إما الأرض وإما السماء، ولم نره في الأرض فيبقى أن يكون في السماء، والسماء لا توصل إليها إلا بسلم قاله الحفناوي.
(وكذلك) التزيين (زين لفرعون سوء عمله) من الشرك والتكذيب فتمادى في الغي واستمر على الطغيان، والمزين هو الشيطان (وصد عن السبيل) أي سبيل الرشاد والهدى، قرأ الجمهور وصد بفتح الصاد والدال، أي صد فرعون الناس عن السبيل، وقرأ الكوفيون وصد بضم الصاد مبنياً للمفعول، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم.
ولعل وجه الاختيار لها منهما كونها مطابقة لما أجمعوا عليه في زين، من البناء للمفعول والقراءتان سبعيتان وقرأ يحيى بن وثاب وعلقمة.
صد بكسر الصاد وضم الدال منوناً وقرأ ابن أبي إسحق وعبد الرحمن بن أبي بكر بفتح الصاد وضم الدال منوناً، وكل من هاتين القراءتين على أنه مصدر معطوف على: (سوء عمله)، أي زين له الشيطان سوء العمل والصد.
(وما كيد فرعون) في إبطال آيات موسى (إلا في تباب) أي خسار وهلاك، قال ابن عباس: التباب الخسران، ومنه (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ) ثم إن ذلك الرجل المؤمن أعاد التذكير والتحذير كما حكى عنه بقوله: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41)
غافر 40:38
(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ) بإثبات الياء وحذفها في الوصل والوقف، والقراءتان سبعيتان، وهذا بالنظر للفظ وأما في الرسم فهي محذوفة لا غير لأنها من ياآت الزوائد، أي اقتدوا بي في الدين، واعملوا بنصيحتي (أهدكم سبيل الرشاد) أي طريق الهدى والصواب، وهو الجنة، وهو ضد الغي، وفيه تعريض شبيه بالتصريح، أن ما عليه فرعون وقومه سبيل الغي، وقيل: هذا من قول موسى والأول أولى.
غافر 40:39
(يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع) يتمتع بها أياماً ثم تنقطع وتزول، لأن التنوين للتقليل، فالإخلاد إليها أصل الشر ومنبع الفتن، ورأس كل بلاء وآفة (وإن الآخرة هي دار القرار) أي الاستقرار والثبات، فلا انتقال ولا تحول عنها، لكونها دائمة لا تنقطع ومستمرة لا تزول، والباقي خير من الفاني. قال بعض العارفين: لو كانت الدنيا ذهباً فانياً، والآخرة خزفاً باقياً لكانت الآخرة خيراً من الدنيا، فكيف والدنيا خزف فان، والآخرة ذهب باق!
قال ابن عباس: " الدنيا جمعة من جمع الآخرة سبعة آلاف سنة "، وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الحياة الدنيا متاع وليس من متاعها شيء أفضل من المرأة الصالحة التي إذا نظرت إليها سرتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالها ".
غافر 40:40
(من عمل سيئة) من كلام الرجل المؤمن، والمعنى من عمل في دار الدنيا معصية من المعاصي كائنة ما كانت (فلا يجزى إلا مثلها) ولا يعذب إلا بقدرها والظاهر شمول الآية لكل ما يطلق عليه اسم السيئة، وقيل: هي خاصة بالشرك، ولا وجه لذلك.
(ومن عمل) عملاً (صالحاً) قيل: هو لا إله إلا الله (من ذكر أو أنثى وهو مؤمن) أي مع كونه مؤمناً بما جاءت به رسله (فأولئك) الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح (يدخلون الجنة) بفتح الياء وضم الخاء. وبالعكس سبعيتان (يرزقون فيها) رزقاً واسعاً (بغير حساب) أي بغير تقدير ومحاسبة قال مقاتل: يقول لا تبعة عليهم فيما يعطون في الجنة من الخير ثم كرر ذلك الرجل المؤمن دعاءهم إلى الله.
صرح بإيمانه ولم يسلك المسالك المتقدمة من إيهامه لهم أنه منهم، وأنه إنما تصدى لتذكيرهم كراهة أن يصيبهم بعض ما توعدهم به موسى، كما يقول الرجل المحب لقومه من التحذير عن الوقوع فيما يخاف عليهم الوقوع فيه، فقال:
غافر 40:41
(و) ترك العطف في النداء الثاني لأنه تفصيل لإجمال الأول، وهنا عطف لأنه ليس بتلك المثابة لأنه كلام مباين للأول والثاني، فحسن إيراد الواو العاطفة فيه ونحوه.
قال الزمخشري: (يا قوم ما لي) تكرير النداء لزيادة التنبيه لهم، والإيقاظ عن سنة الغفلة، وفيه أنهم قومه وأنه من آل فرعون. والمعنى: أخبروني عنكم كيف هذه الحال؟ (أدعوكم إلى النجاة) من النار ودخول الجنة بالإيمان بالله وإجابة رسله (وتدعونني إلى النار) بما تريدونه مني من الشرك، وقيل: المعنى ما لكم أدعوكم؟ كما تقول ما لي أراك حزيناً؟ أي مالك؟ ثم فسر الدعوتين فقال: تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)
غافر 40:42
(تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ) أي ما لا علم لي بكونه شريكاً لله، والمراد بنفي العلم نفي المعلوم بدل من تدعونني الأولى على جهة البيان لها، وأتى بجملة فعلية لتدل على أن دعوتهم باطلة لا ثبوت لها، وفي قوله (وأنا أدعوكم) بجملة اسمية لتدل على ثبوت دعوته وتقويتها (إلى العزيز) الغالب على أمره، وفي انتقامه ممن كفر (الغفار) لذنب من آمن به وتاب.
غافر 40:43
(لا جرم) قد تقدم تفسير هذا في سورة هود وجرم فعل ماض بمعنى حق، ولا الداخلة عليه لنفي ما ادعوه، ورد ما زعموه، وفاعل هذا الفعل هو قوله: (أن ما تدعونني إليه) أي حق ووجب بطلان دعوته، وما بمعنى الذي؛ فكان حقها أن تكتب مفصولة من النون كما هو القاعدة، لكنها رسمت في المصحف الإمام موصولة بالنون كما أشار له ابن الجزري (ليس له دعوة) قال الزجاج: معناه ليس له استجابة دعوة تنفع؛ وقيل: ليس له دعوة توجب الألوهية (في الدنيا ولا في الآخرة) وقال الكلبي ليس له شفاعة (وأن مردنا إلى الله) أي مرجعنا ومصيرنا إليه بالموت أولاً وبالبعث آخراً فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر.
(وأن المسرفين) أي المستكثرين من معاصي الله: قال قتادة وابن سيرين: يعني المشركين، وقال مجاهد والشعبي هم السفهاء السفاكون للدماء بغير حقها؛ وبه قال ابن مسعود، وقال عكرمة الجبارون المتكبرون، وقيل: هم الذين تعدوا حدود الله، والمعنى حق أن المسرفين (هم أصحاب النار) أي أهل جهنم ولما بلغ ذلك المؤمن في باب النصيحة إلى هذا الكلام ختم كلامه بخاتمة لطيفة فقال
غافر 40:44
(فستذكرون ما أقول لكم) إذا نزل بكم العذاب وتعلمون أني قد بالغت في نصحكم وتذكيركم، وهو كلام مجمل مبهم، وفي هذا الإبهام والإجمال من التخويف والتهديد ما لا يخفى.
(وأفوض أمري إلى الله) مستأنف، أي أتوكل عليه وأسلم أمري إليه قيل: إنه قال هذا لما أرادوا الإيقاع به، قال مقاتل: هرب هذا المؤمن إلى الجبل فطلبوه فلم يقدروا عليه وقيل: القائل هو موسى والأول أولى (إن الله بصير بالعباد) يعلم المحق من المبطل.
غافر 40:45
(فوقاه الله سيئات ما مكروا) أي ما أرادوا به من المكر السيء وما هموا به من إلحاق أنواع العذاب بمن خالفهم، قال قتادة نجاه الله مع بني إسرائيل من الغرق (وحاق بآل فرعون) أي أحاط بهم ونزل عليهم (سوء العذاب) قال الكسائي: يقال حاق يحيق حيقاً وحيوقاً إذا نزل ولزم قال الكلبي غرقوا في البحر ودخلوا النار، والمراد بآل فرعون فرعون وقومه، وترك التصريح به للاستغناء بذكرهم عن ذكره، لكونه أولى بذلك منهم، أو المراد بآل فرعون فرعون نفسه، والأول أولى لأنهم قد عذبوا في الدنيا جميعاً بالغرق وسيعذبون في الآخرة بالنار، ثم بين سبحانه ما أجمله من سوء العذاب فقال: النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49)
غافر 40:46
(النار يعرضون) أي تعرض أرواحهم من حين موتهم إلى قيام الساعة (عليها غدواً وعشياً) أي صباحاً ومساء، فارتفاع النار على أنها بدل من سوء العذاب وقيل: على أنها خبر مبتدأ محذوف، أو مبتدأ وخبره يعرضون والأول أولى ورجحه الزجاج، وعلى الوجهين الأخيرين تكون الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر وقرىء بالنصب على تقدير فعل يفسره يعرضون من حيث المعنى، أي يصلون النار يعرضون عليها أو على الاختصاص وأجاز الفراء الخفض على البدل من العذاب.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار، يقال له: هذا مقعدك حين يبعثك الله إليه يوم القيامة " زاد ابن مردويه ثم قرأ (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً)، وعرضهم عليها إحراقهم بها، يقال عرض الإمام الأساري على السيف إذا قتلهم به، أي في هذين الوقتين يعذبون بالنار، وفيما بين ذلك إما أن يعذبوا بجنس آخر أو ينفس عنهم، ويجوز أن يكون غدواً وعشياً عبارة عن الدوام [[البخاري 3/ 193/مسلم 4/ 2199.]].
واحتج بعض أهل العلم على إثبات عذاب القبر بهذه الآية أعاذنا الله تعالى منه بمنه وكرمه، وبه قال مجاهد وعكرمة ومحمد بن كعب كلهم، قال القرطبي: إن أرواحهم في جوف طير سود تغدو على جهنم وتروح كل يوم مرتين، فذلك عرضها انتهى. وقد حققنا ذلك في كتابنا ثمار التنكيت في شرح أبيات التثبيت، بالفارسية فليعلم، ثم ذهب الجمهور إلى أن هذا العرض هو في البرزخ وقيل هو في الآخرة. قال الفراء: ويكون في الآية تقديم وتأخير، أي: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، النار يعرضون عليها غدواً وعشياً، ولا ملجىء إلى هذا التكلف فإن قوله: (ويوم تقوم الساعة) الخ يدل دلالة واضحة على أن ذلك العرض هو في البرزخ.
(أدخلوا) أي يقال للملائكة: أدخلوا (آل فرعون أشد العذاب) هو عذاب النار فإنه أشد مما كانوا فيه، وقيل: أنواع من العذاب بعضها أشد من بعض غير التي كانوا يعذبون بها منذ أغرقوا، قرأ حمزة والكسائي ونافع وحفص: أدخلوا بقطع الهمزة وكسر الخاء، وهو على تقدير القول كما ذكر وقرأ الباقون ادخلوا بهمزة وصل من دخل يدخل أمرآ لآل فرعون بالدخول بتقدير حرف النداء أي ادخلوا يا آل فرعون أشد العذاب، عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما أحسن محسن مسلم أو كافر إلا أثابه الله، قلنا يا رسول الله ما إثابة الكافر؟ قال المال والولد والصحة وأشباه ذلك، قلنا وما إثابته في الآخرة؟ قال عذاباً دون العذاب، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب) أخرجه البزار وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان.
غافر 40:47
(وإذ يتحاجون في النار) أي اذكر لقومك وقت تخاصمهم في النار، ثم بين سبحانه هذا التخاصم فقال: (فيقول الضعفاء للذين استكبروا) عن الانقياد للأنبياء والأتباع لهم، وهم رؤساء الكفر (إنا كنا لكم تبعاً) فتكبرتم على الناس بنا، والتبع جمع تابع كخدم وخادم أو مصدر واقع موقع اسم الفاعل، أي تابعين أو ذوي تبع، قال البصريون التبع يكون واحداً ويكون جمعاً، وقال الكوفيون هو جمع لا واحد له.
(فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار) أي هل تدفعون عنا نصيباً منها؟ أو تحملونه معنا، وجملة
غافر 40:48
(قال الذين استكبروا إنا كل فيها) مستأنفة جواب سؤال مقدر قرأ الجمهور (كل) بالرفع على الابتداء، وخبره (فيها) والجملة خبر إن قاله الأخفش، وقرأ ابن السميفع وعيسى ابن عمر (كُلاًّ) بالنصب، قال الكسائي والفراء على التأكيد لاسم إن بمعنى كلنا، وتنوينه عوض عن المضاف إليه؛ وقيل على الحال، ورجحه ابن مالك، والمعنى إنا نحن وأنتم جميعاً في جهنم، فكيف نغني عنكم؟ ولو قدرنا لأغنينا عن أنفسنا.
(إن الله قد حكم بين العباد) أي قضى بينهم بأن فريقاً في الجنة وفريقاً في السعير، فلا يغني أحد عن أحد شيئاً فعند ذلك يحصل اليأس للأتباع من المتبوعين، فيرجعون كلهم إلى خزنة جهنم يسألونهم، كما قال:
غافر 40:49
(وقال الذين في النار) من الأمم الكافرة، مستكبرهم وضعيفهم جميعاً (لخزنة جهنم) جمع خازن، وهم القوام بتعذيب أهل النار، وإنما لم يقل لخزنتها لأن في ذكر جهنم تهويلاً وتفظيعاً، أو لبيان محلهم فيها فإن جهنم هي أبعد النار قعراً من قولهم بئر جهنام، بعيدة القعر. وفيه أعتى الكفار وأطغاهم، فلعل الملائكة الموكلين لعذاب أولئك أجوب دعوة لزيادة قربهم من الله، فلهذا تعمدهم أهل النار بطلب الدعوة منهم.
(ادعوا ربكم يخفف عنا يوماً من العذاب) أي شيئاًً منه مقدار يوم من أيام الدنيا لأنه ليس في الآخرة ليل ولا نهار.
قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (53) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (54) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (55)
غافر 40:50
(قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ) مستأنفة جواب سؤال مقدر والاستفهام للتقريع والتوبيخ (قالوا بلى) أي أتونا بها فكذبناهم، ولم نؤمن بهم، ولا بما جاءوا به من الحجج الواضحة، فلما اعترفوا (قالوا) أي قال لهم الملائكة الذين هم خزنة جهنم تهكماً بهم: (فادعوا) أي إذا كان الأمر كذلك، فادعوا أنتم فإنا لا ندعو لمن كفر بالله وكذب رسله بعد مجيئهم بالحجج الواضحة، ثم أخبروهم بأن دعاءهم لا يفيد شيئاًً فقالوا:
(وما دعاء الكافرين إلا في ضلال) أي في ضياع وبطلان، وخسار وتبار وانعدام، وفيه إقناط لهم عن الإجابة، وقيل: هو من قول الله تعالى إخباراً لنبيه وهو أنسب بما بعده وعليه جرى المحلي والشهاب:
ْ
غافر 40:51
(إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) مستأنفة من جهة الله سبحانه، أي نجعلهم الغالبين لأعدائهم، القاهرين لهم، والموصول في محل نصب عطفاً على رسلنا أي لننصر رسلنا وننصر الذين آمنوا معهم (في الحياة الدنيا) بما عودهم الله من الانتقام لهم بالقتل والسلب والأسر، وقيل بالغلبة والقهر، وقيل بالحجة، وقيل بالانتقام لهم من الأعداء بالاستئصال، وإن غلبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحاناً من الله عز وجل، والعاقبة لهم، كما نصر يحيى ابن زكريا لما قتل، فإنه قتل به سبعين ألفاً، وكما نصر الحسين بن علي الشهيد فإنه قتل به سبعين ألفاً أيضاًً.
أخرج أحمد والترمذي وحسنه، وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من ردّ ... عن عرض أخيه رد الله عن وجهه نار جهنم يوم القيامة "، ثم تلا (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا) وأخرج ابن مردويه من حديث أبي هريرة مثله.
(ويوم يقوم الأشهاد) هو يوم القيامة قال زيد بن أسلم الأشهاد هم الملائكة والنبيون والمؤمنون. وقال مجاهد والسدي الأشهاد الملائكة، يشهدون للأنبياء بالإبلاغ، وعلى الأمم بالتكذيب. وقيل الحفظة يشهدون على بني آدم بما عملوا من الأعمال، وكذا الجوارح تشهد عليهم بما فعلوا، قال الزجاج الأشهاد جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب، قال النحاس ليس لباب فاعل أن يجمع على أفعال، ولا يقاس عليه ولكن ما جاء منه مسموعاً أدى على ما سمع فهو على هذا جمع شهيد، مثل شريف وأشراف، ومعنى نصرهم يوم القيامة أن الله يجازيهم بأعمالهم فيدخلهم الجنة، ويكرمهم بكراماته، ويجازي الكفار بأعمالهم، فيلعنهم ويدخلهم النار وهو معنى قوله:
غافر 40:52
(يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) قرأ نافع والكوفيون بالتحتية وقرأ الجمهور تنفع بالفوقية، والكل جائز في اللغة، وإنما لم تنفعهم المعذرة لأنها معذرة باطلة، وعلة داحضة. وشبهة زائغة (ولهم اللعنة) أي البعد عن الرحمة (ولهم سوء الدار) أي النار.
غافر 40:53
(ولقد آتينا موسى الهدى) هذا من جملة ما قصه الله سبحانه قريباً من نصره لرسله، أي آتيناه التوراة والنبوة، كما في قوله سبحانه (إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور) قال مقاتل: الهدى من الضلالة يعني التوراة (وأورثنا بني إسرائيل) أي بعد ما كانوا فيه من الذل (الكتاب) أي التوراة والمعنى أن الله سبحانه لما أنزل التوراة على موسى بقيت بعده فيهم وتوارثوها خلفاً عن سلف وقيل المراد بالكتاب سائر الكتب المنزلة على أنبياء بني إسرائيل بعد موت موسى
غافر 40:54
(هدى وذكرى) أي لأجلهما أو هادياً ومذكراً ومرشداً (لأولي الألباب) أي لأهل العقول السليمة.
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على الأذى فقال:
غافر 40:55
(فاصبر) أي اصبر على أذى المشركين كما صبر من قبلك من الرسل، قال الكلبي: فنسخت آية القتال آية الصبر (إن وعد الله) الذي وعد رسله به (حق) لا خلف فيه، ولا شك في وقوعه، كما في قوله (إنا لننصر رسلنا) وقوله (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ) ثم أمره الله سبحانه يالاستغفار لذنبه فقال:
(واستغفر لذنبك) قيل: المراد ذنب أمتك فهو على حذف مضاف وقيل المراد الصغائر عند من يجوزها على الأنبياء، وقيل: هو مجرد تعبد له صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لزيادة الثواب، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
(وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار) أي دم على تنزيه الله متلبساً بحمده وقيل المراد الصلوات الخمس، والعشي هو من بعد الزوال، وفيه أربع صلوات، والإبكار من الفجر إلى الزوال، وفيه صلاة واحدة.
وقيل: المراد صل في الوقتين صلاة العصر وصلاة الفجر، قاله الحسن وقتادة، وقيل هما صلاتان: ركعتان غدوة، وركعتان عشية، وذلك قبل أن تفرض الصلوات الخمس.
إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (56) لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (57) وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلًا مَا تَتَذَكَّرُونَ (58)
غافر 40:56
(إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ) عام في كل مجادل وإن نزل في مشركي مكة، قاله أبو السعود (في آيات الله) أي القرآن (بغير سلطان أتاهم) أي بغير حجة ظاهرة واضحة جاءتهم من جهة الله سبحانه تقييداً لمجادلة بذلك مع استحالة إتيانه للإيذان بأن المتكلم في أمر الدين لا بد من استناده إلى سلطان مبين.
(إن في صدورهم إلا كبر) أي ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق يحملهم على تكذيبك (ما هم ببالغيه) صفة لكبر: قال الزجاج: بالغي إرادتهم فيه فجعله على حذف المضاف، وقال غيره بالغي كبرهم. وقال ابن قتيبة: كبر أي تكبر على محمد صلى الله عليه وسلم وطمع أن يبلغوه وما هم ببالغي ذلك، وقيل: المراد بالكبر الأمر الكبير، أي يطلبون النبوة ويطلبون أمراً كبيراً يصلون به إليك من القتل ونحوه، ولا يبلغون ذلك. وقال مجاهد معناه في صدورهم عظمة ما هم ببالغيها، والمراد بهذه الآية المشركون، وقيل اليهود.
عن أبي العالية قال: " إن اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الدجال يكون منا في آخر الزمان، ويكون من أمره فعظموا أمره، وقالوا يصنع كذا ويصنع كذا، فأنزل الله هذه الآية. قال: لا يبلغ الذي يقول، فاستعذ بالله، فأمر نبيه أن يتعوذ من فتنة الدجال، لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الدجال، أخرجه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، قال السيوطي: بسند صحيح، وعن كعب الأحبار قال: هم اليهود نزلت فيهم، فيما ينتظرونه من أمر الدجال. وقال مجاهد (إلا كبر) أي عظمة قريش، ثم أمره الله سبحانه بأن يستعيذ بالله من شرورهم فقال:
(فاستعذ بالله) أي فالتجىء إليه من شرهم، وكيدهم، وبغيهم عليك (إنه هو السميع) لأقوالهم (البصير) بأفعالهم لا تخفى عليه من ذلك خافية ثم بين سبحانه عظيم قدرته فقال
غافر 40:57
(لخلق السموات والأرض) ابتداء من غير سبق مادة (أكبر من خلق الناس) أي أعظم في النفوس، وأجل في الصدور، لعظم إجرامهما واستقرارهما من غير عمد، وجريان الأفلاك بالكواكب من غير سبب، وأشق بحسب عادة الناس في مزاولة الأفعال من أن علاج الشيء الكبير أشق من علاج الصغير، وإن كان بالنسبة إلى الله لا تفاوت بين الصغير والكبير، فكيف ينكرون البعث وإحياء ما هو دونهما من كل وجه؟ كما في قوله.
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) قال أبو العالية المعنى لخلق السموات والأرض أعظم من خلق الدجال حين عظمته اليهود، وقال يحيى بن سلام هو احتجاج على منكري البعث أي هما أكبر من إعادة خلق الناس.
(ولكن أكثر الناس) أي كفار مكة (لا يعلمون) بعظم قدرة الله، وأنه لا يعجزه شيء فهم كالأعمى، ومن يعلمه كالبصير وقد وردت أحاديث صحيحة كثيرة في ذكر الدجال وصفته، وإنذار الرسل منه لأمتهم وخروجه في آخر الزمان، وما يقع منه، ومن يتبعه من اليهود، كما حققناه في حجج الكرامة في آثار القيامة، وليس هذا موضع ذكرها وبسطها، وإليه ذهب جميع أهل السنة والمحدثين والفقهاء خلافاً لمن أنكره، وأبطل أمره من الخوارج والجهمية وبعض المعتزلة، وخلافاً للجبائي وموافقيه في أنه صحيح الوجود: ولكن الأشياء التي يأتي بها زعموا أنها مخاريف وخيالات لا حقائق لها والأخبار الصحيحة المتواترة تدفعه وترده رداً مشبعاً.
ثم لما ذكر سبحانه الجدال بالباطل ذكر مثالاً للباطل والحق، وأنهما لا يستويان فقال:
غافر 40:58
(وما يستوي الأعمى والبصير) أي الذي يجادل بالباطل الذي يجادل بالحق، أو الغافل والمستبصر (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي ولا يستوي المحسن بالإيمان والعمل الصالح.
(ولا المسيء) بالكفر والمعاصي، وزيادة (لا) للتأكيد، والتقابل يجيء على ثلاث طرق إحداها أن يجاور المناسب ما يناسبه كهذه الآية، والثانية أن يتأخر المتقابلان كقوله تعالى (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع)، والثالثة أن يقدم مقابل الأول ويؤخر مقابل الآخر، كقوله تعالى (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (19) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ) وكل ذلك تفنن في البلاغة، وقدم الأعمى في نفي التساوي لمجيئه بعد صفة الذم في قوله (ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
(قليلاً ما يتذكرون) بالتحتية على الغيبة لأن قبلها وبعدها على الغيبة لا على الخطاب، واختارها أبو عبيد وأبو حاتم، وبالفوقية على الخطاب بطريقة الالتفاف وفائدته في مقام التوبيخ هي إظهار العنف الشديد، والإنكار البليغ أفاده الكرخي.
إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (59) وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (60) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61)
غافر 40:59
(إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا) أي لا شك في مجيئها وحصولها وقيامها لوضوح شواهدها، وإجماع الرسل على الوعد بوقوعها، ولأنه لا بد من جزاء لئلا يكون خلق الخلق للفناء خاصة (ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) بتلك ولا يصدقونه لقصور أفهامهم، وضعف عقولهم، عن إدراك الحجة، والمراد بأكثر الناس الكفار الذين ينكرون البعث، ثم لما بين سبحانه أن قيام الساعة حق وليس بمرتاب فيها. ولا شبهة في مجيئها، أرشد عباده إلى ما هو الوسيلة إلى السعادة في دار الخلود فأمر رسوله صلى الله عليه وسلم أن يحكي عنه ما أمره بإبلاغه وهو:
غافر 40:60
(وقال ربكم ادعوني استجب لكم) قال أكثر المفسرين: المعنى وحدوني واعبدوني أتقبل عبادتكم، وأغفر لكم، وأجبكم وأثبكم. وقيل: هذا الوعد بالإجابة مقيد بالمشيئة، أي استجب لكم إن شئت، كقوله (فيكشف ما تدعون إليه إن شاء الله) وقيل: المراد بالدعاء السؤال بجلب النفع ودفع الضر، قيل: الأول أولى لأن الدعاء في أكثر استعمالات الكتاب العزيز هو العبادة.
قلت: بل الثاني أولى، لأن معنى الدعاء حقيقة وشرعاً هو الطلب، فإن استعمل في غير ذلك فهو مجاز، على أن الدعاء في نفسه باعتبار معناه الحقيقي هو عبادة، بل مخ العبادة، كما ورد بذلك الحديث الصحيح، فالله سبحانه قد أمر عباده بدعائه، ووعدهم بالإجابة، ووعده الحق، وما يبدل القول لديه، ولا يخلف الميعاد.
وعن ابن عباس قال: وحدوني أغفر لكم، وقال جرير بن عبد الله اعبدوني، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدعاء الاستغفار " أخرجه ابن مردويه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من لم يدع الله يغضب عليه، أخرجه أحمد والحاكم وابن أبي شيبة. وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا ينفع حذر من قدر، ولكن الدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، فعليكم بالدعاء "، أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدعاء مخ العبادة " [[الدعاء وهو العبادة أخرجه أحمد 4/ 271 وغيره.]] أخرجه الترمذي والحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وعن ابن عباس قال أفضل العبادة الدعاء، وقرأ هذه الآية، وأخرج البخاري في الأدب عن عائشة قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم " أي العبادة أفضل؟ فقال دعاء المرء لنفسه ". ثم صرح سبحانه بأن هذا الدعاء باعتبار معناه الحقيقي وهو الطلب هو من عبادته فقال:
(إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ) قرأ الجمهور بفتح الياء وضم الخاء وقرىء بالعكس مبينا للمفعول (دَاخِرِينَ) أي ذليلين صاغرين، وهذا وعيد شديد لمن استكبر عن دعاء الله، وفيه لطف بعباده عظيم، وإحسان إليهم جليل حيث توعد من ترك طلب الخير منه واستدفاع الشر به بهذا الوعيد البالغ، وعاقبه بهذه العقوبة العظيمة، فيا عباد الله وجهوا رغباتكم، وعولوا في كل طلباتكم على من أمركم بتوجيهها إليه، وأرشدكم إلى التعويل عليه، وكفل لكم الإجابة باعطاء الطلبة فهو الكريم المطلق، الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويغضب على من لم يطلب من فضله العظيم، وملكه الواسع ما يحتاجه من أمور الدنيا والدين.
وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الدعاء هو العبادة " ثم قرأ: وقال ربكم أدعوني إلى قوله داخرين، أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، والبخاري في الأدب، وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن حبان والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب، وأحمد وابن أبي شيبه وعبد بن حميد وسعيد بن منصور والطبراني.
ثم ذكر سبحانه بعض ما أنعم به على عباده فقال:
غافر 40:61
(الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه) من الحركات في طلب الكسب لكونه جعله مظلماً بارداً تناسبه الراحة الظاهرية، بالسكون والنوم الذي هو الموت الأصغر، والراحة الحقيقية بالعبادة التي هي الحياة الدائمة (والنهار مبصراً) أي مضيئاً لتبصروا فيه حوائجكم، وتنصرفوا في طلب معايشكم، وهو من الإسناد المجازي، أي مبصراً فيه لأن الإبصار في الحقيقة لأهل النهار.
(إن الله لذو فضل على الناس) يتفضل عليهم بنعمه التي لا تحصى، ولِم يقل لمفضل أو لمتفضل لأن المراد تنكير الفضل، وأن يجعل فضلاً لا يوازيه فضل، وذلك إنما يكون بالإضافة (ولكن أكثر الناس لا يشكرون) النعم ولا يعترفون بها إما لجحودهم لها ولكفرهم بها، كما هو شأن الكفار، أو لإغفالهم للنظر وإهمالهم لما يجب من شكر المنعم وهم الجاهلون، ولم يقل: ولكن أكثرهم حتى لا يتكرر ذكر الناس، لأن في هذا التكرير تخصيصاً لكفران النعمة بهم، وأنهم هم الذين يكفرون فضل الله ولا يشكرونه كقوله (إن الإنسان لكفور) وقوله: (إن الإنسان لظلوم كفار).
ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (62) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (63) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَاءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِنْ رَبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (66)
غافر 40:62
(ذلكم) أي الفاعل المخصوص بالأفعال المقتضبة للألوهية والربوبية (الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو) بيّن سبحانه في هذا كمال قدرته، المقتضية لوجوب توحيده (فأنى تؤفكون) أي فكيف تنقلبون عن عبادته وتنصرفون عن توحيده؟ وتصرفون عن الإيمان مع قيام البرهان.
غافر 40:63
(كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون) أي مثل ذلك الإفك يؤفك الجاحدون لآيات الله، المنكرون لتوحيده، ثم ذكر لهم سبحانه نوعاً آخر من نعمه التي أنعم بها عليهم، مع ما في ذلك من الدلالة على كمال قدرته، وتفرده بالإلهية فقال:
غافر 40:64
(الله الذي جعل لكم الأرض قراراً) أي موضع قرار مع كونها في غاية الثقل ولا ممسك لها سوى قدرة الله وفيها تحيون وفيها تموتون (والسماء بناء) أي سقفاً قائماً ثابتاً مع كونها أفلاكاً دائرة بنجوم طول الزمان سائرة ينشأ عنها الليل والنهار، والإظلام والإضاءة، ثم بين بعض نعمه المتعلقة بأنفس العباد فقال:
(وصوركم فأحسن صوركم) أي خلقكم في أحسن صورة لم يخلق حيواناً أحسن منكم، وقيل: لم يخلقكم منكوسين كالبهائم قيل خلق ابن آدم قائماً معتدلاً يأكل ويتناول بيده، وغيره يتناول بفيه، وقال الزجاج خلقكم أحسن الحيوان كله، قرأ الجمهور صوركم بضم الصاد، وقرأ الأعمش وأبو رزين بكسرها قال الجوهري: والصور بكسر الصاد لغة في الصور بضمها (ورزقكم من الطيبات) أي المستلذات من المأكل والمشرب من غير رزق الدواب.
(ذلكم) المنعوت بهذه المنعوت الجليلة (الله ربكم فتبارك الله رب العالمين) أي كثر خيره وبركته
غافر 40:65
(هو الحي لا إله إلا هو) أي الباقي الذي لا يفنى، المتفرد بالألوهية، وهذا التركيب يفيد الحصر، وفيه إشارة إلى العلم التام والقدرة التامة الكاملة (فادعوه) أي اعبدوه (مخلصين له الدين) أي الطاعة والعبادة من الشرك.
(الحمد لله رب العالمين) قال الفراء هو خبر وفيه إضمار أمر، أي أحمدوه عن ابن عباس قال: من قال لا إله إلا الله فليقل إثرها الحمد لله رب العالمين وذلك قوله (فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين) وعلى هذا هو من كلام المأمورين بالعبادة، ويجوز أن يكون من كلامه تعالى على أنه استئناف لحمد ذاته بذاته.
ثم أمر الله سبحانه رسوله أن يخبر المشركين بأن الله نهاه عن عبادة غيره، وأمره بالتوحيد فقال:
غافر 40:66
(قل) لهم رداً عليهم فيما طلبوه منك وهو عبادة آلهتهم: (إني نهيت) نهياً عاماً ببراهين العقول ونهياً خاصاً بأدلة النقول (أن أعبد الذين تدعون) أي تعبدون (من دون الله) وهي الأصنام ثم بين وجه النهي فقال (لما جاءني البينات من ربي) وهي الأدلة العقلية والنقلية فإنها توجب التوحيد (وأمرت أن أسلم لرب العالمين) أي استسلم له بالانقياد والخضوع، أو الإخلاص ثم أردف هذا بذكر دليل من الأدلة الدالة على التوحيد فقال: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (67) هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (68) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ (69)
غافر 40:67
(هو الذي خلقكم) أي خلق أباكم الأول وهو آدم، وخلقه (من تراب) يستلزم خلق ذريته منه (ثم من نطفة ثم من علقة) قد تقدم تفسير هذا في غير موضع (ثم يخرجكم طفلاً) أي أطفالاً، وأفرده لكونه اسم جنس، أو على معنى: ثم يخرج كل واحد منكم طفلاً.
(ثم لتبلغوا أشدكم) وهي الحالة التي تجتمع فيها القوة والعقل من الثلاثين سنة إلى الأربعين، وقد سبق بيان الأشد مستوفي في الأنعام والتقدير لتكبروا شيئاًً فشيئاًً ثم لتبلغوا غاية الكمال (ثم) يبقيكم.
(لتكونوا شيوخاً) بضم الشين وبكسرها سبعيتان وقرىء شيخاً على الإفراد كقوله طفلاً والشيخ من جاوز أربعين سنة، يعني أن مراتب الإنسان بعد خروجه من بطن أمه ثلاث: الطفولية، وهي حالة النمو والزيادة إلى أن يبلغ كمال الأشد من غير ضعف، ثم يتناقص بعد ذلك وهي الشيخوخة.
(ومنكم من يتوفى من قبل) أي من قبل الأشد، ومن قبل الشيخوخة (ولتبلغوا) جميعاً (أجلاً مسمى) أي وقت الموت أو يوم القيامة، واللام هي لام التعليل أو العاقبة (ولعلكم تعقلون) أي لكي تعقلوا توحيد ربكم وقدرته البالغة في خلقكم على هذه الأطوار المختلفة إلى الأجل المذكور.
غافر 40:68
(هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي يقدر على الإحياء والإماتة (فإذا قضى أمراً) من الأمور التي يريدها (فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) من غير توقف على شيء من الأشياء أصلاً وهذا تمثيل لتأثير قدرته في المقدورات عند تعلق إرادته بها، وتصوير لسرعة ترتب المكونات على تكوينه، من غير أن يكون هناك آمر ومأمور، والفاء الأولى للدلالة على أن ما بعدها من نتائج ما قبلها من اختصاص الإحياء والإماتة به سبحانه وتعالى، قاله أبو السعود وقد تقدم تحقيق معناه في البقرة وفيما بعدها.
غافر 40:69
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) تعجيب من أحوالهم الشنيعة وآرائهم الركيكة، وتمهيد لما يعقبه من بيان تكذيبهم بكل القرآن، وبسائر الكتب والشرائع، وترتيب الوعيد على ذلك، كما أن ما سبق من قوله تعالى (إن الذين يجادلون في آيات الله) إلخ بيان لابتناء جدالهم على مبنى فاسد لا يكاد يدخل تحت الوجود هو الأمنية الفارغة، فلا تكرار فيه أي انظر إلى هؤلاء المكابرين المجادلين في آياته تعالى الواضحة، الموجبة للإيمان بها الزاجرة عن الجدال فيها كيف يصرفون عنها مع تعاضد الدواعي إلى الإقبال عليها؟ وانتفاء الصوارف عنها بالكلية، وقيام الأدلة الدالة على صحتها، وأنها في أنفسها موجبة للتوحيد قاله أبو السعود.
وقال النسفي ذكر الجدال في هذه السورة في ثلاثة مواضع، فجاز أن يكون في ثلاثة أقوام، أو ثلاثة أصناف، وللتأكيد انتهى. قال ابن زيد هم المشركون بدليل قوله الآتي
غافر 40:70
(الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا) قال القرطبي، وقال أكثر المفسرين نزلت في القدرية، قال ابن سيرين إن لم تكن هذه الآية نزلت في القدرية فلا أدري فيمن نزلت، ويجاب عن هذا بأن الله سبحانه قد وصف هؤلاء بصفة تدل على غير ما قالوه فقال: الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (70) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (71) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (73) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (74) ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (75)
(الذين كذبوا بالكتاب) وهذا وصف لا يصح أن يطلق على فرقة من فرق الإسلام، والمراد بالكتاب إما القرآن، أو جنس الكتب المنزلة من عند الله، والموصول إما في محل جر على أنه نعت للموصول الأول أو بدل منه، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم.
(وبما أرسلنا به رسلنا) معطوف على قوله (بالكتاب) ويراد به ما يوحى إلى الرسل من غير كتاب إن كانت اللام في الكتاب للجنس، أو سائر الكتب إن كان المراد بالكتاب القرآن.
(فسوف يعلمون) عاقبة أمرهم، ووبال كفرهم، وفي هذا وعيد شديد والظرف في قوله
غافر 40:71
(إذ الأغلال في أعناقهم) متعلق بـ (يعلمون) أي فسوف يعلمون. وقت كون الأغلال في أعناقهم، أو اذكر لهم وقت الأغلال ليخافوا وينزجروا (والسلاسل) جمع سلسلة معروفة قال الراغب تسلسل الشيء اضطرب، كأنه تصور منه تسلسل متردد فتردد لفظه، تنبيه على تردد معناه، وماء سلسل متردد في مقره، معطوف على الأغلال، والتقدير إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم.
ويجوز أن يرتفع السلاسل على أنه مبتدأ، وخبره محذوف لدلالة في أعناقهم عليه، ويجوز أن يكون خبره (يسحبون
غافر 40:72
في الحميم) بحذف العائد أي يسحبون بها في الحميم، وهذا على قراءة الجمهور برفع السلاسل، وقرىء بنصبها، وقرأوا يسحبون بفتح الياء مبنياً للفاعل، فتكون السلاسل مفعولاً مقدماً، وقرىء بجر السلاسل، قال الفراء وهذه القراءة محمولة على المعنى، إذ المعنى أعناقهم في الأغلال والسلاسل وقال الزجاج المعنى على هذه القراءة وفي السلاسل يسحبون، واعترضه ابن الأنباري بأن ذلك لا يجوز في العربية والسحب الجر بعنف، والسحاب من ذلك لأن الريح تجره أو لأنه يجر الماء، والحميم هو المتناهى في الحر، وقيل الصديد، وقيل جهنم. وقيل الماء الحار الذي يكسب الوجوه سواداً والأعراض عاراً، والأرواح عذاباً، والأجسام ناراً، وقد تقدم تفسيره قال ابن عباس يسحبون في الحميم فينسلخ كل شيء عليهم، من جلد ولحم وعرق، حتى يصير في عقبه، حتى إن لحمه قدر طوله، وطوله ستون ذراعاً، ثم يكسى جلداً آخر ثم يسجر في الحميم.
(ثم في النار يسجرون) يقال سجرت التنور، أي أوقدته، وسجرته ملأته بالوقود، ومنه (البحر المسجور) أي المملوء، فالمعنى توقد بهم النار أو تملأ بهم، والمراد أنهم يعذبون بألوان العذاب، وينقلون من باب إلى باب قال مجاهد ومقاتل: توقد بهم النار فصاروا وقودها، عن عبد الله بن عمرو قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذ الأغلال إلى قوله: يسجرون، فقال: لو أن رصاصة مثل هذه -وأشار إلى جمجمة- أرسلت من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمسمائة سنة، لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفاً الليل والنهار قبل أن يبلغ أصلها. أو قال: قعرها "، أخرجه أحمد والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في البعث والنشور.
غافر 40:73
(ثم قيل لهم) أي يقال لهم، وصيغة الماضي للدلالة على التحقق (أين ما كنتم تشركون) من دون الله هذا توبيخ وتقريع لهم، أي أين الشركاء الذين كنتم تعبدونهم من دون الله؟ وهي الأصنام وغيرها، وترسم أين مفصولة من ما كما أشار إليه ابن الجزري
غافر 40:74
(قالوا ضلوا عنا) أي يقولون: ذهبوا وغابوا، وفقدناهم فلا نراهم، ثم أضربوا عن ذلك وانتقلوا إلى الإخبار بعدمهم، وأنه لا وجود لهم فقالوا:
(بل لم نكن ندعو من قبل شيئاًً) أي لم نكن نعبد شيئاًً، قالوا هذا بعد ما تبين لهم ما كانوا فيه من الضلالة والجهالة، وأنهم كانوا يعبدون ما لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وليس هذا إنكاراً منهم لوجود الأصنام التي كانوا يعبدونها، بل اعتراف منهم بأن عبادتهم إياها كانت باطلة، كقولك: حسبته شيئاًً فلم يكن كذلك، وقال المحلي: أنكروا عبادتهم إياها انتهى. وهذا المعنى بعيد في مقام الحساب والعرض على رب العالمين (كذلك) الضلال الفظيع (يضل الله الكافرين) حيث عبدوا هذه الأصنام التي أوصلتهم إلى النار.
غافر 40:75
(ذلكم) أي ذلك الإضلال المدلول عليه بالفعل أو العذاب (بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق) أي تظهرون في الدنيا. من الفرح بمعاصي الله، والسرور بمخالفة رسله وكتبه، وقيل: بما كنتم تفرحون به من المال والأتباع والصحة، وقيل: من إنكار البعث والعذاب، وقيل: المراد بالفرح هنا البطر والتكبر (وبما كنتم تمرحون) المراد بالمرح الزيادة في البطر، وقال مجاهد وغيره: تبطرون وتأشرون، وقال الضحاك: الفرح السرور. والمرح العدوان وقال مقاتل: المرح البطر والخيلاء وقيل المرح أشد من الفرح.
ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (76) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (77) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (79) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (80) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (81)
غافر 40:76
(ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ) السبعة المقسومة لكم، قال تعالى: لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم، حال كونكم (خالدين فيها) أي مقدرين الخلود فيها (فبئس مثوى) أي مأوى (المتكبرين) عن قبول الحق جهنم وكان الظاهر أن يقال: مدخل، وعبر عنه بالمثوى لكون دخولهم بطريق الخلود قاله أبو السعود، وقال السمين لم يقل مدخل لأن الدخول لا يدوم، وإنما يدوم الثواء فلذلك خصه بالذم، وإن كان الدخول أيضاًً مذموماً، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر تسلية له فقال:
غافر 40:77
(فاصبر إن وعد الله) أي وعده بالانتقام منهم (حق) كائن لا محالة، إما في الدنيا أو في الآخرة، ولهذا قال: (فإما نرينك بعض الذي نعدهم) من العذاب في الدنيا، بالقتل والأسر والقهر، وما زائدة عند المبرد والزجاج، والأصل نرك، ولحقت بالفعل نون التأكيد (أو نتوفينك) معطوف على نرينك أي قبل إنزال العذاب بهم (فإلينا يرجعون) يوم القيامة فنعذبهم أشد العذاب.
غافر 40:78
(ولقد أرسلنا رسلاً) وأنبياء (من قبلك) إلى أممهم (منهم من قصصنا عليك) أي أنبأناك بأخبارهم في القرآن، وما لقوه من قومهم، وهم خمسة وعشرون (ومنهم من لم نقصص عليك) فيه خبره ولا أوصلنا إليك علم ما كان بينه وبين قومه، وعن علي بن أبي طالب في الآية قال: بعث الله عبداً حبشياً فهو ممن لم يقصص على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، عن أبي ذر قال: قلت: " يا رسول الله كم عدة الأنبياء؟ قال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً. الرسل من ذلك ثلثمائة وخمسة عشر جماً غفيراً "، أخرجه أحمد، وعبر عنه في الكشاف بقيل.
(وما كان) أي ما صح وما استقام (لرسول) منهم (أن يأتي بآية) أي معجزة دالة على نبوته (إلا بإذن الله) لا من قبل نفسه، فإن المعجزات عطايا قسمها الله تعالى بينهم، على ما اقتضته حكمته، كسائر القسم، ليس لهم اختيار في إيثار بعضها، والاستبداد بإتيان المقترح بها لأنهم عبيد مربوبون (فإذا جاء أمر الله) أي الوقت المعين لعذابهم في الدنيا وفي الآخرة (قضى بالحق) فيما بين الرسل ومكذبيها، فينجي الله بقضائه الحق عباده المحقين.
(وخسر هنالك) أي في ذلك الوقت (المبطلون) الذين يتبعون الباطل ويعملون به، وهم خاسرون في كل وقت قبل ذلك، وختمه بقوله: (المبطلون)، وختم السورة بقوله: (الكافرون)، لأن الأول متصل بقوله: قضى بالحق، ونقيض الحق هو الباطل، والثاني متصل بإيمان غير نافع ونقيض الإيمان الكفر أفاده الكرخي، ثم امتن الله سبحانه على عباده بنوع من أنواع نعمه التي لا تحصى فقال:
غافر 40:79
(الله الذي جعل لكم الأنعام) أي خلقها لأجلكم، قال الزجاج: الأنعام هنا الإبل خاصة، وقيل: الأزواج الثمانية، والأول هو الظاهر لأنها هي التي توجد فيها المنافع الآتية كلها، وقوله: (لتركبوا منها) تفصيل لهذا الإجمال، ومن للتبعيض، وكذلك في قوله:
(ومنها تأكلون) أو لابتداء الغاية في الموضعين ومعناها ابتداء الركوب، وابتداء الأكل، والأول أولى. والمعنى لتركبوا بعضها وتأكلوا بعضها.
غافر 40:80
(ولكم فيها منافع) أخر غير الركوب والأكل من الوبر والصوف والشعر، والزبد والسمن والجبن، والدر والنسل، وغير ذلك (ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم) قال مجاهد ومقاتل وقتادة: تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وقد تقدم بيان هذا مستوفى في سورة النحل:
(وعليها وعلى الفلك تحملون) أي على الإبل في البر، وعلى السفن في البحر، وقيل: المراد بالحمل على الأنعام هنا حمل الولدان والنساء في الهوادج، وهو السر في فصله عن الركوب، وفي الجمع بينهما من المناسبة التامة حتى سميت سفائن البر، ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة النحل (والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع) الآية، لكن هذه أجمع منها.
غافر 40:81
(ويريكم آياته) أي دلالاته الدالة على كمال قدرته ووحدانيته (فأي) آية من (آيات الله تنكرون) فإنها كلها من الظهور، وعدم الخفاء، بحيث لا ينكرها منكر، ولا يجحدها جاحد، وفيه تقريع لهم وتوبيخ عظيم وتذكير أي أشهر من تأنيثه، فلذلك لم يقل فأية آيات الله لأن التفرقة بين المذكر والمؤنث في الأسماء الجامدة نحو حمار وحمارة غريب، وهي في أي أغرب لابهامها، ونصب أي بـ (تنكرون) وإنما قدم على العامل فيه لأن له صدر الكلام، ثم أرشدهم سبحانه إلى الاعتبار والتفكر في آيات الله فقال: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (85)
غافر 40:82
(أفلم يسيروا في الأرض) أي في أطرافها ونواحيها (فينظروا) بأبصارهم وبصائرهم (كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) من الأمم التي عصت الله وكذبت رسلها، فإن الآثار الموجودة في ديارهم تدل على ما نزل بهم من العقوبة، وما صاروا إليه من سوء العاقبة، ثم بين سبحانه أن تلك الأمم كانوا فوق هؤلاء في الكثرة والقوة فقال:
(كانوا أكثر منهم) عدداً (وأشد قوة) أي أقوى منهم أجساداً وأوسع منهم أموالاً (و) أظهر منهم (آثاراً في الأرض) بالعمائر والمصانع والحصون والصهاريج والحرث (فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون) يجوز أن تكون (ما) الأولى نافية أو استفهامية منصوبة بأغنى، والثانية موصولة أو مصدرية مرفوعة به، أي لم يغن عنهم أو أي شيء أغنى عنهم مكسوبهم أو كسبهم.
غافر 40:83
(فلما جاءتهم رسلهم بالبينات) أي بالحجج الواضحات، والمعجزات الظاهرات (فرحوا بما عندهم من العلم) أي أظهر الكفار الفرح بما عندهم مما يدعون أنه من العلم، من الشبه الداحضة، والدعاوى الزائغة، والفنون الفاسدة، والعلوم الكاسدة، وسماه علماً تهكماً بهم، أو على ما يعتقدونه، وقال مجاهد: قالوا نحن أعلم منهم لن نعذب ولن نبعث، وقيل المراد من العلم علم أحوال الدنيا لا الدين كما في قوله:
(يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا) قال النسفي: أو علم الفلاسفة والدهريين، فإنهم كانوا إذا سمعوا بوحي الله دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم، وعن سقراط أنه سمع بموسى وقيل له لو هاجرت إليه؟ فقال: نحن قوم مهذبون فلا حاجة بنا إلى من يهذبنا، أو المراد فرحوا بما عند الرسل من العلم فرح ضحك واستهزاء به، كأنه قال: استهزأوا بالبينات وبما جاؤوا به من علم الوحي، فرحين مرحين، انتهى: وقيل: الذين فرحوا بما عندهم من العلم هم الرسل، وذلك أنهم لما كذبهم قومهم وأعلمهم الله بأنه مهلك الكافرين ومنجى المؤمنين، ففرحوا بذلك.
(وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) أي أحاط بهم جزاء استهزائهم
غافر 40:84
(فلما رأوا باسنا) أي عاينوا عذابنا النازل بهم في الدنيا (قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين) وهي الأصنام التي كانوا يعبدونها.
غافر 40:85
(فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) أي عند معاينة عذابنا لأن ذلك الإيمان ليس بالإيمان النافع لصاحبه، فإنه إنما ينفع الإِيمان الاختياري لا الإِيمان الاضطراري، والفاآت من قوله: فما أغنى إلى هنا أربع: الأولى لبيان عاقبة كثرتهم وشدة قوتهم، أي أن عاقبتها خلاف وضد ما كانوا يؤملونه منها، وهو نفعها، فلم يترتب عليها، بل ترتب عدمه، كقولك: وعظته فلم يتعظ، والثانية تشير لتفصيل ما أبهم وأجمل من عدم الإغناء، والثالثة لمجرد التعقيب، وجعل ما بعدها تابعاً لما قبلها واقعاً عقيبه، لأن مضمون قوله: فلما جاءتهم الخ أنهم كفروا فكأنه قيل فكفروا ثم لما رأوا بأسنا آمنوا والرابعة للعطف على آمنوا، كأنه قيل: فآمنوا فلم ينفعهم، لأن النافع هو الإيمان الاختياري [[زاد المسير/238.]].
(سنة الله التي قد خلت) أي مضت (في عباده) المعنى أن الله سبحانه سن هذه السنة في الأمم كلها أنه لا ينفعهم الإيمان إذا رأوا العذاب، وقد مضى بيان هذا مستوفى في سورة النساء وسورة التوبة، وانتصاب سنة على أنها مصدر مؤكد لفعل محذوف بمنزلة وعد الله، وما أشبهه من المصادر المؤكدة، وقيل منصوب على التحذير أي احذروا يأهل مكة سنة الله في الأمم الماضية، والأول أولى.
(و) قد (خسر هنالك الكافرون) أي وقت رؤيتهم بأس الله، ومعاينتهم لعذابه على أنه اسم مكان قد استعير للزمان كما سلف آنفا قاله أبو السعود وقال السمين: لا يحتاج لهذا، بل يصح إبقاؤه على أصله، قال الزجاج: الكافر خاسر في كل وقت، ولكنه يتبين لهم خسرانهم إذا رأوا العذاب.
فصلت 41:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة حم السجدة
تسمى سورة فصلت وسورة المصابيح وهي أربع وخمسون آية
وقيل: ثلاث وخمسون، قال القرطبي: وهي مكيّة في قول الجميع، قال ابن عباس: أنها نزلت بمكة، وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى والحاكم وصححه، وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل، وابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: اجتمع قريش يوماً فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا. وعاب ديننا فليكلمه، ولينظر ماذا يرد عليه؟ فقالوا: ما نعلم أحداً غير عتبة بن ربيعة، فقالوا: ائت يا أبا الوليد، فأتاه فقال يا محمد أنت خير أم عبد الله؟ أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبدت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك، فرقت جماعتنا، وشتت أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحراً، وأن في قريش كاهناً، والله ما تنتظر إلا مثل صيحة الحبلي، أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف، يا رجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلاً، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشراً، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، " فرغت "؟ قال نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " بسم الله الرحمن الرحيم: (حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ) حتى بلغ: (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ): فقال عتبة حسبك حسبك ما عندك غير هذا؟ قال: " لا "، فرجع إلى قريش فقالوا: ما وراءك؟ قال: ما تركت شيئاً أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا فهل أجابك؟ قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئاً مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود.
قالوا ويلك، يكلمك الرجل بالعربية، وما تدري ما قال، قال: لا والله ما فهمت شيئاً مما قال غير ذكر الصاعقة.
وأخرج أبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عمر قال: " لما قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم -، على عتبة بن ربيعة حم أتى أصحابه فقال: يا قوم أطيعوني في هذا اليوم واعصوني بعده، فوالله لقد سمعت من هذا الرجل كلاماً ما سمعت أذني قط كلاماً مثله: وما دريت ما أرد عليه، وفي هذا الباب روايات تدل على اجتماع قريش وإرسالهم عتبة بن ربيعة، وتلاوته - صلى الله عليه وسلم -، أو هذه السورة عليه: بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (2) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (6) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (7)
(بسم الله الرحمن الرحيم
حم) قد تقدم الكلام على إعرابه ومعناه في السورة التي قبل هذه السورة. فلا نعيده والله أعلم بمراده به، وكذلك تقدم الكلام على معنى قوله:
فصلت 41:2
(تنزيل من الرحمن الرحيم) وإعرابه، وإنما خص هذين الوصفين بالذكر لأن الخلق في هذا العالم كالمرضى المحتاجين، والقرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من الأدوية، وعلى ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية، فكان أعظم النفع من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشىء عن رحمته ولطفه بخلقه.
فصلت 41:3
(كتاب فصلت) أي بينت وميزت باعتبار اللفظ والمعنى، أو جعلت (آياته) أساليب وتفاصيل مختلفة، من أحكام وأمثال ومواعظ وعجائب أحوال النبات والحيوان والإنسان، وتهذيب الأخلاق، ورياضة النفس وتواريخ الماضين، وصفات التنزيه والتقديس، وشرح غرائب الملكوت والملك، وبالجملة فمن أنصف علم أنه ليس في بدء الخلق وغايته كتاب اجتمع فيه من العلوم المختلفة مثل ما في القرآن (فتبارك الله رب العالمين) وأحسن الخالقين.
قال قتادة: فصلت ببيان حلاله من حرامه، وطاعته من معصيته وقال الحسن بالوعد والوعيد، وقال سفيان: بالثواب والعقاب، ولا مانع من الحمل على الكل، وقرىء فصلت بالتخفيف أي فرقت بين الحق والباطل، والجملة في محل رفع صفة للكتاب.
وانتصاب: (قُرْآنًا عَرَبِيًّا) على الاختصاص أو على المدح قاله الأخفش أي أريد بهذا الكتاب المفصل قرآناً من صفته كيت وكيت أو على الحال أي فصلت آياته حال كونه قرآناً وقيل على المصدرية أي يقرؤه قرآناً وقيل مفعول ثان لفصلت، وقيل: على إضمار فعل يدل عليه فصلت أي فصلناه قرآناً عربياً.
(لقوم يعلمون) معانيه ويفهمونها، وهم أهل اللسان العربي، وإنما خصوا بالذكر لأنهم يفهمونها بلا واسطة، لكون القرآن بلغتهم، وغيرهم لا يفهمها إلا بواسطتهم. قال الضحاك: أي يعلمون أن القرآن منزل من عند الله، وقال مجاهد أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل واللام متعلقة بمحذوف صفة أخرى لقرآناً، أو متعلقة بفصلت، والأول أولى، وكذلك:
فصلت 41:4
(بشيراً ونذيراً) صفتان أخريان لقرآن، أو حالان من كتاب، والمعنى بشيراً لأولياء الله ونذيراً لأعدائه وقرئا بالرفع على أنهما صفة لكتاب أو خبر عن محذوف.
(فأعرض أكثرهم) أي الكفار عما اشتمل عليه من النذارة (فهم لا يسمعون) سماعاً ينتفعون به لإعراضهم عنه
فصلت 41:5
(وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه) الأكنة جمع كنان، وهو الغطاء أي في أغطية مثل الكنانة التي فيها السهام، فهي لا تفقه ما تقول من التوحيد، ولا يصل إليها قولك، قال مجاهد: الكنان للقلب كالجنة للنبل، وقد تقدم بيان هذا في البقرة (وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ) أي صمم، يمنع من استماع قولك، وأصل الوقر الثقل، قرىء بكسر الواو وقرىء بفتح الواو والقاف.
(ومن بيننا وبينك حجاب) أي ستر (ومن) لابتداء الغاية، والمعنى أن الحجاب ابتدىء منا وابتدىء منك، فالمسافة المتوسطة بين جهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب، لا فراغ فيها، ولو قيل: بيننا وبينك حجاب ولم تأت لفظة من لكان المعنى أن الحجاب حاصل وسط الجهتين، والمقصود المبالغة بالتباين المفرط، فلذلك جيء بمن وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وتقبله واعتقاده، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها، ومج أسماعهم له كأن بها صمماً عنه، ولتباعد المذهبين والدينين، وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأن بينهم وما هم عليه، وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم وما هو عليه حجاباً ساتراً، وحاجزاً منيعاً، من جبل أو نحوه. فلا تلاقي ولا ترائي.
(فاعمل) أي استمر على دينك وهو التوحيد (إننا عاملون) أي مستمرون على ديننا، وهو الإشراك، وقال الكلبي: اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك، وقال مقاتل: إعمل لإلهك الذي أرسلك فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها، وقيل: فاعمل لآخرتك فإنا عاملون لدنيانا، أو فاعمل في إبطال أمرنا فإنا نعمل في إبطال أمرك، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عن قولهم هذا فقال:
فصلت 41:6
(قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد) أي إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي، ولم أكن من جنس مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه، وفي آذانكم وقر، ومن بيني وبينكم حجاب، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل، وإنما أدعوكم إلى التوحيد.
قرأ الجمهور يوحي مبنياً للمفعول وقرأ الأعمش والنخعي مبنياً للفاعل، أي يوحي الله إليّ، قيل: ومعنى الآية أني لا أقدر على أن أحملكم على الإيمان قسراً فإني بشر مثلكم، ولا امتياز لي عنكم إلا أني أوحي إلي التوحيد، والأمر به، فعلى البلاغ وحده، فإن قبلتم رشدتم؛ وإن أبيتم هلكتم، وقيل؛ المعنى أني لست بملك لا يرى، وإنما أنا بشر مثلكم، وقد أوحي إلي دونكم فصرت بالوحي نبياً، ووجب عليكم اتباعي، وقال الحسن في معنى الآية إن الله سبحانه علم رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يتواضع.
(فاستقيموا إليه) عداه بإلى لتضمنه معنى: توجهوا والمعنى وجهوا استقامتكم إليه بالطاعة، ولا تميلوا عن سبيله (واستغفروه) لما فرط منكم من الذنوب والشرك، وما أنتم عليه من سوء العقيدة والعمل ثم هدد المشركين وتوعدهم فقال:
(وويل للمشركين) ثم وصفهم بقوله:
فصلت 41:7
(الذين لا يؤتون الزكاة) أي يمنعونها ولا يخرجونها إلى الفقراء؛ وقال الحسن وقتادة: لا يقرون بوجوبها، وقال الضحاك ومقاتل: لا يتصدقون ولا ينفقون في الطاعة وقيل معنى الآية لا يشهدون أن لا إله إلا الله لأنها زكاة الأنفس وتطهيرها، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لا يزكون أعمالهم، وكان يقال: الزكاة قنطرة الإسلام فمن قطعها نجا، ومن تخلف عنها هلك.
وقال الفراء: كان المشركون ينفقون النفقات ويسقون الحجيج ويطعمونهم فحرموا ذلك على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت فيهم هذه الآية، وإنما جعل منع الزكاة مقروناً بالكفر بالآخرة لأن أحب الشيء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه، فإذا بذله في سبيل الله فذلك أقوى دليل على استقامته، وثباته وصدق نيته، ونصوح طويته، وما خدع المؤلفة قلوبهم إلا بلمظة من الدنيا ففرت عصبيتهم، ولانت شكيمتهم، وما ارتدت بنو حنيفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا بمنع الزكاة [[سقط من الأصل: فتعصبت لهم الحروب وجوهدوا، وفيه بعث للمؤمنين على أداء الزكاة.]]، وتخويف شديد من منعها، حيث جعل المنع من أوصاف المشركين وقرن الكفر بالآخرة.
(وهم بالآخرة هم كافرون) معطوف على: لا يؤتون الزكاة، داخل معه في حيز الصلة؛ أي منكرون للآخرة جاحدون لها، والمجيء بضمير إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (8) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (9) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (10) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)
الفصل لقصد الحصر.
فصلت 41:8
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) أي غير مقطوع عنهم، يقال: مننت الحبل إذا قطعته، وقيل: الممنون المنقوص قاله ابن عباس وقطرب، قال الجوهري: المن القطع، ويقال النقص ومنه قوله تعالى (لهم أجر غير ممنون) وقيل غير محسوب، وقيل معنى الآية لا يمن عليهم به لأنه إنما يمن بالتفضل، فأما الأجر فحق أداؤه، وقال السدي نزلت في المرضى والزمنى والهرمى إذا ضعفوا عن الطاعة، كتب لهم من الأجر مثل ما كانوا يعملون في الصحة.
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يوبخهم ويقرعهم فقال:
فصلت 41:9
(قل أئنكم) قرأ الجمهور بهمزتين الثانية بين بين، وقرىء بهمزة بعدها ياء خفيفة، وإن واللام إما لتأكيد الإنكار، وقدمت الهمزة لاقتضائها الصدارة وإما للإشعار بأن كفرهم من البعد بحيث ينكر العقلاء وقوعه فيحتاج إلى التأكيد.
(لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين) والمعنى لتكفرون بمن شأنه هذا الشأن العظيم وقدرته هذه القدرة الباهرة، قيل: اليومان هما يوم الأحد ويوم الاثنين، وقيل: خلقهن في نوبتين كل نوبة أسرع مما يكون في يوم، وقيل: المراد مقدار يومين لأن اليوم الحقيقي إنما يتحقق بعد وجود الأرض والسماء ذكرهما تعليماً للأناة، ولو أراد أن يخلقهما في لحظة لفعل.
(وتجعلون له أنداداً) أي أضداد وشركاء والجملة معطوفة على تكفرون داخلة تحت الاستفهام، ذكر عنهم شيئين منكرين، أحدهما الكفر بالله، والثاني إثبات الشركاء له (ذلك) المتصف بما ذكر (رب العالمين) جمع عالم، وهو ما سوى الله وجمع لاختلاف أنواعه بالياء والنون تغليباً للعقلاء من جملة العالمين ما تجعلونها أنداداً لله، فكيف تجعلون بعض مخلوقاته شركاء له في عبادته؟
فصلت 41:10
(وجعل فيها رواسي) أي جبالاً ثوابت، معطوف على خلق وقيل مستأنفة لوقوع الفصل بينهما بالأجنبي، والأول أولى، لأن الجملة الفاصلة هي مقررة لمضمون ما قبلها، فكانت بمنزلة التأكيد، ومعنى: (من فوقها) أنها مرتفعة عليها لأنها من أجزاء الأرض، وإنما خالفتها باعتبار الارتفاع فكانت من هذه الحيثية كالمغايرة لها وإنما اختار إرساءها فوق الأرض لتكون منافع الجبال ظاهرة لطالبيها، وليبصر أن الأرض والجبال أثقال على أثقال كلها مفتقرة إلى ممسك، وهو الله العزيز المتعال، القادر المختار.
(وبارك فيها) أي جعلها مباركة كثيرة الخير بما خلق فيها من المنافع للعباد قال السدي: أنبت فيها شجرها (وقدر فيها أقواتها) قال الحسن وعكرمة والضحاك: قدر فيها أرزاق أهلها، وما يصلح لمعايشهم من التجارات والأشجار والمنافع، جعل في كل بلدة ما لم يجعله في الأخرى، ليعيش بعضهم من بعض بالتجارة والأسفار من بلد إلى بلد وقيل قدر البُر لأهل قطر من الأرض والتمر لأهل قطر آخر، وكذلك سائر الأقوات.
قيل: إن الزرع أكثر الحرف بركة لأن الله وضع الأوقات في الأرض، وقال ابن عباس أي شق الأنهار، وغرس الأشجار، ووضع الجبال، وأجرى البحار، وجعل في هذه ما ليس في هذه وفي هذه ما ليس في هذه، وقال قتادة ومجاهد: خلق فيها أنهارها وأشجارها ودوابها.
(في) تتمة (أربعة أيام) أي في يوم الثلاثاء والأربعاء باليومين المتقدمين، قاله الزجاج وغيره، قال ابن الأنباري: ومثاله قول القائل: خرجت من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وإلى الكوفة في خمسة عشر يوماً، أي في تتمة خمسة عشر يوماً، فيكون المعنى: إن حصول جميع ما تقدم من خلق الأرض وما بعدها في أربعة أيام كاملة مستوية بلا زيادة ولا نقصان ولولا هذا التقدير لكانت الأيام ثمانية يومان في الأول وهو قوله (خلق الأرض في يومين) ويومان في الأخير وهو قوله الآتي: (فقضاهن سبع سموات في يومين) وأربعة في الوسط.
وقال أبو البقاء: ولعل زيادة مدة الأرض على مدة السماء جرياً على ما يتعارف من أن بناء السقف أخف من بناء البيت، وقيل: للتنبيه على أن الأرض هي المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين وكثرة المنافع، وقيل: لما فيها من الابتلاء بالمعاصي، والمجاهدات والمجادلات والمعالجات.
عن ابن عباس أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فسألته عن خلق السموات والأرض، فقال " خلق الله الأرض في يومين الأحد والاثنين، وخلق الجبال وما فيهن من منافع يوم الثلاثاء وخلق يوم الأربعاء الشجر والحجر والماء والمدائن والعمران والخراب فهذه أربعة أيام فقال تعالى: قل أئنكم لتكفرون إلى قوله للسائلين، وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم، والشمس والقمر والملائكة إلى ثلات ساعات بقين منه، فخلق من أول ساعة من هذه الثلاث الآجال حين يموت من مات، وفي الثانية ألقى فيها من كل شي مما ينتفع به، وفي الثالثة خلق آدم وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها في آخر ساعة قالت اليهود ثم ماذا يا محمد؟ قال: ثم استوى على العرش، قالوا قد أصبت لو أتممت. قالوا ثم استراح، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، غضباً شديداً فنزل: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) أخرجه ابن جرير والنحاس في ناسخه وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات.
ولكن في حديث مسلم عن أبي هريرة قال: أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيدي فقال: " خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء وخلق الدواب يوم الخميس، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة في آخر الخلق فيما بين العصر إلى الليل ". وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس أيضاًً قال: " إن الله خلق يوماً فسماه الأحد ثم خلق ثانياً فسماه الاثنين، ثم خلق ثالثاً فسماه الثلاثاء، ثم خلق رابعاً فسماه الأربعاء ثم خلق خامساً فسماه الخميس، وذكر نحو ما تقدم ". وأخرج أبو الشيخ عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " إن الله فرغ من خلقه في ستة أيام " وذكر نحو ما تقدم.
وانتصاب (سواء) على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف هو صفة للأيام، أي استوت الأربعة سواء، بمعنى استواء، ويجوز أن يكون منتصباً على الحال من الأرض أو من الضمائر الراجعة إليها قرأ الجمهور بنصب سواء، وقرأ زيد بن علي والحسن وغيرهما بخفضه على أنه صفة للأيام وقرىء بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، قال الحسن: المعنى في أربعة أيام مستوية تامة لا تزيد ولا تنقص، وقوله:
(للسائلين) متعلق بسواء أي مستويان للسائلين أو بمحذوف كأنه قيل هذا الحصر للسائلين في كم يوم خلقت الأرض وما فيها؟ أو متعلق بقدر أي قدر فيها أقواتها لأجل الطالبين المحتاجين إليها قال الفراء: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى وقدر فيها أقواتها سواء للمحتاجين في أربعة أيام، واختار هذا ابن جرير.
ثم لما ذكر سبحانه خلق الأرض وما فيها ذكر كيفية خلقه للسموات فقال
فصلت 41:11
(ثم استوى إلى السماء) أي عمد وقصد نحوها قصداً سوياً، وتعلقت إرادته بخلقها، قال الرازي: هو من قولهم، استوى إلى مكان كذا إذا توجه إليه توجهاً لا يلتفت معه إلى عمل آخر، وهو من الاستواء الذي هو ضد الاعوجاج، ونظيره قولهم: استقام إليه، ومنه قوله تعالى: (فاستقيموا إليه) والمعنى ثم دعاه داعي الحكمة إلى خلق السموات بعد خلق الأرض وما فيها قال الحسن: المعنى صعد أمره إلى السماء، ويفهم من هذه الآية أن خلق السماء كان بعد خلق الأرض وبه قال ابن عباس، وقوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) مشعر بأن خلق الأرض بعد خلق السماء.
والجواب أن الخلق ليس عبارة عن الإيجاد والتكوين فقط، بل هو عبارة عن التقدير أيضاًً، فالمعنى قضى أن يحدث الأرض في يومين بعد إحداث السماء وعلى هذا يزول الاشكال، وقال الشوكاني بعد ذكر هذا الاستشكال.
إن ثم ليست للتراخي الزماني [[سقط من الأصل: بل للتراخي الرتبى فيندفع الإشكال من أصله، وعلى تقدير ينها للتراخي الزماني.]] فالجمع ممكن بأن الأرض خلقها متقدم على خلق السماء، ودحوها بمعنى بسطها هو أمر زائد على مجرد خلقها، فهي متقدمة خلقاً متأخرة دحواً، وهذا ظاهر انتهى.
ولعله يأتي عند تفسيرنا لقوله: (والأرض بعد ذلك دحاها) زيادة إيضاح للمقام إن شاء الله تعالى، وقد تقدم هذا الجمع في سورة البقرة ولكن خلق ما في الأرض لا يكون إلا بعد دحوها فالإشكال باق، وعلى هذا لا يتفضى عن الإشكال إلا بما ذكر في ثم؛ أو أن بعد بمعنى قبل أو بمعنى مع.
(وَهِيَ دُخَانٌ) هو ما ارتفع من لهب النار ويستعار لما يرى من بخار الأرض، قال المفسرون هذا الدخان هو بخار الماء، وقياس جمعه في القلة أدخنة، وفي الكثرة دخيان، وهي من باب التشبيه الصوري لأن صورتها صورة الدخان في رأى العين، وخص سبحانه الاستواء إلى السماء مع كون الخطاب المترتب على ذلك متوجهاً إليها وإلى الأرض، كما يفيده قوله: (فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا) استغناء بما تقدم من ذكر تقديرها وتقدير ما فيها، ومعنى ائتيا إفعلا ما آمركما به، وجيئا به، كما يقال: ائت ما هو الأحسن أي افعله، وقيل: المعنى ائتيا على ما ينبغي أن تأتيا عليه من الشكل والوصف، ائتي يا أرض مدحورة قراراً ومهاداً لأهلك، وائتي يا سماء مقببة سقفاً لهم.
قال الواحدي: قال المفسرون: إن الله سبحانه قال: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض فشققي أنهارك وأخرجي ثمارك ونباتك، قاله ابن عباس، قرأ الجمهور ائتيا أمراً من الإتيان وقرىء آتيا قالتا آتينا، بالمد فيهما، وهو من المؤاتاة وهي الموافقة أي لتوافق كل منكما الأخرى لما يليق بها، وإليه ذهب الرازي والزمخشري، أو من الإيتاء وهو الإِعطاء قاله ابن عباس، فوزنه على الأول فاعلا كقاتلا، وعلى الثاني أفعلا كأكرما، وطوعاً وكرهاً مصدران في موضع الحال، أي طائعتين أو مكرهتين، وقرىء كرهاً بالضم.
قال الزجاج: أطيعا طاعة أو تكرهان كرهاً، قيل: ومعنى هذا الأمر لهما التسخير والحصول والوقوع أي كونا فكانتا، كما قال تعالى: (إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) فالكلام من باب التمثيل لتأثير قدرته واستحالة امتناعهما أو من باب الاستعارة التخييلية.
(قالتا أتينا طائعين) أي أتينا أمرك منقادين وجمعهما جمع من يعقل لخطابهما بما يخاطب به العقلاء، وجمع الأمر لهما في الإخبار عنه لا يدل على جمعه في الزمان، بل قد يكون القول لهما متعاقباً، قال القرطبي: قال أكثر أهل العلم إن الله سبحانه خلق فيهما الكلام فتكلمتا كما أراد سبحانه، وقيل هو تمثيل لظهور الطاعة منهما وتأثير القدرة الربانية فيهما، والأول أولى، قال أبو نصر السكسي فنطق من الأرض موضع الكعبة، ونطق من السماء بحيالها، فوضع الله فيه حرمة.
فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (12) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (13) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (14)
فصلت 41:12
(فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) تفسير وتفصيل لتكوين السماء المجمل، المعبر عنه بالأمر، وجوابه، لا أنه فعل مرتب على تكوينهما أي خلقهن خلقاً إبداعياً وأتقن أمرهن حسبما تقتضيه الحكمة، وأتمهن وفرغ منهن، والضمير إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع سموات، أو مبهم مفسر بسبع سموات، وانتصاب سبع على التفسير أو على البدل من الضمير، وقيل على أنه مفعول ثان لقضاهن لأنه مضمن معنى صيرهن، وقيل على الحال أي قضاهن حال كونهن معدودات بسبع، ويكون قضى بمعنى صنع، وقيل على التمييز.
(في يومين) الخميس والجمعة، وفرغ منها في آخر ساعة منه، وفيها خلق آدم. قال المحلي ولذلك لم يقل هنا سواء، ووافق ما هنا آيات خلق السموات والأرض في ستة أيام، والمعنى أنه مضى من المدة ما لو حصل هناك فلك وشمس لكان المقدار مقدراً بيومين، والمشهور أن الأيام الستة بقدر أيام الدنيا، وقيل بقدر ستة آلاف سنة حكاه القرطبي، قال مجاهد ويوم من الستة الأيام (كألف سنة مما تعدون).
(وأوحى في كل سماء أمرها) قال قتادة والسدي أي خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وأفلاكها، وما فيها من الملائكة والبحار والبرد والثلج. وقيل المعنى أوحى فيها ما أراده وما أمر به، والإيحاء قد يكون بمعنى الأمر كما في قوله (بأن ربك أوحى لها) وقوله (وإذ أوحيت إلى الحواريين) أي أمرتهم، وهو أمر تكوين، قال ابن عباس " ولله على كل سماء بيت نحج إليه وتطوف به الملائكة بحذاء الكعبة، والذي في السماء الدنيا هو البيت المعمور.
(وزينا السماء الدنيا) أي التي تلي الأرض (بمصابيح) أي بكواكب مضيئة متلألئة عليها كتلألؤ المصابيح، وفيه التفات إلى نون العظمة لإِبراز مزيد العناية بالتزيين المذكور.
(وحفظاً) أي وحفظناها حفظاً أو خلقنا المصابيح زينة وحفظاً والأول أولى. قال أبو حيان في الوجه الثاني هو تكلف عدول عن السهل البين، والمراد بالحفظ حفظها من الشياطين الذين يسترقون السمع (ذلك) أي ما وقع وتقدم ذكره (تقدير العزيز العليم) أي البليغ القدرة الكثير العلم.
فصلت 41:13
(فإن أعرضوا) عن التدبر والتفكر في هذه المخلوقات، وعن الإيمان بعد هذا البيان -وفيه التفات من خطابهم بقوله أئنكم إلى الغيبة لفعلهم الإِعراض- فأعرض عن خطابهم، وهو تناسب حسن.
(فقل أنذرتكم) أي خوفتكم، وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الإنذار المنبىء عن تحقق المنذر به (صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود) أي عذاباً مثل عذابهم، والمراد بالصاعقة العذاب المهلك من كل شيء، قال المبرد: الصاعقة المرة المهلكة لأي شيء كان، والصاعقة في الأصل هي الصيحة التي يحصل بها الهلاك أو قطعة نار تنزل من السماء معها رعد شديد، والمراد بها هنا مطلق العذاب. لكن بالنظر إلى الصاعقة الأولى، وأما الثانية فالمراد بها حقيقتها، قرأ الجمهور صاعقة بالألف في الموضعين، وقرىء صعقة فيهما، وقد تقدم بيان معنى الصاعقة والصعقة في البقرة.
فصلت 41:14
(إذ جاءتهم) أي إلى عاد وثمود، وإنما خص هاتين القبيلتين لأن قريشاً كانوا يمرون على بلادهم (الرسل) أي هود وصالح ومن قبلهما وكان هود وصالح بين نوح وإبراهيم، وليس بينهما غيرهما من الرسل، وأن الذين تقدموا عليهما من الرسل أربعة: نوح وإدريس وشيث وآدم.
(من بين أيديهم ومن خلفهم) أي أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة. فلم يروا منهم إلا الإعراض، وعن الحسن أنذروهم من وقائع الله فيمن قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة والظرف متعلق بأنذرتكم أو بالصاعقة لأنها بمعنى العذاب أو حال من صاعقة عاد، وهذا أولى من الوجهين الأولين لأن الإِنذار لم يقع وقت مجيء الرسل فلا يصح أن يكون ظرفاً له، وكذلك الصاعقة لا يصح أن يكون الوقت ظرفاً لها، ومن في الموضعين متعلقة بجاءتهم أي من جميع جوانبهم أو من جهة الزمان الماضي بالإنذار عما جرى على الكفار أو من جهة المستقبل بالتحذير عما سيحيق بهم من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
وقيل: المعنى جاءتهم الرسل المتقدمون والمتأخرون على تنزيل مجيء كلامهم ودعوتهم إلى الحق منزلة مجيء أنفسهم، فكأن الرسل قد جاؤوهم وخاطبوهم بقولهم:
(ألا تعبدوا إلا الله) أي بأن لا تعبدوا على أنها مصدرية أو تفسيرية أو مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذوف، ثم ذكر سبحانه ما أجابوا به الرسل فقال: (قالوا) أي عاد وثمود مخاطبين لهود وصالح: (لو شاء ربنا لأنزل) أي لأرسل إلينا (ملائكة) ولم يرسل إلينا بشراً من جنسنا، ثم صرحوا بالكفر ولم يتلعثموا فقالوا: (فإنا بما أرسلتم به كافرون) أي كافرون بما تزعمونه من أن الله أرسلكم إلينا لأنكم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا، فكيف اختصكم برسالته دوننا.
وقد تقدم دفع هذه الشبهة الدحضة التي جاؤوا بها في غير موضع، وفيه تغليب المخاطب على الغائب، فغلبوا هوداً وصالحاً على من قبلهما من الرسل، فكأنهم قالوا: فإنا كافرون بكما وَبِمَنْ دعوتمونا إلى الإيمان به ممن قبلكما من الرسل.
ولما ذكر عاد وثمود إجمالاً ذكر ما يختص بكل طائفة من الطائفتين تفصيلاً فقال: فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (17) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (18) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20)
فصلت 41:15
(فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق) أي بغير استحقاق ذلك الذي وقع منهم من التكبر والتجبر، ثم ذكر سبحانه بعض ما صدر عنهم من الأقوال الدالة على الاستكبار فقال: (وقالوا من أشد منا قوة) وكانوا ذوي أجسام طوال وخلق عظيم وقوة شديدة، فاغتروا بأجسامهم حين تهددهم هود بالعذاب، ومرادهم بهذا القول أنهم قادرون على دفع ما نزل بهم من العذاب، وبلغ من قوتهم أن الرجل كان يقتلع الصخرة من الجبل بيده، ويجعلها حيث يشاء، فرد الله عليهم بقوله:
(أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة) الاستفهام للاستنكار عليهم والتوبيخ، أي أولم يعلموا بأن الله أشد منهم قدرة وأوسع منهم قوة؟ فهو قادر على أن ينزل بهم من أنواع عقابه ما شاء، يقول كن فيكون، وقال (خلقهم)، ولم يقل خلق السموات، والأرض، لأن هذا أبلغ في تكذيبهم في ادعاء انفرادهم بالقوة، فإنهم حيث كانوا مخلوقين فبالضرورة أن خالقهم أشد قوة منهم.
(وكانوا بآياتنا) أي بمعجزات الرسل التي خصهم الله بها وجعلها دليلاً على نبوتهم، أو بآياتنا التي أنزلناها على رسلنا أو بآياتنا التكوينية التي نصبناها لهم وجعلناها حجة عليهم، أو بجميع ذلك (يجحدون) ثم ذكر الله سبحانه ما أنزل عليهم من عذابه فقال:
فصلت 41:16
(فأرسلنا عليهم ريحاً صرصراً) الصرصر الريح الشديدة الصوت من الصرة وهي الصيحة، قال أبو عبيدة: معنى صرصر شديدة عاصفة، وقال الفراء: هي الباردة تحرق كما تحرق النار، وقال عكرمة وسعيد بن جبير وقتادة: هي الباردة، وقال مجاهد: هي الشديدة السموم، والأولى تفسيرها بالبرد لأن الصر في كلام العرب البرد، قال ابن السكيت: صرصر يجوز أن يكون من الصر وهو البرد، ومن صرصر الباب، ومن الصرة وهي الصيحة، ومنه (وأقبلت امرأته في صرة).
ثم بين سبحانه وقت نزول ذلك العذاب عليهم فقال:
(فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ) أي نكدات مشئومات ذوات نحوس عليهم، قال مجاهد وقتادة: كن آخر شوال من يوم الأربعاء إلى يوم الأربعاء، وذلك (سبع ليال وثمانية أيام حسوماً) قيل: وما عذب قوم إلا في يوم الأربعاء، وقيل: نحسات باردات، حكاه الثعلبي، وقيل: متتابعات، وقيل: شداد، وقيل: ذوات غبار وتراب ثائر، لا يكاد يبصر فيه. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو نحسات بإسكان الحاء على أنه جمع نحس، وقرأ الباقون بكسرها، واختار أبو حاتم الأولى لقوله (في يوم نحس مستمر)، واختار أبو عبيد الثاني (لنذيقهم) أي لكي نذيقهم.
(عذاب الخزي في الحياة الدنيا) والخزي هو الذل والهوان بسبب ذلك الاستكبار، وهو في الأصل صفة المعذب، وإنما وصف به العذاب على الإِسناد المجازي للمبالغة، فهو من إضافة الموصوف إلى صفته أي العذاب الخزي، ولهذا جاء: (ولعذاب الآخرة أخزى) أي أشد إهانة وذلاً، فلو لم يكن من إضافة الموصوف إلى صفته لم يأت بلفظ أخزى الذي يقتضي المشاركة (وهم لا ينصرون) أي لا يمنعون من العذاب النازل بهم ولا يدفعه عنهم دافع، ثم ذكر حال الطائفة الأخرى فقال:
فصلت 41:17
(وأما ثمود فهديناهم) أي بينا لهم سبيل النجاة، ودللناهم على طريق الحق بإرسال الرسل إليهم، ونصب الدلالات لهم من مخلوقات الله، وإنزال الآيات التشريعية، فإنها توجب على كل عاقل أن يؤمن بالله ويصدق رسله.
قال الفراء معنى الآية دللناهم على مذهب الخير بإرسال الرسل. قال الشيخ أبو منصور يحتمل ما ذكر من الهداية التبيين، وخلق الاهتداء فيهم، فصاروا مهتدين، ثم كفروا بعد ذلك وعقروا الناقة لأن الهدي المضاف إلى الخلق يكون بمعنى البيان والتوفيق، وخلق فعل الاهتداء، فأما الهدي المضاف إلى الخلق فيكون بمعنى البيان لا غير.
وقال صاحب الكشاف فيه فإن قلت أليس معنى قولك هديته جعلت فيه الهدي؟ والدليل عليه قولك هديته فاهتدى بمعنى تحصيل البغية وحصولها، كما تقول ردعته فارتدع فكيف ساغ استعماله في الدلالة المجردة؟ قلت للدلالة على أنه مكنهم فأزاح عللهم، ولم يبق لهم عذر فكأنه حصل البغية فيهم بتحصيل ما يوجبها ويقتضيها اهـ وإنما تمحل بهذا لأنه لا يتمكن من أن يفسره بخلق الاهتداء لأنه يخالف مذهبه الفاسد.
قرأ الجمهور ثمود بالرفع، ومنع الصرف، وقرىء بالرفع والصرف، وقرىء بالنصب والصرف، وقرىء بالنصب والمنع، فأما الرفع فعلى الابتداء وهو الفصيح وأما النصب فعلى الاشتغال، وأما الصرف فعلى تفسير الاسم بالأب أو الحي، وأما المنع فعلى تأويله بالقبيلة.
(فاستحبوا العمى على الهدى) أي اختاروا الكفر على الإيمان قال أبو العالية اختاروا العمى على البيان، وقال السدي اختاروا المعصية على الطاعة (فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ) قد تقدم أن الصاعقة اسم للشيء المهلك لأي شيء كان، والهون الهوان والإهانة، فكأنه قال أصابهم مهلك العذاب ذي الهوان أو الإِهانة، ويقال عذاب هون أي مهين كقوله (ما لبثوا في العذاب المهين) (بما كانوا يكسبون) الباء للسببية أي بسبب الذي كانوا يكسبونه، أو بسبب كسبهم وهو شركهم وتكذيبهم صالحاً.
فصلت 41:18
(ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) وهم صالح ومن معه من المؤمنين فإن الله نجاهم من ذلك العذاب وكانوا أربعة آلاف. ثم لما ذكر سبحانه ما عاقبهم به في الدنيا ذكر ما عاقبهم به في الآخرة فقال:
فصلت 41:19
(ويوم يحشر أعداء الله إلى النار) وصفهم بكونهم أعداء الله مبالغة في ذمهم، وقيل المراد بهم الكفار مطلقاً الأولين والآخرين، أي أذكر لقريش المعاندين لك حال الكفار يوم القيامة، لعلهم يرتدعوا وينزجروا، ومعنى حشرهم إلى النار سوقهم إليها أو إلى موقف الحساب، لأنه يتبين عنده فريق الجنة وفريق النار، قرأ الجمهور يحشر بالتحتية مضمومة ورفع أعداء على النيابة، وقرأ نافع بالنون ونصب أعداء.
(فهم يوزعون) أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ويجتمعوا، كذا قال قتادة والسدي وغيرهما، وبه قال ابن عباس أي يستوقف سوابقهم حتى يلحق بهم تواليهم، وهي عبارة عن كثرة أهل النار، وأصله من وزعته أي كففته، وقد سبق تحقيق معناه في سورة النمل مستوفى، وعن ابن عباس قال: يدفعون، وقيل يساقون.
فصلت 41:20
(حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا) أي النار التي حشروا إليها وصاروا بحضرتها أو موقف الحساب و (ما) مزيدة للتوكيد (شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون) في الدنيا من المعاصي، وفي كيفية هذه الشهادة ثلاثة أقوال، أولها أن الله تعالى يخلق الفهم والقدرة والنطق فيها فتشهد كما يشهد الرجل على ما يعرفه، ثانيها أنه تعالى يخلق في تلك الأعضاء الأصوات والحروف الدالة على تلك المعاني، ثالثها أن يظهر في تلك الأعضاء أحوال تدل على صدور تلك الأعمال من ذلك الإنسان، وتلك الأمارات تسمى شهادات، كما يقال: العالم يشهد بتغيرات أحواله على حدوثه.
وقال الكرخي: ينطقها الله تعالى كإنطاق اللسان فتشهد. وليس نطقها بأغرب من نطق اللسان عقلاً، وإيضاحه أن البنية ليست شرطاً للحياة والعلم والقدرة فالله تعالى قادر على خلق العقل والقدرة والنطق في كل جزء من أجزاء هذه الأعضاء.
قال مقاتل تنطق جوارحهم بما كتمت ألسنهم من عملهم بالشرك.
والمراد بالجلود هي جلودهم المعروفة في قول أكثر المفسرين. وقيل: المراد بها الجوارح مطلقاً، فالعطف من قبيل عطف العام على الخاص. وقال السدي وعبيد الله بن أبي جعفر والفراء: أراد بالجلود الفروج وهو من باب الكنايات كما قال تعالى: (لا تواعدوهن سراً) أراد النكاح، وقال تعالى: (أو جاء أحد منكم من الغائط) والمراد قضاء الحاجة، وفي الحديث: " أول ما يتكلم من الآدمي فخذه وكفه "، وعلى هذا التقدير تكون الآية وعيداً شديداً في إتيان الزنا لأن مقدمة الزنا إنما تحصل بالفخذ والأول أولى.
ووجه تخصيص الثلاثة بالشهادة دون غيرها مع أن الحواس خمسة، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس، وآلة اللمس هي الجلد، ما ذكره الرازي أن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان مماسة لجرم الطعام، وكذلك الشم لا يتأتى حتى تصير جلدة الأنف مماسة لجرم المشموم فكانا داخلين في حس اللمس انتهى.
وإذا عرفت من كلامه هذا وجه تخصيص الثلاثة بالذكر عرفت منه وجه تخصيص الجلود بالسؤال كما قال: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)
فصلت 41:21
(وقالوا لجلودهم) لأنها قد اشتملت على ثلاث حواس فكان تأتي المعصية من جهتها أكثر، وأما على قول من قال بالفروج فوجه تخصيصها بالسؤال ظاهر، لأن ما يشهد به الفرج من الزنا أعظم قبحاً وأجلب للخزي والعقوبة، قيل: والمراد بالجلود هنا المعنى الأعم، فليس في سؤالهم ترك سؤال السمع والبصر، بل هما داخلان في الجلود بالمعنى الذي علمته (لم شهدتم علينا) سؤال توبيخ وتعجب من هذا الأمر الغريب لكونها ليست مما ينطق ولكونها كانت في الدنيا مساعدة لهم على المعاصي فكيف تشهد الآن عليهم فلذلك استغربوا شهادتها وخاطبوها بصيغة خطاب العقلاء، لصدور ما يصدر من العقلاء عنها وهو الشهادة.
(قالوا) مجيبين لهم معتذرين: (أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء) مما ينطق من مخلوقاته، فشهدنا عليكم بما عملتم من القبائح، وقيل: المعنى ما نطقنا باختيارنا بل أنطقنا الله والأول أولى، والمعنى أن نطقنا ليس بعجيب من قدرة الله الذي قدر على إنطاق كل حيوان.
(وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون) قيل: هذا من تمام كلام الجلود، وقيل إنه من كلام الملائكة، وقيل: مستأنف من كلام الله، والمعنى أن من قدر على خلقكم وإنشائكم ابتداء قدر على إعادتكم ورجعكم إليه، ولعل صيغة المضارع مع أن هذه المحاورة بعد البعث والرجوع لما أن المراد بالرجوع ليس مجرد الرد إلى الحياة بالبعث بل ما يعمه ويعم ما يترتب عليه من العذاب الخالد المترقب عند المخاطبة، فغلب المتوقع على الواقع.
فصلت 41:22
(وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم) هذا تقريع لهم، وتوبيخ من جهة الله سبحانه أو من كلام الجلود، أي ما كنتم تستخفون عند الأعمال القبيحة وارتكاب الفواحش بالحيطان والحجب، حذراً من شهادة الجوارح عليكم، بل كنتم جاحدين بالبعث والجزاء أصلاً وهو قول أكثر العلماء. ولما كان الإنسان لا يقدر على أن يستخفي من جوارحه عند مباشرة المعصية كان معنى الاستخفاء هنا ترك المعصية، وقيل: معنى الاستتار الاتقاء أي ما كنتم تتقون في الدنيا أن تشهد عليكم جوارحكم في الآخرة، فتتركوا المعاصي خوفاً من هذه الشهادة، ومعنى أن تشهد لأجل أن تشهد، أو مخافة أن تشهد، وقيل إن الاستتار مضمن معنى الظن، أي وما كنتم تظنون أن تشهد وهو بعيد.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد والنسائي وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث عن معاوية ابن حيدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تحشرون ههنا وأوما بيده إلى الشام مشاة وركباناً وعلى وجوهكم، وتعرضون على الله وعلى أفواهكم الفدام وأول ما يعرب عن أحدكم فخذه وكفه وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كنتم تستترون " الخ.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: " كنت مستتراً بأستار الكعبة فجاء ثلاثة نفر قرشي وثقفيان أو ثقفي وقرشيان، كثير لحم بطونهم قليل فقه قلوبهم، فتكلموا بكلام لم أسمعه فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع كلامنا هذا؟ فقال الآخر: إن لنا آنا إذا رفعنا أصواتنا سمعه، وإنا إذا لم نرفعه لم يسمعه، فقال الآخر إنه إن سمع منه شيئاًً سمعه كله، قال: فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم إلى قوله من الخاسرين ".
(ولكن ظننتم) عند استتاركم من الناس مع عدم استتاركم من أعضائكم (أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون) من المعاصي فاجترأتم على فعلها قيل: كان الكفار يقولون: إن الله لا يعلم ما في أنفسنا، ولكن يعلم ما نظهر دون ما نسر، قال قتادة: الظن هنا بمعنى العلم، وقيل: أريد بالظن معنى مجازي يعم معناه الحقيقي، وما هو فوقه من العلم.
فصلت 41:23
(وذلكم) أي ما ذكر من ظنكم مبتدأ (ظنكم) بدل منه (الذي ظننتم بربكم) نعت والخبر (أرداكم) أي أهلككم وطرحكم في النار، وقيل: ظنكم الخبر والموصول بدل أو بيان، وأرداكم حال، وقد مقدرة أو غير مقدرة، أي ذلكم ظنكم مردياً إياكم.
(فأصبحتم من الخاسرين) أي الكاملين في الخسران، قال المحققون الظن قسمان أحدهما حسن والآخر قبيح، فالحسن أن يظن بالله عز وجل: الرحمة والفضل والإحسان، قال صلى الله عليه وسلم، حكاية عن الله عز وجل: " أنا عند ظن عبدي بي " [[البخاري 8/ 431 - أحمد 3614/ 3875 والترمذي 2/ 152 والطبري 24/ 109.]].
وأخرج أحمد وأبو داود والطيالسي وعبد بن حميد ومسلم وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وابن مردويه عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله تعالى، فإن قوما قد أرداهم سوء ظنهم بالله، فقال الله وذلكم ظنكم " [[مسلم 4/ 2206.]] الآية، والظن القبيح أن يظن أنه تعالى يعزب عن علمه بعض هذه الأفعال، وقال قتادة الظن نوعان مرد ومنج، فالمنجي قوله: (إني ظننت أني ملاق حسابيه)، وقوله: (الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم)، والمردي هو قوله: (وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم) ثم أخبر عن حالهم فقال: فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (24) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (25) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (27) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (28)
فصلت 41:24
(فإن يصبروا) على النار (فالنار مثوى لهم) أي محل استقرارهم وإقامتهم، لا خلاص ولا خروج لهم منها، صبروا أو لم يصبروا على كل حال؛ وقيل: المعنى فإن يصبروا في الدنيا على أعمال أهل النار فالنار مثوى لهم (وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين) يقال أعتبني فلان أي أرضاني بعد إسخاطه إياي واستعتبته طلبت منه أن يرضى.
والمعنى أنهم إن يسألوا أن يرجع بهم إلى ما يحبون لم يرجع لأنهم لا يستحقون ذلك قال الخليل تقول استعتبته فاعتبني أي استرضيته فأرضاني ومعنى الآية إن يطلبوا الرضا لم يقع الرضا عنهم بل لا بد لهم من النار قرأ الجمهور يستعتبوا بفتح التحتية وكسر التاء الفوقية الثانية مبنياً للفاعل ومن المعتبين بفتح الفوقية اسم مفعول وقرىء يُستعتبوا مبنياً للمفعول وقرىء من المعتبين اسم فاعل أي أنهم إن أقالهم الله وردهم إلى الدنيا لم يعملوا بطاعته كما في قوله سبحانه (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه).
فصلت 41:25
(وقيضنا) أصل التقييض التيسير والتهيئة أي هيأنا (لهم) أي لكفار قريش وغيرهم (قرناء) من الشياطين بمنزلة الإخلاء لهم جمع قرين بمعنى نظير كقوله (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) وقال الزجاج سببنا لهم قرناء حتى أضلوهم وقيل سلطنا عليهم قرناء وقيل قدرنا والمعاني متقاربة أي يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القيض على البيض والقيض قشر البيض الأعلى وقيل إن الله قيض لهم قرناء في النار والأولى أن ذلك في الدنيا لقوله:
(فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم) فإن المعنى زينوا لهم ما بين أيديهم من أمور الدنيا وشهواتها وحملوهم على الوقوع في معاصي الله بانهماكهم فيها وزينوا لهم ما خلفهم من أمور الآخرة فقالوا لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار وقال الزجاج ما بين أيديهم ما عملوه وما خلفهم ما عزموا على أن يعملوه وروي عنه أيضاًً أنه قال ما بين أيديهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا بأن الدنيا قديمة ولا صانع إلا الطبائع والأفلاك.
(وحق عليهم القول) أي وجب وثبت عليهم العذاب وتحقق مقتضاه وهو قوله سبحانه (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) (في أمم) أي كائنين في جملة أمم وقيل في بمعنى مع أي مع أمم من الأمم الكافرة ولا حاجة إلى بدل حرف من حرف مع إمكان بقائه على بابه والمعنى الأمم التي (قد خلت) ومضت (من قبلهم من الجن والإنس) على الكفر (إنهم كانوا خاسرين) تعليل لاستحقاقهم العذاب قاله الكرخي.
فصلت 41:26
(وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن) أي قال بعضهم لبعض لا تسمعوه ولا تنصتوا له وقيل المعنى لا تطيعوا يقال سمعت لك أي أطعتك (وَالْغَوْا فِيهِ) أي عارضوه باللغو والباطل أو ارفعوا أصواتكم ليتشوش القارىء له وقال مجاهد الغوا فيه بالمكاء والتصدية والتصفيق والتخليط في الكلام حتى يصير لغواً وقال الضحاك أكثروا الكلام ليختلط عليه ما يقول وقال أبو العالية قعوا فيه وعيبوه قرأ الجمهور ألغوا بفتح الغين من لغا إذا تكلم باللغو وهو ما لا فائدة فيه أو من لغى بالفتح يلغي بالفتح أيضاًً كما حكاه الأخفش وكان قياسه الضم كغزا يغزو ولكنه فتح لأجل حرف الحلق أو من لغا بكذا إذا رمى به فتكون في بمعنى الباء أي ارموا به وقرىء بضم الغين من لغا بالفتح يلغو كدعا يدعو وفي الحديث " فقد لغوت " وهذا موافق لقراءة غير الجمهور.
وقد تقدم الكلام في اللغو في سورة البقرة (لعلكم تغلبون) أي لكي تغلبوا فيسكتوا، عن ابن عباس قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بمكة إذا قرأ القرآن يرفع صوته فكان المشركون يطردون الناس عنه ويقولون (لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) وكان إذا أخفى قراءته لم يسمع من يحب أن يسمع القرآن فأنزل الله (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) " أخرجه ابن أبي حاتم.
ثم توعدهم سبحانه على ذلك فقال:
فصلت 41:27
(فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً) هذا وعيد لجميع الكفار ويدخل فيهم الذين السياق معهم دخولاً أولياً (ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون) أي ولنجزينهم في الآخرة جزاء أقبح أعمالهم التي عملوها في الدنيا قال مقاتل وهو الشرك وقيل المعنى أنه يجازيهم بمساوىء أعمالهم لا بمحاسنها كما يقع منهم من صلة الأرحام وإكرام الضيف لأن ذلك باطل لا أجر له مع كفرهم.
وفي هذا تعريض بمن لا يكون عند كلام الله المجيد خاضعاً خاشعاً متفكرا متدبراً وتهديد ووعيد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارىء ويخلط عليه القراءة فانظر إلى عظمة القرآن وتأمل في هذا التغليظ والتشديد وأشهد لمن عظمه وأجل قدره وألقى إليه السمع وهو شهيد بالفوز العظيم والأجر الكبير.
فصلت 41:28
(ذلك) أي العذاب الشديد وأسوأ الجزاء (جزاء أعداء الله النار) بدل أو عطف بيان للجزاء المخبر به عن ذلك أو خبر مبتدأ مضمر أو مبتدأ خيره (لهم فيها دار الخلد) أي دار الإقامة المستمرة التي لا انقطاع لها ولا انتقال عنها (جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون) أي يجزون جزاء بسبب جحدهم بآيات الله.
قال مقاتل يعني القرآن يجحدون أنه من عند الله وعلى هذا يكون التعبير عن اللغو بالجحود لكونه سبباً له إقامة للسبب مقام المسبب.
وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)
فصلت 41:29
(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) قالوا هذا وهم في النار وذكره بلفظ الماضي تنبيهاً على تحقق وقوعه والمراد أنهم طلبوا من الله سبحانه أن يريهم من أضلهم من فريقي الجن والإنس من الرؤساء الذين كانوا يزينون لهم الكفر ومن الشياطين الذين كانوا يسولون لهم ويحملونهم على المعاصي لأن الشيطان على ضربين جني وإنسي.
قال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإِنس والجن) وقال (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وأرضاه - هو ابن آدم الذي قتل أخاه وإبليس أي لأنهما سنا المعصية لبني آدم، قرأ الجمهور: أرنا بكسر الراء وقرىء: بسكونها وهما لغتان بمعنى واحد.
وقال الخليل إذا قلت أرني ثوبك بالكسر فمعناه بصرنيه وبالسكون أعطنيه (نجعلهما تحت أقدامنا) في النار أي ندوسهما بأقدامنا لنشتفي منهما وليكونا وقاية بيننا وبينها فتخف عنا حرارتها نوع خفة و (ليكونا من الأسفلين) فيها مكاناً أو ليكونا من الأذلين المهانين وقيل ليكونا أشد عذاباً منا قال الزجاج ليكونا في الدرك الأسفل وممن هو دوننا ثم لما ذكر سوء عقاب الكافرين وما أعده لهم ذكر حسن حال المؤمنين وما أنعم به عليهم فقال:
فصلت 41:30
(إن الذين قالوا ربنا الله) وحده لا شريك له.
(ثم استقاموا) أي داموا وثبتوا على التوحيد ولم يلتفتوا إلى إله غير الله وثم للتراخي في الزمان من حيث أن الاستقامة أمر يمتد زمانه أفاده أبو السعود وقال الخطيب ثم لتراخي الرتبة في الفضيلة فإن الثبات على التوحيد ومصححاته إلى الممات في علو رتبته أمر لا يرام إلا بتوفيق ذي الجلال والإكرام قال جماعة من الصحابة والتابعين معنى الاستقامة إخلاص العمل لله تعالى.
وقال قتادة وابن زيد ثم استقاموا على طاعة الله وقال الحسن استقاموا على أمر الله فعملوا بطاعته واجتنبوا معاصيه وقال ابن عباس ومجاهد وعكرمة استقاموا على شهادة أن لا إله إلا الله حتى ماتوا وقال الثوري عملوا على وفاق ما قالوا وقال الربيع أعرضوا عما سوى الله وقال الفضيل بن عياض زهدوا في الفانية ورغبوا في الباقية.
عن أنس قال: " قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية قال: قد قالها ناس من الناس ثم كفر أكثرهم فمن قالها حين يموت فهو ممن استقام عليها " أخرجه الترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلى وغيرهم وقال أبو بكر الصديق الاستقامة أن لا يشركوا بالله شيئاً وعنه قال لم يرجعوا إلى عبادة الأوثان قال أبو حيان قال ابن عباس نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق وعن بعض الصحابة قال ثم استقاموا على فرائض الله.
وعن عمر بن الخطاب قال: استقاموا بطاعة الله لم يروغوا روغان الثعلب وأخرج أحمد وعبد بن حميد والدارمي والبخاري في تاريخه ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان عن سفيان بن عبد الله الثقفي أن رجلاً قال: " يا رسول الله مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: قل آمنت بالله ثم استقم. قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه [[مسلم 1/ 65 - السيوطي في الدر 5/ 363.]] " قال الترمذي: حسن صحيح.
(تتنزل عليهم الملائكة) من عند الله بالبشرى التي يريدونها من جلب نفع أو دفع ضر أو رفع حزن قال ابن زيد ومجاهد تتنزل عليهم عند الموت وقال مقاتل وقتادة إذا قاموا من قبورهم للبعث وقال وكيع البشرى في ثلاثة مواطن عند الموت وفي القبر وعند البعث قال البيضاوي أو في حياتهم فيما يعرض لهم من الأحوال تأتيهم بما يشرح صدورهم ويدفع عنهم الخوف والحزن.
(أن لا تخافوا ولا تحزنوا) أن هي المخففة أو المفسرة أو الناصبة ولا على الوجهين الأولين ناهية وعلى الثالث نافية والمعنى لا تخافون مما تقدمون عليه من أمور الآخرة ولا تحزنوا على ما فاتكم من أمور الدنيا من أهل وولد ومال.
قال مجاهد لا تخافوا الموت ولا تحزنوا على أولادكم فإن الله خليفتكم عليهم وقال عطاء لا تخافوا رد ثوابكم فإنه مقبول ولا تحزنوا على ذنوبكم فإني أغفرها لكم والظاهر عدم تخصيص تنزل الملائكة عليهم بوقت معين وعدم تقييد نفي الخوف والحزن بحالة مخصوصة كما يشعر به حذف المتعلق في الجميع والخوف غم يلحق النفس لتوقع مكروه في المستقبل والحزن غم يلحقها لفوات نفع في الماضي.
(وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون) بها على ألسنة الرسل في الدنيا فإنكم واصلون إليها مستقرون بها خالدون في نعيمها ثم بشرهم سبحانه بما هو أعظم من ذلك كله فقال
فصلت 41:31
(نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة) أي نحن المتولون لحفظكم ومعونتكم في أمور الدنيا وأمور الآخرة ومن كان الله وليه فاز بكل مطلب ونجا من كل مخافة وقيل إن هذا من قول الملائكة.
قال مجاهد يقولون لهم نحن قرناؤكم الذين كنا معكم في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قالوا لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة.
وقال السدي نحن الحفظة لأعمالكم في الدنيا وأنصاركم وأحباؤكم وأولياؤكم في الآخرة وقيل أنهم يشفعون لهم في الآخرة ويتلقونهم بالكرامة وقال النسفي رحمه الله كما أن الشياطين قرناء العصاة والكافرين فكذلك الملائكة أولياء المتقين وأحباؤهم في الدارين (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) من صنوف الكرامات واللذات وأنواع النعم (ولكم فيها ما تدعون) أي تتمنون افتعال من الدعاء بمعنى الطلب.
وقد تقدم بيان معنى هذا في قوله (ولهم ما يدعون) مستوفى، والفرق بين الجملتين أن الأولى باعتبار شهوات أنفسهم، والثانية باعتبار ما يطلبونه، أعم من أن يكون مما تشتهيه أنفسهم أولاً، إذ لا يلزم أن يكون كل مطلوب مشتهى، كالفضائل العلمية، وإن كان الأول أعم أيضاً من وجه بحسب حال الدنيا فالمريض لا يريد ما يشتهيه ويضر مرضه إلا أن يقال التمني أعم من الإرادة، وقال الرازي: الأقرب عندي أن قوله: (ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم) إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله (دعواهم فيها سبحانك اللهم) الآية.
وانتصاب
فصلت 41:32
(نزلاً من غفور رحيم) على الحال من الموصول، أو من عائده أو من فاعل تدعون أو هو مصدر مؤكد لفعل محذوف أي أنزلنا نزلاً والنزل ما يعد لهم حال نزولهم من الرزق والضيافة، قال النسفي: هو رزق النزيل وهو الضيف، وقد تقدم تحقيقه في سورة آل عمران قال أهل المعاني كل هذه الأشياء المذكورة في هذه الآية جارية مجرى النزل، والكريم إذا أعطى هذا النزل، فما ظنك بما بعده من الألطاف والكرامة.
وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35)
فصلت 41:33
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ) أي إلى توحيده وطاعته قال الحسن هو المؤمن أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من طاعته (وعمل صالحاً) في إجابته (وقال إنني من المسلمين) لربي، وليس الغرض منه القول فقط بل يضم إليه إعتقاد القلب فيعتقد بقلبه دين الإسلام مع التلفظ، أي قال ذلك ابتهاجاً بالإسلام وفرحاً به واتخاذاً له ديناً ومذهباً وتفاخراً به، قال ابن سيرين والسدي وابن زيد: هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي هذا أيضاًً عن الحسن.
وقال عكرمة وقيس بن أبي حازم ومجاهد: نزلت في المؤذنين قالت عائشة الداعي إلى الله المؤذن والعمل الصالح ركعتان فيما بين الأذان والإقامة وعنها قالت: ما أرى هذه الآية نزلت إلا في المؤذنين، ويجاب عن هذا بأن الآية مكية والأذان إنما شرع بالمدينة والأولى حمل الآية على العموم كما يقتضيه اللفظ، ويدخل فيها من كان سبباً لنزولها دخولاً أولياً، فكل من جمع بين دعاء العباد إلى ما شرعه الله وعمل عملاً صالحاً، وهو تأدية ما فرضه الله عليه مع اجتناب ما حرمه عليه.
وكان من المسلمين ديناً لا من غيرهم، فلا شيء أحسن منه ولا أوضح من طريقته، ولا أكثر ثواباً من عمله، قيل: وللدعوة إلى الله مراتب الأولى دعوة الأنبياء إلى الله بالمعجزات، وبالحجج والبراهين، وبالسيف، وهذه المرتبة لم تتفق لغير الأنبياء. المرتبة الثانية: دعوة العلماء إلى الله بالحجج والبراهين فقط، والعلماء أقسام علماء بالله وعلماء بصفات الله وعلماء بأحكام الله. المرتبة الثالثة دعوة المجاهدين إلى الله بالسيف والسنان، فهم يجاهدون الكفار حتى يدخلوا في دين الله وطاعته. المرتبة الرابعة دعوة المؤذنين إلى الصلاة فهم أيضاًً دعاة إلى الله وإلى طاعته.
ثم بين سبحانه الفرق بين محاسن الأعمال ومساويها فقال:
فصلت 41:34
(ولا تستوي الحسنة ولا السيئة) أي لا تستوي الحسنة التي يرضى بها الله ويثيب عليها، ولا السيئة التي كرهها الله ويعاقب عليها، ولا وجه لتخصيص الحسنة بنوع من أنواع الطاعات وتخصيص السيئة بنوع من أنواع المعاصي، فإن اللفظ أوسع من ذلك، وقيل الحسنة التوحيد والسيئة الشرك وقيل الحسنة المدارة، والسيئة الغلظة وقيل الحسنة العفو والسيئة الانتصار وقيل الحسنة العلم، والسيئة الفحش، وقيل غير ذلك. قال الفراء (لا) في (ولا السيئة) زائدة، والجملة مستأنفة سيقت لبيان محاسن الأعمال الجارية بين العباد، إثر بيان محاسن الأعمال الجارية بين العبد وبين الرب، ترغيباً لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الصبر على أذية المشركين، ومقابلة إساءتهم بالإحسان.
(ادفع بالتي هي أحسن) استئناف مبين لحسن عاقبة الحسنة، أي ادفع السيئة إذا جاءتك من المسيء بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، ومنه مقابلة الإساءة بالإحسان، والذنب بالعفو، والغضب بالصبر، والإغضاء عن الهفوات، والاحتمال للمكروهات، قال ابن عباس أمر المسلمين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل: والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله من الشيطان وخضع لهم عدوهم كأنه ولي حميم وقال ابن عباس القه بالسلام وقال مجاهد وعطاء: بالتي هي أحسن يعني بالسلام إذا لقي من يعاديه، وقيل بالمصافحة عند التلاقي.
والمعنى أن الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما، فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك، كما لو أساء إليك رجل إساءة فالحسنة أن تعفو عنه والتي هي أحسن أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، مثل أن يذمك فتمدحه، أو يقتل ولدك فتفتدي ولده من يد عدوه، ووضع التي هي أحسن موضع الحسنة ليكون أبلغ في الدفع بالحسنة، لأن من دفع بالحسنى هان عليه الدفع بما دونها.
(فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم) هذه هي الفائدة الحاصلة من الدفع بالتي هي أحسن، والمعنى أنك إذا فعلت ذلك الدفع صار العدو كالصديق، والبعيد عنك كالقريب منك، وقال مقاتل: نزلت في أبي سفيان ابن حرب كان معادياً للنبي صلى الله عليه وسلم، فصار له ولياً بالمصاهرة التي وقعت بينه وبينه، ثم أسلم فصار ولياً في الإسلام، حميماً بالمصهارة، وقيل غير ذلك، والأولى حمل الآية على العموم.
فصلت 41:35
(وما يلقاها) قال الزجاج: أي ما يلقى هذه الفعلة وهذه الحالة وهي دفع السيئة بالحسنة (إلا الذين صبروا) على كظم الغيظ، واحتمال المكروه، وتجرع الشدائد، وترك الانتقام. وقال أنس: الرجل يشتمه أخوه فيقول: إن كنت صادقاً غفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك.
(وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) في الثواب والخير، أو من الخلق الحسن وكمال النسب، وهذا أنسب. وقال قتادة: الحظ العظيم الجنة أي ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة، وقيل الضمير في يلقاها عائد إلى الجنة، وقيل راجعة إلى كلمة التوحيد، قرأ الجمهور، يلقاها من التلقية، وقرىء تلاقاها من الملاقاة ثم أمر سبحانه بالاستعاذة من الشيطان فقال: وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (36) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (37) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (38) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (39) إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41)
فصلت 41:36
(وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ) النزغ شبيه النخس، شبه به الوسوسة لأنها تبعث على الشر، وجعل النزغ نازغاً على سبيل المجاز العقلي، كقولهم جد جده، أو أريد: وإما ينزغنك نازغ وصفاً للشيطان بالمصدر، أو لتسويله، والمعنى: وإن صرفك الشيطان عن شيء مما شرعه الله لك أو عن الدفع بالتي هي أحسن (فاستعذ بالله) من شره وامض على حلمك ولا تطعه.
وجملة: (إنه هو السميع العليم) تعليل لما قبلها، أي السميع لكل ما يسمع، ومنه استعاذتك، والعليم بكل ما يعلم ومنه فعلك وأحوالك، ومن كان كذلك فهو يعيذ من استعاذ به، وقال هنا بزيادة هو وأل، وفي الأعراف بدونهما، لأن ما هنا متصل بمؤكد بالتكرار وبالحصر، فناسب التأكيد بما ذكر، وما في الأعراف خلي عن ذلك، فجرى على القياس من كون المسند إليه معرفة والمسند نكرة.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سليمان بن صرد قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد غضب أحدهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الغضب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، فقال الرجل: أمجنون تراني فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم) ".
ثم شرع سبحانه في بيان بعض آياته البديعة، الدالة على كمال قدرته وقوة تصرفه للاستدلال بها على توحيده فقال:
فصلت 41:37
(ومن آياته الليل والنهار) في تعاقبهما على حد معلوم، وتناوبهما على قدر مقسوم (والشمس والقمر) في اختصاصهما بسير مقدر ونور مقرر، هذا رد على قوم عبدوا الشمس والقمر، وإنما تعرض للأربعة مع أنهم لم يعبدوا الليل والنهار للإيذان بكمال سقوط الشمس والقمر عن رتبة السجودية لهما، بنظمهما في المخلوقية في سلك الأعراض التي لا قيام لها بذاتها، وهذا هو السر في نظم الكل في سلك آياته، ثم لما بين أن ذلك من آياته نهاهم عن عبادة الشمس والقمر، وأمرهم أن يسجدوا لله عز وجل فقال: (لا تسجدوا للشمس ولا للقمر) لأنهما مخلوقان من مخلوقاته وإن كثرت منافعهما فلا يصح أن يكونا شريكين له في ربوبيته.
(واسجدوا لله الذي خلقهن) أي هذه الأربعة المذكورة، لأن جمع ما لا يعقل حكمه حكم جمع الإناث، أو الآيات، أو الشمس والقمر، لأن الاثنين جمع عند جماعة من الأئمة. قال السمين: وإنما عبر عن الأربع بضمير الإناث مع أن فيها ثلاثة مذكرة والعادة تغليب المذكر على المؤنث، لأنه لما قال: ومن آياته فنظم الأربعة في سلك الآيات صار كل واحد منها آية فعبر عنها بضمير الإناث في قوله: خلقهن.
(إن كنتم إياه تعبدون) قيل: كان ناس يسجدون للشمس والقمر كالصابئين في عبادتهم الكواكب، ويزعمون أنهم يقصدون بالسجود لهما السجود لله، فنهوا عن ذلك، فهذا وجه تخصيص ذكر السجود بالنهي عنه، وقيل: وجه تخصيصه أنه أقصى مراتب العبادة.
وهذه الآية من آيات السجود بلا خلاف، وإنما اختلفوا في موضع السجدة فقيل: موضعها عند قوله (إن كنتم إياه تعبدون)، لأنه متصل بالأمر، وقيل عند قوله (وهم لا يسأمون) لأنه تمام الكلام، وعن ابن عباس أنه كان يسجد بآخر الآيتين من حم السجدة، وكان ابن مسعود يسجد بالأولى منهما، وعن ابن عمر أنه كان يسجد بالأولى ويسجد بالآية الأخيرة.
فصلت 41:38
(فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ) أي إن استكبر هؤلاء عن الامتثال فدعهم وشأنهم، فإن لله عباداً يعبدونه كالملائكة يديمون التسبيح لله سبحانه بالليل والنهار، أو يصلون له وهم لا يملون ولا يفترون، يعني أن الله لا يعدم عابداً أبداً، بل من خلقه من يعبده على الدوام، والعندية عندية مكانة وتشريف، وفي الحديث " أنا عند ظن عبدي بي " و " أنا عند المنكسرة قلوبهم ".
فصلت 41:39
(ومن آياته) الدالة على قدرته ووحدانيته (أنك) الخطاب لكل من يصلح له، أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم (ترى الأرض) أي بعضها بحاسة البصر، وبعضها بعين البصيرة، قياساً على ما أبصرت (خاشعة) يابسة لا نبات فيها، متطامنة، وهي أنسب بلفظ خاشعة، والخاشعة اليابسة الجدبة الجامدة، وقيل: الغبراء التي لا تنبت، قال الأزهري. إذا يبست الأرض ولم تمطر، قيل: قد خشعت والخشوع التذلل والتقاصر، فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، كما وصفها بالهمود في قوله تعالى (وترى الأرض هامدة) وهو خلاف وصفها بالاهتزاز والربو كما قال: (فإذا أنزلنا عليها الماء) أي ماء المطر أو غيره (اهتزت) تحركت بالنبات حركة عظيمة كثيرة سريعة فكان كمن يعالج ذلك بنفسه، يقال اهتز الإنسان إذا تحرك.
(وربت) انتفخت وعلت قبل أن تنبت، قاله مجاهد وغيره أي تصدعت عن النبات بعد موتها، وعلى هذا ففي الكلام تقديم وتأخير وتقديره: ربت واهتزت وقيل: الاهتزاز والربو قد يكونان قبل خروج النبات من الأرض وقد يكونان بعده، ومعنى الربو لغة الارتفاع. كما يقال للموضع المرتفع: ربوة ورابية فالنبات يتحرك للبروز ثم يزداد في جسمه بالكبر طولاً وعرضاً.
وقد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في سورة الحج، وقيل اهتزت استبشرت بالمطر وربت انتفخت بالنبات، وقيل تشققت فارتفع ترابها. وخرج منها النبات وسما في الجو مغطياً لوجهها، وتشعبت عروقه وغلظت سوقه، فصار يمنع سلوكها على ما كانت فيه من السهولة، وتزخرفت بذلك النبات كأنها بمنزلة المختال في زيه. لما كانت قبل ذلك كالذليل، وقرأ أبو جعفر وخالد ربأت (إن الذي أحياها لمحيي الموتى) بالبعث والنشور (إنه على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء كائناً ما كان.
فصلت 41:40
(إن الذين يلحدون في آياتنا) أي يمليون عن الحق والاستقامة في آياتنا بالطعن والتحريف، والتأويل الباطل، واللغو فيها، والإلحاد الميل والعدول ومنه اللحد في القبر، لأنه أميل إلى ناحية منه، يقال: الحد في دين الله أي مال عنه وعدل، ويقال لحد وهو لغة فيه، وقد تقدم تفسير الإلحاد، ويقال: ألحد الحافر ولحد إذا مال عن الاستقامة فحفر في شق، فاستعير لحال الأرض إذا كانت ملحودة، فاستعير للانحراف في تأويل آيات القرآن عن جهة الصحة والاستقامة، قال مجاهد: معنى الآية يميلون عن الإيمان بالقرآن، وقال أيضاًً: يميلون عند تلاوة القرآن بالمكاء والتصدية، واللغو والغناء، وقال قتادة يكذبون في آياتنا، وقال السدي: يعاندون ويشاقون، وقال ابن زيد: يشركون، والمعاني متقاربة، وقال ابن عباس في الآية؛ هو أن يضع الكلام في غير موضعه.
(لا يخفون علينا) بل نحن نعلمهم فنجازيهم بما يعملون، قيل: نزلت في أبي جهل، ثم بين كيفية الجزاء والتفاوت بين المؤمن والكافر فقال: (أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ) الاستفهام للتقرير، والغرض منه التنبيه على أن الملحدين في الآيات يلقون في النار، وأن المؤمنين بها يأتون آمنين يوم القيامة.
وظاهر الآية العموم اعتباراً بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهو تمثيل للكافر والمؤمن، وقيل: المراد بمن يلقى في النار أبو جهل، ومن يأتي آمناً النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل حمزة وقيل عمر بن الخطاب وقيل: أبو سلمة بن عبد الأسود المخزومي، وقال ابن عباس: أبو جهل ابن هشام ومن يأتي آمناً يوم القيامة أبو بكر الصديق. وعن بشير بن تميم قال: نزلت في أبي جهل وعمار بن ياسر، وعن عكرمة مثله، وكان الظاهر أن يقال أم من يدخل الجنة؟ وعدل عنه للتصريح بأمنهم، وانتفاء الخوف عنهم، قاله الكرخي. وترسم (أم) مفصولة من (من) اتباعاً للمصحف الإمام.
(اعملوا) هذا أمر تهديد، أي اعملوا من أعمالكم التي تلقيكم في النار (ما شئتم) فهو مجازيكم على كل ما تعملون، قال الزجاج: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الوعيد، وقال ابن عباس: هذا لأهل بدر خاصة (إنه بما تعملون بصير) لا تخفى عليه منه خافية فيجازيكم عليه.
فصلت 41:41
(إن الذين كفروا بالذكر لما جاءهم) الجملة مستأنفة مقررة لما قبلها، وخبر إن محذوف أي إن الذين كفروا بالقرآن لما جاءهم يجازون بكفرهم، أو هالكون. أو يعذبون. وقيل هو قوله: (ينادون من مكان بعيد) وهذا بعيد وإن رجحه أبو عمرو بن العلاء، وذكر السمين في خبر إن أعاريب ووجوهاً لا نطول بذكرها (وإنه) أي القرآن الذي كانوا يلحدون فيه (لكتاب عزيز) عن أن يعارض أو يطعن فيه الطاعنون منيع عن كل عيب محمي بحماية الله وقيل: عديم نظيره، وذلك أن الخلق عجزوا عن معارضته، وقيل: أعزه الله بمعنى منعه أي ممتنع عن قبول الإبطال والتحريف.
ثم وصفه بأنه حق لا سبيل للباطل إليه بوجه من الوجوه فقال: لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ (43) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (45) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (46)
فصلت 41:42
(لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ) قال الزجاج: معناه أنه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه. وبه قال قتادة والسدي ومعنى الباطل على هذه الزيادة والنقصان، وقال مقاتل لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله، ولا يجيء من بعده كتاب فيبطله، وبه قال الكلبي وسعيد بن جبير، وقيل: الباطل هو الشيطان أي لا يستطيع أن يزيد فيه ولا ينقص منه. وقيل: لا يزاد فيه ولا ينقص منه، لا من جبريل ولا من محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل لا يأتيه التبديل والتناقض بوجه من الوجوه، وقيل: لا يأتيه الباطل عما أخبر فيما تقدم من الزمان، ولا فيما تأخر، وقيل: إن الباطل لا يتطرق إليه ولا يجد إليه سبيلاً من جهة من الجهات، حتى يصل إليه والمعنى كل ما فيه حق وصدق، ليس فيه ما لا يطابق الواقع، والعموم أولى.
(تنزيل من حكيم حميد) خبر مبتدأ محذوف، أو صفة أخرى لكتاب ثم سلى سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم عما كان يتأثر له من أذية الكفار فقال
فصلت 41:43
(ما يقال لك) من هؤلاء الكفار من وصفك بالسحر والكذب والجنون (إلا) مثل (ما قد قيل للرسل من قبلك) فإن قومهم كانوا يقولون لهم مثل ما يقول لك هؤلاء، وقيل: المعنى ما يقال لك من التوحيد وإخلاص العبادة لله إلا ما قد قيل للرسل من قبلك. فإن الشرائع كلها متفقة على ذلك وقيل هو استفهام أي أيُّ شيء يقال لك.
(إن ربك لذو مغفرة) لمن يستحق مغفرته من الموحدين الذين تابعوك وتابعوا من قبلك من الأنبياء (وذو عقاب أليم) للكفار المكذبين المعادين لرسل الله، وقيل: لذو مغفرة للأنبياء وذو عقاب لأعدائهم.
فصلت 41:44
(ولو جعلناه قرآناً أعجمياً) أي لو جعلنا هذا القرآن الذي تقرأه على الناس بغير لغة العرب، ولا حجة فيه لأبي حنيفة رحمه الله في جواز الصلاة إذا قرأ بالفارسية كما زعمه النسفي وغيره لأن التركيب خارج مخرج الفرض والتقدير دون الوقوع والتحقيق (لقالوا لولا فصلت آياته) أي بينت بلغتنا فإننا عرب لا نفهم لغة العجم والاستفهام في قوله (أأعجمي وعربي) للإنكار وهو من جملة قول المشركين، أي لقالوا: كلام أعجمي ورسول عربي، والأعجمي الذي لا يفصح سواء كان من العرب أو من العجم، والياء للمبالغة في الوصف كأحمري، وليس النسب فيه حقيقياً.
وقال الرازي في لوامحه. هي كياء كرسي ويختي، وفرق بينهما الشيخ، والأعجم ضد الفصيح وهو الذي لا يبين كلامه، ويقال للحيوان غير الناطق أعجم، وقيل المراد هلا فصلت آياته فجعل أعجمياً لإفهام العجم وبعضها عربياً لإفهام العرب، قال ابن عباس: يقول لو جعلنا القرآن أعجمياً ولسانك يا محمد عربي لقالوا أعجمي وعربي تأتينا به مختلفاً أو مختلطاً هَلاَّ بينت آياته فكان القرآن مثل اللسان يقول، فلم نفعل لئلا يقولوا فكانت حجة عليهم قرأ أبو بكر وحمزة والكسائي أأعجمي بهمزتين مخففتين وقرىء بهمزة واحدة وقرىء بتسهيل الثانية بين بين:
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيبهم فقال:
(قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء) أي يهتدون به إلى الحق ويستشفون به من كل شك وشبهة، ومن الأسقام والآلام، قال الشهاب: رد عليهم بأنه هاد لهم، شاف لما في صدورهم، كاف في دفع الشبهة فلذا ورد بلسانهم معجزاً بيناً في نفسه مبيناً لغيره.
(والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر) أي صمم عن سماعه، وفهم معانيه ولهذا تواصوا باللغو فيه والموصول مبتدأ خبره في آذانهم وقر، والموصول الثاني عطف على الأول، ووقر عطف على هدى، عند من جوز العطف على معمولي عاملين مختلفين والتقدير هو للأولين هدى وشفاء وللآخرين وقر في آذانهم.
(وهو عليهم عمى) وذلك لتصامهم عن سماعه، وتعاميهم عما يريهم من الآيات، قال قتادة: عموا عن القرآن وصموا عنه. وقال السدي عميت قلوبهم عنه والمعنى وهم عليه ذو عمى، ووصف بالمصدر للمبالغة، وقيل: المعنى والوقر عليهم عمى، أي ظلمة وشبهة، قرأ الجمهور عمى بفتح الميم منونة على أنه مصدر.
وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الزبير وعمرو بن العاص وابن عمر بكسر الميم منونة على أنه إسم منقوص على أنه وصف به مجازاً. وقرىء بكسر الميم وفتح الياء على أنه فعل ماض، واختار أبو عبيدة القراءة الأولى.
(أولئك) أي الذين لا يؤمنون (ينادون من مكان بعيد) مثل حالهم باعتبار عدم فهمهم للقرآن بحال من ينادي من مسافة بعيدة لا يسمع من يناديه منها، قال الفراء: تقول للرجل الذي لا يفهم كلامك أنت تنادي من مكان بعيد، ففيه استعارة تمثيلية، وقال الضحاك ينادون يوم القيامة بأقبح أسمائهم من مكان بعيد وقال مجاهد من مكان بعيد من قلوبهم.
فصلت 41:45
(ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه) كلام مستأنف يتضمن تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يحصل له من الاغتمام بكفر قومه وطعنهم في القرآن فأخبره أن هذه عادة قديمة في أمم الرسل، غير مختصة بقومك، فإنهم يختلفون في الكتب المنزلة إليهم، والمراد بالكتاب التوراة وضمير فيه راجع إليه وقيل يرجع إلى موسى والأول أولى، يعني قال بعضهم هو حق، وقال بعضهم هو باطل، كما اختلف قومك في كتابك فمصدق به ومكذب.
(ولولا كلمة سبقت من ربك) في تأخير العذاب عن المكذبين بالقرآن من أمتك وإمهالهم كما في قوله: (ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى) (لقضى بينهم) بتعجيل العذاب لمن كذب منهم قال قتادة أي سبق لهم من الله حين وأجل هم بالغوه.
(وإنهم لفي شك منه مريب) أي من كتابك المنزل عليك وهو القرآن ومعنى الشك المريب الموقع في الريبة والشديد الريبة، وقيل: إن المراد اليهود، وأنهم في شك من التوراة مريب، والأولى أولى.
فصلت 41:46
(من عمل صالحاً فلنفسه) أي من أطاع الله وآمن برسله ولم يكذبهم فثواب ذلك راجع إليه، ونفعه خاص به (ومن أساء فعليها) أي عقاب إساءته عليه لا على غيره (وما ربك بظلام للعبيد) فلا يعذب أحداً إلا بذنبه، ولا يقع منه الظلم لأحد، كما في قوله سبحانه (إن الله لا يظلم الناس شيئاًً) وظلام صيغة نسب كتمّار، وبقال، وخباز، لا صيغة مبالغة، وهذا التقرير أحسن من غيره.
وقال الكرخي: ليس بذي ظلم أشار به إلى أن ظلام ليس على بابه، وقد تقدم الكلام على معنى هذه الآية في سورة آل عمران عند قوله: (وأن الله ليس بظلام للعبيد) وفي سورة الأنفال أيضاًً ثم أخبر سبحانه أن علم القيامة ووقت قيامها لا يعلمه غيره فقال: إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ (47) وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (48)
فصلت 41:47
(إليه يرد علم الساعة) أي علم سؤال الساعة، أي السؤال عنها أي علم جواب هذا السؤال، فإذا وقع السؤال عنها وجب على المسؤول أن يرد علمها إليه لا إلى غيره، وأخذ الحصر من تقديم المعمول، وقد روي أن المشركين قالوا: يا محمد إن كنت نبياً فخبرنا متى تقوم الساعة، فنزلت هذه الآية (وما تخرج من ثمرات من أكمامها) ما نافية ومن الأولى للاستغراق؛ والثانية لابتداء الغاية وقيل ما موصولة في محل جر عطفاً على الساعة أي علم الساعة وعلم التي تخرج، والأولى أولى.
والأكمام جمع كم بكسر الكاف، وهو روي الثمرة، ويطلق على كل ظرف لمال أو غيره، قال أبو عبيدة أكمامها أوعيتها، وهي ما كانت فيه الثمرة واحدها: كم وكمة، قال الراغب: الكم ما يغطي اليد من القميص وما يغطي الثمرة وجمعه أكمام، وهذا يدل على أن الكم بضم الكاف لأنه جعله مشتركاً بين كم القميص وكم الثمرة، ولا خلاف في كم القميص أنه بالضم، ويمكن أن يقال: إن في الكم الذي هو وعاء الثمر لغتين، قرأ الجمهور من ثمرة بالإفراد على إرادة الجنس، وقرىء بالجمع للاختلاف في أنواع الثمار، قاد قتادة من أكمامها حين تطلع.
(وما تحمل من أنثى) حملاً في بطثها (ولا تضع) ذلك الحمل (إلا بعلمه) أي علم الله سبحانه والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، أي ما يحدث شيء من خروج ثمرة ولا حمل حامل ولا وضع واضع في حال من الأحوال ملابساً لشيء من الأشياء إلا كائناً بعلم الله، فإليه يرد علم الساعة كما يرد إليه علم هذه الأمور الحادثة، وفيه دليل على أن أصحاب الكشف والكهان وأهل النجوم لا يمكنهم القطع والجزم في شيء مما يقولونه البتة، وإنما غايته ادعاء ظن ضعيف، أو وهم خفيف، قد لا يصيب، وعلم الله هو العلم اليقين المقطوع به الذي لا يشركه فيه أحد.
(ويوم يناديهم) أي ينادي الله سبحانه المشركين، وذلك يوم القيامة فيقول لهم: (أين شركائي) الذين كنتم تزعمون أنهم شركائي في الدنيا، من الأصنام وغيرها، فادعوهم الآن فليشفعوا لكم، أو يدفعوا عنكم العذاب وهذا على طريقة التهكم بهم والتقريع لهم، وأضافهم إلى نفسه على زعمهم الباطل، والعامل في يوم محذوف أي اذكر.
(قالوا) أي يقولون، فالماضي بمعنى المضارع (آذناك) أي اعلمناك قال ابن عباس يقال: آذن يؤذن إذا أعلم أي أعلمناك وقيل: أخبرناك، قال النسفي: وهو الأظهر إذ الله تعالى كان عالماً بذلك، وإعلام العالم محال إنما الإخبار للعالم بالشيء يتحقق بما علم به إلا أن يكون المعنى إنك علمت من قلوبنا الآن أنا لا نشهد تلك الشهادة الباطلة لأنه إذا علمه من نفوسهم فكأنهم أعلموه انتهى.
(ما منا من شهيد) يشهد بأن لك شريكاً، وذلك أنهم لما عاينوا القيامة تبرأوا من الشركاء، وتبرأت منهم تلك الأصنام التي كانوا يعبدونها، وقيل: لهم بأنهم كانوا محقين، والأول أولى.
فصلت 41:48
(وضل عنهم) أي غاب وزال وبطل في الآخرة (ما كانوا يدعون من قبل) في الدنيا من الأصنام ونحوها (وظنوا ما لهم من محيص) أي أيقنوا وعلموا أنه لا مهرب لهم من العذاب، يقال: حاص يحيص حيصاً إذا هرب وقيل، الظن على معناه الحقيقي لأنه بقي لهم في تلك الحال ظن ورجاء، والأول أولى، ثم ذكر سبحانه بعض أحوال الإنسان فقال: لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (49) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (50) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (51) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (52) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)
فصلت 41:49
(لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ) أي لا يمل من دعاء الخير لنفسه وجلبه إليه، ولا يزال يسأل ربه المال والخير هنا المال والصحة والسلطان والرفعة. قال السدي: والإِنسان هنا يراد به الكافر، وقيل الوليد بن المغيرة، وقيل عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأمية بن خلف والأولى حمل الآية على العموم باعتبار الغالب، فلا ينافيه خروج خلص العباد، وقرأ ابن مسعود من دعاء المال.
(وإن مسه الشر) أي البلاء والشدة والفقر والمرض (فيئوس) من روح الله (قنوط) من رحمته، واليأس من صفة القلب وهو قطع الرجاء، والقنوط إظهار آثاره على ظاهر البدن، والحال المحلي يقتضي ترادفهما، وبه قال بعضهم فالجمع بينهما للتأكيد، وقيل يؤوس من إجابة دعائه قنوط بسوء الظن بربه، وقيل يؤوس من زوال ما به من المكروه، قنوط بما يحصل له من ظن دوامه وهما صيغتا مبالغة تدلان على أنه شديد اليأس، عظيم القنوط وبولغ فيه من طريقين من طريق بناء فعول كما أشرنا ومن طريق التكرير مع ما في القنوط من ظهور أثر اليأس لأن القنوط أن يظهر عليه أثر اليأس فيتضاءل وينكسر أي يقطع الرجاء من فضل الله وروحه، وهذا صفة الكافر بدليل قوله تعالى (إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).
فصلت 41:50
(ولئن) لام قسم (أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته) أي ولئن آتيناه خيراً وعافية وغنى من بعد شدة ومرض وفقر (ليقولن) جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لسد جواب القسم مسده (هذا لي) أي هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي، فظن أن تلك النعمة التي صار فيها وصلت إليه باستحقاقه لها، ولم يعلم أن الله يبتلي عباده بالخير والشر ليتبين له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع.
قال مجاهد: معناه هذا بعملي وأنا محقوق به، أو هذا لي دائماً لا يزول (وما أظن الساعة قائمة) أي ما أظنها تقوم كما يخبرنا بها الأنبياء أو لست على يقين من البعث، وهذا خاص بالكافرين والمنافقين، فيكون المراد بالإنسان المذكور في صدر الآية الجنس باعتبار غالب أفراده، لأن اليأس من رحمة الله والقنوط من خيره والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين أو المتزلزلين في الدين المتظهرين بالإسلام المبطنين للكفر.
(ولئن) لام قسم (رجعت إلى ربي) على تقدير صدق ما يخبرنا به الأنبياء من قيام الساعة وحصول البعث والنشور (إن لي عنده للحسنى) جواب القسم لسبقه الشرط، أي للحالة الحسنى من النعمة والكرامة، فظن أنه استحق خير الدنيا بما فيه من الخير واستحق خير الآخرة بذلك الذي اعتقده في نفسه، وأثبته لها، وهو اعتقاد باطل، وظن فاسد، وقد تضمن الكلام مبالغات حيث أكد بالقسم، وإن، وتقديم الظرفين، والعدول إلى صيغة التفضيل إذ الحسنى تأنيث الأحسن.
(فلننبئن الذين كفروا بما عملوا) أي لنخبرنهم به يوم القيامة وهذا جواب لقول الكافر ولئن رجعت إلى آخره، أي ليس الأمر كما يزعم وإنما له العقاب الشديد كما قال (ولنذيقنهم من عذاب غليظ) بسبب ذنوبهم، واللام هذه والتي قبلها هي الموطئة للقسم.
فصلت 41:51
(وإذا أنعمنا على الإنسان) أي على هذا الجنس من حيث هو، باعتبار غالب أفراده (أعرض) عن الشكر (ونأى بجانبه) أي ترفع عن الانقياد للحق، وتكبر وتجبر، وثنى عطفه متبختراً، كناية عن الإعراض. وقيل: انحرف عنه أو ذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبراً والجانب هنا مجاز عن النفس، ونأى بمعنى بعد، يقال: نأيت وتناءيت أي بعدت وتباعدت والمنتأى الموضع البعيد، وقرىء ناء بالألف قبل الهمزة.
(وإذا مسه الشر) أي البلاء والجهد والفقر والمرض (فذو) أي فهو ذو (دعاء عريض) أي كثير، والعرب تستعمل العرض والطول في الكثرة مجازاً يقال: أطال فلان في الكلام وأعرض في الدعاء إذا أكثر، فهو مستعار مما له عرض متسع، للإشعار بكثرته، فإن العريض يكون ذا أجزاء كثيرة، والاستعارة تخييلية، شبه الدعاء بأمر يوصف بالامتداد، ثم ثبت له العرض قاله الكرخي والطول أطول الامتدادين، فإذا كان عرضه كذلك فما ظنك بطوله، أفاده أبو السعود.
والمعنى أنه إذا مسه الشر تضرع إلى الله واستغاث به أن يكشف عنه ما نزل به، واستكثر من ذلك فذكره في الشدة ونسيه في الرخاء، واستغاث به عند نزول النقمة، وتركه عند حصول النعمة وهذا صنيع الكافرين، ومن كان غير ثابت القدم من المسلمين قال الشهاب فإن قلت: كونه يدعو دعاء طويلاً عريضاً ينافي وصفه قبل هذا بأنه يؤوس قنوط، لأن الدعاء فرع الطمع والرجاء، وقد اعتبر في القنوط ظهور أثر اليأس، فظهور ما يدل على الرجاء يأباه، قلت: يمكن دفع المنافاة بحمله على عدم اتحاد الأوقات والأحوال انتهى، أو لعل هذا شأن بعض غير البعض الذي حكى عنه اليأس والقنوط، أو شأن الكل في بعض الأوقات، ذكره أبو السعود.
ثم رجع سبحانه إلى مخاطبة الكفار ومحاجتهم فقال:
فصلت 41:52
(قل أرأيتم) أي أخبروني عن حالتكم العجيبة، واستعمال أرأيتم بمعنى الإخبار مجاز، ووجه المجاز أنه لما كان العلم بالشيء سبباً للإخبار عنه أو الإبصار به طريقاً إلى الإحاطة به علماً، وإلى صحة الإخبار عنه استعملت الصيغة التي لطلب العلم أو لطلب الإبصار في طلب الخير لاشتراكهما في الطلب، ففيه مجازان: استعمال رأى التي بمعنى علم أو أبصر في الإخبار، واستعمال الهمزة التي هي لطلب الرؤية في طلب الإخبار قاله الشهاب.
(إن كان) القرآن (من عند الله) كما قلت (ثم كفرتم به) أي كذبتم به، ولم تقبلوه ولا عملتم بما فيه (من أضل ممن هو في شقاق) خلاف (بعيد) عن الحق أي لا أحد أضل منكم لفرط شقاوتكم، وشدة عداوتكم والأصل أي شيء أضل منكم فوضع من هو في شقاق موضع الضمير لبيان حالهم في المشاقة، وأنها السبب الأعظم في ضلالهم.
فصلت 41:53
(سنريهم آياتنا) أي دلالات صدق القرآن وعلامات كونه من عند الله (في الآفاق) جمع أفق بضم الهمزة والفاء، كذا قال أهل اللغة، كأعناق وعنق، وهو الناحية، ونقل الراغب أنه يقال: أفق بفتحهما كجبل وأجبال، والمعنى سنريهم آياتنا في النواحي على ما أخبرهم به النبي صلى الله عليه وسلم من الحوادث الآتية وآثار النوازل الماضية، وما يسر الله له ولخلفائه من الفتوح والظهور على ممالك الشرق والغرب على وجه خارق للعادة، وقال القرطبي أي علامات وحدانيتنا وقدرتنا في الآفاق، يعني خراب منازل الأمم الماضية وربوع القرون الخالية.
(وفي أنفسهم) قال ابن زيد: في الآفاق آيات السماء وفي أنفسهم حوادث الأرض وقال مجاهد في الآفاق فتح القرى التي يسر الله فتحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللخلفاء من بعده وأنصار دينه في آفاق الدنيا، وبلاد المشرق والمغرب عموماً، وفي ناحية المغرب خصوصاً من الفتوح التي لم يتيسر مثلها لأحد من خلفاء الأرض قبلهم، أو من الظهور على الجبابرة والأكاسرة وتغليب قليلهم على كثيرهم، وتسليط ضعفائهم على أقويائهم، وإجرائه على أيديهم أموراً خارجة عن المعهود، خارقة للعادات، وفي أنفسهم فتح مكة ورجح هذا ابن جرير، واختاره المنهال بن عمرو والسدي.
وقال قتادة والضحاك في الآفاق يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والرياح والأمطار والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغير ذلك وفي أنفسهم من لطيف الصنعة وبديع الحكمة، حتى في سبيل الغائط والبول فإن الرجل يأكل ويشرب من مكان واحد، ويتميز ذلك خارجاً من مكانين، وحتى في عينيه اللتين ينظر بهما من الأرض إلى السماء مسيرة خمسمائة عام، وفي أذنيه اللتين يفرق بهما بين الأصوات المختلفة وغير ذلك من بديع حكمة الله تعالى فيه.
فإن قيل: قوله سنريهم الخ يقتضي أنه إلى الآن ما أطلعهم على تلك الآيات وسيطلعهم عليها بعد ذلك، مع أن الآيات المذكورة قد اطلعوا عليها وهي منهم نصب العين، والجواب أن المراد على هذا سنريهم أسرار آياتنا الخ فالآيات وإن اطلعوا عليها بالفعل لكن سرها وحكمها لم يطلعوا عليه قاله الكرخي.
وعن ابن جريج في الآية قال أمسك المطر عن الأرض كلها. وفي أنفسهم قال البلايا التي تكون في أجسامهم وقال ابن عباس كانوا يسافرون فيرون آثار عاد وثمود فيقولون والله لقد صدق محمد صلى الله عليه وسلم، وما أراهم في أنفسهم قال الأمراض وقيل في كونهم نطفاً إلى غير ذلك من انتقال أحوالهم، كما تقدم في سورة المؤمنين بيانه.
(حتى يتبين لهم أنه الحق) الضمير راجع إلى القرآن وقيل إلى الإسلام الذي جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل إلى ما يريهم الله ويفعل من ذلك وقيل إلى محمد صلى الله عليه وسلم أنه الرسول الحق من عند الله، والأول أولى.
وقد حرف الوجودية هذه الآية الكريمة بحملها على اتحاد الخلق والخالق تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً (أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) الجملة مستأنفة لتوبيخهم وتقريعهم على ترددهم في شأن القرآن، وعنادهم المحوج إلى إيراد وعدم اكتفائهم بإخباره تعالى، والمعنى أولم يغنهم، ولم يكفهم عن الآيات الموعودة، المبينة لحقية القرآن أنه سبحانه شهيد على جميع الأشياء وقيل المعنى أولم يكف بربك يا محمد أنه شاهد على أعمال الكفار، والباء زائدة، وهذا هو الراجح وقيل: أولم يكف بربك شاهداً على أن القرآن منزل من عنده؟ والشهيد بمعنى العالم أو هو بمعنى الشهادة التي هي الحضور، قال الزجاج: ومعنى الكفاية ههنا أن الله عز وجل قد بين لهم ما فيه كفاية في الدلالة والمعنى أولم يكف ربك أنه على كل شيء شهيد شاهد للأشياء لا يغيب عنه شيء ما.
فصلت 41:54
(ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم) أي في شك من البعث والحساب والثواب والعقاب (ألا إنه) تعالى (بكل شيء محيط) أحاط علمه بجميع المعلومات وأحاطت قدرته بجميع المقدورات يقال أحاط يحيط إحاطة وحيطة، وفي هذا وعيد شديد، لأن من أحاط بكل شيء لا يخفى عليه شيء جازى المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته [[زاد المسير 269.]].
الشورى 42:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة الشورى
وتسمى سورة حم عسق وسورة شورى من غير ألف ولام وسورة حم عسق وهي ثلاثة وخمسون آية.
وهي مكية كلها، قاله ابن عباس وابن الزبير، وكذا قال الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وروي عن ابن عباس وقتادة أنها مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة (قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى) إلى آخرها، وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم ونعيم ابن حماد والخطيب عن أرطأة ابن المنذر حديثاً طويلاً في تفسير حم عسق وهو حديث لا يصح ولا يثبت وما أظنه إلا من الموضوعات المكذوبات، والحامل لواضعه عليه ما يقع لكثير من الناس من عداوة الدول والحط من شأنهم والإزراء عليهم وكذا ما أخرجه أبو يعلى وابن عساكر عن أبي معاوية قال السيوطي بسند ضعيف وقلت بل بسند موضوع ومتن مكذوب.
وقد قال ابن كثير في الحدث الأول: إنه غريب عجيب منكر وفي الثاني إنه أغرب من الأول وعندي أنهما موضوعان مكذوبان.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) عسق (2) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)
قد تقدم الكلام في أمثال هذه الفواتح قال عبد المؤمن: سألت الحسن ابن الفضل لم قطع حم من عسق؟ ولم يقطع كهيعص؟ فقال: لأنها بين سور أولها حم، فجرت مجرى نظائرها قبلها وبعدها، فكان حم مبتدأ وعسق خبره ولأنهما عدتا آيتين وعدت أخواتهما مثل كهيعص، والمر والمص آية واحدة وقيل: إن الحروف المعجمة كلها في المعنى واحد من حيث إنها أس البيان وقاعدة الكلام، ذكره الجرجاني.
وقيل: لأن أهل التأويل لم يختلفوا في كهيعص وأخواتها أنها حروف التهجي لا غير، واختلفوا في حم فقيل: معناها حم أي قضى ما هو كائن ففصلوا بين ما يقدر فيه فعل وبين ما لا يقدر، وقيل إن ح حلمه، وم مجده وع علمه، وس سناؤه وق قدرته، أقسم الله بها، وقيل: هما اسمان للسورة وقيل: اسم واحد لها، وقيل غير ذلك مما هو متكلف ومتعسف لم يدل عليه دليل، ولا جاءت به حجة ولا شبهة، وقد ذكرنا قبل هذا ما روى في ذلك مما لا أصل له، والحق ما قدمناه لك في فاتحة سورة البقرة.
الشورى 42:3
(كذلك) كلام، مستأنف غير متعلق بما قبله، أي مثل ذلك الإيحاء الذي أوحى إلى سائر الرسل من كتب الله المنزلة عليهم المشتملة على الدعوة إلى التوحيد، والنبوة والبعث، وهذا هو وجه المشابهة (يُوحِي إِلَيْكَ) يا محمد في هذه السورة وقيل: إن حم عسق أوحيت إلى من قبله من الأنبياء فتكون الإشارة بقوله: كذلك إليها والأول أولى.
(وإلى الذين من قبلك) أي إلى الرسل (الله) كأنه قيل من يوحى فقال الله (العزيز) في ملكه الغالب بقهره (الحكيم) بصنعه المصيب في قوله وفعله.
لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)
الشورى 42:4
(لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) ذكر سبحانه لنفسه هذا الوصف وهو ملك جميع ما فيهما لدلالته على كمال قدرته، ونفوذ تصرفه في جميع مخلوقاته (وهو العلي) ذاته وشأنه على خلقه (العظيم) الكبير مكانه وبرهانه.
الشورى 42:5
(تكاد السموات يتفطرن من فوقهن) قرأ الجمهور تكاد بالفوقية وكذلك تتفطرن قرؤوه بالفوقية مع تشديد الطاء وقرأ نافع والكسائي وابن وثاب يكاد يتفطرن بالتحتية فيهما، وقرأ أبو عمرو والمفضل وأبو بكر وأبو عبيد ينفطرن بالنون من الإنفطار كقوله تعالى (إذا السماء انفطرت) والتفطر التشقق، قال الضحاك والسدي: يتفطرن يتشققن من عظمة الله وجلاله، وقيل: المعنى يكاد كل واحدة منها ينفطر فوق التي تليها من قول المشركين اتخذ الله ولداً، وقيل: معنى من فوقهن من فوق الأرضين والأول أولى.
وقيل: يتشققن لكثرة ما على السموات من الملائكة، وقيل: يكدن يتفطرن من علو شأن الله وعظمته، ويدل عليه مجيئه بعد قوله (العلي العظيم) ومن لابتداء الغاية يبتدىء التفطر من جهة الفوق، وقال الأخفش الصغير إن الضمير يعود إلى جماعات الكفار، أي من فوقهم وهو بعيد جداً ووجه تخصيص جهة الفوق أنها أقرب إلى الآيات العظيمة، والمصنوعات الباهرة أو على طريق المبالغة كان كلمة الكفار مع كونها جاءت من جهة التحت أثرت في جهة الفوق، فتأثيرها في جهة التحت بالأولى.
(والملائكة يسبحون بحمد ربهم) كلام مستأنف أي ينزهونه عما لا يليق به ولا يجوز عليه متلبسين بحمده وقيل: إن التسبيح موضوع موضع التعجب، أي يتعجبون من جرأة المشركين على الله، وقيل؛ المعنى يصلون بأمر ربهم قاله السدي.
(ويستغفرون) أي يشفعون (لمن في الأرض) من عباد الله المؤمنين، كما في قوله: (ويستغفرون للذين آمنوا) ويطلبون هدايتهم، وقيل الاستغفار منهم بمعنى السعي فيما يستدعي المغفرة لهم وتأخير عقوبتهم طمعاً في إيمان الكافر، وتوبة الفاسق، فتكون الآية عامة كما هو ظاهر اللفظ غير خاصة بالمؤمنين، وإن كانوا داخلين فيها دخولاً أولياً، وإليه ذهب البيضاوي بل ولو فسر الاستغفار بالسعي فيما يدفع الخلل المتوقع لعم الحيوان بل الجماد.
قال الضحاك لمن في الأرض من المؤمنين. وقال السدي: بيانه في سورة المؤمن (ويستغفرون للذين آمنوا) وعلى هذا يكون المراد بالملائكة هنا حملة العرش، وقيل جميع الملائكة وهو الظاهر من قول الكلبي وقيل هو منسوخ بقوله (ويستغفرون للذين آمنوا) وقال المهدوي والصحيح أنه ليس بمنسوخ لأنه خبر وهو خاص بالمؤمنين.
وقال أبو الحسن بن الحصار إن حملة العرش مخصوصون بالاستغفار للمؤمنين ولله ملائكة أخر يستغفرون لمن في الأرض قال الماوردي وفي استغفارهم لهم قولان أحدهما من الذنوب والخطايا، وهو ظاهر قول مقاتل، والثاني أنه طلب الرزق لهم والسعة عليهم، قاله الكلبي وهو الأظهر، لأن من في الأرض يعم الكافر وغيره، وعلى قول مقاتل لا يدخل الكافر وقال مطرف وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش عباد الله لعباد الشياطين.
(ألا إن الله هو الغفور الرحيم) أي كثير المغفرة والرحمة لأهل طاعته وأوليائه أو الجميع عباده، فإن تأخير عقوبة الكفار والعصاة نوع من أنواع مغفرته ورحمته
الشورى 42:6
(والذين اتخذوا من دونه أولياء) أي أصناماً يعبدونها وجعلوا له شركاء وأنداداً.
(الله حفيظ عليهم) أي يحفظ أعمالهم لا يغيب عنه منها شيء ليجازيهم بها (وما أنت عليهم بوكيل) أي لم يوكلك بهم حتى تؤاخذ بهم، ولا وكل إليك هدايتهم، وإنما عليك البلاغ. قيل: وهذه الآية منسوخة بآية السيف.
الشورى 42:7
(وكذلك) الإيحاء البديع المبين المفهم (أوحينا إليك) أي أنزلنا عليك (قرآناً عربياً) بلسان قومك لا لبس فيه عليك ولا على قومك، كما أرسلنا كل رسول بلسان قومه (لتنذر أم القرى) أي مكة والمراد أهلها (ومن حولها) من الناس والمفعول الثاني محذوف، أي لتنذرهم العذاب.
(وتنذر يوم الجمع) أي بيوم الجمع وهو يوم القيامة لأنه مجمع الخلائق، وقيل: المراد جمع الأرواح بالأجساد، وقيل: جمع الظالم والمظلوم، وقيل جمع العامل والعمل.
(لا ريب فيه) أي لا شك فيه والجملة معترضة مقررة لما قبلها، أو حال من يوم الجمع (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) قرأ الجمهور برفع فريق في الموضعين إما على أنه مبتدأ وخبره الجار المجرور، وساغ الابتداء بالنكرة لأن المقام مقام تفضيل أو على أن الخبر مقدر قبله، أي منهم فريق في الجنة ومنهم فريق في السعير، أو أنه خبر مبتدأ محذوف وهو ضمير عائد إلى المجموعين، المدلول عليهم بذكر الجمع، أي هم فريق في الجنة وفريق في السعير وقرىء فريقاً بالنصب في الموضعين على الحال من جملة محذوفة، أي افترقوا حال كونهم كذلك، وأجاز الفراء والكسائي النصب على تقدير لتنذر فريقاً.
وقد أخرج الترمذي وصححه، وأحمد والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عبد الله بن عمرو قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان فقال: أتدرون ما هذان الكتابان؟ قلنا لا إلا أن تخبرنا يا رسول الله قال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، ثم قال للذي في شماله هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً فقال أصحابه ففيم العمل يا رسول الله؟ إن كان أمر قد فرغ منه، فقال سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة، وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار، وإن عمل أي عمل.
قال رسول الله صلى عليه وآله وسلم بيديه فنبذهما، ثم قال: فرغ ربكم من العباد، فريق في الجنة وفريق في السعير ".
قال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح غريب، وروى ابن جرير طرفاً منه عن ابن عمرو " موقوفاً عليه "، قال ابن جرير وهذا الموقوف أشبه بالصواب، قلت بل المرفوع أشبه بالصواب، فقد رفعه الثقة ورفعه زيادة ثابتة من وجه صحيح، ويقوي الرفع ما أخرجه ابن مردويه عن البراء قال. " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتاب ينظر فيه قالوا انظروا إليه كيف هو أمي لا يقرأ؟ قال فعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا كتاب من رب العالمين بأسماء أهل الجنة، وأسماء قبائلهم لا يزاد فيهم ولا ينقص منهم، وقال (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) فرغ ربكم من أعمال العباد ".
وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12)
الشورى 42:8
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) قال الضحاك أهل دين واحد إما على هدى وإما على ضلالة، ولكنهم افترقوا على أديان مختلفة بالمشيئة الأزلية، وهو معنى قوله (ولكن يدخل من يشاء في رحمته) أي في الدين الحق وهو الإسلام (والظالمون) أي المشركون (ما لهم من ولي) يدفع عنهم العذاب (ولا نصير) ينصرهم في ذلك المقام.
ومثل هذا قوله (ولو شاء الله لجمعهم على الهدى) وقوله (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) وهذا مقابل لقوله (يدخل من يشاء في رحمته)، فكان مقتضى الظاهر أن يقال ويدخل من يشاء في غضبه لكن عدل عنه إلى ما ذكر للمبالغة في الوعيد، فإن نفي من يتولاهم وينصرهم أدل على أن كونهم في العذاب أمر معلوم مفروغ منه، أفاده الكرخي.
وقال الشوكاني رحمه الله: وههنا مخاصمات بين المتمذهبين المحامين على ما درج عليه أسلافهم، فذبوا عليه من بعدهم. وليس بنا إلى ذكر شيء من ذلك فائدة، كما هو عادتنا في تفسيرنا هذا فهو تفسير سلفي يمشي مع الحق ويدور مع مدلولات النظم الشريف، وإنما يعرف ذلك من رسخ قدمه، وتبرأ من التعصب قلبه ولحمه ودمه.
الشورى 42:9
(أم اتخذوا من دونه أولياء) مستأنفة مقررة لما قبلها من انتفاء أن يكون للظالمين ولياً ونصيراً، وأم هذه هي المنقطعة المقدرة ببل المفيدة للانتقال وبالهمزة المفيدة للإنكار، أي بل اتخذ الكافرون من دون الله أولياء من الأصنام يعبدونها (فالله هو الولي) أي هو الحقيق بأن يتخذوه ولياً فإنه الخالق الرازق الضار النافع، والفاء لمجرد العطف، قاله الكرخي. وغرضه بهذا الرد على الزمخشري في قوله: إنها جواب شرط مقدر أي إن أرادوا أن يتخذوا ولياً في الحقيقة فالله هو الولي الحق، قال أبو حيان لا حاجة إلى هذا التقدير لتمام الكلام بدونه.
(وَهُوَ) أي ومن شأنه أنه (يُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي يقدر على كل مقدور فهو الحقيق بتخصيصه بالألوهية وإفراده بالعبادة.
الشورى 42:10
(وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ) هذا عام في كل ما اختلف فيه العباد من أمر الدين، فإن حكمه ومرجعه إلى الله يحكم فيه يوم القيامة بحكمه، ويفصل خصومة المختصمين فيه، وعند ذلك يظهر المحق من المبطل، ويتميز فريق الجنة وفريق النار، قال الكلبي وما اختلفتم فيه من شيء أي من أمر الدين فحكمه إلى الله يقضى فيه، وزاد البيضاوي أو أمر الدنيا، ولم يذكر الدنيا في الكشاف وذكره المحلي، وقال من الدين وغيره، والغير كالخصومات في الدنيا، والأول أولى إذ لا يلزم أن تكون بينهم وبين الكفرة: ولا يقال في مثله التحاكم إلى الله أفاده الشهاب.
وقال مقاتل إن أهل مكة كفر بعضهم بالقرآن وآمن به بعضهم، فنزلت هذه الآية، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وممكن أن يقال إن معنى حكمه إلى الله أنه مردود إلى كتابه، فإنه قد اشتمل على الحكم بين عباده فيما يختلفون فيه، فتكون الآية عامة في كل اختلاف يتعلق بأمر الدين أنه مردود إلى كتاب الله، ومثله قوله:
(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) وقد حكم سبحانه بأن الدين هو الإسلام، وأن القرآن حق، وأن المؤمنين في الجنة والكافرين في النار ولكن لما كان الكفار لا يذعنون لكون ذلك حقاً إلا في الدار الآخرة وعدهم الله بذلك يوم القيامة، وقيل: تحاكموا فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأن حكمه حكم الله، ولا تؤثروا حكومة غيره على حكومته.
(ذلكم) مبتدأ أي الحاكم العظيم الشأن بهذا الحكم (الله) خبر أول (ربي) خبر ثان (عليه توكلت) خبر ثالث، أي اعتمدت عليه في جميع أموري لا على غيره، وفوضته في كل شؤوني (وإليه) لا إلى غيره (أنيب) أي أرجع في كل شيء يعرض لي، وهذا خبر رابع.
الشورى 42:11
(فاطر السموات والأرض) الفاطر الخالق المبدع، وقد تقدم تحقيقه وهذا خبر خامس أو مبتدأ وخبره ما بعده، أو نعت لربي لأن الإضافة محضة ويكون عليه توكلت وإليه أنيب معترضاً بين الصفة والموصوف، وقرأ زيد بن علي فاطر بالجر على أنه نعت للإسم الشريف في قوله إلى الله وما بينهما اعتراض أو بدل من الهاء في عليه أو إليه وأجاز الكسائي النصب على النداء وأجازه غيره على المدح.
(جعل لكم من أنفسكم أزواجاً) خبر سادس أي خلق لكم من جنسكم نساء، أو المراد حواء لكونها خلقت من ضلع آدم، وقال مجاهد نسلاً بعد نسل (ومن الأنعام أزواجاً) أي خلق لها من جنسها إناثاً أو وخلق لكم من الأنعام أصنافاً من المذكور والإناث، وهي الثمانية التي ذكرها في الأنعام.
(يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ) أي يبثكم من الذرء وهو البث أو يخلقكم وينشئكم والضمير في يذرؤكم للمخاطبين والأنعام إلا أنه غلب عليه العقلاء، قال الزمخشري وهي من الأحكام ذات العلتين، قال الشيخ وهو اصطلاح غريب، والمعنى أن الخطاب يغلب على الغيبة إذا اجتمعا، وضمير فيه راجع إلى الجعل المدلول عليه بالفعل، أو للمخلوق، وقيل راجع إلى ما ذكر من التدبير، وقال الفراء والزجاج وابن كيسان معنى يذرؤكم فيه يكثركم به أي يكثركم بجعلكم أزواجاً لأن ذلك سبب النسل، وقال ابن قتيبة: يذرؤكم فيه أي في الزوج وقيل في البطن وقيل في الرحم.
(ليس كمثله شيء) خبر سابع والمراد بذكر المثل هنا المبالغة في النفي بطريق الكناية فإنه إذا نفى عمن يناسبه كان نفيه عنه أولى، كقولهم: مثلك لا يبخل وغيرك لا يجود، وقيل: إن الكاف زائدة للتوكيد لأنه تعالى لا مثل له، وهو المشهور عند المعربين، وقيل: إن مثل زائدة قاله ثعلب وغيره، كما في قوله (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) أي بما آمنتم به، وهذا ليس بجيد، بل الأول أولى.
فإن الكناية باب مسلوك للعرب ومهيج مألوف لهم قال ابن قتيبة العرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي أنا لا يقال لي، وقيل: المراد بالمثل الصفة وذلك أن المثل بمعنى المثل والمثل الصفة كقوله مثل الجنة، فيكون المعنى ليس مثل صفته تعالى شيء من الصفات التي لغيره وهو محمل سهل.
قال الراغب: المثل أعم الألفاظ الموضوعة للمشابهة، وذلك أن الند يقال لما يشارك في الجوهر فقط، والشبه يقال فيما يشارك في الكيفية فقط، والمساوي يقال فيما يشاركه في الكمية فقط والشكل يقال فيما يشاركه في القدر والمساحة فقط، ولهذا لما أراد الله نفي الشبه من كل وجه خصه بالذكر قال تعالى.
(ليس كمثله شيء) وقال أبو البقاء مرجحاً لزيادة الكاف إنها لو لم تكن زائدة لأفضى ذلك إلى المحال، إذ يكون المعنى أن له مثلاً وليس لمثله مثل، وفي ذلك تناقض، لأنه إذا كان له مثل فلمثله مثل، وهو هو مع أن إثبات المثل لله سبحانه محال، وهذا تقرير حسن، ولكنه يندفع ما أورده بما ذكرناه من كون الكلام خارجاً مخرج الكناية.
ومن فهم هذه الآية الكريمة حق فهمها، وتدبرها حق تدبرها مشى بها عند اختلاف المختلفين في الصفات على طريقة بيضاء واضحة، ويزداد بصيرة إذا تأمل معنى قوله (وهو السميع البصير) فإن هذا الإثبات بعد ذلك النفي للمثل، قد اشتمل على برد اليقين، وشفاء الصدور، وانثلاج القلوب فاقدر يا طالب الحق قدر هذه الحجة النيرة، والبرهان القوي، فإنك تحطم بها كثيراً من البدع، وتهشم بها رؤوساً من الضلالة، وترغم بها آناف طوائف من القاصرين المتكلفين، والمتكلمين المتأولين، ولا سيما إذا ضممت إليه قول الله سبحانه (ولا يحيطون به علماً) فإنك حينئذ قد أخذت بطرفي حبل ما يسمونه علم الكلام وعلم أصول الدين.
ودع عنك نهياً صيح في حجراته ... ولكن حديث ما حديث الرواحل
وهو السميع الخ خبر ثامن وقوله:
الشورى 42:12
(له مقاليد السموات والأرض) خبر تاسع جمع مقلاد أو مقليد أو قليد، وهو المفتاح جمع على خلاف القياس أي مفاتيحهما أو خزائنهما، والمراد المطر والنبات وغيرهما كالجواهر المستخرجة من الأرض، قال النحاس: والذي يملك المفاتيح يملك الخزائن وقد تقدم تحقيقه في سورة الزمر.
ثم لما ذكر سبحانه أن بيده مقاليدهما ذكر بعده البسط والقبض فقال (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) خبر عاشر أي يوسعه لمن يشاء كالروم والفرس ويضيقه على من يشاء كالعرب (إنه بكل شيء) من الأشياء (عليم) فلا تخفي عليه خافية، وإحاطة علمه بكل شيء يندرج تحتها علمه بطاعة المطيع ومعصية العاصي فهو يجازي كُلاًّ بما يستحقه من خير وشر.
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15)
الشورى 42:13
(شرع لكم) أي بين وأوضح وسن وأظهر طريقاً واضحاً، وهو خبر حادي عشر (من الدين) أي ديناً تطابقت على صحته الأنبياء، والخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم (ما وصى به نوحاً) من التوحيد ودين الإسلام، وأصول الشرائع التي لم يختلف فيها الرسل، وتوافقت عليها الكتب، وإنما خص نوحاً لأنه أول الأنبياء أصحاب الشرائع، والمعنى قد وصيناه وإياك يا محمد ديناً واحداً، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث الشفاعة المشهور الكبير:
" ولكن ائتوا نوحاً فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض " وهذا صحيح لا إشكال فيه كما أن آدم أول رسول نبىء بغير إشكال إلا أن آدم لم يكن معه إلا نبوة، ولم تفرض له الفرائض، ولا شرعت له المحارم، وإنما كان شرعه تنبيهاً على بعض الأمور واقتصاراً على ضرورات المعاش، وأخذاً بوظائف الحياة والبقاء واستمر إلى نوح فبعثه الله بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ووظف عليه الواجبات، وأوضح له الآداب والديانات، ولم يزل ذلك يتأكد بالرسل ويتناصر بالأنبياء عليهم السلام واحداً بعد واحد وشريعة اثر شريعة حتى ختمها بخير الملل ملتنا على لسان أكرم الرسل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
(والذي أوحينا إليك) من القرآن وشرائع الإسلام والبراءة من الشرك والتعبير عنه عند نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالذي هو أصل الموصلات لتفخيم شأنه من تلك الحيثية، وخص ما شرعه لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالإيحاء مع كون ما قبله وما بعده مذكوراً بالتوصية، للتصريح برسالته، القامع لإنكار الكفرة، وفيه التفات من الغيبة إلى التكلم بنون العظمة لكمال الاعتناء بالإيحاء إليه، وهو السر في تقدمه على ما بعده مع تقدمه عليه زماناً وتقديم توصية نوح للمسارعة إلى بيان كون المشروع لهم ديناً قديماً وتوجبه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم بطريق التلوين للتشريف والتنبيه، على أنه تعالى شرعه لهم على لسانه عليه الصلاة والسلام.
(وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى) مما تطابقت عليه الشرائع وإنما خص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر لأنهم أكابر الأنبياء وأصحاب الشرائع المعظمة والأتباع الكثيرة؛ وأولو العزم، ولميل قلوب الكفرة إليهم لاتفاق الكل على نبوة بعضهم، وتفرد اليهود في موسى، والنصارى في عيسى، وكل من هؤلاء المذكورين له شرع جديد، ومن عداهم من الرسل إنما كان يبعث بتبليغ شرع من قبله فشيث وإدريس بعثا بتبليغ شرع آدم، ومن بين نوح وإبراهيم وهما هود وصالح بعثا بتبليغ شرع نوح، ومن بين إبراهيم وموسى بعثوا بتبليغ شرع إبراهيم وكذا من بين موسى وعيسى بعثوا بتبليغ شرع موسى فليتأمل، ثم بين ما وصى به هؤلاء فقال:
(أن أقيموا الدين) أي توحيد الله، والإيمان به وطاعة رسله، وقبول شرائعه والمراد بإقامته تعديل أركانه وحفظه من أن يقع فيه زيغ أو المواظبة عليه، والتشمير له، وقال السدي: أي اعملوا به وقيل: المراد سائر ما يكون المرء بإقامته مسلماً ولم ترد به الشرائع فإنها مختلفة، قال تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً) قال مجاهد: لم يبعث الله نبياً إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والإقرار لله بالطاعة فذلك دينه الذي شرع لهم، وقال قتادة: يعني تحليل الحلال وتحريم الحرام.
قال القرطبي: الأصول التي لا تختلف فيها الشرائع هي التوحيد والصلاة والزكاة والصيام والحج، وأداء الأمانة وصلة الرحم، وتحريم الكفر والقتل والزنا والإذاية للخلق، كيفما تصورت، والإعتداء على الحيوان كيفما دار، واقتحام الدناءات، وما يعود بخرم المروءات فهذا كله مشروع ديناً واحداً، وملة واحدة لم تختلف على ألسنة الأنبياء وإن اختلفت أعذارهم، وذلك قوله تعالى: أن أقيموا الدين الخ.
ثم لما أمرهم سبحانه بإقامة الدين نهاهم عن الإختلاف فيه فقال: (ولا تتفرقوا فيه) أي لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله، وطاعة رسوله، وقبول شرائعه فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع وتوافقت فيها الأديان، فلا ينبغي الخلاف في مثلها، وليس هذا من فروع المسائل التي تختلف فيها الأدلة وتتعارض فيها الأمارات، وتتباين فيها الأفهام، فإنها من مطارح الاجتهاد، ومواطن الخلاف.
قال القرطبي في الآية أي اجعلوه دائماً قائماً مستمراً محفوظاً مستقراً، من غير خلاف فيه ولا اضطراب، فمن الخلق من وفى بذلك ومنهم من نكث، (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه).
واختلفت الشرائع وراء هذه في أحكامه حسبما أراد الله مما اقتضت المصلحة وأوجبت الحكمة وضعه في الأزمنة على الأمم والله أعلم.
قال قتادة في الآية: ألا تعلمون أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة وقال على الجماعة رحمة والفرقة عذاب. ثم ذكر سبحانه أن ما شرعه من الدين شق على المشركين فقال:
(كبر) أي عظم وشق (على المشركين ما تدعوهم إليه) من التوحيد ورفض الأوثان، قال قتادة اشتد عليهم شهادة أن لا إله إلا الله وحده، وضاق بها إبليس وجنوده، فأبى الله إلا أن ينصرها ويعليها ويظهرها، ويظفرها كل من ناوأها، والأولى التعميم لدلالة السياق ولا يمنعه تخصيص المشركين بالذكر كما لا يخفي ثم خص أولياءه فقال:
(الله يجتبي إليه) استئناف وارد لتحقيق الحق وفيه إشعار بأن منهم من يجيب إلى الدعوة، والاجتباء الاختيار، والمعنى يختار لتوحيده والدخول في دينه، افتعال من الجباية وهي الجمع على طريق الاصطفاء، واجتباء الله العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي لتحصل له أنواع النعم بلا سعي منه (من يشاء) من عباده، قال قتادة: يخلص لنفسه من يشاء.
(ويهدي إليه من ينيب) أي يوفق لدينه ويستخلص لعبادته من يرجع إلى طاعته، ويقبل إلى عبادته ثم لما ذكر سبحانه ما شرعه لهم من إقامة الدين وعدم التفرق فيه ذكر ما وقع من التفرق والاختلاف فقال:
الشورى 42:14
(وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي ما تفرقوا إلا عن علم بأن الفرقة ضلالة متوعد عليها، أو العلم بمبعث الرسول أو أسباب العلم من الرسل والكتب وغيرهما، فلم يلتفتوا إليها، وفعلوا ذلك التفرق، قيل: المراد قريش وهم الذين تفرقوا من بعد ما جاءهم العلم، وهو محمد صلى الله عليه وسلم بغياً منهم عليه.
وقد كانوا يقولون ما حكاه الله عنهم بقوله (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير) الآية، وبقوله (فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به) وقيل المراد أمم الأنبياء المتقدمين، وأنهم فيما بينهم اختلفوا لما طال بهم المدى، فآمن قوم وكفر قوم. وقيل: اليهود والنصارى خاصة كما في قوله (وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة).
(بغياً بينهم) أي بغياً من بعضهم على بعض، طلباً للرياسة فليس تفرقهم لقصور في البيان والحجج، ولكن للبغي والظلم والاشتغال بالدنيا والجاه والحمية (ولولا كلمة سبقت من ربك) وهي تأخير العقوبة (إلى أجل مسمى) وهو يوم القيامة كما في قوله (بل الساعة موعدهم) وقيل: إلى الأجل الذي قضاه الله لعذابهم في الدنيا بالقتل والأسر والذل والقهر (لقضي بينهم) أي لوقع القضاء بينهم بإنزال العقوبة بهم معجلة، وقيل يقضي بين من آمن منهم ومن كفر بنزول العذاب بالكافرين ونجاة المؤمنين.
(وإن الذين أورثوا الكتاب) أي التوراة والإنجيل وهم اليهود والنصارى الذي كانوا في عهده صلى الله عليه وسلم (من بعدهم) أي من بعد من قبلهم من اليهود والنصارى المختلفين في الحق.
وقال مجاهد: معنى من بعدهم من قبل مشركي مكة، وهم اليهود والنصارى وقيل، المراد كفار المشركين من العرب الذين أورثوا القرآن من بعد ما أورث أهل الكتاب كتابهم ووصفهم بأنهم (لفي شك منه) أي من القرآن أو من محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى كلا الوجهين فالشك هنا ليس على معناه المشهور من اعتدال النقيضين وتساويهما في الذهن، بل المراد به ما هو أعم أي مطلق التردد.
وقال القرطبي: لفي شك من الذي أوصى به الأنبياء (مريب) موقع في الريبة وهي قلق النفس واضطرابها ولذلك لم يؤمنوا.
الشورى 42:15
(فلذلك) أي فلأجل ما ذكر من التفرق والشك أو الكتاب، أو العلم الذي أوتيته، أو فلأجل أنه شرع من الدين ما شرع (فادع) إلى الله وإلى توحيده وإلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية القوية أو الإتباع لما أوتيته، وعلى هذا اللام في موضع إلى لإفادة الصلة والتعليل، قال الفراء والزجاج: المعنى فإلى ذلك فادع، كما تقول: دعوت إلى فلان ولفلان وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير والمعنى (كبر على المشركين ما تدعوهم إليه) (فلذلك فادع).
(واستقم) على ما دعوت إليه فسر الراغب الإستقامة بلزوم المنهج المستقيم، فلا حاجة إلى تأويلها بالدوام على الإستقامة، قال قتادة: استقم على أمر الله، وقال سفيان: استقم على القرآن، وقال الضحاك: استقم على تبليغ الرسالة (كما أمرت) بذلك من جهة الله تعالى.
(ولا تتبع أهواءهم) الباطلة وتعصباتهم الزائفة في ترك التوحيد، ولا تنظر إلى خلاف من خالفك في دين الله (وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب) أي بجميع الكتب التي أنزلها الله على رسله لا كالذين آمنوا ببعض منها وكفروا ببعض وفيه تحقيق للحق، وبيان لاتفاق الكتب في أصول الدين، وتأليف لقلوب أهل الكتابين وتعريض لهم.
(وأمرت لأعدل بينكم) في أحكام الله إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة على ما شرعه الله، أو بنقصان منه، وأبلغ إليكم ما أمرني الله بتبليغه كما هو واللام لام كي، أي أمرت بذلك الذي أمرت به لكي أعدل بينكم، وقيل: هي زائدة، والمعنى أمرت أن أعدل وقيل: بمعنى الباء وأن المصدرية مقدرة أي بأن أعدل والأول أولى.
قال أبو العالية: أمرت لأسوي بينكم في الدين فأومن بكل كتاب وبكل رسول، والظاهر أن الآية عامة في كل شيء، والمعنى أمرت لأعدل بينكم في كل شيء.
(الله ربنا وربكم) أي إلهنا وإلهكم، وخالقنا وخالقكم (لنا أعمالنا) أي ثوابها وعقابها خاص بنا (ولكم أعمالكم) أي ثوابها وعقابها خاص بكم، فكل يجازى بعمله (لا حجة) أي لا خصومة (بيننا وبينكم) لأن الحق قد ظهر ووضح، ولم يبق للمحاجة مجال، وليس في الآية إلا ما يدل على المتاركة في المقاولة، والمحاجة لا مطلقاً حتى تكون منسوخة، وإنما عبر عن أباطيلهم بالحجة مجاراة لهم على زعمهم الباطل، قال ابن عباس ومجاهد: الخطاب لليهود وقيل للكفار على العموم.
(الله يجمع بيننا) في المحشر لفصل القضاء (وإليه المصير) أي المرجع يوم القيامة، فيجازي كُلاًّ بعمله، وهذا منسوخ بآية السيف وقيل ليست بمنسوخة لأن البراهين قد ظهرت والحجج قد قامت فلم يبق إلا العناد وبعد العناد لا حجة ولا جدال.
وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (16) اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (18) اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (19)
الشورى 42:16
(والذين يحاجون في الله) أو يخاصمون في دين الله (من بعد ما استجيب) أي استجاب الناس (له) أي لدين الله ودخلوا فيه، وقيل: الضمير راجع إلى الله، وقيل: إلى محمد صلى الله عليه وسلم المعلوم من السياق الدال عليه الفعل، والأول أولى.
قال مجاهد؛ من بعد ما أسلم الناس، قال: وهؤلاء قوم توهموا أن الجاهلية تعود، وقال قتادة هم اليهود والنصارى، ومحاجتهم قولهم نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، وكانوا يرون لأنفسهم الفضيلة بأنهم أهل كتاب وأنهم أولاد الأنبياء، وكان المشركون يقولون (أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً) فنزلت هذه الآية.
وفال ابن عباس: هم أهل الكتاب كانوا يجادلون المسلمين ويصدونهم عن الهدى، من بعد ما استجابوا لله، وقال: هم قوم من أهل الضلالة وكانوا يتربصون بأن تأتيهم الجاهلية، وعن عكرمة قال لما نزلت (إذا جاء نصر الله والفتح) قال المشركون لمن بين أظهرهم من المؤمنين: قد دخل الناس في دين الله أفواجاً فأخرجوا من بين أظهرنا فنزلت هذه الآية.
والموصول مبتدأ وخبره الجملة بعده وهي (حجتهم داحضة عند ربهم) أي لإثبات لها كالشيء الذي يزول عن موضعه يقال دحضت حجته دحوضاً بطلت، وبابه خضع، والإدحاض الإزلاق، ومكان دحض أي زلق، ودحضت رجله أي زلقت وبابه قطع وسماها حجة وإن كانت شبهة لزعمهم أنها حجة.
(وعليهم غضب) عظيم من الله لمجادلتهم بالباطل (ولهم عذاب شديد) في الآخرة.
الشورى 42:17
(الله الذي أنزل الكتاب) المراد به الجنس فيشمل جميع الكتب المنزلة على الرسل، وقيل المراد به القرآن خاصة (بالحق) متعلق بمحذوف أي متلبساً بالحق وهو الصدق (والميزان) أي العدل كذا قال أكثر المفسرين قالوا وسمى العدل ميزاناً لأن الميزان آلة الإنصاف والتسوية بين الخلق، فالميزان متجوز به عنه إستعمالاً للسبب في السبب وقيل الميزان ما بين في الكتب المنزلة مما يجب على كل إنسان أن يعمل به، وقيل: هو الجزاء على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب.
وقال قتادة: الميزان العدل فيما أمر به ونهى عنه وإنزال العدل هو الأمر والتكليف به، وقيل: إنه الميزان على نفسه أنزله الله من السماء في زمن نوح عليه السلام، وعلم العباد الوزن به لئلا يكون بينهم تظالم وتباخس، كما في قوله (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، وقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم يقضي بينكم بكتاب الله وقال مجاهد: هو الذي يوزن به.
(وما يدريك لعل الساعة قريب) أي أَيُّ شيء يجعلك دارياً بها، عالماً بوقتها، لعلها شيء قريب، أو قريب مجيئها، أو ذات قرب أو إتيانها قريب وقال (قريب) ولم يقل قريبة لأن تأنيثها غير حقيقي.
قال الزجاج: المعنى لعل البعث أو لعل مجىء الساعة قريب وقال الكسائي قريب نعت ينعت به المؤنث والمذكر كما في قوله: إن رحمة الله قريب من المحسنين، وقال الكرخي: ولا يقال: إن (قريب) يستوي فيه المؤنث والمذكر لأن فعيلاً هنا بمعنى فاعل، ولا يستوي فيه ما ذكر والاستفهام إنكاري أي لا سبب يوصلك للعمل بقربها إلا الوحي الذي ينزل عليك قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم " ذكر الساعة وعنده قوم من المشركين فقالوا متى تقوم تكذيباً لها فأنزل الله هذه الآية، " ويدل على هذا قوله:
الشورى 42:18
(يستعجل بها الذين لا يؤمنون) استعجال استهزاء منهم بها وتكذيباً بمجيئها، فلا يشفقون منها (والذين آمنوا مشفقون منها) أي خائفون وجلون من مجيئها، أي فلا يستعجلونها، ففي الآية احتباك حيث ذكر الاستعجال أولاً، وحذف الإشفاق، وذكر الإشفاق ثانياً وحذف الاستعجال. قال مقاتل لأنهم لا يدرون ما يهجمون عليه وقال الزجاج لأنهم يعلمون أنهم محاسبون ومجزيون.
(ويعلمون أنها الحق) أي أنها آتية لا ريب فيها، وكائنة لا محالة ومثل هذا قوله (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون) ثم بين ضلال الممارين فيها فقال:
(ألا إن الذين يمارون في الساعة) أي يخاصمون فيها مخاصمة شك وريبة من المماراة، وهي المخاصمة والمجادلة أو من المرية وهي الشك والريبة (لفي ضلال بعيد) عن الحق لأنهم لم يتفكروا في الموجبات للإيمان بها من الدلائل التي هي مشاهدة لهم، منصوبة لأعينهم، مفهومة لعقولهم ولو تفكروا لعلموا أن الذي خلقهم ابتداء قادر على الإعادة، وقد دل الكتاب والسنة على وقوعها، والعقول تشهد على أنه لا بد من دار جزاء والبعث أشبه الغائبات بالمحسوسات فمن لم يهتد لتجويزه فهو أبعد عن الاهتداء إلى ما وراءه.
الشورى 42:19
(الله لطيف بعباده) أي كثير اللطف بهم، بالغ الرأفة لهم، قال مقاتل لطيف بالبر والفاجر حيث لم يقتلهم جوعاً بمعاصيهم، قال عكرمة: بار بهم وقال السدي: رفيق بهم وقيل: حفى بهم. وقال القرطبي: لطيف بهم في العرض والمحاسبة، وقيل: في إيصال المنافع وصرف البلاء، وقيل لطف بالغوامض علمه، وعظم عن الجرائم حلمه، وقيل اللطيف من ينشر المناقب ويستر المثالب، أو يعفو عمن يهفو، أو يعطي العبد فوق الكفاية، ويكلفه الطاعة دون الطاقة.
وقال الجنيد: لطف بأوليائه فعرفوه ولولا لطفه بأعدائه ما جحدوه وقال جعفر الصادق: يلطف بهم في الرزق من وجهين، أحدهما أنه جعل رزقك من الطيبات، الثاني أنه لم يدفع إليك مرة واحدة فتبذره.
وقال الحسين بن الفضل: لطيف بهم في القرآن وتفصيله وتفسيره. وقيل: اللطيف الذي لا يخاف إلا عدله ولا يرجى إلا فضله [[سقط من الأصل: وقيل: هو الذي يعين على الخدمة ويكثر المدحة، وقيل: هو الذي لا يعاجل من عصاه ولا يخيب من رجاه، وقيل: هو الذي لا يرد سائله ولا يؤيس آمله.]]، وقيل هو الذي يرحم من لا يرحم نفسه، وقيل هو الذي أوقد للعلماء من الكتاب والسنة سراجاً، وجعل لهم الصراط المستقيم والدين القيم منهاجاً، وأنزل لهم من سحائب بره ومَنهِ ولطفه وكرمه وإحسانه ماء ثجاجاً وقيل غير ذلك.
وحاصل المعنى أنه يجري لطفه على عباده في كل أمورهم ومن جملة ذلك الرزق الذي يعيشون به في الدنيا وهو معنى قوله (يرزق من يشاء) منهم كيف يشاء فيوسع على هذا ويضيق على هذا، وفي تفضيل قوم بالمال حكمة ليحتاج البعض إلى البعض، كما قال ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً، وكان هذا لطفاً بالعباد ليمتحن الغني بالفقير، والفقير بالغني. وقيل ما يشاء من أنواع الرزق فهو -وإن كان يرزق كل ذي روح- لكنه فاوت بين المرزوقين في الرزق، قلة وكثرة وجنساً ونوعاً لحكمة يعلمها هو.
(وهو القوي) العظيم القوة الباهر القدرة (العزيز) الذي يغلب كل شيء ولا يغلبه شيء.
مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (21) تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (22) ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ (23)
الشورى 42:20
(من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) الحرث في اللغة الكسب يقال: هو يحرث لعياله ويحترث، أي يكتسب، ومنه سمي الرجل حارثاً ومعنى أصل الحرث إلقاء البذر في الأرض، فأطلق على ثمرات الأعمال وفوائدها بطريق الاستعارة المبنية على تشبيهها بالغلال الحاصلة من البذر، المتضمن لتشبيه الأعمال بالبذور، والمعنى من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الآخرة يضاعف الله له تلك الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، وقيل: معناه يزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخير له.
(ومن كان يريد حرث الدنيا) أي من كان يريد بأعماله وكسبه ثواب الدنيا وهو متاعها، وما يرزق الله به عباده منها، مؤثراً لها على الآخرة (نؤته منها) ما قضت به مشيئتنا، وقسم له في قضائنا، ولو تهاون به ولم يطلبه لأتاه.
قال قتادة: المعنى نقدر له ما قسم له كما قال (عجلنا له فيها ما نشاء) وقال أيضاًً: إن الله يعطي على نية الآخرة ما شاء من أمر الدنيا، ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا. قال القشيري والظاهر أن الآية في الكافر، وهو تخصيص بغير مخصص، ثم بين سبحانه أن هذا الذي يريد بعمله الدنيا لا نصيب له في الآخرة فقال:
(وما له في الآخرة من نصيب) لأنه لم يعمل للآخرة فلا نصيب له فيها وقد تقدم تفسير هذه الآية في سورة الإسراء وقال وابن عباس في الآية حرث الآخرة عيش الآخرة، وقال من يؤثر دنياه على آخرته لم يجعل الله له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم يزد بذلك من الدنيا شيئاًً إلا رزقاً فرغ منه وقسم له وأخرج أحمد والحاكم وصححه وابن مردويه وابن حبان عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال بشر هذه الأمة بالسناء والرفعة والنصر والتمكين في الأرض ما لم يطلبوا الدنيا بعمل الآخرة، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب "، وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة قال: " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يريد حرث الآخرة الآية ثم قال: يقول الله: ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غنى، وأسد فقرك، وإن لا تفعل ملأت صدرك شغلاً، ولم أسد فقرك ". وعن علي قال: الحرث حرثان: فحرث الدنيا المال والبنون، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات.
ولما بين سبحانه القانون في أمر الدنيا والآخرة، أردفه ببيان ما هو الذنب العظيم الموجب للنار فقال:
الشورى 42:21
(أم لهم شركاء) أم منقطعة وتقديره بل ألهم شركاء؟ وقيل هي المعادلة لألف الاستفهام وفي الكلام إضمار تقديره. أيقبلون ما شرع الله من الدين؛ أم لهم آلهة (شرعوا لهم من الدين) وقيل أم بمعنى بل التي للانتقال والهمزة التي للتوبيخ والتقريع، وضمير شرعوا عائد إلى الشركاء وضمير لهم إلى الكفار وقيل العكس والأول أولى.
(ما لم يأذن به الله) من الشرك والعاصي والشرائع المضلة، وإنكار البعث، والعمل للدنيا، والآية بعمومها تشمل كل شيء لم يأمر به الله سبحانه أو رسوله، فيدخل فيه التقليد لأنه مما لم يأذن به الله بل ذمه في كتابه في غير موضع، ولم يأذن به رسوله، ولا إمام من أئمة الدين، ولا أحد من سلف الأمة وسادتها وقادتها، بل نهى عنه المجتهدون الأربعة، ومن كان بعدهم من أهل الحق، رَكْب الإيمان وأتباع السنة المطهرة، وإنما أحلله من أحدث من الجهال والعوام، بعد القرون المشهود لها بالخير فرحم الله امرءاً سمع الحق فاتبعه وسمع الباطل فتركه وأدمغه وبالله التوفيق.
(ولولا كلمة الفصل) وهي تأخير عذابهم حيث قال: (بل الساعة موعدهم) (لقضى بينهم) في الدنيا فعوجلوا بالعقوبة، والضمير في بينهم راجع إلى المؤمنين والمشركين أو إلى المشركين وشركائهم (وإن الظالمين) أي المشركين الكافرين والمكذبين (لهم عذاب اليم) مؤلم في الدنيا والآخرة قرأ الجمهور بكسر إن على الإستئناف وقرىء بفتحها عطفاً على كلمة الفصل.
الشورى 42:22
(ترى الظالمين) خطاب لكل من تتأتى منه الرؤية (مشفقين) أي خائفين وجلين (مما كسبوا) من السيئات وذلك الخوف والوجل يوم القيامة (وهو) الضمير راجع إلى ما كسبوا بتقدير مضاف، قاله الزجاج، أي وجزاء ما كسبوا (واقع بهم) نازل عليهم لا محالة أشفقوا أو لم يشفقوا، والجملة حالية، ولما ذكر الله سبحانه حال الظالمين ذكر حال المؤمنين فقال:
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات) مبتدأ وخبره (في روضات الجنات) جمع روضة قال أبو حيان: اللغة الكثيرة تسكين الواو، ولغة هذيل فتحها والروضة الموضع النزه الكثير الخضرة، وقد مضى بيان هذا في سورة الروم وروضة الجنة أطيب مساكنها كما أنها في الدنيا أحسن أمكنتها، وفيه تنبيه على أن عصاة المسلمين من أهل الجنة لأنه خص الذين آمنوا وعملوا الصالحات بأنهم في روضات الجنات وهي البقاع الشريفة من الجنة، والبقاع التي دون تلك الأوصاف لا بد وأن تكون مخصوصة بمن كان دون الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
(لهم ما يشاؤون) [[سقط من الأصل (لهم ما يشاؤون عند ربهم) من صنوف النعيم وأنواع المستلذات، وعند، ظرف ليشاؤون.]] أو للاستقرار العامل في لهم، والعندية مجاز أو حقيقة (ذلك) أي ما ذكر للمؤمنين (هو الفضل الكبير) الذي لا يوصف ولا تهتدي العقول إلى كنه صفته، ومعرفة حقيقته، لأن الحق إذا قال كبير فمن ذا الذي يقدر قدره.
الشورى 42:23
(ذلك) أي الفضل الكبير (الذي يبشر الله عباده) قرىء يبشر مخففاً ومثقلاً، وهما سبعيتان، ثم وصف العباد بقوله: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فهؤلاء الجامعون بين الإيمان والعمل بما أمر الله به وترك ما نهى عنه، هم المبشرون بتلك البشارة، ثم لما ذكر سبحانه ما أخبر به نبيه صلى الله عليه وسلم من هذه الأحكام الشريفة التي اشتمل عليها كتابه أمره بأن يخبرهم بأنه لا يطلب منهم بسبب هذا التبليغ ثواباً منهم فقال:
(قل لا أسألكم عليه أجراً) أي قل يا محمد: لا أطلب منكم الآن ولا في مستقبل الزمان على تبليغ الرسالة بشارة أو نذارة جعلاً ولا نفعاً وإن قَلَّ والخطاب إما لقريش وللأنصار لأنهم أخواله، أو لجميع العرب لأنهم أقاربه في الجملة (إلا المودة) العظيمة الواسعة (في القربى) أي مظروفة فيها، بحيث تكون القربى موضعاً للمودة وظرفاً لها، لا يخرج شيء من محبتكم عنها والاستثناء متصل، أي إلا أن تودوني لقرابتي بينكم أو تودوا أهل قرابتي، ويجوز أن يكون منقطعاً.
قال الزجاج: إلا المودة استثناء ليس من الأول أي إلا أن تودوني لقرابتي فتحفظوني، والخطاب لقريش وهذا قول عكرمة ومجاهد وأبي مالك والشعبي فيكون المعنى على الانقطاع: لا أسألكم أجراً قط، ولكن أسألكم المودة في القربى التي بيني وبينكم ارقبوني فيها ولا تعجلوا إليّ، ودعوني والناس وبه قال قتادة ومقاتل والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم، وهو الثابت عن ابن عباس كما سيأتي وقال سعيد بن جبير وغيره هم آل محمد، وسيأتي ما استدل به القائلون بهذا.
وقال الحسن وغيره: معنى الآية إلا التودد إلى الله عز وجل والتقرب بطاعته، وقال الحسين بن الفضل، ورواه ابن جرير عن الضحاك أن هذه الآية منسوخة، قال البغوي: وهذا قول غير مرضي، لأن مودة النبي صلى الله عليه وسلم وكف الأذى عنه، ومودة أقاربه والتقرب إلى الله بالطاعة والعمل الصالح، من فرائض الدين.
أقول: في الآية ثلاثة أقوال، الأول أن القربى بمعنى القرابة أي الرحم، والثاني بمعنى الأقارب، والثالث بمعنى القرب والتقرب والزلفى، وسيأتي ما يتضح به الصواب، ويظهر به معنى الآية. قال سعيد بن جبير قربى آل محمد صلى الله عليه وسلم. عن ابن عباس أنه سئل عن قوله (إلا المودة في القربى) قال ابن عباس: " عجلت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن بطن من قريش إلا كان له فيهم قرابة، فقال إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة "، وعنه قال: قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أسألكم عليه أجراً إلا أن تودوني في نفسي لقرابتي وتحفظوا القرابة التي بيني وبينكم " [[السيوطي في الدر 6/ 6.]]، وعن الشعبي قال: أكْثَرَ الناس علينا في هذه الآية (قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى) فكتبنا إلى ابن عباس نسأله عن ذلك فقال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان واسط النسب في قريش، ليس بطن من بطونهم إلا وله فيه قرابة، فقال الله: قل الخ أن تودوني لقرابتي منكم، وتحفظوني بها ".
وعن ابن عباس قال كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قرابه من جمع قريش فلما كذبوه وأبوا أن يبايعوه قال: " يا قوم إذا أبيتم أن تبايعوني فاحفظوا قرابتي فيكم، ولا يكون غيركم من العرب أولى بحفظي ونصرتي منكم "، وعنه قال: " قالت الأنصار: فعلنا وفعلنا وكأنهم فخروا فقال العباس: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم فقال: يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله قالوا بلى يا رسول الله قال أفلا تجيبون؟ قالوا ما نقول يا رسول الله؟ قال ألا تقولون ألم يخرجك قومك فآويناك؟ ألم يكذبوك فصدقناك؟ ألم يخذلوك فنصرناك؟ فما زال يقول حتى جثوا على الركب وقالوا أموالنا وما في أيدينا لله ورسوله، فنزلت هذه الآية " [[السيوطي في الدر 6/ 7.]] وفي إسناده يزيد ابن أبي زياد وهو ضعيف والأولى أن الآية مكية لا مدنية. وقد أشرنا فيما سبق أن هذه الآية مدنية وهذا متمسكهم.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية " تحفظوني في أهل بيتي وتودوهم بي " أخرجه الديلمي وأبو نعيم، وعنه قال لما نزلت هذه الآية قالوا: " يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ قال علي وفاطمة وولداهما " أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف.
وعنه قال نزلت هذه الآية بمكة وكان المشركون يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله قل لهم يا محمد لا أسألكم عليه -أي على ما أدعوكم إليه- أجراً عرضاً من الدنيا إلى المودة في القربى، إلا الحفظ في قرابتي فيكم، فلما هاجر إلى المدينة أحب أن يلحقه بإخوته من الأنبياء فقال (قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله) يعني ثوابه وكرامته في الآخرة، كما قال نوح (وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين) وكما قال هود وصالح وشعيب لم يستثنوا أجراً كما استثنى النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليهم، وهي منسوخة، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية " قل لا أسألكم على ما أتيتكم به من البينات والهدى أجراً إلا أن تودوا الله وأن تتقربوا إليه بطاعته هذا حاصل ما روي عن حبر الأمة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير هذه الآية والمعنى الأول هو الذي صح عنه ورواه عنه الجمع الجم من تلامذته فمن بعدهم ولا ينافيه ما روي عنه من النسخ فلا مانع من أن يكون قد نزل القرآن في مكة بأن يوده كفار قريش لما بينه وبين قريش من القربى ويحفظوه بها ثم ينسخ ذلك ويذهب هذا الاستثناء من أصله كما يدل عليه ما ذكرنا مما يدل على أنه لم يسأل على التبليغ أجراً على الإطلاق.
ولا يقوي ما روي من حملها على آل محمد صلى الله عليه وسلم على معارضته ما صح عن ابن عباس من تلك الطرق الكثيرة، وقد أغنى الله آل محمد عن هذا بما لهم من الفضائل الجليلة والمزايا الجميلة، وقد بينا ذلك عند تفسيرنا لقوله (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) وكما لا يقوى هذا على المعارضة فكذلك لا يقوي ما روي عنه أن المراد بالمودة أن يودوا الله، وأن يتقربوا إليه بطاعته، ولكنه يشد من عضد هذا أنه تفسير مرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(ومن يقترف) أي يكتسب وأصل القرف الكسب يقال فلان يقرف لعياله من باب ضرب أي يكسب والاقتراف الاكتساب مأخوذ من قولهم رجل قرفة إذا كان محتالا (حسنة) أي طاعة (نزد له فيها) أي في هذه الحسنة أو في الجنة (حسناً) بمضاعفة ثوابها، قال مقاتل المعنى من يكتسب حسنة واحدة نزد له فيها حسناً نضاعفها بالواحدة عشراً فصاعداً. وقيل المراد بهذه الحسنة هي المودة في القربى، والحمل على العموم أولى، ويدخل تحته المودة في القربى دخولاً أولياً لذكرها عقيب ذكر المودة في القربى وقال ابن عباس إنها المودة في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال السدي إنها نزلت في أبي بكر ومودته فيهم والظاهر العموم.
(إن الله غفور شكور) أي كثير المغفرة للمذنبين كثير الشكر للمطيعين قال قتادة: غفور للذنوب شكور للحسنات. وقال السدي: غفور لذنوب آل محمد صلى الله عليه وسلم شكور للقليل فيضاعفه.
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (24) وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (25) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (26) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27)
الشورى 42:24
(أم) منقطعة أي بل أ (يقولون افترى) أي اختلق (على الله كذباً) بدعوى النبوة ونسبة القرآن إلى الله تعالى، والإنكار للتوبيخ، ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا فقال: (فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ) أي لو افترى على الله الكذب لشاء عدم صدوره منه، وختم على قلبه بحيث لا يخطر بباله شيئاًً مما كذب فيه كما تزعمون، قال قتادة يختم على قلبك فينسيك القرآن فأخبرهم أنه لو افترى عليه لفعل به ما أخبرهم به في هذه الآية.
وقال مجاهد ومقاتل: إن يشأ يربط على قلبك بالصبر على أذيتهم حتى لا يدخل قلبك مشقة من قولهم وقيل: الخطاب له والمراد الكفار، أي إن يشأ يختم على قلوب الكفار ويعاجلهم بالعقوبة، ذكره القشيري وقيل: المعنى لو حدثتك نفسك أن تفتري على الله كذباً لطبع على قلبك: فإنه لا يجترىء على الكذب إلا من كان مطبوعاً على قلبه، والأول أولى، والمقصود، من هذا الكلام المبالغة في تقرير الاستبعاد.
(ويمحو الله الباطل) استئناف مقرر لما قبله من نفي الافتراء غير داخل في جزاء الشرط، قال ابن الأنباري: يختم على قلبك تام وما بعده مستأنف، وقال الكسائي: فيه تقديم وتأخير، أي والله يمحو الباطل، وقال الزجاج: ويمحو الله الباطل احتجاج على من أنكر ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، أي لو كان ما أتى به باطلاً لمحاه كما جرت به عادته في المفترين؛ وسقطت الواو من يمحو في بعض المصاحف كما حكاه الكسائي.
(ويحق الحق) أي الإسلام فيبينه (بكلماته) أي بما أنزله من القرآن وقد فعل الله تعالى ذلك فمحا باطلهم. وأعلى كلمة الإسلام (إنه عليم بذات الصدور) أي عالم بما في قلوب العباد.
الشورى 42:25
(وهو الذي يقبل التوبة عن عباده) المذنبين أي يقبل توبتهم إليه مما عملوا من المعاصي، واقترفوا من السيئات والتوبة الندم على المعصية والقلع عنها والعزم على عدم المعاودة لها، وهذه ثلاثة شروط فيما بينه وبين الله تعالى فإذا حصلت هذه الشروط صحت التوبة، وإن فقد أحد الثلاثة لم تصح، وأما فيما يتعلق بحق آدمي فشروطها أربعة هذه الثلاثة، والرابع أن يبرأ من حق صاحبها، وقيل: يقبل التوبة عن أوليائه وأهل طاعته، والأول أولى، فإن التوبة مقبولة من جميع العباد مسلمهم وكافرهم إذا كانت صحيحة صادرة عن خلوص نية وعزيمة صحيحة والأحاديث في ذكر التوبة وحكمها كثيرة في الصحيحين وغيرها.
(ويعفو عن السيئات) على العموم لمن تاب عن سيئة، ويعفو لمن يشاء بلا توبة أيضاًً إذا كان ما دون الشرك (ويعلم ما تفعلون) من خير وشر فيجازي كُلاً بما يستحقه قرأ حمزة وغيره تفعلون بالفوقية على الخطاب وقرىء بالتحتية على الخبر، وهما سبعيتان، واختار الثانية أبو عبيد وأبو حاتم لأن هذا الفعل وقع بين خبرين.
الشورى 42:26
(ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات) أي يعطيهم ما طلبوه منه يقال أجاب واستجاب بمعنى وقيل المعنى تقبل عبادة المخلصين وقيل التقدير يستجيب لهم فحذف اللام كما حذف في قوله: (وإذا كالوهم) أي كالوا لهم وقيل إن الموصول في محل رفع أي يجيبون ربهم إذا دعاهم، كقوله (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم) واستظهره السفاقسي، قال المبرد المعنى يستدعي الذين آمنوا الإجابة هكذا حقيقة معنى استفعل، فالذين في موضع رفع والأول أولى (ويزيدهم) على ما طلبوه (من فضله) أو على ما يستحقونه من الثواب تفضلاً منه، وقيل يشفعهم في إخوانهم (والكافرون لهم عذاب شديد) هذا للكافرين مقابلاً لما ذكره للمؤمنين فيما قبله.
الشورى 42:27
(ولو بسط الله الرزق لعباده) جميعهم، أي لو وسع الله لهم رزقهم (لبغوا) أي لعصوا وطغوا جميعهم (في الأرض) وبطروا النعمة وتكبروا وطلبوا ما ليس لهم طلبه، لأن الغنى مبطرة مأشرة، وكفى بحال قارون وفرعون عبرة وقيل المعنى لو جعلهم سواء في الرزق لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع، والأول أولى، والظاهر عموم أنواع الرزق وقيل هو المطر خاصة وذكروا في كون بسط الرزق موجباً للطغيان وجوهاً لا نطول بذكرها؛ وأصل البغي طلب تجاوز الاقتصاد فيما يتحرى كمية أو كيفية، وفي القرطبي بغيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ودابة بعد دابة، ومركباً بعد مركب، وملبساً بعد ملبس.
(ولكن ينزل) بالتشديد وضده سبعيتان (بقدر ما يشاء) أي ينزل من الرزق لعباده بتقدير على حسب مشيئته، وما تقتضيه حكمته البالغة (إنه بعباده) أي بأحوالهم (خبير بصير) بما يصلحهم من توسيع الرزق وتضييقه فيقدر لكل أحد منهم ما يصلحه ويكفيه عن الفساد بالبغي في الأرض ويقدر لهم ما تقتضيه حكمته، فيفقر ويغني، ويمنع ويعطي، ويبسط ويقبض، ولو أغناهم جميعاً لبغوا، ولو أفقرهم لهلكوا، وما ترى من البسط على من يبغي، ومن البغي بدون البسط فهو قليل، ولا شك أن البغي مع الفقر أقل ومع البسط أكثر وأغلب، عن أبي هانىء الخولاني قال: سمعت عمرو بن خريت وغيره يقولون: " إنما أنزلت هذه الآية في أصحاب الصفة وذلك أنهم قالوا لو أن لنا فتمنوا الدنيا " قال السيوطي سنده صحيح وعن علي " مثله ".
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (28) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (29) وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (31)
الشورى 42:28
(وهو الذي ينزل) بالتشديد والتخفيف سبعيتان (الغيث) أي المطر الذي هو أرفع أنواع الرزق وأعمها فائدة، وأكثرها منفعة ومصلحة (من بعد ما قنطوا) أي أيسوا عن ذلك، فيعرفون بهذا الإنزال للمطر بعد القنوط مقدار رحمته لهم ويشكرون له ما يجب الشكر عليه، والعامة على فتح النون، وقرىء بكسرها وهي لغة، وعليها قرىء لا تقنطوا بفتح النون في المتواتر ولم يقرأ بالكسر في الماضي إلا شاذاً وما مصدرية أي من بعد قنوطهم.
(وينشر رحمته) أي بركات الغيث ومنافعه في كل شيء من السهل والجبل، والنبات والحيوان، وما يحصل به من الخصب أو رحمته الواسعة المنتظمة لما ذكر انتظاماً أولياً، والمراد بالرحمة المطر، فذكر المطر بإسمين الغيث لأنه يغيث من الشدائد، والرحمة لأنه رأفة وإحسان.
(وهو الولي) للصالحين من عباده بالإحسان وجلب المنافع لهم ودفع الشرور عنهم (الحميد) المستحق للحمد منهم على إنعامه خصوصاً وعموماً، ثم ذكر سبحانه بعض آياته الدالة على كمال قدرته الموجبة لتوحيده وصدق ما وعد به من البعث فقال:
الشورى 42:29
(ومن آياته خلق السموات والأرض) أي خلقهما على هذه الكيفية العجيبة، والصنعة الغريبة، الدالة على وجود صانع حكيم قادر، وفيه إشارة إلى ما قرر في الكلام من المسالك الأربعة في الإستدلال على وجود الصانع تعالى، وهي حدوث الجواهر، وإمكانها، وحدوث الأعراض القائمة بها، وإمكانها أيضاًً، وفيه إشارة أيضاًً إلى أن خلق السموات والأرض من إضافة الصفة للموصوف، أي السموات المخلوقة والأرض المخلوقة.
(وما بث فيهما من دابة) يجوز عطفه على خلق بتقدير مضاف، ويجوز عطفه على السموات، وقدمه القاضي على الأول والدابة اسم لكل ما دبّ، قال الفراء أراد ما بث في الأرض دون السماء كقوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) وإنما يخرج من الملح دون العذب وقال أبو علي الفارسي: تقديره وما بث في أحدهما فحذف المضاف، قال مجاهد: يدخل في هذا الملائكة والناس، وقد قال تعالى (ويخلق ما لا تعلمون) قال الكرخي وما جَوّزه الزمخشري من أن يكون للملائكة مشي مع الطيران فيوصفون بالدبيب كما وصف به الأناسي أو يخلق الله تعالى في السموات حيوانات يمشون فيها مشي الأناسي على الأرض بعيد من الأفهام لكونه على خلاف العرف العام ولأن الشيء إنما يكون آية إذا كان معلوماً ظاهراً مكشوفاً ومن ثم أهمل القاضي ذكره.
(وهو على جمعهم) أي حشرهم يوم القيامة، في الضمير تغليب العاقل على غيره، لأنه راجع إلى الدابة، ولولاه لكان يقال: على جمعها (إذا) أي في وقت (يشاء قدير) والظرف متعلق بجمعهم لا بقدير، فإن المقيد بالمشيئة جمعه تعالى لا قدرته؛ قال أبو البقاء. لأن ذلك يؤدي إلى أن يصير المعنى: وهو على جمعهم قدير إذا يشاء فتتعلق القدرة بالمشيئة وهو محال، قال شهاب الدين والسمين ولا أدري ما وجه كونه محالاً على مذهب أهل السنة فإن كان يقول بقول المعتزلة وهو أن القدرة تتعلق بما لم يشأ الله تمشي كلامه ولكنه مذهب رديء لا يجوز اعتقاده.
الشورى 42:30
(وما أصابكم من مصيبة) من المصائب كائنة ما كانت (فبما) أي بسبب ما (كسبت أيديكم) من المعاصي، وما هي الشرطية، ولذا دخلت الفاء في جوابها على قراءة الجمهور، ولا يجوز حذفها عند سيبويه، وجوز الأخفش وبعض البغداديين الحذف كما في قوله (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) وبه قال أبو البقاء، وقيل: هي الموصولة فيكون الحذف والإثبات جائزين، والأول أولى.
قال الزجاج: إثبات الفاء أجود لأن الفاء مجازات جواب الشرط ومن حذف الفاء فعلى أن ما في معنى الذي، والمعنى الذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها وتعالج وتحصل.
قال الحسن: المصيبة هنا الحدود على المعاصي، والأولى الحمل على العموم كما يفيده وقوع النكرة في سياق النفي، ودخول من الاستغراقية عليها قال الضحاك: ما تعلم الرجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب، ثم قرأ هذه الآية وقال أي مصيبة أعظم من نسيان القرآن. قلت ويلحق بالقرآن نسيان السنة المطهرة. وترك العمل بها وإيثار الرأي عليها أيضاًً، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال ألا أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " وما أصابكم من مصيبة الآية وسأفسرها لك يا علي ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم، والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة، وما عفا الله عنه في الدنيا فالله أكرم من أن يعود بعد عفوه ".
أخرجه أحمد وابن راهويه وابن منيع وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وأبو يعلى وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، قيل: المراد بهذه المصائب الأحوال المكروهة، نحو الأوجاع والأسقام والقحط والبلاء والغرق والصواعق وغير ذلك، من الذنوب والمعاصي وتعلق بهذه الآية من يقول بالتناسخ، وقال: لو لم يكن للأطفال حالة كانوا عليها قبل هذه الحالة لما تألموا، والحق أن الآية مخصوصة بالمكلفين بالسياق والسباق.
(و) هو (يعفو عن كثير) أي من المعاصي التي يفعلها العباد، فلا يعاقب عليها أو عن كثير من الناس فلا يعاجلهم بالعقوبة فمعنى الآية أنه يكفر عن العبد بما يصيبه من المصائب ويعفو عن كثير من الذنوب وقد أثبت بالأدلة الصحيحة أن جميع ما يصاب به الإنسان في الدنيا يؤجر عليه أو يكفر عنه من ذنوبه وقيل هذه آية مختصة بالكافرين على معنى أن ما يصابون به بسبب ذنوبهم من غير أن يكون ذلك مكفراً عنهم لذنب ولا محصلاً لثواب ويترك عقوبتهم عن كثير من ذنوبهم فلا يعاجلهم في الدنيا بل يمهلهم إلى الدار الآخرة والأولى حمل الآية على العموم، والعفو يصدق على تأخير العقوبة، كما يصدق على محو الذنب ورفع الخطأ به.
وقال الواحدي وهذه أرجى آية في كتاب الله لأنه جعل ذنوب المؤمنين صنفين، صنف كفره عنهم بالمصائب، وصنف عفا عنه في الدنيا وهو كريم لا يرجع في عفوه، فهذه سنة الله مع المؤمنين، وأما الكافر فإنه لا يعجل له في الدنيا عقوبة ذنبه حتى يوافي به يوم القيامة، وعن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر، وقرأ وما أصابكم الآية " أخرجه الترمذي وعبد بن حميد وعن عمران ابن حصين أنه دخل عليه بعض أصحابه وكان قد ابتلى في جسده فقال إنا لنبتئس لك لما نرى فيك، قال فلا تبتئس لما ترى، فإن ما ترى بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، ثم تلا هذه الآية إلى آخرها وعن معاوية بن أبي سفيان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من شيء يصيب المؤمن في جسده يؤذيه إلا كفر الله به عنه من سيئاته "، أخرجه أحمد وعن البراء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما عثرة قدم، ولا اختلاج عرق، ولا خدش عود، إلا بما قدمت أيديكم وما يعفو الله أكثر " أخرجه ابن مردويه.
الشورى 42:31
(وما أنتم بمعجزين في الأرض) أي بفائتين ما قضاه عليهم هرباً في الأرض ولا في السماء لو كانوا فيها، بل ما قضاه عليهم من المصائب واقع عليهم نازل بهم (وما لكم من دون الله من ولي) يواليكم فيمنع عنكم ما قضاه الله (ولا نصير) بنصركم من عذاب الله في الدنيا ولا في الآخرة، ثم ذكر سبحانه آية أخرى من آياته العظيمة الدالة على توحيده وصدق ما وعد به فقال: وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (32) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (33) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ (34) وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (35) فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (36)
الشورى 42:32
(ومن آياته الجوار) بحذف الياء من الخط لأنها من ياآت الزوائد وبإثباتها وحذفها في اللفظ في كل من الوصل والوقف قراءات سبعية؛ وهي السفن، واحدتها جارية أي سائرة (في البحر كالأعلام) أي الجبال جمع علم؛ وهو الجبل؛ قال الخليل: كل شيء مرتفع عند العرب فهو علم وقال مجاهد: الأعلام القصور واحدها علم.
الشورى 42:33
(إن يشأ) قرأ الجمهور بالهمز وقرىء بلا همز (يسكن الريح) قرأ الجمهور بالافراد وقرىء بالجمع والمعنى يسكن الريح التي تجري بها السفن (فيظللن) أي السفن الجواري. العامة على فتح اللام التي هي عين الفعل؛ وهو القياس لأن الماضي بكسرها؛ وقرىء بكسرها؛ وهو شاذ، وقال الزمخشري: من ظل يظل ويظل نحو ضل يضل ويضل؛ قال الشيخ: وليس كما ذكر؛ لأن يضل بفتح العين من ضللت بكسرها في الماضي، ويضل بالكسر من ضللت بالفتح وكلاهما مقيس يعني أن كلاًّ منهما له أصل يرجع إليه، بخلاف ظل فإن ماضيه مكسور العين فقط، وظل هنا بمعنى صار، لأن المعنى ليس على وقت الظلول وهو النهار فقط، أفاده السمين.
(رواكد) أي سواكن ثوابت وقوفاً يقال ركد الماء ركوداً سكن وكذلك ركدت الريح وركدت السفينة وكل ثابت في مكان فهو راكد وركد الميزان استوى، وركد القوم هدأوا والمراكد المواضع التي يركد فيها الإنسان وغيره (على ظهره) أي ظهر البحر لا تجري، قال ابن عباس: يتحركن ولا يجرين في البحر (إن في ذلك) الذي ذكر من أمر السفينة (لآيات) دلالات عظيمة (لكل صبار شكور) أي لكل من كان كثير الصبر على البلوى كثير الشكر على النعماء، قيل الإيمان نصفان نصف صبر عن المعاصي ونصف شكر وهو الإتيان بالواجبات، وقال قطرب: الصبار الشكور الذي إذا أعطى شكر، وإذا ابتلى صبر، قال عون ابن عبد الله فكم من منعم عليه غير شاكر وكم من مبتلي غير صابر.
الشورى 42:34
(أو يوبقهن) أي يهلكهن بالغرق قاله ابن عباس والمراد أهلكهن يقال أوبقه أي أهلكه (بما كسبوا) من الذنوب، وقيل بما أشركوا والأول أولى، فإنه يهلك في البحر المشرك وغير المشرك (وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ) من أهلها بالتجاوز عن ذنوبهم؛ فينجيهم من الغرق، قرأ الجمهور يعف بالجزم عطفاً على جواب الشرط، قال القشيري، وفي هذه القراءة إشكال لأن المعنى إن يشأ يسكن الريح فتبقى تلك السفن رواكد، أو يهلكها بذنوب أهلها، فلا يحسن عطف (ويعف) على هذا لأنه يصير المعنى إن يشأ يعف، وليس المعنى ذلك بل المعنى الإخبار عن العفو من غير شرط المشيئة، فهو إذن عطف على المجزوم من حيث اللفظ، لا من حيث المعنى، وقد قرأ قوم يعفو بالرفع وهي جيدة في المعنى، قال أبو حيان: وما قاله ليس بجيد إذ لم يفهم مدلول التركيب، والمعنى ألا إنه تعالى إن يشأ أهلك ناساً وأنجى ناساً على طريق العفو عنهم، وقرىء بالنصب بإضمار إن بعد الواو.
الشورى 42:35
(ويعلم الذين يجادلون في آياتنا) قرأ الجمهور بنصب يعلم، قال الزجاج على الصرف، قال: ومعنى الصرف صرف العطف على اللفظ إلى العطف على المعنى، قال: وذلك أنه لما لم يحسن عطف ويعلم مجزوماً على ما قبله إذ يكون المعنى إن يشأ يعلم، عدل إلى العطف على مصدر الفعل الذي قبله، ولا يتأتى ذلك إلا بإضمار إن، ليكون مع الفعل في تأويل اسم، وكما قال الزجاج: قال المبرد وأبو علي الفارسي: واعترض على هذا الوجه بما لا طائل تحته، وقيل النصب على العطف على تعليل محذوف، والتقدير لينتقم منهم ويعلم واعترضه الحفناوي بأنه ترتب على الشرط إهلاك قوم ونجاة قوم، فلا يحسن تقدير لينتقم منهم.
وقرأ نافع وابن عامر برفع يعلم على الاستئناف، أي على أنه جملة إسمية أو فعلية، فعلى كونها فعلية يكون الموصول. فاعلاً، وعلى كونها إسمية بكون مفعولاً والفاعل ضمير مستتر يعود على مبتدأ مقدر، أي وهو يعلم الذين، وهي قراءة ظاهرة واضحة اللفظ، وقرىء بالجزم عطفاً على المجزوم قبله على معنى: وإن يشأ يجمع بين الإهلاك والنجاة والتحذير.
ومعنى قوله: (ما لهم من محيص) ما لهم من فرار ولا مهرب من العذاب قاله قطرب وقال السدي: ما لهم من ملجأ وهو مأخوذ من قولهم: حاص به البعير حيصة إذا رمى به، ومنه قولهم، فلان يحيص عن الحق أي يميل عنه ثم لما ذكر سبحانه دلائل التوحيد ذكر التنفير عن الدنيا فقال:
الشورى 42:36
(فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا) أي ما أعطيتم أيها الناس من الغنى والسعة في الرزق وأثاث الدنيا فإنما هو متاع قليل يتمتع به في أيام قليلة تنقضي وتذهب وتزول.
إنما الدنيا فناء ... ليس للدنيا ثبوت
إنما الدنيا كبيت ... نسجته العنكبوت
ثم رغبهم في ثواب الآخرة وما عند الله من النعيم المقيم فقال: (وما عند الله) من ثواب الطاعات والجزاء عليها بالجنات هو (خير) من متاع الدنيا (وأبقى) لأنه دائم لا ينقطع ومتاع الدنيا ينقطع بسرعة، ثم بين سبحانه لمن هذا فقال:
(للذين آمنوا) أي صدقوا وعملوا على ما يوجبه الإيمان (وعلى ربهم) لا على غيره (يتوكلون) أي يفوضون إليه أمورهم ويعتمدون عليه في كل شؤونهم، قيل: " نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين تصدق بجميع ماله، ولامه الناس ".
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40)
الشورى 42:37
(والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) الموصول في محل جر معطوف على الذين آمنوا، أو بدل منه، أو في محل نصب على إضمار أعني، والأول أولى، والمراد الكبائر من الذنوب وقد قدمنا تحقيقها في سورة النساء، قرأ الجمهور كبائر بالجمع وقرىء كبير بالإفراد وهو يفيد مفاد كبائر لأن الإضافة للجنس كاللام، والرسم الكريم يحتمل القراءتين؛ والفواحش هي من الكبائر، ولكنها مع وصف كونها فاحشة كأنها فوقها، وذلك كالقتل والزنا ونحو ذلك، وقال مقاتل: الفواحش موجبات الحدود؛ وقال السدي هي الزنا فعطفها من عطف الخاص على العام، والبعض على الكل إذ الكبائر قد لا توجب الحد كالغيبة والنميمة.
(وإذا ما غضبوا هم يغفرون) أي يتجاوزون عن الذنب الذي أغضبهم ويكظمون الغيظ ويحلمون على من ظلمهم وخص الغضب بالغفران، لأن استيلاءه على طبع الإنسان وغلبته عليه شديدة فلا يغفره عند سورة الغضب إلا من شرح الله صدره، وخصه بمزيد الحلم، ولهذا أثنى الله سبحانه عليهم بقوله في آل عمران (والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس) قال ابن زيد: جعل الله المؤمنين صنفين صنفاً يعفون عن ظالمهم فبدأ بذكرهم: وصنفاً ينتصرون من ظالمهم وهم الذين سيأتي ذكرهم.
الشورى 42:38
(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة) أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه وأقاموا ما أوجبه عليهم من فريضة الصلاة، قال ابن زيد هم الأنصار بالمدينة استجابوا إلى الإيمان بالرسول حين أنفذ إليهم اثني عشر نقيباً منهم قبل الهجرة وأقاموا الصلاة لمواقيتها بشروطها وهيئاتها قاله القرطبي، ونحوه البيضاوي.
(وأمرهم شورى بينهم) أي يتشاورون فيما بينهم ولا يعجلون ولا ينفردون بالرأي، والشورى مصدر شاورته مثل البشرى والقربى، قال الضحاك: هو تشاورهم حين سمعوا بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم، وورد النقباء إليهم حين اجتمع رأيهم في دار أبي أيوب على الإيمان به، والنصرة له، وقيل: المراد تشاورهم في كل أمر يعرض لهم فلا يستأثر بعضهم على بعض برأي، قال ابن العربي: الشورى ألفة للجماعة، وسبار للعقول، وسبب إلى الصواب، وما تشاور قوم قط إلا هدوا، فمدح الله تعالى المشاورة في الأمور بمدح القوم الذين كانوا يمتثلون ذلك وما أحسن ما قاله بشار بن برد:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ... فريش الخوافي قوة للقادم
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في أموره، وأمره الله سبحانه بذلك فقال: (وشاورهم في الأمر) وذلك في الآراء كثير، ولم يكن يشاورهم في الأحكام لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض، والندب والمكروه والمباح والحرام، فأما الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم فكانوا يتشاورون في الأحكام، ويستنبطونها من الكتاب والسنة، وأول ما تشاور فيه الصحابة الخلافة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينص عليها وتشاوروا في أهل الردة، فاستقر رأي أبي بكر على القتال، وشاور عمر رضي الله عنه الهرمزان حين وفد عليه مسلماً، وقد قدمنا في آل عمران كلاماً في الشورى.
(وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) في سبيل الخير، ويتصدقون به على المحاويج، ثم ذكر سبحانه الطائفة التي تنتصر ممن ظلمها فقال:
الشورى 42:39
(والذين إذا أصابهم البغي) أي بغي من بغى عليهم بغير الحق (هم ينتصرون) أي ينتقمون من ظالمهم من غير تعد، ذكر سبحانه هؤلاء المنتصرين في معرض المدح كما ذكر المغفرة عند الغضب في معرض المدح، لأن التذلل لمن بغى ليس من صفات من جعل الله له العزة، حيث قال (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) فالانتصار عند البغي فضيلة، كما أن العفو عند الغضب فضيلة.
قال ابن العربي ذكر الله الانتصار في البغي في معرض المدح وذكر العفو عن الجرم في موضع آخر، في معرض المدح، فاحتمل أن يكون أحدهما رافعاً للآخر، أو يكون ذلك راجعاً إلى حالتين إحداهما أن يكون الباغي معلناً بالفجور مؤذياً للصغير والكبير، فيكون الانتقام منه أفضل، الثانية أن يقع ذلك ممن لم يعرف بالزلة ويسأل المغفرة فالعفو ههنا أفضل، وهكذا ذكر الكيا الطبري في أحكامه.
وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترىء عليهم السفهاء والفساق، لكن هذا الانتصار مشروط بالاقتصار على ما جعله الله له وعدم مجاوزته كما بينه سبحانه عقب هذا بقوله:
الشورى 42:40
(وجزاء سيئة سيئة مثلها) فبين سبحانه أن العدل في الانتصار هو الاقتصار على المساواة وظاهر هذا العموم، وقال مقاتل والشافعي وأبو حنيفة وسفيان إن هذا خاص بالمجروح، ينتقم من الجارح بالقصاص دون غيره وقال مجاهد والسدي هو جواب القبيح إذا قال شخص أخزاك الله يقول: أخزاك الله من غير أن يعتدي، وإذا انتصر فقد استوفى ظلامته وبرىء الأول من حقه، وبقي عليه إثم الابتداء، والإثم لحق الله تعالى، وتسمية الجزاء سيئة إما لكونها تسوء من وقعت عليه أو على طريق المشاكلة لتشابهما في الصورة.
أخرج النسائي وابن ماجة وابن مردويه عن عائشة قالت: " دخلت عليّ زينب وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبلت عليّ فسبتني فردعها النبي صلى الله عليه وسلم فلم تنته، فقال لي سبيها فسببتها حتى جف ريقها في فمها ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل سروراً "، وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " المستبّان ما قالا من شيء فعلى البادىء حتى يعتدي المظلوم ثم قرأ (وجزاء سيئة مثلها) ".
(فمن عفا) الفاء للتفريع أي إذا كان الواجب في الجزاء رعاية المماثلة من غير زيادة، وهي عسرة جداً، فالأولى العفو والإصلاح إذا كان قابلاً للإصلاح، فلا يرد أنه يخالف قولهم الحلم على العاجز محمود، وعلى المتغلب مذموم، والمعنى من عفا عمن ظلمه.
(وأصلح) بالعفو بينه وبين ظالمه (فأجره على الله) أي يأجره على ذلك لا محالة، وأبهم الأجر تعظيماً لشأنه، وتنبيهاً على جلالته، قال مقاتل فكان العفو من الأعمال الصالحة، وقد بينا هذا في سورة آل عمران، والمقصود من الآية التحريض على العفو، وقد عرفت التوفيق بينه وبين الانتصار.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة أمر الله منادياً ينادي ألا ليقم من كان له على الله أجر، فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، وذلك قوله فمن عفا الآية.
وأخرج البيهقي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ينادي مناد من كان له أجر على الله فليدخل الجنة مرتين فيقوم من عفا عن أخيه قال الله تعالى: فمن عفى الآية ثم ذكر سبحانه خروج الظلمة عن محبته التي هي سبب الفوز والنجاة فقال (إنه لا يحب الظالمين) يعني من يبدأ بالظلم قاله مقاتل وبه قال سعيد بن جبير وقيل: لا يحب من يتعدى في الاقتصاص. ويجاوز الحد فيه لأن المجاوزة ظلم.
وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (41) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42) وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (43)
الشورى 42:41
(ولمن انتصر بعد ظلمه) مصدر مضاف إلى المفعول، أي بعد أن ظلمه الظالم واللام هي لام الابتداء وقال الحوفي وابن عطية هي لام القسم وليس بجيد بل الأولى أولى، ومن هي الشرطية وجوابه (فأولئك ما عليهم من سبيل) بمؤاخذة وعقوبة لأنهم فعلوا ما هو جائز لهم، وقيل من موصولة، والأولى أولى. وفي القرطبي: الآية دليل على أن له يستوفي ذلك بنفسه، وهذا ينقسم ثلاثة أقسام وذكرها في حاشية الجمل لا نطول ببسطها فمحلها كتب الفقه دون التفاسير، ولما نفى سبحانه السبيل على من انتصر بعد ظلمه بين من عليه السبيل فقال:
الشورى 42:42
(إنما السبيل على الذين يظلمون الناس) أي يتعدون عليهم ابتداء كذا قال الأكثر، وقال ابن جريج: أي يظلمونهم بالشرك المخالف لدينهم (ويبغون في الأرض) أي يعملون في النفوس والأموال (بغير الحق) كذا قال الأكثر قيد به لأن البغي قد يكون مصحوباً بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه، وقال مقاتل: بغيهم عملهم بالمعاصي، وقيل: يتكبرون ويتجبرون؛ وقال أبو مالك: هو ما يرجوه أهل مكة أن يكون بمكة غير الإسلام ديناً.
(أولئك) أي الذين يظلمون الناس (لهم) بهذا السبب (عذاب أليم) شديد الألم ثم رغب سبحانه في الصبر والعفو فقال:
الشورى 42:43
(ولمن صبر وغفر) كرره اهتماماً بالصبر وترغيباً فيه، والصبر هنا هو الإصلاح المتقدم. فأعيد هنا وعبر عنه بالصبر، لأنه من شأن أولي العزم وإشارة إلى أن العفو المحمود ما نشأ عن التحمل، لا عن العجز، والمعنى ومن صبر على الأذى وغفر لمن ظلمه لوجه الله ولم ينتصر، وهذا فيمن ظلمه مسلم.
ويحكى أن رجلاً سب رجلاً في مجلس الحسن رحمه الله فكان المسبوب يكظم ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن عقلها والله وفهمها إذ ضيعها الجاهلون، وبالجملة العفو مندوب إليه ثم قد ينعكس في بعض الأحوال فيرجع ترك العفو مندوباً إليه كما تقدم، وذلك إذا احتيج إلى كف زيادة البغي، وقطع مادة الأذى.
(إن ذلك) الصبر والمغفرة منه وحذف الراجع لأنه مفهوم كما حذف من قولهم السمن منوان بدرهم (لمن عزم الأمور) قال مقاتل: أي من الأمور التي أمر الله بها، وندب إليها، أو مما ينبغي أن يوجبه العاقل على نفسه ولا يترخص في تركه قال أبو سعيد القرشي الصبر على المكاره من علامات الانتباه فمن صبر على مكروه يصيبه ولم يجزع أورثه الله تعالى حال الرضاء، وهو أجل الأحوال ومن جزع من المصيبات وشكا وكله الله تعالى إلى نفسه، ثم لم تنفعه شكواه.
وقال الزجاج الصابر يؤتى بصبره ثواباً فالرغبة في الثواب أتم عزماً قال ابن زيد إن هذا كله منسوخ بالجهاد، وأنه خاص بالمشركين، وقال قتادة إنه عام، وهو ظاهر النظم القرآني، وقال هنا بلام التوكيد، وفي لقمان بدونها لأن الصبر على مكروه حدث بظلم كقتل ولد أشد من الصبر على مكروه حدث بلا ظلم كموت ولد، كما أن العزم على الأول آكد منه على الثاني، وما هنا من القبيل الأول فكان أنسب بالتوكيد، وما في لقمان القبيل الثاني فكان أنسب بعدمه، أفاده الكرخي.
وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (44) وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (45) وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ (46) اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (47) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ (48)
الشورى 42:44
(ومن يضلل الله) أي يخذله (فما له من ولي من بعده) أي فما له من أحد يلي هدايته وينصره، وظاهر الآية العموم، وقيل هي خاصة بمن أعوض عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعمل بما دعاه إليه من الإيمان بالله والعمل بما شرعه الله والمودة في القربى، أي فمن أضله الله عن هذه الأشياء فلا يهديه هاد، قاله القرطبي والأول أولى.
(وترى) الخطاب في الموضعين لكل من تتأتى منه الرؤية والرؤية فيهما بصرية، والجملة الواقعة بعد كل منهما حالية (الظالمين) أي المشركين المكذبين بالبعث (لما رأوا العذاب) أي حين نظروا النار، وقيل نظروا ما أعده الله لهم عند الموت، واختير لفظ الماضي للتحقيق (يقولون هل إلى مرد من سبيل) أي هل إلى الرجعة إلى الدنيا من طريق؟
الشورى 42:45
(وتراهم يعرضون عليها) أي على النار (خاشعين من الذل) أي ساكنين متواضعين من أجله (ينظرون) إليها (من طرف خفي) أي ذليل، قاله ابن عباس، ومن هي لابتداء الغاية، أي يبتدىء نظرهم إلى النار، ويجوز أن تكون تبعيضية، وقال يونس: من بمعنى الباء، أي ينظرون بطرف ضعيف من الذل والخوف، وبه قال الأخفش، والطرف الخفي الذي يخفي نظره كالمصبور ينظر إلى السيف لما لحقهم من الذل والخوف والوجل قال مجاهد: وإنما ينظرون بقلوبهم لأنهم يحشرون عمياً وعين القلب طرف خفي وقال قتادة وسعيد بن جبير والسدي ومحمد بن كعب القرظي: يسارقون النظر إلى النار من شدة الخوف.
(وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم) أي إن الكاملين في الخسران هم هؤلاء الذين جمعوا بين خسران الأنفس والأهلين بتخليدهم في النار (يوم القيامة) إما ظرف لخسروا فالقول في الدنيا أو لقال فالقول في القيامة، ويكون التعبير عنه بالماضي للدلالة على تحقق وقوعه قاله أبو السعود وأما خسرانهم لأنفسهم فلكونهم صاروا في النار معذبين بها، وأما خسرانهم لأهليهم فلأنهم إن كانوا معهم في النار فلا ينتفعون بهم وإن كانوا في الجنة فقد حيل بينهم وبينهم، وقيل خسران الأهل أنهم لو آمنوا لكان لهم في الجنة أهل من الحور العين.
(ألا إن الظالمين في عذاب مقيم) هذا من تمام كلام المؤمنين، أو من كلام الله سبحانه أي هم في عذاب دائم لا ينقطع
الشورى 42:46
(وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله) أي لم يكن لهم أعوان يدفعون عنهم العذاب، وأنصار ينصرونهم في ذلك الموطن من دون الله، بل هو المتصرف سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن (ومن يضلل الله فما له من سبيل) أي من طريق يسلكها إلى النجاة، ثم أمر سبحانه عباده بالإستجابة وحذرهم فقال:
الشورى 42:47
(استجيبوا لربكم) أي استجيبوا دعوته لكم إلى الإيمان به وبكتبه ورسله (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) أي لا يقدر أحد على رده ودفعه على معنى من قبل أن يأتي من الله يوم لا يرده أحد، ولا يرده الله بعد [[سقط من الأصل: أن حكم به على عباده ووعدهم به، والمراد به يوم القيامة، أي يوم الموت (ما لكم من ملجأ يومئذ) تلجأون إليه (وما لكم من نكير) أي إنكار، يعني بل تعترفون بذنوبكم لأنها مدونة في صحائفكم وتشهد بها عليكم جوارحكم، وقال مجاهد: ما لكم من ناصر ينصركم، وقيل: النكير بمعنى المنكر.]] كالأليم بمعنى المؤلم، أي لا تجدون يومئذ منكراً لما ينزل بكم من العذاب حكاه ابن أبي حاتم، وقاله الكلبي وغيره: والأول أولى قال الزجاج. معناه أنهم لا يقدرون أن ينكروا الذنوب التي يوقفون عليها.
الشورى 42:48
(فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظاً) أي حافظاً تحفظ أعمالهم الصادرة عنهم حتى تحاسبهم عليها ولا موكلاً بهم رقيباً عليهم، لتقهرهم على امتثال ما أرسلناك به.
(إن) أي ما (عليك إلا البلاغ) لما أمرت بإبلاغه وليس عليك غير ذلك، وهذا منسوخ بآية السيف، لأنه قبل الأمر بالجهاد (وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة) أي إذا أعطيناه رخاء وصحة وغنى (فرح بها) بطراً ونعم الدنيا وإن كانت عظيمة إلا أنها بالنسبة إلى سعادة الآخرة كالقطرة بالنسبة إلى البحر، فلهذا سمى الإنعام إذاقة، والمراد بالإنسان الجنس ولهذا قال:
(وإن تصبهم سيئة) أي بلاء وشدة ومرض وفقر (بما قدمت أيديهم) من الذنوب وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها (فإن الإنسان كفور) أي كثير الكفر بما أنعم به عليه من نعمه غير شكور له عليها، وهذا باعتبار غالب جنس الإنسان، ولم يقل: فإنه كفور، بل وضع الظاهر موضع المضمر ليسجل على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعم، كما قال (إن لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (51)
الإنسان لظلوم كفار) والمعنى أنه يذكر البلاء وينسى النعم ويغطيها، ثم ذكر سبحانه سعة ملكه ونفاذ تصرفه فقال:
الشورى 42:49
(لله ملك السموات والأرض) أي له التصرف فيهما بما يريد لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، والملك بالضم الاستيلاء على الشيء والتمكن من التصرف فيه، وفي المصباح وملك على الناس أمرهم ملكاً من باب ضرب إذا تولى السلطنة فهو ملك والاسم الملك بضم الميم.
(يخلق ما يشاء) من الخلق (يهب لمن يشاء إناثاً) بدل مفصل من مجمل أي لا ذكور معهن، قاله مجاهد والحسن والضحاك وأبو مالك وأبو عبيدة وقال ابن عباس يريد لوطاً وشعيباً لأنهما لم يكن لهما إلا البنات.
(ويهب لمن يشاء الذكور) أي لا إناث معهم، يريد إبراهيم لأنه لم يكن له إلا الذكور، قاله ابن عباس، قيل: وتعريف الذكور بالألف واللام للدلالة على شرفهم على الإناث، ويمكن أن يقال إن التقديم للإناث قد عارض ذلك فلا دلالة في الآية على المفاضلة، بل هي مسوقة لمعنى آخر، وقد دل على شرف الذكور قوله سبحانه:
(الرجال قوامون على النساء بما فضل الله) وغير ذلك من الأدلة الدالة على شرف الذكور على الإناث، وقيل: تقديم الإناث لكثرتهن بالنسبة إلى الذكور. وقيل: لتطيب قلوب آبائهن، وقيل لغير ذلك مما لا حاجة إلى التطويل بذكره، أخرج ابن مردويه وابن عساكر عن وائلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من بركة المرأة ابتكارها بالأنثى لأن الله قال: يهب لمن يشاء إناثاً " إلخ.
الشورى 42:50
(أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً) أي يقرن بين الإناث والذكور، ويجعلهم أزواجاً فيهبهما جميعاً لبعض خلقه يريد محمداً صلى الله عليه وسلم فإنه كان له من البنين ثلاثة على الصحيح، القاسم وعبد الله وإبراهيم، ومن البنات أربع زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة، قاله ابن عباس قال مجاهد. هو أن تلد المرأة غلاماً ثم تلد جارية، ثم تلد غلاماً، ثم تلد جارية. وقال محمد بن الحنفية: هو أن تلد توأماً غلاماً وجارية، وقال القتيبي التزويج هنا هو الجمع بين البنين والبنات، تقول العرب: زوجت إبلي إذا جمعت بين الصغار والكبار، ومعنى الآية أوضح من أن يختلف في مثله، فإنه سبحانه أخبر أنه يهب لبعض خلقه إناثاً ويهب لبعض خلقه ذكوراً ويجمع لبعض بين الذكور والإناث.
(ويجعل من يشاء عقيماً) لا يولد له ذكر ولا أنثى، والعقيم الذي لا يولد له يريد يحيى وعيسى، قاله ابن عباس، وقال أكثر المفسرين: هذا على وجه التمثيل، وإنما الحكم عام في كل الناس، لأن المقصود بيان نفاذ قدرة الله تعالى في تكوين الأشياء كيف يشاء، فلا معنى للتخصيص، يقال رجل عقيم، وامرأة عقيم، وعقمت المرأة تعقم عقماً، وأصله القطع، ويقال: نساء عقّم وعقماء (إنه عليم قدير) أي بليغ العلم عظيم القدرة.
الشورى 42:51
(وما كان لبشر) أي ما صح لفرد من أفراد البشر (أن يكلمه الله) بوجه من الوجوه (إلا وحياً) بأن يوحي إليه فيلهمه في المنام، ويقذف في قلبه ذلك، قال مجاهد: نفث ينفث في قلبه فيكون إلهاماً منه كما أوحى إلى أم موسى وإلى إبراهيم في ذبح ولده، والوحي الإشارة والرسالة والكتابة، وكل ما ألقيته إلى غيرك ليعلمه وحي، كيف كان، قاله ابن فارس، وهو مصدر وحى إليه يحي من باب وعي، وأوحى إليه بالألف مثله، ثم غلب استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند الله تعالى، ولغة القرآن الفاشية أوحى بالألف.
(أو من وراء حجاب) كما كلم موسى يريد أن كلامه يسمع من حيث لا يرى، وهو تمثيل بحال الملك المحتجب الذي يكلم خواصه من وراء حجاب قال ابن عباس في الآية إلا أن يبعث ملكاً يوحي إليه من عنده، أو يلهمه فيقذف في قلبه. أو يكلمه من وراء حجاب، وقيل: المراد به أن السامع محجوب عن الرؤية في الدنيا.
(أو يرسل رسولاً) أي ملكاً (فيوحي) ذلك الملك إلى الرسول من البشر (بإذنه) أي بأمر الله وتيسيره (ما يشاء) أن يوحي إليه، قال الزجاج: المعنى أن كلام الله للبشر إما أن يكون بإلهام يلهمهم أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم موسى، أو برسالة ملك إليهم، وتقدير الكلام ما كان لبشر أن يكلمه الله إلا أن يوحي وحياً أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً، ومن قرأ يرسل رفعاً أراد وهو يرسل فهو ابتداء واستئناف لها.
وقرأ الجمهور بنصب يرسل وبنصب فيوحي على تقدير أن، وتكون أن وما دخلت عليه معطوفين على (وحياً) وحياً في محل الحال، والتقدير: إلا موحياً أو مرسلاً ولا يصح عطف أو (يرسل) على أن (يكلمه) لأنه يصير التقدير: وما كان لبشر أن يرسل الله رسولاً، وهو فاسد لفظاً ومعنى. وقد قيل في توجيه قراءة الجمهور غير هذا مما لا يخلو عن ضعف، وقرىء بالرفع وكذلك فيوحي بإسكان الياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير أو هو يرسل، كما قال الزجاج وغيره.
وجملة (إنه عليّ حكيم) تعليل لما قبلها أي متعال عن صفات النقص، حكيم في كل أحكامه، قال المفسرون سبب نزول هذه الآية أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ألا تكلم الله وتنظر إليه إن كنت نبياً كما كلمه موسى فنزلت.
وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)
الشورى 42:52
(وكذلك) أي كالوحي الذي أوحينا إلى الأنبياء قبلك (أوحينا إليك روحاً من أمرنا) المراد به القرآن قاله ابن عباس، وقيل النبوة، قال مقاتل يعني الوحي بأمرنا ومعناه القرآن لأنه يهتدي به ففيه حياة من موت الكفر، وقيل: من تبعيضية لأن الموحى إليه لا ينحصر في القرآن، وقيل: المراد به الرحمة، وقيل جبريل، ثم ذكر سبحانه صفة رسوله قبل أن يوحي إليه فقال: (ما كنت تدري ما الكتاب) أي: أيُّ شيء هو لأنه صلى الله عليه وسلم كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، وذلك أدخل في الإعجاز، وأدل على صحة نبوته، ومعنى (ولا الإيمان) أنه كان صلى الله عليه وسلم لا يعرف تفاصيل الشرائع ومعالمها، ولا يهتدي إلى معانيها، كالصلاة والصوم والزكاة والختان وإيقاع الطلاق والغسل من الجنابة، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر، وهذا هو الحق وخص الإيمان لأنه رأسها وأساسها، وقيل أراد بالإيمان هنا الصلاة، قال بهذا جماعة من أهل العلم، منهم إمام الأئمة محمد بن إسحق بن خزيمة واحتج بقوله تعالى:
(وما كان الله ليضيع إيمانكم) يعني الصلاة، فسماها إيماناً، وذهب جماعة إلى أن الله لم يبعث نبياً إلا وقد كان مؤمناً به، وقالوا معنى الآية ما كنت تدري قيل الوحي كيف تقرأ القرآن؟ ولا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان؟ وقيل كان هذا قبل البلوغ حين كان طفلاً وفي المهد.
وقال الحسين بن الفضل إنه على حذف المضاف، أي ولا أهل الإيمان، وقيل المراد بالإيمان، دين الإسلام، وقيل الإيمان هنا عبارة عن الإقرار بكل ما كلف الله به العباد، وقال الكواشي ويجوز أن يراد بالإيمان نفس الكتاب وهو القرآن وعطف عليه لاختلاف لفظيهما أي ما كنت تعرف القرآن وما فيه من الأحكام، ويدل على هذا التأويل توحيد الضمير في جعلناه، وقيل المراد بالإيمان الكلمة التي بها دعوة الإيمان والتوحيد، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، والإيمان بهذا التفسير إنما علمه بالوحي لا بالعقل، قاله الكرخي.
وعن علي قال: " قيل لمحمد صلى الله عليه وسلم هل عبدت وثناً قط؟ قال: لا قالوا فهل شربت خمراً قط؟ قال: لا، وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر، وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان؟ وبذلك نزل القرآن ". (وما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) [[زاد المسير 299.]].
(ولكن جعلناه نوراً) أي جعلنا الروح الذي أوحيناه إليك ضياء ودليلاً على التوحيد والإيمان (نهدي به) المراد به الهداية الموصلة بدليل قوله (من نشاء) هدايته (من عبادنا) ونرشده إلى الدين الحق (وإنك لتهدي) أي كل مكلف فالهداية فيه أعم من التي قبلها قرأ الجمهور لتهدي على البناء للفاعل وقرىء على البناء للمفعول، وقرىء بضم التاء وكسر الدال من أهدى، وفي قراءة أبيّ وإنك لتدعو (إلى صراط مستقيم) قال قتادة والسدي ومقاتل: وإنك لتدعو إلى الإسلام فهو الصراط المستقيم.
ثم بين الصراط المستقيم بقوله:
الشورى 42:53
(صراط الله) بدل من الأول بدل المعرفة من النكرة وفي هذه الإضافة للصراط إلى الإسم الشريف من التعظيم له والتفخيم لشأنه ما لا يخفى (الذي له ما في السموات وما في الأرض) ملكاً وخلقاً وعبيداً والمعنى أنه المالك لذلك، والمتصرف فيه.
(ألا إلى الله تصير) أي ترجع (الأمور) يوم القيامة لا إلى غيره، أي جميع أمور الخلائق بارتفاع الوسائط والتعلقات وعلى هذا المضارع على ظاهره، وقيل: المراد بهذا المضارع الديمومة كقولك زيد يعطي ويمنع أي من شأنه ذلك وليس المراد حقيقة المستقبل لأن الأمور منوطة به تعالى كل وقت وفيه وعيد بالبعث المستلزم للمجازاة ووعد بنعيم الجنات فيثيب المحسن ويعاقب المسيء.
قال سهيل بن أبي الجعد: أحترق مصحف ولم يبق منه إلا قوله (ألا إلى الله تصير الأمور) وغرق مصحف فانمحى كله إلا قوله ذلك والله أعلم القرطبي.