Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — الفتح 48:1 – النجم 53:62
المحتويات
- الفتح 48:1
- الفتح 48:2
- الفتح 48:3
- الفتح 48:4
- الفتح 48:5
- الفتح 48:6
- الفتح 48:7
- الفتح 48:8
- الفتح 48:9
- الفتح 48:10
- الفتح 48:11
- الفتح 48:12
- الفتح 48:13
- الفتح 48:14
- الفتح 48:15
- الفتح 48:16
- الفتح 48:17
- الفتح 48:18
- الفتح 48:19
- الفتح 48:20
- الفتح 48:21
- الفتح 48:22
- الفتح 48:23
- الفتح 48:24
- الفتح 48:25
- الفتح 48:26
- الفتح 48:27
- الفتح 48:28
- الفتح 48:29
- الحجرات 49:1
- الحجرات 49:2
- الحجرات 49:3
- الحجرات 49:4
- الحجرات 49:5
- الحجرات 49:6
- الحجرات 49:7
- الحجرات 49:8
- الحجرات 49:9
- الحجرات 49:10
- الحجرات 49:11
- الحجرات 49:12
- الحجرات 49:13
- الحجرات 49:14
- الحجرات 49:15
- الحجرات 49:16
- الحجرات 49:17
- الحجرات 49:18
- ق 50:1
- ق 50:2
- ق 50:3
- ق 50:4
- ق 50:5
- ق 50:6
- ق 50:7
- ق 50:8
- ق 50:9
- ق 50:10
- ق 50:11
- ق 50:12
- ق 50:13
- ق 50:14
- ق 50:15
- ق 50:16
- ق 50:17
- ق 50:18
- ق 50:19
- ق 50:20
- ق 50:21
- ق 50:22
- ق 50:23
- ق 50:24
- ق 50:25
- ق 50:26
- ق 50:27
- ق 50:28
- ق 50:29
- ق 50:30
- ق 50:31
- ق 50:32
- ق 50:33
- ق 50:34
- ق 50:35
- ق 50:36
- ق 50:37
- ق 50:38
- ق 50:39
- ق 50:40
- ق 50:41
- ق 50:42
- ق 50:43
- ق 50:44
- ق 50:45
- الذاريات 51:1
- الذاريات 51:2
- الذاريات 51:3
- الذاريات 51:4
- الذاريات 51:5
- الذاريات 51:6
- الذاريات 51:7
- الذاريات 51:8
- الذاريات 51:9
- الذاريات 51:10
- الذاريات 51:11
- الذاريات 51:12
- الذاريات 51:13
- الذاريات 51:14
- الذاريات 51:15
- الذاريات 51:16
- الذاريات 51:17
- الذاريات 51:18
- الذاريات 51:19
- الذاريات 51:20
- الذاريات 51:21
- الذاريات 51:22
- الذاريات 51:23
- الذاريات 51:24
- الذاريات 51:25
- الذاريات 51:26
- الذاريات 51:27
- الذاريات 51:28
- الذاريات 51:29
- الذاريات 51:30
- الذاريات 51:31
- الذاريات 51:32
- الذاريات 51:33
- الذاريات 51:34
- الذاريات 51:35
- الذاريات 51:36
- الذاريات 51:37
- الذاريات 51:38
- الذاريات 51:39
- الذاريات 51:40
- الذاريات 51:41
- الذاريات 51:42
- الذاريات 51:43
- الذاريات 51:44
- الذاريات 51:45
- الذاريات 51:46
- الذاريات 51:47
- الذاريات 51:48
- الذاريات 51:49
- الذاريات 51:50
- الذاريات 51:51
- الذاريات 51:52
- الذاريات 51:53
- الذاريات 51:54
- الذاريات 51:55
- الذاريات 51:56
- الذاريات 51:57
- الذاريات 51:58
- الذاريات 51:59
- الذاريات 51:60
- الطور 52:1
- الطور 52:2
- الطور 52:3
- الطور 52:4
- الطور 52:5
- الطور 52:6
- الطور 52:7
- الطور 52:8
- الطور 52:9
- الطور 52:10
- الطور 52:11
- الطور 52:12
- الطور 52:13
- الطور 52:14
- الطور 52:15
- الطور 52:16
- الطور 52:17
- الطور 52:18
- الطور 52:19
- الطور 52:20
- الطور 52:21
- الطور 52:22
- الطور 52:23
- الطور 52:24
- الطور 52:25
- الطور 52:26
- الطور 52:27
- الطور 52:28
- الطور 52:29
- الطور 52:30
- الطور 52:31
- الطور 52:32
- الطور 52:33
- الطور 52:34
- الطور 52:35
- الطور 52:36
- الطور 52:37
- الطور 52:38
- الطور 52:39
- الطور 52:40
- الطور 52:41
- الطور 52:42
- الطور 52:43
- الطور 52:44
- الطور 52:45
- الطور 52:46
- الطور 52:47
- الطور 52:48
- الطور 52:49
- النجم 53:1
- النجم 53:2
- النجم 53:3
- النجم 53:4
- النجم 53:5
- النجم 53:6
- النجم 53:7
- النجم 53:8
- النجم 53:9
- النجم 53:10
- النجم 53:11
- النجم 53:12
- النجم 53:13
- النجم 53:14
- النجم 53:15
- النجم 53:16
- النجم 53:17
- النجم 53:18
- النجم 53:19
- النجم 53:20
- النجم 53:21
- النجم 53:22
- النجم 53:23
- النجم 53:24
- النجم 53:25
- النجم 53:26
- النجم 53:27
- النجم 53:28
- النجم 53:29
- النجم 53:30
- النجم 53:31
- النجم 53:32
- النجم 53:33
- النجم 53:34
- النجم 53:35
- النجم 53:36
- النجم 53:37
- النجم 53:38
- النجم 53:39
- النجم 53:40
- النجم 53:41
- النجم 53:42
- النجم 53:43
- النجم 53:44
- النجم 53:45
- النجم 53:46
- النجم 53:47
- النجم 53:48
- النجم 53:49
- النجم 53:50
- النجم 53:51
- النجم 53:52
- النجم 53:53
- النجم 53:54
- النجم 53:55
- النجم 53:56
- النجم 53:57
- النجم 53:58
- النجم 53:59
- النجم 53:60
- النجم 53:61
- النجم 53:62
الفتح 48:1
سورة الفتح
(هي تسع وعشرون آية، وهي مدنية)
قال القرطبي: بالإجماع، وبه قال ابن عباس وابن الزبير، وعن المسور بن مخرمة ومروان قالا نزلت بين مكة والمدينة في شأن الحديبية من أولها إلى آخرها، وهذا لا ينافي الإجماع على كونها مدنية، لأن المراد بالسور المدنية النازلة بعد الهجرة من مكة.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن عبد الله ابن مغفل قال، قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح في مسيرة سورة الفتح على راحلته فرجع فيها.
وفي الصحيحين، عن زيد بن أسلم عن أبيه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يسير في بعض أسفاره وعمر بن الخطاب يسير معه ليلاً، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه فقال عمر بن الخطاب هلكت أم عمر نزرت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث مرات كل ذلك لا يجيب فقال عمر فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيّ قرآن، فما نشبت أن سمعت صارخاً يصرخ بي، فقلت لقد خشيت أن يكون قد نزل فيّ قرآن، فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسلمت عليه فقال: " لقد أنزلت عليّ سورة لهي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس "، ثم قرأ: (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً).
وفي صحيح مسلم: عن قتادة أن أنس بن مالك حدثهم قال: لما نزلت (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) إلى قوله (فوزاً عظيماً) مرجعه من الحديبية، وهم يخالطهم الحزن والكآبة، وقد نحروا الهدي بالحديبية فقال " لقد أنزلت عليّ آية هي أحب إليّ من الدنيا جميعها " [[مسلم في صحيحه.]].
بسم الله الرحمن الرحيم
إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (3) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (4) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (5) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (6)
(إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وحده قيل المراد الحكم والقضاء كما في قوله (ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق)، فكأنه قال إنا قضينا وحكمنا لك فتحاً ظاهراً واضحاً مكشوفاً بغير قتال ولا تعب، والفتح الظفر بالبلدة، عنوة أو صلحاً بحرب أو غير حرب، وبخراج أو بدونه لأنه مغلق. ما لم يظفر به فإذا ظفر به فقد فتح، مأخوذ من فتح باب الدار، وجيء به بلفظ الماضي لأن عادة الله في تحققها بمنزلة الكائنة، وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر عنه، وهو الفتح ما لا يخفى، وإسناده إلى نون العظمة لاستناد أفعال العباد إليه تعالى خلقاً وإيجاداً، واختلف في تعيين هذا الفتح فقال الأكثر على ما في البخاري: هو صلح الحديبية، والصلح قد يسمى فتحاً قال الفراء: والفتح قد يكون صلحاً، وقال قوم: إنه فتح مكة، وقال آخرون: إنه فتح خيبر، والأول أرجح، ويؤيده ما ذكرناه قبل هذا من أن السورة نزلت في شأن الحديبية.
وقيل: هو جميع ما فتح الله لرسوله من الفتوح، وقيل: هو ما فتح له من النبوة، والدعوة إلى الإسلام، وقيل: فتح الروم، ومعنى الفتح في اللغة فتح المنغلق، والصلح الذي كان مع المشركين بالحديبية كان مشدوداً متعذراً، حتى فتحه الله، قال الزهري: لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم، فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير، وكثر بهم سواد الإسلام.
قال الشعبي: لقد أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديبية ما لم يصب في غزوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدىُ محله، وظهرت الروم على فارس ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس، وقال الزجاج: كان في فتح الحديبية آية عظيمة، وذلك أنه نزح ماؤها ولم يبق فيها قطرة فتمضمض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم مجه في البئر فدرت بالماء حتى شرب جميع الناس.
" وعن مجمع بن جارية الأنصاري قال: شهدنا الحديبية فلما انصرفنا منها حتى بلغنا كراع الغميم إذ الناس يوجفون الأباعر، فقال الناس بعضهم لبعض: ما للناس؟ فقالوا: أوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجنا مع الناس نوجف، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته عند كراع الغميم، فاجتمع الناس إليه فقرأ عليهم إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، فقال رجل: أي رسول الله أو فتح هو؟ قال: إي والذي نفس محمد بيده، إنه لفتح، فقسمت خيبر على أهل الحديبية لم يدخل معهم فيها أحد إلا من شهد الحديبية، فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر سهماً وكان الجيش ألفاً وخمسمائة منهم ثلثمائة فارس، فأعطى الفارس سهمين، وأعطى الراجل سهماً [[رواه أحمد.]]، أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل وغيرهم.
وعن ابن مسعود قال: " أقبلنا من الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا نحن نسير إذ أتاه الوحي وكان إذا أتاه اشتد عليه فسرى عنه، وبه من السرور ما شاء الله فأخبرنا أنه أنزل عليه إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً " [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وغيرهم وعن أنس في الآية قال الحديبية أخرجه البخاري وغيره.
وعن البراء قال: " تعدون أنتم الفتح فتح مكة وقد كان فتح مكة فتحاً ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية " [[البخاري في صحيحه.]] أخرجه البخاري وغيره.
وعن عائشة قالت: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنا فتحنا الخ فتح مكة أخرجه ابن مردويه وعن أنس نحوه ومذهب أبي حنيفة أن مكة فتحت عنوة ومذهب الشافعي أنها فتحت صلحاً وفي البويطي أن أسفلها فتحه خالد عنوة وأعلاها فتحه الزبير صلحاً ودخل صلى الله عليه وسلم من جهته فصار الحكم له وبهذا تجتمع الأخبار التي ظاهرها التعارض.
الفتح 48:2
(ليغفر لك الله) اللام هي لام العلة قال ابن الأنباري: سألت أبا العباس يعني المبرد عن اللام هذه فقال: هي لام كي معناها إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة في الفتح فلما انضم إلى المغفرة شيء حادث واقع حسن معنى كي وغلط من قال ليس الفتح سبب المغفرة وقال الزمخشري: فإن قلت كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة قلت لم يجعل علة للمغفرة ولكنه علة لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة: وهي المغفرة، وإتمام النعمة، وهداية الصراط المستقيم، والنصر العزيز، كأنه قيل يسرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض الآجل والعاجل قال ابن عادل وغيره: وهذا كلام غير جيد مخالف لظاهر الآية، فإن اللام داخلة على المغفرة، فهي علة للفتح، والفتح معلل بها، وقيل غير ذلك، والأسلم ما اقتصر عليه المحلي كما يأتي.
وقال الرازي في توجيه التعليل: إن المراد بقوله: ليغفر لك الله التعريف بالمغفرة تقديره إنا فتحنا لك لتعرف أنك مغفور لك معصوم، فإن الناس علموا بعد عام الفيل أن مكة لا يأخذها عدو الله، وإنما يأخذها حبيب الله، وقال ابن عطية: المراد أن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك، فكأنها لام الصيرورة، وقال أبو حاتم: هي لام القسم والأصل ليغفرن فكسرت اللام تشبيهاً بلام كي، وحذفت النون، وهو خطأ فإن لام القسم لا تكسر ولا تنصب المضارع.
قال ابن عادل: وقد يقال: إن هذا ليس بنصب، وإنما هو بقاء للفتح الذي كان قبل نون التوكيد بقي ليدل عليها، ولكن هذا قول مردود، وقال البيضاوي اللام علة للفتح، من حيث إنه مسبب عن جهاد الكفار، والسعي في إعلاء الدين وإزاحة الشرك وتكميل النفوس الناقصة، وقال الجلال المحلي: اللام: للعلة الغائبة فمدخولها مسبب لا سبب.
واختلف في معنى قوله: (ما تقدم من ذنبك وما تأخر) فقيل: ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة وما تأخر بعدها، قاله مجاهد وسفيان الثوري وابن جرير والواحدي وغيرهم، وقال عطاء: (ما تقدم من ذنبك) يعني: ذنب أبويك آدم وحواء، وما تأخر من ذنوب أمتك، وما أبعد هذا عن معنى القرآن، وقيل: ما تقدم من ذنب أبيك إبراهيم، وما تأخر من ذنوب النبيين من بعده، وهذا كالذي قبله، وقيل: ما تقدم من ذنب يوم بدر وما تأخر من ذنب يوم حنين، وهذا كالقولين الأولين في البعد وقيل: لو كان ذنب قديم أو حديث لغفرناه لك، وقيل غير ذلك مما لا وجه له والأول أولى، ويكون المراد بالذنب بعد الرسالة ترك ما هو الأولى وسمي ذنباً في حقه لجلالة قدره وإن لم يكن ذنباً في حق غيره فهو من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما، عن المغيرة بن شعبة قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي حتى ترم قدماه، فقيل له: أليس قد غفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً " وفي الباب أحاديث.
(ويتم نعمته عليك) بإظهار دينك على الدين كله وقيل بالجنة وقيل بالنبوة والحكمة، وقيل بفتح مكة والطائف وخيبر، والأولى أن يكون المعنى ليجتمع لك مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم، وهو دين الإسلام (ويهديك) به (صراطاً) طريقاً (مستقيماً) أي يثبتك عليه وهو دين الإسلام، وقيل: على الهدى إلى أن يقبضك إليه، وقال البيضاوي: في تبليغ الرسالة وإقامة مراسم الرياسة، فالهداية على حقيقتها، فلا حاجة إلى ما قيل من أن المراد زيادة الاهتداء أو الثبات عليه
الفتح 48:3
(وينصرك الله نصراً عزيزاً) أي غالباً قوياً، ذا عز، لا يتبعه ذل.
الفتح 48:4
(هو الذي أنزل السكينة) أي السكون والطمأنينة والوقار (في قلوب المؤمنين) وهم أهل الحديبية بما يسره لهم من الفتح لئلا تنزعج نفوسهم لما يرد عليهم قال ابن عباس: السكينة هي الرحمة قيل: كل سكينة في القرآن طمأنينة إلا التي في سورة البقرة، وقد تقدم تفسيرها في موضعها (ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم) أي: ليزدادوا بسبب تلك السكينة إيماناً منضماً إلى إيمانهم الحاصل لهم من قبل، قال ابن مسعود: تصديقاً مع تصديقهم، وقال الكلبي: كلما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ازدادوا تصديقاً إلى تصديقهم، وقال الربيع بن أنس: خشية مع خشيتهم، وقال الضحاك: يقيناً مع يقينهم.
قال ابن عباس في الآية إن الله بعث نبيه صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله، فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا به زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، فلما صدقوا به زادهم الجهاد، ثم أكمل لهم دينهم فقال (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، وعنه أيضاًً قال فأوثق إيمان أهل السماء وأهل الأرض وأصدقه وأكمله شهادة أن لا إله إلا الله.
(ولله جنود السموات والأرض) يعني: الملائكة والإنس والجن والشياطين، يدبر أمرهم كيف يشاء، ويسلط بعضهم على بعض، ويحفظ بعضهم ببعض، (وكان الله عليماً) كثير العلم بخلقه بليغه (حكيماً). في صنعه وأقواله وأفعاله
الفتح 48:5
(ليدخل) أي أمر بالجهاد ليدخل (المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها) وقيل: هذه اللام متعلقة بمحذوف يدل على ما قبلها، تقديره يبتلي بتلك الجنود من شاء فيقبل الخير من أهله، والشر ممن قضى له به، ليدخل؛ ويعذب، وقيل: متعلقة بقوله إنا فتحنا لك ليدخل ويعذب، وهذا لا يصح، وقيل: متعلقة بينصرك أي نصرك الله بالمؤمنين، ليدخل، ويعذب، وقيل: متعلقة بـ (يزدادوا) وهذا لا يصح أيضاًً، فالأول أولى.
(ويكفر عنهم سيئاتهم) أي يغطيها ولا يظهرها، ولا يعذبهم بها، وتقديم الإدخال في الذكر على التكفير، مع أن الترتيب في الوجود على العكس، للمسارعة إلى بيان ما هو المطلب الأعلى والمقصد الأسنى (وكان ذلك) أي المذكور من الإدخال والتكفير (عند الله) أي: في علمه وقضائه وحكمه (فوزاً عظيماً) أي: ظفراً بكل مطلوب، ونجاة من كل غم وجلباً لكل نفع ودفعاً لكل ضر والظرف متعلق بمحذوف على أنه حال من (فوزاً) لأنه صفة له في الأصل فلما قدم صار حالاً أي كائناً من عند الله، والجملة إعتراض مقرر لما قبله بين المعطوف -وهو يعذب- والمعطوف عليه - وهو يدخل.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهم، عن أنس رضي الله عنه قال: " لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم ليغفر لك الله الآية مرجعه من الحديبية قال: لقد نزلت عليّ آية هي أحب إليّ مما على الأرض، ثم قرأها عليهم فقالوا هنيئاً مريئاً يا رسول الله قد بيّن الله لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا فنزلت عليه ليدخل المؤمنين، حتى بلغ فوزاً عظيماً " [[البخاري ومسلم.]].
ثم لما فرغ الله سبحانه مما وعد به صالحي عباده ذكر ما يستحقه غيرهم فقال:
الفتح 48:6
(ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات) معطوف على يدخل أي يعذبهم في الدنيا بإيصال الهموم والغموم إليهم، بسبب علو كلمة المسلمين، وما يشاهدونه من ظهور الإسلام، وبأن يسلط النبي صلى الله عليه وسلم عليهم قتلاً وأسراً واسترقاقاً في الدنيا، وفي الآخرة بعذاب جهنم وقدم المنافقين على المشركين لأنهم كانوا أشد على المؤمنين ضرراً من الكفار المجاهرين، لأن المؤمن كان يتوقى المجاهر؛ ويخالط المنافق لظنه إيمانه وكان يفشي إليه سره، وفيه دلالة على أنهم أشد منهم عذاباً، وأحق منهم مما وعدهم الله به، ثم وصف الفريقين فقال:
(الظانين بالله ظن السوء) وهو ظنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يغلب، وأن كلمة الكفر تعلو كلمة الإسلام ومما ظنوه ما حكاه الله عنهم بقوله، (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً) والسوء صفة لموصوف محذوف أي ظن الأمر السوء.
(عليهم دائرة السوء) أي ما يظنونه ويتربصون بالمؤمنين دائر عليهم حائق بهم؛ الدائرة مصدر بزنة اسم الفاعل أو اسم فاعل من دار يدور، سمى به عاقبة الزمان أي حادثته، وهي في الأصل عبارة عن الخط المحيط بالمركز ثم استعملت في الحادثة المحيط بمن وقعت عليه، إلا أن أكثر استعمالها في المكروه، والسوء بالضم معناه العذاب، والهزيمة والشر، وبالفتح معناه الذم وقد قرىء بهما، وهما لغتان، وفي الأصل مصدران وهذا إخبار عن وقوع السوء بهم، أو دعاء عليهم، والإضافة من باب إضافة العام للخاص، فهي للبيان وقال سيبويه: السوء هنا الفساد.
ولما بين الله سبحانه أن دائرة السوء عليهم في الدنيا بين ما يستحقونه مع ذلك من الغضب واللعنة وعذاب جهنم فقال:
(وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيراً) أي مرجعاً.
وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (7) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (8) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (9) إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (10) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)
الفتح 48:7
(وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) من الملائكة والإنس والجن والشياطين والصيحة، والرجفة والحجارة، والزلازل، والخسف، والغرق، ونحو ذلك وكرر هذه الآية لقصد التأكيد، أو المراد جنود العذاب كما يفيده التعبير بالعزة هنا مكان العلم هناك أو التهديد بأنهم في قبضة قدرة المنتقم فلا تكرار (وكان الله عزيزاً) غالباً فلا يرد بأسه (حكيماً) فيما دبره أي لم يزل متصفاً بذلك.
الفتح 48:8
(إنا أرسلناك شاهداً) على أمتك بتبليغ الرسالة إليهم (ومبشراً) بالجنة للمطيعين (ونذيراً) لأهل المعصية من النار
الفتح 48:9
(لتؤمنوا بالله ورسوله) قرأ الجمهور بالفوقية وقرىء بالتحتية، فعلى الأولى الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته، وعلى الثانية المراد المبشرون والمنذرون وهما سبعيتان، وفيه امتنان منه تعالى عليه صلى الله عليه وسلم حيث شرفه بالرسالة وبعثه إلى الكافة شاهداً على أعمال أمته.
(وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً) أي غدوة وعشية، والخلاف بين القراء في هذه الأفعال الثلاثة، كالخلاف في لتؤمنوا كما سلف ومعنى تعزروه تعظموه أو تفخموه قاله الحسن، والتعزيز التوقير والتعظيم وقال قتادة: تنصروه وتمنعوا منه، وقال عكرمة: تقاتلوا معه بالسيف، وقال ابن عباس: يعني الإجلال، وعنه قال: تضربوا بين يديه بالسيف.
وعن جابر بن عبد الله قال: " لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية وتعزروه قال لأصحابه: ما ذاك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: لتنصروه " [[مسلم.]]، رواه ابن عدي وابن مردويه والخطيب وابن عساكر في تاريخه، ومعنى توقروه تعظموه، وقال السدي: تسودوه، وقال ابن عباس: يعني التعظيم قيل: والضميران في الفعلين للنبي صلى الله عليه وسلم، وهنا وقف تام، ثم يبتدىء وتسبحوه، أي تسبحوا الله عز وجل وهو من التسبيح الذي هو التنزيه من جميع النقائض، أو من السبحة وهي الصلاة وقيل: الضمائر كلها في الأفعال الثلاثة لله عز وجل فيكون المعنى تثبتون له التوحيد وتنفون عنه الشركاء وقيل تنصروا دينه وتجاهدوا مع رسوله وزاد الزمخشري ومن فرق الضمائر فقد أبعد، ومثله في المدارك قال الحفناوي: وهذا أظهر لتكون الضمائر على وتيرة واحدة.
الفتح 48:10
(إن الذين يبايعونك) أصل البيعة العقد الذي يعقده الإنسان على نفسه من بذل الطاعة للإمام والوفاء بالعهد الذي التزمه له وهي بيعة الرضوان بالحديبية، فإنهم بايعوه تحت الشجرة على قتال قريش فبايعه جماعة على الموت منهم سلمة بن الأكوع وبايعه جماعة على أن لا يفروا منهم معقل بن يسار والحديبية قرية ليست كبيرة بينها وبين مكة أقل من مرحلة أو مرحلة سميت ببئر هناك، وقد جاء في الحديث أن الحديبية بئر، قال مالك: هي من الحرم وقال ابن القصار: بعضها من الحل ويجوز في الحديبية التخفيف والتشديد، والأول أفصح وعامة المحدثين يشددونها.
(إنما يبايعون الله) أخبر سبحانه أن هذه البيعة لرسوله صلى الله عليه وسلم هي بيعة له، كما قال: (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، وذلك لأنهم باعوا أنفسهم من الله بالجنة، وجملة: (يد الله فوق أيديهم) مستأنفة لتقرير ما قبلها على طريق التخييل، أو في محل نصب على الحال وفي هذا التركيب إستعارة تصريحية تبعية في الفعل، ومكنية في الإسم الكريم، وتخييلية في إثبات اليد له، وفيه مشاكلة في مقابلة يده بأيديهم، والمعنى أن عقد الميثاق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كعقدة مع الله سبحانه من غير تفاوت بينهما، قاله الزمخشري والكرخي، وقيل: يد الله بالوفاء بما وعدهم من الخير فوق أيديهم، وقال السدي: كانوا يأخذون بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيبايعونه، ويد الله فوق أيديهم في المبايعة.
قال الرازي: وذلك يحتمل وجوهاً، لأن اليد في الموضعين إما أن تكون بمعنى واحد، وإما أن تكون بمعنيين، فإن قلنا: إنها بمعنى واحد ففيه وجهان.
أحدهما يد الله بمعنى نعمة الله عليهم فوق أجسامهم، كما قال: (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان).
وثانيهما نصرته إياهم أقوى وأعلى من نصرتهم إياه، يقال اليد لفلان أي الغلبة والنصرة والقوة، وإن قلنا إنها بمعنيين فنقول: اليد في حق الله تعالى بمعنى الحفظ، وفي حق المبايعين. بمعنى الجارحة، فيكون المعنى يد الله فوق أيديهم بالحفظ انتهى.
قلت: وهذا هو مذهب أهل التأويل والكلام، ومذهب السلف في هذه الآية وأمثالها السكوت عن التأويل، وإمرار آيات الله وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم المتعلقة بالصفات كما جاءت مع الإيمان بها. من غير تشبيه، ولا تكييف، ولا تعطيل، ولا تحريف، ولا صرف عن الظاهر، ولا تأويل وهو الحق.
(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) أي فمن نقض ما عقد من البيعة فإنما ينقض على نفسه، لأن ضرر ذلك راجع إليه لا يجاوزه إلى غيره.
عن عبادة بن الصامت قال: " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في النشاط والكسل، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن نقول في الله لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أن ننصره إذا قدم علينا يثرب، فنمنعه مما نمنع منه نفوسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فمن وفّى وفى الله له، ومن نكث فإنما ينكث على نفسه " [[رواه أحمد.]]، أخرجه أحمد وابن مردويه.
وفي الصحيحين من حديث جابر " أنهم كانوا في بيعة الرضوان خمس عشرة مائة "، و " فيهما عنه أنهم كانوا أربع عشرة مائة " [[رواه البخاري.]].
وفي البخاري من حديث قتادة. عن سعيد بن المسيب: " أنه سأله كم كانوا في بيعة الرضوان؟ قال خمس عشرة مائة، فقال له: إن جابراً قال: كانوا أربع عشرة مائة، قال رحمه الله وهم هو حدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة ".
(ومن أوفى بما عاهد عليه الله) أي ثبت على الوفاء بما عاهد الله عليه في البيعة لرسوله، يقال وفيت بالعهد وأوفيت به، ومنه قوله: (أوفوا بعهد الله) (والموفون بعهدهم)، قرأ الجمهور (عليه) بكسر الهاء وقرىء بضمها (فسيؤتيه) بالياء والنون سبعيتان (أجراً عظيماً) وهو الجنة وهذه الآية فيها دلالة على مشروعية البيعة، وقد صدرت منه صلى الله عليه وسلم مبايعات كثيرة اشتملت عليها الأحاديث الواردة في الصحيحين وغيرهما من دواوين الإسلام، وفيها أن الناس كانوا يبايعونه تارة على الهجرة والجهاد، وتارة على إقامة أركان الإسلام وتارة على الثبات والقرار في معارك الكفار، وتارة على هجر الفواحش والمنكرات، وتارة على التمسك بالسنة، والاجتناب عن البدعة، والحرص على الطاعات، كما بايع نسوة من الأنصار على أن لا يخن.
" وبايع ناساً من فقراء المهاجرين على أن لا يسألوا الناس شيئاًً فكان أحدهم يسقط سوطه فينزل عن فرسه فيأخذه، ولا يسأل أحداً " رواه ابن ماجة في سننه.
وقد نطق به الكتاب العزيز كما في هذه الآية وفي قوله تعالى (إذا جاءك المؤمنات يبايعنك) الآية، ومما لا شك فيه ولا شبهة أنه إذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل على سبيل العبادة والاهتمام بشأنه، فإنه لا ينزل عن كونه سنة في الدين، بقي أنه صلى الله عليه وسلم كان خليفة الله في أرضه، وعالماً بما أنزله الله تعالى من القرآن والحكمة، معلماً للكتاب والسنة، مزكياً للأمة فما فعله على جهة الخلافة كان سنة للخلفاء؛ وما فعله على جهة كونه معلماً للكتاب والحكمة ومزكياً للأمة كان سنة للعلماء الراسخين؛ وهذا صحيح البخاري شاهد على أنه:
" صلى الله عليه وسلم اشترط على جرير عند مبايعته: والنصح لكل مسلم ".
وأنه " بايع قوماً من الأنصار فاشترط أن لا يخافوا في الله لومة لائم ويقولوا بالحق حيث كانوا فكان أحدهم يجاهر الأمراء والملوك بالرد والإنكار " إلى غير ذلك وكل ذلك من باب التزكية: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فالبيعة على أقسام منها بيعة الخلافة ومنها بيعة الإسلام ومنها بيعة التمسك بحبل التقوى ومنها بيعة الهجرة والجهاد ومنها بيعة التوثق في الجهاد وكان بيعة الإسلام متروكة في زمن الخلفاء.
أما في زمن الراشدين منهم فلأن دخول الناس في الإسلام في أيامهم كان غالباً بالقهر والسيف لا بالتأليف، وإظهار البرهان، ولا طوعاً ولا رغبة، وأما في غيرهم، فلأنهم كانوا في الأكثر ظلمة فسقة لا يهتمون، وكذلك بيعة التمسك بحبل التقوى كانت متروكة، أما في زمن الخلفاء الراشدين فلكثرة الصحابة الذين استناروا بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتأدبوا في حضرته فكانوا لا يحتاجون إلى بيعة الخلفاء، وأما في زمن غيرهم فخوفاً من افتراق الكلمة، وأن يظن بهم مبايعة الخلافة فتهيج الفتن، ثم لما اندرس هذا في الخلفاء انتهز أكابر العلماء والمشايخ الفرصة وتمسكوا بسنة البيعة، وأن الذي اعتاده الصوفية رحمهم الله من مبايعة المتصوفين، ففيه ما يقبل وما يرد، ويظهر ذلك بعرضها على الكتاب والسنة، فما وافقهما فهو السنة والصواب، وما خالفهما فهو الخطأ والتباب، وإنما هذه البيعة سنة وليست بواجبه، لأن الناس بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقربوا بها إلى الله تعالى، ولم يدل دليل على تأثيم تاركها، ولم ينكر أحد من الأئمة على من تركها، فكان كالاتفاق على أنها ليست بواجبة.
وشرط من يأخذ البيعة أمور:
أحدها علم الكتاب والسنة، وإنما شرطنا ذلك لأن الغرض من البيعة أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإرشاده إلى تحصيل السكينة الباطنة، وإزالة الرذائل، وإكتساب الحمائد، متقيداً بظاهر القرآن الكريم، والحديث الشريف، ومن لم يكن عالماً بهما، وعاملاً بموجبهما لا يتصور منه ذلك أبداً وقد اتفقت كلمة المشايخ على أن لا يتكلم على الناس إلا من كتب الحديث، وقرأ القرآن.
وثانيها، العدالة والتقوى والصدق والضبط، فيجب أن يكون مجتنباً عن الكبائر، غير مصر على الصغائر.
ثالثها: أن يكون زاهداً في الدنيا، راغباً في الآخرة مواظباً على الطاعات المؤكدة والأذكار المأثورة في صحاح الأحاديث مواظباً على تعلق القلب بالله سبحانه.
رابعها: أن يكون آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مستبداً برأيه، لا إمعة ليس له رأي، ولا أمرؤ ذا مروءة وعقل تام يعتمد عليه في كل ما يأمر به، وينهي عنه، قال تعالى (ممن ترضون من الشهداء)، فما ظنك بصاحب البيعة؟
خامسها: أن يكون صحب العلماء بالكتاب والسنة، وتأدب بهم دهراً طويلاً، وأخذ منهم العلم للظاهر، والنور الباطن والسكينة، وهذا لأن سنة الله جرت بأن الرجل لا يفلح إلا إذا رأى المفلحين، ولا يشترط في ذلك ظهور الكرامات وخوارق العادات ولا ترك الإكتساب؛ لأن الأول ثمرة المجاهدات، لا شرط الكمال، والثاني مخالف للشرع المطهر ولا تغتر بما فعله المغلوبون في أحوالهم، إنما المأثور القناعة بالقليل، والورع من الشبهات.
وإذا تقرر لك هذا عرفت ما هو صاف عما هو كدر، فاشدد يديك عليه ولا تلتفت إلى غير ما ذكرنا، وبالله التوفيق. ولما ذكر تعالى أهل بيعة الرضوان وأضافهم إلى حضرة الرحمن، ذكر من غاب عن ذلك الجناب، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة بقوله:
الفتح 48:11
(سيقول) أي بوعده لا خلف فيه (لك) لأنهم يعلمون شدة رحتمك ورفقك وشفقتك على عباد الله فهم يطمعون في قبولك عذرهم الفاسد ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين (المخلفون من الأعراب) هم الذين خلفهم الله عن صحبة رسوله حين خرج عام الحديبية معتمراً قال مجاهد وغيره يعني أعراب غفار ومزينة وجهينة وأسلم وأشجع والدئل، وهم الأعراب الذين كانوا حول المدينة، وقيل تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سافر إلى مكة عام الفتح، بعد أن كان قد استنفرهم ليخرجوا معه وخافوا أن يكون قتال وقالوا: يذهب إلى قوم قد غزوه في قعر داره بالمدينة، وقتلوا أصحابه يعنون بأحد (شغلتنا أموالنا وأهلونا) أي منعنا من الخروج معك ما لنا من الأموال والنساء والذراري وليس لنا من يقوم بهم، ويخلفنا عليهم وإنا لو تركناهم لضاعوا.
(فاستغفر لنا) ليغفر الله لنا ما وقع منا من التخلف عنك لهذا السبب ولما كان طلب الاستغفار منهم ليس عن اعتقاد بل على طريقة الاستهزاء وكانت بواطنهم مخالفة لظواهرهم فضحهم الله بقوله: (يقولون بألسنتهم) من طلب الاستغفار وما قبله (ما ليس في قلوبهم) فهم كاذبون في إعتذارهم وفي طلب الإستغفار لهم وهذا هو صنيع المنافقين، والجملة مستأنفة لبيان ما تنطوي عليه بواطنهم أو بدل من الجملة الأولى ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عنهم فقال:
(قل فمن يملك لكم من الله شيئاًً)؟ أي فمن يمنعكم مما أراده الله بكم من خير وشر ونفع وضر والاستفهام بمعنى النفي أي لا أحد يقدر لأجلكم من مشيئته وقضائه فما في النظم مجاز عن هذا ثم بين ذلك فقال: (إن أراد بكم ضراً) أي إنزال ما يضركم من ضياع الأموال وهلاك الأهل والقتل والهزيمة والعقوبة على التخلف قرأ الجمهور ضراً بفتح الضاد، وهو مصدر ضررته ضراً وقرىء بضمها وهو اسم ما يضر وقيل لغتان وسبعيتان.
(أو أراد بكم نفعاً) أي نصراً وغنيمة، وهذا رد عليهم حين ظنوا أن التخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع عنهم الضر، ويجلب لهم النفع، ثم أضرب سبحانه عن ذلك فقال: (بل كان الله بما تعملون خبيراً) أي إن تخلفكم ليس لما زعمتم، بل كان الله خبيراً بجميع ما تعملونه من الأعمال التي من جملتها تخلفكم، وقد علم أن تخلفكم لم يكن لذلك، بل للشك والنفاق وما خطر لكم من الظنون الفاسدة الناشئة عن عدم الثقة بالله، ولهذا قال: بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (12) وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا (13) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (14) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16)
الفتح 48:12
(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا) وهذه الجملة مفسرة لما قبلها لما فيها من الإبهام، أي بل ظننتم أن العدو يستأصل المؤمنين بالمرة، فلن يرجع منهم أحد إلى أهله لما في قلوبكم من عظمة المشركين، وحقارة المؤمنين، فلأجل ذلك تخلفتم، لا لما ذكرتم من المعاذير الباطلة.
(وزين) قرأ الجمهور مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل، وهو الشيطان (ذلك في قلوبكم) فقبلتموه (وظننتم ظن السوء) هو أن الله سبحانه لا ينصر رسوله، وهذا الظن إما هو الظن الأول والتكرير للتأكيد والتوبيخ أو المراد به ما هو أعم من الأول فيدخل الظن الأول تحته دخولاً أولياً (وكنتم قوماً بوراً) قال الزجاج: هالكين عند الله وكذا قال مجاهد، قال الجوهري: البور الرجل الفاسد الهالك الذي لا خير فيه، قال أبو عبيدة: بوراً هلكى، وهو جمع بائر مثل حائل وحول في المعتل وبازل وبزل في الصحيح وقد بار فلان أي: هلك، وأباره الله أي أهلكه، قيل: والبور الهلاك، وهو مصدر أخبر به عن الجمع.
الفتح 48:13
(ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا اعتدنا للكافرين سعيراً) هذا كلام مستأنف من جهة الله سبحانه، غير داخل تحت ما أمر الله سبحانه رسوله أن يقوله أي: ومن لم يؤمن بهما كما صنع هؤلاء المخلفون فجزاؤهم ما أعده الله لهم من عذاب السعير، والنار الشديدة، وأقيم الظاهر مقام المضمر للإيذان بأن من لم يجمع بين الإيمان بالله ورسوله فهو كافر مستوجب للسعير، ونكر سعيراً لأنها نار مخصوصة، كما نكر ناراً تلظى، أو للتهويل.
الفتح 48:14
(ولله ملك السموات والأرض) يتصرف فيه كيف يشاء، لا يحتاج إلى أحد من خلقه، وإنما تعبدهم ليثبت من أحسن، ويعاقب من أساء، ولهذا قال: (يغفر لمن يشاء) أن يغفر له (ويعذب من يشاء) أن يعذبه لا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، وهذا حسم لأطماعهم الفارغة في إستغفاره صلى الله عليه وسلم لهم (وكان الله غفوراً رحيماً) أي كثير المغفرة والرحمة، بليغهما، يختص بمغفرته ورحمته من يشاء من عباده وتقتضي الحكمة مغفرته من المؤمنين دون من عداهم من الكافرين فهم بمعزل عن ذلك قطعاً.
الفتح 48:15
(سيقول المخلفون) المذكورون (إذا انطلقتم) أي عند انطلاقكم أيها المسلمون (إلى مغانم) أي مغانم خيبر (لتأخذوها) أي لتحوزوها (ذرونا) أي: اتركونا ودعونا (نتبعكم) ونشهد معكم غزوة خيبر، وأصل القصة أنه لما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين من الحديبية في ذي الحجة من سنة ست، أقام بالمدينة بقيته وأوائل المحرم من سنة سبع. وعدهم الله فتح خيبر وخص لغنائمها من شهد الحديبية، فلما انطلقوا إليها قال هؤلاء المخلفون: ذرونا نتبعكم، فقال سبحانه: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) أي: يغيروه، والمراد بهذا الكلام هو مواعيد الله لأهل الحديبية خاصة، بغنيمة خيبر.
وقال مقاتل: يعني أمر الله لرسوله ألا يسير معه أحد منهم، وقال ابن زيد هو قوله تعالى: (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا) واعترض هذا ابن جرير وغيره بأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة، والأول أولى، وبه قال مجاهد وقتادة. ورجحه ابن جرير وغيره، وعليه عامة أهل التأويل، قرأ الجمهور كلام الله، وقرىء كلم الله، قال الجوهري: الكلام اسم جنس يقع على القليل والكثير، والكلم لا يكون أقل من ثلاث كلمات، لأنه جمع كلمة مثل نبق ونبقة، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يمنعهم من الخروج معه فقال:
(قل لن تتبعونا) هذا النفي هو بمعنى النهي للمبالغة، والمعنى لا تتبعونا (كذلكم قال الله من قبل) أي: من قبل رجوعنا من الحديبية إن غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية خاصة، ليس لغيرهم فيها نصيب (فسيقولون) يعني المنافقين عند سماع هذا القول، وهو قوله: (قل لن) الخ (بل) إضراب عن محذوف هو مقول القول كما علمت (تحسدوننا) أي بل ما يمنعكم من خروجنا معكم إلا الحسد لئلا نشارككم في الغنيمة، وليس ذلك حكماً من الله كما تزعمون، ثم رد الله سبحانه عليهم بقوله:
(بل كانوا لا يفقهون إلا قليلاً) أي: لا يعلمون إلا علماً قليلاً، وهو علمهم بأمر الدنيا وقيل: لا يفقهون من أمر الدين إلا فقهاً قليلاً، وهو ما يصنعونه نفاقاً بظواهرهم دون بواطنهم، والفرق بين الإضرابين أن:
الأول: رد أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم، وإثبات الحسد.
والثاني: إضراب عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى وصفهم بما هو أعم منه، وهو الجهل وقلة الفقه، وفيه إن الجهل غاية في الذم، وحب الدنيا ليس من شيمة العالم العاقل.
الفتح 48:16
(قل للمخلفين من الأعراب) كرر ذكرهم بهذا الإسم مبالغة في الذم وإشعاراً بشناعة التخلف أي فذمهم مرة بعد أخرى كما أشار إليه في التقرير (ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد) قال عطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخراساني: هم فارس وقال كعب والحسن وابن أبي ليلى: هم الروم، وروي عن الحسن أيضاًً أنه قال: هم فارس والروم وقال سعيد بن جبير: هم هوازن وثقيف، وقال قتادة: هوازن وغطفان يوم حنين.
وقال الزهري ومقاتل: هم بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة، وحكى هذا القول الواحدي عن أكثر المفسرين، وعن أبي هريرة: أنهم الأكراد وقال ابن عباس: هم فارس والروم وعنه قال: هوازن وبنو حنيفة، يعني: أهل الردة الذين حاربهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، لأن مشركي العرب والمرتدين هم الذين لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف.
وقال أبو هريرة: لم يأت تأويل هذه الآية بعد وظاهر الآية يرده، وفي هذه الآية دليل على صحة إمامة أبي بكر الصديق وعمر رضي الله تعالى عنهما لأن أبا بكر دعاهم إلى قتال بني حنيفة وعمر دعاهم إلى قتال فارس والروم، قال الخازن: وأقوى هذه الأقوال أنهم هوازن وثقيف، لأن الداعي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبعدها أنهم بنو حنيفة ثم ذكر الدليل على صحة القول الأول، وأطال فيه ولا يصح؛ لأنه قال: (لن تخرجوا معي أبداً ولن تقاتلوا معي عدواً) فدل على أن المراد بالداعي غير النبي صلى الله عليه وسلم، ومعلوم أنه لم يدع هؤلاء القوم بعد النبي إلا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
(تقاتلونهم أو يسلمون) فلا تقاتلون أي يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو الإسلام، ولا ثالث لهما، وهذا حكم الكفار الذين لا تؤخذ منهم الجزية قال الزجاج: التقدير أو هم يسلمون، وقرىء أو يسلموا أي حتى يسلموا (فإن تطيعوا) إلى قتالهم (يؤتكم الله أجراً حسناً) وهو الغنيمة في الدنيا، والجنة في الآخرة (وإن تتولوا) أي: تعرضوا (كما توليتم من قبل) وذلك عام الحديبية (يعذبكم عذاباً أليماً) بالقتل والأسر والقهر في الدنيا، وبعذاب النار في الآخرة لتضاعف جرمكم.
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا (17) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (18) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (19) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (20) وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (21)
الفتح 48:17
(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) أي ليس على هؤلاء المعذورين بهذه الأعذار حرج في التخلف عن الغزو وترك الجهاد لعدم استطاعتهم، قال مقاتل: عذر الله أهل الزمانة الذين تخلفوا عن المسير إلى الحديبية بهذه الآية، والحرج الإثم.
وعن زيد بن ثابت قال: " كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لواضع القلم على أذني إذا أمر بالقتال إذ جاء أعمى فقال: كيف لي وأنا ذاهب البصر؟ فنزلت (ليس على الأعمى حرج) الآية [[صحيح الجامع الصغير.]]، قال: هذا في الجهاد وليس عليهم من جهاد إذا لم يطيقوا "، أخرجه الطبراني، قال السيوطي بسند حسن: وهذه أعذار صحيحة ظاهرة، لأن أصحابها لا يقدرون على الكر والفر، وهناك أعذار أخر ذكرها الخازن وغيره، وموضعها كتب الفقه دون التفسير.
(ومن يطع الله ورسوله) فيما أمراه به ونهياه عنه، ومنه الجهاد (يدخله) بالياء وقرىء بالنون وهما سبعيتان (جنات تجري من تحتها الأنهار ومن يتول يعذبه عذاباً أليماً) أي ومن يعرض عن الطاعة، ويستمر على الكفر والنفاق يعذبه الله عذاباً شديد الألم، كرر الوعيد لأن المقام أدعى للترهيب وفصل الوعد وأجمل الوعيد مبالغة في الوعد، لكون الغفران والرحمة من دأبه بخلاف التعذيب، ثم ذكر سبحانه الذين أخلصوا نياتهم وشهدوا بيعة الرضوان فقال:
الفتح 48:18
(لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) أي رضي الله عنهم وقت تلك البيعة، وهي بيعة الرضوان وكانت بالحديبية، وهذه الشجرة هي سمرة كانت بها، وقيل: سدرة، وكانت البيعة على أن يقاتلوا قريشاً ولا يفروا وروي أنه بايعهم على الموت وأتى بصيغة المضارع لاستحضار صورة المبايعة والسمرة من شجر الطلح، وجمهور المفسرين على أن المراد بالطلح في القرآن الموز، وفي الصحيح عن ابن عمر أن الشجرة أخفيت، والحكمة في ذلك أن لا يحصل الافتتان بها لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم الجهال لها، حتى ربما اعتقدوا أن لها قوة نفع أو ضر، كما نشاهده الآن فيما دونها، ولذلك أشار ابن عمر بقوله: كان خفاؤها رحمة من الله، كذا في الفتح وشرح المواهب.
وعن نافع قال: " بلغ عمر بن الخطاب أن ناساً يأتون الشجرة التي بويع تحتها فأمر بها فقطعت " أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف، وقد تقدم ذكر عدد أهل هذه البيعة قريباً، والقصة مبسوطة في كتب الحديث والسير، وفي الباب أحاديث ذكرها الخازن وغيره [[ابن حجر في الفتح 7/ 345.]]، والمعنى فعل بالراسخين في الإيمان فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح، وما قدر لهم من الثواب، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا، مع ما أعد لهم في الآخرة، فالآية تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور شاهدة، ولأجل هذا الرضا سميت بيعة الرضوان.
(فعلم) الله (ما في قلوبهم) أي علم ما فيها من الصدق والوفاء، قاله الفراء، وقال قتادة وابن جريج: من الرضا بأمر البيعة على أن لا يفروا، وقال مقاتل: من كراهة البيعة على الموت (فأنزل السكينة) أي الطمأنينة وسكون النفس والأمن كما تقدم، وقيل: الصبر (عليهم) أي على المؤمنين المخلصين، حتى ثبتوا وبايعوا على الموت. وعلى أن لا يفروا، والآية تشير إلى أن أهل بيعة الرضوان من أهل الجنة، لأن رضوان الله موجب لدخولها والأحاديث الصحيحة تدل لذلك، قال ابن عباس: إنما أنزلت السكينة على من علم منه الوفاء.
(وأثابهم فتحاً قريباً) هو فتح خيبر عند انصرافهم من الحديبية، قاله قتادة وابن أبي ليلى وغيرهما، وقيل: فتح مكة والأول أولى.
الفتح 48:19
(ومغانم كثيرة يأخذونها) أي وأثابهم مغانم كثيرة، أو أتاهم وهي غنائم خيبر وكانت ذات نخل وعقار وأموال فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم وقرىء بالتاء والالتفات لتشريفهم بالخطاب (وكان الله عزيزاً حكيماً) أي غالباً مصدراً أفعاله وأقواله على أسلوب الحكمة.
عن سلمة بن الأكوع قال: " بينا نحن قائلون إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم أيها الناس البيعة البيعة نزل روح القدس فثرنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو تحت شجرة سمرة، فبايعناه، فذلك قوله تعالى: لقد رضي الله عن المؤمنين الآية فبايع لعثمان بإحدى يديه على الأخرى، فقال الناس هنيئاً لابن عفان يطوف بالبيت ونحن ههنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو مكث كذا وكذا سنة ما طاف حتى أطوف " [[رواه البخاري.]] أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وأخرج البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، قيل: على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: على الموت " [[رواه البخاري.]] وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال: " بايعناه على أن لا نفر، ولم نبايعه على الموت ".
" وعن جابر عن النبي- صلى الله عليه وسلم قال: " لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة " أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي.
وعنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ليدخلن الجنة من بايع تحت الشجرة، إلا صاحب الجمل الأحمر " أخرجه الترمذي واستغربه.
الفتح 48:20
(وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها) في هذا وعد منه سبحانه لعباده المؤمنين بما سيفتحه عليهم من الغنائم إلى يوم القيامة يأخذونها في أوقاتها التي قدر وقوعها فيها. وقيل: الإلتفات إلى الخطاب لتشريفهم في مقام الامتنان، والخطاب لأهل الحديبية (فعجل لكم هذه) أي غنائم خيبر قاله مجاهد وغيره، وقيل: صلح الحديبية، وهي في جنب ما وعدهم الله به من الفتوحات، كالقليل من الكثير.
(وكف أيدي الناس عنكم) أي أيدي قريش يوم الحديبية بالصلح وقيل: أيدي أهل خيبر وأبصارهم عن قتالكم وقذف في قلوبهم الرعب، وقال ابن عباس: يعني أهل مكة أن يستحلوا حرم الله، ويستحل بكم وأنتم حرم وقال قتادة: كف أيدي اليهود عن المدينة بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية وخيبر ورجح هذا ابن جرير، قال: لأن كف أيدي الناس بالحديبية مذكور في قوله: وهو الذي كف أيديهم عنكم، وقيل: الناس يعني عيينة بن حصن الفزاري، وعوف بن مالك النضري، ومن كان معهما إذ جاؤوا لينصروا أهل خيبر عند حصار النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
(ولتكون آية للمؤمنين) أي فعل ما فعل من التعجيل والكف لتكون آية لهم، أو وعد، فعجل وكف لتنتفعوا بذلك، ولتكون آية. وقيل: إن الواو مزيدة واللام للتعليل ما قبلها أي: وكف لتكون والمعنى؛ ذلك الكف آية يعلم بها صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في جميع ما يعدكم به، وقال ابن عباس: أي: سنة لمن بعدكم، وقيل: عبرة يعرفون بها أنهم من الله عز وجل بمكان، وأنه ضامن نصرتهم، والفتح عليهم (ويهديكم صراطاً مستقيماً) أي: يزيدكم بتلك الآية هدى وبصيرة ويقيناً وثقة بفضل الله تعالى، ويثبتكم على الهداية إلى طريق الحق بصلح الحديبية، وفتح خيبر، وقيل: طريق التوكل عليه، وتفويض الأمر إليه تعالى، لأن الحاصل من الكف ليس إلا ذلك، ولأن أصل الهدى حاصل قبله.
الفتح 48:21
(وأخرى) أي: فعجل لكم هذه المغانم، ومغانم أخرى، ويجوز فيها أوجه ذكرها السمين وغيره (لم تقدروا عليها) وهي الفتوح التي فتحها الله على المسلمين من بعد، كفارس والروم ونحوهما، كذا قال الحسن ومقاتل وابن أبي ليلى، وقال الضحاك وابن زيد وابن إسحق: هي خيبر وعدها الله نبيه قبل أن يفتحها، ولم يكونوا يرجونها، وقال قتادة: فتح مكة، وقال عكرمة: حنين، والأول أولى، وقال ابن عباس: هذه الفتوح التي تفتح إلى اليوم، وعنه قال: هي خيبر، وقيل: فتح بلدة أخرى مطلقاً، وقيل: مغانم هوازن في غزوة حنين.
(قد أحاط الله بها) صفة ثانية لأخرى قال الفراء: أحاط الله بها لكم حتى تفتحوها وتأخذوها، والمعنى أنه أعدها لهم وجعلها كالشيء الذي قد أحيط به من جميع جوانبه، فهو محصور لا يفوت منه شيء فهم وإن لم يقدروا عليها في الحال فهي محبوسة لهم، لا تفوتهم وقيل: المعنى إنه أحاط علمه بأنها ستكون لهم (وكان الله على كل شيء) من فتح القرى والبلدان (قديراً) لا يعجزه شيء ولا تختص قدرته ببعض المقدورات دون بعض.
وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (22) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (23) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (24) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (25) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (26)
الفتح 48:22
(وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ) قال قتادة: يعني كفار قريش بالحديبية وأهل مكة وقيل: أسد وغطفان الذين أرادوا نصر أهل خيبر والأول أولى (ثم لا يجدون ولياً) يواليهم على قتالكم ويحرسهم (ولا نصيراً) ينصرهم عليكم
الفتح 48:23
(سنة الله التي قد خلت من قبل) أي طريقته وعادته التي قد مضت في الأمم من نصر أوليائه على أعدائه، وهو قوله: (لأغلبن أنا ورسلي)، وانتصاب سنة على المصدرية بفعل محذوف أي سن الله سنة أو هو مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة من هزيمة الكفار ونصر المؤمنين (ولن تجد لسنة الله تبديلاً) أي تغييراً بل هي مستمرة ثابتة.
الفتح 48:24
(وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم) أي كف أيدي المشركين عن المسلمين وأيدي المسلمين عن المشركين لما جاؤوا يصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه عن البيت عام الحديبية، وهي المراد بقوله: ببطن مكة، لأن أكثرها من الحرم (من بعد أن أظفركم عليهم) أي أقدركم وسلطكم.
لما روي: " أن عكرمة بن أبي جهل خرج في خمسمائة فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من هزمه وأدخله حيطان مكة "، وعن ابن عباس أظهر الله المسلمين عليهم بالحجارة حتى أدخلوهم البيوت، وقيل: المعنى هو الذي قضى بينهم وبينكم المكافة والمحاجزة بعد ما خولكم الظفر عليهم والغلبة، وذلك يوم الفتح، وبه استشهد أبو حنيفة رحمه الله على أن مكة فتحت عنوة لا صلحاً، والمراد على هذا ببطن: مكة.
(وكان الله بما تعملون بصيراً) لا يخفى عليه من ذلك شيء، قرىء بالتاء وبالياء وهما سبعيتان.
عن أنس قال: " لما كان يوم الحديبية هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثمانون رجلاً من أهل مكة في السلاح من قبل جبل التنعيم يريدون غرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا عليهم فأخذوا فعفا عنهم، فنزلت هذه الآية " أخرجه ابن شيبة وأحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وغيرهم.
وفي صحيح مسلم وغيره " أنها نزلت في نفر أسرهم سلمة بن الأكوع يوم الحديبية ".
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه، وغيرهم في سبب نزول الآية: " أن ثلاثين شاباً من المشركين خرجوا يوم الحديبية على المسلمين في السلاح، فثاروا في وجوههم، فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الله بأسماعهم، ولفظ الحاكم: بأبصارهم، فقام إليهم المسلمون فأخذوهم، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل جئتم في عهد أحد؟ أو هل جعل لكم أحد أماناً؟ فقالوا: لا، فخلى سبيلهم، فنزلت هذه الآية ".
الفتح 48:25
(هم الذين كفروا) يعني: كفار قريش (وصدوكم عن المسجد الحرام) أي عن الوصول إليه، ومعنى الصد أنهم منعوهم أن يطوفوا بالمسجد الحرام، ويحلوا عن عمرتهم (والهدي معكوفاً) أي محبوساً، قرأ الجمهور بنصب الهدي عطفاً على الضمير المنصوب في صدوكم، وقرىء عطفاً على المسجد، ولا بد من تقدير مضاف، أي عن نحر الهدي، وقرىء بالرفع على تقدير وصد الهدي، وقرأ الجمهور بفتح الهاء من الهدي وسكون الدال، وقرىء بكسرها وتشديد الياء، وانتصاب معكوفاً على الحال من الهدي، قال الجوهري: عكفه أي حبسه ووقفه، ومنه و (الهدي معكوفاً) ومنه الاعتكاف في المسجد. وهو الاحتباس، وعكف على الشيء أقبل عليه مواظباً، وقال أبو عمرو بن العلاء؛ معكوفاً مجموعاً. وأنكر الفارسي تعدية عكف بنفسه، وأثبتها ابن سيده والأزهري وغيرهما، وهو ظاهر القرآن لبناء اسم المفعول منه.
(أن يبلغ محله) أي عن أن يبلغ محله، أو مفعول لأجله، والمعنى صدوا الهدي كراهة أن يبلغ محله، ومحله منحره، وهو حيث يحل نحره من الحرم، أو هو بدل اشتمال من الهدي، وكان الهدي سبعين بدنة، وقال ابن عباس: نحروا يوم الحديبية سبعين بدنة، فلما صدت عن البيت حنت كما تحن إلى أولادها، ورخص الله سبحانه لهم بجعل ذلك الموضع الذي وصلوا إليه وهو الحديبية محلاً للنحر، فلا ينتهض حجة للحنفية على أن مذبح هدي المحصر هو الحرم، وللعلماء في هذا الكلام معروف في كتب الفروع.
(ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) يعني المستضعفين من المؤمنين بمكة (لم تعلموهم) أي لم تعرفوهم، وقيل: لم تعلموا أنهم مؤمنون (أن تطأوهم) أي بالقتل، والإيقاع بهم يقال: وطأت القوم أي أوقعت بهم، وذلك أنهم لو كبسوا مكة وأخذوها عنوة بالسيف لم يتميز المؤمنون الذين هم فيها من الكفار، وعند ذلك لا يأمنون أن يقتلوا المؤمنين فتلزمهم الكفارة وتلحقهم سبة، وهو معنى قوله: (فتصيبكم منهم) أي من جهتهم (معرة) أي مشقة، بما يلزمكم في قتلهم من كفارة وعيب، وأصل المعرة العيب، مأخوذ من العر وهو الجرب.
وذلك أن المشركين سيقولون: إن المسلمين قد قتلوا أهل دينهم، قال الزجاج: معرة أي إثم، وكذا قال الجوهري، وبه قال ابن زيد، وقال الكلبي ومقاتل وغيرهما: المعرة كفارة قتل الخطأ، كما في قوله (فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة)، لأن الله أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يعلم إيمانه الكفارة، دون الدية، وقال ابن إسحق: المعرة غرم الدية، وقال قطرب: المعرة الشدة وقيل الغم، وقيل: هي مفعلة من عره بمعنى عراه إذا دهاه ما يكرهه ويشق عليه.
(بغير علم) متعلق بأن تطأوهم أي: غير عالمين، وجواب لولا محذوف والتقدير: لأذن الله لكم، أو لما كف أيديكم عنهم (ليدخل الله) اللام متعلقة بما يدل عليه الجواب المقدر، أي ولكن لم يأذن لكم، أو كف أيديكم عنهم، ليدخل الله (في رحمته) بذلك أي في توفيقه لزيادة الخير في الإسلام (من يشاء) من عباده وهم المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا في مكة، فيتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهراني الكفار، ويفك أسرهم، ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب، وقيل اللام متعلقة بمحذوف غير ما ذكر، والتقدير لو قتلتموهم لأدخلهم الله في رحمته والأول أولى.
وقيل إن: (من يشاء) عبارة عمن رغب في الإسلام من المشركين.
عن أبي جمعة جنيد بن سبع قال: " قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم أول النهار كافراً وقاتلت معه آخر النهار مسلماً، وفينا نزلت ولولا رجال إلخ وكنا تسعة نفر: سبعة رجال وامرأتان ".
وفي رواية ابن أبي حاتم " كنا ثلاثة رجال وتسع نسوة "، أخرجه الطبراني وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن قانع والبارودي والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي. بسند جيد، وعن ابن عباس في الآية قال: حين ردوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تطأوهم بقتلكم إياهم.
(لو تزيلوا) التزيل التميز أي لو تميز الذين آمنوا من الذين كفروا منهم، قاله العتبي، وقال الكلبي لو تفرقوا، وقيل لو زال الذين آمنوا من بين أظهرهم والمعاني متقاربة، قرأ الجمهور لو تزيلوا، وقرىء لو تزايلوا والتزايل التباين (لعذبنا الذين كفروا منهم) أي من أهل مكة حينئذ بأن نأذن لكم في فتحها (عذاباً أليماً) قال القاضي بالقتل والسبي، وهو الظاهر، لأن المراد من تعذيبهم التعذيب الدنيوي الذي هو تسليط المؤمنين عليهم وقتالهم، فإن عدم التمييز لا يوجب عدم عذاب الآخرة، أفاده على القاري، قال ابن عباس: لو تزيل الكفار من المؤمنين لعذبهم الله عذاباً أليماً بقتلكم إياهم، قال قتادة: إن الله يدفع بالمؤمنين عن الكفار، كما دفع بالستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكة.
الفتح 48:26
(إذ جعل) أي: اذكر وقت أن جعل (الذين كفروا في قلوبهم الحمية) أي: اضمروها وأصروا عليها، والحمية الأنفة يقال فلان ذو حمية أي: ذو أنفة وغضب وتكبر وتعاظم، أي جعلوها ثابتة راسخة في قلوبهم، والجعل بمعنى الإلقاء (حمية الجاهلية) بدل من الحمية، قال مقاتل بن سليمان، ومقاتل بن حيان: قال أهل مكة: قد قتلوا أبناءنا وإخواننا ويدخلون علينا في منازلنا فتتحدث العرب أنهم قد دخلوا علينا على رغم أنفسنا، واللات والعزى لا يدخلونها علينا فهذه الحمية هي حمية الجاهلية، التي دخلت في قلوبهم.
وقال الزهري: حميتهم أنفتهم من الإقرار للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة وقال الخطيب: حمية الجاهلية هي التي مدارها مطلق المنع، سواء كان بحق أو باطل، فتمنع من الإذعان للحق، ومبناها على التشفي على مقتضى الغضب لغير الله، فتوجب تخطي حدود الشرع ولذلك أنفوا من دخول المسلمين مكة المشرفة لزيارة البيت العتيق الذي الناس فيه سواء.
(فأنزل الله سكينته) أي الطمأنينة والوقار (على رسوله وعلى المؤمنين) حيث لم يدخلهم ما دخل أهل الكفر من الحمية، وقيل: ثبتهم على الرضا والتسليم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: " اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين ولو نرى قتالاً لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ وهم على الباطل؟ أليس قتلانا في الجنة؟ وقتلاهم في النار؟ قال: بلى، قال ففيم نعطي الدنية في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم؟ قال: يا ابن الخطاب إني رسول الله ولم يضيعني الله أبداً، فرجع متغيظاً فلم يصبر حتى جاء أبا بكر فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: بلى، قال: أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار: قال: بلى. قال: ففيم نعطي الدنية في ديننا؟ قال: يا ابن الخطاب إنه رسول الله ولم يضيعه الله أبداً فنزلت سورة الفتح، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر فأقرأه إياها، قال: يا رسول الله أفتح هو؟ قال: نعم ".
(وألزمهم) أي أختار لهم، فهو إلزام تشريف وإكرام (كلمة التقوى) من الشرك وهي لا إله إلا الله، كذا قال الجمهور؛ وزاد بعضهم محمد رسول الله وزاد بعضهم وحده لا شريك له، وقال الزهري: هي بسم الله الرحمن الرحيم، وذلك أن الكفار لم يقروا بها، وامتنعوا من كتابتها في كتاب الصلح الذي كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك في كتب الحديث والسير، فخص الله بهذه الكلمة المؤمنين وألزمهم بها والأول أولى، لأن كلمة التوحيد هي التي يتقى بها الشرك بالله، وقيل: كلمة التقوى هي الوفاء بالعهد والثبات عليه.
عن أُبيّ بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم: " وألزمهم كلمة التقوى قال لا إله إلا الله " أخرجه أحمد وابن جرير والدارقطني في الأفراد، وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، والترمذي وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من حديثه أي: الحسن بن قزعة، وكذا قال أبو زرعة، وأخرج ابن مردويه عن سلمة بن الأكوع مرفوعاً مثله، وعن علي بن أبي طالب مثله من قوله، ومن قول عمر ابن الخطاب نحوه، وعن ابن عباس نحوه، وعن مسور بن مخرمة ومروان نحوه، وروي عن جماعة من التابعين نحو ذلك.
(وكانوا أحق بها وأهلها) عطف تفسيري، أي وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار، والمستأهلين لها دونهم في علم الله تعالى، لأن الله سبحانه أهلهم لدينه، وأختارهم لصحبه رسوله صلى الله عليه وسلم (وكان الله بكل شيء عليماً) أي من أمر الكفار وما كانوا يستحقونه من العقوبة وأمر المؤمنين وما كانوا يستحقونه من الخير.
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (28) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (29)
الفتح 48:27
(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا) أي: جعل رؤياه صادقة محققة ولم يجعلها أضغاث أحلام وإن كان تفسيرها لم يقع إلا بعد ذلك في عمرة القضاء قال الواحدي، قال المفسرون: إن الله سبحانه أرى نبيه صلى الله عليه وسلم في المدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا، فأخبر بذلك أصحابه، ففرحوا وحسبوا أنهم سيدخلون مكة عامهم ذلك، فلما رجعوا من الحديبية ولم يدخلوا مكة قال المنافقون والله ما حلقنا ولا قصرنا ولا دخلنا المسجد الحرام فأنزل الله هذه الآية، وقيل إن الرؤيا كانت بالحديبية [[زاد المسير 443.]].
(بالحق) متعلق بصدق أي صدقة فيما رأى وفي كونه وحصر له صدقاً متلبساً بالحق، أي بالحكمة البالغة وذلك ما فيه من الإبتلاء والتمييز بين المؤمن الخالص وبين من في قلبه مرض، ويجوز أن يكون بالحق قسماً إما بالحق الذي هو نقيض الباطل، أو بالحق الذي هو من أسمائه سبحانه وجوابه (لتدخلن المسجد الحرام) في العام القابل، وعلى الأول هو جواب قسم محذوف (إن شاء الله) تعليق للعدة بالمشيئة لتعليم العباد لما يجب أن يقولوه، كما في قوله: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) قال ثعلب: إن الله استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون، وقيل: كأن الله سبحانه علم أنه يموت بعض هؤلاء الذين كانوا معه في الحديبية، فوقع الإستثناء لهذا المعنى، قاله الحسن بن الفضل، وقيل: معنى إن شاء الله كما شاء الله وقال أبو عبيدة: إن بمعنى إذ يعني إذ شاء الله حيث أرى رسوله ذلك.
(آمنين) حال من فاعل لتدخلن والشرط معترض، والمعنى: آمنين في حال الدخول، لا تخافون عدوكم أن يخرجكم في المستقبل (محلقين رؤوسكم ومقصرين) أي محلقاً بعضكم جميع الشعور، ومقصراً بعضكم، والحلق والتقصير خاص بالرجال، والحلق أفضل من التقصير، كما يدل على ذلك الحديث الصحيح في استغفاره صلى الله عليه وسلم للمحلقين في المرة الأولى والثانية، والقائل يقول له: وللمقصرين، فقال في الثالثة: وللمقصرين، وقد ورد في الدعاء للمحلقين والمقصرين في البخاري ومسلم وغيرهما أحاديث منها ما قدمنا الإشارة إليه وهو من حديث ابن عمر، وفيهما من حديث أبي هريرة أيضاًً [[زاد المسير/444.]].
(لا تخافون) مستأنف، وفيه زيادة تأكيد لما قد فهم من قوله آمنين فلا تكرار.
(فعلم ما لم تعلموا) معطوف على صدق، أي صدق رسوله الرؤيا، فعلم ما لم تعلموا من المصلحة في الصلح، لما في دخولكم في عام الحديبية من الضرر على المستضعفين من المؤمنين (فجعل من دون ذلك) أي دخولكم مكة كما أرى رسوله (فتحاً قريباً) ليقويكم به، فإنه كان موجباً لإسلام كثير، قال أكثر المفسرين: هو صلح الحديبية، وقال ابن زيد والضحاك: فتح خيبر، وتحققت الرؤيا في العام القابل، وقال الزهري: لا فتح في الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية، ولقد دخل في تلك السنين في الإسلام مثل من كان قد دخل فيه قبل ذلك، بل أكثر، فإن المسلمين كانوا في سنة ست وهي سنة الحديبية ألفاً وأربعمائة وكانوا في سنة ثمان عشرة آلاف وقيل: هو فتح مكة.
الفتح 48:28
(هو الذي أرسل رسوله بالهدى) أي إرسالاً متلبساً بالهدى (ودين الحق) وهو الإسلام (ليظهره على الدين كله) أي: يغلبه ويعليه على كل الأديان، بنسخ ما كان حقاً، وإظهار فساد ما كان باطلاً، كما يفيده تأكيد الجنس، وقيل: ليظهر رسوله، والأول أولى، وقد كان ذلك بحمد الله، فإن دين الإسلام قد ظهر على جميع الأديان، وانقهر له كل أهل الملل، ولا ترى ديناً قط إلا وللإسلام دونه العز والغلبة، وقيل: هو عند نزول عيسى عليه السلام حين لا يبقى على وجه الأرض كافر، وقيل هو إظهاره بالحجج والآيات والأول أولى، وفي هذا تأكيد لما وعده من الفتح (وكفى بالله) الباء زائدة (شهيداً) على الإظهار الذي وعد المسلمين به، وعلى صحة نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم.
الفتح 48:29
(محمد رسول الله) الجملة مبينة لما هو من جملة المشهود به (والذين معه) من المؤمنين، وقيل: هم أصحاب الحديبية، والأولى الحمل على العموم (أشداء على الكفار) أي غلاظ عليهم، كما يغلظ الأسد على فريسته، وهو جمع شديد لا تأخذهم بهم رأفة، لأن الله أمرهم بالغلظة عليهم، فلا يرحمونهم (رحماء بينهم) أي متوادون متعاطفون، كالوالد مع الولد، وهو جمع رحيم والمعنى أنهم يظهرون لمن خالف دينهم الشدة والصلابة، ولمن وافقهم الرحمة والرأفة، ونحوه قوله: (أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين).
قال الحسن: بلغ من تشديدهم على الكفار أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بثيابهم وتمسها، ومن أبدانهم أن تمس أبدانهم وتلزق بها، وبلغ من ترحمهم فيما بينهم أنه كان لا يرى مؤمن مؤمناً إلا صافحه وعانقه، ومن حق المسلمين في كل زمان أن يراعوا هذا التذلل، وهذا التعطف، فيشددوا على من ليس من دينهم، ويعاشروا إخوانهم المؤمنين في الإسلام، متعطفين بالبر والصلة وكف الأذى والاحتمال منهم، قرأ الجمهور برفع أشداء ورحماء على أنه خبر للموصول، وقرىء بنصبهما على الحال، أو على المدح، ويكون الخبر على هذه القراءة قوله: (تراهم ركعاً سجداً) أي تشاهدهم وتبصرهم حال كونهم راكعين ساجدين، أخبر عن كثرة صلاتهم ومداومتهم عليها.
(يبتغون فضلاً من الله ورضواناً) أي: يطلبون ثواب الله لهم، ورضاه عنهم، وفيه لطيفة أن المخلص بعمله لله يطلب أجره من الله، والمرائي بعمله لا ينبغي له أجر، وذكر بعضهم في الآية والذين معه أبا بكر الصديق أشداء على الكفار عمر بن الخطاب، رحماء بينهم عثمان بن عفان، تراهم ركعاً سجداً علي بن أبي طالب، يبتغون فضلاً من الله ورضواناً بقية الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(سيماهم في وجوههم من أثر السجود) السيما: العلامة، وفيها لغتان المد والقصر، أي: يظهر علامتهم في جباههم من أثر السجود في الصلاة لكثرة التعبد بالليل والنهار، وقال الضحاك: إذا سهر الرجل أصبح مصفراً فجعل هذا هو السيما، وقال الزهري: مواضع السجود أشد وجوههم بياضاً، وقال مجاهد: هو الخشوع والتواضع وبالأول -أعنى كونه ما يظهر في الجباه من كثرة السجود- قال سعيد بن جبير ومالك، وقال ابن جريج: هو الوقار وقال الحسن: إذا رأيتهم رأيتهم مرضى وما هم بمرضى، وقيل: هو البهاء في الوجه وظهور الأنوار عليه، وبه قال سفيان الثوري، قال ابن عباس: أما إنه ليس الذي ترونه، ولكنه سيما الإسلام وسمته وخشوعه، وعنه قال: هو السمت الحسن.
وعن أُبي بن كعب قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: سيماهم الخ النور يوم القيامة " أخرجه الطبراني في الأوسط والصغير، وابن مردويه، قال السيوطي: بسند حسن.
وعن ابن عباس قال: " بياض يغشى وجوههم يوم القيامة "، قال عطاء الخراساني: دخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس، قال البقاعي ولا يظن أن من السيما ما يصنعه بعض المرائين من أثر هيئة السجود في جبهته فإن ذلك من سيماء الخوارج.
وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: " إني لأبغض الرجل وأكرهه إذا رأيت بين عينيه أثر السجود "، ذكره الخطيب ولينظر في سنده.
(ذلك) أي ما تقدم من هذه الصفات الجليلة (مثلهم) أي وصفهم العجيب الشأن الذي وصفوا به (في التوراة) (ومثلهم) أي وصفهم الذي وصفوا به (في الإنجيل) تكرير ذكر المثل لزيادة تقريره، وللتنبيه على غرابته، وأنه جار مجرى الأمثال في الغرابة، قال ابن عباس: أي نعتهم مكتوب في التوراة والإنجيل قبل أن يخلق الله السموات والأرض.
(كزرع أخرج شطأه) كلام مستأنف، أي هم كزرع، وقيل: هو تفسير لذلك على أنه إشارة مبهمة لم يرد به ما تقدم من الأوصاف، وقيل هو خبر لقوله مثلهم في الإنجيل، أي: ومثلهم في الإنجيل كزرع قال الفراء: فيه وجهان.
إن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، يعني كمثلهم في القرآن فيكون الوقف على الإنجيل.
وإن شئت قلت ذلك مثلهم في التوراة ثم تبتدي ومثلهم في الإنجيل كزرع، قرأ الجمهور شطأه بسكون الطاء وقرىء بفتحها وهم سبعيتان وقرىء شطاه كعصاه. وقرىء شطه بغير همز، وكلها لغات قال الأخفش والكسائي: شطأه أي طرفه قال الفراء: شطأ الزرع فهو مشطىء إذا خرج قال الزجاج: أخرج شطأه أي نباته وقال قطرب: الشطء سوي السنبل، وعن الفراء: هو السنبل وقال الجوهري: شطء الزرع والنبات فراخه والجمع أشطاء، وقد أشطأ الزرع خرج شطؤه وقال أنس: نباته فروخه.
(فآزره) أي قواه وشده وأعانه وقيل إن المعنى أن الشطء قوى الزرع قاله السمين وقيل: إن الزرع قوى الشطء وبه قال النسفي وهو أنسب فإن العادة أن الأصل يتقوى بفروعه فهي تعينه وتقويه قرأ الجمهور فآزره بالمد وقرىء بالقصر وهما سبعيتان قال الفراء: أزرت فلاناً أزره أزراً إذا قويته (فاستغلظ) أي صار ذلك الزرع غليظاً بعد أن كان دقيقاً فهو من باب استحجر الطين، أو المراد المبالغة في الغلظة كما في استعصم ونحوه وإيثار الأول لأن بناء الساق على التدرج.
(فاستوى على سوقه) أي فاستقام على أعواده والسوق جمع ساق وقرىء سؤقه بالهمزة الساكنة (يعجب الزراع) أي يعجب هذا الزرع زراعه لقوته وحسن منظره وهنا تم المثل قاله السمين (قلت) وهذا مثل ضربه الله سبحانه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأنهم يكونون في الابتداء قليلاً ثم يزدادون ويكثرون ويقوون كالزرع فإنه يكون في الابتداء ضعفياً ثم يقوى حالاً بعد حال حتى يغلظ ساقه قال قتادة مثل أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم في الإنجيل مكتوب فيه، أنه سيخرج من قوم ينبتون نبات الزرع. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعن عكرمة: أخرج شطأه بأبي بكر، فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان، فاستوى على سوقه بعلي، وهذا ونحوه ما تقدم ليس بتفسير للقرآن بل من لطائف الكلام.
وعن بعض الصحابة أنه لما قرأ هذه الآية قال: تم الزرع وقد دنا حصاده، قلت: وهذا المثل الذي أشار إليه القرآن موجود في إنجيل متى ولوقا وترجمته بالعربية انظروا إلى زارع خرج للزرع، وبينما هو يزرع سقط بعض البذر في الطريق فجاءت الطيور ولقطته وسقط بعضه على الصخر حيث لم يكن التراب كثيراً، وفي ساعته نبت لأنه لم يكن له في الأرض عمق، ولما طلعت الشمس احترق ويبس لأنه لم يكن له أصل وسقط بعضه في الشوك فنما الشوك وخنقه وسقط بعضه في الأرض الطيبة وأثمر بعضه مائة ضعف وبعضه ستين وبعضه ثلاثين، فمن كانت له أذن سامعة فليستمع انتهى.
وهذا هو معنى الآية الكريمة بعينه وهذا في بعض أمثالهم في الإنجيل وقد غفل عنه النصارى وأولوه بتأويل ضعيف وقالوا: إن هذا المثل فيمن يعمل الخير ويسمع الواعظ وجعلوه من التهذيب، ولم يفكروا في قوله: فمن كانت له أذن سامعة فليستمع فإن فيه من الكناية ما لا يوجد في غيره، وذلك أن الذين أصفهم لكم في مثل هذا ليسوا بحاضرين حتى تستطيعوا أن تروهم. لكنكم اسمعوا كلامي هذا إن كانت لكم أذن واعية، وحدثوا به وأودعوه صفحات الكتب حتى يبلغ الكلام أجله.
وقوله سقط بعضه على الطريق الخ إشارة إلى النواميس التي وقعت في أيدي الفلاسفة اليونانيين الذين قلوبهم لا قابلية لها، أن تكون ظرفاً لمفهوم النواميس، لأن النواميس لم تصدر عن المبدىء جل اسمه إلا على سبيل السذاجة، فلا تؤثر في قلوبهم، لأنها لا تستقيم فيها، فيأتي الشيطان ويخطفها من قلوبهم بشبهاته السفسطية، وقوله سقط بعضه على الصخرة الخ إشارة إلى النواميس التي وقعت في أيدي اليهود، لأن قلوبهم كانت أقسى من الصخرة في قبولها، فلم تكن قابلة لأخذها، بل كانوا يتفوهون بها إلى مدة يسيرة، وهي تحولها من أيديهم إلى أيدي النصارى، وذلك هو طلوع الشمس فلما لم يذعنوا لما آتاهم به عيسى زال ما كان قد ألقى إليهم من ذلك من قلوبهم، واضمحل، كما يزول النبت المزروع على الصخرة بحرارة الشمس.
وقوله وبعضه وقع في الشوك الخ إشارة إلى النواميس التي وقعت في أيدي النصارى، والشوك عبارة عن مشتبهات الأمور التي كانت تصدر عن عيسى عليه السلام، كإحياء الميت وإشفاء المريض وإعادة بصر الأكمه وسمع الأصم ونطق الأبكم التي هي من خوارق العادة، ونمو الشوك إزدياد هذه الأمور واختناقها زوال الاعتقاد بموضوعاتها، قوله: وسقط بعضه في الأرض الطيبة الخ برهان قاطع، ودليل لامع ساطع على النواميس التي وقعت في أيدي العرب على معرفة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، لأن قلوبهم كانت ساذجة لائقة أن تكون لها ظرفاً.
قوله: وأثمر، المراد بمطلق الإثمار أبو بكر، بعضه مائة ضعف عمر، وبعضه ستون عثمان، وبعضه ثلاثون علي، ونسبة الإثمار إلى أبي بكر لاستقلال الخلافة في أيامه، ونسبة مائة إلى عمر لنمو الإسلام في عهده، ونسبة ستين إلى عثمان لإنخفاض ضعف ذلك النمو، الذي حصل في أيام عمر، ونسبة ثلاثين إلى علي لأنه هو آخر الخلفاء وخاتمهم.
ومصداق لقوله صلى الله عليه وسلم: " الخلافة بعدي ثلاثون عاماً " [[مسلم.]]، وفيه مطابقة مع ما روي عن عكرمة في قوله: أخرج زرعه بأبي بكر فآزره بعمر، فاستغلظ بعثمان فاستوى على سوقه بعلي، وقد تقدم.
وتكرره في لوقا ضرب من لطيف التأكيد، فإن قيل: لم لا يحمل على ما حمله عليه النصارى، فيكون المراد بالزراع عمل الخير، وبالإثمار مطلق الجزاء، قلت إنه لا يجوز الحمل على هذا المعنى لوجوه:
الأول: أنا قد وجدنا ذلك في القرآن والمطابقة لازمة.
والثاني: أن التعريف يفيد العهد، والعهد يفيد التخصيص والتخصيص يباين العموم فيفيد ما ذكرته فلا يفيد ذلك وهذا برهان مقنع لمن كانت له أذن واعية من النصارى والمسلمين. ويجوز أن يراد بالزراع الشارع صلى الله عليه وسلم، وبالأرض الأمة، وبالبذر الإيمان، على حسب مراتب المؤمنين، وبالنوع الأخير خيار الأمة على حسب مراتبهم ثم ذكر سبحانه علة تكثيره لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وتقويته لهم وتشبيههم بالزرع فقال:
(ليغيظ بهم الكفار) أي إنما كثرهم وقواهم ليكونوا غيظاً للكفار واللام متعلقة بمحذوف، أي فعل ذلك ليغيظ قيل: هو قول عمر بن الخطاب لأهل مكة بعد ما أسلم: لا يعبد الله سراً بعد اليوم، وقال مالك بن أنس: من أصبح وفي قلبه غيظ على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أصابته هذه الآية وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخصوص والعموم، ليس هذا محل بسطها.
(وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجراً عظيماً) أي وعد سبحانه هؤلاء الذين مع محمد صلى الله عليه وسلم أن يغفر ذنوبهم، ويجزل أجرهم، بإدخالهم الجنة التي هي أكبر نعمة، وأعظم منة، ومن هنا لبيان الجنس لا للتبعيض وهذه الآية ترد قول الروافض أنهم كفروا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إذ الوعد لهم بالمغفرة والأجر العظيم إنما يكون لو أن ثبتوا على ما كانوا عليه في حياته صلى الله عليه وسلم، قال الجلال المحلي: وهما أي المغفرة والأجر لمن بعدهم أيضاًً في آيات أي بعد الصحابة من التابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، كقوله تعالى: سابقوا إلى مغفرة من ربكم إلى قوله أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ونحو ذلك من الآيات.
(خاتمة) قد جمعت هذه الآية وهي: (محمد رسول الله) إلى آخر السورة جميع حروف المعجم، وفي ذلك بشارة تلويحيية مع ما فيها من البشارة التصريحيية باجتماع أمرهم، وعلو نصرهم، رضي الله تعالى عنهم وحشرنا معهم وهذا من لطائف النظم القرآني، وهذا آخر القسم الأول من القرآن وهو المطول وقد ختم كما ترى بسورتين هما في الحقيقة للنبي صلى الله عليه وسلم وحاصلهما الفتح بالسيف والنصر على من قاتله ظاهراً، كما ختم القسم الثاني المفصل بسورتين هما نصرة له صلى الله عليه وسلم بالحال على من قصده بالضر باطناً.
الحجرات 49:1
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الحجرات
(ثماني عشرة آية وهي مدنية)
قال القرطبي: بالإجماع قال ابن عباس وابن الزبير: إنها نزلت بالمدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (3) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) ذكر هذا اللفظ في هذه السورة خمس مرات، والمخاطب فيه المؤمنون، والمخاطب به أمر أو نهي، وذكر فيها يا أيها الناس مرة والخطاب فيها يعم المؤمنين والكافرين، كما أن المخاطب به وهو قوله إنا خلقناكم من ذكر وأنثى يعمهما، فناسب فيها ذكر الناس (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله) قرأ الجمهور بتشديد الدال مكسورة وفيه وجهان:
أحدهما: أنه متعد، وحذف مفعوله لقصد التعميم، أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل كقولهم: هو يعطي ويمنع.
والثاني: أنه لازم، نحو وجه وتوجه، ويعضده قراءة تقدموا بفتح التاء والقاف والدال، قال الواحدي: قدم ههنا بمعنى تقدم وهو لازم، قال أبو عبيدة العرب تقول: لا تقدم بين يدي الإمام وبين يدي الأب، أي: لا تعجل بالأمر دونه، والنهي لأن المعنى لا تقدموا قبل أمرهما ونهيهما، وبين يدي الإمام عبارة عن الأمام لا بين يدي الإنسان، وقرىء بضم التاء وكسر الدال من أقدم أي لا تقدموا على شيء ومعنى الآية لا تقطعوا أمراً دون الله ورسوله ولا تعجلوا به.
وقيل: معنى بين يدي فلان بحضرته، لأن ما يحضره الإنسان فهو بين يديه وقيل: لا تقولوا بخلاف الكتاب والسنة، وهو الأظهر والأشمل وجرت هذه العبارة أي بين يدي الله ورسوله هنا على سنن من المجاز وهو الذي يسميه أهل البيان تمثيلاً أي استعارة تمثيلية، والغرض تصوير كمال الهجنة وتقبيح قطع الحكم بغير إذن الله ورسوله أو المراد بين يدي رسول الله وذكر لفظاً لله تعظيماً للرسول وإشعاراً بأنه من الله بمكان يوجب إجلاله وعلى هذا فلا استعارة، وإليه يميل كلام المحلي.
وقال الشهاب: في هذا الكلام تجوزان، أحدهما في: بين اليدين، فإن حقيقته ما بين العضوين، فتجوز بهما عن الجهتين المقابلتين لليمين والشمال القريبتين منه، بإطلاق اليدين على ما يجاورهما ويحاذيهما، فهو من المجاز المرسل، ثم استعيرت الجملة وهي التقدم بين اليدين استعارة تمثيلية للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن تلزمه متابعته، والمعنى كما قال الخازن: لا تعجلوا بقول أو فعل قبل أن يقول رسول الله، أو قبل أن يفعل، وفي البيضاوي، المعنى: لا تقطعوا أمراً قبل أن يحكم الله ورسوله به انتهى؛ وقطع الأمر الجزم به، والجرأة على ارتكابه من غير إذن من له الإذن.
(واتقوا الله) في كل أموركم ويدخل تحتها الترك للتقدم بين يدي الله ورسوله دخولاً أولياً، ثم علل ما أمر به من التقوى بقوله: (إن الله سميع) لكل مسموع (عليم) بكل معلوم.
عن عبد الله بن الزبير قال: قدم ركب من بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فأنزل الله (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله)، حتى انقضت الآية " [[البخاري 8/ 454.]]، أخرجه البخاري وغيره قال ابن عباس نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، وهذا يشمل معارضة السنة والكتاب بالرأي، والتقليد أيضاًً.
وعن عائشة قالت: " لا تصوموا قبل أن يصوم نبيكم " [[السيوطي في الدر 6/ 84.]].
وأخرج البخاري في تاريخه عنها قالت: " كان أناس يتقدمون بين يدي رمضان بصيام يعني يوماً أو يومين فأنزل الله هذه الآية " ..
الحجرات 49:2
(يا أيها الذين آمنوا) في إعادة النداء فوائد، منها أن في ذلك بيان زيادة الشفقة على المسترشد كقول لقمان لابنه: (يا بني لا تشرك بالله)، لأن النداء تنبيه للمنادى، ليقبل على استماع الكلام، ويجعل باله منه، فإعادته تفيد تجدد ذلك، ومنها أن لا يتوهم أن المخاطب ثانياً غير المخاطب أولاً، ومنها أن يعلم أن كل واحد من الكلامين مقصود، وليس الثاني تأكيداً للأول.
(لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي) يحتمل أن المراد حقيقة رفع الصوت، لأن ذلك يدل على قلة الإحتشام، وترك الاحترام، لأن خفض الصوت وعدم رفعه من لوازم التعظيم والتوقير، ويحتمل أن يكون المراد المنع من كثرة الكلام، ومزيد اللغط، والأول أولى، والمعنى: لا ترفعوا أصواتكم إلى حد يكون فوق ما يبلغه صوت النبي صلى الله عليه وسلم، قال المفسرون: المراد من الآية تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وتوقيره، وأن لا ينادوه كما ينادي بعضهم بعضاً وهذا نهي عن قول، كما أن قوله: (لا تقدموا) نهي عن فعل.
عن أبي بكر الصديق قال: " لما أنزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله، والله لا أكلمك إلا كأخي السرار " وفي سنده حصين بن عمر وهو ضعيف، ولكنه يؤيده.
ما روي عن أبي هريرة قال: " لما أنزلت:
الحجرات 49:3
(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) قال أبو بكر: والذي أنزل عليك الكتاب يا رسول الله لا أكلمك إلا كأخي السرار حتى ألقى الله ".
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما. عن أنس قال: " لما نزلت هذه الآية إلى قوله: (وأنتم لا تشعرون) وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حبط عملي أنا من أهل النار وجلس في بيته حزيناً ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلق بعض القوم إليه فقالوا: فقدك رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك؟ فقال: أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي، وأجهر له بالقول، حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه بذلك، فقال: لا بل هو من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة قتل "، وفي الباب أحاديث بمعناه وعن ابن مسعود قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس [[البخاري 8/ 452.]].
(ولا تجهروا له بالقول) إذا كلمتموه (كجهر بعضكم لبعض) أي كما تعتادونه من الجهر بالقول إذا كلم بعضكم بعضاً، قال الزجاج: أمرهم الله سبحانه بتجليل نبيه صلى الله عليه وسلم. وأن يغضوا أصواتهم ويخاطبوه بالسكينة والوقار. وقيل: المراد بقوله: ولا تجهروا له بالقول لا تقولوا: يا محمد، يا أحمد، ولكن يا نبي الله، ويا رسول الله، توقيراً له، وليس المراد برفع الصوت وبالجهر بالقول هو ما يقع على طريقة الإستخفاف، فإن ذلك كفر، وإنما المراد أن يكون الصوت في نفسه غير مناسب لما يقع في مواقف من يجب تعظيمه وتوقيره، والحاصل أن النهي هنا وقع عن أمور:
الأول: عن التقديم بين يديه، بما لم يأذن به من الكلام.
والثاني: عن رفع الصوت البالغ إلى حد يكون فوق صوته سواء كان في خطابه أو خطاب غيره.
والثالث: ترك الجفا في مخاطبته، ولزوم الأدب في محاورته، لأن المقاولة المجهورة إنما تكون بين الأكفاء، الذين ليس لبعضهم على بعض مزية توجب إحترامه وتوقيره.
ثم علل سبحانه ما ذكره بقوله: (أن تحبط أعمالكم) قال الزجاج: أي لأن تحبط يعني فتحبط، فاللام المقدرة لام الصيرورة، وهذه العلة تصح أن تكون علة للنهي، أي: نهاكم الله عن الجهر خشية أو كراهة أن تحبط، أو علة للمنهي أي: لا تفعلوا الجهر، فإنه يؤدي إلى الحبوط، فكلام الزجاج ينظر إلى الوجه الثاني لا إلى الأول وجملة:
(وأنتم لا تشعرون) في محل نصب على الحال، وفيه تحذير شديد. ووعيد عظيم، قال الزجاج: وليس المراد قوله: وأنتم لا تشعرون يوجب أن يكفر الإنسان وهو لا يعلم، فكما لا يكون الكافر مؤمناً إلا باختياره الإيمان على الكفر، كذلك لا يكون الكافر كافراً من حيث لا يعلمه.
ثم رغب الله سبحانه في امتثال أمره فقال:
الحجرات 49:4
(إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله) إجلالاً له وتعظيماً، وأصل الغض النقص من كل شيء، ومنه نقص الصوت (أولئك الذين امتحن الله قلوبهم) قال الفراء: أخلص قلوبهم (للتقوى) كما يمتحن الذهب بالنار، فيخرج جيده من رديئه، ويسقط خبيثه، وبه قال مقاتل ومجاهد وقتادة، وقال الأخفش: اختصها للتقوى، وقال الواحدي: تقدير الكلام امتحن الله قلوبهم فأخلصها للتقوى، فحذف الإخلاص لدلالة الامتحان عليه، وهذا الوجه أنسب لأن الكلام وارد في مدح أولئك السادة، الكرام، أو في التعريض بمن ليسوا على وصفهم، ومن ثم قال في فاصلة الآية السابقة: (وأنتم لا تشعرون) وفي فاصلة اللاحقة: (أكثرهم لا يعقلون)، وقيل: طهرها من كل قبيح، وقيل وسعها وشرحها من محنت الأديم إذا وسعته وقال أبو عمر: وكل شيء جهدته فقد محنته، واللام متعلقة بمحذوف أي: صالحة للتقوى، كقولك: أنت صالح لكذا، أو للتعليل كقولك: جئت لأداء الواجب أي: ليكون مجيئي سبباً لأدائه.
(لهم مغفرة وأجر عظيم) خبر آخر لأولئك أو مستأنفة لبيان ما أعد الله لهم في الآخرة، وهو الظاهر.
(إن الذين ينادونك من وراء الحجرات) هم جفاة بني تميم، كما سيأتي بيانه، ووراء الحجرات خارجها وخلفها، أو قدامها، والحجرات جمع حجرة كالغرفات جمع غرفة، والظلمات جمع ظلمة، وقيل جمع حجر والحجر جمع حجرة فهو جمع الجمع، والحجرة الرقعة من الأرض المحجورة بحائط يحوط عليها، وهي فعلة بمعنى مفعولة، قرأ الجمهور الحجرات بضم الجيم، وقرىء بفتحها تخفيفاً وقرىء بإسكانها، وهي لغات ومناداتهم من وراء الحجرات إما بأنهم أتوها حجرة حجرة فنادوه من ورائها، أو بأنهم تفرقوا على الحجرات متطلبين له، فنادى كل واحد على حجرة و (من) في (من وراء) لابتداء الغاية، ولا وجه للمنع من جعلها لهذا المعنى.
(أكثرهم لا يعقلون) لغلبة الجهل عليهم، وكثرة الجفاء في طباعهم، والمراد بالأكثر الكل، لأن العرب قد تفعل هكذا.
عن الأقرع بن حابس أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " يا محمد أخرج إلينا فلم يجبه فقال: يا محمد إن حمدي زين، وإن ذمي شين، فقال: ذلك الله، فأنزل الله (إن الذين) الخ " [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد وابن جرير والبغوي والطبراني وابن مردويه، قال السيوطي بسند صحيح، قال ابن منيع: لا أعلم روى الأقرع مسنداً غير هذا.
وعن البراء بن عازب في الآية، قال: جاء رجل فقال يا محمد إن حمدي زين وإن ذمي شين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذاك الله أخرجه الترمذي وحسنه.
وعن زيد بن أرقم قال: " اجتمع ناس من العرب فقالوا: انطلقوا إلى هذا الرجل، فإن يك نبياً فنحن أسعد الناس به، وإن يك ملكاً نعش بجناحه، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما قالوا فجاؤوا إلى حجرته فجعلوا ينادونه: يا محمد فأنزل الله هذه الآية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأدني وجعل يقول لقد صدق الله قولك يا زيد " أخرجه ابن راهويه؛ ومسدد وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه قال السيوطي: بإسناد حسن، وفي الباب أحاديث.
قال النسفي: وورود الآية على النمط الذي وردت عليه فيه ما لا يخفى من إجلال محل رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها التسجيل على الصائحين به السفه والجهل ومنها إيقاع لفظ الحجرات كناية عن موضع خلوته، ومقيله مع بعض نسائه ومنها التعريف باللام دون الإضافة.
ولو تأمل متأمل من أول هذه السورة إلى آخر هذه الآية لوجدها كذلك، فتأمل كيف ابتدأ بإيجاب أن تكون الأمور التي تنتمي إلى الله ورسوله متقدمة على الأمور كلها من غير تقييد، ثم أردف ذلك النهي عما هو من جنس التقديم من رفع الصوت والجهر. كأن الأول بساط للثاني، ثم أثنى على الغاضين أصواتهم ليدل على عظم موقعه عند الله، ثم عقبه بما هو أطم، وهجنته أتم، من الصياح برسول الله صلى الله عليه وسلم في حال خلوته من وراء الجدر كما يصاح بأهون الناس قدراً لينبه على فظاعة ما جسروا عليه لأن من رفع الله قدره عن أن يجهر له بالقول كان صنيع هؤلاء من المنكر الذي بلغ من التفاحش مبلغاً انتهى.
الحجرات 49:5
(ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيراً لهم) أي: لو انتظروا خروجك، ولم يعجلوا بالمناداة لكان أصلح لهم في دينهم ودنياهم، لما في ذلك من رعاية حسن الأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورعاية جانبه الشريف والعمل بما يستحقه من التعظيم والتبجيل، وقيل: إنهم جاؤوا شفعاء في أسارى فأعتق رسول الله صلى الله عليه وسلم نصفهم، وفادى نصفهم، ولو صبروا لأعتق الجميع ذكر معناه مقاتل. وقيل: يفيد أنه لو خرج ولم يكن خروجه إليهم ولا لأجلهم للزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه إليهم (والله غفور رحيم) كثير المغفرة والرحمة بليغهما، لا يؤاخذ مثل هؤلاء فيما فرط منهم من إساءة الأدب إن تابوا وأنابوا.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (6) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (7) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (8) وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)
الحجرات 49:6
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) قرأ الجمهور من التبين وقرىء فتثبتوا من التثبت، والمراد من التبين التعرف والتفحص ومن التثبت الإفادة وعدم العجلة، والتبصر بالأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر، وفي تنكير الفاسق والنبأ شياع في الفساق والأنباء كأنه قال: أي فاسق جاءكم بأي نبأ فتوقفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا على قول الفساق لأن من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع منه والفسوق الخروج من الشيء يقال فسقت الرطبة عن قشرها، ومن مقلوبه فقست البيضة إذا كسرتها، وأخرجت ما فيها من بياضها وصفرتها؛ ومن مقلوبه أيضاًً فقست الشيء إذا أخرجته من يد مالكه مغتصباً له، عليه، ثم استعمل في الخروج عن القصد بركوب الكبائر قال المفسرون إن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط كما سيأتي بيانه.
(أن) أي كراهة أن أو لئلا (تصيبوا) بالقتل والأسر (قوماً بجهالة) لأن الخطأ ممن لم يتبين الأمر ولم يتثبت فيه هو الغالب، وهو جهالة، لأنه لم يصدر عن علم والمعنى متلبسين بجهالة بحالهم (فتصبحوا على ما فعلتم) بهم من إصابتهم بالخطأ (نادمين) على ذلك مغتمين له، مهتمين به، وفي الآية دليل على قبول خبر الواحد العدل، لأنا لو توقفنا في خبره لسوينا بينه وبين الفاسق، ولخلا التخصيص به عن الفائدة.
عن الحارث بن ضرار الخزاعي قال: " قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، وأقررت به، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها وقلت: يا رسول الله أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام، وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، وترسل إلي يا رسول الله رسولاً إبان كذا وكذا ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الذي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه احتبس الرسول فلم يأت فظن الحارث أن قد حدث فيه سخط من الله ورسوله، فدعا سروات قومه فقال لهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لي وقتاً يرسل إليّ رسوله، ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله الخلف، ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطه فانطلقوا فنأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما عنده مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق فرق فرجع، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الحارث منعني الزكاة وأراد قتلي فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم البعث إلى الحارث فأقبل الحارث بأصحابه حتى إذا استقل البعث وفصل عن المدينة لقيهم الحارث فقالوا: هذا الحارث فلما غشيهم قال لهم: إلى من بعثتم؟ قالوا: إليك قال: ولم؟ قالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليك الوليد بن عقبة فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمداً بالحق ما رأيته بتة، ولا أتاني، فلما دخل الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: منعت الزكاة وأردت قتل رسولي؟ قال: لا والذي بعثك بالحق ما رأيته، ولا رآني وما أقبلت إلا حين احتبس عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خشيت أن تكون كانت سخطة من الله ورسوله فنزلت (يا أيها الذين آمنوا) إلى قوله: (حكيم) " [[رواه أحمد.]] أخرجه أحمد وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن منده وابن مردويه، قال السيوطي: بسند جيد قال ابن كثير هذا من أحسن ما روي في سبب نزول الآية.
وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أنه سبب نزول الآية، وأنه المراد بها وإن اختلفت القصص ثم وعظهم الله سبحانه فقال:
الحجرات 49:7
(واعلموا أن فيكم رسول الله) فلا تقولوا قولاً باطلاً ولا تتسرعوا عند وصول الخبر إليكم من غير تبين، فإن الله يخبره فينهتك ستر الكاذب، أو فارجعوا إليه واطلبوا رأيه، ثم قال مستأنفاً: (لو يطيعكم في كثير من الأمر) أي: مما تخبرونه به من الأخبار الباطلة، وتشيرون به عليه من الآراء التي ليست بصواب (لعنتم) أي: لوقعتم في العنت وهو التعب والجهد والإثم والهلاك، ولكنه لا يطيعكم في غالب ما تريدون قبل وضوح وجهه له، ولا يسارع إلى العمل بما يبلغه قبل النظر فيه.
عن أبي سعيد الخدري أنه قرأ هذه الآية وقال: " هذا نبيكم يُوحى إليه، وخيار أئمتكم لو أطاعهم في كثير من الأمر لعنتوا، فكيف بكم اليوم؟ " أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح غريب.
(ولكن الله حبب إليكم الإيمان) أي جعله أحب الأشياء إليكم أو محبوباً لديكم، فلا يقع منكم إلا ما يوافقه ويقتضيه من الأمور الصالحة، وترك التسرع في الأخبار وعدم التثبت فيها قيل: والمراد بهؤلاء من عدا الأولين لبيان براءتهم عن أوصاف الأولين، والظاهر إنه تذكير للكل بما يقتضيه الإيمان، وتوجيه محبته التي جعلها الله في قلوبهم.
(وزينَّه) أي حسنه بتوفيقه وقربه منكم وأدخله (في قلوبكم) حتى جريتم على ما يقتضيه في الأقوال والأفعال (وكرَّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان) أي: جعل كل ما هو من جنس هذه الثلاثة مكروهاً عندكم وأصل الفسق الخروج عن الطاعة، والعصيان جنس ما يعصى الله به، وقيل: أراد بذلك الكذب خاصة والأول أولى وفي هذه الآية لطيفة وهو أن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الثلاثة الأشياء في مقابلة الإيمان الكامل وهو ما اجتمع فيه ثلاثة أمور، إقرار باللسان، وتصديق بالجنان وعمل بالأركان، فكراهة الكفر في مقابلة محبة الإيمان وتزيينه في القلوب هو التصديق بالجنان، والفسوق وهو الكذب، في مقابلة الإقرار باللسان، والعصيان في مقابلة العمل بالأركان.
(أولئك) الموصوفون بما ذكر (هم الراشدون) يعني أصابوا طرق الحق، ولم يميلوا عن الاستقامة، والرشد الاستقامة على طريق الحق مع تصلب، من الرشادة وهي الصخرة وفيه التفات عن الخطاب
الحجرات 49:8
(فضلاً من الله ونعمة) أي لأجل فضله وإنعامه والمعنى إنه حبب إليكم ما حبب وكره إليكم ما كره لأجل فضله وإنعامه أو جعلكم راشدين لأجل ذلك، وقيل التقدير تبتغون فضلاً ونعمة (والله عليم) بكل معلوم (حكيم) في صنعه وفي كل ما يقضي به بين عباده ويقدره لهم.
الحجرات 49:9
(وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) قرأ الجمهور بالجمع باعتبار كل فرد من أفراد الطائفتين كقوله: (هذان خصمان اختصموا) وقال النسفي: حملاً على المعنى، لأن الطائفتين في معنى القوم والناس وثنى في قوله: (فأصلحوا بينهما) نظراً إلى اللفظ.
عن أنس قال: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: لو أتيت عبد الله ابن أبيّ فانطلق إليه وركب حماراً، وانطلق المسلمون يمشون، وهي أرض سبخة، فلما انطلق إليه قال: إليك عني، فوالله لقد آذاني ريح حمارك، فقال رجل من الأنصار: والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحاً منك، فغضب لعبد الله رجال من قومه، فغضب لكل منهما أصحابه، وكان بينهم ضرب بالجريد والأيدي والنعال، فنزلت (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا) " الآية [[رواه البخاري.]] أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وقد روي نحو هذا من وجوه أخر، قال ابن عباس كان قتال بالنعال والعصي، فأمرهم أن يصلحوا بينهما وعن عائشة قالت: ما رأيت مثل ما رغبت عنه هذه الأمة في هذه الآية، وقيل المراد من الطائفتين الأوس والخزرج.
(فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ) البغي التعدي بغير حق، والامتناع من الصلح الموافق للصواب، والاستطالة والظلم، والفيء الرجوع، وقد سمي به الظل والغنيمة، لأن الظل يرجع بعد نسخ الشمس، والغنيمة ما يرجع من أموال الكفار إلى المسلمين، والمعنى أنه إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله. فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، ولم تتأثر بالنصيحة وأبت الإجابة إلى حكم الله تعالى، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمه وكتابه، وقيل: إلى طاعته في الصلح الذي أمر به، وحتى للغاية، وقيل بمعنى كي، فتكون للتعليل، والأول كما قال بعضهم هو الظاهر المناسب لسياق الآية.
عن ابن عباس في الآية قال: " إن الله أمر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إذا اقتتلت طائفة من المؤمنين أن يدعوهم إلى حكم الله، وينصف بعضهم عن بعض، فإذا أجابوا حكم فيهم بكتاب الله حتى ينصف المظلوم، فمن أبى منهم أن يجيب فهو باغ، وحق على الإمام أن يقاتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، ويقروا بحكم الله "، وعن ابن عمر قال ما وجدت في نفسي من شيء ما وجدت في نفسي من هذه الآية أني لم أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله. والحاصل أن حكم الفئة الباغية وجوب قتالها ما قاتلت، فإذا كفت وقبضت عن الحرب أيديها تركت، والمراد بأمر الله الصلح وزوال الشحناء.
(فإن فاءت) أي فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها إلى الحق، وأجابت الدعوات إلى كتاب الله وحكمه والرضا بما فيه (فأصلحوا بينهما بالعدل) أي بالنصح والدعاء إلى حكم الله، ولا تكتفوا بمجرد متاركتهما عسى أن يكون بينهما قتال في وقت آخر، يعني فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله. ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم. وتؤدي ما يجب عليها للأخرى. ثم أمر الله سبحانه المسلمين أن يعدلوا في كل أمورهم بعد أمرهم بهذا العدل الخاص بالطائفتين المتقاتلين فقال:
(وأقسطوا) أي: اعدلوا وهو أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين والقسط الجور، والقسط العدل، والفعل منه أقسط الرباعي وهمزته للسلب أي أزال القسط، وهو الجور بخلاف قسط الثلاثي فمعناه الجور، يقال: قسط الرجل إذا جار، وأقسط إذا عدل، وهذا هو المشمهور خلافاً للزجاج في جعلهما سواء (إن الله يحب المقسطين) أي: العادلين، ومحبته لهم تستلزم مجازاتهم بأحسن الجزاء.
وجملة
الحجرات 49:10
(إنما المؤمنون إخوة) مستأنفة مقررة لما قبلها من الأمر بالإصلاح، والمعنى: أنهم راجعون إلى أصل واحد، وهو الإيمان، قال الزجاج: الدين يجمعهم فهم إخوة إذا كانوا متفقين في دينهم فرجعوا بالاتفاق في الدين إلى أصل النسب، لأنهم لآدم وحواء، قال بعضهم:
أبي الإسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم
ولنعم ما قيل:
القوم إخوان صدق بينهم سبب ... من المودة لم يعدل به نسب
وذلك أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الأخوة لم ينقص عنها ثم قد جرت العادة على أنه إذا نشأ مثل ذلك بين الأخوين ولاداً لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته بالصلح بينهما، فالأخوة في الدين أحق بذلك.
(فأصلحوا بين أخويكم) يعني بين كل مسلمين تخاصما وتقاتلا، وفيه وضع الظاهر موضع المضمر مضافاً إلى المأمورين بالإصلاح، للمبالغة في التقرير والفاء للإيذان بأن الأخوة الدينية موجبة للإصلاح أو تخصيص الاثنين بالذكر لإثبات وجوب الإصلاح فيما فرقهما بطريق الأولى لأنهما أقل من يقع بينهما الشقاق، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين، قرأ الجمهور على التثنية، قال أبو علي الفارسي في توجيهها: أراد بالأخوين الطائفتين، لأن لفظ التثنية قد يرد ويراد به الكثرة، وقال أبو عبيدة: أي أصلحوا بين كل أخوين، وقرىء إخوانكم بالجمع وقرىء أخوتكم بالفوقية على الجمع أيضاًً.
(واتقوا الله) في كل أموركم (لعلكم ترحمون) بسبب التقوى، والترجي باعتبار المخاطبين أي راجين أن يرحموا، أو لعل من الله في هذا المقام إطماع من الكريم الرحيم إذ لإطماع فعل ما يطمع فيه لا محالة وفي هذه الآية دليل على قتال الفئة الباغية إذا تقرر بغيها على الإمام أو على أحد من المسلمين، وعلى فساد قول من قال بعدم الجواز مستدلاً بقوله صلى الله عليه وسلم " قتال المسلم كفر " فإن المراد بهذا الحديث وما ورد في معناه قتال المسلم الذي لم يبغ، قال ابن جرير، لو كان الواجب في كل اختلاف يكون بين فريقين من المسلمين الهرب منه ولزوم المنازل، لما أقيم حق ولا أبطل باطل، ولوجد أهل النفاق والفجور سبباً إلى استحلال كل ما حرم الله من أموال المسلمين، وسبي نسائهم، وسفك دمائهم، بأن يتحزبوا عليهم، ويكف المسلمون أيديهم عنهم وذلك مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم " خذوا على أيدي سفهائكم " [[رواه مسلم.]].
قال ابن العربي: هذه الآية أصل في قتال المسلمين وعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإليها لجأ الأعيان من أهل الملة، وإياها عنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " تقتل عمار الفئة الباغية " وقوله صلى الله عليه وسلم في شأن الخوارج " يخرجون على حين فرقة من الناس تقتلهم أولى الطائفتين بالحق " والآية تدل أيضاً على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان لأنه سماهم مؤمنين مع وجود البغي.
وعن علي وقد سئل عن أهل الجمل، وصفين، أمشركون؟ قال: لا، إنهم من الشرك فروا، فقيل: أمنافقون هم؟ قال: لا، إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً قيل: فما حالهم؟ قال إخواننا بغوا علينا، وهو رضي الله تعالى عنه قدوة في قتال أهل البغي، وعنه أنه سمع رجلاً يقول في ناحية المسجد: لا حكم إلا لله فقال: كلمة حق أراد بها باطل لكم، علينا ثلاثة: لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله، ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا نبدأكم بقتال.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ (12) يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14)
الحجرات 49:11
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ) أي: رجال منكم (مِنْ قَوْمٍ) تنكير القوم للتبعيض، وأن المعنى على الإفراد، وإن جاء النظم على الجمع لأن السخرية تقع في المجامع، قال الكرخي: إنه من نسبة فعل البعض إلى الجميع، لرضاهم به في الأغلب ولوجوده فيما بينهم، والسخرية الاستهزاء وحكى أبو زيد: سخرت به وضحكت به وهزأت به، وقال الأخفش: سخرت به وسخرت منه، وضحكت به ومنه وهزأت منه وبه كل ذلك يقال: والاسم السخرية والسخري بالكسر وبالضم لغة فيه، وقرىء بهما في قوله (ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً) ومعنى الآية النهي للمؤمنين عن أن يستهزىء بعضهم ببعض.
(عسى أن يكونوا خيراً منهم) علل النهي بأن يكون المسخور بهم عند الله خيراً من الساخرين بهم، فينبغي أن لا يجترىء أحد على الاستهزاء بمن تقتحمه عينه إذا رآه رث الحال، أو ذا عاهة في بدنه؛ أو غير لبق في محادثته، فلعله أخلص ضميراً وأتقى قلباً ممن هو على ضد صفته، فيظلم نفسه بتحقير من وقره الله تعالى، قال ابن مسعود: إن البلاء موكل بالقول لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلباً، ولما كان لفظ قوم مختصاً بالرجال لأنهم القوام على النساء أفرد النساء بالذكر فقال:
(ولا) يسخر (نساء من نساء عسى أن يكن) المسخور بهن (خيراً منهن) يعني من الساخرات منهن وقيل أفرد النساء بالذكر لأن السخرية منهن أكثر، عن مقاتل قال: نزلت في قوم من بني تميم استهزأوا من فقراء المسلمين كبلال وسلمان وعمار وخباب وصهيب وابن فهيرة وسالم مولى أبي حذيفة، وعن أنس نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم عيرن أم سلمة بالقصر، وعن ابن عباس نزلت في صفية بنت حيي، قال لها بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم: يهودية بنت يهودي.
(ولا تلمزوا أنفسكم) أي: لا تطعنوا أهل دينكم. واللمز العيب والطعن وقد مضى تحقيقه في سورة براءة عند قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات قال ابن جرير: اللمز باليد والعين واللسان والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان، والمعنى لا يلمز بعضكم بعضاً، كما في قوله: (ولا تقتلوا أنفسكم) وقوله (فسلموا على أنفسكم)، والمؤمنون كنفس واحدة، فإذا عاب المؤمنُ المؤمنَ فكأنما عاب نفسه، وقيل: لا تفعلوا ما تلمزون به، لأن فعل ما استحق به اللمز فقد لمز نفسه حقيقة، قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير: لا يطعن بعضكم على بعض، وبه قال ابن عباس، وقال الضحاك: لا يلعن بعضكم بعضاً.
(ولا تنابزوا بالألقاب) أي لا تدعوا الإنسان بغير ما سمي به والتنابز التفاعل من النبز بالتسكين، وهو المصدر والنبز بالتحريك اللعب مطلقاً، أي حسناً كان أو قبيحاً، خص في العرف بالقبيح، والجمع أنباز، والألقاب جمع لقب، وهو اسم غير الذي سمي به الإنسان، والمراد هنا لقب السوء والتنابز بالألقاب أن يلقب بعضهم بعضاً، والتداعي بها قال الواحدي: قال المفسرون: هو أن يقول لأخيه المسلم يا فاسق يا منافق، أو يقول لمن أسلم يا يهودي يا نصراني، قال عطاء: هو كل شيء أخرجت به أخاك من الإسلام كقولك يا كلب يا حمار يا خنزير قال الحسن ومجاهد كان الرجل يعير بكفره فيقال له يا يهودي يا نصراني فنزلت، وبه قال قتادة وأبو العالية وعكرمة.
عن أبي جبيرة بن الضحاك قال: فينا نزلت في بني سلمة، " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وليس فينا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فكان إذا دعا واحداً منهم باسم من تلك الأسماء قالوا: يا رسول الله إنه يكرهه، فنزلت (ولا تنابزوا بالألقاب) " [[رواه البخاري.]] أخرجه البخاري في الأدب، وأهل السنن الأربع، وغيرهم، وعن ابن عباس نحوه، وعنه قال التنابز أن يكون الرجل عمل السيئات ثم تاب منها وراجع الحق، فنهى الله أن يعير بما سلف من عمله.
وعن ابن مسعود في الآية قال: إذا كان الرجل يهودياً فأسلم فيقول: يا يهودي يا مجوسي، ويقول للرجل المسلم يا فاسق، قيل والتلقيب المنهي عنه هو ما يتداخل المدعو به كراهة لكونه تقصيراً به، فأما ما يحبه فلا بأس به، ومنه الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها نحو الأخفش والأعمش وما أشبه ذلك قال القرطبي: إنه يستثنى من هذا من غلب عليه الاستعمال، كالأعرج والأحدب؛ ولم يكن له سبب يجد في نفسه منه عليه فجوزته الأئمة واتفق أهل اللغة على قوله انتهى، وأما الألقاب التي تكسب حمداً أو مدحاً وتكون حقاً وصدقاً فلا تكره، كما قيل لأبي بكر عتيق ولعمر الفاروق ولعثمان ذو النورين ولعلي أبو تراب، ولخالد سيف الله.
(بئس الاسم الفسوق) أي بئس الاسم أن يذكر بالفسق، والإسم هنا ليس المراد به ما يقابل اللقب والكنية، ولا ما يقابل الفعل والحرف، بل المراد به الذكر المرتفع لأنه من السمو من قولهم: طار اسمه في الناس بالمكرم أو باللؤم، وحقيقة ما سما من ذكره وارتفع بين الناس، كأنه قيل: بئس الذكر المرتفع للمؤمنين بسبب ارتكاب هذه الجرائم أن يذكروا بالفسق (بعد) دخولهم في (الإيمان) استقباح للجمع بين الإيمان والفسق الذي يحظره الإيمان، كما تقول: بئس الشأن بعد الكبرة الصبوة، قال ابن زيد: أي لفسق أن يسمى الرجل كافراً أو زانياً بعد إسلامه وتوبته، وقيل إن من فعل ما نهى عنه من السخرية واللمز والنبز فهو فاسق.
(ومن لم يتب) عما نهى الله عنه (فأولئك هم الظالمون) لإرتكابهم ما نهى الله عنه، وامتناعهم من التوبة، وظلموا من لقبوه، وظلموا أنفسهم بما لزمها من الإثم.
الحجرات 49:12
(يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن) يقال: جنبه الشر إذا أبعده عنه، وحقيقته جعله في جانب، فيعدى إلى مفعولين، قال تعالى: (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ) ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولاً، والظن هنا مجرد التهمة التي لا سبب لها كمن يتهم غيره بشيء من الفواحش، ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك، وأمر سبحانه باجتناب الكثير وأبهم، ليفحص المؤمن عن كل ظن [يظنه] حتى يعلم وجهه، لأن من الظن ما يجب اتباعه، فإن أكثر الأحكام الشرعية مبنية على الظن: كالقياس، وخبر الواحد، ودلالة العموم ولكن هذا الظن الذي يجب العمل به قد قوي بوجه من الوجوه الموجبة للعمل به، فارتفع عن الشك والتهمة.
قال الزجاج: وهو أن يظن بأهل الخير سوءاً فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم، قال مقاتل بن سليمان ومقاتل بن حيان: هو أن يظن بأخيه المسلم سوءاً، ولا بأس به ما لم يتكلم به، فإن تكلم بذلك الظن وأبداه [أثم]، وحكى القرطبي عن أكثر العلماء أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز، وأنه لا حرج في الظن القبيح بمن ظاهره القبيح.
وجملة: (إن بعض الظن إثم) تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظن، وهذا البعض هو ظن السوء بأهل الخير، والإثم هو ما يستحقه الظان من العقوبة، ومما يدل على تقييد هذا الظن المأمور باجتنابه بظن السوء قوله تعالى: (وظننتم ظن السوء وكنتم قوماً بوراً) فلا يدخل في الظن المأمور باجتنابه شيء من الظن المأمور باتباعه من مسائل الدين، فإن الله قد تعبد عباده باتباعه، وأوجب العمل به جمهور أهل العلم، ولم ينكر ذلك إلا بعض طوائف المبتدعة، كياداً للدين، وشذوذاً عن جمهور المسلمين، وقد جاء التعبد بالظن في كثير من الشريعة المطهرة، بل في أكثرها، قال أبو السعود: من الظن ما يجب اتباعه كالظن فيما لا قاطع فيه من العمليات وحسن الظن بالله تعالى، ومنه ما حرم كالظن في الإلهيات والنبوات، وحيث يخالفه قاطع وظن السوء بالمؤمنين ومنه ما يباح كالظن في الأمور المعاشية أهـ.
وقيل: الظن أنواع فمنه واجب ومأمور به، وهو الظن الحسن بالله عز وجل، ومنه مندوب إليه، وهو الظن الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة، ومنه حرام محظور، وهو سوء الظن بالله عز وجل، وسوء الظن بالأخ المسلم، قال ابن عباس في الآية: نهى الله المؤمن أن يظن بالمؤمن سوءاً.
وعن أبي هريرة قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخواناً " [[رواه مسلم.]] الحديث أخرجه الشيخان.
ثم لما أمرهم الله سبحانه باجتناب كثير من الظن نهاهم عن التجسس فقال:
(ولا تجسسوا) التجسس البحث عما ينكتم عنك من عيوب المسلمين وعوراتهم، نهاهم الله سبحانه عن البحث عن معائب الناس ومثالبهم، حتى يطلع عليها بعد أن سترها الله تعالى، وقرأ الجمهور بالجيم، ومعناه ما ذكرنا وقرىء بالحاء قال الأخفش: ليس يبعد أحدهما عن الآخر، لأن التجسس بالجيم هو البحث عما ينكتم عنك، والتحسس بالحاء طلب الإخبار والبحث عنها، وقيل؛ إن التجسس بالجيم هو البحث، ومنه قيل: رجل جاسوس إذا كان يبحث عن الأمور، وبالحاء ما أدركه الإنسان ببعض حواسه، وقيل: إنه بالحاء فيما يطلبه الإنسان لنفسه، وبالجيم أن يكون رسولاً لغيره، قاله ثعلب والأول أعرف. يقال: تحسست الأخبار وتجسستها أي: تفحصت عنها.
قال ابن عباس: نهى الله المؤمنين عن تتبع عورات المؤمن وعن زيد بن وهب قال: أتى ابن مسعود فقيل هذا فلان يقطر لحيته خمراً، فقال ابن مسعود إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذه قال مجاهد: خذوا ما ظهر ودعوا ما ستره الله.
وعن عقبة بن عامر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤودة " أخرجه أبو داود.
وعن أبي هريرة " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يستر عبد عبداً في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة " [[رواه مسلم.]] رواه مسلم.
وفي كتاب أبي داود عن معاوية قال: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم "، فقال أبو الدرداء كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنفعه الله بها. وقد وردت أحاديث في النهي عن تتبع عورات المسلمين والتجسس عن عيوبهم.
(ولا يغتب بعضكم بعضاً) أي لا يتناول بعضكم بعضاً بظهر الغيب بما يسوءه، يقال اغتابه اغتياباً إذا وقع فيه والاسم الغيبة، وهي ذكر العيب بظهر الغيب يعني: أن تذكر الرجل بما يكرهه.
كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح لمسلم " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره، فقيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهَّته " [[رواه مسلم.]] قال: ابن عباس: حرم الله أن يغتاب المؤمن بشيء كما حرم الميتة والأحاديث في تحريم الغيبة كثيرة جداً معروفة في كتب الحديث، قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلها في كتاب الله تعالى، الغيبة، والإفك، والبهتان، فأما الغيبة: فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه، وأما الإفك: فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه، وأما البهتان: فهو أن تقول ما ليس فيه، ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأن على من اغتاب أحداً التوبة إلى الله أو الاستغفار لمن اغتابه أو الإستحلال منه، وللشوكاني رسالة في ذلك، سماها: رفع الريبة عن مسألة الغيبة، وهي نفيسة جداً.
(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً)؟ مثل سبحانه الغيبة بأكل الميتة لأن الميت لا يعلم بأكل لحمه، كما أن الحي لا يعلم بغيبة من اغتابه، ذكر معناه الزجاج، وفيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كلحمه وأنه كما يحرم أكل لحمه تحرم الاستطالة في عرضه، وفي هذا من التنفير عن الغيبة والتقبيح لها والتوبيخ لفاعلها والتشنيع عليه ما لا يخفى، فإن لحم الإنسان مما تنفر عنه الطباع الإنسانية، وتستكرهه الجبلة البشرية فضلاً عن كونه محرماً شرعاً، وفيه مبالغات، منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولاً بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم للتعميم، والإشعار بأن أحداً من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخاً، ومنها أنه لم يقتصر على لحم الأخ حتى جعله ميتاً، فهذا تمثيل على أفحش وجه.
(فكرهتموه) أي فاغتيابه في حياته كأكل لحمه بعد مماته، فالكلام من باب الاستعارة التمثيلية، وفي هذا التمثيل والتشبيه إشارة إلى أن عرض الإنسان كدمه ولحمه، لأن الإنسان يتألم قلبه من قرض العرض، كما يتألم جسمه من قطع اللحم وهذا من باب القياس الظاهر، لأن عرض الإنسان أشرف من لحمه ودمه، فإذا لم يحسن من العاقل أكل لحوم الإنسان، لم يحسن منه قرض عرضهم بالطريق الأولى، لأن ذلك أشد ألماً قال الفراء: تقديره فقد كرهتموه فلا تفعلوا، والمعنى فلما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء، أو المعنى فكما كرهتم هذا فاجتنبوا ذكره بالسوء غائباً، قال الرازي: الفاء في تقديره جواب كلام كأنه قال: لا يحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه إذن، وقال أبو البقاء: هو معطوف على محذوف تقديره عليكم ذلك فكرهتموه، ولا يمكنكم إنكار كراهته، وبه قال البيضاوي، وقيل: إن صح ذلك عندكم فأنتم تكرهونه، وقيل هو خبر بمعنى الأمر.
(واتقوا الله) بترك ما أمركم باجتنابه (إن الله تواب رحيم) لمن اتقاه وتاب عما فرط منه من الذنب، ومخالفة الأمر، والمبالغة في (التواب) للدلالة على كثرة من يتوب عليه من عباده، أو لأنه ما من ذنب يقترفه العبد إلا كان معفواً عنه بالتوبة، أو لأنه لما بولغ في قبول التوبة نزل صاحبها منزلة من لم يذنب قط لسعة كرمه.
الحجرات 49:13
(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى) هما آدم وحواء، والمقصود أنهم متساوون لاتصالهم بنسب واحد، وكونهم يجمعهم أب واحد وأم واحدة، وأنه لا موضع للتفاخر بينم بالأنساب، وقيل: المعنى أن كل واحد منكم من أب وأم، فالكل سواء.
عن ابن أبي مليكة قال: " لما كان يوم الفتح رقى بلال فأذن على الكعبة، فقال بعض الناس: أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة؟ وقال بعضهم: إن سخط الله هذا يغيره، فنزلت هذه الآية " أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل.
وعن الزهري قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم، فقالوا: يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا؟ فنزلت هذه الآية " أخرجه أبو داود في مراسيله وابن مردويه والبيهقي في سننه، وقال الزهري: نزلت في أبي هند خاصة، وعن عمر بن الخطاب أن هذه الآية هي مكية، وهي للعرب خاصة الموالي أي قبيلة لهم وأي شعاب.
(وجعلناكم شعوباً وقبائل) الشعوب جمع شعب بفتح الشين، وهو الحي العظيم مثل مضر وربيعة، والقبائل دونها كبني بكر من ربيعة، وبني تميم من مضر، قال الواحدي: هذا قول جماعة من المفسرين سموا شعباً لتشعبهم واجتماعهم، كشعب أغصان الشجرة، والشعب من أسماء الأضداد يقال شعبته إذا جمعته، وشعبته إذا فرقته ومنه سميت المنية شعوباً لأنها مفرقة فأما الشعب بالكسر فهو الطريق في الجبل، قال الجوهري: الشعب ما تشعب من قبائل العرب والعجم، والجمع الشعوب وقال مجاهد: الشعوب البعيد من النسب والقبائل دون ذلك وقال قتادة: الشعوب النسب الأقرب وقيل: أعلى طبقات النسب، وقيل: إن الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل من ربيعة ومضر، وسائر عدنان وقيل: الشعوب بطون العجم والقبائل بطون العرب.
وحكى أبو عبيدة أن الشعب أكثر من القبيلة، ثم القبيلة، ثم العمارة ثم البطن. ثم الفخذ، ثم الفصيلة، ثم العشيرة، وكل واحدة تدخل فيما قبلها فالقبائل تحت الشعوب، والعمائر تحت القبائل، والبطون تحت العمائر، والأفخاذ تحت البطون، والفصائل تحت الأفخاذ " والعشائر تحت الفصائل، فخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وعبد مناف فخذ، وبنو هاشم فصيلة، والعباس عشيرة، وليس بعد العشيرة حي يوصف، ومما يؤيد ما قاله الجمهور من أن الشعب أكثر من القبيلة قول الشاعر:
قبائل من شعوب ليس فيهم ... كريم قد يعد ولا نجيب
قال ابن عباس: الشعوب القبائل العظام، والقبائل البطون، وعنه قال: الشعوب الجماع، والقبائل الأفخاذ التي يتعارفون بها، وعنه قال: القبائل الأفخاذ، والشعوب الجمهور مثل مضر.
(لتعارفوا) أي: خلقناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً. والفائدة في التعارف أن ينتسب كل واحد منهم إلى نسبه ولا يعتزي إلى غيره، ويصل رحمه والمقصود من هذا أن الله سبحانه خلقهم كذلك لهذه الفائدة لا للتفاخر بأنسابهم، ودعوى أن هذا الشعب أفضل من هذا الشعب وهذه القبيلة أكرم من هذه القبيلة، وهذا البطن أشرف من هذا البطن، وإنما الفخر بالتقوى، قرأ الجمهور لتعارفوا بتخفيف التاء، وأصله لتتعارفوا، وقرىء بتشديدها على الإدغام، وقرىء بتاءين ثم علل سبحانه ما يدل عليه الكلام من النهي عن التفاخر فقال:
(إن أكرمكم عند الله أتقاكم) أي إن التفاضل بينكم إنما هو بالتقوى فمن تلبس بها فهو المستحق لأن يكون أكرم ممن لم يتلبس بها، وأشرف وأفضل فدعوا ما أنتم فيه من التفاخر بالأنساب فإن ذلك لا يوجب كرماً، ولا يثبت شرفاً، ولا يقتضي فضلاً، قرأ الجمهور بكسر إن وقرىء بفتحها أي لأن أكرمكم.
عن أبي هريرة قال: " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله بن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا [[رواه مسلم.]] " أخرجه البخاري وغيره، وقال عمر بن الخطاب: أتقاكم للشرك، وقد وردت أحاديث في الصحيح وغيره أن التقوى هي التي تتفاضل بها العباد.
(إن الله عليم) بكل معلوم، ومن ذلك أعمالكم (خبير) بما تسرون وما تعلنون، ولا تخفى عليه من ذلك خافية، ولما ذكر سبحانه أن أكرم الناس عند الله أتقاهم له وكان أصل التقوى الإيمان ذكر ما كانت تقوله العرب من دعوى الإيمان ليثبت لهم الشرف والفضل فقال:
الحجرات 49:14
(قالت الأعراب آمنا) وهم بنو أسد، قاله مجاهد، وقيل هم جهينة ومزينة وأسلم وأشجع وغفار، والأول أولى، وهم الذين أظهروا الإسلام في سنة مجدبة يريدون الصدقة، فأمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يرد عليهم فقال: (قل لم تؤمنوا) أي لم تصدقوا تصديقاً صحيحاً عن اعتقاد قلب، وخلوص نية، وطمأنينة (ولكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا خوف القتل والسبي، أو للطمع في الصدقة، وهذه صفة المنافقين لأنهم أسلموا في ظاهر الأمر، ولم تؤمن قلوبهم، ولهذا قال سبحانه:
(ولما يدخل الإيمان في قلوبكم) أي لم يكن ما أظهرتموه بألسنتكم عن مواطأة قلوبكم، بل مجرد قول باللسان من دون اعتقاد صحيح، ولا نية خالصة، وفي لما معنى التوقع، وهذا تكرار، لكنه مستقل بفائدة زائدة، لأنه علم من الأول نفي الإيمان عنهم، ومن الثاني نفيه مع توقع حصوله، قال الزجاج: الإسلام إظهار الخضوع وقبول ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وبذلك يحقن الدم، فإن كان مع ذلك الإظهار اعتقاد وتصديق بالقلب فذلك الإيمان وصاحبه المؤمن، وقد أخرج هؤلاء من الإيمان بقوله: ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، أي: لم تصدقوا، وإنما أسلمتم تعوذاً من القتل، وهذه الآية تنقض على الكرامية مذهبهم أن الإيمان لا يكون بالقلب ولكن باللسان.
(وإن تطيعوا الله ورسوله) طاعة صحيحة، صادرة عن نيات خالصة وقلوب مصدقة غير منافقة (لا يلتكم) أي لا ينقصكم (من أعمالكم شيئاً) يقال: لات يليت إذا نقص، ولأنه يليته ويلوته إذا نقصه، قرأ الجمهور يلتكم من لاته يليته كباعه يبيعه، وقرىء لا يألتكم بالهمز من ألته يألته بالفتح في الماضي والكسر في المضارع، واختار الثانية أبو حاتم لقوله (وما ألتناهم من عملهم من شيء) وهما لغتان فصيحتان (إن الله غفور) أي بليغ المغفرة لمن فرط منه ذنب (رحيم) بليغ الرحمة لهم.
ثم لما ذكر سبحانه أن أولئك الذين قالوا آمنا لم يؤمنوا، ولا دخل الإيمان في قلوبهم، بيّن المؤمنين المستحقين لإطلاق اسم الإيمان عليهم فقال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)
الحجرات 49:15
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) إيماناً صحيحاً خالصاً عن مواطأة القلب واللسان (ثم لم يرتابوا) أي لم يدخل في قلوبهم شيء من الريب، ولا خالطهم شك من الشكوك، أتى بثم للتراخي للإشارة إلى أن نفي الريب عنهم ليس في وقت حصول الإيمان فيهم، وإنشائه فقط، بل هو مستمر بعد ذلك فيما يتطاول من الأزمنة فكأنه قال: ثم داموا على ذلك (وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله) أي: في طاعته وابتغاء مرضاته ويدخل في الجهاد الأعمال الصالحة التي أمر الله بها، فإنها من جملة ما يجاهد المرء نفسه حتى يقوم به ويؤديه، كما أمر الله سبحانه، والطاعات كلها في سبيل الله وجهته، والمجاهدة بالأموال عبارة عن العبادات المالية كالزكاة، وقدم الأموال لحرص الإنسان عليها، فإن ماله شقيق روحه، وجاهدوا بمعنى بذل الجهد. أو مفعوله مقدر، أي: العدو أو النفس والهوى.
(أولئك) أي: الجامعون بين الأمور المذكورة (هم الصادقون) في الاتصاف بصفة الإيمان والدخول في عداد أهله، لا من عداهم ممن أظهر الإسلام بلسانه، وادّعى أنه مؤمن ولم يطمئن بالإيمان قلبه، ولا وصل إليه معناه، ولا عمل بأعمال أهله، وهم الأعراب الذين تقدم ذكرهم وسائر أهل النفاق ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لأولئك الأعراب وأمثالهم قولاً آخر لما ادعوا أنهم مؤمنون فقال:
الحجرات 49:16
(قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ)؟ التعليم ههنا بمعنى الإعلام، ولهذا أدخلت الباء في (بدينكم) أي أتخبرونه بذلك حيث قلتم آمنا (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) فكيف يخفى عليه بطلان ما تدعونه من الإيمان؟ (والله بكل شيء عليم) لا يخفى عليه من ذلك خافية، وقد علم ما تبطنونه من الكفر، وتظهرونه من الإسلام لخوف الضر، أو رجاء النفع.
الحجرات 49:17
(يمنون عليك أن أسلموا) أي يعدون إسلامهم منة عليك حيث قالوا جئناك بالأثقال والعيال، ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، قاله عبد الله بن أبي أوفى، أخرجه ابن مردويه وغيره، قال السيوطي بسند حسن وعن ابن عباس نحوه، وذكر أنهم بنو أسد كما تقدم، والمن: تعداد النعم على المنعم عليه، وهو مذموم من الخلق، ممدوح من الله تعالى، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بما يقوله لهم عند المن عليه بما يدعونه من الإسلام فقال:
(قل لا تمنوا عليّ إسلامكم) أي لا تعدوه منة علي، فإن الإسلام هو المنة التي لا يطلب موليها ثواباً لمن أنعم بها عليه، ولهذا قال (بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان) أي: أرشدكم إليه وأراكم طريقه سواء وصلتم إلى المطلوب أم لم تصلوا إليه، قرأ الجمهور بفتح أن وقرىء بكسرها (إن كنتم صادقين) فيما تدعونه، والجواب محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كنتم صادقين فلله المنة عليكم.
الحجرات 49:18
(إن الله يعلم غيب السموات والأرض) أي: ما غاب فيهما، لا يخفى عليه شيء فيهما فكيف يخفى عليه حالكم، بل يعلم سركم وعلانيتكم (والله بصير بما تعملون) لا يخفى عليه من ذلك شيء، فهو مجازيكم بالخير خيراً، وبالشر شراً، وفي هذا بيان لكونهم غير صادقين، قرأ الجمهور على الخطاب وقرىء على الغيبة.
ق 50:1
سورة ق
(هي خمس وأربعون آية، وهي مكية كلها)
في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وعن ابن عباس وقتادة أنها مكيّة إلا آية، وهي قوله: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ) وهي أول المفصل على الصحيح. وقيل: من الحجرات.
وقد أخرج مسلم وغيره عن قطبة بن مالك قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الفجر في الركعة الأولى (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) ".
وعن أبي واقد الليثي قال: " كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في العيد بقاف واقتربت " [[رواه مسلم.]] أخرجه أحمد ومسلم وأهل السنن.
وعن أم هشام ابنة حارثة قالت: " ما أخذت (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ) إلا من في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بها في كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس " [[رواه مسلم.]] أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود وابن ماجة والبيهقي، وهو في صحيح مسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم
ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (1) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4) بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (5) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (7) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (9)
(ق) الكلام في إعراب هذا، كالكلام الذي قدمناه في (ص) سواء بسواء، لالتقائهما في أسلوب واحد، قرأ العامة بالجزم، وقرىء بكسر الفاء لأن الكسر أخو الجزم، وقرىء بفتحها لأن الفتح أخف الحركات قرىء بضمها لأنه في غالب الأمر حركة البناء، نحو منذ، وقط، وقبل، وبعد واختلف في معنى ق فقال الواحدي قال المفسرون: هو اسم جبل يحيط بالدنيا من زبرجد وقيل من زمردة خضراء، واخضرت السماء منه والسماء مقببة عليه وهو وراء الحجاب الذي تغيب الشمس من ورائه بمسيرة سنة قال الفراء: كان يجب على هذا أن يظهر الإعراب في ق لأنه اسم وليس بهجاء، قال: ولعل القاف وحدها ذكرت من اسمه كقول القائل: قلت لها قفي، فقالت: قاف، أي: أنا واقفة، وحكى الفراء والزجاج أن قوماً قالوا: معنى ق قضي الأمر وقضي ما هو كائن كما قيل في حم: حم الأمر، وقيل: هو اسم من أسماء الله تعالى أقسم به، قاله ابن عباس وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن.
وقال الشعبي: فاتحة السورة، وقال أبو بكر الوراق: معناه قف عند أمرنا ونهينا ولا تعدهما. وقال الأنطاكي: هو قرب الله من عباده، بيانه (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) وقال القرطبي: افتتاح اسم الله عز وجل قادر وقاهر وقريب وقابض، وقاض، وقيل غير ذلك مما هو أضعف منه وأبطل والحق أنه من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه، كما حققنا ذلك في فاتحة سورة البقرة، فالله أعلم بمراده به وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أثراً طويلاً في بيان جبل قاف قال ابن كثير: لا يصح سنده عنه وفيه أيضاًً انقطاع.
(والقرآن المجيد) أي: أنه ذو مجد وشرف على سائر الكتب المنزلة وقال الحسن الكريم، وبه قال ابن عباس، وقيل: الرفيع القدر، وقيل الكبير القدر، وعن ابن عباس قال: ليس شيء أحسن منه ولا أفضل، وجواب القسم قال الكوفيون: هو قوله:
ق 50:2
(بل عجبوا) وقال الأخفش محذوف أي لتبعثن، يدل عليه (أئذا متنا وكنا تراباً)؟ وقال ابن كيسان: جوابه (ما يلفظ من قول)، لأن ما قبلها عوض منها، وقيل: هو (قد علمنا) بتقدير اللام، أي لقد علمنا، وقيل: محذوف تقديره أنزلناه إليك لتنذر، كأنه قيل: ق والقرآن المجيد أنزلناه إليك لتنذر به الناس.
(بل عجبوا) بل للإضراب عن الجواب على اختلاف الأقوال لبيان حالهم الزائدة في الشناعة على عدم الإيمان، والمعنى بل عجب الكفار (أن) أي لأن (جاءهم منذر منهم) وهو محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يكتفوا بمجرد الشك والرد بل جعلوا ذلك من الأمور العجيبة، وقيل: هو إضراب عن وصف القرآن بكونه مجيداً، وقد تقدم تفسير هذا في سورة ص ثم فسر ما حكاه عنهم من كونهم عجبوا بقوله:
(فقال الكافرن هذا شيء عجيب) وفيه زيادة تصريح وإيضاح وإضمار ذكرهم، ثم إظهاره للإشعار بتعنتهم في هذا المقال. ثم التسجيل على كفرهم بهذا المقال، قال قتادة: عجبهم أن دعوا إلى إله واحد، وقيل تعجبهم من البعث والنشور. والذي نص عليه القرآن أولى، فيكون لفظ هذا إشارة إلى مبهم مفسر بما بعده من قوله: (أئذا متنا وكنا تراباً) وقال الشوكاني: الأول أولى قال الرازي: الظاهر أن قولهم هذا إشارة إلى مجيء المنذر ثم قالوا
ق 50:3
(أئذا متنا وكُنَّا تُراباً) وأيضاًً قد وجد ههنا بعد الإستبعاد بالاستفهام أمر يؤدي معنى التعجب وهو قولهم: (ذلك رجع بعيد) فإنه استبعاد، وهو كالتعجب، فلو كان التعجب بقولهم: (هذا شيء عجيب) عائداً إلى قولهم (أئذا) لكان كالتكرار. فإن قيل التكرار الصريح يلزم من قولك هذا شيء عجيب أنه يعود إلى مجيىء المنذر، فإن تعجبهم منه علم من قوله: (عجبوا أن جاءهم)، فقوله: (هذا شيء عجيب) يكون تكراراً، فنقول ذلك ليس بتكرار بل هو تقرير، لأنه لما قال: (بل عجبوا) بصيغة الفعل وجاز أن يتعجب الإنسان مما لا يكون عجباً، كقوله: (أتعجبين من أمر الله)؟ ويقال في العرف لا وجه لتعجبك مما ليس بعجيب، فكأنهم لما عجبوا قيل لهم لا معنى لتعجبكم، فقالوا: (هذا شيء عجيب) فكيف لا نعجب منه ويدل على ذلك قوله ههنا: (فقال الكافرون) بالفاء فإنها تدل على أنه مترتب على ما تقدم.
قرأ الجمهور بالاستفهام وقرىء بهمزة واحدة فيحتمل الإستفهام كقراءة الجمهور، والهمزة مقدرة، ويحتمل أن يكون معناه الإخبار والمعنى استنكارهم للبعث بعد موتهم ومصيرهم تراباً. ثم جزموا باستبعادهم للبعث فقالوا:
(ذلك) أي البعث (رجع بعيد) أي بعيد عن الأفهام أو العقول أو العادة أو الإمكان يقال رجعته أرجعه رجعاً، ورجع هو يرجع رجوعاً ثم رد الله سبحانه ما قالوه فقال:
ق 50:4
(قد علمنا ما تنقص الأرض منهم) أي ما تأكل من أجسادهم، فلا يضل عنا شيء من ذلك، ومن أحاط علمه بكل شيء حتى انتهى إلى علم ما يذهب من أجساد الموتى في القبور لا يصعب عليه البعث، ولا يستبعد منه وقال السدي: النقص هنا الموت، يقول قد علمنا من يموت منهم ومن يبقى لأن من مات دفن، فكأن الأرض تنقص من الأموات، وقيل المعنى من يدخل في الإسلام من المشركين والأول أولى، قال ابن عباس في الآية: أجسادهم وما يذهب منها وما تأكل من لحومهم وعظامهم وأشعارهم (وعندنا كتاب حفيظ) أي حافظ لعدتهم وأسمائهم ولكل شيء من الأشياء وهو اللوح المحفوظ وقيل: المراد بالكتاب هنا العلم والإحصاء والأول أولى، وقيل: حفيظ بمعنى محفوظ أي محفوظ من الشياطين أو محفوظ فيه كل شيء ثم أضرب سبحانه من الكلام الأول وانتقل إلى ما هو أشنع منه وأقبح فقال:
ق 50:5
(بل كذبوا بالحق) فإنه تصريح بالتكذيب منهم بعد ما تقدم عنهم من الاستبعاد والمراد بالحق هنا القرآن قال الماوردي: في قول الجميع، وقيل: هو الإسلام وقيل: محمد وقيل: النبوة الثابتة بالمعجزات (لما جاءهم) أي وقت مجيئه إليهم، من غير تدبر ولا تفكر ولا إمعان نظر (فهم في أمر مريج) أي مختلط ومضطرب، يقولون تارة ساحر ومرة شاعر، ومرة كاهن، قاله الزجاج وغيره، وقال قتادة: مختلف، وقال الحسن: ملتبس، وقيل: فاسد، والمعاني متقاربة ومنه قولهم مرجت أمانات الناس أي فسدت ومرج الدين والأمر اختلط، وقال ابن عباس: المريج الشيء المتغير.
ق 50:6
(أفلم ينظروا)؟ شروع في بيان الدليل الذي يدفع قولهم ذلك رجع بعيد والاستفهام للتقريع والتوبيخ أي كيف غفلوا عن النظر (إلى السماء) كائنة (فوقهم) يشاهدونها كل وقت (كيف بنيناها)؟ أي أوجدناها وجعلناها على هذه الصفة، مرفوعة كالخيمة، إلا إنها بغير عماد تعتمد عليه (وزيناها) بما جعلنا فيها من المصابيح والنيرات والكواكب (وما لها من فروج) أي فتوق وشقوق وصدوع تعيبها، وهو جمع فرج، قال الكسائي: ليس فيها تفاوت ولا اختلاف ولا فتوق ولا صداع ولا خلل والواو للحال.
ق 50:7
(والأرض مددناها) أي دحوناها وبسطناها على وجه الماء (وألقينا فيها رواسي) أي جبالاً ثوابت تثبتها وقد تقدم تفسير هذا في سورة الرعد (وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج) أي من كل صنف حسن كريم يسر به، وقد تقدم تفسير هذا أيضاًً في سورة الحج
ق 50:8
(تبصرة وذكرى) هما علتان لما تقدم أي فعلنا ما فعلنا للتبصير والتذكير، قاله الزجاج، وقال المحلي: تبصيراً منا أي تعليماً وتفهيماً واستدلالاً، وقيل منصوبان بفعل مقدر من لفظهما، أي بصرناهم تبصرة، وذكرناهم ذكرى أو تذكرة، وقيل: حالان، أي: مبصرين ومذكرين، وقيل حال من المفعول، أي ذات تبصرة وتذكير لمن يراها، وقال أبو حاتم، أي: جعلنا ذلك تبصرة وذكرى.
قال الرازي: يحتمل أن يكون المصدران عائدين إلى السماء والأرض، أي خلقنا السماء تبصرة، وخلقنا الأرض ذكرى، ويدل على ذلك أن السماء وزينتها غير متجددة في كل عام فهي كالشيء المرئي على ممر الزمان، وأما الأرض فهي كل سنة تأخذ زينتها وزخرفتها، فتذكر، فالسماء تبصرة والأرض تذكرة، ويحتمل أن يكون كل واحد من المصدرين موجوداً من الأمرين، فالسماء تبصرة وتذكرة، والأرض كذلك، والفرق بين التذكرة والتبصرة هو أن فيهما آيات مستمرة منصوبة في مقابلة البصائر، وآيات متجددة مذكرة عند التناسي (لكل عبد منيب) المنيب الراجع إلى الله بالتوبة المتدبر في بديع صنعه، وعجائب مخلوقاته، وفي سياق هذه الآيات تذكير لمنكري البعث، وإيقاظ لهم عن سنة الغفلة، وبيان لإمكان ذلك وعدم امتناعه، فإن القادر على هذه الأمور يقدر عليه، وهكذا قوله:
ق 50:9
(ونزلنا من السماء) أي السحاب (ماء مباركاً) أي كثير البركة لانتفاع الناس به في غالب أمورهم (فأنبتنا به) أي: بذلك الماء (جنات) أي بساتين كثيرة (وحب الحصيد) أي: ما يقتات ويحصد من الحبوب، والمعنى وحب الزرع الحصيد. وخص الحب لأنه المقصود، كذا قال البصريون، وقال الكوفيون: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، كمسجد الجامع حكاه الفراء، وأنها جائزة إذا اختلف اللفظان كحق اليقين، وحبل الوريد، ودار الآخرة، قاله الكرخي قال الضحاك: حب الحصيد البر والشعير وقيل: كل حب يحصد ويدخر ويقتات.
وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (10) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (12) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (13) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (14) أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (15) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (16) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (19) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (20) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (22)
ق 50:10
(و) أنبتنا به (النخل) تخصيصها بالذكر مع دخولها في الجنات للدلالة على فضلها على سائر الأشجار، أو لفرط ارتفاعها وكثرة منافعها، ولذلك شبه صلى الله عليه وسلم المسلم بها (باسقات) حال مقدرة لأنها وقت الإنبات لم تكن باسقة، قال مجاهد وعكرمة وقتادة: الباسقات الطوال، وقال سعيد بن جبير: مستويات، وقال الحسن وعكرمة والفراء: مواقير حوامل، يقال للشاة: بسقت إذا ولدت، والأشهر في لغة العرب الأول، يقال بسقت النخلة بسوقاً إذا طالت، وبسقت الشاة ولدت، وأبسقت الناقة وقع في ضرعها اللبأ قبل النتاج، وبسق الرجل مهر في علمه، وبسق فلان على أصحابه من باب دخل أي طال عليهم في الفضل.
عن قطبة قال: " سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصبح ق، فلما أتى على هذه الآية: والنخل باسقات فجعلت أقول: ما بسوقها؟ قال: طولها [[أخرجه الحاكم.]] أخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه، وقال ابن عباس: الطول.
(لها طلع نضيد) الطلع هو أول ما يخرج من ثمر النخل، يقال: طلع الطلع طلوعاً، والنضيد التراكب الذي نضد بعضه على بعض، وذلك قبل أن يتفتح فهو نضيد في أكمامه فإذا خرج من أكمامه فليس بنضيد قال ابن عباس: متراكم بعضه على بعض
ق 50:11
(رزقاً للعباد) أي رزقناهم رزقاً، أو أنبتنا هذه الأشياء للرزق، لم يقيد هنا العباد بالإنابة كما قيد به في قوله: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب) لأن التذكرة لا تكون إلا لمنيب، والرزق يعم كل أحد، غير أن المنيب يأكل ذاكراً وشاكراً للأنعام، وغيره يأكل كما تأكل الأنعام، فلم يخصص الرزق بقيد، قاله الخطيب.
(وأحيينا به) أي بذلك الماء (بلدة ميتاً) قرىء بالتخفيف والتثقيل أي مجدبة لا ثمار فيها ولا زرع، والتذكير باعتبار كون البلدة بلداً أو مكاناً، كما في عبارة أبي السعود (كذلك الخروج) مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث كمثل هذا الإحياء الذي أحيا الله به الأرض الميتة، وقدم فيها الخبر للقصد إلى الحصر، ثم ذكر سبحانه الأمم المكذبة فقال:
ق 50:12
(كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس) هم قوم شعيب، وقيل: حنظلة بن صفوان أو نبي آخر أرسل بعد صالح لبقية من ثمود، وتقدم لهذا مزيد كلام في سورة الفرقان، وقيل: هم الذين جاءهم من أقصى المدينة رجل يسعى، وهم من قوم عيسى، وقيل: هم أصحاب الأخدود، والرس: إما موضع نسبوا إليه، أو بئر كانوا مقيمين عليها بمواشيهم يعبدون الأصنام، فخسفت تلك البئر مع ما حولها فذهبت بهم، وبكل ما لهم كما ذكرت قصتهم في سورة الفرقان، أو فعل وهو حفر البئر، يقال: رس إذا حفر بئراً وتأنيث الفعل لمعنى قوم، والجملة إستئناف وارد لتقرير حقية البعث ببيان إتفاق كافة الرسل عليها، وتعذيب منكريها (وثمود
ق 50:13
وعاد وفرعون) وقومه؛ ذكرت ثمود بعد أصحاب الرس، لأن الرجفة التي أخذتهم مبدؤها الخسف بأصحاب الرس، ثم أتبع ثمود بعاد، لأن الريح التي أهلكتهم إثر صيحة ثمود.
(وإخوان لوط) جعلهم إخوانه لأنهم كانوا أصهاره وقيل: هم من قوم إبراهيم وكانوا من معارف لوط
ق 50:14
(وأصحاب الأيكة) تقدم الكلام على الأيكة في سورة الشعراء، وقرىء هنا ليكة، وهي الغيضة أي الشجر الملتف بعضه على بعض، ونبيهم الذي بعثه الله إليهم شعيب عليه السلام (وقوم تبع) هو تبع الحميري، الذي تقدم ذكره في قوله: أهم خير أم قوم تبع، واسمه سعد، وقيل: أسعد، وكنيته أبو كرب، قال قتادة: ذم الله سبحانه قوم تبع، ولم يذمه.
(كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ) التنوين عوض عن المضاف إليه أي كل واحد من هؤلاء المذكورين كذب رسوله الذي أرسله الله إليه. وكذلك ما جاء به من الشرع. وكان بعض النحاة يجيز حذف تنوينها، وبناءها على الضم كالغايات، كقبل وبعد، فاللام في الرسل يكون للعهد كما سبق أو للجنس، أي كل طائفة من هذه الطوائف كذبت جميع الرسل، لأن من كذب رسولاً فكأنه كذب جميعهم، وإفراد الضمير في كذب باعتبار لفظ كل، وفي هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل له: لا تحزن ولا تكثر غمك لتكذيب هؤلاء لك، فهذا شأن من تقدمك من الأنبياء، فإن قومهم كذبوهم ولم يصدقهم إلا القليل منهم، والمراد بالكلية هنا التكثير، كما في قوله تعالى. (وأوتيت من كل شيء) فهي باعتبار الأغلب.
(فحق وعيد) حذفت الياء وبقيت الكسرة دليلاً عليها أي: وجب عليهم وعيدي، وحقت عليهم كلمة العذاب، وحل بهم ما قدره الله عليهم من الخسف والمسخ، والإهلاك بالأنواع التي أنزلها الله بهم من عذابه.
ق 50:15
(أفعيينا بالخلق الأول)؟ الإستفهام للتقريع والتوبيخ، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث الذي أنكرته الأمم، أي: أفعجزنا بالخلق حين خلقناهم أولاً ولم يكونوا شيئاًً؟ فكيف نعجز عن بعثهم؟ يقال: عييت بالأمر إذا عجزت عنه، ولم تعرف وجهه، قال ابن عباس: يقول لم يعينا الخلق الأول، قال الكازروني: معناه لم نعجز عن الإبداء فلا نعجز عن الإعادة، قرأ الجمهور بكسر الياء الأولى بعدها ياء ساكنة وقرىء بتشديد الياء من غير إشباع، ثم ذكر سبحانه أنهم في شك من البعث فقال: (بل هم في لبس من خلق جديد) أي في شك وشبهة وحيرة واختلاط من خلق مستأنف، وهو بعث الأموات، لما فيه من مخالفة العادة، وتنكير خلق لتفخيم شأنه والإيذان بأنه حقيق بأن يبحث عنه، ويهتم بمعرفته، ومعنى الإضراب أنهم غير منكرين لقدرة الله على الخلق الأول (بل هم في لبس من خلق جديد) قد لبس عليهم الشيطان وحيرهم، وذلك تسويله لهم أن إحياء الموتى أمر خارج عن العادة، فتركوا لذلك الإستدلال الصحيح وهو أن من قدر على الإنشاء كان على الإعادة أقدر.
ق 50:16
(ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه) هذا كلام مبتدأ يتضمن ذكر بعض القدرة الربانية، والمراد بالإنسان الجنس، وقيل: آدم، ونعلم حال بتقدير نحن، والجملة إسمية ولا يصح أن يكون ونعلم حالاً بنفسه لأنه مضارع مثبت باشرته الواو وما مصدرية أو موصولة كما في البيضاوي، والباء زائدة كقولك: صوت بكذا وهمس به أو للتعدية، أي نعلم وسوسة نفسه له، أو نعلم الأمر الذي تحدثه نفسه به، فالنفس تجعل الإنسان قائماً به الوسوسة، والوسوسة هي في الأصل الصوت الخفي، والمراد بها هنا ما يختلج في سره وقلبه وضميره. أي حديث النفس، وهو ما ليس فيه صوت كالكلية لكن مناسبته للمعنى الأصلي الخفاء في كل، أي: نعلم ما يخفي ويكن في نفسه، ومن استعمال الوسوسة في الصوت الخفي قول الأعشى:
تسمع للحلي وسواساً إذا انصرفت.
فاستعمل لما خفي من حديث النفس.
(ونحن أقرب إليه) أي إلى الإنسان، لأن أبعاضه وأجزاءه يحجب بعضها بعضاً، ولا يحجب على الله شيء (من حبل الوريد) هو حبل العاتق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه وهما وريدان، أي: عرقان عن يمين وشمال، وقال الحسن: الوريد الوتين، وهو عرق معلق بالقلب، وهو تمثيل للقرب بقرب ذلك العرق من الإنسان، أي نحن أقرب إليه بالعلم من حبل وريده، لا يخفى علينا شيء من خفيانه، فكأن ذاته قريبة منه، كما يقال: الله في كل مكان، أي: بعلمه، فإنه سبحانه منزه عن الأمكنة، وحاصله أنه تجوز بقرب الذات عن قرب العلم، قاله الكرخي والإضافة بيانية، أي حبل من الوريد، وقيل: الحبل هو نفس الوريد، فهو من باب مسجد الجامع، سمي وريداً لأن الروح ترد إليه وهو في العنق الوريد، وفي القلب الوتين، وفي الظهر الأبهر. وفي الذراع والفخذ الأكحل والنسا، وفي الخنصر الأسيلم.
وفي الخازن: الوريد الذي يجري فيه الدم ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن، وهو بين الحلق والعلباوين، وقال الزمخشري: إنهما وريدان يكتنفان بصفحتي العنق في مقدمهما، متصلان بالوتين يردان من الرأس إليه، قال أبو السعود: وهو عرق متصل بالقلب، إذا قطع مات صاحبه، وقيل: المعنى نحن أقرب إليه بنفوذ قدرتنا فيه، ويجري فيه أمرنا كما يجري الدم في عروقه.
وقد أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نزل الله من ابن آدم أربع منازل، هو أقرب إليه من حبل الوريد، وهو يحول بين المرء وقلبه، وهو آخذ بناصية كل دابة، وهو معهم أينما كانوا ". وقال أبو سعيد في حبل الوريد: هو عروق العنق، وعنه هو نياط القلب، قال القشيري: في هذه الآية هيبة وفزع وخوف لقوم، وروح وأنس وسكون قلب لقوم، ذكره الخطيب.
ثم ذكر الله سبحانه أنه مع علمه به وكل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله إلزاماً للحجة فقال:
ق 50:17
(إذ) أي أذكر إذ (يتلقى المتلقيان) ويجوز أن يكون الظرف منتصباً بما في أقرب من معنى الفعل، والمعنى أنه أقرب إليه من حبل وريده، حين يتلقى المتلقيان، وهما الملكان الموكلان به، وبما يلفظ به، وما يعمل به، أي يأخذان ذلك ويثبتانه والتلقي الأخذ، وقيل: التلقي التلقن بالحفظ والكتابة، والمعنى نحن أعلم بأحواله غير محتاجين إلا الحفظة الموكلين به. وإنما جعلنا ذلك إلزاماً للحجة وتوكيداً للأمر.
(عن اليمين وعن الشمال قعيد) قال الحسن وقتادة: المتلقيان ملكان يتلقيان عملك، أحدهما عن يمينك ويكتب حسناتك، والآخر عن شمالك يكتب سيئاتك. وقال مجاهد أيضاًً: وكل الله بالإنسان ملكين بالليل، وملكين بالنهار يحفظان عمله، ويكتبان أثره، روي أنهما قاعدان على ثنيتيه، لسانه قلمهما وريقه مدادهما ذكره أبو السعود وإنما قال قعيد ولم يقل قعيدان وهما اثنان؛ لأن المراد عن اليمين قعيد. وعن الشمال قعيد. فحذف الأول لدلالة الثاني عليه؛ كذا قال سيبويه. وقال الأخفش والفراء: إن لفظ قعيد يصلح للواحد والإثنين والجمع. ولا يحتاج إلى تقدير في الأول. قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة والنحو: فعيل وفعول مما يستوي فيه الواحد والإثنان والجمع، والقعيد المقاعد، كالجليس بمعنى المجالس لفظاً ومعنى.
ق 50:18
(ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) أي ما يتكلم من كلام فيلفظه ويرميه من فيه إلا لدى ذلك اللافظ ملك يرقب قوله ويكتب، والرقيب الحافظ المتتبع لأمور الإنسان الذي يكتب ما يقوله من خير وشر، فكاتب الخير هو ملك اليمين. وكاتب الشر ملك الشمال. والعتيد الحاضر المهيأ. قال الجوهري: العتيد المهيأ. يقال: عتده تعتيداً وأعتده إعتاداً. أي أعده. ومنه: (وأعتدت لهن متكأً) والمراد ههنا أنه معد للكتابة مهيأ لها. والإفراد في رقيب عتيد مع إطلاعهما معاً على ما صدر منه لما أن كل منهما رقيب لما فوض إليه لا لما فوض لصاحبه كما ينبىء عنه قوله: عتيد. وتخصيص القول بالذكر لإثبات الحكم في الفعل بدلالة النص. فعلم أن كلاً منهما يقال له: (رقيب عتيد). ويعلم من هذه الآية أن الملكين معدان لذلك بخلاف الأولى فإنه لا يعلم منها ذلك، وأيضاًً يعلم من هذه صريحاً أن الملك يضبط كل لفظ ولا يعلم ذلك من الأولى، قال أبو سعيد في الآية: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر حتى إنه ليكتب قوله أكلت شربت ذهبت جئت رأيت حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان من خير أو شر وألقى سائره فذلك قوله: (يمحو الله ما يشاء ويثبت) وقال ابن عباس: إنما يكتب الخير والشر، لا يكتب يا غلام أسرج الفرس يا غلام أسقني الماء.
وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن الله غفر لهذه الأمة ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم " [[مسلم.]].
وعن عمرو بن ذر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله عند لسان كل قائل فليتق الله عبد ولينظر ما يقول " أخرجه أحمد وأبو نعيم والبيهقي في الشعب وابن أبي شيبة وأخرج الحكيم الترمذي عن ابن عباس مرفوعاً مثله.
ق 50:19
(وجاءت سكرة الموت) لما بين سبحانه أن جميع أعمالهم محفوظة مكتوبة ذكر بعده ما ينزل بهم من الموت والبعث، وما يتفرع عليه من الأحوال والأهوال، وقد عبر عن وقوع كل منها بصيغة الماضي إيذاناً بتحققها، وغاية اقترابها، والمراد بسكرة الموت شدته وغمرته التي تغشى الإنسان وتغلب على عقله، ومعنى (بالحق) أنه عند الموت يتضح له الحق، ويظهر له صدق ما جاءت به الرسل من الإخبار بالبعث والوعد والوعيد، وقيل: الحق هو الموت نفسه، وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، أي وجاءت سكرة الحق بالموت، وكذا قرأ أبو بكر الصديق وابن مسعود.
والسكرة هي الحق فأضيفت إلى نفسها لاختلاف اللفظين، وقيل الباء للملابسة كالتي في قوله: (تنبت بالدهن) أي متلبسة بالحق أي بحقيقة الحال وقيل بالحق من أمر الآخرة حتى يراه المنكر لها عياناً وهو نفس الشدة قاله الجلال المحلي وقال القاري: لم يظهر لي معنى هذه العبارة، وممكن أن يقال الضمير في قوله هو راجع لأمر الآخرة، والمراد بالشدة الأمر الشديد، وهو أهوال الآخرة فعلى هذا تكون هذه الجملة تفسيراً لقوله من أمر الآخرة، وقيل بالحكمة وقيل بما يؤول إليه أمر الإنسان من السعادة والشقاوة.
(ذلك) أي الموت (ما كنت منه تحيد) أي الذي كنت تميل عنه وتفر منه في حياتك، فلم ينفعك الهرب والفرار، يقال: حاد عن الشيء يحيد حيوداً وحيدة وحيدودة مال عنه وعدل. وقال الحسن: تحيد تهرب، وقيل تفزع، وقيل: تكره، وقيل تنفر
ق 50:20
(ونفخ في الصور) عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، وهذه هي النفخة الآخرة للبعث عطف على جاءت سكرة الموت والصور هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام، وهو من العظمة بحيث لا يعلم قدره إلا الله، وقد التقمه إسرافيل من حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم منتظراً للإذن بالنفخ ذكره الخطيب (ذلك) أي الوقت الذي يكون فيه النفخ في الصور، والفعل كما يدل على المصدر يدل على الزمان أيضاًً (يوم الوعيد) الذي أوعد الله به الكفار، قال مقاتل: يعني بالوعيد العذاب في الآخرة وخصص الوعيد مع كون اليوم هو يوم الوعد والوعيد جميعاً لتهويله والمعنى يوم تحقق الوعيد وإنجازه.
ق 50:21
(وجاءت) فيه (كل نفس) من النفوس (معها سائق وشهيد) أي من يسوقها، ومن يشهد لها وعليها، واختلف في السائق والشهيد، فقال الضحاك: السائق من الملائكة، والشهيد من أنفسهم: يعني الأيدي والأرجل وقال الحسن وقتادة: سائق يسوقها؛ وشاهد يشهد عليها بعملها أي هما ملكان، وقيل: ملك جامع بين الوصفين، وقال ابن مسلم: السائق قرينها من الشياطين سمي سائقاً لأنه يتبعها وإن لم يحثها، والشهيد جوارحه وأعماله، وقال مجاهد: السائق والشهيد ملكان، وقيل: السائق كاتب السيئات والشهيد كاتب الحسنات، قال عثمان بن عفان: سائق ملك يسوقها إلى أمر الله وشهيد ملك يشهد عليها بما عملت، قال القرطبي: قلت هذا أصح.
وعن أبي هريرة قال: السائق الملك، والشهيد العمل، وقال ابن عباس: السائق الملك والشهيد شاهد عليه من نفسه، ثم في الآية قولان.
أحدهما: أنها عامة في المسلم والكافر، وهو قول الجمهور.
الثاني: أنها خاصة بالكافر، قاله الضحاك ويقال للكافر:
ق 50:22
(لقد كنت في غفلة من هذا) وبه قال ابن عباس. وقال الضحاك: المراد بهذا المشركون، لأنهم كانوا في غفلة من عواقب أمورهم. وقال ابن زيد: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، أي لقد كنت يا محمد في غفلة من الرسالة، وقال أكثر المفسرين المراد به جميع الخلق برهم وفاجرهم، واختار هذا ابن جرير لأنه ما من أحد إلا وله اشتغال ما عن الآخرة، قرأ الجمهور بفتح التاء من كنت وفتح الكاف في غطاءك وبصرك حملاً على ما في لفظ كل من التذكير وقرىء بالكسر في الجميع على أن المراد النفس.
(فكشفنا عنك غطاءك) الذي كان في الدنيا، يعني رفعنا الحجاب الذي كان بينك وبين أمور الآخرة، ورفعنا ما كنت فيه من الغفلة عن ذلك، وقال ابن عباس: الحياة بعد الموت، قال البيضاوي: الغطاء الحاجب لأمور المعاد وهو الغفلة والإنهماك في المحسوسات، والإلف بها وقصور النظر عليها، قال السدي: المراد بالغطاء أنه كان في بطن أمه فولد، وقيل إنه كان في القبر فنشر، والأول أولى.
(فبصرك اليوم حديد) أي: نافذ تبصر به ما كان يخفى عليك في الدنيا، وتدرك به ما أنكرته فيها والبصر، قيل: هو بصر القلب، وقيل: بصر العين، وقال مجاهد: بصرك أي لسان ميزانك، حين توزن حسناتك وسيئاتك، وبه قال الضحاك.
وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ (23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (30) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)
ق 50:23
(وقال قرينه) أي قال الملك الموكل به وهو الرقيب السابق ذكره قد تقدم أنه كاتب الحسنات وكاتب السيئات، وأن للإنسان رقيبين وهما العتيدان فإفراده لتأويله كما مر في الرقيب وفي الشهاب وزاده أن المراد بالقرين الجنس ولو جعلت الخطابات السابقة للكافر لكان وجه إفراد القرين ظاهراً.
(هذا ما لدي) أي عندي من كتاب عملك، وما موصولة أو نكرة موصوفة (عتيد) حاضر قد هيأته، كذا قال الحسن وقتادة والضحاك، وقال ابن عباس: قرينه شيطانه، وقال مجاهد: إن الملك يقول للرب سبحانه هذا الذي وكلتني به من بني آدم قد أحضرته، وأحضرت ديوان عمله. وروي عنه أنه قال: إن قرينه من الشيطان يقول ذلك أي: هذا ما قد هيأته لك بإغوائي وإضلالي وقال ابن زيد: إن المراد هنا قرينه من الإنس، وعتيد مرفوع على أنه صفة (ما) ما إن كانت موصوفة، وإن كانت موصولة فهو خبر.
ق 50:24
(ألقيا في جهنم) هذا خطاب من الله عز وجل للسائق والشهيد، قال الزجاج: هذا أمر للملكين الموكلين به، وقيل: هو خطاب للملكين من خزنة النار وقيل هو خطاب لواحد على تنزيل تثنية الفاعل منزلة تثنية الفعل وتكريره. وقال الخليل والأخفش: هذا كلام العرب الصحيح أن يخاطب الواحد بلفظ الاثنين يقولون أرحلاها وازجراها وخذاها وأطلقاه للواحد، قال الفراء: العرب تقول للواحد قوما عنا، وأصل ذلك أن أدنى أعوان الرجل في إبله وغنمه ورفقته في سفره اثنان. فجرى كلام الرجل للواحد على ذلك ومنه قولهم في الشعر خليلي، قال المازني: قوله (ألقيا) يدل على ألق ألق، قال المبرد: هي تثنية على التوكيد، فناب ألقيا مناب ألق ألق، أو الألف ليست للتثنية لا حقيقة ولا صورة بل هي منقلبة عن نون التوكيد الخفيفة على حد قوله:
وابدلها بعد فتح ألفا ... وقفا كما تقول في قفن قفا
وأجرى الوصل مجرى الوقف كنسفعاً، ويؤيده قراءة الحسن في الشواذ ألقين بنون التوكيد الخفيفة، ولم يقرأ بهذه القراءة أحد من السبعة وقال الكرخي: الخطاب للملكين السائق والشهيد، على ما عليه الأكثر وهو الظاهر.
(كل كفار) للنعم (عنيد) مجانب للإيمان؛ معاند لأهله: قال مجاهد وعكرمة: العنيد المعاند للحق، وقيل: المعرض عن الحق يقال عند يعند بالكسر عنود إذا خالف الحق ورده، وهو يعرفه
ق 50:25
(مناع للخير) لا يبذل خيراً، ولا يؤدي زكاة مفروضة، أو كل حق وجب عليه في ماله (معتد) ظالم لا يقر بتوحيد الله (مريب) شك في الحق، من قولهم أراب الرجل إذا صار ذا ريب
ق 50:26
(الذي جعل مع الله إلهاً آخر) بدل من كل، أو منصوب على الذم أو بدل من كفار، أو مرفوع بالابتداء، والخبر: (فألقياه في العذاب الشديد) أي النار، تأكيد للأمر الأول أو بدل منه.
ق 50:27
(قال قرينه ربنا ما أطغيته) مستأنفة لبيان ما يقوله القرين، والمراد به هنا الشيطان الذي قيض لهذا الكافر، أنكر أن يكون أطغاه ثم قال: (ولكن كان في ضلال بعيد) عن الحق، فدعوته فاستجاب لي، ولو كان من عبادك المخلصين لم أقدر عليه وقيل: إن قرينه الملك الذي كان يكتب سيئاته وإن الكافر يقول رب إنه أعجلني فيجيبه بهذا كذا، قال مقاتل وسعيد ابن جبير والأول أولى، وبه قال الجمهور.
ق 50:28
(قال) تعالى: (لا تختصموا لدي) مستأنفة كأنه قيل: فماذا قال الله؟ فقيل قال: لا تختصموا لدي، يعني الكافرين وقرناءهم، نهاهم سبحانه عن الاختصام في مواقف الحساب، قال ابن عباس: إنهم اعتذروا بغير عذر فأبطل الله حجتهم ورد عليهم قولهم (وقد قدمت إليكم بالوعيد) بإرسال الرسل وإنزال الكتب، والباء مزيدة للتأكيد، أو على تضمين قدم معنى تقدم قيل: إن مفعول قدمت إليكم هو قوله: ما يبدل أي وقد قدمت إليكم هذا القول متلبساً بالوعيد وهذا بعيد جداً.
ق 50:29
(ما يبدل) أي ما يغير (القول لدي) في ذلك أي لا خلف لوعيدي، بل هو كائن لا محالة؛ وقد قضيت عليك بالعذاب فلا تبديل له وقيل: هذا القول هو قوله: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا)، وقيل: هو قوله: (لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)، وقيل: المراد بالقول هو الوعيد بتخليد الكافر في النار ومجازاة العصاة على حسب استحقاقهم، وقال الفراء وابن قتيبة: معنى الآية أنه ما يكذب عندي بزيادة في القول ولا ينقص منه لعلمي بالغيب، وهو قول الكلبي، واختاره الواحدي لأنه قال: (لدي) ولم يقل: ما يبدل قولي قيل والمعنى لا تطمعوا أني أبدل وعيدي، والعفو عن بعض المذنبين لبعض الأسباب ليس من التبديل فإن دلائل العفو في حق عصاة المذنبين تدل على تخصيص الوعيد، ولا تخصيص في حق الكافر فالوعيد على عمومه في حقهم والأول أولى.
(وما أنا بظلام للعبيد) أي لا أعذبهم ظلماً بغير جرم اجترموه ولا ذنب أذنبوه، وقال ابن عباس في الآية: ما أنا بمعذب من لم يجترم ولما كان نفي الظلام لا يستلزم نفي مجرد الظلم، قيل: إنه هنا بمعنى الظالم، كالتمّار بمعنى التامر، وقيل إن صيغة المبالغة لتأكيد هذا المعنى بإبراز ما ذكر من التعذيب بغير ذنب، في معرض المبالغة في الظلم، وقيل: صيغة المبالغة لرعاية جمعية العبيد من قولهم فلان ظالم لعبده، وظالم لعبيده، وقيل ظلام بمعنى ذي ظلم لقوله: (لا ظلم اليوم) وإذا لم يظلم في هذا اليوم فنفي الظلم عنه في غيره أحرى فلا مفهوم له، وقيل غير ذلك، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة آل عمران وفي سورة الحج.
ق 50:30
(يَوْمَ نَقُولُ) قرأ الجمهور بالنون، وقرىء بالياء، وقرىء أقول ويقال، والعامل في الظرف ما يبدل القول، أو محذوف، أي: اذكر يوم أو أنذرهم يوم نقول (لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ)؟ قيل هذا الكلام على طريقة التمثيل والتخييل، ولا سؤال ولا جواب؛ وبه قال الزمخشري، والأولى أنه على طريقة التحقيق ولا يمنع من ذلك عقل ولا شرع، قال الكرخي: جعل الزمخشري هذا من باب المجاز مردود، لما ورد: تحاجت النار والجنة، واشتكت النار إلى ربها، ولا مانع من ذلك فقد سبح الحصى، وسلم الحجر على النبي صلى الله عليه وسلم، ولو فتح باب المجاز فيه لاتسع الخرق. قال النسفي: هذا على تحقيق القول من جهنم، وهو غير مستنكر، كإنطاق الجوارح والسؤال لتوبيخ الكفار، لعلمه تعالى أنها قد امتلأت أم لا، وقال الواحدي: قال المفسرون: أراها الله تصديق قوله: (لأملأن جهنم) فلما امتلأت قال لها: هل امتلأت؟ وتقول هل من مزيد؟ أي قد امتلأت ولم يبق فيّ موضع لم يمتلىء. وبهذا قال عطاء ومجاهد ومقاتل بن سليمان.
وقيل: إن هذا الإستفهام بمعنى الاستزادة، أي: أنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها، وقيل إن المعنى أنها طلبت أن يزاد في سعتها لتضايقها بأهلها. والمزيد؛ إما مصدر كالمجيد، أو إسم مفعول كالمبيع، فالأول بمعنى هل من زيادة والثاني: بمعنى هل من شيء تزيد فيه؟ قال ابن عباس: وهل في من مكان يزاد فيّ؟.
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن أنس قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، وعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشىء الله لها خلقاً آخر فيسكنهم في فضول الجنة [[رواه البخاري ومسلم.]] هذا لفظ مسلم، وأخرجاه أيضاًً من حديث أبي هريرة نحوه، وفيه: فأما النار فلا تمتلىء حتى يضع الله عليها رجله يقول لها قط قط، قيل معنى القدم هنا القوم المتقدم إلى النار، ومعنى الرجل العدد الكثير من الناس وغيرهم، وفي الباب أحاديث، ومذهب جمهور السلف فيها الإيمان بها من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف ولا تحريف ولا تمثيل، وإمرارها على ظاهرها، وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، قال القرطبي في تذكرته: باب ما جاء أن جهنم في الأرض وأن البحر طبقها.
روي عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يركب البحر رجل إلا غاز أو حاج معتمر، فإن تحت البحر ناراً " ذكره أبو عمرو وضعفه، قال ابن عمر: لا يتوضأ بماء البحر لأنه طبق جهنم وضعفه أبو عمرو أيضاًً.
ثم لما فرغ الله سبحانه من بيان حال الكافرين شرع في بيان حال المؤمنين فقال:
ق 50:31
(وأزلفت الجنة) أي: قربت وأدنيت (للمتقين) الذين اتقوا الشرك تقريباً (غير بعيد) أو مكاناً غير بعيد منهم، بحيث يشاهدونها ويرونها في الموقف، وينظرون ما فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقيل: المعنى أنها زينت لقلوبهم في الدنيا بالترغيب والترهيب فصارت قريبة من قلوبهم، والأول أولى، وقيل: يطوي الله المسافة التي بين المؤمن والجنة فهو التقريب، وذلك إكراماً للمؤمن وبياناً لشرفه وأنه ممن تمشي إليه وقيل: المراد قرب الدخول فيها لا بمعنى القرب المكاني، وقيل: معنى أزلفت جمعت محاسنها لأنها مخلوقة، أو أن المعنى قرب حصولها لأنها تنال بكلمة طيبة، وخص المتقين بذلك لأنهم أحق بها.
ق 50:32
(هذا) إشارة إلى الجنة التي أزلفت لهم على معنى هذا الذي ترونه من فنون نعيمها (ما توعدون) والجملة بتقدير القول أي يقال لهم: هذا ما توعدون قرأ الجمهور بالفوقية، وقرىء بالتحتية (لكل أواب حفيظ) هو بدل من المتقين بإعادة الخافض، أو متعلق بقول محذوف هو حال، أي مقولاً لهم: لكل أواب، والأواب الرجاع إلى طاعة الله تعالى بالتوبة عن المعاصي، وقيل: هو المسبح، وقيل: هو الذاكر لله في الخلوة. قال الشعبي ومجاهد: هو الذي يذكر ذنوبه في الخلوة فيستغفر الله منها، وقال عبيد بن عمير: هو الذي لا يجلس مجلساً حتى يستغفر الله فيه، والحفيظ هو الحافظ حتى يثوب منها، وقال قتادة: هو الحافظ لما استودعه الله من حقه ونعمته قال مجاهد وقيل: هو الحافظ لأمر الله، وقال الضحاك: هو الحافظ لوصية الله له بالقبول، قال ابن عباس: حفيظ ذنوبه حتى رجع عنها، وقيل: حافظ لحدود الله.
ق 50:33
(من خشي الرحمن بالغيب) بدل أو بيان لكل أواب، أو بدل بعد بدل من المتقين، وفيه نظر، لأنه لا يتكرر البدل والمبدل منه واحد، ويجوز أن يكون مرفوعاً على الاستئناف، والخبر: ادخلوها بتقدير يقال لهم: ادخلوها والخشية انزعاج القلب عند ذكر الخطيئة، والخشية بالغيب أن يخاف الله، ولم يكن رآه، وقال الضحاك والسدي: يعني في الخلوة حيث لا يراه أحد، قال الحسن: إذا أرخى الستر وأغلق الأبواب (وجاء بقلب منيب) أي راجع إلى الله مخلص لطاعته، وقيل: بسريرة مرضية، وعقيدة صحيحة، وقيل: المنيب المقبل على الطاعة، وقيل السليم.
ق 50:34
(أدخلوها) الجمع باعتبار معنى من أي ادخلوا الجنة (بسلام) أي بسلامة من العذاب، وكل مخوف، وقيل: بسلام من الله أو من ملائكته، وقيل بسلامة من زوال النعم وحلول النقم، أي متلبسين به أو مع سلام، أي: ليسلم بعضكم على بعض، فالمراد السلام فيما بينهم، ولا مانع من حمل الآية الكريمة على كل (ذلك) إشارة إلى زمن ذلك اليوم الذي حصل فيه الدخول، كما قال أبو البقاء، وخبره: (يوم الخلود) وسماه يوم الخلود، لأنه لا انتهاء له بل هو دائم أبداً، وهذا القول في الدنيا إعلام وإخبار،
وليس ذلك قولاً يقوله عند قوله: ادخلوها، أو أن اطمئنان القلب بالقول أكثر.
ق 50:35
(لهم ما يشاؤون فيها) أي في الجنة ما تشتهي أنفسهم، وتلذ أعينهم من فنون النعم، وأنواع الخير (ولدينا مزيد) من النعم التي لم تخطر لهم على بال ولا مرت لهم في خيال قيل: هو النظر إلى وجهه الكريم، قاله جابر وقال أنس: يتجلى لهم الرب تبارك وتعالى في كل ليلة جمعة في دار كرامته، فهذا هو المزيد، وعن علي قال: يتجلى لهم الرب عز وجل، وقيل: إن السحابة تمر بأهل الجنة فتمطرهم الحور، فيقلن: نحن المزيد الذي قال تعالى: ولدينا مزيد، وفي الباب روايات وأحاديث، ثم خوف سبحانه أهل مكة بما اتفق للقرون الماضية قبلهم، فقال: وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (38) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (39) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (40) وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (44) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (45)
ق 50:36
(وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ) أي قبل قريش ومن وافقهم (من قرن) أي أمة كثيرة من الكفار (هم أشد منهم بطشاً) أي: قوة كعاد وثمود وغيرهم (فنقبوا في البلاد) قرىء بتشديد القاف على الماضي، والتنقيب التنقير عن الأمر والبحث والطلب، أي ساروا وتقلبوا فيها، وطافوا بقاعها طلباً للهرب، وأصله من النقب وهو الطريق، قال مجاهد: ضربوا وطافوا، وقال النضر بن شميل: دوروا، وقال المؤرج: تباعدوا، والأول أولى؛ وقرأ ابن عباس وغيره نقبوا بفتح القاف مخففة والنقب هو الخرق والطريق في الجبل وكذا المنقب والمنقبة؛ كذا قال ابن السكيت: وجمع النقب نقوب؛ وقرىء بكسر القاف مشددة على الأمر للتهديد، أي طوفوا فيها وسيروا في جوانبها.
ولما كان التقدير ولم يسلموا مع كثرة تنقيبهم وتفتيشهم توجه سؤال فيه تنبيه الغافل وتقريع وتبكيت للمعاند الجاهل بقوله (هل من محيص)؟ لهم أو لغيرهم: أي من معدل ومحيد، ومهرب يهربون إليه من الموت أو مخلص يتخلصون به من العذاب؛ ليكون لهؤلاء وجه ما في رد أمرنا؛ وهل حرف استفهام، ومن زائدة، قال الزجاج: لم يروا محيصاً من الموت؛ والمحمص مصدر حاص عنه يحيص حيصاً وحيوصاً ومحيصاً ومحاصاً وحيصاناً أي عدل وحاد، والجملة مستأنفة لبيان أنه لا مهرب لهم ولا مفر، وهي من كلام الله تعالى، إذ لو كانت من كلامهم لكان التقدير هل من محيص لنا؟ فليتأمل وفي هذا إنذار لأهل مكة أنهم مثل من قبلهم من القرون لا يجدون من الموت والعذاب مفراً.
ق 50:37
(إن في ذلك لذكرى) أي فيما ذكر من قصتهم في هذه السورة من أولها إلى آخرها تذكرة وموعظة (لمن كان له قلب) أي عقل، قال الفراء: وهذا جائز في العربية تقول مالك قلب. وما قلبك معك أي مالك عقل وما عقلك معك، وقيل: المراد القلب نفسه، لأنه إذا كان سليماً أدرك الحقائق وتفكر كما ينبغي، وقيل لمن كان له حياة ونفس مميزة فعبر عن ذلك بالقلب، لأنه وطنها ومعدن حياتها (أو ألقى السمع) أي استمع ما يقال له من الوعظ وغيره يقال: ألق سمعك إليّ أي استمع مني، والمعنى: أنه ألقى السمع إلى ما يتلى عليه من الوحي الحاكي لما جرى على تلك الأمم.
قرأ الجمهور ألقى مبنياً للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول ورفع السمع وأو مانعة الخلو، لا مانعة الجمع، فإن إلقاء السمع لا يجدي بدون سلامة القلب كما يلوح به قوله (وهو شهيد) أي حاضر الفهم أو حاضر القلب لأن من لا يفهم، في حكم الغائب وإن حضر بجسمه فهو لم يحضر بفهمه، قال الزجاج: أي وقلبه حاضر فيما يسمع؛ قال سفيان: أي لا يكون حاضراً وقلبه غائب قال مجاهد وقتادة: هذه الآية في أهل الكتاب، وكذا قال الحسن، وقال محمد بن كعب وأبو صالح: إنها في أهل القرآن خاصة.
ق 50:38
(ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام) أولها الأحد وآخرها الجمعة، فخلق الأرض في يومين ومنافعها في يومين والسموات في يومين ولو شاء لخلق الكل في أقل من لمح البصر، ولكنه تعالى من فضله علمنا بذلك التأني في الأمور، واليوم قد يطلق ويراد به الوقت والحين، وقد يعبر به عن مدة الزمان، أي مدة كانت وقد تقدم تفسير هذة الآية في سورة الأعراف وغيرها مراراً.
(وما مسنا من) زائدة (لغوب) أي تعب وإعياء، يقال: لغب يلغب بالضم لغوباً وقال ابن عباس: لغوب نصب، قال الواحدي: قال جماعة المفسرين: نزلت رداً على اليهود في قولهم: إن الله استراح يوم السبت واستلقى على العرش، فلذلك تركوا العمل فيه، فأكذبهم الله بقوله: وما مسنا من لغوب، وانتفاء التعب عنه لتنزهه تعالى عن صفات المخلوقين، ولعدم المماسة بينه وبين غيره إنما أمره إذا أراد شيئاًً أن يقول له كن فيكون قال الرازي: والظاهر أن المراد الرد على المشركين، والاستدلال بخلق السموات والأرض وما بينهما في أمر البعث وأما ما قاله اليهود ونقلوه فهو ما تحرف منهم، أو لم يعلموا تأويله.
ق 50:39
(فاصبر على ما يقولون) هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمر له بالصبر على ما يقوله المشركون، أي هون عليك ولا تحزن لقولهم، وتلق ما يرد عليك منهم بالصبر (وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب) أي نزه الله عما لا يليق بجنابه العالي، متلبساً بحمده وقت الفجر ووقت العصر، وقيل: المراد صلاة الفجر وصلاة العصر، قاله ابن عباس، وقيل الصلوات الخمس، وقيل: صلِّ ركعتين قبل طلوع الشمس وركعتين قبل غروبها، والأول أولى
ق 50:40
(ومن الليل فسبحه) من للتبعيض أي سبحه بعض الليل، وقيل: هي صلاة الليل، وقيل ركعتا الفجر، وقيل صلاة العشاء والأول أولى.
(وإدبار السجود) أي وسبحه أعقاب الصلوات، قرأ الجمهور بفتح الهمزة جمع دبر، وقرىء بكسرها على المصدر من أدبر الشيء إدباراً إذا ولّى وقال جماعة من الصحابة والتابعين: إدبار السجود الركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر، وقد اتفق القراء السبعة في إدبار النجوم أنه بكسر الهمزة.
وعن ابن عباس قال: " بت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر، ثم خرج إلى الصلاة فقال: يا ابن عباس ركعتان قبل صلاة الفجر إدبار النجوم، وركعتان بعد المغرب إدبار السجود " [[رواه الحاكم.]] أخرجه الترمذي والحاكم وصححه وابن مردويه وابن أبي حاتم.
وعن علي بن أبي طالب قال: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن إدبار النجوم وإدبار السجود فقال: إدبار السجود ركعتان بعد المغرب، وإدبار النجوم ركعتان قبل الغداة " أخرجه مسدد في مسنده وابن المنذر وابن مردويه.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه إدبار السجود ركعتان بعد المغرب وإدبار النجوم ركعتان قبل الفجر، وعن أبي هريرة مثله، وقال ابن عباس أمره أن يسبح في إدبار الصلوات كلها، وبه قال مجاهد، قال الكرخي:
لخبر أبي هريرة في الصحيح مرفوعاً " من سبح دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين وحمد الله ثلاثاً وثلاثين وكبر الله ثلاثاً وثلاثين فذلك تسعة وتسعون وتمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير غفرت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر " [[رواه مسلم.]].
ق 50:41
(واستمع) ما يوحى إليك من أحوال القيامة، وفي ذلك تهويل وتعظيم لشأن المخبر به، وقيل: الاستماع بمعنى الانتظار وهو بعيد، وقيل استمع النداء والصوت أو الصيحة، قاله ابن عباس (يوم يناد المناد) هو إسرافيل أو جبرائيل يقف على صخرة بيت المقدس فينادي بالحشر، وهي صيحة القيامة، أعني النفخة الثانية في الصور من إسرافيل، وقيل إسرافيل ينفخ وجبريل ينادي أهل المحشر ويقول هلموا للحساب، فالنداء على هذا في المحشر، قال الشهاب: وهو الأصح، كما دلت عليه الآثار.
قال مقاتل: هو إسرافيل ينادي في المحشر فيقول: يا أيها الناس هلموا للحساب، وقيل ينادي أيتها العظام البالية، والأوصال المتقطعة، واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة، إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
(من مكان قريب) من السماء حيث يصل النداء إلى كل فرد من أفراد المحشر، قال قتادة: كنا نتحدث أنه ينادي من صخرة بيت المقدس، وبه قال ابن عباس، قال الكلبي: وهي أقرب موضع من الأرض إلى السماء بإثني عشر ميلاً، وهي وسط الأرض، وقال [[كلا، لا صحة لكلام كعب ولا صاحبه الكلبي فإن المسافة بين أعلى بقعة في الأرض وأقرب كوكب في سماء الدنيا مئات الألوف من الأميال.]] كعب بثمانية عشر ميلاً
ق 50:42
(يوم يسمعون) أي الخلق كلهم (الصيحة بالحق) يعني صيحة البعث، وهي النفخة الثانية من إسرافيل، ويحتمل أن تكون قبل ندائه وبعده قاله الجلال المحلي، وهذا غير مستقيم لأن بعثهم وإحياءهم كان بصيحة واحدة كما في قوله تعالى: (إن كانت إلا صيحة واحدة) قال الكلبي: معنى بالحق بالبعث، وهو حال من الواو أي يسمعون متلبسين بالحق، أو من الصيحة أي متلبسة بالحق، وقال مقاتل: يعني أنها كائنة حقاً.
(ذلك) أي يوم النداء والسماع (يوم الخروج) من القبور، قال ابن عباس: أي يوم يخرجون إلى البعث من القبور، يعني يعلمون عاقبة تكذيبهم
ق 50:43
(إنا نحن نحيي) في الآخرة (ونميت) في الدنيا، لا يشاركنا في ذلك مشارك، والجملة مستأنفة لتقرير أمر البعث (وإلينا المصير) فنجازي كل عامل بعمله.
ق 50:44
(يوم تشقق الأرض عنهم سراعاً) أي حال كونهم مسرعين إلى المنادي الذي ناداهم (ذلك حشر) أي بعث وجمع (علينا يسير) هين، وتقديم الظرف يدل على الاختصاص، أي لا يتيسر مثل ذلك الأمر العظيم إلا على القادر الذي لا يشغله شأن عن شأن، ثم عزى الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم فقال:
ق 50:45
(نحن أعلم بما يقولون) من تكذيبك فيما جئت به، ومن إنكار البعث والتوحيد.
(وما أنت عليهم بجبار) أي بمسلط، تجبرهم وتقهرهم على الإيمان والآية منسوخة بآية السيف، وجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي، فإن فعالاً إنما يبنى من الثلاثي وفي المصباح أجبرته على كذا بالألف حملته عليه قهراً وغلبة. فهو مجبر، هذه لغة عامة العرب وفي لغة لبني تميم وكثير من أهل الحجاز جبرته جبراً من باب قتل، حكاه الأزهري، ثم قال جبرته لغتان جيدتان، وقال الخطابي: الجبار الذي جبر خلقه على ما أراد من أمره ونهيه، يقال جبره السلطان وأجبره بمعنى ورأيت في بعض التفاسير عند قوله تعالى: وما أنت عليهم بجبار، أن الثلاثي لغة حكاها الفراء وغيره واستشهد لصحتها بما معناه أنه لا يبنى فعال إلا من فعل ثلاثي نحو الفتاح والعلام ولم يجيء من أفعل بالألف الإدراك، فإن حمل جبار على هذا المعنى فهو وجيه، قال الفراء: وقد سمعت العرب تقول جبرته على الأمر وأجبرته وإذا ثبت ذلك فلا يعول على قول من ضعفها.
(فذكِّر بالقرآن من يخاف وعيد) أي وعيدي لعصاتي بالعذاب وأما من عداهم فلا تشتغل بهم، ثم أمره الله سبحانه بعد ذلك بالقتال قال ابن عباس قالوا: يا رسول الله لو خوفتنا فنزلت: (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد) وهم المؤمنون.
الذاريات 51:1
سورة الذاريات
(هي ستون آية وهي مكية) بسم الله الرحمن الرحيم
وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ (12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (15) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (16) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (19) وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20)
قال القرطبي: في قول الجميع: وبه قال ابن عباس وابن الزبير، وفي بعض النسخ والذاريات بالواو (بسم الله الرحمن الرحيم
والذاريات ذرواً) يقال ذرت الريح التراب تذروه ذرواً، وأذرته تذريه ذرياً، أقسم الله سبحانه بالرياح التي تذر والتراب وغيره، وقيل: المقسم به مقدر، وهو رب الذاريات وما بعدها، والأول أولى، عن علي قال: الذاريات الرياح، وقال غيره النساء الولود فإنهن يذرين الأولاد.
الذاريات 51:2
(فالحاملات وقراً) قال علي: هي السحاب، أي تحمل الماء كما تحمل ذوات الأربع الوقر، وانتصاب وقراً على أنه مفعول به كما يقال: حمل فلان عدلاً ثقيلاً، قرأ الجمهور بكسر الواو اسم ما يوقر، أي يحمل وقرىء بفتحها على أنه مصدر، وقيل: الرياح الحاملات للسحاب، أو النساء الحوامل
الذاريات 51:3
(فالجاريات يسراً) قال علي: هي السفن أي الجارية في البحر بالرياح جرياً سهلاً أي جرياً ذا يسر، وقيل: هي الرياح الجارية في مهابها أو الكواكب التي تجري في منازلها، وقيل: السحاب والأول أولى واليسر السهل في كل شيء.
الذاريات 51:4
(فالمقسمات أمراً) قال علي: الملائكة، وعن عمر بن الخطاب مثله، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي إسناده أبو بكر بن سبرة وهو ضعيف لين الحديث وسعيد بن سلام وليس من أصحاب الحديث كذا قال البزار، قال ابن كثير: فهذا الحديث ضعيف رفعه وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، وعن ابن عباس مثل قول علي، يعني الملائكة التي تقسم الأمور من الأمطار والأرزاق وغيرهما، أو ما يعمهم وغيرهم من أسباب القسمة أو الرياح يقسمن الأمطار بتصريف السحاب.
قال الفراء: تأتي الملائكة بأمر مختلف، جبريل بالغلظة والوحي إلى الأنبياء وميكائيل صاحب الرحمة والرزق، وملك الموت يأتي بالموت وإسرافيل صاحب الصور واللوح، وقيل تأتي بأمر مختلف بالجدب والخصب والمطر والموت والحوادث، وقيل هي السحب التي يقسم الله بها أمر العباد، وقيل: إن المراد بهذه الأوصاف الأربعة الرياح كما تقدم، فإنها توصف بجميع ذلك لأنها تذرو التراب، وتحمل الأثقال وتجري في الهواء وتقسم الأمطار وهو ضعيف جداً. والترتيب في هذه الأقسام ترتيب ذكرى ورتبى باعتبار تفاوت مراتبها في الدلالة على قدرته تعالى، أقسم الله بهذه الأشياء لشرف ذواتها، ولما فيها من الدلالة على عجيب صنعته وقدرته لكونها أموراً بديعة مخالفة لمقتضى العادة، فمن قدر عليها فهو قادر على البعث الموعود به.
الذاريات 51:5
(إنما توعدون لصادق) هذا جواب القسم وما مصدرية أو موصولة أي إن ما توعدون من الثواب والعقاب لكائن لا محالة
الذاريات 51:6
(وإن الدين) أي الحساب والجزاء على الأعمال (لواقع) أي حاصل وكائن لا محالة، ثم ابتدأ قسماً آخر فقال:
الذاريات 51:7
(والسماء) المراد بها هنا هي المعروفة، وقيل المراد بها السحاب والأول أولى.
(ذات الحبك) قرأ الجمهور بضم الحاء والباء، وقرىء بضمها وسكون الباء وقرىء بكسر الحاء وفتح الباء وبكسر الحاء وضم الباء قال ابن عطية: هي لغات قال الجلال المحلي: جمع حبيكة كطريقة وطرق، أي صاحبة الطرق في الخلقة، كالطرق في الرمل، واختلف المفسرون في تفسير الحبك فقال مجاهد وقتادة والربيع وغيرهم: المعنى ذات الخلق المستوي الحسن، قال ابن الأعرابي: كل شيء أحكمته وأحسنت عمله فقد حبكته واحتبكته، وقال الحسن وسعيد ابن جبير: ذات الزينة، وروي عن الحسن أيضاًً إنه قال: ذات النجوم وقيل: ذات البنيان المتقن، وقال الضحاك: ذات الطرائق، وبه قال الفراء: يقال لما تراه من الماء والرمل إذا أصابته الريح حبك، قال الفراء الحبك تكسر كل شيء كالرمل إذا مرت به الريح الساكنة، والماء إذا مرت به الريح، ويقال لدرع الحديد حبك وقيل: الحبك الشدة أي والسماء ذات الشدة، والمحبوك الشديد الخلق من فرس أو غيره.
قال الواحدي بعد حكاية القول الأول: هذا قول الأكثرين، قال ابن عباس: والسماء ذات الحبك أي حسنها واستوائها، وعنه قال: ذات البهاء والجمال، وإن بنيانها كالبرد المسلسل، وعنه قال: ذات الخلق الحسن: وعن ابن عمر مثله، وعن علي قال: هي السماء السابعة، واستعمال الحبك في الطرائق هو الذي عليه أهل اللغة، وإن كان الأكثر من المفسرين على خلافه، على أنه يمكن أن ترجع تلك الأقوال في تفسير الحبك إلى هذا، وذلك بأن يقال إن ما في السماء من الطرائق يصح أن يكون سبباً لمزيد حسنها، واستواء خلقها، وحصول الزينة فيها، ومزيد القوة لها، وفي البيضاوي ذات الحبك ذات الطرائق، والمراد إما الطرائق المحسوسة التي هي مسير الكواكب أو المعقولة التي تسلكها البطار ونتوصل بها إلى المعارف أو النجوم فإنها لها طرائق، أو منها تزينها كما يزين الموشي طرائق الوشي.
الذاريات 51:8
(إنكم) هذا جواب القسم بالسماء ذات الحبك أي إنكم يا أهل مكة (لفي قول مختلف) متناقض في شأن محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، بعضكم يقول: إنه شاعر وبعضكم يقول إنه ساحر، وبعضكم يقول: إنه مجنون، والقرآن شعر سحر كهانه ووجه تخصيص القسم بالسماء المتصفة بتلك الصفة تشبيه أقوالهم في اختلافها باختلاف طرائق السماء، وقيل: المراد بكونهم في قول مختلف أن بعضهم ينفي الحشر، وبعضهم يشك فيه، وقيل كونهم يقرون أن الله خالقهم ويعبدون الأصنام، وقيل: (قول مختلف) مصدق مكذب.
الذاريات 51:9
(يؤفك عنه من أفك) أي يصرف عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به أو عن الحق وهو البعث والتوحيد من صرف عن الهداية في علم الله تعالى يقال أفكه يأفكه إفكاً أي قلبه عن الشيء وصرفه عنه، ومنه قوله تعالى: قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا، وقال مجاهد: يؤفن عنه من أفن، والأفن فساد العقل، وقيل يحرم منه من حرم، وقال قطرب: يخدع عنه من خدع، وقال اليزيدي: يدفع عنه من دفع، وقال ابن عباس: يضل عنه من ضل، وفي الخطيب قيل: إن هذا القول مدح للمؤمنين، ومعناه يصرف عن القول المختلف من صرف عن ذلك القول ورشد إلى المستوى.
الذاريات 51:10
(قتل الخراصون) هذا دعاء عليهم، وحكى الواحدي عن المفسرين جميعاً: أن المعنى لعن الكذابون، والمراد بالكذابين أصحاب القول المختلف، وأصل هذا التركيب الوعد بالقتل: أجري مجرى اللعن، واستعمل بمعناه تشبيهاً للملعون. الذي يفوته كل خير وسعادة بالمقتول الذي تفوته الحياة، وكل نعمة، وقال ابن الأنباري: والقتل إذا أخبر به عن الله كان بمعنى اللعنة لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول الهالك قال الفراء معنى قتل لعن، وفي القاموس ما يقتضي أن قتل يأتي بمعنى لعن، ونصه: (قتل الإنسان ما أكفره) أي: لعن (وقاتلهم الله) أي لعنهم، والخراصون الكذابون، الذين يتخرصون فيما لا يعلمون، فيقولون إن محمداً مجنون كذاب شاعر ساحر. قال الزجاج: الخراصون هم الكذابون، والخرص حزر ما على النخل من الرطب تمراً والخراص الذي يخرصها، وليس هو المراد هنا، قال ابن عباس في الآية: لعن المرتابون، وعنه قال: هم الكهنة وقيل: هم المقتسمون الذين اقتسموا أعقاب مكة ليصرفوا الناس عن الإسلام.
الذاريات 51:11
(الذين هم في غمرة) أي في غفلة وعمى وجهالة عن أمور الآخرة وأصل الغمرة ما ستر الشيء وغطاه ومنها غمرات الموت، قال ابن عباس: الغمرة الكفر والشوك (ساهون) أي لاهون غافلون، والسهو الغفلة عن الشيء، وذهابه عن القلب، وقال ابن عباس: في غفلة لاهون وعنه قال: في ضلالتهم يتمادون.
الذاريات 51:12
(يسألون أيان يوم الدين)؟ أي يقولون متى يجيء يوم الجزاء، تكذيباً منهم واستهزاء، ثم أخبر سبحانه عن ذلك اليوم فقال:
الذاريات 51:13
(يوم هم على النار يفتنون) أي يحرقون ويعذبون فيها يقال فتنت الذهب إذا أحرقته لتختبره وأصل الفتنة الإختبار، قال عكرمة: ألم تر أن الذهب إذا أدخل النار قيل فتن، قال ابن عباس: يفتنون يعذبون قال الشهاب: أصلها إذابة الجوهر ليظهر غشه، ثم استعمل في التعذيب والإحراق وعدى يفتنون بعلى لتضمنه معنى يعرضون.
الذاريات 51:14
(ذوقوا فتنتكم) أي يقال لهم حين التعذيب: ذوقوا عذابكم، قاله ابن زيد، وقال مجاهد: حريقكم، ورجح الأول الفراء، وجملة (هذا الذي كنتم به تستعجلون) من جملة ما هو محكي بالقول، أي: هذا ما كنتم تطلبون تعجيله في الدنيا استهزاء منكم، وقيل هي بدل من فتنتكم؛ ولما ذكر سبحانه حال أهل النار ذكر حال أهل الجنة فقال:
الذاريات 51:15
(إن المتقين في جنات وعيون) أي: هم كائنون في بساتين فيها عيون جارية في جهاتهم، وأمكنتهم، لا يبلغ وصفها الواصفون حال كونهم
الذاريات 51:16
(آخذين) أي قابضين (ما آتاهم ربهم) شيئاً فشيئاًً من الخير والثواب والكرامة، راضين به ومسرورين، ومتلقين له بالقبول: لا يستوفونه بكماله، لإمتناع استيفاء ما لا نهاية له (إنهم كانوا قبل ذلك محسنين) الجملة تعليل لما قبلها أي لأنهم كانوا في الدنيا قبل دخولهم الجنة محسنين في أعمالهم الصالحة، من فعل ما أمروا به، وترك ما نهوا عنه، قال ابن عباس: أي قبل أن تنزل الفرائض يعملون، ثم ذكر إحسانهم الذي وصفهم به فقال:
الذاريات 51:17
(كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون) الهجوع النوم بالليل دون النهار، وبابه خضع والهجعة النومة الخفيفة، والمعنى كانوا قليلاً ما ينامون من الليل ويصلون أكثره، وكذا قال المحلي، وما زائدة أو مصدرية أو موصولة، أي كانوا قليلاً من الليل هجوعهم أو ما يهجعون فيه، والتهجاع القليل من النوم وقيل: ما نافية أي ما كانوا ينامون قليلاً من الليل، فكيف بالكثير منه وهذا ضعيف جداً، وهكذا قول من قال: إن المعنى كان عددهم قليلاً، ثم ابتدأ فقال: من الليل ما يهجعون، وبه قال ابن الأنباري، وهو أضعف مما قبله وقال قتادة في تفسير هذه الآية: كانوا يصلون بين العشاءين وبه قال أبو العالية وابن وهب، قال ابن عباس: ما تأتي عليهم ليلة ينامون حتى يصبحوا، إلا يصلون فيها، وعنه قال: يقول: قليلاً ما كانوا ينامون، وعن أنس قال: كانوا يصلون بين المغرب والعشاء.
الذاريات 51:18
(وبالأسحار هم يستغفرون) أي يطلبون في أوقات السحر من الله سبحانه أن يغفر ذنوبهم، قال الحسن: مدوا الصلاة إلى الأسحار ثم أخذوا بالأسحار الاستغفار، وقال الكلبي ومقاتل ومجاهد: هم بالأسحار يصلون، وذلك أن صلاتهم طلب منهم للمغفرة، وقال الضحاك: هي صلاة الفجر، قال ابن عمر: يستغفرون يصلون، قال ابن زيد: السحر السدس الأخير من الليل والمعنى يعدون مع هذا الاجتهاد أنفسهم مذنبين، ويسألون غفران ذنوبهم لوفور علمهم بالله تعالى، وأنهم لا يقدرون على أن يقدروه حق قدره، وإن اجتهدوا سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم: لا أحصي ثناء عليك، وقيل: يستغفرون من تقصيرهم في العبادة، وقيل: من ذلك القدر القليل الذي كانوا ينامونه من الليل ثم ذكر سبحانه صدقاتهم فقال:
الذاريات 51:19
(وفي أموالهم حق للسائل والمحروم) أي يجعلون في أموالهم ويوجبون على أنفسهم، حقاً للسائل والمحروم، تقرباً إلى الله عز وجل بمقتضى الكرم يصلون بها الأرحام والفقراء والمساكين، وقال محمد بن سيرين وقتادة: الحق هنا الزكاة المفروضة والأولى أولى، فتحمل على صدقة النفل وصلة الرحم وقَرى الضيف لأن السورة مكية والزكاة لم تفرض إلا بالمدينة وسيأتي في سورة (سأل سائل) و (فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) بزيادة معلوم والسائل هو الذي يسأل الناس لفاقته، واختلف في تفسير المحروم فقيل هو الذي يتعفف عن السؤال حتى يحسبه الناس غنياً، فلا يتصدقون عليه، وبه قال قتادة والزهري، وقال الحسن ومحمد بن الحنفية: هو الذي لا سهم له في الغنيمة، ولا يجري عليه من الفيء شيء، وقال زيد بن أسلم: هو الذي أصيب ثمره أو زرعه أو ماشيته.
وقال القرظي: هو الذي أصيب بجائحة، وقيل: الذي لا يتكسب، وقيل: هو الذي لا يجد غني يغنيه، وقيل: هو المملوك، وقيل: الكلب، وقيل غير ذلك، قال الشعبي: لي اليوم سبعون سنة منذ احتلمت أسأل عن المحروم، فما أنا اليوم بأعلم مني فيه يومئذ، والذي ينبغي التعويل عليه ما يدل عليه المعنى اللغوي. والمحروم في اللغة الممنوع من الحرمان وهو المنع، فيدخل تحته من حرم الرزق من الأصل ومن أصيب ماله بجائحة أذهبته، ومن حرم العطاء، ومن حرم الصدقة لتعففه، وأظهر هذه الأقوال أنه المتعفف لأنه قرنه بالسائل، والمتعفف لا يسأل، ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل، وإنما يفطن له متيقظ، قال ابن عباس: في أموالهم حق سوى الزكاة، يصل بها رحماً ويقري بها ضيفاً، أو يعين بها محروماً، وعنه قال: السائل الذي يسأل الناس، والمحروم الذي ليس له سهم في المسلمين، وعنه قال: المحروم هو المحارف الذي يطلب الدنيا وتدبر عنه، ولا يسأل الناس، فأمر الله المؤمنين برفده.
وعن عائشة في الآية قالت: هو المحارف الذي لا يكاد يتيسر له مكسبه.
وأخرج الترمذي والبيهقي في سننه، " عن فاطمة بنت قيس أنها سألت النبي عن هذه الآية قال: إن في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ) إلى قوله: (وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) ".
ثم ذكر سبحانه ما نصبه من الدلائل الدالة على توحيده، ووعده ووعيده، فقال:
الذاريات 51:20
(وفي الأرض آيات) أي دلائل واضحة، وعلامات ظاهرة، من الجبال والبر والبحر والأشجار والأنهار والثمار، وفيها آثار الهلاك للأمم الكافرة، المكذبة لما جاءت به رسل الله، ودعتهم إليه، وهي مدحوة كالبساط لما فوقها، وفيها المسالك والفجاج للمتقلبين فيها، وهي مجزأة فمن سهل ومن جبل صلبة ورخوة وعذبة وسبخة، وفيها معادن مفتتة، ودواب منبثة، مختلفة الصور والأشكال متباينة الهيئات والأفعال إلى غير ذلك من بدائع صنعه وصنائع قدرته وحكمته وتدبيره.
(للموقنين) أي للموحدين الذين سلكوا الطريق السوي البرهاني، الموصل إلى المعرفة، فهم نظارون، بعيون باصرة، وأفهام نافذة، كلما رأوا آية عرفوا وجه تأويلها، فازدادوا إيقاناً على إيقانهم، وخص الموقنين بالله لأنهم الذين يعترفون بذلك ويتدبرون فيه فينتفعون به.
وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (22) فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (23) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (33)
الذاريات 51:21
(وفي أنفسكم) في حال ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، آيات تدل على توحيد الله وصدق ما جاءت به الرسل، فإنه خلقهم نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، ثم عظماً، إلى أن ينفخ فيهم الروح، ثم تختلف بعد ذلك صورهم، وألوانهم، وطبائعهم، وألسنتهم، ثم نفس خلقهم على هذه الصورة العجيبة الشأن من لحم ودم وعظم وأعضاء وحواس ومجاري ومنافس، وفي بواطنها وظواهرها من عجائب الفطرة وبدائع الخلق ما تتحير فيه الأذهان، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وبالألسن والنطق ومخارج الحروف، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة والبينات القاطعة على حكمة مدبرها وصانعها، دع الأسماع والأبصار، والأطراف، وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما سوى ذلك في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، فإنه إذا جسا منها شيء جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل (فتبارك الله أحسن الخالقين).
وقيل يريد اختلاف الألسن والصور والألوان والطبائع، وقيل يريد سبيلي الغائط والبول، يأكل ويشرب، من مدخل واحد، ويخرج من سبيلين، وقيل المراد بالأنفس الأرواح، أي وفي نفوسكم التي بها حياتكم آيات، ولا وجه لتخصيص شيء دون شيء، بل اللفظ أوسع من ذلك.
(أفلا تبصرون) أي: تنظرون بعين البصيرة والعبرة الأرض وما فيها، والأنفس وما فيها، فتستدلون بذلك على الخالق الرازق المنفرد بالألوهية، وأنه لا شريك له ولا ضد، ولا ند، وأن وعده الحق، وقوله الحق، وأن ما جاءت إليكم به رسله هو الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه.
الذاريات 51:22
(وفي السماء رزقكم) أي سبب رزقكم وهو المطر فإنه سبب الأرزاق قال سعيد بن جبير والضحاك: الرزق هنا ما ينزل من السماء من مطر وثلج وقيل: المراد بالسماء السحاب أي وفي السحاب رزقكم وقيل: المراد بالسماء المطر وسماه سماء لأنه ينزل من جهتها وقال ابن كيسان: يعني وعلى رب السماء رزقكم قال: ونظيره (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) وهو بعيد وقال سفيان الثوري: أي عند الله في السماء رزقكم وقيل المعنى وفي السماء تقدير رزقكم قرأ الجمهور بالإفراد، وقرىء أرزاقكم بالجمع.
(وما توعدون) من الجنة والنار قاله مجاهد، وقال عطاء: من الثواب والعقاب وقال الكلبي: من الخير والشر، وقال ابن سيرين: ما توعدون من أمر الساعة وبه قال الربيع، والأولى الحمل على ما هو الأعم من هذه الأقوال فإن جزاء الأعمال مكتوب في السماء والقضاء والقدر ينزل منها والجنة والنار فيها ثم أقسم سبحانه وتعالى بنفسه فقال:
الذاريات 51:23
(فورب السماء والأرض إنه) أي إن ما أخبركم به في هذه الآيات (لحق) وقال الزجاج: هو ما ذكر من أمر الرزق والآيات، قال الكلبي: يعني ما قص في الكتاب، وقال مقاتل: يعني من أمر الساعة وقيل إن (ما) في قوله: وما توعدون مبتدأ وخبره فورب السماء الخ، فيكون الضمير لما ثم قال سبحانه: (مثل ما إنكم تنطقون) أي كمثل نطقكم وما زائدة كذا قال بعض الكوفيين وقال الزجاج والفراء: أي لحق حقاً مثل نطقكم وقال المازني إن مثل مع ما بمنزلة شيء واحد فبنى على الفتح وقال سيبويه: هو مبني لإضافته إلى غير متمكن قرأ الجمهور بنصب مثل على تقدير كمثل نطقكم وقرىء بالرفع على أنه صفة لحق لأن مثل نكرة وإن أضيفت فهي لا تتعرف بالإضافة كغير، ورجح قول المازني أبو علي الفارسي.
ومعنى الآية تشبيه تحقيق ما أخبر الله عنه بتحقيق نطق الآدمي ووجوده وهذا كما تقول إنه لحق كما إنك ههنا وإنه لحق كما أنت تتكلم والمعنى أنه في صدقه ووجوده كالذي تعرفه ضرورة.
عن أبي سعيد الخدري قال: " قال النبي صلى الله عليه وسلم، لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه الموت " أسنده الثعلبي وذكره القرطبي وقال بعض الحكماء، معناه كما أن كل إنسان ينطق بلسان نفسه لا يمكنه أن ينطق بلسان غيره كذلك كل إنسان يأكل رزق نفسه الذي قسم له لا يقدر أن يأكل رزق غيره.
الذاريات 51:24
(هل أتاك حديث ضيف إبراهيم)؟ ذكر سبحانه قصة إبراهيم ليبين أنه أهلك بسبب التكذيب من أهلك وفي الإستفهام تفخيم للحديث وشأنه وتنبيه على أن هذا الحديث ليس مما قد علم به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه إنما علم طريق الوحي وقيل إن (هل) بمعنى قد كما في قوله: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر) والضيف مصدر يطلق على الواحد والاثنين والجماعة وقد تقدم الكلام على قصة ضيف إبراهيم في سورة هود، وسورة الحجر (المكرمين) أي: إنهم مكرمون عند الله سبحانه لأنهم ملائكة جاؤوا إليه في صورة بني آدم كما قال تعالى في وصفهم في آية أخرى (بل عباد مكرمون) وقيل هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وقال مجاهد ومقاتل: أكرمهم إبراهيم وأحسن إليهم وقام على رؤوسهم وكان لا يقوم على رؤوس الضيف وأمر امرأته أن تخدمهم، وقال الكلبي: أكرمهم بالعجل أي عجل لهم القرى وقيل لأنهم كانوا ضيف إبراهيم، وهو أكرم الخلق على الله يومئذ وضيف الكريم مكرمون، وقيل: لأنهم كانوا غير مدعوين والأول أولى.
الذاريات 51:25
(إذ دخلوا عليه) العامل في الظرف الحديث، أي: هل أتاك حديثهم الواقع في وقت دخولهم عليه، أو ضيف لأنه مصدر، أو المكرمين، أو محذوف، أي: أذكر كذا ذكر السمين (فقالوا سلاماً) أي نسلم عليك سلاماً، ويحتمل أن يكون المعنى فقالوا كلاماً حسناً لأنه كلام سلم به المتكلم من أن يلغو فيكون على هذا مفعولاً به.
(قال سلام) أي قال إبراهيم سلام، والمراد به التحية، قرأ الجمهور بنصب سلام الأول ورفع الثاني على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي: عليكم سلام والعدول إلى الرفع لقصد إفادة، الجملة الاسمية للدوام والثبات، بخلاف الفعلية فإنها لمجرد التجدد والحدوث، ولهذا قال أهل المعاني: إن سلام إبراهيم أبلغ من سلام الملائكة، وقرىء بالرفع في الموضعين، وقرىء بالنصب فيهما وقرىء سلم بكسر السين وقرىء سلم فيهما.
(قوم) أي أنتم قوم (منكرون) قيل: إنه قال هذا في نفسه ولم يخاطبهم به لأن ذلك يخالف الإكرام، قيل: إنه أنكرهم لكونهم ابتدأوا بالسلام، ولم يكن ذلك معهوداً عند قومه، وقيل: إنه رأى فيهم ما يخالف بعض الصور البشرية، وقيل: لأنه رآهم على غير صور الملائكة الذين يعرفهم وقيل لأنهم دخلوا بغير استئذان، وقيل: المعنى أنتم غرباء ولا نعرفكم، فعرفوني من أنتم وقيل غير ذلك.
الذاريات 51:26
(فراغ) أي عدل (إلى أهله) قاله الزجاج: أي الذين كان عندهم بقرة، وكان عامة ماله البقر قاله الخطيب، فالمراد بأهله خدمه كالرعاء، وقيل؛ ذهب إليهم في خفية من ضيوفه، والمعنى متقارب، وقد تقدم تفسيره في سورة الصافات. يقال: راغ وارتاغ أي: طلب وماذا تريغ، أي تريد وتطلب وراغ إلى كذا مأل إليه سراً وجاد (فجاء بعجل سمين) أي: فجاء ضيفه بعجل قد شواه لهم، كما في سورة هود (بعجل حنيذ)، وفي الكلام حذف تدل عليه الفاء الفصيحة أي: فذبح عجلاً فحنذه، فجاء به، قال في الصحاح: العجل ولد البقر، والعجول مثله، والجمع العجاجل والأنثى عجلة، وقيل: العجل في بعض اللغات الشاة.
الذاريات 51:27
(فقربه) أي قرب العجل (إليهم) ووضعه بين أيديهم وعرض عليهم الأكل و (قال ألا تأكلون) الإستفهام للإنكار، وذلك أنه لما قربه إليهم لم يأكلوا منه، أو للعرض، أو للتحضيض
الذاريات 51:28
(فأوجس منهم خيفة) أي أحس في نفسه خوفاً منهم لما لم يأكلوا مما قربه إليهم، وقيل: معنى أوجس أضمر، وإنما وقع له ذلك لما لم يتحرموا بطعامه، ومن أخلاق الناس أن من أكل من طعام إنسان صار آمناً منه، فظن إبراهيم أنهم جاؤوا للشر، ولم يأتوا للخير، وفي زاده أن الإنكار الحاصل قبل تقريب العجل كما مر في هود بمعنى عدم العلم بأنهم من أي بلدة، والإنكار الحاصل بعده بمعنى عدم العلم بأنهم دخلوا عليه لقصد الخير أو الشر، فإن من امتنع من تناول الطعام يخاف من شره، وقيل: إنه وقع في قلبه أنهم ملائكة، فلما رأوا ما ظهر عليه من أمارات الخوف (قالوا لا تخف) وأعلموه أنهم ملائكة مرسلون إليه من جهة الله سبحانه.
(وبشروه بغلام عليم) أي ذي علم كثير عند أن يبلغ مبالغ الرجال والمبشر به عند الجمهور هو إسحق وقال مجاهد وحده: إنه إسماعيل وهو مردود بقوله: (وبشرناه بإسحق) وقد قدمنا تحقيق هذا الكلام في هود بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره
الذاريات 51:29
(فأقبلت امرأته) أي سارة (في صرة) لم يكن هذا الإقبال من مكان إلى مكان، وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني أي أخذ في شتمي كذا قال الفراء وغيره، والصرة الصيحة والضجة. أي: جاءت صائحة لأنها لما بشرت بالولد وجدت حرارة الدم، أي دم الحيض، وقيل الصرة: الجماعة من الناس، قال الجوهري: الضجة والصيحة والصرة الجماعة، والصرة الشدة من حرب أو غيره، وقال عكرمة وقتادة: إنها الرنة والتأوه، والمعنى أنها كانت في زاوية من زوايا البيت تنظر إليهم فأقبلت في صيحة أو ضجة أو في جماعة من الناس يستمعون كلام الملائكة.
(فصكت وجهها) أي ضربت بيدها مبسوطة على وجهها كما جرت بذلك عادة النساء عند التعجب، قال مقاتل والكلبي: جمعت أصابعها فضربت جبينها تعجباً، ومعنى الصك ضرب الشيء بالشيء العريض يقال: صكه أي ضربه، وقال ابن عباس: في صرة في صيحة، فصكت لطمت (وقالت) كيف ألد (وأنا عجوز عقيم) استبعدت ذلك لكبر سنها، ولكونها عقيماً لا تلد.
الذاريات 51:30
(قالوا كذلك) أي: كما قلنا لك وأخبرناك (قال ربك) فلا تشكي في ذلك ولا تعجبي منه، فإن ما أراد الله كائن لا محالة، ولم نقل ذلك من جهة أنفسنا وقد كانت إذ ذاك بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ابن مائة سنة، وكان بين البشارة والولادة سنة، ذكره القرطبي، وقد سبق بيان هذا مستوفى وجملة (إنه هو الحكيم العليم) تعليل لما قبلها أي حكيم في أفعاله وأقواله عليم بكل شيء.
الذاريات 51:31
(قال فما خطبكم)؟ مستأنفة جواباً عن سؤال مقدر، كأنه قيل فماذا قال إبراهيم بعد هذا القول من الملائكة؟ والخطب الشأن والقصة، والمعنى فما شأنكم وقصتكم؟ (أيها المرسلون) من جهة الله، وما ذاك الأمر الذي لأجله أرسلكم سوى هذه البشارة؟.
الذاريات 51:32
(قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين) أي كافرين يريدون قوم لوط
الذاريات 51:33
(لنرسل) أي لننزل (عليهم) من السماء (حجارة) أي: لنرجمهم بحجارة (من طين) متحجرة مطبوخ بالنار، واستدل به على وجوب الرجم بالحجارة على اللائط.
مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِنْ قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنْتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (46) وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)
الذاريات 51:34
(مسومة) صفة لحجارة أو حال من الضمير المستكن في الجار والمجرور، أو من الحجارة لكونها وصفت بالجار والمجرور، أي: معلمة بعلامات تعرف به، قيل: كانت مخططة بسواد وبياض، وقيل: بسواد وحمرة، وقيل: معروفة بأنها حجارة العذاب، وقيل: مكتوب على كل حجر من يهلك بها (عند ربك) ظرف لمسومة أي: معلمة عنده (للمسرفين) المتمادين في الضلال المجاوزين الحد في الفجور بإتيانهم الذكور، وقال مقاتل: المشركين والشرك أسرف الذنوب وأعظمها، قال السدي ومقاتل: كانوا ستمائة ألف فأدخل جبريل جناحه تحت الأرض فاقتلع قراهم وكانت أربعة، ورفع حتى سمع أهل السماء أصواتهم، ثم قلبها، ثم أرسل عليهم الحجارة فتتبعت الحجارة شذاذهم ومسافريهم، أفاده زاده، وهو جمع شاذ أي الخارجين منهم عن أرضهم.
الذاريات 51:35
(فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين) هذا كلام من جهة الله سبحانه أي لما أردنا إهلاك قوم لوط أخرجنا من كان في قرى قوم لوط من قومه المؤمنين به، والفاء مفصحة عن جمل قد حذفت ثقة بذكرها في مواضع أخر، كأنه قيل فباشروا ما أمروا به فأخرجنا من كان فيها بقولنا (فأسر بأهلك)
الذاريات 51:36
(فما وجدنا فيها) أي في قرى قوم لوط، وهي وإن لم تذكر لكن دل عليها السياق.
(غير بيت من المسلمين) أي غير أهل بيت، يقال بيت شريف ويراد به أهله، قيل: وهم أهل بيت لوط، وقال مجاهد: لوط وابنتاه، وعن سعيد بن جبير قال كانوا ثلاثة عشر ونحوه قال الأصفهاني والإسلام الإنقياد والاستسلام لأمر الله سبحانه فكل مؤمن مسلم، ومن ذلك قوله: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) وقد أوضح الفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الإسلام والإيمان في الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق أنه سئل عن الإسلام فقال: " أن تشهد أن لا إله إلا الله وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة وتحج البيت وتصوم رمضان، وسئل عن الإيمان فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " [[رواه مسلم.]] فالمرجع في الفرق بينهما هو الذي قاله الصادق المصدوق ولا التفات إلى غيره مما قاله أهل العلم في رسم كل واحد منهما برسوم مضطربة مختلفة مختلة متناقضة.
وأما ما في الكتاب العزيز من اختلاف مواضع استعمال الإسلام والإيمان فذلك باعتبار المعاني اللغوية، والاستعمالات العربية، والواجب تقديم الحقيقة الشرعية على اللغوية، والحقيقة الشرعية هي هذه التي أخبرنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأجاب سؤال السائل له عن ذلك بها، قال الكرخي: فيه إشارة إلى ما قاله الخطابي وغيره، أن المسلم قد يكون مؤمناً، وقد لا يكون والمؤمن مسلم دائماً فهو أخص، وبهذا يستقيم تأويل الآيات والأحاديث
الذاريات 51:37
(وتركنا فيها) أي في تلك القرى بعد إهلاك الكافرين (آية) أي: علامة ودلالة تدل على ما أصابهم من العذاب. وهي تلك الأحجار أو صخر منضود أو ماء أسود منتن خرج من أرضهم أو آثار العذاب في تلك القرى فإنها ظاهرة بينة، وقيل هذه الآية المتروكة نفس القرى الخربة.
(للذين يخافون العذاب الأليم) أي كل من يخاف عذاب الله ويخشاه من أهل ذلك الزمان ومن بعدهم، فلا يفعل مثل فعلهم وإنما خص هؤلاء لأنهم الذين يتعظون بالمواعظ، ويتفكرون في الآيات دون غيرهم، ممن لا يخاف ذلك، وهم المشركون المكذبون بالبعث، والوعد والوعيد
الذاريات 51:38
(و) تركنا (في) قصة (موسى) آية وهذا معنى واضح قاله السمين، أو في الأرض، وفي موسى آيات، قاله الفراء وابن عطية والزمخشري، قال أبو حيان: وهو بعيد جداً ينزه القرآن عن مثله، وقيل: وتركنا فيها آية وجعلنا في موسى آية، قال أبو حيان: ولا حاجة إلى إضمار: وجعلنا لأنه قد أمكن أن يكون العامل في المجرور وتركنا، والوجه الأول هو الأولى، وما عداه متكلف متعسف لم تلجىء إليه حاجة ولا دعت إليه ضرورة.
(إذ أرسلناه إلى فرعون) الظرف متعلق بمحذوف وهو نعت لآية أي كائنة وقت أرسلناه، وبآية نفسها أو منصوب بتركنا والأول أولى (بسلطان مبين) وهو الحجة الظاهرة الواضحة، وهي العصا وما معها من الآيات الثمان
الذاريات 51:39
(فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ) التولي الإعراض، والركن الجانب، قاله الأخفش والمعنى أعرض عن الإيمان بجانبه أي مع جنوده لأنهم له كالركن كما في قوله؛ (أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ). قال الجوهري: ركن الشيء جانبه الأقوى، ويأوي إلى ركن شديد أي عز ومنعة، وقال ابن عباس: بركنه بقومه، وقال ابن زيد ومجاهد وغيرهما: الركن جمعه وجنوده الذين كان يتقوى بهم، ومنه قوله تعالى: (أو آوي إلى ركن شديد)، أي عشيرة ومنعة، وقيل؛ الركن نفس القوة، وبه قال قتادة وغيره.
(وقال) فرعون في حق موسى (ساحر أو مجنون) فردد فيما رآه من أحوال موسى بين كونه ساحراً أو مجنوناً فـ (أو) هنا على بابها من الإبهام على السامع، أو للشك، نزل نفسه منزلة الشاك في أمره، تمويهاً على قومه، وهذا من اللعين مغالطة وإيهام لقومه، فإنه يعلم أن ما رآه من الخوارق لا يتيسر على يد ساحر ولا يفعله من به جنون، وقال أبو عبيدة: إن أو بمعنى الواو، لأنه قد قال ذلك جميعاً ولم يتردد، وبه قال المؤرج كقوله: (ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً)، قال تعالى: (إن هذا لساحر عليم) وقال في موضع آخر: (إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون). وتجيء أو بمعنى الواو ورد الناس عليه وقالوا لا ضرورة تدعو إلى ذلك؛ وأما الآيتان فلا تدلان على أنه قالهما معاً وإنما يفيدان أنه قالهما أعم من أن يكونا معاً، أو هذه في وقت وهذه في وقت آخر ذكره السمين.
الذاريات 51:40
(فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) أي طرحناهم في البحر فغرقوا (وهو) أي فرعون (مليم) أي: آت بما يلام عليه حين ادعى الربوبية وكذب الرسل وكفر بالله وطغى في عصيانه، وفي الإسناد تجوز على حد عيشة راضية؛ يقال: ألام الرجل فعل ما يستحق عليه اللوم، واللوم العذل، تقول لامه على كذا، من باب قال: ولومه أيضاًً فهو ملوم، واللائمة الملامة.
الذاريات 51:41
(و) تركنا (في) قصة إهلاك (عاد) آية (إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم) وهي التي لا خير فيها ولا بركة لا تلقح شجراً ولا تحمل مطراً إنما هي ريح العذاب والإهلاك، قال علي: هي النكباء وهي كل ريح هبت بين ريحين لتنكبها وانحرافها عن مهاب الرياح المعروفة، وهي رياح متعددة لا ريح واحدة، قال ابن عباس: الريح العقيم الشديدة التي لا تلقح شيئاًً، وعنه قال: لا تلقح الشجر ولا تثير السحاب، واختلف فيها فقيل: الجنوب، والأظهر أنها الدبور.
" لقوله صلى الله عليه وسلم نصرت بالصبا: وأهلكت عاد بالدبور "؛ العقم ههنا مستعار للمعنى المذكور على سبيل التبعية، شبه ما في الريح من الصفة التي تمنع من إنشاء مطر أو إلقاح شجر بما في المرأة من الصفة المذكورة التي تمنع من الحمل، ثم قيل العقيم وأريد به ذلك المعنى بقرينة وصف الريح به، أو سماها عقيماً، لأنها أهلكتهم وقطعت دابرهم، أفاده الكرخي، وفي الشهاب أصل العقم اليبس المانع من قبول الأثر، كما قاله الراغب، وهو فعيل، بمعنى فاعل أو مفعول، فلما أهلكتهم وقطعت نسلهم شبه ذلك الإهلاك بعدم الحمل لما فيه من إذهاب النسل، وهذا هو المراد هنا ثم وصف سبحانه هذه الريح فقال:
الذاريات 51:42
(ما تذر من شيء أتت عليه) أي: مرت عليه من أنفسهم وأنعامهم وأموالهم (إلا جعلته كالرميم) أي: كالشيء الهالك البالي المتفتت، وقال قتادة: هو الذي ديس من يابس النبات، وقال السدي وأبو العالية: أنه التراب المدقوق، وقال قطرب: إنه الرماد، وقيل: ما رمته الماشية من الكلأ وأصل الكلمة من رم العظم إذا بلى فهو رميم، والرمة العظام البالية، والجمع رمم ورمام، قال ابن عباس: كالرميم كالشيء الهالك البالي، وفي القرطبي كالشيء الهشيم يقال للنبت إذا يبس وتفتت رميم وهشيم، والتقدير ما تترك من شيء إلا مجعولاً كالرميم فالجملة في موضع المفعول الثاني؛ لتذر وأعربها أبو حيان حالاً، وليس بظاهر.
الذاريات 51:43
(وفي ثمود إذ قيل لهم) أي وتركنا في قصة ثمود آية وقت أن قلنا لهم بعد عقر الناقة: (تمتعوا حتى حين) أي عيشوا متمتعين بالدنيا إلى حين وقت الهلاك وإنقضاء الأجل. وهو ثلاثة أيام كما في قوله تعالى: (تمتعوا في داركم ثلاثة أيام)
الذاريات 51:44
(فعتوا عن أمر ربهم) أي تكبروا عن امتثال أمر الله. وهذا ترتيب إخباري وإلا ففي الحقيقة عتوهم إنما كان قبل وعدهم بالهلاك الذي هو المراد من قوله: تمتعوا حتى حين على تفسيره، إذ المراد به ما بقي من آجالهم، والمراد بأمر ربهم، هو المذكور في سورة هود: (يا قوم هذه ناقة الله لكم آية).
(فأخذتهم) بعد مضي ثلاثة أيام (الصاعقة) وهي كل عذاب مهلك وقرىء الصعقة وهي المرة من مصدر صعقتهم الصاعقة وأخذتهم من بعد عقر الناقة، والصاعقة هي نار تنزل من السماء فيها رعد شديد وقد مر الكلام على الصاعقة في البقرة وفي مواضع (وهم ينظرون) أي: يرونها عياناً، لأنها كانت نهاراً، وقيل: إن المعنى ينتظرون ما وعدوه من العذاب والأول أولى.
الذاريات 51:45
(فما استطاعوا من قيام) أي لم يقدروا على القيام حين نزول العذاب، قال قتادة: من نهوض: يعني لم ينهضوا من تلك الصرعة، والمعنى أنهم عجزوا عن القيام فضلاً عن الهرب، ومثله قوله تعالى: (فأصبحوا في ديارهم جاثمين) (وما كانوا منتصرين) أي ممتنعين من عذاب الله بغيرهم ممن أهلكهم الله أو لم تمكنهم مقابلتها بالعذاب، لأن معنى الإنتصار المقابلة.
الذاريات 51:46
(و) أهلكنا أو نبذنا أو اذكر (قوم نوح) وثلاثة أوجه أخر في النصب ذكرها السمين، وفي قراءة الجر أربعة أوجه ذكرها السمين أيضاًً لا نطول بذكرها (من قبل) أي من قبل هؤلاء المهلكين، فإن زمانهم متقدم على زمن فرعون وعاد وثمود (إنهم كانوا قوماً فاسقين) أي خارجين عن طاعة الله
الذاريات 51:47
(وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ) أي بقوة وقدرة قاله ابن عباس، قيل: التقدير وبنينا السماء بنيناها، وقرىء برفع السماء على الابتداء.
(وإنا لموسعون) الموسع ذو الوسع والسعة، والمعنى إنا لذو سعة بخلقها وخلق غيرها لا نعجز عن ذلك، وقيل: لقادرون من الوسع بمعنى الطاقة والقدرة، وقيل: إنا لموسعون الرزق بالمطر، قال الجوهري: أوسع الرجل صار ذا سعة وغنى، وقيل: جاعلوها واسعة، وعليه تكون الحال مؤسسة أخبر أولاً أنه بناها بقوته وقدرته، وثانياً بأنه وسعها أي جعلها واسعة، فالأرض بالنسبة إليها كحلقة في فلاة.
وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48) وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (49) فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (50) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (51) كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (52) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (59) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (60)
الذاريات 51:48
(وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا) قرىء بنصب الأرض على الاشتغال؛ وبرفعها على الإبتداء والأول أولى لعطف جملة الإشتغال على جملة فعلية قبلها، والمعنى بسطناها ومهدناها ومددناها، فالفراش كناية عن البسط والتسوية (فنعم الماهدون) أي نحن، يقال: مهدت الفراش بسطته ووطأته وتمهيد الأمور تسويتها وإصلاحها.
الذاريات 51:49
(ومن كل شيء خلقنا زوجين) أي: صنفين، أو أمرين متقابلين أو نوعين من ذكر وأنثى، وبر وبحر، وشمس وقمر، وحلو ومر، وسماء وأرض وليل ونهار، ونور وظلمة، وجن وإنس، وخير وشر، وموت وحياة، وسهل وحزن، وصيف وشتاء، وإيمان وكفر، وسعادة وشقاوة، وحق وباطل، وحلو وحامض؛ وسرور وغم، إلى غير ذلك مما لا ينحصر، فكل اثنين منها زوج؛ والله تعالى فرد لا مثل له (لعلكم تذكرون) أي: خلقنا ذلك هكذا لتتذكروا فتعرفوا أنه خالق كل شيء، وتستدلوا بذلك على توحيد الله وصدق وعده ووعيده.
الذاريات 51:50
(ففروا إلى الله) أي قل لهم يا محمد: إذا كان الأمر كذلك ففروا واهربوا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم عن الكفر والمعاصي، أي إلى ثوابه من عقابه، بأن تطيعوه ولا تعصوه؛ وقيل: المعنى أخرجوا من مكة، وقال الحسن ابن الفضل: احترزوا عن كل شيء غير الله، فمن فر إلى غيره لم يمتنع منه، وقيل: فروا من طاعة الشيطان إلى طاعة الرحمن؛ وقيل: فروا من الجهل إلى العلم. والمعاني متقاربة أي إذا علمتم أن الله تعالى فرد لا نظير له ففروا إليه، ووحدوه ولا تشركوا به شيئاًً (إني لكم منه) أي: من الله أي من جهته (نذير) منذر (مبين) بين الإنذار، والجملة تعليل للأمر بالفرار.
الذاريات 51:51
(ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر) تنصيص على أعظم ما يجب أن يفر منه وهو الشرك، فنهاهم عن الشرك بالله بعد أن أمرهم بالفرار إلى الله (إني لكم منه نذير مبين) تعليل للنهي؛ وتكرير للتوكيد، والإطالة في الوعيد أبلغ، أو الأول مرتب على ترك الإيمان والطاعة، والثاني مرتب على الإشراك وقيل إنما كرر ليعلم أن الإيمان لا ينفع إلا مع العمل، كما أن العمل لا ينفع إلا مع الإيمان، وأنه لا يفوز ولا ينجو عند الله إلا الجامع بينهما.
الذاريات 51:52
(كذلك) أي الأمر والشأن والقصة كذلك، والكاف بمعنى مثل، ثم فصل ما أجمله بقوله: (ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون) في هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ببيان أن هذا شأن الأمم المتقدمة، وأن ما وقع من العرب من التكذيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووصفه بالسحر والجنون قد كان ممن قبلهم لرسلهم
الذاريات 51:53
(أتواصوا به) الإستفهام للتقريع والتوبيخ والتعجيب من حالهم أي: هل أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب وتواطؤوا عليه حتى قالوه جميعاً متفقين عليه؟ أو الاستفهام للنفي، أي: ما وقع منهم وصية بذلك لأنهم لم يتلاقوا في زمان واحد (بل هم قوم طاغون) إضراب عن التواصي إلى ما جمعهم من الطغيان، أي لم يتواصوا بذلك بل جمعهم الطغيان، وهو مجاوزة الحد في الكفر، فهو إضراب إنتقالي. ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالإعراض عنهم فقال:
الذاريات 51:54
(فتول عنهم) أي: أعرض عنهم وكف عن جدالهم ودعائهم إلى الحق، فقد فعلت ما أمرك الله به وبلغت رسالته، وكررت عليهم الدعوة فأبوا إلا الإصرار والعناد (فما أنت بملوم) عند الله على الإعراض بعد هذا الإنذار لأنك قد أديت ما عليك وما قصرت فيما أمرت به، وبذلت المجهود في البلاغ، وهذا منسوخ بآية السيف، أو بقوله الآتي وذكر الآية قال ابن عباس: أمره الله أن يتولى عنهم ليعذبهم وعذر محمد صلى الله عليه وسلم، ولما أمره بالإعراض عنهم أمره بأن لا يترك التذكير والموعظة بالتي هي أحسن فقال:
الذاريات 51:55
(وذكر) أي جميعهم (فإن الذكرى تنفع المؤمنين) أي من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بها بصيرة، قال الكلبي: المعنى عظ بالقرآن من آمن من قومك، فإن الذكرى تنفعهم، وقال مقاتل: عظ كفار مكة، فإن الذكرى تنفع من كان في علم الله أنه يؤمن، وقيل ذكرهم بالعقوبة وأيام الله وخص المؤمنين بالتذكير لأنهم المنتفعون به.
الذاريات 51:56
(وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) مستأنفة مقررة لما قبلها لأن كون خلقهم لمجرد العبادة مما ينشط رسول الله صلى الله عليه وسلم للتذكير، وينشطهم للإجابة، قيل: هذا خاص فيمن سبق بعلم الله أنه يعبده، فهو عموم مراد به الخصوص، قال الواحدي: قال المفسرون هذا خاص لأهل طاعته، يعني من أهل من الفريقين، قال: وهذا قول الكلبي والضحاك، واختيار الفراء وابن قتيبة.
قال القشيري: والآية دخلها التخصيص بالقطع، لأن المجانين والصبيان لم يؤمروا بالعبادة، ولا أرادها منهم، وقد قال: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس)، ومن خلق لجهنم لا يكون ممن خلق للعبادة، قاله شيخ الإسلام زكريا نقلاً عن الرازي، فالآية محمولة على المؤمنين منهم، ويدل عليه قراءة أُبيّ بن كعب وابن مسعود، وما خلقت الجن والإنس من المؤمنين إلا ليعبدون، وقال مجاهد: إن المعنى إلا ليعرفوني قال الكلبي: وهذا قول حسن، لأنه لو لم يخلقهم لما عرف وجوده وتوحيده، وروي عن مجاهد أنه قال المعنى إلا لآمرهم، وأنهاهم، ويدل عليه قوله: (وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون) واختار هذا الزجاج.
وقال زيد بن أسلم: هو ما جبلوا عليه من السعاده والشقاوة، فخلق السعداء من الجن والإنس للعبادة، وخلق الأشقياء للمعصية، وقال الكلبي: المعنى إلا ليوحدون، فأما المؤمن فيوحده في الشدة والرخاء، وأما الكافر فيوحده في الشدة دون النعمة، كما في قوله: (وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، وقال جماعة: إلا ليخضعوا لي ويتذللوا، ومعنى العبادة في اللغة الذل والخضوع والإنقياد، وكل مخلوق من الجن والإنس خاضع لقضاء الله متذلل لمشيئته، منقاد لما قدره عليه، خلقهم على ما أراد، ورزقهم كما قضى لا يملك أحد منهم لنفسه نفعاً ولا ضراً، ووجه تقديم الجن على الإنس ههنا تقدم وجودهم، قال ابن عباس في الآية: ليقروا بالعبودية طوعاً أو كرهاً، وعنه قال: على ما خلقتهم عليه من طاعتي ومعصيتي، وشقوتي وسعادتي، وقيل: معنى (إلا ليعبدون) إلا مستعدين لأن يعبدوا بأن خلقت فيهم العقل والحواس والقدرة التي تتحصل بها العبادة، وهذا لا ينافي تخلف العبادة بالفعل من بعضهم؛ لأن هذا البعض، وإن لم يعبد الله، لكن فيه التهيؤ والاستعداد الذي هو الغاية بالحقيقة وهذا أحسن.
الذاريات 51:57
(ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون) هذه الجملة فيها بيان استغنائه سبحانه عن عباده وأنه لا يريد منهم منفعة، كما يريده السادة من عبيدهم، بل هو الغني المطلق الرازق المعطي، وقيل: المعنى ما أريد منهم أن يرزقوا أحداً من عبادي، ولا أن يرزقوا أنفسهم، ولا يطعموا أحداً من خلقي. ولا يطعموا أنفسهم، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه لأن الخلق عيال الله فمن أطعم عيال الله فهو كمن أطعمه.
وهذا كما ورد في قوله صلى الله عليه وسلم: " يقول الله عبدي استطعمتك فلم تطعمني " أي لم تطعم عبادي، ومن زائدة لتوكيد العموم، ثم بيّن سبحانه أنه هو الرازق لا غيره فقال:
الذاريات 51:58
(إن الله هو الرزاق) لا رازق سواه؛ ولا معطي غيره، فهو الذي يرزق مخلوقاته، ويقوم بما يصلحهم، فلا يشتغلوا بغير ما خلقوا له من العبادة هذا تعليل لعدم إرادة الرزق منهم (ذو القوة المتين) تعليل لعدم إحتياجه إلى استخدامهم في تمامه، من إصلاح طعامه وشرابه، ونحو ذلك، قرأ الجمهور برفع المتين على أنه وصف لرزاق، أو لذو، أو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدأ مضمر، وعلى كل تقدير فهو تأكيد، لأن ذو القوة يفيد فائدته، وقرىء بالجر صفة للقوة والتذكير لكون تأنيثها غير حقيقي، قال الفراء: كان حقه المتينة فذكرها لأنه ذهب بها إلى الشيء المبرم المحكم الفتل، يقال: حبل متين، أي محكم القتل ومعنى المتين هنا الشديد القوة، قال ابن عباس: المتين الشديد:
الذاريات 51:59
(فإن للذين ظلموا) أنفسهم بالكفر والمعاصي، من أهل مكة وغيرهم (ذنوباً) أي نصيباً من العذاب (مثل ذنوب أصحابهم) أي: نصيب الكفار من الأمم السالفة، قال ابن الأعرابي: يقال: يوم ذنوب أي: طويل الشر، لا ينقضي. وأصل الذنوب في اللغة الدلو العظيمة، ومن استعمال الذنوب في النصيب من الشيء قول الشاعر:
لعمرك والمنايا طارقات ... لكل بني أب منها ذنوب
وما في الآية مأخوذ من مقاسمة السقاة الماء بالدلو الكبيرة، فيكون لهذا ذنوب، ولهذا ذنوب فهو تمثيل جعل الذنوب مكان الحظ والنصيب، قاله ابن قتيبة، وقيل: عبر عن النصيب بالذنوب لشبهه به في أنه يصب عليهم العذاب كما يصب الذنوب، قال تعالى: (يصب من فوق رؤوسهم الحميم)، قال ابن عباس: ذنوباً دلواً، قال الراغب: الذنوب الدلو الذي له ذنب.
(فلا يستعجلون) أي فلا يطلبوا مني أن أعجل لهم العذاب، كما في قوله: (فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين)
الذاريات 51:60
(فويل للذين كفروا) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، كما أن الفاء الأولى لترتيب النهي عن الإستعجال على ذلك، ووضع الموصول موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالكفر وإشعاراً بعلة الحكم (من يومهم الذي يوعدون) العذاب فيه، قيل: هو يوم القيامة، وقيل يوم بدر والأول أولى.
الطور 52:1
سورة الطور
(وفي نسخة والطور بالواو وهي تسع أو ثمان وأربعون آية)
وهي مكيّة قال القرطبي: في قول الجميع، قال ابن عباس: نزلت الطور بمكة، وعن ابن الزبير مثله.
" وعن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور "، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
" وعن أم سلمة أنها سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي إلى جنب البيت بالطور وكتاب مسطور " أخرجه البخاري وغيره.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3) وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (5) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (7) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (8) يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (9) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (10) فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (11) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ (12) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (13) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (14) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (15) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (16) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (17) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (18) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (19)
(وَالطُّورِ) قال الجوهري والقرطبي: هو الجبل الذي كلم الله عليه موسى عليه السلام. قال مجاهد والسدي: الطور بالسريانية الجبل. والمراد به طور سيناء، قال مقاتل بن حيان: هما طوران، يقال لأحدهما: طور سيناء وللآخر طور زيتا، لأنهما ينبتان التين والزيتون، وقيل هو جبل مدين واسمه زبير، قلت: ومدين بالأرض المقدسة وهي قرية شعيب عليه السلام، وقيل: إن الطور كل جبل ينبت الشجر المثمر وما لا ينبت فليس بطور فأقسم الله سبحانه بهذا الجبل تشريفاً له وتكريماً، وتذكيراً بما فيه من الآيات، قال ابن عباس: الطور جبل.
" عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الطور جبل من جبال الجنة " أخرجه ابن مردويه، وكثير ضعيف جداً.
الطور 52:2
(وكتاب مسطور) أي: مكتوب متفق الكتابة بسطور مصفوفة في حروف مرتبة، جامعة لكلمات متفقة، والسطر الصف من الشيء يقال: بنى سطراً والسطر أيضاًً الخط والكتابة، وهو في الأصل مصدر بابه نصر، وسطر أيضاًً بفتحتين والجمع أسطار، كسبب وأسباب، وجمع الجمع أساطير، وجمع السطر أسطر وسطور كأفلس وفلوس، والمراد بالكتاب القرآن، ونكر لأنه كتاب مخصوص من بين سائر الكتب، أو للإشعار بأنه ليس مما يتعارفه الناس، وقيل: هو اللوح المحفوظ؛ وقيل جميع الكتب المنزلة وقيل ما تكتبه الحفظة قاله الفراء وغيره ومثله: (ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراً) وقوله (وإذا الصحف نشرت) وقال الكلبي: هو ما كتب الله لموسى بيده من التوراة وموسى يسمع صرير القلم، وقيل: إنه الكتاب الذي كتبه الله تعالى لملائكته في السماء يقرأون فيه ما كان وما يكون، وقيل: المراد ما كتبه الله في قلوب الأولياء من المؤمنين بيانه (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان) وفيه بعد
الطور 52:3
(في رق) متعلق بمسطور أي مكتوب في رق، وهو الصحيفة قال الجوهري: " الرق بالفتح ما يكتب فيه وهو جلد رقيق " ومنه قوله تعالى في (رق منشور) قال المبرد: " الرق ما رق من الجلد ليكتب فيه " قال أبو عبيدة وجمعه رقوق قال الراغب: الرق كل ما يكتب فيه جلداً كان أو غيره، قرىء بفتح الراء ويجوز كسرها، كما قرىء به شاذاً، وأما الرق الذي هو ملك الأرقاء فهو بالكسر لا غير، يقال عبد رق وعبد مرقوق (منشور) مبسوط مفتوح غير مطوي، لا ختم عليه، أو لائح. وهو بالنسبة للتوارة الألواح التي أنزلت على موسى، وبالنسبة للقرآن المصحف.
الطور 52:4
(والبيت المعمور) بكثرة الغاشية والأهل والزوار من الملائكة قيل: هو في السماء السابعة، وقيل: في سماء الدنيا وقيل: هو الكعبة فعلى القولين الأولين يكون وصفه بالعمارة باعتبار من يدخل إليه من الملائكة، ويعبد الله فيه، وعلى القول الثالث يكون وصفه بالعمارة حقيقة أو مجازاً باعتبار كثرة من يتعبد فيه من بني آدم، وقيل: هو في السماء الثالثة أو السادسة أو الرابعة، فهذه أقوال ستة في محل البيت المعمور.
" وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: البيت المعمور في السماء السابعة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه حتى تقوم الساعة [[رواه الحاكم.]] " أخرجه ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الشعب.
وفي الصحيحين وغيرهمما: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الإسراء. بعد مجاوزته إلى السماء السابعة: ثم رفع إليَّ البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه ".
وعن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل علياً عن البيت المعمور فقال: ذلك الضراح بيت فوق سبع سموات تحت العرش، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه أبداً إلى يوم القيامة، ونحوه عن ابن عباس.
" وعن ابن عمر رفعه: أن البيت المعمور لبحيال الكعبة لو سقط منه شيء لسقط عليها، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً ثم لا يعودون إليه "، وعن ابن عباس نحوه وضعف إسناده السيوطي.
الطور 52:5
(والسقف المرفوع) يعني السماء سماها سقفاً لكونها كالسقف للأرض ومنه قوله تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا)، وقيل هو العرش وهو سقف الجنة وقال علي السماء
الطور 52:6
(والبحر المسجور) أي: الموقد المحمي من السجر وهو إيقاد النار في التنور ومنه قوله: (وإذا البحار سجرت) وقد ورد أن البحار تسجر يوم القيامة فتكون ناراً فيزاد بها في نار جهنم وقيل المسجور المملوء بالماء وهو البحر المحيط كما ذكره العمادي قيل: إنه من أسماء الأضداد، يقال بحر مسجور أي مملوء وبحر مسجور أي فارغ خال وقيل: المسجور الممسوك ومنه ساجور الكلب لأنه يمسكه وقال أبو العالية: المسجور الذي ذهب ماؤه ونضب، وقيل: المسجور المفجور ومنه قوله (وإذا البحار فجرت).
وقال الربيع بن أنس: هو الذي يختلط فيه العذب بالمالح، والأول أولى، وبه قال مجاهد، والضحاك، ومحمد بن كعب، والأخفش وغيرهم، وعن علي في الآية قال: بحر في السماء تحت العرش، وعن ابن عمر مثله، وقال ابن عباس: المسجور المحبوس. وعنه المرسل، والواو الأولى للقسم، والبواقي للعطف وجواب القسم قوله:
الطور 52:7
(إن عذاب ربك لواقع) أي كائن لا محالة لمن يستحقه
الطور 52:8
(ما له من دافع) يدفعه ويرده عن أهل النار خبر ثان، لأن، أو صفة لواقع ومن مزيدة للتأكيد، ووجه تخصيص هذه الأمور بالإقسام بها أنها عظيمه دالة على كمال القدرة الربانية.
الطور 52:9
(يوم تمور السماء موراً) أي إنه لواقع في هذا اليوم، والمور الاضطراب والحركة، قال أهل اللغة. مار الشيء يمور موراً إذا تحرك ودار، وجاء وذهب، قاله الأخفش وأبو عبيدة، وقال ابن عباس: تحرك، وقال الضحاك: يموج بعضها في بعض، وقال مجاهد: تدور دوراً وقيل: تجري جرياً، وقيل: تتكفأ قاله الأخفش، قال البغوي: والمور يجمع هذه المعاني، إذ هو في اللغة الذهاب والمجيء، والتردد والدوران، والاضطراب، ويطلق المور على الموج، ومنه ناقة موارة اليد، أي سريعة تموج في مشيها موجاً، ومعنى الآية أن العذاب يقع بالعصاة، ولا يدفعه عنهم دافع في هذا اليوم الذي تكون فيه السماء هكذا، وهو يوم القيامة، وقيل: إن السماء ههنا الفلك، وموره اضطراب نظمه، واختلاف سيره.
الطور 52:10
(وتسير الجبال سيراً) أي تزول عن أماكنها، وتسير عن مواضعها كسير السحاب، وتطير في الهواء، ثم تقع على الأرض مفتتة كالرمل ثم تصير كالعهن أي الصوف المندوف، ثم تطيرها الرياح فتكون هباء منبثاً، كما دل عليه كلامه في سورة النمل، قيل: ووجه تأكيد الفعلين بالمصدر الدلالة على غرابتهما وخروجهما عن المعهود، والحكمة في مور السماء، وسير الجبال الإعلام والإنذار بأن لا رجوع ولا عود إلى الدنيا لخرابها وعمارة الآخرة، وقد تقدم تفسير مثل هذا في سورة الكهف.
الطور 52:11
(فويل يومئذ للمكذبين) ويل كلمة عذاب، يقال للهالك، واسم واد في جهنم، وإنما دخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة أي: إذا وقع ما ذكر من مور السماء وسير الجبال فويل لهم أي شدة عذاب، ثم وصف المكذبين بقوله:
الطور 52:12
(الذين هم في خوض يلعبون) أي: في تردد في الباطل واندفاع فيه يلهون، لا يذكرون حساباً، ولا يخافون عقاباً، والمعنى أنهم يخوضون في أمر محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء، وقيل يخوضون في أسباب الدنيا، ويعرضون عن الآخرة، والخوض من المعاني الغالبة، فإنه يصلح للخوص في كل شيء إلا أنه غلب في الخوض في الباطل، كالإحضار فإنه عام في كل شيء، ثم غلب استعماله في الإحضار للعذاب، قال تعالى: (لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ)، ونظيره في الأسماء الغالبة، دابة فإنها غلبت في ذوات الأربع، والقوم غلب في الرجال أفاده الكرخي، أخذاً عن حواشي الكشاف.
الطور 52:13
(يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) الدع الدفع بعنف وجفوة، يقال؛ دععته أدعه دعاً أي: دفعته: قال الراغب: أصله أن يقال للعاثر: دع دع، وهذا بعيد من هذه اللفظة، والمعنى: أنهم يدفعون إلى النار دفعاً عنيفاً شديداً، قال مقاتل: تغل أيديهم إلى أعناقهم، وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم ثم يدفعون إلى جهنم دفعاً على وجوههم، وقرىء يدعون مخففاً من الدعاء، أي يدعون إلى النار، قال ابن عباس: يدعون يدفعون أي يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار، فإذا دنوا منها قال لهم خزننها:
الطور 52:14
(هذه النار التي) تشاهدونها هي النار التي (كنتم بها تكذبون) في الدنيا.
ثم وبخهم سبحانه. أو أمر ملائكته بتوبيخهم فقال:
الطور 52:15
(أفسحر هذا)؟ الذي تشاهدون وترون، كما كنتم تقولون لرسل الله المرسلة، ولكتبه المنزلة هذا سحر، وقدم الخبر هنا على المبتدأ لأنه الذي وقع الاستفهام عنه، وتوجه التوبيخ إليه (أم أنتم لا تبصرون)؟ أي: أم أنتم عمي عن هذا كما كنتم عمياً عن الحق في الدنيا، وهذا بإزاء قولهم في الدنيا: (إنما سكرت أبصارنا) وظاهر كلام الكشاف أن أم منقطعة، حيث قال: أم أنتم عمي عن المخبر عنه كما كنتم عمياً عن الخبر، وهذا تقريع وتهكم، وفي التفسير الكبير: هل في أمرنا سحر؟ أم هل في بصركم خلل؟ أي لا واحد منهما ثابت فجعلها معادلة.
الطور 52:16
(اصلوها) أي إذا لم يمكنكم إنكارها، وتحققتم أن ذلك ليس بسحر، ولم يكن في أبصاركم خلل فالآن أدخلوها وقاسوا شدتها (فاصبروا) على العذاب (أو لا تصبروا) وافعلوا ما شئم فالأمران (سواء عليكم) في عدم النفع قاله أبو حيان وبه قال أبو البقاء وقيل: سواء عليكم الصبر وعدمه وإليه نحا الزمخشري والأول أحسن لأن جعل النكرة خبراً أولى من جعلها مبتدأ وجعل المعرفة خبراً.
(إنما تجزون ما كنتم تعملون) تعليل للاستواء فإن الجزاء بالعمل إذا كان واقعاً حتماً كان الصبر وعدمه سواء.
الطور 52:17
(إن المتقين في جنات ونعيم) لما فرغ سبحانه من ذكر حال المجرمين ذكر حال المتقين والجملة مستأنفة أو من جملة ما يقال للكفار زيادة في غمهم وحسرتهم والتنوين في جنات ونعيم للتفخيم
الطور 52:18
(فاكهين بما آتاهم ربهم) يقال: رجل فاكه أي ذو فاكهة كما قيل لابن وتامر والمعنى أنهم ذوو فاكهة من فواكه الجنة وقيل ذو نعمة وتلذذ بما صاروا فيه مما أعطاهم الله عز وجل مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد تقدم بيان معنى هذا قرأ الجمهور فاكهين بالألف والنصب على الحال، وقرىء بالواو على أنه خبر بعد خبر وقرىء فكهين، والفكهة طيب النفس كما تقدم في الدخان، ويقال للأشر والبطر ولا يناسب التفسير به هنا، والمفاكهة الممازجة وتفكه تعجب وقيل: تندم قال تعالى (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) أي: تندمون وتفكه بالشيء تمتع به قيل ما مصدرية وفيه بعد من حيث المعنى إذ التفكه ليس بإعطاء الرب بل بالمعطى، وقيل موصولة والباء على أصلها أو بمعنى في.
(ووقاهم ربهم عذاب الجحيم) معطوف على الصلة أو حال بتقدير قد أو معطوف على في جنات والأول أظهر
الطور 52:19
(كلوا واشربوا هنيئاً) أي يقال لهم ذلك والهني ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر قال الزجاج: أي ليهنئكم ما صرتم إليه هنا والمعنى كلوا طعاماً هنيئاً وقد تقدم تفسير هنيئاً في سورة النساء وقال ابن عباس (هنيئاً) أي لا تموتون فيها فعندها قالوا أفما نحن بميتين إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (بما) أي بسبب ما (كنتم تعلمون) في الدنيا للآخرة.
مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (20) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (22) يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (23) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (24) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (25) قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (26) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (27) إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ (28) فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (29) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30)
الطور 52:20
(مُتَّكِئِينَ) على نمارق (على سرر) بضم الراء الأولى جمع سرير وقرىء بفتحها (مصفوفة) قال ابن الأعرابي: المصفوفة المتصل بعضها ببعض حتى تصير صفاً أي موضوعة بعضها إلى بعض قيل: سرر من ذهب مكللة بالدر والزبرجد والياقوت والسرير كما بين مكة وايلة (وزوجناهم) قال يونس بن حبيب: تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت بامرأة وليس من كلام العرب زوجته بامرأة قال: وقول الله تعالى (وزوجناهم بحور عين) أي قرناهم وقال الفراء: زوجته بامرأة لغة أزد شنوءة.
وإنما قلنا قرناهم لأن الحور العين في الجنات مملوكات بملك اليمين لا بملك النكاح يقال: زوجت إبلي أي قرنت بعضها إلى بعض، وليس من التزويج الذي هو عقد النكاح، قرأ الجمهور بحور العين من غير إضافة وقرأ عكرمة بإضافة الحور إلى العين وهن عظام الأعين حسانها شداد بياض الأعين وقد تقدم تفسيرها في سورة الدخان.
ولما فرغ سبحانه من ذكر أهل الجنة على العموم ذكر حال طائفة منهم على الخصوص فقال
الطور 52:21
(والذين آمنوا) فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه منصوب بفعل مقدر أي وأكرمنا الذين آمنوا.
والثاني: أنه مجرور على ما قاله الزمخشري والذين آمنوا معطوف على حور عين أي قرناهم بحور عين، وبالذين آمنوا أي بالرفقاء والجلساء منهم فيتمتعون تارة بملاعبة الحور العين، وتارة بمؤانسة الإخوان قال أبو حيان: ولا يتخيل أحد أن قوله والذين آمنوا معطوف على حور عين غير هذا الرجل وهو تخييل أعجمي مخالف لفهم العربي ابن عباس وغيره.
قلت: أما ما ذكره الزمخشري من المعنى فلا شك في حسنه ونضارته وليس في الكلام العربي ما يدفعه، بل لو عرض على ابن عباس وغيره لأعجبهم، وأي مانع معنوي أو صناعي يمنعه.
والثالث: أنه مرفوع على أنه مبتدأ والخبر الجملة من قوله: ألحقنا بهم والأول أولى، وقيل: المراد بالذين آمنوا المهاجرون والأنصار، وظاهر الآية العموم ولا يوجب تخصيصها بهم كونهم السبب في نزولها، إن صح ذلك، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
(واتبعتهم ذريتهم بإيمان) أي حال كون الذرية متلبسة بإيمان استقلالي أو تبعي، أما الذرية الكافرة فلا تتبع آباءها، وهذا على أن الباء للملابسة لكن جمهور المفسرين على أنها للسببية، أو بمعنى في، وبهذا الاعتبار لا يظهر دخول الأولاد الكبار، فإن إيمانهم إستقلالي لا تبعي كالصغار، وقال أبو السعود: أي اتبعتهم ذريتهم بإيمان قاصر عن رتبة إيمان الآباء، واعتبار هذا القيد للإيذان بثبوت الحكم في الإيمان الكامل أصالة لا إلحاقاً، وقرأ أبو عمرو، اتبعناهم بإسناد الفعل إلى المتكلم المعظم نفسه، كقوله: ألحقنا وقرأ الباقون: اتبعتهم بإسناد الفعل إلى الذرية، وقرىء ذريتهم بالإفراد والجمع.
ومعنى الآية: أن الله سبحانه يرفع ذرية المؤمن إليه وإن كانوا دونه في العمل، لتقر عينه، وتطيب نفسه، بشرط أن يكونوا مؤمنين فيختص ذلك بمن يتصف بالإيمان من الذرية وهم البالغون دون الصغار فإنهم وإن كانوا لاحقين بآبائهم، فبدليل آخر غير هذه الآية، وقيل: إن الذرية تطلق على الكبار والصغار، كما هو المعنى اللغوي، فيلحق بالآباء المؤمنين صغار ذريتهم وكبارهم.
(ألحقنا بهم ذريتهم) الذرية هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء فإن المؤمن إذا كان عمله أكثر ألحق به من دونه في العمل، ابناً كان أو أباً، وهو منقول عن ابن عباس وغيره، ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب، وهو المحبة، فإن كان معها أخذ علم أو عمل، كانت أجدر، فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة، قاله الخطيب، ولعل الأول أولى، وقيل: إن الضمير في بهم راجع إلى الذرية المذكورة أولاً، أي ألحقنا بالذرية المتبعة لآبائهم بإيمان ذريتهم، وإلحاق الذرية بهم بمحض الفضل والكرم، وهذا هو الأليق بكمال لطفه، قال ابن عباس أيضاًً في الآية: إن الله ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر به عينه، ثم قرأ هذه الآية، وأخرجه البزار وابن مردويه عنه مرفوعاً.
" وعنه أيضاًً أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا دخل الرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم فيؤمر بإلحاقهم به " أخرجه الطبراني وابن مردويه.
" وعن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، وإن المشركين وأولادهم في النار، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (والذين آمنوا) الآية " أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند.
" وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب من أين لي هذا؟ فيقول: باستغفار ولدك لك " [[رواه أحمد.]]، أخرجه أحمد وإسناده صحيح.
(وما ألتناهم من عملهم من شيء) قرىء بفتح اللام من ألتنا وبكسرها، وهما سبعيتان، أي وما نقصنا الآباء بإلحاق ذريتهم بهم من ثواب أعمالهم شيئاًً، وقيل: المعنى وما نقصنا الذرية من أعمالهم شيئاًً لقصر أعمارهم، والأول أولى، وقد قدمنا تحقيق معنى لاته وآلته في سورة الحجرات، وقرىء وآلتناهم بالد، وهو لغة قال في الصحاح: يقال ما آلته من عمله شيئاًً أي ما نقصه، قال ابن عباس: ما ألتناهم ما نقصناهم، ومن زائدة.
(كل امرىء بما كسب رهين) يعني مرهون، والظاهر أنه عام، وأن كل إنسان مرتهن بعمله، فإن قام به على الوجه الذي أمر الله به فكَّه، وإلا أهلكه، وقيل: هو بمعنى راهن، والمعنى كل امرىء بما كسب ثابت دائم وقيل: هذا خاص بالكفار لقوله: (كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين) ثم ذكر سبحانه ما أمدهم به من الخير فقال:
الطور 52:22
(وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون) أي وزدناهم على ما كان لهم من مبادىء التنعم، وقتاً فوقتاً، بفاكهة متنوعة، ولحم من أنواع اللحمان، مما تشتهيه أنفسهم، ويستطيبونه من فنون النعماء وأنواع الآلاء، وإن لم يقترحوا ولم يصرحوا بطلبه، بل بمجرد ما يخطر على قلوبهم يقدم إليهم.
"
الطور 52:23
(يتنازعون فيها) " أي يتعاطون ويتنازلون ويتعاورون هم وجلساؤهم من أقربائهم " (كأساً) " أي يتجاذب بعضهم الكأس من بعض، هذا من يد هذا، وهذا من يد هذا، تلذذاً وتأنساً، والكأس إناء الخمر، ويطلق على كل إناء مملوء من خمر أو غيره فإذا فرغ لم يسم (كأساً) (لا لغو فيها ولا تأثيم) قال الزجاج: لا يجري بينهم ما يلغي به، ولا ما فيه إثم، كما يجري بين من يشرب الخمر في الدنيا، واللغو من الكلام هو الذي لا نفع فيه ولا مضرة، والتأثيم تفعيل من الإثم، والضمير في (فيها) راجع إلى الكأس وقيل: إلى الجنة، ولا يجري فيها ما فيه إثم، والأولى أولى، قال ابن قتيبة: لا تذهب بعقولهم فيلغوا، كما يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما يؤثمهم، وقال الضحاك: لا تأثيم أي لا كذب، قال قتادة: اللغو الباطل، وقال مقاتل بن حيان: لا فضول فيها، وقال سعيد بن المسيب: لا رفث فيها، وقال ابن زيد لا سباب ولا تخاصم فيها، قال ابن عباس: لا باطل ولا كذب فيها.
الطور 52:24
(ويطوف عليهم غلمان لهم) أي يطوف عليهم بالكأس والفواكه والطعام والنحف وغير ذلك، مماليك لهم، وقيل: أولادهم، قال الكرخي: لم يضيفهم لئلا يظن أنهم الذين كانوا يخدمونهم في الدنيا فيشفق كل من خدم أحداً في الدنيا أن يكون خادماً له في الجنة، فيحزن بكونه لا يزال تابعاً، وقيل: إنهم من أخدمهم الله تعالى إياهم من أولاد غيرهم، وقيل: هم غلمان خلقوا في الجنة قال الكلبي: لا يكبرون أبداً، وقيل هم أولاد المشركين، وهم خدم أهل الجنة، وليس في الجنة نصب ولا حاجة إلى خدمة، ولكنه أخبر بأنهم على نهاية التنعم.
(كأنهم) في الحسن واللطافة والبهاء من بياضهم وصفائهم (لؤلؤ مكنون) أي مستور مصون في الصدف، لم تمسه الأيدي، لأنه ما دام رطباً أحسن وأصفى، أو محزون لأنه لا يحزن إلا الثمين الغالي القيمة، قال الكسائي: كننت الشيء سترته وصنته من الشمس، وأكننته جعلته في الكن، ومنه كننت الجارية وأكننتها فهي مكنونة.
الطور 52:25
(وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضاً في الجنة عن حاله، وما كان فيه من تعب الدنيا، وخوف العاقبة، فيحمدون الله الذي أذهب عنهم الحزن والخوف والهم، وما كانوا فيه من الكد والنكد، بطلب المعاش وتحصيل ما لا بد منه من الرزق، وما وصلوا إليه تلذذاً واعترافاً بالنعمة وقيل: يقول بعضهم لبعض: بم صرتم في هذه المنزلة الرفيعة؟ وقيل: إن التساؤل بينهم عند البعث من القبور، والأول أولى، لدلالة السياق على أنهم قد صاروا في الجنة.
أخرج البزار، عن " أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إذا دخل أهل الجنة الجنة اشتاقوا إلى الإخوان، فيجيء سرير هذا حتى يحاذي سرير هذا فيتحدثان فيتكىء ذا ويتكىء ذا فيتحدثان بما كانوا في الدنيا، فيقول أحدهما: يا فلان تدري أي يوم غفر الله لنا، يوم كنا في موضع كذا وكذا، فدعونا الله فغفر لنا " [[مسلم.]].
الطور 52:26
(قالوا) مستأنفة جواب سؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا قال بعضهم لبعض عند التساؤل؟ فقيل: قالوا إيماء إلى علة الوصول لما هم فيه من النعيم ومحط العلة قوله الآتي: (فمنّ الله علينا) (إنا كنا قبل) أي: من قبل الآخرة، وذلك في الدنيا (في أهلنا مشفقين) أي خائفين وجلين من عذاب الله، أو كنا خائفين من عصيان الله أو من نزع الإيمان وفوت الأمان، أو من رد الحسنات والأخذ بالسيئات، والمقصود إثبات خوفهم في سائر الأوقات، والأحوال بطريق الأولى، فإن كونهم بين أهليهم مظنة الأمن، فإذا خافوا في تلك الحال، فلأن يخافوا دونها أولى، ولعل الأولى أن يجعل إشارة إلى معنى الشفقة على خلق الله، كما أن قوله الآتي (إنا كنا من قبل ندعوه)، إشارة إلى التعظيم لأمر الله.
الطور 52:27
(فمن الله علينا) بالمغفرة والرحمة وبالتوفيق لطاعته (ووقانا عذاب السموم) يعني عذاب جهنم والسموم من أسماء جهنم كذا قال الحسن ومقاتل وقال الكلبي وأبو عبيدة: هو عذاب النار، وقال الزجاج: سموم جهنم ما يوجد من حرها، قال أبو عبيدة: السموم بالنهار، وقد يكون بالليل، والحرور بالليل، وقد يكون بالنهار، وقد يستعمل السموم في لفح البرد، وهو في لفح الشمس والحر أكثر، وقيل: سميت الريح سموماً لأنها تدخل المسام وهي في الأصل الريح الحارة التي تتخلل المسام، والجمع سمائم، وقيل: سم يومنا أي: اشتد حره، قالت عائشة: لو فتح الله على أهل الأرض من عذاب السموم قدر الأنملة لأحرقت الأرض ومن عليها، وقالوا إيماء أيضاًً إلى علة الوصول:
الطور 52:28
(إنا كنا من قبل ندعوه) أي نوحد الله ونعبده أو نسأله أن يمن علينا بالمغفرة والرحمة، ومحط العلة قوله: (إنه هو البر الرحيم) قرىء إنه بكسر الهمزة على الاستئناف، وبفتحها أي: لأنه، والبر كثير الإحسان، وقيل: اللطيف، قاله ابن عباس، والرحيم كثير الرحمة لعباده.
الطور 52:29
(فذكر) أي اثبت ودم على ما أنت عليه من الوعظ والتذكير (فما أنت بنعمة ربك) التي أنعم بها عليك من رجاحة العقل، وعلو الهمة، والنبوة وكرم الفعال، وطهارة الأخلاق، أو ما أنت في حال اذكارك بنعمة ربك (بكاهن ولا مجنون) وقيل: المعنى انتفى عنك الكهانة والجنون بسبب نعمة الله عليك، كما تقول: ما أنا بمعسر بحمد الله وغناه، وقيل: الباء للقسم والتقدير ما أنت ونعمة الله بكاهن ولا مجنون، والكاهن هو الذي يوهم أنه يعلم الغيب من دون وحي، أي: ليس ما تقوله كهانة، فإنك إنما تنطق بالوحي الذي أمرك الله بإبلاغه، والمقصود في الآية رد ما كان يقوله المشركون أنه كاهن أو مجنون.
الطور 52:30
(أم يقولون شاعر)؟ أم هي المنقطعة وقد تقدم الخلاف، هل هي مقدرة ببل والهمزة أو ببل وحدها، قال الخليل: هي هنا للاستفهام، وقال سيبويه: خوطب العباد بما جرى في كلامهم، قال النحاس: يريد سيبويه أن أم في كلام العرب للخروج من حديث إلى حديث، أي لا ينبغي منهم هذا القول ولا يليق، قال الكواشي: وإنما قدرت ببل لأن ما بعدها متيقن، وما بعد أم مشكوك فيه، مسؤول عنه، وذكرت أم هنا خمس عشرة مرة، وكلها إلزامات ليس للمخاطبين بها عنها جواب، لكن قال الثعلبي نقلاً عن الخليل: إن كل ما في سورة الطور من أم فهو استفهام، وليس بعطف، وإنما استفهم تعالى مع علمه بهم تقبيحاً عليهم، وتوبيخاً لهم، كقول الشخص لغيره: أجاهل أنت؟ مع علمه بجهله.
(نتربص به) بإسناد الفعل إلى جماعة المتكلمين، وقرىء على البناء للمفعول نعت لشاعر، وقد كانت العرب تتحرز عن أذية الشاعر، فقالوا: لا نعارضه في الحال مخافة أن يغلبنا بقوة شعره، وإنما نتربص موته وهلاكه كما هلك من قبله من الشعراء (ريب المنون) أي صروف الدهر وحوادثه، والمعنى ننتظر به حوادث الأيام، فيموت كما مات غيره، أو يهلك كما هلك من قبله، والمنون يكون بمعنى الدهر، ويكون بمعنى المنية لأنها تنقص العدد، وتقطع المدد، وسمي الدهر منوناً لأنه يقطع الأجل، وإطلاق الريب على الحوادث استعارة تصريحية شبهت بالريب، أي الشك، لأنها لا تدوم ولا تبق على حال، كما أنه كذلك، قال الأخفش: المعنى نتربص إلى ريب المنون، فحذف حرف الجر، كما تقول: قصدت زيداً أي إلى زيد، قال الأصمعي: المنون واحد لا جمع له، قال الفراء: يكون واحداً وجمعاً، وقال الأخفش: جمع لا واحد له.
قال ابن عباس: إن قريشاً لما اجتمعوا إلى دار الندوة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم قال قائل: منهم: احبسوه في وثاق، وتربصوا به المنون حتى يهلك، كما هلك من قبله من الشعراء، زهير والنابغة، إنما هو كأحدهم، فأنزل الله في ذلك هذه الآية. وقال ابن عباس: ريب المنون الموت، ثم أمره الله سبحانه أن يجيب عنهم فقال: قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41)
الطور 52:31
(قُلْ تَرَبَّصُوا) أي انتظروا موتي أو هلاكي، أمر تهديد لا إيجاب، أو ندب أو إباحة لأن تربصهم هلاكه حرام لا محالة (فإني معكم من المتربصين) لموتكم أو هلاككم.
الطور 52:32
(أم تأمرهم أحلامهم بهذا)؟ أي بل أتأمرهم عقولهم بهذا الكلام المتناقض؟ فإن الكاهن هو المفرط في الفطنة والذكاء، ودقة النظر. والمجنون هو ذاهب العقل، مغطى على فهمه، فضلاً عن أن تكون له فطنة وذكاء، والشاعر يكون ذا كلام موزون متسق مخيل، ولا يتأتى ذلك من المجنون قال الواحدي: قال المفسرون: كانت عظماء قريش توصف بالأحلام والعقول فأزرى الله بحلومهم حين لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل، وفي القاموس: الحلم بالكسر الأناة والعقل، والجمع أحلام وحلوم، فأمر الأحلام به مجاز عن أدائها إليه.
(أم هم قوم طاغون)؟ أي بل طغوا وجاوزوا الحد في العناد فقالوا ما قالوا، وهذه الإضرابات من شيء إلى شيء مع الاستفهام، كما هو مدلول أم المنقطعة، تدل على أن ما تعقبها أشنع مما تقدمها، وأكثر جرأة وعناداً.
الطور 52:33
(أم يقولون تقوله)؟ أي اختلق القرآن من جهة نفسه وافتعله والتقول لا يستعمل إلا في الكذب في الغالب، وإن كان أصله تكلف القول، ومنه اقتال عليه. ويقال: اقتال عليه بمعنى تحكم عليه، ثم أضرب سبحانه عن قوله تقوله وانتقل إلى ما هو أشد شناعة عليهم فقال: (بل لا يؤمنون) أي سبب صدور هذه الأقوال المتناقضة عنهم كونهم كفاراً لا يؤمنون ولا يصدقون ما جاء به رسوله استكباراً، ثم تحداهم سبحانه وألزمهم الحجة فقال:
الطور 52:34
(فليأتوا بحديث) مختلق مفتعل (مثله) أي مثل القرآن في نظمه، وحسن بيانه، وبديع أسلوبه، قال الرازي: والظاهر أن الأمر ههنا على حقيقته، لأنه لم يقل فليأتوا مطلقاً بل قال (إن كانوا صادقين) فيما زعموا من قولهم: إن محمداً صلى الله عليه وسلم تقوَّله من عند نفسه، وجاء به من جهته، فهو أمر معلق على شرط، إذا وجد ذلك الشرط يجب الإتيان به، مع أنه كلام عربي وهم رؤوس العرب وفصحاؤهم، والممارسون بجميع الأوضاع العربية من نظم ونثر.
الطور 52:35
(أم خلقوا من غير شيء)؟ أم هي المنقطعة كما تقدم فيما قبلها، وكما سيأتي فيما بعدها، أي بل أخلقوا على هذه الكيفية البديعة: والصنعة العجيبة من غير خالق لهم؟ قال الزجاج: أي اخلقوا باطلاً لغير شيء؟ لا يحاسبون ولا يؤمرون ولا ينهون؟ وجعل من بمعنى اللام. قال ابن كيسان: أم خلقوا عبثاً وتركوا سدى؟ لا يؤمرون ولا ينهون؟ وقيل: المعنى أم خلقوا من غير أب ولا أم؟ فهم كالجماد لا يفهمون ولا تقوم عليهم حجة؟ (أم) أي بل أيقولون: (هم الخالقون) لأنفسهم فلا يؤمرون ولا ينهون، مع أنهم يقرون أن الله خالقهم، وإذا أقروا لزمتهم الحجة، قال الجلال المحلي: ولا يعقل مخلوق بغير خالق ولا معدوم يخلق فلا بد لهم من خالق هو الله الواحد، فلم لا يوحدونه ويؤمنون برسوله وكتابه.
الطور 52:36
(أم خلقوا السموات والأرض)؟ وهم لا يدعون ذلك فلزمتهم الحجة ولهذا أضرب عن هذا وقال: (بل لا يوقنون) أي ليسوا على يقين من الأمر، بل يخبطون في ظلمات الشك في وعد الله ووعيده، وإلا لآمنوا بنبيه وهذا فيه مزيد تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنهم كما طعنوا فيك طعنوا في خالقهم
الطور 52:37
(أم عندهم خزائن ربك)؟ أي خزائن أرزاق العباد وقيل: مفاتيح الرحمة قال مقاتل: يقول بأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة، فيضعونها حيث شاؤوا، وكذا قال عكرمة، وقال الكلبي: خزائن المطر والرزق، وقيل: مقدوراته وضرب المثل بالخزائن لأن الخزانة بيت يهيأ لجمع أنواع مختلفة من الذخائر ومقدورات الرب كالخزائن التي فيها من كل الأجناس، فلا نهاية لها.
(أم هم المسيطرون)؟ أي المسلطون الغالبون القاهرون الجبارون وقيل: الأرباب القاهرون فلا يكونون تحت أمر ولا نهي ويفعلون ما يشاؤون وقرىء بالسين من سيطر عليه إذا راقبه وحفظه وقهره، ولم يأت على مفيعل إلا خمسة ألفاظ، أربعة صفة اسم فاعل مهيمن ومبيقر ومسيطر ومبيطر، وواحد اسم جبل، وهو المحيمر، قال في الصحاح: المصيطر المسلط على الشيء ليشرف عليه. وبتعهد أحواله ويكتب عمله. وأصله من السطر لأن الكتاب يسطر. أي أهم الحفظة؟ قال أبو عبيدة: سطرت على أي اتخذتني خولاً لك قرىء المصيطرون بالصاد الخالصة، وبصاد مشمَّة زاياً.
الطور 52:38
(أم لهم سلم يستمعون فيه)؟ أي بل أيقولون: أن لهم سلماً ومرقى منصوباً إلى السماء يصعدون به، ويستمعون فيه كلام الملائكة، وما يوحى إليهم، ويصلون به إلى علم الغيب كما يصل إليه محمد صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي؟ حتى تمكنهم منازعة النبي صلى الله عليه وسلم بزعمهم، وهذا الزعم منهم على سبيل الفرض والتقدير، ولم يقع منهم بالفعل لأنهم لما كانوا على حالة المعاندة والمعارضة كأنهم ادعوا ذلك؛ وقيل في بمعنى على أي يستمعون عليه كقوله (ولأصلبنكم في جذوع النخل) قاله الأخفش، وقال أبو عبيدة: يستمعون به وقال الزجاج: المعنى أنهم كجبريل الذي يأتي النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وقيل: أي صاعدين فيه.
(فليأت مستمعهم) إن ادعى ذلك (بسلطان مبين) أي بحجة ظاهرة واضحة بينة
الطور 52:39
(أم له البنات)؟ أي بل أتقولون: لله البنات؟ (ولكم البنون)؟ سفه سبحانه أحلامهم، وضلل عقولهم، ووبخهم، أي أيضيفون إلى الله البنات؟ وهي أضعف الصنفين، ويجعلون لأنفسهم البنين وهم أعلاهما وفيه إشعار بأن من كان هذا رأيه فهو بمحل سافل في الفهم والعقل، فلا يستبعد منه إنكار البعث، وجحد التوحيد، ثم رجع سبحانه إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
الطور 52:40
(أم تسألهم أجراً)؟ أي بل أتسألهم أجراً يدفعونه إليك على تبليغ الرسالة؟ (فهم من مغرم) أي من التزام غرامة تطلبها منهم (مثقلون) أي مجهودون بحملهم ذلك المغرم الثقيل ومتعبون ومغتمون، من أثقله الحمل أتعبه لكن هذا الثقل معنوي لأن العادة أن من غرم إنساناً ما لا يصير الغارم مغتماً منه وكارهاً له فلا يسمع قوله، ولا يمتثله، قال قتادة: يقول هل سألت هؤلاء القوم أجراً فجهدهم فلا يستطيعون الإسلام.
الطور 52:41
(أم عندهم الغيب)؟ أي بل أيدعون أن عندهم الغيب وهو ما في اللوح المحفوظ، المثبت فيه المغيبات، فالغيب بمعنى الغائب، والألف واللام في الغيب بمعنى النوع لا للعهد: ولا لتعريف الجنس، فالمراد نوع الغيب، وهذا الزعم فرضي إذ لم يقع منهم بالفعل، لكنهم على حالة من المكابرة والمعارضة بحيث ينسب إليهم هذا الزعم، قال قتادة: هذا جواب لقولهم: (نتربص به ريب المنون) يقول الله: (أم عندهم الغيب) حتى علموا أن محمداً صلى الله عليه وسلم يموت قبلهم (فهم يكتبون) ذلك بعد ما وقفوا عليه، وقيل: هو رد لقولهم، إنا لا نبعث، ولو بعثنا لم نعذب، قال ابن قتيبة: معنى يكتبون يحكمون بما يقولون.
أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (44) فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (45) يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (46) وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (47) وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (49)
الطور 52:42
(أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا) أي مكراً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فيهلكونه بذلك المكر (فالذين كفروا) هذا من وقوع الظاهر موضع المضمر تنبيهاً على اتصافهم بهذه الصفة القبيحة والأصل: أم يريدون كيداً فهم (هم المكيدون) أي الممكور بهم، المجزيون بكيدهم، فضرر كيدهم يعود عليهم، (ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله)، أو حكم على جنس هم نوع منه فيندرجون فيه اندراجاً أولياً لتوغلهم في هذه الصفة، وكان هذا المكر والتحيل والكيد في دار الندوة، وهي دار من دور أهل مكة، والظاهر أنه من الإخبار بالغيب، فإن السورة مكية، وذلك الكيد كان وقوعه ليلة الهجرة ثم أهلكهم الله تعالى ببدر عند انتهاء سنين عدتها عدة ما هنا من كلمة أم، وهي خمس عشرة، فإن بدراً كانت في الثانية من الهجرة وهي الخامسة عشر من النبوة، وأذلهم في غير موطن، ومكر سبحانه بهم (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين).
الطور 52:43
(أم لهم غير الله) أي بل أيدعون أن لهم إلهاً غير الله يحفظهم ويرزقهم وينصرهم، وهذا استفهام إنكاري، على معنى نفي الحصول من أصله أي ليس لهم في الواقع إله غير الله، وعلى معنى نفي الانبغاء واللياقة بالنظر لاعتقادهم أن هناك آلهة غيره، ثم نزه سبحانه نفسه عن هذه المقالة الشنعاء فقال: (سبحان الله عما يشركون) ما يحتمل وجهين: أحدهما: أن تكون مصدرية معناه سبحانه عن إشراكهم، ثانيهما خبرية معناه عن الذين يشركون وعلى هذا فيحتمل أن يكون التنزيه عن الولد لأنهم كانوا يقولون: البنات لله فقال سبحان الله عن البنات والبنين، وأن يكون عن مثل الآلهة لأنهم كانوا يقولون: هو مثل ما يعبدونه، فقال: سبحان الله عن مثل ما يعبدونه، ثم ذكر سبحانه بعض جهالاتهم فقال:
الطور 52:44
(وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ) الكسف جمع كسفة، وهي القطعة من الشيء، والمركوم المجعول بعضه على بعض، قال الفراء: من قرأ كسفاً بكسر الكاف وسكون السين جعله واحداً، ومن قرأ كسفاً بكسر الكاف وفتح السين جعله جمعاً، وهذا الكلام على سبيل الفرض والتقدير، فمن المعلوم أن قريشاً لم ينزل عليهم قطع من السماء تعذيباً لهم، كما قال تعالى: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم)، كأنه يقول: لو عذبناهم بسقوط قطع من السماء عليهم لم ينتهوا ولم يرجعوا ويقولون في هذا النازل عناداً واستهزاء وإغاظة لمحمد: إنه سحاب مركوم، ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يتركهم فقال:
الطور 52:45
(فذرهم) أي: اتركهم وخل عنهم، جواب شرط مقدر، أي: إذا بلغوا في الكفر والعناد إلى هذا الحد، وتبين أنهم لا يرجعون عن الكفر فدعهم (حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون) أي يوم موتهم، أو يوم قتلهم ببدر، وهو الظاهر قاله البقاعي، أو يوم القيامة قرىء يلاقوا ويلقوا ويصعقون على البناء للمفعول وللفاعل عند السبعة فالأولى يحتمل أن تكون من صعق فهو مصعوق وأن تكون من أصعق رباعياً. يقال: أصعق فهو مصعق، والمعنى أن غيرهم أصعقهم، وقراءة السلمي بضم الياء وكسر العين، تؤذن بأن أفعل بمعنى فعل، والصعقة الهلاك على ما تقدم بيانه.
الطور 52:46
(يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئاًً) أي لا ينفعهم في ذلك اليوم كيدهم الذي كادوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا (ولا هم ينصرون) أي: ولا يمنع عنهم العذاب النازل بهم مانع، بل هو واقع بهم لا محالة.
الطور 52:47
(وإن للذين ظلموا) أي لهؤلاء الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعاصي (عذاباً) في الدنيا (دون ذلك) أي غير عذاب يوم القيامة، أي قبله، وهو قتلهم يوم بدر وقال ابن زيد: هو مصائب الدنيا من الأوجاع والأسقام والبلايا، وذهاب الأموال والأولاد، وقال مجاهد: هو الجوع والجهد سبع سنين، وقيل عذاب القبر قبل يوم القيامة، قاله ابن عباس، وقيل: المراد بالعذاب هو القحط والجوع قبل يوم بدر، لأنه كان في ثانية الهجرة، والقحط وقع لهم قبلها، وبالذي يأتي بعده هو قتلهم يوم بدر (ولكن أكثرهم لا يعلمون) ما يصيرون إليه من عذاب الله وما أعده لهم في الدنيا والآخرة.
الطور 52:48
(واصبر لحكم ربك) إلى أن يقع لهم العذاب الذي وعدناهم به (فإنك بأعيننا) أي بمرأى ومنظر منا، أو في حفظنا وحمايتنا، فلا تبال بهم، قال الزجاج: إنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إليك، وإنما جمع لفظ الأعين مع أن مدلوله واحد، وهو المصدر لمناسبة نون العظمة (وسبح بحمد ربك) أي نزه ربك عما لا يليق به متلبساً بحمد ربك على إنعامه عليك أي قل سبحان الله وبحمده (حين تقوم) من مجلسك قال عطاء وسعيد وسفيان الثوري وأبو الأحوص: يسبح الله حين يقوم من مجلسه فيقول: سبحان الله وبحمده أو سبحانك اللهم وبحمدك عند قيامه من كل مجلس يجلسه.
وقال محمد بن كعب والضحاك والربيع بن أنس: حين تقوم إلى الصلاة، قال الضحاك يقول: الله أكبر كبيراً والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وفيه نظر لأن التكبير يكون بعد القيام، لا حال القيام، ويكون التسبيح بعد التكبير، وهذا غير معنى الآية، فالأول أولى، وقيل: المعنى صل لله حين تقوم من مقامك. وبه قال أبو الجوزاء، وحسان بن عطية، وقال الكلبي وابن عباس: واذكر الله باللسان حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل الصلاة، وهي صلاة الفجر.
وعن " أبي برزة الأسلمي قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بآخرةٍ إذا قام من المجلس يقول: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، فقال رجل: يا رسول الله إنك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى، قال: كفارة لما يكون في المجلس " [[صحيح الجامع الصغير.]] أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وابن مردويه وابن أبي شيبة وأخرجه النسائي والحاكم عن رافع بن خديج عن النبي صلى الله عليه وسلم.
" وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم من مجلسه: سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك "، أخرجه ابن جرير والترمذي، وقال حسن صحيح، وفي الباب أحاديث مسندة ومرسلة وقيل حين تقوم من منامك.
" عن عاصم بن حميد قال: سألت عائشة بأي شيء كان يفتتح رسول
الله صلى الله عليه وسلم إذا استيقظ من نومه؟ فقالت: سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك كان إذا قام كبر عشراً، وحمد الله عشراً، وسبح عشراً، وهلل عشراً، واستغفر عشراً، وقال: اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وارزقني وعافني. وكان يتعوذ من ضيق المقام يوم القيامة " أخرجه أبو داود والنسائي.
الطور 52:49
(ومن الليل فسبحه) أمره الله سبحانه أن يسبحه في بعض الليل حقيقة أيضاًً، قال مقاتل: أي صلِّ المغرب والعشاء، وقيل: ركعتي الفجر، و " عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية قال: الركعتان قبل صلاة الصبح " أخرجه ابن مردويه.
(وإدبار النجوم) أي وقت إدبارها من آخر الليل وقبل صلاة الفجر واختاره ابن جرير وقيل هو التسبيح في أدبار الصلوات وقال ابن عباس: ركعتا الفجر، وقيل: سنة الصبح، قرىء إدبار بكسر الهمزة على أنه مصدر وبفتحها على الجمع، أي عقاب النجوم، وأدبارها إذا غربت، ودُبر الأمر آخره وقد تقدم الكلام على هذا في سورة ق.
النجم 53:1
سورة النجم
(إحدى أو اثنتان وستون آية)
وهي مكية جميعها في قول الجمهور، وعن ابن عباس وعكرمة إلا آية منها وهي قوله: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ) الآية وقيل: أن السورة كلها مدنية، والصحيح هو الأول.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما " عن ابن مسعود قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة والنجم فسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسجد الناس كلهم إلا رجلاً رأيته أخذ كفاً من تراب فسجد عليه فرأيته بعد ذلك قتل كافراً، وهو أمية بن خلف " [[رواه مسلم.]] وعنه قال: أول سورة استعلن بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرؤها والنجم.
" وعن ابن عمر قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأ والنجم، فسجد بنا وأطال السجود ".
وعن زيد بن ثابت قال: قرأت والنجم عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يسجد فيها " أخرجه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي والطبراني والطيالسي وابن أبي شيبة وابن مردويه.
" وعن ابن عباس قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد في النجم بمكة، فلما هاجر إلى المدينة تركها " وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (11) أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (12) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (13) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (14) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (15) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (16) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18) أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (19) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (20) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (22)
(وَالنَّجْمِ) هو الكوكب، وسمي به لطلوعه، وكل طالع نجم، يقال: نجم السن والنبت والقرن إذا طلع، والتعريف للجنس، والمراد به جنس النجوم، يعني نجوم السماء كلها حين تغرب أقسم الله بالنجوم إذا غابت وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد، ومعناه جمع، وبه قال جماعة من المفسرين، وقيل: المراد به الثريا، وهو اسم غلب عليها، تقول العرب: النجم وتريد به الثريا، وبه قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما، وإن كانت في العدد نحو ما يقال: إنها سبعة أنجم، ستة ظاهرة، وواحدة خفية، يمتحن الناس بها أبصارهم، وفي الشفاء للقاضي عياض أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في الثريا أحد عشر نجماً، وقيل: المراد بالنجم الشعرى، لذكرها في قوله تعالى: (وأنه هو رب الشعرى).
وقال السدي: النجم هنا هو الزهرة لأن قوماً من العرب كانوا يعبدونها وقيل: النجم هنا النبت الذي لا ساق له، كما في قوله: (والنجم والشجر يسجدان) قاله الأخفش، وقيل: النجم محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: النجم القرآن، وسمي نجماً لأنه نزل منجماً مفرقاً، والعرب تسمي التفريق تنجيماً والمفرق المنجم وبه قال مجاهد والفراء وغيرهما، والأول أولى، قال الحسن: المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة، وقيل: المراد بها النجوم التي ترجم بها الشياطين.
(إذا هوى) أي إذا انصب، أخرجه ابن جرير عن ابن عباس أو انتثر ومعنى هويه سقوطه من علو، يقال: هوى النجم يهوي هوياً إذا سقط من علو إلى سفل، وقيل: غروبه، وقيل طلوعه والأول أولى، وبه قال الأصمعي وغيره، ويقال هوى في السير إذا مضى قال الراغب: الهوي ذهاب في انحدار وفي ارتفاع، وقيل هوى في اللغة خرق الهواء، ومقصده السفل، أو مصيره إليه، وإن لم يقصده ومعنى هوى، على قول من فسر النجم بالقرآن أنه نزل من أعلى إلى أسفل، وأما على قول من قال إنه الشجر الذي لا ساق له أو أنه محمد صلى الله عليه وسلم فلا يظهر لهوى معنى صحيح، وفي العامل في هذا الظرف أوجه، وعلى كل منها إشكال ذكرها السمين لا نطول الكلام بذكرها هنا.
وجواب القسم قوله
النجم 53:2
(ما ضل صاحبكم وما غوى) أي ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق، والهدى، ولا عدل منه، والغي ضد الرشد، أي ما صار غاوياً، ولا تكلم بالباطل، وقيل ما خاب فيما طلب، والغي الخيبة، وبين الضلال، والغي التباين الكلي، فإن الضلال فعل المعاصي، والغي هو الجهل المركب وبتقدير اتحادهما يكون ذلك من باب التأكيد باللفظ المخالف مع اتحاد المعنى، والأول أولى قيل وهو من عطف الخاص على العام للإهتمام بشأن الإعتقاد وإيضاحه أن الجهل قد يكون من كون الإنسان غير معتقد لا صالحاً ولا فاسداً وقد يكون من اعتقاد شيء فاسد، وهذا الثاني يقال له غي وفي قوله صاحبكم إشارة بأنهم المطلعون على حقيقة حاله، وعبر بالصحبة لأنها مع كونها أدل على القصد مرغبة لهم فيه، ومقبلة بهم ومقبحة عليهم اتهامه في إنذاره، وهم يعرفون طهارة شمائله، والخطاب لقريش قال ابن عباس: أقسم الله أن ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم ولا غوى.
النجم 53:3
(وما ينطق عن الهوى) أي ما يصدر نطقه عن الهوى لا بالقرآن ولا بغيره فـ (عن) على بابها، ومثل النطق الفعل، وقال أبو عبيدة: إن عن بمعنى الباء أي بالهوى، وقال قتادة: أي ما ينطق بالقرآن عن هواه
النجم 53:4
(إن هو إلا وحي يوحى) أي ما هذا الذي ينطق به من القرآن وكل أحواله وأقواله وأفعاله إلا وحي من الله يوحيه إليه، ويوحى صفة لوحي تفيد الإستمرار التجددي وتفيد نفي المجاز، أي هو وحي حقيقة لا لمجرد التسمية، كما تقول: هذا قول يقال، وقيل: تقديره يوحى إليه ففيه، مزيد فائدة، والآية دليل على كون السنة المطهرة وحياً يوحى.
النجم 53:5
(علمه شديد القوى) جمع قوة، والمعنى أنه علمه جبريل الذي هو شديد قواه. هكذا قال أكثر المفسرين، وقال الحسن: هو الله عز وجل، والأول أولى، وهو من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، ومن شدة قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط ورفعها إلى السماء، ثم قلبها وصاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وكان هبوطه على الأنبياء وصعوده أسرع من رجعة الطرف، وهذه القوة ثابتة له، ولو كان على صورة الآدميين.
النجم 53:6
(ذو مرة) أي قوة وشدة في الخلق، وقيل ذو صحة جسم، وسلامة من الآفات.
" ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي " [[رواه مسلم.]] وقيل ذو حصافة عقل ومتانة رأي قال قطرب: العرب تقول لكل من هو جزل الرأي، حصيف العقل: ذو مرة، والتفسير للمرة بهذا أولى، لأن القوة والشدة قد أفادها قوله: شديد القوى، قال الجوهري: المرة إحدى الطبائع الأربع، والمرة القوة وشدة العقل، وقال ابن عباس: ذو خلق حسن، وقيل منظر حسن، وقيل: قوة في العقل وحدة، بحيث لا يدفعه عما يزاوله دافع، ولا يسأم من شيء يزاوله، فحصل الفرق بين القوة والمرة، ومن جملة شدته وقوته قدرته على التشكل فلذلك قال:
(فاستوى) أي ارتفع جبريل وعلا إلى مكانه في السماء، بعد أن علم محمداً صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقيل: معناه قام في صورته التي خلقه الله عليها، لأنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين، كما يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها، فأراه نفسه مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء، ولم يره أحد من الأنبياء على صورته التي خلق عليها إلا نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: المعنى فاستوى القرآن في صدره صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه، أو صدر جبريل حين نزل به، وقيل: المعنى اعتدل محمد في قوته أو في رسالته، ذكره الماوردي، وقيل: المعنى ارتفع النبي صلى الله عليه وسلم بالمعراج، وقال الحسن: فاستوى يعني الله عز وجل على العرش، والأول أولى، وقيل: المعنى فاستوى جبريل عالياً على صورته، ولم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك رآه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا.
النجم 53:7
(وهو بالأفق الأعلى) أي فاستوى جبريل حال كونه بالأفق الأعلى، والمراد بالأفق الأعلى جانب المشرق، وهو فوق جانب المغرب، والأفق ناحية السماء، وجمعه آفاق. قال قتادة ومجاهد: هو الموضع الذي تطلع منه الشمس، وكذا قال سفيان، وقيل: هو يعني جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم بالأفق الأعلى ليلة المعراج، ويجوز أن تكون هذه الجملة مستأنفة.
" عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما واحدة فإنه سأله أن يراه في صورته فأراه صورته فسد الأفق، وأما الثانية فإنه كان معه حيث صعد، فذلك قوله: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى)، (لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) قال: خلق جبريل " [[مسلم.]]، رواه أحمد والطبراني وغيرهما.
" وعنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت جبريل عند سدرة المنتهى له ستمائة جناح " أخرجه أبو الشيخ وابن جرير وأحمد، وعن ابن عباس قال: الأفق الأعلى مطلع الشمس.
النجم 53:8
(ثم دنا) جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى، أي قرب من الأرض (فتدلى) أي فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وقيل في الكلام تقديم وتأخير والتقدير. ثم تدلى فدنا، قاله ابن الأنباري وغيره قال الزجاج: معنى دنا فتدلى واحد أي قرب وزاد في القرب، كما تقول دنا مني فلان، وقرب ولو قلت: قرب مني ودنا جاز قال الفراء الفاء في فتدلى بمعنى الواو، والتقدير تدلى جبريل ودنا، ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحداً، أن تقدم أيهما شئت قال الجمهور: والذي دنا فتدلى هو جبريل، وقيل هو النبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عباس: هو محمد صلى الله عليه وسلم دنا فتدلى إلى ربه والمعنى دنا منه أمره وحكمه، والأول أولى قيل: ومن قال إن الذي استوى هو جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم؛ فالمعنى عنده. ثم دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه دنو كرامة، فتدلى أي هوى للسجود، وبه قال الضحاك، وعن ابن عباس قال: دنا ربه فتدلى، والتدلي هو النزول بقرب الشيء.
النجم 53:9
(فكان) مقدار ما بين جبريل ومحمد صلى الله عليه وسلم، أو ما بين محمد صلى الله عليه وسلم وربه تعالى (قاب) أي قدر (قوسين) عربيين، والقاب والقيب، والقاد والقيد، والقيس المقدار ذكر معناه في الصحاح، قال الزمخشري: وقد جاء التقدير بالقوس والرمح والسوط والذراع والباع والخطوة والشبر والفتر والأصبع والقاب ما بين المقبض والسِّيَّة، ولكل قوس قابان، قال بعضهم أراد قابي قوس فقلبه، وقال سعيد بن المسيب: القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه. ولكل قوس قاب واحد. فأخبر أن جبريل قرب من محمد كقرب قاب قوسين. قال الزجاج: أي فيما تقدرون أنتم والله سبحانه عالم بمقادير الأشياء ولكنه يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا.
وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة: فكان قدر ذراعين والقوس ذراع. يقاس بها كل شيء. وهي لغة بعض الحجازيين. وقيل: هي لغة أزد شنوءة. والقوس يذكر ويؤنث. فمن أنث قال في تصغيرها: قويسة ومن ذكر قال: قويس والجمع قسي وأقواس. والقوس أيضاًً بقية التمر في الجلة. أي الوعاء والقوس برج في السماء وقال الكسائي: أراد قوساً واحدة.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن " ابن مسعود في هذه الآية قال: رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل له ستمائة جناح " وعنه قال: في الآية: دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين وبه قال ابن عباس والحسن وعائشة وقتادة وقال ابن عباس: القاب القيد والقوسين الذراعين وعن أبي سعيد قال لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم اقترب من ربه فكان قاب قوسين أو أدنى. ألم تر إلى القوس ما أقربها من الوتر وعن أنس ودنا الجبار رب العزة حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى وهذه رواية عن سلمة عن ابن عباس وفيه جهالة وقال الضحاك نحو ما قال أنس.
(أو أدنى) أو بمعنى الواو. وقيل بمعنى بل والأول أولى. كقوله (أو يزيدون) لأن المعنى فكان بأحد هذين المقدارين في رأي الرائي أي لتقارب ما بينهما يشك الرائي في ذلك؛ وأدنى أفعل تفضيل؛ والمفضل عليه محذوف أي أو أدنى من قاب قوسين، أو أدنى من ذلك، وروي لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام على صورة الآدمي، سأله عند الأفق الأعلى أن يراه على صورته التي خلق عليها فأراه فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وكان بحراء قد سد الأفق إلى المغرب فخر مغشياً عليه، فدنا منه قرباً زائداً؛ وضمه إلى نفسه حتى أفاق وسكن روعه وجعل يمسح التراب عن وجهه.
النجم 53:10
(فأوحى إلى عبده) أي فأوحى جبريل إلى محمد صلى الله عليه وسلم بتعليم من الله لا من نفسه (ما أوحى) فيه تفخيم للوحي الذي أوحي إليه والوحي إلقاء الشيء بسرعة، ومنه الوحا؛ وهو السرعة، والضمير في عبده يرجع إلى الله، كما في قوله: (ما ترك على ظهرها من دابة) وقيل المعنى فأوحى الله إلى عبده جبريل، وبالأول قال الربيع والحسن وابن زيد وقتادة؛ وقيل: فأوحى الله إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد أبهم الله سبحانه ما أوحاه جبريل عليه السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم أو ما أوحاه الله إلى عبده جبريل أو إلى محمد صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا فليس لنا أن نتعرض لتفسيره.
وقال سعيد بن جبير: الذي أوحاه الله إليه هو: (ألم نشرح لك صدرك) إلخ و (أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى)؟ إلخ وقيل: أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك، وقيل: إن ما للعموم لا للإبهام والمراد كل ما يوحي به إليه؛ والحمل على الإبهام أولى لما فيه من التعظيم.
النجم 53:11
(ما كذب الفؤاد ما رأى) أي ما كذب فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم ما رآه بصره ليلة المعراج رؤية حقيقية، يقال كذبه إذا قال له الكذب ولم يصدقه، قال المبرد؛ معنى الآية أنه رأى شيئاًً فصدق به قرىء ما كذب مخففاً، وبالتشديد وهما سبعيتان، وما في ما رأى موصولة أو مصدرية قال ابن مسعود في الآية: " رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه حلتا رفرف أخضر قد ملأ ما بين السماء والأرض " [[رواه الحاكم.]] أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه؛ والبيهقي وغيرهم، وبه قالت عائشة؛ وقيل: هو الله عز وجل رآه بعين رأسه وقيل بقلبه وقيل جعل بصره في فؤاده، والكلام على هذه المسألة مستوفى في موطنه.
وقد تكلم عليه القاضي عياض في الشفاء، والخفاجي في شرحه والقسطلاني في شرح المواهب اللدنية، والنووي، وقال: والحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل بعيني رأسه ليلة الإسراء وإثبات هذا لا يأخذونه إلا بالسماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مما لا ينبغي أن يتشكك فيه انتهى.
قال سليمان الجمل: وحاصل المسألة أن الصحيح ثبوت الرؤية وهو ما جرى عليه ابن عباس حبر الأمة، وهو الذي يرجع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر فأخبره بأنه رآه، ولا يقدح في ذلك حديث عائشة لأنها لم تخبر أنها سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: لم أر، وإنما اعتمدت على الاستنباط مما تقدم، وجوابه ظاهر؛ فإن الإدراك هو الإحاطة والله تبارك وتعالى لا يحاط به وإذا ورد النص بنفي الإحاطة لا يلزم منه نفي الرؤية بغير إحاطة، وأجيب عن احتجاجها بقوله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) بأنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية فيجوز وجود الرؤية من غير كلام، وبأنه عام مخصوص.
النجم 53:12
(أفتمارونه على ما يرى)؟ قرىء من المماراة وهي المجادلة والملاحاة، وقرىء أفتمرونه، أي أفتجحدونه، واختار أبو عبيد الثانية قال: لأنهم لم يماروه، وإنما جحدوه، يقال: مراه حقه أي جحده ومريته أنا أي جحدته قال المبرد: يقال: أمراه عن حقه وعلى حقه، إذا منعه منه ودفعه، وقيل على بمعنى عن، وقرىء أفتمرونه بضم التاء من أمريت أي أتريبونه وتشكون فيه، قال جماعة من المفسرين: المعنى على الأول أفتجادلونه؟ وذلك أنهم جادلوه حين أسري به، فقالوا: صف لنا بيت المقدس، أي فتجادلونه جدالاً ترومون به دفعه عما شاهده وعلمه، وقال: ما يرى، ولم يقل ما رأى على حكاية الحال الماضية استحضاراً للحالة البعيدة في ذهن المخاطبين.
النجم 53:13
(ولقد رآه نزلة أخرى) اللام هي الموطئة للقسم، أي والله لقد رآه، والنزلة المرة من النزول، أي رأى جبريل نازلاً نزلة أخرى، أو رآه رؤية أخرى، ونصب نزلة على الظرف أو المصدرية أو الحالية، وبالأول قال الزمخشري وهو مذهب الفراء، نقله عنه مكي، وبالثاني قدر أبو البقاء، وبالثالث قال الحوفي وابن عطية، قال جمهور المفسرين: المعنى أنه رأى محمد صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام مرة أخرى في صورة نفسه، وذلك ليلة المعراج، وقيل: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه مرة أخرى بفؤاده وقيل: بعينه.
أخرج مسلم والطبراني وغيرهما.
" عن ابن عباس في الآية قال: رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه مرتين "، وأخرج نحوه عنه الترمذي وحسنه، وعن أنس قال: رأى محمد ربه، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه مرتين، مرة ببصره ومرة بفؤاده، وعنه لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل، وعنه قال: أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم؟ والكلام لموسى؟ والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم، وقد روي نحو هذا عنه من طرق.
وأخرج مسلم والترمذي وابن مردويه.
" عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال نور أنّى أراه ".
" وعنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال رأيت نوراً " أخرجه مسلم وابن مردويه.
" وعنه قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بقلبه، ولم يره ببصره "، أخرجه النسائي وابن المنذر وغيرهما، قال صاحب التحرير: والحجج في المسألة وإن كانت كثيرة لكن لا نتمسك إلا بالأقوى منها، وهو حديث ابن عباس: أتعجبون الخ.
" وعن عكرمة سئل ابن عباس هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه قال: نعم "، وقد روي بإسناد لا بأس به، وعن أنس نحوه.
وكان الحسن يحلف لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه، والأصل في المسألة حديث ابن عباس حبر هذه الأمة وعالمها، والمرجوع إليه في المعضلات، وقد راجعه ابن عمر في هذه المسألة فأخبره أنه رآه، ولا يقدح في هذا حديث عائشة، لأنها لم تخبر أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول لم أر ربي وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة لقول الله تعالى: (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحياً) الآية، وقوله (لا تدركه الأبصار)، وإذ قد صحت الروايات عن ابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بإثبات لرؤية وجب المصير إلى إثباتها لأنها ليس مما يدرك بالعقل، ويؤخذ بالظن، وإنما يتلقى بالسمع، ولا يستجيز لأحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم في هذه المسألة بالظن والاجتهاد، وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن عباس ثم ابن عباس أثبت ما نفاه غيره والمثبت مقدم على النافي انتهى.
النجم 53:14
(عند سدرة المنتهى) لما أسري به في السموات، قاله الجلال المحلي، ومن المعلوم أن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة وأربعة أشهر، أو بثلاث سنين على الخلاف، والرؤية الأولى كانت في بدء البعثة، فبين الرؤيتين نحو عشر سنين، والسدرة هي شجرة النبق، قال مقاتل: تحمل الحلي والحلل والثمار من جميع الألوان لو وضعت ورقة منها في الأرض لأضاءت لأهلها، وهي شجرة طوبى التي ذكرها الله في سورة الرعد والنبق بكسر الموحدة ثم السدرة الواحدة نبقة ويقال فيه نبق بفتح النون وسكون الباء ذكرها يعقوب في الإصلاح وهي لغة البصريين والأولى أفصح وهي التي ثبتت عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذه السدرة هي في السماء السادسة كما في الصحيح وروي أنها في السماء السابعة عن يمين العرش.
والمنتهى مكان الانتهاء، أو مصدر ميمي والمراد به الإنتهاء نفسه قيل: إليه ينتهي علم الخلائق ولا يعلم أحد منهم ما وراءها وقيل: ينتهي إليها ما يعرج به من الأرض وقيل: تنتهي إليها أرواح الشهداء وقيل غير ذلك وإضافة الشجرة إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه كقولك أشجار البستان، أو من إضافة المحل إلى الحال، كقولك كتاب الفقه والتقدير عند سدرة عندها منتهى العلوم، أو من إضافة الملك إلى المالك على حذف الجار والمجرور أي: سدرة المنتهى إليه وهو الله عز وجل قال تعالى: (وأن إلى ربك المنتهى) واختلف لم سميت سدرة المنتهى على ثمانية أقوال ذكرها القرطبي وغيره.
" وعن ابن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى سدرة المنتهى وهو في السماء السادسة إليها ينتهي ما يعرج من الأرواح فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها ويقبض منها " [[رواه أحمد ومسلم.]] أخرجه أحمد ومسلم والترمذي وغيرهم.
النجم 53:15
(عندها جنة المأوى) أي عند تلك السدرة جنة تعرف بجنة المأوى، وهي عن يمين العرش، وسميت بها لأنه أوى إليها آدم، وقيل، إن أرواح المؤمنين تأوي إليها، وقيل: يأوي إليها جبريل والملائكة، وقيل: يصير إليها المتقون قرىء جنة بالرفع على الابتداء، وقرىء جنة فعلاً ماضياً من جن يجن، أي ضمه المبيت أو ستره إيواء الله له، قال الأخفش: أدركه كما تقول؛ جنة الليل، أي ستره وأدركه، قال ابن مسعود: الجنة في السماء السابعة العليا، والنار في الأرض السابعة السفلى.
النجم 53:16
(إذ يغشى السدرة ما يغشى) الغشيان بمعنى التغطية والستر، وبمعنى الإتيان، يقال: فلان يغشاني كل حين أن يأتيني، وفي إبهام الموصول وصلته من التفخيم والتكثير للغواشي ما لا يخفى، فقد علم بهذه العبارة أن ما يغشاها من الخلائق الدالة على عظمة الله تعالى وجلالته، أشياء لا يحيط بها الوصف، ولا يكتنهها نعت ولا يحصيها عدد، وقيل: يغشاها جراد من ذهب، وقال ابن مسعود: فراش من ذهب، قال الرازي: وهذا ضعيف، لأن ذلك لا يثبت إلا بدليل سمعي، فإن صح فيه خبر وإلا فلا وجه له، وقيل: طوائف من الملائكة، وقال مجاهد: رفرف أخضر، وقيل: رفرف من طيور خضر، وقيل غشيها أمر الله، وقيل نور الخلائق، وقيل نور رب العزة، والمجيء بالمضارع لحكاية الحال الماضية استحضاراً للصورة البديعة أو للدلالة على الإستمرار التجددي.
النجم 53:17
(ما زاغ البصر) أي ما مال بصر النبي صلى الله عليه وسلم عما رآه، ولم يتلفت إلى ما غشى السدرة من فراش الذهب وغيره، هذا بالنظر لكون الذي غشيها هو فراش من الذهب، وبالنظر لكونه أنوار الله لم يلتفت يمنة ولا يسرة، بل اشتغل بمطالعتها، مع أن ذلك العالم غريب عن بني آدم، وفيه من العجائب ما يحير الناظر (وما طغى) أي ما جاوز ما رأى، وفي هذا وصف أدب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام، حيث لم يلتفت، ولم يمل بصره، ولم يمده إلى غير ما رأى، وقيل: ما جاوز ما أمر به.
النجم 53:18
(لقد رأى) أي والله لقد رأى تلك الليلة (من آيات ربه الكبرى) أي العظام ما لا يحيط به الوصف، قيل: رأى رفرفاً سد الأفق، وقيل: رأى جبريل في حلة خضراء كما تقدم، وقيل: عجائب الملكوت، وقال الضحاك: رأى سدرة المنتهى، وقيل: هو كل ما رآه في مسراه تلك الليلة وعوده، ومن للتبعيض، ومفعول رأي: الكبرى، أو رأى شيئاًً عظيماً من آيات ربه، أو من زائدة ولما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين موبخاً لهم ومقرعاً:
النجم 53:19
(أفرأيتم اللات والعزى) أي أخبروني عن هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها، وهل أوحت إليكم شيئاًً كما أوحى الله إلى محمد صلى الله عليه وسلم أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع، وقال أبو السعود: الهمزة للإنكار، والفاء لتوجيهه إلى ترتيب الرؤية على ما ذكر من شؤونه تعالى المنافية لها غاية المنافاة، والمعنى أعقيب ما سمعتم من آثار كمال عظمته، وإحكام قدرته، ونفاذ أمره في الملأ الأعلى، وما تحت الثرى، وما بينهما، رأيتم هذه الأصنام مع غاية حقارتها وذلتها شركاء لله؟ على ما تقدم من عظمته.
النجم 53:20
(ومناة الثالثة الأخرى) ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي اشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها قال الواحدي وغيره: وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات، ومن العزيز؛ العزى، وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة، ومناة من منى الله الشيء إذا قدره، قرىء اللات بتخفيف التاء وهي مأخوذة من اسم الله، وقيل: أصله لات يليت فالتاء أصلية، وقيل: هي زائدة، وأصله لوى يلوي، لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها، أو يلتوون ويعتكفون عليها، ويطوفون بها، وقرىء اللات بتشديد التاء، فقيل: هو اسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج، فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه، فهو اسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل.
وقال مجاهد: كان رجلاً في رأس جبل له غنيمة يتخذ من لبنها وسمنها حيساً، ويطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه. وقال الكلبي: كان رجلاً من ثقيف له صرمة غنم، وقيل: إنه عامر بن الظرب العدواني، قال في الصحاح: واللات اسم صنم لثقيف، وكان بالطائف، وقيل: بعكاظ، وقيل: بنخلة، ورجح ابن عطية الأول، وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء، " قال ابن عباس: كان اللات رجلاً يلت السويق للحاج " أخرجه البخاري وغيره، والألف واللام في اللات زائدة لازمة، وقال أبو البقاء: ليست بزائدة وهو غلط، والعزى من العز وهي تأنيث الأعز، وهي اسم صنم لقريش وبني كنانة، قال مجاهد: هي شجرة كانت لغطفان وكانوا يعبدونها، فبعث إليها النبي صلى الله عليه وسلم خالد ابن الوليد فقطعها.
وقيل: كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، وقال سعيد بن جبير: العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه، وقال قتادة: هي بيت كان ببطن نخلة، وعن ابن عباس: أن العزى ببطن نخلة، وأن اللات كانت بالطائف وأن مناة كانت بقديد، ومناة صنم بني هلال، وقال ابن هشام: صنم هذيل وخزاعة وقال قتادة: كانت للأنصار وقرىء مناة بألف من دون همزة، وبالمد والهمزة فالأولى اشتقاقها من منى يمني أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها، يتقربون بذلك إليها وعلى الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر، لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء، وقيل: هما لغتان للعرب ووقف عليها بالتاء اتباعاً لرسم المصحف وبالهاء.
قال في الصحاح: ومناة اسم صنم كان بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث، ويسكت عليها بالتاء، وهي لغة، والثالثة الأخرى وصف لمناة وصفها بأنها ثالثة، وبأنها أخرى، والثالثة لا تكون إلا أخرى، قال أبو البقاء: فالوصف بالأخرى للتأكيد، وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى، والعرب إنما تصف به الثانية فقال الخليل: إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله: (مآرب أخرى) وقال حسين بن الفضل: فيه تقديم وتأخير، والتقدير: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة، وقيل: إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم، لأنها كانت عند المشركين عظيمة، وقيل: إن ذلك للتحقير والذم، وإن المراد: المتأخرة الوضيعة القدار، كما في قوله: (وقالت أخراهم لأولاهم)، أي وضعاءهم لرؤسائهم، وهذا للزمخشري، وقال ابن عادل: وفيه نظر لأن الأخرى إنما تدل على الغيرية، وليس فيها تعرض لمدح ولا ذم، فإن جاء شيء من ذلك فلقرينة خارجية، ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال:
النجم 53:21
(ألكم الذكر وله الأنثى)؟ أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور، قيل وذلك قولهم: إن الملائكة بنات الله، وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء لله ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث، ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام، قسمة جائرة، فقال:
النجم 53:22
(تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى) قرىء بياء ساكنة بغير همزة، وبهمزة ساكنة والمعنى أنها قسمة خارجة عن الصواب، جائرة عن العدل، مائلة عن الحق، قال الأخفش: يقال: ضاز في الحكم أي جار وضازه حقه يضيزه ضيزاً أي نقصه وبخسه، قال: وقد يهمز، وقال الكسائي: ضاز يضيز ضيزى، وضاز يضوز ضوزاً إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص. قال الفراء: وبعض العرب يقول ضئزاً بالهمز، وعن أبي زيد أنه سمع العرب تهمز ضيزي، قال البغوي: ليس في كلام العرب فعلى بكسر الفاء في النعوت، إنما تكون في الأسماء مثل ذكرى وشعرى، قال المؤرج: كرهوا ضم الضاد في ضيزى، وخافوا انقلاب الياء واواً، وهي من بنات الواو، فكسروا الضاد لهذه العلة، كما قالوا في جمع الأبيض بيض، وكذا قال الزجاج، وقيل: هي مصدر كذكرى فيكون المعنى قسمة ذات جور وظلم، قال ابن عباس: ضيزى جائرة لا حق فيها وقيل: عوجاء غير معتدلة ثم رد سبحانه عليهم بقوله: إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى (23) أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى (24) فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (25) وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26) إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (27) وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (28) فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (29) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (30)
النجم 53:23
(إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ) أي ما الأوثان أو الأصنام باعتبار ما تدعونه من كونها آلهة إلا أسماء محضة، ليس فيها شيء من معنى الألوهية التي تدعونها لأنها لا تبصر ولا تسمع ولا تعقل ولا تفهم ولا تضر ولا تنفع فليست إلا مجرد أسماء، وقيل إن قوله: (هي) راجع إلى الأسماء الثلاثة المذكورة والأول أولى.
(سميتموها أنتم وآباؤكم) قلد فيها الآخر الأول وتبع في ذلك الأبناء الآباء، وفي هذا من التحقير لشأنها ما لا يخفى كما تقول في تحقير رجل ما هو إلا إسم إذا لم يكن مشتملاً على صفة معتبرة ومثل هذه الآية قوله تعالى (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) يقال سميته زيداً وسميته يزيد فقوله (سميتموها) صفة لأسماء والضمير يرجع إلى الأسماء لا إلى الأصنام أي جعلتموها أسماء لا جعلتم لها أسماء ليشير الكلام أن هناك أسماء مجردة لا مسميات لها قطعاً (ما أنزل الله بها من سلطان) أي من حجة ولا برهان، قال مقاتل: لم ينزل لنا كتاباً لكم فيه حجة كما تقولون إنها آلهة ثم أخبر عنهم بقوله:
(إن يتبعون) بالتحتية وقرىء بالفوقية أي ما تتبعون فيما ذكر من التسمية والعمل بموجبها وفيه التفات إلى الغيبة للإيذان بأن تعداد قبائحهم إقتضى الأعراض عنهم وحكاية جناياتهم إلى غيرهم (إلا الظن الذي) لا يغني من الحق شيئاًً وهو ظن أنها تستحق العبادة وبهذا تبين أن العطف في قوله (وما تهوى الأنفس) للمغايرة أي ما تميل إليه وتشتهيه من غير التفات إلى ما هو الحق الذي يجب اتباعه ومن اتبع ظنه وما تشتهيه نفسه، بعد ما جاءه الهدى والبيان الشافي لا يعد إنساناً ولا يعتد به.
(ولقد جاءهم من ربهم الهدى) أي البيان الواضح الظاهر بالكتاب المنزل، والنبي المرسل، بأنها ليست بآلهة، وأن العبادة لا تصلح إلا لله الواحد القهار، والجملة اعتراض أو حال من فاعل يتبعون، وأياً ما كان ففيها تأكيد لبطلان اتباع الظن وهوى النفس، وزيادة تقبيح لحالهم فإن اتباعهما من أي شخص كان - قبيح، وممن هداه الله بإرسال الرسل وإنزال الكتب أقبح.
النجم 53:24
(أم للإنسان ما تمنى) أم هي المنقطعة المقدرة ببل والهمزة التي للإنكار، فأضرب عن اتباعهم الظن الذي هو مجرد التوهم، وعن اتباعهم هوى النفس وما تميل إليه، وانتقل إلى إنكار أن يكون لهم ما يتمنون من كون الأصنام تنفعهم وتشفع لهم، وقيل: هو تمني بعضهم أن يكون هو النبي، وقيل قوله: (وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) ثم علل انتفاء أن يكون للإنسان ما تمنى بقوله:
النجم 53:25
(فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى) أي إن أمور الآخرة والدنيا بأسرها لله عز وجل، فليس لهم معه أمر من الأمور، ومن جملة ذلك أمنياتهم الباطلة وأطماعهم الفارغة، ثم أكد ذلك وزاد في إبطال ما يتمنونه فقال:
النجم 53:26
(وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاًً) كم هنا هي الخبرية المفيدة للتكثير، ولهذا جمع الضمير في شفاعتهم مع إفراد الملك، فلفظها مفرد، ومعناها جمع، والمعنى الإقناط مما علقوا به والتوبيخ لهم بما يتمنونه. ويطمعون فيه من شفاعة الأصنام مع كون الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتها على الله، لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له فكيف بهذه الجمادات الفاقدة للعقل والفهم، وهو معنى قوله:
(إلا من بعد أن يأذن الله) لهم بالشفاعة (لمن يشاء) أن يشفعوا له (ويرضى) بالشفاعة لكونه من أهل التوحيد وليس للمشركين في ذلك حظ ولا يأذن الله بالشفاعة لهم ولا يرضاها لكونهم ليسوا من المستحقين لها
النجم 53:27
(إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ) أي: هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث وما بعده من الدار الآخرة، على الوجه الذي بينته الرسل وهم الكفار يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء، وجهالة جهلاء، وهي أنهم (ليسمون الملائكة) المنزهين عن كل نقص (تسمية الأنثى) وذلك أنهم رأوا في الملائكة تاء التأنيث، وصح عندهم أن يقال: سجدت الملائكة فزعموا أنها بنات الله، فجعلوهم إناثاً وسموهم بنات.
النجم 53:28
(وما لهم به من علم) أي والحال أنهم غير عالمين بما يقولون، فإنهم لم يعرفوهم ولا شاهدوهم، ولا بلغ إليهم ذلك من طريق من الطرق التي يخبر المخبرون عنها بل قالوا ذلك جهلاً وضلالة وجرأة، وقرىء وما لهم بها أي بالملائكة أو التسمية، ومن زائدة في المبتدأ المؤخر (إن يتبعون إلا الظن) أي ما يتبعون في هذه المقالة إلا مجرد الظن والتوهم، وقال النسفي: هو تقليد الآباء، ثم أخبر سبحانه عن الظن وحكمه فقال:
(وإن الظن لا يغني من الحق شيئاًً) أي: إن جنس الظن لا يغني عن العلم شيئاًً من الإغناء، ومن بمعنى عن، والحق هنا العلم، وفيه دليل على أن مجرد الظن لا يقوم مقام العلم، وإن الظان غير عالم، وهذا في الأمور التي يحتاج فيها إلى العلم، وهي المسائل العلمية لا فيما يكتفي فيه بالظن، وهي المسائل العملية، وقد قدمنا تحقيق هذا، ولا بد من هذا التخصيص، فإن دلالة العموم والقياس وخبر الواحد ونحو ذلك ظنية، فالعمل بها عمل بالظن وقد وجب علينا العمل في هذه الأمور، فكانت أدلة وجوب العمل به فيها مخصصة لهذا العموم، وما ورد في معناه من الذم لمن عمل بالظن والنهي عن اتباعه. وفي الكرخي الظن لا اعتبار له في العارف الحقيقية، وإنما العبرة به في العمليات وما يكون وصلة إليها كمسائل علم الفقه، وقال ابن الخطيب: المراد منه أن الظن لا يغني في الاعتقادات شيئاًً وأما في الأفعال العرفية أو الشرعية فإن الظن فيها يتبع عند عدم الوصول إلى اليقين.
النجم 53:29
(فأعرض عمن تولى) أي أعرض (عن ذكرنا) المراد بالذكر هنا القرآن، أو ذكر الآخرة أو ذكر الله على العموم، وقيل: المراد به هنا الإيمان والمعنى اترك مجادلتهم فقد بلغت إليهم ما أمرت به، وليس عليك إلا البلاغ وهذا منسوخ بآية السيف، قال الرازي: وأكثر المفسرين يقولون: إن كل ما في القرآن من قوله فأعرض منسوخ بآية القتال وهو باطل لأن الأمر بالإعراض موافق لآية القتال، فكيف ينسخ بها والإعراض عن المناظرة شرط لجواز المقاتلة (ولم يرد إلا الحياة الدنيا) أي لم يرد سواها ولا طلب غيرها، بل قصر نظره عليها فإنه غير متأهل للخير، ولا مستحق للإعتناء بشأنه ثم صغر سبحانه شأنهم وحقر أمرهم فقال:
النجم 53:30
(ذلك) أي التولي وقصر الإرادة على الحياة الدنيا (هو مبلغهم من العلم) ليس لهم علم غيره، ولا يلتفتون إلى سواه من أمر الدين، قال الفراء: أي ذلك قدر عقولهم ونهاية علمهم أن آثروا الدنيا على الآخرة؛ وقيل: الإشارة بقوله ذلك إلى جعلهم الملائكة بنات الله وتسميتهم لهم تسمية الأنثى والأول أولى والمراد بالعلم هنا مطلق الإدراك الذي يندرج تحته الظن الفاسد والجملة مستأنفة لتقرير جهلهم واتباعهم مجرد الظن؛ وقيل معترضة بين المعلل والعلة وهي قوله:
(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى) فإن هذا تعليل للأمر بالإعراض، والمعنى أنه سبحانه وتعالى أعلم بمن حاد عن الحق وأعرض عنه ولم يهتد إليه وأعلم بمن اهتدى فقبل الحق، وأقبل إليه وعمل به فهو مجاز كل عامل بعمله إن خيراً فخير، وإن شراً فشر وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإرشاد له بأنه لا يتعب نفسه في دعوة من أصر على الضلالة وسبقت له الشقاوة، فإن الله قد علم حال هذا الفريق الضال، كما علم حال الفريق الراشد وتكرير قوله هو أعلم لزيادة التقرير وللإيذان بكمال تباين المعلومين ثم أخبر سبحانه عن سعة قدرته وعظيم ملكه فقال: وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (31) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (33) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (34) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى (35) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (37) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (38) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى (42)
النجم 53:31
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي هو المالك لذلك والمتصرف فيه لا يشاركه فيه أحد (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا) من الشرك وغيره اللام متعلقة بما دل عليه الكلام، كأنه قال: هو مالك ذلك يضل من يشاء ويهدي من يشاء، ليجزي المسيء بإساءته والمحسن بإحسانه، وقيل: إن قوله ولله ما في السموات الخ جملة معترضة، والمعنى: هو أعلم بمن ضل، وهو أعلم بمن اهتدى، ليجزي، وقيل: هي لام العاقبة لا التعليل، أي: وعاقبة أمر الخلق الذين فيهم المحسن والمسيء أن يجزي الله كلاً منهما بعمله، وبه صرح الواحدي والزمخشري، وقال مكي: إن اللام متعلقة بقوله لا تغني شفاعتهم وهو بعيد من حيث اللفظ ومن حيث المعنى قرىء ليجزي بالتحتية وبالنون.
(ويجزي الذين أحسنوا) بالتوحيد وغيره من الطاعات (بالحسنى) أي: بالمثوبة الحسنى وهي الجنة أو بسبب أعمالهم الحسنى، وتكرير الفعل لإبراز كمال الإعتناء بأمر الجزاء، وللتنبيه على تباين الجزائين، ثم وصف هؤلاء المحسنين فقال:
النجم 53:32
(الذين) أي: هم الذين (يجتنبون كبائر الإثم) قرأ الكبائر على الجمع وكبير على الإفراد، والكبائر كل ذنب توعد الله عليه بالنار أو ما عين له حداً أو ذم فاعله ذماً شديداً، ولأهل العلم في تحقيق الكبائر كلام طويل، وكما اختلفوا في تحقيق معناها وماهيتها اختلفوا في عددها:
(والفواحش) جمع فاحشة، وهي ما فحش من كبائر الذنوب، كالزنا ونحوه، وهو من عطف الخاص على العام، قال مقاتل: كبائر الإثم كل ذنب ختم بالنار، والفواحش كل ذنب فيه الحد وقيل: الكبائر الشرك والفواحش الزنا، وقد قدمنا في سورة النساء ما هو أبسط من هذا وأكثر فائدة، وقال ابن عباس: الكبائر ما سمى الله فيه النار، والفواحش ما كان فيه حد الدنيا (إِلَّا اللَّمَمَ) أي إلا ما قل وصغر من الذنوب والاستثناء منقطع لأنه ليس من الكبائر والفواحش، قال السمين: وهذا هو المشهور، ويجوز أن يكون متصلاً عند من يفسر اللمم بغير الصغائر، وأصل اللمم في اللغة ما قل وصغر، ومنه ألم بالمكان قل لبثه فيه؛ وألم بالطعام قل أكله منه.
قال المبرد: أصل اللمم أن يلم بالشيء من غير أن يرتكبه يقال: ألم بكذا إذا قاربه، ولم يخالطه، قال الأزهري: العرب تستعمل الإلمام في معنى الدنو والقرب، قال الزجاج: أصل اللمم والإلمام ما يعمله الإنسان المرة بعد المرة ولا يتعمق فيه، ولا يقيم عليه، يقال: ألممت به إذا زرته وانصرفت عنه ويقال ما فعلته إلا لماماً وإلماماً، أي: الحين بعد الحين ومنه إلمام الخيال قال في الصحاح ألم الرجل من اللمم وهو صغائر الذنوب ويقال: هو مقاربة المعصية من غير مواقعة.
وقد اختلف أقوال أهل العلم في تفسير هذا المذكور في الآية فالجمهور على أنه صغائر الذنوب، وقيل: هو ما كان دون الزنا من القبلة والغمزة والنظرة وكالكذب الذي لا حد فيه ولا ضرر والإشراف على بيوت الناس وهجر المسلم فوق ثلاث والضحك في الصلاة المفروضة والنياحة وشق الجيب في المصيبة، والتبختر في المشي، والجلوس بين الفساق إيناساً بهنم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة المسجد إذا كان يغلب تنجيسهم له واستعمال نجاسة في بدن أو ثوب لغير حاجة ونحو ذلك ذكره الخطيب وغيره، وقيل: هو الرجل يلم بذنب ثم يتوب أو يقع الوقعة ثم ينتهي وهو قول أبي هريرة وابن عباس وبه قال مجاهد والحسن والزهري ومنه:
إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
واختار هذا القول الزجاج والنحاس وقيل: هو ذنوب الجاهلية فإن الله لا يؤاخذ بها في الإسلام، وله قال زيد بن ثابت، وزيد بن أسلم وقال نفطويه: هو أن يأتي بذنب لم يكن له به عادة، قال والعرب تقول: ما تأتينا إلا إلماماً أي في الحين قال: ولا يكون أن يهم ولا يفعل لأن العرب لا تقول: ألم بنا إلا إذا فعل لا أذاهم ولم يفعل الراجح الأولى.
أخرج البخاري ومسلم " عن ابن عباس قال: ما رأيت شيئاًً أشبه باللمم " [[رواه البخاري ومسلم.]] مما قاله أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ".
وعن ابن مسعود في قوله إلا اللمم قال: زنا العين النظر وزنا الشفتين التقبيل وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين المشي ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه فإن تقدم بفرجه كان زانياً وإلا فهو اللمم.
وعن أبي هريرة أنه سئل عن قوله: إلا اللمم قال هي النظرة، والغمزة، والقبلة، والمباشرة، فإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وهو الزنا. وهو قول ابن مسعود ومسروق والشعبي. وعن ابن عباس فيه قال: إلا اللمم إلا ما قد سلف، وعنه قال: هو الرجل يلم بالفاحشة ثم يتوب منها، وعن أبي هريرة قال: اللمة من الزنا ثم يتوب ولا يعود، واللمة من شرب الخمر ثم يتوب، ولا يعود، فذلك الإلمام، وعن ابن عباس أيضاًً قال: اللمم كل شيء بين الحدين، حد الدنيا وحد الآخرة، تكفره الصلاة، وهو دون كل موجب، فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حد الآخرة فكل شيء ختمه الله بالنار، وأخر عقوبته إلى الآخرة، وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: اللمم دون الشرك.
(إن ربك واسع المغفرة) حيث يغفر الصغائر باجتناب الكبائر، قال الكرخي: عقب به ما سبق لئلا ييأس صاحب الكبيرة من رحمته، ولئلا يتوهم وجوب العقاب على الله تعالى، وقال غيره: الجملة تعليل لما تضمنه الاستثناء، أي إن ذلك وإن خرج عن حكم المؤاخذة فليس لخلوه عن كونه ذنباً يفتقر إلى مغفرة الله، ويحتاح إلى رحمته، بل لسعة المغفرة الربانية، وقيل: إنه سبحانه يغفر لمن تاب عن ذنبه وأناب، وعن عمر وابن عباس قالا لا كبيرة في الإسلام، يعني مع التوبة، ولا صغيرة مع الإصرار، قلت: وفي كون الإصرار على الصغيرة كبيرة اختلاف بين أهل العلم، قال النووي في المنهاج: وشرط العدالة اجتناب الكبائر، والإصرار على صغيرة قال في تحفة المحتاج: قبل: عطف الإصرار من عطف الخاص على العام. وفيه نظر، لأن الإصرار لا يصير الصغيرة كبيرة حقيقة: وإنما يلحقها في الحكم ولا ينافي هذا قول كثيرين كابن عباس، ونسب للمحققين كالأشعري. وابن فورك، والإسناد أبي إسحاق أهـ.
وفي الزواجر عن اقتراف الكبائر نقلاً عن الرافعي: أما الصغائر فلا يشترط تجنبها بالكلية، لكن الشرط أن لا يصر عليها، فإن أصر كان الإصرار كارتكاب الكبيرة انتهى، والحاصل أن المعتمد وفاقاً لكثير من المتأخرين كالأذرعي والبلقيني والزركشي وابن العماد وغيرهم أنهم لا تضر المداومة على نوع من الصغائر. ولا على أنواع، سواء كان مقيماً على الصغيرة أو الصغائر أو مكثراً من فعل ذلك، حيث غلب الطاعات المعاصي، وإلا ضر، ثم رأيت ابن العماد قال ما نقله الإسنوي عن الرافعي: من أن الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة ليس كذلك، ولم يذكر الرافعي هذه العبارة، قال البلقيني: المراد عدم غلبة الصغائر على الطاعة، وفسر القاضيان الماوردي والطبري الإصرار في قوله تعالى: (ولم يصروا) بأن لم يعزموا على أن لا يعودوا إليه، وقضيته حصول الإصرار بالعزم على العود، بترك العزم على عدم العود، ويوافقه قول ابن الصلاح: الإصرار التلبس بضد التوبة، باستمرار العزم على المعاودة، واستدامة الفعل بحيث يدخل به في حيز ما يطلق عليه الوصف بصيرورته كبيرة، وليس لزمن ذلك وعدده حصر.
وقال ابن عبد السلام: الإصرار أن تتكرر منه الصغيرة تكراراً يشعر بقلة مبالاته بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك، وكذلك إذا اجتمعت صغائر مختلفة الأنواع بحيث يشعر مجموعها بما يشعر به أصغر الكبائر انتهى.
والصواب في هذا الباب ما ذكره القاضي محمد بن علي الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ونصه: قد قيل: إن الإصرار على الصغيرة حكمه حكم مرتكب الكبيرة، وليس على هذا دليل يصلح للتمسك به، وإنما هي مقالة لبعض الصوفية، فإنه قال: لا صغيرة مع الإصرار، وقد روى بعض من لا يعرف علم الرواية هذا اللفظ، وجعله حديثاً، ولا يصح ذلك، بل الحق أن الإصرار حكمه حكم ما أصر عليه، والإصرار على الصغيرة صغيرة، والإصرار على الكبيرة كبيرة انتهى.
ويفهم من ذلك أيضاً أن الإصرار على الكبيرة ليس كفراً، ثم التوبة عن الكبيرة وإن كانت واجبة عيناً فوراً بنصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، لكن قد يغفرها الله تعالى من غير توبة أيضاًً، كما دلت عليه السنة المطهرة واختاره محققو أهل الحديث، ثم ذكر سبحانه إحاطة علمه بأحوال عباده فقال:
(هو أعلم بكم) أي: بأحوالكم، وتفاصيل أموركم (إذ) حين (أنشأكم من الأرض) أي: خلقكم منها في ضمن خلق أبيكم آدم، وحين ما صوركم في الأرحام، وقيل: المراد آدم فإنه خلقه من طين (وإذا أنتم أجنة) أي هو أعلم بأحوالكم وقت كونكم أجنة، وهي جمع جنين، وهو الولد ما دام في البطن، سمي ذلك لاجتنابه، أي لاستتاره في بطن أمه، ولهذا قال: (في بطون أمهاتكم) فلا يسمى من خرج عن البطن جنيناً، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها.
" عن ثابت بن الحرث الأنصاري قال: كانت اليهود إذا هلك لهم صبي صغير قالوا: هو صديق، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كذبت يهود، ما من نسمة يخلقها في بطن أمها إلا أنه شقي أو سعيد، فأنزل الله عند ذلك هذه الآية " أخرجه الطبراني وغيره.
(فلا تزكوا أنفسكم) أي لا تمدحوها، ولا تثنوا عليها خيراً، ولا تنسبوها إلى زكاء العمل، وزيادة الخير والطاعات، وحسن الأعمال، واهضموها فإن ترك تزكية النفس أبعد من الرياء، وأقرب إلى الخشوع، قال ابن عباس: لا تمدحوها، وقال الحسن: علم الله من كل نفس ما هي صانعة وإلى ما هي صائرة فلا تبرؤوها من الآثام، ولا تمدحوها بحسن الأعمال، وقيل لا تزكوها رياء، وخيلاء، ولا تقولوا لمن لم تعرفوا حقيقته أنا خير منك، وأنا أزكى منك، أو أتقى منك، فإن العلم عند الله، وفيه إشارة إلى وجوب خوف العاقبة فإن الله يعلم عاقبة من هو على التقوى.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود " عن زينب بنت أبي سلمة أنها سميت برة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تزكوا أنفسكم، الله أعلم بأهل البر منكم سموها زينب " [[رواه أحمد ومسلم.]]. وقال المحلي في الآية: وهذا النهي على سبيل الإعجاب، وأما على سبيل الإعتراف بالنعمة فحسن، ولذا قيل: المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر، لقوله تعالى: (وأما بنعمة ربك فحدث).
(هو أعلم بمن اتقى) مستأنفة مقررة للنهي، أي فإنه يعلم المتقي منكم وغيره قبل أن يخرجكم من صلب أبيكم آدم، فمن جاهد نفسه، وخلصت منه التقوى فهو يوصله فوق ما يؤمل من الثواب في الدارين، فكيف بمن صارت له التقوى وصفاً ثابتاً، وهو الذي ينتفع بها ويثاب عليها، وقيل: نزلت في ناس كانوا يعملون أعمالاً حسنة؛ ثم يقولون: صلاتنا وصيامنا وحجنا وجهادنا ثم لما بين الله سبحانه وتعالى جهالة المشركين على العموم، خص بالذم بعضهم فقال:
النجم 53:33
(أفرأيت الذي تولى)؟ عن الخير وأعرض عن اتباع الحق
النجم 53:34
(وأعطى قليلاً) أي أعطى عطاء قليلاً؛ أو شيئاًً قليلاً من المال المسمى.
(وأكدى) منع الباقي وقطع ذلك، وأمسك عنه، مأخوذ من الكدية وهي الصلابة، يقال لمن حفر بئراً بلغ فيها إلى حجر لا يتهيأ له فيه حفر: قد أكدى، ثم استعملته العرب: لمن أعطى فلم يتم ولمن طلب شيئاًً فلم يبلغ آخره قال الكسائي وأبو زيد ويقال: كديت أصابعه إذا محلت من الحفر، وكدت يده إذا كلت، ولم تعمل شيئاًً، وكدت الأرض إذا قل نباتها، وأكديت الرجل عن الشيء رددته، وأكدى الرجل إذا قل خيره، قال الفراء: معنى الآية أمسك عن العطية وقطع، وقال المبرد: منع منعاً شديداً.
وقال مجاهد وابن زيد ومقاتل: نزلت في الوليد بن المغيرة وكان قد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه فعيره بعض المشركين فترك ورجع إلى شركه قال مقاتل: كان الوليد يمدح القرآن، ثم أمسك عنه فأعطى قليلاً من لسانه من الخير ثم قطعه وقال الضحاك: نزلت في النضر بن الحرث وقال محمد بن كعب القرظي: نزلت في أبي جهل، قال ابن عباس: أكدى قطع نزلت في العاص بن وائل، وعنه قال: أطاع قليلاً انقطع.
النجم 53:35
(أعنده علم الغيب فهو يرى) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والمعنى أعند هذا المكدي علم ما غاب عنه من أمر العذاب فهو يعلم ذلك قال مقاتل: وهو الوليد بن المغيرة وعليه الأكثر وقال السدي: إنه العاص بن وائل السهمي أو أبو جهل، كما قاله محمد بن كعب وهذا الخلاف فيمن تولى وأعطى وأكدى وأما الذي عيره وضمن له أن يحمل عنه العذاب فلم يذكروا هنا تعيينه.
النجم 53:36
(أم لم ينبأ) أي: ألم يخبر ولم يحدث (بما صحف موسى) يعني أسفاره وهي التوراة. أو صحف قبلها (و) بما في صحف (إبراهيم الذي وفى) أي: تمم وأكمل ما أمر به قال المفسرون: أي بلغ قومه ما أمر به وأداه وقيل: بالغ في الوفاء بما عاهد الله عليه.
" عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أتدرون ما قوله
النجم 53:37
(وإبراهيم الذي وفى) قالوا الله ورسوله أعلم قال وفى عمل يومه بأربع ركعات كان يصليهن وزعم أنها صلاة الضحى " أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وغيرهم: قال السيوطي: ضعيف: وفي إسناده جعفر بن الزبير وهو ضعيف.
" وعن سهل بن معاذ ابن أنس عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم لم سمى الله خليله الذي وفىّ أنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى آخر الآية "، أخرجه ابن أبي حاتم وفي إسناده ابن لهيعة وهو ضعيف، وعن ابن عباس قال: سهام الإسلام ثلاثون سهماً لم يتممها أحد قبل إبراهيم؛ قال الله: وإبراهيم الذي وفىّ، وعنه قال: يقول: إبراهيم الذي استكمل الطاعة فيما فعل بابنه؛ حين رأى الرؤيا؛ وإنما خص هذين النبيين بالذكر؛ لأنه كان قبل إبراهيم وموسى يؤخذ الرجل بجريرة غيره، فأول من خالفهم إبراهيم ثم بين سبحانه ما في صحفهما فقال:
النجم 53:38
(ألا تزر وازرة وزر أخرى) أي لا تحمل نفس حاملة حمل نفس أخرى، ومعناه لا تؤخذ نفس بذنب غيرها. قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الرجل بذنب غيره، كان الرجل يقتل بقتل أبيه وابنه وأخيه وامرأته وعبده، حتى كان إبراهيم، فنهاهم عن ذلك، وبلغهم عن الله تعالى ألا تزر الخ، وقد مضى تفسير هذه الآية في سورة الأنعام.
النجم 53:39
(وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) وهذا أيضاًً من جملة ما في صحف موسى وإبراهيم، والمعنى ليس له إلا أجر سعيه، وجزاء عمله، ولا ينفع أحداً عمل أحد، وهذا العموم مخصوص بمثل قوله سبحانه: (وألحقنا بهم ذريتهم)، وبمثل ما ورد في شفاعة الأنبياء والملائكة للعباد، ومشروعية دعاء الأحياء للأموات، ونحو ذلك، ولم يصب من قال: إن هذه الآية منسوخة بمثل هذه الأمور، فإن الخاص لا ينسخ العام، بل يخصصه، فكل ما قام الدليل على أن الإنسان ينتفع به وهو من غير سعيه، كان مخصصاً لما في هذه الآية من العموم، وتعقب أيضاًً بأنها خبر، ولا نسخ في الأخبار، وبأنها على ظاهرها والدعاء من الولد دعاء من الوالد من حيث اكتسابه للولد، وبأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى، لأنها حكاية لما في صحفهم، وأما هذه الأمة فلها ما سعت هي وما سعى لها غيرها، لما صح أن لكل نبي وصالح شفاعة، وهو انتفاع بعمل الغير، ولغير ذلك.
ومن تأمل النصوص وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى فلا يجوز أن تؤول الآية على خلاف الكتاب والسنة وإجماع الأمة. وحينئذ فالظاهر ما قلنا أن الآية عامة قد خصصت بأمور كثيرة، قال ابن عباس في الآية: فأنزل الله بعد ذلك: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم) الآية، ْفأدخل الله الأبناء الجنة بصلاح الآباء، وكان ابن عباس إذا قرأ هذه الآية إسترجع واستكان، وقيل: أراد بالإنسان الكافر، والمعنى ليس له من الخير إلا ما عمل هو، فيثاب عليه في الدنيا، بأن يوسع عليه في رزقه، ويعافى في بدنه. حتى لا يبقى له في الآخرة خير، وقيل: هو من باب العدل، وأما من باب الفضل فجائز أن يزيده الله ما يشاء من فضله وكرمه، وقيل: هذا منسوخ الحكم في هذه الشريعة، وإنما هو في صحف موسى وإبراهيم.
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية [[غفر الله لشيخ الإسلام، فقد خالف الآية على خلاف عادته، وعلى القارىء أن يراجع الملحق الذي نشرناه في آخر سورة يس (ج 8 ص 57) ففيه رد صاحب المنار على كل ما سيذكره ابن تيمية وابن القيم.]] رحمه الله: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله فقد خرق الإجماع، وذلك باطل من وجوه كثيرة:
أحدها: أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير.
ثانيها: أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الموقف في الحساب، ثم لأهل الجنة في دخولها.
ثالثها: لأهل الكبائر في الخروج من النار، وهذا انتفاع بسعي الغير.
رابعها: أن الملائكة يدعون ويستغفرون لمن في الأرض، وذلك منفعة بعمل الغير.
خامسها: أن الله تعالى يخرج من النار من لم يعمل خيراً قط بمحض رحمته وهذا انتفاع بغير عملهم.
سادسها: أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم، وذلك انتفاع بمحض عمل الغير.
سابعها: قال تعالى في قصة الغلامين اليتيمين (وكان أبوهما صالحاً) فانتفعا بصلاح أبيهما وليس من سعيهما.
ثامنها: أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق بنص السنة والإجماع، وهو من عمل الغير.
تاسعها: أن الحج المفروض يسقط عن الميت بحج وليه بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير.
عاشرها: أن الحج المنذور أو الصوم المنذور، يسقط عن الميت بعمل غيره بنص السنة، وهو انتفاع بعمل الغير.
حادي عشرها: المدين قد امتنع صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه حتى قضى دينه أبو قتادة، وقضى دين الآخر علي بن أبي طالب، وانتفع بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من عمل الغير.
ثاني عشرها: " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن صلى وحده: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه؟ " فقد حصل له فضل الجماعة بعمل الغير.
ثالث عشرها: أن الإنسان تبرأ ذمته من ديون الخلق إذا قضاها قاض عنه، وذلك انتفاع بعمل الغير.
رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم إذا حلل منها سقطت عنه وهذا انتفاع بعمل الغير.
خامس عشرها: أن الجار الصالح ينفع في المحيا والمات، كما جاء في الأثر وهذا انتفاع بعمل الغير.
سادس عشرها: أن جليس أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم يكن منهم، ولم يجلس لذلك لحاجة عرضت له، والأعمال بالنيات، فقد انتفع بعمل غيره.
سابع عشرها: الصلاة على الميت والدعاء له في الصلاة انتفاع للميت بصلاة الحي عليه وهو عمل غيره.
ثامن عشرها: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذلك الجماعة بكثرة العدد، وهو انتفاع للبعض بالبعض.
تاسع عشرها: أن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) وقال تعالى: (ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات) الخ. وقال تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) الخ فقد رفع الله تعالى العذاب عن بعض الناس بسبب بعض، وذلك انتفاع بعمل الغير.
عشروها: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره، ممن يمونه الرجل فإنه ينتفع بذلك من يخرج عنه ولا سعي له فيها.
حادي عشريها: أن الزكاة تجب في مال الصبي والمجنون ويثاب على ذلك، ولا سعي له، ومن تأمل العلم وجد من انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن تتأول الآية الكريمة على خلاف صريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة؟ انتهى كلامه رحمه الله.
النجم 53:40
(وأن سعيه سوف يرى) أي يعرض عليه، ويكشف له يوم القيامة، ويبصره في الآخرة في ميزانه من غير شك
النجم 53:41
(ثم يجزاه) أي يجزي الإنسان سعيه، يقال: جزاه الله بعمله، وجزاه على عمله، فالضمير المرفوع عائد على الإنسان، والمنصوب على سعيه، وقيل: على الجزاء المتأخر، وهو قوله: (الجزاء الأوفى) فيكون هو مفسراً له، ويجوز أن يرجع إلى الجزاء الذي هو مصدر يجزاه، وقواه السفاقسي، ويجعل الجزاء الأوفى تفسيراً للجزاء المدلول عليه بالفعل، كما في قوله: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى)، قال الأخفش: يقال جزيته الجزاء، وجزيته بالجزاء سواء لا فرق بينهما.
النجم 53:42
(وأن إلى ربك المنتهى) أي المرجع، والمصير إِليه سبحانه، لا إلى غيره، فيجازيهم بأعمالهم، هذا كله في الصحف الأولى، والمخاطب عام، أو النبي صلى الله عليه وسلم خاصة.
وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى (43) وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (45) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (47) وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى (48) وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى (49) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (56) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (57) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (58) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (59) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (60) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (61) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (62)
عن " أبيّ بن كعب في هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا فكرة في الرب "
النجم 53:43
(وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى) أي هو الخالق لذلك، والقاضي بسببه: قال الحسن والكلبي: أضحك أهل الجنة في الجنة، وأبكى أهل النار في النار، وقال الضحاك: أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر، وقيل أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه.
وهذا على أن كُلاًّ من الفعلين حذف مفعوله، وقال سهل بن عبد الله: أضحك المطيعين بالرحمة، وأبكى العاصين بالسخط، وقيل: أضحك المؤمنين في العقبى بالمواهب، وأبكاهم في الدنيا بالنوائب، وقيل: خلق الفرح والحزن، وقيل: إن الفعلين من الأفعال اللازمة كقوله: الله يحيي ويميت، وهذا يدل على أن ما يعمل الإنسان فبقضائه وخلقه، حتى الضحك والبكاء.
النجم 53:44
(وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا) أي: قضى أسباب الموت والحياة، ولا يقدر على ذلك غيره، وقيل: خلق نفس الموت والحياة، كما في قوله: (خلق الموت والحياة)، وقيل أمات الآباء وأحيا الأبناء، وقيل: أمات في الدنيا وأحيا للبعث، وقيل: المراد بهما النوم واليقظة، وقال عطاء: أمات بعدله، وأحيا بفضله، وقيل: " أمات الكافر، وأحيا المؤمن، كما في قوله: (أو من كان ميتاً فأحييناه).
النجم 53:45
(وأنه خلق الزوجين) الصنفين (الذكر والأنثى) من كل حيوان وهذا أيضاًً من جملة المتضادات الواردة على النطفة، فبعضها يخلق ذكراً وبعضها يخلق أنثى، ولا يصل إليه فهم العقلاء، ولا يعلمونه، وإنما هو بقدرة الله لا بفعل الطبيعة، وفيه رد على الطبائعيين القائلين بالبرد والرطوبة في الأنثى فرب امرأة أحر وأيبس مزاجاً من الرجل
النجم 53:46
(من نطفة) مني، ولا يدخل في ذلك آدم وحواء، فإنهما لم يخلقا من النطفة، والنطفة الماء القليل (إذا تمنى) أي: تصب في الرحم، وتدفق فيه، كذا قال الكلبي والضحاك وعطاء بن أبي رباح وغيرهم يقال: منى الرجل يمني، وأمنى أي: صب المني، وقال أبو عبيدة: إذا تمنى إذا تقدر، يقال: منيت الشيء إذا قدرته ومنى له إذا قدر له.
النجم 53:47
(وأن عليه النشأة الأخرى) أي إعادة الأرواح إلى الأجسام عند البعث، وفاء بوعده. فإنه قال: إنا نحن نحيي ونميت لا بحكم العقل ولا الشرع قرىء النشأة بالقصر بوزن الضربة، وبالمد بوزن الكفالة، سبعيتان وهما على القراءتين مصدران
النجم 53:48
(وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى) أي أغنى من شاء، وأفقر من شاء، ومثله قوله: (يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)، وقوله: (يقبض ويبسط) قاله ابن زيد، واختاره ابن جرير وقال مجاهد وقتادة والحسن: أغنى مول، وأقنى أخدم وقيل معنى أقنى: أعطى القنية وهي ما يتأثل من الأموال، أي. أصول الأموال، وما يدخرونه بعد الكفاية.
وقيل: معنى أقنى أرضى بما أعطى أي أغناه. ثم أرضاه بما أعطاه، قال الجوهري: قنى الرجل يقني مثل غنى يغني، ثم يتعدى بتغيير الحركة فيقال: قنيت له مالاً كسبته، وهو نظير شترت عينه بالكسر، وشترها الله بالفتح، فإذا دخلت عليه الهمزة والتضعيف اكتسب مفعولاً ثانياً فيقال: أقناه الله مالاً، وقناه إياه أي أكسبه إياه وأقناه أرضاه، والقناء الرضا، قال أبو زيد: تقول العرب: من أعطى مائة من البقر فقد أعطى القنى، ومن أعطى مائة من الضان فقد أعطى الغنى ومن أعطى مائة من الإبل فقد أعطى المنى، وقال الأخفش وابن كيسان: أقنى أفقر، وهو يؤيد القول الأول، وقال ابن عباس: أغنى وأقنى أعطى وأرضى، وقيل: أقنى زاد فوق الغنى، وحذف مفعول أغنى وأقنى لأن المراد نسبة هذين الفعلين إليه وحده، وكذلك باقيها.
النجم 53:49
(وأنه هو رب الشعرى) هي كوكب يطلع خلف الجوزاء في شدة الحر والمراد به هنا الشعرى التي يقال لها العبور، وهي أشد ضياء من الشعرى التي يقال لها الغميصاء، وإنما ذكر سبحانه أنه هو رب الشعرى، مع كونه رباً لكل الأشياء، للرد على من كان يعبدها. وأول من عبدها أو سن عبادتها أبو كبشة، وكان من أشراف العرب، وذلك لأن النجوم تقطع السماء عرضاً، والشعرى تقطعها طولاً، فهي مخالفة لها فعبدها وعبدتها خزاعة وحمير، وكانت قريش تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ابن أبي كبشة تشبيهاً له به، لمخالفته دينهم، كما خالفهم أبو كبشة، وكان من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم من قبل أمه، ومن ذلك قول أبي سفيان عند دخوله على هرقل: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، قال ابن عباس في الآية: هو الكوكب الذي يدعى الشعرى، وعنه قال: نزلت هذه الآية في خزاعة وكانوا يعبدون الشعرى، وهو الكوكب الذي يتبع الجوزاء، ويسمى كلب الجبار أيضاًً.
النجم 53:50
(وأنه أهلك عاداً الأولى) وصف عاداً بالأولى لكونهم كانوا من قبل ثمود، قال ابن زيد: قيل لها عاد الأولى لأنهم أول أمة أهلكت بعد نوح، وقال ابن إسحق: هما عادان فالأولى أهلكت بالصرصر، والأخرى بالصيحة، وقيل: عاد الأولى قوم هود، أهلكوا بريح صرصر، وعاد الأخرى إرم بن عوص بن سام بن نوح
النجم 53:51
(و) أهلك (ثمود) كما أهلك عاداً (فما أبقى) أحداً من الفريقين، وثمود هم قوم صالح عليه السلام؛ أهلكوا بالصيحة وقد تقدم الكلام على عاد وثمود في غير موضع.
النجم 53:52
(و) أهلك (قوم نوح) بالغرق (من قبل) أي من قبل إهلاك عاد وثمود (إنهم كانوا هم أظلم) من عاد وثمود (وأطغى) منهم أو أظلم وأطغى من جميع الفرق الكفرية أو أظلم وأطغى من مشركي العرب وإنما كانوا كذلك لأنهم عتوا على الله بالمعاصي مع طول مدة دعوة نوح لهم كما في قوله: (فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً) وقيل: لأنهم كانوا يضربونه حتى لا يكون به حراك ويغشى عليه فإذا أفاق قال: رب أغفر لقومي فإنهم لا يعلمون وينفرون عنه حتى كانوا يحذرون صبيانهم أن يسمعوا منه.
النجم 53:53
(والمؤتفكة) الإئتفاك الإنقلاب، والمؤتفكة مدائن قوم لوط عليه السلام وسميت المؤتفكة لأنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها، تقول أفكته إذا قلبته ومعنى (أهوى) أي أسقط أي أهواها جبريل إلى الأرض بعد أن رفعها إلى السماء مقلوبة إلى الأرض قال المبرد: جعلها تهوي.
النجم 53:54
(فغشاها ما غشى) أي ألبسها ما ألبسها من الحجارة المنضودة المسومة التي وقعت عليها كما في قوله: (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل) وفي هذه العبارة تهويل للأمر الذي غشاها به وتعظيم له وقيل: إن الضمير راجع إلى جميع الأمم المذكورة أي فغشاها من العذاب ما غشى على اختلاف أنواعه.
النجم 53:55
(فبأي آلاء ربك تتمارى) هذا خطاب للإنسان المكذب أي فبأي نعم ربك الدالة على وحدانيته وقدرته أيها الإنسان المكذب تتشكك وتمتري وقيل: الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تعريضاً لغيره فهو من باب الإلهاب والتهييج والتعريض بالغير، وعن ابن عباس: أنه للوليد بن المغيرة، وقيل: لكل من يصلح له، قال ابن عادل: الصحيح العموم لقوله تعالى: (يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) وقوله: (وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً) قلت: ولقوله: (فبأي آلاء ربكما تكذبان) قيل: إسناد فعل التماري إلى الواحد باعتبار تعدده بحسب تعدد متعلقه وهو الآلاء المتماري فيها قلت لا حاجة إلى هذا التكلف لأن التفاعل مجرد عن التعدد في الفاعل والفعل، للمبالغة في الفعل، وسمى هذه الأمور المذكورة آلاء أي: نعماً مع كون بعضها نقماً لا نعماً، لأنها مشتملة على العبر والمواعظ، ويكون فيها إنتقام من العصاة، وفي ذلك نصرة للأنبياء والصالحين، وقرىء تتمارى من غير إدغام وبإدغام إحدى التاءين في الأخرى.
النجم 53:56
(هذا نذير من النذر الأولى) أي هذا محمد رسول إليكم من الرسل المتقدمين قبله، فإنه أنذركم كما أنذروا قومهم، كذا قال ابن جرير ومحمد ابن كعب وغيرهما، وقال قتادة: يريد القرآن، وأنه أنذر بما أنذرت به الكتب الأولى، وقيل: هذا الذي أخبرنا به عن أخبار الأمم تخويف لهذه الأمة من أن ينزل بهم ما نزل بأولئك، كذا قال أبو مالك، وقال أبو صالح: إن الإشارة بقوله هذا إلى ما في صحف موسى وإبراهيم، والأول أولى، قال ابن عباس: هذا نذير أي محمد صلى الله عليه وسلم والأولى على تأويل الجماعة لمراعاة الفواصل، والتنوين للتفخيم على جميع التقارير المتقدمة.
النجم 53:57
(أزفت الآزفة) أي: قربت الساعة ودنت، سماها آزفة لقرب قيامها وقيل: لدنوها من الناس، كما في قوله: (اقتربت الساعة)، أخبرهم بذلك ليستعدوا لها قال في الصحاح: أزفت الآزفة يعني القيامة، وأزف الرجل عجل، قال ابن عباس: الآزفة من أسماء القيامة والألم فيه للعهد لا للجنس لئلا يخلو الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لوصف القريب بالقرب، كما قيل، ولذا قيل إن الآزفة علم بالغلبة للساعة هنا وفيه نظر لأن وصف القريب بالقرب يفيد المبالغة في قربه، كما يدل عليه الافتعال في (اقتربت الساعة) فتأمل.
النجم 53:58
(ليس لها من دون الله كاشفة) أي ليس لها نفس أو حال قادرة على كشفها عند وقوعها إلا لله سبحانه، وقيل: كاشفة بمعنى انكشاف والهاء فيها كالهاء في العاقبة والداهية، وقيل: كاشفة بمعنى كاشف والهاء للمبالغة كراوية وعلامة ونسابة، والأول أولى، والمعنى أنه لا يقدر على كشفها إذا غشت الخلق بشدائدها وأهوالها أحد غير الله، كذا قال عطاء والضحاك وقتادة وغيرهم، وقيل: ليس لها نفس مبينة متى تقوم، كقوله: (لا يجليها لوقتها إلا هو) ثم وبخهم سبحانه فقال:
النجم 53:59
(أفمن هذا الحديث تعجبون) المراد بالحديث القرآن، أي: كيف تعجبون منه تكذيباً.
النجم 53:60
(وتضحكون) منه استهزاء مع كونه غير محل للتكذيب، ولا موضع للاستهزاء (ولا تبكون) خوفاً وانزجاراً لما فيه من الوعيد الشديد.
عن صالح أبي الخليل قال: لما نزلت هذه الآية فما ضحك النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك إلا أن يتبسم، وفي لفظ فما رئي النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكاً ولا متبسماً حتى ذهب من الدنيا "
النجم 53:61
(وأنتم سامدون) لاهون غافلون عما يطلب منكم مستأنفة لتقرير ما قبلها أو حالية، والسمود الغفلة والسهو عن الشيء، والإعراض واللهو وقيل: الخمود، وقيل: الإستكبار، وقال في الصحاح: سمد سموداً رفع رأسه تكبراً، فهو سامد، وقال ابن الأعرابي: السمود اللهو والسامد اللاهي يقال للقينة: أسمدينا أي الهينا بالغناء، وقال المبرد: سامدون خامدون، وقال مجاهد: غضاب مبرطمون، والبرطمة الإعراض، وقيل: أشرون بطرون وقيل: ساهون لاهون غافلون لاعبون.
وقال ابن عباس: لاهون معرضون عنه، وعنه قال: هو الغناء باليمانية وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا، وقال أبو عبيدة: السمود الغناء بلغة حمير يقولون: يا جارية أسمدي لنا أي غني، وقال: كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم شامخين، ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخاً، وعن أبي خالد الوالبي قال: خرج علي بن أبي طالب علينا، وقد أقيمت الصلاة ونحن قيام ننتظره ليتقدم فقال: ما لكم سامدون؟ لا أنتم في صلاة ولا أنتم في جلوس تنظرون.
النجم 53:62
(فاسجدوا لله) لما وبخ سبحانه المشركين على الاستهزاء بالقرآن والضحك منه والسخرية، وعدم الانتفاع بمواعظه وزواجره، أمر عباده المؤمنين بالسجود لله، والعبادة له، أي إذا كان الأمر كذلك فاسجدوا لله (واعبدوا) فإنه المستحق لذلك منكم، وهو من عطف العام على الخاص، أي ولا تسجدوا للأصنام، ولا تعبدوها، وهذا مأخوذ من لام الاختصاص، ومن السياق، وقد تقدم في فاتحة السورة أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد عند تلاوته هذه الآية، وسجد معه الكفار فيكون المراد بها سجود التلاوة، وقيل سجود الفرض.