Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — القمر 54:1 – المجادلة 58:22
المحتويات
- القمر 54:1
- القمر 54:2
- القمر 54:3
- القمر 54:4
- القمر 54:5
- القمر 54:6
- القمر 54:7
- القمر 54:8
- القمر 54:9
- القمر 54:10
- القمر 54:11
- القمر 54:12
- القمر 54:13
- القمر 54:14
- القمر 54:15
- القمر 54:16
- القمر 54:17
- القمر 54:18
- القمر 54:19
- القمر 54:20
- القمر 54:21
- القمر 54:22
- القمر 54:23
- القمر 54:24
- القمر 54:25
- القمر 54:26
- القمر 54:27
- القمر 54:28
- القمر 54:29
- القمر 54:30
- القمر 54:31
- القمر 54:32
- القمر 54:33
- القمر 54:34
- القمر 54:35
- القمر 54:36
- القمر 54:37
- القمر 54:38
- القمر 54:39
- القمر 54:41
- القمر 54:42
- القمر 54:43
- القمر 54:44
- القمر 54:45
- القمر 54:46
- القمر 54:47
- القمر 54:48
- القمر 54:49
- القمر 54:50
- القمر 54:51
- القمر 54:52
- القمر 54:53
- القمر 54:54
- القمر 54:55
- الرحمن 55:1
- الرحمن 55:2
- الرحمن 55:3
- الرحمن 55:4
- الرحمن 55:5
- الرحمن 55:6
- الرحمن 55:7
- الرحمن 55:8
- الرحمن 55:9
- الرحمن 55:10
- الرحمن 55:11
- الرحمن 55:12
- الرحمن 55:13
- الرحمن 55:14
- الرحمن 55:15
- الرحمن 55:16
- الرحمن 55:17
- الرحمن 55:18
- الرحمن 55:19
- الرحمن 55:20
- الرحمن 55:21
- الرحمن 55:22
- الرحمن 55:23
- الرحمن 55:24
- الرحمن 55:25
- الرحمن 55:26
- الرحمن 55:27
- الرحمن 55:28
- الرحمن 55:29
- الرحمن 55:30
- الرحمن 55:31
- الرحمن 55:32
- الرحمن 55:33
- الرحمن 55:35
- الرحمن 55:36
- الرحمن 55:37
- الرحمن 55:38
- الرحمن 55:39
- الرحمن 55:40
- الرحمن 55:41
- الرحمن 55:42
- الرحمن 55:43
- الرحمن 55:44
- الرحمن 55:45
- الرحمن 55:46
- الرحمن 55:47
- الرحمن 55:48
- الرحمن 55:49
- الرحمن 55:50
- الرحمن 55:51
- الرحمن 55:52
- الرحمن 55:53
- الرحمن 55:54
- الرحمن 55:55
- الرحمن 55:56
- الرحمن 55:57
- الرحمن 55:58
- الرحمن 55:59
- الرحمن 55:60
- الرحمن 55:61
- الرحمن 55:62
- الرحمن 55:63
- الرحمن 55:64
- الرحمن 55:65
- الرحمن 55:66
- الرحمن 55:67
- الرحمن 55:68
- الرحمن 55:69
- الرحمن 55:70
- الرحمن 55:71
- الرحمن 55:72
- الرحمن 55:73
- الرحمن 55:74
- الرحمن 55:75
- الرحمن 55:76
- الرحمن 55:77
- الرحمن 55:78
- الواقعة 56:1
- الواقعة 56:2
- الواقعة 56:3
- الواقعة 56:4
- الواقعة 56:5
- الواقعة 56:6
- الواقعة 56:7
- الواقعة 56:8
- الواقعة 56:9
- الواقعة 56:10
- الواقعة 56:11
- الواقعة 56:13
- الواقعة 56:14
- الواقعة 56:15
- الواقعة 56:16
- الواقعة 56:17
- الواقعة 56:18
- الواقعة 56:19
- الواقعة 56:20
- الواقعة 56:21
- الواقعة 56:22
- الواقعة 56:23
- الواقعة 56:24
- الواقعة 56:25
- الواقعة 56:26
- الواقعة 56:27
- الواقعة 56:28
- الواقعة 56:29
- الواقعة 56:30
- الواقعة 56:31
- الواقعة 56:32
- الواقعة 56:33
- الواقعة 56:34
- الواقعة 56:35
- الواقعة 56:36
- الواقعة 56:37
- الواقعة 56:38
- الواقعة 56:39
- الواقعة 56:41
- الواقعة 56:42
- الواقعة 56:43
- الواقعة 56:44
- الواقعة 56:45
- الواقعة 56:46
- الواقعة 56:47
- الواقعة 56:48
- الواقعة 56:49
- الواقعة 56:50
- الواقعة 56:51
- الواقعة 56:52
- الواقعة 56:53
- الواقعة 56:54
- الواقعة 56:55
- الواقعة 56:56
- الواقعة 56:57
- الواقعة 56:58
- الواقعة 56:59
- الواقعة 56:60
- الواقعة 56:61
- الواقعة 56:62
- الواقعة 56:63
- الواقعة 56:64
- الواقعة 56:65
- الواقعة 56:66
- الواقعة 56:67
- الواقعة 56:68
- الواقعة 56:69
- الواقعة 56:70
- الواقعة 56:71
- الواقعة 56:72
- الواقعة 56:73
- الواقعة 56:74
- الواقعة 56:75
- الواقعة 56:76
- الواقعة 56:77
- الواقعة 56:78
- الواقعة 56:79
- الواقعة 56:80
- الواقعة 56:81
- الواقعة 56:82
- الواقعة 56:83
- الواقعة 56:84
- الواقعة 56:85
- الواقعة 56:86
- الواقعة 56:87
- الواقعة 56:88
- الواقعة 56:89
- الواقعة 56:90
- الواقعة 56:91
- الواقعة 56:92
- الواقعة 56:93
- الواقعة 56:94
- الواقعة 56:95
- الواقعة 56:96
- الحديد 57:1
- الحديد 57:2
- الحديد 57:3
- الحديد 57:4
- الحديد 57:5
- الحديد 57:6
- الحديد 57:7
- الحديد 57:8
- الحديد 57:9
- الحديد 57:10
- الحديد 57:11
- الحديد 57:12
- الحديد 57:13
- الحديد 57:14
- الحديد 57:15
- الحديد 57:16
- الحديد 57:17
- الحديد 57:18
- الحديد 57:19
- الحديد 57:20
- الحديد 57:21
- الحديد 57:22
- الحديد 57:23
- الحديد 57:24
- الحديد 57:25
- الحديد 57:26
- الحديد 57:27
- الحديد 57:28
- الحديد 57:29
- المجادلة 58:1
- المجادلة 58:2
- المجادلة 58:3
- المجادلة 58:4
- المجادلة 58:5
- المجادلة 58:6
- المجادلة 58:7
- المجادلة 58:8
- المجادلة 58:9
- المجادلة 58:10
- المجادلة 58:11
- المجادلة 58:12
- المجادلة 58:13
- المجادلة 58:14
- المجادلة 58:15
- المجادلة 58:16
- المجادلة 58:17
- المجادلة 58:18
- المجادلة 58:19
- المجادلة 58:20
- المجادلة 58:21
- المجادلة 58:22
القمر 54:1
سورة القمر
ويقال سورة اقتربت
وقد تقدم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ يقاف واقتربت الساعة في الأضحى والفطر وقال ابن عباس: اقتربت تدعى في التوراة المبيضة تبيض وجه صاحبها يوم تبيض الوجوه، قال البيهقي: منكر.
و" عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة رفعه من قرأ اقتربت الساعة في كل ليلة بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر " أخرجه ابن الضريس وهي خمس وخمسون آية وهي مكية كلها في قول الجمهور وقال مقاتل: إلا ثلاث آيات من قوله: (أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ) إلى قوله: (وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ) قال القرطبي: ولا يصح وقيل: إلا (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ) الآية وعن ابن عباس: أنها نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله، وجميع آيات السورة فواصلها على الراء الساكنة.
بسم الله الرحمن الرحيم
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (7) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
(اقتربت الساعة) أي قربت ولا شك أنها قد صارت باعتبار نسبة ما بقي بعد قيام النبوة المحمدية إلى ما مضى من الدنيا قريبة، ويمكن أن يقال أنها لما كانت متحققة الوقوع لا محالة كانت قريبة، فكل آت قريب (وانشق القمر) أي: وقد انشق القمر وانفلق، وكذا قرأ حذيفة بزيادة قد والمراد الانشقاق الواقع في أيام النبوة معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى هذا ذهب الجمهور من السلف والخلف، قال الواحدي: وجماعة المفسرين على هذا إلا ما روى عثمان بن عطاء عن أبيه أنه قال: المعنى سينشق القمر، والعلماء كلهم على خلافه.
قال: وإنما ذكر اقتراب الساعة مع انشقاق القمر لأن انشقاقه من علامات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة، قال ابن كيسان: في الكلام تقديم وتأخير، أي: انشق القمر واقتربت الساعة، وحكى القرطبي عن الحسن مثل قول عطاء أنه الانشقاق الكائن يوم القيامة، وهذا قول باطل لا يصح وشاذ لا يثبت لإجماع المفسرين على خلافه، ولأن الله سبحانه ذكره بلفظ الماضي وحمل الماضي على المستقبل بعيد يفتقر إلى قرينة تنقله أو دليل يدل عليه، وأتى ذلك.
قال الرازي: قال بعض المفسرين: المراد سينشق، وهذا بعيد لا معنى له لأن من منع ذلك وهو الفلسفي خذله الله يمنعه في الماضي والمستقبل ومن يجوزه لا يحتاج إلى التأويل، ثم رد على المانع وقال: والقرآن أدل دليل وأقوى مثبت له وامكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق فيجب اعتقاد وقوعه وحديث امتناع الخرق والإلتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السموات وذكرناه مراراً، وقيل: معنى انشق وضح الأمر وظهر والعرب تضرب بالقمر المثل فيما وضح، وقيل: انشقاق القمر هو انشقاق الظلمة عنه وطلوعه في أثنائها كما يسمى الصبح فلقاً لانفلاق الظلمة عنه.
قال ابن كثير: قد كان الإنشقاق في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم: كما ثبت ذلك في الأحاديث المتواترة بالأسانيد الصحيحة قال: وهذا أمر متفق عليه بين العلماء أن انشقاق القمر قد وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان إحدى المعجزات الباهرات.
قال الزجاج: زعم قوم عندوا عن القصد وما عليه أهل العلم أن تأويله أن القمر ينشق يوم القيامة والأمر بين في اللفظ، وإجماع أهل العلم، لأن قوله الآتي:
القمر 54:2
(وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر) يدل على أن هذا كان في الدنيا لا في القيامة انتهى، ولم يأت من خالف الجمهور وقال إن الانشقاق سيكون يوم القيامة إلا بمجرد استبعاد فقال: إنه لو انشق في زمن النبوة لم يبق أحد إلا رآه لأنه آية والناس في الآيات سواء، ويجاب عنه بأنه لا يلزم أن يراه كل أحد لا عقلاً ولا شرعاً ولا عادة، وأن هذا الانشقاق حصل في الليل ومعظم الناس نيام غافلون، والأبواب مغلقة وهم مغطون بثيابهم فَقَلَّ من يتفكر في السماء أو ينظر إليها.
ومما هو مشاهد معتاد أن كسوف القمر وغيره مما يحدث في السماء، في الليل من العجائب والأنوار الطوالع والشهب العظام ونحو ذلك يقع ولا يتحدث به إلا أحاد الناس، ولا علم عند غيرهم بذلك لما ذكرنا من غفلة الناس عنه وكان هذا الانشقاق آية عظيمة حصلت في الليل لقوم سألوها واقترحوا رؤيتها فلم يتأهب غيرهم لها.
قال بعض أهل العلم: وقد يكون القمر حينئذ في بعض المجاري والمنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض كما يكون ظاهراً لقوم غائباً عن قوم وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد والله أعلم.
ومع هذا فقد نقل إلينا بطريق التواتر، وهذا بمجرده يدفع الاستبعاد ويضرب به في وجه قائله، والحاصل إنا إذا نظرنا إلى كتاب الله فقد أخبرنا بأنه انشق ولم يخبرنا بأنه سينشق، وإن نظرنا إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فقد ثبت في الصحيح وغيره من طرق متواترة أنه قد كان ذلك في أيام النبوة، وإن نظرنا إلى أقوال أهل العلم فقد اتفقوا على هذا ولا يلتفت إلى شذوذ من شذ، واستبعاد من استبعد، وفي الباب رسائل شتى للشيخ رفيع الدين الدهلوي رحمه الله وغيره.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن " أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية فأراهم القمر شقتين حتى رأوا حراء بينهما " [[مسلم والبخاري.]]، وروي عنه من طرق أخرى عند مسلم والترمذي وغيرهما وقال فنزلت (اقتربت الساعة وانشق القمر).
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن " ابن مسعود قال انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اشهدوا " [[مسلم والبخاري.]].
وعنه قال رأيت القمر منشقاً شقتين مرتين، مرة بمكة قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، شقة على أبي قبيس، وشقة على السويدا، وذكر أن هذا سبب نزول الآية أخرجه عبد بن حميد والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الدلائل.
وعنه أيضاًً قال: " رأيت القمر وقد انشق وأبصرت الجبل بين فرجتي القمر "، أخرجه أحمد وأبو نعيم وابن جرير وغيرهم، وله طرق عنه.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن " ابن عباس قال انشق القمر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم " وله طرق عنه، وأخرج مسلم والترمذي وغيرهما.
" عن ابن عمر في الآية قال كان ذلك على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم انشق القمر فرقتين فرقة من دون الجبل، وفرقة خلفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم أشهد ".
" وعن جبير بن مطعم عن أبيه في الآية قال: انشق القمر ونحن بمكة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صار فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقال الناس: سحرنا محمد فقال رجل: إن كان سحركم فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم "، أخرجه أحمد والترمذي والحاكم وصححه وعبد بن حميد وغيرهم.
وعن عبد الرحمن السلمي قال: خطبنا حذيفة بن اليمان بالمدائن فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: (اقتربت الساعة وانشق القمر)، ألا وإن الساعة قد اقتربت ألا وإن القمر قد انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا وإن الدنيا قد آذنت بفراق، اليوم المضمار، وغداً السباق "، أخرجه ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم، ونقل في المواهب عن الحافظ ابن حجر أن الانشقاق لم يقع إلا مرة واحدة وأن رواية مرتين مؤولة مصروفة عن ظاهرها وكان أي الانشقاق قبل الهجرة بنحو خمس سنين.
(وإن يروا) أي كفار قريش (آية) تدل على صدق الرسول والمراد بها هنا انشقاق القمر (يعرضوا) عن تأملها والإيمان بها (ويقولوا) هذا (سحر مستمر) أي: دائم مطرد قوي، وكل شيء دام حاله قيل فيه مستمر وذلك لما رأوا تتابع المعجزات وترادف الآيات أعرضوا عن التصديق بها وقالوا هذا سحر مستمر.
قال الواحدي: قال المفسرون: لما انشق القمر قال المشركون: سحرنا محمد فقال الله (وإن يروا) آية يعني: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق بها والإيمان بها، ويقولوا سحر قوي شديد يعلو كل سحر، من قولهم استمر الشيء إذا قوي واستحكم، وقد قال بأن معنى مستمر قوي شديد جماعة من أهل العلم، قال الأخفش: هو مأخوذ من إمرار الحبل وهو شدة فتله وبه قال أبو العالية والضحاك واختاره النحاس.
وقال الفراء والكسائي وأبو عبيدة (سحر مستمر) أي ذاهب مار سوف يذهب ولا يبقى، من قولهم مر الشيء واستمر أي ذهب وبطل وبه قال قتادة ومجاهد وغيرهما واختاره النحاس، وقيل: يشبه بعضه بعضاً وقيل: قد مر من الأرض إلى السماء، وقيل: هو من المرارة، يقال مر الشيء صار مراً أي مستبشع عندهم مر على أهوائهم لا يقدرون أن يسيغوه كما لا يساغ المر، وبه قال الزمخشري.
وفي هذه الآية أعظم دليل على أن الانشقاق قد كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قررناه سابقاً، وفي التفهيمات للشيخ ولي الله المحدث الدهلوي رحمه الله: وأما شق القمر فعندنا ليس من المعجزات، إنما هو من آيات القيامة كما قال تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر) ولكنه صلى الله عليه وسلم أخبر عنه قبل وجوده فكان معجزة من هذا السبيل انتهى. واعترضه بعض من لا يسمن قوله ولا يغني من جوع، ودفعه جماعة من علماء الهند وغيرهم، وليس في هذه العبارة إنكار تلك المعجزة كما فهمه بعض القاصرين عن بلوغ رتبة الكمال بل هي أدل دليل على إثباتها عند من يفهم كلام العلماء بالله تعالى، تأمل.
ثم ذكر سبحانه تكذيبهم فقال:
القمر 54:3
(وكذبوا) رسول الله صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله (واتبعوا أهواءهم) ما زينه لهم الشيطان الرجيم من دفع الحق بعد ظهوره ذكر هذين بصيغه الماضي، للإشعار بأنهما من عادتهم القديمة، مع أن الظاهر المضارع لكونهما معطوفين على يعرضوا (وكل أمر مستقر) مستأنفة لتقرير بطلان ما قالوه من التكذيب واتباع الهوى ولإقناطهم مما علقوا به أمانيهم الفارغة من عدم استقرار أمره صلى الله عليه وسلم حيث قالوا سحر مستمر، ببيان ثباته ورسوخه أي وكل أمر من الأمور منتهي إلى غاية يستقر عليها لا محالة، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر.
قال الفراء: تقول يستقر قرار تكذيبهم وقرار قول المصدقين حتى يعرفوا حقيقته بالثواب والعقاب، وقيل: كل ما قدر فهو كائن لا محالة وقال الكلبي: المعنى لكل أمر حقيقة، ما كان منه في الدنيا فسيظهر، وما كان منه في الآخرة فسيعرف، وقيل: هو جواب قولهم: (سحر مستمر)، أي ليس أمره بذاهب كما زعمتم، بل أمر محمد صلى الله عليه وسلم سيظهر إلى غاية يتبين فيها أنه حق، وقيل: كل أمر من أمرهم، وأمره صلى الله عليه وسلم مستقر على حالة خذلان أو نصرة في الدنيا أو شقاوة أو سعادة في الآخرة، ذكره أبو السعود والظاهر هو الأول.
وإبهام المستقر عليه، للتنبيه على كمال ظهور الحال وعدم الحاجة إلى التصريح به. قرأ الجمهور مستقر بكسر القاف، وهو مرتفع على أنه خبر والمبتدأ وهو كل وقرىء بالجر على أنه صفة لأمر، وقرىء بفتح القاف قال أبو حاتم: ولا وجه لها، وقيل: وجهه كل أمر ذو استقرار، أو زمان استقرار، أو مكانه على أنه مصدر أو ظرف زمان أو ظرف مكان.
القمر 54:4
(ولقد جاءهم) أي كفار مكة أو الكفار على العموم (من الأنباء) أي من بعض أخبار الأمم المكذبة المقصوصة علينا في القرآن (ما فيه مزدجر) أي: ازدجار عن الكفر على أنه مصدر ميمي، يقال: إزدجرته وزجرته إذا نهيته عن السوء ووعظته بغلظة، أو إسم مكان والمعنى جاءهم ما فيه موضع ازدجار، أي: أنه في نفسه موضع لذلك وأصله مزتجر. وتاء الافتعال تقلب دالاً بعد الزاي والدال والذال، كما تقرر في موضعه وهذا في آخر كتاب سيبويه، وقرىء مزجر بإبدال التاء زاياً وإدغامها، وقرىء مزجر إسم فاعل من أزجر أي صار ذا زجر، وما موصولة أو موصوفة.
القمر 54:5
(حكمة) خبر مبتدأ محذوف، أو بدل من (ما) بدل كل من كل، أو بدل اشتمال، أو من مزدجر (بالغة) تامة أي إن القرآن حكمة قد بلغت الغاية، ليس فيها نقص، ولا خلل، وقرىء حكمة بالنصب على أنها حال من ما، أي: حال كون ما فيه مزدجر حكمة بالغة نهاية الصواب (فما تغن النذر) ما استفهامية أي أيُّ شيء أو أيُّ إغناء تغني النذر؟ وتحصله وتكسبه؟ أو نافية، أي: لم تغن النذر شيئاًً ولم تنفع فيهم والفاء لترتيب عدم الإغناء على مجيء الحكمة البالغة، ولا ترسم الياء هنا بعد النون اتباعاً لرسم المصحف، والنذر جمع نذير بمعنى النذر، أي الأمور المنذرة لهم كأحوال الأمم السابقة وما بلغ إليهم من العذاب الذي بلغ قريشاً وتسامعوا به أو بمعنى الإنذار على أنه مصدر.
ثم أمره الله سبحانه بالإعراض عنهم فقال:
القمر 54:6
(فتول عنهم) أي أعرض عنهم حيث لم يؤثر فيهم الإنذار، وهي منسوخة بآية السيف، قاله أكثر المفسرين وقال الرازي: إن قولهم بالنسخ ليس بشيء بل المراد منها لا تناظرهم بالكلام، ذكره الخطيب.
(يوم) اذكر يوم (يدع الداع) وإليه ذهب الرماني والزمخشري وفيه وجوه هذا أقربها، وسقطت الواو من يدع إتباعاً للفظ، وقد وقعت في الرسم هكذا وحذفت الياء من الداع مبالغة في التخفيف واكتفاء بالكسرة، والداعي هو إسرافيل، وقيل: جبريل والأول أولى (إلى شيء نكر) أي: أمر فظيع ينكرونه استعظاماً له، لعدم تقدم العهد لهم بمثله وهو هول يوم القيامة، وقيل: هو الحساب، قرأ الجمهور نكر بضم الكاف، وقرىء بسكونها تخفيفاً، وقرىء بكسر الكاف، وفتح الراء على صيغة الفعل المجهول.
القمر 54:7
(خشعاً أبصارهم) قرأ الجمهور: خشعاً، جمع خاشع، وقرىء خاشعاً على الإفراد، وقرأ ابن مسعود: خاشعة، قال الفراء: الصفة إذا تقدمت على الجماعة جاز فيها التذكير والتأنيث، والجمع، يعني جمع التكسير لا جمع السلامة لأنه يكون من الجمع بين الفاعلين، والخشوع في البصر الخضوع والذلة وأضاف الخشوع إلى الأبصار لأن العز والذل يتبين فيها، ويظهر أكثر من ظهوره على بقية البدن.
(يخرجون) أي الناس مطلقاً مؤمنهم وكافرهم (من الأجداث) واحدها جدث وهو القبر (كأنهم) لكثرتهم وتموجهم واختلاط بعضهم ببعض (جراد منتشر) أي منبث: في الأقطار، مختلط بعضه ببعض في الأماكن لا يدرون أين يذهبون من الخوف والحيرة
القمر 54:8
(مهطعين إلى الداع) الإهطاع الإسراع في المشي، أي حال كونهم مسرعين إلى الداعي، وهو إسرافيل وقال الضحاك: مقبلين، وقال قتادة: عامدين، وقال عكرمة: فاتحين آذانهم إلى الصوت، والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة وغيره، وقال ابن عباس: ناظرين إليه بأبصارهم لا يقلعون، وقيل: مادي أعناقهم إليه.
(يقول الكافرون هذا يوم عسر) أي صعب شديد على الكافرين كما في المدثر: (يوم عسير على الكافرين غير يسير) وفي إسناد هذا القول إلى الكفار دليل على أن اليوم ليس بشديد على المؤمنين، ثم ذكر سبحانه تفصيل بعض ما تقدم من الأنباء المجملة فقال:
القمر 54:9
(كذبت قبلهم) أي: قبل قريش (قوم نوح) أي كذبوا نبيهم وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
(فكذبوا عبدنا) تفصيل بعد إجمال، وتفسير لما قبله من التكذيب المبهم، وفيه مزيد تقرير وتأكيد أي فكذبوا نوحاً والفاء على هذا تفصيلية فإن التفصيل يكون عقب الإجمال، وقيل معناه كذبوه تكذيباً بعد تكذيب كلما مضى منهم قرن مكذب، تبعه قرن مكذب والفاء حينئذ للتعقيب، والمكذب الثاني غير الأول، وإن اتحد المكذب أو كذبوه بعد ما كذبوا جميع الرسل والفاء على هذا للتسبب، وإنما لم يرتض القاضي هذين الوجهين، وإن جرى في الكشاف عليهما، لأن الظاهر هو الاتحاد في كليهما.
ثم بين سبحانه أنهم لم يقتصروا على مجرد التكذيب فقال: (وقالوا مجنون) أي نسبوا نوحاً إلى الجنون (وازدجر) معطوف على قالوا، أي وزجر عن دعوى النبوة، وعن تبليغ ما أرسل به بأنواع الزجر، وقيل: إنه معطوف على مجنون، أي: وقالوا: إنه ازدجرته الجن وتخبطته، وذهبت بلبه، والأول أولى، قال مجاهد: هو من كلام الله سبحانه أخبر عنه بأنه انتهر وزجر بالسب، وأنواع الأذى، قال الرازي: وهذا أصح لأن المقصود تقوية قلب النبي صلى الله عليه وسلم بذكر من تقدمه.
القمر 54:10
(فدعا) نوح (ربه) على قومه: (أني) أي بأني، وقرىء بكسر الهمزة إما على إضمار القول، أي فقال: إني، وإما إجراء للدعاء مجرى القول، وهو مذهب الكوفيين (مغلوب) من جهة قومي، لتمردهم عن الطاعة، وزجرهم لي عن تبليغ الرسالة، وذلك بعد صبره عليهم غاية الصبر حيث مكث ألف سنة إلا خمسين عاماً يعالجهم، فلم يفد فيهم شيئاًً ولما يئس عن إجابتهم وعلم تمردهم وعتوهم، وإصرارهم على ضلالتهم، طلب من ربه سبحانه النصرة عليهم فقال: (فَانْتَصِرْ) أي: انتقم لي منهم ثم ذكر سبحانه ما عاقبهم به فقال:
القمر 54:11
(ففتحنا) مخففاً ومشدداً، وهما سبعيتان (أبواب السماء) أي كلها في جميع الأقطار، وهو على ظاهره، وللسماء أبواب تفتح وتغلق، ولا يستبعد ذلك لأنه قد صح في الحديث أن للسماء أبواباً، وقيل هو على الاستعارة فإن الظاهر أن يكون المطر من السحاب، والأول أولى (بماء) الباء للتعدية على المبالغة، حيث جعل الماء كالآلة التي يفتح بها، كما تقول: فتحت بالمفتاح (منهمر) غزير، نازل بقوة، أي منصباً انصباباً شديداً في كثرة وتتابع، لم ينقطع أربعين يوماً، والهمر: الصب بكثرة يقال: همر الماء والدمع يهمر همراً وهموراً إذا كثر.
القمر 54:12
(وفجرنا الأرض عيوناً) أي جعلنا الأرض كلها عيوناً متفجرة، وهو أبلغ من قولك: فجرنا عيون الأرض، قرأ الجمهور: فجرنا بالتشديد، وقرىء بالتخفيف، قال عبيد بن عمير: أوحى الله إلى الأرض أن تخرج ماءها فتفجرت بالعيون وسالت بالمياه (فالتقى الماء على أمر قد قدر) وقرىء الماءآن وقرأ علي ومحمد بن كعب: الماوان أي التقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قضى عليهم، أي كائناً على حال قدرها الله، وقضى بها في اللوح المحفوظ أنه يكون، وهو هلاك قوم نوح بالطوفان، قيل: كان ماء السماء أكثر وقيل: بالعكس.
وحكى ابن قتيبة أن المعنى على مقدار لم يزد أحدهما على الآخر بل كان ماء السماء وماء الأرض على سواء، قال قتادة: قدر لهم إذ كفروا أن يغرقوا قال ابن عباس: لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم، ولا بعده إلا من السحاب، وفتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم، فالتقى الماءآن.
وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ (14) وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (24) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (25) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (26) إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (27)
القمر 54:13
(وحملناه) أي: نوحاً (على) سفينة (ذات ألواح) وهي الأخشاب العريضة (ودسر) قال الزجاج: هي المسامير التي تشد بها الألواح واحدها دسار، وكل شيء أدخل في شيء يشده فهو دسر، وكذا قال قتادة ومحمد ابن كعب وابن زيد وسعيد بن جبير وغيرهم، وقال الحسن وشهر بن حوشب وعكرمة: الدسر ظهر السفينة التي يضربها الموج، سميت بذلك لأنها تدسر الماء، أي تدفعه، والدسر الدفع، وقال الليث: الدسار خيط يشد به ألواح السفينة.
قال في الصحاح: الدسار واحد الدسر، وهي خيوط تشد بها ألواح السفينة ويقال: هي المسامير وقيل: صدر السفينة وقيل: عوارضها وأضلاعها وقيل: الألواح جانبا السفينة، والدسر أصلها، وقيل أصلها وطرفاها قال ابن عباس: الألواح ألواح السفينة، والدسر معاريضها التي تشد بها السفينة وقال أيضاًً: المسامير وقال أيضاًً: الدسر كلكل السفينة، وقال مجاهد: نطق السفينة وعنه أيضاًً أضلاع السفينة.
القمر 54:14
(تجري بأعيننا) أي بمنظر ومرأى منا، وحفظ مالها، كما في قوله: واصنع الفلك بأعيننا، وقيل: بأمرنا، وقيل: بوحينا، وقيل: بالأعين النابعة من الأرض، وقيل: بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها والأول أولى (جزاء) قال الفراء: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم: ثواباً، فالنصب على العلة، وقيل: أي أغرقوا انتصاراً، وهو تفسير للمعنى، وقيل: جازيناهم جزاء.
(لمن كان كفر) به، وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام، فإنه كان لهم نعمة كفروها، إذ كل نبي نعمة على أمته، قرأ الجمهور كفر مبنياً للمفعول والمراد به نوح، وقيل: هو الله سبحانه، فإنهم كفروا به، وجحدوا نعمته وقرىء كفر بفتح الكاف والفاء مبنياً للفاعل، أي جزاء وعقاباً لمن كفر بالله.
القمر 54:15
(ولقد تركناها) أي السفينة (آية) عبرة للمعتبرين قال قتادة: أبقاها الله بأرض الجزيرة، وقيل على الجودي زماناً مديداً، ودهراً طويلاً حتى نظر إليها ورآها أوائل هذه الأمة، أو أبقينا خبرها، أو أبقينا جنس السفن أو تركنا بمعنى جعلنا، وقيل: المعنى تركنا هذه الفعلة التي فعلناها بهم عبرة وموعظة لمن يعتبر ويتعظ بها.
(فهل من مدكر)؟ أصله مذتكر، فأبدلت التاء ذالاً ثم أبدلت المعجمة مهملة لتقاربهما، وأدغمت الدال في الدال، والمعنى هل من متعظ ومعتبر؟ يتعظ بهذه الآية ويعتبر بها؟ فيترك المعصية، ويختار الطاعة، ثم إنه تعالى لما أجاب دعوة نوح بأن أغرقهم أجمعين، قال: استعظاماً لذلك العقاب وإبعاداً لمشركي مكة:
القمر 54:16
(فكيف كان عذابي)؟ الذي عذبتهم به (و) كيف كان عاقبة (نذر)؟ أي: إنذاري قال الفراء: الإنذار والنذر مصدران، والإستفهام للتهويل والتعجيب، أي كانا على كيفية هائلة عجيبة لا يحيط بها الوصف، وقيل: نذر جمع نذير ونذير بمعنى الإنذار كنكير بمعنى الإنكار.
القمر 54:17
(ولقد يسرنا القرآن للذكر) أي سهلناه للإدكار والإتعاظ، بأن وشحناه بأنواع المواعظ والعبر الشافية، وصرفنا فيه من الوعد والوعيد، يحفظه الصغير والكبير، والعربي والعجمي وغيرهم، قال ابن عباس: لولا أن الله يسره على لسان الآدميين ما استطاع أحد من الخلق أن يتكلموا بكلام الله.
وأخرج الديلمي. عن أنس مرفوعاً مثله، وقال سعيد بن جبير: يسرناه للحفظ والقراءة، وليس شيء من كتب الله يقرأ كله ظاهراً إلا القرآن، والجملة قسمية وردت في آخر القصص الأربع، تقريراً لمضمون ما سبق، وتنبيهاً على أن كل قصة منها مستقلة بإيجاب الإدكار فيها، كافية في الازدحار، ومع ذلك لم تقع واحدة في حيز الاعتبار، أي: وتالله لقد سهلنا القرآن لقومك، بأن أنزلناه على لغتهم.
(فهل من مدكر)؟ أي متعظ بمواعظه، ومعتبر لعبره، وطالب لحفظه، فيعان عليه، وقارىء يقرأه، وطالب علم وخير، وقال ابن عباس: هل من متذكر؟ كرر هذا في هذه السورة للتنبيه والإفهام، وقيل: إن الله تعالى اقتص في هذه السورة على هذه الأمة أنباء الأمم، وقصص المرسلين، وما عاملتهم به الأمم، وما كان من عقبى أمورهم وأمور المرسلين، فكان في كل قصة ونبأ ذكر للمستمع أن لو تذكر، وإنما كرر هذه الآية عند كل قصة بقوله: فهل من مذكر؟ لأن هل كلمة استفهام تستدعي أفهامهم التي ركبت في أجوافهم، وجعلها حجة عليهم، فاللام من هل للإستعراض، والهاء للإستخراج، وفي الآية الحث على درس القرآن، والإستكثار من تلاوته، والمسارعة في تعلمه.
القمر 54:18
(كذبت عاد) هم قوم هود، ولم يتعرض لكيفية تكذيبهم له مسارعة إلى بيان ما نزل بهم من العذاب، ولم يقل: فكذبوا هوداً كما قال في قصة نوح، فكذبوا عبدنا، لأن تكذيب قوم نوح أبلغ لطول مقامه فيهم، وكثرة عنادهم، وإما لأن قصة عاد ذكرت مختصرة (فكيف كان عذابي ونذر)؟ أي فهل سمعتم أو فاسمعوا كيف كان عذابي لهم؟ وإنذاري إياهم؟ ونذر مصدر بمعنى إنذار كما تقدم، والاستفهام للتهويل والتعظيم، والغرض بهذا توجيه قلوب السامعين نحو الإصغاء إلى ما يلقى إليهم قبل ذكره.
القمر 54:19
(إنا أرسلنا عليهم ريحاً صرصراً) هذه الجملة مستأنفة مبينة لما أجمله سابقاً من العذاب، والصرصر شدة البرد، أي: ريح شديدة البرد، وقيل: الصرصر شدة الصوت، وقد تقدم بيانه في حم السجدة. قال ابن عباس: ريحاً صرصراً أي باردة (في يوم نحس مستمر) أي: دائم الشؤم إلى الأبد، استمر عليهم بنحوسة، واستمر فيه العذاب إلى الهلاك، وقد كانوا يتشاءمون بذلك اليوم، قال الزجاج: أي بيوم الأربعاء في آخر الشهر، أي شهر شوال لثمان بقين منه، واستمر إلى غروب الشمس، قال الخطيب: وقد قال في سورة الحاقة: سبع ليال وثمانية أيام حسوماً، وفي حم السجدة في أيام نحسات، فالمراد باليوم هنا الوقت والزمان انتهى.
قال الضحاك: كان ذلك اليوم مراً عليهم، وكذا حكى الكسائي عن قوم أنهم قالوا: هو من المرارة كالشيء المر، تكرهه النفوس، وقيل: هو من المرة بمعنى القوة، أي في يوم قوي الشؤم مستحكمه. كالشيء المحكم الفتل الذي لا يطاق نقضه، والظاهر أنه من الاستمرار لا من المرارة: ولا من المرة أي دام عليهم العذاب فيه حتى أهلكهم، وشمل إهلاكه كبيرهم وصغيرهم، وقيل: استمر بهم إلى نار جهنم، قال ابن عباس: في أيام شداد، " عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأربعاء يوم نحس مستمر "، أخرجه ابن المنذر وابن مردويه، وأخرجه هو عنه من وجه آخر [[قلت: قال شيخ الإسلام الشوكاني: قال الصنعاني: موضوع، وكذا قال ابن الجوزي، ورواه الخطيب وفي إسناده كذاب، ورواه ابن مردويه، وفي إسناده متروك وأما حديث ابن عباس فقد قال الحافظ ابن حجر: هذا كذب على ابن عباس، لا تحل روايته؟. المطيعي.]] مرفوعاً.
" وعن علي أيضاًً مرفوعاً وعن أنس أيضاًً مرفوعاً وفيه قيل: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: أغرق الله فيه فرعون وقومه، وأهلك فيه عاداً وثمود "، وأخرج ابن مردويه والخطيب بسند قال السيوطي: ضعيف.
" عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر ". قرأ الجمهور بإضافة يوم إلى نحس مع سكون الحاء وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة أو على تقدير مضاف، أي في يوم عذاب نحس، وقرىء بتنوين يوم على أن نحس صفة له، وقرىء بكسر الحاء.
القمر 54:20
(تنزع الناس) أوقع الظاهر موضع المضمر ليعم ذكورهم وإناثهم وإلا فالأصل: تنزعهم أي تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم اقتلاع النخلة من أصلها. قال مجاهد: كانت تقلعهم من الأرض فترمي بهم على رؤوسهم فتدق أعناقهم، وتبين رؤوسهم من أجسادهم، وقيل: تنزع الناس من البيوت، وقيل: من قبورهم، لأنهم حفروا حفائر، ودخلوها. روي أنهم دخلوا في الشعاب والحفر، وتمسك بعضهم ببعض، فنزعتهم الريح منها، وصرعتهم موتى.
(كأنهم) وحالهم ما ذكر (أعجاز نخل منقعر) الأعجاز جمع عجز، وهو مؤخر كل شيء، وعن ابن عباس قال: أصول النخل، وعنه أعجاز سواد النخل، والمنقعر المنقطع المنقلع من أصله، يقال: قعرت النخلة إذا قطعتها من أصلها حتى تسقط، شبههم في طول قاماتهم حين صرعتهم الريح وطرحتهم على وجوههم بالنخل الساقط على الأرض التي ليس لها رؤوس وذلك أن الريح قلعت رؤوسهم أولاً ثم كبتهم على وجوههم، وهذا ما جرى عليه الزجاج وغيره، وفيه إشارة إلى قوتهم وثباتهم في الأرض بأجسامهم، فكأنهم لعظم أجسامهم وكمال قوتهم، يقصدون مقاومة الريح لما صرعتهم وألقتهم على الأرض، فكأنها أقلعت أعجاز نخل منقعر، وتذكير منقعر مع أنه صفة لأعجاز نخل وهي مؤنثة اعتباراً باللفظ، ويجوز تأنيثه اعتباراً بالمعنى، كما قال: (أعجاز نخل خاوية) قال المبرد: كل ما ورد عليك من هذا الباب إن شئت رددته إلى اللفظ تذكيراً أو إلى المعنى تأنيثاً، وقيل: إن النخل والنخيل يذكر ويؤنث.
القمر 54:21
(فكيف كان عذابي ونذر)؟ أي إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أو إنذاراتي في تعذيبهم لمن بعدهم، كرر للتهويل، وقال أبو السعود: تهويل لهما وتعجيب من أمرهما، بعد بيانهما، فليس فيه شائبة تكرار كما قيل: وما قيل من أن الأول لما حاق بهم في الدنيا والثاني لما يحيق بهم في الآخرة يرده ترتيب الثاني على العذاب الدنيوي.
القمر 54:22
(ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر)؟ إنكار ونفي للمتعظ على أبلغ وجه وآكده، حيث يدل على أنه لا يقدر أحد أن يجيب المستفهم بنعم، لما ذكر سبحانه تكذيب عاد أتبعه ببيان تكذيب ثمود فقال:
القمر 54:23
(كذبت ثمود بالنذر) جمع نذير، أي كذبت بالرسل المرسلين، أو مصدر بمعنى الإنذار أي كذبت بالإنذار الذي أنذروا به، وإنما كان تكذيبهم لرسولهم وهو صالح تكذيباً للرسل، لأن من كذب واحداً من الأنبياء فقد كذب سائرهم لاتفاقهم في الدعوة إلى كليات الشرائع.
القمر 54:24
(فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ)؟ الإستفهام للإنكار، أي كيف نتبع بشراً كائناً من جنسنا منفرداً وحده؟ لا متابع له على ما يدعو إليه؟ قرأ الجمهور بنصب بشراً على الاشتغال، أي أنتبع بشراً واحداً منا؟ وهو الراجح لتقدم أداة، هي بالفعل أولى، وقرىء بالرفع على الابتداء، وواحد صفته، ونتبعه خبره؛ وقرىء برفع بشر، ونصب واحد على الحال (إنا إذاً لفي ضلال) أي إنا إذا اتبعناه لفي خطأ وذهاب عن الحق والصواب (وسعر) أي عذاب وعناء وشدة، كذا قال الفراء وغيره، وقال أبو عبيدة: وهو جمع سعير، وهو لهب النار، والسعر الجنون يذهب كذا وكذا لما يتلهب به من الحدة، وقال مجاهد: سعر بعد عن الحق، وقال السدي في احتراق، وقيل: المراد به هنا الجنون من قولهم: ناقة مسعورة أي كأنها من شدة نشاطها مجنونة، وقال ابن عباس: في شقاء ثم كرروا الإنكار والاستبعاد فقالوا:
القمر 54:25
(أألقي الذكر عليه من بيننا)؟ أي كيف خص من بيننا بالوحي والنبوة؟ وفينا من هو أحق بذلك منه، ثم اضربوا عن الإنكار، وانتقلوا إلى الجزم بكونه كذاباً أشراً فقالوا: (بل هو كذاب أشر) الأشر المرح والنشاط، أو البطر والتكبر، وتفسيره بالبطر والتكبر أنسب بالمقام، قرأ الجمهور أشر كفرح، صفة مشبهة وعلى أنه أفعل التفضيل، وقرىء بضم الشين وفتح الهمزة، ثم أجاب سبحانه عليهم بقوله:
القمر 54:26
(سيعلمون غداً) السين لتقريب مضمون الجملة وتأكيده، والمراد بقوله غداً وقت نزول العذاب الذي حل بهم في الدنيا، أو في يوم القيامة، جرياً على عادة الناس في التعبير بالغد عن المستقبل من الأمر، وإن بعدكما في قولهم إن مع اليوم غداً، والأول أولى، قرأ الجمهور بالتحتية على أنه إخبار من الله سبحانه لصالح عن وقوع العذاب عليهم بعد مدة على سبيل الالتفات، وقرىء بالتاء على أنه خطاب من صالح لقومه.
(من الكذاب الأشر)؟ من استفهامية أي أيّ فريق هو الكذاب الأشر المتكبر البطر، أهو هم؟ أم صالح عليه السلام.
القمر 54:27
(إنا مرسلو الناقة) مستأنفة لبيان ما تقدم إجماله من الوعيد، ومبادي الموعود به حتماً أي إنا مخرجوها من الصخرة على حسب ما اقترحوه، وموجدوها لهم (فتنة لهم) أي ابتلاء وامتحاناً واختباراً (فارتقبهم) أي انتظر ما يصنعون، وما يصنع بهم (واصطبر) أي اصبر على ما يصيبك من الأذى منهم، ولا تعجل حتى يأتيك أمرنا.
وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (28) فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (29) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (30) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (31) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (32) كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ (33) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (34) نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنَا كَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ (35) وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ (36) وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (37) وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٌّ (38) فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (40) وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (41) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (42)
القمر 54:28
(وَنَبِّئْهُمْ) أي أخبرهم إخباراً عظيماً عن أمر عظيم وهو (أن الماء قسمة بينهم) أي بين ثمود وبين الناقة لها يوم لا تدع في البئر قطرة يأخذها أحد منهم، ولهم يوم لا تشاركهم فيه، كما في قوله: (لها شرب ولكم شرب يوم معلوم)، وقال بينهم بضمير العقلاء تغليباً، قرأ الجمهور قسمة بكسر القاف بمعنى مقسوم، وقرىء بفتحها.
(كل شرب) هو بكسر الشين؛ الحظ من الماء والنصيب (محتضر) أي أنه يحضره من هو له، فالناقة تحضره يوماً، وهم يحضرونه يوماً، قال مجاهد: إن ثمود يحضرون الماء يوم نوبتهم فيشربون، ويحضرون يوم نوبتها فيحتلبون
القمر 54:29
(فنادوا صاحبهم) أي: فتمادوا على ذلك أو فبقوا على ذلك مدة ثم ملوا من ضيق الماء والمرعى عليهم وعلى مواشيهم، فأجمعوا على قتلها، والفاء فصيحة تفصح أن في الكلام محذوفاً وهو ما تقدم، والمعنى نادى ثمود صاحبهم وهو قدار بن سالف عاقر الناقة يحضونه على عقرها.
(فتعاطى) التعاطي تناول الشيء بتكلف، أي: تناول الناقة بسيفه (فعقر) أو اجترأ على تعاطي أسباب العقر فعقرها غير مكترث، قال محمد ابن اسحق: كمن لها في أصل شجرة على طريقها فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها ثم شد عليها بالسيف فكسر عرقوبها، ثم نحرها موافقة لهم
القمر 54:30
(فكيف كان عذابي ونذر)؟ أي: إنذاري لهم بالعذاب قبل نزوله، أي: وقع موقعه وبينه بقوله:
القمر 54:31
(إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة) قال عطاء: يريد صيحة جبريل صاح بهم في اليوم الرابع من عقر الناقة، لأنه كان في يوم الثلاثاء ونزول العذاب بهم كان في يوم السبت وقد مضى بيان هذا في سورة هود والأعراف.
(فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) قرأ الجمهور بكسر الظاء، والهشيم حطام الشجر ويابسه، والمحتظر صاحب الحظيرة، وهو الذي يتخذ لغنمه حظيرة تمنعها عن برد الريح، يقال: إحتظر على غنمه إذا جمع الشجر ووضع بعضه فوق بعض وقال في الصحاح: المحتظر الذي يعمل الحظيرة، أي: من يابس الشجر والشوك، يحفظ الغنم من السباع والذئاب، والحظيرة زريبة الغنم ونحوها، قاله الشهاب، وقرىء بفتح الظاء أي: كهشيم الحظيرة فمن قرأ بالكسر أراد الفاعل للاحتظار، ومن قرأ بالفتح أراد الحظيرة، وهي فعيلة بمعنى مفعولة، ومعنى الآية: أنهم صاروا كالشجر إذا يبس في الحظيرة، وداسته الغنم بعد سقوطه.
وقال قتادة: هو العظام النخرة المحترقة، وقال سعيد بن جبير: هو التراب المتناثر من الحيطان في يوم ريح، وقال سفيان الثوري: هو ما يتناثر من الحظيرة إذا ضربتها بالعصى، قال ابن زيد: العرب تسمي كل شيء كان رطباً فيبس هشيماً، والمتهشم المتكسر، والمحتظر الذي يعمل الحظيرة وما يحتظر به ييبس بطول الزمان، وتتوطأه البهائم فيحتطم وينهشم، وقال ابن عباس: كحظائر من الشجر محترقة، وكالعظام المحترقة، وكالحشيش تأكله الغنم.
القمر 54:32
(وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) فائدة تكرير هذه الآية أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين إذكاراً واتعاظاً وأن يستأنفوا تيقظاً وانتباهاً، إذا سمعوا، والحث على ذلك والبعث إليه، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، لتكون تلك العبرة حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان، ثم أخبر سبحانه عن قوم لوط بأنهم كذبوا رسل الله كما كذبهم غيرهم فقال:
القمر 54:33
(كذبت قوم لوط بالنذر) أي بالأمور المنذرة لهم على لسانه، ثم بين سبحانه ما عذبهم به فقال:
القمر 54:34
(إنا أرسلنا عليهم حاصباً) أي ريحاً ترميهم بالحصباء، بالمد وهي الحصى ومنه المحصب وهو موضع بالحجاز، قال أبو عبيدة: والنضر بن شميل: الحاصب الحجارة في الريح، قال في الصحاح: الحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء والحصب بفتحتين ما تحصب به النار، أي ترمي، وكل ما ألقيته في النار فقد حصبتها به، وبابه ضرب، وتذكيره مع كونه مسنداً إلى ضمير الريح -وهي مؤنث- سماعي، لكونها في تأويل العذاب، وقوله تعالى: (وأمطرنا عليهم حجارة)، وكذا قوله: (لنرسل عليهم حجارة)، يدلان على أن الذي أرسل عليهم نفس الحجارة لا الريح التي تحصبها إلا أنه قيل ههنا: (أرسلنا عليهم حاصباً) للدلالة على أن إمطار الحجارة وإرسالها عليهم كان بواسطة إرسال الريح لها.
(إلا آل لوط) يعني لوطاً وابنتيه ومن تبعه، وفي الإستثناء وجهان:
أحدهما: أنه متصل، أي أرسل الحاصب على الجميع، إلا أهله فإنه لم يرسل عليهم.
والثاني: أنه منقطع، وبه قال أبو البقاء، ولا أدري ما وجهه، فإن الانقطاع وعدمه عبارة عن عدم دخول المستثنى في المستثنى منه، ودخوله فيه، وهذا داخل ليس إلا، وهو كلام مشكل.
(نجيناهم بسحر) أي آخر الليل، وهو في كلام العرب اختلاط سواد الليل ببياض أول النهار، فيكون فيه مخائل الليل ومخائل النهار، وقيل: هما سحران الأعلى قبل انصداع الفجر، والآخر عند انصداعه، وانصرف سحر لأنه نكرة لم يقصد به سحر ليلة معينة، ويوم معين، ولو قصد معيناً لامتنع كذا قال الزجاج والأخفش وغيرهما، والباء بمعنى في، أو هي للملابسة أي حال كونهم متلبسين بسحر.
القمر 54:35
(نعمة من عندنا) النصب على العلة، أو على المصدرية، أي: إنعاماً منا على لوط ومن تبعه (كذلك) أي مثل ذلك الجزاء (نجزي من شكر) نعمتنا ولم يكفرها مع أصل الإيمان، أو من ضم إلى الإيمان عمل الطاعات.
القمر 54:36
(ولقد أنذرهم بطشتنا) أي: أنذر لوط قومه بطشة الله بهم، وهي عذابه الشديد وعقوبته البالغة (فتماروا بالنذر) أي شكوا في الإنذار، ولم يصدقوه، وهو تفاعلوا من المرية وهي الشك، أو تجادلوا وكذبوا بإنذاره.
القمر 54:37
(ولقد راودوه عن ضيفه) أي أرادوا منه تمكينهم ممن أتاه من الملائكة، ليفجروا بهم، كما هو دأبهم، يقال: راودته عن كذا مراودة، ورواداً أي: أردته، وراد الكلام يروده رواداً أي: طلبه المرة بعد المرة، فالمعنى طلبوه المرة بعد المرة أن يخلي بينهم وبينهم، وقد تقدم تفسير المراودة في سورة هود (فطمسنا أعينهم) الطموس الدرس والانمحاء، قاله في المختار: أي صيرناها ممسوحة، لا يرى لها شق، كما تطمس الريح الأعلام بما تسفي عليها من التراب، وقيل: أذهب الله نور أبصارهم مع بقاء الأعين على صورتها، قال الضحاك: طمس الله على أبصارهم فلم يروا الرسل فرجعوا.
(فذوقوا) أي فقلنا لهم: ذوقوا على ألسنة الملائكة، أو ظاهر الحال والمراد بهذا الأمر الخبر، أي أذقتهم (عذابي ونذر) يعني ما أنذركم به لوط من العذاب
القمر 54:38
(لقد صبحهم بكرة) أي أتاهم صباحاً من يوم غير معين (عذاب) نازل عليهم (مستقر) دائم لا يفارقهم، ولا ينفك عنهم إلى أن يفضي بهم إلى عذاب الآخرة.
القمر 54:39
(فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (39) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ)؟ ولعل وجه تكرير تيسير القرآن بالذكر في هذه السورة الإشعار بأنه منّة عظيمة لا ينبغي لأحد أن يغفل عن شكرها، ولأن في كل قصة إشهاراً بأن تكذيب كل رسول مقتض لنزول العذاب، واستماع كل قصة مستدع للإدكار والإتعاظ، وهذا حكم التكرير في قوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) عند كل نعمة عدها، وقوله: (ويل يومئذ للمكذبين) عند كل آية أوردها، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها لتكون تلك العبرة حاضرة للقلوب مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان.
القمر 54:41
(ولقد جاء آل فرعون النذر) جمع نذير أو مصدر بمعنى الإنذار كما تقدم، وهي الآيات التسع التي أنذرهم بها موسى، وهذا أولى، لقوله:
القمر 54:42
(كذبوا بآياتنا كلها) فإنه بيان لذلك، والمراد بها الآيات التسع التي تقدم ذكرها، وقيل: النذر موسى وهرون وغيرهما من الأنبياء (فأخذناهم) بالعذاب (أخذ عزيز مقتدر) أي أخذ غالب في انتقامه قادر على إهلاكهم لا يعجزه شيء، ثم خوف سبحانه كفار مكة فقال: أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ (43) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (46) إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (47) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (48) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (53) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55)
القمر 54:43
(أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ)؟ الإستفهام للإنكار، والمعنى النفي، أي ليس كفاركم يا أهل مكة، أو يا معشر العرب، خير من كفار من تقدمكم من الأمم الذين أهلكوا بسبب الكفر، فكيف تطمعون في السلامة من العذاب، وأنتم شر منهم؟ قال ابن عباس: يقول: ليس كفاركم خيراً من قوم نوح، وقوم لوط، وقيل: من قوم عاد وثمود، وفرعون وقومه، ثم أضرب سبحانه عن ذلك، وانتقل إلى تبكيتهم بوجه آخر، هو أشد من التبكيت بالوجه الأول فقال:
(أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ)؟ هي الكتب المنزلة على الأنبياء، والمعنى إنكار أن تكون لهم براءة من عذاب الله، في شيء من كتب الأنبياء، ثم أضرب عن هذا التبكيت، وانتقل إلى التبكيت لهم بوجه آخر فقال:
القمر 54:44
(أم يقولون نحن جميع منتصر)؟ أي: جماعة لا نطاق لكثرة عددنا وقوتنا، أو أمرنا مجتمع لا نغلب، وأفرد منتصر اعتباراً بلفظ جميع وموافقة لرؤوس الآي، أو المعنى نحن كل واحد منا منتصر قال الكلبي: المعنى نحن جميع أمرنا ننتصر من أعدائنا، ولا نرام ولا نضام، فرد الله سبحانه عليهم بقوله:
القمر 54:45
(سيهزم الجمع) أي: جمع كفار مكة أو كفار العرب على العموم؛ قرأ الجمهور بالتحتية مبنياً للمفعول؛ وقرىء بالنون وكسر الزاي ونصب الجمع، وقرىء بالتحتية مبنياً للفاعل، وبالفوقية على الخطاب مبنياً للفاعل (ويولون الدبر) قرأ الجمهور بالتحتية، وقرىء بالفوقية على الخطاب، والمراد بالدبر الجنس، وهو في معنى الإدبار، وقيل: وحد لأجل رؤوس الآي، وقيل: في الإفراد إشارة إلى أنهم في التولية والهزيمة كنفس واحدة فلا يتخلف أحد عن الهزيمة، ولا يثبت أحد للزحف، فهم في ذلك كرجل واحد وقد هزمهم الله يوم بدر وولوا الأدبار وقتل رؤوساء الشرك، وأساطين الكفر فلله الحمد وهذه من علامات النبوة، قال ابن عباس: كان ذلك يوم بدر، قالوا: نحن جميع منتصر، فنزلت هذه الآية.
القمر 54:46
(بل الساعة موعدهم) أي موعد عذابهم الأخروي بعد بدر، وليس هذا العذاب الكائن في الدنيا بالقتل والأسر والقهر هو تمام ما وعدوا به من العذاب وإنما هو مقدمة من مقدماته، وطليعة من طلائعه. ولهذا قال:
(والساعة أدهى) أي وعذاب الساعة أعظم في الضر، وأفظع وأشد من موقف بدر، يقال: دهاه أمر كذا أي أصابه دهواً ودهياً؛ والداهية الأمر المنكر الذي لا يهتدي لدوائه، مأخوذ من الدهاء وهو النكر والفظاعة وإظهار الساعة في مقام إضمارها لزيادة تهويلها.
(وأمر) أي أشد مرارة من عذاب الدنيا.
في البخاري وغيره. عن " ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وهو في قبة له يوم بدر: أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبداً فأخذ أبو بكر بيده وقال: حسبك يا رسول الله ألححت على ربك؛ فخرج وهو يثب في الدرع ويقول: (سيهزم) إلى قوله: (أدهى وأمر) ".
القمر 54:47
(إن المجرمين) أي المشركين (في ضلال وسعر) أي: في ذهاب عن الحق وبعد عنه، وفي نار تسعر عليهم، وقيل؛ في ضلال في الدنيا، وفي نار مسعرة في الآخرة، وقيل: في ضلال عن طريق الجنة، وسعر أي عذاب الآخرة، أو في هلاك ونيران في الآخرة، وقد تقدم في هذه السورة تفسير سعر فلا نعيده.
القمر 54:48
(يوم يسحبون في النار على وجوههم) أي كائنون في ضلال وسعر يوم يسحبون أو يوم يسحبون يقال لهم: (ذوقوا مس سقر) أي: قاسوا حرّها، وشدة عذابها كقولهم: وجد مس الحمى، وذاق طعم الضرب، قال الكرخي: إن مس سقر مجاز عن إصابتها بعلاقة السببية والظاهر من تقرير الكشاف أنه من الاستعارة بالكناية، وسقر علم لجهنم غير منصرف للتأنيث والتعريف من سقرته النار إذا لوحته، أخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن ماجة وغيرهم.
عن " أبي هريرة قال: جاء مشركو قريش إلى النبي صلى الله عليه وسلم يخاصمونه في القدر فنزلت (يوم يسحبون) الخ ".
القمر 54:49
(إنا كل شيء خلقناه بقدر) أي: كل شيء من الأشياء خلقه الله سبحانه متلبساً بقدر قدره، وقضاء قضاه، سبق في علمه مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، والقدر التقدير، والعامة على نصب كل بالاشتغال، وقرىء بالرفع وقد رجح الناس النصب بل أوجبه بعضهم، قال: لأن الرفع يوهم ما لا يجوز على قواعد أهل السنة، وقال أبو البقاء: وإنما كان النصب أولى لدلالته على عموم الخلق، والرفع لا يدل على عمومه. بل يفيد أن كل شيء مخلوق فهو بقدر، وإنما دل نصب كل على العموم، لأن التقدير: إنا خلقنا كل شيء بقدر، فخلقناه تأكيد، وتفسير لخلقنا المضمر الناصب لكل شيء فهذا لفظ عام يعم جميع المخلوقات، وللسمين هنا كلام مبسوط لا نطول بذكره.
أخرج مسلم:
عن " ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل شيء بقدر حتى العجز والكيس "، وعن " عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كتب الله مقادير الخلائق كلها قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة " [[رواه مسلم.]]. أخرجه مسلم.
وعن " جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يؤمر أحدكم حتى يؤمن بالقدر "، أخرجه الترمذي واستغربه وفي الباب أحاديث بين صحيح منها وضعيف، قال الخطابي: وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار الله العبد، وقهره على ما قدره وقضاه، وليس الأمر كما يتوهمونه وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم الله تعالى بما يكون من أكساب العباد، وصدورها عن تقدير منه، وخلق لها خيرها وشرها؛ والقدر اسم لما صدر مقدراً عن فعل القادر، يقال قدرت الشيء وقدرته بالتخفيف والتثقيل بمعنى واحد والقضاء في هذا معناه الخلق كقوله: (فقضاهن سبع سموات) أي خلقهن.
قال النووي: إن مذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن الله تعالى قدر الأشياء في القدم، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده سبحانه على صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها الله، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه سبحانه لم يقدرها، ولم يتقدم علمه بها، وأنها مستأنفة العلم، أي إنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها، وكذبوا على الله سبحانه وتعالى عن أقوالهم الباطلة علواً كبيراً انتهى.
وقد تظاهرت الأدلة القطعية من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة، وأهل العقد والحل من السلف والخلف، على إثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وقد قرر ذلك أئمة السنة أحسن تقرير، بدلائله القطعية، السمعية والعقلية، ليس هذا موضع بسطه، والله تعالى أعلم.
القمر 54:50
(وما أمرنا) لشيء نريد وجوده (إلا واحدة) أي إلا مرة واحدة، أو فعلة واحدة، وهو الإيجاد بلا معالجة ومعاناة، أو كلمة واحدة، وهي قوله: (كن فيكون)، فهنا بان الفرق بين الإرادة والقول، فالإرادة قدر والقول قضاء، وقيل: المراد بالأمر القيامة (كلمح بالبصر) في سرعته، واللمح النظر على العجلة والسرعة، وفي الصحاح: لمحه وألمحه إذا أبصره بنظر خفيف، والإسم اللمحة، أي فكما أن لمح أحدكم ببصره لا كلفة عليه فيه، فكذلك الأفعال كلها عندنا، بل أيسر، قال الكلبي: وما أمرنا بمجيىء الساعة في السرعة إلا كطرف البصر.
القمر 54:51
(ولقد أهلكنا أشياعكم) أي أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم، وقيل أتباعكم وأعوانكم، والقدرة عليكم كالقدرة عليهم، فأحذروا أن يصيبكم ما أصابهم، ولذلك تسبب عنه قوله: (فهل من مدكر) يتذكر ويتعظ بالمواعظ ويعلم أن ذلك حق فيخاف العقوبة، وأن يحل به ما حل بالأمم السالفة.
القمر 54:52
(وكل شيء فعلوه في الزبر) أي جميع ما فعلته الأمم من خير أو شر مكتوب في اللوح المحفوظ، وقيل: في كتب الحفظة ودواوينهم
القمر 54:53
(وكل صغير وكبير مستطر) يقال: سطر يسطر سطراً كتب، وأسطر مثله، أي كل شيء من أعمال الخلق، أقوالهم وأفعالهم وما هو كائن، مسطور في اللوح المحفوظ صغيره وكبيره، وجليله وحقيره، قال ابن عمر: مسطور في الكتاب، ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال الأشقياء، ذكر حال السعداء فقال:
القمر 54:54
(إن المتقين في جنات ونهر) أريد به الجنس، لمناسبة جمع الجنات، وإنما أفرد في اللفظ لموافقة رؤوس الآي، وبه قرأ الجمهور، وهو يشمل أنهار الجنة من الماء والخمر واللبن والعسل. وقرىء بسكون الهاء، وهما لغتان وقرىء بضم النون والهاء على الجمع شاذاً والمعنى أنهم في بساتين مختلفة وجنان متنوعة، وأنهار متدفقة، وقيل: النهر السعة والضياء، ومنه النهار. والمعنى لا ليل عندهم، والأول أولى.
القمر 54:55
(في مقعد صدق) من إضافة الموصوف إلى الصفة، أي في مجلس حق، ومكان مرضي لا لغو فيه ولا كذب ولا تأثيم وهو الجنة، وأريد به الجنس، وقرىء مقاعد شاذاً (عند مليك) أي عزيز الملك واسعه (مقتدر) أي قادر على ما يشاء لا يعجزه شيء، وعند ههنا كناية عن الكرامة، وشرف المنزلة، وتقريب الرتبة، بحيث أبهم على ذوي الأفهام، وفائدة التنكير فيهما أن يعلم أن لا شيء إلا وهو تحت ملكه وقدرته، وهو على كل شيء قدير.
الرحمن 55:1
سورة الرحمن
هي ست أو ثمان وسبعون آية وهي مكية
قال القرطبي: كلها في قول الحسن وعروة بن الزبير وعكرمة وعطاء وجابر، قال ابن عباس: إلا آية منها، وهي قوله: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) الآية وصوابه إلا آيتين كما صرح به الكازروني، والآيتان هما: (يَسْأَلُهُ) إلى قوله: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، هذه واحدة، (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) هذه أخرى، وقال ابن مسعود ومقاتل: هي مدنية كلها، والأول أصح، قال ابن الزبير: أنزلت بمكة، وعن عائشة نزلت بمكة وعن ابن عباس مثله، " وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ وهو يصلي نحو الركن، قبل أن يصدع بما يؤمر، والمشركون يسمعون: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [[رواه أحمد.]]، أخرجه أحمد وابن مردويه، قال السيوطي: بسند حسن، وعن ابن عباس: نزلت سورة الرحمن بالمدينة، ويمكن الجمع بين القولين بأنه نزل بعضها بمكة، وبعضها بالمدينة.
" وعن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها فسكتوا، فقال: مالي أراكم سكوتاً؟ لقد قرأتها على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردوداً منكم، كلما أتيت على قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد "، رواه الترمذي وابن المنذر والحاكم، وصححه البيهقي، قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد وحكي عن الإمام أحمد أنه كان يستنكر روايته عن زهير، وقال البزار: لا نعرفه يروي إلا من هذا الوجه، أخرجه البزار وابن جرير والدراقطني في الإفراد وغيرهم من حديث ابن عمر، وصحح السيوطي إسناده، وقال البزار: لا نعلمه يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد.
وعن علي: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لكل شيء عروس وعروس القرآن الرحمن ".
بسم الله الرحمن الرحيم
الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (17)
(الرَّحْمَنُ) مبتدأ وما بعده من الأفعال خبر له، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الله الرحمن، أو مبتدأ: خبره محذوف، أي: الرحمن ربنا: وهذان الوجهان عند من يرى أن الرحمن آية مع هذا المضمر وعلى الوجه الأول ليس بآية:
الرحمن 55:2
(علم القرآن) أي: يسره للذكر، ليحفظ ويتلى، قاله الزجاج قال الكلبي: علم القرآن محمد صلى الله عليه وسلم، وعلمه محمد صلى الله عليه وسلم أمته، وقيل: علم جبريل القرآن، وقيل: علم الإنسان، وهذا أولى لعمومه، ولأن قوله: خلق الإنسان دال عليه، وقيل: جعله علامة لما يعبد الناس به، وآية يعتبر بها، قيل: نزلت هذه الآية جواباً لأهل مكة حين قالوا: إنما يعلمه بشر. وقيل: جواباً لقولهم، وما الرحمن؟ ولما كانت هذه السورة لتعديد نعمه التي أنعم بها على عباده، قدم النعمة التي هي أجلها قدراً، وأكثرها نفعاً، وأعلاها رتبة، وأتمها فائدة وأعظمها عائدة، وهي نعمة تعليم القرآن العزيز، فإنها مدار سعادة الدارين، وقطب رحى الخيرين، وعماد الأمرين، وسنام الكتب السماوية. المنزل على أفضل البرية.
ثم امتن بعد هذه النعمة، بنعمة الخلق التي هي مناط كل الأمور، ومرجع جميع الأشياء فقال:
الرحمن 55:3
(خلق الإنسان) أي آدم قاله قتادة والحسن، وقال ابن كيسان: المراد هنا محمد صلى الله عليه وسلم، والأولى حمل الإنسان على الجنس، وقدم تعليم القرآن للإنسان على خلقه، وهو متأخر عنه في الوجود، لأن التعليم هو السبب في إيجاده وخلقه. أفاده السمين، ثم امتن ثالثاً بتعليمه البيان الذي يكون به التفاهم، ويدور عليه التخاطب، وتتوقف عليه مصالح المعاش والمعاد، لأنه لا يمكن إبراز ما في الضمائر، ولا إظهار ما يدور في الخلد إلا به، فقال:
الرحمن 55:4
(علمه البيان) قال قتادة والحسن: المراد بالبيان أسماء كل شيء، وقيل المراد به اللغات كلها، فكان آدم يتكلم بسبعمائة لغة أفضلها العربية، وقيل: الإنسان اسم جنس، وأراد به جميع الناس، أي: علمه النطق الذي يتميز به عن سائر الحيوان، وقيل: أراد بالإنسان محمداً صلى الله عليه وسلم، علمه بيان ما يكون وما كان لأنه صلى الله عليه وسلم ينبىء عن خير الأولين والآخرين، وعن يوم الدين، وقال ابن كيسان: المراد به بيان الحلال من الحرام والهدى من الضلال وهو بعيد، وقال الضحاك: البيان الخير والشر والحدود والأحكام، وقال الربيع ابن أنس: هو ما ينفعه مما يضره، وقيل: البيان الكتابة بالقلم، والأولى حمل البيان على تعليم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به:
الرحمن 55:5
(الشمس والقمر بحسبان) أي يجزيان بحساب معلوم، مقدر في بروج ومنازل، لا يعدوانها ولا يحيدان عنها، ويدلان بذلك على عدد الشهور والسنين ويتسق بذلك أمور الكائنات السفلية، وتختلف الفصول والأوقات، وقال ابن زيد وابن كيسان: يعني أن بهما تحسب الأوقات والآجال والأعمار، ولولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدر أحد كيف يحسب لأن الدهر يكون كله ليلاً أو نهاراً، قال الضحاك: معنى بحسبان بقدر، وقال مجاهد: بحسبان كحسبان الرحى يعني قطبهما الذي يدوران عليه قال الأخفش: ألحسبان جماعة الحساب، مثل شهب وشهبان، أو مصدر مفرد بمعنى الحساب كالغفران والكفران، وأما الحسبان بالضم في سورة الكهف فهو العذاب كما مضى، وقال ابن عباس: بحساب ومنازل يرسلان:
الرحمن 55:6
(والنجم والشجر يسجدان) النجم ما لا ساق له من النبات، والشجر ما له ساق، والمراد بسجودهما انقيادهما لأمر الله تعالى إنقياد الساجدين من المكلفين طوعاً، وقال الفراء: سجودهما أنهما يستقبلان الشمس إذا طلعت ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء، وقال الزجاج: سجودهما دوران الظل معهما كما في قوله: يتفيأ ظلاله، وقال الحسن ومجاهد: المراد بالنجم نجم السماء، وسجوده طلوعه، ورجح هذا ابن جرير وقيل: سجوده أفوله وسجود الشجر تمكينه من الاجتناء لثماره، قال النحاس: أصل السجود الاستسلام والانقياد لله، وهذه الجملة والتي قبلها خبران آخران للرحمن وترك الرابط فيهما لظهوره، كأنه قيل: والشمس والقمر بحسبانه، والنجم والشجر يسجدان له.
الرحمن 55:7
(والسماء رفعها) أي جعلها مرفوعة مسموكة فوق الأرض (ووضع الميزان) المراد به العدل. أي وضع وأثبت في الأرض العدل الذي شرعه وأمر به، كذا قال مجاهد وقتادة والسدي وغيرهم، قال الزجاج: المعنى أنه أمرنا بالعدل، ويدل عليه قوله:
الرحمن 55:8
(ألا تطغوا في الميزان) أي لا تجاوزوا العدل وقال الحسن والضحاك: المراد به آلة الوزن ليتوصل بها إلى الإنصاف والإنتصاف: أي لا تجوروا فيما يوزن به، وقيل: الميزان القرآن، لأن فيه بيان ما يحتاج إليه، وبه قال الحسين ابن الفضل والأول أولى، ومعنى (أن لا تطغوا) لئلا تطغوا فلا نافية، وتطغوا منصوب بأن وقبلها لام العلة مقدرة، وهذا أولى.
وقيل: أن هي مفسرة، لأن في الوضع معنى القول، ولا للنهي والطغيان مجاوزة الحد، فمن قال: الميزان العدل قال: طغيانه الجور، ومن قال الميزان الآلة التي يوزن بها قال: طغيانه البخس، وقيل: الميزان كل ما توزن به الأشياء، وتعرف مقاديرها؛ من ميزان وقرسطون ومكيال ومقياس، أي خلقه موضوعاً على الأرض، حيث علق به أحكام عباده من التسوية والتعديل، في أخذهم وإعطائهم، وقيل: المعنى أنه وضع الميزان في الآخرة لوزن الأعمال.
ثم أمر سبحانه بإقامة العدل بعد إخباره للعباد بأنه وضعه لهم فقال:
الرحمن 55:9
(وأقيموا الوزن بالقسط) أي قوموا وزنكم بالعدل، وقيل: المعنى أقيموا لسان الميزان بالعدل، وقيل: الإقامة باليد: والقسط بالقلب، وقال مجاهد: القسط العدل بالرومية، قلت: ومنه القسطاس بمعنى الميزان. وقيل: معناه لا تدعوا التعامل بالوزن بالعدل.
(ولا تخسروا الميزان) أي لا تنقصوه. ولا تبخسوا الكيل والوزن وهذا كقوله: ولا تنقصوا المكيال والميزان، وقيل: معناه لا تخسروا ميزان حسناتكم يوم القيامة، فيكون ذلك حسرة عليكم، والأول أولى، وقال قتادة في هذه الآية: أعدل ابن آدم كما تحب أن يعدل لك، وأوف كما تحب أن يوفى لك، فإن العدل صلاح الناس، أمر سبحانه أولاً بالتسوية، ثم نهى عن الطغيان الذي هو المجاوزة للحد بالزيادة، ثم نهى عن الخسران الذي هو النقص والبخس، وكرر لفظ الميزان تشديداً للتوصية به، وتقوية للأمر باستعماله، والحث عليه، قرأ الجمهور: تخسروا من أخسر وقرىء بفتح التاء والسين من خسر، وهما لغتان، ويقال: أخسرت الميزان وخسرته. ثم لما ذكر سبحانه أنه رفع السماء ذكر أنه وضع الأرض فقال:
الرحمن 55:10
(والأرض وضعها للأنام) أي: خفضها مدحوة، وبسطها على الماء لجميع الخلق، مما له روح وحياة، ولا وجه لتخصيص الأنام بالإنس والجن، قال ابن عباس: للأنام للناس، أي لأجل انتفاعهم بها، وعنه قال: كل شيء فيه روح.
الرحمن 55:11
(فيها فاكهة) أي: كل ما يتفكه به الإنسان من أنواع الثمار والجملة حال مقدرة، والأحسن أن يكون الجار والمجرور هو الحال، وفاكهة رفعت بالفاعلية، ونكرت، لأن الإنتفاع بها دون الإنتفاع بما ذكر بعدها، فهو من باب الترقي من الأدنى إلى الأعلى، ثم أفرد النخل بالذكر لشرفه، ومزيد فائدته على سائر الفواكه، فقال:
(والنخل) المعهود (ذات الأكمام) جمع كم بالكسر، وهو وعاء الثمر قال الجوهري: والكم بالكسر والكمامة وعاء الطلع، وغطاء النور والجمع كمام، وأكمة وأكمام وأكاميم، والكم ما ستر شيئاًً، ومنه كم القميص بالضم والجمع كمام وكمة والكمة القلنسوة المدورة لأنها تغطي الرأس، قال الحسن: ذات الأكمام أي: ذات الليف، فإن النخلة تكم بالليف، وكمامها ليفها الذي في أعناقها وسعفها وكفرها، وكله منتفع به كما ينتفع بالمكموم من تمره وجماره وجذوعه، وقال ابن زيد: ذات الطلع قبل أن يتفتق، وقال عكرمة: ذات الأحمال، وقال ابن عباس: أوعية الطلع.
الرحمن 55:12
(والحب ذو العصف والريحان) الحب هو جميع ما يقتات من الحبوب، كالحنطة والشعير والذرة والأرز والعصف. قال السدي والفراء: هو بقل الزرع، وهو أول ما ينبت منه. قال ابن كيسان: يبدو أولاً ورقاً، وهو العصف، ثم يبدو له ساق، ثم يحدث الله فيه أكماماً، ثم يحدث في الأكمام الحب، قال الفراء: والعرب تقول: خرجنا نعصف الزرع، إذا قطعوا منه قبل أن يدرك، وكذا قال في الصحاح، وقال الحسن: العصف التبن، وقال مجاهد: هو ورق الشجر والزرع. وقيل هو ورق الزرع الأخضر إذا قطع رأسه ويبس، ومنه قوله: كعصف مأكول، وقيل: هو الزرع الكثير، يقال: قد أعصف الزرع، ومكان معصف، أي كثير الزرع. قال ابن عباس: العصف التبن، والريحان خضرة الزرع، وقال: العصف ورق الزرع إذا يبس والريحان ما أنبتت الأرض من الريحان الذي يشم، وعنه قال: ألعصف الزرع أول ما يخرج بقلاً، والريحان حين يستوي على سوقه ولم يسنبل والريحان الرزق في قول الأكثر وفي لغة حمير.
وقال الحسن وقتادة والضحاك وابن زيد: إنه الريحان الذي يشم وقال سعيد بن جبير، هو ما قام على ساق، وقال الكلبي: إن العصف هو الورق الذي لا يؤكل، والريحان هو الحب المأكول. وقال الفراء أيضاًً: العصف المأكول من الزرع، والريحان ما لا يؤكل، وقيل: الريحان كل بقلة طيبة الريح، قال ابن الأعرابي: يقال شيء ريحاني وروحاني أي له روح وقال في الصحاح الريحان نبت معروف، والريحان الرزق، تقول: خرجت أبتغي ريحان الله، وقيل: العصف رزق البهائم، والريحان رزق الناس. قال ابن عباس: كل ريحان في القرآن فهو رزق، قرأ الجمهور: والحب ذو العصف والريحان برفع الثلاثة عطفاً على فاكهة، وقرىء بالنصب عطفاً على الأرض، أو على إضمار فعل، أي وخلق الحب ذا العصف وقرىء الريحان بالجر عطفاً على العصف.
الرحمن 55:13
(فَبِأَيِّ آلَاءِ) أي فباي فرد من أفراد نعم (رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ أبتلك النعم المذكورة هنا؟ أم بغيرها؟ والمراد بالتكذيب الإنكار والخطاب للجن والإنس، لأن لفظ الأنام يعمهما وغيرهما، ثم خصص بهذا الخطاب من يعقل، وبهذا قال الجمهور من المفسرين، ويدل عليه قوله فيما سيأتي: (سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ)، ويدل على هذا ما قدمناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأها على الجن والإنس، وقيل: الخطاب للإنس، وثناه على قاعدة العرب في خطاب الواحد بلفظ التثنية، كما قدمنا في قوله: ألقيا في جهنم، والآلاء النعم. قال القرطبي: وهو قول جميع المفسرين، واحدها إلى وألى مثل معى وعصا وإلى " وألى " أربع لغات حكاها النحاس، وزاد في القاموس ألو، وقال ابن زيد: إنها القدرة، أي: فبأي قدرة، وبه قال الكلبي، وقال ابن عباس: فبأي نعمة الله وقال: يعني الجن والإنس.
وكرر سبحانه هذه الآية في هذه السورة في أحد وثلاثين موضعاً تقريراً للنعمة وتأكيداً للتذكير بها، على عادة العرب في الإتساع ثمانية منها ذكرت عقب آيات فيها تعداد عجائب خلق الله، وبدائع صنعه، ومبدأ الخلق ومعادهم ثم سبعة منها عقب آيات فيها ذكر النار وشدائدها، بعدد أبواب جهنم، وحسن ذكر الآلاء عقبها لأن من جملة الآلاء رفع البلاء، وتأخير العقاب، وبعد هذه السبعة ثمانية في وصف الجنتين وأهلهما بعدد أبواب الجنة وثمانية أخرى بعدها في الجنتين اللتين هما دون الجنتين الأولين، أخذاً من قوله: ومن دونهما جنتان، فمن اعتقد الثمانية الأولى وعمل بموجبها إستحق هاتين الثمانيتين من الله ووقاه السبعة السابقة، أفاده شيخ الإسلام في متشابه القرآن.
قال القتيبي: إن الله عدد في هذه السورة نعماءه، وذكر خلقه آلاءه، ثم أتبع كل خلة وضعها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، لينبههم على النعم، ويقررهم بها، كما تقول لمن تتابع له إحسانك وهو يكفره: ألم تكن فقيراً فأغنيتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن خاملاً فعززتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن راجلاً فحملتك؟ أفتنكر هذا؟ ألم تكن عرياناً فكسوتك؟ أفتنكر هذا؟ والتكرير حسن في مثل هذا ومنه قول الشاعر:
لا تقتلي رجلاً إن كنت مسلمة ... إياك من دمه إياك إياك
ومثل هذا الكلام شائع في كلام العرب، وذلك لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليمه البيان وخلق الشمس والقمر، والسماء والأرض، إلى غير ذلك مما أنعم به على خلقه، وخاطب الجن والإنس بالأشياء المذكورة، لأنها كلها منعم بها عليهم، قال الحسين بن الفضل: التكرير طرد للغفلة، وتأكيد للحجة، وذهب جماعة منهم ابن قتيبة إلى أن التكرير لإختلاف النعم، فلذلك كرر التوقيف مع كل واحدة.
وقال الرازي: وذكره بلفظ الخطاب على سبيل الإلتفات والمراد به التقرير والزجر، وذكر لفظ الرب لأنه يشعر بالرحمة. وكررت هذه اللفظة في هذه السورة إما للتأكيد، ولا يعقل لخصوص العدد معنى، قال الجلال المحلي: والإستفهام فيها للتقرير، لما روي الحاكم. عن جابر قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها، ثم قال: ما لي أراكم سكوتاً، للجن كانوا أحسن منكم رداً، ما قرأت عليهم هذه الآية إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد " [[رواه الحاكم.]]، قلت: ويؤخذ من هذا أنه يسن لسامع القارىء لهذه السورة أن يجيبه بالجواب المذكور؛ كلما قرأ الآية المذكورة، كما فعلت الجن وأقرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ولام على الصحابة في سكوتهم، وصرح بالسنية الكازروني في تفسيره، وصنيع أبي السعود يقتضي أن الإستفهام للتوبيخ والإنكار، ولفظه الفاء لترتيب الإنكار والتوبيخ على ما فضل من فنون النعم، وصنوف الآلاء الموجبة للشكر والإيمان حتماً والتعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن المالكية الكلية، والتربية مع الإضافة إلى ضميرهم لتأكيد النكير، وتشديد التوبيخ، وقرىء آلاء على أصله بالمد والتوسط والقصر في جميع هذه السورة.
ولما ذكر سبحانه خلق العالم الكبير، وهو السماء والأرض وما فيهما، ذكر خلق العالم الصغير وقال:
الرحمن 55:14
(خلق الإنسان) وهذا تمهيد للتوبيخ على إخلالهم بواجب شكر النعم، المتعلقة بذات كل واحد من الثقلين، والمراد بالإنسان هنا آدم. قال القرطبي بالاتفاق من أهل التأويل، ولا يبعد أن يراد به الجنس لأن بني آدم مخلوقون في ضمن خلق أبيهم آدم (من صلصال) أي: من طين يابس يسمع له صلصلة أي: صوت إذا نقر أي ليختبر هل فيه عيب أو لا؟ وقيل هو طين خلط برمل وقيل: هو الطين المنتن يقال: صل اللحم وأصل، إذا أنتن، وقد تقدم بيانه في سورة الحجر.
(كالفخار) أي الخزف الذي طبخ بالنار، والمعنى: أنه خلق الإنسان من طين يشبه من يبسه الخزف، فإن قلت: قد اختلفت العبارات في صفة خلق الإنسان الذي هو آدم، فقال تعالى في آل عمران: (من تراب) وقال في الحجر: (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ)، وقال في الصافات: (من طين لازب)، وزاد الخازن: (من ماء مهين)، وقال: هنا (من صلصال كالفخار)، قلت: ليس فيها اختلاف بل المعنى متفق، وذلك أن الله تعالى خلقه أولاً من تراب ثم جعله طيناً لازباً لما اختلط بالماء، ثم حمأً مسنوناً، وهو الطين الأسود المنتن، فلما يبس صار صلصالاً كالفخار، قال الخطيب: المذكور هنا آخر تخليقه وهو أنسب بالرحمانية وفي غيرها تارة مبدأه، وتارة إثناؤه، فالأرض أمه والماء أبوه ممزوجان بالهواء الحامل للحر، الذي هو من فيح جهنم فمن التراب جسده ونفسه ومن الماء روحه وعقله، ومن النار مطلب غوايته وحدته ومن الهواء حركته وتقلبه في محامده ومذامه.
والغالب في جبلته التراب فلذا نسب إليه وإن كان خلقه من العناصر الأربع كما أن الجان في العناصر الأربع، لكن الغالب في جبلته النار فنسب إليها كما قال تعالى:
الرحمن 55:15
(وخلق الجان من مارج) يعني خلق أبا الجن وقيل: هو إبليس أو جنس الجن، ومن لإبتداء الغاية والمارج اللهب الصافي من النار وقيل: الخالص منها وقيل لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت، وقال الليث: المارج الشعلة الصادعة ذات اللهب الشديد قال المبرد: المارج النار المرسلة التي لا تمنع، وقال أبو عبادة: المارج خلط النار من مرج إذا اختلط واضطرب، قال الجوهري: مارج من نار، نار لا دخان لها، خلق منها الجان، وقال ابن عباس: من لهب النار وخالصها، وقيل: هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت.
(من نار) هو بيان للمارج، أو من للتبعيض، أو أراد من نار مخصوصة كقوله: (فأنذرتكم ناراً تلظى)، أو من صاف من نار، أو مختلط من النار كما تقدم
الرحمن 55:16
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإنه أنعم عليكما في تضاعيف خلقكما من ذلك بنعم لا تحصى، فهلا اعتبرتم بهذه الأصول؟ فصدقتم بالآخرة، لعلكم تنجون من عذاب الله تعالى.
الرحمن 55:17
(رب المشرقين ورب المغربين) قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (18) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (19) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (20) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (21) يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (22) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (23) وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (24) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (25) كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (28) يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (30) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ (31) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (32) يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (33)
محذوف، أي: هو ربهما، وقيل: مبتدأ، وخبره مرج البحرين، بينهما اعتراض، والأول أولى، والمراد بالمشرقين مشرق الشتاء والصيف، وبالمغربين مغرباهما، قال ابن عباس: للشمس مطلع في الشتاء ومغرب في الشتاء، ومطلع في الصيف ومغرب في الصيف، غير مطلعها في الشتاء وغير مغربها في الشتاء، وعنه قال مشرق الفجر ومشرق الشفق، ومغرب الشمس ومغرب الشفق
الرحمن 55:18
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن في ذلك من النعم ما لا يحصى، كاعتدال الهواء واختلاف الفصول، وحدوث ما يناسب كل فصل فيه، أو بغير ذلك، ولا يتيسر لمن أنصف من نفسه تكذيب فرد من أفراده.
الرحمن 55:19
(مرج البحرين يلتقيان) المرج التخلية والإرسال، يقال: مرجت الدابة إذا أرسلتها، وأصله الإهمال كما تمرج الدابة في المرعى، قال الحسن وقتادة: هما بحرا فارس والروم، وقال ابن جريج: هما البحر المالح والأنهار العذبة، وقيل: بحر المشرق والمغرب، وقيل: بحر اللؤلؤ والمرجان، وقيل بحر السماء وبحر الأرض، وقيل: بحر الروم وبحر الهند، وأنتم الحاجر بينهما والمعنى خلى وأهمل وأنه أرسل كل واحد منهما يتجاوران ويتماسان على وجه الأرض، لا فصل بينهما في مرأى العين، قال سعيد بن جبير: يلتقيان في كل عام وقيل يلتقي طرفاهما ومع ذلك فلم يختلطا فلهذا قال:
الرحمن 55:20
(بينهما برزخ) أي حاجز يحجز بينهما وقيل البرزخ الجزائر.
(لا يبغيان) أي لا يبغي أحدهما على الآخر، بأن يدخل فيه ويختلط به، وقيل: لا يتغيران، وقيل: لا يطغيان على الناس بالغرق قال ابن عباس: أرسل البحرين بينهما حاجز لا يختلطان بينهما من البعد ما لا يبغي كل واحد منهما على صاحبه، وفي الخطيب لا يتجاوز كل واحد منهما ما حده له خالقه، لا في الظاهر ولا في الباطن حتى إن العذب الداخل في الملح باق على حاله، لم يمتزج بالملح فمتى حفرت في جنب الملح في بعض الأماكن وجدت الماء العذب، قال البقاعي: بل كلما قربت الحفرة من الملح كان الماء الخارج منها أحلى، فخلطهما الله تعالى في رأي العين وحجز بينهما في غيب القدرة، هذا وهما جمادان لا نطق لهما ولا إدراك فكيف يبغي بعضكم على بعض أيها العقلاء؟
الرحمن 55:21
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن هذه الآية وأمثالها لا يتيسر تكذيبها بحال.
الرحمن 55:22
(يخرج) قرأ الجمهور على البناء للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول، وهما سبعيتان (منهما اللؤلؤ) أي: الدر (والمرجان) الخرز الأحمر المعروف، وقال الفراء: اللؤلؤ العظام والمرجان ما صغر، قال الواحدي: وهو قول جميع أهل اللغة، وقال مقاتل والسدي ومجاهد: اللؤلؤ صغار الدر والمرجان كباره، وقال ابن عباس: إذا مطرت السماء فتحت الأصداف في البحر أفواهها فما وقع فيها من قطر السماء فهو اللؤلؤ، وعن علي قال: المرجان عظام اللؤلؤ، وقال ابن عباس: اللؤلؤ ما عظم منه، والمرجان: اللؤلؤ الصغار قال ابن مسعود: المرجان الخرز الأحمر.
وقال: منهما وإنما يخرج ذلك من المالح لا من العذب، لأنه إذا خرج من أحدهما فقد خرج منهما، كذا قال الزجاج وغيره وقال أبو علي الفارسي: هو من باب حذف المضاف أي من أحدهما كقوله: على رجل من القريتين عظيم، وتقول: خرجت من البلد وإنما خرجت من محلة من محله، وقال الأخفش: زعم قوم أنه يخرج اللؤلؤ، من العذب وقيل: هما بحران يخرج من أحدهما اللؤلؤ ومن الآخر المرجان، وقيل: لا يخرجان إلا من ملتقى الملح والعذب، وقيل: هما بحر السماء وبحر الأرض، فإذا وقع ماء السماء في صدف البحر انعقد لؤلؤ فصار خارجاً عنهما، وقال بعضهم: كلام الله أولى بالاعتبار من كلام بعض الناس، فمن الجائز أن يسوقهما من البحر العذب إلى الملح، واتفق أنهم لم يخرجوهما إلا من الملح، وإذا كان في البر أشياء تخفى على التجار المترددين القاطعين المفاوز فكيف بما في قعر البحر؟.
وأجاب عنه ابن عادل بأن الله لا يخاطب الناس ولا يمتن عليهم إلا بما يألفون ويشاهدون، ولا يخلو هذا الجواب عن التعسف
الرحمن 55:23
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن في ذلك الخروج من الآيات ما لا يستطيع أحد تكذيبه ولا يقدر على إنكاره.
الرحمن 55:24
(وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ) المراد بالجوار السفن الجارية في البحر، وسميت السفينة جارية لأن شأنها ذلك وإن كانت واقفة في الساحل كما سماها في موضع آخر بالجارية، كما قال تعالى: (إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية)، وسماها بالفلك قبل أن لم تكن كذلك، فقال تعالى لنوح، (واصنع الفلك بأعيننا)، ثم بعد ما عملها سماها سفينة فقال تعالى: (فأنجيناه وأصحاب السفينة)، قال الرازي: الفلك أولاً، ثم السفينة، ثم الجارية، والمرأة المملوكة تسمى أيضاًً جارية، لأن شأنها الجري والسعي في حوائج سيدها، بخلاف الزوجة، فهي من الصفات الغالبة.
والعامة على كسر الراء من الجوار، لأنه منقوص على فواعل، والياء محذوفة لفظاً، وقرىء برفع الراء تناسباً للمحذوف، وقرىء بإثبات الياء في الوقف، ولا تثبت في الرسم، لأنها من ياآت الزوائد، والمنشئآت المرفوعات التي رفع بعض خشبها على بعض، وركب حتى ارتفعت وطالت حتى صارت في البحر كالأعلام، وهي الجبال، والعلم الجبل الطويل، شبه السفن في البحر بالجبل في البر، وقال قتادة: المنشئآت المخلوقات للجري، وقال الأخفش: المنشئآت المجريات، وقيل: المحدثات المسخرات، وقيل: الرافعات الشرع، أو اللاتي ينشئن الأمواج بجريهن، وقد مضى الكلام على هذا في سورة الشورى، وإفراد البحر وجمع الأعلام إشارة إلى عظمة البحر، قرأ الجمهور المنشئآت بفتح الشين، وقرىء بكسرها.
الرحمن 55:25
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن ذلك من الوضوح والظهور بحيث لا يمكن تكذيبه ولا إنكاره.
الرحمن 55:26
(كل من عليها فان) أي كل من على الأرض من الحيوانات هالك، وعلى هذا لا يحتاج لتخصيص الآية بغير الجنة والنار، والحور والولدان، والحجب والعرش والأرواح، وغلب العقلاء على غيرهم فعبر عن الجميع بلفظ (من) وقيل: أراد من عليها من الجن والإنس، ولا يقال: إن هذه الآية إلى قوله: (يطوفون بينها وبين حميم آن)، ليست نعماً فكيف قال عقب كل منهما (فَبِأَيِّ آلَاءِ)، الآية؟ والجواب أن ما وصف من هول يوم القيامة وعقاب المجرمين فيه زجر عن المعاصي. وترغيب في الطاعات، وهذا من أعظم المنن، وقيل: وجه النعمة في فناء الخلق أن الموت سبب النقلة إلى دار الجزاء والثواب، قال يحيى بن معاذ: حبذا الموت، فهو الذي يقرب الحبيب إلى الحبيب، وقيل: جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب، وقال مقاتل: وجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام.
الرحمن 55:27
(ويبقى وجه ربك) الوجه عبارة عن ذاته سبحانه ووجوده، وقد تقدم في سورة البقرة بيان معنى هذا، وقيل: المعنى وتبقى حجته التي يتقرب بها إليه والأول أولى، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، وخاطب الاثنين في قوله:
الرحمن 55:28
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا)، وخاطب هنا الواحد لأن الإشارة ههنا وقعت إلى كل أحد، فقال: ويبقى وجه ربك أيها السامع، ليعلم كل أحد أن غيره فان، فلو قال: ويبقى وجه ربكما لكان كل أحد يخرج نفسه ورفيقه المخاطب عن الفناء، ولم يقل ويبقى وجه الرب من غير خطاب مع أنه أدل على فناء الكل، لأن كاف الخطاب في الرب إشارة إلى اللطف، والإبقاء إشارة إلى القهر، والموضوع موضع بيان اللطف وتعديد النعم، فلهذا قال: بلفظ الرب وكاف الخطاب.
(ذو الجلال) أي ذو العظمة والكبرياء، واستحقاق صفات المدح، يقال: جل الشيء أي عظم، وأجللته أي أعظمته وهو اسم من جل، قرأ الجمهور ذو على أنه صفة لوجه وقرىء ذي على أنه صفة لرب.
(والإكرام) معناه أنه يكرم عن كل شيء لا يليق به وقيل: إنه ذو الإكرام لأوليائه، ففي وصفه بذلك بعد ذكر فناء الخلق، وبقائه تعالى إيذان بأنه تعالى يفيض عليهم بعد فنائهم آثار لطفه وكرمه حسبما ينبىء عنه قوله: (فَبِأَيِّ آلَاءِ)، فإن إحياءهم بالحياة الأبدية وإثابتهم بالنعيم المقيم من أجل النعم وأعظم الآلاء.
وعن " أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألظوا بياذا الجلال والإكرام " أخرجه الترمذي، وقال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ومعنى ألظوا ألزموا هذه الدعوة وأكثروا منها.
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) أبتلك النعم؟ من بقاء الرب. وفناء الكل والحياة الدائمة؛ والنعيم المقيم أم بغيرها؟ ومما قلت في معنى الآية:
تفنى السقاة وتفنى الكأس والنادي ... ومن تلاقيه من خل ومن عادي
لا تركنن إلى الدنيا وزهرتها ... يفنى الجميع ويبقى ربنا الهادي
الرحمن 55:29
(يسأله من في السموات والأرض) مستأنف، أو حال من وجه، والعامل فيه يبقى أي يبقى مسؤولاً ممن فيهما أي يسألونه جميعاً لأنهم محتاجون إليه. قال أبو صالح: يسأله أهل السموات المغفرة. ولا يسألونه الرزق وأهل الأرض يسألونه الأمرين جميعاً وقال مقاتل: يسأله أهل الأرض المغفرة والرزق وتسأل لهم الملائكة أيضاًً الرزق والمغفرة فكانت المسألتان جميعاً من أهل السماء وأهل الأرض لأهل الأرض. وكذا قال ابن جريج وقيل: يسألونه الرحمة قال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض أي في ذواتهم وصفاتهم وسائر ما يهمهم ويعن لهم والحاصل أنه يسأله كل مخلوق من مخلوقاته بلسان المقال، أو لسان الحال، ما يطلبونه من خيري الدارين، أو من خير أحدهما، وقال ابن عباس: مسألة عباده إياه الرزق والموت والحياة.
(كل يوم هو في شأن) أي: استقر سبحانه في شأن كل وقت من الأوقات واليوم عبارة عن الوقت والشأن هو الأمر، ومن جملة شؤونه سبحانه إعطاء أهل السموات والأرض ما يطلبونه منه، على اختلاف حاجاتهم، وتباين أغراضهم، قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق ويفقر ويعز ويذل، ويمرض ويشفي، ويعطي ويمنع، ويغفر ويعاقب، ويرحم ويغضب إلى غير ذلك مما لا يحصى، وقيل: كل وقت وحين يحدث أموراً ويجدد أحوالاً، وقيل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت شأناً وشيئاًً وقيل: المراد سوق المقادير إلى المواقيت، وقال الحسين ابن الفضل: أنها شؤون له يبديها لا شؤون يبتديها، وقال أبو سليمان الداراني: في كل يوم إلى العبيد بر جديد وقيل: يخرج في كل يوم وليلة ثلاثة عساكر عسكراً من أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، وعسكراً من الأرحام إلى الدنيا وعسكراً من الدنيا إلى القبور؛ ثم يرتحلون جميعاً إلى الله تعالى.
ولا وجه لتخصيص شأن دون شأن، بل الآية تدل على أنه سبحانه كل يوم في شأن من الشؤون له، أي شأن كان من غير تعيين وشؤونه سبحانه لا تحصى، ولا يعلمها إلا هو، فالعموم أولى وأنسب بمقام القدرة وكمالها، وقيل: المراد باليوم المذكور هو يوم الدنيا ويوم الآخرة. وشأنه في الدنيا الإختبار بالأمر والنهي، والإحياء والإماتة، والإعطاء والمنع، وغير ذلك، وشأنه في الآخرة الجزاء والحساب والثواب والعقاب وغير ذلك، قال ابن بحر وسفيان ابن عيينة: الدهر كله عند الله يومان أحدهما مدة أيام الدنيا والآخر يوم القيامة وقيل: المراد كل يوم من أيام الدنيا.
" عن عبد الله بن منيب قال: تلا علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقلنا: يا رسول الله وما ذلك الشأن؟ قال: أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين "، أخرجه الحسن بن سفيان في مسنده والبزار وابن جرير والطبراني وأبو الشيخ في العظمة وابن منده وابن مردويه وأبو نعيم وابن عساكر.
" وعن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية مثله " أخرجه البخاري في تاريخه وابن ماجة وابن أبي عاصم وغيرهم، وزاد البزار: ويجيب داعياً، وقد رواه البخاري تعليقاً وجعله من كلام أبي الدرداء.
" وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يغفر ذنباً ويفرج كرباً " أخرجه البزار
الرحمن 55:30
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن اختلاف شؤونه سبحانه في تدبير أمر عباده نعمة لا يمكن جحدها، ولا يتيسر لمكذب تكذيبها.
الرحمن 55:31
(سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) هذا وعيد شديد من الله سبحانه، للجن والإنس، قال القرطبي: يقال: فرغت من الشغل أفرغ فراغاً وفروغاً وتفرغت لكذا، واستفرغت مجهودي في كذا أي بذلته، قال الزجاج والكسائي وابن الأعرابي وأبو علي الفارسي: إن الفراغ ههنا ليس هو الفراغ من شغل، لأن الله تعالى ليس له شغل يفرغ منه، ولا يشغله شأن عن شأن، ولكن تأويله القصد، أي سنقصد لحسابكم أو مجازاتكم أو محاسبتكم.
قال الواحدي حاكياً عن المفسرين ومنهم ابن عباس: إن هذا تهديد من الله سبحانه لعباده ومن هذا قول القائل لمن يريد تهديده: إذن أتفرغ لك، أي أقصد قصدك، وفرغ يجيىء بمعنى قصد، قال الزجاج: إن الفراغ في اللغة على ضربين أحدهما الفراغ من الشغل والآخر القصد للشيء والإقبال عليه كما هنا، ويكون الكلام على طريق التمثيل والاستعارة وقد ألم به صاحب المفتاح ونحا إليه الزمخشري وقيل: إن الله سبحانه وعد على التقوى، وأوعد على المعصية، ثم قال: سنفرغ لكم مما وعدناكم، ونوصل كُلاً إلى ما وعدناه، وبه قال الحسن ومقاتل وابن زيد.
قرأ الجمهور: سنفرغ بالنون وضم الراء وقرىء بالنون مع فتح الراء، قال الكسائي: هي لغة تميم، وقرىء بكسر النون وفتح الراء، وقرىء بالياء التحتية مفتوحة مع ضم الراء، أي سيفرغ الله، وقرىء بضم الياء؛ وفتح الراء، وترسم أيُّه بغير ألف، وأما في النطق فقرأ أبو عمرو والكسائي أيها بالألف في الوقف، ووقف الباقون على الرسم أيه بتسكين الهاء، وفي الوصل قرأ ابن عامر أيه بضم الهاء، والباقون بفتحها، وسمي الجن والإنس الثقلين لعظم شأنهما بالنسبة إلى غيرهما من حيوانات الأرض، وقيل: سموا بذلك لأنهم ثقل على الأرض أحياء وأمواتاً كما في قوله: (وأخرجت الأرض أثقالها) وقال جعفر الصادق: سميا ثقلين لأنهما مثقلان بالذنوب، وقيل: لأنهما أثقلا وأتعبا بالتكاليف، وجمع في قوله: (لَكُمْ)، ثم قال: (أَيُّهَ الثَّقَلَانِ) لأنهما فريقان، وكل فريق جمع.
الرحمن 55:32
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ومن جملتها ما في هذا التهديد من النعم، فمن ذلك أنه ينزجر به المسىء عن إساءته، ويزداد به المحسن إحساناً فيكون ذلك سبباً للفوز بنعيم الدار الآخرة، الذي هو النعيم في الحقيقة.
الرحمن 55:33
(يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ) هو كالترجمة لقوله: (أَيُّهَ الثَّقَلَانِ)، قدم الجن هنا لكون خلق أبيهم متقدماً على خلق آدم، ولوجود جنسهم قبل جنس الإنس، وهذا الخطاب يقال لهما في الآخرة، وقيل: في الدنيا، ويرجح كونه في الآخرة قوله:
الرحمن 55:35
(يرسل عليكما) الخ فإن هذا الإرسال إنما هو في القيامة، كما سيأتي، وكذا قوله: فإذا انشقت السماء.
(إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي إن قدرتم أن تخرجوا من جوانبهما ونواحيهما وأطرافهما هرباً من قضاء الله وقدره (فانفذوا) منها وخلصوا أنفسكم واهربوا واخرجوا، فحيثما كنتم يدرككم الموت، يقال: نفذ الشيء من الشيء إذا خلص منه كما يخلص السهم، والأمر بالنفوذ أمر تعجيز.
(لا تنفذون إلا بسلطان) أي لا تقدرون على النفوذ إلا بقوة وقهر، ولا قهر ولا قوة لكم على ذلك ولا قدرة، والسلطان القوة التي يتسلط بها صاحبها على الأمر، قال الضحاك: بينما الناس في أسواقهم إذا انفتحت السماء ونزلت الملائكة، فهرب الجن والأنس، فتحدق بهم الملائكة، فذلك قوله (لا تنفذون إلا بسلطان) ذكره النحاس وعلى هذا يكون في الدنيا قال ابن المبارك: إن ذلك يكون في الآخرة وقال الضحاك أيضاًً: معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا من الموت فاهربوا، وقيل: إن استطعتم أن تعلموا ما في السموات والأرض فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان أي ببينة من الله وقال قتادة: معناها لا تنفذون إلا بملك وليس لكم ملك وقيل: الباء بمعنى إلى أي، لا تنفذون إلا إلى سلطان، وقال ابن عباس: لا تخرجون من سلطاني.
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (34) يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (35) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (36) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (40) يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (42) هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (44) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (45) وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51)
الرحمن 55:36
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) ومن جملتها هذه النعمة الحاصلة بالتحذير والتهديد فإنها تزيد المحسن إحساناً وتكف المسيىء عن إساءته مع أن من حذركم وأنذركم قادر على الإيقاع بكم من دون مهلة (يرسل عليكما شواظ من نار) وقرأ الجمهور يرسل بضم التحتية مبنياً للمفعول، وقرىء بالنون، ونصب شواظ، وقرأ الجمهور شواظ بضم الشين وقرىء بكسرها وهما لغتان بمعنى واحد والشواظ اللهب الذي لا دخان معه قال مجاهد: الشواظ اللهب الأخضر المنقطع من النار، وقال الضحاك: هو الدخان الذي يخرج من اللهب، ليس بدخان الحطب، وقال الأخفش وأبو عمرو: هو النار، والدخان جميعاً وقال ابن عباس: هو لهب النار وقيل هو اللهب الخالص.
(ونحاس) قرأ الجمهور بضم النون، وقرىء بكسرها، وقرىء نحس والنحاس الصفر المذاب، يصب على رؤوسهم، قاله مجاهد وقتادة وغيرهما وقال سعيد بن جبير: وهو الدخان الذي لا لهب له، وبه قال الخليل.
وقال الضحاك: هو دردي الزيت المغلي، وقال الكسائي: هو النار التي لها ريج شديدة، وقال ابن عباس: هو دخان النار، وعنه قال: الصفر يعذبون به، قيل: يرسل عليهما هذا مرة وهذا مرة، ويجوز أن يرسلا معاً من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر، قرىء نحاس بالرفع عطفاً على شواظ وبالجر عطفاً على نار سبعيتان، لكن قراءة الجر لا بد فيها من كسر شين شواظ. أو إمالة نار، فمن قرأ بالجر بدون أحد الأمرين فقد وقع في التلفيق، لأن هذا الوجه لم يقرأ به أحد، قال المهدوي: من قال إن الشواظ النار والدخان جميعاً فالجر في نحاس على هذا بين، فأما الجر على قول من جعل الشواظ اللهب الذي لا دخان فيه فبعيد لا يسوغ إلا على تقدير حذف موصوف فكأنه قال: يرسل عليكما شواظ من نار وشيء من نحاس.
(فلا تنتصران) أي لا تقدران على الإمتناع من عذاب الله بل يسوقكم إلى المحشر (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها هذا الوعيد الذي يكون به الانزجار عن الشر، والرغب في الخير.
الرحمن 55:37
(فإذا انشقت السماء) أي انصدعت بنزول الملائكة يوم القيامة، أو انفك بعضها من بعض لقيام الساعة، وقيل: انفجرت فصارت أبواباً لنزول الملائكة لتحيط بالعالم من سائر جهات الأرض لئلا يهرب بعضهم من المحشر وقيل: المراد منه خراب السماء وفيه تهويل وتعظيم للأمر.
(فكانت وردة) أي كوردة حمراء أو محمرة مثلها، قال سعيد بن جبير وقتادة: المعنى فكانت حمراء وقيل: فكانت كلون الفرس الورد، قاله ابن عباس وهو الأبيض الذي يضرب إلى الحمرة والصفرة (كالدهان) قال الفراء وأبو عبيدة: تصير السماء كالأديم لشدة حر النار، وقال ابن عباس: كالأديم الأحمر، أي على خلاف العهد بها وهو الزرقة، وقال الفراء أيضاًً: شبه تلون السماء بتلون الورد من الخيل وشبه الورد في ألوانها بالدهن واختلاف ألوانه والدهان جمع دهن، نحو قرط وقراط، ورمح ورماح، وقيل: إنه إسم مفرد أي اسم لما يدهن به، كالحزام والادام، قاله الزمخشري، وقيل المعنى تصير السماء مثل الدهن لذوبانها. وقال الحسن: (كالدهان) أي كصبيب الدهن فإنك إذا صببته ترى فيه ألواناً، وقال زيد بن أسلم: إنها تصير كعصير الزيت، قال الزجاج وقتادة: إنها اليوم خضراء، وسيكون لها لون أحمر، حكاه الثعلبي قال الماوردي: زعم المتقدمون أن أصل لون السماء الحمرة وأنها لكثرة الحوائل والحواجز وبعد المسافة واعتراض الهواء بيننا وبينها ترى بهذا اللون الأزرق، كما يرى الدم في العروق أزرق، ولا هواء هناك يمنع من اللون الأصلي ذكره الكرخي والعمادي والكازروني
الرحمن 55:38
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها ما في هذا التهديد والتخويف من حسن العاقبة بالإقبال على الخير والإعراض عن الشر.
الرحمن 55:39
(فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) أي يوم تنشق السماء لا يسأل أحد من الإنس ولا من الجن عن ذنبه لأنهم يعرفون بسيماهم عند خروجهم من قبورهم، فالتنوين عوض عن الجملة، والفاء جواب الشرط، وقيل هو محذوف، أي فإذا انشقت السماء رأيت أمراً مهولاً، والهاء في ذنبه تعود على أحد المذكورين، وضمير الآخر مقدر، أي ولا يسأل عن ذنبه جان أيضاًً، وناصب الظرف لا يسأل، و (لا) غير مانعة، والجمع بين مثل هذه الآية وبين مثل قوله: (فوربك لنسألنهم أجمعين) أن ما هنا يكون في موقف والسؤال في موقف آخر من مواقف القيامة، وقيل: قد كانت مسألة ثم ختم على أفواه القوم. وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. وقيل: إنهم لا يسألون هنا سؤال استفهام عن ذنوبهم لأن الله سبحانه قد أحصى الأعمال وحفظها على العباد ولكن يسألون سؤال توبيخ وتقريع، ومثل هذه الآية قوله: (ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون).
قال أبو العالية: المعنى لا يسأل غير المجرم عن ذنب المجرم، وقيل إن عدم السؤال هو عند البعث، والسؤال هو في موقف الحساب، وقال ابن عباس: لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا؟ لأنه أعلم بذلك منهم؛ ولكن يقول لهم: لم عملتم كذا وكذا؟ والجان والإنس كل منهما إسم جنس، يفرق بينه وبين واحدة بالياء كزنج وزنجي
الرحمن 55:40
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها هذا الوعيد الشديد، لكثرة ما يترتب عليه من الفوائد.
الرحمن 55:41
(يعرف المجرمون بسيماهم) هذه الجملة جارية مجرى التعليل لعدم السؤال والسيما العلامة، قال الحسن: سيماهم سواد الوجوه، وزرقة الأعين، كما في قوله: (ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً)، وقال: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) وقيل سيماهم ما يعلوهم من الحزن والكآبة.
(فيؤخذ بالنواصي والأقدام) قال أبو حيان: يؤخذ متعد ومع ذلك تعدى بالباء لأنه ضمن معنى يسحب، قلت: يسحب إنما يتعدى بعلى قال تعالى: (يوم يسحبون في النار على وجوههم) فكان ينبغي أن يقال ضمن معنى يدفع أي يدفعون، وقال مكي: إنما يقال؛ أخذت الناصية وأخذت بها ولو قلت أخذت الدابة بالناصية لم يجز، وحكي عن العرب أخذت الخطام، وأخذت بالخطام بمعنى قاله الكرخي، والنواصي شعور مقدم الرأس والمعنى أنها تجعل الأقدام مضمومة إلى النواصي وتلقيهم الملائكة في النار، وقال الضحاك: يجمع بين ناصيته وقدمه في سلسلة من وراء ظهره، وقيل: تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بنواصيهم، وتجرهم على وجوههم، وتارة تأخذ بأقدامهم وتجرهم على رؤوسهم.
قال ابن عباس: تأخذ الزبانية بناصيته وقدميه، ويجمع فيكسر كما يكسر الحطب في التنور
الرحمن 55:42
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها هذا الترهيب الشديد، والوعيد البالغ الذي ترجف له القلوب، وتضطرب لهوله الأحشاء.
الرحمن 55:43
(هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون) الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فماذا يقال لهم عند الأخذ بالنواصي والأقدام؟ فقيل: يقال لهم تقريعاً وتوبيخاً هذه جهنم التي تشاهدونها، وتنظرون إليها مع أنكم كنتم تكذبون بها وتقولون إنها لا تكون.
الرحمن 55:44
(يطوفون) أي يترددون ويسمعون (بينها) أي بين جهنم فتحرقهم (وبين حميم آن) فيصيب وجوههم فيحرقون بها، فيستغيثون منها فيسعى بهم إلى الحميم والحميم الماء الحار، والآن الذي قد انتهى حره، وبلغ غايته، كذا قال الفراء وقال الزجاج: أنى يأنى أنى فهو آن إذا انتهى في النضج والحرارة وقال ابن عباس: هو الذي انتهى حره وقيل: هو واد من أودية جهنم يجمع فيه صديد أهل النار فيغمسون فيه بأغلالهم حتى تنخلع أوصالهم قال قتادة: يطوفون مرة بين الحميم ومرة بين الجحيم.
الرحمن 55:45
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها النعمة الحاصلة بهذا التخويف وما يحصل به من الترغيب في الخير، والترهيب عن الشر، ولما فرغ سبحانه من تعداد النعم الدنيوية على الثقلين، ذكر نعمه الأخروية التي أنعم بها عليهم فقال:
الرحمن 55:46
(ولمن خاف) أي لكل فرد من أفراد الخائفين أو لمجموعهم والأول هو المعتمد (مقام ربه) مقامه سبحانه هو الموقف الذي يقف فيه العباد للحساب كما في قوله: (يوم يقوم الناس لرب العالمين) وقيل: المعنى خاف قيام ربه عليه وهو إشرافه على أحواله واطلاعه على أفعاله وأقواله، كما في قوله: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت، أو قيام الخائف عند ربه للحساب، ومحصله احتمالات ثلاثة في تفسير المقام، أولها أنه أسم مكان، والثاني أنه مصدر تحته احتمالان، إما بمعنى قيام الله على الخلائق، أو بمعنى قيام الخلائق بين يديه، قال مجاهد والنخعي: هو الرجل الذي يهم بالمعصية فيذكر الله فيدعها من خوفه وفيه إشارة إلى سبب استحقاق الجنتين في نفس الأمر وهو أنه ليس مجرد الخوف بل الخوف الناشىء عنه ترك المعاصي.
(جنتان) إختلف فيهما فقال مقاتل: يعني جنة عدن وجنة النعيم، وقيل: إحداهما التي خلقت له، والأخرى ورثها، وقيل: إحداهما منزله والأخرى منزل أزواجه، وقيل: إحداهما أسافل القصور. والأخرى أعاليها، وقيل: جنة لفعل الطاعة، وأخرى لترك المعصية، وقيل: جنة للعقيدة التي يعتقدها وجنة للعمل الذي يعمله، وقيل: جنة بالعمل وجنة بالتفضل، وقيل: جنة روحانية، وجنة جسمانية. وقيل: جنة لخوفه من ربه وجنة لتركه شهوته وقال الفراء: إنما هي جنة واحدة والتثنية لأجل موافقة رؤوس الآي، قال النحاس: وهذا من أعظم الغلط على كتاب الله، فإن الله يقول جنتان ويصفهما بقوله فيهما فيهما إلخ وقيل إنما كانتا اثنتين ليتضاعف له السرور بالتنقل من جهة إلى جهة.
قال ابن عباس: وعد الله المؤمنين الذين خافوا مقامه فأدوا فرائضه الجنتين، وعنه أيضاًً يقول: خاف ثم اتقى، والخائف من ركب طاعة الله وترك معصيته، وعن عطاء أنها نزلت في أبي بكر، وعن ابن شوذب مثله وقال ابن مسعود في الآية: لمن خافه في الدنيا.
" وعن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ولمن خاف مقام ربه جنتان فقلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟ فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم الثانية: ولمن خاف مقام ربه جنتان، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ فقال الثالثة: ولمن خاف مقام ربه جنتان، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: نعم وإن، رغم أنف أبي الدرداء [[رواه أحمد.]] " أخرجه أحمد والترمذي والنسائي والبزار وأبو يعلي والطبراني وغيرهما.
" وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولمن خاف مقام ربه جنتان فقال أبو الدرداء: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي الدرداء " أخرجه ابن مردويه وعن يسار مولى لآل معاوية عن أبي الدرداء في الآية قال: قيل لأبي الدرداء: وإن زنى وإن سرق، قال: من خاف مقام ربه لم يزن ولم يسرق.
" وعن ابن شهاب قال: كنت عند هشام بن عبد الملك فقال: قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولمن خاف مقام ربه جنتان، قال أبو هريرة: وإن زنى وإن سرق؟ فقلت: إنما كان ذلك قبل أن تنزل الفرائض، فلما نزلت الفرائض ذهب هذا "، أخرجه ابن مردويه.
" وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: جنان الفردوس أربع جنات، جنتان من ذهب حليتهما وآنيتهما وما فيهما. وجنتان من فضة حليتهما وآنيتهما وما فيهما وما بين القوم وبين أن ينظروا ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن [[رواه البخاري ومسلم.]] " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما، وعنه في الآية قال: جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين، قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن من قال لزوجته: إن لم أكن من أهل الجنة فأنت طالق أنه لا يحنث إن كان هم بالمعصية وتركها خوفاً من الله، وحياء منه وهو قول سفيان الثوري وبه أفتى، ومذهب الشافعي أنه لا يحنث إذا كان مسلماً ومات على الإسلام
الرحمن 55:47
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها هذه النعمة العظيمة وهي إعطاء الخائف من مقام ربه جنتين متصفتين بالصفات الجميلة العظيمة.
الرحمن 55:48
(ذواتا أفنان) أي: صاحبتا أفنان هذه صفة للجنتين وما بينهما اعتراض أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هما ذواتا قال الخطيب: وفي تثنية ذات لغتان الأولى الرد إلى الأصل فإن أصلها ذوية فالعين واو واللام ياء، لأنها مؤنثة ذوي، والثانية التثنيه على اللفظ، فيقال: ذاتان انتهى، ومثله قال السمين وعبارة الجلال المحلي: تثنية ذوات على الأصل ولامها ياء انتهى. والأفنان الأغصان وهي الدقيقة التي تتفرع من فروع الشجر، واحدها فنن كطلل، وهو الغصن المستقيم طولاً، وبهذا قال مجاهد وعكرمة وعطية وغيرهم.
وخص الأفنان لأنها هي التي تورق وتثمر، فمنها تمتد الظلال، ومنها تجتنى الأثمار، وقال الزجاج: الأفنان الألوان واحدها فن، كدن، وهو الضرب، والنوع من كل شيء، وبه قال عطاء وسعيد بن جبير وجمع عطاء بين القولين فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة وقيل: معناها ذواتا فضل وسعة على ما سواهما قاله قتادة وقيل: ذواتا أنواع وأشكال من الثمار وقيل: الأفنان ظل الأغصان على الحيطان.
روي عن مجاهد وعكرمة قال ابن عباس: ذواتا ألوان وقال: فن غصونها يمس بعضها بعضاً وقال: الفن الغصن والمعنى: أن له فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين قال قائلهم:
ومن كل أفنان اللذاذة والصبا ... لهوت به والعيش أخضر ناضر
الرحمن 55:49
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن كل واحد منها ليس بمحل للتكذيب ولا بموضع للإنكار
الرحمن 55:50
(فيهما) أي في كل واحدة منهما (عينان تجريان) حيث شاؤوا في الأعالي والأسافل، وهذا أيضاًً صفة أخرى للجنتين قال الحسن: إحداهما السلسبيل والأخرى التسنيم، وقال عطية: إحداهما من ماء غير آسن، والأخرى من خمر لذة للشاربين، قيل: كل واحدة منهما مثل الدنيا أضعافاً مضاعفة، حصاهما الياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، وترابهما الكافور وحمأتهما المسك الأذفر وحافتاهما الزعفران.
وقال أبو بكر الوراق: تجريان لمن كانت عيناه في الدنيا تجريان من مخافة الله عز وجل، فتجريان في كل مكان شاء صاحبهما، وإن علا مكانه، كما تصعد المياه في الأشجار في كل غصن منها، وإن زاد علوها
الرحمن 55:51
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملتها هذه النعمة الكائنة في الجنة لأهل السعادة.
فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (60) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63)
الرحمن 55:52
(فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) هذا صفة ثالثة لـ (جنتان) والزوجان الصنفان والنوعان، والمعنى أن في الجنتين من كل نوع يتفكه به في الدنيا ضربين، يستلذ بكل نوع من أنواعه، قيل: أحد الصنفين رطب، والآخر يابس، لا يقصر أحدهما عن الآخر في الفضل والطيب، وقيل: صنفان صنف معروف، وصنف غريب، قيل: ما في الدنيا شجرة حلوة ولا مرة إلا وهي في الجنة حتى الحنظل إلا أنه حلو.
الرحمن 55:53
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن في مجرد تعداد هذه النعم ووصفها في هذا الكتاب العزيز من الترغيب إلى فعل الخير، والترهيب عن فعل الشر ما لا يخفى على من يفهم، وذلك نعمة عظمى، ومنه كبرى، فكيف بالتنعم به عند الوصول إليه؟
الرحمن 55:54
(متكئين) قال في القاموس. توكأ عليه تحامل واعتمد، واتكأ جعل له متكأً.
" وقوله صلى الله عليه وسلم: أما أنا فلا آكل متكأ "، أي جالساً جلوس المتمكن المتربع ونحوه من الهيئات المستدعية لكثرة الأكل، بل كان جلوسه للأكل مستوفزاً مقعياً غير متربع، ولا متمكن، وليس المراد الميل على شق كما يظنه عوام الطلبة، وذكر الاتكاء لأنه حال الصحيح الفارغ القلب، المتنعم البدن، بخلاف المريض والمهموم، وانتصابه على الحال من فاعل قوله: (ولمن خاف)، وإنما جمع حملاً على معنى من، وقيل: منصوب على المدح، وقيل: عاملها محذوف والتقدير يتنعمون متكئين أي مضطجعين أو متربعين.
(عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ) والفرش جمع فراش، والبطائن هي التي تحت الظهائر، وهي جمع بطانة، قال الزجاج: هي ما يلي الأرض، والإستبرق ما غلظ من الديباج، وإذا كانت البطائن من إستبرق فكيف تكون الظهائر؟ قيل لسعيد بن جبير البطائن من استبرق فما الظواهر؟ قال: هذا مما قال الله فيه فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، وبه قال ابن عباس قيل: إنما اقتصر على ذكر البطائن لأنه لم يكن أحد في الأرض يعرف ما في الظهائر، وقال الحسن: بطائنها من إستبرق، وظواهرها من نور جامد وقال الحسن أيضاًً البطائن هي الظهائر، وبه قال الفراء؛ وقال: قد تكون البطانة الظهارة، والظهارة البطانة، لأن كل واحد منهما يكون وجهاً، والعرب تقول: هذا ظهر السماء وهذا بطن السماء لظاهرها الذي نراه، وأنكر ابن قتيبة هذا وقال: لا يكون هذا إلا في الوجهين المتساويين.
وقال ابن مسعود رضي الله عنه في الآية: أخبرتم بالبطائن فكيف بالظهائر؟ وقيل: ظهائرها من سندس وهو الديباج الرقيق الناعم وهذا يدل على نهابة شرف هذه الفرش لأنه ذكر أن بطائنها من الإستبرق، ولا بد أن تكون الظهائر خيراً من البطائن فهو مما لا يعلمه البشر.
(وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ) مبتدأ وخبر و (دَانٍ) أصله دانوا، مثل غاز فأعل إعلاله وجنى فعل بمعنى مفعول كالقبض بمعنى المقبوض، والجني ما يجتنى من الثمار، قيل: إن الشجرة تدنو حتى يجتنيها من يريد جناها، قال ابن عباس: جناها ثمرها، والداني القريب منك أي يناله القائم والقاعد والمتكىء والنائم وهذا بخلاف ثمر الدنيا، فإنها لا تنال إلا بكد وتعب، وقيل: لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك، قال الرازي: جنة الآخرة مخالفة لجنة الدنيا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الثمرة على رؤوس الشجر في الدنيا بعيدة عن الإنسان المتكىء: وفي الجنة يتكىء والثمرة تتدلى إليه.
وثانيهما: أن الإنسان في الدنيا يسعى إلى الثمرة ويتحرك إليها، وفي الآخرة تدنو منه؛ وتدور عليه.
وثالثها: أن الإنسان في الدنيا إذا قرب من ثمرة شجرة بعد عن غيرها، وثمار الجنة كلها تدنو إليه في وقت واحد، ومكان واحد.
الرحمن 55:55
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإنها كلها بموضع لا يتيسر لمكذب؛ أن يكذب بشيء منها، لما يشتمل عليه من الفوائد العاجلة والآجلة.
الرحمن 55:56
(فيهن) أي في الجنتين المذكورتين، لأن أقل الجمع اثنان أو لاشتمالهما على أماكن وعلالي وقصور ومجالس، قال الزجاج: وإنما قال (فيهن) لأنه عنى الجنتين وما أعد لصاحبهما فيهما من النعيم، أو في هذه الآلاء المعدودة من الجنتين والعينين والفاكهة والفرش والجني وقيل: (فيهن) أي في الفراش التي بطائنها من إستبرق قال أبو حيان: وفيه بعد، لأن الاستعمال أن يقال على الفراش كذا ولا يقال في الفراش كذا إلا بتكلف. ولذلك جمع الزمخشري مع الفرش غيرها حتى صح له أن يقول ذلك، وقال الفراء: كل موضع في الجنة جنة فلذلك صح أن يقال فيهن.
(قاصرات الطرف) من إضافة اسم الفاعل لمنصوبه تخفيفاً إذ يقال قصر طرفه على كذا، وحذف متعلق القصر للعلم به، أي: إنهن يقصرن أبصارهن على أزواجهن المتكئين من الإنس والجن لا ينظرن إلى غيرهم ولا يرين سواهم والآية دلت على الحياء لأن الطرف حركة الجفن، والحبيبة لا تحرك جفنها ولا ترفع رأسها وقد تقدم هذا في سورة الصافات قال ابن عباس: قاصرات الطرف عن غير أزواجهن قال الرازي: وانظر إلى حسن هذا الترتيب فإنه بين أولاً المسكن وهو الجنة، ثم بين ما يتنزه به وهو البستان والعيون الجارية، ثم ذكر المأكول، ثم ذكر موضع الراحة بعد الأكل، وهو الفراش، ثم ذكر ما يكون في الفراش معه، ولما كان الإختصاص بالشيء من أعظم الملذذات قال:
(لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) الضمير راجع إلى الأزواج المدلول عليهم بقاصرات الطرف، وقيل: يعود إلى المتكئين، والجملة نعت لقاصرات لأن إضافتها لفظية، كقوله: (هذا عارض ممطرنا) أو حال لتخصص النكرة بالإضافة قال الفراء: الطمث الإفتضاض، وهو النكاح بالتدمية، يقال: طمث الجارية إذا افترعها، وقيل: الطمث المس، أي: لم يمسسهن، قاله أبو عمرو وقال المبرد: أي لم يذللهن، والطمث التدليل، ومن استعمال الطمث فيما ذكره الفراء قول الفرزدق:
دفعن إليّ ولم يطمثن قبلي ... وهن أصح من بيض النعام
وفي السمين: أصل الطمث الجماع المؤدي إلى خروج دم البكر، ثم أطلق على كل جماع طمث وإن لم يكن معه دم، وقيل: الطمث دم الحيض، أو دم الجماع، قال الواحدي: قال المفسرون: لم يطأهن ولم يغشهن ولم يجامعهن قبلهم أحد، ولم يتسلط عليهن، قال مقاتل: لأنهن خلقن في الجنة، وقيل: إنهن من نساء الدنيا أنشئن خلقاً آخر، أبكاراً، وقيل: هن الآدميات اللاتي متن أبكاراً، والأول أولى. قرأ الجمهور: يطمثهن بكسر الميم، وقرىء بضمها وبفتحها، وفي هذه الآية، بل في كثير من آيات هذه السورة، دليل على أن الجن يدخلون الجنة إذا آمنوا بالله سبحانه، وعملوا بفرائضه، وانتهوا عن مناهيه.
قال ابن عباس في الآية: لم يطمثهن لم يدن منهن، أو لم يدمهن، وفي الآية دليل على أن الجن يطمثون كما يطمث الإنس، فإن مقام الامتنان يقتضي ذلك إذ لو يطمثوا لم يحصل لهم الامتنان
الرحمن 55:57
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن في مجرد هذا الترغيب في هذه النعم نعمة جليلة، ومنة عظيمة، لأن به يحصل الحرص على الأعمال الصالحة، والفرار من الأعمال الطالحة، فكيف بالوصول إلى هذه النعم والتنعم بها؟ في جنات النعيم بلا انقطاع ولا زوال.
الرحمن 55:58
(كأنهن الياقوت والمرجان) هذا صفة لقاصرات، أو حال منهن، ولم يذكر مكي غيره، والياقوت جوهر نفيس، يقال إن النار لا تؤثر فيه، ومن المعلوم أن الياقوت أحمر اللون، فهذا التشبيه يقتضي أن لون أهل الجنة البياض المشرب بحمرة، فينافي المقرر المعلوم من أنه البياض المشرب بصفرة، فالجواب أن التشبيه بالياقوت من حيث الصفاء لا من حيث الحمرة، وهذا لا ينافي أن البياض مشرب بصفرة كما قال الحسن: هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان، وإنما خص المرجان على القول بأنه صغار الدر لأن صفاءها أشد من صفاء كبار الدر.
" عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: ينظر إلى وجهها في خدرها أصفى من المرآة، وإن أدنى لؤلؤة عليها لتضيء ما بين المشرق والمغرب، وإنه يكون عليها سبعون ثوباً وينفذها بصره حتى يرى مخ ساقها من وراء ذلك [[رواه أحمد.]] "، أخرجه أحمد وابن حبان. والحاكم وصححه، والبيهقي في البعث " وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن المرأة من نساء الجنة ليرى بياض ساقها من وراء سبعين حلة، حتى يرى مخها، وذلك أن الله يقول: (كأنهن الياقوت والمرجان)، فأما الياقوت فحجر لو أدخلت فيه سلكاً ثم استصغيته لرأيته من ورائه "، أخرجه ابن أبي شيبة، وهناد بن السرى، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأبو الشيخ وغيرهم، وقد رواه الترمذي موقوفاً وقال: هو أصح
الرحمن 55:59
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن نعمه كلها لا يتيسر تكذيب شيء منها كائنة ما كانت، فكيف بهذه النعم الجليلة والمنن الجزيلة؟
الرحمن 55:60
(هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ)؟ هل ترد في الكلام على أربعة أوجه تكون بمعنى قد كقوله: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر)؟ وبمعنى الاستفهام كقوله: (فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً)؟ وبمعنى الأمر كقوله: (فهل أنتم منتهون)؟ وبمعنى الجحد كقوله: (فهل على الرسل إلا البلاغ)؛ وكما في هذه الآية، والجملة مقررة لمضمون ما قبلها، والمعنى ما جزاء من أحسن العمل في الدنيا إلا الإحسان إليه في الآخرة، كذا قال ابن زيد وغيره، وقال الصادق: هل جزاء من أحسنت إليه في الأزل إلا حفظ الإحسان عليه في الأبد، قال الرازي: في هذه الآية وجوه كثيرة، حتى قيل إن في القرآن ثلاث آيات في كل واحدة منها مائة قول، إحداها قوله تعالى فاذكروني أذكركم، وثانيها وإن عدتم عدنا، وثاللها هل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
قال محمد بن الحنفية هي للبر والفاجر، البر في الآخرة، والفاجر في الدنيا.
" عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الآية: ما جزاء من أنعمت عليه بالتوحيد إلا الجنة " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي وضعفه وأخرج البغوي في تفسيره وغيره في غيره عن أنس مرفوعاً مثله، وعن جابر مرفوعاً في الآية قال: هل جزاء من أنعمنا عليه بالإسلام، إلا أن أدخله الجنة وأخرج ابن النجار عن علي مرفوعاً مثل حديث ابن عمر.
وقال ابن عباس: هل جزاء من قال لا إله إلا الله في الدنيا إلا الجنة في الآخرة " وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنزل الله على هذه الآية في سورة الرحمن للكافر والمسلم، (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) أخرجه ابن عدي وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي والبيهقي، وأخرجه ابن مردويه موقوفاً على ابن عباس، وقال إبراهيم الخواص في الآية: هل جزاء الإسلام إلا دار الإسلام؟ وفي الآية إشارة إلى رفع التكليف في الآخرة لأن الله وعد المؤمن بالإحسان وهو الجنة، فلو بقي التكليف في الآخرة وتركه العبد لاستحق العقاب على ترك العمل، والعقاب ترك الإحسان إليه، فلا تكليف.
الرحمن 55:61
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن من جملتها الإحسان إليكم في الدنيا والآخرة، بالخلق والرزق والإرشاد إلى العمل الصالح، والزجر عن العمل الذي لا يرضاه.
الرحمن 55:62
(ومن دونهما جنتان) أي من دون تينك الجنتين الموصوفتين بالصفات المتقدمة، جنتان أخريان لمن دون أصحاب الجنتين السابقتين من أهل الجنة، ومعنى من دونهما أي أمامهما، ومن قبلهما أي هما أقرب منهما وأدنى إلى العرش فهما أفضل من الأوليين، وإلى هذا ذهب الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وقيل: دونهما في الدرج، وقيل: بالفضل وقيل الجنتان الأوليان جنة عدن وجنة النعيم، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى، قال ابن جريج: هي أربع جنات جنتان منها للسابقين المقربين فيهما من كل فاكهة زوجان وعينان تجريان؛ وجنتان لأصحاب اليمين فيهما فاكهة ونخل ورمان وفيهما عينان نضاختان.
قال ابن زيد: إن الأوليين من ذهب للمقربين، والأخريين من ورق لأصحاب اليمين.
وأخرج ابن جرير وابن حاتم وابن مردويه. " عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: جنتان من ذهب للمقربين، وجنتان من ورق لأصحاب اليمين "
الرحمن 55:63
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن كلها حق ونعم لا يمكن جحدها، ثم وصف سبحانه هاتين الجنتين الأخريين فقال: مُدْهَامَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (68) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ (70) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (76) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)
الرحمن 55:64
(مُدْهَامَّتَانِ) وما بينهما اعتراض قال أبو عبيد والزجاج: من خضرتهما قد اسودتا من الري: وكل ما علاه السواد رياً فهو مدهم عند العرب، قال مجاهد: مسودتان، والدهمة في اللغة السواد، يقال: فرس أدهم وبعير أدهم إذا اشتدت ورقته حتى ذهب البياض الذي فيه، وناقة دهماء وادهام أدهيماماً أي اسواد وسميت قرى العراق سواداً لكثرة خضرتها، والشاة الدهماء: الحمراء الخالصة الحمرة، ويقال للقيد: أدهم، وفي المختار: دهمهم الأمر غشيهم، وبابه فهم، وكذا دهمتهم الخيل ودهمهم بفتح الهاء لغة وقال ابن عباس: هما خضراوان قد اسودتا من الخضرة من الري من الماء وعن ابن الزبير نحوه.
" وعن أبي أيوب الأنصاري قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله: (مُدْهَامَّتَانِ) قال خضروان " أخرجه الطبراني. وابن مردويه
الرحمن 55:65
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن جميعها نعم ظاهرة واضحة لا تجحد ولا تنكر.
الرحمن 55:66
(فيهما عينان نضاختان) ألنضخ فوران الماء من العين، والمعنى أن في الجنتين المذكورتين عينين فوارتين، قال أهل اللغة: والنضخ بالخاء المعجمة أكثر من النضح بالحاء المهملة، لأن بالحاء الرش، وبالخاء المعجمة فوران الماء، قاله السمين، قال الحسن ومجاهد: تنضخ على أولياء الله بالمسك والعنبر والكافور في دور أهل الجنة، كما ينضخ رش المطر، وقال سعيد بن جبير: تنضخ بأنواع الفواكه والماء، قال ابن عباس: فائضتان تنضخان بالماء، وقيل: بالخير والبركة على أهل الجنة
الرحمن 55:67
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإنها ليست بموضع للتكذيب ولا بمكان للجحد.
الرحمن 55:68
(فيهما فاكهة ونخل ورمان) هذا من صفات الجنتين المذكورتين قريباً والنخل والرمان -وإن كانا من الفاكهة- لكنهما خصصا بالذكر لمزيد حسنهما، وكثرة نفعهما بالنسبة إلى سائر الفواكه كما حكاه الزجاج والأزهري وغيرهما، وقيل: إنما خصهما لكثرتهما في أرض العرب، قال الخطيب، كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا، لأن النخل عامة قوتهم، والرمان كالشراب، فكان يكثر غرسهما عندهم لحاجتهم إليهما، وكانت الفواكه عندهم الثمار التي يعجبون بها وقيل: خصهما لأن النخل فاكهة وطعام، والرمان فاكهة ودواء، وقد ذهب إلى أنهما من جملة الفاكهة جمهور أهل العلم، وبه قال الشافعي فيحنث بأكل أحدهما من حلف لا يأكل فاكهة، وحينئذ فعطفهما عليها من عطف الخاص على العام تفصيلاً ولم يخالف في ذلك إلا أبو حنيفة رحمه الله وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد، وهو قول خلاف قول أهل اللغة ولا حجة له في الآية.
الرحمن 55:69
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن من جملها هذه النعم التي في جنات النعيم ومجرد الحكاية لها تؤثر في نفوس السامعين وتجذبهم إلى طاعة رب العالمين.
الرحمن 55:70
(فيهن خيرات حسان) قرأ الجمهور خيرات بالتخفيف وقرىء بالتشديد، فعلى الأولى هي جمع خيرة بزنة فعلة بسكون العين يقال: امرأة خيرة وأخرى شرة، أو جمع خيرة مخفف خيرة، وعلى الثانية جمع بالتشديد. قال الواحدي قال المفسرون: الخيرات النساء خيرات الأخلاق، حسان الوجوه قيل: وهذه الصفة عائدة إلى الجهات الأربع، ولا وجه لهذا، فإنه قد وصف نساء الجنتين الأوليين بأنهن قاصرات الطرف، كأنهن الياقوت والمرجان وبين الصفتين بون بعيد.
" عن ابن مسعود في الآية قال: لكل مسلم خيرة ولكل خيرة خيمة، ولكل خيمة أربعة أبواب يدخل عليها من الله كل يوم تحفة وكرامة وهدية، لم يكن قبل ذلك لا مراحات ولا طماحات، ولا بخرات ولا دفرات، حور عين كأنهن بيض مكنون، وأخرجه ابن مردويه من وجه آخر عنه مرفوعاً.
واختلف أيهما أكثر حسناً؟ وأبهى جمالاً؟ هل الحور أو الآدميات؟ فقيل: الحور، لما ذكر من وصفهن في القرآن والسنة.
" كقوله عليه السلام في دعائه على الميت في الجنازة: وأبدله زوجاً خيراً من زوجه " وقيل الآدميات أفضل من الحور العين بسبعين ألف ضعف وروي مرفوعاً وقيل: إن الحور العين المذكورات في القرآن هن المؤمنات من أزواج الأنبياء والمؤمنين يخلقن في الآخرة على أحسن صورة، قاله الحسن، وفيه بعد بعيد، والمشهور أن الحور العين لسن من نساء أهل الدنيا، وإنما هن مخلوقات في الجنة، لأن الله قال: (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان)، وأكثر نساء أهل الدنيا مطموثات " ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أقل ساكني الجنة النساء فلا يصيب كل واحد منهم امرأة "، ووعد الحور العين لجماعتهم، فثبت أنهن من غير نساء الدنيا ذكره القرطبي.
الرحمن 55:71
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإن شيئاًً منها كائناً ما كان لا يقبل التكذيب.
الرحمن 55:72
(حور مقصورات في الخيام) أي محبوسات فيها، ومنه القصر، لأنه يحبس من فيه، وقيل: مخدرات مستورات لا يخرجن، لكرامتهن وشرفهن، يقال: امرأة قصيرة وقصورة ومقصورة، أي: مخدرة، والحور جمع حوراء وهي شديدة بياض العين شديدة سوادها، وقد تقدم بيان معنى الحوراء والخلاف فيه وقيل: معنى مقصورات أنهن قصرن على أزواجهن فلا يردن غيرهم، وحكاه الواحدي عن المفسرين، والأول أولى، وبه قال أبو عبيدة ومقاتل وغيرهما قال في الصحاح: قصرت الشيء أقصره قصراً حبسته، والمعنى أنهن خدرن في الخيام والخيام جمع خيمة، وقيل: جمع خيم والخيم جمع خيمة، وهي أعواد تنصب وتظلل بالثياب فتكون أبرد من الأخبية، قيل الخيمة من خيام الجنة درة مجوفة، فرسخ في فرسخ.
قال ابن عباس: مقصورات محبوسات في الخيام، قال: في بيوت اللؤلؤ، وقال: الحور سود الحدق.
" وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال الخيام در مجوف "، أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما. " عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسدم قال: الخيمة درة مجوفة طولها في السماء ستون ميلاً، في كل زاوية منها للمؤمن أهل لا يراهم الآخرون يطوف عليهم المؤمن ".
الرحمن 55:73
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا) الذي صوركم فأحسن صوركم، وجعل لكم في الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر (تُكَذِّبَانِ)؟ أبهذه النعم؟ أم بغيرها.
الرحمن 55:74
(لم يطمثهن إنس قبلهم) أي: قبل أصحاب الجنتين، ودل عليهم ذكر الجنتين (ولا جان) وقد تقدم تفسيره في صفة الجنتين الأوليين
الرحمن 55:75
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) فإنها كلها نعم لا تكفر ومنن لا تجحد.
الرحمن 55:76
(متكئين على رفرف خضر) قرأ الجمهور رفرف على الإفراد، وقرىء رفارف على الجمع، وقرىء خضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمة وبضمها وهي لغة قليلة، قال أبو عبيدة: الرفارف البسط، وبه قال الحسن ومقاتل والضحاك وغيرهم. وقال ابن عيينة: هي الزرابي. وقال ابن كيسان: هي المرافق، وروي عن أبي عبيدة أنه قال: هي حاشية الثوب، وقال الليث: ضرب من الثياب الخضر، وقيل: الفرش المرتفعة، وقيل: كل ثوب عريض قال في الصحاح: والرفرف ثياب خضر يتخذ منهما المحابس الواحدة رفرفة اسم جمع، أو اسم جنس جمعي، نقلهما مكي. وقال الزجاج: قالوا: الرفرف هنا رياض الجنة، وقالوا الرفرف: الوسائد، وقيل: المحابس انتهى. وقيل: الطنافس، ومن القائلين بأنها رياض الجنة خضر مخصبة سعيد بن جبير، واشتقاق الرفرف من رف يرف إذا ارتفع، ومنه رفرفة الطائر، وهي تحريك جناحيه في الهواء، وقال ابن عباس: رفرف فضول المحابس والفرش والبسط، وعن علي قال: هي فضول المحابس.
(وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ) أي الزرابي والطنافس الموشية، قال ابن عباس العبقري الزرابي، والرفرف الرياض، قال أبو عبيدة: كل وشي من البسط عبقري، وهو منسوب إلى أرض يعمل فيها الوشي، قال الفراء: العبقري الطنافس الثخان وقيل: الرقيق، وقيل: البسط، وقيل: الديباج، قال ابن الأنباري: الأصل فيه أن عبقر قرية تسكن فيها الجن ينسب إليها كل فائق، قال الخليل: العبقري عند العرب كل جليل فاضل، فاخر من الرجال والنساء. قال الجوهري: العبقري موضع تزعم العرب أنه من أرض الجن، ثم نسبوا إليه كل شيء تعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته، فقالوا عبقري وهو واحد وجمع، قرأ الجمهور عبقري وقرىء عباقري وعباقر، وهما نسبة إلى عباقر اسم بلد، وقال قطرب: ليس بمنسوب، وهو مثل كرسي وكراسي وبختي وبخاتي.
الرحمن 55:77
(فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ)؟ فإن كل واحد منها أجل من أن يتطرق إليه التكذيب، وأعظم من أن يجحده جاحد، أو ينكره منكر، وقد قدمنا في أوائل هذه السورة وجه تكرير هذه الآية فلا نعيده.
الرحمن 55:78
(تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) قرأ الجمهور بالجر على أنه صفة للرب سبحانه، وقرىء بالرفع على أنه صفة للاسم، وتبارك تفاعل من البركة، قال الرازي: وأصل التبارك من التبرك، وهو الدوام والثبات ومنه برك البعير وبركة الماء، فإن الماء يكون دائماً، والمعنى دام اسمه، وثبت أو دام الخير عنده، لأن البركة وإن كانت من الثبات لكنها تستعمل في الخير، أو يكون معناه علا، وارتفع شأنه، وقيل: معناه تنزيه الله سبحانه وتقديسه.
وإذا كان هذا التبارك منسوباً إلى اسمه عز وجل فما ظنك بذاته سبحانه.
وقيل: الاسم بمعنى الصفة، وقيل: هو مقحم.
" عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا سلم من الصلاة لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإِكرام " [[رواه النسائي.]]، أخرجه أبو داود والنسائي غير قولها: إلا مقدار ما يقول.
" وعن ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام " أخرجه مسلم وقد تقدم تفسير ذي الجلال والإِكرام في هذه السورة، وذكر سليمان الجمل هنا كلاماً طويلاً يتعلق بشرح هذه الآيات من تذكرة القرطبي وغالبه في تفسيره لا نطول بذكره لقلة الفائدة.
الواقعة 56:1
سورة الواقعة
(هي ست أو سبع أو تسع وتسعون آية)
وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وجابر وعطاء، وقال ابن عباس وقتادة: إلا آية منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) وقال الكلبي: إنها مكيّة إلا أربع آيات منها، وهي: (أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ)؟ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)، نزلتا في سفره إلى مكة، وقوله: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) نزلتا في سفره إلى المدينة قال ابن عباس: نزلت الواقعة بمكة، عن ابن الزبير مثله.
وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يقول: " من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه الفاقة أبداً " [[هذا الحديث والذي بعده غير صحيح. المطيعي.]]، أخرجه البيهقي في الشعب، والحرث بن أبي أسلمة، وأبو يعلى، وابن مردويه وعن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " سورة الواقعة سورة الغنى فاقرأوها وعلموا أولادكم " أخرجه ابن عساكر.
وعن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " علموا نساءكم سورة الواقعة فإنها سورة الغنى " أخرجه الديلمي.
وقد تقدم قوله - صلى الله عليه وسلم -: شيبتني هود والواقعة قال مسروق من أراد أن يعلم نبأ الأولين والآخرين، ونبأ أهل الجنة ونبأ أهل النار، ونبأ أهل الدنيا ونبأ أهل الآخرة فليقرأ سورة الواقعة.
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (16) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (19) وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)
(بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ) أي قامت القيامة، وقيل: إذا نزلت صيحة القيامة، قال المفسرون: وهي النفخة الأخيرة الثانية وقيل: هي اسم للقيامة كالآزفة وغيرها، وسميت الواقعة لأنها كائنة لا محالة أو لقرب وقوعها أو لكثرة ما يقع فيها من الشدائد، أي اذكر وقت وقوع الواقعة أو إذا وقعت كان كيت وكيت قاله مكي، وقيل: غير ذلك.
الواقعة 56:2
(ليس لوقعتها كاذبة) الكاذبة مصدر كالعاقبة أي ليس لمجيئها وظهورها كذب أصلاً، والمعنى أنها إذا وقعت النفخة الآخرة عند البعث لم يكن هناك تكذيب لها أصلاً أو لا تكون هناك نفس تكذب على الله وتكذب بما أخبر عنه من أمور الآخرة، ووقوع القيامة لأن كل نفس تكذب حينئذ مؤمنة صادقة مصدقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات واللام كقوله تعالى (يا ليتني قدمت لحياتي)، وقال الزجاج: معناه لا يردها شيء، وبه قال الحسن وقتادة وقال الثوري: ليس لوقعتها أحد يكذب بها، وقال الكسائي: ليس لها تكذيب، أي لا ينبغي أن يكذب بها أحد وقال ابن عباس: ليس لها مرد يرد.
الواقعة 56:3
(خافضة رافعة) قرأ الجمهور برفعهما على إضمار مبتدأ أي هي خافضة، وقرىء بنصبهما على الحال، والجملة تقرير لعظمتها، وتهويل لأمرها، فإن الوقائع العظام شأنها كذلك، أو بيان لما يكون يومئذ من حط الأشقياء إلى الدركات ورفع السعداء إلى الدرجات، ومن زلزلة الأشياء وإزالة الأجرام عن مقارها لنثر الكواكب وإسقاط السماء كسفاً، وغير ذلك، قال عكرمة والسدي ومقاتل: خفضت الصوت فأسمعت من دنا، ورفعت الصوت فأسمعت من نأى وقال قتادة: خفضت أقواماً في عذاب الله، ورفعت أقواماً إلى طاعة الله.
وقال محمد بن كعب: خفضت أقواماً كانوا في الدنيا مرفوعين، ورفعت أقواماً كانوا في الدنيا مخفوضين، والعرب تستعمل الخفض والرفع في المكان والمكانة، والعز والإهانة، ونسبة الخفض والرفع إليها على طريق المجاز، والخافض والرافع في الحقيقة هو الله سبحانه، قال ابن عباس: (خافضة رافعة) تخفض ناساً وترفع آخرين، وعنه قال: أسمعت القريب والبعيد، وعن عمر بن الخطاب قال: الساعة خفضت أعداء الله إلى النار، ورفعت أولياء الله إلى الجنة.
الواقعة 56:4
(إذا رجت الأرض رجاً) أي إذا حركت حركة شديدة، يقال: رجه يرجه رجاً إذا حركه، والرجة الاضطراب. وارتج البحر وغيره اضطرب، قال المفسرون: ترتج كما يرتج الصبي في المهد حتى ينهدم كل ما عليها، وينكسر كل شيء من الجبال وغيرها
الواقعة 56:5
(وبست الجبال بساً) البس الفت، يقال: بس الشيء إذا فته حتى يصير فتاتاً، ويقال: بس السويق إذا لَتَّهُ بالسمن أو بالزيت، قال مجاهد ومقاتل: المعنى أن الجبال فتت فتاً، وبه قال ابن عباس، وقال السدي: كسرت كسراً، وقال الحسن: قلعت من أصلها، وقال مجاهد أيضاً: بست كما يبس الدقيق بالسمن أو بالزيت، والمعنى أنها خلطت فصارت كالدقيق الملتوت.
وقال أبو زيد: البس السوق، والمعنى على هذا سيقت " جبال سوقاً قال أبو عبيد: بس الإبل وابتسها لغتان إذا زجرها، وقال عكرمة: المعنى هدت هداً، وقيل: صارت كثيباً مهيلاً بعد أن كانت شامخة، وقال قتادة ومقاتل وابن عباس ومجاهد: معنى رجت زلزلت، أي تخفض وترفع وقت رج الأرض وبس الجبال لأنه عند ذلك يرتفع ما هو منخفض وينخفض ما هو مرتفع وقيل المعنى وقوع الواقعة هو رج الأرض وبس الجبال.
الواقعة 56:6
(فكانت هباء منبثاً) أي غباراً متفرقاً منتشراً بنفسه، من غير حاجة إلى هواء يفرقه، وقال مجاهد: الهباء الشعاع الذي يكون في الكوة كهيئة الغبار، وقيل: هو الرهج الذي يسطع من حوافر الدواب ثم يذهب، وقيل ما تطاير من النار إذا اضطرمت يطير منها على صورة الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئاًً، قاله ابن عباس وعطية، وقد تقدم بيانه في الفرقان عند تفسير قوله: (فجعلناه هباء منثوراً)، قرأ الجمهور منبثاً بالمثلثة، وقرىء بالمثناة الفوقية، أي: منقطعاً من قولهم: بته الله أي قطعه.
وقال ابن عباس: شعاع الشمس، وعنه الهباء ما يثور مع شعاع الشمس وانبثاثه تفرقه، وقال علي: الهباء المنبث رهج الدواب والهباء المنثور غبار الشمس الذي تراه في شعاع الكوة، ثم ذكر سبحانه أحوال الناس واختلافهم فقال:
الواقعة 56:7
(وكنتم أزواجاً ثلاثة) الخطاب للأمة الحاضرة والأمم السالفة تغليباً أو للحاضرة فقط، والمعنى وكنتم في ذلك اليوم أصنافاً ثلاثة، اثنان في الجنة واحد في النار، صنف يشاكل ما هو منه كما يشاكل الزوج الزوجة وكل صنف يكون أو يذكر مع صنف آخر فهو زوج، قال ابن عباس: الأزواج الأصناف وهي التي في سورة الملائكة (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ)، ثم فسر سبحانه هذه الأصناف فقال:
الواقعة 56:8
(فأصحاب الميمنة) وهي ناحية اليمين، أي أصحاب اليمين وهم الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم أو الذين تؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، وأصحاب الميمنة مبتدأ خبره (ما أصحاب الميمنة)؟ أي أيُّ شيء هم في حالهم وصفتهم وسعادتهم؟ وتكرير المبتدأ هنا بلفظة مغن عن الضمير الرابط كما في قوله (الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ)، و (الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ) ولا يجوز مثل هذا إلا في مواضع التعظيم والتفخيم.
والكلام في قوله:
الواقعة 56:9
(وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ)؟ كالكلام فيما تقدم، والمراد بهم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النار، أو يأخذون صحائف أعمالهم بشمائلهم، والمراد تعجيب السامع من حال الفريقين في الفخامة والفظاعة، كأنه قيل فأصحاب الميمنة في نهاية السعادة وغاية حسن الحال، وأصحاب المشأمة في نهاية الشقاوة وغاية سوء الحال، فالاستفهام في كلا الموضعين للتعجيب، وقال السدي: أصحاب المشأمة هم الذين كانوا عن شماله، وقال زيد بن أسلم: أصحاب الميمنة هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، وأصحاب المشأمة هم الذين أخذوا من شقه الأيسر، وقال ابن جريج: أصحاب الميمنة هم أهل الحسنات، وأصحاب المشأمة هم أهل السيئات.
وقال الحسن والربيع: أصحاب الميمنة هم الميامين على أنفسهم بالأعمال الحسنة، وأصحاب المشأمة هم المشائيم على أنفسهم بالأعمال القبيحة، وقال المبرد: أصحاب الميمنة أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخر، والعرب تقول: اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك، أي اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين، وقيل: المراد أصحاب المنزلة السنية الرفيعة، وأصحاب المنزلة الدنية الخسيسة، أخذاً من تيامنهم بالميامن، وتشاؤمهم بالشمائل.
أخرج أحمد عن معاذ بن جبل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا هذه الآية: (وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ) (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ)، فقبض بيديه قبضتين فقال: هذه في الجنة ولا أبالي، وهذه في النار ولا أبالي.
الواقعة 56:10
(وَالسَّابِقُونَ) مبتدأ وخبره قوله: (السَّابِقُونَ) والتكرير فيه للتفخيم والتعظيم كما مر في القسمين الأولين، كما نقول: أنت أنت وزيد زيد، وفيه تأويلان.
أحدهما بمعنى السابقون، هم الذين اشتهرت حالهم بذلك، وعرفت محاسنهم.
والثاني أن متعلق السبقين مختلف، والتقدير: السابقون إلى الإِيمان السابقون إلى الجنة، والأول أولى، لما فيه من الدلالة على التفخيم والتعظيم، وقال الحسن وقتادة: هم السابقون إلى الإيمان من كل أمة عند ظهور الحق من غير تلعثم وتوان، وقال محمد بن كعب: إنهم الأنبياء وقال ابن سيرين: هم الذين صلوا إلى القبلتين، وقيل: هم الذين سبقوا في حيازة الفضائل والكمالات، وقيل: هم السابقون إلى الصلوات الخمس، وقيل: المسارعون في الخيرات، وقال مجاهد: هم الذين سبقوا إلى الجهاد وبه قال الضحاك.
وقال سعيد بن جبير: هم السابقون إلى التوبة وأعمال البر، وقال الزجاج: المعنى والسابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، قال ابن عباس: السابقون يوشع بن نون سبق إلى موسى، ومؤمن آل ياسين سبق إلى عيسى، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه سبق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنه قال: نزلت في حزقيل مؤمن آل فرعون، وحبيب النجار الذي ذكر في يس، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وكل رجل منهم سابق أمة، وعلي أفضلهم سبقاً.
" وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: أتدرون من السابقون إلى ظل الله يوم القيامة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئِلوا بذلوا، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم " [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد،
الواقعة 56:11
قيل ووجه تأخير هذا الصنف الثالث، مع كونه أشرف من الصنفين الأولين، وأسبق الأقسام وأقدمهم في الفضل، هو أن يقترن به ما بعده وهو قوله: (أولئك المقربون في جنات النعيم) فالإشارة هي إليهم، أي: المقربون إلى جزيل ثواب الله، وعظيم كرامته، أو الذين قربت إلى العرش العظيم درجاتهم، وأعليت مراتبهم، ورقت إلى حظائر القدس نفوسهم الزكية.
وما في أولئك من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان ببعد منزلتهم في الفضل، ومحله الرفع على الإبتداء، وخبره ما بعده، هذا أظهر ما ذكر في إعراب هذه الجملة، وأشهره وهو الذي يقتضيه جزالة التنزيل، وجنات النعيم، خبر ثان، أو حال من الضمير في المقربون، أو متعلق به؛ أي: قربوا إلى رحمة الله فيها، قرأ الجمهور جنات بالجمع، وقرىء جنة بالإفراد وإضافة الجنات إلى النعيم من إضافة المكان إلى ما يكون فيه، كما يقال: دار الضيافة، ودار الدعوة، ودار العدل.
الواقعة 56:13
(ثلة من الأولين) أي هم ثلة، وهي الجماعة التي لا يحصر عددها، قال الزجاج: معنى ثلة فرقة من ثللت الشيء إذا قطعته، والمراد بالأولين هم الأمم السابقة من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، من بينهما من الأنبياء العظام
الواقعة 56:14
(وقليل من الآخرين) أي من هذه الأمة وسموا قليلاً بالنسبة إلى من كان قبلهم، وهم كثيرون لكثرة الأنبياء فيهم، وكثرة من أجابهم قال الحسن: سابقو من مضى أكثر من سابقينا، قال الزجاج: الذين عاينوا جميع الأنبياء وصدقوا بهم أكثر ممن عاين النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخالف هذا ما ثبت في الصحيح.
" من قوله صلى الله عليه وسلم، إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثم قال: ثلث أهل الجنة، ثم قال: نصف أهل الجنة " [[رواه مسلم.]]، لأن قوله (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) إنما هو تفصيل للسابقين فقط كما سيأتي في ذكر أصحاب اليمين أنهم ثلة من الأولين وثلة من الآخرين فلا يمتنع أن يكون في أصحاب اليمين من هذه الأمة من هو أكثر من أصحاب اليمين من غيرهم فيجتمع من قليل سابقي هذه الأمة ومن ثلة أصحاب اليمين منها من يكون نصف أهل الجنة.
والمقابلة بين الثلتين في أصحاب اليمين لا تستلزم استواءهما، لجواز أن يقال: هذه الثلة أكثر من هذه الثلة. كما يقال؛ هذه الجماعة أكثر من هذه الجماعة وهذه الفرقة أكثر من هذه الفرقة وهذه القطعة أكثر من هذه القطعة وبهذا تعرف أنه لم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بالحديث المذكور عن أبي هريرة قال: لما نزلت (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ) شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، أو شطر أهل الجنة، وتقاسمونهم النصف الثاني " أخرجه أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
ثم ذكر سبحانه حالة أخرى للسابقين المقربين فقال:
الواقعة 56:15
(عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) قرأ الجمهور بضم السين والراء الأولى، وقرىء بفتح الراء، وهي لغة كما تقدم، جمع سرير، وهو ما يجعل للإنسان من المقاعد العليا، الموضوعة للراحة والكرامة، والموضونة المنسوجة، والوضن النسج المضاعف، يقال: وضن الشيء يضنه فهو موضون ووضين، ثنى بعضه على بعض وضاعفه، والغزل نسجه، والموضونة الدرع المنسوجة أو المتقاربة النسج، أو المنسوجة حلقتين حلقتين، أو بالجواهر، كذا في القاموس. قال الواحدي: قال المفسرون: منسوجة بقضبان الذهب، وقيل: مشبكة بالدر والياقوت والزبرجد، وقيل: إن الموضونة المصفوفة، قاله ابن عباس، وقال مجاهد: هي المرمولة بالذهب، والمعنى مستقرين على سرر.
الواقعة 56:16
(متكئين عليها) أي على السرر على الجنب أو غيره، كحال من يكون على كرسي فيوضع تحته شيء آخر للإتكاء عليه، قال الكلبي: طول كل سرير ثلثمائة ذراع فإذا أراد العبد، أن يجلس عليه تواضع وانخفض له، فإذا جلس ارتفع (متقابلين) لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض، وصفوا بحسن العشرة، وتهذيب الأخلاق، وصفاء المودة، وقال مجاهد وغيره: هذا في المؤمن وزوجته وأهله.
الواقعة 56:17
(يطوف عليهم ولدان مخلدون) أي يدور حولهم للخدمة غلمان شكلهم شكل الولدان دائماً، والجملة حالية أو مستأنفة لبيان بعض ما أعد الله لهم من النعيم، قال مجاهد: المعنى لا يموتون، وقال الحسن والكلبي: لا يهرمون ولا يتغيرون ولا ينتقلون من حالة إلى حالة، مبقون أبداً، قال الفراء: والعرب تقول للرجل إذا كبر ولم يشمط: إنه لمخلد، وقال سعيد بن جبير: مخلدون مقرطون، قال الفراء: يقال: خلد جاريته إذا حلاها بالخلدة، وهي القرطة، وهي الحلقة تعلق في الأذن. وقال عكرمة: مخلدون منعمون، وقيل: مستورون بالحلية، وروي نحوه عن الفراء، وقيل: مخلدون ممنطقون قيل: وهم ولدان المسلمين الذين يموتون صغاراً لا حسنة لهم ولا سيئة، وهو ضعيف، وقيل: هم أطفال المشركين ماتوا قبل التكليف ولا يبعد أن يكونوا مخلوقين في الجنة ابتداء، كالحور العين من غير ولادة، للقيام بهذه الخدمة، ليسوا من أولاد الدنيا وهذا هو الصحيح. وأطلق عليهم اسم الولدان لأن العرب تسمي الغلام وليداً ما لم يحتلم، والأمة وليدة وإن أسنت.
الواقعة 56:18
(بأكواب وأباريق) الأكواب هي الأقداح المستديرة الأفواه، التي لا آذان لها ولا عرى، وقد مضى بيان معناها في سورة الزخرف، والأباريق هي ذوات العرى والخراطيم، واحدها ابريق وهو الذي يبرق لونه من صفائه، ويرى باطنها كما يرى ظاهرها.
(وكأس) إناء (من معين) أي من خمر جارية، أو من ماء جار، والمراد به هنا الخمر الجارية من منبع لا ينقطع أبداً، وقد تقدم بيان معنى الكأس في سورة الصافات.
الواقعة 56:19
(لا يصدعون عنها) أي لا تتصدع رؤوسهم من شربها كما تتصدع من شرب خمر الدنيا، وعنها كناية عن الكأس أي بسببها، والصداع هو الداء المعروف الذي يلحق الإنسان في رأسه، والخمر تؤثر فيه، وقيل: المعنى لا يتفرقون كما يتفرق الشراب، ويقوي هذا المعنى قراءة مجاهد: يصدعون بفتح الياء وتشديد الصاد، والأصل يتصدعون أي يتفرقون، والجملة مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم من النعيم.
(ولا ينزفون) أي لا يسكرون فتذهب عقولهم، قرىء بكسر الزاي وبفتحها، وهما سبعيتان، من أنزف الشارب ونزف إذا نفد عقله أو شرابه، أي لا يحصل لهم منها ذهاب عقل، بخلاف خمر الدنيا
الواقعة 56:20
(وفاكهة مما يتخيرون) أي يختارونه، يقال: تخيرت الشيء إذا أخذت خيره.
الواقعة 56:21
(ولحم طير مما يشتهون) أي ما يتمنون وتشتهيه أنفسهم، والمعنى يطوفون عليهم بهذه الأشياء المأكول والمشروب والمنفكه به، قرأ الجمهور فاكهة ولحم طير بالجر، وقرىء بالرفع على الابتداء، والخبر مقدر، أي ولهم فاكهة ولحم طير، وفي تخصيص الفاكهة بالتخير واللحم بالاشتهاء بلاغة، لأن الجائع مشته والشبعان غير مشته، بل هو مختار، ولذا قدم الفاكهة على اللحم.
" عن ابن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه، فيخر بين يديك مشوياً " أخرجه ابن أبي ائدنيا والبزار والبيهقي.
وأخرج أحمد والترمذي والضياء " عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة، فقال أبو بكر: يا رسول الله إن هذه الطير لناعمة. قال: آكلها أنعم منها، وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها "، وفي الباب أحاديث.
وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (25) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (26) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (36) عُرُبًا أَتْرَابًا (37) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43)
الواقعة 56:22
(وَحُورٌ عِينٌ) قرأ الجمهور برفعهما عطفاً على الولدان، أو على تقدير مبتدأ أي ونساؤهم حور عين، أو على تقدير خبر، أي: ولهم حور عين، وقرىء بجرهما عطفاً على أكواب، قال الزجاج: وجائز أن يكون معطوفاً على جنات، أي هم في جنات وفي حور، على تقدير مضاف، أي وفي معاشره حور، قال قطرب: هو معطوف على الأكواب من غير حمل على المعنى، قال: ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور، وتكون لهم في ذلك لذة وقرىء بنصبهما على تقدير إضمار فعل، كأنه قيل ويزوجون حوراً عيناً أو ويعطون، والحور شديدات بياض أجسادهن، قال أبو عمرو: ليس في بني آدم حور، وإنما قيل للنساء حور العيون تشبيها بالظباء والبقر، والعين شديدات سواد العيون مع سعتها، وقد تقدم تفسير الحور العين في سورة الطور وغيرها.
الواقعة 56:23
(كأمثال اللؤلؤ المكنون) المصون في الصفاء والنقاء، شبهن باللؤلؤ المكنون وهو الذي لم تمسه الأيدي، ولا وقع عليه الغبار، والشمس والهواء فهو أشد ما يكون صفاء، قال ابن عباس: المكنون المخزون الذي في الصدف قال الزجاج: كأمثال الدرحين يخرج من صدفه لم يغيره الزمان، واختلاف أحوال الاستعمال، روي أن نوراً سطع في الجنة فقيل: ما هذا؟ قيل ثغر حوراء ضحكت
الواقعة 56:24
(جزاء بما كانوا يعملون) أي يفعل بهم ذلك كله للجزاء بأعمالهم أي يجزون جزاء.
الواقعة 56:25
(لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً) اللغو الباطل من الكلام، والتأثيم النسبة إلى الإثم، قال محمد بن كعب: لا يؤثم بعضهم بعضاً، وقال مجاهد: لا يسمعون شتماً ولا مأثماً، والمعنى: إنه لا يقول بعضهم لبعض، أثمت، لأنهم لا يتكلمون بما فيه إثم، قال ابن عباس: لغواً باطلاً، ولا تأثيماً كذباً.
الواقعة 56:26
(إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) القيل القول، والاستثناء منقطع، لأن السلام لم يندرج تحت اللغو التأثيم، أي لكن يقولون قيلاً، أو يسمعون قيلاً، أو إلا أن يقولوا: سلاماً سلاماً، واختار هذا الزجاج، أو إلا قيلاً سلموا سلاماً سلاماً، والمعنى: إنهم لا يسمعون إلا تحية بعضهم البعض، قال عطاء: يحيي بعضهم بعضاً بالسلام، وقيل: إنهم يفشون سلاماً بينهم فيسلمون سلاماً بعد سلام، وقيل: تسلم الملائكة عليهم، أو يرسل الرب بالسلام إليهم، وقيل إن قولهم يسلم من اللغو والأول أولى، وقيل: إن الاستثناء متصل، وهو بعيد جداً، وقرىء سلام سلام بالرفع، وقيل: يجوز الرفع على معنى سلام عليكم، ولما فرغ سبحانه من ذكر أحوال السابقين وما أعده لهم من النعيم المقيم ذكر أحوال أصحاب اليمين فقال:
الواقعة 56:27
(وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ)؟ قد قدمنا ما في هذه الجملة الاستفهامية من التفخيم والتعظيم
الواقعة 56:28
(في سدر مخضود) أي هم في سدر، والظرفية للمبالغة في التنعم، والانتفاع به، والسدر نوع من الشجر، قيل: ثمرها أعظم من القلال، وهو النبق، والمخضود الذي خضد شوكه، أي قطع فلا شوك فيه، وقال الضحاك ومجاهد ومقاتل بن حيان: إن السدر المخضود الموقر حملاً.
وقد أخرج الحاكم وصححه والبيهقي. " عن أبي أمامة قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقولون: إن الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل أعرابي يوماً فقال: يا رسول الله ذكر في القرآن شجرة مؤذية، وما كنت أرى في الجنة شجرة تؤذي صاحبها، قال وما هي؟ قال السدر: فإن لها شوكاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس الله يقول في سدر مخضود؟ يخضد الله شوكه فيجعل مكان كل شوكة ثمرة، فإنها تنبت ثمراً يتفتق الثمر منها عن اثنين وسبعين لوناً من الطعام ما منها لون يشبه الآخر ". قال ابن عباس: خضده وقره من الحمل، وعنه قال المخضود الذي لا شوك فيه، وقال أيضاًً الموقر الذي لا شوك فيه.
الواقعة 56:29
(وطلح منضود) قال أكثر المفسرين: إن الطلح في الآية هو شجر الموز، وقال جماعة ليس هو شجر الموز ولكنه الطلح المعروف وهو أعظم أشجار العرب. وقال الفراء وأبو عبيدة: هو شجر عظام لها شوك، وقيل: هو شجر له ظل بارد طيب، قال الزجاج: الطلح هو أم غيلان ولها نور طيب، فخوطبوا ووعدوا بمثل ما يحبون، إلا أن فضله على ما في الدنيا كفضل سائر ما في الجنة على ما في الدنيا، قال: ويجوز أن يكون في الجنة وقد أزيل شوكه، قال السدي: طلح الجنة يشبه طلح الدنيا، لكن له ثمر أحلى من العسل، والمنضود المتراكب الذي قد نضد أوله وآخره وأسفله وأعلاه بالحمل ليس له سوق بارزة، قال مسروق: أشجار الجنة من عروقها إلى أفنانها نضيد ثمر كله كلما أخذت ثمرة عاد مكانها أحسن منها، وليس شيء من ثمر الجنة في غلاف كثمر الدنيا، مثل الباقلاء والجوز ونحوهما بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه.
" عن عتبة بن عبد السلمي قال: كنت جالساً مع النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله أسمعك تذكر في الجنة شجرة لا أعلم شجرة أكثر منها شوكاً يعني الطلح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يجعل مكان كل شوكة منها ثمرة مثل خصية التيس الملبود، يعني الخصي منها، فيها سبعون لوناً من الطعام، لا يشبه لون آخر " أخرجه ابن أبي داود والطبراني وأبو نعيم وابن مردويه، وعن علي في قوله طلح قال: هو الموز، وعن ابن عباس مثله؛ وعن أبي هريرة مثله، وعن أبي سعيد الخدري مثله، وقرأ علي طلع، وقال ابن عباس: منضود بعضه على بعض.
الواقعة 56:30
(وظل ممدود) أي دائم باق لا يزول، ولا تنسخه الشمس كظل أهل الدنيا، ممتد منبسط، كظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، قال أبو عبيدة والعرب تقول لكل شيء طويل لا ينقطع ممدود، ومنه قوله (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل)، والجنة كلها ظل لا شمس معه، قال الربيع بن أنس يعني ظل العرش.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما " من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، اقرأوا إن شئتم (وظل ممدود)، وأخرج البخاري وغيره نحوه من حديث أنس وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما نحوه من حديث أبي سعيد.
الواقعة 56:31
(وماء مسكوب) أي: منصب جار يجري بالليل والنهار أينما شاؤوا، لا ينقطع عنهم، فهو مسكوب، يسكبه الله في مجاريه، وأصل السكب الصب يقال: سكبه سكباً أي: صبه، والمعنى جار بلا حد ولا خد، أي في غير أخدود.
الواقعة 56:32
(وفاكهة كثيرة) أي ألوان متنوعة، وأجناس متكثرة
الواقعة 56:33
(لا مقطوعة) في وقت من الأوقات كما تنقطع فواكه الدنيا في بعض الأوقات، وهذا نعت لفاكهة، ولا للنفي كقولك: مررت برجل لا طويل ولا قصير، ولذلك لزم تكرارها (ولا ممنوعة) أي لا تمتنع على من أرادها في أي وقت، على أي صفة شاء، بل هي معدة لمن أرادها، لا يحول بينه وبينها حائل من ثمن أو حائط أو باب أو سلم أو بعد، قال تعالى: (وذللت قطوفها تذليلاً) قال ابن قتيبة: يعني أنها غير محظورة عليها، كما يحظر على البساتين في الدنيا.
الواقعة 56:34
(وفرش مرفوعة) أي مرفوع بعضها فوق بعض، أو مرفوعة على الأسرة، وقيل: إن الفرش هنا كناية عن النساء اللواتي في الجنة وارتفاعها كونها على الأرائك، أو كونها مرتفعات الأقدار في الحسن والكمال، قال تعالى: (هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ).
" عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم، في قوله: (وفرش مرفوعة) قال: ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام "، أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وحسنه، وغيرهم، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد، انتهى. وهو ضعيف.
الواقعة 56:35
(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً) قيل: هن الحور العين، أنشأهن الله لم تقع عليهن الولادة، ولم يسبقن بخلق، وإنهن لسن من نسل آدم عليه السلام، بل مخترعات: وهو ما جرى عليه أبو عبيدة وغيره، وقيل: المراد نساء بني آدم والمعنى أن الله سبحانه أعادهن بعد الموت إلى حال الشباب، والنساء -وإن لم يتقدم لهن ذكر- لكنهن قد دخلن في أصحاب اليمين فتلخص أن نساء الدنيا يخلقهن الله في القيامة خلقاً جديداً، من غير توسط ولادة، خلقاً يناسب البقاء والدوام، وذلك يستلزم كمال الخلق، وتوفر القوى الجسمية، وانتفاء سمات النقص، كما أنه خلق الحور العين على ذلك الوجه، وأما على قول من قال: إن الفرش المرفوعة كناية عن النساء فمرجع الضمير ظاهر.
" عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الآية: إن المنشئآت التي كن في الدنيا عجائز عمشاً رمصا " أخرجه ابن جرير وابن المنذر والبيهقي والترمذي وعبد بن حميد، قال الترمذي: غريب وموسى ويزيد ضعيفان.
" وعن سلمة ابن مريد الجعفي قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول الثيب والأبكار اللاتي كن في الدنيا " أخرجه الطبراني وابن قانع والبيهقي وابن أبي حاتم. قال ابن عباس: خلقهن غير خلقهن الأول، وقيل: إنهن فضلن على الحور العين بصلاتهن في الدنيا.
الواقعة 56:36
(فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا) أي لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان قال ابن عباس: أبكاراً عذارى، أي كلما أتاهن أزواجهن وجدوهن عذارى، ولا يحصل لهن وجع في إزالة البكارة
الواقعة 56:37
(عُرُبًا أَتْرَابًا) العرب جمع عروب وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة البعل، قال المبرد: هي العاشقة لزوجها، وقال زيد بن أسلم: هي الحسنة الكلام، قرأ الجمهور بضم العين والراء وقرىء بإسكان الراء وهما لغتان في جمع فعول، وقراءتان سبعيتان، قال ابن عباس: عرباً عواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون، أتراباً في سن واحد ثلاثاً وثلاثين سنة.
وعنه قال: العروب الملقة لزوجها، وقال مجاهد: أتراباً أمثالاً وأشكالاً، وقال السدي: أتراباً في الأخلاق لا تباغض بينهن، ولا تحاسد.
" وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً مكحلين أبناء ثلاثين، أو قيل: ثلاث وثلاثين سنة "، أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن غريب، والأتراب جمع ترب وهو المساوي لك في سنك، لأنه يمس جلدهما التراب في وقت واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تنعرف بالإضافة لأنه في معنى الصفة، إذ معناه مساويك، ومثله خدنك لأنه في معنى صاحبك، يقال في النساء أتراب وفي الرجال أقران.
الواقعة 56:38
(لأصحاب اليمين) يعني أن الله أنشأهن لأجلهم، أو خلقهن لأجلهم أو هن مساويات لأصحاب اليمين في السن، أو هن لأصحاب اليمين، أو هذا الذي ذكرنا لهم
الواقعة 56:39
(ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) هذا راجع إلى قوله (وأصحاب اليمين) أي هم ثلة الخ، وقد تقدم تفسير الثلة عند ذكر السابقين، والمعنى أنهم جماعة أو أمة أو فرقة أو قطعة من الأولين، وهم من لدن آدم إلى نبينا صلى الله عليه وسلم وجماعة أو أمة أو فرقة أو قطعة من الآخرين، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وقال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك: (ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ) بمعنى من سابقي هذه الأمة (وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ) من هذه الأمة من آخرها.
أخرج مسدد وابن المنذر والطبراني بسند حسن. " عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، في الآية قال: جميعها من هذه الأمة " وعنه قال: هما جميعاً من هذه الأمة " وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: هما جميعاً من أمتي "، أخرجه عبد بن حميد وابن عدي والفريابي وغيرهم، قال السيوطي: بسند ضعيف، وعنه قال الثلتان جميعاً من هذه الأمة، وبه قال أبو العالية ومجاهد وعطاء بن أبي رباح والضحاك، وهو اختيار الزجاج، فإن قلت: كيف قال قبل هذا وقليل من الآخرين؟ ثم قال هنا وثلة من الآخرين؟ قلت ذاك في السابقين الأولين، وقليل من يلحق بهم من الآخرين، وهذا في أصحاب اليمين، وأنهم يتكاثرون من الأولين والآخرين جميعاً.
ثم لما فرغ سبحانه مما أعده لأصحاب اليمين شرع في ذكر أصحاب الشمال وما أعده لهم فقال:
الواقعة 56:41
(وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ)؟ الكلام في هذا وما فيه من التفخيم كما سبق في أصحاب اليمين. والشمال والمشأمة واحدة
الواقعة 56:42
(في سموم وحميم) السموم حر النار، والحميم الماء الحار الشديد الحرارة، وقيل السموم الريح الحارة التي تدخل في مسام البدن، وقد سبق بيان معناهما.
الواقعة 56:43
(وظل من يحموم) اليحموم يفعول من الأحم، أو الحميم وهو الأسود تقول أسود يحموم إذا كان شديد السواد، والمعنى: إنهم يفزعون إلى الظل فيجدونه ظلاً من دخان جهنم، شديد السواد، وقيل هو مأخوذ من الحم وهو الشحم المسود باحتراق النار، وقيل مأخوذ من الحمم وهو الفحم والرماد، وقال الضحاك: النار سوداء وأهلها سود وكل ما فيها أسود، قال ابن عباس: يحموم دخان أسود، وفي لفظ دخان جهنم، وقيل: واد في جهنم، وقيل: اسم من أسمائها، والأول أظهر، ثم وصف الله سبحانه هذا الظل بقوله: لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (50) ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (51) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (52) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (53) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (54) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (55) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (56) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (57)
الواقعة 56:44
(لَا بَارِدٍ) أي ليس كغيره من الظلال التي تكون باردة بل هو حار ضار لأنه من دخان نار جهنم (وَلَا كَرِيمٍ) قال سعيد ابن المسيب: أي ليس فيه حسن منظر، وكل ما لا خير فيه فليس بكريم، وقال الضحاك: ولا كريم ولا عذب، قال الفراء: العرب يجعل الكريم تابعاً لكل شيء نفت عنه وصفاً تنوي به الدم، تقول ما هو بسمين ولا كريم، وما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، والنعتان المذكوران لقوله: ظل لا ليحموم وما قيل من أنه يلزم على ذلك تقديم غير الصريحة على الصريحة فلا يرد، لأن الترتيب غير واجب نص عليه الرضى مع أنه هنا يفضي إلى عدم توازن الفاصلتين، وجعلهما نعتين ليحموم لا يلائم البلاغة القرآنية، وكان من حق الظاهر أن يقال: وظل حار ضار، فعدل إلى قوله (وظل من يحموم) ليتبادر منه إلى الذهن أولاً الظل المتعارف، فيطمع السامع، فإذا نفى عنه ما هو المطلوب من الظل، وهو البرد والاسترواح جاءت السخرية والتهكم والتعريض بأن الذين يستأهلون الظل الذي فيه برد وإكرام غير هؤلاء، فيكون أشجى لحلوقهم، وأشد لتحسرهم.
قال الرازي: وفي الأمور الثلاثة إشارة إلى كونهم في العذاب دائماً ثم ذكر سبحانه أعمالهم التي استحقوا بها هذا العذاب فقال:
الواقعة 56:45
(إنهم كانوا قبل ذلك) أي قبل هذا العذاب النازل بهم (مترفين) في الدنيا أي منعمين بما لا يحل لهم فمنعهم ذلك من الإنزجار، وشغلهم عن الإعتبار، وإنما كان الترفة هنا ذماً من حيث إنهم جعلوا من جملته القعود عن الطاعات وتركها، فصح ذمهم بهذا الإعتبار مع أنه في الواقع ليس ذماً في حد ذاته، والمترف المتنعم، وقال السدي: مشركين، وقيل: متكبرين والأول أولى والجملة تعليل لإستحقاقهم هذه العقوبة.
قال الرازي: والحكمة في ذكره سبب عذابهم ولم يذكر في أصحاب اليمين سبب ثوابهم، فلم يقل: إنهم كانوا قبل ذلك شاكرين مذعنين، وذلك للتنبيه على أن الثواب منه تعالى فضل والعقاب منه عدل والفضل سواء ذكر سببه أو لم يذكر لا يوهم بالمتفضل نقصاً ولا ظلماً، وأما العدل فإنه إن لم يذكر سبب العقاب يظن أنه ظالم، ويدل على ذلك أنه تعالى لم يقل في حق أصحاب اليمين (جزاء بما كانوا يعملون) كما قال في السابقين، لأن أصحاب اليمين نجوا بالفضل العظيم لا بالعمل بخلاف من كثرت حسناته فإنه يحسن إطلاق الجزاء في حقه.
الواقعة 56:46
(وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) الحنث الذنب، أي: يصرون على الذنب العظيم، قال الواحدي: قال أهل التفسير: عنى به الشرك لأنه نقض عهد الميثاق، والحنث نقض العهد المؤكد باليمين. أي كانوا لا يتوبون عن الشرك، وبه قال الحسن والضحاك وابن زيد، وقال قتادة ومجاهد: هو الذنب العظيم الذي لا يتوبون عنه، وقال الشعبي: هو اليمين الغموس، وذلك أنهم كانوا يحلفون أنهم لا يبعثون، وكذبوا في ذلك، يدل عليه قوله:
الواقعة 56:47
(وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) الإستفهام في الموضعين للإنكار، والإستبعاد وقد تقدم الكلام على هذا في الصافات وفي سورة الرعد.
والمعنى أنهم أنكروا واستبعدوا أن يبعثوا بعد الموت وقد صاروا عظاماً وتراباً، والمراد أنه صار لحمهم وجلودهم تراباً. وصارت عظامهم نخرة بالية والعامل في الظرف ما يدل عليه: مبعوثون، لأن ما بعد الإستفهام لا يعمل فيما قبله، أي أنبعث إذا متنا؟
الواقعة 56:48
(أو آباؤنا الأولون)؟ معطوف على الضمير في (لمبعوثون) لوقوع الفصل بينهما بالهمزة، والمعنى أن بعث آبائهم الأولين أبعد لتقدم موتهم، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عليهم ويرد استبعادهم فقال:
الواقعة 56:49
(قل) لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم رداً لإنكارهم، وتحقيقاً للحق:
(إن الأولين) من الأمم (والآخرين) منهم الذين أنتم من جملتهم
الواقعة 56:50
(لمجموعون) بعد الموت (إلى ميقات) أي لوقت (يوم معلوم) معين عند الله، وهو يوم القيامة، والميقات ما وقت به الشيء، أي: حد، ومنه مواقيت الإحرام، والإضافة بمعنى من كخاتم فضة، والمعنى أنهم يحشرون إلى ما وقَّتَّ به الدنيا من يوم الحساب.
الواقعة 56:51
(ثم إنكم أيها الضالون المكذبون) هذا وما بعده من جملة ما هو داخل تحت القول، وهو معطوف على: (إن الأولين) والمراد أهل مكة ومن في مثل حالهم، ووصفهم سبحانه بوصفين قبيحين. وهما الضلال عن الحق والتكذيب للبعث وثم للتراخي زماناً أو رتبة.
الواقعة 56:52
(لآكلون) في الآخرة (من شجر من زقوم) أي من شجر كريه المنظر كريه الطعم، وهو من أخبث الشجر المر، ينبت في الدنيا بتهامة، وفي الآخرة ينبته الله في الجحيم، وهو في غاية الكراهة وبشاعة المنظر ونتن الريح وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات، ومن الأولى لابتداء الغاية، والثانية: بيانية، أو الأولى: مزيدة والثانية بيانية، أو الثانية: مزيدة، والأولى للإبتداء
الواقعة 56:53
(فمالئون منها) أي: من شجر الزقوم، وتأنيث الضمير لكون الشجر إسم جنس، وإسم الجنس يجوز تذكيره وتأنيثه لغتان (البطون) أي: بطونكم لما يلحقكم من شدة الجوع.
الواقعة 56:54
(فشاربون عليه من الحميم) الضمير عائد إلى الزقوم المأكول، والحميم الماء الحار الذي قد بلغ حره إلى الغاية، والمعنى فشاربون عقب أكله من الماء الحار، أو يعود الضمير إلى شجر، لأنه يذكر ويؤنث، أو يعود إلى الأكل المدلول عليه بقوله: (لآكلون) وقرىء من شجرة بالإفراد
الواقعة 56:55
(فشاربون شرب الهيم) قرأ الجمهور (شرب الهيم) بفتح الشين وقرىء بضمها وبكسرها وهي لغات.
قال: أبو زيد: سمعت العرب تقول بضم الشين وفتحها وكسرها، قال المبرد: الفتح أصل المصدر، والضم إسم المصدر، والهيم الإبل العطاش التي لا تروى لداء يصيبها وهذه الجملة بيان لما قبلها، أي لا يكون شربكم شرباً معتاداً، بل يكون مثل شرب الهيم، التي تعطش ولا تروى بشرب الماء، ومفرد الهيم أهيم والأنثى هيماء.
وقال الضحاك وابن عيينة والأخفش وابن كيسان: الهيم الأرض السهلة ذات الرمل. والمعنى أنهم يشربون كما تشرب هذه الأرض الماء، ولا يظهر له فيها أثر. قال في الصحاح: ألهيام بالضم أشد العطش. والهيام كالجنون من العشق، والهيام داء يأخذ الإبل فتهيم في الأرض لا ترعى، يقال: ناقة هيماء، والهيماء أيضاًً المفازة لا ماء بها، والهيام بالفتح الرمل الذي لا يتماسك في اليد للينه، والجمع هيم مثل قذال وقذل، والهيام بالكسر الإبل العطاش، قال النسفي: وإنما صح عطف الشاربين على الشاربين وهما لذوات متفقة، وصفتين متفقتين لأن كونهم شاربين للحميم على ما هو عليه من تناهي الحرارة، وقطع الأمعاء أمر عجيب.
وشربهم له على ذلك كما يشرب الهيم الماء أمر عجيب أيضاًً فكانتا صفتين مختلفتين.
الواقعة 56:56
(هذا) أي ما ذكر من الزقوم المأكول، والحميم المشروب (نزلهم) أي رزقهم وغذاؤهم، قرأ الجمهور (نزل) بضمتين، وقرىء بضمة وسكون (يوم الدين) أي يوم الجزاء وهو يوم القيامة، والمعنى: أن ما ذكر من شجر الزقوم وشراب الحميم هو الذي يعد لهم ويأكلونه يوم القيامة، وفي هذا تهكم بهم، لأن النزل هو ما يعد للأضياف تكرمة لهم، ومثل هذا قوله: (فبشرهم بعذاب أليم)، والجملة مسوقة من جهته تعالى بطريق الفذلكة مقررة لمضمون الكلام غير داخلة تحت القول، ثم التفت سبحانه إلى خطاب الكفر تبكيتاً لهم وإلزاماً للحجة فقال: أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (60) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (62) أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (66) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (67) أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71)
الواقعة 56:57
(نحن خلقناكم فلولاً) فهلا (تصدقون)؟ بالخلق أو بالبعث إذ القادر على الإنشاء قادر على الإعادة، قاله المحلي، وقال مقاتل: خلقناكم ولم تكونوا شيئاًً وأنتم تعلمون ذلك فهلا تصدقون بالبعث؟
الواقعة 56:58
(أفرأيتم) أي: أخبروني هل رأيتم بالبصر أو البصيرة (ما تمنون) أي ما تقذفون وتصبون في أرحام النساء من النطف، قرأ الجمهور تمنون بضم الفوقية من أمنى يمني، وقرىء، بفتحها من منى يمني وهما لغتان، وقيل: معناهما مختلف يقال: أمنى إذا أنزل عن جماع، ومنى إذا أنزل من احتلام، وسمي المني منياً لأنه يمني أي يراق.
الواقعة 56:59
(أأنتم تخلقونه) أي أتقدرون المني وتصورونه أنتم بشراً سوياً، وهذا من باب الإشتغال، أو أنتم مبتدأ والجملة بعده خبره، والأول أرجح لأجل أداة الاستفهام (أم نحن الخالقون) أي المقدرون المصورون له، وأم هي المتصلة وقيل: هي المنقطعة والأول أولى.
الواقعة 56:60
(نحن قدرنا بينكم الموت) قرأ الجمهور (قدرنا) بالتشديد، وقرىء بالتخفيف، وهما لغتان وقراءتان سبعيتان، يقال: قدرت الشيء وقدرته أي قسمناه عليكم ووقتناه لكل فرد من أفرادكم، وقيل: قضينا، وقيل: كتبنا، وقيل: أوجبنا، والمعنى متقارب، قال مقاتل: فمنكم من يموت كبيراً ومنكم من يموت صغيراً. وقال الضحاك: معناه أنه جعل أهل السماء وأهل الأرض فيه سواء.
(وما نحن بمسبوقين) أي بمغلوبين وعاجزين بل قادرين
الواقعة 56:61
(على أن نبدل أمثالكم) أي نأتي بخلق مثلكم، قال الزجاج: إن أردنا أن نخلق خلقاً غيركم لم يسبقنا سابق ولا يفوتنا وقال السمين: الأمثال جمع مثل بكسر الميم وسكون الثاء، أي نحن قادرون على أن نعدمكم ونخلق قوماً آخرين أمثالكم، ويؤيده: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ)، أو جمع مثل بفتحتين وهو الصفة، أي نغير صفاتكم التي أنتم عليها خلقاً وخلقاً، قلت: والأول أولى، وقال ابن جرير: المعنى نحن قدرنا بينكم الموت على أن نبدل أمثالكم بعد موتكم، بآخرين من جنسكم، وما نحن بمسبوقين في آجالكم، أي لا يتقدم متأخر، ولا يتأخر متقدم.
(وننشئكم فيما لا تعلمون) من الصور والهيئات، قال الحسن أي نجعلكم قردة وخنازير، كما فعلنا بأقوام قبلكم، وقيل: المعنى ننشئكم في البعث على غير صوركم في الدنيا، وقال سعيد بن المسيب: يعني في حواصل طيور سود تكون ببرهوت كأنها الخطاطيف وبرهوت واد باليمن، وقال مجاهد: يعني في أي خلق شئنا، ومن كان قادراً على هذا فهو قادر على البعث.
الواقعة 56:62
(ولقد علمتم النشأة الأولى) وهي ابتداء الخلق من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ولم تكونوا قبل ذلك شيئاًً، أو الترابية لأبيكم آدم، واللحمية لأمكم حواء، والنطفية لكم، وكل منها تحويل من شيء إلى غيره، وقال قتادة والضحاك: يعني خلق آدم من تراب (فلولا تذكرون) أي فهلا تذكرون قدرة الله سبحانه على النشأة الأخرى وتقيسونها على النشأة الأولى؟ فإن من قدر على الأولى يقدر على الثانية، فإنها أقل كلفة من الأولى في العادة، قرأ الجمهور النشأة بالقصر وقرىء بالمد، وقد مضى تفسير هذا في سورة العنكبوت، وفيه دليل على صحة القياس حيث جهلهم في ترك قياس النشأة الأخرى على الأولى.
الواقعة 56:63
(أفرأيتم) أي أخبروني (ما تحرثون) من أرضكم وتثيرون فتطرحون، وتلقون فيها البذر، والمعنى أفرأيتم البذر الذي تلقونه في الطين
الواقعة 56:64
(أأنتم تزرعونه)؟ أي تنبتونه وتجعلونه زرعاً، فيكون فيه السنبل والحب والزرع طرح البذر، والزرع أيضاًً الإنبات، يقال: زرعه الله أي أنبته.
(أم نحن الزارعون)؟ أي المنبتون له الجاعلون له زرعاً لا أنتم، قال المبرد: زرعه الله أي أنماه، فإذا أقررتم بهذا فكيف تنكرون البعث؟ " عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يقولن أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت، قال أبو هريرة: ألم تسمعوا الله يقول: أفرأيتم ما تحرثون؟ " الآية أخرجه البزار وابن جرير وابن مردويه وأبو نعيم والبيهقي في الشعب وضعفه
الواقعة 56:65
(لو نشاء لجعلناه) أي: لجعلنا ما تحرثون (حطاماً) أي متحطماً مفتتاً متكسراً أي نباتاً يابساً لا حب فيه، والحطام الهشيم الذي لا ينتفع به ولا يحصل منه حب ولا شيء مما يطلب من الحرث، وقيل: تبناً لا قمح فيه.
(فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) أي فصرتم تعجبون، قاله ابن عباس، قال الفراء: تفكهون تتعجبون فيما نزل بكم في زرعكم، قال في الصحاح: وتفكه تعجب ويقال تندم، وقال الحسن وقتادة وغيرهما: معنى الآية تعجبون من ذهابه وتندمون مما حل بكم، وقال عكرمة: تلاومون وتندمون على ما سلف منكم من معصية الله، وقال أبو عمرو والكسائي: هو التلهف على ما فات، قرأ الجمهور: (فَظَلْتُمْ) بفتح الظاء مع لام واحدة، وقرىء بكسرها معها، وقرىء ظللتم بلامين أولاهما مكسورة على الأصل، وروي فتحها وهي لغة، وقرأ الجمهور (تَفَكَّهُونَ) بالهاء، وقرىء تفكنون بالنون مكان الهاء أي تندمون، قال ابن خالويه: تفكه تعجب، وتفكن تندم، وفي الصحاح: التفكن التندم، والتفكه التنقل بصنوف الفاكهة، وقد استعير للتنقل في الحديث.
الواقعة 56:66
(إنا لمغرمون) قرأ الجمهور بهمزة واحدة على الخبر، وقرىء بهمزتين على الاستفهام، أي أتقولون: إنا لملزمون غرماً بما هلك من زرعنا؟ والمغرم الذي ذهب ماله بغير عوض، قاله الضحاك وابن كيسان والكرخي، وقال الزمخشري: أي لملزمون غرامة ما أنفقنا، وقيل: المعنى إنا لمعذبون: قاله قتادة وغيره، وقال مجاهد وعكرمة: لمولع بنا يقال: أغرم فلان لفلان أي أولع به، وقال مقاتل: مهلكون أي لهلاك رزقنا، قال النحاس: مأخوذ من الغرام وهو الهلاك؛ والظاهر من السياق المعنى الأول أي إنا لمغرمون بذهاب ما حرثنا ومصيره حطاماً، ثم أضربوا عن قولهم هذا وانتقلوا فقالوا:
الواقعة 56:67
(بل نحن محرومون) أي حرمنا رزقنا بهلاك زرعنا، والمحروم الممنوع من الرزق الذي لا حظ له فيه، وهو المحارف، وقيل: محارفون محدودون لا مجدودون.
الواقعة 56:68
(أفرأيتم الماء الذي تشربون) فتسكنون به ما يلحقكم من العطش وتدفعون به ما ينزل بكم من الظمأ، واقتصر سبحانه على ذكر الشرب مع كثر فوائد الماء ومنافعه، لأنه أعظم فوائده وأجل منافعه
الواقعة 56:69
(أأنتم أنزلتموه من المزن)؟ أي السحاب قاله ابن عباس، وقال أبو زيد: المزنة السحاب البيضاء، والجمع مزن والمزنة المطر قاله في الصحاح (أم نحن المنزلون) دون غيرنا، فإذا عرفتم ذلك فكيف لا تقرون بالتوحيد وتصدقون بالبعث ثم بين لهم سبحانه أنه لو يشاء لسلبهم هذه النعمة فقال:
الواقعة 56:70
(لو نشاء جعلناه أجاجاً) الأجاج الماء الشديد الملوحة، الذي لا يمكن شربه، وقال الحسن هو الماء المر الذي لا ينتفعون به في شرب ولا زرع ولا غيرهما.
(فلولا) أي فهلا (تشكرون) نعمة الله الذي خلق لكم ماء عذباً تشربون منه وتنتفعون به
الواقعة 56:71
(أفرأيتم النار التي تورون) أي أخبروني عنها، ومعنى تورون تستخرجونها بالقدح من الشجر الرطب، يقال: أوريت النار إذا قدحتها، والعرب تقدح بعودين تحك أحدهما على الآخر، ويسمون الأعلى الزند والسفلى الزندة شبهوهما بالفحل والطروقة.
أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (73) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (74) فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82) فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (83)
الواقعة 56:72
(أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا)؟ التي تكون منها الزنود وهي المرخ والعفار، تقول العرب: في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار، وزاد الجلال المحلي الكلخ، نقل سليمان الجمل عن شيخه أنه قال: ولم نجدد في القاموس ولا في المختار، غير أنه أخبر بعض أهل المغرب والشام بأنه موجود معروف عندهم شبيه بالقصب تؤخذ منه قطعتان وتضرب إحداهما بالأخرى فتخرج النار (أم نحن المنشئون) لها بقدرتنا دونكم، ومعنى الإنشاء الخلق، وعبر عنه بالإنشاء للدلالة على ما في ذلك من بديع الصنعة وعجيب القدرة.
الواقعة 56:73
(نحن جعلناها) أي النار التي في الدنيا. (تذكرة) لنار جهنم الكبرى حيث علقنا بها أسباب المعاش، وعممنا بالحاجة إليها البلوى، لتكون حاضرة للناس ينظرون إليها ويذكرون ما أوعدوا به، قال مجاهد وقتادة: تبصرة للناس في الظلام، وقال عطاء: موعظة ليتعظ بها المؤمن وقال ابن عباس: تذكرة للنار الكبرى.
عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنم، قالوا والله إن كانت لكافية يا رسول الله؛ قال: فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً كلها مثل حرها " [[رواه البخاري ومسلم.]] أخرجه البخاري ومسلم.
(وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ) أي للمسافرين، قاله ابن عباس، يعني منفعة للذين ينزلون بالقواء وهي الأرض القفر، كالمسافرين وأهل البوادي النازلين في الأراضي المقفرة، يقال أرض قراء بالمد والقصر؛ أي مقفرة، ويقال أقوى إذا سافر أي نزل القوى، وخصوا بالذكر لأن منفعتهم بها أكثر من المقيمين، فإنهم يوقدونها بالليل لتهرب السباع ويهتدي الضال إلى غير ذلك من المنافع، وقال مجاهد: المقوين المستمتعين بها من الناس أجمعين في الطبخ والخبز والإصطلاء والإستضاءة، وتذكر نار جهنم، وقال ابن زيد: للجائعين في إصلاح طعامهم، يقال: أقويت منذ كذا وكذا أي ما أكلت شيئاًً وبات فلان القوى أي جائعاً.
وقال قطرب: القوى من الأضداد، يكون بمعنى الفقر ويكون بمعنى الغنى يقال: أقوى الرجل إذا لم يكن معه زاد، وأقوى إذا قويت دوابه وكثر ماله والمعنى جعلناها متاعاً ومنفعة للأغنياء والفقراء لا غنى لأحد عنها، وقال المهدوي: الآية تصلح للجميع؛ لأن النار يحتاج إليها المسافر والمقيم والغني والفقير وحكى الثعلبي عن أكثر المفسرين القول الأول وهو الظاهر.
الواقعة 56:74
(فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) الفاء لترتيب ما بعدها من ذكر الله سبحانه وتنزيهه على ما قبلها مما عدده من النعم التي أنعم بها على عباده، وجحود المشركين لها، وتكذيبهم بها، وقيل: قل سبحان ربي العظيم.
" وجاء مرفوعاً أنه لما نزلت هذه الآية قال اجعلوها في ركوعكم "، وسبح متعدّي بنفسه وبحرف الجر، فالباء زائد والإسم باق على معناه، أو بمعنى الذات أو بمعنى الذكر، قال الكرخي قالوا: كما يجب تنزيه ذاته وصفاته عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن سوء الأدب، وقيل: لفظة باسم زائدة، والمعنى: فسبح ربك وهذا أبلغ لما يلزم ذلك بالطريق الأولى على سبيل الكناية الرمزية، وأثبتوا ألف الوصل هنا في إسم ربك لأنه لم يكثر دوره كثرته في البسملة.
الواقعة 56:75
(فلا أقسم) ذهب الجمهور إلى أن (لا) مزيدة للتوكيد، والمعنى فأقسم ويؤيد هذا قوله بعد:
الواقعة 56:76
(وإنه لقسم)، وقال جماعة من أهل التفسير: إنها للنفي والمنفي بها محذوف، وهو كلام الكفار الجاحدين، قال الفراء هي نفي والمعنى ليس الأمر كذلك، ثم قال مستأنفاً: قسم وضعف هذا بأن حذف اسم لا وخبرها غير جائز، كما قال أبو حيان وغيره، وقيل: إنها لام الإبتداء، والأصل فلأقسم فأشبعت الفتحة فتولد منها الألف. وقد قرىء هكذا بدون ألف، وعلى هذا التقدير: فلا، أنا أقسم بذلك، وقيل: إن لا ههنا بمعنى: ألا التي للتنبيه، وهو بعيد، وقيل: إن لا هنا على ظاهرها، وأنها لنفي القسم، أي: فلا أقسم على هذا لأن الأمر أوضح من ذلك، وهذا مدفوع بقوله: (وإنه لقسم) مع تعيين المقسم والمقسم عليه.
(بمواقع النجوم) أي مساقطها وهي مغاربها، كذا قال قتادة وغيره: ولعل لله في آخر الليل إذا انحطت النجوم إلى المغرب أفعالاً مخصوصة عظيمة أو للملائكة عبادات موصوفة، أو لأنه وقت قيام المتهجدين ونزول الرحمة والرضوان عليهم، فلذلك أقسم بمواقعها، وقال عطاء بن أبي رباح: منازلها وقال الحسن: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، وقال الضحاك: هي الأنواء التي كان أهل الجاهلية يقولون؛ مطرنا بنوء كذا وكذا، قال الماوردي: ويكون قوله: (فلا أقسم) مستعملاً في حقيقته من نفي القسم، وقال القشيري: هو قسم ولله أن يقسم بما يريد وليس لنا أن نقسم بغير الله وصفاته القديمة، وقيل المراد نزول القرآن نجوماً من اللوح المحفوظ وبه قال السدي وغيره.
وحكى الفراء عن ابن مسعود بأن مواقع النجوم هو محكم القرآن، قال ابن عباس: أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم فرق بين السنين، وفي لفظ نزل من السماء الدنيا إلى الأرض نجوماً ثم قرأ هذه الآية، وعنه قال نجوم القرآن حين ينزل، قرأ الجمهور (مواقع) على الجمع وقرىء موقع على الإفراد: قال المبرد موقع ههنا مصدر فهو يصلح للواحد والجمع ثم أخبر الله سبحانه عن تعظيم هذا القسم وتفخيمه فقال:
(وإنه لقسم) هذه الجملة معترضة بين المقسم به والمقسم عليه وقوله: (لو تعلمون) جملة معترضة بين جزئي الجملة المعترضة، فهو إعتراض في اعتراض، قال الفراء والزجاج: هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم نزول القرآن، والضمير في أنه يعود على القسم الذي يدل عليه قسم والمعنى أن القسم بمواقع النجوم لقسم (عظيم) لو تعلمون لما في المقسم به من الدلالة على عظم القدرة، وكمال الحكمة، وفرط الرحمة ومن مقتضيات رحمته أن لا يترك عباده سدى ثم ذكر سبحانه المقسم عليه فقال:
الواقعة 56:77
(إنه لقرآن كريم) أي كرمه الله وأعزه، ورفع قدره على جميع الكتب وكرمه عن أن يكون سحراً وكهانة أو كذباً، وقيل: إنه كريم لما فيه من كرم الأخلاق، ومعالي الأمور وقيل لأنه يكرم حافظه، ويعظم قارئه، وحكى الواحدي عن أهل المعاني: أنه وصف القرآن بالكريم لأن من شأنه أن يعطي الخير الكثير بالدلائل التي تؤدي إلى الحق في الدين، قال الأزهري: الكريم اسم جامع لما يحمد، والقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى، والبيان والعلم والحكمة، فالفقيه يستدل به ويأخذ منه، والحكيم يستمد منه ويحتج به، والأديب يستفيد منه ويتقوى به، فكل عالم يطلب أصل علمه منه، وقيل: حسن مرضي أو نفاع جم المنافع، أو عزيز مكرم، لا يهون بكثرة التلاوة، ولا يخلق بكثرة الرد، ولا يمله السامعون، ولا يثقل على الألسنة، بل غض طري يبقى أبد الدهر.
الواقعة 56:78
(في كتاب مكنون) أي مستور مصون من التغيير والتبديل، على حد قوله: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقيل: محفوظ عن الباطل وهو اللوح المحفوظ، قاله جماعة، وقيل: هو كتاب مصون من غير المقربين من الملائكة، لا يطلع عليه من سواهم وقال عكرمة: هو التوراة والإنجيل فيهما ذكر القرآن ومن ينزل عليه، وقال السدي: هو الزبور، وقال مجاهد وقتادة هو المصحف الذي في أيدينا.
الواقعة 56:79
(لا يمسه إلا المطهرون) من جميع الأدناس، قال المحلي خبر بمعنى النهي أي لا يمسوه، أي: يحرم عليهم مسه بدون الطهارة ولم يبق صريحاً على خبريته لئلا يلزم الخلف في خبره تعالى، لأنه كثيراً ما يمس بدون طهارة، والخلف في خبره تعالى محال، وقيل إن لا ناهية والفعل بعدها مجزوم لأنه لو فك عن الإدغام لظهر ذلك فيه كقوله تعالى (لم يمسسهم سوء) ولكنه أدغم ولما أدغم حرك آخره بالضم لأجل هاء ضمير المذكر الغائب، وضعف ابن عطية النهي، قال الواحدي: أكثر المفسرين على أن الضمير عائد إلى الكتاب المكنون، أي لا يمس الكتاب المكنون إلا المطهرون وهم الملائكة، وقيل هم الملائكة والرسل من بني آدم، والمعنى لا يمسه المس الحقيقي، وقيل: المعنى لا ينزل به إلا المطهرون.
وعلى كون المراد بالكتاب المكنون هو القرآن، فقيل: لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والأنجاس، كذا قال قتادة وغيره.
وقال الكلبي: المطهرون من الشرك، وقال الربيع بن أنس: المطهرون من الذنوب والخطايا، وقال محمد بن الفضل وغيره: المعنى لا يقرأه إلا الموحدون وقال الفراء: لا يجد نفعه وبركته إلا المؤمنون، وقال الحسين بن الفضل: لا يعرف تفسيره وتأويله إلا من طهره الله من الشرك والنفاق، وقد ذهب الجمهور إلى منع المحدث من مس المصحف، وبه قال علي وابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد، وجماعة من الفقهاء منهم مالك والشافعي، وروي عن ابن عباس والشعبي وجماعة منهم أبو حنيفة أنه يجوز للمحدث مسه، وقد أوضح الشوكاني ما هو الحق في هذا في شرحه للمنتقى فليرجع إليه قرأ الجمهور المطهرون اسم مفعول من التطهير، وقرىء بكسر الهاء على أنه اسم فاعل أي المطهرون أنفسهم وقرىء على أنه اسم مفعول من أطهر، وقرىء بتشديد الطاء وكسر الهاء أصله المتطهرون، قال ابن عباس في الآية الكتاب المنزل من السماء لا يمسه إلا الملائكة.
وعن أنس قال: المطهرون الملائكة.
وعن " علقمة قال: أتينا سلمان الفارسي فخرج علينا من كنيف فقلنا له: لو توضأت يا أبا عبد الله ثم قرأت علينا سورة كذا وكذا قال: إنما قال الله (فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) وهو الذي في السماء لا يمسه إلا الملائكة، ثم قرأ علينا من القرآن ما شئنا "، أخرجه عبد الرزاق وابن المنذر.
" وعن عبد الله ابن أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه قال: في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: لا يمس القرآن إلا على طهر " أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر. وأخرجه أبو داود في المراسيل.
من حديث الزهري قال: قرأت في صحيفة عبد الله المذكور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ولا يمس القرآن إلا طاهر "، وقد أسنده الدارقطني عن عمرو بن حزم وغيره، وفي أسانيده نظر، وعن ابن عمر أنه كان لا يمس المصحف إلا متوضئاً و " عن عبد الرحمن بن زيد قال: كنا مع سلمان فانطلق إلى حاجته فتوارى عنا ثم خرج علينا فقلنا: لو توضأت فسألناك عن أشياء من القرآن؟ فقال سلوني فإني لست أمسه إنما يمسه المطهرون، ثم تلا هذه الآية " أخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف، وابن المنذر وغيرهم.
و" عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمس القرآن إلا طاهر "، أخرجه الطبراني وابن مردويه.
و" عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعثه إلى اليمن كتب له في عهده أن لا يمس القرآن إلا طاهر "، أخرجه ابن مردويه.
الواقعة 56:80
(تنزيل) أي منزل وسمي المنزل تنزيلاً على اتساع اللغة، يقال للمقدور: قدر، وللمخلوق خلق، قرأ الجمهور بالرفع، وقرىء بالنصب على الحال (من رب العالمين) صفة رابعة لقرآن، أو خبر مبتدأ محذوف، وفيه رد على من قال، إن القرآن شعر أو سحر أو كهانة.
الواقعة 56:81
(أفبهذا الحديث أنتم مدهنون)؟ الإشارة إلى القرآن المنعوت بالنعوت السابقة، والمدهن والمداهن المنافق، كذا قال الزجاج وغيره وقال عطاء وغيره: هو الكذاب، وقال مقاتل بن سليمان وقتادة: مدهنون كافرون كما في قوله (ودوا لو تدهن فيدهنون) وقال ابن عباس: مدهنون مكذبون، وقال الضحاك: مدهنون معرضون وقال مجاهد: ممالئون الكفار على الكفر وقال ابن كيسان: المدهن الذي لا يعقل حق الله عليه، ويدفعه بالعلل والأول أولى، لأن أصل المدهن الذي ظاهره خلاف باطنه، كأنه يشبه الدهن في سهولته، قال المؤرج: المدهن المنافق الذي يلين جانبه ليخفي كفره، والإدهان والمداهنة التكذيب والكفر والنفاق، وأصله اللين، وأن يسر خلاف ما يظهر وقال في الكشاف: مدهنون متهاونون به كمن يدهن في الأمر أي يلين جانبه ولا يتصلب فيه، تهاوناً به انتهى.
قال الراغب: والادهان في الأصل مثل التدهين، لكن جعل عبارة عن المداراة والملاينة وترك الجد كما جعل التقريد، وهو نزع القراد عبارة عن ذلك، قلت: سميت المداراة والملاينة مداهنة، وهذا استعارة ومجاز معروف ولشهرته صار حقيقة عوفية لذا جُوِّزَ به هنا من التهاون أيضاً لأن المتهاون بالأمر لا يتصلب فيه، وقال بعض اللغويين تاركون للحزم في قبول القرآن.
الواقعة 56:82
(وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون) في الكلام مضاف محذوف، كما حكاه الواحدي عن المفسرين، أي تجعلون شكر رزقكم أنكم تكذبون بنعمة الله فتضعون التكذيب موضع الشكر، وقال الهيثم: إن أزد شنوءة يقولون: ما رزق فلان، أي ما شكر وعلى هذه اللغة لا يكون في الآية مضاف محذوف بل معنى الرزق الشكر ووجه التعبير بالرزق عن الشكر، أن الشكر يقتضي زيادة الرزق فكون الشكر رزقاً تعبيراً بالسبب عن المسبب، ومما يدخل تحت هذه الآية قول الكفار إذا سقاهم الله وأنزل عليهم المطر: سقينا بنوء كذا، ومطرنا بنوء كذا قال الأزهري: معنى الآية وتجعلون بدل شكركم رزقكم الذي رزقكم الله التكذيب بأنه من عند الله الرزاق قرأ علي بن أبي طالب وابن عباس تجعلون شكركم وقرأ الجمهور تكذبون بالتشديد من التكذيب وقرأ بالتخفيف من الكذب.
أخرج مسلم وابن المنذر وابن مردويه. " عن ابن عباس قال مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا هذه رحمة وضعها الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فنزلت هذه الآية (فلا أقسم -إلى قوله- تكذبون)، وأصل الحديث بدون ذكر أنه سبب نزول الآية ثابت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني.
" ومن حديث أبي سعيد الخدري، وعن علي عنه صلى الله عليه وسلم في الآية قال: شكركم تقولون مطرنا بنوء كذا وكذا، وبنجم كذا وكذا "، أخرجه أحمد والترمذي والضياء في المختارة، وغيرهم وفي الباب أحاديث.
" وعن عائشة قالت: ما فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن إلا آيات يسيرة تجعلون رزقكم قال: شكركم " رواه ابن عساكر.
" وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ وتجعلون شكركم " أخرجه ابن مردويه.
وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (84) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (85) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (87) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (89) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (90) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (91) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (92) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (93) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (94) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (95) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (96)
الواقعة 56:83
(فلولا إذا بلغت الحلقوم) أي فهلا إذا بلغت الروح أو النفس الحلقوم عند الموت، ولم يتقدم لها ذكر لأن المعنى عندهم إذا جاؤوا بمثل هذه العبارة والحلقوم ممر الطعام والشراب
الواقعة 56:84
(وأنتم حينئذ) التنوين عوض من الجملة المضافة إليها إذ أي إذ بلغت الحلقوم، خلافاً للأخفش حيث زعم أن التنوين للصرف والكسر للإعراب (تنظرون) أي إلى ما هو فيه ذلك الذي بلغت نفسه أو روحه الحلقوم، قال الزجاج: وأنتم يا أهل الميت في تلك الحال ترون الميت قد صار إلى أن تخرج نفسه، والمعنى أنهم في تلك الحال لا يمكنهم الدفع عنه، ولا يستطيعون شيئاًً ينفعه، أو يخفف عنه ما هو فيه.
الواقعة 56:85
(ونحن أقرب إليه منكم) أي بالعلم والقدرة والرؤية، وقيل: أراد ورسلنا الذين يتولون قبضه أقرب إليه منكم (ولكن لا تبصرون) أي لا تدركون ذلك لجهلكم بأن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد، أو لا تبصرون ملائكة الموت الذين يحضرون الميت ويتولون قبضه أو لا تعلمون ما هو فيه من المشقة والكرب.
الواقعة 56:86
(فلولا إن كنتم غير مدينين) يقال دان السلطان رعيته، إذا ساسهم واستعبدهم، قال الفراء: دنته ملكته، ويقال: دانه إذا أذله واستعبده. وقيل: معنى مدينين محاسبين قاله ابن عباس، وقيل: مجزيين والمعنى الأول ألصق بمعنى الآية، أي: فهلا إن كنتم غير مربوبين ومملوكين؟
الواقعة 56:87
(ترجعونها) أي النفس التي قد بلغت الحلقوم إلى مقرها الذي كانت فيه والعامل في إذا بلغت قسوله ترجعونها (ولولا) الثانية تأكيد لفظي للأولى، وقال الفراء: وربما أعادت العرب الحرفين ومعناهما واحد.
(إن كنتم صادقين) ولن ترجعوها، فبطل زعمكم أنكم غير مربوبين ولا مملوكين، وقيل: معناه إن صدقتم في نفي البعث فردوا روح المحتضر إلى جسده، لينتفي عنه الموت فينتفي البعث، ثم ذكر سبحانه طبقات الخلق عند الموت وبعده فقال:
الواقعة 56:88
(فأما إن كان) الذي بين حاله (من المقربين) أي: السابقين من الثلاثة الأصناف التقدم تفصيل حالهم
الواقعة 56:89
(فروح وريحان) قرأ الجمهور (روح) بفتح الراء ومعناه الراحة من الدنيا والإستراحة من أحوالها، وقال مجاهد: الروح الفرح، وقرىء بضم الراء ومعناه الرحمة، لأنها كالحياة للمرحوم وبه قال الحسن، وفي القاموس: الروح بالفتح الراحة والرحمة ونسيم الريح، والريحان الرزق في الجنة، قاله مجاهد وسعيد بن جبير ومقاتل، وقال: هو الرزق بلغة حمير، يقال: خرجت أطلب ريحان الله أي رزقه، وقال قتادة: إنه الجنة.
وقال الضحاك: هو الرحمة، وقال الحسن: هو الريحان المعروف الذي يشم قال قتادة والربيع ابن خيثم: هذا عند الموت، والجنة مخبوءة له إلى أن يبعث، وكذا قال أبو الجوزاء وأبو العالية.
(وَجَنَّتُ نَعِيمٍ) يعني: أنها ذات تنعم، قال ابن عباس: أي مغفرة ورحمة وترسم جنة هنا مجرورة التاء ووقف عليها بالهاء ابن كثير والكسائي وغيرهما، والباقون بالتاء على الرسم وهل الجواب لـ (أما) أو لـ (إن) أو لهما أقوال ومعنى (أما) عند أبي إسحق الخروج من شيء إلى شيء، أي: دع ما كنا فيه وخذ في غيره، وعلى هذا الجواب لإن فقط، لأن أما ليست شرطاً، ورجح بعضهم أن جواب لأما، لأن (إن) كثر حذف جوابها منفردة، فادعاء ذلك مع شرط الجر أولى.
الواقعة 56:90
(وأما إن كان) ذلك المتوفى (من أصحاب اليمين) الذين يأخذون كتبهم بأيمانهم، وقد تقدم ذكرهم، وتفصيل أحوالهم، وما أعده الله لهم من الجزاء
الواقعة 56:91
(فسلام لك من أصحاب اليمين) أي لست ترى فيهم إلا ما تحب من السلامة فلا تهتم بذلك فإنهم يسلمون من عذاب الله، وقيل: المعنى سلام لك منهم أي أنت سالم من الإغتمام بهم، وقيل المعنى أنهم يدعون لك ويسلمون عليك.
وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم يحيي بالسلام إكراماً، وقيل: هو إخبار من الله سبحانه بتسليم بعضهم على بعض، وقيل: المعنى وسلام لك يا صاحب اليمين من إخوانك أصحاب اليمين، يعني: أنه إلتفات بتقدير القول و (من) للإبتداء، كما يقال سلام من فلان على فلان، وفسر المحلي السلام بمعنى السلامة، قال القاري: وهذا تفسير غريب، قال ابن عباس: تأتيه الملائكة بالسلام من قبل الله يسلم عليه ويخبره أنه من أصحاب اليمين.
الواقعة 56:92
(وأما إن كان من المكذبين) بالبعث (الضالين) عن الهدى وهم أصحاب الشمال المتقدم ذكرهم وتفصيل أحوالهم، وإنما وصفهم بأفعالهم زجراً عنها وإشعاراً بما أوجب لهم هذا العذاب، وإلا فمقتضى الظاهر أن يقال. وأما إن كان من أصحاب الشمال لكن عدل عنه لما ذكر، تأمل.
الواقعة 56:93
(فنزل) أي: فله نزل يعد لنزوله (من حميم) وهو الماء الذي قد تناهت حرارته وذلك بعد أن يأكل من الزقوم كما تقدم بيانه، قال الربيع ابن خيثم: هذا عند الموت وهذا تهكم بهم
الواقعة 56:94
(وتصلية جحيم) يقال أصلاه النار وصلاه إذا جعله في النار، وهو من إضافة المصدر إلى المفعول، أو إلى المكان، قال المبرد: وجواب الشرط في هذه الثلاثة المواضع محذوف، والتقدير مهما يكن من شيء فروح الخ وفي هذه الآيات إشارة إلى أن الكفر كله ملة واحدة وأن أصحاب الكبائر من أصحاب اليمين لأنهم غير مكذبين.
الواقعة 56:95
(إنَّ هذا) أي إن ما ذكر في هذه السورة من أولها إلى آخرها، أو إن المذكور قريباً من أحوال المحتضرين وقصتهم (لهو حق اليقين) أي: محضه وخالصه، وإضافة حق إلى اليقين من باب إضافة الشيء إلى نفسه، قال البرد: هو كقولك عين اليقين، ومحض اليقين، هذا عند الكوفيين وجوزوا ذلك، أي: إضافة الموصوف إلى الصفة لاختلاف اللفظ، وأما البصريون فيجعلون المضاف إليه محذوفاً والتقدير حق الأمر اليقين، أو الخبر اليقين، قال ابن عباس: لهو حق اليقين ما قصصنا عليك في هذه السورة.
الواقعة 56:96
(فسبح باسم ربك العظيم) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي نزهه عما لا يليق بشأنه فسبح متلبساً باسم ربك للتبرك به، وقيل: المعنى فصل بذكر ربك. وقيل: الباء زائدة، وادعاء زيادتها خلاف الأصل، والإسم بمعنى الذات، وقيل: هي للتعدية لأن سبح يتعدى بنفسه تارة ويتعدى بالحرف أخرى، والأول أولى.
" عن عقبة بن عامر الجهني قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبح باسم ربك العظيم قال: اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت: سبح اسم ربك الأعلى قال: اجعلوها في سجودكم "، أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم، وصححه البيهقي.
الحديد 57:1
سورة الحديد
هي تسع وعشرون آية، وهي مدنية
قال القرطبي: في قول الجميع قال ابن عباس: نزلت بالمدينة، وعن ابن الزبير مثله، وعليه الجمهور، وقال الزمخشري: إنها مكية، ويؤيده ما نقل في سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه لما قرأ هذه الآيات إلى قوله: (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وكانت مكتوبة في صحيفة عند أخته أسلم، فهذا يقتضي أن هذه الآيات مكيّة، فعلى هذا تستثنى على القول بأن السورة مدنية، تأمل.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " نزلت سورة الحديد يوم الثلاثاء وخلق الحديد يوم الثلاثاء، وقتل ابن آدم أخاه الثلاثاء " أخرجه الطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف.
وعن جابر مرفوعاً " لا تحتجموا يوم الثلاثاء فإن سورة الحديد أنزلت عليّ يوم الثلاثاء " أخرجه الديلمي.
وعن العرباض بن سارية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ المسبحات قبل أن يرقد وقال: " إن فيهن آية أفضل من ألف آية " أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والنسائي وغيرهم، وفي إسناده بقية ابن الوليد وفيه مقال معروف.
وأخرجه النسائي عن خالد بن معدان قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يذكر العرباض بن سارية فهو مرسل وأخرجه ابن الضريس.
عن يحيى بن أبي كثير قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا ينام حتى يقرأ المسبحات وكان يقول: " إن فيهن آية أفضل من ألف آية " قال يحيى فنراها الآية التي في آخر الحشر، وقال ابن كثير في تفسيره والآية المشار إليها والله أعلم هي قوله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) الآية والمسبحات هي الحديد والحشر والصف والجمعة والتغابن.
بسم الله الرحمن الرحيم
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (2) هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3) هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (4) لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (5) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (6) آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (7)
(سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي نزهه ومجده قال المقاتلان: يعني كل شيء من ذي روح وغيره، وقد تقدم الكلام في تسبيح الجمادات، عند تفسير قوله: وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم. والمراد بالتسبيح المسند إلى ما في السموات والأرض من العقلاء وغيرهم، والحيوانات والجمادات هو ما يعم التسبيح بلسان المقال، كتسبيح الملائكة والإنس والجن، وبلسان الحال كتسبيح غيرهم، فإن كل موجود يدل على الصانع، وقد أنكر الزجاج أن يكون تسبيح غير العقلاء هو تسبيح الدلالة وقال: لو كان هذا تسبيح الدلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال: ولكن لا تفقهون تسبيحهم؟ وإنما هو تسبيح مقال، واستدل بقوله: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن، فلو كان هذا التسبيح من الجبال تسبيح دلالة لم تكن لتخصيص داود فائدة.
وفعل التسبيح قد يتعدى بنفسه تارة كما في قوله: وسبحوه، وباللام أخرى كهذه الآية، وأصله أن يكون متعدياً بنفسه، لأن معنى سبحته بعدته عن السوء فإذا استعمل باللام فهي إما زائدة للتأكيد كما في شكرته وشكرت له، أو هي للتعليل، أي أفعل التسبيح لأجل الله سبحانه خالصاً له.
وجاء هذا الفعل في بعض هذه الفواتح، كالحشر والصف ماضياً كهذه الفاتحة. وفي بعضها كالجمعة والتغابن مضارعاً، وفي بعضها كالأعلى أمراً، وفي بني إسرائيل بلفظ المصدر، استيعاباً واستيفاءً لهذه الكلمة من جميع جهاتها المشهورة، وللإشارة إلى أن هذه الأشياء مسبحة في كل الأوقات، لا يختص تسبيحها بوقت دون وقت بل هي مسبحة أبداً في الماضي، وستكون مسبحة في المستقبل أبداً، وبدأ بالمصدر في الإسراء لأنه الأصل، وأبلغ من حيث إنه مشعر بإطلاقه عن التعرض للفاعل والزمان، ثم بالماضي لسبق زمنه. ثم بالمضارع لشموله الحال والإستقبال، ثم بالأمر لخصوصه بالإستقبال مع تأخره في النطق به في قولهم: فعل يفعل أفعل.
(وهو العزيز) أي القادر الغالب الذي لا ينازعه منازع ولا يمانعه ممانع كائناً ما كان، قرأ قالون وأبو عمرو بسكون الهاء والباقون بضمها (الحكيم) الذي يفعل أفعال الحكمة والصواب.
الحديد 57:2
(له ملك السموات والأرض) يتصرف فيه وحده ولا ينفذ فيهما غير تصرفه وأمره، وقيل: المراد خزائن المطر والنبات وسائر الأرزاق ذكره مرتين، وليس بتكرار، لأن الأول في الدنيا كما أشار له في التقرير، والثاني في العقبى لقوله عقبة: (وإلى الله ترجع الأمور) والجملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب (يحيي ويميت) الفعلان في محل رفع على أنهما خبران لمبتدأ محذوف، أو كلام مستأنف لبيان بعض أحكام الملك، أو حال من الضمير في له والعامل الاستقرار، والمعنى أنه يحيي بالإنشاء في الدنيا ويميت بعده، وقيل: يحيي النطف وهي أموات ويميت الأحياء، وقيل: يحيي الأموات للبعث (وهو على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء كائناً ما كان.
الحديد 57:3
(هو الأول) قبل كل شيء بلا بداية، أو السابق على جميع الموجودات من حيث إنه موجدها ومحدثها (والآخر) بعد كل شيء بلا نهاية، أو الباقي بعد فنائها، ولو بالنظر إلى ذاتها مع قطع النظر عن غيرها، أو الأول خارجاً والآخر ذهناً، أو الأول الذي تبتدأ منه الأسباب وتنتهي إليه المسببات (والظاهر) العالي الغالب على كل شيء، أو الظاهر وجوده بالأدلة الواضحة.
(والباطن) أي العالم بما بطن، من قولهم: فلان يبطن أمر فلان، أي يعلم داخلة أمره، أو المعنى المحتجب حقيقة ذاته عن إدراك الأبصار والحواس والعقول، فلا تكتنهها الألباب والأحلام لا في الدنيا ولا في الآخرة فاضمحل ما في الكشاف من أن فيه حجة على من جوز إدراكه في الآخرة بالحاسة، وقد فسر هذه الأسماء الأربعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتعين المصير إلى ذلك كما أخرج ابن أبي شيبة ومسلم والترمذي والبيهقي.
" عن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله خادماً، فقال: قولي اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، وربنا ورب كل شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين واغننا من الفقر ".
وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما من حديث أبي هريرة من وجه آخر مرفوعاً مثل هذا في الأربعة الأسماء المذكورة، وتفسيرها، وأخرج أبو الشيخ في العظمة.
" عن عمر وأبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال لا يزال الناس يسألون عن كل شيء حتى يقولوا هذا الله كان قبل كل شيء، فماذا كان قبل الله؟ فإن قالوا لكم ذلك فقولوا: هو الأول قبل كل شيء، والآخر فليس بعده شيء، وهو الظاهر فوق كل شيء، وهو الباطن دون كل شيء، وهو بكل شيء عليم ".
وأخرج أبو داود.
" عن أبي زميل قال: سألت ابن عباس فقلت: ما شيء أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به، قال: فقال لي: أشيء من شك قال: وضحك قال: ما تجا من ذلك أحد، قال: حتى أنزل الله (فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ) الآية قال: وقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئاًً فقل: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم). لا يعزب عن علمه شيء من المعلومات ".
" عن أبي هريرة قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتدرون ما هذا قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذه العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله تعالى إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه ثم قال: هل تدرون ما فوقكم قالوا الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الرقيع سقف محفوظ، وموج مكفوف، ثم قال: هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا الله ورسوله أعلم، قال: بينكم وبينها خمسمائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك قالوا: الله ورسوله أعلم، قال سماآن بعد ما بينهما خمسمائة سنة، حتى عد سبع سموات ما بين كل سماء كما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك قالوا الله ورسوله أعلم، قال: فإن فوق ذلك العرش، وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين ثم قال هل تدرون ما تحتكم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك قالوا الله ورسوله أعلم، قال فإن تحتها أرض أخرى، بينهما مسيرة خمسائة سنة، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السابعة السفلى لهبط على الله ثم قرأ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم " أخرجه [[رواه الترمذي.]] الترمذي وقال حديث غريب.
وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث: إنما أراد لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله في كل مكان، وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه، والعنان اسم للسحاب، ومعنى روايا الأرض الحوافل، والرقيع اسم لسماء الدنيا.
الحديد 57:4
(هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام) من أيام الدنيا أولها الأحد وآخرها الجمعة، ولو أراد أن يجعلهما في طرفة عين لفعل، ولكن جعل الستة أصلاً ليكون عليها المدار، وهذا بيان لبعض ملكه للسموات والأرض وقد تقدم تفسيره في سورة الأعراف وفي غيرها مستوفى.
(ثم استوى على العرش) أي: الكرسي استواء يليق به، قاله المحلي، " وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: كنت جالساً في البطحاء في عصابة ورسول الله صلى الله عليه وسلم إذ مرت سحابة فنظروا إليها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما اسم هذه؟ قلنا: نعم، هذا السحاب، قال: والمزن، قالوا: والمزن، قال: والعنان، قالوا: والعنان، ثم قال لهم: هل تدرون كم ما بين السماء والأرض، قالوا لا والله ما ندري، قال فإن بعد ما بينهما إما قال واحدة وإما قال اثنتان، وإما ثلاث وسبعون سنة، وبعد التي فوقها كذلك، وكذلك حتى عدهن سبع سموات كذلك، ثم فوق السماء السابعة بحر أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، وفوق ذلك ثمانية أوعال بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين السماء إلى السماء والله عز وجل فوق ذلك " أخرجه الترمذي وأبو داود وزاد في رواية، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء وقد تقدم الكلام على الاستواء مراراً في غير موضع وفي هذا الباب كتب ورسائل مستقلة وهي معروفة عند أهل العلم.
(يعلم ما يلج في الأرض) أي يدخل فيها من المطر والقطر والبذر والكنوز والموتى وغيرها (وما يخرج منها) من نبات ومعادن وغيرها (وما ينزل من السماء) من الملائكة والرحمة والعذاب والمطر وغيرها (وما يعرج فيها) أي يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد والدعوات، وقال المحلي كالأعمال الصالحة والسيئة، واعترضه القاري بأن الذي يرفع من الأعمال هو الصالح كما في قوله تعالى (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقد تقدم تفسير هذا في سورة سبأ.
(وهو معكم أينما كنتم) بقدرته وسلطانه وعلمه عموماً، وبفضله ورحمته خصوصاً، فليس ينفك أحد من تعليق علم الله تعالى وقدرته به أينما كان من أرض أو سماء، بر أو بحر، وقيل هو معكم بالحفظ والحراسة، قال ابن عباس: عالم بكم، وهذا تمثيل للإحاطة بما يصدر منهم، أينما داروا في الأرض من بر وبحر (والله بما تعلمون بصير) لا يخفى عليه من أعمالكم شيء.
الحديد 57:5
(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) هذا التكرير للتأكيد، وذكره مع الإعادة كما ذكره مع الإبداء، لأنه كالمقدمة لهما (وإلى الله) لا إلى غيره (ترجع الأمور) الأخوان وابن عامر يقرأون بفتح التاء وكسر الجيم مبنياً لنفاعل؟ والباقون مبنياً للمفعول في جميع القرآن ذكره السمين.
الحديد 57:6
(يولج الليل) أي يدخله (في النهار) بأن ينقص من الليل ويزيد في النهار (ويولج النهار في الليل) بعكس ذلك وقد تقدم تفسير هذا في سورة آل عمران، وفي مواضع (وهو عليم بذات الصدور) أي: بضمائرها ومعتقداتها ومكنوناتها، لا تخفى عليه من ذلك خافية.
الحديد 57:7
(آمنوا بالله ورسوله) أي صدقوا بالتوحيد، وصحة الرسالة، وهذا خطاب لكفار العرب أو للجميع، ويكون المراد بالأمر بالإيمان في حق المسلمين الإستمرار عليه أو الإزدياد عليه، ثم لما أمرهم بالإيمان أمرهم بالإنفاق في سبيل الله فقال: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) أي جعلكم خلفاء في التصرف فيه، من غير أن تملكوه حقيقة، فإن المال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه، وقيل: جعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه، وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم، فلا تبخلوا به، كذا قال الحسن وغيره، وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبل الخير وتهوين له على النفس قبل أن ينتقل عنهم، ويصير إلى غيرهم.
والظاهر أن معنى الآية الترغيب في الإنفاق في الخير وما يرضاه الله على العموم، وقيل هو خاص بالزكاة المفروضة، ولا وجه لهذا التخصيص، قال المحلي: نزل في غزوة العسرة، وهي غزوة تبوك، ويشكل هذا على القول بأن السورة مكية، وكذا على القول بأنها مدنية على استثناء هذه الآيات،
وكانت في السنة التاسعة بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف، وهي آخر غزواته، ولم يقع فيها قتال، بل وقع الصلح على دفع الجزية، وإيضاح هذه القصة مذكور في سورة براءة فراجعها إن شئت.
ثم ذكر سبحانه ثواب من أنفق في سبيل الله فقال: (فالذين آمنوا منكم وأنفقوا) أي: الذين جمعوا بين الإيمان بالله ورسوله، وبين الإنفاق في سبيل الله، وفيه إشارة إلى عثمان رضي الله تعالى عنه، فإنه جهز في غزوة العسرة ثلثمائة بعير، بأقتابها وأحلاسها وأحمالها، وجاء بألف دينار ووضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (لهم أجر كبير) وهو الجنة.
وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (8) هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (9) وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (10) مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (11)
الحديد 57:8
(وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) هذا الإستفهام للتوبيخ والتقريع، والخطاب للكفار، أي: أيُّ عذر لكم؟ وأي مانع من الإيمان؟ وقد أزيحت عنكم العلل وقيل: المعنى: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم تؤمنوا (وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ) أي: يدعوكم للإيمان، والمعنى أي عذر لكم في ترك الإيمان، والحال أن الرسول يدعوكم إليه وينبهكم عليه، ويتلو عليكم الكتاب الناطق بالبرهان والحجج (و) الحال أن (قد أخذ) الله (ميثاقكم) حين أخرجكم من ظهر أبيكم آدم في عالم الذر، حين أشهدكم على أنفسكم كما في قوله تعالى: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى) أو بما نصب لكم من الأدلة الدالة على التوحيد ووجوب الإيمان، وركب فيكم من العقول، ومكنكم من النظر في الأدلة، فإذا لم تبق لكم علة بعد أدلة العقول، وتنبيه الرسول، فما لكم لا تؤمنون؟ وهو اختيار القاضي، كالكشاف والأول أولى.
قرأ الجمهور قد أخذ مبنياً للفاعل، وهو الله سبحانه، لتقدم ذكره وقرىء على البناء للمفعول وهما سبعيتان (إن كنتم مؤمنين) بما أخذ عليكم من الميثاق أو بالحجج والدلائل، أو إن كنتم مؤمنين بسبب من الأسباب، فهذا من أعظم أسبابه وأوضح موجباته، لا مزيد عليه، وقيل: إن كنتم مؤمنين بموسى وعيسى، فإن شريعتهما تقتضي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: مريدين للإيمان به، فبادروا إليه، وقيل: إن بمعنى إذ.
الحديد 57:9
(هو الذي ينزل على عبده آيات بينات) أي واضحات ظاهرات، وهي الآيات القرآنية. وقيل: المعجزات، والقرآن أعظمها (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) أي ليخرجكم الله بتلك الآيات من ظلمات الشرك إلى نور الإيمان، أو ليخرجكم الرسول بتلك الآيات أو بالدعوة منها إليه (وإن الله بكم) في إخراجكم من الكفر إلى الإيمان (لرؤوف رحيم) أي كثير الرأفة والرحمة بليغهما، حيث أنزل كتبه، وبعث رسله، لهداية عباده، ولم يقتصر على ما نصب لكم من الحجج العقلية، فلا رأفة ولا رحمة أبلغ من هذه.
الحديد 57:10
(وما لكم أن لا) والأصل في أن لا (تنفقوا)؟ فموضعه نصب أو جر، وليست أن زائدة كما يرى أبو الحسن زيادتها، بل هي مصدرية، والمعنى في عدم الإنفاق (في سبيل الله) أي: في طاعته وما يكون قربة إليه فسبيله كل خير يوصلهم إليه فهو استعارة تصريحية، والإستفهام للتوبيخ والتقريع، وفي هذه الآية دليل على أن الإنفاق المأمور به في قوله: (وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه) هو الإنفاق في سبيل الله، كما بينا ذلك، والمعنى أي عذر لكم؟ وأي شيء يمنعكم من ذلك؟.
(ولله ميراث السموات والأرض) أي والحال أن كل ما فيهما راجع إلى الله سبحانه بانقراض العالم كرجوع الميراث إلى الوارث، ولا يبقى لهم منه شيء، وهذا أدخل في التوبيخ، وأكمل في التقريع، فإن كون تلك الأمور تخرج عن أهلها وتصير لله سبحانه، ولا يبقى أحد من مالكيها أقوى في إيجاب الإنفاق عليهم من كونها لله في الحقيقة، وهم خلفاؤه في التصرف فيها.
ثم بين سبحانه فضل من سبق بالإنفاق في سبيل الله، وتفاوت درجات المنفقين فقال:
(لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) أي فتح مكة، وبه قال أكثر المفسرين، قال قتادة: كان قتالان أحدهما أفضل من الآخر، ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة من قبل فتح مكة أفضل من النفقة والقتال بعد ذلك، وكذا قال مقاتل وغيره، وقال الشعبي والزهري: فتح الحديبية، وهو الراجح قاله الكرخي، وذكر القتال للإستطراد، وفي الكلام حذف، والتقدير: لا يستوي من أنفق من قبل الفتح وقاتل، ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فحذف لظهوره، ولدلالة ما سيأتي عليه، فإن الاستواء يكون بين الشيئين ولا يتم إلا بذكر اثنين، وإنما كانت النفقة والقتال قبل الفتح أفضل من النفقة والقتال بعده، لأن حاجة الناس كانت إذ ذاك أكثر، وهم أقل وأضعف.
وتقديم الإنفاق على القتال للإيذان بفضيلة الإنفاق لما كانوا عليه من الحاجة، فإنهم كانوا يجودون بأنفسهم ولا يجدون ما يجودون به من الأموال، وعطف القتال على الإنفاق للإيذان بأنه أهم مواد الإنفاق، مع كونه في نفسه من أفضل العبادات.
والجود بالنفس أقصى غاية الجود.
(أولئك) إشارة إلى (من) باعتبار معناه، وهو مبتدأ وخبره قوله: (أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا) أي أرفع منزلة، وأعلى رتبة، من الذين أنفقوا أموالهم في سبيل الله من بعد الفتح، وقاتلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عطاء: درجات الجنة تتفاضل، فالذين أنفقوا من قبل الفتح في أفضلها، قال الزجاج: لأن المتقدمين نالهم من المشقة أكثر مما نال من بعدهم، وكانت بصائرهم أيضاًً أنفذ.
" وقد أرشد صلى الله عليه وسلم إلى هذه الفضيلة بقوله فيما صح عنه: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " وهذا خطاب منه صلى الله عليه وسلم للمتأخرين صحبة، كما يرشد إلى ذلك السبب الذي ورد فيه هذا الحديث.
وقد أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم.
" عن أبي سعيد الخدري قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية حتى إذا كنا بعسفان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، قلنا: من هم يا رسول الله؟ أقريش؟ قال: لا، ولكنهم أهل اليمن، هم أرق أفئدة وألين قلوباً، فقلنا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: لو كان لأحدهم جبل من ذهب ما أدرك مد أحدكم ولا نصيفه، ألا أن هذا فصل ما بيننا وبين الناس، (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) الآية وهذا الحديث قال ابن كثير: غريب بهذا الإسناد، وقد رواه ابن جرير ولم يذكر فيه الحديبية.
وأخرج أحمد.
" عن أنس قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف كلام، فقال خالد لعبد الرحمن: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها فبلغ النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: دعوا لي أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهباً ما بلغتم أعمالهم " والذي في الصحيح " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ: لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه [[رواه مسلم والبخاري.]] " وفي لفظ ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري.
" وعن ابن عمر قال: لا تسبوا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فلمقام أحدهم ساعة خير من عمل أحدكم عمره "، أخرجه ابن أبي شيبة.
(وَكُلًّا) أي كل واحد من الفريقين (وَعَدَ اللَّهُ) المثوبة (الْحُسْنَى) وهي الجنة، مع تفاوت درجاتهم فيها، قرأ الجمهور كُلاًّ على أنه مفعول مقدم وقرىء بالرفع على الابتداء أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، ومثل هذا قول الشاعر:
قد أصبحت أم الخيار تدعى ... على ذنباً كله لم أصنع
قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لأنه أول من أسلم، وأول من أنفق في سبيل الله وفيه دليل على فضله وتقدمه (والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه من ذلك شيء ثم رغب سبحانه في الصدقة فقال:
الحديد 57:11
(من ذا الذي يقرض الله) أي ينفق ماله في سبيل الله فإنه كمن يقرضه والعرب تقول لكل من فعل فعلاً حسناً قد أقرض، من إستفهامية مرفوعة المحل بالابتداء وذا خبرة، والموصول صفة له، أو بدل منه، ويصح أن يكون من ذا مبتدأ، والموصل خبره، وهذا منه تعالى في غاية اللطف بنا والإحسان إلينا، حيث أعطانا الأموال من عنده وجعل رجوعها إليه منا قرضاً، مع أنه المالك الحقيقي، قال الكلبي: (قرضاً) أي صدقة (حسناً) أي محتسباً من قلبه بلا مَنٍّ ولا أذى وقال مقاتل: حسناً طيبة به نفسه.
واستعير لفظ القرض ليدل على التزام الجزاء، وفيه استعارة تصريحية تبعية حيث شبه الإنفاق بالإقراض، والجامع إعطاء شيء بعوض، من حيث إن الله وعد به الجنة تشببها بالقرض لأن القرض إخراج المال لاسترداد البدل.
وقيل: القرض الحسن هو النفقة على الأهل. قاله زيد بن أسلم، وقال الحسن: هو التطوع بالعبادات وقيل: أنه العمل الخير، والعرب تقول: لي عند فلان قرض صدق وقرض سوء، والأول أولى.
وقال بعض العلماء: القرض لا يكون حسناً حتى يجمع أوصافاً عشرة، وهي أن يكون المال من الحلال، وأن يكون من أجود المال، وأن تتصدق به وأنت محتاج إليه، وأن تصرف صدقتك إلى الأحوج إليها، وأن تكتم الصدقة ما أمكنك، وأن تتبعها بالمن والأذى، وأن تقصد بها وجه الله ولا ترائي به الناس، وأن تستحقر ما تعطي وإن كان كثيراً، وأن يكون من أحب أموالك إليك، وأن لا ترى عز نفسك وذل الفقير فهذه عشرة خصال إذا اجتمعت في الصدقة كانت قرضاً حسناً وقد تقدم تفسير الآية في سورة البقرة.
(فيضاعفه له) أي يعطيه أجره على إنفاقه أضعافاً مضاعفة من فضله، قرأ أهل الكوفة والبصرة بالألف وتخفيف العين، وقرىء فيضعفه وعلى كل من القراءتين فالفعل إما مرفوع أو منصوب فالقراآت أربعة وكلها سبعية قال ابن عطية: الرفع هنا على العطف أو الإستئناف والنصب بالفاء على جواب الإستفهام (وله) مع المضاعفة (أجر كريم) وهو الجنة، والمضاعفة هنا هي كون الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، على اختلاف الأحوال والأشخاص والأوقات.
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (14) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (15) أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (16)
الحديد 57:12
(يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) أي: اذكر، أو يؤجرون يوم ترى، أو يسعى نور المؤمنين والمؤمنات يوم تراهم هذا أصله والعامل فيه فيضاعفه، قاله أبو البقاء والخطاب لكل من يصلح له (يسعى نورهم) أي نور التوحيد والطاعات، والنور هو الضياء الذي يرى، وقيل: هو القرآن (بين أيديهم) ظرف ليسعى، أو حال من نورهم (وبأيمانهم) وذلك على الصراط يوم القيامة وهو دليلهم إلى الجنة، قال قتادة: إن المؤمن يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء، حتى إن من المؤمنين من لا يضيء له نوره إلا موضع قدميه وقال الضحاك ومقاتل: (وبأيمانهم) كتبهم التي أعطوها فكتبهم بأيمانهم ونورهم بين أيديهم وقال الضحاك أيضاًً: نورهم هداهم، وبأيمانهم كتبهم واختار هذا ابن جرير الطبري أي: ليسعى إيمانهم بين أيديهم وفي أيمانهم كتب أعمالهم.
قال ابن مسعود في الآية: يؤتون نورهم على قدر أعمالهم يمرون على الصراط منهم من نوره مثل الجبل، ومنهم من نوره مثل النخلة، وأدناهم نوراً من نوره على إبهامه يطفأ مرة ويقد أخرى، قال الفراء: الباء بمعنى في، أي في جهة أيمانهم، وهذا على قراءة العامة أعنى بفتح الهمزة جمع يمين، وقيل: الباء بمعنى عن، أي: عن جميع جهاتهم، وإنما خص الأيمان لأنها أشرف الجهات وقرىء بكسرها على أن المراد بالإيمان ضد الكفر، وهذا المصدر معطوف على الظرف قبله، والباء سببية، أي يسعى كائناً بين أيديهم وكائناً بإيمانهم، وقال أبو البقاء: تقديره وبإيمانهم استحقوه أو وبإيمانهم، يقال لهم، أي تقول لهم الملائكة الذين يتلقونهم، (بشراكم اليوم) أي بشارتكم العظيمة في جميع ما يستقبلكم من الزمان.
(جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) أي دخول جنات، لأن البشارة تقع بالإحداث دون الجثث (ذلك هو الفوز العظيم) لا يقادر قدره، حتى كأنه لا فوز غيره، ولا اعتداد بما سواه والإشارة إلى ما تقدم من النور والبشرى بالجنات المخلدة، هذا إذا كان قوله: (ذلك هو الفوز العظيم) قول الله تعالى، لا من جملة مقول الملائكة، وإلا فالإشارة حينئذ إلى الجنة بتأويل ما ذكر، أو لكونها فوزاً ذكره الكرخي.
الحديد 57:13
(يوم) أي اذكر يوم (يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا) واللام للتبليغ كنظائرها: (انظرونا) أي: انتظرونا يقولون ذلك لما رأوا المؤمنين يسرع بهم إلى الجنة، قرأ الجمهور انظرونا أمراً بوصل الهمزة وضم الظاء، مشتق من النظر، بمعنى الإنتظار وقرىء من الإنظار بقطع الهمزة أي: أمهولنا وأخرونا يقال: أنظرته واستنظرته أي: امهلته واستمهلته قال الفراء: تقول العرب انظرني أي: انتظرني.
وقيل: معناه انظروا إلينا لأنهم إذا نظروا إليهم استقبلوهم بوجوههم، فيستضيؤا بنورهم، وهذا أليق بقوله: (نقتبس من نوركم) أي نستضيء منه إلا أن الشيخ أبا حيان قال: إن النظر بمعنى الإبصار لا يتعدى بنفسه إلا في الشعر وإنما يتعدى بإلى، والقبس: الشعلة من النار، والسراج فلما قالوا ذلك (قيل) أي قال لهم المؤمنون أو الملائكة الموكلون بهم زجراً وتهكماً بهم (ارجعوا وراءكم) أي إلى الموضع الذي أخذنا منه النور.
(فالتمسوا) أي اطلبوا هنالك (نوراً) لأنفسكم فإنه من هنالك يقتبس وقيل: المعنى إرجعوا إلى الدنيا فالتمسوا النور بما التمسناه به من الإيمان والأعمال الصالحة، وقيل: أرادوا بالنور ما وراءهم من الظلمة تهكماً بهم وعن ابن عباس قال: بينما الناس في ظلمة إذ بعث الله نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه وكان النور دليلهم من الله إلى الجنة، فلما رأى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا إلى النور اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ انظرونا نقتبس من نوركم، فإنا كنا معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا وراءكم من حيث جئتم من الظلمة فالتمسوا هنالك النور.
وأخرج الطبراني وابن مردويه.
" عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يدعو الناس يوم القيامة بأمهاتهم ستراً منه على عباده وأما عند الصراط فإن الله يعطي كل مؤمن نوراً، وكل منافق نوراً فإذا استووا على الصراط سلب الله نور المنافقين والمنافقات، فقال المنافقون: (انظرونا نقتبس من نوركم) وقال المؤمنون: (ربنا أتمم لنا نورنا) فلا يذكر عند ذلك أحد أحداً "، وفي الباب أحاديث وآثار.
(فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ) معطوف على ما قبله متفرع عليه. فإن المؤمنين أو الملائكة لما منعوا المنافقين عن اللحوق بهم والإستضاءة بأنوار معارفهم وأعمالهم، بقي المنافقون في ظلمة نفاقهم، فصاروا بذلك كأنه ضرب بينهم وبين النور الذي يؤديهم إلى الجنة سور، فعلى هذا يكون قوله (فضرب) الخ من قبيل الإستعارة التمثيلية، والسور هو الحاجز بين الشيئين والمراد به هنا الحاجز بين الجنة والنار، أو بين أهل الجنة وأهل النار وقيل: هو الحائط بينهما وقيل: هو الأعراف قال الكسائي: الباء في (سور) زائدة ثم وصف سبحانه السور المذكور فقال:
(له) أي: لذلك السور (باب باطنه) أي باطن ذلك السور وهو الجانب الذي يلي أهل الجنة (فيه الرحمة) وهي الجنة أو النور (وظاهره) وهو الجانب الذي يلي أهل النار (من قبله) أي من قبل ذلك الظاهر ومن عنده ومن جهته (العذاب) أي الظلمة أو نار جهنم: وقيل إن المؤمنين يسبقونهم فيدخلون الجنة، والمنافقون يحصلون في العذاب وبينهم السور.
وقيل: إن الرحمة التي في باطنه نور المؤمنين، والعذاب الذي في ظاهره ظلمة المنافقين.
عن عبادة بن الصامت أنه كان على سور بيت المقدس، فبكى فقيل ما يبكيك؟ فقال: ههنا أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى جهنم، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: إن السور الذي ذكره الله في القرآن (فضرب بينهم بسور) هو الذي ببيت المقدس الشرقي باطنه فيه الرحمة المسجد وظاهره من قبله العذاب يعني وادي جهنم وما يليه ولا يخفاك أن تفسير السور المذكور في هذه الآية بهذا السور الكائن ببيت المقدس فيه من الأشكال ما لا يدفعه مقال، ولا سيما بعد زيادة قوله (باطنه فيه الرحمة) المسجد، فإن هذا غير ما سيقت له الآية وغير ما دلت عليه، وأين يقع بيت المقدس أو سوره بالنسبة إلى السور الحاجز بين فريقي المؤمنين والمنافقين، وأي معنى لذكر مسجد بيت المقدس ههنا؟ فإن كان المراد أن الله سبحانه ينزع سور بيت المقدس ويجعله في الدار الآخرة سوراً مضروباً بين المؤمنين والمنافقين فما معنى تفسير باطن السور وما فيه من الرحمة بالمسجد؟ وإن كان المراد أن الله يسوق فريقي المؤمنين والمنافقين إلى بيت المقدس فيجعل المؤمنين داخل السور في المسجد ويجعل المنافقين خارجه فهم إذ ذاك على الصراط وفي طريق الجنة وليسوا ببيت المقدس.
فإن كان مثل هذا التفسير ثابتاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلناه وآمنا به وإلا فلا كرامة ولا قبول، ولعله أخذ ذلك من الإسرائيليات فقد قال شريح: كان كعب يقول: في الباب الذي يسمى باب الرحمة في بيت المقدس إنه الباب الذي قال الله تعالى (فضرب بينهم بسور له باب) وكعب وكذا وهب كثير الرواية عن بني إسرائيل، وليس عند أهل السنة إلى قبوله سبيل.
ولما ضرب بالسور بين المؤمنين والمنافقين أخبر الله سبحانه عما قاله المنافقون إذ ذاك فقال:
الحديد 57:14
(ينادونهم) أي ينادي المنافقون المؤمنين من وراء ذلك السور حين حجز بينهم، وبقوا في الظلمة، والجملة حالية من الضمير في بينهم أو إستئناف وهو الظاهر (ألم نكن معكم)؟ أي موافقين لكم في الظاهر، نصلي بصلاتكم في مساجدكم، ونعمل بأعمال الإسلام مثلكم، ثم أخبر الله سبحانه عما أجابهم به المؤمنون فقال (قالوا بلى) أي كنتم معنا في الظاهر (ولكنكم فتنتم أنفسكم) بالنفاق وإبطان الكفر قال مجاهد: أهلكتموها بالنفاق، وقيل: بالشهوات واللذات، قاله ابن عباس، وقيل: استعملتموها في الفتنة وقيل: بالمعاصي قاله أبو سنان.
(وتربصتم) بمحمد صلى الله عليه وسلم وبمن معه من المؤمنين حوادث الدهر والدوائر وقيل: تربصتم بالتوبة، قاله ابن عباس والأول أولى (وارتبتم) أي: شككتم في أمر الدين، ولم تصدقوا ما أنزل الله من القرآن في التوحيد ولا بالمعجزات الظاهرة (وغرتكم الأماني) الباطلة التي من جملتها ما كنتم فيه من التربص وقيل: هي طول الأمل، والطمع في امتداد الأعمار وقيل: ما كانوا يتمنونه من ضعف المؤمنين، وقال قتادة: الأماني هنا غرور الشيطان وقيل: الدنيا وقيل: هو طمعهم في المغفرة وكل هذه الأشياء تدخل في مسمى الأماني.
(حتى جاء أمر الله) وهو الموت قاله ابن عباس، وقيل: نصره سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم، وقال قتادة: هو إلقاؤهم في النار (وغركم بالله الغرور) بفتح الغين وهو صفة على فعول، والمراد به الشيطان، قاله ابن عباس. أي خدعكم بحكم الله وإمهاله الشيطان، وقرىء بضمها، وهو مصدر، وقيل: غركم بأن الله عفو كريم لا يعذبكم، وماذا عسى أن تكون ذنوبكم عنده؟ وهو عظيم ومحسن وحليم، وغفور رحيم، فلا يزال بالإنسان حتى يوقعه، أو بأنه لا بعث ولا حساب، قال قتادة: ما زالوا على خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله النار.
الحديد 57:15
(فاليوم لا يؤخذ منكم) أيها المنافقون (فدية) تفدون بها أنفسكم من النار، وقيل: عوض وبدل، وقيل: إيمان وتوبة والأول أولى (ولا من الذين كفروا) بالله ظاهراً وباطناً، وإنما عطف الكافر على المنافق وإن كان المنافق كافراً في الحقيقة لأن المنافق أبطن الكفر والكافر أظهره فصار غير المنافق بهذا الإعتبار فحسن عطفه على المنافق (مأواكم) أي منزلكم الذي تأوون إليه.
(النار هي مولاكم) أي هي أولى بكم، والمولى في الأصل من يتولى مصالح الإنسان، ثم استعمل فيمن يلازمه، وقيل: مولاكم مكانكم عن قرب من الولاء، وهو القرب، أو المعنى ذات ولايتكم، وهذا على أن المولى مصدر، قيل إن الله يركب في النار الحياة والعقل فهي تتميز غيظاً على الكفارة وقيل: المعنى هي ناصركم، على طريقة قول الشاعر:
تحية بينهم ضرب وجيع
والمعنى لا ناصر لكم إلا النار كما أن معنى البيت لا تحية لهم إلا الضرب، على التهكم والمراد نفي الناصر ونفي التحية (وبئس المصير) الذي تصيرون إليه النار.
الحديد 57:16
(ألم يأن للذين آمنوا)؟ يقال أنى لك يأنى إذا حان، أي: جاء أناه أي: وقته، قرأ الجمهور: ألم يأن، وقرىء ألما يأن (أن تخشع قلوبهم لذكر الله) أي ألم يحضر خشوع قلوبهم؟ ولم يجيء وقته؟ هذه الآية نزلت في المؤمنين، قال الحسن: يستبطئهم وهم أحب خلقه إليه، وقيل: إن الخطاب لمن آمن بموسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام دون محمد صلى الله عليه وسلم، قال الزجاج: نزلت في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء، وقال السدي وغيره: المعنى: ألم يأن للذين آمنوا في الظاهر، وأسروا الكفر، أن تخشع وتلين وتسكن وتخضع وتذل وتطمئن قلوبهم لذكر الله، وسيأتي ما يقوي قول من قال: إنها نزلت في المسلمين، والخشوع لين القلب ورقته.
والمعنى أنه ينبغي أن يورثهم الذكر خشوعاً ورقة، ولا يكونوا كمن لا يلين قلبه للذكر، ولا يخشع له.
" عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله: (ألم يأن) الآية " أخرجه ابن مردويه، وأخرج أيضاًً " عن عائشة قالت: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من أصحابه في المسجد وهم يضحكون فسحب رداءه محمراً وجهه فقال: أتضحكون ولم يأتكم أمان من ربكم بأنه قد غفر لكم؟ ولقد أنزل عليّ في ضحككم آية (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)؟ قالوا يا رسول الله فما كفارة ذلك؟ قال: تبكون بقدر ما ضحكتم ".
وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة وابن المنذر وغيرهم.
" عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية (ألم يأن) الخ إلا أربع سنين ".
" وعنه قال: لما نزلت هذه الآية أقبل بعضنا على بعض، أي شيء أحدثنا أي شيء صنعنا ".
" وعن ابن عباس قال إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن (ألم يأن) الآية ".
" وعن عبد العزيز ابن أبي دواد أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ظهر فيهم المزاح والضحك فنزلت هذه الآية (ألم يأن) الخ ".
(وما نزل من الحق) والمراد به القرآن فيحمل الذكر المعطوف عليه على ما عداه مما فيه ذكر الله سبحانه باللسان أو خطور بالقلب وقيل: المراد بالذكر هو القرآن فيكون هذا العطف من باب عطف التفسير أو باعتبار تغاير المفهومين قرأ الجمهور نزل مشدداً مبنياً للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول وقرىء مخففاً مبنياً للفاعل وقرىء أنزل مبنياً للفاعل (ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل) قرأ الجمهور بالتحتية على الغيبة جرياً على ما تقدم، وقرىء على الخطاب التفاتاً، والمعنى النهي لهم أن يسلكوا سبيل اليهود والنصارى، الذين أوتوا التوراة والإنجيل من قبل نزول القرآن.
(فطال عليهم الأمد) أي طال عليهم الزمان بينهم وبين أنبيائهم، قرأ الجمهور الأمد بتخفيف الدال، وقرىء بتشديدها، أي الزمن الطويل، وقيل: المراد به على الأولى الأجل والغاية، يقال أمد فلان كذا أي غايته (فقست قلوبهم) بذلك السبب فلذلك حرفوا وبدلوا فنهى الله سبحانه أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن يكونوا مثلهم، وعن أبي بكر أن هذه الآية قرئت بين يديه، وعنده قوم من أهل اليمامة فبكوا بكاء شديداً، فنظر إليهم فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب.
(وكثير منهم فاسقون) أي خارجون عن الطاعة الله، لأنهم تركوا العمل بما أنزل إليهم، وحرفوا وبدلوا، ولم يؤمنوا بما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم: وقيل: هم الذين تركوا الإيمان بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقيل: هم الذين ابتدعوا الرهبانية وهم أصحاب الصوامع.
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (17) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (18) وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (19) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)
الحديد 57:17
(اعْلَمُوا) خطاب للمؤمنين المذكورين، وهم الصحابة الذين أكثروا المزاح فيكون في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب (أن الله يحيي الأرض بعد موتها) وهذا تمثيل لإحياء القلوب القاسية بالذكر والتلاوة، أو لإحياء الأموات ترغيباً في الخشوع وزجراً عن القساوة، وهذه إستعارة تمثيلية والمعنى من قدر على ذلك فهو قادر على أن يبعث الأجسام بعد موتها، ويلين القلوب بعد قسوتها، وإنما حمل على التمثيل لترتبط هذه الآية بما قبلها (قد بينا لكم الآيات) التي من جملتها هذه الآيات (لعلكم تعقلون) أي كي تعقلوا ما تضمنته من المواعظ، وتعملوا بموجب ذلك، أو لكي تكمل عقولكم.
الحديد 57:18
(إن المصدقين والمصدقات) قرأ الجمهور بتشديد الصاد في الموضعين من الصدقة، والأصل المتصدقين والمتصدقات، وقرىء على الأصل وقرىء بتخفيف الصاد في الموضعين من التصديق، أي صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به (وأقرضوا الله قرضاً حسناً) معطوف على اسم الفاعل في المصدقين والمصدقات، لأنه لما وقع صلة للألف واللام الموصولة حل محل الفعل، فكأنه قال: إن الذين تصدقوا وأقرضوا، كذا قال أبو علي الفارسي وغيره، وقيل: صلة الموصول محذوف أي والذين أقرضوا، وقيل: جملة معترضة بين أسم إن وخبرها، والقرض الحسن عبارة عن التصدق والإنفاق في سبيل الله مع خلوص نية، وصحة قصد، واحتساب أجر.
(يضاعف لهم) قرأ الجمهور بفتح العين على البناء للمفعول، والقائم مقام الفاعل إما الجار والمجرور، أو ضمير يرجع إلى المصدقين على حذف مضاف، أي ثوابهم، وقرىء يضاعفه بكسر العين وزيادة الهاء، وقرىء يضعف بتشديد العين وفتحها، والمضاعفة هنا إن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف (ولهم أجر كريم) وهو الجنة.
الحديد 57:19
(والذين آمنوا بالله ورسله) جميعاً (أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم) قال مجاهد: كل من آمن بالله ورسله فهو صديق، قال المقاتلان: هم الذين لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم ولم يكذبوهم، وقال مجاهد: هذه الآية للشهداء خاصة وهم الأنبياء الذين يشهدون للأمم وعليهم، واختار هذا الفراء والزجاج، وقال مقاتل بن سليمان: هم الذين استشهدوا في سبيل الله، وكذا قال ابن جرير، وقيل: هم أمم الرسل يشهدون يوم القيامة لأنبيائهم بالتبليغ، والظاهر أن معنى الآية إن (الذين آمنوا بالله ورسله) جميعاً بمنزلة الصديقين، والشهداء المشهورين بعلو الدرجة عند الله وقيل: إن الصديقين هم المبالغون في الصدق حيث آمنوا بالله وصدقوا جميع رسله، والقائمون لله سبحانه بالتوحيد.
أخرج ابن جرير.
" عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا هذه الآية "، وقال ابن مسعود: كل مؤمن صديق وشهيد، وعنه قال: إن الرجل ليموت على فراشه وهو شهيد، ثم تلا هذه الآية، وعن أبي هريرة نحوه، وقال ابن عباس في الآية. هذه مفصولة، والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، وأخرج ابن حبان: " عن عمرو بن مرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت إن شهدت أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وأديت الزكاة، وصمت رمضان وقمته، فمن أنا؟ قال: من الصديقين والشهداء ".
ثم بين سبحانه ما لهم من الخير بسبب ما اتصفوا به من الإيمان بالله ورسله فقال:
(لهم أجرهم ونورهم) الضمير الأول راجع إلى الموصول، والضميران الآخران راجعان إلى الصديقين والشهداء، أي لهم مثل أجرهم ونورهم، وأما على قول من قال إن الذين آمنوا بالله ورسله هم نفس الصديقين والشهداء، فالضمائر الثلاثة كلها راجعة إلى شيء واحد، والمعنى لهم الأجر والنور الموعودان لهم، ثم لما ذكر حال المؤمنين وثوابهم ذكر حال الكافرين وعقابهم فقال:
(والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) أي جمعوا بين الكفر والتكذيب (أولئك أصحاب الجحيم) يعذبون بها، ولا أجر لهم ولا نور، بل عذاب مقيم، وظلمة دائمة، ولما ذكر سبحانه حال الفريق الثاني وما وقع منهم من الكفر والتكذيب، وذلك بسبب ميلهم إلى الدنيا وتأثيرهم بيّن لهم حقارتها وأنها أحقر من أن تؤثر على الدار الآخرة فقال:
الحديد 57:20
(اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب) كلعب الصبيان (ولهو) كلهو الفتيان واللعب هو الباطل واللهو كل شيء يتلهى به ثم يذهب، قال قتادة: لعب ولهو أكل وشرب. قال مجاهد: كل لعب لهو، وقيل: اللعب ما رغب في الدنيا واللهو ما ألهى جمن الآخرة وشعل عنها، وقيل: اللعب الإقتناء، واللهو النساء، وقد تقدم تحقيق هذا في سورة الأنعام (وزينة) كزينة النسوان، والزينة التزين بمتاع الدنيا من اللباس والحلي ونحوهما، من دون عمل للآخرة (وتفاخر بينكم) كتفاخر الأقران قرأ الجمهور بتنوين تفاخر، وقرىء بالإضافة أي يفتخر به بعضكم على بعض، وقيل: يتفاخرون بالخلقة والقوة، وقيل: بالأنساب والأحساب كما كانت عليه العرب.
(وتكاثر) كتكاثر الدهقان، والتكاثر إدعاء الاستكثار (في الأموال والأولاد) أي يتكاثرون بأموالهم وأولادهم ويتطاولون بذلك على الفقراء، والمعنى أن التشاغل، وشغل البال بالحياة الدنيا، دائر بين هذه الأمور الخمسة اجتمعت أم لا، قال القشيري: وهذه الدنيا المذمومة هي ما يشغل العبد عن الآخرة فكل ما يشغله عن الآخرة فهو الدنيا، وأما الطاعات وما يعين عليها فمن أمور الآخرة.
وقال علي كرم الله وجهه لعمار بن ياسر: لا تحزن على الدنيا فإن الدنيا ستة أشياء مأكول ومشروب وملبوس ومشموم ومركوب ومنكوح، فأحسن طعامها العسل وهو بزقة ذبابة، وأكثر شرابها الماء وهو يستوي فيه جميع الحيوان، وأفضل ملبوسها الديباج وهو نسيج دودة، وأفضل مشمومها المسك وهو دم فأرة، وأفضل المركوب الفرس، وعليها تقتل الرجال، وأما المنكوح فهو النساء وهن مبال في مبال.
ثم بين سبحانه لهذه الحياة شبهاً، وضرب لها مثلاً، فقال:
(كمثل غيث) أي مطر (أعجب الكفار) أي الزراع، لأنهم يكفرون البذر، أي يغطونه بالتراب كما يستر الكافر حقيقة أنوار الإيمان بما يحصل منه من الجحد والطغيان (نباته) الحاصل به (ثم يهيج) أي يجف بعد نضارته وخضرته، قاله أبو السعود، وقيل: ييبس وفيه تسامح فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له، فالمعنى يطول جداً (فتراه مصفراً) أي متغيراً عما كان عليه من الخضرة والرونق إلى لون الصفرة والذبول، وقرىء مصفاراً.
(ثم يكون حطاماً) أي متفتتاً هشيماً متكسراً متحطماً بعد يبسه، شبه حال الدنيا وسرعة تقضيها مع قلة جدواها بنبات أنبته الغيث فاستوى وقوي، وأعجب به الناظرون إليه لخضرته، وكثرة نضارته، ثم لا يلبث أن يصير هشيماً تبناً كائن لم يكن، وقيل: المعنى إن الحياة الدنيا كزرع أنبته الغيث وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله فيما رزقهم من الغيث والنبات فبعث الله عليه العاهة فهاج واصفر، وصار حطاماً، عقوبة لهم على جحودهم كما فعل بأصحاب الجنة. وصاحب الجنتين وقد تقدم تفسير هذا المثل في سورة يونس والكهف. ثم لما ذكر سبحانه حقارة الدنيا وسرعة زوالها ذكر ما أعده للعصاة في الدار الآخرة وما أعده لأهل الطاعة فقال:
(وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ) أخبر بأن في الآخرة عذاباً شديداً، ومغفرة منه ورضواناً، وهذا معنى حسن، وهو أنه قابل العذاب بشيئين، بالمغفرة والرضوان، فهو من باب: لن يغلب عسر يسرين، والتنكير فيهما للتعظيم. قال قتادة: عذاب شديد لأعداء الله ومغفرة من الله ورضوان لأوليائه وأهل طاعته، قال الفراء: التقدير في الآية إما عذاب شديد وإما مغفرة، فلا يوقف على شديد، ثم ذكر سبحانه بعد الترهيب والترغيب حقارة الدنيا فقال:
(وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) لمن اغتر بها وركن إليها، واعتمد عليها، وعمل لها، ولم يعمل للآخرة، أي هي في نفسها غرور لا حقيقة له، وهذا يقتضي أن الإضافة بيانية، والمعنى وما التمتع بالدنيا إلا متاع أي تمتع هو الغرور، أي الإغترار، قال سعيد بن جبير: متاع الغرور لمن لم يشتغل بطلب الآخرة ومن اشتغل بطلبها فله متاع، بلاغ إلى ما هو خير منه، وهذه الجملة مقررة للمثل المقدم، ومؤكدة له، قال ذو النون: يا معشر المريدين لا تطلبوا الدنيا وإن طلبتموها فلا تحبوها، فإن الزاد منها، والمعيل في غيرها ثم ندب عباده إلى المسابقة إلى ما يوجب المغفرة من التوبة والعمل الصالح، فإن ذلك سبب إلى الجنة فقال: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (21) مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)
الحديد 57:21
(سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي سارعوا مسارعة السابقين بالأعمال الصالحة التي توجب لكم المغفرة من ربكم، وتوبوا مما وقع منكم من المعاصي وقيل: المراد بالآية التكبيرة الأولى مع الإمام، قاله مكحول، وقيل: المراد الصف الأول، ولا وجه لتخصيص ما في الآية بمثل هذا بل هو من جملة ما تصدق عليه صدقاً شمولياً أو بدلياً، وحاصل المعنى لتكن مفاخرتكم ومكاثرتكم في غير ما أنتم عليه من أمور الدنيا، بل احرصوا على أن تكون مسابقتكم في طلب الآخرة.
(وجنة عرضها كعرض السماء والأرض) أي كعرضهما وإذا كان هذا قدر عرضها فما ظنك بطولها، قال الحسن يعني جميع السموات السبع والأرضين السبع مبسوطات، كل واحدة إلى صاحبتها، وقيل: المراد بالجنة التي عرضها هذا العرض هي جنة كل واحد من أهل الجنة، وقال ابن كيسان: عنى به جنة واحدة من الجنات، والعرض أقل من الطول، ومن عادة العرب أنها تعبر عن الشيء بعرضه دون طوله، وقيل: المراد بالعرض السعة لا ضد الطول كما في قوله تعالى: (فذو دعاء عريض) وقيل: إن هذا تمثيل للعباد بما يعقلونه، ويقع في نفوسهم وأفكارهم، والأول أولى، وقد مضى تفسير هذا في سورة آل عمران. ثم وصف سبحانه تلك الجنة بصفة أخرى فقال: (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله) هذه الجملة مستأنفة، وفي هذا دليل على أنها مخلوقة، وعلى أن استحقاق الجنة يكون بمجرد الإيمان بالله ورسله ولكن هذا مقيد بالأدلة الدالة على أنه لا يستحقها إلا من عمل بما فرض الله عليه، واجتنب ما نهاه الله عنه، وهي أدلة كثيرة في الكتاب والسنة.
(ذلك) أي ما وعد به سبحانه من المغفرة والجنة (فضل الله يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) إعطاءه إياه تفضلاً وإحساناً، وفيه دليل على أنه لا يدخل أحد الجنة إلا بفضل الله لا بعمله (والله ذو الفضل العظيم) فهو يتفضل على من يشاء بما يشاء، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع؛ والخير كله بيده، وهو الكريم المطلق، والجواد الذي لا يبخل، فلا يبعد منه التفضل بذلك، وإن عظم قدره، ثم بين سبحانه أن ما يصاب به العباد من المصائب قد سبق بذلك قضاؤه وقدره، وثبت في أم الكتاب، فقال:
الحديد 57:22
(ما أصاب من مصيبة في الأرض) من زلزلة، وقحط مطر وجدب، وضعف نبات وقلته، ونقص ثمار وعاهة زرع، والمصيبة غلبت في الشر وقيل: المراد بها جميع الحوادث من خير وشر، وعلى الأول إنما خصت بالذكر دون الخير، لأنها أهم على البشر (ولا في أنفسكم) قال قتادة: بالأوصاب والأسقام، وقال مقاتل: إقامة الحدود، وقال ابن جريج: ضيق المعاش.
وقيل: موت الأولاد، واللفظ أوسع من ذلك (إلا في كتاب) أي إلا حال كونها مكتوبة في كتاب، وهو اللوح المحفوظ.
(من قبل أن نبرأها) أي نخلقها، والضمير عائد إلى المصيبة أو إلى الأنفس أو إلى الأرض أو إلى جميع ذلك، قاله المهدوي: وهو حسن، قال ابن عباس في الآية: هو شيء قد فرغ منه قبل أن تبرأ الأنفس (إن ذلك) أي إن إثباتها في الكتاب على كثرتها (على الله يسير) غير عسير.
الحديد 57:23
(لكيلا تأسوا) أي أخبرناكم بأنا قد فرغنا من التقدير لكيلا تحزنوا (على ما فاتكم) من الدنيا وسعتها أو من العافية وصحتها (ولا تفرحوا) أي لا تبطروا بطر المختال الفخور (بما آتاكم) منها أي أعطاكم، قرأ الجمهور بالمد. وقرىء بالقصر، أي جاءكم فإن ذلك يزول عن قريب لا يستحق أن يفرح بحصوله، ولا للحزن على فوته.
قيل: والفرح والحزن المنهى عنهما هما اللذان يتعدى فيهما إلى ما لا يجوز، وإلا فليس من أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن ينبغي أن يكون الفرح شكراً، والحزن صبراً، وإنما يلزم من الحزن الجزع المنافي للصبر، ومن الفرح الأشر المطغي الملهي عن الشكر، كما قال ابن عباس: ليس أحد إلا وهو يحزن ويفرح، ولكن من أصابته مصيبة جعلها صبراً، ومن أصابه خير جعله شكراً، وعنه قال: يريد مصائب المعاش، ولا يريد مصائب الدين، أمرهم أن يأسوا على السيئة ويفرحوا بالحسنة، قال جعفر بن الصادق رضي الله تعالى عنه: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرد إليك الفوت ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت.
(والله لا يحب كل مختال فخور) أي لا يحب من اتصف بهاتين الصفتين وهما الاختيال والافتخار، قيل: هو ذم للفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر، وقيل: إن من فرح بالحظوظ الدنيوية وعظمت في نفسه اختال وافتخر بها، وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الإستحقار، والأولى تفسير هاتين الصفتين بمعناهما الشرعي ثم اللغوي فمن حصلتا فيه فهو الذي لا يحبه الله.
الحديد 57:24
(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل) قرأ الجمهور بضم الباء وسكون الخاء وقرىء بفتحتين وهي لغة الأنصار، وقرىء بفتح الباء وإسكان الخاء وضمهما، كلها لغات وهو كلام مستأنف لا تعلق له بما قبله، والخبر مقدر أي الذين يبخلون بما يجب عليهم من المال كزكاة وكفارة، ومن تعليم العلم ونشره وإذاعة أوصاف النبي صلى الله عليه وسلم، فالله غني عنهم، وقيل: الموصول في محل جر بدل من مختال، وهو بعيد، فإن هذا البخل بما في اليد وأمر الناس بالبخل ليس هو معنى المختال الفخور، لا لغة ولا شرعاً، وقيل: نعت له، وهو أيضاًً بعيد.
ويدل على الأول قوله: (ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد) أي ومن يعرض عن الإنفاق فإن الله غني عنه، محمود عند خلقه، لا يضره ذلك، قرأ الجمهور بإثبات ضمير الفصل وقرىء بحذفه قال سعيد بن جبير الذين يبخلون بالعلم ويأمرون الناس بالبخل لئلا يعلموا الناس شيئاًً وقال زيد بن أسلم إنه البخل بأداء حق الله، وقيل: إنه البخل بالصدقة، وقال طاوس: إنه البخل بما في يديه، وقيل: أراد رؤساء اليهود الذين بخلوا ببيان صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم، لئلا يؤمن به الناس فتذهب مآكلهم، قاله السدي والكلبي.
لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (26)
الحديد 57:25
(لقد) لام قسم (أرسلنا رسلنا) أي الملائكة، قاله الزمخشري والمحلي، وفيه بعد، وجمهور المفسرين على حمل الرسل على البشر (بالبينات) أي بالمعجزات البينة، والشرائع الظاهرة (وأنزلنا معهم الكتاب) المراد الجنس، فيدخل فيه كتاب كل رسول (والميزان ليقوم الناس بالقسط) قال قتادة ومقاتل بن حيان: الميزان العدل، والمعنى أمرناكم بالعدل كما في قوله: (والسماء رفعها ووضع الميزان)، وقوله: (الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان) وقال ابن زيد: هو ما يوزن به ويتعامل به، والمعنى ليتبعوا ما أمروا به من العدل فيتعاملوا فيما بينهم بالنصفة، والقسط العدل، وهو يدل على أن المراد بالميزان العدل، ومعنى إنزاله إنزال أسبابه وموجباته، وعلى القول بأن المراد به الآلة التي يوزن بها فيكون إنزاله بمعنى إرشاد الناس إليه، وإلهامهم الوزن به، ويكون الكلام من باب: (علفتها تبناً وماءاً بارداً).
(وأنزلنا الحديد) أي خلقناه كما في قوله: (وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج) وهذا قول الحسن، والمعنى أنه خلقه وأخرجه من المعادن، وعلم الناس صنعته، وقيل: إنه نزل مع آدم (فيه بأس شديد) لأنه تتخذ منه آلات الحرب، قال الزجاج: يمتنع به ويحارب، والمعنى أنه تتخذ منه آلة للدفع وآلة للضرب، قال مجاهد: فيه جنة وسلاح وقوة وشدة (ومنافع للناس) أي أنهم ينتفعون به في كثير مما يحتاجون إليه، مثل السكين والفأس والإبرة وآلات الزراعة والتجارة والعمارة، قال البيضاوي: ما من صنعة إلا والحديد آلتها أي له دخل في آلتها، وهذا الحصر كلي كما هو مشاهد.
(وليعلم الله من ينصره ورسله) معطوف على قوله: ليقوم أي لقد أرسلنا رسلنا، وفعلنا كيت وكيت، ليقوم الناس، وليعلم الله علم مشاهدة أو معطوف على علة مقدرة كأنه قيل: ليستعملوه وليعلم الله، والأول أولى، والمعنى أن الله أمر في الكتاب الذي أنزل بنصرة دينه ورسله فمن نصر دينه ورسله علمه ناصراً، ومن عصى علمه بخلاف ذلك، ومعنى (بالغيب) غائباً عنهم أو غائبين عنه.
(إن الله قوي عزيز) أي قادر على كل شيء غالب لكل شيء، وليس له حاجة في أن ينصره أحد من عباده وينصر رسله، بل كلفهم بذلك لينتفعوا به إذا امتثلوا، ويحصل لهم ما وعد به عباده المطيعين، قال أبو نصر العتبي: وقد كان يختلج في صدري معنى هذه الآية لجمعها بين الكتاب والميزان والحديد على تنافر ظاهرها في المناسبة، وبعدها قبل الروية والإستنباط، وسألت عدة من أعيان العلماء المذكورين بالتفسير، والمشهورين من بينهم بالتذكير فلم أحصل منهم على جواب، حتى أعملت التفكر، وأمعنت التدبر، فوجدت الكتاب قانون الشريعة، ودستور الأحكام الدينية يبين سبل المراشد، ويفصل جمل الفرائض، فيرتهن مصالح الأبدان والنفوس، ويتضمن جوامع الأحكام والحدود، قد حظر فيه التعادي والتظالم، ورفض التباغي والتخاصم، وأمر بالتناصف والتعادل في أقسام الأرزاق المخرجة لهم، بين رجع السماء وصدع الأرض، ليكون ما يصل منها إلى أهل الخطاب بحسب الاستحقاق بالتكسب، دون التغلب والتوثب، واحتاجوا في استدامة حياتهم بأقواتهم مع الصفة المندوب إليها إلى استعمال آلة للعدل، يقع بها التعامل، ويعم معها التساوي والتعادل فألهمهم الله تعالى اتخاذ الآلة التي هي الميزان، فيما يأخذونه ويعطونه، لئلا يتظالموا بمخالفته، فيهلكوا به إذ لم يكن ينتظم لهم العيش مع سوغ ظلم البعض منهم على البعض.
ويدل على هذا المعنى قوله تعالى (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) وذلك أنه تعالى جعل السماء علة للأرزاق والأقوات من أنواع الحبوب والنبات، فكان ما يخرج منها من أغذية العباد، ومرافق حياتهم، مضطراً إلى أن يكون اقتسامه بينهم على الإنصاف دون الجزاف، ولم يكن يتم ذلك إلا بهذه الآلة المذكورة، فنبه الله تعالى على موقع الفائدة والعائدة بها، بتكرير ذكره، فكان ما تقدم ذكره معنى الكتاب والميزان.
ثم إنه من المعلوم أن الكتاب الجامع للأوامر الإلهية، والآلة الموضوعة للعامل بالسوية إنما يحفظ على إتباعهما ويضطر العالم إلى التزام أحكامهما بالسيف، الذي هو حجة الله تعالى على من جحد وعند، ونزع من صفة الجماعة اليد، وهو بارق سطوته، وشهاب نقمته، وجذوة عقابه، وعذبة عذابه، فهذا السيف هو الحديد، الذي وصفه الله تعالى بالبأس الشديد، فجمع بالقول الوجيز معاني كثيرة الشعوب، متدانية الجنوب، محكمة المطالع، مقومة المبادىء والمقاطع، فظهر بهذا التأويل معنى الآية، وبان أن السلطان خليفة الله على خلقه، وأمينه على رعاية حقه، بما قلده من سيفه، ومكن له في أرضه. انتهى المقصود منه.
ولما ذكر إرسال الرسل إجمالاً أشار هنا إلى نوع تفصيل، فذكر رسالته لنوح وإبراهيم فقال:
الحديد 57:26
(ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم) كرر القسم للتوكيد، ولإظهار مزيد الإعتناء بالأمر، ونوح هو الأب الثاني لجميع البشر، وإبراهيم أبو العرب والروم وبني إسرائيل (وجعلنا في ذريتهما) أي نوح وإبراهيم (النبوة والكتاب) أي الكتب الأربعة المنزلة على الأنبياء منهم، وقيل: جعل بعضهم أنبياء وبعضهم يتلون الكتاب، وقيل: الكتاب الخط بالقلم، يقال كتب كتابة وكتاباً.
(فمنهم مهتد) أي: فمن الذرية من اهتدى بهدي نوح وإبراهيم وقيل: المعنى فمن المرسل إليهم من قوم الأنبياء مهتد بما جاء به الأنبياء من الهدى، والأول أولى، لتقدم ذكرهم لفظاً وأما الثاني فلدلالة أرسلنا والمرسلين عليه (وكثير منهم فاسقون) أي: خارجون عن الطاعة وقيل: المراد بالفاسق هنا الذي ارتكب الكبيرة سواء كان كافراً أو لم يكن لإطلاق هذا الإسم وهو يشمل الكافر وغيره، وقيل: المراد به هنا الكافر لأنه جعل الفساق ضد المهتدين.
ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (27) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (29)
الحديد 57:27
(ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ) أي أتبعنا على آثار الذرية، أو على آثار نوح وإبراهيم ومن أرسلا إليهم، أو من عاصرهما من الرسل (برسلنا) الذين أرسلناهم إلى الأمم كموسى وإلياس وداود وسليمان وغيرهم (وقفينا بعيسى ابن مريم) أي أرسلنا رسولاً بعد رسول حتى انتهى إلى عيسى ابن مريم، وهو من ذرية إبراهيم من جهة أمه.
(وآتيناه الإنجيل) وهو الكتاب الذي أنزله الله عليه وقد تقدم ذكر إشتقاقه في سورة آل عمران قرأ الجمهور إنجيل بكسر الهمزة وقرىء بفتحها.
(وجعلنا في قلوب الذين أتبعوه) على دينه، وهم الحواريون وأتباعهم (رأفة) أي مودة، فكان يود بعضهم بعضاً (ورحمة) يتراحمون بها، وقيل: هذا إشارة إلى أنهم أمروا في الإنجيل بالصلح وترك إيذاء الناس، فألان الله قلوبهم لذلك، بخلاف اليهود الذين قست قلوبهم، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وأصل الرأفة اللين، والرحمة الشفقة، وقيل: الرأفة أشد الرحمة.
(ورهبانية ابتدعوها) أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها فالنصب على الاشغال وليس بمعطوفة على ما قبلها وقيل: معطوفة على ما قبلها أي وجعلنا في قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية مبتدعة من عند أنفسهم، والأول أولى ورجحه أبو علي الفارسي والزمخشري وأبو البقاء وجماعة إلا أن هؤلاء يقولون: إنه إعراب المعتزلة وذلك أنهم يقولون: ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له فالرأفة والرحمة لما كانتا من فعل الله نسب خلقهما إليه، والرهبانية لما لم تكن من فعل الله تعالى، بل من فعل العبد يستقل بفعلها نسب ابتداعها إليه والرهبانية بفتح الراء وضمها وقد قرىء بهما وهي بالفتح الخوف من الرهب وبالضم منسوبة إلى الرهبان، وذلك لأنهم غلوا في العبادة وحملوا على أنفسهم المشقات في الامتناع من المطعم والمشرب والمنكح والملبس وتعلقوا بالكهوف والصوامع والغيران والديرة، لأن ملوكهم غيروا وبدلوا وبقي منهم نفر قليل فترهبوا وتبتلوا، ذكر معناه الضحاك وقتادة وغيرهما وإنما خصت بذكر الابتداع لأن الرأفة والرحمة في القلب أمر غريزي لا تكسب للإنسان فيه بخلاف الرهبانية فإنها من أفعال البدن وللإنسان فيها تكسب.
(ما كتبناها عليهم) صفة ثانية لرهبانية أو مستأنفة مقررة، لكونها مبتدعة من جهة أنفسهم، والمعنى: ما فرضناها عليهم (إلا ابتغاء رضوان الله) الإستثناء منقطع، أي ما كتبناها نحن عليهم رأساً، ولكن ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، وإلى هذا ذهب قتادة وجماعة، وقيل: متصل، أي ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله، ويكون كتب بمعنى قضى، وهذا قول مجاهد، وقال الزجاج: معناه لم نكتب عليهم شيئاً البتة، قال: ويكون إلا ابتغاء رضوان الله بدلاً من الهاء والألف في كتبناها، والمعنى ما كتبنا عليهم إلا ابتغاء رضوان الله.
(فما رعوها حق رعايتها) أي لم يرعوا هذه الرهبانية التي ابتدعوها من جهة أنفسهم، وما قاموا بها حق القيام، بل ضيعوها، وكفروا بدين عيسى، وضموا إليها التثليث، ودخلوا في دين الملوك الذين غيروا وبدلوا، وتركوا الترهب ولم يبق على دين عيسى إلا قليل منهم، وهم المرادون بقوله: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ) الذي يستحقونه بالإيمان، وذلك لأنهم آمنوا بعيسى وثبتوا على دينه حتى آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم لما بعثه الله.
(وكثير منهم فاسقون) أي: خارجون عن الإيمان بما أمروا أن يؤمنوا به، ووجه الذم لهم على تقدير أن الإستثناء منقطع، أنهم قد كانوا ألزموا أنفسهم الرهبانية معتقدين أنها طاعة، وأن الله يرضاها، فكان تركها وعدم رعايتها حق الرعاية يدل على عدم مبالاتهم بما يعتقدونه ديناً، وأما على القول بأن الإستثناء متصل، وأن التقدير: ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا ليبتغوا بها رضوان الله، بعد أن وفقناهم لإبتداعها، فوجه الذم ظاهر.
عن " ابن مسعود في الآية قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عبد الله قلت لبيك يا رسول الله ثلاث مرات، قال: هل تدري أي عرى الإسلام أوثق؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أفضل الناس أفضلهم عملاً إذا فقهوا في دينهم يا عبد الله هل تدري أي الناس أعلم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس، وإن كان مقصراً بالعمل، وإن كان يزحف على استه، واختلف من كان قبلنا على اثنتين وسبعين فرقة، نجا منها ثلاث، وهلك سائرها، فرقة وازرت الملوك وقاتلتهم على دين الله وعيسى ابن مريم، وفرقة لم تكن لهم طاقة على موازرة الملوك فأقاموا بين ظهراني قومهم، فدعوهم إلى دين الله ودين عيسى، فقتلهم الملوك ونشرتهم المناشير، وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازرة الملوك ولا بالمقام معهم، فساحوا في الجبال وترهبوا فيها، وهم الذين قال الله:
(ورهبانية ابتدعوها) إلى قوله: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ)، وهم الذين آمنوا بي وصدقوني، (وكثير منهم فاسقون)، هم الذين جحدوني وكفروا بي، أخرجه عبد بن حميد وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب وغيرهم.
" وعن ابن عباس قال: كانت ملوك بعد عيسى بدلت التوراة والإنجيل، فكان منهم مؤمنون يقرأون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شيئاًً أشد من شتم يشتمنا هؤلاء إنهم يقرأون: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون)، (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)، مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعوهم فليقرأوا كما نقرأ، وليؤمنوا كما آمنا فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتل أو ليتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منهما، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك دعونا نحن نكفيكم أنفسنا، فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة ثم ارفعونا إليها ثم اعطونا شيئاًً نرفع به طعامنا وشرابنا. ولا نرد عليكم، وقالت طائفة: دعونا نسبح في الأرض ونهيم ونأكل مما تأكل الوحوش، ونشرب مما تشرب، فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا، وقالت طائفة منهم: ابنوا لنا دوراً في الفيافي ونحتفر الآبار ونحرث البقول فلا نرد عليكم، ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم فيهم، ففعلوا ذلك فأنزل الله (رهبانية ابتدعوها) الآية.
وقال الآخرون ممن تعبد من أهل الشرك، وفني من فني منهم، قالوا: نتعبد كما تعبد فلان "، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين افتدوا بهم، فلما بعث الله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبق منهم إلا قليل، انحط صاحب الصومعة من صومعته، وجاء السياح من سياحته وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) الآية " أخرجه النسائي وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.
" وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد في سبيل الله " أخرجه أحمد وأبو يعلى والبيهقي في الشعب، ثم أمر الله سبحانه المؤمنين بالرسل المتقدمين، بالتقوى والإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال:
الحديد 57:28
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) بترك ما نهاكم عنه (وآمنوا برسوله) محمد صلى الله عليه وسلم (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) أي نصيبين ضخمين بسبب إيمانكم برسوله بعد إيمانكم بمن قبله من الرسل، قال ابن عباس: أي أجرين بإيمانهم بعيسى عليه السلام، ونصب أنفسهم والتوراة والإنجيل وبإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقهم، ولا يبعد أن يثابوا على دينهم السابق، وإن كان منسوخاً ببركة الإسلام، وقيل: الخطاب للنصارى الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم، وأصل الكفل الحظ والنصيب؛ وقد تقدم الكلام على تفسيره في سورة النساء.
قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه: كفلين ضعفين؛ وهي بلسان الحبشة، وقال ابن عمر: الكفل ثلثمائة جزء وخمسون جزءاً من رحمة الله، " وعن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لهم أجران؛ رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم والعبد المملوك الذي أدى حق مواليه وحق الله ورجل كانت عنده أمة يطؤها فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها فتزوجها فله أجران " أخرجه الشيخان.
(ويجعل لكم نوراً تمشون به) يعني على الصراط، كما قال: (نورهم يسعى بين أيديهم)، وقيل: النور هو القرآن، وقيل: هو الهدى والبيان، أي يجعل لكم سبيلاً واضحاً في الدين تهتدون به (ويغفر لكم) ما سلف من ذنوبكم قبل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم (والله غفور رحيم) أي بليغ المغفرة والرحمة.
الحديد 57:29
(لئلا يعلم أهل الكتاب) أي التوراة، واللام متعلقة بما تقدم من الأمر بالإيمان والتقوى، أي اتقوا وآمنوا يؤتكم كذا وكذا ليعلم الذين لم يتقوا ولا آمنوا من أهل الكتاب، ولا في لئلا زائدة قاله الفراء والأخفش وغيرهما (ألا يقدرون على شيء) أي ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على أن ينالوا شيئاً (من فضل الله) الذي تفضل به على من آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يقدرون على دفع ذلك الفضل الذي تفضل الله به على المستحقين له، ولا يتمكنون من نيله لأنهم لم يؤمنوا برسوله، وهو مشروط بالإيمان به، وقيل: الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم؛ ولا غير مزيدة، والمعنى لئلا يعتقد أهل الكتاب أنه لا يقدر النبي والمؤمنون على شيء من فضل الله الذي هو عبارة عما أوتوه والأول أولى.
(و) جملة (أن الفضل بيد الله) معطوفة على الجملة التي قبلها أي ليعلموا أنهم لا يقدرون، وليعلموا أن الفضل الخ (يؤتيه من يشاء) من عباده والظاهر أنه مستأنف، وقيل: هو خبر ثان عن الفضل (والله ذو الفضل العظيم) جملة مقررة لمضمون ما قبلها، والمراد بالفضل هنا ما تفضل به على الذين اتقوا وآمنوا برسوله من الأجر المضاعف، وقال الكلبي: هو رزق الله وقيل: نعم الله التي لا تحصى، وقيل هو الإسلام.
المجادلة 58:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة المجادلة
(اثنتان وعشرون آية وهي مدنية)
قال القرطبي: في قول الجميع، إلا رواية عن عطاء أن العشر الأول منها مدني، وباقيها مكي، وقال الكلبي: نزلت جميعها بالمدينة غير قوله: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ) نزلت بمكة، وقال ابن عباس: نزلت بالمدينة وعن ابن الزبير مثله والمجادلة بكسر الدال كما ذكره السعد في حواشي الكشاف وفي الشهاب بفتح الدال وكسرها والثاني هو المعروف كما في الكشاف وهذه السورة أول النصف الثاني من القرآن، باعتبار عدد السور، فهي الثامنة والخمسون منها، وهي أول العشر الأخير من القرآن باعتبار عدد أجزائه، وليس فيها آية إلاَّ وفيها ذكر الجلالة مرة أو مرتين أو ثلاثاً وجملة ما فيها من الجلالات خمس وثلاثون.
بسم الله الرحمن الرحيم
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4)
(قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا) أي تراجعك الكلام في شأنه أي أجاب قولها ومطلوبها بأن أنزل حكم الظهار على ما يوافق مطلوبها، وعلى هذا فقد للتحقيق، ومن قال إنها للتقريب والتوقع فلم يلاق المعنى، وقد سمع بإظهار الدال وإدغامها في السين قراءتان سبعيتان.
(وتشتكي إلى الله)، أي تظهر ما بها من المكروه والفاقة والوحدة، والمجادلة هذه الكائنة منها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه كان كلما قال لها قد حرمت عليه، قالت والله ما ذكر طلاقاً، ثم تقول: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي، وأن لي صبية صغاراً إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إلي جاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، فهذا معنى قوله: (وتشتكي إلى الله) قال الواحدي: قال المفسرون: نزلت هذه الآية في خولة بنت ثعلبة، وزوجها أوس بن الصامت، وكان به لمم فاشتد به لممه ذات يوم فظاهر منها، ثم ندم على ذلك، وكان الظهار طلاقاً في الجاهلية، وقيل: هي خولة بنت حكيم، وقيل: اسمها جميلة، والأول أصح. وقيل: هي بنت خويلد قال الماوردي: إنها نسبت تارة إلى أبيها وتارة إلى جدها وأحدهما أبوها والآخر جدها فهي خولة بنت ثعلبة بن خويلد.
روي أن عمر بن الخطاب مر بها في زمن خلافته وهو على حمار والناس حوله فاستوقفته ووعظته، فقيل له: أتقف لهذه العجوز هذا الموقف؟ فقال أتدرون من هذه العجوز؟ هي خولة بنت ثعلبة سمع الله قولها من فوق سبع سموات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر؟
(والله يسمع تحاوركما) مستأنفة جارية مجرى التعليل لما قبلها، أي والله يعلم تراجعكما في الكلام من حاور إذا راجع، أو حور إذا رجع، أو جملة حالية وهو بعيد. وقد أخرج ابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم.
" عن عائشة قالت: تبارك الذي وسع سمعه كل شيء إني لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة ويخفي علي بعضه وهي تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي تقول: يا رسول الله أكل شبابي، ونثرت له بطني، حتى إذا كبر سني وانقطع ولدي ظاهر مني اللهم إني أشكو إليك، قالت: فما برحت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) وهو أوس بن الصامت ".
(إن الله سميع بصير) يسمع كل مسموع، ويبصر كل مبصر، ومن جملة ذلك ما جادلتك به هذه المرأة، أخرج أحمد وأبو داود وابن المنذر والطبراني والبيهقي.
" من طريق يوسف بن عبد الله قال: حدثتني خولة بنت ثعلبة قالت: فيّ والله وفي أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عنده وكان شيخاً كبيراً قد ساء خلقه، فدخل علي يوماً فراجعته بشيء فغضب فقال: أنت عليّ كظهر أمي، ثم رجع فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني عن نفسي، قلت: كلا والذي نفس خولة بيده لا تصل إلي، وقد قلت ما قلت، حتى يحكم الله ورسوله فينا، ثم جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكرت ذلك له، فما برحت حتى نزل القرآن، فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما كان يتغشاه ثم سري عنه، فقال لي: يا خولة قد أنزل الله فيك وفي صاحبك، ثم قرأ عليّ (قد سمع) إلى قوله: (عذاب أليم) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مريه فليعتق رقبة، قلت: يا رسول الله ما عنده ما يعتق، قال: فليصم شهرين متتابعين، قلت: والله إنه لشيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكيناً وسقاً من تمر، قلت: والله ما ذاك عنده، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأنا سأعينه بعذق من تمر فقلت: وأنا يا رسول الله سأعينه بوسق آخر فقال قد أصبت وأحسنت فاذهبي وتصدقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً قالت: ففعلت "، وفي الباب أحاديث.
ثم بين سبحانه شأن الظهار في نفسه وذكر حكمه بطريق الاستئناف فقال:
المجادلة 58:2
(الذين يظاهرون) بضم الياء وتخفيف الظاء وكسر الهاء، وقرأ الجمهور يظهرون بالتشديد مع فتح حرف المضارعة، وقرىء يظاهرون بفتح الياء وتشديد الظاء وزيادة ألف، وقد تقدم مثل هذا في سورة الأحزاب وقرىء يتظاهرون وكلها سبعيات ومعنى الظهار شرعاً أن يقول لامرأته: أنت عليّ كظهر أمي، أنت مني أو معي أو عندي كظهر أمي ولا خلاف في كون هذا ظهاراً، واختلفوا إذا قال أنت علي كظهر ابنتي أو أختي أو غير ذلك من ذوات المحارم، فذهب جماعة منهم أبو حنيفة ومالك إلى أنه ظهار وبه قال الحسن والنخعي والزهري والأوزاعي والثوري، وقال جماعة منهم قتادة والشعبي: إنه لا يكون ظهاراً بل يختص الظهار بالأم وحدها واختلفت الرواية عن الشافعي فروي عنه كالقول الأول وكالقول الثاني.
وأصل الظهار مشتق من الظهر وهو لغة العلو وليس هو من ظهر الإنسان واختلفوا إذا قال لامرأته: أنت عليّ كرأس أمي أو يدها أو رجلها أو نحو ذلك، هل يكون ظهاراً أم لا؟ وهكذا إذا قال: أنت عليّ كأمي ولم يذكر الظهر، والظاهر أنه إذا قصد بذلك الظهار كان ظهاراً، وروي عن أبي حنيفة أنه إذا شبهها بعضو من أمه يحل له النظر إليه لم يكن ظهاراً، وروي عن الشافعي أنه لا يكون الظهار إلا في الظهر وحده، واختلفوا إذا شبه امرأته بأجنبية فقيل: يكون ظهاراً، وقيل: لا، والكلام في هذا مبسوط في كتب الفروع.
(منكم) أي حال كونهم منكم أيها العرب، وهذا توبيخ لهم، وتهجين لعادتهم، لأن الظهار كان خاصاً بالعرب ومن أيمان جاهليتهم دون سائر الأمم (من نسائهم) يعني يحرمون زوجاتهم كتحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم، يقولون لهن: أنتن كظهور أمهاتنا (ما هن أمهاتهم) أي ما نساؤهم بأمهاتهم فذلك كذب بحت منهم، وإنه منكر وزور، وفي هذا توبيخ للمظاهرين وتبكيت لهم قرأ الجمهور أمهاتهم بالنصب على اللغة الحجازية في إعمال (ما) عمل ليس، وقرىء بالرفع على عدم الإعمال، وهي لغة نجد وبني أسد. ثم بيّن لهم سبحانه أمهاتهم على الحقيقة فقال:
(إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) أي ما أمهاتهم إلا النساء اللاتي ولدنهم، يريد أن الأمهات على الحقيقة الوالدات، والمرضعات ملحقات بالوالدات بواسطة الرضاع، وكذا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، لزيادة حرمتهن وأما الزوجات فأبعد شيء من الأمومة فلذا زاد سبحانه في توبيخهم وتقريعهم فقال:
(وإنهم ليقولون منكراً من القول وزوراً) أي وإن المظاهرين ليقولون بقولهم هذا فظيعاً من القول، ينكره الشرع، والزور: الكذب الباطل، المنحرف عن الحق (وإن الله لعفو غفور) أي بليغ العفو والمغفرة إذ جعل الكفارة عليهم، مخلصة لهم عن هذا القول المنكر ولما ذكر سبحانه الظهار إجمالاً، ووبخ فاعليه، شرع في تفصيل أحكامه فقال:
المجادلة 58:3
(والذين يظاهرون من نسائهم) أي والذين يقولون ذلك القول المنكر الزور، ويمتنعون بهذا اللفظ من جماعهن (ثم يعودون لما قالوا) أي إلى ما قالوا بالتدارك والتلافي، كما في قوله (أن تعودوا لمثله)، أي إلى مثله، قال الأخفش: (لما قالوا) وإلى ما قالوا يتعاقبان، قال: (والحمد لله الذي هدانا لهذا) وقال: (فاهدوهم إلى صراط الجحيم) وقال: (بأن ربك أوحى لها) وقال (وأوحى إلى نوح) وقال الفراء: اللام بمعنى عن والمعنى ثم يرجعون عما قالوا ويريدون الوطء، وقال الزجاج: المعنى ثم يعودون إلى إرادة الجماع من أجل ما قالوا.
واختلف أهل العلم في تفسير العود المذكور على أقوال، الأول أنه العزم على الوطء، وبه قال العراقيون أبو حنيفة وأصحابه. وروي عن مالك: وقيل هو الوطء نفسه، وبه قال الحسن، وروي أيضاًً عن مالك، وقيل: هو أن يمسكها زوجة بعد الظهار مع القدرة على الطلاق، وبه قال الشافعي، وقيل: هو الكفارة، والمعنى أنه لا يستبيح وطأها إلا بكفارة، وبه قال الليث بن سعد، وروي عن أبي حنيفة، وقيل: هو تكرير الظهار بلفظه وبه قال أهل الظاهر وروي عن بكير بن الأشج وأبي العالية والفراء والمعنى ثم يعودون إلى قول ما قالوا وقيل: المعنى يعودون إليه بالنقض والرفع والإزالة وإلى هذا الاحتمال ذهب أكثر المجتهدين وقيل: معنى العود السكوت عن الطلاق بعد الظهار وقيل: العود الندم أي يندمون فيرجعون إلى الألفة.
قال ابن عباس في الآية: هو الرجل يقول لامرأته: أنت علي كظهر أمي فإذا قال ذلك فليس يحل له أن يقربها بنكاح ولا غيره، حتى يكفر بعتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا والمس النكاح فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً وإن هو قال لها أنت علي كظهر أمي إن فعلت كذا فليس يقع في ذلك ظهار حتى يحنث فإن حنث فلا يقربها حتى يكفر: ولا يقع في الظهار طلاق.
(فتحرير رقبة) أي فالواجب عليهم إعتاق رقبة يقال: حررته أي جعلته حراً والظاهر أنها تجزىء أي رقبة كانت وقيل: يشترط أن تكون مؤمنة كالرقبة في كفارة القتل وبالأول قال أبو حنيفة وأصحابه وبالثاني قال مالك والشافعي واشترطا أيضاًً سلامتها من كل عيب ولم يجز المدبر وأم الولد والمكاتب الذي أدى شيئاًً، قال الأخفش: الآية فيها تقديم وتأخير والمعنى والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما كانوا عليه من الجماع، فتحرير رقبة لما قالوا أي فعليهم تحرير رقبة من أجل ما قالوا، فالجار في قوله: (لما قالوا) متعلق بالمحذوف الذي هو خبر المبتدأ وهو فعليهم.
(من قبل أن يتماسا) المراد بالتماس هنا الجماع وبه قال الجمهور فلا يجوز للمظاهر الوطء حتى يكفر، وقيل: إن المراد به الاستمتاع بالجماع أو اللمس أو النظر إلى الفرج بشهوة، وبه قال مالك، وهو أحد قولي الشافعي (ذلكم) أي الحكم المذكور (توعظون به) أي تؤمرون أو تزجرون به عن ارتكاب الظهار، فإن الغرامات مزاجر عن تعاطي الجنايات وفيه بيان ما هو المقصود من شرع الكفارة، قال الزجاج: معنى الآية ذلكم التغليظ في الكفارة توعظون به أي إن غلظ الكفارة وعظ لكم حتى تتركوا الظهار، لأن الحكم بالكفارة دليل على ارتكاب الجناية، فيجب أن تتعظوا بهذا الحكم، حتى لا تعودوا إلى الظهار وتخافوا عقاب الله عليه.
(والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، فهو مجازيكم عليها.
" قال ابن عباس: أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: إني ظاهرت من امرأتي فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر فوقعت عليها قبل أن أكفِّر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ألم يقل الله (من قبل أن يتماسا) قال: قد فعلت يا رسول الله، قال: أمسك عنها حتى تكفر " [[رواه الحاكم.]]، وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي.
" عن ابن عباس أن رجلاً قال: يا رسول الله إِني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها من قبل أن أكفِّر، فقال: وما حملك على ذلك؟ قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر، قال: فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله " ثم ذكر سبحانه حكم العاجز عن الكفارة فقال:
المجادلة 58:4
(فمن لم يجد) لرقبة في ملكة، ولا تمكن من قيمتها (فصيام) أي فعليه صيام (شهرين متتابعين) متواليين لا يفطر فيهما، فإن أفطر استأنف إن كان الإفطار لغير عذر، وإن كان لعذر من مرض أو سفر فقال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء بن أبي رباح وعمرو بن دينار والشعبي والشافعي ومالك: إنه يبني ولا يستأنف، وقال أبو حنيفة: إنه يستأنف، وهو مروي عن الشافعي ومعنى (من قبل أن يتماسا) ما تقدم قريباً فلو وطىء ليلاً أو نهاراً عمداً أو خطأً استأنف، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: لا يستأنف إذا وطىء ليلاً، لأنه ليس محلاً للصوم والأول أولى.
(فمن لم يستطع) صيام شهرين متتابعين (فإطعام ستين مسكيناً) أي فعليه أن يطعم ستين مسكيناً لكل مسكين مدان، وهما نصف صاع، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه، وقال الشافعي وغيره لكل مسكين مد واحد من غالب قوت البلد، والظاهر من الآية أن يطعمهم حتى يشبعوا مرة واحدة أو يدفع إليهم ما يشبعهم ولا يلزمه أن يجمعهم مرة واحدة بل يجوز له أن يطعم بعض الستين في يوم، وبعضهم في يوم آخر عن أبي هريرة ثلاث فيه مد، كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الصيام.
(ذلك) أي ما تقدم من البيان وتعليم الأحكام والتنبيه عليها واقع أو فعلنا ذلك (لتؤمنوا بالله ورسوله) وتعملوا بشرائعه التي شرعها لكم وتصدقوا أن الله أمر بها، أو لتطيعوا الله ورسوله في الأوامر والنواهي، وتقفوا عند حدود الشرع ولا تتعدوها، ولا تعودوا إلى الظهار الذي هو منكر من القول وزور أخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه غيرهم " عن سلمة بن صخر الأنصاري فقال: كنت رجلاً قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان، فرقاً من أن أصيب منها في ليلي، فأتتابع في ذلك، ولا أستطيع أن أنزع حتى يدركني الصبح، فبينما هي تخدمني ذات ليلة إذ انكشف لي منها شيء فوثبت عليها، فلما أصبحت غدوت على قومي فأخبرتهم خبري، فقلت: انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بأمري فقالوا: لا والله، لا تفعل نتخوف أن ينزل فينا القرآن، أو يقول فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقالة يبقى علينا عارها، ولكن اذهب أنت فاصنع ما بدا لك، قال: فخرجت فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرته خبري، فقال أنت بذاك، قلت: أنا بذاك. قال: أنت بذاك، قلت: أنا بذاك. قال أنت بذاك، قلت: أنا بذاك. وها أنا ذا فامض في حكم الله، فإني صابر لذلك، قال: أعتق رقبة، فضربت عنقي بيدي فقلت: لا والذي بعثك بالحق ما أصبحت أملك غيرها، قال: فصم شهرين متتابعين، فقلت: هل أصابني ما أصابني إلا في الصيام قال: فأطعم ستين مسكيناً، قلت: والذي بعثك بالحق لقد بتنا ليلتنا هذه وحشاً ما لنا عشاء، قال: اذهب إلى صاحب صدقة بني زريق، فقل له فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقاً ستين مسكيناً، ثم استعن بسائرها عليك وعلى عيالك، فرجعت إلى قومي فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأي، ووجدت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، السعة والبركة أمر لي بصدقتكم فادفعوها إليّ فدفعوها إليه ".
(وتلك) أي الأحكام المذكورة في الظهار والكفارة (حدود الله) فلا تجاوزوا حدوده التي حدها لكم، فإنه قد بين لكم أن الظهار معصية، وأن كفارته المذكورة توجب العفو والمغفرة (وللكافرين) الذين لا يقفون عند حدود الله، ولا يعلمون بما حده الله لعباده، وسماه كفراً تغليظاً وتشديداً (عذاب أليم) وهو عذاب جهنم يوم القيامة، ولما ذكر سبحانه المؤمنين الواقفين عند حدوده ذكر المحادين فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)
المجادلة 58:5
(إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) المحادة المشاقة والمعاداة والمخالفة ومثل قوله (إن الذين يشاقون الله ورسوله) قال الزجاج: المحادة أن تكون في حد يخالف صاحبك، فهي كناية عن المعاداة لكونها لازمة لها، وأصلها الممانعة، ومنه الحديد، ومنه الحداد للبواب، والمحادون هم أهل مكة، فإن هذه الآية وردت في غزوة الأحزاب وهي في السنة الرابعة وقيل: في الخامسة والمقصود منها البشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بأن أعداءهم المتحزبين القادمين عليهم.
(كبتوا) أي يكبتوا ويذلوا ويتفرق جمعهم، وعبر عن المستقبل بلفظ الماضي، تنبيهاً على تحقيق وقوعه، وقيل: المعنى على الماضي وذلك ما وقع للمشركين يوم بدر، فإن الله كبتهم بالقتل والأسر والقهر (كما كبت الذين من قبلهم) أي أذلوا وأخزوا، يقال: كبت الله فلاناً إذا أذله، والمردود بالذل يقال له: مكبوت، قال المقاتلان: أخزوا كما أخزي الذين من قبلهم من أهل الشرك، وكذا قال قتادة وقال أبو عبيدة والأخفش: أهلكوا، وقال ابن زيد: عذبوا، وقال السدي: لعنوا وقال الفراء: أغيظوا يوم الخندق، والمراد بمن قبلهم كفار الأمم الماضية المعادين لرسل الله.
(وقد أنزلنا آيات بينات) أي والحال أنا قد أنزلنا آيات واضحات فيمن حاد الله ورسله من الأمم المتقدمة وقيل المراد الفرائض التي أنزلها الله سبحانه وقيل هي المعجزات الدالة على صدق الرسول (وللكافرين) بكل ما يجب الإيمان فتدخل الآيات المذكورة هنا دخولاً أولياً (عذاب مهين) يهين صاحبه ويذله ويذهب بعزه.
المجادلة 58:6
(يوم يبعثهم الله جميعاً) أي يذكر يوم يبعثهم مجتمعين في حالة واحدة أو يبعثهم كلهم لا يبقى منهم أحد غير مبعوث (فينبئهم) أي فيخبرهم (بما عملوا) في الدنيا من الأعمال القبيحة إما ببيان صدورها عنهم توبيخاً لهم وتكميلاً للحجة عليهم أو بتصويرها في صورة قبيحة هائلة على رؤوس الأشهاد. تخجيلاً لهم وتشهيراً بحالهم وتشديداً لعذابهم.
(أحصاه الله) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل: كيف ينبئهم بذلك مع كثرته واختلاف أنواعه؟ فقيل: أحصاه الله جميعاً، ولم يفته منه شيء (و) الحال أنهم قد (نسوه) ولم يحفظوه (والله على كل شيء شهيد) تذييل مقرر لإحصائه تعالى، أي لا يخفى عليه شيء من الأشياء، بل هو مطلع وناظر، ثم أكد سبحانه بيان كونه عالماً بكل شيء فقال:
المجادلة 58:7
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ)؟ أي ألم تعلم أن علمه محيط بما فيهما، بحيث لا يخفى عليه شيء مما فيهما (ما يكون من نجوى ثلاثة) مستأنفة لتقرير شمول علمه، وسعته وإحاطته بكل المعلومات، قرأ الجمهور يكون بالتحية، وقرىء بالفوقية، وكان على القراءتين تامة، ومن مزيدة للتأكيد، والنجوى السرار، يقال: قوم نجوى أي ذوو نجوى، وهي مصدر، والمعنى ما يوجد من تناجي ثلاثة أو من ذوي نجوى، ويجوز أن تطلق النجوى على الأشخاص المتناجين، قال الفراء: ثلاثة نعت للنجوى، فانخفضت، وإن شئت أضفت نجوى إليها، ولو نصبت على إضمار فعل جاز.
(إلا هو رابعهم) أي بالعلم يعني يعلم نجواهم: كأنه حاضر معهم ومشاهدهم، كما تكون نجواهم معلومة عند الرابع الذي يكون معهم كذا في الخازن وأبي السعود. والجمل التي بعد إلا في موضع نصب على الحال يعني ما يوجد شيء من هذه الأشياء إلا في حال من هذه الأحوال فالاستثناء مفرغ من أعم الأحوال.
(ولا) نجوى (خمسة إلا هو سادسهم) أي جاعلهم ستة من حيث إنه يشاركهم في الاطلاع على تلك النجوى وتخصيص العددين بالذكر لأن أغلب عادات المتناجين أن يكونوا ثلاثة أو خمسة أو كانت الواقعة التي هي سبب النزول في متناجين كانوا ثلاثة في موضع وخمسة في موضع. أو لأن العدد الفرد أشرف من الزوج لأن الله تعالى وتر يحب الموتر فخصهما بالذكر تنبيهاً على أنه لا بد من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور. قال الفراء: والعدد غير مقصود لأنه سبحانه مع كل عدد قل أو كثر، يعلم السر والجهر لا تخفى عليه خافية.
(ولا أدنى من ذلك) أي ولا أقل من العدد المذكور كالواحد والاثنين (ولا أكثر) منه كالستة والسبعة (إلا هو معهم) أي مصاحب لهم بعلمه، يعلم ما يتناجون به، لا يخفى عليه شيء منه، قرأ الجمهور أكثر بالثاء وبالجر بالفتحة عطفاً على لفظ نجوى، وقرىء بالياء الموحدة وبالرفع عطفاً على محل نجوى، قال الواحدي: قال المفسرون: إن المنافقين واليهود كانوا يتناجون فيما بينهم، ويوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم فيحزنون لذلك، فلما طال ذلك وكثر، شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن لا يتناجوا دون المسلمين، فلم ينتهوا وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله هذه الآيات:
(أين كانوا) معناه إحاطة علمه بكل تناج يكون معهم في أي مكان من الأمكنة، ولو كانوا تحت الأرض، فإن علمه بالأشياء ليس لقرب مكان حتى يتفاوت بقرب الأمكنة وبعدها، (ثم ينبئهم) أي يخبرهم (بما عملوا يوم القيامة) توبيخاً لهم وتبكيتاً وإلزاماً للحجة (إن الله بكل شيء عليم) لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10)
المجادلة 58:8
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ) هؤلاء هم من تقدم ذكرهم من المنافقين واليهود، وصيغة المضارع للدلالة على تمكن عودهم وتجدده، واستحضار صورته العجيبة، قال مقاتل: كان بين النبي صلى الله عليه وسلم، وبين اليهود مواعدة، فإذا مر بهم الرجل من المؤمنين تناجوا بينهم حتى يظن المؤمن شراً فنهاهم الله فلم ينتهوا، فنزلت وقال ابن زيد: كان الرجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم، فيسأله الحاجة ويناجيه، والأرض يومئذ حرب، فيتوهمون أنه يناجيه في حرب أو بلية أو أمر مهم، فيفزعون لذلك.
(ويتناجون بالإِثم والعدوان) قرأ الجمهور يتناجون بوزن يتفاعلون لقوله فيما بعد (إذا تناجيتم فلا تتناجوا)، وقرىء ينتجيون بوزن يفتعلون، وحكى سيبويه أن تفاعلوا وافتعلوا يأتيان بمعنى واحد، نحو تخاصموا واختصموا وتقاتلوا واقتتلوا، ومعنى الإثم ما هو إثم في نفسه، كالكذب والظلم، والعدوان ما فيه عدوان على المؤمنين.
(وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) أي مخالفته، وقرىء معصيات بالجمع، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، نهاهم عن النجوى فعصوه وعادوا إليها، وقيل: المعنى يوصي بعضهم بعضاً بمعصية الرسول، رسمت معصية هذه والتي بعدها بالتاء المجرورة وإذا وقف عليها فأبو عمرو وابن كثير والكسائي يقفون بالهاء، غير أن الكسائي يقف بالإِمالة على أصله، والباقون يقفون بالتاء على الرسم، واتفقوا في الوصل على التاء.
(وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله) قال القرطبي: إن المراد بها اليهود، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيقولون: السام عليك يريدون بذلك السلام ظاهراً. وهم يعنون الموت باطناً، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم، وفي رواية وعليكم قال ابن عمر في الآية: يريدون بذلك شتمه فنزلت هذه الآية أخرج أحمد والبخاري والترمذي وصححه.
" عن أنس أن يهودياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال: السام عليكم فرد عليه القوم، فقال: هل تدرون ما قال هذا؟ قالوا: الله أعلم، سلم يا نبي الله، قال: لا ولكنه قال: كذا وكذا، ردوه علي فردوه، قال: قلت السام عليكم؟ قال: نعم قال النبي صلى الله عليه وسلم عند ذلك: إذا سلم عليكم أحد من أهل الكتاب فقولوا: عليك، قال عليك ما قلت "، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما:
" عن عائشة قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم، فقالت عائشة: عليكم السام واللعنة، فقال: يا عائشة إن الله لا يحب الفحش ولا المفحش، قلت: ألا تسمعهم يقولون السام؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو ما سمعتني أقول: وعليكم، فأنزل الله هذه الآية " [[رواه مسلم.]] وعن ابن عباس قال: كان المنافقون يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حيوه سام عليك فنزلت.
(ويقولون في أنفسهم) أي فيما بينهم إذا خرجوا من عنده (لولا يعذبنا الله بما نقول) أي هلا يعذبنا بذلك؟ ولو كان محمد نبياً لعذبنا بما يتضمنه قولنا من الاستخفاف به. وقيل: المعنى لو كان نبياً لاستجيب له فينا، حيث يقول: وعليكم، ووقع علينا الموت عند ذلك (حسبهم جهنم) عذاباً (يصلونها) يدخلونها (فبئس المصير) أي المرجع وهو جهنم.
المجادلة 58:9
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ) لما فرغ سبحانه عن نهي اليهود والمنافقين عن النجوى، أرشد المؤمنين إذا تناجوا فيما بينهم أن لا يتناجوا بما فيه إثم وعدوان ومعصية لرسول الله، كما يفعله اليهود والمنافقون، وقيل: الخطاب للمنافقين، والمعنى يا أيها الذين آمنوا ظاهراً أو بزعمهم واختار هذا الزجاج وقيل: الخطاب لليهود والمعنى يا أيها الذين آمنوا بموسى، والأول أولى، قال ابن عباس: كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا بعث سرية وأغزاها التقى المنافقون فأنغضوا رؤوسهم إلى المسلمين ويقولون قتل القوم، وإذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم تناجوا وأظهروا الحزن، فبلغ ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين، فأنزل الله هذه الآية: وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما:
" عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه " [[رواه البخاري ومسلم.]]، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه: " عن أبي سعيد قال: كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطرقه أمر أو يأمر بشيء، فكثر أهل النوب والمحتسبون ليلة، حتى إذا كنا أنداء نتحدث، فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الليل فقال: ما هذه النجوى؟ ألم تنهوا عن النجوى؟ قلنا: إنا كنا يا رسول الله في ذكر المسيح، فرقاً منه، فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي منه؟ قلنا: بلى يا رسول الله قال: الشرك الخفي أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل ". قال ابن كثير: هذا إسناد غريب، وفيه بعض الضعفاء، ثم بين لهم ما يتناجون به في أنديتهم وخلواتهم فقال:
(وتناجوا بالبر والتقوى) أي بالطاعة وترك المعصية، ثم خوفهم سبحانه فقال (واتقوا الله الذي إليه تحشرون) فيجزيكم بأعمالكم ثم بين سبحانه أن ما يفعله اليهود والمنافقون من التناجي، هو من جهة الشيطان فقال:
المجادلة 58:10
(إنما النجوى) يعني الإثم والعدوان ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم، (من الشيطان) لا من غيره أي من تزيينه وتسويله.
(ليحزن الذين آمنوا) أي لأجل أن يوقعهم في الحزن، بما يحصل لهم من التوهم أنها في مكيدة يكادون بها قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي من أحزانه والباقون بفتح الياء وضم الزاي من حزن يقال حزنه وأحزنه بمعنى، قال في القاموس: وأحزنه جعله حزيناً، والقراءة الأولى أشد في المعنى (وليس بضارهم شيئاًً) أي وليس الشيطان أو التناجي الذي يزينه الشيطان أو الحزن بضار المؤمنين شيئاًً من الضرر (إلا بإذن الله) أي بمشيئته وقيل: بعلمه.
(وعلى الله فليتوكل المتوكلون) أي يكلون أمرهم إليه ويفوضونه في جميع شئونهم ويستعيذون بالله من الشيطان، ولا يبالون بما يزينه من النجوى.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (14) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16)
المجادلة 58:11
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا) وقرىء تفاسحوا (في المجالس) قرىء على الجمع لأن لكل واحد منهم مجلساً، وقرىء على الإِفراد، قال الواحدي: والوجه التوحيد في المجلس، لأنه يعني به مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، والتفسح التوسع، يقال: فسح له يفسح فسحاً أي وسع له ومنه قولهم: بلد فسيح أمر الله سبحانه المؤمنين بحسن الأدب بعضهم مع بعض بالتوسعة في المجلس، وعدم التضايق فيه قال قتادة ومجاهد والضحاك: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يفسح بعضهم لبعض، وقال ابن عباس والحسن ويزيد بن أبي حبيب: هو مجلس القتال إذا اصطفوا للحرب، كانوا يتشاحنون على الصف الأول، ولا يوسع بعضهم لبعض رغبة في القتال، لتحصيل الشهادة.
وقال القرطبي: الصحيح في الآية أنها عامة في كل مجلس، اجتمع فيه المسلمون للخير والأجر، سواء كان مجلس حرب أو ذكر أو يوم جمعة وأن كل واحد أحق بمكانه الذي يسبق إليه، ولكن يوسع لأخيه ما لم يتأذ بذلك فيخرجه الضيق عن موضعه.
ويؤيد هذا حديث " ابن عمر عند مسلم والبخاري وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن تفسحوا وتوسعوا ".
(فافسحوا يفسح الله لكم) أي فوسعوا يوسع الله لكم في الجنة أو في كل ما تريدون التفسيح فيه من المكان والرزق وغيرهما.
" عن مقاتل بن حيان قال أنزلت هذه الآية يوم جمعة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يومئذ في الصفة، وفي المكان ضيق، وكان يكرم أهل بدر من المهاجرين والأنصار فجاء ناس من أهل بدر وقد سبقوا إلى المجالس، فقاموا حيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فرد النبي صلى الله عليه وسلم عليهم، ثم سلموا على القوم بعد ذلك فردوا عليهم. فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم فعرف النبي صلى الله عليه وسلم ما يحملهم على القيام فلم يفسح لهم فشق ذلك عليه، فقال لمن حوله من المهاجرين والأنصار من غير أهل بدر قم أنت يا فلان وأنت فلم يزل يقيمهم بعدة النفر الذين هم قيام من أهل بدر، فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، فنزلت هذه الآية.
(وإذا قيل انشزوا فانشزوا) قرأ الجمهور بكسر الشين فيهما، وقرىء بضمها فيهما، وهما لغتان بمعنى واحد، وقراءتان سبعيتان، يقال: نشز أي ارتفع ينشز وينشز كعكف يعكف ويعكف قال جمهور المفسرين: أي انهضوا إلى الصلاة والجهاد وعمل الخير، وبه قال ابن عباس، وقال عكرمة ومجاهد والضحاك: كان رجال يتثاقلون عن الصلاة فقيل لهم إذا نودي للصلاة فانهضوا وقال الحسن: انهضوا إلى الحرب، وقال ابن زيد: هذا في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، كان كل رجل منهم يحب أن يكون آخر عهده بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر الله تعالى أنه إذا قيل: انشزوا عن النبي فانشزوا، فإن له حوائج فلا تمكثوا، قال قتادة: المعنى أجيبوا إذا دعيتم إلى أمر بمعروف، والظاهر حمل الآية على العموم، والمعنى إذا قيل لكم انهضوا إلى أمر من الأمور الدينية فانهضوا ولا تتثاقلوا ولا يمنع من حملها على العموم كون السبب خاصاً، فإن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو الحق، ويندرج ما هو سبب النزول فيها إندراجاً أولياً وهكذا يندرج ما فيه السياق وهو التفسيح في المجلس اندراجاً أولياً.
وقد قدمنا أن معنى نشز ينشز ارتفع، وهكذا نشز ينشز إذا تنحى عن موضعه، ومنه امرأة ناشزة أي متنحية عن زوجها، وأصله مأخوذ من النشز وهو ما ارتفع من الأرض وتنحى، ذكر معناه النحاس.
(يرفع الله الذين آمنوا منكم) بطاعتهم لله ولرسوله وامتثال أوامره في قيامهم من مجالسهم وتوسعتهم لإخوانهم في الدنيا والآخرة بتوفير نصيبهم فيهما (والذين أوتوا العلم) أي ويرفع العالمين منهم خاصة (درجات) عالية في الكرامة في الدنيا والثواب في الآخرة، ومعنى الآية أنه يرفع الذين آمنوا على من لم يؤمن درجات، ويرفع الذين أوتوا العلم على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات، فمن جمع بين الإيمان والعلم رفعه الله بإيمانه درجات ثم رفعه بعلمه درجات، وقيل: المراد بالذين آمنوا من الصحابة وكذلك بالذين أوتوا العلم، وقيل: المراد بالذين أوتوا العلم الذين قرأوا القرآن، والأولى حمل الآية على العموم في كل مؤمن، وكل صاحب علم من علوم الدين من جميع أهل هذه الملة، ولا دليل يدل على تخصيص الآية بالبعض دون البعض.
وقال ابن عباس في الآية: يرفع الله الذين أوتوا العلم من المؤمنين على الذين لم يؤمنوا، درجات وقال ابن مسعود: على الذين آمنوا ولم يؤتوا العلم درجات وعنه قال: ما خص الله العلماء في شيء من القرآن كما خصهم في هذه الآية، وعنه أنه كان إذا قرأها قال يا أيها الناس افهموا هذه الآية لترغبكم في العلم، والأحاديث والأخبار والآيات في فضيلة العلم والعلماء كثيرة جداً قد ذكرنا طرفاً منها في كتابنا الحطة في ذكر الصحاح الستة.
(والله بما تعملون خبير) لا يخفى عليه شيء من أعمالكم من خير وشر فهو مجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً.
المجادلة 58:12
(يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول) المناجاة المساررة، والمعنى إذا أردتم مساررة الرسول في أمر من أموركم (فقدموا بين يدي نجواكم) أي مساررتكم له (صدقة) في هذا الأمر تعظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وانتفاع الفقراء والنهي عن الإِفراط في السؤال، والميز بين المخلص والمنافق ومحب الدنيا والآخرة، واختلف في أنه للندب أو للوجوب، قال الحسن: نزلت بسبب أن قوماً من المسلمين كانوا يستخلون النبي صلى الله عليه وسلم، يناجونه فظن بهم قوم من المسلمين أنهم ينتقصونهم في النجوى، فشق عليهم ذلك فأمرهم الله بالصدقة عند النجوى ليقطعهم عن استخلائه.
وقال زيد بن أسلم: نزلت بسبب أن المنافقين واليهود كانوا يناجون النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون: إنه أذن يسمع كل ما قيل له، وكان لا يمنع أحداً من مناجاته، وكان ذلك يشق على المؤمنين، لأن الشيطان كان يلقي في أنفسهم أنهم ناجوه بأن جموعاً اجتمعت لقتاله، فأنزل الله الآية الأولى فلم ينتهوا، فأنزل الله هذه الآية فانتهى أهل الباطل، لأنهم لم يقدموا بين يدي نجواهم صدقة، وشق ذلك على أهل الإيمان، وامتنعوا عن النجوى لضعف كثير منهم عن الصدقة، فخفف الله عنهم بالآية التي بعد هذه.
وقال ابن عباس: إن المسلمين أكثروا المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى شقوا عليه، فأراد الله أن يخفف عن نبيه صلى الله عليه وسلم، فلما قال ذلك: ضن كثير من الناس وكفوا عن المسألة. فأنزل الله بعد هذا (أأشفقتم) الآية فوسع الله عليهم ولم يضيق.
" وعن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه الآية قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: ما ترى ديناراً؟ قلت: لا يطيقونه، قال: فنصف دينار قلت: لا يطيقونه، قال: فكم؟ قلت: شعيرة قال إنك لزهيد، قال: فنزلت (أأشفقتم) الآية في خفف الله عن هذه الأمة " والمراد بالشعيرة هنا وزن شعيرة من ذهب، وليس المراد الواحدة من حب الشعير، أخرجه الترمذي وحسنه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وغيرهم.
وعنه رضي الله تعالى عنه قال ما عمل بها أحد غيري حتى نسخت، وما كانت إلا ساعة يعنى آية النجوى، وعنه رضي الله عنه قال: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدى، آية النجوى كان عندي دينار فبعته بعشرة دراهم، فكنت كلما ناجيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت بين يدي نجواي درهماً، ثم نسخت فلم يعمل بها أحد فنزلت (أأشفقتم) الآية، وعن سعد بن أبي وقاص قال: نزلت آية النجوى فقدمت شعيرة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنك لزهيد، فنزلت الآية الأخرى (أأشفقتم) الآية.
(ذلك) أي ما تقدم من تقديم الصدقة بين يدي النجوى (خير لكم) لما فيه من طاعة الله، وتقييد الأمر بكون امتثاله خيراً لهم من عدم الامتثال (وأطهر) لنفوسهم، يدل على أنه أمر ندب لا أمر وجوب قوله: (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) يعني من كان منكم لا يجد تلك الصدقة المأمور بها بين يدي النجوى، فلا حرج عليه في النجوى بدون صدقة.
المجادلة 58:13
(أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات) أي أخفتم الفقر والعيلة لأن تقدموا ذلك؟ والإشفاق الخوف من المكروه، والاستفهام للتقرير.
وقيل: المعنى أبخلتم، وجمع الصدقات هنا باعتبار المخاطبين، قال مقاتل بن حيان: إنما كان ذلك عشر ليال ثم نسخ، وقال الكلبي: ما كان ذلك إلا ليلة واحدة وقيل إنه لم يبق إلا يوماً واحداً وقال قتادة: ما كان إلا ساعة من نهار.
(فإذا لم تفعلوا) ما أمرتم به من الصدقة بين يدي النجوى، وهذا خطاب لمن وجد ما يتصدق به ولم يفعل، وأما من لم يجد فقد تقدم الترخيص له بقوله: (فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم) وإذ على بابها في الدلالة على المضي وقيل: هي بمعنى إذا وقيل: بمعنى إن (وتاب الله عليكم) رجع بكم عنها بأن رخص لكم في الترك (فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله) المعنى إذا وقع منكم التثاقل عن امتثال الأمر بتقديم الصدقة بين يدي النجوى فاثبتوا على إقامة الصلاة المفروضة وإيتاء الزكاة الواجبة وطاعة الله ورسوله فيما تؤمرون به وتنهون عنه.
(والله خبير بما تعملون) لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو مجازيكم وليس في الآية ما يدل على تقصير المؤمنين في الامتثال أما الفقراء منهم فالأمر واضح، وأما من عداهم من المؤمنين فإنهم لم يكلموا بالمناجاة حتى تجب عليهم الصدقة، بل أمروا بالصدقة إذا أرادوا المناجاة، فمن ترك المناجاة فلا يكون مقصراً في امتثال الأمر بالصدقة على أن الآية ما يدل على أن الأمر للندب كما قدمنا، وقد استدل بهذه الآية من قال بأنه يجوز النسخ قبل إمكان الفعل وليس هذا الاستدلال بصحيح، فإن النسخ لم يقع إلا بعد إمكان الفعل، وأيضاًً قد فعل ذلك البعض فتصدق بين يدي نجواه كما تقدم.
المجادلة 58:14
(ألم تر إلى الذين تولوا قوماً) أي والوهم، قال قتادة: هم المنافقون تولوا اليهود، وقال السدي ومقاتل: هم اليهود تولوا المنافقين، ويدل على الأول قوله (غضب الله عليهم) فإن المغضوب عليهم هم اليهود ويدل على الثاني قوله (ما هو منكم ولا منهم) فإن هذا صفة المنافقين كما قال الله فيهم: (مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء) والجملة في محل نصب على الحال أو هي مستأنفة (ويحلفون على الكذب) أي أنهم مسلمون أو يحلفون أنهم ما نقلوا الأخبار إلى اليهود، والجملة عطف على تولوا، داخلة في حكم التعجيب من فعلهم (و) الحال أن (هم يعلمون) بطلان ما حلفوا عليه، وأنه كذب لا حقيقة له فيمينهم يمين غموس، لا عذر لهم فيها.
المجادلة 58:15
(أعد الله لهم عذاباً شديداً) بسبب هذا التولي، والحلف على الباطل (إنهم ساء ما كانوا يعملون) من الأعمال القبيحة في الزمان الماضي أو هي حكاية ما يقال لهم في الآخرة
المجادلة 58:16
(اتخذوا أيمانهم جنة) قرأ الجمهور أيمانهم جمع يمين وهي ما كانوا يحلفون عليه من الكذب بأنهم من المسلمين، توقياً من القتل، فجعلوا هذه الأيمان وقاية وسترة دون دمائهم، كما يجعل المقاتل الجنة وقاية له من أن يصاب بسهم أو رمح، وقرىء إيمانهم بكسر الهمزة أي جعلوا تصديقهم جنة من القتل، فآمنت ألسنتهم من خوف القتل ولم تؤمن قلوبهم.
(فصدوا عن سبيل الله) أي منعوا الناس عن الإسلام بسبب ما يصدر عنهم من التثبيط، وتهوين أمر المسلمين، وتضعيف شوكتهم، وقيل المعنى فصدوا المسلمين عن قتالهم بسبب إظهارهم الإسلام (فلهم عذاب مهين) أي يهينهم ويخزيهم، قيل هو تكرير لقوله (أعد الله لهم عذاباً شديداً) للتأكيد، وقيل الأول عذاب القبر، وهذا عذاب الآخرة، ولا وجه للقول بالتكرير فإن العذاب الموصوف بالشدة غير العذاب الموصوف بالإهانة.
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (17) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20) كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)
المجادلة 58:17
(لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ) أي من عذابه (شيئاًً) من الإغناء، قال مقاتل: قال المنافقون: إن محمداً صلى الله عليه وسلم، يزعم أنه ينصر يوم القيامة لقد شقينا إذاً فوالله لننصرن يوم القيامة بأنفسنا وأموالنا وأولادنا إن كانت قيامة، فنزلت الآية (أولئك) الموصوفون بما ذكر (أصحاب النار) لا يفارقونها (هم فيها خالدون) لا يخرجون منها.
المجادلة 58:18
(يوم) أي اذكر يوم (يبعثهم الله جميعاً فيحلفون له) أي لله يوم القيامة على أنهم مؤمنون (كما يحلفون لكم) في الدنيا، وهذا من شدة شقاوتهم ومزيد الطبع على قلوبهم، فإن يوم القيامة قد انكشفت فيه الحقائق، وصارت الأمور معلومة بضرورة المشاهدة فكيف يجترئون، على أن يكذبوا في ذلك الموقف، ويحلفون على الكذب.
" عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، جالساً في ظل حجرة من حجره وعنده نفر من المسلمين فقال: إنه سيأتيكم إنسان فينظر إليكم بعين شيطان، فإذا جاءكم فلا تكلموه، فلم يلبثوا أن طلع عليهم رجل أزرق، فقال حين رآه: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فقال: ذرني آتيك بهم، فحلفوا واعتذروا "، فأنزل الله هذه الآية والتي بعدها.
(ويحسبون) في الآخرة (أنهم) بتلك الأيمان الكاذبة (على شيء) مما يجلب نفعاً أو يدفع ضرراً، كما كانوا يحسبون ذلك في الدنيا (ألا إنهم هم الكاذبون) أي الكاملون في الكذب المتهالكون عليه، البالغون إلى حد لم يبلغ إليه غيرهم بإقدامهم عليه وعلى الأيمان الفاجرة، في موقف القيامة بين يدى الرحمن.
المجادلة 58:19
(استحوذ عليهم الشيطان) أي غلب عليهم واستعلى واستولى، قال المبرد: استحوذ على الشيء حواه وأحاط به، وقيل: قوي عليهم، وقيل: جمعهم، يقال: أحوذ الشيء أي جمعه وضم بعضه إلى بعض، والمعاني متقاربة لأنه إذا جمعهم فقد قوي عليهم وغلبهم، واستعلى عليهم واستولى وأحاط بهم (فأنساهم ذكر الله) أي أوامره والعمل بطاعاته، فلم يذكروا شيئاً من ذلك وقيل: زواجره في النهي عن معاصيه، وقيل: لم يذكروه بقلوبهم ولا بألسنتهم والإشارة بقوله (أولئك) إلى المذكورين الموصوفين بتلك الصفات (حزب الشيطان) أي جنوده وأتباعه ورهطه.
(ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون) أي الكاملون في الخسران، حتى كأن خسران غيرهم بالنسبة إلى خسرانهم ليس بخسران، لأنهم باعوا الجنة بالنار، والهدى بالضلال وكذبوا على الله وعلى نبيه وحلفوا الأيمان الفاجرة في الدنيا والآخرة، وفوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد، وعرضوها للعذاب المخلد.
المجادلة 58:20
(إن الذين يحادون الله ورسوله) قد تقدم معنى المحادة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، في أول هذه السورة والجملة تعليل لما قبلها (أولئك في الأذلين) أي أولئك المحادون لله ولرسوله المتصفون بتلك الصفات المتقدمة من جملة من أذله الله من الأمم السابقة واللاحقة، لا ترى أحداً أذل منهم لأنهم لما حادوا الله ورسوله صاروا من الذل بهذا المكان، قال عطاء: يريد الذل في الدنيا والخزي في الآخرة.
المجادلة 58:21
(كتب الله) مستأنفة لتقرير ما قبلها من كونهم في الأذلين، أي كتب في اللوح المحفوظ، وقضى في سابق علمه، وقال الفراء: كتب بمعنى قال (لأغلبن أنا ورسلي) بالحجة والسيف أو بأحدهما، قال الزجاج: معنى غلبة الرسل على نوعين، من بعث منهم بالحرب فهو غالب في الحرب، ومن بعث منهم بغير الحرب فهو غالب بالحجة (إن الله قوي) على نصر أوليائه (عزيز) غالب لأعدائه لا يغلبه أحد.
المجادلة 58:22
(لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر) إيماناً صحيحاً، بحيث يتوافق فيه الظاهر مع الباطن (يوادون من حاد الله ورسوله) الخطاب لرسول الله صلي الله عليه وسلم، أو لكل من يصلح له، أي يحبون ويوالون من عادى الله ورسوله وشاقهما، أي من الممتنع أن تجد قوماً من المؤمنين يوالون المشركين، والمراد أنه لا ينبغي أن يكون ذلك وحقه أن يمتنع ولا يوجد بحال مبالغة في التوصية بالتصلب في مجانبة أعداء الله ومباعدتهم، والاحتراز عن مخالطتهم ومعاشرتهم " عن عبد الله بن شوذب قال: جعل والد أبي عبيدة بن الجراح يتقصد لأبي عبيدة يوم بدر، وجعل أبو عبيدة يحيد عنه، فلما أكثر قصده أبو عبيدة فقتله، فنزلت هذه الآية "، أخرجه البيهقي في سننه والحاكم والطبراني وغيرهم ثم زاد ذلك تأكيداً وتشديداً بقوله:
(وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ) أي ولو كان المحادون لله ورسوله آباء الموادين الخ، فإن الإيمان يزجر عن ذلك ويمنع منه ورعايته أقوى من رعاية الأبوة والنبوة والأخوة والعشيرة، وقدم أولاً الآباء لأنهم يجب طاعتهم، ثم ثنى بالأبناء لأنهم أعلق بالقلب، ثم ثلث بالإخوان لأنهم الناصرون بمنزلة العضد من الذراع، ثم ربع بالعشيرة لأن بها يستغاث وعليها يعتمد أفاده السمين، روي عن ابن مسعود في هذه الآية قال: ولو كانوا آباءهم يعني أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه الجراح، أو أبناءهم يعني أبا بكر الصديق دعا ابنه يوم بدر للبراز، وقال: يا رسول الله دعني أكن في الرعلة الأولى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: متعنا بنفسك يا أبا بكر أو إخوانهم يعني مصعب بن عمير، قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، أو عشيرتهم يعني عمر بن الخطاب قتل خاله العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر وعلي بن أبي طالب وحمزة وأبو عبيدة قتلوا بني عمهم عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر.
(أُولَئِكَ) يعني الذين لا يوادون من حاد الله ورسوله (كَتَبَ) أي خلق، وقيل: أثبت وقيل: جعل، وقيل: حكم والمعاني متقاربة (في قلوبهم الإيمان) وإنما ذكر القلوب لأنها موضعه (وأيدهم بروح منه) أي قواهم بنصر منه على عدوهم في الدنيا، وسمى نصره لهم روحاً لأن به يحيي أمرهم، وقيل: هو نور القلب، وقال الربيع بن أنس: بالقرآن والحجة، وقيل: بجبريل، وقيل: بالإيمان، وقيل: برحمة، وقيل: بكتاب أنزله فيه حياة لهم، وقيل: بروح من الإيمان على أنه في نفسه روح لحياة القلوب، وعن الثوري أنه قال: كانوا يرون أنها نزلت فيمن يصحب السلطان، وعن عبد العزيز بن رواد أنه لقيه المنصور فلما عرفه هرب منه وتلاها، وقيل: هي في أهل البدع والأهواء.
(ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) على الأبد (رضي الله عنهم) أي قبل أعمالهم، وأفاض عليهم آثار رحمته العاجلة والآجلة (ورضوا عنه) أي فرحوا بما أعطاهم عاجلاً وآجلاً (أولئك حزب الله) أي جنده الذين يمتثلون أوامره، ويقاتلون أعداءه، وينصرون أولياءه، وفي إضافتهم إلى الله سبحانه تشريف لهم وتعظيم، وتكريم فخيم (ألا إن حزب الله هم المفلحون) أي الفائزون بسعادة الدنيا والآخرة، الكاملون في الفلاح الذين صار فلاحهم هو الفرد الكامل حتى كأن فلاح غيرهم بالنسبة إلى فلاحهم كلا فلاح.