Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — الزخرف 43:1 – محمد 47:38
المحتويات
- الزخرف 43:1
- الزخرف 43:2
- الزخرف 43:3
- الزخرف 43:4
- الزخرف 43:5
- الزخرف 43:6
- الزخرف 43:7
- الزخرف 43:8
- الزخرف 43:9
- الزخرف 43:10
- الزخرف 43:11
- الزخرف 43:12
- الزخرف 43:13
- الزخرف 43:14
- الزخرف 43:15
- الزخرف 43:16
- الزخرف 43:17
- الزخرف 43:18
- الزخرف 43:19
- الزخرف 43:20
- الزخرف 43:21
- الزخرف 43:22
- الزخرف 43:23
- الزخرف 43:24
- الزخرف 43:25
- الزخرف 43:26
- الزخرف 43:27
- الزخرف 43:28
- الزخرف 43:29
- الزخرف 43:30
- الزخرف 43:31
- الزخرف 43:32
- الزخرف 43:33
- الزخرف 43:34
- الزخرف 43:35
- الزخرف 43:36
- الزخرف 43:37
- الزخرف 43:38
- الزخرف 43:39
- الزخرف 43:40
- الزخرف 43:41
- الزخرف 43:42
- الزخرف 43:43
- الزخرف 43:44
- الزخرف 43:45
- الزخرف 43:46
- الزخرف 43:47
- الزخرف 43:48
- الزخرف 43:49
- الزخرف 43:50
- الزخرف 43:51
- الزخرف 43:52
- الزخرف 43:53
- الزخرف 43:54
- الزخرف 43:55
- الزخرف 43:56
- الزخرف 43:57
- الزخرف 43:58
- الزخرف 43:59
- الزخرف 43:60
- الزخرف 43:61
- الزخرف 43:62
- الزخرف 43:63
- الزخرف 43:64
- الزخرف 43:65
- الزخرف 43:66
- الزخرف 43:67
- الزخرف 43:68
- الزخرف 43:69
- الزخرف 43:70
- الزخرف 43:71
- الزخرف 43:72
- الزخرف 43:73
- الزخرف 43:74
- الزخرف 43:75
- الزخرف 43:76
- الزخرف 43:77
- الزخرف 43:78
- الزخرف 43:79
- الزخرف 43:80
- الزخرف 43:81
- الزخرف 43:82
- الزخرف 43:83
- الزخرف 43:84
- الزخرف 43:85
- الزخرف 43:86
- الزخرف 43:87
- الزخرف 43:88
- الزخرف 43:89
- الدخان 44:1
- الدخان 44:2
- الدخان 44:3
- الدخان 44:4
- الدخان 44:5
- الدخان 44:6
- الدخان 44:7
- الدخان 44:8
- الدخان 44:9
- الدخان 44:10
- الدخان 44:11
- الدخان 44:12
- الدخان 44:13
- الدخان 44:14
- الدخان 44:15
- الدخان 44:16
- الدخان 44:17
- الدخان 44:18
- الدخان 44:19
- الدخان 44:20
- الدخان 44:21
- الدخان 44:22
- الدخان 44:23
- الدخان 44:24
- الدخان 44:25
- الدخان 44:26
- الدخان 44:27
- الدخان 44:28
- الدخان 44:29
- الدخان 44:30
- الدخان 44:31
- الدخان 44:32
- الدخان 44:33
- الدخان 44:34
- الدخان 44:35
- الدخان 44:36
- الدخان 44:37
- الدخان 44:38
- الدخان 44:39
- الدخان 44:40
- الدخان 44:41
- الدخان 44:42
- الدخان 44:43
- الدخان 44:45
- الدخان 44:46
- الدخان 44:47
- الدخان 44:48
- الدخان 44:49
- الدخان 44:50
- الدخان 44:51
- الدخان 44:52
- الدخان 44:53
- الدخان 44:54
- الدخان 44:55
- الدخان 44:56
- الدخان 44:57
- الدخان 44:58
- الدخان 44:59
- الجاثية 45:1
- الجاثية 45:2
- الجاثية 45:3
- الجاثية 45:4
- الجاثية 45:5
- الجاثية 45:6
- الجاثية 45:7
- الجاثية 45:8
- الجاثية 45:9
- الجاثية 45:10
- الجاثية 45:11
- الجاثية 45:12
- الجاثية 45:13
- الجاثية 45:14
- الجاثية 45:15
- الجاثية 45:16
- الجاثية 45:17
- الجاثية 45:18
- الجاثية 45:19
- الجاثية 45:20
- الجاثية 45:21
- الجاثية 45:22
- الجاثية 45:23
- الجاثية 45:24
- الجاثية 45:25
- الجاثية 45:26
- الجاثية 45:27
- الجاثية 45:28
- الجاثية 45:29
- الجاثية 45:30
- الجاثية 45:31
- الجاثية 45:32
- الجاثية 45:33
- الجاثية 45:34
- الجاثية 45:35
- الجاثية 45:36
- الجاثية 45:37
- الأحقاف 46:1
- الأحقاف 46:4
- الأحقاف 46:5
- الأحقاف 46:6
- الأحقاف 46:7
- الأحقاف 46:8
- الأحقاف 46:9
- الأحقاف 46:10
- الأحقاف 46:11
- الأحقاف 46:12
- الأحقاف 46:13
- الأحقاف 46:14
- الأحقاف 46:15
- الأحقاف 46:16
- الأحقاف 46:17
- الأحقاف 46:18
- الأحقاف 46:19
- الأحقاف 46:20
- الأحقاف 46:21
- الأحقاف 46:22
- الأحقاف 46:23
- الأحقاف 46:24
- الأحقاف 46:25
- الأحقاف 46:26
- الأحقاف 46:27
- الأحقاف 46:28
- الأحقاف 46:29
- الأحقاف 46:30
- الأحقاف 46:31
- الأحقاف 46:32
- الأحقاف 46:33
- الأحقاف 46:34
- الأحقاف 46:35
- محمد 47:1
- محمد 47:2
- محمد 47:3
- محمد 47:4
- محمد 47:5
- محمد 47:6
- محمد 47:7
- محمد 47:8
- محمد 47:9
- محمد 47:10
- محمد 47:11
- محمد 47:13
- محمد 47:14
- محمد 47:15
- محمد 47:16
- محمد 47:17
- محمد 47:18
- محمد 47:19
- محمد 47:20
- محمد 47:21
- محمد 47:22
- محمد 47:23
- محمد 47:24
- محمد 47:25
- محمد 47:26
- محمد 47:27
- محمد 47:28
- محمد 47:29
- محمد 47:32
- محمد 47:33
- محمد 47:34
- محمد 47:35
- محمد 47:36
- محمد 47:37
- محمد 47:38
الزخرف 43:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة الزخرف
(وهي تسع وثمانون آية)
قال القرطبي: هي مكيّة بالإجماع وبه قال ابن عباس، قال مقاتل إلا قوله (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا) يعني فإنها نزلت بالمدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (7) فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (8) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (9)
(حم) الكلام ههنا كالكلام الذي قدمناه والله أعلم بمراده به
الزخرف 43:2
(والكتاب المبين) أقسم بالقرآن الذي أبان طرق الهدى من طرق الضلالة، وأبان ما تحتاج إليه الأمة من الشريعة، وقيل المبين الواضح للمتدبرين وهو من الإيمان الحسنة البديعة لتناسب القسم والمقسم عليه ولعل أقسام الله بالأشياء استشهاده بما فيها من الدلالة على المقسم عليه، وجواب القسم.
الزخرف 43:3
(إنا جعلناه قرآناً عربياً)، وهذا عندهم من البلاغة وهو كون القسم والمقسم عليه من واد واحد إن أريد بالكتاب القرآن وإن أريد به جنس الكتب المنزلة لم يكن من ذلك والضمير في جعلناه على الأول، يعود على الكتاب، وعلى الثاني يعود على القرآن وإن لم يصرح بذكره، والجعل هنا تصيير ولا يلتفت لخطأ الزمخشري في تجويزه أن يكون بمعنى خلقناه قاله السمين.
والمعنى سميناه وصيرناه ووصفناه ولذلك تعدى إلى مفعولين، وقال السدي: أي أنزلناه قرآناً، وقال مجاهد قلناه وقال سفيان الثوري: بيناه، وكذا قال الزجاج أي أنزل بلسان العرب لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه، وقال مقاتل لأن لسان أهل الجنة عربي.
(لعلكم تعقلون) أي لكي تفهموه وتتعقلوا معانيه وتحيطوا بما فيه، قال ابن زيد لعلكم تتفكرون
الزخرف 43:4
(وإنه) أي وإن القرآن (في أم الكتاب لدينا) أي عندنا (لعلي حكيم) أخبر عن منزلته وشرفه وفضله أي إن كذبتم به يا أهل مكة فإنه عندنا شريف رفيع القدر محكم النظم في أعلى طبقات البلاغة، ودرجات الفصاحة، لا يوجد فيه اختلاف ولا تناقض، والجملة عطف على الجملة المقسم بها داخلة تحت معنى القسم أو مستأنفة مقررة لما قبلها، قال الزجاج: أم الكتاب أصل الكتاب، وأصل كل شيء أمه والقرآن مثبت عند الله في اللوح المحفوظ، كما قال (بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ).
قال ابن جريج: المراد بقوله وإنه الخ أعمال الخلق من إيمان وكفر وطاعة ومعصية، عن ابن عباس قال: " إن أول ما خلق الله من شيء القلم، وأمره أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة عنده " [[سبق ذكره.]]، ثم قرأ هذه الآية وأخرج ابن مردويه نحوه عن أنس مرفوعاً.
الزخرف 43:5
(أفنضرب عنكم الذكر صفحاً) يقال: ضربت عنه وأضربت عنه إذا تركته وأمسكت عنه، كذا قال الفراء والزجاج وغيرهما، وانتصاب صفحاً على المصدرية أو على الحال أي صافحين، والصفح مصدر قولهم: صفحت عنه إذا أعرضت عنه، وذلك أنك توليه صفحة وجهك وعنقك، والمراد بالذكر هنا القرآن، والاستفهام للإنكار والتوبيخ قال الكسائي:
المعنى أفنضرب عنكم الذكر طياً فلا توعظون ولا تؤمرون. وقال مجاهد وأبو صالح والسدي أفنضرب عنكم العذاب ولا نعاقبكم على إسرافكم وكفركم؟ وقال قتادة المعنى أفنهلككم ولا نأمركم ولا ننهاكم، وروي عنه إنه قال: المعنى أفنمسك عن إنزال القرآن من قبل، أنكم لا تؤمنون به، وقيل: الذكر التذكير كأنه قال أنترك تذكيركم.
(أن كنتم قوماً مسرفين) قرىء إن بالكسر على أنها الشرطية والجزاء محذوف لدلالة ما قبله عليه وبفتحها على التعليل، أي لأن كنتم قوماً منهمكين في الإسراف مصرين عليه مفرطين في الجهالة مجاوزين الحد في الضلالة، قال ابن عباس في الآية أحببتم أن نصفح عنكم ولم تفعلوا ما أمرتم به، ثم سلى سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال:
الزخرف 43:6
(وكم أرسلنا من نبي في الأولين) كم هي الخبرية التي معناها التكثير والمعنى: ما أكثر ما أرسلنا من الأنبياء في الأمم السابقة.
الزخرف 43:7
(وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون) كاستهزاء قومك بك
الزخرف 43:8
(فأهلكنا) قوماً (أشد منهم) أي من هؤلاء القوم (بطشاً) أي قوة تمييز أو حال، أو باطشين والأول أحسن، والبطش شدة الأخذ (ومضى مثل الأولين) أي سلف في القرآن في غير موضع منه، ذكر قصتهم وحالهم العجيبة التي حقها أن تسير مسير المثل لشهرتها، وقال قتادة: عقوبتهم، وقيل: صفتهم في الإهلاك والمثل الوصف والخبر، وفي هذا وعد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وتهديد شديد لهم لأنه يتضمن أن الأولين أهلكوا بتكذيب الرسل، وهؤلاء إن استمروا على تكذيبك والكفر بما جئت به هلكوا مثلهم.
الزخرف 43:9
(ولئن) لام قسم (سألتهم) أي هؤلاء الكفار من قومك (من خلق السموات والأرض) أي هذه الأجرام العلوية والسفلية (ليقولن خلقهن العزيز العليم) جواب القسم لا جواب الشرط، وهذا على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم، من حذف جواب المتأخر منهما وحذف منه نون الرفع لتوالي النونات وواو الضمير لالتقاء الساكنين، وكرر الفعل للتوكيد إذ لو جاء (العزيز) بغير (خلقهن) لكان كافياً، والمعنى أقروا بأن الله خالقهن ولم ينكروا ذلك وهذا أسوأ لحالهم وأشد لعقوبتهم، لأنهم عبدوا بعض مخلوقات الله وجعلوه شريكاً له، بل عمدوا إلى ما لا يسمع ولا يبصر، ولا ينفع ولا يضر من المخلوقات، وهي الأصنام فجعلوها شركاء لله، ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على عظيم نعمته على عباده، وكمال قدرته في مخلوقاته فقال: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (10) وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (11) وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (12) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (13)
الزخرف 43:10
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا) أي فراشاً كالمهد للصبي، ولو شاء لجعلها مزلة لا يثبت فيها شيء كما ترون من بعض الجبال، ولو شاء لجعلها متحركة فلا يمكن الانتفاع بها في الزراعة والأبنية، فالانتفاع بها إنما حصل لكونها مسطحة قارة ساكنة وقد تقدم بيانه، قرأ الجمهور مهاداً وقرأ الكوفيون مهداً وهذا كلام مبتدأ غير متصل بما قبله، ولو كان متصلاً بما قبله من جملة مقول الكفار لقالوا: الذي جعل لنا الأرض مهاداً.
(وجعل لكم فيها سبلاً) أي طرقاً تسلكونها إلى حيث تريدون ولو شاء لجعلها بحيث لا يسلك في مكان منها كما جعل بعض الجبال كذلك وقيل معايش تعيشون بها (لعلكم تهتدون) بسلوكها إلى مقاصدكم ومنافعكم في أسفاركم.
الزخرف 43:11
(والذي نزل من السماء ماء بقدر) أي بقدر الحاجة وحسبما تقتضيه المصلحة [[سقط من الأصل: ولم ينزل عليكم منه فوق حاجتكم حتى يهلك زرعكم ويهدم منازلكم ويهلككم ...]] بالغرق ولا دونها حتى تحتاجوا إلى الزيادة وعلى حسب ما تقتضيه مشيئته في أرزاق عباده بالتوسيع تارة والتقتير أخرى.
(فأنشرنا به بلدة ميتاً) أي أحيينا بذلك الماء بلدة مقفرة من النبات وفيه التفات قرأ الجمهور ميتاً بالتخفيف وقرىء بالتشديد (كذلك) أي مثل ذلك الإِحياء للأرض بإخراج نباتها بعد أن كانت لا نبات بها (تخرجون) أي تبعثون من قبوركم أحياء فإن من قدر على هذا قدر على ذلك، وقد مضى بيان هذا في آل عمران والأعراف، قرأ الجمهور: تخرجون مبنياً للمفعول وقرىء مبنياً للفاعل.
الزخرف 43:12
(والذي خلق الأزواج كلها) أي الضروب والأنواع كالحلو والحامض والأبيض والأسود، قال سعيد بن جبير الأصناف كلها وقال الحسن الأزواج الشتاء والصيف، والليل والنهار، والسموات والأرض والجنة والنار. وقيل أزواج الحيوان من ذكر وأنثى، وقيل أزواج النبات كقوله:
(وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) و (من كل زوج كريم) وقيل: ما يتقلب فيه الإنسان من خير وشر وإيمان وكفر، ونفع وضر وفقر وغنى، وصحة وسقم وهذا القول يعم الأقوال ويجمعها بعمومه، وقيل: الأول أولى، قال بعض المحققين: كل ما سوى الله فهو زوج كالفوق والتحت، والربيع والخريف، واليمين واليسار، والقدام والخلف، والماضي والمستقبل والذوات والصفات، وكونها أزواجاً يدل على أنها ممكنة الوجود، محدثة مسبوقة بالعدم، فأما الحق تعالى فهو الفرد المنزه عن الضد والند والمقابل والمعاضد.
(وجعل لكم من الفلك) السفن (والأنعام ما تركبون) أي ما تركبونه في البحر والبر وأريد بالأنعام هنا ما يركب من الحيوان، وهو الإبل والخيل والبغال والحمير، وقرينة هذا قوله في سورة النحل (والخيل والبغال والحمير لتركبوها) فحينئذ في الأنعام هنا تغليب إذ الأنعام هي الإبل والبقر والغنم وقال الشوكاني: المراد بالأنعام ههنا الإبل خاصة، وقيل: الإبل والبقر والأول أولى انتهى.
الزخرف 43:13
(لتستووا) اللام لام العلة، وهو الظاهر، أو للصيرورة وجوز ابن عطية أن تكون لام الأمر، وفيه بعد لقلة دخولها على أمر المخاطب (على ظهوره) الضمير راجع إلى ما قاله أبو عبيد، وقال الفراء أضاف الظهور إلى واحد لأن المراد الجنس، فصار الواحد في معنى الجمع بمنزلة الجنس فلذلك ذكر وجمع الظهر لأن المراد ظهور هذا الجنس، والاستواء الاستعلاء أي لتستعلوا على ظهور ما تركبون من الفلك والأنعام.
(ثم تذكروا نعمة ربكم) أي التي أنعم بها عليكم من تسخير ذلك المركب في البحر والبر (إذا استويتم عليه) أي على ما تركبون ففيه مراعاة لفظ (ما) أيضاً قال مقاتل والكلبي هو أن تقول الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني عليه:
(وتقولوا) أي بألسنتكم جمعاً بين القلب واللسان: (سبحان الذي سخر لنا هذا) وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه سبحان من سخر لنا هذا، وقال قتادة قد علمكم كيف تقولون إذا ركبتم والمعنى ذلل لنا هذا المركب الذي ركبناه سفينة كان أو دابة قاله الخطيب وصرح غيره بأنه خاص بالدابة، وأما السفينة فيقول فيها (بسم الله مجريها ومرساها) ويؤيده:
(وما كنا له مقرنين) فإن الامتناع والتعاصي والتوحش لولا تسخير الله وإذلاله إنما يتأتى في الدواب. وأما السفن فهي من عمل ابن آدم فليس لها امتناع بقوتها كامتناع الدابة. قال ابن عباس والكلبي: مقرنين مطيقين يقال أقرن هذا البعير إذا أطاقه. وقال الأخفش وأبو عبيدة: مقرنين ضابطين، يقال فلان مقرن لفلان أي ضابط له، وقيل مماثلين له في القوة من قولهم: هو قرن فلان إذا كان مثله في القوة.
وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (14) وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ (15) أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (16) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (17) أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (18) وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (20)
الزخرف 43:14
(وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ) أي راجعون إليه وهذا تمام ما يقال عند ركوب الدابة أو السفينة، وفيه إشارة إلى الرد عليهم في إنكار البعث أخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والحاكم وابن مردويه عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، " كان إذا سافر ركب راحلته ثم كبر ثلاثاً، ثم قال: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ".
روي أن قوماً ركبوا، وقالوا سبحان الذي سخر لنا هذا الخ وفيهم رجل على ناقة لا تتحرك هزالاً فقال: إني مقرن لهذه فسقط لوثبتها واندقت عنقه، وينبغي أن لا يكون ركوب العاقل للتنزه والتلذذ، بل للاعتبار، ويتأمل عنده أنه هالك لا محالة ومنقلب إلى الله غير منفلت من قضائه.
قال القرطبي علمنا سبحانه وتعالى ما نقول إذا ركبنا الدواب وعرفنا في آية أخرى على لسان نوح عليه السلام ما نقول إذا ركبنا السفن فكم من راكب دابة عثرت به أو شمست أو تقحمت أو طاح عن ظهرها فهلك، وكم من راكب سفينة انكسرت به فغرق فلما كان الركوب مباشرة أمر مخوف واتصالاً بسبب من أسباب التلف أمر أن لا ينسى عند اتصاله به موته ولا يدع ذكر ذلك بقلبه ولسانه، حتى يكون مستعداً لقضاء الله بإصلاحه من نفسه، والحذر من أن يكون ركوبه ذلك من أسباب موته في علم الله، وهو غافل عنه. وقال ابن العربي: ليس بواجب ذكره باللسان بل يستحب وإنما الواجب اعتقاده بالقلب والأول أولى والجمع أفضل.
ثم رجع سبحانه إلى ذكر الكفار الذين تقدم ذكرهم فقال:
الزخرف 43:15
(وجعلوا له) أي بعد ذلك الاعتراف كما قاله القاضي أو معه كذا في الكشاف، والجملة حالية والجعل تصيير قولي أي حكموا وأثبتوا له أو بمعنى سموا واعتقدوا (مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا) أي ولداً وسماه جزءاً دلالة على استحالته على الواحد في ذاته، لأن المركب لا يكون واحد الذات، قال قتادة جزءاً أي عدلاً يعني ما عبد من دون الله، وقال الزجاج والمبرد الجزء هنا البنات، والجزء عند أهل العربية البنات، يقال: قد أجزأت المرأة إذا ولدت البنات.
وقد جعل صاحب الكشاف تفسير الجزء بالبنات من بدع التفسير، وصرح بأنه مكذوب على العرب ويجاب عنه بأنه قد رواه الزجاج والمبرد وهما إماما اللغة العربية وحافظاها ومن إليهما المنتهى في معرفتها، ويؤيد تفسير الجزء بالبنات ما سيأتي من قوله
الزخرف 43:16
(أم اتخذ مما يخلق بنات) وقوله
الزخرف 43:17
(وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً) وقوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) وقيل: المراد بالجزء هنا الملائكة فإنهم جعلوهم أولاداً لله سبحانه قاله مجاهد والحسن قال الأزهري، ومعنى الآية أنهم جعلوا لله من عباده نصيباً على معنى أنهم جعلوا نصيب الله من الولدان.
(إن الإنسان) القائل ما تقدم (لكفور مبين) أي ظاهر الكفران مبالغ فيه قيل المراد بالإنسان هنا الكافر فإنه الذي يجحد نعم الله عليه جحوداً بيناً ثم أنكر عليهم هذا فقال: (أم اتخذ مما يخلق بنات) هذا استفهام تقريع وتوبيخ وأم هي المنقطعة بمعنى همزة الإِنكار وقدرها بعضهم ببل التي للانتقال وبعضهم بهما وكل صحيح لأن فيها مذاهب ثلاثة كما نقله أبو حيان والمعنى أتقولون اتخذ ربكم لنفسه البنات.
(وأصفاكم) أخلصكم وخصكم (بالبنين) فجعل لنفسه المفضول من الصنفين، ولكم الفاضل منهما يقال أصفيته بكذا أي آثرته به وأصفيته الود أخلصته له، ومثل هذه الآية قوله (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) وهذه الجملة معطوفة على اتخذ داخلة معها تحت الإنكار، ثم زاد في تقريعهم وتوبيخهم فقال:
(وإذا بشر أحدهم) استئناف أو حال (بما ضرب للرحمن مثلاً) أي بما جعله للرحمن سبحانه من كونه جعل لنفسه البنات، والالتفات إلى الغيبة للإِيذان بأن قبائحهم اقتضت أن يعرض عنهم، وتحكى لغيرهم ليتعجب منها والمثل بمعنى الشبه أي المشابه لا بمعنى الصفة الغريبة العجيبة، والمعنى إذا بشر أحدهم بأنها ولدت له بنت اغتم لذلك وظهر عليه أثره، وهو معنى قوله:
(ظل) أي صار (وجهه مسوداً) بسبب حدوث الأنثى له حيث لم يكن الحادث له ذكراً مكانها (وهو كظيم) أي والحال إنه شديد الحزن كثير الكرب مملوء منه قال قتادة: حزين وقال عكرمة: مكروب، وقيل ساكت ثم زاد في توبيخهم وتقريعهم فقال:
الزخرف 43:18
(أو من ينشأ في الحلية) النشوء التربية والحلية الزينة و (من) عبارة عن الأنثى أي يجعلون لله الأنثى التي تتربى في الزينة لنقصها إذ لو كملت في نفسها لما تكملت بالزينة قرأ الجمهور ينشأ بفتح الياء وإسكان النون وقرأ ابن عباس والضحاك وحفص بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين، واختار القراءة الأولى أبو حاتم واختار الثانية أبو عبيدة، وقال الهروي: الفعل على القراءة الأولى لازم، وعلى الثانية متعد، والمعنى يربى ويكبر في الحلية.
(وهو في الخصام غير مبين) أي عاجز عن أن يقوم بأمر نفسه وإذا خوصم لا يقدر على إقامة حجته وتقرير دعواه، ودفع ما يجادله به خصمه لنقصان عقله، وضعف رأيه، وإضافة (غير) يمنع عمل ما بعدها في الجار المتقدم عليها. لأنها بمعنى النفي قال المبرد: تقدير الآية ويجعلون له من ينبت في الزينة، وإذا احتاج إلى مجاثاة الخصوم ومجاراة الرجال كان غير مبين ليس عنده بيان ولا يأتي ببرهان.
وفيه أنه جعل النشأة في الزينة من المعايب فعلى الرجل أن يجتنب ذلك ويتزين بلباس التقوى. قال قتادة: قلما تتكلم امرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها، وقال ابن زيد والضحاك: الذي ينشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة، قال ابن عباس في الآية هو النساء فرق بين زيهن وزي الرجال ونقصهن من الميراث ومن الشهادة، وأمرهن بالقعدة وسماهن الخوالف.
الزخرف 43:19
(وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) الجعل هنا بمعنى القول والحكم على الشيء كما تقول: جعلت زيداً أفضل الناس أي قلت بذلك وحكمت له به أي سموهم وحكموا، وقالوا: إنهم إناث وجمعوا في كفرهم ثلاث كفرات وذلك أنهم نسبوا إلى الله الولد ونسبوا إليه أخس النوعين وجعلوا ملائكته المكرمين إناثاً فاستخفوا بهم قرأ الجمهور: عباد بالجمع، وبها قرأ ابن عباس وقرأ الباقون عند بنون ساكنة، واختار الأولى أبو عبيد لأن الإسناد فيها على، ولأن الله إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله فأخبرهم بأنهم عباده.
قال النسفي: وهو ألزم في الحجاج مع أهل العناد لتضاد بين العبودية والولادة انتهى، ويؤيد هذه القراءة قوله (بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) واختار أبو حاتم الثانية قال: وتصديق هذه القراءة قوله: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ) عن سعيد بن جبير قال كنت أقرأ هذا الحرف الذين هم عند الرحمن إناثاً فسألت ابن عباس فقال عباد الرحمن، قلت فإنها في مصحفي قال فامحها واكتبها عباد الرحمن ثم وبخهم وقرعهم فقال:
(أشهدوا خلقهم) أي أحضروا خلق الله إياهم فهو من الشهادة التي هي الحضور وفي هذا تهكم بهم، وتجهيل لهم، قرأ الجمهور: (ستكتب شهادتهم) بضم الفوقية وبناء الفعل للمفعول ورفع شهادتهم، وقرىء بالنون وبناء الفعل للفاعل، ونصب شهادتهم، وقرىء شهاداتهم بالجمع، والمعنى سنكتب هذه الشهادة التي شهدوا بها في ديوان أعمالهم، لنجازيهم على ذلك، قال البقاعي يجوز أن يكون في السين استعطاف إلى التوبة قبل كتابة ما قالوا ولا علم لهم به (ويسألون) عنها يوم القيامة في الآخرة، وهذا وعيد. قال سليمان الجمل وهذا يدل على أن القول بغير دليل منكر، وأن التقليد حرام يوجب الذم العظيم انتهى.
الزخرف 43:20
(وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم) هذا فن آخر من فنون كفرهم بالله جاؤوا به للاستهزاء والسخرية، ومعناه لو شاء الرحمن في زعمكم عدم عبادة الملائكة ما عبدنا هذه الملائكة، فاستدلوا بنفي مشيئته عدم العبادة على امتناع النهي عنها، أو على حسنها، وذلك باطل لأن المشيئة ترجيح بعض الممكنات على بعض، مأموراً كان أو منهياً، حسناً كان أو غيره، وبالجملة هذا كلام حق يراد به باطل، وقد مضى بيانه في الأنعام، وتعلقت المعتزلة بظاهر هذه الآية في أن الله لم يشأ الكفر من الكافر، وإنما شاء الإيمان، فإن الكفار ادعوا أن الله شاء منهم الكفر، وما شاء منهم ترك عبادة الأصنام فرد الله عليهم قولهم واعتقادهم، وبين جهلهم بقوله:
(ما لهم بذلك) أي بما قالوه من أن الله لو شاء عدم عبادتهم للملائكة ما عبدوهم (من علم) بل تكلموا بذلك جهلاً، وأرادوا بما صورته صورة الحق باطلاً، وزعموا أنه إذا شاء فقد رضي. وقيل: الإشارة بذلك إلى قوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً) قاله قتادة ومقاتل والكلبي، وقال مجاهد وابن جريج أي ما لهم بعبادة الأوثان من علم ثم بين انتفاء علمهم بقوله:
(إن هم إلا يخرصون) أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا ويتمحلون تمحلاً باطلاً، قال هنا (يخرصون) وفي الجاثية (يظنون)، هذا كذب فناسبه الخرص وما هناك صدق مخلوط بالكذب فناسبه الظن.
أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (21) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23)
الزخرف 43:21
(أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ) أم هي المنقطعة بمعنى همزة الاستفهام الإنكاري أي أأعطيناهم كتاباً من قبل القرآن، بما ادعوه بأن يعبدوا غير الله وقيل إن الضمير في (من قبله) يعود إلى ادعائهم، أي أم آتيناهم كتاباً من قبل ادعائهم ينطق بصحة ما يدعونه؟ والأول أولى أو أم معادلة لقوله أشهدوا فتكون متصلة، والمعنى أحضروا أم آتيناهم كتاب الخ والأول أرجح وأولى، كما أفاده الشهاب (فهم به مستمسكون) يأخذون بما فيه ويحتجون به ويجعلونه لهم دليلاً.
ثم بين سبحانه أنه لا حجة بأيديهم ولا شبهة ولكنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال:
الزخرف 43:22
(بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة) أي على طريقة ومذهب، قال أبو عبيدة هي الطريقة والدين، وبه قال ابن عباس وقتادة وغيره قال الجوهري والأمة الطريقة والدين يقال فلان لا أمة له ولا نحلة أي لا دين له وقال الفراء وقطرب على قبلة. وقال الأخفش على استقامة قرأ الجمهور أمة بالضم، وقرىء بكسرها قال الجوهري والإمة بالكسر النعمة والإمة أيضاًً لغة في الأمة.
(وإنا) ماشون (على آثارهم مهتدون) بهم وكانوا يعبدون غير الله اعترفوا بأنه لا مستند لهم من حيث العيان ولا من حيث العقل ولا من حيث السمع والبيان سوى تقليد آبائهم قال الخازن جعلوا أنفسهم مهتدين باتباع آبائهم وتقليدهم من غير حجة انتهى؛ وعبارة أبي السعود لم يأتوا بحجة عقلية ولا نقلية، بل اعترفوا بأنه لا مستند لهم سوى تقليد آبائهم الجهلة مثلهم اهـ.
وقال هنا: مهتدون، وفيما بعده: مقتدون، لأن الأول وقع في محاجتهم النبي صلى الله عليه وسلم، وادعائهم أن آباءهم كانوا مهتدين، وأنهم مهتدون كآبائهم، فناسبه مهتدون والثاني وقع حكاية عن قوم ادعوا الاقتداء بالآباء دون الاهتداء، فناسبه مقتدون، أفاده الكرخي. ثم أخبر سبحانه أن غير هؤلاء من الكفار قد سبقهم إلى هذه المقالة، وقال بها فقال:
الزخرف 43:23
(وَكَذَلِكَ) أي الأمر كما ذكر من عجزهم عن الحجة وتمسكهم بالتقليد، وقوله (مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) استئناف مبين لذلك، دال على أن التقليد فيما بينهم ضلال قديم، ليس لأسلافهم أيضاً مستند غيره، قاله أبو السعود، والمترفون الأغنياء والرؤساء والمتنعمون جمع مترف. اسم مفعول من أترف، وأترفته النعمة أطغته.
قال الكرخي: هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم، وأن من تقدمهم أيضاًً لم يكن لهم مستند منظور إليه، وتخصيص المترفين للإِشعار بأن التنعم هو الذي أوجب البطر، وصرفهم عن النظر إلى التقليد انتهى. والأمة هي من الأم وهو القصد، فالأمة الطريقة التي تؤم أي تقصد، ومقتدون أي متبعون، قاله قتادة، قال النسفي: وهذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان أن تقليد الآباء داء قديم اهـ.
قال الرازي في تفسيره: لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآيات لكفت في إبطال القول بالتقليد، وذلك لأنه تعالى بين أن هؤلاء الكفار لم يتمسكوا في إثبات ما ذهبوا إليه لا بطريق عقلي، ولا بدليل نقلي ثم بين أنهم إنما ذهبوا إليه بمجرد تقليد الآباء والأسلاف، وإنما ذكر تعالى هذه المعاني في معرض الذم والتهجين، وذلك يدل على أن القول بالتقليد باطل.
ومما يدل عليه أيضاًً من حيث العقل أن التقليد أمر مشترك فيه بين المبطل وبين المحق، وذلك لأنه كما حصل لهذه الطائفة قوم من المقلدة، فكذلك حصل لأضدادهم أقوام من المقلدة، فلو كان التقليد، طريقاً إلى الحق لوجب كون الشيء ونقيضه حقاً، ومعلوم أن ذلك باطل، وأنه تعالى بين أن الداعي إلى القول بالتقليد والحامل عليه إنما هو حب التنعم في طيبات الدنيا، وحب الكسل والبطالة، وبغض تحمل مشاق النظر والاستدلال، لقوله: (إلا قال مترفوها) والمترفون هم الذين أترفتهم النعمة، أي أبطرتهم، فلا يحبون إلا الشهوات والملاهي، ويبغضون تحمل المشاق في طلب الحق أهـ.
أقول وقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية، منها ما ذكره ابن القيم، وأنا أورده ههنا قال: يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم بطل التقليد لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: حكمت به بغير حجة، قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة قال الله عز وجل.
(هل عندكم من سلطان بهذا) أي من حجة بهذا، فإذا قال أنا أعلم أني قد أصبت، وإن لم أعرف الحجة لأني قلدت كثيراً من العلماء، وهو لا يقول إلا بحجة خفيت على قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى، لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك. فإن قال نعم ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علماً؟ ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علماً؟ وهذا تناقض، فإن قال لأن معلمي -وإن كان أصغر- فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك، قيل له وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه فليلزمه تقليده، وترك تقليد معلمك وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك؛ فإن قلد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبداً، وكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضاً وفساداً.
قال أبو عمرو قال أهل العلم والنظر حد العلم التبيين، وإدراك المعلوم على ما هو به، فمن بأن له الشيء فقد علمه، قالوا والمقلد لا علم له، لم يختلفوا في ذلك، ومن ههنا والله أعلم قال البحتري:
عرف العالمون فضلك بالعلـ ... ـم قال الجهال بالتقليد
وأرى الناس مجمعين على فضـ ... ـلك من بين سيد ومسود
وقال أبو عبد الله بن خواز منداد البصري المالكي: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة. وقال في موضع آخر من كتابه كل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قبوله بدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح وكل من أوجب الدليل عليك اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ، والتقليد ممنوع اهـ.
قال ابن حارث: هذا والله الدين الكامل والعقل الراجح. لا كمن يأتي بالهذيان ويريد أن ينزل قوله من القلوب منزلة القرآن اهـ. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم، أن يرد عليهم فقال: قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25)
الزخرف 43:24
(قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ) أي أتتبعون آباءكم وتقلدونهم؟ ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم؟ قال الزجاج المعنى قل لهم أتتبعون ما وجدتم عليه آباءكم من الضلالة التي ليست من الهداية في شيء وإن جئتكم بأهدى منه؟ قرأ الجمهور قل وقرىء قال: وهو حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم، أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته، وقيل إن كلتا القراءتين حكاية لما جرى بين المنذرين وقومهم أي قال كل منذر من أولئك المنذرين لأمته المقلدين، كأنه قال لكل نبي قل بدليل قوله:
(قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) قال الشوكاني وهذا من أعظم الأدلة الدالة على بطلان التقليد وقبحه، فإن هؤلاء المقلدة في الإسلام إنما يعملون بقول أسلافهم، ويتبعون آثارهم، ويقتدون بهم فإذا رام الداعي إلى الحق أن يخرجهم من ضلالة أو يدفعهم عن بدعة قد تمسكوا بها، وورثوها عن أسلافهم بغير دليل نير، ولا حجة واضحة، بل لمجرد قيل وقال، لشبهة داحضة، وحجة زائفة، ومقالة باطلة، قالوا بما قاله المترفون من هذه الملل (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ) أو بما يلاقي معناه معنى ذلك.
فإن قال لهم الداعي إلى الحق قد جمعتنا الملة الإسلامية وشملنا هذا الدين المحمدي، ولم يتعبدنا الله ولا تعبدكم ولا آباءكم من قبلكم إلا بكتابة الذي أنزله على رسوله، وبما صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فإنه المبين لكتاب الله، الموضح لمعانيه، الفارق بين محكمه ومتشابهه، فتعالوا نرد ما تنازعنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله، كما أمرنا الله بذلك في كتابه بقوله:
(فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) فإن الرد إليهما أهدى لنا ولكم من الرد إلى ما قاله أسلافكم ودرج عليه آباؤكم، نفروا نفور الوحش، ورموا الداعي لهم إلى ذلك بكل حجر ومدر، كأنهم لم يسمعوا قول الله سبحانه (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) ولا قوله (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا).
فإن قال لهم القائل: هذا العالم الذي تقتدون به وتتبعون أقواله هو مثلكم في كونه متعبداً بكتاب الله وسنة رسوله، مطلوباً منه ما هو مطلوب منكم، وإذا عمل برأيه عند عدم وجدانه للدليل، فذلك رخصة له، لا يحل أن يتبعه غيره عليها، ولا يجوز له العمل بها، وقد وجد الدليل الذي لم يجده، وها أنا أوجدكموه في كتاب الله، أو فيما صح من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أهدى لكم مما وجدتم عليه آباءكم، قالوا: لا نعمل بهذا، ولا سمع لك ولا طاعة، ووجدوا في صدورهم أعظم الحرج من حكم الكتاب والسنة، ولم يسلموا لذلك ولا أذعنوا له.
وقد وهب لهم الشيطان عصا يتوكأون عليها عند أن يستمعوا من يدعوهم إلى الكتاب والسنة، وهي أنهم يقولون: إن إمامنا الذي قلدناه واقتدينا به أعلم منك بكتاب الله وسنة رسوله، وذلك لأن أذهانهم قد تصورت من يقتدون به تصوراً عظيماً بسبب تقدم العصر وكثرة الأتباع، وما علموا أن هذا منقوض عليهم مدفوع به في وجوههم.
فإنه لو قيل لهم: إن في التابعين من هو أعظم قدراً وأقدم عصراً من صاحبكم، فإن كان لتقدم العصر وجلالة القدر مزية توجب الاقتداء فتعالوا حتى أريكم من هو أقدم عصراً وأجل قدراً، فإن أبيتم ذلك ففي الصحابة رضي الله عنهم من هو أعظم قدراً من صاحبكم علماً وفضلاً وجلالة قدر، فإن أبيتم ذلك فها أنا أدلكم على من هو أعظم قدراً وأجل خطراً، وأكثر أتباعاً، وأقدم عصراً، وهو محمد بن عبد الله نبينا ونبيكم صلى الله عليه وسلم، ورسول الله إلينا وإليكم، فتعالوا فهذه سنته موجودة في دفاتر الإسلام ودواوينه التي تلقتها جميع هذه الأمة قرناً بعد قرن، وعصراً بعد عصر، وهذا كتاب ربنا خالق الكل، ورازق الكل، وموجد الكل، بين أظهرنا، موجود في كل بيت، وبيد كل مسلم، لم يلحقه تغيير ولا تبديل، ولا زيادة ولا نقص، ولا تحريف ولا تصحيف، ونحن وأنتم ممن يفهم ألفاظه، ويتعقل معانيه، فتعالوا لنأخذ الحق من معدنه، ونشرب صفو الماء من منبعه، فهو مما وجدتم عليه آباءكم.
قالوا: لا سمع ولا طاعة، إما بلسان القال أو بلسان الحال، فتدبر هذا وتأمله إن بقي فيك بقية من إنصاف وشعبة من خير، ومزعة من حياء، وحصة من دين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد أوضحت هذا غاية الإيضاح في كتابي الذي سميته أدب الطلب ومنتهى الأرب انتهى. وقد أوضحه الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين عن رب العالمين فأرجع إليهما إن رمت أن تنجلي عنك ظلمات التعصب، وتنقشع لك سحائب التقليد.
الزخرف 43:25
(فانتقمنا منهم) وذلك الانتقام ما أوقعه الله بقوم نوح وعاد وثمود بما استحقوه على اصرارهم على التقليد (فانظر كيف كان عاقبة المكذبين) للأنبياء من تلك الأمم. فإن آثارهم موجودة، ولا تكترث بتكذيب قومك لك، ثم لما بين في الآية المتقدمة أنه ليس لأولئك الكفار داع يدعوهم إلى تلك الأقاويل الباطلة إلا تقليد الآباء والأسلاف، وبين أنه طريق باطل، ومنهج فاسد، وأن الرجوع إلى الدليل أولى من الاعتماد على التقليد، أردفه بهذه الآية: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (29) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (30) وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (31)
الزخرف 43:26
(وإذا قال إبراهيم) الذي هو أعظم آبائهم، ومحط فخرهم، والمجمع على محبته وحقية دينه منهم ومن غيرهم (لأبيه) أي واذكر لهم وقت قوله لأبيه من غير أن يقلده، كما قلدتم أنتم آباءكم (وقومه) أي الذين قلدوا آباءهم، وعبدوا الأصنام.
(إنني براء مما تعبدون) تبرأ مما هم عليه وتمسك بالبرهان، ليسلكوا مسلكه في الاستدلال، والبراء مصدر نعت به للمبالغة، وهو يستعمل للواحد والمثنى والمجموع والمذكر والمؤنث، وقال الجوهري: وتبرأت من كذا وأنا منه براء وخلاء لا يثنى ولا يجمع، لأنه مصدر في الأصل وبه قال الكسائي والمبرد والزجاج، ثم استثنى خالقه من البراءة فقال:
الزخرف 43:27
(إلا الذي فطرني) أي خلقني، والاستثناء منقطع أي لكن الذي فطرني أو متصل من عموم (ما) لأنهم كانوا يعبدون الله والأصنام، أو إلا صفة بمعنى غير، وما نكرة موصوفة، قاله الزمخشري (فإنه سيهدين) أي سيرشدني لدينه، ويوفقني لطاعته، ويثبتني على الحق، وإخباره بأنه سيهديه جزماً لثقته بالله سبحانه، وقوة يقينه، والأوجه أن السين للتأكيد دون التسويف، وصيغة المضارع للدلالة على الاستمرار.
الزخرف 43:28
(وجعلها كلمة باقية في عقبه) الضمير في جعلها عائد إلى قوله إلا الذي فطرني، وهي بمعنى التوحيد كأنه قال: وجعل كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، وهم ذريته، فلا يزال فيهم من يوحد الله، وفاعل جعلها إبراهيم، وذلك حيث وصاهم بالتوحيد، وأمرهم أن يدينوا به، كما في قوله: (ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب) الآية، وقيل: الفاعل هو الله عز وجل، أي وجعل الله سبحانه كلمة التوحيد باقية في عقب إبراهيم، والعقب من بعد، قال مجاهد وقتادة. الكلمة لا إله إلا الله، لا يزال من عقبه من يعبد الله إلى يوم القيامة، ويوحده ويدعو إلى توحيده وقال عكرمة: هي الإِسلام، قال ابن زيد: الكلمة هي قوله (أسلمت لرب العالمين) قال ابن عباس: كلمة باقية لا إله إلا الله وعقب إبراهيم ولده.
(لعلهم يرجعون) تعليل للجعل أي جعلها باقية رجاء أن يرجع إليها من يشرك منهم بدعاء من يوحد، وقيل: الضمير في لعلهم يرجع إلى أهل مكة أي لعل أهلها يرجعون إلى دينك الذي هو دين إبراهيم، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، والتقدير فإنه سيهدين لعلهم يرجعون وجعلها الخ، قال السدي: لعلهم يتوبون فيرجعون عما هم عليه إلى عبادة الله، قال الرازي في تفسيره.
والمقصود من هذه الآية ذكر وجه آخر يدل على فساد القول بالتقليد، وتقريره من وجهين، الأول أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أنه تبرأ عن دين آبائه بناء على الدليل، فنقول: إما أن يكون تقليد الآباء في الأديان محرماً أو جائزاً فإن كان محرماً فقد بطل القول بالتقليد، وإن كان جائزاً فمعلوم أن أشرف آباء العرب هو إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنه ليس لهم فخر ولا شرف إلا بأنهم من أولاده، وإذا كان كذلك فتقليد هذا الأب الذي هو أشرف الآباء أولى من تقليد سائر الآباء وإذا ثبت أن تقليده أولى من تقليد غيره فنقول: إنه ترك دين الآباء وحكم بأن اتباع الدليل أولى من متابعة الآباء، وإذا كان كذلك وجب تقليده في ترك تقليد الآباء، ووجب تقليده في ترجيح الدليل على التقليد.
وإذا ثبت هذا فنقول: فقد ظهر أن القول بوجوب التقليد يوجب المنع من التقليد، وما أفضى ثبوته إلى نقله كان باطلاً، فوجب أن يكون القول بالتقليد باطلاً، فهذا طريق دقيق في إبطال التقليد، وهو المراد من هذه الآية، الوجه الثاني في بيان أن ترك التقليد والرجوع إلى متابعة الدليل أولى في الدنيا والدين، أنه تعالى بين أن إبراهيم عليه السلام لما عدل عن طريقة أبيه إلى متابعة الدليل، لا جرم جعل الله دينه ومذهبه باقياً في عقبه إلى يوم القيامة، وأما أديان آبائه فقد اندرست وبطلت، فثبت أن الرجوع إلى متابعة الدليل يبقى محمود الأثر إلى قيام الساعة، وأن التقليد والإصرار ينقطع أثره ولا يبقى منه في الدنيا خبر، ولا أثر، فثبت من هذين الوجهين أن متابعة الدليل، وترك التقليد أولى، فهذا بيان المقصود الأصلي من هذه الآية انتهى.
ثم ذكر سبحانه نعمته على قريش، ومن وافقهم من الكفار المعاصرين لهم فقال:
الزخرف 43:29
(بل متعت هؤلاء) أي أهل مكة عقب إبراهيم (وَآبَاءَهُمْ) أضرب سبحانه عن الكلام الأول إلى ذكر ما متعهم به من الأنفس والأهل والأموال، والمد في الأعمار، وأنواع النعم، وسلامة الأبدان من البلايا والنقم، وما متع به آباءهم ولم يعاجلهم بالعقوبة فاغتروا بالمهلة، وأنكبوا على الشهوات، وشغلوا بالتنعم عن كلمة التوحيد، وبطروا وتمادوا على الباطل.
(حتى جاءهم الحق) يعني القرآن (ورسول مبين) يعني محمداً صلى الله عليه وسلم، ظاهر الرسالة واضحها، أو مبين لهم ما يحتاجون إليه من أمر الدين، فلم يجيبوه ولم يعملوا بما أنزل عليه، وفي هذه الغاية خفاء بيّنة في الكشاف وشروحه، وهو أن ما ذكر ليس غاية للتمتيع، إذ لا مناسبة بينهما مع أن مخالفة ما بعدها لما قبلها غير مرعي فيها.
والجواب أن المراد بالتمتيع ما هو سببه من اشتغالهم به عن شكر المنعم، فكأنه قال: اشتغلوا به حتى (جاءهم الحق ورسول مبين) وهو غاية في نفس الأمر لأنه مما ينبههم ويزجرهم، لكنهم لطغيانهم عكسوا، فهو كقوله: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ) أفاده الشهاب ثم بين سبحانه ما صنعوه عند مجيء الحق فقال:
الزخرف 43:30
(ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون) أي جاحدون فسموا القرآن سحراً وجحدوه واستحقروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووجه النظم أنهم لما عولوا على تقليد الآباء والأسلاف لم يتفكروا في الدليل واغتروا بطول الإمهال، وامتاع الله إياهم بنعيم الدنيا فأعرضوا عن الحق والغرض بهذا الكلام توبيخ المقلد المسيء.
الزخرف 43:31
(وقالوا) متحكمين بالباطل (لولا) هلا (نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) أي رجل عظيم من إحدى القريتين كقوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) أي من أحدهما، والمراد بهما مكة والطائف، قاله ابن عباس، وبالرجلين الوليد بن المغيرة من مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من الطائف، كذا قال قتادة وغيره: وقال مجاهد وغيره عتبة بن ربيعة من مكة وعمير بن عبد ياليل الثقفي من الطائف، وقال ابن عباس، عمير بن مسعود وخيار قريش، وقال أيضاً العظيم الوليد بن المغيرة القرشي وحبيب بن عمير الثقفي، وعنه قال: يعنون أشرف من محمد الوليد بن المغيرة من أهل مكة ومسعود الثقفي من أهل الطائف، وقيل غير ذلك، وظاهر النظم أن المراد رجل من إحدى القريتين عظيم الجاه، واسع المال، مسود في قومه، والمعنى أنه لو كان قرآنا لنزل على رجل من عظماء القريتين، فهؤلاء المساكين قالوا منصب رسالة الله منصب شريف، فلا يليق إلا برجل شريف، وقد صدقوا في ذلك إلا أنهم ضموا إليه مقدمة فاسدة، وهي أن الرجل الشريف عندهم هو الذي يكون كثير المال والجاه، ومحمد صلى الله عليه وسلم، ليس كذلك، فأجاب الله سبحانه عليهم بقوله: أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (34)
الزخرف 43:32
(أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) يعني النبوة أو ما هو أعم منها والاستفهام للإنكار المستقل بالتجهيل والتعجيب من تحكمهم في اختيار من يصلح للنبوة وترسم هذه التاء مجرورة اتباعا لرسم المصحف الإمام كما نص عليه ابن الجزري ثم بين أنه سبحانه هو الذي قسم بينهم ما يعيشون به من أمور الدنيا فقال:
(نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا) أي نحن أوقعنا هذا التفاوت بين العباد، فجعلنا هذا غنياً وهذا فقيراً، وهذا مالكاً، وهذا مملوكاً، وهذا قوياً، وهذا ضعيفاً، ولم نفوض ذلك إليهم، وليس لأحد من العباد أن يتحكم في شيء بل الحكم لله وحده، وإذا كان الله سبحانه هو الذي قسم بينهم أرزاقهم فكيف لا يقنعون بقسمته في أمر النبوة؟ وتفويضها إلى من يشاء من خلقه؟ قال مقاتل: يقول بأيديهم مفاتيح الرسالة فيضعونها حيث شاؤوا، قرأ الجمهور معيشتهم الإفراد، وقرأ ابن عباس ومجاهد وابن محيصن معايشهم بالجمع.
(و) معنى (رفعنا بعضهم فوق بعض درجات) أنه فاضل بينهم فجعل بعضهم أفضل من بعض في الدنيا بالرزق والرياسة والقوة والحرية والعقل والعلم، ثم ذكر العلة لرفع درجات بعضهم على بعض فقال: (ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً) أي ليستخدم بعضهم بعضاً فيستخدم الغني الفقير، والرئيس المرؤوس والقوي الضعيف، والحر العبد، والعاقل من دونه في العقل والعالم الجاهل وهذا في غالب أحوال أهل الدنيا، وبه تتم مصالحهم وينتظم معاشهم، ويصل كل واحد منهم إلى مطلوبه، فإن كل صناعة دنيوية يحسنها قوم دون آخرين فجعل البعض محتاجاً إلى البعض لتحصل المواساة بينهم في متاع الدنيا ويحتاج هذا إلى هذا ويصنع هذا لهذا ويعطي هذا هذا.
وقال السدي وابن زيد سخرياً خولاً وخدماً، يسخر الأغنياء الفقراء، فيكون بعضهم سبباً لمعاش بعض، وقال قتادة والضحاك: ليملك بعضهم بعضاً، وقيل هو من السخرية التي بمعنى الاستهزاء، قال الأخفش سخرت به، وسخرت منه، وضحكت به، وضحكت منه، وهزأت به، وهزأت منه، وهذا وإن كان مطابقاً للمعنى اللغوي لكنه بعيد من معنى القرآن، ومناف لما هو مقصود السياق، وعلى هذا القول تكون اللام للصيرورة والعاقبة، لا للعلة والسببية.
(وَرَحْمَتُ رَبِّكَ) يعني بالرحمة ما أعده الله لعباده الصالحين في الدار الآخرة. وقيل هي النبوة لأنها المرادة بالرحمة المتقدمة في قوله (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) ولا مانع من أن يراد كل ما يطلق عليه اسم الرحمة إما شمولاً أو بدلاً (خير مما يجمعون) أي مما يجمعونه من الأموال وسائر متاع الدنيا لأن الدنيا على شرف الزوال والإنقراض وفضل الله ورحمته تبقى أبد الآبدين، ثم بين سبحانه حقارة الدنيا عنده فقال:
الزخرف 43:33
(ولولا أن يكون الناس أمة واحدة) أي لولا أن يجتمعوا على الكفر ميلاً إلى الدنيا وزخرفها أو يرغبوا فيه إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم (لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة) جمع الضمير في بيوتهم وأفرده في (يكفر) باعتبار معنى من ولفظها ولبيوتهم بدل اشتمال من الموصول واللام للاختصاص، والسقف جمع سقف قرأ الجمهور بضم السين والقاف كرهن ورهن، قال أبو عبيدة ولا ثالث لهما، وقال الفراء. هو جمع سقيف نحو كثيب وكثب ورغيف ورغف وقيل: هو جمع سقوف، فيكون جمعاً للجمع، وقرىء بفتح السين وإسكان القاف على الإفراد، ومعناه الجمع لكونه الجنس قال الحسن: معنى الآية لولا أن يكفر الناس جميعاً بسبب ميلهم إلى الدنيا وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عندنا وقال بهذا أكثر المفسرين.
وقال ابن زيد لولا أن يكون الناس أمة واحدة في طلب الدنيا واختيارهم لها على الآخرة، وقال الكسائي المعنى لولا أن يكون في الكفار غني وفقير وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا لهوانها.
(ومعارج) كالدرج من فضة، جمع معرج بفتح الميم وكسرها، وسميت المصاعد من الدرج المعارج، لأن المشي عليها مثل مشي الأعرج ومعاريج جمع معراج، والمعراج السلم، وهي لغة بعض تميم وهذا كمفاتح جمع مفتح، ومفاتيح جمع مفتاح قال الأخفش إن شئت جعلت الواحدة معرج ومعرج مثل مرقا ومرقا والمعنى جعلنا لهم معارج من فضة.
(عليها) أي على المعارج (يظهرون) يرتقون ويصعدون يقال: ظهرت على البيت أي علوت سطحه
الزخرف 43:34
(ولبيوتهم أبواباً وسرراً) أي وجعلنا لبيوتهم أبواباً من فضة وسرراً من فضة وتكرير لفظ البيوت لزيادة التقرير (عليها) أي على السرر، وهو جمع سرير، وقيل جمع أسرة فيكون جمعاً للجمع (يتكئون) الإتكاء والتوكؤ التحامل على الشيء ومنه (أتوكأ عليها) واتكأ على الشيء فهو متكىء والموضع متكأ.
وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (35) وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (37) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (38)
الزخرف 43:35
(وَزُخْرُفًا) أي وجعلنا لهم زخرفاً ليجعلوه في السقف والمعارج والأبواب والسرر، ليكون بعض كل منها من فضة، وبعضه من ذهب، لأنه أبلغ في الزينة، وقيل: النصب بنزع الخافض أي أبواباً وسرراً من فضة ومن ذهب فلما حذف الخافض انتصب، والزخرف الذهب، وقيل: الزينة أعم من أن يكون ذهباً أو غيره، قال ابن زيد هو ما يتخذه الناس في منازلهم من الأمتعة والأثاث، وقال الحسن: النقوش، وأصله الزينة، يقال: زخرفت الدار زينتها، وتزخرف فلان أي تزين، قال ابن عباس في الآية: يقول لولا أن نفعل الناس كلهم كفاراً لجعلنا لبيوت الكفار سقفاً من فضة، ومعارج من فضة، وهي درج عليها يصعدون إلى الغرف وسرر فضة وزخرفاً وهو الذهب.
وأخرج الترمذي وصححه، وابن ماجة عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء " وعن المسور بن شداد قال: كنت في الركب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السخلة الميتة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أترون هذه هانت على أهلها حين ألقوها؟ قالوا: من هوانها ألقوها يا رسول الله، قال: فإن الدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها " أخرجه الترمذي وحسنه، وعن قتادة بن النعمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أحب الله عبداً حماه من الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء " أخرجه الترمذي وقال حسن غريب.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. " الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر " أخرجه مسلم، قال البقاعي: ولا يبعد أن يكون ما صار إليه الفسقة والجبابرة من زخرفة الأبنية وتذهيب السقوف وغيرها من مبادىء الفتنة بأن يكون الناس أمة واحدة في الكفر قرب الساعة، حتى لا تقوم الساعة على من يقول: الله، أو في زمن الدجال، لأن من يبقى إذ ذاك على الحق في غاية القلة بحيث إنه لا عداد له في جانب الكفرة لأن كلام الملوك لا يخلو عن حقيقة، وإن خرج مخرج الشرط فكيف بملك الملوك سبحانه ثم أخبر سبحانه أن جميع ذلك إنما يتمتع به في الدنيا فقال:
(وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا) قرأ الجمهور لما بالتخفيف، وقرىء بالتشديد، فعلى الأولى إن هي المخففة من الثقيلة، وعلى الثانية هي النافية، ولما بمعنى إلا ما كل ذلك إلا ما يتمتع به في الدنيا، وقرىء بكسر اللام من لما على أن اللام للعلة، وما موصولة، والعائد محذوف، أي للذي هو متاع (والآخرة) أي الجنة (عند ربك للمتقين) أي لمن اتقى الشرك والمعاصي وآمن بالله وحده، وعمل بطاعته، وترك الدنيا وآثر الآخرة فإنها الباقية التي لا تفنى، ونعيمها الدائم الذي لا ينقطع.
الزخرف 43:36
(ومن يعش) يقال عشوت إلى النار قصدتها وعشوت عنها أي أعرضت عنها، كما تقول: عدت إلى فلان وعدلت عنه، أي ملت إليه وملت عنه كذا قال الفراء والزجاج وأبو الهيثم والأزهري، وقال الخليل: العشو النظر الضعيف، وقال أبو عبيدة والأخفش. إن معنى (ومن يعش) ومن تظلم عينه وهو نحو قول الخليل، وهذا على قراءة الجمهور من يعش بضم الشين من عشا يعشو، وقرىء بفتح الشين يقال: عشى الرجل يعشى عشا إذا عمى، وقال الجوهري: العشا مقصور مصدر الأعشى وهو الذي لا يبصر بالليل ويبصر بالنهار، والمرأة عشوى، وقرىء يعشو بالواو على أن من موصولة غير متضمنة معنى الشرط.
والمعنى ومن يعرض ويتعامى ويتجاهل ويتغافل (عن ذكر الرحمن) ولم يخف عقابه ولم يرد ثوابه، وقيل: يول ظهره عن القرآن (نقيض له شيطاناً) قرأ الجمهور بالنون، وقرى بالتحتية مبنياً للفاعل، وقرأ ابن عباس بالتحتية مبنياً للمفعول، ورفع شيطان على النيابة والمعنى نسبي له جزاء على كفره شيطاناً.
(فهو له قرين) أي ملازم له في الدنيا، يمنعه من الحلال ويبعثه على الحرام وينهاه عن الطاعة ويأمره بالمعصية ولا يفارقه. وقيل في الآخرة إذا قام من قبره قاله سعيد الجريري وقيل: فيهما قال القشيري: وهو الصحيح أو هو ملازم للشيطان لا يفارقه بل يتبعه في جميع أموره ويطيعه في كل ما يوسوس به إليه وقال الزجاج معنى الآية أن من أعرض عن القرآن وما فيه من الحكم إلى أباطيل المضلين يعاقبه الله بشيطان يقيضه له حتى يضله ويلازمه قريناً فلا يهتدي مجازاة له حين آثر الباطل على الحق البيِّن.
أخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن عثمان المخزومي " أن قريشاً قالت قيضوا لكل رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلاً يأخذه فقيضوا لأبي بكر طلحة ابن عبيد الله فأتاه وهو في القوم فقال أبو بكر: إلام تدعوني؟ قال أدعوك إلى عبادة اللات. والعزى، قال أبو بكر وما اللات؟ قال أولاد الله قال وما العزى؟ قال بنات الله قال أبو بكر فمن أمهم؟ فسكت طلحة فلم يجبه فقال لأصحابه أجيبوا الرجل فسكت القوم فقال طلحة قم يا أبا بكر أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فأنزل الله هذه الآية " وثبت في صحيح مسلم وغيره أن مع كل مسلم قرين من الجن.
الزخرف 43:37
(وإنهم) أي وإن الشياطين الذين يقيضهم الله لكل أحد ممن يعشو عن ذكر الرحمن كما هو معنى من (ليصدونهم عن السبيل) أي يحولون بينهم وبين سبيل الحق ويمنعونهم منه ويوسوسون لهم أنهم على الهدى حتى يظنوا صدق ما يوسوسون به، وهو معنى قوله:
(ويحسبون أنهم) أي يحسب الكفار أن الشياطين (مهتدون) فيطيعونهم أو يحسب الكفار بسبب تلك الوسوسة أنهم في أنفسهم مهتدون، وصيغة المضارع في الأفعال الأربعة للدلالة على الاستمرار التجددي لقوله:
الزخرف 43:38
(حتى إذا جاءنا) فإن حتى وإن كانت ابتدائية داخلة على الجملة الشرطية لكنها تقتضي حتماً أن تكون غاية لأمر ممتد، كما مر مراراً، قاله أبو السعود قرأ الجمهور بالتثنية أي الكافر والشيطان المقارن له، وقرىء بالإفراد أي الكافر أو كل واحد منهما.
(قال) الكافر مخاطباً للشيطان: (يا ليت) كان في الدنيا (بيني وبينك بعد المشرقين) أي بعد ما بين المشرق والمغرب، فغلب المشرق على المغرب، قال مقاتل: يتمنى الكافر أن بينهما بعد مشرق أطول يوم في السنة من مشرق أقصر يوم في السنة والأول أولى وبه قال الفراء (فبئس القرين) أي أنت أيها الشيطان.
وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (39) أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (40) فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (41) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (42) فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (43) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44) وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (45)
الزخرف 43:39
(ولن ينفعكم اليوم) هذا حكاية لما سيقال لهم يوم القيامة (إذ ظلمتم) أي لأجل ظلمكم أنفسكم في الدنيا، وقيل: إن إذ بدل من اليوم لأنه تبين ذلك في اليوم أنهم ظلموا أنفسهم في الدنيا (أنكم في العذاب مشتركون) قرأ الجمهور بفتح إن على أنها وما بعدها في محل رفع على الفاعلية، أي لن ينفعكم اليوم اشتراككم في العذاب، قال المفسرون لا يخفف عنهم بسبب الاشتراك شيء من العذاب، لأن لكل أحد من الكفار والشياطين الحظ الأوفر منه وقيل إنها للتعليل لنفي النفع، أي لن ينفعكم الاعتذار والندم اليوم، فأنتم وقرناؤكم اليوم مشتركون في العذاب كما كنتم مشتركين في سببه في الدنيا ويقوي هذا المعنى قراءة إن بالكسر.
ثم ذكر سبحانه أنها لا تنفع الدعوة والوعظ من سبقت له الشقاوة فقال
الزخرف 43:40
(أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي) الهمزة لإنكار التعجب أي ليس لك ذلك فلا يضيق صدرك إن كفروا، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإخبار له بأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل.
(ومن كان في ضلال مبين) عطف على العمي للتغاير العنواني، وإلا فالمصداق واحد، أي إنك لا تهدي من كان كذلك، ومعنى الآية أن هؤلاء الكفار بمنزلة الصم الذين لا يعقلون ما جئت به، وبمنزلة العمي الذين لا يبصرون لإفراطهم في الضلالة وتمكنهم من الجهالة.
الزخرف 43:41
(فإما نذهبن بك) بالموت قبل أن ننزل بهم العذاب، وقيل: المعنى نخرجنك من مكة (فإنا منهم منتقمون) إما في الدنيا أو في الآخرة، قال علي كرم الله وجهه: ذهب الله بنبيه صلى الله عليه وسلم وبقيت نقمته في عدوه
الزخرف 43:42
(أو نرينك الذي وعدناهم) من العذاب قبل موتك (فإنا عليكم مقتدرون) متى شئنا عذبناهم.
قال كثير من المفسرين قد أراه ذلك يوم بدر وبه قال ابن عباس وقال الحسن وقتادة: هي في أهل الإسلام يريد ما كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم من الفتن، وقد كان بعد النبي صلى الله عليه وسلم فتنة شديدة فأكرم الله نبيه صلى الله عليه وسلم وذهب به فلم يره في أمته شيئاًً من ذلك والأول أولى.
الزخرف 43:43
(فاستمسك بالذي أوحي إليك) من القرآن وإن كذب به من كذب (إنك على صراط مستقيم) أي طريق واضح تعليل للإستمساك أو للأمر به (وأنه) أي وإن القرآن (لذكر لك ولقومك) أي شرف لك ولقريش إذ نزل عليك وأنت منهم بلغتك ولغتهم، ومثله قوله:
(لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) وقيل بيان لك ولأمتك فيما لكم حاجة، وقيل تذكره تذكرون بها أمر الدين وتعملون به، وعن علي وابن عباس قالا: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل بمكة ويعدهم الظهور، فإذا قالوا لمن الملك بعدك أمسك فلم يجبهم بشيء لأنه لا يؤمر في ذلك بشيء حتى نزلت
الزخرف 43:44
(وإنه لذكر لك ولقومك) فكان إذا سئل بعد قال لقريش فلا يجيبوه حتى قبلته الأنصار على ذلك ".
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان " أخرجه الشيخان، وعن معاوية قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله تعالى على وجهه، ما أقاموا الدين " أخرجه البخاري.
(وسوف تسألون) عما جعله الله لكم من الشرف، كذا قال الزجاج والكلبي وغيرهما، وقيل يسألون عما يلزمهم من القيام بما فيه والعمل به وعن تعظيمهم له، وشكرهم لهذه النعمة يوم القيامة.
الزخرف 43:45
(واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن) أي غيره (آلهة يعبدون) قال الزهري وسعيد بن جبير وابن زيد أن جبريل قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم لما أسرى به فالمراد سؤال الأنبياء في ذلك الوقت عند ملاقاته لهم، وبه قال جماعة من السلف.
وقال المبرد والزجاج وجماعة من العلماء إن المعنى واسأل أمم من قد أرسلنا وبه قال ابن عباس ومجاهد والسدي والضحاك وقتادة وعطاء والحسن، وفائدة إيقاع السؤال على الرسل مع أن المراد أممهم التنبيه على أن المسؤول عنه عين ما نطقت به ألسنة الرسل، لا ما تقوله علماؤهم من تلقاء أنفسهم، وعلى الأول هي مكية، وعلى الثاني مدنية.
ومعنى الآية على القولين سؤالهم هل أذن الله بعبادة الأوثان في ملة من الملل؟ وهل سوغ ذلك لأحد منهم؟ والمقصود تقريع مشركي قريش بأن ما هم عليه لم يأت في شريعة من الشرائع. وقيل ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال ولكنه مجاز عن النظر في أديانهم، والفحص عن مللهم، هل جاءت عبادة الأوثان قط في ملة من ملل الأنبياء؟ وكفاه فحصاً ونظره في كتاب الله المعجز المصدق لما بين يديه، وإخبار الله فيه بأنهم يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطاناً، وهذه الآية في نفسها كافية لا حاجة إلى غيرها.
ولما أعلم الله سبحانه نبيه بأنه منتقم له من عدوه وذكر اتفاق الأنبياء على التوحيد، أتبعه بذكر قصة موسى وفرعون، وبيان ما نزل بفرعون وقومه من النقمة فقال: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (46) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (47) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) وَقَالُوا يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (49) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (50) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)
الزخرف 43:46
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا) التسع التي تقدم بيانها (إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ) أي القبط (فقال إني رسول رب العالمين) أرسلني إليكم ما أجابوه به عند قوله هذا محذوف دل عليه قوله
الزخرف 43:47
(فلما جاءهم بآياتنا) وهو مطالبتهم إياه بإحضار البينة على دعواه وإبراز الآية (إذا هم منها يضحكون) استهزاء وسخرية وجواب لما هو إذا الفجائية لأن التقدير فاجأوا وقت ضحكهم.
الزخرف 43:48
(وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها) أي كل واحدة من آيات موسى أكبر مما قبلها وأعظم قدراً مع كون التي قبلها عظيمة في نفسها وقيل المراد بهذا الكلام أنهن موصوفات بالكبر ولا يكدن يتفاوتن فيه وعليه كلام الناس هما أخوان كل واحد منهما أكبر من الآخر وقيل المعنى إن الأولى تقتضي علماً والثانية تقتضي علماً فإذا ضمت الثانية إلى الأولى ازداد الوضوح ومعنى الأخوة بين الآيات أنها متشاكلة متناسبة في دلالتها على صحة نبوة موسى كما يقال هذه صاحبة هذه أي هما قرينتان في المعنى وقيل المعنى أن كل واحدة من الآيات إذا انفردت ظن الظان أنها أكبر من سائر الآيات.
(وأخذناهم) بسبب تكذيبهم بتلك الآيات (بالعذاب) أي بالسنين والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمس، كما قال تعالى (ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين) الآية، ثم بين سبحانه أن العلة في أخذه لهم بالعذاب هو رجاء رجوعهم، فقال: (لعلهم يرجعون) أي لكي يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان، ولما عاينوا ما جاءهم به من الآيات البينات، والدلالات الواضحات، ظنوا أن ذلك من قبيل السحر.
الزخرف 43:49
(وقالوا يا أيها الساحر) وكانوا يسمون العلماء سحرة، ويوقرون السحرة ويعظمونهم، ولم يكن السحر صفة ذم عندهم، قال الزجاج: خاطبوه بما تقدم له عندهم من التسمية بالساحر، أو نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم، وفرط حماقتهم، والأظهر أن النداء كان باسمه العلم، كما في الأعراف في قوله: قالوا: يا موسى.
(ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ) لكن حكى الله سبحانه هنا كلامهم لا بعبارتهم، بل على وفق ما أضمرته قلوبهم من اعتقادهم أنه ساحر، لاقتضاء مقام التسلية ذلك فإن قريشاً سموه ساحراً، وسموا ما أتى به سحراً، أفاده الكرخي، والمعنى: ادع الله به، أخبرتنا من عهده إليك أنا إذا آمنا كشف عنا العذاب الذي نزل بنا (إننا لمهتدون) أي فنحن مهتدون فيما يستقبل من الزمان ومؤمنون بما جئت به.
الزخرف 43:50
(فلما كشفنا عنهم العذاب) في الكلام حذف، والتقدير فدعا موسى ربه، فكشف عنهم العذاب، فلما كشف عنهم العذاب (إذا هم ينكثون) فاجأوا نكثهم للعهد الذي جعلوه على أنفسهم من الاهتداء، والنكث النقض وكانوا ينقضونه في كل مرة من مرات العذاب.
الزخرف 43:51
(ونادى فرعون) افتخاراً (في قومه) قيل: لما رأى تلك الآيات خاف ميل القوم إلى موسى فجمعهم ونادى بصوته فيما بينهم، أو أمر منادياً ينادي بقوله: (قال يا قوم أليس لي ملك مصر) لا ينازعني فيه أحد، ولا يخالفني فيه مخالف.
(وهذه الأنهار تجري من تحتي) أي والحال أن الأنهار تجري من تحت قصري، والمراد هنا أنهار النيل، وقال قتادة: المعنى تجري بين يدي وفي بساتيني، قال الحسن: تجري بأمري أي تجري تحت أمري وقال الضحاك: أراد بالأنهار القواد والرؤساء والجبابرة، وأنهم يسيرون تحت لوائه، وقيل: أراد بالأنهار الأموال، والأول أولى.
(أفلا تبصرون) ذلك وتستدلون به على قوة ملكي وعظم قدري، وضعف موسى عن مقاومتي، وعن الرشيد أنه لما قرأها قال: لأولينها أخس عبيدي، فولاها الخصيب، وكان خادمه على وضوئه، وعن عبد الله بن طاهر أنه وليها فخرج إليها، فلما شارفها قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال (أليس لي ملك مصر) والله لهي أقل عندي من أن أدخلها فثنى عنانه.
أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (55) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (56) وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (57) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (58)
الزخرف 43:52
(أم أنا خير) أم هي المنقطعة المقدرة ببل، التي للإضراب دون الهمزة التي للإنكار أي بل أنا خير، قال أبو عبيدة أم بمعنى: بل، والمعنى قال فرعون لقومه بل أنا خير، وقال الفراء: إن شئت جعلتها من الإستفهام الذي جعل بأم لاتصاله بكلام قبله - وقيل: هي زائدة، وحكى أبو زيد عن العرب أنهم يجعلون أم زائدة، والمعنى أنا خير من هذا، وقال الأخفش: في الكلام حذف، والمعنى أفلا تبصرون أم تبصرون؟ ثم ابتدأ فقال: أنا خير، وروي عن الخليل وسيبويه نحو قول الأخفش، ويؤيد هذا أن عيسى الثقفي ويعقوب الحضرمي وقفا على أم على تقدير أم تبصرون فحذف لدلالة الأول عليه، وعلى هذا فتكون أم متصلة لا منقطعة والأول أولى، وحكى الفراء أن بعض القراء قرأ أما أنا خير؟ أي ألست خيراً؟
(من هذا الذي هو مهين) أي ضعيف حقير ممتهن في نفسه، لا عز له لأنه يتعاطى أموره بنفسه وليس له ملك ولا قوة يجري بها نهراً وينفذ بها أمراً (ولا يكاد يبين) الكلام لما في لسانه من العقدة، وقد تقدم بيانه في سورة طه، قال ابن عباس في الآية: كانت بموسى لثغة في لسانه، واللثغة بالضم أن تصير الراء غيناً أو لاماً أو السين ثاء، وقد لثغ من باب طرب فهو ألثغ، وقيل المعنى لا يكاد يبين حجته التي تدل على صدقه فيما يدعي، ولم يرد به أنه لا قدرة له على الكلام، والأول أولى.
الزخرف 43:53
(فلولا ألقي عليه) من عند مرسله الذي يدعي أنه الملك بالحقيقة (أسورة) جمع سوار، وبها قرأ حفص، وقرأ الجمهور أساور جمع أسورة، وقال أبو عمرو بن العلاء واحد الأساورة والأساور والأساوير أسوار، وهي لغة في سوار، وقرأ أبيّ أساور، وابن مسعود أساوير، قال مجاهد: كانوا إذا سودوا رجلاً سوروه بسوارين، وطوقوه بطوق ذهب، علامة لسيادته، أرادوا بإلقاء الأسورة عليه إلقاء مقاليد الملك إليه، أي فهلا حلي بأسورة (من ذهب) إن كان عظيماً مقدماً سيداً.
(أو جاء معه الملائكة مقترنين) أي هلا جاء معه الملائكة متتابعين متقارنين إن كان صادقاً يعينونه على أمره، ويشهدون له بالنبوة، ويمشون معه، فأوهم اللعين قومه أن الرسل لا بد أن يكونوا على هيئة الجبابرة، ومحفوفين بالملائكة
الزخرف 43:54
(فاستخف قومه) أي حملهم على خفة الجهل والسفه، بقوله وكيده، واستفزهم بالقول، واستزلهم وعمل فيهم كلامه، وقيل: طلب منهم الخفة في الطاعة وهي الإسراع، قال ابن الأعرابي المعنى فاستجهل قومه فأطاعوه لخفة أحلامهم، وقلة عقولهم، فقال استخفه الفرح، أي أزعجه، استخفه أي حمله، ومنه (ولا يستخفنك الذين لا يوقنون)، وقد استخف بقومه وقهرهم حتى اتبعوه وعزروه وقيل استخف قومه أي وجدهم خفاف العقول، فصيغة الاستفعال للوجدان، وفي نسبته إلى القوم تجوز.
(فأطاعوه) فيما أمرهم به وقبلوا قوله وكذبوا موسى (إنهم كانوا قوماً فاسقين) أي خارجين عن طاعة الله.
الزخرف 43:55
(فلما آسفونا) أي اغضبونا قاله المفسرون، والأسف الغضب وقيل أشد الغضب، وقيل السخط، وقيل، المعنى أغضبوا رسلنا قال ابن عباس فلما أسخطونا وأغضبونا أي بالإفراط في الفساد والعصيان (انتقمنا منهم) ثم بين العذاب الذي وقع به الانتقام فقال (فأغرقناهم أجمعين) في البحر وإنما أهلكوا بالغرق ليكون هلاكهم بما تعززوا به وهو الماء في قوله (وهذه الأنهار تجري من تحتي) ففيه إشارة إلى أن من تعزز بشيء دون الله أهلكه الله به وقد استضعف اللعينُ موسى وعابه بالفقر والضعف، فسلطه الله تعالى عليه إشارة إلى أنه ما استضعف أحد شيئاًً إلا غلبه، أفاده القشيري.
أخرج أحمد والطبراني والبيهقي في الشعب وابن أبي حاتم عن عقبة ابن عامر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال إذا رأيت الله يعطى العبد ما شاء وهو مقيم على معاصيه فإنما ذلك استدراج منه له وقرأ (فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين) وعن طاوس بن شهاب قال كنت عند عبد الله فذكر عنده موت الفجاءة فقال تخفيف على المؤمن وحسرة على الكافر (فلما آسفونا انتقمنا منهم).
الزخرف 43:56
(فجعلناهم سلفاً) أي قدوة لمن عمل بعملهم من الكفار، في استحقاق العذاب، لأجل الاعتبار بهم، قرأ الجمهور سلفاً بفتح السين واللام جمع سالف كخدم وخادم، ورصد وراصد، وحرس وحارس، يقال سلف يسلف إذا تقدم ومضى، قال الفراء والزجاج جعلناهم متقدمين سابقين، ليتعظ بهم الآخرون اللاحقون، وقرىء سلفاً بضم السين واللام، قال الفراء هو جمع سليف نحو سرر وسرير، وقال أبو حاتم هو جمع سلف نحو خشب وخشب، وقرىء بضم السين وفتح اللام جمع سلفة، وهم الفرقة المتقدمة نحو غرف وغرفة، كذا قال النضر بن شميل، وقال ابن عباس سلفاً أهواء مختلفة.
(ومثلاً للآخرين) أي عبرة وموعظة لمن يأتي بعدهم، أو قصة عجيبة تجري مجرى الأمثال، وتسير سير الأقوال، ولما قال سبحانه (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ) تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا ما يريد محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن نتخذه إلهاً، كما اتخذ النصارى عيسى بن مريم فأنزل الله
الزخرف 43:57
(ولما ضرب ابن مريم مثلاً) كذا قال قتادة ومجاهد.
وقال الواحدي: أكثر المفسرين على أن هذه الآية نزلت في مجادلة ابن الزبعري مع النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) قال ابن الزبعرى: خصمتك ورب الكعبة أليست النصارى يعبدون المسيح؟ واليهود عزيراً؟ وبنو مليح الملائكة؟ فإن كان هؤلاء في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معهم، ففرحوا به، وضحكوا وارتفعت أصواتهم، فأنزل الله (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون) ونزلت هذه الآية المذكورة هنا، وقد مضى هذا في سورة الأنبياء، ولا يخفاك أن ما قاله ابن الزبعري مندفع من أصله، وباطل برمته فإن الله سبحانه قال: (إنكم وما تعبدون) ولم يقل: ومن تعبدون، حتى يدخل في ذلك العقلاء كالمسيح وعزير والملائكة، قال الشهاب: ابن الزبعري هو عبد الله الصحابي المشهور، وهذه القصة على تقدير صحتها كانت قبل إسلامه.
(إذا قومك) يا محمد صلى الله عليه وسلم (منه) أي من ذلك المثل المضروب (يصدون) أي يضجون ويصيحون، فرحاً بذلك المثل المضروب، والمراد بقومه هنا كفار قريش، إذ ظنوا أنه ألزم وأفحم النبي صلى الله عليه وسلم به، وهو إنما سكت انتظاراً للوحي.
قرأ الجمهور: يصدون بكسر الصاد، وقرىء بضمها، وهما سبعيتان قال الكسائي والفراء والزجاج والأخفش: هما لغتان ومعناهما يضجون، قال الجوهري: صد يصد صديداً أي ضج، وقيل: إنه بالضم للإعراض، وبالكسر من الضجيج، قاله قطرب، قال أبو عبيدة: لو كانت من الصدود عن الحق يقال: إذا قومك عنه يصدون، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقريش: " إنه ليس أحد يعبد من دون الله فيه خير، قالوا: ألست تزعم أن عيسى كان نبياً؟ وعبداً من عباد الله صالحاً؟ وقد عبدته النصارى، فإن كنت صادقاً فإنه كآلهتهم، فأنزل الله: ولما ضرب ابن مريم مثلاً " الآية، قلت: وما يصدون؟ قال: يضجون.
الزخرف 43:58
(وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ) عندك (أَمْ هُوَ) أي المسيح، قال السدي وابن زيد: خاصموه وقالوا إن كان كل من عبد غير الله في النار فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى وعزير والملائكة، وقال قتادة يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، أي أآلهتنا خير أم محمد صلى الله عليه وسلم؟ ويقوي هذا قراءة ابن مسعود أآلهتنا خير أم هذا.
(ما ضربوه لك إلا جدلاً) أي ما ضربوا لك هذا المثل في عيسى إلا ليجادلوك لا لطلب الحق حتى يرجعوا له عند ظهوره وبيانه، على أن جدلاً منتصب على العلة، أو مجادلين على أنه مصدر في موضع الحال وقرىء جدالاً.
(بل هم قوم خصمون) أي شديدو الخصومة، كثيرو اللدد، عظيمو الجدل، وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل "، ثم تلا هذه الآية، وقد ورد في ذم الجدل بالباطل أحاديث كثيرة، ثم بيّن سبحانه أن عيسى ليس برب، وإنما هو عبد من عباده اختصه بنبوته فقال: إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (59) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61)
الزخرف 43:59
(إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ) بما أكرمناه به من النبوة، وأنعمنا عليه برفعة المنزلة والذكر (وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل) أي آية وعبرة لهم، يعرفون به قدرة الله سبحانه، فإنه كان من غير أب، وكان يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص، وكل مريض بإذن الله، فمن أين يدخل في قوله (إنكم وما تعبدون)؟.
أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال إن المشركين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أرأيت من يعبد من دون الله أين هم؟ قال في النار، قالوا الشمس والقمر قال والشمس والقمر قالوا فعيسى ابن مريم؟ قال: قال الله (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل).
الزخرف 43:60
(ولو نشاء لجعلنا منكبم ملائكة في الأرض يخلفون) الخطاب لقريش، أي لو نشاء لأهلكناكم، وجعلنا بدلكم في الأرض ملائكة مكرمين يعمرونها، ويعبدوننا، فهذا تهديد وتخويف لقريش، قال السمين في (من) هذه أقوال أحدها أنها بمعنى بدل أي لجعلنا بدلكم، ومنه قوله تعالى (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي بدلها، والثاني وهو المشهور أنها ابتدائية وتأويل الآية عليه لولدنا منكم يا رجال ملائكة في الأرض يخلفونكم كما تخلفكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى دون ذكر، ذكره الزمخشري، والثالث أنها تبعيضية قال أبو البقاء وقيل المعنى لحولنا بعضكم ملائكة، وقال ابن عطية لجعلنا بدلاً منكم، ومقصود الآية أنا لو نشاء لأسكنّا الملائكة الأرض، وليس في إسكاننا إياهم السماء شرف حتى يعبدوا.
الزخرف 43:61
(وإنه لعلم للساعة) قال مجاهد والضحاك والسدي وقتادة إن المراد المسيح، وأن خروجه أي نزوله مما يعلم به قيام الساعة، أي قربها لكونه شرطاً من أشراطها لأن الله سبحانه ينزله من السماء قبيل قيام الساعة، كما أن خروج الدجال من أعلام الساعة، وقال الحسن وسعيد بن جبير المراد القرآن لأنه يدل على قرب مجيء الساعة، وبه يعلم وقتها وأهوالها وأحوالها، وقيل المعنى أن حدوث المسيح من غير أب وإحياءه للموتى دليل على صحة البعث، وقيل الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم والأول أولى.
قال ابن عباس " أي خروج عيسى ابن مريم عليه السلام قبل يوم القيامة " [[وقد قال به ابن كثير في تفسيره.]]، وأخرجه الحاكم وابن مردويه عنه مرفوعاً، وعن أبي هريرة نحوه أخرجه عبد بن حميد قرأ الجمهور لعلم بصيغة المصدر، جعل المسيح علماً للساعة مبالغة، لما يحصل من العلم بحصولها عند نزوله، وقرأ جماعة من الصحابة بفتح العين واللام، أي خروجه علم من أعلامها، وشرط من شروطها، وقرىء للعلم بلامين مع فتح العين واللام أي للعلامة التي يعرف بها قيام الساعة.
(فلا تمترن بها) أي فلا تشكن في وقوعها، ولا تكذبن بها، فإنها كائنة لا محالة (واتبعون) قرأ الجمهور بحذف الياء وصلاً ووقفاً، وقرىء بإثباتها وصلاً ووقفاً وقرىء بحذفها في الوصل دون الوقف أي اتبعوني فيما آمركم به من التوحيد وبطلان الشرك، وفرائض الله التي فرضها عليكم (هذا) أي الذي آمركم به وأدعوكم إليه (صراط مستقيم) أي طريق قيم، موصل إلى الحق.
وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (62) وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (63) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (64) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (65) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (66) الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (67)
الزخرف 43:62
(ولا يصدنكم الشيطان) أي لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم فيمنعكم ذلك من اتباعي أو من الإيمان بالساعة، فإن الذي دعوتكم إليه هو دين الله الذي اتفق عليه رسله وكتبه، ثم علل نهيهم عن أن يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال: (إنه لكم عدو مبين) أي مظهر لعدواته لكم غير متحاش عن ذلك ولا متكتم به كما يدل على ذلك ما وقع بينه وبين آدم، وما ألزم به نفسه من إغراء جميع بني آدم إلا عباد الله المخلصين.
الزخرف 43:63
(ولما جاء عيسى) إلى بني إسرائيل (بالبينات) أي بالمعجزات الواضحة، والشرائع النيرة، قال قتادة البينات ههنا الإنجيل (قال قد جئتكم بالحكمة) أي النبوة وقيل: الإنجيل، وقيل ما يرغب في الجميل ويكف عن القبيح.
(و) جئتكم (لأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه) من أحكام التوارة، ولم يترك العاطف ليتعلق بما قبله ليؤذن بالاهتمام بالعلة حتى جعلت كأنها كلام برأسه والبعض هو أمر الدين قال قتادة يعني اختلاف الفرق الذين تحزبوا في أمر عيسى، قال الزجاج: الذي جاء به عيسى في الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه فبين لهم في غير الإنجيل ما احتاجوا إليه.
وقيل: إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موت موسى في أشياء من أمر دينهم وقال أبو عبيدة إن بعض هنا بمعنى كل كما في قوله (يصبكم بعض الذي يعدكم) وقال مقاتل هو كقوله (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) يعني ما أحل في الإنجيل مما كان محرماً في التوراة كلحم الإبل والشحم من كل حيوان وصيد السمك يوم السبت ثم أمرهم بالتقوى والطاعة فقال:
(فاتقوا الله) أي اتقوا معاصيه (وأطيعون) فيما آمركم به من التوحيد والشرائع وأبلغه عنه
الزخرف 43:64
(إن الله هو ربي وربكم فاعبدوه) هذا بيان لما أمرهم بأن يطيعوه فيه (هذا) أي عبادة الله وحده والعمل بشرائعه (صراط مستقيم) وهذا تمام كلام عيسى عليه السلام أو استئناف من الله يدل على ما هو المقتضى للطاعة في ذلك.
الزخرف 43:65
(فاختلف الأحزاب من بينهم) قال مجاهد والسدي الأحزاب هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وقال الكلبي ومقاتل هم فرق النصارى اختلفوا في أمر عيسى، قال قتادة المعنى أنهم اختلفوا فيما بينهم، وقيل اختلفوا من بين من بعث إليهم من اليهود والنصارى والأحزاب هي الفرق المتحزبة قيل هم اليعقوبية والنسطورية والملكانية والشمعونية، وهذا مبني على أنه بعث لجميع بني إسرائيل فتحزبوا في أمره، وقيل المراد بالأحزاب الذين تحزبوا على النبي صلى الله عليه وسلم وكذبوه وهم المرادون بقوله:
الزخرف 43:66
(هل ينظرون إلا الساعة) والأول أولى.
(فويل للذين ظلموا) من هؤلاء المختلفين وهم الذين أشركوا بالله ولم يعملوا بشرائعه، وقالوا في عيسى ما كفروا به (من عذاب يوم أليم) أي أليم عذابه وهو يوم القيامة.
(هل ينظرون) أي هل يترقب وينتظر هؤلاء الأحزاب أو الكفار (إلا الساعة أن تأتيهم بغتة) أي فجأة (وهم لا يشعرون) أي لا يفطنون بذلك لاشتغالهم بأمر دنياهم وإنكارهم لها، كقوله تأخذهم وهم يخصمون.
الزخرف 43:67
(الأخلاء) في الدنيا أي المتحابون فيها (يومئذ) أي يوم تأتيهم الساعة (بعضهم لبعض عدو) أي يعادي بعضهم بعضاً لأنه، قد انقطعت بينهم العلائق واشتغل كل واحد منهم بنفسه ووجدوا تلك الأمور التي كانوا فيها أخلاء أسباباً للعذاب، فصاروا أعداء ثم استثنى المتقين فقال (إلا المتقين) فإنهم أخلاء في الدنيا والآخرة، لأنهم وجدوا تلك الخلة التي كانت بينهم من أسباب الخير والثواب فبقيت خلتهم على حالها.
عن علي بن أبي طالب في الآية " قال: خليلان مؤمنان، وخليلان كافران توفي أحد المؤمنين فبشر بالجنة فذكر خليله فقال: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بطاعتك وطاعة رسولك، ويأمرني بالخير وينهاني عن الشر، وينبئني أني ملاقيك، اللهم لا تضله بعدي حتى تريه ما أريتني، وترضى عنه كما رضيت عني فيقال له: اذهب فلو تعلم ما له عندي لضحكت كثيراً ولبكيت قليلاً، ثم يموت الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل واحد منهما لصاحبه: نعم الأخ ونعم الصاحب ونعم الخليل، وإذا مات أحد الكافرين بشر بالنار، فيذكر خليله فيقول: اللهم إن خليلي فلاناً كان يأمرني بمعصيتك ومعصية رسولك، ويأمرني بالشر وينهاني عن الخير، وينبئني أني غير ملاقيك اللهم فلا تهده بعدي حتى تريه مثل ما أريتني وتسخط عليه كما سخطت علي فيموت الآخر فيجمع بين أرواحهما فيقال: ليثن كل واحد منكما على صاحبه فيقول كل لصاحبه. بئس الأخ وبئس الصاحب، وبئس الخليل "، أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وحميد بن زنجويه في ترغيبه وابن جرير والبيهقي وابن مردويه وابن أبي حاتم.
يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (68) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (69) ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (70) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (71)
الزخرف 43:68
(يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون) أي يقال لهؤلاء المتقين المتحابين في الله بهذه المقالة تشريفاً لهم وتطييباً لقلوبهم، فيذهب عند ذلك خوفهم، ويرتفع حزنهم
الزخرف 43:69
(الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين) لله منقادين له مخلصين في أمر الدين.
الزخرف 43:70
(ادخلوا الجنة) أي يقال لهم ذلك، قال مقاتل، إذا وقع الخوف يوم القيامة نادى مناد يا عبادي لا خوف عليكم، فإذا سمعوا النداء رفع الخلائق رؤوسهم فيقال: الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين، فينكس أهل الأوثان رؤوسهم غير المسلمين.
(أنتم وأزواجكم) المراد بها نساؤهم المؤمنات وقيل قرناؤهم من المؤمنين وقيل زوجاتهم من الحور العين (تحبرون) تكرمون أو تنعمون أو تفرحون أو تسرون أو تعجبون أو تلذذون بالسماع، والأولى تفسير ذلك بالفرح والسرور الناشئين عن الكرامة والنعمة، ناداهم بأربعة أمور الأول نفي الخوف، والثاني نفي الحزن، والثالث الأمر بدخول الجنة، والرابع البشارة بالسرور.
الزخرف 43:71
(يطاف عليهم بصحاف من ذهب) جمع صحفة وهي القصعة الواسعة العريضة، قال الكسائي أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة، وهي تشبع عشرة ثم الصحفة، وهي تشبع الخمسة، ثم الميكلة، وهي تشبع الرجلين أو الثلاثة، والمعنى أن لهم في الجنة أطعمة يطاف عليهم بها في صحاف الذهب.
(وأكواب) أي ولهم فيها أشربة يطاف عليهم بها في الأكواب، وهي جمع كوب قال الجوهري الكوب كوز لا عروة له والجمع أكواب، قال قتادة الكوب المدور القصير العنق، القصير العروة، والإبريق المستطيل العنق الطويل العروة، وقال الأخفش الأكواب الأباريق التي لا خراطيم لها، وقال قطرب هي الأباريق التي ليست لها عرى، والعروة ما يمسك منه ويسمى أذناً، قال ابن عباس الأكواب الجرار من الفضة.
(وفيها) أي في الجنة (ما تشتهيه الأنفس) أي أنفس أهل الجنة من فنون الأطعمة والأشربة، والأشياء المعقولة والمسموعة والملموسة ونحوها. مما تتطلبه النفس وتهواه كائناً ما كان، جزاء لهم بما منعوا أنفسهم من الشهوات في الدنيا قرأ الجمهور تشتهي وفي مصحف عبد الله ابن مسعود تشتهيه بإثبات الضمير العائد إلى الموصول.
(وتلذ الأعين) من كل المستلذات التي يستلذ بها ويطلب مشاهدتها، وأعلاها النظر إلى وجهه الكريم، جزاء ما تحملوه من مشاق الاشتياق، تقول لذ الشيء يلذ لذاذاً ولذاذة إذا وجده لذيذاً أو التذ به، وهذا حصر لأنواع النعم، لأنها إما مشتهيات في القلوب أو مستلذات في العيون.
عن عبد الرحمن بن سابط قال: قال رجل " يا رسول الله، هل في الجنة خيل؟ فإني أحب الخيل، قال إن يدخلك الله الجنة فلا تشاء أن تركب فرساً من ياقوتة حمراء فتطير بك في أي الجنة شئت إلا فعلت، وسأله آخر فقال: يا رسول الله هل في الجنة من إبل؟ فإني أحب الإبل قال فلم يقل له ما قال لصاحبه فقال إن يدخلك الله الجنة يكن لك ما اشتهت نفسك ولذت عينك " أخرجه الترمذي (وأنتم فيها خالدون) لا تموتون ولا تخرجون منها.
وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (72) لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (73) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (74) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (75) وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ (76) وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (77) لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (78) أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ (79)
الزخرف 43:72
(وتلك الجنة التي أورثتموها) أي يقال لهم يوم القيامة هذه المقالة أي صارت إليكم كما يصير الميراث إلى الوارث (بما كنتم تعملون) في الدنيا من الأعمال الصالحة، وتلك مبتدأ والجنة صفته والموصول مع صلته صفة للجنة، والخبر بما كنتم الخ، وقيل الخبر الموصول مع صلته، والأول أولى وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشريف، والمخاطب كل واحد من أهل الجنة، فلذلك أفرد الكاف، ولم يقل وتلكم الذي هو مقتضى أورثتموها إيذاناً بأن كل واحد مقصود بذاته.
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ما من أحد إلا وله منزل في الجنة، ومنزل في النار، فالكافر يرث المؤمن منزله من النار، والمؤمن يرث الكافر منزله في الجنة، وذلك قوله وتلك الجنة التي أورثتموها ".
الزخرف 43:73
(لكم فيها) سوى الطعام والشراب (فاكهة كثيرة) أي كثيرة الأنواع والأصناف والفاكهة معروفة وهي الثمار كلها رطبها ويابسها (منها تأكلون) وكل ما يؤكل يخلف بدله ومن تبعيضيه أو ابتدائية، وقدم الجار لأجل الفاصلة، ثم شرع سبحانه في الوعيد بعد ذكر الوعد كما هو دأب القرآن الكريم فقال:
الزخرف 43:74
(إن المجرمين) أي أهل الإجرام الكفرية، كما يدل عليه إيرادهم في مقابلة المؤمنين الذين لهم ما ذكره الله سبحانه قبل هذا (في عذاب جهنم خالدون) لا ينقطع عنهم العذاب أبداً
الزخرف 43:75
(لا يفتر عنهم) أي لا يخفف عنهم ذلك العذاب جملة حالية وكذلك.
(وهم فيه مبلسون) أي آيسون من النجاة وقيل ساكتون سكوت يأس، وقد مضى تحقيق معناه في الأنعام، ولا يشكل على هذا قوله الآتي؛ (ونادوا) الخ لأن تلك أزمنة متطاولة وأحقاب ممتدة، فتختلف بهم الأحوال فيسكتون تارة لغلبة اليأس عليهم، وعلمهم أنه لا فرج ويشتد عليهم العذاب تارة فيستغيثون، وقرأ عبد الله: هم فيها أي في النار لدلالة العذاب عليها.
الزخرف 43:76
(وما ظلمناهم) أي ما عذبناهم بغير ذنب، ولا بزيادة على ما يستحقونه (ولكن كانوا هم الظالمين) لأنفسهم بما فعلوا من الذنوب، قرأ الجمهور الظالمين، بالنصب على أنه خبر كان والضمير ضمير فصل، وقرىء الظالمون بالرفع على أن الضمير مبتدأ، وما بعده خبره، والجملة خبر كان.
الزخرف 43:77
(ونادوا يا مالك) أي نادى المجرمون هذا النداء، والإتيان بالماضي على حد (أتى أمر الله) ومالك هو خازن النار، قرأ الجمهور بغير الترخيم، وقرىء يا مال بالترخيم، قيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ يا مال، فقال ما أشغل أهل النار عن الترخيم (ليقض علينا ربك) بالموت من قضى عليه إذا أماته قال تعالى: (فوكزه موسى فقضى عليه) توسلوا بمالك خازن النار إلى الله سبحانه ليسأله لهم أن يقضي عليهم بالموت ليستريحوا من العذاب، وقال البيضاوي: هو لا ينافي إبلاسهم فإنه جؤار وتمن للموت من فرط الشدة.
(قال إنكم ماكثون) أي مقيمون في العذاب، هانت والله دعوتهم على مالك وعلى رب مالك قيل سكت عن إجابتهم أربعين سنة قاله الخازن والسنة ثلثماثة وستون يوماً واليوم كألف سنة مما تعدون قاله القرطبي وقيل: ثمانين سنة، وقيل مائة سنة وقال ابن عباس يمكث عنهم ألف سنة ثم يجيبهم بهذا الجواب.
الزخرف 43:78
(لقد جئناكم بالحق) يحتمل أن يكون هذا من كلام الله سبحانه أو من كلام مالك والأول أظهر، والمعنى: إنا أرسلنا إليكم الرسل وأنزلنا عليهم الكتب فدعوكم فلم تقبلوا ولم تصدقوا وهو معنى قوله.
(ولكن أكثركم للحق كارهون) أي لا تقبلونه وتنفرون منه، لأن مع الباطل الدعة ومع الحق التعب، قيل معنى أكثركم كلكم وقيل أراد الرؤساء والقادة ومن عداهم أتباع لهم والمراد بالحق كل ما أمر الله به على ألسن رسله وأنزله في كتبه وقيل هو خاص بالقرآن:
الزخرف 43:79
(أَمْ أَبْرَمُوا أَمْرًا فَإِنَّا مُبْرِمُونَ) كلام مستأنف ناع على المشركين ما فعلوا من الكيد برسول الله صلى الله وسلم. وأم هي المنقطعة التي بمعنى بل والهمزة أي بل أبرموا أمراً وفي ذلك انتقال من توبيخ أهل النار وحكاية حالهم إلى حكاية ما يقع من هؤلاء والإبرام الإتقان والإحكام، يقال برمت الشيء أحكمته وأتقنته وأبرم الحبل إذا أحكم فتله.
والمعنى بل أحكموا كيداً للنبي صلى الله عليه وسلم فإنا محكمون لهم كيداً قاله مجاهد وقتادة وابن زيد ومثل هذا قوله: تعالى: (أم يريدون كيداً فالذين كفروا هم المكيدون) وقيل المعنى أم قضوا أمراً فإنا قاضون عليهم أمرنا بالعذاب قاله الكلبي.
أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80) قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81) سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (82) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (83) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (85) وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (86) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (87)
الزخرف 43:80
(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) أي بل أيحسبون أنا لا نسمع ما يسرون في أنفسهم أو ما يتحادثون به سراً في مكان خال، وما يتناجون به فيما بينهم (بلى) نسمع ذلك ونعلم به (ورسلنا لديهم يكتبون) أي الحفظة عندهم يكتبون جميع ما يصدر عنهم من قول أو فعل. عن يحيى بن معاذ قال من ستر من الناس ذنوبه وأبداها لمن لا تخفى عليه خافية فقد جعله أهون الناظرين إليه وهو من أمارات النفاق.
أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال: " بينا ثلاثة بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان وقرشي، فقال واحد منهم: أترون أن الله يسمع كلامنا؟ فقال واحد: إذا جهرتم يسمع، وإذا أسررتم لم يسمع فنزلت هذه الآية ".
ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار قولاً يلزمهم به الحجة، ويقطع ما يوردونه من الشبهة فقال:
الزخرف 43:81
(قل إن كان للرحمن ولد) وصح ذلك ببرهان صحيح، أو إن كان له ولد في قولكم، وعلى زعمكم (فأنا أول العابدين) أي أول من عبد الله وحده لأن من عبد الله وحده فقد دفع أن يكون له ولد، قاله ابن قتيبة وقال الحسن والسدي. إن المعنى ما كان للرحمن ولد، ويكون قوله: فأنا أول العابدين ابتداء كلام.
قال ابن عباس في الآية يقول إن يكن للرحمن ولد (فأنا أول العابدين) أي الشاهدين، وعن زيد بن أسلم قال هذا معروف من كلام العرب إن كان هذا الأمر قط، أي ما كان، وعن قتادة نحوه وقيل: المعنى قل يا محمد: إن ثبت لله ولد، فأنا أول من يعبد هذا الولد الذي تزعمون ثبوته، ولكنه يستحيل أن يكون له ولد. وفيه نفي للولد على أبلغ وجه، وأتم عبارة، وأحسن أسلوب، وهذا هو الظاهر من النظم القرآني، لأن هذا الكلام وارد على سبيل الفرض والمراد نفي الولد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها فكان المعلق بها محالاً مثلها، ومن هذا القبيل قوله تعالى:
(وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) ومثل هذا قول الرجل لمن يناظره إن ثبت ما تقوله بالدليل فأنا أول من يعتقده ويقول به فتكون إن في (إن كان) شرطية ورجح هذا ابن جرير وغيره.
وقيل: معنى العابدين الآنفين من العبادة وهو تكلف لا ملجىء إليه ولكنه قرىء العبدين: بغير ألف؛ من عبد يعبد عبداً بالتحريك إذا أنف وغضب، فهو عبد، والإسم العبدة مثل الأنفة ولعل الحامل على هذه القراءة الشاذة البعيدة لمن قرأها هو استبعاد معنى (فأنا أول العابدين) وليس بمستبعد ولا مستنكر وقد حكى الجوهري عن أبي عمرو في قوله: (فأنا أول العابدين) أنه من الأنف أو الغضب؛ وحكاه الماوردي عن الكسائي والقتيبي وبه قال الفراء، وكذا قال ابن الأعرابي إن معنى العابدين الغضاب الآنفين.
وقال أبو عبيدة: معناه الجاحدين، وحكى عبدني حقي أي جحدني ولا شك أن عبد وأعبد بمعنى أنف أو غضب ثابت في لغة العرب، وكفى بنقل هؤلاء الأئمة حجة ولكن جعل ما في القرآن من هذا من التكلف الذي لا ملجىء إليه ومن التعسف الواضح، وقد رد ابن عرفة ما قالوه فقال: إنما يقال: عبد يعبد فهو عبد، وقل ما يقال: عابد والقرآن لا يأتي بالقليل من البغة ولا الشاذ، قرأ الجمهور ولد بالإفراد وقرىء بضم الواو وسكون اللام.
الزخرف 43:82
(سبحان رب السموات والأرض رب العرش عما يصفون) أي تنزيهاً له وتقديساً عما يقولون من الكذب، بأن له ولداً ويفترون عليه سبحانه ما لا يليق بجنابه، وهذا إن كان من كلام الله سبحانه فقد نزه نفسه الكريمة عما قالوه وإن كان من تمام كلام رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أمره بأن يقوله فقد أمره بأن يضم إلى ما حكاه عنهم بزعمهم الباطل تنزيه ربه وتقديسه.
الزخرف 43:83
(فذرهم يخوضوا ويلعبوا) أي اترك الكفار حيث لم يهتدوا لما هديتهم به ولا أجابوك فيما دعوتهم إليه يخوضوا في أباطيلهم؛ ويلهوا في دنياهم (حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) وهو يوم القيامة، وقيل العذاب في الدنيا: وقيل يوم الموت وهو الأظهر فإن خوضهم ولعبهم إنما ينتهي بيوم الموت، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف وقيل: هو غير منسوخ وإنما أخرج مخرج التهديد، وفيه دليل على أن ما يقولونه من باب الجهل والخوض واللعب، قرأ الجمهور يلاقوا وقرىء يلقوا.
الزخرف 43:84
(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله) الجار والمجرور في الموضعين متعلق بإله لأنه بمعنى معبود، أو مستحق للعبادة والمعنى وهو الذي معبود في السماء ومعبود في الأرض، أو مستحق للعبادة في السماء والعبادة في الأرض وبما تقرر من أن المراد بإله معبود اندفع ما قيل هذا يقتضي تعدد الآلهة لأن النكرة إذا أعيدت نكرة تعددت؛ كقولك: أنت طالق وطالق وإيضاح الاندفاع أن الإله هنا بمعنى المعبود؛ وهو تعالى معبود فيهما والمغايرة إنما هي بين معبوديته في السماء ومعبوديته في الأرض، لأن المعبودية من الأمور الإضافية فيكفي التغاير فيها من أحد الطرفين؛ فإذا كان العابد في السماء غير العابد في الأرض صدق أن معبوديته في السماء غير معبوديته في الأرض، مع أن المعبود واحد، وفيه دلالة على اختصاصه باستحقاق الألوهية، فإن التقديم يدل على الإختصاص أفاده الكرخي. [[زاد المسير 233.]]
قال أبو علي الفارسي وإله في الموضعين مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الذي في السماء هو إله وفي الأرض هو إله وحسن حذفه لطول الكلام قال والمعنى على الإخبار بالإلهية لا على الكون فيهما، قال قتادة يعبد في السماء والأرض وقيل في بمعنى على أي هو القادر على السماء والأرض، كما في قوله (ولأصلبنكم في جذوع النخل).
وقرأ عمر وعلي وابن مسعود: وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله على تضمين العلم معنى المشتق فيتعلق به الجار والمجرور من هذه الحيثية (وهو الحكيم العليم) أي البليغ الحكمة الكثير العلم.
الزخرف 43:85
(وتبارك الذي له ملك السموات والأرض وما بينهما) تبارك تفاعل من البركة؛ وهي كثرة الخيرات والمراد بما بينهما الهواء وما فيه من الحيوانات (وعنده علم الساعة) أي علم الوقت الذي يكون فيه قيامها (وإليه ترجعون) فيجازي كل أحد بما يستحقه من خير وشر، وفيه وعيد شديد، قرأ الجمهور بالفوقية على سبيل الالتفات من الغيبة إلى الخطاب، وقرىء بالتحتية.
الزخرف 43:86
(ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة) أي لا يملك من يدعونه من دون الله من الأصنام ونحوها الشفاعة عند الله كما يزعمون أنهم يشفعون لهم قرأ الجمهور يدعون بالتحتية وقرىء بالفوقية (إلا من شهد بالحق) أي التوحيد.
(وهم يعلمون) أي هم على علم وبصيرة بما شهدوا به، والإستثناء متصل والمعنى إلا من شهد بالحق وهم المسيح وعزير والملائكة فإنهم يملكون الشفاعة لمن يستحقها، وقيل هو منقطع.
والمعنى ليكن من شهد بالحق يشفع فيه هؤلاء، وقيل المستثنى منه محذوف، أي لا يملكون الشفاعة في أحد إلا فيمن شهد بالحق قال سعيد بن جبير وغيره: معنى الآية أنه لا يملك هؤلاء الشفاعة إلا لمن شهد بالحق وآمن على علم وبصيرة قال قتادة: لا يشفعون لعابديها بل يشفعون لمن شهد بالوحدانية، وقيل: مدار الاتصال في هذا الاستثناء على جعل الذين يدعون عاماً لكل ما يعبد من دون الله ومدار الانقطاع على جعله خاصاً بالأصنام.
الزخرف 43:87
(ولئن سألتهم) اللام هي الموطئة للقسم، والمعنى: لئن سألت هؤلاء المشركين العابدين للأصنام (من خلقهم ليقولن الله) جواب القسم وجواب الشرط محذوف على القاعدة أي أقروا واعترفوا بأن خالقهم الله ولا يقدرون على الإنكار، ولا يستطيعون الجحود لظهور الأمر وجلائه.
(فأنى يؤفكون) أي فيكف ينقلبون عن عبادة الله إلى عبادة غيره، وينصرفون عنها مع هذا الاعتراف، فإن المعترف بأن الله خالقه إذا عمد إلى صنم أو حيوان، وعبده مع الله، أو عبده وحده، فقد عبد بعض مخلوقات الله، وفي هذا من الجهل ما لا يقادر قدره يقال: أفكه يأفكه إفكاً إذا قلبه وصرفه عن الشيء، وقيل: المعنى ولئن سألت المسيح وعزيراً والملائكة من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفك هؤلاء الكفار في اتخاذهم لهم آلهة، وقيل المعنى ولئن سألت العابدين والمعبودين جميعاً.
وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (89)
الزخرف 43:88
(وَقِيلِهِ) قرأ الجمهور بالنصب عطفاً على محل الساعة، كأنه قيل إنه يعلم الساعة ويعلم قيله، أو عطفاً على سرهم ونجواهم، أي يعلم سرهم ونجواهم؛ ويعلم قيله أو عطفاً على مفعول يكتبون المحذوف، أي يكتبون ذلك ويكتبون قيله، أو عطفاً على مفعول يعلمون المحذوف، أي يعلمون ذلك ويعلمون قيله، أو هو مصدر أي قال قيله، أو منصوب بإضمار فعل أي الله بعلم قيل رسوله، أو هو معطوف على محل بالحق أي شهد بالحق وبقيله، أو منصوب على حذف حرف القسم، ومن المجوزين للأول المبرد وابن الأنباري، وللثاني الفراء والأخفش، وللنصب على المصدرية أيضاًً الفراء والأخفش.
وقرىء قيله بالجر عطفاً على لفظ الساعة أي (وعنده علم الساعة) وعلم (قيله) والقول والقال والقيل والمقال كلها مصادر بمعنى واحد، جاءت على هذه الأوزان، وقال أبو عبيدة: يقال قلت قولاً وقالاً وقيلاً أو على أن الواو للقسم.
وقرأ قتادة ومجاهد والحسن وأبو قلابة والأعرج بن هرمز ومسلم بن جندب قيله بالرفع عطفاً على علم، أي (وعنده علم الساعة) وعنده (قيله) أو على الابتداء وخبره الجملة المذكورة بعده أو خبره محذوف تقديره وقيله كيت وكيت، أو وقيله مسموع، والضمير في وقيله راجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال قتادة: هذا نبيكم يشكو قومه إلى ربه وقيل عائد إلى المسيح وعلى الوجهين فالمعنى أنه قال منادياً لربه:
(يا رب إن هؤلاء) الذين أرسلتني إليهم (قوم لا يؤمنون) ثم لما نادى ربه بهذا، أجابه بقوله:
الزخرف 43:89
(فاصفح عنهم) أي أعرض عن دعوتهم.
(وقل سلام) أي أمري تسليم منكم، ومتاركة لكم، وقال الفراء إن سلام مرفوع بإضمار عليكم، قال عطاء: يريد مداراة حتى ينزل حكمي، ومعناه المتاركة كقوله (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) فليس في الآية مشروعية السلام على الكفار كما قيل، وقال قتادة أمره بالصفح عنهم، ثم أمره بقتالهم، فصار الصفح منسوخاً بالسيف، وقيل هي محكمة لم تنسخ (فسوف يعلمون) قرأ الجمهور بالتحتية، وقرىء بالفوقية، وفيه تهديد شديد لهم ووعيد عظيم من الله عز وجل وتسلية له صلى الله عليه وسلم.
الدخان 44:1
سورة الدخان
(هي ست أو سبع أو تسع وخمسون آية)
قال القرطبي: هي مكيّة بالاتفاق إلا قوله: (إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا) وبه قال ابن عباس وابن الزبير، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة أصبح يستغفر له سبعون ألف ملك " أخرجه البيهقي في الشعب، ورفعه الثعلبي أيضاً والترمذي، وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن أبي خثعم ضعيف، قال البخاري: منكر الحديث، وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قرأ حم الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفوراً له ". أخرجه البيهقي وابن مردويه ومحمد بن نصر والترمذي وقال غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهشام بن مقدام يضعف، والحسن لم يسمع من أبي هريرة، كذا قال أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد.
ويشهد له طرق أخرى منها ما أخرجه الدارمي ومحمد بن نصر عن أبي رافع قال: " من قرأ الدخان في ليلة الجمعة أصبح مغفوراً له، وزوج من الحور العين "، وأخرج ابن مردويه عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من قرأ سورة حم الدخان في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة بنى الله له بيتاً في الجنة "، قال الشهاب: في سورة الواقعة، ولم يذكر البيضاوي في فضائل السورة حديثاًَ غير موضوع من أول القرآن إلى هنا غير ما هنا، وما مر في سورة يس والدخان.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (6) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (7) لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (8)
(بسم الله الرحمن الرحيم
حم) قد تقدم قبل هذه السورة الكلام على هذا والله أعلم بمراده به
الدخان 44:2
(والكتاب) الواو للقسم والكتاب القرآن (المبين) أي المشتمل على بيان ما للناس حاجة إليه في دينهم ودنياهم.
الدخان 44:3
(إنا أنزلناه) جواب القسم، وقد أنكر بعض النحاة أن تكون هذه الجملة جواباً للقسم، لأنها صفة للمقسم به، ولا تكون صافة المقسم به جواباً للقسم، وقال: الجواب:
(إنا كنا منذرين) واختاره ابن عطية، وقال أيضاًً وجملة إنا أنزلناه اعتراض متضمن لتفخيم الكتاب، ورجح الأول بالسبق، وبكونه من البدائع، وبسلامته من الفك اللازم لما اختاره ابن عطية، وقيل: إن قوله إنا كنا الخ جواب ثان أو جملة مستأنفة مقررة للإنزال، وفي حكم العلة له كأنه قال: إنا أنزلناه لأن من شأننا الإنذار. والضمير في أنزلناه راجع إلى الكتاب وهو القرآن، واقتصر على ذلك البيضاوي، وتبعه الجلال المحلي.
وعلى هذا فقد أقسم بالقرآن أنه أنزل القرآن، وهذا النوع من الكلام يدل على غاية تعظيم القرآن، فقد يقول الرجل إذا أراد تعظيم الرجل له إليه حاجة: أتشفع بك إليك، وأقسم بحقك عليك.
وجاء في الحديث: " أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا أحصي ثناء عليك ". وقيل: المراد بالكتاب سائر الكتب المنزلة، والضمير راجع إلى القرآن على معنى أنه سبحانه أقسم بسائر الكتب المنزلة أنه أنزل القرآن والأول أولى، واستدلوا بهذه الآية على حدوث القرآن بوجوه لا دلالة لها عليه.
(في ليلة مباركة) أي ليلة القدر، كما في قوله (إنا أنزلناه في ليلة القدر) ولها أربعة أسماء هي، وليلة البراءة، وليلة الصك، وليلة الرحمة. قال عكرمة وطائفة الليلة المباركة هنا ليلة النصف من شعبان، وقال النووي في باب صوم التطوع من شرح مسلم إنه خطأ، والصواب وبه قال العلماء إنها ليلة القدر، وقيل بينها وبين ليلة القدر أربعون ليلة.
والجمهور وأكثر المفسرين على الأول وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان، وقال قتادة أنزل القرآن كله في ليلة القدر من أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في سماء الدنيا ثم أنزل الله سبحانه على نبيه صلى الله عليه وسلم في الليالي والأيام في ثلاث وعشرين سنة في أنواع الوقائع حالاً فحالاً، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا في سورة البقرة، عند قوله:
(شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وذكر سليمان الجمل أدلة القولين، وبسط فيها لا نطول بذكرها هنا.
وقال مقاتل كان ينزل من اللوح المحفوظ كل ليلة قدر من الوحي على مقدار ما ينزل به جبريل في السنة إلى مثلها من العام، وقيل ابتداء نزوله في ليلة القدر، ووصف الله سبحانه هذه الليلة بأنها مباركة لنزول القرآن فيها وهو مشتمل على مصالح الدين والدنيا، ولكونها تتنزل فيها الملائكة والروح كما سيأتي في سورة القدر إن شاء الله تعالى.
قال ابن عباس " أنزل القرآن في ليلة القدر، ونزل به جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوماً لجواب الناس "، وقيل المباركة الكثيرة الخير، لما ينزل فيها من الخير والبركة، ويستجاب من الدعاء، ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة.
(إنا كنا منذرين) أي مخوفين عقابنا مستأنف أو جواب ثان بغير عاطف، ومن جملة بركتها ما ذكره الله سبحانه ههنا بقوله:
الدخان 44:4
(فيها يفرق كل أمر حكيم) أي يفصل ويبين من قولهم فرقت الشيء أفرقه فرقاً، والأمر الحكيم المحكم المبرم الذي لا يحصل فيه تغيير ولا نقض، وذلك أن الله سبحانه يكتب فيها ما يكون في السنة من حياة وموت، وبسط وقبض، وخير وشر، ورزق وأجل، ونصر وهزيمة، وخصب وقحط، وغير ذلك من أقسام الحوادث وجزئياتها في أوقاتها وأماكنها، ويبين ذلك للملائكة من تلك الليلة إلى مثلها من العام المقبل فيجدونه سواء، فيزدادون بذلك إيماناً، كذا قال مجاهد وقتادة والحسن وغيرهم.
وقيل: معنى حكيم أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي، لأن الحكيم صاحب الأمر على الحقيقة، ووصف به الأمر مجازاً، وهذه الجملة إما صفة أخرى لليلة وما بينهما اعتراض أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، قرأ الجمهور يفرق بضم الياء وفتح الراء مخففاً، وقرىء بفتح الياء وضم الراء، ونصب كل أمر ورفع حكيم على أنه الفاعل.
والحق ما ذهب إليه الجمهور من أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر لا ليلة النصف من شعبان لأن الله سبحانه أجملها هنا وبينها في سورة البقرة بقوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) وبقوله في سورة القدر (إنا أنزلناه في ليلة القدر) فلم يبق بعد هذا البيان الواضح ما يوجب الخلاف، ولا ما يقتضي الاشتباه.
قال ابن عباس في الآية " يكتب من أم الكتاب في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق وموت وحياة ومطر، حتى يكتب الحاج يحج فلان ويحج فلان " وقال ابن عمر: " أمر السنة إلى السنة إلا الشقاوة والسعادة، فإنه في كتاب الله لا يبدل ولا يغير " أخرجه ابن أبي حاتم، وأخرج عبد بن حميد وغيره عنه أنه قال: " إنك لترى الرجل يمشي في الأسواق وقد وقع اسمه في الموتى، ففي تلك الليلة يفرق أمر الدنيا إلى مثلها من قابل من موت أو حياة أو رزق كل أمر الدنيا يفرق تلك الليلة إلى مثلها "، وأخرج ابن زنجويه والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقطع الآجال من شعبان إلى شعبان حتى إن الرجل لينكح ويولد له قد خرج اسمه في الموتى " وأخرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير عن عثمان بن محمد، وهذا مرسل لا تقوم به الحجة، ولا يعارض بمثله صرائح القرآن، وما روي في هذا فهو إما مرسل أو غير صحيح، وقد أورد ذلك صاحب الدر المنثور، وأورد ما ورد في فضل ليلة النصف من شعبان، وذلك لا يستلزم أنها المراد بقوله في ليلة مباركة [[زاد المسير 337.]].
وانتصاب قوله
الدخان 44:5
(أمراً من عندنا) بيفرق أي يفرق فرقاً لأن أمراً بمعنى فرقاً، قاله الزجاج والفراء، والمعنى أنا نأمر ببيان ذلك ونسخه من اللوح المحفوظ، فهو على هذا منتصب على المصدرية، مثل قولك يضرب ضرباً، قال المبرد أمراً في موضع المصدر، والتقدير أنزلناه إنزالاً، وقال الأخفش انتصابه على الحال، أي آمرين، وقيل على الاختصاص أعني بهذا الأمر أمراً حاصلاً من عندنا، وفيه تفخيم لشأن القرآن وتعظيم له. وقد ذكر بعض أهل العلم في انتصاب أمراً أثني عشر وجهاً أظهرها ما ذكرناه، وقرأ زيد بن عليّ بالرفع أي هو أمر.
(إنا كنا مرسلين) الرسل محمداً ومن قبله قال الرازي المعنى إنا فعلنا ذلك الإنذار لأجل أنا كنا مرسلين للأنبياء، ومثله قال ابن الخطيب، وانتصاب
الدخان 44:6
(رحمة) على العلة أي أنزلناه للرحمة، قاله الزجاج وقال المبرد: إنها منتصبة على أنها مفعول لمرسلين، أي إنا كنا مرسلين رحمة، وقيل: هي مصدر في موضع الحال أي راحمين قاله الأخفش وقيل: إنها مصدر منصوب بفعل مقدر، أي رحمنا رحمة، وقيل: إنها حال من ضمير مرسلين أي ذوي رحمة، وقرأ الحسن بالرفع أي هي رحمة ورأفة بالمرسل إليهم.
(من ربك) متعلق بالرحمة أو صفة لمحذوف، وفيه التفات من التكلم إلى الغيبة، ولو جرى على منوال ما تقدم لقال: من ربنا، والمعنى رأفة مني بخلقي ونعمة عليهم بما بعثت إليهم من الرسل (إنه هو السميع) لمن دعاه (العليم) بكل شيء ثم وصف سبحانه نفسه بما يدل على عظيم قدرته الباهرة فقال:
الدخان 44:7
(رب السموات والأرض وما بينهما) قرأ الجمهور رب بالرفع على أنه عطف بيان على السميع العليم أو على أنه مبتدأ وخبره قوله الآتي
الدخان 44:8
(لا إله إلا هو) أو على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي هو رب وقرأ الكوفيون بالجر على أنه بدل من ربك أو بيان له أو نعت (إن كنتم موقنين) بأنه رب السموات والأرض وما بينهما، وقد أقروا بذلك كما حكاه الله عنهم في غير موضع فأيقنوا بأن محمداً رسوله.
(لا إله إلا هو) مستأنفة مقررة لما قبلها أو خبر رب السموات كما مر وكذلك جملة (يحيي ويميت) فإنها مستأنفة مقررة لما قبلها (ربكم ورب آبائكم الأولين) قرأ الجمهور بالرفع على الاستئناف بتقدير مبتدأ أي هو ربكم أو على أنه بدل من رب السموات أو بيان أو نعت له وقرأ الكسائي في رواية الشيرازي عنه وغيره بالجر ووجه الجر ما ذكرناه في قراءة من قرأ بالجر في رب السموات، وقرأ الأنطاكي بالنصب على المدح.
بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ (9) فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (10) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (11) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (12) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (13) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (14) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (15) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (16) وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (17)
الدخان 44:9
(بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ) أضرب عن كونهم موقنين إلى كونهم في شك من التوحيد والبعث وفي إقرارهم بأن الله خالقهم وخالق سائر المخلوقات، وإنما يقولونه تقليداً لآبائهم من غير علم وأن ذلك منهم على طريقة اللعب والهزء في دينهم بما يعن لهم من غير حجة، ومحل يلعبون الرفع على أنه خبر ثان أو النصب على الحال
الدخان 44:10
(فارتقب) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لأن كونهم في شك ولعب، يقتقي ذلك والمعنى فانتظر لهم يا محمد.
(يوم تأتي السماء بدخان مبين) وقيل المعنى احفظ قولهم هذا لتشهد عليهم يوم تأتي السماء الخ وقد اختلف في هذا الدخان المذكور في الآية متى يأتي فقيل إنه من أشراط الساعة، وإنه يمكث في الأرض أربعين يوماً.
وقد ثبت في الصحيح أنه من جملة العشر الآيات التي تكون قبل قيام الساعة وقيل إنه أمر قد مضى، " وهو ما أصاب قريشاً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان الرجل يرى بين السماء والأرض دخاناً " وهذا ثابت في الصحيحين وغيرهما وبه قال الفراء والزجاج، وقيل إنه يوم فتح مكة.
وقال ابن قتيبة: فيه وجهان، الأول: أنه في سنة القحط يعظم يبس الأرض بسبب انقطاع المطر ويرتفع الغبار الكثير، ويظلم الهواء وذلك يشبه الدخان، ويقولون كان بيننا أمر ارتفع له دخان، ولهذا يقال للسنة المجدبة: الغبراء (الثاني): أن العرب يسمون الشيء الغالب بالدخان، والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد خوفه أو ضعفه اظلمت عيناه، ويرى الدنيا كالمملوءة من الدخان.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود " أن قريشاً لما استعصت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطأوا عن الإسلام قال: اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجوع فأنزل الله هذه الآية فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقيل يا رسول الله استسق الله المطر فاستسقى لهم فسقوا فأنزل الله (إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون) فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله (يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) فانتقم الله منهم يوم بدر فقد مضى البطشة والدخان واللزام "، وقد روي عن ابن مسعود نحو هذا من غير وجه وروي نحوه عن جماعة من التابعين كمقاتل ومجاهد وعن أبي مليكة قال دخلت على ابن عباس فقال: " لم أنم هذه الليلة فقلت لم؟ قال طلع الكوكب فخشيت أن يطرق الدخان " [[الطبري 25/ 113.]] قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح وكذا صححه السيوطي ولكن ليس فيه أنه سبب نزول الآية [[ذكره البخاري بألفاظ مختلفة 8/ 394 - 420 - 440 ورواه مسلم أيضاًً.]].
وقد عرفناك أنه لا منافاة بين كون هذه الآية نازلة في الدخان الذي كان يتراءى لقريش من الجوع، وبين كون الدخان من آيات الساعة وعلاماتها وأشراطها، فقد وردت أحاديث صحاح وحسان وضعاف بذلك. وليس فيها أنه سبب نزول الآية فلا حاجة بنا إلى التطويل بذكرها.
والواجب التمسك بما ثبت في الصحيحين وغيرهما أن دخان قريش عند الجهد والجوع هو سبب النزول، وبهذا تعرف اندفاع ترجيح من رجح أنه الدخان الذي من أشراط الساعة كابن كثير في تفسيره وغيره في غيره، وهكذا يندفع قول من قال: إنه الدخان الكائن يوم فتح مكة متمسكاً بما أخرجه ابن سعد عن أبي هريرة قال: " كان يوم فتح مكة دخان، وهو قول الله فارتقب الخ " فإن هذا لا يعارض ما في الصحيحين على تقدير صحة إسناده مع احتمال أن يكون أبو هريرة رضي الله تعالى عنه ظن من وقوع ذلك الدخان يوم الفتح أنه المراد بالآية، ولهذا لم يصرح بأنه سبب نزولها.
الدخان 44:11
(يغشى الناس) صفة ثانية للدخان أي يشملهم ويحيط بهم (هذا عذاب أليم) أي يقولون هذا أو قائلين ذلك أو يقول الله لهم ذلك
الدخان 44:12
(ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون) أي يقولون ذلك " وقد روي أنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إن كشف الله عنا العذاب أسلمنا " والمراد بالعذاب الجوع الذي كان بسببه ما يرونه من الدخان أو يقولونه إذا رأوا الدخان الذي هو من آيات الساعة أو إذا رأوه يوم فتح مكة على اختلاف الأقوال.
والراجح منها أنه الدخان الذي كانوا يتخيلونه مما نزل بهم من الجوع وشد الجهد، ولا ينافي ترجيح هذا ما ورد أن الدخان من آيات الساعة، فإن ذلك دخان آخر، ولا ينافيه أيضاًً ما قيل إنه الذي كان يوم فتح مكة، فإنه دخان آخر على فرض صحة وقوعه.
الدخان 44:13
(أنى لهم الذكرى) أي كيف يتذكرون ويتعظون بما نزل بهم (و) الحال أنه (قد جاءهم رسول مبين) يبين لهم كل شيء يحتاجون إليه من أمر الدنيا والدين
الدخان 44:14
(ثم تولوا عنه) أي أعرضوا عن ذلك الرسول الذي جاءهم ولم يكتفوا بمجرد الإعراض عنه بل جاوزوه.
(وقالوا معلم مجنون) أي قالوا في حقه تارة إنما يعلمه القرآن بشر، وتارة أخرى إنه مجنون، أو قال بعضهم هذا وبعضهم ذلك فيكف يتذكر هؤلاء وأنى لهم الذكرى؟ ثم لما دعوا الله بأن يكشف عنهم العذاب، وأنه إذا كشفه عنهم آمنوا أجاب الله سبحانه عليهم بقوله:
الدخان 44:15
(إنا كاشفو العذاب قليلاً) أي إنا نكشفه عنهم كشفاً قليلاً أو زماناً قليلاً وهذا جواب بطريق الالتفات لمزيد التهديد والتوبيخ، وما بينهما اعتراض أي إلى يوم بدر أو إلى ما بقي من أعمارهم، ثم أخبر سبحانه عنهم أنهم لا ينزجرون عما كانوا عليه من الشرك ولا يفون بما وعدوا به من الإيمان فقال:
(إنكم عائدون) إلى ما كنتم عليه من الشرك، وقد كان الأمر هكذا فإن الله سبحانه لما كشف عنهم العذاب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر والعناد، وقيل المعنى إنكم عائدون إلينا بالبعث والنشور والأول أولى.
الدخان 44:16
(يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون) قرأ الجمهور نبطش بفتح النون وكسر الطاء أي نبطش بهم وقرىء بضم الطاء وهي لغة وقرىء بضم النون وكسر الطاء والظرف منصوب بإضمار اذكر، وقيل بدل من (يوم تأتي السماء) وقيل هو متعلق بـ (منتقمون)، وقيل بما دل عليه منتقمون، وهو منتقم والبطشة الكبرى هي يوم بدر، قاله الأكثر.
والمعنى أنهم لما عادوا إلى التكذيب والكفر بعد رفع العذاب عنهم انتقم الله منهم بوقعة بدر. وقال الحسن وعكرمة والمراد بها عذاب النار يوم القيامة، واختار هذا الزجاج، والأول أولى.
وعن ابن عباس أنه قال: قال ابن مسعود: البطشة الكبرى يوم بدر وأنا أقول هي يوم القيامة، قال ابن كثير وهذا إسناد صحيح، وقال ابن الخطيب هذا القول أصح لأن يوم بدر لا يبلغ هذا المبلغ الذي يوصف بهذا الوصف العظيم، وأن الانتقام التام إنما يحصل يوم القيامة، لقوله تعالى:
(اليوم تجزى كل نفس بما كسبت) وقال ابن كثير قبل هذا فسر ذلك ابن مسعود بيوم بدر، وهذا قول جماعة ممن وافق ابن مسعود على تفسيره الدخان بما تقدم، وروي أيضاًً عن ابن عباس من رواية العوفي عنه، وعن أبيّ بن كعب وجماعة وهو محتمل والظاهر أن ذلك يوم القيامة، وإن كان يوم بدر يوم بطشة كبرى أيضاًً انتهى.
قال الشوكاني: بل الظاهر أنه يوم بدر، وإن كان يوم القيامة بطشة أكبر من كل بطشة، فإن السياق مع قريش، فتفسيره بالبطشة الخاصة لهم أولى من تفسيره بالبطشة التي تكون يوم القيامة لكل عاص من الإنس والجن انتهى.
الدخان 44:17
(ولقد فتنا) وقرىء فتنا بالتشديد على المبالغة أو التكثير لكثرة متعلقة أي ابتلينا (قبلهم) أي قبل هؤلاء العرب، ليكون ما مضى من خبرهم عبرة لهم (قوم فرعودن) معه ومعنى الفتنة هنا أن الله سبحانه أرسل إليهم رسله وأمرهم بما شرعه لهم، فكذبوهم، أو وسع عليهم الأرزاق فطغوا وبغوا، قال الزجاج: بلوناهم أي امتحناهم، وفعلنا بهم فعل الممتحن، والمعنى عاملناهم معاملة المختبر ببعث الرسل إليهم، والتمكين في الأرض.
(وجاءهم رسول كريم) على الله، كريم في قومه أي كريم في نفسه حسيب نسيب، لأن الله لم يبعث نبياً إلا من سراة قومه وكرامهم، وقال مقاتل: حسن الخلق بالتجاوز والصفح، وقال الفراء كريم على ربه إذ اختصه بالنبوة وإسماع الكلام، قال ابن عباس: هو موسى.
أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (18) وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (19) وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (20) وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (21) فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (22) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24) كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (28)
الدخان 44:18
(أن أدوا) أن هذه هي المفسرة لتقدم ما هو بمعنى القول، أو مخففة من الثقيلة، والمعنى أن الشأن والحديث أدوا (إليَّ عباد الله) أو مصدرية أي بأن أدوا، والمعنى أنه طلب منهم أن يسلموا إليه بني إسرائيل الذين كان فرعون استعبدهم، فأداؤهم استعارة بمعنى إطلاقهم وإرسالهم معه.
قال مجاهد: المعنى أرسلوا معي عباد الله وأطلقوهم من العذاب، فعباد الله على هذا مفعول به، كقوله في سورة طه: (فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم) وقيل: المعنى أدوا إلى عباد الله ما وجب عليكم من حقوق الله فيكون منصوباً على أنه منادى مضاف، وقيل: أدوا إلى سمعكم حتى أبلغكم رسالة ربي وقال ابن عباس: اتبعوني إلى ما أدعوكم إليه من الحق (إني لكم رسول) من الله (أمين) على الرسالة غير متهم وهذا تعليل للأمر.
الدخان 44:19
(وأن لا تعلوا على الله) أي لا تتجبروا ولا تتكبروا عليه بترفعكم عن طاعته ومتابعة رسله وإهانة وحيه وهذا أوضح، وقيل: لا تبغوا على الله وقيل: لا تفتروا عليه، قاله ابن عباس، والأول أولى، والفرق بين البغي والافتراء أن البغي بالفعل والافتراء بالقول، وقال ابن عباس أيضاً لا تعثوا، وقال ابن جريج لا تتعظموا، وقال يحيى بن سلام لا تستكبروا والفرق بينهما أن التعاظم تطاول المقتدر، والاستكبار ترفع المحتقر، أفاده الماوردي.
وجملة (إني آتيكم) تعليل لما قبلها من النهي قرأ الجمهور بكسر همزة إني وقرىء بالفتح بتقدير اللام (بسلطان مبين) أي بحجة بينة واضحة يعترف بصحتها كل عاقل، ولا سبيل إلى إنكارها، وقال قتادة وابن عباس بعذر بين، والأول أولى، وبه قال يحيى بن سلام.
الدخان 44:20
(وإني عذت بربي وربكم) من (أن ترجمون) استعاذ بالله سبحانه لما توعدوه بالقتل، قال قتادة ترجموني بالحجارة، وبه قال ابن عباس، وقيل تشتموني، كذا قال ابن عباس أيضاً، وقيل تقتلوني
الدخان 44:21
(وإن لم تؤمنوا لي) أي إن لم تصدقوا لي وتقروا بنبوتي، ولم تؤمنوا بالله لأجل برهاني، فاللام في لي لام الأجل، وقيل أي وإن لم تؤمنوا بي. كقوله (فآمن له لوط) أي به.
(فاعتزلون) أي فاتركوني ولا تتعرضوا لي بأذى، قال مقاتل دعوني كفافاً لا علي ولا لي وقيل كونوا بمعزل عني، وأنا بمعزل منكم إلى أن يحكم الله بيننا وقيل فخلوا سبيلي قاله ابن عباس، والمعنى متقارب، ثم لما لم يصدقوه ولم يجيبوا دعوته رجع إلى ربه بالدعاء كما حكى الله عنه بقوله:
الدخان 44:22
(فدعا ربه إن هؤلاء قوم مجرمون) أي كافرون قرأ الجمهور بفتح الهمزة على إضمار حرف الجر أي دعاه بأن هؤلاء وقرىء بكسرها على إضمار القول، وفي الكلام حذف أي لكفروا فدعا ربه، وسماه دعاء مع أنه لم يذكر إلا مجرد كونهم مجرمين لأنهم قد استحقوا بذلك الدعاء عليهم، وقيل كان دعاؤه اللهم عجل لهم ما يستحقونه باجرامهم، وقيل: هو قوله: (ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين) والأول أولى.
الدخان 44:23
(فأسر بعبادي ليلاً) أجاب الله سبحانه دعاءه، فأمره أن يسري ببني إسرائيل ليلاً، يقال: سرى وأسرى لغتان جيدتان، قرأ الجمهور فأسر بالقطع من أسرى، وقرأ أهل الحجاز بالوصل من سرى، وهما سبعيتان، والجملة بتقدير القول أي فقال الله لموسى أسر بعبادي ليلاً (إنكم متبعون) أي يتبعكم فرعون وجنوده، وقد تقدم في غير موضع خروج فرعون بعدهم.
الدخان 44:24
(واترك البحر رهواً) أي ساكناً، يقال: رها يرهو رهواً إذا سكن لا يتحرك قال الجوهري: يقال افعل ذلك رهواً أي ساكناً على هيئتك وعيش راه أي ساكن، ورها البحر سكن، وقال الهروي وغيره: وهو المعروف في اللغة، والمعنى اترك البحر ساكناً على صفته بعد أن ضربته بعصاك، ولا تأمره أن يرجع كما كان ليدخله آل فرعون بعدك وبعد بني إسرائيل، فينطبق عليهم فيغرقون.
وقال أبو عبيدة: رها بين رجليه يرهو رهواً أي فتح، قال: ومنه قوله (واترك البحر رهواً) والمعنى اتركه منفرجاً، كما كان بعد دخولكم فيه، وكذا قال أبو عبيدة، وبه قال مجاهد وغيره قال ابن عرفة وهما يرجعان إلى معنى واحد، وإن اختلف لفظاهما لأن البحر إذا سكن جريه انفرج قال الهروي ويجوز أن يكون رهواً نعتاً لموسى، أي سر ساكناً على هيئتك، وقال كعب والحسن: رهواً طريقاً، وقال الضحاك والربيع: سهلاً، وقال عكرمة يبساً كقوله (فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً) وعلى كل تقدير فالمعنى اتركه ذا رهو أو اتركه رهواً على المبالغة في الوصف بالمصدر وقال ابن عباس: رهواً سمتاً وعنه قال كهيئة وأمضِ وعنه أيضاًً قال الرهو أن يترك كما كان.
(إنهم) أي إن فرعون وجنده بعد خروجكم (جند مغرقون) أي متمكنون في هذا الوصف، وإن كان لهم وصف القوة والتجمع الذي شأنه النجدة الموجبة للعلو في الأمور أخبر سبحانه موسى بذلك ليسكن قلبه ويطمئن جأشه، قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف لقصد الإخبار بذلك وقرىء بالفتح على تقدير لأنهم.
الدخان 44:25
(كم تركوا) كم هي الخبرية المفيدة للتكثير، وقد مضى الكلام في معنى الآية في سورة الشعراء، والتقدير فأغرقوا، وكم مفعول به أي تركوا أموراً كثيرة وقد بينها بقوله: (من جنات) أي بساتين (وعيون) تجري
الدخان 44:26
(وزروع ومقام كريم) قرأ الجمهور مقام بفتح الميم على أنه اسم مكان للقيام وقرىء بضمها اسم مكان الإقامة قال ابن عباس ومقام كريم المنابر، وعن جابر مثله، وقيل: هو ما كان لهم من المنازل الحسنة، والمجالس الشريفة والمحافل المزينة.
الدخان 44:27
(ونعمة كانوا فيها فاكهين) النعمة بالفتح التنعم ونضارة العيش ولذاذته يقال نعمه الله وناعمه فتنعم، وبالكسر المنة وما أنعم به عليك وفلان واسع النعمة أي واسع المال، ذكر معنى هذا الجوهري، وقال المحلي: نعمة أي متعة أي أمور يتمتعون وينتفعون بها، كالملابس والمراكب قرأ الجمهور فاكهين بالألف، وقرىء بغير ألف والمعنى على الأولى متنعمين طيبة أنفسهم وعلى الثانية أشرين بطرين. قال الجوهري: فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحاً، والفكه أيضاًً الأشر البطر، قال وفاكهين أي ناعمين وقال الثعلبي هما لغتان كالحاذر والحذر، والفاره والفره وقيل: إن الفاكه هو المستمتع بأنواع اللذة كما يتمتع الرجل بأنواع الفاكهة.
الدخان 44:28
(كذلك) أي الأمر كذلك يجوز أن تكون في محل نصب، والإشارة إلى مصدر فعل يدل عليه تركوا، أي مثل ذلك السلب سلبناهم إياها، وقيل مثل ذلك الإخراج أخرجناهم منها. وقيل مثل ذلك الإهلاك أهلكناهم، فعلى الوجه الأول يكون قوله (وأورثناها) معطوفاً على تركوا وعلى الوجوه الآخرة يكون معطوفاً على الفعل المقدر (قوماً آخرين) المراد بهم بنو إسرائيل، فإن الله سبحانه ملكهم مصر، بعد أن كانوا مستعبدين فصاروا لها وارثين أي أنها وصلت إليهم كما يصل الميراث إلى الوارث، ومثل هذا قوله (وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها) وهذا قول الحسن، وقيل: إنهم لم يرجعوا إلى مصر، والقوم الآخرون غير بني إسرائيل وهو قول ضعيف جداً قاله الكرخي.
فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (29) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (30) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (31) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (32) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الْآيَاتِ مَا فِيهِ بَلَاءٌ مُبِينٌ (33)
الدخان 44:29
(فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ) هذا بيان لعدم الأكتراث بهلاكهم والاعتداد بوجودهم، كقولك: بكت عليهم السماء وكسفت لمهلكهم الشمس في نقيض ذلك فالبكاء مجاز مرسل ومع ذلك لا بد من جعل الآية استعارة بالكناية، والمعنى أنه لم يصب بفقدهم وهلاكهم أحد من أهل السماء ولا من أهل الأرض، وكانت العرب تقول عند موت السيد منهم: بكت له السماء والأرض، أي عمت مصيبته، وقال الحسن في الكلام مضاف محذوف أي فما بكى عليهم أهل السماء والأرض من الملائكة والناس، وقال الزمخشري ذكر هذا على سبيل السخرية بهم يعني أنهم كانوا يستعظمون أنفسهم ويعتقدون أنهم لو ماتوا لبكت عليهم السماء والأرض، ولم يكونوا بهذا الحد بل كانوا دون ذلك فذكر هذا تهكماً بهم.
وقال مجاهد إن السماء والأرض تبكيان على المؤمن أربعين صباحاً، وقيل تبكي على المؤمن مواضع صلاته ومصاعد عمله، وعلى هذا إنه بكاء كالمعروف من بكاء الحيوان، وفي معنى الآية وجهان، والثاني أظهر وأوفق بالأحاديث ونظم القرآن قال السدي: لما قتل الحسين رضي الله عنه بكت عليه السماء وبكاؤها حمرتها.
وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من عبد إلا وله بابان باب يصعد منه عمله، وباب ينزل منه رزقه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه، وتلا هذه الآية فما بكت " [[الترمذي 2/ 158.]] الخ وذكر أنهم لم يكونوا يعملون على الأرض عملاً صالحاً تبكي عليهم، ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم، ولا من عملهم، كلام صالح فيفتقدهم، فيبكي عليهم، " [[السيوطي في الدر 6/ 31.]] أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية والخطيب.
وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في الشعب نحوه من قول ابن عباس، وعنه قال: " يقال: الأرض تبكي على المؤمن أربعين صباحاً " وعن شريح بن عبيد الحضرمي مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الإسلام بدأ غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ألا لا غربة على مؤمن ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ثم قال إنهما لا تبكيان على كافر " أخرجه ابن جرير وابن أبي الدنيا.
وعن علي رضي الله تعالى عنه " إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه ومصعد عمله من السماء، ثم تلا هذه الآية " (وما كانوا منظرين) أي مؤخرين للتوبة وممهلين إلى وقت آخر. بل عوجلوا بالعقوبة لفرط كفرهم وشدة عنادهم.
الدخان 44:30
(ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين) أي خلصناهم بإهلاك
عدوهم مما كانوا فيه من الاستعباد، وقتل الأبناء واستيحاء النساء وتكليفهم للأعمال الشاقة
الدخان 44:31
(من فرعون) بدل من العذاب إما على حذف مضاف أي من عذابه، وإما على المبالغة كأنه نفس العذاب، فأبدل منه أو على أنه حال من العذاب، أي صادراً من فرعون، وقرأ ابن عباس من فرعون؟ بفتح الميم على الاستفهام التحقيري، كما يقال لمن افتخر بحسبه أو نسبه: من أنت؟ والأول أولى.
ثم بين سبحانه فقال (إنه كان عالياً) في التكبر والتجبر (من المسرفين) في الكفر بالله، وارتكاب معاصيه، كما في قوله (إن فرعون علا في الأرض) ومن إسرافه أنه كان على حقارته وخسته ادعى الإلهية، ولما بين سبحانه كيفية دفعه للضرر عن بني إسرائيل بين ما أكرمهم به فقال:
الدخان 44:32
(ولقد اخترناهم) أي مؤمني بني إسرائيل (على) أي مع (علم) منا بحالهم، وهي كونهم أحقاء بأن يختاروا، أو كونهم يزيغون وتحصل منهم الفرطات في بعض الأحوال (على العالمين) أي على عالمي زمانهم على علم منه سبحانه باستحقاقهم لذلك، وليس المراد أنه اختارهم على جميع العالمين، بدليل قوله في هذه الأمة (كنتم خير أمة أخرجت للناس) وقيل على كل العالمين لكثرة الأنبياء فيهم، وهذا خاصة لهم، وليس لغيرهم، حكاه ابن عيسى والزمخشري وغيرهما والأول أولى، وقيل: يرجع هذا الاختيار إلى تخلصيهم من الغرق، وإيراثهم الأرض بعد فرعون.
الدخان 44:33
(وآتيناهم من الآيات) أي معجزات موسى (ما فيه بلاء مبين) أي اختبار ظاهر، وامتحان واضح لننظر كيف يعلمون؟ وقال قتادة: الآيات إنجاؤهم من الغرق، وفلق البحر لهم، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى لهم، وقال ابن زيد الآيات هي الشر الذي كفهم عنه، والخير الذي أمرهم به، وقال الحسن وقتادة البلاء المبين النعمة الظاهرة، كما في قوله (وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً) (ونبلوكم بالشر والخير فتنة).
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (35) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (36) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (37) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40) يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (41)
الدخان 44:34
(إِنَّ هَؤُلَاءِ) أي كفار قريش، لأن الكلام فيهم، وقصة فرعون مسوقة للدلالة على استوائهم في الإصرار على الكفر، (ليقولون
الدخان 44:35
إن هي إلا موتتنا الأولى) التي نموتها في الدنيا، ولا حياة بعدها ولا بعث، وهو معنى قوله (وما نحن بمنشرين) أي بمبعوثين، يقال أنشر الله الموتى ونشرهم إذا بعثهم، وليس في الكلام قصد إلى إثبات موتة أخرى، بل المراد ما العاقبة ونهاية الأمر، إلا الموتة الأولى المزيلة للحياة الدنيوية.
قال الرازي وابن الخطيب المعنى أنه لا يأتينا من الأحوال الشديدة إلا الموتة الأولى، وهذا الكلام يدل على أنه لا تأتيهم الحياة الثانية البتة، فلا حاجة إلى التكلف الذي ذكره الزمخشري في هذا المقام، ثم أوردوا على من وعدهم بالبعث ما ظنوه دليلاً، وهو حجة داحضة فقالوا:
الدخان 44:36
(فأتوا بآبائنا) أي ارجعوهم بعد موتهم إلى الدنيا، قال الفراء والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وحده، كقوله (رب أرجعونِ) والأولى أنه خطاب له صلى الله عليه وسلم ولأتباعه من المسلمين (إن كنتم صادقين) فيما تقولونه وتخبروننا به من البعث، ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله
الدخان 44:37
(أهم خير) في القوة والمنعة.
(أم قوم تبع) الحميري الذي دار في الدنيا بجيوشه، وغلب أهلها وقهرهم، وحير الحيرة وبني سمرقند، وقيل هدمها وكان مؤمناً، وكان قومه كافرين، وكان من ملوك اليمن، سمي تبعاً لكثرة أتباعه، وقيل كل واحد من ملوك اليمن يسمى تبعاً لأنه يتبع صاحبه الذي قبله، كما سمي في الإسلام خليفة، وفيه وعيد شديد، وقيل المراد بقوم تبع جميع أتباعه لا واحد بعينه، وكان تبع هذا يعبد النار فأسلم ودعا قومه وهم حمير إلى الإسلام فكذبوه.
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تسبوا تبعاً فإنه قد أسلم " رواه البيهقي والحاكم وصححه، وابن المبارك وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا، وعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " فذكر نحوه " [[رواه الحاكم 2/ 450 مثله.]] أخرجه أحمد والطبراني وابن ماجة وابن مردويه وروي نحو هذا عن غيرهما من الصحابة والتابعين، قال الرياشي كان أبو كرب أسعد الحميري من التبابعة ممن آمن بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث بسبعمائة سنة وإليه تنسب الأنصار وهو أول من كسى البيت بعد ما أراد غزوه وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها ثم انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبي اسمه أحمد وقال شعراً أودعه عند أهلها وكانوا يتوارثونه كابراً عن كابر إلى أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم فدفعوه إليه وقال " كعب ذم الله قومه ولم يذمه ".
والمراد بقوله (والذين من قبلهم) عاد وثمود ونحوهم من الأمم الكافرة (أهلكناهم) مستأنفة لبيان حالهم وعاقبة أمرهم (إنهم كانوا مجرمين) أي كافرين منكرين للبعث، تعليل لإهلاكهم، يعني أن الله سبحانه قد أهلكهم بسبب كونهم مجرمين، فإهلاكه لمن هو دونهم بسبب كونه مجرماً، مع ضعفه وقصور قدرته بالأولى.
الدخان 44:38
(وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما) أي ما بين جنسي السماء والأرض (لاعبين) أي بغير غرض صحيح، قال مقاتل لم نخلقهما عابثين لغير شيء، وقال الكلبي لاهين، وقيل غافلين قرأ الجمهور ما بينهما، وقرىء وما بينهن لأن السموات والأرض جمع.
الدخان 44:39
(ما خلقناهما) وما بينهما (إلا بالحق) أي بالأمر الحق، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، وقال الكلبي إلا للحق وكذا قال الحسن، وقيل إلا لإقامة الحق وإظهاره، وقيل بالعدل، وهو الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية، وقيل بالجد ضد اللعب.
(ولكن أكثرهم لا يعلمون) لقلة نظرهم أن الأمر كذلك، وهم المشركون، وفيه تجهيل عظيم لمنكري البعث والحشر، وتوكيد لأن إنكارهم يؤدي إلى إبطال الكائنات بأسرها ويحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم، وفي هذه الآية دليل على صحة الحشر ووقوعه.
ووجه الدلالة أنه لو لم يحصل البعث والجزاء لكان هذا الخلق عبثاً، لأنه تعالى خلق نوع الإنسان، وخلق ما ينتظم به أسباب معاشهم من السقف المرفوع، والمهاد المفروش، وما فيهما وما بينهما من عجائب المصنوعات وبدائع الأحوال ثم كلفهم بالإيمان والطاعة فاقتضى ذلك أن يتميز المطيع من المعاصي، بأن يكون المطيع متعلق فضله وإحسانه، والعاصي متعلق عدله وعقابه، وذلك لا يكون في الدنيا لقصر زمانها، وعدم الاعتداد بمنافعها، لكونها مشوبة بأنواع الآفات والمحن، فلا بد من البعث (لتجزى كل نفس بما كسبت) فظهر بهذا وجه اتصال الآية بما قبلها، وهو أنه لما حكى مقالة منكري البعث والجزاء، وهددهم ببيان مآل المجرمين الذين مضوا، ذكر الدليل القاطع، الدال على صحة البعث والجزاء فقال: وما خلقنا الخ.
الدخان 44:40
(إن يوم الفصل) أي يوم القيامة الذي يفصل فيه الحق عن الباطل، والإضافة على معنى في، والظاهر أنها بمعنى اللام (ميقاتهم) أي الوقت المجعول لتميز المحسن من المسيء، والمحق من المبطل (أجمعين) لا يخرج عنهم أحد من ذلك، وقد اتفق القراء على رفع ميقاتهم على أنه خبر إن، واسمها يوم الفصل، وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه اسمها، ويوم الفصل خبرها، ثم وصف سبحانه ذلك اليوم فقال:
الدخان 44:41
(يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا) بدل من يوم الفصل أو منتصب بفعل يدل عليه الفصل، أي يفصل بينهم يوم لا يغني، والمعنى أنه لا ينفع قريب قريباً، ولا يدفع عنه شيئاًً.
ويطلق المولى على الولي، وهو القريب والناصر، وفي المختار المولى المعتق والمعتق وابن العم والناصر والجار، والحليف، أي لا يدفع ابن عم عن ابن عمه ولا صديق عن صديقه شيئاًً، ومولى الأول مرفوع بالفاعلية، والثاني مجرور بعن، وإعرابهما إعراب المقصور كفتى وعصا ورحى، والمراد بالمولى الثاني الكافر، ويالأول المؤمن، أي لا يغني مولىً مؤمن عن مولىً كافر شيئاًً فهذه الآية نظير قوله تعالى (واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاًً) الآية.
(ولا هم ينصرون) الضمير راجع إلى المولى وإن كان مفرداً في اللفظ، لأنه في المعنى جمع لأنه نكرة في سياق النفي، وهو من صيغ العموم، أي ولا هم يمنعون من عذاب الله، والجملة توكيد لما قبلها، فالمعنى لا ينصر المؤمن الكافر، ولو كان بينهما في الدنيا علقة من قرابة أو صداقة أو غيرهما، كما أشار له القرطبي.
إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (42) إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (45) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (46) خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (48) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (49) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (50) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (51) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (52) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (53)
الدخان 44:42
(إلا من رحم الله) قال الكسائي الاستثناء منقطع أي لكن من رحم الله، وكذا قال الفراء، وقيل هو متصل، والمعنى لا يغني قريب عن قريب إلا المؤمنين، فإنه يؤذن لهم في الشفاعة فيشفعون في بعضهم أو مرفوع على البدلية من مولى الأول، ويغني بمعنى ينفع، قال الحوفي أو مرفوع المحل أيضاًً على البدلية من واو ينصرون، أي لا يمنع من عذاب الله إلا من رحمه الله ذكره السمين.
(إنه هو العزيز الرحيم) أي الغالب الذي لا ينصر من أراد عذابه، الرحيم بعباده المؤمنين، ثم لما وصف اليوم ذكر بعده وعيد الكفار فقال:
الدخان 44:43
(إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) هي الشجرة التي خلقها الله في جهنم على صورة شجر الدنيا، وسماها الشجرة الملعونة، والزقوم ثمرها، وهو كل طعام ثقيل، فإذا جاء أهل النار التجأوا إليها فأكلوا منها، وقد مضى الكلام على شجرة الزقوم في سورة الصافات، وشجرت ترسم بالتاء المفتوحة، ووقف عليها بالهاء أبو عمرو وابن كثير والكسائي، ووقف الباقون بالتاء على الرسم قاله الخطيب.
وفي القرطبي: كل ما في كتاب الله من ذكر الشجرة فالوقف عليه بالهاء إلا حرفاً واحداً في سورة الدخان: (إن شجرة الزقوم) انتهى أي فيجوز الوقف عليها بالتاء والهاء، وفي القاموس كلام مبسوط على الزقم والزقوم فليرجع إليه، والأثيم الكثير الإثم، قال في الصحاح: أثم الرجل بالكسر إثماً ومأثماً إذا وقع في الإثم فهو آثم وأثيم وأثوم فمعنى طعام الأثيم طعام ذي الإثم، قيل هو أبو جهل ولا وجه للتخصيص.
الدخان 44:45
(كالمهل) وهو دردي الزيت وعكر القطران وقيل: هو النحاس المذاب وقيل كل ما يذوب في النار من ذهب أو فضة وكل منطبع سواء كان من صفر أو حديد أو رصاص وقيل الصديد والقيح.
(يغلي في البطون
الدخان 44:46
كغلي الحميم) قرأ الجمهور تغلي بالتاء على أن الفاعل ضمير يعود على الشجرة والجملة خبر ثالث أو حال أو خبر مبتدأ محذوف أي تغلي غلياً مثل غلي الحميم وهو الماء الشديد الحرارة وقرىء بالتحتية على أن الفاعل ضمير يعود إلى الطعام، وهو في معنى الشجرة ولا يصح عوده إلى المهل لأنه مشبه به وإنما يغلي ما يشبه بالمهل.
الدخان 44:47
(خذوه) أي يقال للملائكة الذين هم خزنة النار: خذوه أي الأثيم (فاعتلوه) العتل القود بالعنف، يقال عتله يعتله إذا جره وذهب به إلى مكروه، وقيل: العتل أن تأخذ بتلابيب الرجل ومجامعه فتجره، قرأ الجمهور فاعتلوه بكسر التاء، وقرىء بضمها وهما لغتان وقراءتان سبعيتان (إلى سواء الجحيم) أي إلى وسطه ومعظمه كقوله (فرآه في سواء الجحيم)
الدخان 44:48
(ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ) من هي التبعيضية أي صبوا فوق رأسه بعض هذا النوع، وإضافة العذاب إلى الحميم للبيان أي عذاب هو الحميم وهو الماء الحار كما تقدم أو من إضافة الصفة للموصوف أو المسبب للسبب فالمصبوب هو الحميم لا عذابه وصب العذاب استعارة، كقوله (أفرغ علينا صبراً) فقد شبه العذاب بالمائع ثم خيل له بالصب.
الدخان 44:49
(ذق) الأمر للإهانة به أي قولوا له تهكماً وتقريعاً وتوبيخاً ذق العذاب (إنك) قرأ الجمهور بكسر الهمزة وقرأ الكسائي بفتحها، وروي ذلك عن عليّ أي لأنك (أنت العزيز الكريم) قيل إن أبا جهل كان يزعم أنه أعز أهل الوادي وأكرمهم فيقولون له: ذق العذاب أيها المتعزز المتكرم على زعمك، وفيما كنت تقوله قال الفراء أي لهذا القول الذي قلته في الدنيا - عن ابن عباس في الآية قال: " يقول لست بعزيز ولا كريم " أخرج الأموي في مغازيه عن عكرمة قال: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل فقال: " إن الله أمرني أن أقول لك (أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) قال فنزع يده من يده وقال ما تستطيع لي أنت ولا صاحبك من شيء، لقد علمت أني أمنع أهل بطحاء، وأنا العزيز الكريم، فقتله الله يوم بدر وأذله وعيره بكلمته، وأنزل (ذق إنك أنت العزيز الكريم) ".
الدخان 44:50
(إن هذا) العذاب أو هذا الأمر (ما كنتم به تمترون) أي تشكون فيه حين كنتم في الدنيا والجمع باعتبار جنس الأثيم، ثم ذكر سبحانه مستقر المتقين فقال:
الدخان 44:51
(إن المتقين) الذين اتقوا الكفر والمعاصي (في مقام) قرأ الجمهور مقام بفتح الميم وهو موضع القيام، وقرىء بضمها وهو موضع الإقامة قاله الكسائي وغيره وهما سبعيتان وقال الجوهري قد يكون كل واحد منهما بمعنى الإقامة وقد يكون بمعنى موضع القيام والمراد المكان وهو من الخاص الذي وقع مستعملاً في معنى العموم، ثم وصف المقام بقوله:
(أَمِينٍ) يأمن فيه صاحبه من جميع المخاوف، قال النسفي: هو من أمن الرجل أمانة فهو أمين وهو ضد الخائن فوصف به المكان استعارة لأن المكان المخيف كأنما يخون صاحبه بما يلقي فيه من المكاره انتهى.
وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف والأمن والأمان والأمانة في الأصل مصادر ويستعمل الأمان تارة اسماً للحالة التي عليها الإنسان في الأمن، وتارة لما يؤمن عليه الإنسان كقوله: (وتخونوا أماناتكم) أي ما ائتمنتم عليه.
الدخان 44:52
(في جنات وعيون) بدل من مقام أمين، جيء به للدلالة على نزاهته واشتماله على ما يستلذ به من المآكل والمشارب، أو بيان له أو خبر ثان.
الدخان 44:53
(يلبسون من سندس وإستبرق) خبر ثان أو ثالث أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، والسندس مارق من الديباج، وفي المصباح الديباج ثوب سداه ولحمته إبريسم ويقال إنه معرب انتهى والإستبرق ما غلظ منه وهو تعريب استبر واللفظ إذا عرب خرج من أن يكون عجمياً لأن معنى التعريب أن يجعل عربياً بالتصرف فيه، وتغييره عن منهاجه وإجرائه على أوجه الإعراب فساغ أن يقع في القرآن العربي، وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف.
(مُتَقَابِلِينَ) أي في مجالسهم ينظر بعضهم إلى بعض وهو أتم للأنس فلا يرد ما قيل من أن الجلوس على هذه الصفة موحش، لأن قليل الثواب إذا اطلع على حال كثير الثواب يتنغص، لأن أحوال الآخرة بخلاف أحوال الدنيا وقال المحلي: لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض لدوران الأسرة بهم.
كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (54) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (55) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (56) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (57) فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (58) فَارْتَقِبْ إِنَّهُمْ مُرْتَقِبُونَ (59)
الدخان 44:54
(كذلك) أي نفعل بالمتقين فعلاً كذلك أو الأمر كذلك (وزوجناهم) أي أكرمناهم بأن زوجناهم (بحور عين) الحور جمع حوراء وهي البيضاء والعين جمع عيناء، وهي الواسعة العين، وقال مجاهد إنما سميت الحوراء حوراء لأنه يحار الطرف في حسنها، وقيل هو من حور العين وهو شدة بياض العين في شدة سوادها، كذا قال أبو عبيدة، وقال الأصمعي: ما أدري ما الحور في العين، قال أبو عمرو: الحور أن تسود العين كلها مثل أعين الظباء والبقر قال وليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء: حور لأنهن شبهن بالظباء والبقر.
وقيل المراد بقوله (زوجناهم) قرناهم، وليس من عقد التزويج لأنه لا يقال زوجته بامرأة، وقال أبو عبيدة وجعلناهم أزواجاً لهن كما يزوج البعل بالبعل، أي جعلناهم اثنين اثنين، وكذا قال الأخفش، واختلف أيهما أفضل في الجنة النساء الآدميات أم الحور ذكر ابن المبارك أن نساء الآدميات من دخل منهن الجنة فضلن على الحور العين بما عملن في الدنيا، وروي مرفوعاً " أن الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف "، وقيل إن الحور العين أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام " فأبدله زوجاً خيراً من زوجه " والله أعلم.
الدخان 44:55
(يدعون فيها) أي في الجنة (بكل فاكهة) أي يأمرون بإحضار ما يشتهون من الفواكه حال كونهم (آمنين) من التخم والأسقام والآلام قال قتادة آمنين من الموت والوصب والشيطان وقيل من انقطاع ما هم فيه من النعيم.
الدخان 44:56
(لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) أي لا يموتون فيها أبداً إلا الموتة التي ذاقوها في الدنيا والإستثناء منقطع أي لكن الموتة كذا قال الزجاج والفراء وغيرهما، ومثل هذه الآية قوله (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف) وقيل إن إلا بمعنى بعد واختاره الطبري كقولك ما كلمت رجلاً اليوم إلا رجلاً عندك، أي بعد رجل عندك وأباه الجمهور لأن مجيء إلا بمعنى بعد لم يثبت.
وقيل هي بمعنى سوى أي سوى الموتة الأولى نقله الطبري وضعفه. قال ابن عطية وليس تضعيفه بصحيح بل كونها بمعنى سوى مستقيم متسق، قال ابن قتيبة إنما استثنى الموتة الأولى، وهي في الدنيا لأن السعداء حين يموتون يصيرون بلطف الله وقدرته إلى أسباب من الجنة يلقون الروح والريحان ويرون منازلهم من الجنة ويفتح لهم أبوابها فإذا ماتوا في الدنيا فكأنهم ماتوا في الجنة لاتصالهم بأسبابها ومشاهدتهم إياها فيكون الاستثناء على هذا متصلاً.
قال الزمخشري فإن قلت كيف استثنيت الموتة الأولى المذوقة قبل دخول الجنة من الموت المنفي ذوقه فيها قلت أريد أن يقال لا يذوقون فيها الموت البتة فوضع قوله: إلا الموتة الأولى موضع ذلك لأن الموتة الماضية محال ذوقها في المستقبل؛ فهو من باب التعليق بالمحال، كأنه قيل إن كانت الموتة الأولى يستقيم ذوقها في المستقبل فإنهم يذوقونها في الجنة انتهى. قلت وهذا عند علماء البيان يسمى نفي الشيء بدليله.
(ووقاهم عذاب الجحيم) قرأ الجمهور وقاهم بالتخفيف وقرىء بالتشديد على المبالغة
الدخان 44:57
(فضلاً من ربك) أي لأجل الفضل منه، أو أعطاهم ذلك عطاء فضلاً منه.
(ذلك) الذي تقدم ذكره من صرف العذاب ودخول الجنة (هو الفوز العظيم) الذي لا فوز بعده، المتناهي في العظم، لأنه خلاص عن المكاره، وظفر بالمطالب ثم لما بين سبحانه الدلائل، وذكر الوعد والوعيد قال:
الدخان 44:58
(فإنما يسرناه بلسانك) أي إنما أنزلنا القرآن بلغتك كي يفهمه قومك فيتذكروا ويعتبروا ويعملوا بما فيه، أو سهلناه بلغتك عليك وعلى من يقرأه، وهذا فذلكة للسورة وإجمال لما فيها من التفصيل (لعلهم يتذكرون) أي يتعظون فيؤمنون، لكنهم لا يؤمنون.
الدخان 44:59
(فارتقب) أي فانتظر ما وعدناك من النصر عليهم وإهلاكهم على يدك (إنهم مرتقبون) أي فإنهم منتظرون ما ينزل بك من موت أو غيره، وقيل انتظر أن يحكم الله بينك وبينهم فإنهم منتظرون بك نوائب الدهر والمعنى متقارب قال المحلي وهذا قبل الأمر بجهادهم أي فهو منسوخ وليس بصحيح لأن رفع الإباحة الأصلية ليس نسخاً إنما النسخ رفع حكم ثبت في الشرع بحكم آخر.
الجاثية 45:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة الجاثية
وتسمى الشريعة قاله الخازن هي ست أو سبع وثلاثون آية
وهي مكيّة كلها في قول الحسن وجابر وعكرمة، وقال ابن عباس وقتادة إلا آية منها، وهي قوله: (قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ) فأنها نزلت بالمدينة في عمر بن الخطب، ذكره الماوردي، وقال المهدوي والنحاس: " إنها نزلت في عمر شتمه رجل من المشركين بمكة قبل الهجرة فأراد أن يبطش به، فأنزل الله: (قل للذين آمنوا) الآية ثم نسخت بآية القتال فالسورة كلها مكيّة على هذا من غير استثناء.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (6) وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9)
(بسم الله الرحمن الرحيم
حم) قد تقدم الكلام على هذا في فاتحة سورة غافر، وما بعدها والله أعلم بمراده به
الجاثية 45:2
(تنزيل الكتاب) أي القرآن مبتدأ (من الله) خبره (العزيز) في ملكه (الحكيم) في صنعه، ثم أخبر سبحانه بما يدل على قدرته الباهرة فقال:
الجاثية 45:3
(إن في السموات والأرض) أي في خلقهما (لآيات) دالة على قدرة الله ووحدانيته (للمؤمنين) قال الزجاج: ويدل على أن المعنى في خلقهما قوله:
الجاثية 45:4
(وفي خلقكم) أنفسكم على أطوار مختلفة، قال مقاتل: من تراب، ثم من نطفة إلى أن يصير إنساناً، وحاصل ما ذكر هنا من الدلائل ستة على ثلاث فواصل، الأولى للمؤمنين الثانية يوقنون، الثالثة يعقلون، ووجه التغاير بينها أن المنصف من نفسه إذا نظر في السموات والأرض وأنه لا بد لهما من صانع آمن، وإذا نظر في خلق نفسه ونحوها إزداد إيماناً فأيقن، وإذا نظر في سائر الحوادث عقل واستحكم علمه.
(و) في خلق (ما يبث) أي ما يفرقه وينشره (من دابة آيات) وللنحاة في هذا الموضع كلام طويل في رفع آيات ونصبها، والبحث في مسألة العطف على معمولي عاملين مختلفين، وحجج المجوزين له، وجوابات المانعين منه مقرر في علم النحو، مبسوط في مطولاته (لقوم يوقنون) يعني أنه لا إله إلا هو.
الجاثية 45:5
(واختلاف الليل والنهار) أي في تعاقبهما أو تفاوتهما في الطول والقصر والظلام والضياء وذهابهما ومجيئهما (وما أنزل الله من السماء من رزق) معطوف على اختلاف والرزق المطر لأنه سبب لكل ما يرزق الله العباد به (فأحيا به الأرض بعد موتها) إيحاء الأرض إخراج نباتها، وموتها خلوها عن النبات ويبسها.
(وتصريف الرياح) في مهابها أي أنها تهب تارة من جهة وتارة من أخرى، وتارة تكون حارة وتارة تكون باردة، وتارة نافعة وتارة ضارة، والرياح أربعة بحسب جهات الأفق (آيات لقوم يعقلون) مراد الله سبحانه في كتابه، ويفهمون الدليل فيؤمنون.
الجاثية 45:6
(تلك آيات الله نتلوها عليك) أي هذه الآيات المذكورة هي حجج الله وبراهينه (بالحق) أي محقين أو متلبسة بالحق، أو الباء للسببية فتتعلق بنفس الفعل (فبأي حديث بعد الله وآياته) أي حججه، قيل: إن المقصود فبأي حديث بعد آيات الله، وذكر الاسم الشريف ليس إلا لقصد تعظيم الآيات فيكون من باب أعجبني زيد وكرمه، وقيل المراد بعد حديث الله، هو القرآن كما في قوله: (الله نزل أحسن الحديث) وهو المراد بالآيات، والعطف لمجرد التغاير العنواني (يؤمنون) قرأ الجمهور بالفوقية وقرىء بالتحتية والمعنى يؤمنون بأي حديث، وإنما قدم عليه لأن الاستفهام له صدر الكلام.
الجاثية 45:7
(ويل) واد في جهنم أو كلمة عذاب (لكل أفاك أثيم) أي لكل كذاب كثير الإثم مرتكب لما يوجبه ثم وصف هذا الأفاك بصفة أخرى فقال
الجاثية 45:8
(يسمع آيات الله) أي القرآن (تتلى عليه ثم يصر) على كفره، ويقيم على ما كان عليه، حال كونه (مستكبراً) أي متمادياً على كفره، متكبراً على الإيمان، ومتعظماً في نفسه عن الانقياد للحق، والإصرار مأخوذ من إصرار الحمار على العانة، وهو أن ينحى عليها، صاراً أذنيه، وثم للتراخي الرتبي عند العقل، أي إصراره على الكفر بعد ما قررت له الأدلة المذكورة وسمعها مستبعد في العقول، قال مقاتل: إذا سمع من آيات القرآن شيئاً اتخذها هزواً، وجملة (كأن لم يسمعها) في محل نصب على الحال، أو مستأنفة، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف.
(فبشره بعذاب أليم) هذا من باب التهكم، أي فبشره على إصراره واستكباره وعدم استماعه إلى الآيات بعذاب شديد الألم قيل: نزلت في النضر ابن الحرث، وما كان يشتري من أحاديث العجم، ويشغل بها الناس عن استماع القرآن، والآية عامة في كل من كان مضاداً لدين الله.
الجاثية 45:9
(وإذا علم من آياتنا شيئاًً) قرأ الجمهور بفتح العين وكسر اللام مخففة على البناء للفاعل وقرىء على البناء للمفعول، والمعنى أنه إذا وصل إليه وبلغه شيء وعلم أنه من آيات الله (اتخذها) أي الآيات (هزواً) وقيل الضمير في اتخذها عائد إلى شيء لأنه عبارة عن الآيات، والأول أولى.
(أولئك) أي كل أفاك متصف بتلك الصفات (لهم عذاب مهين) بسبب ما فعلوا من الإصرار والاستكبار عن سماع آيات الله، واتخاذها هزواً، والعذاب المهين هو المشتمل على الإذلال والفضيحة.
مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10) هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11) اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13) قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14)
الجاثية 45:10
(من ورائهم) أي من وراء ما هم فيه من التعزز بالدنيا والتكبر عن الحق (جهنم) فإنها من قدامهم، لأنهم متوجهون إليها، وعبر عن القدام بالوراء كقوله: (من ورائه جهنم) والوراء مستعمل بمعنى الأمام كما يستعمل بمعنى الخلف، وهو مشترك بين المعنيين، فيستعمل في الشيء وضده، كالجون يستعمل في الأبيض والأسود على سبيل الاشتراك، وقيل: جعلها باعتبار إعراضهم عنها، كأنها خلفهم، وقيل الوراء اسم للجهة التي يواريها الشخص من خلف أو قدام.
(ولا يغني) أي لا يدفع (عنهم ما كسبوا) من أموالهم وأولادهم (شيئاًً) من عذاب الله، ولا ينفعهم بوجه من وجوه النفع (ولا) يغني عنهم (ما اتخذوا من دون الله أولياء) من الأصنام، وما في الموضعين إما مصدرية أو موصولة، وزيادة لا في الجملة الثانية للتأكيد (ولهم عذاب عظيم) في جهنم التي هي من ورائهم.
الجاثية 45:11
(هذا) أي القرآن (هدى) للمهتدين به (والذين كفروا بآيات ربهم) القرآنية (لهم عذاب من رجز أليم) الرجز أشد العذاب، قرأ الجمهور أليم بالجر صفة للرجز، وقرىء بالرفع صفة لعذاب.
الجاثية 45:12
(الله الذي سخر لكم البحر) أي جعله على صفة تتمكنون بها من الركوب عليه بأن جعله أملس السطح، يطفو عليه ما يتخلله كالأخشاب ولا يمنع الغوص فيه (لتجري الفلك فيه بأمره) أي بإذنه وإقداره لكم (ولتبتغوا من فضله) بالتجارة تارة والغوص للدر والمعالجة للصيد وغير ذلك (ولعلكم تشكرون) أي ولكي تشكروا النعم التي تحصل لكم بسبب هذا التسخير للبحر.
الجاثية 45:13
(وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) أي سخر لعباده جميع ما خلقه في سمواته وأرضه، مما يتعلق به مصالحهم ويقوم به معايشهم ومما سخره لهم من مخلوقات السموات الشمس والقمر والنجوم النيرات والمطر والسحاب والرياح، وجميعاً حال من ما في السموات أو تأكيد له، وقوله (منه) متعلق بمحذوف هو صفة لجميعاً أي كائناً منه، أو متعلق بسخر، أو حال من ما في السموات، أو خبر لمبتدأ محذوف والمعنى أن كل ذلك رحمة منه لعباده، وقال ابن عباس (جميعاً منه) أي منه النور والشمس والقمر وكل شيء هو من الله، وعن طاوس قال: " جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله مم خلق الخلق؟ قال من الماء والنور والظلمة والهواء والتراب، قال فمم خلق هؤلاء؟ قال لا أدري، ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله فقال: مثل قول عبد الله بن عمرو فأتى ابن عباس فسأله مم خلق الخلق؟ فقال من الماء والنور والظلمة والريح والتراب، قال فمم خلق هؤلاء فقرأ ابن عباس وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه، فقال الرجل ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ".
(إن في ذلك) المذكور من التسخير (لآيات لقوم يتفكرون) خص المتفكرين لأنه لا ينتفع بها إلا من تفكر فيها، فإنه ينتقل من التفكير إلى الاستدلال بها على التوحيد
الجاثية 45:14
(قل للذين آمنوا يغفروا) أي قل لهم اغفروا يغفروا أي يعفوا ويصفحوا، قاله علي بن عيسى واختاره ابن العربي. وقيل التقدير قل لهم ليغفروا، والمعنى قل لهم ليتجاوزوا.
(للذين لا يرجون أيام الله) أي عن الذين لا يرجون وقائع الله بأعدائه أي لا يتوقعونها، ومعنى الرجاء هنا الخوف، وقيل هو على معناه الحقيقي، والمعنى لا يرجون ثوابه في الأوقات التي وقتها الله لثواب المؤمنين، والأول أولى، والأيام يعبر بها عن الوقائع كما تقدم في تفسير قوله (وذكرهم بأيام الله) قال مقاتل لا يخشون مثل عذاب الله للأمم الخالية، وذلك أنهم لا يؤمنون به، فلا يخافون عقابه وقيل المعنى لا يأملون نصر الله لأوليائه وإيقاعه بأعدائه، وقيل: لا يخافون البعث.
قيل والآية منسوخة بآية السيف والأقرب أن يقال: إنه محمول على ترك المنازعة، وعلى التجاوز فيما يصدر عنهم من الكلمات المؤذية وعن ابن عباس في الآية قال " كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يعرض عن المشركين إذا آذوه وكانوا يستهزئون به ويكذبونه فأمره الله أن يقاتل المشركين كافة "، فكان هذا من المنسوخ والأولى القول بعدم النسخ.
(ليجزي) الله (قوماً) قرىء بالتحتية وقرىء بالنون أي لنجزي نحن، والجملة لتعليل الأمر بالمغفرة، والمراد بالقوم المؤمنون، أمروا بالمغفرة ليجزيهم الله يوم القيامة (بما كانوا يكسبون) في الدنيا من الأعمال الحسنة التي من جملتها الصبر على أذية الكفار، والإغضاء عنهم، بكظم الغيظ، واحتمال المكروه، وقيل المعنى ليجزي الكفار بما عملوا من السيئات كأنه قال لا تكافئوهم أنتم لنكافئهم نحن، قيل المراد بالقوم كلاهما فيكون التنكير للتعظيم أو التحقير أو التنويع والأول أولى، ثم ذكر المؤمنين وأعمالهم والمشركين وأعمالهم فقال: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (15) وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (16) وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (17) ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19) هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)
الجاثية 45:15
(مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) أي إن عمل كل طائفة من إحسان وإساءة لعامله لا يتجاوزه إلى غيره، وفيه ترغيب وترهيب، والجملة مستأنفة لبيان كيفية الجزاء (ثم إلى ربكم ترجعون) أي تصيرون فيجازي كلاً بعمله إن كان خيراً فخير وإن كان شراً فشر.
الجاثية 45:16
(ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة) المراد بالكتاب التوراة كذا في الكشاف وتبعه القاضي، ولعل الأولى أن يحمل الكتاب على الجنس حتى يشمل الإنجيل والزبور أيضاًً لكن جمهور المفسرين على تفسيره هنا بالتوراة لأنه ذكر بعدها الحكم ونحوه وما ذكر لا حكم فيه إذ الزبور أدعية ومناجاة، والإنجيل أحكامه قليلة جداً، وعيسى مأمور بالعمل بالتوراة والمراد بالحكم الفهم والفقه الذي يكون بهما الحكم بين الناس، وفصل خصوماتهم، وبالنبوة من بعثه الله من الأنبياء فيهم.
(ورزقناهم من الطيبات) أي المستلذات التي أحلها الله لهم، ومن ذلك المن والسلوى، وهذه نعم دنيوية وما قبله من الكتاب والنبوة نعم دينية.
(وفضلناهم على العالمين) من أهل زمانهم حيث آتيناهم ما لم نؤت من عداهم من كثرة الأنبياء فيهم، وفلق البحر، وغرق العدو، ونحوها، وقد تقدم بيان هذا في سورة الدخان، قال ابن عباس: لم يكن أحد من العاملين في زمانهم أكرم على الله ولا أحب إليه منهم.
الجاثية 45:17
(وآتيناهم بينات من الأمر) أي شرائع واضحات في الحلال والحرام، أو معجزات ظاهرات، وقيل: العلم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم وشواهد نبوته، وتعيين مهاجره (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم) أي فما وقع الاختلاف بينهم في ذلك الأمر إلا بعد مجيء العلم إليهم ببيانه، وإيضاح معناه، فجعلوا ما يوجب زوال الخلاف موجباً لثبوته، وقيل المراد بالعلم يوشع بن نون فإنه آمن به بعضهم، وكفر بعضهم وقيل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فاختلفوا فيها حسداً و:
(بغياً بينهم) قيل بغياً من بعضهم على بعض يطلب الرياسة (إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) من أمر الدين فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
الجاثية 45:18
(ثم جعلناك على شريعة من الأمر) ثم للاستئناف والشريعة في اللغة المذهب والملة والمنهاج ويقال لمشرعة الماء وهي مورد شاربيه شريعة، والجمع شرائع، فاستعير ذلك للدين لأن العباد يردون ما تحيا به نفوسهم، ومنه الشارع لأنه طريق إلى المقصد، فالمراد بالشريعة هنا ما شرعه الله لعباده من الدين، أي جعلناك يا محمد على منهاج واضح من أمر الدين يوصلك إلى الحق وقال ابن عباس: على هدى من أمر دينه، قال قتادة الشريعة الأمر والنهي والحدود والفرائض البينة، لأنها طريق إلى الحق، وقال الكلبي السنة، لأنه يستن بطريقة من قبله من الأنبياء، وقال ابن زيد: الدين لأنه طريق إلى النجاة وقال ابن العربي: الأمر يرد في اللغة بمعنيين أحدهما بمعنى الشأن كقوله:
(واتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد) والثاني ما يقابله النهي وكلاهما يصح أن يكون مراداً هنا وتقديره ثم جعلناك على طريقة من الدين، وهي ملة الإسلام، كما قال تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً) ولا خلاف أن الله تعالى لم يغاير بين الشرائع في التوحيد والمكارم والمصالح، وإنما خالف بينها في الفروع حسب ما علمه سبحانه وتعالى.
(فاتبعها) أي فاعمل بأحكامها في أمتك (ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون) توحيد الله وشرائعه لعباده، وهم كفار قريش ومن وافقهم، ثم علل النهي عن اتباع أهوائهم فقال:
الجاثية 45:19
(إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئاًً) أي لا يدفعون عنك شيئاًً مما أراده الله بك إن اتبعت أهوائهم.
(وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض) أي أنصار ينصر بعضهم بعضاً لأن الجنسية علة الانضمام قال ابن زيد إن المنافقين أولياء اليهود (والله ولي المتقين) أي ناصرهم، والمراد بالمتقين الذين أتقوا الشرك والمعاصي والإشارة بقول
الجاثية 45:20
(هذا) إلى القرآن أو إلى اتباع الشريعة.
(بصائر للناس) أي براهين، ودلائل لهم فيما يحتاجون إليه من أحكام الدين وبينات تبصرهم وجه الفلاح، ومعالم يتبصرون بها في الأحكام والحدود جعل ذلك بمنزلة البصائر في القلوب ليتوصل بكل واحد منها إلى تحصيل العرفان واليقين، وجمع الخبر باعتبار ما في المبتدأ من تعدد الآيات. والبراهين، وقرىء هذه بصائر أي هذه الآيات لأن القرآن بمعناها.
(وهدى) أي رشد وطريق يؤدي إلى الجنة لمن عمل به (ورحمة) من الله في الآخرة (لقوم يوقنون) أي من شأنهم الإيقان وعدم الشك والتزلزل بالشبهة.
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)
الجاثية 45:21
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) أم هي المنقطعة المقدرة ببل، والهمزة وما فيها من معنى بل للانتقال من البيان الأول إلى الثاني، والهمزة لإنكار الحسبان بطريق إنكار الواقع واستقباحه، والتوبيخ عليه، والاجتراح الاكتساب، ومنه الجوارح، وقد تقدم في المائدة، والجملة مستأنفة سيقت لبيان تباين حالي المسيئين والمحسنين إثر بيان حالي الظالمين والمتقين، وهو معنى قوله:
(أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات)؟ أي نسوي بينهم مع اجتراحهم السيئات وبين أهل الحسنات، قيل نزلت في قوم من المشركين، وقيل المسيئون عتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة، والمحسنون علي وحمزة وعبيدة بن الحرث حين برزوا إليهم يوم بدر فقتلوهم والعموم أولى.
(سواء محياهم ومماتهم) في دار الدنيا، وفي الآخرة؟ كلا لا يستوون في شيء منهما، فإن حال أهل السعادة فيهما غير حال أهل الشقاوة، فهؤلاء في عز الإيمان والطاعة وشرفهما في المحيا، وفي رحمة الله تعالى ورضوانه في الممات، وأولئك في ذل الكفر والمعاصي وهو أنهما في المحيا، وفي لعنة الله والعذاب الخالد في الممات، وشتان بينهما، وقيل المراد إنكار أن يستووا في الممات، كما استووا في الحياة.
قرأ الجمهور سواء بالرفع على أنه خبر مقدم، والمبتدأ محياهم ومماتهم والمعنى إنكار حسبانهم أن محياهم ومماتهم سواء، وقرىء بالنصب على أنه حال من الضمير المستتر في الجار والمجرور، في قوله: كالذين آمنوا، أو على أنه مفعول ثان لحسب، واختار قراءة النصب أبو عبيدة، وقال: معناه نجعلهم سواء، وقرىء محياهم ومماتهم بالنصب على معنى سواء في محياهم ومماتهم. ولما سقط الخافض انتصب.
(ساء ما يحكمون) أي ساء حكمهم هذا الذي حكموا به وقال مجاهد في الآية المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر، وقال مسروق: قال لي رجل من أهل مكة هذا مقام أخيك تميم الداري، ولقد رأيته قام ذات ليلة حتى أصبح أو قرب أن يصبح يقرأ آية من كتاب الله يركع بها ويسجد، ويبكي (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ) الآية، وعن الفضيل أنه بلغها فجعل يرددها ويبكي ويقول يا فضيل ليت شعري من أي الفريقين أنت؟.
الجاثية 45:22
(وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) المقتضي للعدل بين العباد وهذا كالدليل لما قبله من نفي الاستواء، ومحل بالحق النصب على الحال من الفاعل، أو المفعول، أو الباء للسببية (ولتجزى كل نفس ما كسبت) أي خلق الله إياهما ليدل بهما على قدرته ولتجزى، أو اللام للصيرورة قاله ابن عطية أي صار الأمر من حيث اهتدى بها قوم وضل بها قوم آخرون (وهم) أي النفوس المدلول عليها بكل نفس.
(لا يظلمون) بنقص ثواب، أو زيادة عقاب وتسميته ذلك ظلماً مع أنه ليس كذلك على ما عرف من قاعدة أهل السنة لبيان غاية تنزه ساحة لطفه تعالى عما ذكر، بتنزيله منزلة الظلم الذي يستحيل صدوره عنه، أو سماه ظلماً نظراً إلى صدوره منا كما في الابتلاء والاختبار، ثم عجب سبحانه من حال الكفار فقال:
الجاثية 45:23
(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) قال الحسن وقتادة: ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه، فلا يهوى شيئاًً إلا ركبه وقال عكرمة يعبد ما يهواه أو يستحسنه فإذا استحسن شيئاًً وهواه، اتخذه إلهاً، قال سعيد بن جبير؛ كان أحدهم يعبد الحجر فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر.
وقال ابن عباس: ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان، والمعنى هو مطواع لهوى النفس، يتبع ما يدعوه إليه فكأنه يعبده كما يعبد الرجل إلهه.
(وأضله الله على علم) قد علمه، قال ابن عباس: يقول أضله في سابق علمه تعالى، وقيل المعنى أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه، وقال مقاتل على علم منه أنه ضال لأنه يعلم أن الصنم لا ينفع ولا يضر، قال الزجاج: على سبق في علمه أنه ضال قبل أن يخلقه، وقال الكرخي: أضله وهو عالم بالحق، وهذا أشد تشنيعاً عليه.
(وختم) أي طبع (على سمعه) حتى لا يسمع الوعظ (و) طبع على (قلبه) حتى لا يفقه الهدى ولا يعقله (وجعل على بصره غشاوة) أي ظلمة وغطاء حتى لا يبصر الرشد، قرأ الجمهور غشاوة بالألف مع كسر الغين وقرىء بغير ألف مع فتح الغين. وقرأ ابن مسعود والأعمش كقراءة الجمهور مع فتح الغين، وهي لغة ربيعة، وقرىء بضمها وهي لغة عكل.
(فمن يهديه من بعد الله) أي بعد إضلال الله له أي لا يهتدي (أفلا تذكرون) تذكر اعتبار، حتى تعلموا حقيقة الحال؛ قال الواحدي: ليس يبقى للقدرية مع هذه الآية عذر ولا حيلة، لأن الله صرح بمنعه إياه عن الهدى حتى أخبر أنه ختم على سمعه وقلبه وبصره، ثم بين سبحانه بعض جهالاتهم وضلالاتهم فقال: وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24) وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)
الجاثية 45:24
(وقالوا) أي منكرو البعث (ما هي إلا حياتنا الدنيا) أي ما الحياة إلا الحياة التي نحن فيها (نموت ونحيا) أي يصيبنا الموت والحياة فيها وليس وراء ذلك حياة، وقيل نموت نحن ويحيا فيها أولادنا، وقيل نكون نطفاً ميتة ثم نصير أحياء، وقيل في الآية تقديم وتأخير أي نحيا ونموت وكذا قرأ ابن مسعود وعلى كل تقدير فمرادهم بهذه المقالة إنكار البعث وتكذيب الآخرة وقيل: هذا من كلام من يقول بالتناسخ أي بموت الرجل ثم تجعل روحه في موات فيحيا به.
(وما يهلكنا إلا الدهر) أي مرور الليالي والأيام، والدهر في الأصل مدة بقاء العالم، من دهره إذا غلبه. وفي القاموس: دهرهم أمر كمنع نزل بهم مكروه، فهم مدهور بهم، ومدهورون، وقرىء إلا دهر يمر قال مجاهد يعني السنين والأيام انتهى.
كانوا يزعمون أن مرورها هو المؤثر في هلاك الأنفس وينكرون ملك الموت وقبض الأرواح بإذن الله، وكانوا يضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، ألا ترى أن أشعارهم ناطقة بشكوى الزمان؟ وقال قتادة: إلا العمر؛ والمعنى واحد؛ وقال قطرب المعنى وما يهلكنا إلا الموت وقال عكرمة: وما يهلكنا إلا الله.
عن أبي هريرة قال: " كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يحيينا ويميتنا، فيسبون الدهر، فقال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم بسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديثه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله عز وجل: يؤذيني ابن آدم الحديث "، وفي الموطأ عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يقولن أحدكم: يا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر "، وقد استدل بهذا الحديث من قال: إن الدهر من أسماء الله تعالى، ومرادهم بهذا الحصر إنكار أن يكون الموت بواسطة ملك الموت وإضافة الحوادث إلى الدهر والزمان، وأن المؤثر في هلاك الأنفس هو مرور الأيام والليالي [[روى مسلم 4/ 1763 لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله.]].
(وما لهم بذلك) أي بنسبة الحوادث إلى حركات الأفلاك وما يتعلق بها على الإستقلال (من علم) ثم بين كون ذلك صادراً منهم لا عن علم فقال: (إن هم إلا يظنون) أي ما هم إلا قوم غاية ما عندهم الظن، فما يتكلمون إلا به، ولا يستندون إلا إليه.
الجاثية 45:25
(وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات) أي إذا تليت آيات القرآن على المشركين حال كونها واضحات ظاهرة المعنى والدلالة على البعث أو مبينات لما يخالف معتقدهم قاله الكرخي.
(ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا) أحياء (إن كنتم صادقين) أنا نبعث بعد الموت أي ما كان لهم حجة ولا متمسك ولا متشبث يتعلقون ويعارضون به إلا هذا القول الباطل الذي ليس من الحجة في شيء وإنما سماه حجة مع أنه ليس بحجة لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسمي حجة على سبيل التهكم، أو لأنه في حسابهم وتقديرهم حجة، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فقال:
الجاثية 45:26
(قل الله يحييكم) في الدنيا (ثم يميتكم) عند انقضاء آجالكم (ثم يجمعكم إلى) أي في (يوم القيامة) بالبعث والنشور (لا ريب فيه) أي في جمعكم لأن من قدر على ابتداء الخلق قدر على إعادته، وفي هذا رد لقولهم، (وما يهلكنا إلا الدهر).
(ولكن أكثر الناس لا يعلمون) بذلك لإعراضهم عن التفكر بالدلائل، فلهذا حصل معهم الشك في البعث وجاءوا في دفعه بما هو أوهن من بيت العنكبوت، ولو نظروا حق النظر لحصلوا على العلم اليقين، واندفع عنهم الريب، وأراحوا أنفسهم من ورطة الشك والحيرة، ثم لما ذكر سبحانه ما أحتج به المشركون وما أجاب به عليهم ذكر اختصاصه بالملك فقال:
الجاثية 45:27
(ولله ملك السموات والأرض) أي هو المتصرف فيهما وحده كما أراد لا يشاركه أحد من عباده، وهو شامل للإحياء والإماتة المذكورين قبله، وللجمع والبعث، وللمخاطبين غيرهم، ثم توعد أهل الباطل فقال:
(ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون) أي المكذبون الكافرون المتعلقون بالأباطيل، يظهر في ذلك اليوم خسرانهم، لأنهم يصيرون إلى النار، والعامل في يوم هو يخسر، ويومئذ بدل منه، والتنوين عوض عن المضاف إليه المدلول عليه بما أضيف إليه المبدل منه فيكون التقدير: ويوم تقوم الساعة يوم تقوم الساعة فيكون بدلاً توكيدياً، والأولى أن يكون العامل في يوم هو ملك أي ولله ملك يوم تقوم الساعة، ويكون يومئذ معمولاً ليخسر، والجملة مستأنفة من حيث اللفظ، وإن كان لها تعلق بما قبلها من حيث المعنى أفاده السمين، وقال التفتازاني وهذا بالتأكيد أشبه، وأنىّ يتأتى أن هذا مقصود بالنسبة دون الأول؟ وقال الحفناوي: اليوم في البدل بمعنى الوقت، والمعنى وقت أن تقوم الساعة، وتحشر الموتى فيه، وهو جزء من يوم تقوم الساعة فإنه يوم متسع مبدؤه من النفخة الأولى، فهو بدل البعض. والعائد مقدر ولما كان خسرانهم وقت حشرهم كان هو المقصود بالنسبة.
وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31) وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (32)
الجاثية 45:28
(وترى كل أمة) الخطاب لكل من يصلح له أو للنبي صلى الله عليه وسلم، والأمة الملة والرؤية بصرية أو علمية، وفيه بعد ومعنى قوله: (جاثية) مستوفزة والمستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه، وأطراف أنامله قال الضحاك: وذلك عند الحساب، وقيل معنى جاثية مجتمعة، قال ابن عباس، وقال الفراء: المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين، وقال عكرمة متميزة عن غيرها، وقال مؤرج: معناه بلغة قريش خاضعة، وقال الحسن باركة على الركب والجثو الجلوس على الركب تقول: جثا يجثو ويجثي جثواً.
وجثياً إذا جلس على ركبتيه، والأول أولى، ولا ينافيه ورود هذا اللفظ لمعنى آخر في لسان العرب، وقد ورد إطلاق الجثوة على الجماعة من كل شيء في لغة العرب.
وعن عبد الله بن بأبأه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين "، ثم قرأ سفيان هذه الآية أخرجه البيهقي في البعث، وعبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد، وابن أبي حاتم وسعيد بن منصور.
وعن ابن عمر في الآية قال: " كل أمة مع نبيها حتى يجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم على كوم قد علا الخلائق، فذلك المقام المحمود "، وظاهر الآية أن هذه الصفة تكون لكل أمة من الأمم من غير فرق بين أهل الأديان المتبعين للرسل وغيرهم من أهل الشرك، وقال يحيى بن سلام: هو خاص بالكفار، والأول أولى ويؤيده قوله:
(كل أمة تدعى إلى كتابها) وقوله فيما سيأتي، فأما الذين آمنوا الخ، ومعنى إلى كتابها إلى الكتاب المنزل عليها؛ وقيل إلى صحيفة أعمالها وقيل: إلى حسابها، وقيل اللوح المحفوظ؛ والأول أولى قرأ الجمهور كل أمة بالرفع على الابتداء، وخبره تدعى، وقرىء بالنصب على البدل من كل أمة.
(اليوم) أي يقال لهم اليوم (تجزون ما كنتم تعملون) من خير وشر
الجاثية 45:29
(هذا كتابنا) لا منافاة بين هذا وقوله كتابها لأنه كتابهم بمعنى أنه مشتمل على أعمالهم، وكتاب الله بمعنى أنه هو الذي أمر الملائكة بكتبه وإليه أشار في التقرير قاله الكرخي.
(ينطق عليكم) بما عملتم (بالحق) بلا زيادة ونقصان وهذا من تمام ما يقال لهم، والقائل بهذا هم الملائكة، وقيل: هو من قول الله سبحانه أي يشهد عليهم؛ وهو استعارة، يقال: نطق الكتاب بكذا أي بيّن وقيل: إنهم يقرأونه فيذكرهم ما عملوا فكأنه ينطق عليهم دليله قوله تعالى:
(وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) قال ابن عباس هو أم الكتاب فيه أعمال بني آدم، وقيل هو ديوان الحفظة، ومحل (ينطق) النصب على الحال أو الرفع على أنه خبر آخر لاسم الإشارة.
وجملة (إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) تعليل للنطق بالحق أي نأمر الملائكة بنسخ أعمالكم أي بكتبها وتثبيتها عليكم، وليس المراد بالنسخ إبطال ما في اللوح قال الواحدي: وأكثر المفسرين على أن هذا الاستنساخ من اللوح المحفوظ، فإن الملائكة تكتب منه كل عام ما يكون من أعمال بني آدم فيجدون ذلك موافقاً لما يعملونه؛ قالوا لأن الاستنساخ لا يكون إلا من أصل وقيل إن الملائكة تكتب كل يوم ما يعمله العبد فإذا رجعوا إلى مكانهم نسخوا منه الحسنات والسيئات وتركوا المباحات، وقيل إن الملائكة إذا رفعت أعمال العباد إلى الله سبحانه أمر عز وجل أن يثبت عنده منها ما فيه ثواب وعقاب، ويسقط منها ما لا ثواب فيه ولا عقاب.
وقال ابن عباس " الملائكة يستنسخون أعمال بني آدم، فقام رجل فقال يا ابن عباس ما كنا نرى هذا تكتبه الملائكة في كل يوم وليلة، فقال إنكم لستم قوماً عرباً هل يستنسخ الشيء إلا من كتاب "؟.
وعن علي بن أبي طالب " إن لله ملائكة ينزلون كل يوم بشيء يكتبون فيه أعمال بني آدم "، وعن ابن عمر نحو ما روي عن ابن عباس، وعن ابن عباس أيضاًً في الآية قال: يستنسخ الحفظة من أم الكتاب ما يعمل بنو آدم، فإنما يعمل الإنسان ما استنسخ الملك من أم الكتاب، وأخرج نحوه الحاكم عنه، وصححه.
وأخرج الطبراني عنه أيضاًً في الآية قال: " إن الله وكل ملائكة ينسخون من ذلك العام في رمضان ليلة القدر ما يكون في الأرض من حدث إلى مثلها من السنة المقبل، فيتعارضون به حفظة الله على العباد عشية كل خميس، فيجدون ما رفع الحفظة موافقاً لما في كتابهم ذلك، ليس فيه زيادة ولا نقصان ".
الجاثية 45:30
(فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته) التي من جملتها الجنة قاله البيضاوي، وهذا تفصيل لحال الفريقين، فالمؤمنون يدخلهم الله برحمته الجنة، وفسر المحلي كالزمخشري الرحمة بنفس الجنة، وهو أظهر (ذلك) الإدخال في رحمته (هو الفوز المبين) أي الظاهر الواضح لخلوصه عن الأكدار والشوائب التي تخالطه.
الجاثية 45:31
(وأما الذين كفروا) فيقال لهم: (أفلم تكن آياتي) أي القرآن (تتلى عليكم) الاستفهام للتوبيخ لأن الرسل قد أتتهم وتلت عليهم آيات الله فكذبوا أو لم يعملوا بها (فاستكبرتم) أي تكبرتم عن قبولها وعن الإيمان بها.
(وكنتم قوماً مجرمين) أي من أهل الإجرام وهي الآثام والاجترام الاكتساب يقال فلان جريمة أهله إذا كان كاسبهم فالمجرم من كسب الآثام بفعل المعاصي.
الجاثية 45:32
(و) كنتم (إذا قيل) لكم أيها الكفار: (إن وعد الله حق) أي وعده بالبعث والحساب، والجزاء، أو بجميع ما وعد به من الأمور المستقبلة واقع لا محالة، والعامة على كسر الهمزة لأنها محكية بالقول وقرىء بفتحها وذلك مخرج على لغة سليم يجرون القول مجرى الظن مطلقاً قاله السمين.
(والساعة) قرأ الجمهور بالرفع على الابتداء أو العطف على موضع اسم إن وقرىء بالنصب على اسم إن أي القيامة (لا ريب فيها) أي في وقوعها (قلتم) استغراباً واستبعاداً وإنكاراً لها:
(ما ندري ما الساعة) أي أيُّ شيء هي (إن نظن إلا ظناً) أي نحدس حدساً، ونتوهم توهماً، قال المبرد: تقديره إن نحن إلا نظن ظناً وقيل التقدير إن نظن إلا أنكم تظنون ظناً، وقيل: إن نظن مضمن معنى نعتقد أي ما نعتقد إلا ظناً لا علماً، وقيل: إن ظناً له صفة مقدرة أي إلا ظناً بيناً وقيل إن الظن يكون بمعنى العلم والشك، فكأنهم قالوا ما لنا اعتقاد إلا الشك، ولعل ذلك قول بعضهم، تحيروا بين ما سمعوا من آبائهم وما تلي عليهم في أمر الساعة (وما نحن بمستيقنين) أي لم يكن لنا يقين بذلك ولم يكن معنا إلا مجرد الظن أن الساعة آتية.
وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (33) وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (34) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35) فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)
الجاثية 45:33
(وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا) أي ظهر لهم سيئات أعمالهم على الصورة التي هي عليها أي جزاؤها (وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون) أحاط بهم ونزل عليهم جزاء أعمالهم بدخولهم النار
الجاثية 45:34
(وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا) أي نترككم في النار كما تركتم العمل لهذا اليوم والنسيان أريد به الترك مجازاً إما بعلاقة السببية أو لتشبهه في عدم المبالاة، وأضاف اللقاء إلى اليوم توسعاً لأنه أضاف إلى الشيء ما هو واقع فيه كمكر الليل (ومأواكم النار) أي مسكنكم ومستقركم الذي تأوون إليه (وما لكم من ناصرين) ينصرونكم فيمنعون عنكم العذاب.
الجاثية 45:35
(ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزواً) أي ذلك العذاب العظيم، بسبب أنكم اتخذتم القرآن هزواً ولعباً (وغرتكم الحياة الدنيا) أي خدعتكم بزخارفها وأباطيلها فظننتم أنه لا دار غيرها ولا بعث ولا نشور.
(فاليوم لا يخرجون منها) أي من النار، قرأ الجمهور بضم الياء، وفتح الراء مبنياً للمفعول وقرىء بفتح الياء وضم الراء مبنياً للفاعل وهما سبعيتان والالتفات من الخطاب إلى الغيبة لتحقيرهم، وللإيذان بإسقاطهم عن رتبة الخطاب (ولا هم يستعتبون) أي لا يسترضون ولا يطلب منهم الرجوع إلى طاعة الله لأنه يوم لا تقبل فيه توبة ولا تنفع فيه معذرة.
الجاثية 45:36
(فللَّه الحمد) أي الوصف بالجميل، على وفاء وعده في المكذبين (رب السموات ورب الأرض رب العالمين) أي خالق ما ذكر لا يستحق الحمد سواه، والعالم ما سوى الله وجمع لاختلاف أنواعه، قرأ الجمهور رب في المواضع الثلاثة بالجر على الصفة للاسم الشريف، أو البيان أو البدل وقرىء بالرفع في الثلاثة على تقدير مبتدأ أي هو رب السموات الخ.
الجاثية 45:37
(وله الكبرياء في السموات والأرض) أي الجلال والعظمة والسلطان، وخص السموات والأرض لظهور آثار ذلك فيهما، وهو القهر والتصرف لأنفسها لأنها صفة ذاتية للرب تعالى، وإظهارهما في موضع الإضمار لتفخيم شأن الكبرياء.
(وهو العزيز الحكيم) أي العزيز في سلطانه فلا يغالبه مغالب والحكيم في كل أفعاله وأقواله، وجميع أقضيته، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله تبارك وتعالى: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحداً منهما ألقيته في النار " أخرجه ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود وابن ماجة والبيهقي.
الأحقاف 46:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة الأحقاف
(وهي أربع أو خمس وثلاثون آية)
وهذا الاختلاف مبني على أن حم آية أو لا وهي مكية، قال القرطبي: في قول جميعهم، قال ابن عباس وابن الزبير: نزلت بمكة، وقال المحلي: إلا (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الآية وإلا (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ) وإلا (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ) الثلاث آيات، يعني آخرها قوله (إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ) وعن ابن مسعود قال: " أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سورة الأحقاف وأقرأها آخر فخالف قراءته، فقلت من أقرأكها؟ قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت والله لقد أقرأني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غير ذا فأتينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله ألم تقرئني كذا وكذا؟ قال بلى، وقال الآخر ألم تقرئني كذا وكذا قال بلى فتعمر وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ليقرأ كل واحد منكما ما سمع فإنما هلك من كان قبلكم بالاختلاف، والأحقاف واد باليمن كانت فيه منازل عاد وقيل جمع حقف وهو التل من الرمل.
بسم الله الرحمن الرحيم
حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (4) وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)
(بسم الله الرحمن الرحيم)
(حم) الله أعلم بمراده به، وقد تقدم الكلام على هذا مستوفى، وبيان ما هو الحق من أن فواتح السور من المتشابه الذي يجب أن يوكل علمه إلى من أنزله (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا) من المخلوقات بأسرها (إلا بالحق) ليدل على قدرتنا ووحدانيتنا هو استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي إلا خلقاً متلبساً بالحق الذي تقتضيه المشيئة الإلهية.
(وأجل) أي وبتقدير أجل (مسمى) وهذا الأجل هو يوم القيامة، فإنها تنتهي فيه السموات والأرض وما بينهما، وتبدل الأرض غير الأرض والسموات، وقيل المراد به هو انتهاء أجل كل فرد من أفراد المخلوقات، والأول أولى، وهذا إشارة إلى قيام الساعة وانقضاء مدة الدنيا، وأن الله لم يخلق خلقه باطلاً وعبثاً لغير الله، بل خلقه للثواب والعقاب.
(والذين كفروا عما أنذروا) وخوفوا به في القرآن من البعث والحساب والجزاء والعذاب (معرضون) والجملة في محل نصب على الحال، أي: والحال أنهم مولُّون غير مستعدين له ولا مؤمنين به
الأحقاف 46:4
(قل أرأيتم) أخبروني (ما تدعون) وتعبدون (من دون الله) من الأصنام وغيرها.
(أروني) يحتمل أن يكون تأكيداً لقوله: قل أرأيتم أي أخبروني أروني والمفعول الثاني لأرأيتم قوله: (ماذا) أي أيُّ شيء (خلقوا من الأرض)؟ ويحتمل أن لا يكون تأكيداً بل يكون هذا من باب التنازع، لأن أرأيتم يطلب مفعولاً ثانياً وأروني كذلك.
(أم لهم شرك في السموات) أم منقطعة مقدرة ببل والهمزة والمعنى بل ألهم شركة مع الله فيها؟ والاستفهام للتوبيخ والتقريع وتخصيص الشرك بالسموات دون أن يعمم بالأرض أيضاً احتراز عما يتوهم أن للوسائط شركة في إيجاد الحوادث السفلية.
(ائْتُونِي بِكِتَابٍ) منزل، هذا من جملة المقول والأمر تبكيت لهم وإظهار لعجزهم وقصورهم عن الإتيان بذلك، وإشارة إلى نفي الدليل المنقول بعد الإشارة إلى نفي الدليل المعقول (من قبل هذا) أي القرآن فإنه صرح ببطلان الشرك، وأن الله واحد لا شريك له، وأن الساعة حق لا ريب فيها، فهل للمشركين كتاب يخالف هذا الكتاب؟ أو حجة تنافي هذه الحجة؟.
(أو أثارة من علم) قال في الصحاح أي بقية منه وكذا الأثَرَة بالتحريك قال ابن قتيبة: أي بقية من علم الأولين، وقال الفراء والمبرد، يعني: ما يؤثر عن كتب الأولين قال الواحدي: وهو معنى قول المفسرين. قال عطاء، أو شيء تأثرونه عن نبي كان قبل محمد صلى الله عليه وسلم، قال مقاتل أو رواية من علم عن الأنبياء، وقال الزجاج: أو أثارة أي علامة والأثارة مصدر كالسماحة والشجاعة، وأصل الكلمة من الأثر، وهي الرواية يقال: أثرت الحديث أثره أثرة وأثاره وأثراً إذا ذكرتَه عن غيرك، قرأ الجمهور " آثارة " على المصدر كالسماحة والغواية.
وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وغيرهما بفتح الهمزة والثاء أَثرَة من غير ألف وقرىء أثْرة بضم الهمزة وسكون الثاء، قال ابن عباس: " أو أثارة من علم أي خط " وأخرجه أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وغيرهم قال سفيان لا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعني أن هذا الحديث مرفوع لا موقوف على ابن عباس.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كان نبي من الأنبياء يخط فمن صادف مثل خطه علم " أخرجه عبد بن حميد، وابن مردويه، ومعنى هذا ثابت في الصحيح، ولأهل العلم فيه تفاسير مختلفة، ومن أين لنا أن هذه الخطوط الرملية موافقة لذلك الخط؟ وأين السند الصحيح إلى ذلك النبي؟ أو إلى نبينا صلى الله عليه وسلم إن هذا الخط هو على صورة كذا فليس ما يفعله أهل الرمل إلا جهالات وضلالات.
وعن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أو أثارة من علم قال: حسن الخط " أخرجه ابن مردويه، وعن ابن عباس قال: " خط كان تخطه العرب في الأرض " وعنه قال بينة من العلم (إن كنتم صادقين) في دعواكم التي تدعونها وهي قولكم: إن لله شريكاً، أو إن الله أمركم بعبادة الأوثان ولم يأتوا بشيء من ذلك فتبين بطلان قولهم لقيام البرهان العقلي والنقلي على خلافه.
الأحقاف 46:5
(ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له)؟ أي لا أحد أضل منه ولا أجهل، فإنه دعا من لا يسمع فكيف يطمع في الإجابة فضلاً عن جلب نفع أو دفع ضر، فتبين بهذا أنه أجهل الجاهلين. وأضل الضالين والإستفهام للتوبيخ والتقريع.
(إلى يوم القيامة) غاية لعدم الإستجابة والمراد بها التأييد كقوله تعالى: (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين) قاله الشهاب، وقال في الانتصاف في هذه الغاية نكتة، وهي أنه تعالى جعل عدم الاستجابة مُغياً بيوم القيامة، فأشعرت الغاية بانتفاء الاستجابة في يوم القيامة على وجه أبلغ وأتم وأوضح وضوحاً ألحقه بالبين الذي لا يتعرض لذكره، إذ هناك تتجدد العداوة والمباينة بينها وبين عابديها.
(وهم عن دعائهم غافلون) الضمير الأول للأصنام، والثاني لعابديها، والمعنى، الأصنام التي يدعونها غافلون عن ذلك لا يسمعون ولا يعقلون، لكونهم جمادات، فالغفلة مجاز عن عدم الفهم فيهم والجمع في الضميرين باعتبار معنى من، وأجرى على الأصنام ما هو للعقلاء، لاعتقاد المشركين فيها أنها تعقل.
الأحقاف 46:6
(وإذا حشر الناس) العابدون للأصنام (كانوا) أي كان الأصنام (لهم) أي لعابديهم (أعداء) يتبرأ بعضهم من بعض، ويلعن بعضهم بعضاً، وقد قيل: إن الله يخلق الحياة في الأصنام فتكذبهم، وقيل: المراد إنها تكذبهم وتعاديهم بلسان الحال لا بلسان المقال، وأما الملائكة والمسيح وعزير والشياطين فإنهم يتبرأون ممن عبدهم يوم القيامة، كما في قوله تعالى: (تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون).
(وكانوا بعبادتهم كافرين) أي كان المعبودون بعبادة المشركين إياهم جاحدين مكذبين، وقيل: الضمير في كانوا للعابدين، كما في قوله: (والله ربنا ما كنا مشركين) والأول أولى.
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (8) قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (9)
الأحقاف 46:7
(وإذا تتلى عليهم آياتنا) أي آيات القرآن حال كونها (بينات) واضحات المعاني ظاهرات الدلالات (وقال الذين كفروا للحق) أي لأجله وفي شأنه، وهو عبارة عن الآيات كما قاله القاضي في الكشاف، وإليه أشار في التقرير، ووضعه موضع ضميرها، ووضع الذين كفروا موضع ضمير المتلو عليهم للتسجيل عليها بالحق، وعليهم بالكفر، والانهماك في الضلالة كما يؤخذ ذلك من تقريره.
وإيضاحه: أنه هنا اقام ظاهرين مقام مضمرين إذ الأصل قالوا لها أي للآيات ولكنه أبرزهما ظاهرين لأجل الوصفين المذكورين أفاده الكرخي (لما جاءهم) أي وقت أن جاءهم قالوا من غير نظر وتأمل (هذا سحر مبين) أي ظاهر السحرية بين البطلان.
الأحقاف 46:8
(أم يقولون افتراه)؟ أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة، أي بل أيقولون؟ والإستفهام للإنكار، والتعجب من صنيعهم وبل للانتقال عن تسميتهم الآيات سحراً إلى قولهم: إن رسول الله افترى ما جاء به، والظاهر أن الافتراء على الله أشنع من السحر، لا يحتاج إلى البيان، وإن كان كلاهما كفراً، وفي ذلك من التوبيخ والتقريع ما لا يخفى، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال:
(قل إن افتريته) على سبيل الفرض والتقدير كما تدعون (فلا تملكون لي من الله شيئاًً) أي فلا تقدرون على أن تردوا عني عقاب الله فكيف أفترى على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني.
(هو أعلم بما تفيضون فيه) أي تخوضون فيه من التكذيب، والإفاضة في الشيء الخوض والاندفاع فيه، يقال: أفاضوا في الحديث أي اندفعوا فيه، وأفاض البعير إذا دفع جرته من كرشه، والمعنى الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون فيه من التكذيب له والقول بأنه سحر وكهانة.
(كفى به شهيداً بيني وبينكم) فإنه يشهد لي بأن القرآن من عنده، وأني قد بلغتكم، ويشهد عليكم بالتكذيب والجحود، وفي هذا وعيد شديد بجزاء إفاضتهم (وهو الغفور الرحيم) لمن تاب وآمن وصدق بالقرآن، وعمل بما فيه، أي كثير الرحمة والمغفرة بليغهما، وفيه إشعار بحلم الله عنهم، مع عظيم جرمهم.
الأحقاف 46:9
(قل ما كنت بدعاً من الرسل) البدع من كل شيء المبدأ أي ما أنا بأول رسول كذا قال ابن عباس يعني قد بعث الله قبلي كثيراً من الرسل، وقيل البدع بمعنى البديع كالخف والخفيف، والبديع ما لم ير له مثل من الابتداع وهو الاختراع، وشيء بدع بالكسر أي مبتدع. وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع كذا قال الأخفش، وقرىء بدعاً بفتح الدال مصدراً على تقدير حذف مضاف، أي ما كنت ذا بدع قاله أبو البقاء. وقرىء بفتح الباء وكسر الدال على الوصف كحذر.
(وما أدري ما يفعل بي) فيما يستقبل من الزمان، هل أبقى في مكة؟ أو أخرج منها؟ وهل أموت أو أقتل كما فعل بالأنبياء قبلي؟ قرىء يفعل مبنياً للمفعول وللفاعل وما استفهامية كما جرى عليه المحلِّي، أو موصولة كما قال الزمخشري.
(ولا) أدري ما يفعل (بكم) يعني هل تعجل لكم العقوبة كالمكذبين قبلكم؟ أم تمهلون وهذا إنما هو في الدنيا وأما في الآخرة فقد علم أنه وأمته في الجنة، وأن الكافرين في النار، وقيل إن المعنى ما أدري ما يفعل بي ولا بكم يوم القيامة وأنها لما نزلت قدح المشركون، وقالوا: كيف نتبع نبياً لا يدري ما يفعل به ولا بنا؟ وأنه لا فضل له علينا، فنزل قوله تعالى: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)، والأول أولى.
قال ابن عباس رضي الله عنه: " فأنزل الله تعالى بعد هذا (ليغفر لك الله) الخ، وقوله: (ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات) الآية فأعلم الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم ما يفعل به وبالمؤمنين جميعاً وأرغم الله أنف الكفار وأخرج أبو داود في ناسخه أن هذه الآية منسوخة بقوله: (ليغفر لك الله) وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أم العلاء قالت: " لما مات عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه قلت رحمك الله يا أبا السائب شهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أن الله أكرمه؟ أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، وما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم. قالت أم العلاء: فوالله لا أزكي بعده أحداً ".
(إن أتبع إلا ما يوحى إلي) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول أي ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئاًً والمعنى قصر أفعاله صلى الله عليه وسلم على الوحي، لاقصر اتباعه على الوحي (وما أنا إلا نذير مبين) أي أنذركم عقاب الله وأخوفكم عذابه على وجه الإيضاح.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (10) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (11) وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (12) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13)
الأحقاف 46:10
(قُلْ أَرَأَيْتُمْ) أي أخبروني ماذا حالكم (إن كان) ما يوحى إليّ من القرآن (من عند الله) وقيل المراد محمد صلى الله عليه وسلم والمعنى إن كان مرسلاً من عند الله في الحقيقة.
(و) الحال أنكم قد (كفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل) العالمين بما أنزل الله في التوراة (على مثله فآمن) أي على مثل القرآن من المعاني الموجودة في التوراة المطابقة له من إثبات التوحيد والبعث والنشور وغير ذلك، وهذه المثلية هي باعتبار تطابق المعاني، وإن اختلفت الألفاظ، قال الجرجاني: مثل صلة، والمعنى وشهد شاهد عليه أنه من عند الله، وكذا قال الواحدي: فآمن الشاهد بالقرآن لما تبين له أنه من كلام الله، ومن جنس ما ينزله على رسله.
وهذا الشاهد من بني إسرائيل هو عبد الله بن سلام، كما قال الحسن ومجاهد وقتادة وعكرمة وغيرهم، وفي هذا نظر فإن السورة مكية بالإجماع وعبد الله بن سلام كان إسلامه بعد الهجرة، فيكون المراد بالشاهد رجلاً من أهل الكتاب قد آمن بالقرآن في مكة، وصدقه واختار هذا ابن جرير والراجح أنه عبد الله بن سلام وأن هذه الآية مدنية لا مكية، وروي عن مسروق أن المراد بالرجل موسى عليه السلام وشهادته ما في التوراة من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: " ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأحد يمشي على وجه الأرض: إنه من أهل الجنة إلا لعبد الله بن سلام، وفيه نزلت: وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله ".
وأخرج الترمذي وابن جرير وابن مردويه عن عبد الله بن سلام قال: " نزل فيّ آيات من كتاب الله نزلت في (وشهد شاهد من بني إسرائيل) ونزل فيّ (قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب).
وعن ابن عباس قال هو عبد الله بن سلام وقد روي نحو هذا عن جماعة من التابعين. وفيه دليل على أن هذه الآية مدنية فيخصص بها عموم قولهم إن سورة الأحقاف كلها مكية، وإياه ذكر الكواشي وكونه إخباراً قبل الوقوع خلاف الظاهر، ولذا قيل لم يذهب أحد إلى أن الآية مكية إذا فسر الشاهد بابن سلام، وفيه بحث لأن قوله وشهد شاهد معطوف على الشرط الذي يصير به الماضي مستقبلاً فلا ضرر في شهادة الشاهد بعد نزولها وادعاء أنه لم يقل به أحد من السلف مع ذكره في شروح الكشاف لا وجه له إلا أن يراد من السلف المفسرون، قاله الشهاب.
(واستكبرتم) أي آمن الشاهد واستكبرتم أنتم عن الإيمان، وقد اختلف في جواب الشرط ما هو؟ فقال الزجاج محذوف تقديره أتؤمنون؟ وقيل تقديره فقد ظلمتم لدلالة أن الله لا يهدي الخ عليه، وقيل تقديره فمن أضل منكم؟ وقيل: قوله فآمن واستكبرتم، وقال أبو علي الفارسي تقديره أتأمنون عقوبة الله؟ وقيل التقدير ألستم ظالمين.
(إن الله لا يهدي القوم الظالمين) فحرمهم الله سبحانه الهداية بظلمهم لأنفسهم بالكفر، بعد قيام الحجة الظاهرة على وجوب الإيمان ومن فقد هداية الله له ضل، عن عوف بن مالك الأشجعي قال " انطلق النبي (صلى الله عليه وسلم) وأنا معه حتى دخلنا كنيسة اليهود يوم عيدهم فكرهوا دخولنا عليهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر اليهود أروني اثني عشر رجلاً منكم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يحط الله عن كل يهودي تحت أديم السماء الغضب الذي عليه فسكتوا فما أجابه منهم أحد، ثم رد عليهم فلم يجبه أحد ثلاثاً، فقال أبيتم فوالله لأنا الحاشر، وأنا العاقب، وأنا المقفى، آمنتم أو كذبتم، ثم انصرف، وأنا معه حتى كدنا أن نخرج فإذا رجل من خلفه، فقال: كما أنت يا محمد، فأقبل فقال ذلك الرجل أي رجل تعلموني فيكم يا معشر اليهود؟ فقالوا: والله ما نعلم فينا رجلاً أعلم بكتاب الله ولا أفقه منك، ولا من أبيك، ولا من جدك، فقال: فإني أشهد بالله أنه النبي الذي تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل، قالوا كذبت، ثم ردوا عليه، وقالوا شراً فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كذبتم لن يقبل منكم قولكم، فخرجنا ونحن ثلاثة رسول الله وأنا وابن سلام، فأنزل الله: (قل أرأيتم إن كان من عند الله) إلى قوله: (إن الله لا يهدي القوم الظالين) أخرجه أبو يعلى وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه، وصححه السيوطي.
ثم ذكر الله سبحانه نوعاً آخر من أقاويلهم الباطلة في حق القرآن العظيم والمؤمنين به فقال:
الأحقاف 46:11
(وقال الذين كفروا) أي كفار مكة (للذين آمنوا) أي لأجلهم، وفي حقهم، وقيل: هي لام التبليغ: (لو كان) ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن والنبوة (خيراً ما سبقونا إليه) فإن معالي الأمور لا تنالها أيدي الأراذل وهم سقاط، عامتهم فقراء وموال ورعاة، قالوه زعماً منهم أنهم المستحقون للسبق إلى كل مكرمة، وأن الرياسة الدينية مما ينال بأسباب دنيوية، وزل عنهم أنها منوطة بكمالات نفسانية، وملكات روحانية، مبناها الإعراض عن زخارف الدنيا الدنية والإقبال على الآخرة بالكلية، وأن من فاز بها فقد حازها بحذافيرها ومن حرمها فما له منها من خلاق ولم يعلموا أن الله سبحانه يختص برحمته من يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء ويصطفي لدينه من يشاء عن قتادة قال: قال ناس من المشركين: نحن أعز ونحن ونحن فلو كان خيراً ما سبقنا إليه فلان وفلان، فنزلت هذه الآية.
وعن عون بن أبي شداد: " كانت لعمر بن الخطاب أمة أسلمت قبله يقال لها زنيرة. وكان عمر يضربها على الإسلام وكان كفار قريش يقولون: لو كان خيراً ما سبقتنا إليه زنيرة فأنزل الله في شأنها هذه الآية " وعن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بنو غفار وأسلم كانوا لكثير من الناس فتنة يقولون لو كان خيراً ما جعلهم الله أول الناس فيه ".
(وإذ لم يهتدوا به) أي بالقرآن وقيل: بمحمد صلى الله عليه وسلم وقيل بالإيمان (فسيقولون) غير مكتفين بنفي خيريته: (هذا إفك قديم) فجاوزوا نفي خيرية القرآن إلى دعوى أنه كذب قديم كما قالوا أساطير الأولين.
الأحقاف 46:12
(ومن قبله كتاب موسى) قرأ الجمهور بكسر الميم من (من) على أنها حرف جر وهي مع مجرورها خبر مقدم، وكتاب موسى مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب علي الحال، أو مستأنفة، والكلام مسوق لرد قولهم: (هذا إفك قديم) فإن كونه قد تقدم القرآن كتاب موسى وهو التوراة، وتوافقا في أصول الشرائع يدل على أنه حق، ويقتضي بطلان قولهم. وقرىء بفتح الميم على أنها موصولة ونصب كتاب أي وآتينا من قبله كتاب موسى.
(إماماً) أي يقتدى به في الدين (ورحمة) من الله لمن آمن به وهما منتصبان على الحال، قاله الزجاج وغيره، وقال الأخفش على القطع وقال أبو عبيدة أي جعلناه إماماً ورحمة.
(وهذا كتاب مصدق) يعني القرآن فإنه مصدق لكتاب موسى الذي هو إمام ورحمة ولغيره من كتب الله، وقيل: مصدق للنبي صلى الله عليه وسلم وانتصاب (لساناً عربياً) على الحال الموطئة، وصاحبها الضمير في مصدق العائدة إلى كتاب الله وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً لمصدق، والأول أولى وقيل: على حذف مضاف أي ذا لسان عربي، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل بلسان على إسقاط حرف الجر وهو ضعيف (لينذر الذين ظلموا) أي لينذر الكتاب أو لينذر الله وقيل الرسول والأول أولى قرأ الجمهور بالتحتية وقرىء " لتنذر " بالفوقية على أن فاعله النبي صلى الله عليه وسلم.
(وبشرى) في محل نصب عطفاً على محل لتنذر، لأنه مفعول به، قاله الزمخشري وتبعه أبو البقاء وتقديره للإنذار والبشرى، وقيل منصوب على المصدرية لفعل محذوف أي وبشر بشرى، وقال الزجاج الأجود أن يكون في محل رفع أي وهو بشرى وقيل: إنه معطوف على مصدق فهو في محل رفع وقوله: (للمحسنين) متعلق ببشرى.
الأحقاف 46:13
(إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم، والاستقامة على الشريعة التي هي منتهى العلم، وثم للدلالة على تأخر رتبة العمل وتوقف اعتباره على التوحيد وقد تقدم تفسير هذا في سورة السجدة.
(فلا خوف عليهم) أي من لحوق مكروه في الآخرة والفاء زائدة في خبر الموصول لما فيه من معنى الشرط ولم تمنع أن من ذلك لبقاء معنى الابتداء بخلاف ليت ولعل وكان (ولا هم يحزنون) على فوات محبوب في الدنيا وإن ذلك دائم مستمر.
أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (14) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)
الأحقاف 46:14
(أولئك) الموصوفون بما ذكر (أصحاب الجنة) التي هي دار المؤمنين حال كونهم (خالدين فيها) وفي هذه الآية من الترغيب أمر عظيم، فإن نفي الخوف والحزن على الدوام والاستقرار في الجنة على الأبد مما لا تطلب الأنفس سواه، ولا تتشوق الأرواح إلى ما عداه.
(جزاء بما كانوا يعملون) أي يجزون جزاء بسبب أعمالهم التي عملوها من الطاعات لله، وترك معاصيه في الدنيا ولما كان رضا الله في رضا الوالدين وسخطه في سخطهما كما ورد به الحديث حث الله تعالى عليه بقوله:
الأحقاف 46:15
(ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) قرأ الجمهور بضم الحاء وسكون السين وقرىء بفتحهما، وقرىء إحساناً. وقد تقدم في سورة العنكبوت (ووصينا الإنسان بوالديه حسناً) من غير اختلاف بين القراء، وقد تقدم في سورة الأنعام وسورة بني إسرائيل (وبالوالدين إحساناً) فلعل هذا هو وجه اختلاف القراء هنا، وعلى جميعها فانتصابه على المصدرية، أي وصيناه أن يحسن إليهما حسناً أو إحساناً، وقيل يتضمن وصينا معنى ألزمنا، وقيل على أنه مفعول له والحسن خلاف القبح، والإحسان خلاف الإساءة والتوصية الأمر.
(حملته أمه كرهاً ووضعته كرهاً) تعليل للتوصية المذكورة، واقتصر في التعليل على الأم لأن حقها أعظم ولذلك كان لها ثلثا البر قاله الخطيب، قرأ الجمهور كرهاً بضم الكاف في الموضعين، وقرىء بفتحها، قال الكسائي وهما لغتان بمعنى واحد، قال أبو حاتم الكره بالفتح لا يحسن لأنه الغضب والغلبة، واختار أبو عبيدة الفتح، وقال لأن لفظ الكره في القرآن كله بالفتح إلا التي في سورة البقرة (كتب عليكم القتال وهو كره لكم) وقيل: إن الكره بالضم ما حمل الإنسان على نفسه، وبالفتح ما حمل على غيره، وإنما ذكر سبحانه حمل الأم ووضعها تأكيداً لوجوب الإحسان إليها الذي وصى الله به، والمعنى أنها حملته ذات كره ووضعته ذات كره، ثم بين سبحانه مدة حمله وفصاله فقال:
(وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) أي عدتهما هذه المدة من عند ابتداء حمله إلى أن يفصل من الرضاع أي يفطم عنه؛ وقد استدل بهذه الآية على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع سنتان أي مدة الرضاع الكامل في قوله: (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة)، فذكر سبحانه في هذه الآية أقل مدة الحمل وأكثر مدة الرضاع، وفي هذه الآية إشارة إلى أن حق الأم آكد من حق الأب، لأنها حملته بمشقة ووضعته بمشقة وأرضعته هذه المدة بتعب ونصب. ولم يشاركها الأب في شيء من ذلك.
قرأ الجمهور فصاله بالألف، وقرىء فصله بفتح الفاء وسكون الصاد والفصل والفصال بمعنى كالفطم والفطام والقطف والقطاف، عن نافع بن جبير أن ابن عباس أخبره قال: " إني لصاحب المرأة التي أتى بها عمر وضعت لستة أشهر، فأنكر الناس ذلك فقلت لعمر لم تظلم؟ قال كيف؟ قلت اقرأ (وحمله وفصاله ثلاثون شهراً) (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) كم الحول؟ قال: سنة، قلت: كم السنة؟ قال اثنا عشر شهراً، قلت: فأربعة وعشرون شهراً حولان كاملان، ويؤخر الله من الحمل ما شاء، ويقدم ما شاء فاستراح عمر إلى قوله "، وعنه أنه كان يقول إذا ولدت المرأة لتسعة أشهر كفاها من الرضاع أحد وعشرون شهراً وإذا ولدت لسبعة أشهر كفاها من الرضاع ثلاثة وعشرون شهراً وإذا وضعت لستة أشهر فحولان كاملان لأن الله يقول وحمله وفصاله ثلاثون شهراً.
(حتى إذا بلغ أشده) أي بلغ استحكام قوته وعقله، وغاية شبابه واستوائه، وهو جمع لا واحد له من لفظه، وكان سيبويه يقول: واحده شدة، وبلوغ الأشد أن يكتهل، ويستوفي السن التي تستحكم فيها قوته ولبه، وذلك إذا أناف على الثلاثين وناطح الأربعين، وقد مضى تحقيق الأشد مستوفى، ولا بد من تقدير جملة تكون حتى غاية لها، أي عاش واستمرت حياته، وقيل: بلغ عمره ثماني عشرة سنة. وقيل: الأشد الحلم، قاله الشعبي وابن زيد، وقال الحسن: وهو بلوغ الأربعين والأول أولى لقوله: (وبلغ أربعين سنة) فإن هذا يفيد أن بلوغ الأربعين هو شيء وراء بلوغ الأشد، قال المفسرون: لم يبعث الله نبياً قط إلا بعد أربعين سنة إلا ابني الخالة.
(قال رب أوزعني) أي ألهمني ورغبني ووفقني، قال الجوهري: استوزعت الله فأوزعني أي استلهمته فألهمني (أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي) أي ألهمني شكر ما أنعمت علي من الهداية (وعلى والدي) من التحنن عليّ منهما حين ربياني صغيراً وقيل أنعمت عليَّ بالصحة والعافية وعلى والدي بالغنى والثروة (وأن أعمل) عملاً (صالحا ترضاه) مني.
(وأصلح لي في ذريتي) أي اجعل ذريتي صالحين راسخين في الصلاح، متمكنين منه، وعدي بفي لتضمنه معنى اللطف أو هو نزل منزلة اللازم، ثم عدي ليفيد سريان الصلاح فيم، وإلا فالإصلاح متعد كما في قوله تعالى: (وأصلحنا له زوجه) وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي لمن بلغ عمره أربعين سنة أن يستكثر من هذه الدعوات (إني تبت إليك) من ذنوبي (وإني من المسلمين) أي المستسلمين لك المنقادين لطاعتك المخلصين لتوحيدك.
أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16) وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)
الأحقاف 46:16
(أولئك) إشارة إلى الإنسان المذكور والجمع لأنه يراد به الجنس (الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا) من أعمال الخير في الدنيا. والمراد بالأحسن الحسن كقوله: (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم) فالقبول ليس قصراً على أفضل عباداتهم وأحسنها، بل يعم كل طاعاتهم فاضلها ومفضولها، والقبول هو الرضا بالعمل والإتابة عليه، وقيل: إن اسم التفضيل على معناه، ويراد به ما يثاب العبد عليه من الأعمال، لا ما لا يثاب عليه، كالمباح فإنه حسن، وليس بأحسن.
(ونتجاوز عن سيئاتهم) فلا نعاقبهم عليها، قرأ الجمهور: يتقبل ويتجاوز على بناء الفعلين للمفعول، وقرىء بالنون فيهما على إسنادهما إلى الله سبحانه، والتجاوز الغفران، وأصله من جزت الشيء إذا لم تقف عليه.
(في أصحاب الجنة) أي أنهم كائنون في عدادهم، منتظمون في سلكهم، فالجار والمجرور في مجال النصب على الحال، كقولك أكرمني الأمير في أصحابه أي كائناً في جملتهم، وقيل: إن في بمعنى مع، أي: مع أصحاب الجنة، وقيل: إنهما خبر مبتدأ محذوف أي هم في أصحاب الجنة.
(وعد الصدق) مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة، لأن قوله (أولئك الذين نتقبل عنهم) في معنى الوعد بالتقبل، والتجاوز، ويجوز أن يكون مصدراً لفعل محذوف، أي ووعدهم الله وعد الصدق.
(الذي كانوا يوعدون) به على ألسن الرسل في الدنيا، عن ابن عباس قال: " أنزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فاستجاب الله له، فأسلم والداه جميعاً وإخوانه وولده كلهم "، ونزلت فيه أيضاًً: (فأما من أعطى واتقى) آخر السورة ".
وقال النسفي: قيل: نزلت في أبي بكر الصديق في أبيه أبي قحافة، وأمه أم الخير، وفي أولاده واستجابة دعائه فيهم، فإنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، ودعا لهما وهو ابن أربعين سنة، ولم يكن أحد من الصحابة من المهاجرين منهم والأنصار، أسلم هو ووالداه وبنوه وبناته غير أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
ولما ذكر سبحانه من شكر نعمة الله عليه وعلى والديه، ذكر من قال لهما قولاً يدل على التضجر منهما، عند دعوتهما له إلى الإيمان فقال:
الأحقاف 46:17
(والذي قال لوالديه أفٍ لكما) الموصول عبارة عن الجنس القائل ذلك القول، ولهذا أخبر عنه بالجمع، وأف كلمة تصدر عن قائلها عند تضجره من شيء يرد عليه، قرىء أف بكسر الفاء مع التنوين، وقرىء بفتحها من غير تنوين وقرىء بكسرها من غير تنوين فالقراآت ثلاثة سبعية والهمزة في الكل مضمومة وقد مضى بيان الكلام على هذا في سورة بني إسرائيل واللام في لكما لبيان المؤفف له كما في قوله: (هيت لك).
وقد أخرج البخاري عن يوسف بن ماهك قال: كان مروان على الحجاز استعمله معاوية بن أبي سفيان فخطب فجعل يذكر يزيد ابن معاوية عليه ما عليه لكي يبايع له بعد أبيه، فقال عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاًً، فقال: خذوه فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه. فقال مروان إن هذا أنزل فيه (والذي قال لوالديه أف لكما)، فقالت عائشة: ما أنزل الله فينا شيئاًً من القرآن إلا أن الله أنزل عذري ".
وعن محمد بن زياد قال لما بايع معاوية لابنه قال مروان سنة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقال عبد الرحمن سنة هرقل وقيصر، فقال مروان هذا الذي قال الله فيه والذي قال لوالديه أف لكما الآية فبلغ ذلك عائشة كذب مروان والله ما هو به، ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان من لعنه الله " أخرجه النسائي، وعبد بن حميد وابن المنذر، والحاكم وصححه.
وعن ابن عباس في الآية قال هذا ابن لأبي بكر، ونحوه عن السدي، ولا يصح هذا، ويرده ما سيأتي من قوله تعالى:
الأحقاف 46:18
(أولئك الذين حق عليهم القول في أمم)، والصحيح أنه ليس المراد من الآية شخصاً معيناً، بل المراد كل شخص كان موصوفاً بهذه الصفة، وهو كل من دعاه أبواه إلى الدين الصحيح والإيمان بالبعث، فأبى وأنكر وقيل نزلت في كل كافر عاق لوالديه.
(أتعدانني)؟ بنونين مخففتين وفتح ياءه أهل المدينة ومكة، وأسكنها الباقون، وقرىء بإدغام إحدى النونين في الأخرى. وقرىء بفتح النون الأولى فراراً من توالي مثلين مكسورين (أن أخرج) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل، والمعنى أتعدانني أن أبعث بعد الموت، وهذا هو الموعود به.
(وقد خلت القرون من قبلي) أي والحال أن قد مضت القرون فماتوا ولم يبعث منهم أحد (وهما يستغيثان الله) له، ويطلبان منه التوفيق إلى الإيمان واستغاث يتعدى بنفسه تارة وبالباء أخرى، يقال استغاث الله واستغاث به.
وقال الرازي معناه يستغيثان بالله من كفره فلما حذف الجار وصل الفعل وقيل الاستغاثة الدعاء فلا حاجة إلى الباء، وزعم ابن مالك أنه يتعدى بنفسه فقط، وعاب قول النحاة مستغاث به، قلت لكنه لم يرد في القرآن إلا متعدياً بنفسه (إذ تستغيثون ربكم) (فاستغاثه الذي من شيعته) (وإن يستغيثوا يغاثوا) قال الفراء يقال أجاب الله دعاءه وغواثه.
(ويلك) أي: يقولان له ويلك. وليس المراد به الدعاء عليه بل الحث له على الإيمان ولهذا قالا له (آمن) بالبعث واعترف وصدق (إن وعد الله حق) قرأ الجمهور بكسر إن على الاستئناف أو التعليل، وقرىء بفتحهما أي آمن بأن وعد الله حق لا خلف فيه، وهو من جملة مقولهما.
(فيقول) عند ذلك مكذباً لما قالاه (ما هذا) الذي تقولانه من البعث (إلا أساطير الأولين) أي: أحاديثهم وأباطيلهم التي يسطرونها في الكتب من غير أن تكون في حقيقة.
(أولئك) القائلون هذه المقالات هم (الذين حق عليهم القول) أي وجب عليهم العذاب بقوله سبحانه لإبليس (لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين) كما يفيده قوله:
(في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس) وجملة (إنهم كانوا خاسرين) تعليل لما قبلها، وهذا يدفع كون سبب النزول عبد الرحمن ابن أبي بكر، وأنه الذي قال لوالديه ما قال. فإنه من أفاضل المؤمنين، وليس ممن حقت عليه كلمة العذاب.
وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (20)
الأحقاف 46:19
(ولكل) أي لكل فريق من الفريقين المؤمنين والكافرين والأبرار والفجار من الجن والإنس (درجات مما عملوا) أي مراتب عند الله يوم القيامة بأعمالهم قال ابن زيد درجات أهل النار تذهب سفلاً، ودرجات أهل الجنة تذهب علواً، ومراتب أهل النار يقال لها دركات بالكاف، كما في الحديث لا درجات، والجواب أن ذلك على جهة التغليب أو المراد المراتب مطلقاً.
(وليوفيهم أعمالهم) أي جزاء أعمالهم، ولا يظلمهم حقوقهم، قدر جزاءهم على مقادير أعمالهم، فجعل الثواب درجات، والعقاب دركات، قرأ الجمهور بالنون، وقرىء بالتحتية، واختار أبو عبيدة الأولى، وأبو حاتم الثانية (وهم لا يظلمون) أي لا يزاد مسيء ولا ينقص محسن، بل يوفي كل فريق ما يستحقه من خير وشر والجملة حالية مؤكدة، أو مستأنفة مقررة لما قبلها.
الأحقاف 46:20
(ويوم يعرض الذين كفروا على النار) أي اذكر لهم يا محمد يوم ينكشف الغطاء فينظرون إلى النار ويقربون منها، وقيل معنى يعرضون يعذبون من قولهم عرضه على السيف وعرض الشخص على النار أشد في إهانته من عرض النار عليه إذ عرضه عليها يفيد أنه كالحطب المخلوق للاحتراق، وقيل: في الكلام قلب والمعنى تعرض النار عليهم.
(أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) أي يقال لهم ذلك، قرأ الجمهور: أذهبتم بهمزة واحدة، وقرىء بهمزتين محققتين، ومعنى الاستفهام التقريع والتوبيخ، قال الفراء والزجاج: العرب توبخ بالإستفهام وبغيره، فالتوبيخ كائن على القراءتين، قال الكلبي: المراد بالطيبات اللذات وما كانوا فيه من المعايش والمعنى أن كل ما قدر لكم من اللذات والطيبات فقد ذهبتم به وأخذتموه وتمتعتم به فلم يبق لكم بعد استيفاء حظكم منها شيء، وقيل: المعنى أفنيتم شبابكم في الكفر والمعاصي، قال ابن بحر: الطيبات الشباب والقوة، مأخوذة من قولهم: ذهب أطيباه أي شبابه وقوته، قال الماوردي: ووجدت الضحاك قاله أيضاًً، قلت: القول الأول أظهر، والثاني فيه بعد.
(واستمتعتم بها) أي بالطيبات، والمعنى: أنهم اتبعوا الشهوات واللذات التي في معاصي الله سبحانه، ولم يبالوا بالذنب تكذيباً منهم لما جاءت به الرسل من الوعد بالحساب والعقاب والثواب.
(فاليوم تجزون عذاب الهون) أي العذاب الذي فيه ذلكم، وخزي عليكم، قال مجاهد وقتادة الهون الهوان بلغة قريش (بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق) أي بسبب تكبركم عن عبادة الله، والإيمان به وتوحيده.
(وبما كنتم تفسقون) أي تخرجون عن طاعة الله وتعملون بمعاصيه، فجعل السبب في عذابهم أمرين: التكبر عن اتباع الحق، والعمل بمعاصي الله سبحانه، وهذا شأن الكفرة فإنهم جمعوا بينهما، قيل لما وبخ الله تعالى الكافرين بالتمتع بالطيبات آثر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والصالحون من بعدهم اجتناب اللذات في الدنيا رجاء ثواب الآخرة وفي الباب أخبار وآثار تدل على ذم التمتع.
الأحقاف 46:21
وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (21)
(واذكر) يا محمد لقومك (أخا عاد) هو هود بن عبد الله بن رباح كان أخاهم في النسب لا في الدين (إذ أنذر قومه) أي وقت إنذاره إياهم (بالأحقاف) هي ديار عاد جمع حقف وهو الرمل العظيم المستطيل المعوج قاله الخليل وغيره، وكانوا قهروا أهل الأرض بقوتهم والمعنى أن الله سبحانه أمره أن يذكر لقومه قصتهم ليتعظوا ويخافوا ويعتبروا بها، وقيل أمره أن يتذكر في نفسه قصتهم مع هود ليقتدى به ويهون عليه تكذيب قومه له.
قال عطاء الأحقاف رمال بلاد الشحر والشحر قريب من عدن وفي القاموس الشحر كمنع فتح الفم وساحل البحر بين عمان وعدن، وقال مقاتل: هي باليمن في حضرموت. وقال ابن زيد: هي رمال مبسوطة مستطيلة مشرفة على البحر كهيئة الجبال، ولم تبلغ أن تكون جبالاً؛ وقيل: الأحقاف ما استدار من الرمل. وقال ابن عباس: الأحقاف جبل بالشام، وقيل: واد بين عمان ومهرة وإليه تنسب الإبل المهرية وقيل: كانوا من قبيلة إرم.
(وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه) أي وقد مضت الرسل من قبله ومن بعده، كذا قال الفراء وغيره والمعنى أعلمهم أن الرسل الذين بعثوا قبله والذين سيبعثون بعده كلهم منذورون نحو إنذاره، فالذين قبله أربعة آدم وشيث وإدريس ونوح، والذين بعده كصالح وإبراهيم وإسماعيل وإسحق وكذا سائر أنبياء بني إسرائيل (أن) أي بأن قال: (لا تعبدوا إلا الله) وحده (إني أخاف عليكم) تعليل لما قبله (عذاب يوم عظيم) أي هائل بسبب شرككم، قاله القاضي، وفيه إشارة إلى أن عظيم مجاز عن هائل لأنه يلزم العظم.
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (22) قَالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (23) فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (27)
الأحقاف 46:22
(قَالُوا) أي جواباً لإنذاره (أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا) أي لتصرفنا عن عبادتها، وقيل: لتزيلنا، وقيل لتمنعنا، والمعنى متقارب (فأتنا بما تعدنا) من عذاب يوم عظيم (إن كنت من الصادقين) في وعدك لنا به
الأحقاف 46:23
(قال إنما العلم) بوقت مجيئه (عند الله) لا عندي ولا مدخل لي فيه فاستعجل به.
(وأبلغكم) أي وأما أنا فإنما وظيفتي التبليغ (ما أرسلت به) إليكم من ربكم من الإنذار والإعذار لا الإتيان بالعذاب إذ ليس من مقدوري بل هو من مقدورات الله تعالى: (ولكني أراكم قوماً تجهلون) حيث بقيتم مصرين على كفركم، ولم تهتدوا بما جئتكم به بل اقترحتم عليّ ما ليس من وظائف الرسل.
الأحقاف 46:24
(فلما رأوه) الضمير يرجع إلى ما في قوله: (بما تعدنا) وقال المبرد والزجاج يعود إلى غير مذكور وبينه قوله (عارضاً) فيعود إلى السحاب أي فلما رأوا السحاب عارضاً، فعارضاً نصب على التكرير بمعنى التفسير وسمي السحاب عارضاً لأنه يبدو في عرض السماء، قال ابن عباس: العارض السحاب وبه قال الجوهري، وزاد يعترض في الأفق ومنه قوله: (هذا عارض ممطرنا)، وانتصاب عارضاً على الحال أو التمييز.
(مستقبل أوديتهم) أي متوجهاً نحوها سائراً إليها، قال المفسرون: كانت عاد قد حبس عنهم المطر أياماً فساق الله إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له المعتب فلما رأوه مستقبل أوديتهم استبشروا.
و (قالوا هذا عارض ممطرنا) أي غيم فيه مطر وقوله مستقبل أوديتهم صفة لعارض لأن إضافته لفظية لا معنوية فصح وصف النكرة به وهكذا ممطرنا، فلما قالوا ذلك أجاب عليهم هوداً القائل هو الله: (بل هو ما استعجلتم به) من العذاب حيث قلتم: فائتنا بما تعدنا.
(ريح فيها عذاب أليم) الريح التي عذبوا بها نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه
الأحقاف 46:25
(تدمر كل شيء بأمر ربها) صفة ثانية لريح أي تهلك كل شيء مرت به من نفوس عاد وأموالها، والتدمير الإهلاك وكذا الدماء، وقرىء يدمر بالتحتية مفتوحة وسكون الدال وضم الميم ورفع كل على الفاعلية من دمر دماراً ومعنى بأمر ربها أن ذلك بقضائه وقدره.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: " ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم، وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عرف ذلك في وجهه قلت يا رسول الله: الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرفت في وجهك الكراهية، قال: يا عائشة وما يؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عذب قوم بالريح وقد رأى قوم العذاب فقالوا هذا عارض ممطرنا ".
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال اللهم إني أسألك خيرها وخير ما فيها، وخير ما أرسلت به وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به، فإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ودخل وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سرى عنه فسألته فقال لا أدري لعله كما قال قوم عاد هذا عارض ممطرنا ".
(فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم) بعد خراب أموالهم وذهاب أنفسهم قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للرؤية، ونصف مساكنهم وقرىء بالتحتية مبنياً للمفعول ورفع مساكنهم، قال سيبويه معناه لا يرى أشخاصهم إلا مساكنهم وقال الكسائي والزجاج معناها لا يرى شيء إلا مساكنهم فهي محمولة على المعنى، كما تقول ما قام إلا هند أي ما قام أحد إلا هند، وفي الكلام حذف، والتقدير فجاءتهم الريح فدمرتهم فأصبحوا الخ.
قال ابن عباس في الآية: " أول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجاً من رحالهم ومواشيهم يطير بين السماء والأرض مثل الريش، دخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم فجاءت الريح ففتحت أبوابهم ومالت عليهم بالرمل فكانوا تحت الرمل سبع ليال وثمانية أيام حسوماً لهم أنين ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمل وطرحتهم في البحر فهو قوله فأصبحوا الآية " وعنه قال ما أرسل الله على عاد من الريح إلا قدر خاتمي هذا (كذلك) الجزاء (نجزي القوم المجرمين) قد تقدم تفسير هذه القصة في سورة الأعراف.
الأحقاف 46:26
(ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه) قال المبرد (ما) في قوله: فيما بمنزلة الذي، وإن بمنزلة ما النافية وتقديره ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه من كثرة المال وطول العمر وقوة الأبدان، وقيل إن زائدة أي ولقد مكناهم فيما مكناكم فيه، وبه قال القتيبي، والأول أولى، لأنه أبلغ في التوبيخ لكفار قريش وأمثالهم، مال ابن عباس يقول لم نمكنكم، وعنه قال: عاد مكنوا في الأرض أفضل مما مكنت فيه هذه الأمة وكانوا أشد قوة وأكثر أموالاً، وأطول أعماراً.
(وجعلنا لهم سمعاً وأبصاراً وأفئدة) أي أنهم أعرضوا عن قبول الحجة والتذكر مع ما أعطاهم الله من الحواس وآلات الفهم التي بها تدرك الأدلة ولهذا قال:
(فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء) أي فما نفعهم ما أعطاهم الله من ذلك، حيث لم يتوصلوا به إلى التوحيد واعتقاد صحة الوعد والوعيد، ووحد السمع لأنه لا يدرك به إلا الصوت وما يتبعه بخلاف البصر حيث يدرك به أشياء كثيرة بعضها بالذات وبعضها بالواسطة، والفؤاد يعم إدراكه كل شيء قاله الكرخي، وقد قدمنا من الكلام على إفراد السمع وجمع البصر ما يغني عن الإعادة و (من) في من شيء زائدة والتقدير فما أغنى عنهم شيئاًً من الإغناء ولا نفعهم بوجه من وجوه النفع.
(إذ كانوا يجحدون بآيات الله) أي لأنهم كانوا جاحدين (وحاق بهم ما كانو به يستهزئون) أي أحاط بهم العذاب الذي كانوا يستعجلونه بطريق الاستهزاء، حيث قالوا فائتنا بما تعدنا
الأحقاف 46:27
(ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى) الخطاب لأهل مكة، والمراد بالقرى قرى قوم ثمود، وهي الحجر وسدوم قرى قوم لوط بالشام ونحوهما مما كان مجاوراً لبلاد الحجاز وكانت أخبارهم متواترة عندهم (وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون) أي بينا الحجج ونوعناها لكي يرجعوا عن كفرهم فلم يرجعوا ثم ذكر سبحانه أنه لم ينصرهم من عذاب الله ناصر فقال: فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (28) وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (29)
الأحقاف 46:28
(فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً) أي فهلا نصرهم آلهتهم التي تقربوا بها بزعمهم إلى الله لتشفع لهم حيث قالوا: (هؤلاء شفعاؤنا عند الله) ومنعتهم من الهلاك الواقع بهم.
قال الكسائي: القربان كل ما يتقرب به إلى الله من طاعة ونسيكة، والجمع قرابين كالرهبان والرهابين، وأحد مفعولي اتخذوا ضمير محذوف راجع إلى الموصول، والثاني آلهة وقرباناً حال، ولا يصح أن يكون قرباناً مفعولآ ثانياً وآلهة بدلاً منه الفاسد المعنى، وقيل يصح ذلك ولا يفسد المعنى ورجحه ابن عطية وأبو البقاء وأبو حيان، وأنكر أن يكون في المعنى فساد على هذا الوجه.
(بل ضلوا عنهم) أي غابوا عن نصرهم ولم يحضروا عند الحاجة إليهم بالكلية، وقيل: بل هلكوا وقيل الضمير في ضلوا راجع إلى الكفار أي تركوا الأصنام وتبرؤا منها والأول أولى.
(وذلك إفكهم) أي ذلك الضلال والضياع أثر إفكهم الذي هو اتخاذهم إياها آلهة، وزعمهم أنها تقربهم إلى الله قرأ الجمهور إفكهم بكسر الهمزة وسكون الفاء مصدر أفك يأفك إفكاً أي كذبهم، وقرىء أفك بفتح الهمزة والفاء والكاف على أنه فعل أي ذلك القول صرفهم عن التوحيد وقرىء بفتح الهمزة وتشديد الفاء أي صيرهم آفكين، قال أبو حاتم يعني قلبهم عما كانوا عليه من النعيم، وقرىء بالمد وكسر الفاء بمعنى صارفهم.
(وما كانوا يفترون) معطوف على إفكهم أي وأثر إفترائهم أو أثر الذي كانوا يفترونه والمعنى وذلك إفكهم أي كذبهم الذي يقولون: أنها تقربهم إلى الله وتشفع لهم وما كانوا يكذبون أنها آلهة ولما بين سبحانه أن في الإنس من آمن، وفيهم من كفر بين أيضاًً أن في الجن كذلك فقال:
الأحقاف 46:29
(وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن) أي اذكر إذ وجهنا إليك نفراً منهم وبعثناهم إليك، وأقبلنا بهم نحوك والنفر دون العشرة (يستمعون القرآن) صفة ثانية لنفر أو حال، لأن النكرة قد تخصصت بالصفة الأولى.
عن ابن مسعود قال: هبطوا يعني الجن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا: أنصتوا قالوا صه، وكانوا تسعة أحدهم زوبعة فأنزل الله: وإذ صرفنا إلى قوله ضلال مبين ".
وعن الزبير قال: إذ صرفنا إليك نفراً من الجن بنخلة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء الآخرة كادوا يكونون عليه لبداً وكانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلاً إلى قومهم " وعنه قال " أتوه ببطن نخلة "، وعنه قال: " صرفت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين وكانوا أشراف الجن بنصيبين، وهي قرية من اليمن وجنها أشرف الجن وسادتهم "، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال: سألت ابن مسعود من آذن النبي صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة استمعوا القرآن قال آذنته بهم الشجرة [[روي بألفاظ كثيرة - البخاري 2/ 210 - 8/ 513 ومسلم 1/ 331 السيوطي في الدر 6/ 270 أحمد/4149.]].
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي عن علقمة قال قلت لابن مسعود هل صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم أحد ليلة الجن؟ قال: ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا اغتيل استطير ما فعل؟ قال فبتنا بشر ليلة بات بها قوم، فلما كان في وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء، فأخبرناه فقال إنه أتاني داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم ".
وأخرج أحمد عنه قال: كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وقد روي نحو هذا من طرق والجمع بين الروايات بالحمل على قصتين وقعتا منه صلى الله عليه وسلم مع الجن حضر إحداهما ابن مسعود ولم يحضر في الأخرى وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجن بعد هذا وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة وأخذوا عنه الشرائع وذكر سليمان الجمل في سبب هذه الواقعة قولين من الخطيب والخازن لا حاجة بنا إلى ذكرهما فإنهما ليسا من التفسير في شيء.
(فلما حضروه) أي حضروا القرآن عند تلاوته وقيل حضروا النبي صلى الله عليه وسلم ويكون في الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة والأول أولى (قالوا أنصتوا) أي اسكتوا أمر بعضهم بعضاً لأجل أن يسمعوا.
(فَلَمَّا قُضِيَ) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول أي فرغ من تلاوته وقرىء مبنياً لفاعل أي فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من تلاوته والأولى تؤيد أن الضمير في حضروه القرآن والثانية تؤيد أنه للنبي صلى الله عليه وسلم.
(وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ) أي انصرفوا قاصدين إلى من وراءهم من قومهم منذرين لهم عن مخالفة القرآن، ومحذرين لهم وانتصاب منذرين على الحال المقدرة أي مقدرين الإنذار وهذا يدل على أنهم آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وكانوا يهوداً وقد أسلموا والجن لهم ملل مثل الإنس ففيهم اليهود والنصارى والمجوس وعبدة الأصنام، وفي مسلميهم مبتدعة، ومن يقول بالقدر وخلق القرآن ونحو ذلك من المذاهب والبدع قاله الخازن.
قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (32)
الأحقاف 46:30
(قالوا يا قومنا) في الكلام حذف والتقدير فوصلوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا (إنا سمعنا كتاباً) أي قرآناً (أنزل من بعد موسى مصدقاً لما بين يديه) أي لما قبله من الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وغيرها.
(يهدي إلى الحق) أي: إلى الدين الحق أي العقائد الصحيحة (وإلى طريق مستقيم) أي إلى طريق الله القويم أي الشرائع الفرعية والأحكام الدينية، قال مقاتل لم يبعث الله نبياً إلى الجن والإنس قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
الأحقاف 46:31
(يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به) يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم أو القرآن (يغفر لكم) جواب الأمر (من ذنوبكم) أي بعضها، وهو ما عدا حق العباد لأنه لا يغفر إلا برضاء أصحابه، وقيل: إن من هنا لابتداء الغاية والمعنى أنه يقع ابتداء الغفران من الذنوب ثم ينتهي إلى غفران ترك ما هو الأولى وقيل هي زائدة والأول أولى.
(ويجركم من عذاب أليم) وهو عذاب النار، وفي هذه الآية دليل على أن حكم الجن حكم الإنس فيه الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي، وقال الحسن: ليس لمؤمني الجن ثواب غير نجاتهم من النار، وبه قال أبو حنيفة والأول أولى، وبه قال مالك والشافعي وابن أبي ليلى، وعلى القول الثاني فقال القائلون به إنهم بعد نجاتهم من النار يقال لهم كونوا تراباً كما يقال للبهائم، والأول أرجح، وقد قال الله تعالى في مخاطبة الجن والإنس: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فامتن الله سبحانه على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة ولا ينافي هذا الاقتصار ههنا على ذكر إجارتهم من عذاب أليم، ومما يؤيد هذا أن الله سبحانه قد جازى كافرهم بالنار، وهو مقام عدل فكيف لا يجازي محسنهم بالجنة، وهو مقام فضل، ومما يؤيد هذا أيضاًً ما في القرآن الكريم في غير موضع أن جزاء المؤمنين الجنة وجزاء من عمل الصالحات الجنة وجزاء من قال لا إله إلا الله الجنة وغير ذلك مما هو كثير في الكتاب والسنة.
وقد اختلف أهل العلم هل أرسل الله إلى الجن رسولاً منهم؟ أم لا؟ وظاهر الآيات القرآنية أن الرسل من الإنس كما في قوله: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى) وقال (وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق) وقال سبحانه في إبراهيم الخليل (وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب) فكل نبي بعثه الله بعد إبراهيم فهو من ذريته وأما قوله سبحانه في سورة الأنعام (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم) فقيل المراد من مجموع الجنسين ما صدق عليه أحدهما وهم الإنس كقوله (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) أي من أحدهما.
الأحقاف 46:32
(ومن) شرطية (لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض) أي: لا يفوت الله ولا يسبقه ولا يقدر على الهرب منه لأنه وإن هرب كل مهرب فهو في الأرض لا سبيل له إلى الخروج منها وفي هذا ترهيب شديد.
(وليس له من دونه أولياء) أي أنصار يمنعونه من عذاب الله بين سبحانه بعد استحالة نجاته بنفسه استحالة نجاته بواسطة غيره (أولئك) أي: من لا يجب داعي الله.
(في ضلال مبين) أي ظاهر واضح، وهذا آخر كلام الجن الذين سمعوا القرآن. وقد اجتمع ههنا همزتان مضمومتان من كلمتين وليس لهما نظير في القرآن غير هذا، ثم ذكر سبحانه دليلاً على البعث فقال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (34) فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (35)
الأحقاف 46:33
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)؟ الرؤية هنا هي القلبية التي بمعنى العلم والهمزة للإنكار والواو للعطف على مقدر، أي ألم يتفكروا ولم يعلموا أن الذي خلق هذه الأجرام العظام من السموات والأرض ابتداء (ولم يعي) مجزوم بحذف الألف، قرأ الجمهور بسكون العين وفتح الياء مضارع عي، وقرىء بكسر العين وسكون الباء.
(يخلقهن) أي: لم يتعب ولم ينصب ولم يعجز عن ذلك ولا ضعف عنه، يقال عي بالأمر وعيي إذا لم يهتد لوجهه، قال الشهاب: عدم العي مجاز عن عدم الانقطاع والنقص، يعني: أن قدرته واجبة لا تنقص ولا تنقطع بالإيجاد أبد الآباد.
(بقادر على أن يحيي الموتى) قال أبو عبيدة والأخفش: الباء زائدة للتوكيد كما في قوله (وكفى الله شهيداً) قال الكسائي والفراء والزجاج: العرب تدخل الباء مع الجحد والاستفهام فتقول: ما أظنك بقائم، والجار والمجرور في محل رفع على أنهما خبر لأن، وقرأ جماعة يقدر على صيغة المضارع، واختار أبو عبيدة الأولى وأبو حاتم الثانية.
(بلى إنه على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء تعليل لما أفادته بلى من تعاليل الخاص بالعام، ولما أثبت البعث ذكر بعض ما يحصل في يومه من الأهوال فقال
الأحقاف 46:34
(ويوم يعرض الذين كفروا على النار) أي يقال ذلك اليوم للذين كفروا.
(أليس هذا بالحق) وهذه الجملة هي المحكية بالقول والإشارة بهذا إلى ما هو مشاهد لهم يوم عرضهم على النار، وفي الاكتفاء بمجرد الإشارة من التهويل للمشار إليه والتفخيم لشأنه ما لا يخفى، كأنه أمر لا يمكن التعبير عنه بلفظ يدل عليه.
(قالوا بلى وربنا) اعترفوا حين لا ينفعهم الاعتراف، وأكدوا هذا الاعتراف بالقسم لأن المشاهدة هي حق اليقين الذي لا يمكن جحده ولا إنكاره ولأنهم يطمعون في الخلاص بالاعتراف بحقية ما هم فيه (قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) أي بسبب كفركم بهذا في الدنيا وإنكاركم له، وفي هذا الأمر لهم بذوق العذاب توبيخ بالغ وتهكم عظيم، ولما قرر سبحانه الأدلة على النبوة والتوحيد والمعاد أمر رسوله بالصبر فقال:
الأحقاف 46:35
(فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل) إصبر أو ثق بحكم الله، والثبات من غير بث ولا استكراه قاله القشيري، والفاء جواب شرط محذوف أي إذا عرفت ذلك وقامت عليه البراهين ولم ينجح في الكافرين فاصبر كما صبر أرباب الثبات والحزم وأولو الجد والصبر فإنك منهم.
قال مجاهد: أولو العزم من الرسل خمسة: نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، وهم أصحاب الشرائع، وبه قال ابن عباس. وقال أبو العالية: هم نوح وهود وإبراهيم، فأمر الله رسوله أن يكون رابعهم. وقال السدي هم ستة: إبراهيم وموسى وداود وسليمان وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم وقيل نوح وهود وصالح وشعيب ولوط وموسى. وقال ابن جريج: إن منهم إسماعيل ويعقوب وأيوب وليس منهم يونس.
وقال الشعبي والكلبي: هم الذين أمروا بالقتال فأظهروا المكاشفة وجاهدوا الكفرة؛ وقيل هم نجباء الرسل المذكورين في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر: إبراهيم وإسحاق ويعقوب ونوح وداود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى وإسماعيل وإلياس واليسع ويونس ولوط، واختار هذا الحسين بن الفضل لقوله بعد ذكرهم.
(أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده) وقيل إن الرسل كلهم أولو عزم ولم يبعث الله عز وجل نبياً إلا كان ذا عزم وحزم ورأي وكمال عقل. وقيل هم أثنا عشر نبياً أرسلوا إلى بني إسرائيل، وقال الحسن هم أربعة إبراهيم وموسى وداود وعيسى وعن ابن عباس قال هم الذين أمروا بالقتال حتى مضوا على ذلك نوح وهود وصالح وموسى وداود وسليمان.
وعن جابر بن عبد الله قال: " بلغني أن أولي العزم من الرسل كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر "، وعن عائشة قالت: " ظل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) صائماً ثم طوى ثم ظل صائماً ثم طوى ثم ظل صائماً، قال: يا عائشة إن الدنيا لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد، يا عائشة إن الله لم يرض من أولي العزم من الرسل إلا بالصبر على مكروهها، والصبر عن محبوبها، ثم لم يرض مني إلا أن يكلفني ما كلفهم فقال: اصبر كما صبر أولو العزم من الرسل، وإني والله لأصبرن كما صبروا جهدي، ولا قوة إلا بالله "، أخرجه ابن أبي حاتم والديلمي. قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف، وقيل: محكمة، قال القرطبي: والأظهر أنها منسوخة لأن السورة مكية، وذكر مقاتل أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد فأمره الله أن يصبر على ما أصابه أولو العزم تسهيلاً عليه وتثبيتاً له.
(ولا تستعجل لهم) أي لا تستعجل العذاب يا محمد للكفار، فإنه نازل بهم لا محالة وإن تأخر، واللام للتعليل، ولا أمره سبحانه بالصبر ونهاه عن استعجال العذاب لقومه رجاء أن يؤمنوا قال (كأنهم يوم يرون ما يوعدون) من العذاب في الآخرة لطوله (لم يلبثوا إلا ساعة من نهار) أي إلا قدر ساعة من ساعات الأيام لا يشاهدونه من الهول العظيم والبلاء القيم.
(بلاغ) قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي وعظتهم به بلاغ؛ أو تلك الساعة بلاغ، أو هذا القرآن بلاغ، أو هو مبتد والخبر لهم الواقع بعد قوله (ولا تستعجل لهم) أي: لهم بلاع، وقرىء بالنصب على المصدر، أي بلغ بلاغاً، وقرىء بلغ بصيغة الأمر، وبلغ بصيغة الماضي.
(فهل يهلك إلا القوم الفاسقون) قرأ الجمهور يهلك على البناء للمفعول وقرىء على البناء للفاعل، وقرىء بالنون ونصب القوم، والمعنى أنه لا يهلك بعذاب الله إلا القوم الخارجون عن الطاعة الواقعون في معاصي الله.
قال قتادة " لا يهلك على الله إلا هالك مشرك " قيل وهذه الآية أقوى آية في الرجاء " وقال الزجاج تأويله لا يهلك مع رحمة الله تعالى وفضله إلا القوم الفاسقون وهذا تطميع في سعة فضل الله سبحانه وتعالى.
محمد 47:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة محمد - صلى الله عليه وسلم -
(وتسمى سورة القتال، وسورة الذين كفروا)
وهي ثمان أو تسع وثلاثون آية، وقيل: هي أربعون آية، والخلاف في قوله: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا)، وقوله: (لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ)، وهي مدنية قال الماوردي: في قول الجميع إلا ابن عباس وقتادة فإنهما قالا: إلا آية منها نزلت بعد حجة الوداع حين خرج من مكة، وجعل ينظر إلى البيت وهو يبكي حزناً عليه، فنزل قوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ)، وهذا مبني على أن المكي ما نزل بمكة ولو بعد الهجرة، والمشهور أن المكي ما نزل قبل الهجرة والمدني ما نزل بعدها، ولو في مكة، فعليه تكون هذه الآية مدنية وهذا كله مبني على هذا النقل الذي نقله الماوردي هنا، ونقله القرطبي أيضاً هنا.
والذي نقله الخازن والخطيب وغيرهما بل والقرطبي أنها نزلت لما خرج من مكة إلى الغار مهاجراً، والنقل الثاني هو الصحيح لأنه هو الذي يناسبه التوعد بقوله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ) وأما على النقل الأول فلا يظهر هذا الوعيد لأنه في حجة الوداع فارقها مختاراً بعدما صارت دار إسلام وأسلم جميع أهلها، وبدئ فتحها في السنة الثامنة، وقال الثعلبي: أنها مكيّة، وحكاه ابن هبة الله عن الضحاك وسعيد بن جبير، وهو غلط من القول فالسورة مدنية كما لا يخفى.
قال ابن عباس: نزلت سورة القتال بالمدينة وعن ابن الزبير نزلت بالمدينة سورة الذين كفروا.
وعن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بهم في المغرب الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أخرجه الطبراني في الأوسط.
بسم الله الرحمن الرحيم
الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ (2) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالَهُمْ (3) فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (6) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)
(الذين كفروا) هم كفار قريش كفروا بالله (وصدوا) أنفسهم وغيرهم (عن سبيل الله) وهو دين الإسلام بنهيهم عن الدخول فيه، كذا قال مجاهد والسدي وابن عباس، وقال الضحاك: معنى سبيل الله بيت الله بمنع قاصديه، وقيل: هم أهل الكتاب أو عام في كل من كفر وصد (أضل أعمالهم) أي أبطلها الله وأحبطها، وجعلها ضائعة.
قال الضحاك: المعنى أبطل كيدهم ومكرهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجعل الدائرة عليهم في كفرهم، وقيل: أبطل ما عملوه في الكفر مما كانوا يسمونه مكارم الأخلاق من صلة الأرحام وفك الأسارى، وإطعام الطعام، وعمارة المسجد الحرام وإجارة المستجير، وقرى الأضياف، ونحو ذلك، وهذه -وإن كانت باطلة من أصلها- لكن المعنى أنه سبحانه حكم ببطلانها فلا يرون لها في الآخرة ثواباً، ويجزون بها في الدنيا من فضله تعالى، وقال ابن عباس: كانت لهم أعمال فاضلة لا يقبل الله مع الكفر عملاً، ولما ذكر سبحانه فريق الكافرين أتبعهم بذكر فريق المؤمنين فقال:
محمد 47:2
(والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد) ظاهر هذا العموم، فيدخل تحته كل مؤمن من المؤمنين الذين يعملون الصالحات، ولا يمنع من ذلك خصوص سببها، فقد قيل: إنها نزلت في الأنصار قاله ابن عباس، وقيل: في ناس من قريش، وقيل في مؤمني أهل الكتاب ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. العامة على بناء نزل للمفعول مشدداً، وقرىء مبنياً للفاعل، وهو الله وقرىء أنزل بالهمزة ونزل ثلاثياً، والمراد به القرآن، وهذا من عطف الخاص على العام.
ولا شك أن الإيمان بالقرآن المنزل على محمد من جملة أفراد ما يجب الإيمان به، وخص سبحانه وتعالى الإيمان بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم، بالذكر مع الدراجة تحت مطلق الإيمان المذكور قبله تنبيهاً على شرفه، وعلو مكانه، وإشعاراً بأن الإيمان لا يتم دونه، وأنه الأصل فيه، ولذا أكده بقوله:
(وهو الحق من ربهم) ومعنى كونه الحق أنه الناسخ لما قبله، ولا ينسخ والجملة اعتراضية (كفر عنهم سيئاتهم) التي عملوها فيما مضى فإنه غفرها لهم بالإيمان والعمل الصالح (وأصلح بالهم) أي شأنهم قاله مجاهد، وقال قتادة: حالهم وقيل: أمرهم، والمعاني متقاربة، قال المبرد: البال الحال ههنا، وقيل: القلب وهو كالمصدر، ولا يعرف منه فعل ولا تجمعه العرب إلا في ضرورة الشعر، قال الجوهري: والبال أيضاًً رخاء العيش، يقال فلان رخيّ البال؛ والبال الحوت العظيم من حيتان البحر وليس بعربي والبالة القارورة والجراب ووعاء الطيب وموضع بالحجاز، وقيل والمعنى أنه عصمهم عن المعاصي في حياتهم، وأرشدهم إلى أعمال الخير وليس المراد إصلاح حال دنياهم من إعطائهم المال ونحو ذلك، وقال النقاش: إن المعنى أصلح نياتهم.
محمد 47:3
(ذلك) أي ما مر مما أوعد به الكفار، ووعد به المؤمنين، أو الأمر ذلك (ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ) فالباطل الشرك والكفر، والحق التوحيد والإيمان، والمعنى أن ذلك الإضلال لأعمال الكافرين بسبب اتباعهم الباطل من الشرك بالله والعمل بمعاصيه، وذلك التكفير لسيئات المؤمنين وإصلاح بالهم، بسبب اتباعهم للحق الذي أمر الله باتباعه من التوحيد والإِيمان وعمل الطاعات.
(كذلك)؟ أي مثل ذلك البيان (يضرب) يبين (الله للناس أمثالهم) أي أحوال الفريقين الجارية مجرى الأمثال في الغرابة، قال الزجاج: كذلك يضرب لهم أمثال حسنات المؤمنين وإضلال أعمال الكافرين، يعني أن من كان كافراً أضل الله عمله، ومن كان مؤمناً كفر الله سيئاته أو جعل الإضلال، مثلاً لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلاً لفوز الأبرار ولما بين سبحانه حال الفريقين أمر بجهاد الكفار فقال:
محمد 47:4
(فإذا لقيتم) الفاء لترتيب ما في حيزها من الأمر على ما قبلها فإن ضلال أعمال الكفرة وخيبتهم وصلاح أحوال المؤمنين وفلاحهم مما يوجب أن يترتب على كل من الجانبين ما يليق به من الأحكام، أي فإذا كان الأمر كما ذكر فإذا لقيتم في المحاربة (الذين كفروا) أي المشركين. ومن لم يكن صاحب عهد من أهل الكتاب (فضرب الرقاب) قال الزجاج: أي فاضربوا الرقاب ضرباً، وقيل: هو منصوب على الإغراء، قال أبو عبيدة: هو كقولهم يا نفس صبراً، وقيل: التقدير أقصدوا ضرب الرقاب وخص الرقاب بالذكر لأن القتل أكثر ما يكون بقطعها، لا أن الواجب ضرب الرقبة خاصة لأن هذا لا يكاد يتأتى حالة الحرب، وإنما يتأتى القتل في أي موضع كان من الأعضاء، وقيل: لأن في التعبير عنه من الغلظة والشدة ما ليس في نفس القتل، وهي حز العنق وإطارة العضو الذي هو رأس البدن وعلوه، وأحسن أعضائه.
(حتى إذا أثخنتموهم) غاية للأمر بضرب الرقاب، لا لبيان غاية القتل وهو مأخوذ من الشيء الثخين أي الغليظ، وفي المصباح أثخن في الأرض إثخاناً سار إلى العدو وأوسعهم قتلاً، وأثخنته أوهنته بالجراحة، وأضعفته وقد مضى تحقيق معناه في الأنفال، والمعنى إذا أثقلتموهم وقهرتموهم بالقتل والجراح ومنعتموهم النهوض والحركة.
(فشدوا الوثاق) بالفتح القيد والحبل، ويجيء بالكسر اسم الشيء الذي يوثق به كالرباط، قال الجوهري وأوثقه في الوثاق بكسر الواو لغة فيه والجمع وثق مثل رباط وربط وعناق وعنق، قرأ الجمهور فشدوا بضم الشين؛ وقرىء بكسرها، وإنما أمر سبحانه بشد الوثاق لئلا يفوتوا وينفلتوا أو المعنى إذا بالغتم في قتلهم وأكثرتم القتل فيهم فأمسكوا عنهم وأسروهم واحفظوهم بالوثاق.
(فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً) قرأ الجمهور بالمد، وقرىء بالقصر أي فإما أن تمنوا عليهم بعد الأسر وشد الوثاق مناً أو تفدوا فداء، والمن الإطلاق بغير عوض والفداء ما يفدى به الأسير نفسه من الأسر، ولم يذكر القتل هنا اكتفاء بما تقدم، وإنما قدم المن على الفداء لأنه من مكارم الأخلاق ولهذا كانت العرب تفتخر به كما قال شاعرهم:
ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم
قال ابن عباس في الآية: جعل الله النبي والمؤمنين بالخيار في الأسارى إن شاؤوا قتلوهم، وإن شاؤوا استعبدوهم، وإن شاؤوا فادوهم، وعنه أيضاًً قال: هذا منسوخ نسختها: (فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين) وعن الحسن قال: أتى الحجاج بأسارى فدفع إلى ابن عمر رجلاً يقتله فقال ابن عمر ليس بهذا أمرنا إنما قال الله: (حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً).
وعن ليث قال: قلت لمجاهد بلغني أن ابن عباس قال لا يحل قتل الأسارى لأن الله قال: (فإما منا بعد وإما فداء)، فقال مجاهد: لا تعبأ بهذا شيئاًً أدركت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلهم ينكر هذا ويقول هذه منسوخة، إنما كانت في الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين المشركين، فأما اليوم فلا، يقول الله: (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) أو يقول: (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب) فإن كان مشركو العرب لم يقبل منهم إلا الإسلام فإن لم يسلموا فالقتل، وأما من سواهم فإنهم إذا أسروا فالمسلمون فيهم بالخيار، إن شاؤا قتلوهم وإن شاؤا استحيوهم، وإن شاؤوا فادوهم إذا لم يتحولوا عن دينهم فإن أظهروا الإسلام لم يفادوا.
" ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قتل الصغير والمرأة والشيخ الفاني "، ثم ذكر سبحانه الغاية لذلك فقال:
(حتى تضع الحرب أوزارها) أوزار الحرب آلاتها وأثقالها التي لا تقوم إلا بها من السلاح والكراع، أسند الوضع إليها وهو لأهلها على طريق المجاز والمعنى أن المسلمين مخيرون بين تلك الأمور الأربعة إلى غاية هي أن لا تكون حرب مع الكفار بأن لا تبقى لهم شوكة، قال مجاهد: المعنى حتى لا يكون دين غير دين الإسلام، وبه قال الحسن والكلبي، قال الكسائي: حتى يسلم الخلق، وقال الفراء: حتى يؤمنوا ويذهب الكفر، أي: لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، وقيل: المعنى حتى يضع الأعداء المحاربون أوزارهم، وهو سلاحهم بالهزيمة أو الموادعة.
وروي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى فضرب الرقاب حتى تضع الحرب أوزارها، فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، وقد اختلف العلماء في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها منسوخة في أهل الأوثان، وأنه لا يجوز أن يفادوا، ولا يمن عليهم، والناسخ لها قوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، وقوله: (فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم) وقوله: (وقاتلوا المشركين كافة) وبهذا قال قتادة والضحاك والسدي وابن جريج وكثير من الكوفيين قالوا: والمائدة آخر ما نزل فوجب أن يقتل كل مشرك إلا من قامت الدلالة على تركه، كالنساء والصبيان، ومن تؤخذ منه الجزية، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة.
وقيل: إن هذه الآية ناسخة لقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم)، روي ذلك عن عطاء وغيره، وقال كثير من العلماء: إن الآية محكمة وإن الإِمام مخير بين القتل والأسر، وبعد الأسر مخير بين المن والفداء، وبه قال مالك والشافعي والثوري والأوزاعي وأبو عبيدة وغيرهم، وهذا هو الراجح لأن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلفاء الراشدين من بعده فعلوا ذلك، وقال سعيد بن جبير: لا يكون فداء ولا أسر إلا بعد الإثخان والقتل بالسيف، لقوله: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض)، فإذا أسر بعد ذلك فللإِمام أن يحكم بما رآه من قتل أو غيره.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " يوشك من عاش منكم أن يلقى عيسى ابن مريم إماماً مهدياً، وحكماً عدلاً، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتضع الحرب أوزارها "، رواه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وعن سلمة بن نفيل عن النبي صلى الله عليه وسلم، من حديث قال: " ولا تضع الحرب أوزارها حتى يخرج يأجوج ومأجوج [[وذلك من علامات الساعة.]] "، رواه ابن مردويه وابن سعد وأحمد والنسائي والبغوي والطبراني.
والحاصل أن حتى غاية لأحد الأمور الأربعة أو للمجموع عند الشافعي وأما عند أبي حنيفة فإن حمل الحرب على حرب بدر فهي غاية للمن والفداء وإن حملت على الجنس فهي غاية للضرب والشد والمراد بالوضع ترك القتال، ولو كان الشخص متقلداً بآلته.
(ذلك) أي الأمر ذلك، وقيل: ذلك حكم الكفار، وقيل: افعلوا ذلك (ولو يشاء الله لانتصر منهم) يعني أن الله قادر على الانتصار منهم بالانتقام منهم وإهلاكهم، وتعذيبهم بما شاء من أنواع العذاب، كالخسف أو الرجفة أو غير ذلك بغير قتال (ولكن) أمركم بحربهم (ليبلو بعضكم ببعض) أي ليختبر فيعلم المجاهدين في سبيله، والصابرين على ابتلائه ويجزل ثوابهم، ويعذب الكفار بأيديهم (والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم) قرأ الجمهور: قاتلوا مبنياً للفاعل، وقرىء قتلوا مخففاً ومشدداً مبنياً للمفعول، وقرىء قتلوا على البناء للفاعل مع التخفيف من غير ألف، والمعنى على الأولى والرابعة أن المجاهدين في سبيل الله ثوابهم غير ضائع وعلى الثانية والثالثة أن المقتولين في سبيل الله كذلك لا يضيع الله سبحانه أجرهم قال قتادة: ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في يوم أحد، وقد فشت في المسلمين الجراحات والقتل، ثم ذكر سبحانه ما لهم من جزيل الثواب عنده فقال:
محمد 47:5
(سيهديهم) الله سبحانه إلى الرشد في الدنيا، وهو العمل الصالح والإخلاص فيه، ويعطيهم الثواب في الآخرة قال أبو العالية: قد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان، والطرق المفضية إليها، وقال ابن زياد: يهديهم إلى محاجة منكر ونكير في القبر (ويصلح بالهم) أي حالهم وشأنهم وأمرهم، وقيل: يرضي خصماءهم ويقبل أعمالهم.
محمد 47:6
(ويدخلهم الجنة عرفها لهم) الجملة مستأنفة أو حالية بتقدير قد أو بدون تقديرها، قاله السمين، أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا الجنة تفرقوا إلى منازلهم، قال الواحدي: هذا قول عامة المفسرين، وقال الحسن وصف الله لهم الجنة في الدنيا، فلما دخلوها عرفوها بصفتها، وقيل: فيه حذف أي عرف طرقها ومساكنها وبيوتها، وقيل هذا التعريف بدليل يدلهم عليها، وهو الملك الموكل بالعبد يسير بين يديه، حتى يدخله منزله، كذا قال مقاتل.
ويرده حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، فوالذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة من منزله الذي كان في الدنيا " [[كذلك رواه الطبراني.]]. رواه البخاري وهذا يدل على صحة القول الأول، وقيل: (عرفها لهم) أي طيبها بأنواع الملاذ مأخوذ من العرف وهو الرائحة أو المعنى: حددها لهم بحيث يكون لكل واحد جنة مفرزة، وقيل: عرف أهل السماء أنها لهم، وقيل: (عرفها لهم) إظهاراً لكرامتهم فيها، وقيل: عرف المطيعين أعمالهم، والأول أولى، ثم وعدهم سبحانه على نصر دينه بقوله:
محمد 47:7
(يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله) أي دينه (ينصركم) على الكفار وعلى عدوكم ويفتح لكم، ومثله قوله ولينصرن الله من ينصره قال قطرب: إن تنصروا نبي الله ينصركم (ويثبت أقدامكم) أي يثبتكم في المعترك عند القتال. فالمراد بالأقدام الذوات بتمامها. وعبر بالقدم لأن الثبات والتزلزل يظهران فيها، وتثبيت الأقدام عبارة عن النصر والمعونة في مواطن الحرب وقيل على الإسلام وقيل على الصراط.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (9) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (10) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (13) أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (14)
محمد 47:8
(والذين كفروا) من أهل مكة وغيرهم (فتعساً لهم) منتصب على المصدر للفعل المقدر قال الفراء: مثل سقياً لهم ورعياً وأصل التعس الانحطاط والعثار، قال ابن السكيت: التعس أن يجر على وجهه والنكس أن يجر على رأسه، قال: والتعس أيضاًً الهلاك، قال الجوهري: وأصله الكب وهو ضد الانتعاش قال المبرد: أي فمكروهاً لهم، وقال ابن جريج: بعداً لهم وقال السدي: خزياً لهم، وقال ابن زيد: شقاءً لهم، وقال الحسن شتماً لهم وقال ثعلب: هلاكاً لهم، وقال الضحاك وابن زياد: خيبة لهم، وقيل: قبحاً لهم حكاه النقاش وقال الضحاك أيضاًً: رغماً لهم وقال ثعلب أيضاًً: شراً لهم وقال أبو العالية: شقوة لهم وعنه سقوطاً لهم.
قيل: والتعس في الدنيا العثرة، وفي الآخرة التردي في النار يقال للعاثر تعساً إذا دعوا عليه، ولم يريدوا قيامه وضده لعاً إذا دعوا له وأرادوا قيامه، واللام في لهم للبيان كما في قوله هيت لك.
(وأضل أعمالهم) معطوف على ما قبله، داخل معه في خبرية الموصول أي أبطلها لأنها كانت في طاعة الشيطان والإشارة بقوله
محمد 47:9
(ذلك) إلى ما تقدم مما ذكره الله من التعس والإضلال أي الأمر ذلك أو ذلك الأمر (بأنهم كرهوا ما أنزل الله) على رسوله من القرآن المشتمل على التكاليف، وذلك لأنهم قد ألفوا الإهمال وإطلاق العنان في الشهوات والملاذ، فلما جاء القرآن بترك ذلك كرهوه، أو ما أنزل على رسله من كتبه لاشتمالها على ما في القرآن من التوحيد والبعث (فأحبط أعمالهم) بذلك السبب، والمراد بالأعمال ما كانوا عملوا من أعمال الخير في الصورة، وإن كانت باطلة من الأصل، لأن عمل الكافر لا يقبل قبل إسلامه، ثم خوف سبحانه الكفار وأرشدهم إلى الاعتبار بحال من قبلهم فقال:
محمد 47:10
(أفلم يسيروا في الأرض)؟ أي في أرض عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم ليعتبروا (فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم) أي: آخر أمر الكافرين قبلهم، فإن آثار العذاب في ديارهم باقية، ثم بين سبحانه ما صنع بمن قبلهم فقال (دمر الله عليهم) التدمير الإهلاك، أي: أهلكهم واستأصلهم يقال دمره ودمر عليه بمعنى، والثاني أبلغ لما فيه من العموم، أي أهلك ما يختص به من المال والنفس ونحوها والإتيان بعلى لتضمينه معنى أطبق عليهم أي أوقعه عليهم محيطاً بهم، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، ثم توعد مشركي مكة فقال: (وللكافرين) أي السائرين بسيرة من قبلهم من الكفار (أمثالها) قال ابن عباس: يعني لكفار قومك يا محمد صلى الله عليه وسلم، مثل ما دمرت به القرى فأهلكوا بالسيف، قال الزجاج وابن جرير: الضمير راجع إلى عاقبة الذين من قبلهم من الأمم الكافرة، وإنما جمع لأن العواقب متعددة بحسب تعدد الأمم المعذبة، وقبل أمثال العقوبة أو الهلكة أو التدميرة والأول أولى؛ لرجوع الضمير إلى ما هو مذكور قبله مع صحة معناه.
محمد 47:11
(ذلك) أي ما ذكر من أن للكافرين أمثالها (بأن) أي بسبب أن قلوبهم ثم دل الله تعالى النبي صلى الله عليه وسلم بعد المنافقين فكان يدعو باسم الرجل من أهل النفاق.
(ولو نشاء لأريناكم) أي لأعلمناكهم وعرفناكهم بأعيانهم معرفة تقوم مقام الرؤية تقول العرب: سأريك ما أصنع أي سأعلمك والالتفات إلى نون العظمة لإبراز العناية بالإراءة (فلعرفتهم بسيماهم) أي بعلامتهم الخاصة بهم التي يتميزون بها قال الزجاج: المعنى لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة وهي السيما فلعرفتهم بتلك العلامة قال أنس: ما خفي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية أحد من المنافقين وكان يعرفهم بسيماهم، وتكرير اللام للمبالغة أو للتأكيد.
(ولتعرفنهم في لحن القول) قال المفسرون: لحن القول فحواه ومقصده ومغزاه، وما يعرضون به من تهجين أمرك، وأمر المسلمين، وكان بعد هذا لا يتكلم منافق عنده إلا عرفه، قال أبو زيد: لحنت له اللحن إذا قلت له قولاً بفقهه عنك، ويخفى على غيره، وأصل اللحن إمالة الكلام وصرفه إلى نحو من الأنحاء لغرض من الأغراض بإزالة الإعراب أو التصحيف والأول محمود، والثاني مذموم، قال أبو سعيد الخدري في الآية: لحن القول ببغضهم علي بن أبي طالب.
(والله يعلم أعمالكم) لا تخفى عليه منها خافية فيجازيكم بها، وفيه وعيد شديد ووعد للمؤمنين وإيذان بأن حالهم بخلاف حال المنافقين (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين) أي: لنعاملنكم معاملة المختبر، وذلك بأن نأمركم بالجهاد حتى نعلم علم ظهور من امتثل الأمر بالجهاد، وصبر على دينه ومشاق ما كلف به (ونبلو أخباركم) أي نظهرها ونكشفها إمتحاناً لكم، ليظهر للناس من أطاع الله فيما أمره، ومن عصى ولم يمتثل، وقرىء بالياء والنون في الأفعال الثلاثة، وعن الفضيل رحمه الله أنه كان إذا قرأها بكى وقال: اللهم لا تبتلنا فإنك إن بلوتنا فضحتنا وهتكت أستارنا وعذبتنا.
هم أهل قرية النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مكة، فالكلام على حذف المضاف كما في قوله (واسأل القرية)، والجملة بيان لعدم خلاصهم من العذاب بواسطة الأعوان والأنصار إثر بيان عدم خلاصهم منه بأنفسهم، والفاء لترتيب ذكر ما بالغير على عدم ما بالذات، وهو حكاية حال ماضية إذ كان الظاهر أن يقال فلم ينصرهم ناصر لأن هذا إخبار عما مضى.
عن ابن عباس " أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما خرج من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال أنت أحب بلاد الله إلي ولولا أن أهلك أخرجوني منك لم أخرج فأعتى الأعداء من عتا على الله في حرمه، أو قتل غير قاتله أو قتل بدخول الجاهلية " [[رواه أحمد.]] فأنزل الله:
محمد 47:13
(وكأين من قرية) الآية، ثم ذكر سبحانه الفرق بين حال المؤمنين وحال الكافرين فقال:
محمد 47:14
(أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله)؟ الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر كنظائره، والمعنى أنه لا يستوي من كان على يقين من ربه، وحجة وبرهان من عنده، ولا يكون كمن زين له سوء عمله وهو عبادة الأوثان، والإشراك بالله، والعمل بمعاصي الله، أي لا مماثلة بينهما (واتبعوا أهواءهم) في عبادتها، وانهمكوا في أنواع الضلالات بلا شبهة توجب الشك، فضلاً عن حجة نيرة، روعي في هذين الضميرين معنى من، كما روعي فيما قبلهما لفظها، ثم لما بين سبحانه الفرق بين الفريقين في الاهتداء والضلال بيّن الفرق بين مرجعهما ومآلهما فقال: مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (15) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19)
محمد 47:15
(مثل) أي صفة (الجنة التي وعد المتقون) مستأنفة لشرح محاسن الجنة الموعود بها المؤمنين، وبيان ما فيها وفيه أوجه:
أحدها: أنه مبتدأ وخبره مقدر، فقدره النضر بن شميل: ما تسمعون، وقوله: (فيها أنهار) مفسر له، وقدره سيبويه: فيما يتلى عليكم مثل الجنة، والجملة بعدها أيضاًً مفسرة للمثل.
الثاني: أن مثل زائدة تقديره الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار.
الثالث: أن مثل الجنة مبتدأ، والخبر قوله: فيها أنهار، وفيه نظر.
الرابع: أن مثل الجنة مبتدأ خبره كمن هو خالد في النار فقدره ابن عطية أمثل أهل الجنة؟ كمن هو خالد، فقدر حرف الإنكار ومضافاً ليصح، وقدره الزمخشري: كمثل جزاء من هو خالد والجملة من قوله: (فيها أنهار على هذا فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: هي حال من الجنة، أي مستقرة فيها أنهار.
الثاني: أنها خبر لمبتدأ مضمر، أي هي فيها أنهار كأن قائلاً قال: ما مثلها فقيل: فيها أنهار.
الثالث: أن يكون تكريراً للصلة لأنها في حكمها ألا ترى أنه يصح قولك: التي فيها أنهار وإنما عُرِّيَ من حرف الإنكار وحذف ما حذف استغناء، يجري مثله تصويراً لمكابرة من يسوي بين المتمسك بالبينة، والتابع للهوى بمكابرة من سوى بين الجنة والنار، أفاده السمين.
(من ماء غير آسن) بالمد والقصر سبعيتان ولغتان، وقال الأخفش: إن الممدود يراد به الاستقبال، والمقصور يراد به الحال، يقال: أسن الماء يأسن أسوناً إذا تغيرت رائحته، ومثله الآجن وزناً ومعنى، قال ابن عباس: غير متغير، يعني بخلاف ماء الدنيا فيتغير بعارض.
(وأنهار من لبن لم يتغير طعمه) أي لم يحمض، كما تتغير ألبان الدنيا، لأنها لم تخرج من ضروع الإبل والغنم والبقر فلا يعود حامضاً ولا قارصاً ولا ما يكره من الطعوم (وأنهار من خمر لذة للشاربين) أي: لذيذة لهم، طيبة الشرب لا يتكرهها الشاربون بخلاف خمر الدنيا فإنها كريهة عند الشرب، يقال: شراب لذ ولذيذ، وفيه لذة بمعنى، ومثل هذه الآية قوله: (بيضاء لذة للشاربين)، والمعنى ليس فيها حموضة ولا عفوصة ولا مرارة ولا غضاضة ولم تدنسها الأرجل بالدوس: ولا الأيدي بالعصر، وليس في شربها ذهاب عقل ولا صداع ولا خمار ولا آفة من آفات الخمر، بل هي لمجرد الالتذاذ وتفريح الطبع فقط، تعويضاً بخمور الدنيا كقوله تعالى: (لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون).
(وأنهار من عسل مصفى) مما يخالطه من الشمع والقذاء والعكر والكدر نقلوا في العسل التذكير والتأنيث، وجاء القرآن على التذكير، وفي المصباح يذكر ويؤنث وهو الأكثر ويصغر على عسيلة على لغة التأنيث ذهاباً إلى أنها قطعة من الجنس وطائفة منه ونحوه في المختار، وزاد والعاسل الذي يأخذ العسل من بيت النحل، والنحلة عسالة.
عن معاوية بن حيدة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: " في الجنة بحر اللبن، وبحر الماء، وبحر العسل، وبحر الخمر، ثم تشقق الأنهار منها بعد "، أخرجه أحمد والترمذي وصححه، وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في البعث.
وعن كعب قال: نهر النيل نهر العسل في الجنة ونهر دجلة نهر اللبن في الجنة ونهر الفرات نهر الخمر في الجنة ونهر سيحان نهر الماء في الجنة.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، " سيحان وجيحان والنيل والفرات كل من أنهار الجنة " [[رواه مسلم في صحيحه.]] أخرجه مسلم.
قال النووي: هما غير سيحون وجيحون واللذان هما من الجنة فهما في بلاد الأرمن فسيحان نهر أردنه وجيحان نهر المصيصة وهما نهران عظيمان جداً أكبرهما جيحان هذا هو الصواب في موضعهما، ثم ذكر بعد هذا كلاماً طويلاً ثم قال: فأما كون هذه الأنهار من ماء الجنة ففيه تأويلان. الثاني: وهو الصحيح أنها على ظاهرها، وأن لها مادة من الجنة مخلوقة موجودة اليوم هذا مذهب أهل السنة.
(ولهم فيها من كل الثمرات) أي لأهل الجنة في الجنة مع ما ذكر من الأشربة من كل صنف من أصناف الثمرات، ومن زائدة للتوكيد، وفي ذكر الثمرات بعد المشروب إشارة إلى أن مأكول أهل الجنة للذة لا لحاجة فلهذا ذكر الثمار بعد المشروب لأنها للتفكه واللذة.
(ومغفرة من ربهم) لذنوبهم قبل دخولهم إليها والواو لمطلق الجمع، وتنكير مغفرة للتعظيم، أي ولهم مغفرة عظيمة كائنة من ربهم، برفع التكاليف عنهم (كمن هو خالد في النار)؟ هو خبر لمبتدأ محذوف، أي أمن هو في نعيم الجنة على هذه الصفة خالداً فيها؟ كمن هو خالد في النار؟ أو خبر لقوله مثل الجنة، ورجح الأول الفراء فقال: أراد أمن كان في هذا النعيم كمن هو خالد في النار، وقدره الكواشي أمثل هذا الجزاء الموصوف؟ كمثل جزاء من هو خالد؟ وهو مأخوذ من اللفظ فهو أحسن.
وقال الزجاج: أي أفمن كان على بينة من ربه وأعطي هذه الأشياء؟ كمن زين له سوء عمله وهو خالد في النار؟ وقال ابن كيسان: ليس مثل الجنة التي فيها الثمار والأنهار كمثل النار التي فيها الحميم والزقوم، وليس مثل أهل الجنة في النعيم كمثل أهل النار في العذاب الأليم وقيل: غير ذلك.
(وسقوا ماء حميماً) الحميم الماء الحار الشديد الحرارة والغليان، فإذا شربوه قطع أمعاءهم وهو معنى قوله (فقطع أمعاءهم) أي مصارينهم فخرجت من أدبارهم لفرط حرارته، والأمعاء جمع معى بالقصر، وألفه مبدل عن ياء لقولهم معيان، وهو ما في البطون من الحوايا
محمد 47:16
(ومنهم) أي من هؤلاء الكفار الذين يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام (من يستمع إليك) وهم المنافقون، أفرد الضمير باعتبار لفظة (من) وجمع في قوله: (حتى إذا خرجوا من عندك) باعتبار معناها، والمعنى أن المنافقين كانوا يحضرون مواقف وعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومواطن خطبه التي يمليها على المسلمين يوم الجمعة، وحينئذ تكون هذه الآية مدنية، بل وكذا ما بعدها من الآيات الآتية فتكون مستثناة من القول بأن السورة مكية، والمعنى: حتى إذا خرجوا من عنده.
(قالوا للذين أوتوا العلم) وهم علماء الصحابة، وقيل: عبد الله بن عباس وقيل عبد الله بن مسعود، وقيل: أبو الدرداء والأول أولى، أي سألوا أهل العلم فقالوا لهم على طريقة الاستهزاء: (ماذا) أي أَيُّ شيء (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم، (آنفاً)؟ بالمد والقصر أي الساعة، وبها فسره الزمخشري وقال: إنه ظرف حالي كالآن، وقال ابن عطية والمفسرون: معناه الساعة الماضية القريبة منا، وهذا تفسير بالمعنى، والمعنى أنا لم نلتفت إلى قوله ولم نرجع إليه، ومنه أمر أنف أي مستأنف، وروضة أنف، أي لم يرعها أحد، وانتصابه على الظرفية أي وقتاً مؤتنفاً أو حال من الضمير في قال، قال الزجاج: هو من استأنفت الشيء إذا ابتدأته.
وأصله مأخوذ من أنف الشيء لما تقدم منه مستعار من الجارحة قال ابن عباس: كنت فيمن يسأل، وعنه قال: أنا منهم، وفي هذا منقبة لابن عباس جليلة لأنه كان إذ ذاك صبياً فإن النبي صلى الله عليه وسلم، مات وهو في سن البلوغ، فسؤال الناس له عن معاني القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم [[وهو ترجمان هذه الأمة.]]، ووصف الله سبحانه للمسؤولين بأنهم الذين أوتوا العلم وهو منهم من أعظم الأدلة على سعة علمه، ومزيد فقهه في كتاب الله وسنة رسوله، مع كون أترابه وأهل سنه إذ ذاك يلعبون مع الصبيان.
وعن عكرمة قال: " كانوا يدخلون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا خرجوا من عنده قالوا لابن عباس: ماذا قال آنفاً فيقول كذا وكذا وكان ابن عباس أصغر القوم فأنزل الله الآية ". فكان ابن عباس من الذين أوتوا العلم، وعن ابن بريده قال: هو ابن مسعود، وعن ابن عباس قال: هو ابن مسعود والإشارة بقوله: (أولئك) إلى المذكورين من المنافقين، وهو مبتدأ وخبره (الذين طبع الله على قلوبهم) أي بالكفر فلم يؤمنوا، ولا توجهت قلوبهم إلى شيء من الخير.
(واتبعوا أهواءهم) في الكفر والعناد، ثم ذكر حال أضدادهم فقال:
محمد 47:17
(والذين اهتدوا) إلى طريق الخير فآمنوا بالله وعملوا بما أمرهم به (زادهم هدى) بالتوفيق، وقيل: زادهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: زادهم القرآن، وقال الفراء: زادهم إعراض المنافقين واستهزاؤهم هدى، وقيل: زادهم نزول الناسخ هدى، وعلى كل تقدير فالمراد إنه زادهم إيماناً وعلماً وبصيرة في الدين، قال ابن عباس في الآية: لما أنزل القرآن آمنوا به، وكان هدى، فلما تبين الناسخ من المنسوخ زادهم هدى.
(وآتاهم تقواهم) أي ألهمهم إياها، وأعانهم عليها بمعنى خلق التقوى فيهم أو أعطاهم ثواب تقواهم وجزاءها، والأول أولى وأوفق لتأليف النظم لما سبق أن أغلب آيات هذه السورة الكريمة روعي فيه التقابل، فقوبل الطبع بزيادة الهدى، لأن الطبع يحصل من تزايد الرين وترادف ما يزيد في الكفر، وقوبل اتباع الهوى بإيتاء التقوى فيحمل على كمال التقوى، وهو أن يتنزه العارف عما يشغل سره عن الحق ويتبتل إليه بشر أشره، وهو التقي الحقيقي المعني بقوله: (اتقوا الله حق تقاته)، فإن المزيد على مزيد الهدى، مزيد، لا مزيد عليه، وقال الربيع: التقوى هي الخشية، وقال السدي: هي ثواب الآخرة، وقال مقاتل: هي التوفيق للعمل بما يرضاه، وقيل: العمل بالناسخ وترك المنسوخ، وقيل: ترك الرخص والأخذ بالعزائم.
محمد 47:18
(فهل ينظرون)، أي ما ينتظر كفار مكة (إلا الساعة) أي القيامة (أن تأتيهم) بدل اشتمال من الساعة أي ليس الأمر إلا أن تأتيهم (بغتة) أي فجأة، وفي هذا وعيد للكفار شديد.
وعن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، بادروا بالأعمال سبعاً فهل تنتظرون إلا فقراً منسياً أو غنى مطغياً؛ أو مرضاً مفسداً، أو هرماً مقعداً أو موتاً مجهزاً أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر " [[رواه الترمذي.]] أخرجه الترمذي وحسنه (فقد جاء أشراطها) تعليل لمفاجأتها أو لإتيانها من حيث هو، أو هذا كالعلة للفعل باعتبار تعلقه بالبدل، لأن ظهور أشراط الشيء موجب لانتظاره، ومعنى أشراطها أماراتها وعلاماتها، وكانوا قد قرأوا في كتبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم، آخر الأنبياء فبعثته من أشراطها قاله الحسن والضحاك، والأشراط جمع شرط بسكون الراء وفتحها، وهو العلامة، وقيل: المراد بأشراطها هنا أسبابها التي هي دون معظمها، وقيل: أراد بعلامات الساعة انشقاق القمر والدخان كذا قال الحسن، وقال الكلبي: كثرة المال والتجارة، وشهادة الزور، وقطع الأرحام، وقلة الكرام، وكثرة اللئام، قلت: كما يشاهد الآن في هذا الزمان والله المستعان.
قال ابن عباس في الآية: أول الساعات. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما " من حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بالوسطى والسبابة " [[البخاري ومسلم.]]، ومثله عند البخاري من حديث سهل بن سعد، وفي الباب أحاديث كثيرة فيها بيان أشراط الساعة وبيان ما قد وقع منها، وما لم يكن قد وقع وهي تأتي في مصنف مستقل فلا نطيل بذكرها، وفي هذا الباب كتاب الاشاعة لأشراط الساعة، وهو نفيس جداً.
(فأنى لهم إذا جاءتهم)؟ الساعة بغتة (ذكراهم) أي: فمن أين لهم التذكر والإتعاظ والتوبة والخلاص، كقوله: (يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى)؟.
محمد 47:19
(فاعلم أنه لا إله إلا الله) أي إذا علمت أن مدار الخير هو التوحيد والطاعة، ومدار الشر هو الشرك والعمل بمعاصي الله، فاعلم أنه لا إله غيره، ولا رب سواه والمعنى أثبت على ذلك واستمر عليه ودم على ما أنت عليه من العلم بالوحدانية، فإنه النافع يوم القيامة، لأنه صلى الله عليه وسلم، قد كان عالماً بأنه لا إله إلا الله قبل هذا.
ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " [[رواه مسلم في صحيحه.]] رواه مسلم، وقيل: ما علمته استدلالاً فاعلمه خبراً يقينياً، وقيل: المعنى: فاذكر أنه لا إله إلا الله فعبر عن الذكر بالعلم، وقيل: الفاآت في هذه الآيات لعطف جملة على جملة بينهما اتصال.
(واستغفر لذنبك) أي: استغفر الله أن يقع منك ذنب أو استغفر الله ليعصمك، أو استغفره مما ربما يصدر منك من ترك الأولى، قال القاضي عياض: إن المراد به الفترات والغفلات من الذكر الذي كان شأنه صلى الله عليه وسلم الدوام عليه، فإذا فتر وغفل عد ذلك ذنباً واستغفر منه، وقيل: يحتمل أن يكون استغفاره شكراً ويأباه قوله لذنبك، وقيل: استغفر لذنوب أهل بيتك، وهذا تكلف بلا موجب، وقيل: لتستن به أمته وليقتدوا به في ذلك، وقيل: الخطاب له والمراد الأمة ويأبى هذا قوله (وللمؤمنين والمؤمنات) فإن المراد به استغفاره لذنوب أمته، بالدعاء لهم بالمغفرة عما فرط من ذنوبهم، وهذا إكرام من الله عز وجل لهذه الأمة، حيث أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لذنوبهم، وهو الشفيع المجاب فيهم إن شاء الله تعالى.
" عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء الاستغفار، ثم قرأ فاعلم أنه لا إله إلا الله الآية " [[صحيح الجامع الصغير.]] رواه الطبراني وابن مردويه والديلمي.
" وعن أبي هريرة في قوله (واستغفر لذنبك) قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة " [[ضعيف الجامع الصغير.]]، رواه عبد الرزاق وعبد بن حميد والترمذي وصححه ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب، وأصله في البخاري وشي رواية أكثر من سبعين.
" وعن عبد الله بن سرجس قال: أتيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأكلت معه من طعام فقلت: غفر الله لك يا رسول الله قال ولك، فقيل استغفر لك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال نعم ولكم، وقرأ: واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات [[مسلم وأحمد.]] أخرجه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، وروى مسلم عن الأغر المزني قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إنه ليغان على قلبي حتى استغفر الله في اليوم مائة مرة " [[مسلم والبخاري.]] وللعلماء في هذا الغين كلام طويل لا يسعه هذا الموضع، وقد وردت أحاديث في استغفاره صلى الله عليه وسلم لنفسه ولأمته وترغيبه في الاستغفار.
(والله يعلم متقلبكم) في الدنيا في أعمالكم ومعايشكم ومتاجركم (ومثواكم) في الدار الآخرة، قاله ابن عباس، وقيل: متقلبكم في أعمالكم نهاراً، ومثواكم في ليلكم نياماً، وقيل: متقلبكم في أصلاب آبائكم إلى أرحام أمهاتكم، ومثواكم في الأرض أي: مقامكم فيها، قال ابن كيسان: متقلبكم من ظهر إلى بطن في الدنيا، ومثواكم في القبور، وقيل: منصرفكم في أعمالكم، ومثواكم أي مصيركم إلى الجنة أو النار، والمعنى أنه عالم بجميع أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها، وإن دق وخفى، ومثله حقيق بأن يتقي ويخشى، وأن يستغفر، وسأل المؤمنون ربهم عز وجل أن ينزل على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم سورة يأمرهم فيها بقتال الكفار، حرصاً منهم على الجهاد، ونيل ما أعده الله للمجاهدين من جزيل الثواب فحكى الله عنهم ذلك بقوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ (20) طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ (21) فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (23) أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25)
محمد 47:20
(ويقول الذين آمنوا) من هنا إلى آخر السورة لا يظهر إلا كونه مدنياً إذ القتال لم يشرع إلا بالمدينة، وكذلك النفاق لم يظهر إلا بها فيحمل القول فيما تقدم بأنها مكية على أغلبها، وأكثرها، وكذا يحمل القول بأنها مدنية على البعض منها (لولا) هلا (نزلت سورة) فيها ذكر القتال، والأمر بالجهاد، والتحريض عليه (فإذا أنزلت سورة) في معنى الجهاد (محكمة) أي غير منسوخة (وذكر فيها القتال) أي فرض الجهاد وطلبه، قال قتادة: كل سورة ذكر فيها الجهاد فهي محكمة، وهي أشد القرآن على المنافقين لأن النسخ لا يرد عليها من قبل أن القتال نسخ ما كان من الصفح والمهادنة، وهو غير منسوخ إلى يوم القيامة، وقرأ ابن مسعود: فإذا نزلت سورة محدثة، أي محدثة النزول وقرأ الجمهور أنزلت وذكر على بناء الفعلين للمفعول وقرىء نزلت، وذكر على بنائهما للفاعل، ونصب القتال.
(رأيت الذين في قلوبهم مرض) أي شك، وهم المنافقون، أو ضعف في الدين، وأصل المرض الفتور، فمرض القلوب فتورها عن قبول الحق، والأول هو الأظهر الموافق لسياق النظم الكريم (ينظرون إليك) يعني شزراً وكراهية منهم (نظر المغشي عليه من الموت) أي نظراً مثل نظر من شخص نظره وبصره عند الموت، لجبنهم عن القتال، وميلهم إلى الكفار، كدأب من أصابته غشية الموت، وقال ابن قتيبة والزجاج: يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم وينظرون إليك نظراً شديداً كما ينظر الشاخص بصره عند الموت.
(فأولى لهم) قال الجوهري: أولا لك تهديد ووعيد، وكذا قال مقاتل والكلبي وقتادة، قال الأصمعي: معنى قولهم في التهديد: أولى لك أي وليك وقاربك ما تكره. وهو فعل ماض، قال ثعلب: ولم يقل في أولى أحسن مما قاله الأصمعي، وقال المبرد: يقال لمن همّ بالغضب ثم أفلت أولى لك أي قاربت الغضب، وقال الجرجاني: هو مأخوذ من الويل، أي: فويل لهم وكذا قال في الكشاف. قال قتادة أيضاًً: كأنه قال العقاب أولى لهم، وعلى هذا يكون إسماً لا فعلاً وعليه الأكثر، وفي إعرابه أوجه ذكرها السمين.
محمد 47:21
(طاعة وقول معروف) كلام مستأنف أي أمرهم طاعة، أو طاعة وقول معروف خير لكم، قال الخليل وسيبويه إن التقدير طاعة وقول معروف أحسن وأمثل بكم من غيرهما، وقدره مكي منا طاعة فقدره مقدماً، وقيل: إن طاعة خبر أولى أي: الأولى بهم أن يطيعوك ويخاطبوك بالقول الحسن الخالي عن الأذية، وقيل: إن طاعة صفة لسورة، أي فإذا أنزلت سورة محكمة طاعة، أي ذات طاعة أو مطاعة، ذكره مكي وأبو البقاء، وفيه بعد لكثرة الفواصل، وقيل إن (لهم) خبر مقدم، وطاعة مبتدأ مؤخر، والأول أولى.
(في عزم الأمر) عزم الأمر، جد الأمر، أي جد القتال ووجب وفرض، وأسند الأمر إلى العزم -وهو لأصحابه- مجازاً، وجواب إذا قيل هو قوله الآتي: (فلو صدقوا الله)، وقيل: محذوف تقديره كرهوه، قال المفسرون: معناه إذا جد الأمر ولزم فرض القتال، خالفوا وتخلفوا، فلو صدقوا الله في إظهار الإيمان والطاعة (لكان خيراً لهم) من المعصية والمخالفة.
محمد 47:22
(فهل عسيتم) يقال عسيت أن أفعل كذا، وعسيت بالفتح والكسر لغتان، ذكره الجوهري وهما سبعيتان، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع أي فهل يتوقع منكم (إن توليتم) أي أعرضتم عن الإيمان الذي تلبستم به ظاهراً.
(أن تفسدوا في الأرض) بأنواع الفساد، قال الكلبي: فهل عسيتم إن توليتم أمر الأمة أن تفسدوا فيها بالظلم، وقال كعب: أن يقتل بعضكم بعضاً وقال قتادة: إن توليتم عن طاعة كتاب الله عز وجل أن تفسدوا فيها بسفك الدماء وقال ابن جريج: إن توليتم عن الطاعة أن تفسدوا في الأرض بالمعاصي، وقبل أعرضتم عن القتال وفارقتم أحكامه، فتعودوا إلى جاهليتكم، أو توليتم الحكم فجعلتم حكاماً أن تفسدوا في الأرض، بأخذ الرشا، قرأ الجمهور: توليتم مبنياً للفاعل، وقرىء مبنياً للمفعول فهل عسيتم إن ولي عليكم ولاة جائرون أن يخرجوا عليكم في الفتنة وتحاربوهم.
(وتقطعوا أرحامكم) بالبغي والظلم والقتل، قرأ الجمهور تقطعوا بالتشديد على التكثير، وقرىء بالتخفيف من القطع.
" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله تعالى خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فأخذت بحِقْوِ الرحمن فقال: مه؟ قالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك؟ وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى قال: فذلك لك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إقرأوا إن شئتم فهل عسيتم الآية " [[البخاري ومسلم.]] أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، والأحاديث في صلة الرحم كثيرة.
محمد 47:23
(أولئك) المفسدون يدل عليه ما تقدم وفي الإشارة التفات للإيذان بأن ذكر جناياتهم أوجب إسقاطهم عن رتبة الخطاب وحكاية أحوالهم الفظيعة لغيرهم (الذين لعنهم الله) أي أبعدهم من رحمته، وطردهم عنها، (فأصمهم) عن استماع الحق (وأعمى أبصارهم) أي عن مشاهدة ما يستدلون به على التوحيد والبعث وحقية سائر ما دعاهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل فأصم آذانهم، كما قال (وأعمى أبصارهم) ولم يقل وأعماهم لأنه لا يلزم من ذهاب الأذن ذهاب السماع، فلم يتعرض لها، والأعين يلزم من ذهابها ذهاب الإبصار.
محمد 47:24
(أفلا يتدبرون القرآن) أصل التدبر التفكر في عاقبة الشيء وما يؤول إليه أمره وتدبر القرآن لا يكون إلا مع حضور القلب وجمع الهم، وقت تلاوته ويشترط فيه تقليل الغذاء من الحلال الصرف، وخلوص النية، قاله الخازن، والاستفهام للإنكار، والمعنى أفلا يتفهمونه فيعلمون بما اشتمل عليه من المواعظ الزاجرة؟ والحجج الظاهرة؟ والبراهين القاطعة الباهرة؟ التي تكفي من له فهم وعقل، وتزجره عن الكفر بالله والاشراك به والعمل بمعاصيه؟ وقيل: المراد به التأسي، وقيل: هذه الآية محققة للآية المتقدمة، ومهيجة لهم على ترك ما هم فيه من الكفر، الذي استحقوا بسببه اللعنة، أو كالتبكيت لهم على إصرارهم على الكفر.
(أم) هي المنقطعة بمعنى بل، والهمزة التي للانتقال من توبيخ إلى توبيخ أي بل أ (على قلوب أقفالها) فهم لا يفهمون ولا يعقلون قال مقاتل: يعني الطبع على القلوب، والتنكير إما لتهويل حالها أو تفظيع شأنها. كأنه قيل على قلوب منكرة لا يعرف حالها. وإما لأن المراد بها قلوب بعضهم وهم المنافقون والأقفال إستعارة لانغلاق القلب عن معرفة الحق، وإضافة الأقفال إلى القلوب للتنبيه على أن المراد بها ما هو للقلوب بمنزلة الأقفال للأبواب، أو أنها أقفال مخصوصة بها، مناسبة لها.
ومعنى الآية أنه لا يدخل في قلوبهم الإيمان، ولا يخرج منها الكفر والشرك، لأن الله سبحانه قد طبع عليها قرىء أقفالها بالجمع، وإقفالها بكسر الهمزة على أنه مصدر، كالإقبال، والآية بعمومها تشمل كل من لا يتدبر القرآن، ولا يتأسى به، ويدخل فيه من نزلت فيه دخولاً أولياً، وأما المقلدة التاركة للتدبر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهؤلاء هم الذين على قلوبهم أقفالها.
محمد 47:25
(إن الذين ارتدوا على أدبارهم) أي رجعوا كفاراً كما كانوا، قال قتادة: هم كفار أهل الكتاب كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ما عرفوا نعته عندهم وبه قال ابن جريج وقال ابن عباس: هم أهل النفاق وقال الضحاك والسدي: هم المنافقون قعدوا عن القتال وهذا أولى لأن السياق في المنافقين.
(من بعد ما تبيّن لهم الهدى) بما جاءهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم من المعجزات الظاهرة والآيات القاهرة والدلائل الواضحة، والبراهين الباهرة (الشيطان سول لهم) أي زين لهم خطاياهم، وسهل لهم الوقوع فيها، وإقتراف الكبائر، والجملة خبر إن.
(وأملى لهم) أي مد لهم في الآمال والأماني ووعدهم طول العمر وقيل: إن الذي أملى لهم هو الله عز وجل على معنى أنه لم يعاجلهم بالعقوبة، قرأ الجمهور أملى على البناء للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول، أي أمهلوا ومد في عمرهم، واختار القول بأن الفاعل هو الله الفراء والمفضل والأولى اختيار أنه الشيطان لتقدم ذكره قريباً.
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (29) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ (30) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (31)
محمد 47:26
(ذلك) أي ما تقدم من ارتدادهم أو التسويل والإملاء والأول أولى (بأنهم) أي بسبب أن هؤلاء المنافقين الذين ارتدوا على أدبارهم (قالوا للذين كرهوا ما نزل الله) وهم المشركون (سنطيعكم في بعض الأمر) وهذا البعض هو عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومخالفة ما جاء به، وقيل المعنى أن المنافقين قالوا لليهود سنطيعكم في بعض الأمر كالقعود عن الجهاد، والموافقة في الخروج معهم إن خرجوا والتظافر على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إن القائلين اليهود والذين كرهوا المنافقون ويؤيد كون القائلين المنافقين والكارهين اليهود قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ) ولما كان قولهم المذكور للذين كرهوا ما أنزل الله بطريقة السر بينهم قال الله سبحانه:
(والله يعلم إسرارهم) بكسر الهمزة على المصدر، أي إخفاءهم، وبها قرأ الكوفيون وقرأ الجمهور بفتحها على أنه جمع سر
محمد 47:27
(فكيف إذا توفتهم الملائكة) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها وكيف في محل رفع على أنها خبر مقدم، والتقدير فكيف علمه بأسرارهم إذا توفتهم الملائكة، أو في محل نصب بفعل محذوف، أي فكيف يصنعون؟ أو خبر لكان مقدرة، أي فكيف يكونون والظرف معمول للمقدر، قرأ الجمهور: توفتهم، وقرىء توفاهم وقوله:
(يضربون وجوههم وأدبارهم) في محل نصب على الحال من فاعل توفتهم، أو من مفعوله أي ضاربين وجوههم، وضاربين أدبارهم وفي الكلام تخويف وتشديد، والمعنى أنه إذا تأخر عنهم العذاب فسيكون حالهم هذا وهو تصوير لتوفيهم على أقبح حال وأشنعه، قيل: لا يتوفى أحد على معصية إلا يضرب الملائكة في وجهه ودبره، وقيل: ذلك عند القتال نصرة من الملائكة لرسول الله، وقيل ذلك يوم القيامة والأول أولى.
محمد 47:28
(ذلك) أي التوفي المذكور على الصفة المذكورة (بأنهم اتبعوا ما أسخط الله) أي بسبب اتباعهم ما بسخط الله من الكفر والمعاصي، وقيل: كتمانهم ما في التوراة من نعت نبينا صلى الله عليه وسلم، والأول أولى، لما في الصيغة من العموم (وكرهوا رضوانه) أي ما يرضاه الله من الإيمان والتوحيد والطاعة (فأحبط أعمالهم) بهذا السبب والمراد الأعمال التي صورتها صورة الطاعة، وإلا فلا عمل لكافر أو ما كانوا قد عملوا قبل الردة من الخير.
محمد 47:29
(أم) أي: بل أ (حسب الذين في قلوبهم مرض) يعني المنافقين الذين فصلت أحوالهم الشنيعة، ووصفوا بوصفهم السابق، بكونه المدار في النعي عليهم بقوله (أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ) والمعنى: أن ذلك مما لا يكاد أن يدخل تحت الاحتمال، والإخراج بمعنى الإظهار، والأضغان جمع ضغن، وهو ما يضمر من المكروه، واختلف في معناه فقيل: هو الغش، وقيل: الحسد، وقيل: الحقد، قال الجوهري: الضغن والضغينة الحقد قال قطرب: هو في الآية العداوة، وأن هي المخففة من الثقيلة، وإسمها ضمير شأن مقدر، قال ابن عباس: أضغانهم أعمالهم، خبثهم والحسد الذي في (الله مولى الذين آمنوا) أي ناصرهم ووليهم (وأن الكافرين لا مولى لهم) أي لا ناصر يدفع عنهم كما يؤخذ من مقابله، وهذا لا يخالف قوله (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق)، فإن المولى فيه بمعنى المالك لا بمعنى الناصر، قال قتادة: نزلت يوم أحد، وقرأ ابن مسعود (وَلِيُّ الَّذِينَ).
(إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار) قد تقدم تفسير الآية في غير موضع، وتقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات، والجملة مسوقة لبيان ولاية الله للمؤمنين وثمرتها الأخروية (والذين كفروا يتمتعون) بمتاع الدنيا أياماً قلائل، وينتفعون به غير متفكرين في العاقبة.
(ويأكلون كما تأكل الأنعام) في معالفها ومسارحها غافلة عما هي بصدده من النحر والذبح، والمعنى كأنهم أنعام ليس لهم همة إلا بطونهم وفروجهم، ساهون عن العاقبة لا هون بما هم فيه، لا يلتفتون إلى الآخرة (والنار مثوى لهم) أي مقام يقيمون به، ومنزل ينزلونه ويستقرون فيه، ومصير يصيرون إليه، والجملة في محل نصب على الحال أو مستأنفة.
ثم خوف الله سبحانه الكفار بأنه قد أهلك من هو أشد منهم فقال:
(وكأين من قرية) قد قدمنا أن كأين مركبة من الكاف وأي، وأنها بمعنى كم الخبرية أي وكم من قرية، والمعنى كم من أهل قرية كذبت رسلها (هي) أي هم (أشد قوة من) أهل (قريتك التي أخرجتك) أي أخرجوك منها (أهلكناهم) فكذلك نفعل بأهل قريتك فاصبر كما صبر رسل أهل هؤلاء القرى قال مقاتل: أي أهلكناهم بالعذاب حين كذبوا رسلهم.
(فلا ناصر لهم) فبالأولى من هو أضعف منهم، وهم قريش الذين إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (32) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (34) فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (35) إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ (36) إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ (37) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (38)
محمد 47:32
(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله) المراد بهؤلاء المنافقون، وقيل: أهل الكتاب، وقيل: هم المطعمون يوم بدر من المشركين، وقيل: نزلت في قريظة والنضير، ومعنى صدهم منعهم للناس عن الإسلام، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم (وشاقوا الرسول) أي عادوه وخالفوه (من بعد ما تبين لهم الهدى) أي علموا أنه صلى الله عليه وسلم نبي من عند الله سبحانه وتعالى، بما شاهدوا من المعجزات الواضحة، والحجج القاطعة (لن يضروا الله) ورسوله (شيئاًً) بتركهم الإيمان، وإصرارهم على الكفر، وما ضروا إلا أنفسهم.
(وسيحبط أعمالهم) أي يبطلها، والمراد بهذه الأعمال ما صورته صورة أعمال الخير، كإطعام الطعام، وصلة الأرحام، وسائر ما كانوا يفعلونه من الخير، وإن كانت باطلة من الأصل، لأن الكفر مانع، وقيل: المراد بالأعمال المكايد التي نصبوها لإبطال دين الله والغوائل التي كانوا يبغونها برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثم أمر سبحانه عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال:
محمد 47:33
(يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) فيما أمرتم به من الشرائع المذكورة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهاهم عن أن يبطلوا أعمالهم كما أبطلت الكفار أعمالهم بالإصرار على الكفر، فقال:
(ولا تبطلوا أعمالكم) قال الحسن: أي لا تبطلوا حسناتكم بالمعاصي، وقال الزهري: بالكبائر وهو الأولى، وقال الكلبي وابن جريج: بالرياء والسمعة، وقال مقاتل: بالمن، وقال عطاء: بالنفاق والشرك، قلت: والظاهر النهي عن كل سبب من الأسباب التي توصل إلى بطلان الأعمال، كائناً ما كان، من غير تخصيص بنوع معين، عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون أنه لا يضر مع لا إله إلا الله ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، حتى نزلت هذه الآية، فخافوا أن يبطل الذنب العمل، وفي لفظ فخافوا الكبائر أن تحبط أعمالهم.
" وعن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت هذه الآية فلما نزلت قلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات، والفواحش، فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاًً منها قلنا قد هلك حتى نزلت هذه الآية (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، وكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاًً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاًً رجوناه [[انظر زاد المسير.]].
واستدل بهذه الآية من لا يرى إبطال النوافل، حتى لو دخل في صلاة تطوع، أو صوم تطوع، لا يجوز له إبطال ذلك العمل والخروج منه، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله، وقال الشافعي بخلافه، ولا دليل لهم في الآية، ولا حجة، لأن السنة مبينة للكتاب.
وقد ثبت في الصحيحين: " أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائماً فلما رجع إلى البيت وجد حيساً، فقال لعائشة: قربيه فلقد أصبحت صائماً، فأكل " [[صحيح البخاري.]] وهذا معنى الحديث، وليس بلفظه، فليس في هذه الآية دليل كما ظنه الزمخشري على إحباط الطاعات بالكبائر على ما زعمت المعتزلة والخوارج، فجمهورهم على أن كبيرة واحدة تحبط جميع الطاعات، حتى إن من عبد الله طول عمره، ثم شرب جرعة خمر فهو كمن لم يعبده قط، ثم بيّن سبحانه أنه لا يغفر للمصرين على الكفر والصد عن سبيل الله فقال:
محمد 47:34
(إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم) فقيّد سبحانه عدم المغفرة بالموت على الكفر، لأن باب التوبة وطريق المغفرة لا يغلقان على من كان حياً، وظاهر الآية العموم، وإن كان السبب خاصاً، نزلت في أصحاب القليب، قاله المحلي، لكن حكمها عام في كل كافر مات على كفره، ثم نهى سبحانه المؤمنين عن الوهن والضعف فقال:
محمد 47:35
(فلا تهنوا) أي فلا تضعفوا عن القتال، والوهن الضعف، والخطاب لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، والحكم عام لجميع المسلمين (وتدعوا إلى السلم) أي ولا تدعوا الكفار إلى الصلح ابتداء منكم، فإن ذلك لا يكون إلا عند الضعف. قال الزجاج: منع الله المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم بحربهم حتى يسلموا، وقرىء تدعوا من ادعى القوم وتداعوا، والسلم بفتح السين وكسرها سبعيتان، قال قتادة: معنى الآية لا تكونوا أول الطائفتين ضرعت إلى صاحبتها.
واختلف أهل العلم في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة؟ فقيل: إنها محكمة، وأنها ناسخة لقوله: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) وقيل: منسوخة بهذه الآية، ولا يخفاك أنه لا مقتضى للقول بالنسخ، فإن الله سبحانه نهى المسلمين في هذه الآية عن أن يدعو إلى السلم ابتداء ولم ينه عن قبول السلم إذا جنح إليه المشركون، فالآيتان محكمتان، ولم يتواردا على محل واحد حتى يحتاج إلى دعوى النسخ أو التخصيص، بل نزلتا في وقتين مختلفي الأحوال، وجملة (وأنتم الأعلون) حالية أو مستأنفة مقررة لما قبلها من النهي، أي وأنتم القاهرون الغالبون بالسيف والحجة، قال الكلبي: أي آخر الأمر لكم وإن غلبوكم في بعض الأوقات.
(والله معكم) بالنصر والمعونة عليهم (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي لن ينقصكم شيئاًً من ثواب أعمالكم، يقال: وتره يتره وتراً إذا أنقصه حقه، وأصله من وترت الرجل إذا قتلت له قريباً أو نهبت له مالاً، ويقال: فلان مأتور إذا قتل له قتيل، ولم يؤخذ بدمه، قال الجوهري: أي لن ينقصكم في أعمالكم، كما تقول: دخلت البيت وأنت تريد في البيت، قال الفراء: هو مشتق من الموتر وهو الذحل وقيل: مشتق من الموتر وهو الفرد، فكأن المعنى ولن يفردكم بغير ثواب قال ابن عباس: يتركم يظلمكم.
محمد 47:36
(إنما الحياة الدنيا لعب ولهو) أي باطل وغرور، لا أصل لشيء منها، ولا ثبات له، ولا اعتداد به، تنقطع في أسرع مدة فكيف تمنعكم عن طلب الآخرة؟ واللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل ثم إذا استعمله الإنسان ولم يشغله عن غيره ولم ينسه أشغاله المهمة فهو اللعب، وإن أشغله عن مهمات نفسه فهو اللهو (وإن تؤمنوا) بالله (وتتقوا) الكفر والمعاصي (يؤتكم أجوركم) أي جزاء ذلك في الآخرة والأجر الثواب على الطاعة.
(ولا يسألكم أموالكم) أي: لا يأمركم بإخراجها جميعها في الزكاة وسائر وجوه الطاعات، بل أمركم بإخراج القليل منها غيضاً من فيض، أي ربع العشر وهو الزكاة، وبه قال ابن عيينة وغيره، وقيل: المعنى ولا يسألكم أموالكم، إنما يسألكم أمواله لأنه أملك لها، وهو المنعم عليكم بإعطائها وقيل: لا يسألكم محمد صلى الله عليه وسلم أموالكم أجراً على تبليغ الرسالة، كما في قوله: (ما أسألكم عليه من أجر) والأول أولى.
محمد 47:37
(إِنْ يَسْأَلْكُمُوهَا) أي أموالكم كلها (فيحفكم) أي يبالغ في طلبها، قال المفسرون: يجهدكم ويلحف عليكم بمسألة جميعها؛ يقال: أحفى بالمسألة، وألحف والح، بمعنى واحد والمحفي المستقصي في السؤال والإحفاء والإستقصاء في الكلام، ومنه إحفاء الشارب أي استئصاله، وجواب الشرط قوله: (تبخلوا) أي إن يأمركم بإخراج جميع أموالكم تبخلوا بها، وتمتنعوا من الإمتثال.
(ويخرج أضغانكم) الأضغان الأحقاد، والمعنى أنها تظهر عند ذلك قال قتادة: قد علم الله أن في سؤال المال خروج الأضغان لدين الإسلام من حيث محبة المال بالجبلة والطبيعة، ومن نوزع في حبيبه ظهرت طويته التي كان يسرها.
محمد 47:38
(ها أنتم) يا مخاطبون (هؤلاء) الموصوفون وجملة (تدعون) مستأنفة مقررة ومؤكدة لما قبلها لاتحاد محصل معناهما (لتنفقوا في سبيل الله) أي في الجهاد، وفي طرق الخير (فمنكم من يبخل) بما يطلب منه ويدعى إليه من الإنفاق في سبيل الله، وإذا كان منكم من يبخل باليسير من المال، فكيف لا يبخلون بالكثير، وهو جميع الأموال، ومقابله ومنكم من يجود وحذف، لأن المراد الإستدلال على البخل ثم بين سبحانه أن ضرر البخل عائد على النفس فقال:
(ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه) أي: يمنعهما الأجر والثواب، وبخل وضن يتعديان تارة بعلى، وبعن أخرى، لتضمينهما معنى الإمساك، والتعدي قال السمين: والأجود أن يكونا حال تعديهما بعن مضمنين معنى الإمساك وقيل: المعنى يبخل عن داعي نفسه، لا عن داعي ربه (والله الغني) المطلق المتنزه عن الحاجة إلى أموالكم (وأنتم الفقراء) إلى الله وإلى ما عنده من الخير والرحمة.
(وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم) معطوف على الشرطية المتقدمة وهي وإن تؤمنوا، والمعنى إن تعرضوا عن الإيمان والتقوى، يستبدل قوماً آخرين يكونوا مكانكم، هم أطوع لله منكم.
" عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: من هؤلاء؟ وسلمان إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: هم الفرس هذا وقومه "، وفي إسناده مسلم الزنجي، قد تفرد به، وفيه مقال معروف، ولهذا الحديث طرق في الصحيح [[الطبراني 26/ 66.]].
" وعن أبي هريرة قال: تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقالوا: يا رسول الله من هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا بنا، ثم لا يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان، ثم قال: هذا وقومه والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطاً بالثريا لتناوله رجال من فارس " أخرجه الترمذي وابن مردويه من حديث جابر والطبراني في الأوسط والبيهقي في الدلائل، وعبد بن حميد وعبد الرزاق وفي إسناده أيضاًً مسلم ابن خالد الزنجي نحوه.
وقال عكرمة: هم فارس والروم، وقال الحسن: هم العجم، وقال شريح بن عبيد: هم أهل اليمن وقيل الأنصار وقيل: الملائكة، وقيل: التابعون وقال مجاهد: هم من شاء الله من سائر الناس، وقال الكلبي: هم كندة والنخعي عن عرب اليمن، وقال المحاسبي: فلا أحد يعد من جميع أجناس الأعاجم أحسن ديناً، ولا كانت منهم العلماء إلا الفرس.
" وحكي عن أبي موسى الأشعري: أنه لما نزلت هذه الآية فرح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هي أحب إلي من الدنيا " والله أعلم ولينظر في سنده.
(ثم لا يكونوا أمثالكم) في التولي عن الإيمان والتقوى، بل مطيعين له عز وجل، قال ابن جرير في البخل بالإنفاق في سبيل الله، وكلمة ثم للدلالة على أن مدخولها مما يستبعده المخاطبون لتقارب الناس في الأحوال واشتراكهم في الميل إلى المال.