Lafzullah

Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — الملك 67:1 – المزمل 73:20

المؤلف / المصدر: Fath Al-Bayan li Al-Qanuji

المحتويات
  1. الملك 67:1
  2. الملك 67:2
  3. الملك 67:3
  4. الملك 67:4
  5. الملك 67:5
  6. الملك 67:6
  7. الملك 67:7
  8. الملك 67:8
  9. الملك 67:9
  10. الملك 67:10
  11. الملك 67:11
  12. الملك 67:12
  13. الملك 67:13
  14. الملك 67:14
  15. الملك 67:15
  16. الملك 67:16
  17. الملك 67:17
  18. الملك 67:18
  19. الملك 67:19
  20. الملك 67:20
  21. الملك 67:21
  22. الملك 67:22
  23. الملك 67:23
  24. الملك 67:24
  25. الملك 67:25
  26. الملك 67:26
  27. الملك 67:27
  28. الملك 67:28
  29. الملك 67:29
  30. الملك 67:30
  31. القلم 68:1
  32. القلم 68:2
  33. القلم 68:3
  34. القلم 68:4
  35. القلم 68:5
  36. القلم 68:6
  37. القلم 68:7
  38. القلم 68:8
  39. القلم 68:9
  40. القلم 68:10
  41. القلم 68:11
  42. القلم 68:12
  43. القلم 68:13
  44. القلم 68:14
  45. القلم 68:15
  46. القلم 68:16
  47. القلم 68:17
  48. القلم 68:18
  49. القلم 68:19
  50. القلم 68:20
  51. القلم 68:21
  52. القلم 68:22
  53. القلم 68:23
  54. القلم 68:24
  55. القلم 68:25
  56. القلم 68:26
  57. القلم 68:27
  58. القلم 68:28
  59. القلم 68:29
  60. القلم 68:30
  61. القلم 68:31
  62. القلم 68:32
  63. القلم 68:33
  64. القلم 68:34
  65. القلم 68:35
  66. القلم 68:36
  67. القلم 68:37
  68. القلم 68:38
  69. القلم 68:39
  70. القلم 68:40
  71. القلم 68:41
  72. القلم 68:42
  73. القلم 68:43
  74. القلم 68:44
  75. القلم 68:45
  76. القلم 68:46
  77. القلم 68:47
  78. القلم 68:48
  79. القلم 68:49
  80. القلم 68:50
  81. القلم 68:51
  82. القلم 68:52
  83. الحاقة 69:1
  84. الحاقة 69:2
  85. الحاقة 69:3
  86. الحاقة 69:4
  87. الحاقة 69:5
  88. الحاقة 69:6
  89. الحاقة 69:7
  90. الحاقة 69:8
  91. الحاقة 69:9
  92. الحاقة 69:10
  93. الحاقة 69:11
  94. الحاقة 69:12
  95. الحاقة 69:13
  96. الحاقة 69:14
  97. الحاقة 69:15
  98. الحاقة 69:16
  99. الحاقة 69:17
  100. الحاقة 69:18
  101. الحاقة 69:19
  102. الحاقة 69:20
  103. الحاقة 69:21
  104. الحاقة 69:22
  105. الحاقة 69:23
  106. الحاقة 69:24
  107. الحاقة 69:25
  108. الحاقة 69:26
  109. الحاقة 69:27
  110. الحاقة 69:28
  111. الحاقة 69:29
  112. الحاقة 69:30
  113. الحاقة 69:31
  114. الحاقة 69:32
  115. الحاقة 69:33
  116. الحاقة 69:34
  117. الحاقة 69:35
  118. الحاقة 69:36
  119. الحاقة 69:37
  120. الحاقة 69:38
  121. الحاقة 69:39
  122. الحاقة 69:40
  123. الحاقة 69:41
  124. الحاقة 69:42
  125. الحاقة 69:43
  126. الحاقة 69:44
  127. الحاقة 69:45
  128. الحاقة 69:46
  129. الحاقة 69:47
  130. الحاقة 69:48
  131. الحاقة 69:49
  132. الحاقة 69:50
  133. الحاقة 69:51
  134. الحاقة 69:52
  135. المعارج 70:1
  136. المعارج 70:2
  137. المعارج 70:3
  138. المعارج 70:4
  139. المعارج 70:5
  140. المعارج 70:6
  141. المعارج 70:7
  142. المعارج 70:8
  143. المعارج 70:9
  144. المعارج 70:10
  145. المعارج 70:11
  146. المعارج 70:12
  147. المعارج 70:13
  148. المعارج 70:14
  149. المعارج 70:15
  150. المعارج 70:16
  151. المعارج 70:17
  152. المعارج 70:18
  153. المعارج 70:19
  154. المعارج 70:22
  155. المعارج 70:23
  156. المعارج 70:24
  157. المعارج 70:25
  158. المعارج 70:26
  159. المعارج 70:27
  160. المعارج 70:28
  161. المعارج 70:29
  162. المعارج 70:31
  163. المعارج 70:32
  164. المعارج 70:33
  165. المعارج 70:34
  166. المعارج 70:35
  167. المعارج 70:36
  168. المعارج 70:37
  169. المعارج 70:38
  170. المعارج 70:39
  171. المعارج 70:40
  172. المعارج 70:41
  173. المعارج 70:42
  174. المعارج 70:43
  175. المعارج 70:44
  176. نوح 71:1
  177. نوح 71:2
  178. نوح 71:3
  179. نوح 71:4
  180. نوح 71:5
  181. نوح 71:6
  182. نوح 71:7
  183. نوح 71:8
  184. نوح 71:9
  185. نوح 71:10
  186. نوح 71:11
  187. نوح 71:12
  188. نوح 71:13
  189. نوح 71:14
  190. نوح 71:15
  191. نوح 71:16
  192. نوح 71:17
  193. نوح 71:18
  194. نوح 71:19
  195. نوح 71:20
  196. نوح 71:21
  197. نوح 71:22
  198. نوح 71:23
  199. نوح 71:24
  200. نوح 71:25
  201. نوح 71:26
  202. نوح 71:27
  203. نوح 71:28
  204. الجن 72:1
  205. الجن 72:2
  206. الجن 72:3
  207. الجن 72:4
  208. الجن 72:5
  209. الجن 72:6
  210. الجن 72:7
  211. الجن 72:8
  212. الجن 72:9
  213. الجن 72:10
  214. الجن 72:11
  215. الجن 72:12
  216. الجن 72:13
  217. الجن 72:14
  218. الجن 72:15
  219. الجن 72:16
  220. الجن 72:17
  221. الجن 72:18
  222. الجن 72:19
  223. الجن 72:20
  224. الجن 72:21
  225. الجن 72:22
  226. الجن 72:23
  227. الجن 72:24
  228. الجن 72:25
  229. الجن 72:26
  230. الجن 72:27
  231. الجن 72:28
  232. المزمل 73:1
  233. المزمل 73:2
  234. المزمل 73:3
  235. المزمل 73:4
  236. المزمل 73:5
  237. المزمل 73:6
  238. المزمل 73:7
  239. المزمل 73:8
  240. المزمل 73:9
  241. المزمل 73:10
  242. المزمل 73:11
  243. المزمل 73:12
  244. المزمل 73:13
  245. المزمل 73:14
  246. المزمل 73:15
  247. المزمل 73:16
  248. المزمل 73:17
  249. المزمل 73:18
  250. المزمل 73:19
  251. المزمل 73:20

الملك 67:1

سورة الملك وتسمى سورة تبارك والواقية والمنجية، وتدعى في التوراة [[كيف ورد ذكرها في التوراة لا ندري؟؟ سامح الله المؤلف.]]، المانعة، وهي ثلاثون آية، وهي مكية قال القرطبي: في قول الجميع، وعن ابن عباس قال: نزلت بمكة. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن سورة من كتاب الله ما هي إلا ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له تبارك الذي بيده الملك " [[رواه أحمد؛ المسند وأصحاب السنن الأربعة بسند حسن.]]، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن الضريس والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي في الشعب والترمذي وقال: هذا حديث حسن. وعن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " سورة في القرآن خاصمت عن صحابها حتى أدخلته الجنة: تبارك " الآية أخرجه الطبراني في الأوسط وابن مردويه والضياء في المختارة. وعن ابن عباس قال: ضرب بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - خباءه على قبر وهو لا يحسب أنه قبر، فإذا قبر إنسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " هي المانعة هي المنجية من عذاب القبر " أخرجه الحاكم وابن مردويه وابن نصر والبيهقي في الدلائل والترمذي وقال هذا حديث غريب من هذا الوجه. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " تبارك هي المانعة من عذاب القبر " [[ذكره السيوطي في الدر 6/ 246 من رواية ابن مردويه عن ابن مسعود موقوفاً عليه وهو ضعيف.]] أخرجه ابن مردويه والنسائي وصححه الحاكم. وعن رافع بن خديج وأبي هريرة أنهما سمعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: أنزلت عليّ سورة تبارك وهي ثلاثون آية جملة واحدة وهي المانعة في القبور " أخرجه ابن مردويه. وعن ابن عباس أنه قال لرجل ألا أتحفك بحديث تفرح به، قال بلى قال اقرأ تبارك الذي بيده الملك وعلمها أهلك وجميع ولدك وصبيان بيك وجيرانك فإنها المنجية والمجادلة تجادل يوم القيامة عند ربها لقارئها وتطلب له أن ينجيه الله من عذاب النار وينجو بها صاحبها من عذاب القبر، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي " أخرجه عبد بن حميد في مسنده والطبراني والحاكم وابن مردويه. بسم الله الرحمن الرحيم تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (5) (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) تبارك تفاعل من البركة، والبركة النماء والزيادة وقيل: تعالى وتعاظم عن صفات المخلوقين، وقيل: دام فهو الدائم الذي لا أول لوجوده ولا آخر لدوامه، وقال الحسن: تبارك تقدس، وصيغة تفاعل للمبالغة، " واليد مجاز عن القدرة والاستيلاء عند المتكلمة، وصفة من صفاته عند المحدثين وهو الأولى " [[كلام ممتاز جداً جزاه الله خيراً.]]. والملك هو ملك السموات والأرض في الدنيا والآخرة فهو يعز من يشاء ويذل من يشاء ويرفع من يشاء ويضع من يشاء، وقيل: المراد بالملك ملك النبوة، وقيل: الملك الأمر والنهي والسلطان أي التمكن من سائر الموجودات يتصرف فيها كيفما أراد، قال الرازي: الملك تمام القدرة واستحكامها، والأول أولى لأن الحمل على العموم أكثر مدحاً، وأبلغ ثناء ولا وجه للتخصيص. (وهو على كل شيء قدير) أي بليغ القدرة لا يعجزه شيء من الأشياء يتصرف في ملكه كيف يريد من إنعام وانتقام ورفع ووضع وإعطاء ومنع، قال أبو السعود: الجملة معطوفة على الصلة مقررة لمضونها مفيدة لجريان أحكام ملكه تعالى في جلائل الأمور ودقائقها، وفي الكرخي لما اقترن الشيء بقوله قدير علم أن المراد من المعدوم الذي يدخل تحت القدرة دون غيره.

الملك 67:2

(الذي خلق الموت والحياة) الموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته له، والحياة تعلق الروح بالبدن واتصاله به، وقيل: ما يوجب كون الشيء حياً، وقيل: الموت صفة وجودية مضادة للحياة، وقيل: المراد الموت في الدنيا والحياة في الآخرة وفيه بعد، وقدم الموت على الحياة لأن أصل الأشياء عدم الحياة والحياة عارضة لها، وقيل: لأن الموت أقرب إلى القهر، وقال مقاتل: خلق الموت يعني النطفة والمضغة والعلقة، والحياة يعني خلقه إنساناً وخلق فيه الروح، وقيل: خلق الموت على صورة كبش لا يمر على شيء إلا مات، وخلق الحياة على صورة فرس لا يمر بشيء إلا حيى قاله مقاتل والكلبي وقد ورد في التنزيل (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم) وقوله (إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة) وقوله (توفته رسلنا) وقوله (الله يتوفى الأنفس حين موتها) وغير ذلك من الآيات. وقال النسفي: الحياة ما يصح بوجوده الإحساس، والموت ضده، ومعنى خلقهما إيجاد ذلك المصحح وإعدامه أي خلق موتكم وحياتكم أيها المكلفون. (ليبلوكم) أي ليعاملكم معاملة من يختبركم وإلا فعلمه محيط بكل شيء، قال الشهاب: الاختبار يقتضي عدم علم المختبر بالكسر بحال المختبر بالفتح فلهذا جعلوه استعارة تمثيلية أو تبعية على تشبيه حالهم في تكليفه تعالى لهم بتكاليفه، وخلق الموت والحياة لهم وإثابته لهم وعقوبته بحال المختبر مع من اختبره وجربه لينظر طاعته وعصيانه فيكرمه أو يهينه. (أيكم أحسن عملاً) فيجازيكم على ذلك، وقيل: المعنى ليبلوكم ربكم أيكم أكثر ذكراً للموت وأحسن استعداداً وأشد منه خوفاً، وقيل: أيكم أحسن عقلاً وأسرع إلى طاعة الله وأورع عن محارم الله؛ وقيل: أخلص عملاً وأصوبه والخالص إذا كان لله والصواب إذا كان على السنة، وقيل: أزهد في الدنيا وأترك لها؛ والعموم أولى. قال الزجاج: اللام متعلقة بخلق الحياة لا بخلق الموت وقال الفراء: إن قوله (ليبلوكم) لم يقع على أي لأن فيما بين البلوى وأي إضمار فعل كما تقول بلوتكم لأنظر أيكم أطوع ومثله وقوله (سلهم أيهم بذلك زعيم) أي سلهم ثم أنظر أيهم؛ فأيكم في الآية مبتدأ وخبره أحسن، لأن الاستفهام لا يعمل فيه ما قبله وإيراد صيغة التفضيل مع أن الإبتلاء شامل لجميع أعمالهم المنقسمة إلى الحسن والقبيح لا إلى الحسن والأحسن فقط للإيذان بأن المراد بالذات والمقصد الأصلي من الإبتلاء هو ظهور كمال إحسان المحسنين. (وهو العزيز) أي الغالب الذي لا يغالب ولا يعجزه من أساء العمل (الغفور) لمن تاب وأناب، والستور الذي لا ييأس منه أهل الإساءة والزلل.

الملك 67:3

(الذي) نعت لما قبله أو بيان له أو بدل منه أو خبر مبتدأ محذوف، أو نصب على المدح (خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) قيل: الأولى من كذا والثانية من كذا إلى السابعة ولم أقف على دليله من الكتاب العزيز والسنة المطهرة. (طباقاً) أي مطبقاً بعضها فوق بعض كل سماء مقببة على الأخرى وسماء الدنيا كالقبة على الأرض وهو جمع طبق نحو جبل وجبال، أو جمع طبقة نحو رحبة ورحاب أو مصدر طابق يقال طابق مطابقة وطباقاً، وعلى هذا الوصف بالمصدر للمبالغة أو على حذف مضاف أي ذات طباق أو طوبقت طباقاً، قال البقاعي: طباق بحيث يكون كل جزء منها مطابقا للجزء من الأخرى ولا يكون جزء منها خارجاً عن ذلك. (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) صفة ثانية لسبع سموات أو مستأنفة لتقرير ما قبلها، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح له و " من " مزيدة لتأكيد النفي وإضافة خلق الرحمن من إضافة المصدر إلى فاعله والمفعول محذوف تقديره لهن أو لغيرهن. قرأ الجمهور من تفاوت وقرىء تفوت مشدداً بدون ألف، وهما لغتان كالتعاهد والتعهد والتحامل والتحمل، والمعنى من تناقض ولا تباين ولا اعوجاج ولا تخالف، بل هي مستقيمة دالة على خالقها وإن اختلفت صورها وصفاتها فقد اتفقت من هذه الحيثية، وقال ابن عباس: من تشقق وقيل من اضطراب وقيل من عيب، وحقيقة التفاوت عدم التناسب كأن بعض الشيء يفوت بعضاً. (فارجع البصر) أي اردد طرفك حتى يتضح لك ذلك بالمعاينة، أخبر أولاً بأنه لا تفاوت في خلقه ثم أمر ثانياً بترديد البصر في ذلك لزيادة التأكيد وحصول الطمأنينة. (هل ترى من فطور) قال مجاهد: والضحاك الفطور الصدوع والشقوق، جمع فطر وهو الشق، وقال قتادة: هل ترى من خلل، وقال السدي: من خروق، وأصله من التفطر والانفطار هو التشقق والانشقاق، وعن ابن عباس قال: الفطور الوهي، وعنه قال: من تشقق وخلل.

الملك 67:4

(ثم ارجع البصر كرتين) أي رجعتين مرة بعد مرة وانتصابه على المصدر والمراد بالتثنية التكثير كما في لبيك وسعديك وحنانيك وهذاذيك لا يريدون بهذه التثنية شفع الواحد إنما يريدون التكثير أي رجعة بعد رجعة وإن كثرت، وإجابة لك بعد أخرى، وإلا تناقض الغرض، ووجه الأمر بتكرير النظر على هذه أنه قد لا يرى ما يظنه من العيب في النظرة الأولى ولا في الثانية ولهذا قال أولاً (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) ثم قال ثانياً (ثم ارجع البصر كرتين) فيكون ذلك أبلغ في إقامة الحجة وأقطع للمعذرة، وقيل: الأولى ليرى حسنها واستواءها والثانية ليبصر كواكبها في سيرها وانتهائها. (ينقلب إليك البصر خاسئاً) أي يرجع إليك البصر خاشعاً متباعداً عن أن يرى شيئاًً من ذلك، وقيل: معنى خاسئاً مبعداً مطروداً عن أن يبصر ما التمسه من العيب، يقال: خسأت الكلب أي أبعدته وطردته، وقال ابن عباس: خاسئاً صاغراً ذليلاً، قرأ الجمهور ينقلب بالجزم جواباً للأمر، وقرىء بالرفع على الاستئناف. (وهو حسير) أي كليل لا يرى شيئاًً قاله ابن عباس: أي منقطع وعنه قال عيي مرتجع، قال الزجاج: أي وقد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللاً، وهو فعيل بمعنى فاعل من الحسور وهو الإعياء، يقال: حسر بصره يحسر حسوراً أي كل وانقطع [[ومنه قول الشاعر: نظرت إليها بالمحصب من منى ... فعاد إليّ الطرف وهو حسير]] وبلغ الغاية في الإعياء. ولما فرغ سبحانه من تفاصيل بعض أحكام الملك وآثار القدرة وبيان ابتنائها على قوانين الحكم والمصالح، شرع في ذكر دلائل أخرى على تمام قدرته بعد تلك الدلائل فقال

الملك 67:5

(ولقد زينا السماء الدنيا) [[قال المقيلي في حاشية الكشاف إن قوله (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح) يكذب المنجمين والزاعمين علم الفلك في قولهم إن بعض النجوم في السموات كقولهم أن زحل في السابعة والمشتري في السادسة والمريخ في الخامسة والشمس في الرابعة والزهرة في الثالثة والعطارد في الثانية والقمر في الدنيا وهذا من واضحات علمهم بزعمهم فغيره أكذب منه وكان البيضاوي يتعاطى هذه الحرفة البائرة لأنه قال هنا لا ينافي ذلك كون بعض النجوم مركوزاً في سموات فوق هذه وتقدم له في البقرة أنه إذا ضم العرش إلى السبع السموات وافق كلام الأوائل أن الأفلاك ثمانية وتمام البحث حققناه في هداية السائل إلى أدلة المسائل أهـ منه.]] أي القربى إلى الأرض من بقية السموات وهي التي يراها الناس. (بمصابيح) أي بنجوم فصارت بهذه الزينة في أحسن خلق، وأكمل صورة وأبهج شكل، والمجيء بالقسم لإبراز كمال العناية، والمصابيح جمع مصباح وسميت الكواكب مصابيح لأنها تضيء كإضاءة السراج، ففي الكلام استعارة تصريحية لأن حقيقة المصباح كما في المختار السراج، وبعض الكواكب وإن كان في غير سماء الدنيا من السموات التي فوقها تتراءى كأنها كلها في السماء الدنيا لأن أجرام السموات لا تمنع من رؤية ما فوقها مما له إضاءة لكونها أجراماً صقيلة شفافة. (وجعلناها رجوماً للشياطين) هذه فائدة أخرى غير الفائدة الأولى وهي كونها زينة للسماء الدنيا. والمعنى أنها ترجم الشياطين الذين يسترقون السمع، والرجوم جمع رجم بالفتح وهو في الأصل مصدر أطلق على المرجوم به كما في قولهم الدرهم ضرب الأمير أي مضرابه والمعنى ذات رجم وجمع المصدر باعتبار أنواعه وقيل إن الضمير في جعلناها إلى المصابيح على حذف مضاف أي جعلنا شهبها وهي نارها المقتبسة منها لا هي نفسها لقوله: (إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) ووجه هذا أن المصابيح التي زين الله بها السماء الدنيا لا تزول عن مكانها ولا يرجم بها بل ينفصل شهاب عن الكوكب فيقتل الجني أو يخبله. كذا قال أبو علي الفارسي: جواباً لمن سأله كيف تكون المصابيح زينة وهي رجوم، قال القشيري: وأمثل من قوله هذا أن نقول هي زينة قبل أن ترجم بها الشياطين. قال قتادة: خلق الله النجوم لثلاث زينة للسماء ورجوماً للشياطين وعلامات يهتدى بها في البر والبحر، فمن تكلم فيها بغير ذلك فقد تكلم فيما لا يعلم وتعدى وظلم، وقيل: معنى الآية وجعلناها ظنوناً ورجوماً بالغيب لشياطين الإنس وهم المنجمون قال أبو السعود: ولا يساعده المقام. (وأعتدنا لهم) أي للشياطين في الآخرة بعد الإحراق في الدنيا بالشهب (عذاب السعير) هو النار الموقدة وأشد الحريق، يقال: سعرت النار فهي مسعورة. وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (6) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)

الملك 67:6

(وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) من كفار أو بني آدم من الفريقين (عذاب جهنم وبئس المصير) أي ما يصيرون إليه وهو جهنم

الملك 67:7

(إذا ألقوا) أي طرحوا (فيها) كما يطرح الحطب في النار. (سمعوا لها شهيقاً) أي صوتاً منكراً كصوت الحمير عند أول نهيقها وهو أقبح الأصوات، وتشهق إليهم شهقة البغل للشعير، ثم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا خاف وقوله (لها) في محل نصب على الحال أي كائناً لها لأنه في الأصل صفة فلما قدمت صارت حالاً وقال عطاء الشهيق هو من الكفار عند إلقائهم في النار. (وهي تفور) أي والحال أنها تغلي بهم غليان المرجل بما فيه.

الملك 67:8

(تكاد تميز) أي تتميز يعني تتقطع (من الغيظ) على الكفار فجعلت كالمغتاظة استعارة لشدة غليانهم بهم، قال ابن قتيبة: تكاد تنشق غيظاً على الكفار، وقال ابن عباس: تميز أي تتفرق ويفارق بعضها بعضاً، قرأ الجمهور تميز بتاء واحدة مخففة وقرىء بتاءين على الأصل وبتشديدها بإدغام إحداهما في الأخرى، وقرىء تمايز والأصل تتمايز وتميز من ماز يميز. (كلما ألقي فيها فوج) مستأنفة لبيان حال أهلها، والفوج الجماعة من الناس أي كلما ألقي في جهنم جماعة من الكفار (سألهم) أي الفوج والجمع باعتبار معناه (خزنتها) من الملائكة سؤال توبيخ وتقريع (ألم يأتكم) في الدنيا (نذير) ينذركم هذا اليوم ويحذركم منه.

الملك 67:9

(قالوا بلى) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل فماذا قالوا بعد هذا السؤال فقال: قالوا بلى (قد جاءنا) أي جاء كلاً منا (نذير) فأنذرنا وخوفنا وأخبرنا بهذا اليوم، أو هذا من كلام الفوج وكل فوج له نذير، فلا يحتاج إلى التأويل، وهذا اعتراف منهم بعدل الله، وإقرار بأنه تعالى أزاح عللهم ببعث الرسل وإنذارهم ما وقعوا فيه، وجمعوا بين حرف الجواب ونفس الجملة المفادة به تأكيداً إذ لو اقتصروا على " بلى " لفهم المعنى ولكنهم صرحوا بالمفاد ببلى تحسراً وزيادة ندم في تفريطهم وليعطفوا عليه قولهم. (فكذبنا) ذلك النذير في كونه نذيراً من جهته تعالى (وقلنا) في حق ما تلاه علينا من الآيات إفراطاً في التكذيب (ما نزل الله) على أحد (مِنْ شَيْءٍ) من الأشياء فضلاً عن تنزيل الآيات على ألسنتكم من الوعد والوعيد وغيرهما. (إن أنتم إلا في ضلال كبير) أي في ذهاب عن الحق وبعد عن الصواب، وخطأ عظيم لا يقادر قدره. وهذا يحتمل أن يكون من كلام الكفار للنذر، وأن يكون من كلام الخزنة للكفار على إرادة القول، ومرادهم بالضلال الهلاك أو سموا جزاء الضلال باسمه كما يسمى جزاء السيئة والاعتداء سيئة، وهذا يسمى المشاكلة في علم البيان، وأن يكون من كلام الرسل للكفرة وقد حكوه للخزنة، والاحتمال الأول هو الذي استظهره جمهور المفسرين. ثم حكى الله عنهم مقالة أخرى قالوها بعد تلك المقالة فقال

الملك 67:10

(وقالوا لو كنا نسمع) ما خاطبنا به الرسل (أو نعقل) شيئاًً من ذلك (ما كنا في أصحاب السعير) أي في عداد أهل النار، ومن جملة من يعذب بالسعير وهم الشياطين كما سلف، قال الزجاج: لو كنا نسمع سماع من يعي، أو نعقل عقل من يميز وينظر ما كنا من أهل النار، وفيه دليل على أن مدار التكليف على أدلة السمع والعقل وأنهما حجتان ملتزمتان. فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) فلما اعترفوا هذا الاعتراف قال الله سبحانه

الملك 67:11

(فاعترفوا بذنبهم) الذي استحقوا به عذاب النار وهو الكفر وتكذيب الأنبياء (فسحقاً لأصحاب السعير) أي فبعداً لهم من الله ورحمته، قال ابن عباس: سحقاً بعداً وقال سعيد بن جبير وأبو صالح: هو واد في جهنم يقال له السحق، قرأ الجمهور سحقاً بإسكان الحاء وقرىء بضمها وهما لغتان مثل السحت والرعب، وسحقاً منصوب على المفعول به أي ألزمهم الله سحقاً، وقال الزجاج وأبو علي الفارسي: منصوب على المصدر أن أسحقهم الله سحقاً، وقال أبو علي الفارسي: كان القياس إسحاقاً فجاء المصدر على الحذف، واللام في (لأصحاب) السعير للبيان كما في (هيت لك). ولما فرغ سبحانه من ذكر أحوال أهل النار شرع في ذكر أحوال أهل الجنة فقال

الملك 67:12

(إن الذين يخشون ربهم بالغيب) حال من الفاعل أو من المفعول أي غائبين عنه أو غائباً عنهم والمعنى أنهم يخشون عذابه ولم يروه فيؤمنون به خوفاً من عذابه، ويجوز أن يكون المعنى يخشون ربهم حال كونهم غائبين عن أعين الناس، وذلك في خلواتهم فيطيعونه سراً فيكون علانية أولى، أو المراد بالغيب كون العذاب غائباً عنهم لأنهم في الدنيا وهو إنما يكون يوم القيامة، والباء على هذا سببية. قال ابن عباس في الآية: هم أبو بكر وعمر وعلي وأبو عبيدة بن الجراح، أخرجه ابن مردويه (لهم مغفرة) عظيمة يغفر الله بها ذنوبهم (وأجر كبير) لا يقادر قدره وهو الجنة، ومثل هذه الآية قوله (من خشى الرحمن بالغيب) وظاهر الآية العموم. ثم عاد سبحانه إلى خطاب الكفار فقال:

الملك 67:13

(وأسروا قولكم أو اجهروا به) مستأنفة مسوقة لبيان تساوي الأسرار والجهر بالنسبة إلى علم الله سبحانه. والمعنى إن أخفيتم كلامكم أو جهرتم به في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكل ذلك يعلمه الله لا تخفى عليه منه خافية، وتقديم السر على الجهر للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر، والمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع المعلومات كان علمه تعالى بما يسرونه أقدم منه بما يجهرون به مع كونها في الحقيقة على السوية. فإن علمه تعالى بمعلومات ليس بطريق حصول صورها بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، أو لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة الجهر إذ ما من شيء يجهر به إلا وهو أو مباديه مضمر في القلب يتعلق به الإسرار غالباً فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية. وقوله (إنه عليم بذات الصدور) تعليل للاستواء المذكور وتقرير له، وفي صيغة الفعيل وتحلية الصدور بلام الاستغراق ووصف الضمائر بصاحبيتها من الجزالة ما لا غاية وراءه، كأنه قيل: إنه مبالغ في الإحاطة بمضمرات جميع الناس وأسرارهم الخفية المستكمنة في صدورهم بحث لا تكاد تفارقها أصلاً، فكيف يخفى عليه ما تسرونه وتجهرون به، ويجوز أن يراد بذات الصدور القلوب التي في الصدور، والمعنى إنه عليم بالقلوب وأحوالها فلا يخفى عليه سر من أسرارها.

الملك 67:14

(ألا يعلم) الاستفهام للإنكار والمقصود نفي عدم إحاطة علمه تعالى بالمضمر والمظهر والمعنى ألا يعلم السر ومضمرات القلوب (من خلق) ذلك وأوجده، فالموصول عبارة عن الخالق، ويجوز أن يكون عبارة عن المخلوق، وفي (يعلم) ضمير يعود إلى الله المخلوق الذي هو من جملة خلقه فإن الأسرار والجهر ومضمرات القلوب من جملة خلقه وفيه إثبات خلق الأقوال فيكون دليلاً على خلق أفعال العباد، وقال أبو بكر بن الأصم وجعفر بن حرب: " من " مفعول والفاعل مضمر وهو الله تعالى، فاحتالا بهذا لنفي خلق الأفعال (وهو اللطيف الخبير) أي الذي لطف علمه بما في القلوب الخبير بما تسره وتضمره من الأمور لا تخفى عليه من ذلك خافية. ثم امتن سبحانه على عباده فقال

الملك 67:15

(هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً) أي سهلة لينة مذللة تستقرون عليها منقادة لما تريدون منها من مشي عليها، وزرع وحبوب وغرس وغير ذلك، ولم يجعلها خشنة بحيث يمتنع عليكم السكون والمشي عليها، والذلول في الأصل هو المنقاد الذي يذل لك ولا يستصعب عليك، والمصدر الذل، وتقديم " لكم " على مفعولي الجعل مع أن حقه التأخر عنهما للإهتمام بما قدم والتشويق إلى ما أخر، فإن ما حقه التقديم إذا أخر لا سيما عند كون المقدم مما يدل على كون المؤخر من منافع المخاطبين تبقى النفس مترقبة لوروده فيتمكن لديها عند ذكره فضل تمكن. (فامشوا في مناكبها) استدلالاً واسترزاقاً، والفاء لترتيب الأمر بالمشي على الجعل المذكور والأمر للإباحة قال مجاهد والكلبي ومقاتل مناكبها طرقها وأطرافها ونواحيها وجوانبها، وقال قتادة وشهر بن حوشب: مناكبها جبالها وقيل: فجاجها وبه قال ابن عباس، وقال أيضاًً: أطرافها، وأصل المنكب الجانب ومنه منكب الرجل ومنه الريح النكباء لأنها تأتي من جانب دون جانب. (وكلوا من رزقه) أي مما رزقكم وخلقه لكم والتمسوا من نعم الله تعالى. " عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن الله يحب العبد المؤمن المحترف " [[حديث ضعيف انظر ضعيف الجامع - 1704.]] أخرجه الطبراني وابن عدي والبيهقي في الشعب والحكيم الترمذي (وإليه) لا إلى غيره (النشور) من قبوركم للجزاء فيسألكم عن شكر ما أنعم عليكم، فبالغوا في شكر نعمه وآلائه، وفي هذا وعيد شديد. أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20) أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21) ثم خوف سبحانه الكفار فقال:

الملك 67:16

(أأمنتم من في السماء) قال الواحدي قال المفسرون: يعني عقوبة من في السماء، وقيل: من في السماء عرشه وقدرته وسلطانه أي محل سلطانه ومحل قدرته، وهو العالم العلوي، وخص بالذكر وإن كان كل موجود محلاً للتصرف فيه ومقدوراً له تعالى لأن العالم العلوي أعجب وأغرب، فالتخويف به أشد من التخويف بغيره. وقيل: الملائكة وقيل: المراد جبريل وقيل: هو الله سبحانه وهو الحق، لأن ظاهر النظم القرآني يقتضي أن الباري تعالى فوق السماء " وفي " بمعنى على والمعنى من ثبت واستقر في السماء أي على العالي وهو العرش، قرأ الجمهور أأمنتم بهمزتين وقرىء بالتخفيف وبقلب الأولى واواً. وقوله (أن يخسف بكم الأرض) بدل اشتمال من الموصول أي أأمنتم خسفة أو على حذف (من) أي من أن يخسف، والمعنى يقلبها متلبسة بكم كما فعل بقارون بعد ما جعلها لكم ذلولاً تمشون في مناكبها. (فإذا هي تمور) أي تضطرب وتتحرك بكم على خلاف ما كانت عليه من السكون والاطمئنان، وقيل: تهوي بهم، وقيل: تجيء وتذهب، والأول أولى، قال الرازي: إن الله يحرك الأرض عند الخسف بهم حتى تتحرك فتعلو عليهم وهم يخسفون فيها فتنقلب فوقهم وتخسفهم إلى أسفل سافلين. ثم كرر سبحانه التهديد لهم بوجه آخر فقال

الملك 67:17

(أم أمنتم) إضراب عن التهديد بما ذكر، وانتقال إلى التهديد بوجه آخر أي بل أأمنتم (من في السماء) وهو الله سبحانه وتعالى وفيه دليل على علوه ومباينته عن خلقه باستوائه على عرشه. (أن يرسل عليكم حاصباً) أي حجارة من السماء كما أرسلها على قرية قوم لوط وأصحاب الفيل، وقيل: سحاب فيها حجارة وقيل: ريح فيها حجارة وحصباء كأنها تقلع الحصباء لشدتها وقوتها، والكلام فيه كالكلام في أن يخسف بكم الأرض فهو إما بدل اشتمال أو بتقدير من. (فستعلمون) عند معاينة العذاب [[قال الحفناوي ظاهر السياق أن المراد العذاب الموعود به وهو خسف الأرض وكذا في قوله الآتي (فكيف كان نكير) فيقتضي أن كفار مكة قد خسف بهم ورموا بالأحجار مع أنهم لم يقع لهم ذلك، فإن قيل: المراد بقوله فستعلمون الخ التخويف بعذاب الآخرة قلنا يصير في الكلام نوع تفكيك خصوصاً وقد قال أبو السعود أي بإنذاري عند مشاهدتكم للمنذر به ولكن لا ينفعكم العلم حينئذ انتهى وهذا يقتضي أن الكلام في العذاب المخوف به وقد علمت ما فيه ولم نر من الشراح من نبه على هذا والله أعلم بمراده وأسرار كتابه.]] (كيف نذير) أي إنذاري بالعذاب أي أنه حق، قاله المحلي، وقيل: النذير هنا محمد صلى الله عليه وسلم قاله عطاء والضحاك والمعنى: ستعلمون رسولي وصدقه، والأول أولى.

الملك 67:18

(ولقد كذب الذين من قبلهم) أي من قبل كفار مكة من كفار الأمم الماضية كقوم نوح وعاد وثمود وقوم ولوط وأصحاب الأيكة وأصحاب الرس وقوم فرعون والالتفات إلى الغيبة لإبراز الإعراض عنهم. (فكيف كان نكير) أي إنكاري عليهم بما أصبتهم به من العذاب الفظيع، وهذا هو مورد التأكيد القسمي لا تكذيبهم فقط، وفيه من المبالغة في تسلية رسول الله عليه وسلم وتشديد التهديد لقومه ما لا يخفى.

الملك 67:19

(أو لم يروا) الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدّر أي أغفلوا ولم ينظروا ولم يروا وأجمع القراء على قراءته بياء الغيبة لأن السياق للرد على المكذبين بخلاف ما في النحل ففيه الغيبة والخطاب (إلى الطير) جمع طائر ويقع على الواحد والجمع، وقال ابن الأنباري: الطير جماعة وتأنيثها أكثر من تذكيرها ولا يقال للواحد طير بل طائر، وقلما يقال للأنثى طائرة (فوقهم) في الهواء (صافات) حال أي صافة لأجنحتها في الهواء والجو وتبسطها عند طيرانها. (ويقبضن) أي يضممن أجنحتهن إلى جنوبهن إذا ضربنها بها حيناً فحيناً للاستظهار والاستعانة على التحرك والطيران قال النحاس: يقال للطائر إذا بسط جناحه صاف، وإذا ضمها قابض، كأنه يقبضها وهذا معنى الطيران وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط، وإنما قال ويقبضن ولم يقل قابضات كما قال صافات لأن القبض يتجدد تارة فتارة وأما البسط فهو الأصل كذا قيل، وقيل: المعنى قبضهن لأجنحتهن عند الوقوف من الطيران لا قبضها في حال الطيران. (ما يمسكهن إلا الرحمن) حالية أو مستأنفة لبيان كمال قدرة الله سبحانه، والثاني أظهر، والمعنى أنه ما يمسكهن في الهواء عن الوقوع عند الطيران إلا الرحمن القادر على كل شيء وإلا فالثقيل يتسفل طبعاً ولا يعلو وكذا لو أمسك حفظه وتدبيره عن العالم لتهافتت الأفلاك (إنه بكل شيء بصير) لا يخفى عليه شيء كائناً ما كان، يعلم كيف يخلق الغرائب وكيف يدبر العجائب، فبصير بمعنى العالم بالأشياء الدقيقة الغريبة.

الملك 67:20

(أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والالتفات عن الغيبة إلى الخطاب للتشديد في ذلك التبكيت، والمعنى أنه لا جند لكم يمنعكم من عذاب الله، والجند الحزب والمنعة، قرأ الجمهور " أمن " بتشديد الميم على إدغام ميم أم في ميم من، وأم بمعنى بل ولا سبيل إلى تقدير الهمزة بعدها كما هو الغالب في تقدير أم المنقطعة ببل والهمزة لأن ما بعدها ههنا من الاستفهامية فأغنت عن ذلك التقدير، ومن الاستفهامية مبتدأ واسم الإشارة خبره، والموصول مع صلته صفة اسم الإشارة وينصركم صفة لجند ومن دون الرحمن في محل نصب على الحال من فاعل ينصركم، والمعنى بل من هذا الحقير الذي هو في زعمكم جند لكم متجاوزاً نصر الرحمن. (إن الكافرون إلا في غرور) معترضة مقررة لما قبلها ناعية عليهم ما هم فيه من غاية الضلال، والالتفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان باقتضاء حالهم الإعراض عنهم، والإظهار في موضع الإضمار لذمهم بالكفر وتعليل غرورهم به، والمعنى ما الكافرون إلا في غرور عظيم من جهة الشيطان يغرهم به.

الملك 67:21

(أمن) تكتب أم موصولة في " من " وكذا يقال فيما تقدم (هذا الذي يرزقكم) الكلام في هذا كالكلام في الذي قبله أي من الذي يدر عليكم الرزق من المطر وغيره (إن أمسك رزقه) أي أسباب رزقه التي ينشأ عنها كالمطر، بل لو كان الرزق موجوداً كثيراً سهل التناول فوضع الآكل لقمة في فيه فأمسك الله تعالى عنه قوة الإزدراد لعجز أهل السموات والأرض عن أن يسوغوا تلك اللقمة. وجواب الشرط محذوف لدلالة ما قبله عليه أي إن أمسك رزقه فمن يرزقكم غيره. وقوله (بل لجوا في عتو ونفور) ينبىء عن مقدر يستدعيه المقام كأنه قيل: أثر تمام التبكيت والتعجيز لم يتأثروا لذلك ولم يذعنوا للحق، بل تمادوا في عناد واستكبار عن الحق ونفور عنه ولم يعتبروا ولا تفكروا، قال الرازي: واللجاج تقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه، والعتو العناد والطغيان، والنفور الشرود وقال ابن عباس: في عتو ونفور أي في ضلال. أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (22) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (25) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (26)

الملك 67:22

(أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى) مثل ضرب للمشرك والموحد توضيحاً لحالهما وتحقيقاً لشأن مذهبهما، والفاء لترتيب ذلك على ما ظهر من سوء حالهم وخرورهم في مهاوي الغرور، وركوبهم متن عشواء العتو والنفور، وعدم اهتدائهم في مسلك المحاجة إلى جهة يتوهم فيها رشد في الجملة، فإن تقدم الهمزة عليها صورة إنما هو لاقتضائها الصدارة، وأما بحسب المعنى فالأمر بالعكس كما هو المشهور حتى لو كان مكان الهمزة هل لقيل: فهل من يمشي مكباً الخ. والمكب والمنكب الساقط على وجهه يقال: كببته فأكب وانكب وقيل هو الذي يكب رأسه فلا ينظر يميناً ولا شمالاً ولا أماماً فهو لا يأمن العثور والانكباب على وجهه، وقيل: أراد به الأعمى الذي لا يهتدي إلى الطريق، فلا يزال مشيه ينكسه على وجهه، والمكب اسم فاعل من أكب اللازم المطاوع لكبه، يقال: كبه الله على وجهه في النار فأكب أي سقط. وهذا على خلاف القاعدة من أن الهمزة إذا دخلت على اللازم تصيره متعدياً، وهنا قد دخلت على للتعدي فصيرته لازماً. قال قتادة: هو الكافر يكب على معاصي الله سبحانه في الدنيا فيحشره الله يوم القيامة على وجهه، والهمزة للاستفهام الإنكاري، والمعنى هل هذا الذي يمشي على وجهه أهدى إلى المقصد الذي يريده. (أمَّن يمشي سوياً) قائماً معتدلاً ناظراً إلى ما بين يديه سالماً من الخبط والعثار (على صراط مستقيم) أي على طريق مستوٍ، لا اعوجاج به ولا انحراف فيه، قال ابن عباس: مكباً في الضلالة وسوياً مهتدياً قيل يعني بالمكب أبا جهل وبالسوي النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل: أراد بمن يمشي مكباً من يحشر على وجهه إلى النار. ومن يمشي سوياً من يحشر على قدميه إلى الجنة، وهو كقول قتادة الذي ذكرناه ومثله قوله: (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم) وخبر " من " محذوف لدلالة خبر " من " الأولى وهو أهدى عليه، وقيل: لا حاجة إلى ذلك لأن " من " الثانية معطوف على " من " الأولى عطف المفرد على المفرد كقولك: أزيد قائم أم عمرو، ووحد الخبر لأن أم لأحد الشيئين.

الملك 67:23

(قل) لهم يا أشرف الخلق مذكراً لهم بما دفع عنه المولى من المفاسد. وجمع لهم من المصالح ليرجعوا إليه ولا يعولوا في حال من الأحوال إلا عليه (هو الذي أنشأكم) إنشاء بديعاً (وجعل لكم السمع) لتسمعوا به آيات الله وتتمسكوا بما فيها من الأوامر والنواهي وتتعظوا بموعظها. (والأبصار) لتبصروا بها الآيات التكوينية الشاهدة بشؤون الله عز وجل، ووجه إفراد السمع مع جمع الأبصار أنه مصدر يطلق على الكثير والقليل، وقد قدمنا بيان هذا في مواضع مع زيادة البيان. (والأفئدة) لتفكروا بها في مخلوقات الله وآياته التنزيلية والتكوينية وترتقوا في معارج الإيمان والطاعة، وخصها بالذكر لأنها آلات العلم، وذكر الله سبحانه ههنا أنه قد جعل لهم ما يدركون به المسموعات والمبصرات والمعقولات إيضاحاً للحجة وقطعاً للمعذرة وذماً لهم على عدم شكر نعم الله ولهذا قال: (قليلاً ما تشكرون) أي باستعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله من الأمور المذكورة وقليلاً نعت لمحذوف " وما " مزيدة لتأكيد التقليل أي شكراً قليلاً أو زماناً قليلاً فالقلة على ظاهرها وقيل أراد بقلة الشكر عدم وجوده منهم إن كان الخطاب للكفرة، قال مقاتل: يعني أنكم لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه. " عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من اشتكى ضرسه فليضع إصبعه عليه وليقرأ هذه الآية (هو الذي أنشأكم -إلى قوله- تشكرون) " أخرجه الخطيب في تاريخه وابن النجار. و" عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اشتكى ضرسه فليضع أصبعه عليه ويقرأ هاتين الآيتين سبع مرات (وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع) إلى قوله (يفقهون) و (هو الذي أنشأكم) إلى (تشكرون) فإنه يبرأ باذن الله " أخرجه [[هذا الحديث والذي قبله لا يطمئن إليهما القلب. ولم أجدهما في كتب الحديث عندي.]] الدارقطني في الإفراد.

الملك 67:24

(قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون) أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يخبرهم أن الله هو الذي خلقهم في الأرض ونشرهم فيها وفرقهم على ظهرها وبثهم وأنشأهم بعد ما كانوا كالذر، وأن حشرهم إليه للجزاء لا إلى غيره اشتراكاً أو استقلالاً فليبنوا أمورهم على ذلك. ثم ذكر سبحانه أنهم يستعجلون العذاب فقال:

الملك 67:25

(ويقولون) من فرط عتوهم استهزاء وسخرية وتكذيباً (متى هذا الوعد) الذي تذكرون من الحشر والقيامة والنار والعذاب (إن كنتم صادقين) في ذلك والخطاب منهم للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن معه من المؤمنين لانهم كانوا مشاركين له في الوعد وتلاوة الآيات المتضمنة له، وجواب الشرط محذوف والتقدير إن كنتم صادقين فأخبرونا به أو فبينوا وقته لنا. ثم لما قالوا هذا القول أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجيب عليهم فقال

الملك 67:26

(قل إنما العلم) أي أن وقت قيام الساعة علمه (عند الله لا يعلمه غيره ومثله قوله (إنما علمها عند ربي) ثم أخبرهم أنه مبعوث للإنذار لا للإخبار بالغيب فقال: (وإنما أنا نذير مبين) أي أنذركم عاقبة كفركم وأبين لكم ما أمرني الله ببيانه بإقامة الأدلة حتى يصير ذلك كأنه مشاهد، والإنذار يكفي له العلم بل الظن بوقوع المحذر منه. فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (27) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28) قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (29) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (30) ثم ذكر سبحانه حالهم عند معاينة العذاب فقال

الملك 67:27

(فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً) الفاء فصيحة معربة عن تقدير جملتين وترتيب الشرطية عليهما كأنه قيل وقد أتاهم الموعود به فرأوه فلما رأوه الخ، وزلفة مصدر بمعنى الفاعل أي مزدلفاً أو حال من المفعول أو ذا زلفة وقرب، أو رأوه في مكان ذا زلفة قال مجاهد: أي قريباً وقال الحسن: عياناً. وأكثر المفسرين على أن المراد عذاب الآخرة يوم القيامة، وقال مجاهد: المراد عذاب بدر وقيل رأوا ما وعدوا به من الحشر قريباً منهم كما يدل عليه قوله (وإليه تحشرون) وقيل لما رأوا عملهم السيء قريباً. (سيئت وجوه الذين كفروا) أي اسودت وعلتها الكآبة والقترة وغشيتها الذلة والسواد يقال ساء الشيء يسوء فهي سيء إذا قبح، والأصل ساء وجوههم العذاب ورؤيته أي حزنها، وساءت هنا ليست هي المرادفة لبئس. والمقام للضمير وأتى بالمظهر توصلاً لذمهم بالكفر وتعليل المساءة به، قال الزجاج المعنى تبين فيها السوء أي ساءهم ذلك العذاب فظهر عليه بسببه في وجوههم ما يدل على كفرهم كقوله (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) قرأ الجمهور سيئت بكسر السين بدون إشمام وقرىء بالإشمام. (وقيل) لهم توبيخاً وتقريعاً (هذا) المشاهد الحاضر من العذاب هو العذاب (الذي كنتم به تدعون) في الدنيا أي تطلبونه وتستعجلون به استهزاء، على أن معنى تدعون الدعاء قال الفراء: تدعون تفتعلون من الدعاء أي تتمنون وتسألون، وبهذا قال الأكثر من المفسرين، وقال الزجاج: تدعون الأباطيل والأحاديث. وقيل معنى تدعون تكذبون، هذا على قراءة الجمهور تدعون بالتشديد فهو إما من الدعاء كما قال الأكثر أو من الدعوى كما قال الزجاج ومن وافقه. والمعنى أنهم كانوا يدعون أنه لا بعث ولا حشر ولا جنة ولا نار، وقرىء تدعون مخففاً ومعناها ظاهر وهي مؤيدة للقول بأنها من الدعاء، قال قتادة: هو قولهم (رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا) وقال الضحاك: هو قولهم (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء) الآية، قال النحاس تدَّعون وتدعون بمعنى واحد كما تقول قدر واقتدر، وغدى واغتدى، إلا أن افتعل معناه مضى شيئاًً بعد شيء وفعل يقع على القليل والكثير.

الملك 67:28

(قل أرأيتم إن أهلكني الله) بموت أو قتل كقوله وإن أمرؤ هلك أو بالعذاب (ومن معي) من المؤمنين (أو رحمنا) بتأخير ذلك إلى أجل أو لم يعذبنا (فمن يجير الكافرين من عذاب أليم) أي فمن يمنعهم ويؤمنهم من العذاب. والمعنى أنه لا ينجيهم من ذلك أحد سواء أهلك الله رسوله والمؤمنين معه كما كان الكفار يتمنونه أو أمهلهم. وقيل المعنى إنا مع إيماننا بين الخوف والرجاء. فمن يجيركم مع كفركم من العذاب، ووضع الظاهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالكفر وبيان أنه السبب في عدم نجاتهم. وتعليل نفي الإجارة به؛ وأرأيتم بمعنى أخبروني كما ذكره بعض المفسرين وأنها إذا كانت كذلك تنصب مفعولين الأول مفرد والثاني جملة استفهامية ولا شيء منهما هنا؛ فكأن الجملة الشرطية سدت مسد الفعولين. وقوله (فمن يجير) الخ جواب الشرط وفي تسببه على الشرط بعد، وممكن أن يقال الجواب محذوف تقديره، فلا فائدة لكم في ذلك ولا نفع يعود عليكم لأنكم لا مجير لكم من عذاب الله.

الملك 67:29

(قل هو الرحمن) أي الذي أدعوكم إلى عبادته مولى النعم كلها (آمنا به) وحده لا نشرك به شيئاًً لما علمنا أن كل ما سواه إما نعمة أو منعم عليه (وعليه) لا على غيره (توكلنا) أي فوضنا الأمور إليه عز وجل لعلمنا بأن ما عداه كائناً ما كان بمعزل من النفع والضر. (فستعلمون) إذا نزل بكم العذاب (من هو في ضلال مبين) منا ومنكم، وفي هذا تهديد شديد مع إخراج الكلام مخرج الإنصاف. قرأ الجمهور فستعلمون بالفوقية على الخطاب وقرىء بالتحتية على الخبر. ثم احتج سبحانه عليهم ببعض نعمه وخوّفهم سلب تلك النعمة عنهم فقال

الملك 67:30

(قل أرأيتم) أي أخبروني (إن أصبح ماؤكم) الذي تعدونه في أيديكم كما نبهت عليه الإضافة (غوراً) أي غائراً في الأرض بحيث لا يبقى له وجود فيها أو صار ذاهباً في الأرض إلى مكان بعيد بحيث لا تناله الدلاء، يقال غار الماء غوراً أي نضب والغور الغائر وصف بالمصدر للمبالغة، كما يقال رجل عدل، وقد تقدم مثل هذا في سورة الكهف، وكان ماؤهم من بئر زمزم وبئر ميمون؛ قال ابن عباس غوراً داخلاً في الأرض وعنه يرجع في الأرض. (فمن يأتيكم بماء معين) أي ظاهر تراه العيون وتناله الدلاء، وقيل هو من معن الماء إذا كثر، وقال قتادة والضحاك أي جار وقد تقدم معنى المعين في سورة المؤمنون، وقرأ ابن عباس بماء عذب. وعنه قال بماء معين أي الجاري، وعنه قال معين ظاهر وعنه قال عذب. والمقصود من الآية أن يجعلهم مقرين ببعض نعمه عليهم ويريهم قبح ما هم عليه من الكفر والعناد والكبر، قال المحلي ويستحب أن يقول القارىء عقب معين: " الله رب العالمين " كما ورد في الحديث، وتليت هذه الآية عند بعض المتجبرين فقال تأتي به الفؤوس والمعاول، فذهب ماء عينه وعمي، نعوذ بالله من الجرأة على الله وعلى آياته.

القلم 68:1

سورة نون وتسمى سورة القلم اثنتان وخمسون آية، وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، وعن ابن عباس وقتادة أن من أولها إلى قوله: (أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) مدني، ومن بعد ذلك إلى قوله: (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) مكي وممن بعد ذلك إلى قوله: (فَهُمْ يَكْتُبُونَ) مكي، كذا قال الماوردي، وعن ابن عباس قال كانت إذا نزلت فاتحة سورة بمكة كتبت بمكة ثم يزيد الله فيها ما شاء، وكان أول ما نزل من القرآن اقرأ باسم ربك ثم نون ثم المزمل ثم المدثر، وعنه نزلت نون بمكة وعن عائشة مثله. بسم الله الرحمن الرحيم ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) (ن) قرىء بإدغام النون الثانية من هجائها في الواو وقرىء بالإظهار وبالفتح على إضمار فعل وبكسرها على إضمار القسم، أو لأجل التقاء الساكنين، وبضمها على البناء؛ عن ابن عباس أنه قال نون: الدواة، أخرجه ابن المنذر وعبد بن حميد، وأخرج ابن مردويه عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " النون السمكة [[هذا من المروي بغير تحقيق. رواه الطبري 29/ 14 وأبو ظبيان قابوس وفيه لين كما قال ابن حجر في التقريب.]] التي عليها قرار الأرضين "، وقال مجاهد والسدي ومقاتل: هو الحوت الذي يحمل الأرض، وبه قال مرة الهمداني، وعطاء الخراساني والكلبي. وقيل إن نون آخر حرف من حروف الرحمن؛ وقال ابن زيد: هو قسم أقسم الله به؛ وقال ابن كيسان: هو فاتحة السورة وقال عطاء وأبو العالية: هي النون من نصر وناصر؛ وقال محمد بن كعب: أقسم الله بنصره المؤمنين، وقيل اسم للسورة وقيل اسم للقرآن وقيل هو حرف من حروف الهجاء كالفواتح الواقعة في أوائل السور المفتتحة بذلك، وقد اختاره المحلي حيث قال أحد حروف الهجاء؛ وأراد بذلك الرد على من قال أنه مقتطع من اسمه تعالى الرحمن أو النصير أو الناصر أو النور. وقال النسفي: الظاهر أن المراد به هذا الحرف من حروف المعجم؛ وأما قول الحسن أنه الدواة وقول ابن عباس أنه الحوت الذي عليه الأرض واسمه بهموت فمشكل سواء كان جنس أو إسم علم، فالسكون دليل على أنه من حروف المعجم انتهى وقد عرفناك ما هو الحق في مثل هذه الفواتح في أول سورة البقرة. (والقلم) الواو واو القسم أقسم الله بالقلم لما فيه من البيان وهو واقع على كل قلم يكتب به في الأرض والسماء، وقال جماعة من المفسرين ومنهم المحلي المراد به القلم الذي كتب به الكائنات في اللوح المحفوظ، أقسم الله به تعظيماً له، قال قتادة القلم من نعمة الله على عباده وعن عبادة بن الصامت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد " [[زاد المسير، 8/ 327.]] أخرجه الترمذي وصححه وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه. وأخرج ابن جرير من حديث معاوية بن قرة عن أبيه مرفوعاً نحوه، وعن ابن عباس قال: " إن الله خلق النون وهي الدواة وخلق القلم فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة " أخرجه ابن جرير وابن المنذر، وأخرج الحكيم الترمذي عن أبي هريرة مرفوعاً نحوه [[رواه ابن عساكر 17/ 247/1 عن الحسن بن يحيي الخشني عن أبي عبد الله مولى بني أمية عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه بأطول منه، وتمامه: " ثم قال له: أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: أكتب ما يكون - أو ما هو كائن من عمل أو رزق أو أجل، فكتب ذلك إلى يوم القيامة، فذلك قوله: (ن والقلم وما يسطرون) ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة، ثم خلق العقل وقال: وعزتي لأكملنك فيمن أحببت، ولأنقصتك ممن أبغضت ". والحسن بن يحيي صدوق كثير الغلط كما قال الحافظ في " التقريب "، والحديث رواه أحمد في " المسند " 5/ 317 من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وليس فيه ذكر النون في أوله ولا ذكر العقل في آخره، ورواه الترمذي 2/ 162 بنحو رواية أحمد وقال: حديث حسن صحيح غريب، ورواه أيضاًً أبو داود في " سننه " رقم (4700) والطبري 29/ 17 وهو حديث صحيح بهذا القدر.]]. وعن ابن عباس أن أول شيء خلقه الله القلم فقال الله له اكتب فقال: يا رب ما أكتب؟ فقال: اكتب القدر، فجرى من ذلك اليوم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة ثم طوى الكتاب ورفع القلم وكان عرشه على الماء فارتفع بخار الماء ففتقت منه السموات ثم خلق النون فبسطت الأرض عليه والأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت الجبال، فإن الجبال لتفخر على الأرض إلى يوم القيامة ثم قرأ (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ) أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات وأبو الشيخ وغيرهم. (وما يسطرون) ما موصولة والضمير عائد إلى أصحاب القلم المدلول عليهم بذكره لأن ذكر آلة الكتابة تدل على الكاتب، والمعنى والذي يكتبون كل ما يكتب أو الحفظة الكاتبون على بني آدم قال ابن عباس يسطرون يكتبون، ويجوز أن تكون ما مصدرية أي وسطرهم، وقيل الضمير راجع إلى القلم خاصة من باب إِسناد الفعل إلى الآلة وإجرائها مجرى العقلاء، وعن ابن عباس أيضاًً قال: (وما يسطرون) ما يعلمون.

القلم 68:2

(ما أنت بنعمة ربك بمجنون) جواب القسم وما نافية أي انتفى عنك الجنون بنعمة ربك كما يقال أنت بحمد الله عاقل، قيل الباء متعلقة بمضمر هو حال كأنه قيل أنت بريء من الجنون متلبساً بنعمة الله التي هي النبوة والرسالة العامة، وقيل الباء للقسم أي ما أنت ونعمة ربك بمجنون، وقيل النعمة هنا الرحمة، والآية رد على الكفار حيث قالوا (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون).

القلم 68:3

(وإن لك لأجراً) أي ثواباً على ما تحملت من أثقال النبوة وقاسيت من أنواع الشدائد (غير ممنون) أي غير مقطوع، يقال مننت الحبل إذا قطعته وقال مجاهد غير محسوب، وقال الحسن غير مكدر بالمن، وقال الضحاك أجراً بغير عمل وقيل غير مقدر، وقيل غير ممنون به عليك من جهة الناس، وقيل غير منقوص.

القلم 68:4

(وإنك لعلى خلق عظيم) قيل هو الإسلام والدين، حكاه الواحدي عن الأكثرين، قال الحفناوي أقسم أولاً بالقلم ثم بسطر الملائكة أو بمسطورهم، فالمقسم به شيئان على ثلاثة أشياء نفي الجنون عنه وثبوت الأجر له وكونه على دين الإسلام، وقيل هو القرآن، روي هذا عن الحسن والعوفي، وقال قتادة: هو ما كان يأتمر به من أمر الله وينتهي عنه من نهي الله، قال الزجاج المعنى أنك على الخلق الذي أمرك الله به في القرآن، وقيل هو لرفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المعنى إنك على طبع كريم، قال الماوردي وهذا هو الظاهر وحقيقة الخلق في اللغة ما يأخذ الإنسان نفسه به من الأدب. عن سعد بن هشام قال: أتيت عائشة فقلت: يا أم المؤمنين " أخبريني بخلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان خلقه القرآن " [[هو قطعة من حديث طويل رواه الإمام أحمد في " مسنده " 6/ 51، 52، ورواه مسلم 1/ 512 بنحو حديث أحمد. ورواه الحاكم في " المستدرك " 2/ 499 مختصراً، وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 250 مختصراً، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه عن عائشة رضي الله عنها. قال ابن كثير: ومعنى هذا أنه عليه الصلاة والسلام صار امتثال القرآن أمراً ونهياً سجية له وخُلُقاً تطبعه وترك طبعه الجبلي، فمهما أمره القرآن فعله، ومهما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم، من الحياء، والكرم، والشجاعة، والصفح، والحلم، وكل خلق جميل.]] أما تقرأ القرآن (إنك لعلى خلق عظيم)، أخرجه مسلم وابن المنذر والحاكم وغيرهم، وعنها قالت: " ما كان أحد أحسن خلقاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته إلا قال لبيك، فلذلك أنزل الله (وإنك لعلى خلق عظيم) " أخرجه ابن مردويه وابن نعيم في الدلائل والواحدي. وعن أبي الدرداء قال: " سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه " أخرجه البيهقي في الدلائل وابن مردويه وابن المنذر. وعن أبي عبد الله الحدلي قال: " قلت لعائشة: كيف خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: لم يكن فاحشاً ولا متفاحشاً ولا صخاباً في الأسواق ولا يجزي بالسيئة السيئة. ولكن يعفو ويصفح ". أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي وصححه وابن مردويه. وقيل غير ذلك مما يطول ذكره وهو في كتب الشمائل والسير مستوفى.

القلم 68:5

(فستبصر ويبصرون) أي ستبصر يا محمد ويبصر الكفار إذا تبين الحق وانكشف الغطاء، وذلك يوم القيامة، قال ابن عباس: أي ستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل، وقيل في الدنيا بظهور عاقبة أمرك بغلبة الإسلام واستيلائك عليهم بالقتل والنهب، وهذا وعد له ووعيد لهم.

القلم 68:6

(بأيكم المفتون) قال الخطيب: ترسم بأيكم ههنا بيائين انتهى، والباء زائدة للتأكيد أي أيكم المفتون بالجنون كذا قال الأخفش وأبو عبيدة وغيرهما إلا أنه ضعيف من حيث أن الباء لا تزاد في المبتدأ إلا في بحسبك فقط، وقيل ليست الباء زائدة، والمفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور، والتقدير بأيكم الفتون أو الفتنة، وقال الفراء ومجاهد: إن الباء بمعنى في فهي ظرفية أي في أيكم الفتون في الفريق الذي أنت فيه أم في الفريق الآخر، ويؤيد هذا قراءة ابن أبي عبلة بفي. وقيل في الكلام حذف مضاف أي بأيكم فتن المفتون فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، روي هذا عن الأخفش أيضاًً تكون الباء سببية وقيل المفتون المعذب. من قول العرب فتنت الذهب بالنار إذا أحميته ومنه قوله تعالى: (يوم هم على النار يفتنون) وقيل المفتون هو الشيطان، لأنه مفتون في دينه والمعنى بأيكم الشيطان، قال ابن عباس: كانوا يقولون إنه شيطان وإنه مجنون، وعنه قال: المفتون المجنون، وقال قتادة ومقاتل: هذا وعيد لهم بعذاب يوم بدر، والمعنى سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر بأيكم المفتون. إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (13) أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14)

القلم 68:7

(إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) تعليل للجملة التي قبلها فإنها تتضمن الحكم عليهم بالجنون لمخالفتهم لما فيه نفعهم في العاجل والآجل، واختيارهم ما فيه ضرهم فيهما، وتأكيد لما فيه من الوعد والوعيد، والمعنى هو أعلم بمن ضل عن سبيله الموصل إلى سعادة الدارين (وهو أعلم بالمهتدين) إلى سبيله الموصل إلى تلك السعادة الآجلة والعاجلة فهو مجاز كل عامل بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.

القلم 68:8

(فلا تطع المكذبين) الفاء لترتيب النهي على ما ينبىء عنه ما قبله من اهتدائه صلى الله عليه وآله وسلم وضلالهم، أو على جميع ما فصل من أول السورة، وهذا تهييج للتصميم على مباينتهم، نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين وهم رؤساء كفار مكة لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض لغيره عن أن يطيع الكفار أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير فنهاه الله عن ذلك كما يدل عليه قوله:

القلم 68:9

(ودّوا لو تدهن فيدهنون) فإن الإدهان هو الملاينة والمسامحة والمداراة، قال الفراء المعنى لو تلين فيلينوا لك، وكذا قال الكلبي وقال الضحاك والسدي ودوا لو تكفر فيتمادوا على الكفر، وقال الربيع بن أنس ودوا لو تكذب فيكذبون، وقال قتادة لو تذهب عن هذا الأمر فيذهبون معك، وقال الحسن لو تصانعهم عن دينك فيصانعونك وقال مجاهد لو تركن إليهم وتترك ما أنت عليه من الحق فيمايلونك، قال ابن قتيبة كانوا أرادوه على أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدوا الله مدة، وقال ابن عباس لو ترخص لهم فيرخصون. وقوله فيدهنون عطف على تدهن داخل في حيز لو أو هو خبر مبتدأ محذوف أي فهم يدهنون، قال سيبويه وزعم قالون أنها في بعض المصاحف ودوا لو تدهن فيدهنوا بغير نون والنصب على جواب التمني المفهوم من " ودوا " والظاهر من اللغة في معنى الإدهان هو ما ذكرناه أولاً [[قال ابن جرير الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ودَّ هؤلاء المشركون يا محمد لو تلين لهم في دينك بإجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادتك إلهك، كما قال جل ثناؤه: (وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) قال: وإنما هو مأخوذ من الدُّهن، شبه التليين في القول بتليين الدُّهن.]].

القلم 68:10

(ولا تطع كل حلاف) أي كثير الحلف بالباطل وكفى به مزجرة لمن اعتاد الحلف (مهين) فعيل من المهانة وهي القلة في الرأي والتمييز، وقال مجاهد: هو الكذاب، وقال قتادة: المكثار في الشر، وكذا قال الحسن: وقيل هو الفاجر العاجز وقيل هو الحقير عند الله، وقيل هو الذليل، وقيل هو الوضيع. وأخرج ابن مردويه عن أبي عثمان النهدي قال: قال مروان لما بايع الناس ليزيد: سنة أبي بكر وعمر، فقال: عبد الرحمن بن أبي بكر إنها ليست بسنة أبي بكر وعمر لكنها سنة هرقل، فقال مروان: هذا الذي أنزل فيه (والذي قال لوالديه أف لكما) الآية. قال فسمعت ذلك عائشة فقالت: إنها لم تنزل في عبد الرحمن. ولكن نزل في أبيك (ولا تطع كل حلاف مهين) [[راجع دفاع عائشة هذا بالتفصيل في كتاب (الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة) مطبعة الإمام، وهو من النوادر وقد تم طباعة الكتاب في بيروت.]].

القلم 68:11

(هماز) هو المغتاب للناس، قال زيد هو الذي يهمز بأخيه، وقيل الهماز العياب، وقيل الهماز الذي يذكر الناس في وجوههم، واللماز الذي يذكرهم في مغيبهم، كذا قال أبو العالية والحسن وعطاء بن أبي رباح، وقال مقاتل: عكس هذا، وقيل الهماز الذي يهمز الناس بيده ويضربهم، واللمز باللسان، وقيل الهمز كاللمز وزناً ومعنى وبابه ضرب، وهمزات الشيطان خطراته التي يخطرها بقلب الإنسان. (مشّاء بنميم) هو الذي يمشي بالنميمة بين الناس ليفسد بينهم، يقال نم ينم إذا سعى بالفساد بين الناس، وقيل النميم جمع نميمة أي نقال للحديث من قوم إلى قوم على وجه السعاية والإفساد بينهم [[وقد ثبت في " الصحيحين " من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبرين، فقال: " إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة ". وفي " الصحيحين " أيضاًً من حديث حذيفة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا يدخل الجنة قتان " أي: نمام، كما في رواية أخرى لمسلم.]].

القلم 68:12

(مناع للخير) أي بخيل بالمال لا ينفقه في وجهه، وقيل هو الذي يمنع أهله وعشيرته عن الإسلام، قال الحسن: يقول لهم من دخل منكم في دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم لا أنفعه بشيء أبداً (معتد) أي متجاوز الحد في الظلم [[في " الصحيحين " عن حارثة بن وهب الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أنبئكم بأهل الجنة، كل ضعيف متضعّف لو أقسم على الله لأبرَّه، ألا أنبئكم بأهل النار كل عُتلّ جَوَّاظ مستكبر ". والجوَّاظ: الجموع المنوع.]] (أثيم) كثير الآثام.

القلم 68:13

(عتل) قال الواحدي: المفسرون يقولون هو الشديد الخلق الفاحش الخلق وقال الفراء: هو الشديد الخصومة في الباطل، وقال الزجاج: هو الغليظ الجافي في الطبع من عتله إذا قاده بعنف وغلظة، وقال الليث: هو الأكول المنوع، وقيل قاسي القلب وقيل الذي يعتل الناس أي يحملهم ويجرهم إلى ما يكرهون من حبس وضرب، ومنه (خذوه فاعتلوه) وقيل هو الفاحش اللئيم. (بعد ذلك زنيم) أي هو بعد ما عد من معايبه ومثالبه الثمانية دعيٌّ ملصق مستلحق بالقوم، وليس هو منهم، مأخوذ من الزنمة المتدلية في حلق الشاة أو الماعز، وقال سعيد بن جبير: الزنيم المعروف بالشر وقيل هو رجل من قريش كان له زنمة كزنمة الشاة. وقيل هو الظلوم، وقال ابن عباس: له زنمة كزنمة الشاة والعتل هو الدعي والزنيم هو المريب الذي يعرف بالشر وعنه قال: الزنيم الدعي وعنه الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها وعنه قال هو الرجل يمر على القوم فيقولون رجل سوء، وقال: أيضاًً الزنيم الظلوم. وهذه البعدية في الرتبة لا في الخارج، قال الشهاب فبعد هنا كثم للتراخي في الرتبة قال أبو السعود وفيه دلالة على أن دعوته أشد معايبه وأقبح قبائحه؛ وقد قيل أن هذه الآيات نزلت في الأخنس بن شريق لأنه حليف ملحق في بني زهرة؛ وقيل في الوليد بن المغيرة وبه قال الجمهور، وقيل في أبي جهل بن هشام، وقيل في الأسود ابن عَبْد يغوث، قاله ابن عباس.

القلم 68:14

(أن كان ذا مال وبنين) متعلق بقوله تعالى: (ولا تطع) أي لا تطع من هذه مثالبه لأن كان متمولاً مستظهراً بالبنين، قاله الفراء والزجاج، وقيل متعلق بما دل عليه جملة

القلم 68:15

(إذا تتلى) من معنى الجحود والتكذيب لا يقال الذي هو جواب الشرط لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله كأنه قيل لكونه مستظهراً بالمال والبنين كذب بآياتنا، وفيه أنه يدل على أن مدار تكذيبه كونه ذا مال وبنين من غير أن يكون لسائر قبائحه دخل في ذلك. قرىء أن كان بهمزة واحدة على الخبر وقرىء بهمزة واحدة ممدودة على الاستفهام؛ والمراد به التوبيخ والتقريع حيث جعل مجازاة النعم التي خوَّله الله من المال والبنين أن كفر به وبرسوله، وقرىء بهمزتين مخففتين وقرأ نافع في رواية عنه بكسر الهمزة على الشرط وجوابه مقدر أي إن كان كذا يكفر وبحد دل عليه ما بعده. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ (16) إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ (22) (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا) أي القرآن (قال) هي (أساطير) أي أكذوبة (الأولين) والجملة مستأنفة جارية مجرى التعليل للنهي.

القلم 68:16

(سنسمه على الخرطوم) أي سنكويه بالكي على أنفه مهانة له وعلامة يعير بها ما عاش، قال أبو عبيدة وأبو زيد والمبرد: الخرطوم الأنف وتخصيص الأنف بالذكر لأن الوسم عليه أبشع؛ وفي التعبير عن الأنف بالخرطوم استهجان واستهزاء باللعين، لأن الخرطوم أنف السباع وغالب ما يستعمل في أنف الفيل والخنزير، وفي القاموس الخرطوم كزنبور الأنف أو مقدمه أو ما ضممت عليه الحنكين كالخرطم كقنفذ. وفي السمين هو هنا عبارة عن الوجه كله من التعبير عن الكل باسم الجزء لأنه أظهر ما فيه وأعلاه، والأول أولى، وقد جرح أنف هذا اللعين يوم بدر فبقى أثر الجرح في أنفه بقية عمره. وقال مقاتل سنسمه بالسواد على الأنف وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار وقال الزجاج: سنجعل له في الآخرة العلم الذي يعرف به أهل النار من اسوداد وجوههم، وقال قتادة: سنلحق به شيئاًً لا يفارقه. واختار هذا ابن قتيبة قال: والعرب تقول قد وسمه ميسم سوء يكون ألصق به عاراً لا يفارقه فالمعنى أن الله ألحق به عاراً لا يفارقه كالوسم على الخرطوم، وقيل معنى سنسمه سنحطمه بالسيف وقال النضر بن شميل: المعنى سنجده على شرب الخمر وقد يسمى الخمر بالخرطوم ومنه قول الشاعر: تظل يومك في لهو وفي طرب ... وأنت بالليل شراب الخراطيم

القلم 68:17

(إنا بلوناهم) يعني كفار مكة فإن الله ابتلاهم بالجوع والقحط بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أكلوا الجيف والرمم، والابتلاء الاختبار، والمعنى أعطيناهم الأموال ليشكروا لا ليبطروا فلما بطروا وعادوا محمداً صلى الله عليه وسلم ابتليناهم ابتلاء. (كما بلونا أصحاب الجنة) المعروف خبرهم عندهم، وذلك أنها كانت بأرض اليمن على فرسخين من صنعاء لرجل يؤدي حق الله منها فمات وصارت إلى أولاده، فمنعوا الناس خيرها وبخلوا بحق الله فيها، قال الواحدي هم قوم من ثقيف كانوا باليمن مسلمين ورثوا من أبيهم ضيعة فيها جنات وزرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيها من كل شيء حظاً للمساكين عند الحصاد والصرام، فقالت بنوه المال قليل والعيال كثير، ولا يسعنا أن نفعل كما كان يفعل أبونا وعزموا على حرمان المساكين فصارت عاقبتهم إلى ما قص الله في كتابه [[ذكر أهل التفسير أن رجلاً كان بناحية اليمن له بستان، وكان مؤمناً. وذلك بعد عيسى ابن مريم عليهما السلام، وكان يأخذ منه قدر قوته، وكان يتصدّق بالباقي. وقيل: كان يترك للمساكين ما تعدَّاه المنجل، وما يسقط من رؤوس النخل، وما ينتثر عند الدِّراس، فكان يجتمع من هذا شيء كثير، فمات الرجل عن ثلاث بنين، فقالوا: والله إن المال لقليل، وإن العيال لكثير، وإنما كان أبونا يفعل هذا إذْ كان المال كثيراً، والعيال قليلاً، وأما الآن فلا نستطيع أن نفعل هذا. فعزموا على حرمان المساكين، وتحالفوا بينهم ليغدُنَّ قبل خروج الناس، فليصرمُنَّ نخلهم، فذلك قوله تعالى: (إذا أقسموا) أي: حلفوا (ليصرمُنها) أي: ليقطعن نخلهم (مصبحين) أي: في أول الصباح. وقد بقيت من الليل ظُلمة لئلا يبقى للمساكين شيء.]]. وقال الحسن: كانوا كفاراً قال النسفي: والجمهور على الأول، وقال الكلبي: كان بينهم وبين صنعاء فرسخان، ابتلاهم الله بأن حرق جنتهم وقيل هي جنة كانت بصروان وصروان بالصاد المهملة على فراسخ من صنعاء وكان أصحاب هذه الجنة بعد رفع عيسى بزمن يسير، قاله الزوقاني: في شرح المواهب، وذكره القرطبي أيضاًً ومثله في حواشي البيضاوي، وقال ابن عباس: هم ناس من أهل الحبشة كان لأبيهم جنة وكان يطعم منها المساكين فمات أبوهم فقال بنوه: إن كان أبونا لأحمق كان يطعم المساكين. (إذ أقسموا) أي حلف معظمهم إلا الأوسط قال لهم لا تفعلوا واصنعوا من الإحسان ما كان يصنعه أبوكم، قال البقاعي وكأنه تعالى طواه لأنه مع الدلالة عليه بما يأتي لم يؤثر شيئاًً. (ليصرمنها مصبحين) أي ليقطعنها داخلين في وقت الصباح قبل انتشار الفقراء، والصرام القطع للثمر والزرع، يقال صرم العذق عن النخلة وأصرم النخل أي حان وقت صرامه، والانصرام الانقطاع والتصارم التقاطع والتصرم التقطع، وإذ تعليلية أو ظرفية بنوع تسمح لأن الإقسام كان قبل ابتلائهم، وليصرمنها جواب القسم.

القلم 68:18

(ولا يستثنون) يعني ولا يقولون إن شاء الله وسمي استثناء وهو الشرط لأن معنى لأخرجن إن شاء الله، ولا أخرج إلا أن يشاء الله واحد قاله الزمخشري، وهذه الجملة مستأنفة لبيان ما وقع منهم أو حال، وقيل المعنى ولا يستثنون للمساكين من جملة ذلك القدر الذي كان يدفعه أبوهم إليهم قاله عكرمة، وقيل المعنى لا يثنون عزمهم عن الحرمان.

القلم 68:19

(فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون) أي فنزل على تلك الجنة طائف من جهة الله سبحانه أي هلاك أو بلاء في حال نومهم، والطائف غلب في الشر، قال الفراء هو الأمر الذي يأتي ليلاً ورد عليه بقوله تعالى: (إذا مسهم طائف من الشيطان) وذلك لا يختص بليل ولا نهار، وقرىء طيف، والطائف قيل هو نار أحرقتها حتى صارت سوداء كذا قال مقاتل، وقيل الطائف جبريل اقتلعها، وقال ابن عباس طائف أي أمر من الله. وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إياكم والمعصية فإن العبد ليذنب الذنب الواحد فينسى به الباب من العلم، وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به قيام الليل وإن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقاً قد كان هيىء له ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف عليها الآية قد حرموا خير جنتهم بذنبهم ". وفي هذه الآية دليل على أن العزم مما يؤاخذ به الإنسان لأنهم عزموا على أن يفعلوا فعوقبوا قبل فعلهم، ونظيره قوله تعالى: (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم). وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إذا التقى المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار قيل: يا رسول هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصاً على قتل صاحبه " [[صحيح الجامع/380.]] وهذا محمول على العزم المصمم. وأما ما يخطر بالبال من غير عزم فلا يؤاخذ به قاله القرطبي.

القلم 68:20

(فأصبحت كالصريم) فعيل بمعنى مفعول أي صارت كالشيء الذي صرمت ثماره أي قطعت. وقال الفراء: كالصريم كالليل المظلم، والمعنى أنها حرقت فصارت كالليل الأسود قال: والصريم الرماد الأسود بلغة خزيمة، وقال الأخفش أي كالصبح الصريم من الليل يعني أنها يبست وابيضت بلا شجر، وقال المبرد: الصريم الليل والصريم النهار أي ينصرم هذا عن هذا وذاك عن هذا، وقيل سمي الليل صريماً لأنه يقطع بظلمته عن التصرف، وقال المؤرج: الصريم الرملة لأنها لا ينبت عليها شيء ينتفع به، وقال الحسن: صرم منها الخير أي قطع.

القلم 68:21

(فتنادوا مصبحين) أي نادى بعضهم بعضاً داخلين في الصباح معطوف على أقسموا، وما بينهما اعتراض لبيان ما نزل بتلك الجنة، قال مقاتل لما أصبحوا قال بعضهم لبعض

القلم 68:22

(أن اغدوا) أن هي المفسرة لأن في التنادي معنى القول أو هي المصدرية أي بأن اغدوا والمراد أخرجوا غدوة. (على حرثكم) وأقبلوا عليه باكرين، والغدو يتعدى بإلى وعلى فلا حاجة إلى تضمينه معنى الإقبال كما قيل، والمراد بالحرث الثمار والزرع والعنب (إن كنتم صارمين) أي قاصدين للصرم، وجواب الشرط محذوف أي إن كنتم مريدين صرامه فاغدوا، وقيل معنى صارمين ماضين في العزم من قولك سيف صارم. فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31)

القلم 68:23

(فانطلقوا) أي ذهبوا إلى جنتهم (وهم يتخافتون) أي يسرون الكلام بينهم لئلا يعلم أحد بهم، يقال خفت يخفت إذا سكن ولم ينبس، قال ابن عباس الخفت الإسرار والكلام الخفي، وقيل المعنى يخفون أنفسهم من الناس حتى لا يروهم فيقصدوهم كما كانوا يقصدون أباهم وقت الحصاد، والأول أولى لقوله:

القلم 68:24

(أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) فإن " أن " هي المفسرة للتخافت المذكور لما فيه من معنى القول، والمعنى يسر بعضهم إلى بعض هذا القول وهو لا يدخل هذه الجنة اليوم عليكم مسكين فيطلب منكم أن تعطوه منها ما كان يعطيه أبوكم، وأوقع النهي على دخول المساكين لأنه أبلغ لأن دخولهم أعم من أن يكون بإدخالهم أو بدونه.

القلم 68:25

(وغدوا) أي ساروا إليها غدوة (على حرد) الحرد يكون بمعنى المنع والغضب والقصد، قال قتادة ومقاتل والكلبي والحسن ومجاهد: الحرد هنا بمعنى القصد لأن القاصد إلى الشيء حارد، يقال حرد يحرد إذا قصد تقول حردت حردك أي قصدت قصدك وبابه ضرب، وقال أبو نصر صاحب الأصمعي: هو مخفف فعلى هذا بابه فهم، وقال ابن السكيت: وقد يحرك فعلى هذا بابه طرب فهو حارد وحردان انتهى، وقال أبو عبيدة والمبرد والقتيبي: على حرد على منع من قولهم حردت الإبل حرداً إذا قلت ألبانها، والحرود من النوق هي القليلة اللبن، وقال السدي وسفيان والشعبي: على حرد على غضب، وعن قتادة ومجاهد أيضاًً: على حرد على حسد، وقال الحسن أيضاًً: على حاجة وفاقة، وقيل على حرد على انفراد يقال حرد يحرد حرداً وحروداً إذا تنحى عن قومه ونزل منفرداً عنهم ولم يخالطهم. وبه قال الأصمعي وغيره. وقد فسرت الآية الكريمة بجميع ما ذكرت، وقال الأزهري " حرد " اسم قريتهم، وقال السدي اسم جنتهم، قرأ الجمهور حرد بسكون الراء وقرىء بفتحها. قال الفراء ومعنى (قادرين) قد قدروا أمرهم وبنوا عليه في ظنهم، وأما في الواقع فليس كذلك لهلاك الثمر عليهم وعلى الفقراء، ففي نفس الأمر لم يمنعوهم منه، وقال قتادة قادرين على جنتهم عند أنفسهم، وقال الشعبي يعني قادرين على المساكين. وقال ابن عباس ذوو قدرة أو من التقدير، وهو التضييق أي مضيقين على المساكين.

القلم 68:26

(فلما رأوها) أي جنتهم وشاهدوا ما قد حل بها من الآفة التي أذهبت ما فيها (قالوا إنا لضالون) أي قال بعضهم لبعض بديهة وصولهم قبل التأمل قد ضللنا طريق جنتنا وليست هذه، قال ابن عباس: أي أضللنا مكان جنتنا وقيل معنى قولهم: (إنا لضالون) أنهم ضلوا عن الصواب بما وقع منهم، ثم لما تأملوا وعلموا أنها جنتهم وأن الله سبحانه قد عاقبهم بإذهاب ما فيها من الثمر والزرع قالوا مضربين إضراباً إبطالياً لكونهم ضالين.

القلم 68:27

(بل نحن محرومون) أي حرمنا جنتنا بسبب ما وقع منا من العزم على منع المساكين من خيرها، فأضربوا عن قولهم الأول إلى هذا القول، قيل إن الحق الذي منعه أصحاب الجنة والمساكين يحتمل أنه كان واجباً عليهم، ويحتمل أنه كان تطوعاً والأول أظهر، والله أعلم.

القلم 68:28

(قال أوسطهم) أي أمثلهم وأعقلهم وخيرهم رأياً وعقلاً ونفساً، وقال ابن عباس: أعدلهم وقيل أفضلهم فأنكر عليهم بقوله (ألم أقل لكم) إن ما فعلتموه لا ينبغي وإن الله لبالمرصاد لمن حاد وغير ما في نفسه. (لولا تسبحون) أي هلا تستثنون، وسمى الاستثناء تسبيحاً لأنه تعظيم لله وإقرار به، وهذا يدل على أن أوسطهم كان أمرهم بالاستثناء فلم يطيعوه، وقال مجاهد وأبو صالح وغيرهما: كان استثناؤهم تسبيحاً، قال النحاس: أصل التسبيح التنزيه لله عز وجل فجعل التسبيح في موضع إن شاء الله لأنه ينزه عن أن يجري في ملكه ما لا يريده، وقيل المعنى هلا تستغفرون الله من فعلكم وتتوبون إليه من هذه النية التي عزمتم عليها، وكان أوسطهم قد قال لهم ذلك. وقيل المعنى هلا تتركون شيئاًً للمساكين من ثمر جنتكم والأول أولى. فلما قال لهم ذلك بعد مشاهدتهم للجنة على تلك الحالة

القلم 68:29

(قالوا سبحان ربنا) أي تنزيهاً له عن أن يكون ظالماً فيما صنع بجنتنا، ثم أكدوا قباحة فعلهم هضماً لأنفسهم وتحقيقاً لتوبتهم بقوله (إنا كنا ظالمين) أي إن ذلك بسبب ذنبنا الذي فعلناه، قيل معنى تسبيحهم الاستغفار أي نستغفر ربنا من ذنبنا إنا كنا ظالمين لأنفسنا في منعنا للمساكين.

القلم 68:30

(فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون) أي يلوم بعضهم بعضاً في منعهم للمساكين وعزمهم على ذلك، يقول هذا لهذا أنت أشرت علينا بهذا الرأي، ويقول ذاك لهذا أنت خوفتنا الفقر، ويقول الثالث لغيره أنت رغبتني في جمع المال، ثم نادوا على أنفسهم بالويل حيث:

القلم 68:31

(قالوا يا ويلنا) هذا وقت حضورك إلينا ومنادمتك لنا فإنه لا نديم لنا الآن غيرك (إنا كنا طاغين) أي عاصين متجاوزين حدود الله بمنع الفقراء وترك الاستثناء، قال ابن كيسان أي طغينا نعم الله فلم نشكرها كما شكرها أبونا من قبل. عَسَى رَبُّنَا أَنْ يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِنْهَا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) ثم رجعوا إلى الله وسألوه أن يعوضهم بخير منها فقالوا

القلم 68:32

(عسى ربنا أن يبدلنا خيراً منها) قيل إنهم تعاقدوا فيما بينهم وقالوا إن أبدلنا الله خيراً منها لنصنعن كما صنع أبونا فدعوا الله وتضرعوا فأبدلهم من ليلتهم ما هو خير منها بأن أمر الله جبريل أن يقتلع تلك الجنة المحترقة فيجعلها بزغر من أرض الشام ويأخذ من الشام جنة فيجعلها بمكانها، قرأ الجمهور يبدلنا بالتخفيف وقرىء بالتشديد وهما لغتان وقراءتان سبعيتان، والتبديل تغيير ذات الشيء أو تغيير صفته، والإبدال رفع الشيء جملة ووضع آخر مكانه كما مضى في سورة سبأ. (إنا إلى ربنا راغبون) أي طالبون منه الخير راجون لعفوه راجعون إليه وعدّى بإلى وهو إنما يتعدى بعن أو بفي لتضمينه معنى الرجوع. عن ابن مسعود بلغني أنهم أخلصوا وعرف الله منهم الصدق فأبدلهم بها جنة تسمى الحيوان فيها عنب يحمل البغل منه عنقوداً واحداً، وقال اليماني أبو خالد: دخلت تلك الجنة فرأيت فيها كل عنقود منها كالرجل القائم الأسود، قال الحسن قول أهل الجنة: (إنا إلى ربنا راغبون) لا أدري أكان إيماناً منهم أو على حد ما يكون من المشركين إذا أصابتهم الشدة، فتوقف في كونهم مؤمنين، وسئل قتادة عن أصحاب الجنة أهم من أهل الجنة أم من أهل النار قال لقد كلفتني تعباً، والمعظم يقولون إنهم تابوا وأخلصوا، حكاه القشيري.

القلم 68:33

(كذلك العذاب) أي مثل ذلك العذاب الذي بلوناهم به وبلونا أهل مكة عذاب الدنيا لمن سلك سبيلهم (ولعذاب الآخرة أكبر) أي أشد وأعظم من عذاب الدنيا (لو كانوا) أي المشركون (يعلمون) أنه كذلك ولكنهم لا يعلمون. ولما فرغ سبحانه من ذكر حال الكفار وتشبيه ابتلائهم بابتلاء أصحاب الجنة المذكورة ذكر حال المتقين وما أعده لهم من الخير فقال:

القلم 68:34

(إن للمتقين) ما يوجب سخطه من الكفر والمعاصي (عند ربهم) عز وجل في الدار الآخرة (جنات النعيم) الخالص الذي لا يشوبه كدر ولا ينغصه خوف زوال كما يشوب جنات الدنيا.

القلم 68:35

(أفنجعل المسلمين كالمجرمين) الاستفهام للتقريع والتوبيخ للكفار على هذا القول الذي قالوه وقد وبخوا وقرعوا باستفهامات سبعة أولها هذا، والسابع (أم لهم شركاء) والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أنحيف في الحكم فنجعل المسلمين كالكافرين، وكأن العبارة مقلوبة والأصل أفنجعل المجرمين كالمسلمين لأنهم جعلوا أنفسهم كالمسلمين بل أفضل لأنه كان صناديد كفار قريش يرون وفور حظهم في الدنيا وقلة حظوظ المسلمين فيها فلما سمعوا بذكر الآخرة وما يعطي الله المسلمين فيها قالوا إن صح ما يزعمه محمد لم يكن حالنا وحالهم إلا مثل ما هي في الدنيا، فقال الله مكذباً لهم راداً عليهم (أفنجعل) الآية والمعنى أفنجعل المجرمين مساوين للمسلمين في العطاء، لا، كما ذكر في آية أخرى (لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة) قاله علي القاري، وبعد ذلك ليس في الآية إلا نفي المساواة، والكفار ادعوا الأفضلية أو المساواة إلا أن يقال إذا انتفت المساواة انتفت الأفضلية بالأولى. ثم قال سبحانه على طريقة الالتفات

القلم 68:36

(ما لكم كيف تحكمون) هذا الحكم الأعوج كأن أمر الجزاء مفوض إليكم تحكمون فيه بما شئتم

القلم 68:37

(أم لكم كتاب فيه تدرسون) أي تقرأون فيه فتجدون المطيع كالعاصي، ومثل هذا قوله تعالى: (أم لكم سلطان مبين فأتوا بكتابكم) ثم قال سبحانه (إن) قرأ الجمهور بالكسر على أنها معمولة لتدرسون أي تدرسون في الكتاب. إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (41) يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42)

القلم 68:38

(إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) فلما دخلت اللام كسرت الهمزة أو على الحكاية للمدروس، وقيل قد تم الكلام عند قوله (تدرسون) ثم ابتدأ فقال إن لكم الخ أي ليس لكم ذلك، وقرىء بفتح أن على العامل فيه تدرسون مع زيادة لام التأكيد، ومعنى تخيرون تختارون وتشتهون. ثم زاد سبحانه في التوبيخ فقال

القلم 68:39

(أم لكم أيمان علينا بالغة) أي عهود مؤكدة بالأيمان موثقة متناهية إذ العهد كلام مؤكد بالقسم فأطلق الجزء وأريد الكل والمعنى أم لكم أيمان على الله استوثقتم بها في أن يدخلكم الجنة ثابتة لكم (إلى يوم القيامة) لا يخرج عن عهدتها حتى يحكمكم يومئذ، قرأ الجمهور (بالغة) بالرفع على النعت لأيمان وقرىء بنصبها على الحال من أيمان لأنها قد تخصصت بالعمل أو بالوصف أو من الضمير في لكم أو في علينا، وجواب القسم قوله: (إن لكم لما تحكمون) به لأنفسكم لأن معنى أم لكم أيمان أم أقسمنا لكم، وقيل قد تم الكلام عند قوله (إلى يوم القيامة) ثم ابتدأ فقال إن لكم الخ أي ليس الأمر كذلك.

القلم 68:40

(سلهم) موبخاً لهم ومقرعاً (أيهم بذلك) الحكم الخارج عن الصواب (زعيم) أي كفيل لهم بأن لهم في الآخرة ما للمسلمين فيها، وقال ابن كيسان الزعيم هنا القائم بالحجة والدعوى، وقال الحسن الزعيم الرسول.

القلم 68:41

(أم لهم شركاء) غيرهم يشاركونهم في هذا القول ويوافقونهم فيه، ويذهبون مذهبهم فيه وقيل معناه شهداء يشهدون بصدق ما ادعوه، وقيل المراد بهم الأصنام والأول أولى وأظهر، وقيل المعنى أم لهم شركاء يجعلونهم مثل المسلمين في الآخرة. (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) فيما يقولون إذ لا أقل من التقليد وهو أمر تعجيز، وجواب الشرط محذوف، قال القاضي وقد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به لدعواهم من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيهاً على مراتب النظر وتزييفاً لما لا سند له.

القلم 68:42

(يوم) ظرف لقوله فليأتوا أي فليأتوا بها يوم (يكشف عن ساق) ويجوز أن يكون ظرفاً لفعل مقدر أي اذكر يوم يكشف، قال الواحدي: قال المفسرون: في قوله (عن ساق) عن شدة من الأمر وصعوبة الخطب، قال ابن قتيبة: أصل هذا إن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه شمر عن ساقه فيستعار الكشف عن الساق في موضع الشدة قال: وتأويل الآية يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى أن يكشف عن ساق، قال أبو عبيدة: إذا اشتد الحرب والأمر قيل كشف الأمر عن ساقه والأصل فيه من وقع في شيء يحتاج فيه إلى الجد شمر عن ساقه فاستعير الساق والكشف عن موضع الشدة وهكذا قال غيره من أهل اللغة، وقد استعملت ذلك العرب في أشعارها وكثر في كلامهم حتى صار كالمثل للأمر العظيم الشديد فهذا التركيب من قبيل الكناية أو الاستعارة التمثيلية. قال الزمخشري الكشف عن الساق والإبداء عن الحزام مثل في شدة الأمر وصعوبة الخطب، وقيل ساق الشيء أصله وقوامه كساق الشجرة وساق الإنسان أي يوم يكشف عن ساق الأمر فتظهر حقائقه، وقيل يكشف عن ساق جهنم، وقيل عن ساق العرش، وقيل هو عبارة عن القرب، وقيل يكشف عن ساق الرب سبحانه عن نوره. وقال النسفي: لا كشف ثمة ولا ساق ولكن كني به عن الشدة لأنهم إذا ابتلوا بشدة كشفوا عن الساق، وأما من شبه فلضيق عطنه وقلة نظره في علم البيان ولو كان الأمر كما زعم المشبه لكان من حق الساق أن تعرف لأنها ساق معهودة عنده انتهى وسيأتي ما هو الحق، قرأ الجمهور يكشف بالتحتية مبنياً للمفعول، وقرأ ابن مسعود وابن عباس وغيرهما بالفوقية مبنياً للفاعل أي الشدة أو الساعة، وقرىء بالفوقية مبنياً للمفعول وقرىء بالنون وقرىء بالفوقية المضمومة وكسر الشين من أكشف الأمر أي دخل في الكشف. عن أبي هريرة في الآية قال " يكشف الله عز وجل عن ساقه " [[هو جزء من حديث طويل مشهور في البخاري 13/ 359 ومسلم 1/ 168 ورواه البخاري مختصر 8/ 508 ونصه: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " يكشف ربنا عن ساقه، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياءً وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً ".]]، وعن ابن مسعود قال " يكشف عن ساقه تبارك وتعالى "، وعن ابن عباس قال يكشف عن أمر عظيم، وقال: قال ابن مسعود يكشف عن ساقه فيسجد كل مؤمن ويقسو ظهر الكافر فيصير عظماً واحداً. وعن ابن عباس أنه سئل عن قوله يوم يكشف عن ساق، قال إذا خفي عليكم شيء من القرآن فاتبعوه في الشعر فإنه ديوان العرب أما سمعتم قول الشاعر: وقامت الحرب بنا على ساق قال ابن عباس هذا يوم كرب شديد، وروي عنه نحو هذا من طرق أخرى وعنه هو أشد ساعة يوم القيامة وقد أغنانا الله سبحانه في تفسير هذه الآية بما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد أخرج البخاري وغيره عن أبي سعيد قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يكشف ربنا عن ساقه فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقاً واحداً " وهذا الحديث ثابت من طرق في الصحيحين وغيرهما وله ألفاظ في بعضها طول وهو حديث مشهور معروف. وعن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم في الآية " قال عن نور عظيم فيخرون له سجداً " أخرجه أبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات وضعفه، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل وذلك لا يستلزم تجسيماً ولا تشبيهاً فليس كمثله شيء. دعوا كل قول عند قول محمد ... فما آمن في دينه كمخاطر وهكذا تهيب القول فيه شيوخ الإسلام فأجروه على ظاهر لفظه، ولم يكشفوا عن باطن معناه، والتأويل هو مذهب المتكلمين ومنهم النسفي في المدارك والبيضاوى في أنوار التنزيل. قال الشيخ أحمد ولي الله المحدث في كتابه حجة الله البالغة واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث وسموهم مجسمة ومشبهة وقالوا هم المستترون بالبلكفة [[أي قولهم " بلا كيف ".]] وقد وضح عليّ وضوحاً بيناً أن استطالتهم هذه ليست بشيء وأنهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى. (ويدعون إلى السجود) قال الواحدي قال المفسرون يسجد الخلق كلهم لله سجدة واحدة ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا (فلا يستطيعون) لأن أصلابهم تيبس فلا تلين للسجود، وقال الربيع ابن أنس: يكشف عن الغطاء فيقع من كان آمن بالله في الدنيا فيسجدون له، ويدعى الآخرون إلى السجود فلا يستطيعون لأنهم لم يكونوا آمنوا بالله في الدنيا، والدعاء إلى السجود يكون امتحاناً لإيمانهم لا تكليفاً بالسجود إذ تلك الدار ليسمت دار تكليف: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43) فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45) أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (46) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)

القلم 68:43

(خاشعة أبصارهم) حال من ضمير يدعون ونسبة الخشوع إلى الأبصار وهو الخضوع والذلة لظهور أثره فيها (ترهقهم) أي تغشاهم (ذلة) شديدة وحسرة وندامة وصغار (وقد كانوا) في الدنيا (يدعون إلى السجود) دعوة تكليف. (وهم سالمون) أي معافون من العلل متمكنون من الفعل فلا يجيبون، قال إبراهيم التيمي يدعون بالأذان والإقامة فيأبون؛ وقال سعيد ابن جبير: يسمعون حي على الفلاح فلا يجيبون، قال كعب الأحبار: والله ما نزلت هذه الآية إلا في الذين يتخلفون عن الجماعات. وقال ابن عباس: هم الكفار يدعون في الدنيا وهم آمنون فاليوم يدعون وهم خائفون. وعنه قال: الرجل يسمع الأذان فلا يجيب الصلاة. أخرجه البيهقي في الشعب.

القلم 68:44

(فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديد لهم. أي خل بيني وبينه وكل أمره إلي فأنا أكفيكه. قال الزجاج: معناه لا تشغل به قلبك بل كله إليّ فأنا أكفيك أمره. والفاء لترتيب ما بعدها من الأمر على ما قبلها من أحوالهم المحكية، والمراد بالحديث القرآن قاله السدي. وقيل يوم القيامة. (سنستدرجهم) مستأنفة لبيان كيفية التعذيب لهم المستفاد من قوله فذرني الخ .. والضمير عائد إلى (من) باعتبار معناها والمعنى سنأخذهم بالعذاب على غفلة ونسوقهم إليه درجة فدرجة حتى نوقعهم فيه (من حيث لا يعلمون) أن ذلك استدراج لأنهم يظنونه إنعاماً ولا يفكرون في عاقبته وما سيلقون في نهايته. قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر، وقال الحسن: من مستدرج بالإحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه، والاستدراج ترك المعاجلة، وأصله النقل من حال إلى حال، ويقال استدرج فلان فلاناً أي استخرج ما عنده قليلاً قليلاً، ويقال درجه إلى كذا واستدرجه يعني أدناه إلى التدريج فتدرج هو، ومعنى الكيد والمكر والاستدراج هو الأخذ من جهة الأمن، ولا يجوز أن يسمى الله سبحانه كائداً وماكراً ومستدرجاً. ثم ذكر سبحانه أنه يمهل الظالمين فقال:

القلم 68:45

(وأملي لهم) أي أمهلهم ليزدادوا إثماً، وقد مضى تفسير هذا في سورة الأعراف والطور، وأصل الملاوة المدة من الدهر، يقال أملى الله له أي أطال له المدة والملا مقصوراً الأرض الواسعة سميت به لامتدادها (إن كيدي متين) أي قوي شديد فلا يفوتني شيء، وسمى سبحانه إحسانه كيداً كما سماه استدراجاً لكونه في صورة الكيد باعتبار عاقبته، ووصفه بالمتانة لقوة أثره في التسبب للهلاك.

القلم 68:46

(أم تسألهم أجراً) أعاد سبحانه الكلام إلى ما تقدم من قوله أم لهم شركاء أي أم تلتمس منهم ثواباً على ما تدعوهم إليه من الإيمان بالله (فهم من مغرم) المغرم الغرامة أي فهم من غرامة ذلك الأجر (مثقلون) أي يثقل عليهم حمله لشحهم ببذل المال فأعرضوا عن إجابتك لهذا السبب، والاستفهام للتقريع والتوبيخ لهم، والمعنى أنك لم تسألهم ذلك ولم تطلبه منهم.

القلم 68:47

(أم عندهم الغيب) أي اللوح المحفوظ عند الجمهور أو كل ما غاب عنهم (فهم) من ذلك الغيب (يكتبون) ما يريدون من الحجج التي يزعمون أنها تدل على قولهم ويخاصمونك بما يكتبونه من ذلك، ويحكمون لأنفسهم بما يريدون ويستغنون بذلك عن الإجابة لك والامتثال لما تقوله. فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50) وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (52)

القلم 68:48

(فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) أي لقضائه الذي قد قضاه في سابق علمه، وقيل الحكم هنا هو إمهالهم وتأخير نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم. لأنهم إن أمهلوا لم يهملوا، وقيل هو ما حكم به عليه من تبليغ الرسالة قيل وهذا منسوخ بآية السيف. (ولا تكن كصاحب الحوت) يعني يونس عليه السلام أي لا تكن مثله في الغضب والضجر والعجلة حتى لا تبتلي ببلائه (إذ نادى) أي لا يكن حالك كحاله أو قصتك كقصته في وقت ندائه، ويدل على المحذوف أن الذوات لا ينصب عليها النهي، وإنما ينصب على أحوالها وصفاتها (وهو مكظوم) مملوء غيظاً وكرباً، وقيل غماً، قال الماوردي والفرق بينهما أن الغم في القلب والكرب في الأنفاس. قال قتادة: إن الله يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ويأمره بالصبر وأن لا يعجل كما عجل صاحب الحوت، وقد تقدم بيان قصته في سورة الأنبياء ويونس والصافات، وكان النداء منه بقوله: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) وقيل إن المكظوم المأخوذ بكظمه وهو مجرى النفس، قاله المبرد، وقيل هو المحبوس، والكظم الحبس، ومنه قولهم فلان يكظم غيظه أي يحبس غضبه، قاله ابن بحر. والأول أولى، والجملة حال من ضمير نادى وعليها يدور النهي لا على النداء لأنه أمر مستحسن.

القلم 68:49

(لولا أن تداركه) أي صاحب الحوت (نعمة من ربه) وهي توفيقه للتوبة فتاب الله عليه قال الضحاك: إن النعمة هنا النبوة، وقال سعيد بن جبير: عبادته التي سلفت، وقال ابن زيد: هي نداؤه بقوله لا إله إلا أنت، وقيل إخراجه من بطن الحوت، قاله ابن بحر. وقيل الرحمة. قرأ الجمهور تداركه على صيغة الماضي، وقرىء بتشديد الدال وهو مضارع أدغمت التاء في الدالى، والأصل تتداركه بتاءين، وهذه على حكاية الحال الماضية، وقرىء تداركته بتاء التأنيث وهو خلاف المرسوم، وتداركه فعل ماضٍ مذكر حمل على معنى النعمة لأن تأنيث النعمة غير حقيقي، وتداركته على لفظها. (لنبذ بالعراء) أي لألقي من بطن الحوت على وجه الأرض الخالية من النبات والأشجار والجبال (وهو مذموم) أي يذم ويلام بالذنب الذي أذنبه ويطرد من الرحمة، وقيل مذموم مبعد من كل خير، وقيل مذنب وقيل معاتب، قال الرازي: مذموم على كونه فاعلاً للذنب، قال: والجواب أن كلمة لولا دالة على أن هذه المذمومية لم تحصل أو المراد منه ترك الأفضل، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، أو هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله تعالى:

القلم 68:50

(فاجتباه ربه) أي استخلصه واصطفاه لدعائه وعذره واختاره لنبوته، وهذا مبني على أنه وقت هذه الواقعة لم يكن نبياً، وإنما نبىء بعدها وهو أحد قولين للمفسرين، والثاني أنه كان نبياً ومعنى اجتباه أنه رد عليه الوحي بعد أن كان قد انقطع عنه (فجعله من الصالحين) أي من الكاملين في الصلاح وعصمه من الذنب، وقيل رد إليه النبوة وشفعه في نفسه وفي قومه وقبل توبته وأرسله إلى مائة ألف أو يزيدون بسبب صبره كما تقدم.

القلم 68:51

(وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك) أي ينفذونك قاله ابن عباس، وإن هي المخففة من الثقيلة، قرأ الجمهور بضم الياء من أزلقه أي أزل رجله، يقال أزلقه عن موضعه إذا نحاه، وقرأ نافع وأهل المدينة بفتحها من زلق عن موضعه إذا تنحى وهما سبعيتان، قال الهروي أي يغتالونك بعيونهم فيزلقونك عن مكانك الذي أقامك الله فيه عداوة لك، وقرأ ابن عباس وابن مسعود وغيرهما ليرهقونك أي يهلكونك، وقال الكلبي: يزلقونك أي يصرفونك عما أنت عليه من تبليغ الرسالة وكذا قال السدي وسعيد بن جبير: وقال النضر بن شميل والأخفش: يفتنونك، وقال الحسن وابن كيسان: ليقتلونك. (بأبصارهم) أي ينظرون إليك نظراً شديداً يكاد أن يصرعك ويسقطك عن مكانك والباء إما للتعدية كالداخلة على الآلة أي جعلوا أبصارهم كالآلة المزلقة لك كما تقول عملت بالقدوم، وإما للسببية أي بسبب عيونهم، قال الزجاج: في الآية مذهب أهل اللغة والتأويل أنهم من شدة إبغاضهم وعداوتهم يكادون بنظرهم نظر البغضاء أن يصرعوك. وهذا مستعمل في الكلام يقول القائل نظر إلي نظراً يكاد يصرعني ونظراً يكاد يأكلني، قال ابن قتيبة: ليس يريد الله أنهم يصيبونك بأعينهم كما يصيب العائن بعينه ما يعجبه. وإنما أراد أنهم ينظرون إليك إذا قرأت القرآن نظراً شديداً بالعداوة والبغضاء يكاد يسقطك كما قال الشاعر: يتقارضون إذا التقوا في مجلس ... نظراً يزيل مواطىء الأقدام وقيل: " أرادوا أن يصيبوه بالعين فنظر إليه قوم من قريش المجربة إصابتهم فعصمه الله وحماه من أعينهم فلم تؤثر فيه فنزلت هذه الآية "؛ وذكر الماوردي أن العين كانت في بني أسد من العرب؛ وفيه دليل على أن العين حق، وقد رواه أبو هريرة عنه صلى الله عليه وسلم بهذا اللفظ والحديث متفق عليه [[قال ابن كثير: وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق بأمر الله عز وجل، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة. وقد روى مسلم في " صحيحه " 4/ 1719 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " العين حق، ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا ". وروى البخاري وأصحاب " السنن " عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوِّذ الحسن والحسين يقول: أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامَّة ".]]. وأخذ بظاهر الحديث جماهير العلماء وقالوا إنه حق وإنه ليدخل الرجل القبر والجمل القدر؛ وأنكره طوائف من المبتدعة ولا اعتداد بهم بعد ما ورد في كلام النبوة وصح. قال الحسن: رقية العين هذه الآية [[زاد المسير 8/ 344.]]. (لما سمعوا الذكر) أي وقت سماعهم القرآن لكراهتهم لذلك أشد كراهة، ولما ظرفية منصوبة بيزلقونك. وقيل هي حرف وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه أي لما سمعوا الذكر كادوا يزلقونك (ويقولون) حسداً وتنفيراً عنه (إنه لمجنون) أي ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن. فرد الله عليهم بقوله:

القلم 68:52

(وما هو إلا ذكر للعالمين) لا يدركه ولا يتعاطاه إلا من كان أكمل الناس عقلاً وأمتنهم رأياً، والجملة مستأنفة أو في محل نصب على الحال من فاعل يقولون أي والحال أنه تذكير وبيان لجميع ما يحتاجون إليه أو شرف لهم كما قال سبحانه (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) وقيل الضمير لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه مذكر للعالمين أو شرف لهم.

الحاقة 69:1

سورة الحاقة (هي إحدى أو اثنتان وخمسون آية وهي مكية) قال القرطبي في قول الجميع قال ابن عباس نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله وعن أبي هريرة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الفجر بالحاقة ونحوها " أخرجه الطبراني. بسم الله الرحمن الرحيم الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3) كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) (الْحَاقَّةُ) هي القيامة لأن الأمر يحق فيها وهي تحق في نفسها من غير شك، قاله الطبري كأنه جعلها من باب ليله قائم ونهاره صائم فالإسناد مجازي، قال الأزهري يقال حاققته فحققته أحقه غالبته فغلبته أغلبه، فالقيامة حاقة لأنها تحاق كل محاق في دين الله بالباطل وتخصم كل مخاصم. وقال في الصحاح: حاقه أي خاصمه في صغار الأشياء ويقال ما له فيها حق ولا حقاق ولا خصومة والتحاق التخاصم، والحاقة والحقة والحق ثلاث لغات بمعنى، قال الواحدي: هي القيامة في قول كل المفسرين، وسميت بذلك لأنها ذات الحواق من الأمور وهي الصادقة الواجبة الصدق، وجميع أحكام القيامة صادقة واجبة الوقوع والوجود. قال الكسائي والمؤرج: الحاقة يوم الحق، وقيل سميت بذلك لأن كل إنسان فيها حقيق بأن يجزى بعمله، وقيل سميت بذلك لأنها أحقت لقوم النار، وأحقت لقوم الجنة، وقال ابن عباس: الحاقة من أسماء يوم القيامة وهي مبتدأ وخبرها قوله:

الحاقة 69:2

(ما الحاقة) على أن ما الاستفهامية مبتدأ ثان وخبره الحاقة، والجملة خبر للمبتدأ الأول والمعنى أي شيء هي في حالها أو صفاتها لا تحيط بها العبارة " وما " يسأل بها عن الصفة والحال والمقام للضمير أي ما هي؟ فوضع الظاهر موضعه لتأكيد هولها وزيادة تفظيعه، وقيل هذه الجملة وإن كان لفظها لفظ الاستفهام فمعناها التعظيم والتفخيم لشأنها كما تقول زيد ما زيد، وقد قدمنا تحقيق هذا المعنى في سورة الواقعة. ثم زاد سبحانه في تفظيع شأنها وتفخيم أمرها وتهويل حالها فقال:

الحاقة 69:3

(وما أدراك ما الحاقة) أي أيّ شيء أعلمك ما هي؟ أي كأنك لست تعلمها إذ لم تعاينها وتشاهد ما فيها من الأهوال فكأنها خارجة عن دائرة علم المخلوقين، لا تبلغها دراية أحد منهم ولا وهمه. والنبي صلى الله عليه وسلم كان عالماً بالقيامة ولكن لا علم له بكنهها وصفتها فقيل له ذلك كأنه ليس عالماً بها رأساً، قال يحيى بن سلام: بلغني أن كل شيء في القرآن (وما أدراك) فقد أدراه إياه وعلمه صلى الله عليه وسلم وكل شيء قال فيه (وما يدريك) فإنه ما أخبره به. وقال سفيان بن عيينة: كل ما في القرآن قال فيه: (وما أدراك) فإنه صلى الله عليه وسلم أخبر به وكل شيء قال فيه (وما يدريك) فإنه لم يخبر به ذكره الخطيب، وما مبتدأ وخبره أدراك و (ما الحاقة) جملة من مبتدأ وخبر محلها النصب بإسقاط الخافض أدرى يتعدى إلى المفعول الثاني بالباء كما في قوله: (ولا أدراكم به) فلما وقعت جملة الاستفهام معلقة له كانت في موضع المفعول الثاني وبدون الهمزة يتعدى إلى مفعول واحد بالباء نحو دريت بكذا وإن كان بمعنى العلم تعدى إلى مفعولين والجملة معطوفة على جملة ما الحاقة.

الحاقة 69:4

(كذبت ثمود وعاد بالقارعة) أي بالقيامة وسميت بذلك لأنها تقرع قلوب الناس بشدة أهوالها وتؤثر فيها خوفاً وفزعاً كتأثير القرع المحسوس، فإن القرع في اللغة نوع من الضرب وهو إمساس جسم لجسم بعنف، وفي المصباح وقرعت الباب من باب نفع طرقته ونقرت عليه وقال المبرد: عنى بالقارعة القرآن الذي نزل في الدنيا على أنبيائهم، وكانوا يخوفونهم بذلك فيكذبونهم، وقيل القارعة مأخوذة من القرعة لأنها ترفع أقواماً وتحط آخرين والأول أولى، ويكون وضع ضمير الحاقة للدلالة على عظيم هولها وفظاعة حالها، والجملة مستأنفة لبيان بعض أحوال الحاقة. فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (8) وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَنْ قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ (9)

الحاقة 69:5

(فأما ثمود) هم قوم صالح وكانت منازلهم بالحجر، بين الشام والحجاز، وقال ابن إسحاق هو وادي القرى والمقصود من ذكر هذه القصص زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهؤلاء الأمم في المعاصي لئلا يحل بها ما حل بهم. (فأهلكوا بالطاغية) هي الصيحة التي تجاوزت الحد وهي صيحة جبريل، وقيل الرجفة أي الزلزلة، وقيل هي الفرقة التي عقرت الناقة فأهلك قوم ثمود بسببهم وقال ابن زيد: الطاغية عاقر الناقة أن أهلكوا بما أقدم عليه طاغيتهم من عقر الناقة وكان واحداً وإنما أهلكوا جميعاً لأنهم علموا بفعله ورضوا به، وقيل له طاغيه كما يقال فلان راوية الشعر، وداهية وعلامة ونسابة، وقيل الطاغية مصدر كالعافية أي بطغيانهم وكفرهم، ولكن هذا لا يطابق قوله:

الحاقة 69:6

(وأما عاد) هم قوم هود، وقد تقدم بيان هذا وذكر منازلهم وأين كانت في غير موضع وهي الأحقاف وهو رمل بين عمان وحضرموت باليمن، وقدم ذكر ثمود لأن بلادهم أقرب إلى قريش، وواعظ القريب أكبر، ولأن إهلاكهم بالصيحة وهي أشبه النفخ في الصور. (فأهلكوا بريح) أي بالدبور (صرصر) هي الشديدة البرد مأخوذ من الصر وهو البرد، وقيل الشديدة الصوت وقال مجاهد الشديدة السموم (عاتية) عن الطاعة فكأنها عتت على خزانها فلم تطعهم ولم يقدروا على ردها لشدة هبوبها أو عتت على عاد فلم يقدروا على ردها بل أهلكتهم. قال ابن عباس ما أرسل الله شيئاًً من ريح إلا بمكيال ولا قطرة من ماء إلا بمكيال إلا يوم عاد ويوم قوم نوح، فأما يوم نوح فإن الماء طغى على خزانه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ (إنا لما طغى الماء) وأما يوم عاد فإن الريح عتت على خزانها فلم يكن لهم عليها سبيل ثم قرأ (بريح صرصر عاتية) وعنه قال عاتية غالبة، وعن علي بن أبي طالب نحوه. وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس. عن النبي صلى الله عليه وسلم " قال نصرت بالصبا وأهلكت عاد الدبور "، وعن ابن عمر مرفوعاً " قال ما أمر الخزان على عاد إلا مثْل موضع الخاتم من الريح فعتت على الخزان فخرجت من نواحي الأبواب فذلك قوله (بريح صرصر عاتية) قال عتوها عتت على الخزان " أخرجه ابن أبي حاتم.

الحاقة 69:7

(سخرها عليهم سبع ليال) أي سلطها كذا قال مقاتل، وقيل أرسلها وقال الزجاج أقامها عليهم كما شاء، والتسخير استعمال الشيء بالاقتدار، وفيه رد على من قال إن سبب ذلك كان باتصال الكواكب، فنفى هذا المذهب بقوله (سخرها عليهم) وبين الله تعالى أن ذلك بقضائه وقدره وبمشيئته لا باتصال الكواكب، ذكره الخازن، والجملة مستأنفة لبيان كيفية إهلاكهم، ويجوز أن تكون صفة لريح أو تكون حالاً منها لتخصيصها بالصفة أو من الضمير في عاتية. (وثمانية أيام حسوماً) معطوف على سبع ليال وانتصاب حسوماً على الحال أي ذات حسوم أو على المصدر لفعل مقدر أي تحسمهم حسوماً أو على أنه مفعول له أو على أنه نعت لسبع ليال إلخ ويتضح ذلك بقول الزمخشري الحسوم لا يخلو من أن يكون جمع حاسم كشاهد وشهود أو مصدراً كالشكور والكفور، فإن كان جمعاً فمعنى قوله حسوماً: نحسات حسمت كل خير، واستأصلت كل بركة أو متتابعة هبوب الريح ما خفت ساعة تمثيلاً لتتابعها بتتابع فعل الحاسم في إعادة الكي على الداء كرة بعد أخرى حتى ينحسم، وإن كان مصدراً فإما أن ينتصب بقول مضمر أي تحسمهم حسوماً أي تستأصلهم استئصالاً أو يكون مفعولاً له أي سخرها عليهم للاستئصال. قال الشهاب: حسوماً أي متتابعات فهو مجاز مرسل من استعمال المقيد وهو الحسم الذي هو تتابع الكي المطلق التتابع، أو استعارة بتشبيه تتابع الريح المستأصلة بتتابع الكي القاطع للداء انتهى، والحسوم التتابع فإذا تتابع الشيء لم ينقطع أوله عن آخره قيل له الحسوم. قال الزجاج: الذي توجبه اللغة في معنى قوله حسوماً أي تحسمهم حسوماً تفنيهم وتذهبهم، قال النضر بن شميل: حسمتهم قطعتهم وأهلكتهم، وقال الفراء: الحسوم الإتباع من حسم الداء وهو الكي لأن صاحبه يكوى بالمكواة ثم يتابع ذلك عليه. وقال المبرد: هو من قولك حسمت الشيء إذا قطعته وفصلته عن غيره وبه قال عبد العزيز بن زرارة الكلابي وقيل الحسم الاستئصال ويقال للسيف حسام لأنه يحسم العدو عما يريده من بلوغ عداوته، وقال ابن زيد: حسمتهم فلم يبق منهم أحد، وروي عنه أنه قال حسمت الأيام والليالي. حتى استوفتها لأنها بدأت بطلوع الشمس من أول يوم وانقطعت بغروب الشمس من آخر يوم، وقال الليث: الحسوم هي الشؤم أي تحسم الخير عن أهلها كقوله: (في أيام نحسات) وقال ابن مسعود: حسوماً متتابعات. وقال ابن عباس تباعاً وفي لفظ متتابعات، واختلف في أولها فقيل غداة الأحد وقيل غداة الجمعة وقيل غداة الأربعاء قال وهب: وهذه الأيام هي التي تسميها العرب أيام العجوز كان فيها بردٌ شديد وريح شديدة، وكان أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم الأربعاء وكان الشهر كاملاً فكان آخرها هو اليوم الأخير منه. (فترى) الخطاب لكل من يصلح له أو لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالكلام على سبيل الفرض والتقدير أي أنه لو كان حاضراً حينئذ لرأى (القوم) والضمير في (فيها) يعود إلى الليالي والأيام وقيل إلى مهاب الريح أو إلى البيوت والأول أولى وأظهر، (صرعى) جمع صريع يعني موتى وهو حال، وقوله: (كأنهم أعجاز نخل خاوية) حال من القوم أو مستأنف أي أصول نخل بلا رؤوس ساقطة أو بالية وقيل خالية لا جوف فيها، وقال ابن عباس أعجاز نخل هي أصولها والنخل يذكر ويؤنث ومثله (كأنهم أعجاز نخل منقعر) وقد تقدم تفسيره وهو إخبار عن عظم أجسامهم، قال يحيى بن سلام إنما قال خاوية لأن أبدانهم خلت من أرواحهم مثل النخل الخاوية أو أن الريح كانت تدخل من أفواههم فتخرج ما في أجوافهم من الحشو من أدبارهم.

الحاقة 69:8

(فهل ترى لهم من باقية) أي من فرقة باقية أو نفس باقية أو من بقية على أن باقية مصدر كالعاقبة والعافية و " من " زائدة في المفعول، قال ابن جرير أقاموا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الريح فلما أمسوا في اليوم الثامن ماتوا فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر.

الحاقة 69:9

(وجاء فرعون ومن قبله) قرأ الجمهور بفتح القاف وسكون الباء أي ومن تقدمه من القرون الماضية والأمم الخالية، وقرىء بكسر القاف وفتح الباء أي ومن هو في جهته من أتباعه، واختار أبو حاتم وأبو عبيد الثانية لقراءة ابن مسعود وأبيّ ومن معه ولقراءة أبي موسى ومن تلقاه. (والمؤتفكات) قرأ الجمهور بالجمع وقرىء بالأفراد، واللام للجنس فهي في معنى الجمع هي قرى قوم لوط وكانت خمساً صنعة وصعرة وعمرة ودوما وسروم، وهي القرية العظمى قاله القرطبي، وقيل يريد الأمم الذين ائتفكوا، والمعنى وجاءت المؤتفكات أي المنقلبات من ائتفك أي انقلب أي التي اقتلعها جبريل على جناحه ورفعها إلى أقرب السماء ثم قلبها أي أهلها. (بالخاطئة) أي بالفعلة الخاطئة أو الخطأ على أنها مصدر أو ذات الخطأ والمراد أنها جاءت بالشرك والمعاصي، قال مجاهد بالخطايا وقال الجرجاني بالخطأ العظيم. فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (10) إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)

الحاقة 69:10

(فعصوا رسول ربهم) أي فعصت كل أمة رسولها المرسل إليها، قال الكلبي هو موسى وقيل لوط لأنه أقرب قيل ورسول هنا بمعنى رسالة (فأخذهم) الله سبحانه (أخذة رابية) أي نامية زائدة على أخذات الأمم كما قاله الزجاج، وقال مجاهد: شديدة، والمعنى أنها بالغة في الشدة إلى الغاية يقال ربا الشيء يربو إذا زاد وتضاعف، ومنه الربا إذا أخذ وزاد في الذهب أو الفضة أكثر مما أعطى.

الحاقة 69:11

(إنا لما طغى الماء) أي تجاوز حده في الارتفاع والعلو وزاد على أعلى جبل في الدنيا خمسة عشر ذراعاً وذلك في زمن نوح لما أصر قومه على الكفر وكذبوه، وقيل طغى على خزانه من الملائكة غضباً لربه فلم يقدروا على حبسه، قاله علي، قال قتادة زاد على كل شيء خمسة عشر ذراعاً قال ابن عباس طغى على خزانه فنزل ولم ينزل من السماء ماء إلا بمكيال أو ميزان إلا زمن نوح فإنه طغى فنزل بغير كيل ولا وزن. (حملناكم في الجارية) أي في أصلاب آبائكم أو حملناهم وحملناكم في أصلابهم تغليباً للمخاطبين على الغائبين، والجارية سفينة نوح وسميت جارية لأنها تجري في الماء وهو أول من صنع السفن وكان يعلمه جبريل صنعتها فاتخذها على هيئة صدر الطائر ليكون ما يجري في الماء مقارباً لما يجري في الهواء، ومحل في الجارية النصب على الحال أي رفعناكم فوق الماء حال كونكم في السفينة. ولما كان المقصود من ذكر قصص هذه الأمم وذكر ما حل بهم من العذاب زجر هذه الأمة عن الاقتداء بهم في معصية الرسول قال

الحاقة 69:12

(لنجعلها) أي هذه الأمور المذكورة (لكم) يا أمة محمد صلى الله عليه وسلم (تذكرة) أي عبرة وموعظة تستدلون بها على عظيم قدرة الله سبحانه وبديع صنعه أو لنجعل هذه الفعلة التي هي عبارة عن إنجاء المؤمنين وإغراق الكافرين لكم تذكرة أو هذه السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة، قال ابن جريج كانت ألواحها على الجودي، والمعنى أبقيت لكم تلك الخشبات حتى تذكر. (وتعيها أذن واعية) أي تحفظها بعد سماعها أذن حافظة لما سمعت، قال الزجاج يقال أوعيت كذا أي حفظته في نفسي أعيه وعياً ووعيت العلم ووعيت ما قلته كله بمعنى وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال لكل ما وعيته في غير نفسك أوعيته بالألف ولما حفظته في نفسك وعيته بغير ألف. قال قتادة: في تفسير هذه الآية أذن سمعت وعقلت ما سمعت، قال الفراء: المعنى لتحفظها كل أذن عظة لمن يأتي بعد، وتعيها بكسر العين باتفاق القراء السبعة، وقريء بإسكانها تشبيهاً لهذه الكلمة برحم وشهد وإن لم تكن من ذلك وجعل الأذن حافظة ومستمعة ومتذكرة ومتفكرة وعاملة تجوز لأن الفاعل لذلك صاحبها ولا ينسب إليها غير السمع، وإنما أتى به مشاكلة لقوله واعية. عن علي في الآية قال: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي فقال علي ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاًً فنسيته " أخرجه سعيد بن منصور وأبو نعيم وغيرهما. قال ابن كثير وهو حديث مرسل. وعن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي " إن الله أمرني أن أدنيك ولا أقصيك وأن أعلمك وأن تعي، وحق لك أن تعي، فنزلت هذه الآية (وتعيها أذن واعية) فأتت أُذنٌ واعيةٌ لعلي " أخرجه ابن جرير وغيره، قال ابن كثير ولا يصح وعن ابن عمر قال أذن عقلت عن الله. ولما ذكر الله سبحانه القيامة وهول أمرها بالتعبير بالحاقة وغيرها شرع في تفاصيل أحوالها وبدأ لذكر مقدماتها فقال

الحاقة 69:13

(فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) قال عطاء يريد النفخة الأولى وبه قال القاضي كالكشاف: أي التي عندها خراب العالم، وقال الكلبي ومقاتل: يريد النفخة الأخيرة ولم يؤنث الفعل وهو نفخ لأن التأنيث مجازي وحسنه الفضل، قرأ الجمهور بالرفع فيهما على أن نفخة مرتفعة على النيابة وواحدة تأكيد لها وقريء بنصبهما على أن النائب هو الجار والمجرور، وقال الزجاج: قوله في الصور يقوم مقام ما لم يسم فاعله.

الحاقة 69:14

(وحملت الأرض والجبال) أي رفعت من أماكنها وقلعت عن مقرها بمجرد القدرة الإلهية أو بتوسط الزلزلة أو الريح العاصفة أو الملائكة، وهذا الرفع بعد خروج الناس من قبورهم، قرأ الجمهور بالتخفيف وقريء بتشديد الميم للتكثير أو للتعدية. (فدكتا دكة واحدة) أو فكسرتا كسرة واحدة لا زيادة عليها أو ضربتا ضربة واحدة بعضهما ببعض حتى صارتا (كثيباً مهيلاً) و (هباء منبثاً) فلم يتميز شيء من أجزائهما عن الآخر، وقيل بسطتا بسطة واحدة فصارتا (قاعاً صفصفاً لا ترى فيها عوجاً ولا أمتاً) من قولهم اندك سنام البعير إذ تفرش على ظهره، وبعير أدك وناقة دكاء ومنه الدكان وهذه الدكة كالزلزلة. قال أبيّ بن كعب في الآية تصيران غبرة على وجوه الكفار لا على وجوه المؤمنين وذلك قوله (وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة) قال الفراء ولم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة ومثله قوله تعالى (إن السموات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما).

الحاقة 69:15

(فيومئذ وقعت الواقعة) أي قامت القيامة

الحاقة 69:16

(وانشقت السماء فهي يومئذ واهية) أي انشقت جنبها وانصدعت وتفطرت بنزول ما فيها من الملائكة فهي في ذلك اليوم ضعيفة مسترخية ساقطة القوة من هول ذلك اليوم بعد ما كانت محكمة، قال الزجاج يقال لكل ما ضعف جداً قد وهى فهو واهٍ وقال الفراء وَهْيُها تَشَقُّقُها، وقال ابن عباس واهية متخرقة أي متساقطة خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش. وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21)

الحاقة 69:17

(وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا) أي جنس الملك واقفون على أطرافها وجوانبها التي لم تسقط وهؤلاء من جملة المستثنى بقوله (إلا من شاء الله) وقال القاضي لعل هلاك الملائكة أثر ذلك وقيل يحيون بالنفخة الثانية ويقفون على أرجائها الباقية وهي جمع رجى مقصور وتثنيته رجوان مثل قفى وقفوان. والمعنى أنها لما تشققت السماء وهي مساكنهم لجؤوا إلى أطرافها قال الضحاك إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء الدنيا فتشققت وتكون الملائكة على حافاتها حتى يأمرهم الرب فينزلون إلى الأرض ويحيطون بها ومن عليها، وقال سعيد بن جبير: المعنى والملك على حافات الدنيا أي ينزلون إلى الأرض وقيل إذا صارت السماء قطعاً يقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها، وقال ابن عباس: على حافاتها على ما لم يهي منها. (ويحمل عرش ربك فوقهم) أي فوق رؤوسهم

الحاقة 69:18

(يومئذ) أي يوم القيامة (ثمانية) أي ثمانية أملاك وقيل ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله عز وجل، قاله ابن عباس، وقيل ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة قاله الكلبي وغيره. وقال ابن عباس: أيضاًً ثمانية أملاك صورة الأوعال رؤوسهم عند العرش في السماء السابعة وأقدامهم في الأرض السفلى ولهم قرون كقرون الوعلة ما بين أصل قرن أحدهم إلى منتهاه خمسمائة عام [[زاد السير 8/ 350.]]، واليوم تحمله أربعة. وعن ابن مسعود قال ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام وما بين كل سماء وأرض خمسمائة عام، وفضاء كل سماء وأرض خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وما بين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله على العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، أخرجه أبو سعيد الدارمي وابن خزيمة وغيرهما موقوفاً على ابن مسعود وفي الباب أحاديث كثيرة وصحيحة [[رواه الطبري من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو خبر مقطوع. ورواه الطبري أيضاًً من طريق ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " هم اليوم أربعة " يعني حملة العرش " فإذا كانوا يوم القيامة أمدَّهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية " وقد قال الله: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) وهذا خبر مقطوع أيضاًً. قال ابن كثير: وقوله تعالى: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) أي: يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة، قال: ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش، العرش العظيم، أو العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء، والله أعلم بالصواب أهـ.]]. (يومئذ تعرضون) أي تعرض العباد على الله لحسابهم ومثله (وعرضوا على ربك صفاً) وليس ذلك العرض عليه سبحانه ليعلم به ما لم يكن عالماً به، وإنما هو عرض الاختبار والتوبيخ بالأعمال. عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأما عرضتان فجدال، معاذير، وأما الثالثة فعند ذلك تطاير الصحف في الأيدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله [[زاد المسير 8/ 351.]] " أخرجه أحمد والترمذي، وابن ماجة وغيرهم، وأخرج ابن جرير والبيهقي في البعث عن ابن مسعود نحوه [[زاد المسير 8/ 351.]]. وجملة (لا تخفى منكم خافية) في محل نصب على الحال من ضمير تعرضون أي تعرضون حال كونكم لا يخفى على الله سبحانه من ذواتكم أو أقوالكم وأفعالكم وسرائركم التي كنتم تخفونها في الدنيا خافية كائنة ما كانت، والتقدير أي نفس خافية أو فعلة خافية، قريء بالتاء والياء وهما سبعيتان [[رواه أبو داود في " سننه " رقم (4727) وسنده جيد، وذكره ابن كثير في " تفسيره " من رواية ابن أبي حاتم وقال: وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات.]]. ولما ذكر سبحانه العرض ذكر تفصيل ما يكون فيه فقال

الحاقة 69:19

(فأما من أوتي كتابه بيمينه) أي أعطي كتابه الذي كتبه الحفظة عليه من أعماله (فيقول) خطاباً لجماعته لما سر به أو لأهله وأقربائه. (هاؤم اقرأوا كتابيه) قال ابن السكيت والكسائي: العرب تقول " ها " يا رجل، وللإِثنين هاؤما يا رجلان وللجمع هاؤم يا رجال، قيل والأصل هاكم فأبدلت الهمزة من الكاف، قال ابن زيد ومعنى هاؤم تعالوا وقال مقاتل هلم وقيل خذوا، والذي صرح به النحاة أنها بمعنى خذ تقول ها بمعنى خذ، هاؤما بمعنى خذا، وهاؤم بمعنى خذوا فهي اسم فعل، وقد يكون فعلاً صريحاً لاتصال الضمائر البارزة المرفوعة بها، وفيها ثلاث لغات كما هو معروف في علم الإعراب [[رواه أحمد في " المسند " وابن ماجة: 2/ 1430 من رواية وكيع عن علي بن رفاعة عن الحسن عن أبي موسى. قال البوصيري في " الزوائد ": رجال الإسناد ثقات. إلا أنه منقطع، والحسن لم يسمع من أبي موسى، قاله علي بن المديني، وأبو حاتم، وأبو زرعة، وقد رواه الترمذي عن الحسن عن أبي هريرة وقال: لا يصح هذا الحديث من قِبَل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة، ورواه الطبري 29/ 59 من رواية مجاهد بن موسى عن زيد، عن سليمان بن حامد عن مروان الأصغر عن أبي وائل عن عبد الله نحوه، وقال ابن كثير: ورواه سعيد بن أبي عَروبة عن قتادة مرسلاً مثله.]]. والهاء في كتابيه وسلطانيه وماليه، هي هاء السكت، وقرأ الجمهور في هذه بإثبات الهاء وقفاً ووصلاً مطابقة لرسم المصحف، ولولا ذلك لحذفت في الوصل كما هو شأن هاء السكت، واختار أبو عبيد أن يتعمد الوقف عليها ليوافق اللغة في الحاق الهاء في السكت، ويوافق الخط يعني خط المصحف، وقرأ جماعة بحذفها وصلاً، وإثباتها وقفاً في جميع هذه الألفاظ واختار أبو حاتم هذه إتباعاً للغة، وقريء بحذفها وصلاً ووقفاً، تنازع في كتابيه هاؤم واقرأوا فاعمل الأول عند الكوفيين والثاني عند البصريين، وأضمر في الآخر أي: هاؤموه قرأوا كتابيه أو هاؤم اقرأوه كتابيه.

الحاقة 69:20

(إني ظننت أني ملاق حسابيه) أي علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة، وقيل المعنى إني ظننت أن يؤاخذني الله بسيئاتي فقد تفضل عليّ بعفوه ولم يؤاخذني، قال الضحاك كل ظن في القرآن من المؤمن فهو يقين ومن الكافر فهو شك، قال مجاهد ظن الآخرة يقين وظن الدنيا شك، قال الحسن في هذه الآية أن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل للآخرة وأن الكافر أساء الظن بربه فأساء العمل. قيل والتعبير بالظن للإشعار بأنه لا يقدح في الاعتقاد ما يهجس في النفس من الخطرات التي لا تنفك عنها العلوم النظرية غالباً، قال ابن عباس: ظننت أي أيقنت، قال النسفي: وإنما أجرى الظن مجرى العلم لأن الظن الغالب يقوم مقام العلم في العبادات والأحكام، ولأن ما يدرك بالاجتهاد قلما يخلو عن الوسواس والخواطر وهي تفضي إلى الظنون، فجاز إطلاق لفظ الظن عليها لما لا يخلو عنه.

الحاقة 69:21

(فهو في عيشة راضية) أي مرضية لا مكروهة أو ذات رضا يرضى بها صاحبها لا يضجر منها ولا يملها ولا يسأمها قال أبو عبيدة والفراء: راضية أي مرضية كقوله (ماء دافق) أي مدفوق فقد أسند إلى العيشة ما هو لصاحبها فكان ذلك من المجاز في الإسناد، والعرب لا تعبر عن أكثر السعادات بأكثر من العيشة الراضية والمعتبر في كمال اللذة الرضا، وقيل المعنى أنه لو كان للمعيشة عقل لرضيت لنفسها بحالتها. فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34)

الحاقة 69:22

(فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ) أي مرتفعة المكان لأنها في السماء السابعة أو مرتفعة المنازل والمباني أو عظيمة في النفوس، وهو خبر بعد خبر

الحاقة 69:23

(قطوفها دانية) القطوف جمع قطف بكسر القاف ما يقطف من الثمار بالفتح مصدر، والقطاف بالفتح والكسر وقت القطف، والمعنى أن ثمارها قريبة ممن يتناولها من قائم أو قاعد أو مضطجع أو متكىء، عن البراء بن عازب دانية قريبة يتناول الرجل من فواكهها وهو قائم.

الحاقة 69:24

(كلوا واشربوا) أي يقال لهم كلوا واشربوا في الجنة، وجمع الضمير مراعاة للمعنى وهذا أمر امتنان لا أمر تكليف (هنيئاً) أي أكلاً طيباً لذيذاً وشرباً هنيئاً شهياً مرياً لا تكدير فيه ولا تنغيص (بما أسلفتم في الأيام الخالية) أي بسبب ما قدمتم من الأعمال الصالحة في الدنيا، وقال مجاهد هي أيام الصيام.

الحاقة 69:25

(وأما من أوتي كتابه بشماله) قيل تكون يده اليسرى خلف ظهره ثم يعطى كتابه بها وقيل تنزع يده اليسرى من صدره إلى خلف ظهره (فيقول) حزناً كرباً لما رأى فيه من سيئاته وسوء عاقبته التي كشف له عنها الغطاء (يا ليتني لم أوت) أي لم أعط (كتابيه) لما يرى فيه من الفضائح

الحاقة 69:26

(ولم أدر ما حسابيه) أي لم أدر أي شيء حسابي لأن كله عليه، والاستفهام للتعظيم والتهويل، أي بل استمريت جاهلاً كذلك كما كنت في الدنيا.

الحاقة 69:27

(يا ليتها) أي ليت الموتة التي متها (كانت القاضية) ولم أحي بعدها، ومعنى القاضية القاطعة للحياة، والمعنى أنه تمنى دوام الموت وعدم البعث لما شاهد من سوء عمله، وما يصير إليه العذاب فالضمير في " ليتها " يعود إلى الموتة التي قد كان ماتها وإن لم تكن مذكورة لأنها لظهورها كانت كالمذكورة. قال قتادة: تمنى الموت ولم يكن في الدنيا شيء عنده أكره من الموت، وشر من الموت ما يطلب منه الموت وقيل الضمير يعود إلى الحالة التي شاهدها عند مطالعة الكتاب، والمعنى يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت عليّ، لأنه رأى تلك الحالة أشنع وأمر مما ذاقه من مرارة الموت.

الحاقة 69:28

(ما أغنى عني ماليه) أي لم يدفع عني من عذاب الله شيئاًً، على أن " ما نافية " أو استفهامية والمعنى أي شيء أغنى عني مالي الذي منعت منه حق الفقراء وتعظمت به على عباد الله، وصيغ الخطاب يقتضي أن مالي كلمة واحدة بمعنى المال، وفي أبي السعود ما كان لي من اليسار.

الحاقة 69:29

(هلك عني سلطانيه) أي هلكت وضلت وغابت عني حجتي، كذا قال مجاهد وعكرمة والسدي والضحاك، وقال ابن زيد: يعني سلطاني الذي في الدنيا وهو الملك لم أجد له الآن نفعاً وبقيت حقيراً ذليلاً، وقيل تسلطي على جوارحي، قال مقاتل يعني حين شهدت عليه الجوارح بالشرك. وحينئذ يقول الله عز وجل

الحاقة 69:30

(خذوه فغلوه) أي اجمعوا يديه إلى عنقه بالأغلال والخطاب لخزنة جهنم أي زبانيتها، وسيأتي في سورة المدثر أن عدتهم تسعة عشر، قيل ملكاً وقيل صفاً وقيل صنفاً، حكى الثلاثة الرازي.

الحاقة 69:31

(ثم الجحيم صلوه) أي ادخلوه الجحيم والمعنى لا تصلوه: لا الجحيم وهي النار العظيمة، والترتيب بثم في الزمان فإن إدخاله النار بعد غله، وكذلك إدخاله في السلسلة كما يأتي بعد إدخاله النار، والتراخي المفاد بها للتفاوت في الرتب، فكل واحد من المعطوفين بها أشد من العذاب وأغلى مما قبله، وفي الخطيب صلوه أي بالغوا في تصليته إياها، وكرروها بغمسه في النار كالشاة المصلية مرة بعد مرة لأنه كان يتعاظم على الناس، فناسب أن يصلى أعظم النيران.

الحاقة 69:32

(ثم في سلسلة) عظيمة جداً، والسلسلة حلق منتظمة كل حلقة منها في حلقة (ذرعها) أي طولها (سبعون ذراعاً) قال الحسن الله أعلم بأي ذراع هو، وقيل بذراع الملك، قال نوف الشامي: كل ذراع سبعون باعاً كل باع أبعد ما بينك وبين مكة وكان نوف في رحبة الكوفة، قال مقاتل لو أن حلقة منها وضعت على ذروة جبل لذاب كما يذوب الرصاص، وقال ابن جريج لا يعرف قدرها إلا الله، وهذا العدد حقيقة أو مبالغة، ومعنى: (فاسلكوه) فاجعلوه فيها بحيث يكون كأنه السلك أي الحبل الذي يدخل في ثقب الخرزات بعسر لضيق ذلك الثقب إما بإحاطتها بعنقه أو بجميع بدنه بأن تلف عليه، يقال سلكته الطريق إذا أدخلته فيه، ولم تمنع الفاء من تعلق الفعل أي الداخلة عليه بالظرف المتقدم وهو في سلسلة، وتقديمها كتقديم الجحيم للدلالة على التخصيص والاهتمام بذكر أنواع ما يعذبون به؛ وثم لتفاوت ما بينها في الشدة لا للدلالة على تراخي المدة. قال سفيان: بلغنا أنها تدخل في دبره حتى تخرج من فيه. قال الكلبي: تسلك سلك الخيط في اللؤلؤ وقال سويد بن أبي نجيح: بلغني أن جميع أهل النار في تلك السلسلة، قال ابن عباس: السلسة تدخل في استه ثم تخرج من فيه، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود ثم يشوى. وجملة

الحاقة 69:33

(إنه كان لا يؤمن بالله العظيم) تعليل لما قبلها على طريق الاستئناف، وذكر العظيم للإشعار بأنه هو المستحق للعظمة، فمن لا يعظمه فقد استوجب ذلك.

الحاقة 69:34

(ولا يحض على طعام المسكين) أي لا يحث ولا يحرض نفسه على إطعامه من ماله أو لا يحث الغير على إطعامه، ووضع الطعام موضع الإطعام كما يوضع العطاء موضع الإعطاء، والإضافة للمفعول، ويجوز أن يكون في الكلام حذف المضاف أي على بذل طعام المسكين والإضافة له لكونه مستحقة وآخذه فهي لأدنى ملابسة فالحض البعث والحث على الفعل والحرص على وقوعه، ومنه حروف التحضيض المبوب له في النحو لأنه يطلب به وقوع الفعل وإيجاده. وفيه إشارة إلى أنه كان لا يؤمن بالبعث لأن الناس لا يطلبون على المساكين الجزاء فيما يطعمونهم، وإنما يطعمونهم لوجه الله ورجاء الثواب في الآخرة فإذا لم يؤمن بالبعث لم يكن له ما يحمله على إطعامهم. وفي جعل هذا قريناً لترك الإيمان بالله من الترغيب في التصدق على المساكين وسد فاقتهم وحث النفس والناس على ذلك ما يدل أبلغ دلالة ويفيد أكمل فائدة على أن منعهم من أعظم الجرائم وأشد المآثم، وعن أبي الدرداء قال: " إن لله سلسلة لم تزل تغلي منها مراجل النار منذ خلق الله جهنم إلى يوم تلقى في أعناق الناس، وقد نجانا الله من نصفها بإيماننا بالله العظيم، فحضني على طعام المسكين يا أم الدرداء " أخرجه أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر. وقال الحسن أدركت أقواماً يعزمون على أهليهم أن لا يردوا سائلاً وكان بعضهم يأمر أهله بتكثير المرقة لأجل المساكين ويقول خلعنا نصف السلسلة بالإيمان أفلا نخلع النصف الثاني بالإطعام، وقيل لعل وجه التخصيص لهذين الأمرين بالذكر أن أقبح العقائد الكفر بالله تعالى، وأشنع الرذائل البخل وقسوة القلب. فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37) فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)

الحاقة 69:35

(فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا) أي يوم القيامة في الآخرة (حميم) أي قريب ينفعه أو يشفع له يحرق له قلبه لأنه يوم يفر فيه القريب من قريبه، ويهرب عنده الحبيب من حبيبه

الحاقة 69:36

(ولا طعام إلا من غسلين) أي وليس له طعام يأكله إلا من صديد أهل النار وما ينغسل من أبدانهم من القيح والصديد، وغسلين فعلين من الغسل أو الغسالة فنونه وياؤه زائدتان. قال أهل اللغة هو ما يجري من الجراح إذا ما غسلت، وقال الضحاك والربيع بن أنس: هو شجر يأكله أهل النار، وقال قتادة: هو شر الطعام، وقال ابن زيد: لا يعلم ما هو ولا ما الزقوم إلا الله تعالى، وعن ابن عباس قال: الغسلين الدم والماء والصديد الذي يسيل من لحومهم. وعن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لو أن دلواً من غسلين يهراق في الدنيا لانتن أهل الدنيا [[الحاكم 501/ 2.]] أخرجه الحاكم وصححه، وعن ابن عباس أيضاًً قال الغسلين اسم طعام من أطعمة أهل النار، وقال سبحانه في موضع آخر. (ليس لهم طعام إلا من ضريع) فيجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، وقيل في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى فليس له اليوم ههنا حميم إلا من غسلين، على أن الحميم هو الماء الحار، ولا طعام أي ليس لهم طعام يأكلونه، قاله أبو البقاء، ولا ملجىء لهذا التقديم والتأخير. والتوفيق بين ما هنا وبين قوله في محل آخر (إلا من ضريع) وفي موضع آخر (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) وفي موضع آخر (ما يأكلون في بطونهم إلا النار) أنه يجوز أن يكون طعامهم جميع ذلك وأن العذاب أنواع والمعذبين طبقات فمنهم أكلة الغسلين ومنهم أكلة الضريع ومنهم أكلة الزقوم ومنهم أكلة النار لكل باب منهم جزء مقسوم.

الحاقة 69:37

(لا يأكله إلا الخاطئون) المراد بهم أصحاب الخطايا وأرباب الذنوب، قال الكلبي: المراد أهل الشرك، قرأ الجمهور الخاطئون مهموزاً وهو اسم فاعل من خطىء يخطأ من باب علم إذا فعل غير الصواب متعمداً والمخطىء من يفعله غير متعمد، وقرىء الخاطيون بالياء المضمومة بدل الهمزة وقرىء بالطاء المضمومة بدون همزة.

الحاقة 69:38

(فلا أقسم بما تبصرون) من المخلوقات

الحاقة 69:39

(وما لا تبصرون) منها قال قتادة أقسم بالأشياء كلها ما يبصر منها وما لا يبصر، فيدخل في هذا جميع المخلوقات، والإقسام بغير الله إنما نهى عنه في حقنا وأما هو تعالى فيقسم بما شاء على ما شاء، وهذا رد لكلام المشركين كأنه قال ليس الأمر كما تقولون، و (لا) زائدة والتقدير فأقسم بما تشاهدونه وما لا تشاهدونه. وقيل إن (لا) ليست بزائدة بل هي أصلية لنفي القسم أي لا أحتاج إلى قسم لوضوح الحق في ذلك والأول أولى، وقال البيضاوي: فلا أقسم لظهور الأمر واستغنائه عن التحقيق بالقسم. أو فلا، رد لإنكارهم البعث و (أُقْسِمُ) مستأنف، قال الكرخي: وأما حمله على معنى نفي الإقسام لظهور الأمر فيرده تعيين المقسم به بقوله بما تبصرون الخ أهـ.

الحاقة 69:40

(إنه لقول رسول كريم) أي أن القرآن لتلاوة رسول كريم على الله فهو في غاية الكرم الذي هو البعد عن مساوىء الأخلاق، على أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو أنه لقول يبلغه رسول كريم، قال الحسن والكلبي ومقاتل يريد به جبريل، دليله قوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) وعلى كل حال فالقرآن ليس من قول محمد صلى الله عليه وسلم ولا من قول جبريل عليه السلام، بل هو من قول الله عز وجل، فلا بد من تقدير التلاوة أو التبليغ، وفي لفظ الرسول ما يدل على ذلك فاكتفى به عن أن يقول عن الله تعالى.

الحاقة 69:41

(وما هو بقول شاعر) كما تزعمون لأنه ليس من أصناف الشعر ولا مشابهاً لها والشاعر هو الذي يأتي بكلام مقفى موزون بقصد الوزن (قليلاً ما تؤمنون) أي إيماناً قليلاً تؤمنون وتصديقاً يسيراً تصدقون، وقال البغوي أراد بالقليل نفي إيمانهم وتذكرهم أصلاً كقولك لمن لا يزورك قلما تأتينا، وأنت تريد لا تأتينا أصلاً.

الحاقة 69:42

(ولا بقول كاهن) كما تزعمون فإن الكهانة أمر آخر لا جامع بينها وبين هذا (قليلاً ما تذكرون) قرىء بالتاء وقرىء بالياء التفاتاً عن الخطاب إلى الغيبة أي تذكراً أو زماناً تتذكرون و (ما) زائدة في الموضعين. وذكر الإيمان مع نفي الشعر، والتذكر مع نفي الكهانة لأن عدم مشابهة القرآن للشعر أمر بين لا ينكره إلا معاند كافر بخلاف مباينته للكهانة فإنها تتوقف على تذكر أحواله صلى الله عليه وآله وسلم وتذكر معاني القرآن المنافية لطريقة الكهانة ومعاني أقوالهم، قال أبو جهل إن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم شاعر وقال الوليد بن المغيرة ساحر، وقال عقبة كاهن؛ فنزلت هذه الآية كذا قال مقاتل

الحاقة 69:43

(تنزيل من رب العالمين) أي هو تنزيل منه على لسانه.

الحاقة 69:44

(ولو تقول علينا بعض الأقاويل) قرأ الجمهور مبنياً للفاعل وقرىء مبنياً للمفعول مع رفع بعض، وقرىء (ولو يقول) على صيغة المضارع، والتقول تكلف القول وسمي الافتراء تقولاً لأنه قول متكلف وكل كاذب يتكلف ما يكذبه؛ والأقاويل جمع أقوال وهي جمع قول فهو نظير أبابيت جمع أبيات جمع بيت، وسميت الأقوال المنقولة أقاويل تصغيراً لها وتحقيراً كقولك الأعاجيب والأضاحيك كأنها جمع أقوولة من القول، والمعنى ولو تقول ذلك الرسول وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو جبريل عليه السلام على ما تقدم وجاء به من جهة نفسه؛ وادعى علينا شيئاًً لم نقله.

الحاقة 69:45

(لأخذنا منه باليمين) أي بيده اليمين؛ قال ابن جرير: إن هذا الكلام خرج مخرج الإذلال على عادة الناس في الأخذ بيد من يعاقب؛ وقال الفراء والمبرد والزجاج وابن قتيبة: باليمين أي بالقوة والقدرة؛ وبه قال: ابن عباس؛ وقال ابن قتيبة: إنما أقام اليمين مقام القسوة لأن قوة كل شيء في ميامنه؛ وقيل المعنى لقتلناه صبراً كما يفعل الملوك بمن يتكذب عليهم معاجلة بالسخط والانتقام، وقيل المعنى لأذللناه وأهناه.

الحاقة 69:46

(ثم لقطعنا منه الوتين) هو عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب وهو مناطه إذا قطع مات صاحبه؛ قال الواحدي والمفسرون يقولون إنه نياط القلب؛ وقال ابن عباس عرق القلب وعنه قال نياط القلب وعن مجاهد هو حبل القلب الذي في الظهر وهو النخاع، وقال محمد بن كعب إنه القلب ومراقه وما يليه؛ وقال الكلبي إنه عرق بين العلباء والحلقوم. والعلباء عصب العنق وهما علباوان بينهما العرق: قال ابن قتينة لم يرد أنا نقطعه بعينه بل المراد منه أنه لو كذب علينا لأمتناه فكان كمن قطع وتينه.

الحاقة 69:47

(فما منكم من أحد عنه حاجزين) أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه ويدفعنا منه فكيف يتكلف الكذب على الله لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاقبناه ولا تقدرون على الدفع عنه، وإنما قال " حاجزين " بلفظ الجمع وهو وصف " أحد " رداً على معناه. وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)

الحاقة 69:48

(وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ) أي أن القرآن لتذكرة لأهل التقوى لأنهم المنتفعون به لإقبالهم عليه إقبال مستفيد، والظاهر أن هذا وما بعده معطوف على جواب القسم السابق فهو من جملة المقسم عليه. وما بينهما اعتراض.

الحاقة 69:49

(وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) أي أن بعضكم يكذب بالقرآن فنحن نجازيهم على ذلك بما يليق به إظهاراً للعدل وفي هذا وعيد شديد

الحاقة 69:50

(وإنه) أي القرآن (لحسرة) وندامة (على الكافرين) يوم القيامة عند مشاهدتهم لثواب المؤمنين. وقيل: هي حسرتهم في الدنيا حين لم يقدروا على معارضته عند تحديهم بأن يأتوا بسورة من مثله.

الحاقة 69:51

(وإنه) أي القرآن (لحق اليقين) أي عينه ومحضه لكونه من عند الله فلا يحول حوله ريب ولا يتطرّقُ إليه شك وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي اليقين الحق، وحق اليقين فوق علم اليقين، وقيل هو كقولك عين اليقين ومحض اليقين

الحاقة 69:52

(فسبح باسم ربك العظيم) أي نزهه عما لا يليق به وقيل فصل لربك والأول أولى، وقيل هو قوله سبحان الله.

المعارج 70:1

سورة سأل ويقال سورة المعارج هي أربع وأربعون آية وهي مكية قال القرطبي بالإتفاق عن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله. بسم الله الرحمن الرحيم سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) (سَأَلَ سَائِلٌ) قرأ الجمهور سأل بالهمزة من السؤال وهي اللغة الفاشية، وهو إما مضمن معنى الدعاء فلذلك عدي بالباء كما تقول دعوت بكذا والمعنى دعا داع على نفسه (بعذاب واقع) ويجوز أن يكون على أصله والباء بمعنى عن كقوله فاسأل به خبيراً، وقرىء بغير همزة وهو إما من باب التخفيف بقلب الهمزة ألفاً فيكون معناها معنى قراءة من همز أو يكون من السيلان والمعنى سأل واد في جهنم يقال له سائل كما قال زيد بن ثابت. ويؤيده قراءة ابن عباس سال سيل أي اندفع واد بعذاب واقع وصيغة الماضي للدلالة على تحقق وقوعه، وقيل إن سال بمعنى التمس والمعنى التمس ملتمس عذاباً. ْ

المعارج 70:2

(للكافرين) فتكون الباء زائدة كقوله (تنبت بالدهن)، والوجه الأول هو الظاهر. قال الأخفش يقال خرجنا نسأل عن فلان وبفلان قال أبو علي الفارسي وإذا كان من السؤال فأصله أن يتعدى إلى مفعولين ويجوز الاقتصار على أحدهما ويتعدى إليه بحرف الجر فيكون التقدير سأل سائل الله أو النبي صلى الله عليه وسلم أو المسلمين بعذاب أو عن عذاب، وهذا السائل هو النضر بن الحرث حين قال: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) وهو ممن قتل يوم بدر صبراً، وعن ابن عباس مثله [[رواه الحاكم في " المستدرك " 2/ 502 عن سعيد بن جبير وقال: هذا حديت صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال: على شرط البخاري فقط، وأورد السيوطي في " الدر " 6/ 263 وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد، والنسائي، وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]. وقال الربيع هو أبو جهل. وقيل هو الحرث بن النعمان الفهري، وقيل إنها نزلت في جماعة من كفار قريش والأول أولى، وقرىء سال سال مثل مال مال على أن الأحل سائل فحذفت العين تخفيفاً كما قيل شاك في شائك السلاح. وقيل السائل هو نوح عليه السلام سأل العذاب للكافرين وقيل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بالعقاب عليهم، والمراد بالعذاب الواقع إما في الدنيا كيوم بدر أو في الآخرة وهو عذاب النار. وقوله (للكافرين) صفة أخرى لعذاب أي كائن لهم أو متعلق بواقع، واللام للعلة أو يسأل على تضمينه معنى دعا أو في محل رفع على تقدير هو للكافرين أو اللام بمعنى على، ويؤيده قراءة أبيّ على الكافرين، قال الفراء التقدير بعذاب للكافرين واقع بهم، فالواقع من نعت العذاب، وجملة (ليس له دافع) صفة أخرى لعذاب أو حال منه أو مستأنفة، والمعنى أنه لا يدفع ذلك العذاب الواقع به أحد. وقوله:

المعارج 70:3

(من الله) متعلق بواقع أي واقع من جهته سبحانه، ولم يمنع النفي من ذلك لأن " ليس " فعل لا حرف فصح أن يعمل ما قبلها فيما بعدها أو متعلق بدافع أي ليس له دافع من جهته تعالى إذا جاء وقته. (ذي المعارج) أي ذي الدرجات التي تصعد فيها الملائكة، وقال ابن عباس ذي العلو والفواضل، وقال الكلبي هي السموات وسماها معارج لأن الملائكة تعرج فيها، وقيل المعارج مراتب نعم الله سبحانه على الخلق، وقيل المعارج العظمة. وقيل هي الغرف وقيل الأعمال الصالحة فإنها تتفاوت بحسب اجتماع الآداب والسنن وخلوص النية وحضور القلب. وقرأ ابن مسعود (ذي المعاريج) يقال معارج ومعاريج مثل مفاتح ومفاتيح جمع معريج بفتح الميم وهو موضع الصعود لا بكسرها لأنه آلة الصعود، وهو غير مناسب لهذا المقام.

المعارج 70:4

(تعرج الملائكة والروح إليه) أي تصعد في تلك المعارج التي جعلها الله لهم، قرأ الجمهور تعرج بالفوقية، وقرىء بالتحتية، والروح جبريل أفرد بالذكر بعد الملائكة لشرفه، ويؤيد هذا قوله: (نزل به الروح الأمين) وقيل الروح هنا ملك آخر عظيم غير جبريل، وقال أبو صالح: إنه خلق من خلق الله سبحانه كهيئة الناس وليسوا من الناس، وقال قبيصة بن ذؤيب: إنه روح الميت حين يقبض والأول أولى، ومعنى " إليه " إلى المكان الذي ينتهون إليه وقيل إلى عرشه، وقيل إلى مهبط أمره من السماء، وقيل هو كقول إبراهيم: (إني ذاهب إلى ربي) أي إلى حيث أمرني ربي. (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) قال ابن إسحق والكلبي ووهب بن منبه أي تعرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلها في وقت كان مقداره على غيرهم لو صعد خمسين ألف سنة، وبه قال مجاهد وقال عكرمة: وروي عن مجاهد أن مدة عمر الدنيا هذا المقدار لا يدري أحدكم مضى ولا كم بقي ولا يعلم ذلك إلا الله. والكلام على مدة عمر الدنيا ماضيها وباقيها مبسوط في كتابنا لقطة العجلان مما تمس إليه حاجة الإنسان، وقال قتادة والكلبي ومحمد بن كعب أن المراد يوم القيامة يعني أن مقدار الأمر فيه لو تولاه غيره سبحانه خمسون ألف سنة، وهو سبحانه يفرغ منه في ساعة، وقيل إن مدة موقف العباد للحساب هي هذا المقدار ثم يستقر بعد ذلك أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقيل أن مقدار يوم القيامة على الكافرين خمسون سنة وعلى المؤمنين مقدار ما بين الظهر والعصر. وقيل ذكر هذا المقدار لمجرد التمثيل والتخييل لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها أو لطول يوم القيامة باعتبار ما فيه من الشدائد والمكاره كما تصف العرب أيام الشدة بالطول، وأيام الفرح بالقصر. ويشبهون اليوم القصير بإبهام القطاة، والطويل بظل الرمح، وحينئذ لا تنافي بين هذه الآية وبين آية السجدة (في يوم كان مقداره ألف سنة) لأنه أيضاًً مسوق على سبيل التشديد على الكافرين. وقيل في الكلام تقديم وتأخير أي ليس له دافع من الله ذي المعارج في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة تعرج الملائكة والروح إليه، وقال ابن عباس: في الآية منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق سبع سموات مقدار خمسين ألف سنة. وقوله (في يوم كان مقداره ألف سنة) قال يعني ينزل الأمر من السماء إلى الأرض ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد، فذلك مقداره ألف سنة لأن ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، وعنه قال غلظ كل أرض خمسمائة عام، وغلظ كل سماء خمسمائة عام وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام، ومن السماء إلى السماء خمسمائة عام، فذلك أربعة عشر ألف عام، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام فذلك قوله: (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة). وعنه في قوله: (في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) قال هذا في الدنيا تعرج الملائكة في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون، وفي قوله: (مقداره خمسين ألف سنة) فهذا يوم القيامة جعله الله سبحانه على الكافرين خمسين ألف سنة، وعنه قال لو قدرتموه لكان خمسين ألف سنة من أيامكم يعني يوم القيامة. وعن أبي سعيد الخدري قال: قيل يا رسول الله يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم فقال: " والذي نفسي بيده إنه ليخفف عن المؤمن حتى يكون أهون عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " [[رواه الإمام أحمد عن الحسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن دراج، عن أبي الهيثم: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: " والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " ورواه ابن جرير الطبري عن يونس عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن دراج به، ودراج وشيخه أبو الهيثم ضعيفان.]] أخرجه أحمد وأبو يعلى وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث وفي إسناده دراج عن أبي الهيثم وهما ضعيفان. وعن أبي هريرة مرفوعاً قال: " ما قدر طول يوم القيامة على المؤمنين إلا كقدر ما بين الظهر إلى العصر " أخرجه ابن أبي حاتم والحاكم والبيهقي في البعث. ولو كان المراد حقيقة العدد لم يعقل أن الزمان الواحد يكون مقداره خمسين ألف سنة، ويكون مقداره ألف سنة، ويكون مقداره قدر صلاة ركعتين، وقيل العدد على حقيقته فإن يوم القيامة خمسون موطناً كل موطن ألف سنة والله أعلم بمراده بذلك. وقد قيل في الجمع أن من أسفل العالم إلى العرش خمسين ألف سنة، ومن أعلى سماء الدنيا إلى الأرض ألف سنة لأن غلظ كل سماء خمسمائة عام. وما بين أسفل السماء إلى قرار الأرض خمسمائة عام كما تقدم، فالمعنى أن الملائكة إذا عرجت من أسفل العالم إلى العرش كان مسافة ذلك خمسين ألف سنة. وإن عرجوا من هذه الأرض التي نحن فيها إلى باطن هذه السماء التي هي سماء الدنيا كان مسافة ذلك ألف سنة. وقد تقدم ما يؤيد هذا عن ابن عباس. وقد قدمنا الجمع بين هذه الآية وآية السجدة في سورة السجدة فتذكر. فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (8) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (10) ثم أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر

المعارج 70:5

(فاصبر) يا محمد على تكذيبهم لك وكفرهم بما جئت به (صبراً جميلاً) لا جزع فيه ولا شكوى إلى غير الله. وهذا معنى الصبر الجميل. وقيل هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدري بأنه مصاب. قال ابن زيد وغيره: هي منسوخة بآية السيف. قال ابن عباس: في الآية لا تشكو إلى أحد غيري.

المعارج 70:6

(إنهم يرونه) أي يرون العذاب الواقع بهم ويعتقدونه، أو يرون يوم القيامة أو يرون يوماً كان مقداره خمسين ألف سنة (بعيداً) أي غير كائن لأنهم لا يؤمنون به، فمعنى بعيداً أي مستبعداً محالاً، وليس المراد أنهم يرونه بعيداً غير قريب، قال الأعمش يرون البعث بعيداً لأنهم لا يؤمنون به، كأنهم يستبعدونه على جهة الاستحالة، كما تقول لمن تناظره: هذا بعيد أي لا يكون

المعارج 70:7

(ونراه قريباً) أي نعلمه كائناً قريباً لأن ما هو آت قريب، وقيل المعنى ونراه هيناً في قدرتنا غير متعسر ولا متعذر، والجملة تعليل للأمر بالصبر. ثم أخبر سبحانه متى يقع بهم العذاب فقال:

المعارج 70:8

(يوم تكون السماء كالمهل) أي يقع بهم العذاب يوم كذا والمهل ما أذيب من النحاس والرصاص والفضة، وقال مجاهد: هو القيح من الصديد والدم، وقال عكرمة وغيره: هو دردي الزيت، وبه قال ابن عباس: وقد تقدم تفسيره في سورة الكهف والدخان.

المعارج 70:9

(وتكون الجبال كالعهن) أي كالصوف المصبوغ، ولا يقال للصوف عهن إلا إذا كان مصبوغاً، قال الحسن تكون الجبال كالصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف، وقيل العهن الصوف ذو الألوان فشبه الجبال به في تكونها ألواناً كما في قوله: (جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ) فإذا بست وطيرت في الهواء أشبهت العهن المنفوش إذا طيرته الريح، وهذه الأقوال في معنى العهن في اللغة، وأول ما تتغير الجبال تصير رملاً مهيلاً ثم عهناً منفوشاً ثم هباء منثوراً.

المعارج 70:10

(ولا يسأل حميم حميماً) أي لا يسأل قريب قريبه عن شأنه في ذلك اليوم لما نزل بهم من شدة الأهوال التي أذهلت القريب عن قريبه، والخليل عن خليله كما قال سبحانه: (لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه) وقيل المعنى لا يسأل حميم عن حميم لشغله عنه فحذف الحرف ووصل الفعل. قرأ العامة يسأل مبنياً للفاعل والمفعول الثاني محذوف أي لا يسأله نصره ولا شفاعته لعلمه أن ذلك مفقود، وقيل لا يسأل شيئاًً من حمل أوزاره، وقرىء على البناء للمفعول والمعنى لا يسأل حميم إحضار حميمه، وقيل هذه القراءة على إسقاط حرف الجر، أي لا يسأل حميم عن حميم بل كل إنسان يسأل عن نفسه وعن عمله، وقيل لا يطالب به ولا يؤخذ بذنبه. وجملة

المعارج 70:11

(يبصرونهم) مستأنفة أو صفة لقوله حميماً أي يبصر كل حميم حميمه لا يخفى منهم أحد عن أحد، وليس في القيامة مخلوق إلا وهو نصب عين صاحبه ولا يتساءلون ولا يكلم بعضهم بعضاً لاشتغال كل أحد منهم بنفسه، وقال ابن زيد يبصر الله الكفار في النار الذين أضلوهم في الدنيا وهم الرؤساء المتبوعون، وقيل إن قوله: (يبصرونهم) يرجع إلى الملائكة أي يعرفون أحوال الناس لا يخفون عليهم، وإنما جمع الضميرين في يبصرونهم وهما للحميمين حملاً على معنى العموم لأنهما نكرتان في سياق النفي، قاله السمين والزمخشري، قال الطيبي: وفيه دليل على أن الفاعل والمفعول الواقعين في سياق النفي يعمان كما التزم في قوله والله لا أشرب ماء من إداوة أنه يعم في المياه والأداوي، خلافاً لبعضهم في الأداوة. يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (15) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَى (18) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) قال ابن عباس (يبصرونهم) يعرف بعضهم بعضاً ويتعارفون ثم يفر بعضهم من بعض، قرأ الجمهور يبصرونهم بالتشديد وقرىء بالتخفيف. (يود المجرم) أي الكافر أو كل مذنب يذنب ذنباً يستحق به النار (لو) بمعنى أن (يفتدي من عذاب يومئذ) أي العذاب الذي ابتلوا به يومئذ، قرأ الجمهور بإضافة العذاب وكسر الميم من يومئذ وقرىء بالتنوين وقطع الإضافة وبفتح الميم. (ببنيه

المعارج 70:12

وصاحبته) زوجته (وأخيه) فإن هؤلاء أعز الناس عليه وأكرمهم لديه، فلو قبل منه الفداء لفدى بهم نفسه، وخلص مما نزل به من العذاب، والجملة مستأنفة لبيان أن اشتغال كل مجرم بنفسه بلغ بحد يود الافتداء من العذاب بمن ذكر، وقيل حال من الضمير المرفوع أو المنصوب من يبصرون.

المعارج 70:13

(وفصيلته التي تؤويه) أي عشيرته الأقربين الذين يضمونه في النسب أو عند الشدائد ويأوي إليهم، قال أبو عبيدة الفصيلة دون القبيلة، وقال ثعلب هم آباؤهم الأدنون، قال المبرد الفصيلة القطيعة من أعضاء الجسد وسميت عشيرة الرجل فصيلة تشبيهاً لها بالبعض منه، وقال مالك إن الفصيلة هي التي تربيه.

المعارج 70:14

(ومن) أي ويود المجرم لو افتدى بمن (في الأرض جميعاً) من الثقلين وغيرهما من الخلائق. وقوله (ثم ينجيه) معطوف على يفتدي أي يود لو يفتدي ثم ينجيه الافتداء، وكأن العطف بثم لدلالتها على استبعاد النجاة وقيل ثم ينجيه جواب يود، والأول أولى.

المعارج 70:15

(كلا) ردع للمجرم عن تلك الودادة، وبيان امتناع ما وده من الافتداء، وكلا يأتي بمعنى حقاً وبمعنى لا النافية مع تضمنها لمعنى الزجر والردع، وهي هنا تحتمل الأمرين (إنها لظى) الضمير عائد إلى النار المدلول عليها بذكر العذاب أو هو ضمير مبهم يفسره ما بعده، ويترجم عنه الخبر، قاله الزمخشري، ولظى علم لجهنم واشتقاقها من التلظي في النار، وهو التلهب، ولذلك منع من الصرف للعلمية والتأنيث، وقيل أصله لظظ بمعنى دوام العذاب فقلبت إحدى الظائين ألفاً، وقيل لظى هي الدركة الثانية من طباق جهنم.

المعارج 70:16

(نزاعة للشوى) قرأ الجمهور نزاعة بالرفع على أنه خبر ثان لأن، أو خبر مبتدأ محذوف أو تكون لظى بدلاً من الضمير المنصوب ونزاعة خبر " أن " أو على أن نزاعة صفة للظى على تقدير عدم كونها علماً أن يكون الضمير في (إنها) للقصة ويكون لظى مبتدأ ونزاعة خبره والجملة خبر " إن " وقرىء بالنصب على الحال وقال أبو علي الفارسي حمله على الحال بعيد لأنه ليس في الكلام ما يعمل في الحال، وقيل العامل فيها ما دل عليه الكلام من معنى التلظي أو النصب على الاختصاص والشوى الأطراف أو جمع شواة كنوى ونواة وهي جلدة الرأس. وقال الحسن وثابت البناني: للشوى أي لمكارم الوجه وحسنه وكذا قال أبو العالية وقتادة، وقال قتادة: تبري اللحم والجلد عن العظم حتى لا تترك فيه شيئاً، وقال الكسائي: هي المفاصل وقال أبو صالح هي أطراف اليدين والرجلين، وقال ابن عباس: تنزع أم الرأس، وقيل الشوى الأعضاء التي ليست بمقتل، وقيل هو جلد الإنسان.

المعارج 70:17

(تدعو) لظى (من أدبر) عن الحق في الدنيا (وتولى) أي أعرض عنه قيل إنها تقول إلي يا مشرك إلي يا منافق ثم تلتقطهم التقاط الطير للحب، وقيل معنى تدعو تهلك تقول العرب دعاك الله أي أهلكك، وقيل ليس هو الدعاء باللسان، ولكن دعاؤها إياهم تمكنها من عذابهم، وقيل المراد إن خزنة جهنم تدعو الكافرين والمنافقين، فإسناد الدعاء إلى النار من باب إسناد ما هو للحال إلى المحل، وقيل هو تمثيل وتخييل ولا دعاء في الحقيقة. والمعنى أن مصيرهم إليها والأول أولى لقوله (وتقول هل من مزيد) ولا موجب للصرف عن الظاهر، والله على كل شيء قدير.

المعارج 70:18

(وجمع فأوعى) أي جمع المال فجعله في وعاء ولم يؤد حق الله منه، وفي هذا ذم لمن جمع المال فأوعاه وكثره ولم ينفقه في سبيل الخير أو لم يؤد زكاته.

المعارج 70:19

(إن الإنسان) أي الجنس عبر به لما له من الإنس لنفسه والرؤية لمحاسنها والنسيان لربه ولدينه (خلق هلوعاً) قال في الصحاح الهلع في اللغة أشد الحرص وأسوأ الجزع وأفحشه، يقال هلوع بالكسر فهو هلع وهلوع، وقال عكرمة: هو الضجور، وقال ابن عباس: هو الشره، وقال الواحدي: والمفسرون يقولون تفسير الهلع ما بعده يعني قوله: (إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا) وبه قال ابن عباس أي إذا أصابه الفقر والحاجة أو المرض أو نحو ذلك فهو كثير الجزع، وإذا أصابه الخير من الغنى والخصب والسعة ونحو ذلك فهو كثير المنع والإمساك، وسأل محمد بن عبد الله بن طاهر ثعلباً عن الهلع فقال قد فسره الله، ولا يكون تفسير أبين من تفسيره وهو الذي إذا أصابه شر أظهر شدة الجزع وإذا مسه الخير بخل به ومنعه الناس. والعرب تقول ناقة هلوع وهلواع إذا كانت سريعة السير خفيفته، وقال أبو عبيدة الهلوع هو الذي إذا مسه الخير لم يشكر، وإذا مسه الشر لم يصبر، وانتصاب هلوعاً وجزوعاً ومنوعاً على أنها أحوال مقدرة لأنه ليس متصفاً بالصفات المذكورة وقت خلقه ولا وقت ولادته، أو محققة لكونها طبائع جبل الإنسان عليها والظرفان معمولان لجزوعاً ومنوعاً. وقوله:

المعارج 70:22

(إلا المصلين) من قبيل استثناء الجمع من الواحد، لأن الإنسان واحد وفيه معنى الجمع أي المؤمنين المقيمين للصلاة لأن الصلاة الشرعية تستلزم الإيمان يعني أنهم ليسوا على تلك الصفات من الهلع والجزع والمنع، وإنهم على صفات محمودة وخلال مرضية لأن إيمانهم وما تمسكوا به من التوحيد ودين الحق يزجرهم عن الاتصاف بتلك الصفات، ويحملهم على الاتصاف بصفات الخير. ثم بينهم سبحانه فقال:

المعارج 70:23

(الذين هم على صلاتهم دائمون) أي مواظبون أي لا يشغلهم عنها شاغل ولا يصرفهم عنها صارف، ولا يتركونها أداء ولا قضاء أي يفعلونها ولو قضاء [[قوله " أي يفعلونها ولو قضاء " له معنيان (أحدهما) قضاء النائم والناسي فيقضي ما فاته نسياناً أو نوماً عند قيامه من النوم أو عندما يتذكر، وهذه صلاة مقبولة كما جاء في الحديث " من نام عن صلاة أو نسيها " الخ. والمعنى الثاني لقضاء الصلاة هو أن يترك الصلاة عامداً شين طويلة ثم يتوب فيصلي مع كل صلاة صلاة وهذا غير مقبول فمن تاب سقط عنه ما مضى.]] وليس المراد بالدوام أنهم يصلون أبداً. قال الزجاج: هم الذين لا يزيلون وجوههم عن سمت القبلة وقال الحسن وابن جريج: هو التطوع منها قال النخعي: المراد بالمصلين الذين يؤدون الصلاة المكتوبة. وقال ابن مسعود: الذين يصلونها لوقتها. وعن عمران بن حصين: قال الذي لا يلتفت في صلاته، وعن عقبة بن عامر قال: هم الذين إذا صلوا لم يلتفتوا، والمراد بالآية جميع المؤمنين وقيل الصحابة خاصة، ولا وجه لهذا التخصيص لاتصاف كل مؤمن بأنه من المصلين. وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33)

المعارج 70:24

(وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ) قال قتادة ومحمد بن سيرين المراد الزكاة المفروضة، وقال مجاهد سوى الزكاة، وقيل صلة الرحم، وحمل الكل؛ والظاهر أنه الزكاة المفروضة لوصفه بكونه معلوماً ولجعله قريناً للصلاة.

المعارج 70:25

(للسائل) أي الذي يسأل الناس (والمحروم) أي الذي يتعفف عن السؤال فيحسب غنياً فيحرم على حد (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) وقد تقدم تفسير السائل والمحروم في سورة الذاريات وفي سورة المؤمنين مستوفى.

المعارج 70:26

(والذين يصدقون بيوم الدين) أي بيوم الجزاء وهو يوم القيامة لا يشكون فيه ولا يجحدونه، وقيل يصدقونه بأعمالهم فيتعبون أنفسهم في الطاعات، لأن التصديق به يستلزم الاستعداد له بالأعمال الصالحة

المعارج 70:27

(والذين هم من عذاب ربهم مشفقون) أي خائفون وجلون مع ما لهم من أعمال الطاعة استحقاراً لأعمالهم واعترافاً بما يجب لله سبحانه عليهم. وجملة

المعارج 70:28

(إن عذاب ربهم غير مأمون) مقررة لمضمون ما قبلها مبينة أن ذلك مما لا ينبغي أن يأمنه أحد لجواز أن يحل به وإن بلغ في الطاعة ما بلغ، وأن حق كل أحد أن يخافه، ويكون مترجماً بين الخوف والرجاء.

المعارج 70:29

(وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ) من الإماء، ولشبههن في جريان التصرف عليهن عبر عنهن " بما " التي لغير العاقل (فإنهم غير ملومين) على ترك الحفظ

المعارج 70:31

(فمن ابتغى) أي طلب منكحاً (وراء ذلك) أي غير الزوجات والمملوكات. (فأولئك هم العادون) أي المتجاوزون عن الحلال إلى الحرام والمتعدون ما حد لهم، وهذه الآية تدل على حرمة المتعة ووطء الذكران والبهائم والزنا والاستمناء بالكف، وقد تقدم تفسيرها في سورة المؤمنين مستوفى.

المعارج 70:32

(والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون) أي لا يخلون بشيء من الأمانات التي يؤتمنون عليها، ولا ينقضون شيئاًً من العهود التي يعقدونها على أنفسهم، قرأ الجمهور لأماناتهم بالجمع وقرىء بالإفراد وهما سبعيتان، والمراد الجنس وهي تتناول أمانات الشرع، وأمانات العباد، ويدخل فيها عهود الخلق والنذور والأيمان، وقيل الأمانات ما تدل عليه العقول. والعهود ما أتى بها الرسول.

المعارج 70:33

(والذين هم بشهاداتهم قائمون) أي يتحملونها ويؤدونها على غاية التمام وحسن الأداء، ويقيمونها عند الحكام على من كانت عليه من قريب أو بعيد، أو رفيع أو وضيع، بلا ترجيح للقوي على الضعيف، ولا يكتمونها ولا يغيرونها إظهاراً للصلابة في الدين، ورغبة في إحياء حقوق المسلمين. وقد تقدم القول على الشهادة في سورة البقرة قرأ الجمهور بشهادتهم بالإفراد وقرىء بالجمع، قال الواحدي: والإفراد أولى لأنه مصدر، ومن جمع ذهب إلى اختلاف الشهادات، قال الفراء ويدل على قراءة التوحيد قوله تعالى: (وأقيموا الشهادة لله) وقيل أراد بالشهادة الشهادة بكلمة التوحيد، والأول أولى. وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (35) فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (39) فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ خَيْرًا مِنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)

المعارج 70:34

(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) أي على أذكارها وأركانها وشرائطها لا يخلون بشيء من ذلك قال قتادة: على وضوئها وركوعها وسجودها، قال ابن جريج: المراد التطوع، وكرر ذكر الصلاة للدلالة على فضلها وأنافتها على غيرها، ولاختلاف ما وصفهم به أولاً وما وصفهم به ثانياً فإن معنى الدوام هو أن لا يشتغل عنها بشيء من الشواغل كما سلف، ومعنى المحافظة أن يراعي الأمور التي لا تكون صلاة بدونها. وقيل المراد يحافظون عليها بعد فعلها من أن يفعلوا ما يحبطها ويبطل ثوابها، وكرر الموصولات للدلالة على أن كل وصف من تلك الأوصاف لجلالته يستحق أن يستقل بموصوف منفرد، وقال الكرخي: وفي هذه الصلاة مبالغات لا تخفى وهي تقديم الضمير وبناء الجملة عليه وتقديم الجار والمجرور على الفعل، وجعل بعض الجمل اسميه مفيدة للدوام والثبات، وبعضها فعلية مفيدة للاستمرار التجددي.

المعارج 70:35

(أولئك) الموصوفون بتلك الصفات مستقرون (في جنات مكرمون) بأنواع الكرامات وهما خبران.

المعارج 70:36

(فمال الذين كفروا قبلك مهطعين) أي أيّ شيء ثبت لهم فهم حواليك مسرعين، قال الأخفش مهطعين مسرعين، وقيل المعنى ما بالهم يسرعون إليك ويجلسون حواليك ولا يعملون بما تأمرهم، وقيل ما بالهم مسرعين إلى التكذيب، وقيل ما بال الذين كفروا يسرعون إلى السماع إليك فيكذبونك ويستهزئون بك، وقال الكلبي إن معنى مهطعين ناظرين إليك، وقال قتادة عامدين، وقيل مسرعين إليك مادي أعناقهم مديمي النظر إليك.

المعارج 70:37

(عن اليمين وعن الشمال عزين) أي عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن شماله جماعات متفرقة وعزين جمع عزة وهي العصبة من الناس، وقيل أصلها عزوة من العزو، وكأن كل فرقة تعتزي إلى غير من تعتزي إليه الفرقة الأخرى وقال في الصحاح العزة الفرقة من الناس، والهاء عوض عن الياء والجمع عزى وعزون، قال ابن عباس عزين العصب من الناس معرضين يستهزئون به، وأخرج مسلم وغيره عن جابر قال دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ونحن حلق متفرقون فقال ما لي أراكم عزين " [[روى مسلم في " صحيحه " 1/ 322 عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآنا حلقَاً، فقال: " ما لي أراكم عِزينَ؟ " أي جماعات في تفرقة، جمع عزة، وأصلها " عزوة " فحذفت الواو وجمعت جمع السلامة على غير قياس كثُبين جمع ثُبة. والحديث رواه أيضاً أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن جرير الطبري. وفي هذا الحديث دلالة على أن التفرقة في الأجسام تولد التفرقة في القلوب.]].

المعارج 70:38

(أيطمع كل امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم) كالمؤمنين المسلمين قال المفسرون: كان المشركون يقولون لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلن قبلهم، فنزلت الآية، قرأ الجمهور ويدخل مبنياً للمفعول، وقرىء مبنياً للفاعل. ثم رد الله سبحانه عليهم فقال:

المعارج 70:39

(كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) أي من القذر الذي يعلمون به يعني من النطفة المذرة، وأبهم إشعاراً بأنه منصب يستحي من ذكره فلا ينبغي فم هذا التكبر، وهذا استدلال بالنشأة الأولى على إمكان النشأة الثانية التي بنوا الطمع على فرضها فرضاً محالاً عندهم بعد ردعهم عنه، وقيل المعنى إنا خلقناهم من أجل ما يعلمون وهو امتثال الأمر والنهي وتكميل النفس بالعلم والعمل، وتعريضهم للثواب والعقاب كما في قوله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). أخرج أحمد وابن ماجة وابن سعد وابن أبي عاصم والبارودي وابن قانع والحاكم والبيهقي في الشعب والضياء عن بشر بن جحاش قال: " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا -إلى قوله- مِمَّا يَعْلَمُونَ) ثم بزق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على كفه ووضع عليها أصبعه وقال: " يقول الله ابن آدم أنىّ تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك وعدلتك مشيت بين بردين وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعمشا حتى إذا بلغت التراقي قلت أتى أوان الصدقة " [[رواه أحمد في " المسند " 4/ 210 من حديث حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن ميسرة عن جبير بن نفير عن بسر بن جحاش، وإسناده حسن، ورواه الحاكم في " المستدرك " 2/ 502 وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: صحيح ورواه ابن ماجة رقم (2707) وقال البوصيري في " الزوائد ": إسناده صحيح. وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 167 من رواية البيهقي في " شعب الإيمان ".]]. قال ابن العربي في الفتوحات خلق الله تعالى الناس على أربعة أقسام قسم لا من ذكر ولا من أنثى وهو آدم عليه السلام وقسم من ذكر فقط وهو حواء وقسم من أنثى فقط وهو عيسى عليه السلام وقسم من ذكر وأنثى وهو بقية الناس.

المعارج 70:40

(فلا أقسم) لا زائدة كما تقدم قريباً والمعنى فأقسم (برب المشارق والمغارب) قرأهما الجمهور بالجمع يعني مشرق كل يوم من أيام السنة ومغربه، وقال ابن عباس للشمس كل يوم مطلع تطلع فيه وكل يوم مغرب تغرب فيه غير مطلعها بالأمس. وغير مغربها بالأمس، وقيل مشرق كل نجم ومغربه وقرىء بالإفراد، وقوله: (إنا لقادرون

المعارج 70:41

على أن نبدل خيراً منهم) جواب القسم، والمعنى إنا لقادرون على أن نخلق أمثل منهم وأطوع لله حين عصوه، ونهلك هؤلاء أو نبدلهم بتحويل الوصف فيكونوا أشد بطشاً في الدنيا وأكثر أموالاً وأولاداً، وأعلى قدراً، وأكثر حشماً وجاهاً وخدماً فيكونوا عندك على قلب واحد في سماع قولك وتوقيرك وتعظيمك، والسعي في كل ما يشرح صدرك بدل ما يعمل هؤلاء من الهزء والتصفيق والصفير، وكل ما يضيق به صدرك. وقد فعل سبحانه ما ذكر من هذه الأوصاف بالمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بالإحسان، مع السعة في الرزق بأخذ أموال الجبارين من كسرى وقيصر، والتمكن في الأرض حتى كانوا ملوك الدنيا مع العمل بما يوجب لهم ملك الآخرة، ففرجوا الكرب عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبذلوا في مرضاته الأنفس والأموال. ومن جملة المقسم عليه قوله: (وما نحن بمسبوقين) أي بمغلوبين إن أردنا ذلك بل نفعل ما أردنا لا يفوتنا شيء ولا يعجزنا أمر، ولكن مشيئتنا وسابق علمنا اقتضيا تأخير عقوبة هؤلاء وعدم تبديلهم بخلق آخر

المعارج 70:42

(فذرهم) أي دعهم واتركهم (يخوضوا) في باطلهم (ويلعبوا) في دنياهم واشتغل بما أمرت به، ولا يعظمن عليك ما هم فيه فليس عليك إلا البلاغ، وهذا تهديد لهم وتسلية له صلى الله عليه وسلم. (حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون) هو يوم كشف الغطاء الذي أوله عند الغرغرة وتناهيه النفخة الثانية ودخول كل من الفريقين في داره ومحل استقراره، وقيل هو يوم القيامة، وهذه الآية منسوخة بآية السيف كما قال البقاعي وابن عادل، قرأ الجمهور يلاقوا وقرىء يلقوا، وفيه إشارة إلى أن التفاعل ليس على بابه.

المعارج 70:43

(يوم يخرجون من الأجداث سراعاً) " يوم " بدل من يومهم؛ بدل بعض من كل على ما يقتضيه تفسير يومهم بما ذكر؛ قرأ الجمهور يخرجون على البناء للفاعل وقرىء على البناء للمفعول؛ والأجداث جمع جدث وهو القبر؛ والسراع جمع سريع وانتصابه على الحال من ضمير يخرجون. (كأنهم إلى نصب يوفضون) قرأ الجمهور نصب بفتح النون وسكون الصاد وهو اسم مفرد بمعنى العلم المنصوب الذي يسرع الشخص نحوه، وقال أبو عمرو هو شبكة الصائد يسرع إليها عند وقوع الصيد فيها مخافة انفلاته. وقرىء بضمهما، وفيه ثلاثة أوجه أحدها أنه اسم مفرد بمعنى الصنم المنصوب للعبادة، وثانيها أنه جمع نصاب ككتب في كتاب، وثالثها أنه جمع نصب كرهن في رهن، وسقف في سقف، وجمع الجمع أنصاب، وقرىء بفتحتين ففعل بمعنى مفعول أي منصوب كالقبض، وقرىء بضم فسكون وهي تخفيف من الثانية. وقال النحاس: نصب ونصب بمعنى واحد قيل معنى إلى نصب، إلى غاية وهي التي تنصب إليها بصرك، وقال الكلبي: إلى شيء منصوب كعلم أو راية أي كأنهم إلى علم يدعون إليه أو راية تنصب لهم يوفضون، قال الحسن: كانوا يبتدرون إذا طلعت الشمس إلى نصبهم التي كانوا يعبدونها من دون الله لا يلوي أولهم على آخرهم. قيل معنى يوفضون يسرعون إسراع من ضل عن الطريق إلى أعلامها، والإيفاض الإسراع يقال أوفض إيفاضاً أي أسرع إسراعاً، وفي القاموس: وفض يفض وفضاً بالسكون وبالتحريك عدا وأسرع كأوفض واستوفض، والأوفاض الفرق من الناس والأخلاط والجماعة من قبائل شتى كأصحاب الصفة، قال ابن عباس في الآية إلى علم يستبقون، وقيل يسعون وقيل ينطلقون والمعاني متقاربة. وانتصاب

المعارج 70:44

(خاشعة) على الحال من ضمير يرفضون وهو الأقرب أو من فاعل يخرجون وفيه بعد، والخشوع الذلة والخضوع و (أبصارهم) مرتفعة به والمعنى لا يرفعونها لما يتوقعونه من العذاب. (ترهقهم ذلة) أي تغشاهم ذلة شديدة ضد ما كانوا عليه في الدنيا لأن من تعزز فيها عن الحق ذل في الآخرة ومن ذل للحق في الدنيا عز في الآخرة، قال قتادة هي سواد الوجوه ومنه غلام مراهق إذا غشيه الاحتلام، يقال رهقه بالكسر يرهقه رهقاً غشيه، ومثل هذا قوله (ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة) والجملة مستأنفة أو حال من قال يوفضون أو يخرجون. (ذلك) الذي تقدم ذكره (اليوم الذي كانوا يوعدون) أي يوعدونه في الدنيا على ألسنة الرسل قد حاق وحضر ووقع بهم من عذابه ما وعدهم الله به وإن كان مستقبلاً فهو في حكم الذي قد وقع لتحقق وقوعه، قال الخطيب وهذا هو العذاب الذي سألوا عنه أول السورة فقد رجع آخرها على أولها.

نوح 71:1

سورة نوح (هي تسع أو ثمان وعشرون آية وهي مكية عن الزبير قال نزلت بمكة) بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1) قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (4) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ) وكانوا جميع أهل الأرض من الآدميين أهل عصره، ولذلك لما كفروا أغرق الله أهل الأرض جميعاً، وقد تقدم أن نوحاً أول رسول أرسله الله بالنهي عن عبادة غير الله، لأن عبادة غيره إنما حدثث في زمن نوح، وإلا فمن المعلوم إن قبله رسلاً آدم وشيث وإدريس. وهو نوح بن لامك بن متوشلخ بن اخنوخ بن قينان بن شيث بن آدم، وكان أطول الأنبياء عمراً بل أطول الناس وهو أول من شرعت له الشرائع، وأول رسول أنذر من الشرك وقد تقدم مدة لبثة في قومه وبيان جميع عمره وبيان السن التي أرسل هو فيها في سورة العنكبوت، قيل النوح معناه بالسريانية الساكن. (أن أنذر قومك) أي بأن أنذر على أنها مصدرية أو هي المفسرة لأن في الإرسال معنى القول، وقرأ ابن مسعود أنذر بدون أن أي فقلنا له أنذر (من قبل أن يأتيهم عذاب أليم) أي شديد الألم وهو عذاب النار على ما هم عليه من الأعمال الخبيثة، وقال الكلبي هو ما نزل بهم من الطوفان.

نوح 71:2

(قال يا قوم) أضافهم إلى نفسه إظهاراً للشفقة، والجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً على تقدير سؤال (إني لكم نذير) من عقاب الله ومخوف لكم (مبين) أي بين الإنذار، أو مبين لما فيه نجاتكم بلغة تعرفونها أو أمري بين في نفسه بحيث صار في شدة وضوحه كأنه مظهر لما يتضمنه مناد بذلك للقريب والبعيد والفطن والغبي.

نوح 71:3

(أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون) " أن " هي التفسيرية لنذير أو هي المصدرية كأختها السابقة أي بأن اعبدوا الله ولا تشركوا به غيره، واجتنبوا ما يوقعكم في عذابه، وأطيعوني فيما آمركم به فإني رسول إليكم من عند الله، وإنما أضاف الإِطاعة إلى نفسه لأن الطاعة قد تكون لغير الله بخلاف العبادة.

نوح 71:4

(يغفر لكم من ذنوبكم) هذا جواب الأوامر الثلاثة، " ومن " للتبعيض أي بعض ذنوبكم وهو ما سلف منها قبل طاعة الرسول وإجابة دعوته، وقيل المراد بالبعض ما لا يتعلق بحقوق العباد، فإنها لا تغفر بالإسلام، وهذا كلام ظاهري إذ الحق أنها تغفر من حيث المؤاخذة الأخروية بمعنى أنهم لا يعاقبون عليها في الآخرة، وإن كانت من حيث المؤاخذة عليها في الدنيا لا تغفر، فيطالب الكافر إذا أسلم بالحدود كحد القذف وبالمال الذي ظلم به في الكفر تأمل. وقيل هي لبيان الجنس، وقيل زائدة قاله السدي فإن الإسلام يغفر ما قبله، وهذا على رأي الأخفش الذي لا يشترط في زيادتها تقدم نفي ولا تنكير المجرور بها، والأولى هو الوجه الأول وقيل يغفر لكم من ذنوبكم ما استغفرتموه منها. (ويؤخركم إلى أجل مسمى) أي يؤخر موتكم إلى الأمد الأقصى المعلوم المعين الذي قدره الله لكم لا يزيد ولا ينقص بشرط الإيمان والطاعة فوق ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر والعصيان، وقيل التأخير بمعنى البركة في أعمارهم إن آمنوا، وعدم البركة فيها إن لم يؤمنوا، قال مقاتل: يؤخركم إلى منتهى آجالكم، وقال الزجاج: أي يؤخركم عن العذاب فتموتوا غير ميتة المستأصلين بالعذاب، فالمؤخر إنما هو العذاب فلا يخالف هذا قوله (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر) لأن المنفي تأخيره فيه هو الأجل نفسه، فلا تخالف بين هذين المحلين، وقال الفراء: المعنى لا يميتكم غرقاً ولا حرقاً ولا قتلاً. (إن أجل الله) أي ما قدره لكم على تقدير بقائكم على الكفر من العذاب (إذا جاء) وأنتم باقون على الكفر (لا يؤخر) بل يقع لا محالة فبادروا إلى الإيمان والطاعة، وقيل المعنى إن أجل الله وهو الموت إذا جاء لا يمكنكم الإيمان. وقيل المعنى إذا جاء الموت لا يؤخر سواء كان بعذاب أو بغير عذاب، وإضافة الأجل إليه سبحانه لأنه هو الذي أثبته، وقد يضاف إلى القوم كقوله (إذا جاء أجلهم) لأنه مضروب لهم (لو كنتم تعلمون) شيئاًً من العلم لسارعتم إلى ما أمرتكم به ولعلمتم أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر. هذا: وقد سئل الشوكاني رحمه الله تعالى عما ورد في الآيات الكريمات الدالة على أن العمر لا يزيد ولا ينقص، والأحاديث الدالة على أن صلة الرحم تزيد في العمر، فأجاب بما لفظه: قد طال الكلام في هذا البحث، وقد وقفت قبل الآن بنحو ثمان سنين على مؤلف بسيط لبعض الحنابلة في خصوص هذه المسألة، وقد غاب عني اسم الكتاب واسم صاحبه، والأحاديث القاضية بأن صلة الرحم تزيد في العمر أحاديث صحيحة كثيرة منها ما أخرجه البخاري والترمذي من حديث أبي هريرة مرفوعاً بلفظ " من سره أن يبسط له في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل رحمه " [[الحاكم/4/ 160.]]. وعند الترمذي " تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم فإن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في المال منسأة في الأثر "، والأثر الأجل وإنساؤه تأخيره. وأخرج أحمد في مسنده والبيهقي في شعب الإيمان ورمز السيوطي في الجامع لصحته من حديث عائشة مرفوعاً [صلة الرحم وحسن الخلق وحسن الجوار يعمرن الديار ويزدن في الأعمار] [[صحيح الجامع/3661.]]. وأخرج القضاعي من حديث ابن مسعود مرفوعاً " صلة الرحم تزيد في العمر وصدقة السر تطفىء غضب الرب " [[صحيح الجامع/3660.]]. وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث عمرو بن سهيل مرفوعاً " صلة الرحم مثراة في المال محبة في الأهل منسأة في الأجل " [[صحيح الجامع/3662.]]. إذا تقرر هذا فالعمر محدود ومعلوم لا يتقدم ولا يتأخر إلا إذا وصل الرجل رحمه مد الله في عمره وزاده، وهكذا حكم سائر الأمور التي وردت الأدلة بأنها تزيد في العمر أو تنقص منه لأنها خاصة، والخاص مقدم على العام، والمقام يحتمل البسط، وفي هذا كفاية والله أعلم.

نوح 71:5

(قال رب) أي قال نوح مناجياً لربه وحاكياً له ما جرى بينه وبين قومه وهو أعلم به منه (إني دعوت قومي) إلى ما أمرتني بأن أدعوهم إليه من الإيمان (ليلاً ونهاراً) أي دعاء دائماً دائباً بلا فتور في الليل والنهار من غير تقصير.

نوح 71:6

(فلم يزدهم دعائي) شيئاًً من أحوالهم التي كانوا عليها (إلا فراراً) إعراضاً عما دعوتهم إليه، وبعداً عنه، قال مقاتل يعني تباعداً من الإيمان (كأنهم حمر مستنفرة) وإسناد الزيادة إلى الدعاء لكونه سببها كما في قوله (زادتهم إيماناً) قرأ الجمهور دعائي بفتح الياء، وقرىء بإسكانها والاستثناء مفرغ. وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (8) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9) فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14)

نوح 71:7

(وإني كلما) دعوتهم إلى سبب المغفرة وهو الإيمان بك والطاعة لك (لتغفر لهم) أي لأجل مغفرتك لهم، أو اللام للتعدية ويكون قد عبر عن السبب بالمسبب، والأصل دعوتهم للتوبة التي هي سبب في الغفران، فأطلق الغفران وأريد به التوبة (جعلوا أصابعهم في آذانهم) لئلا يسمعوا صوتي، وقال ابن عباس لئلا يسمعوا ما يقول. (واستغشوا ثيابهم) أي غطوا بها وجوههم لئلا يروني، وقيل جعلوا ثيابهم على رؤوسهم لئلا يسمعوا كلامي، فيكون استغشاء الثياب على هذا زيادة في سد الأذان، وقيل هو كناية عن العدواة، يقال لبس فلان ثياب العدواة، وقيل استغشوا ثيابهم لئلا يعرفهم فيدعوهم، وقال ابن عباس: ليتنكروا فلا يعرفهم، وعنه قال: غطوا وجوههم لئلا يروا نوحاً ولا يسمعوا كلامه، وقد أفادت هذه الآية بالتصريح أنهم عصوا نوحاً وخالفوه مخالفة لا أقبح منها ظاهراً بتعطيل الأسماع والأبصار، وباطناً بالإصرار والاستكبار كما قال تعالى (وأصروا) أي استمروا على الكفر ولم يقلعوا عنه ولا تابوا عنه (واستكبروا) عن قبول الحق وعن امتثال ما أمرهم به (استكباراً) شديداً وذكر المصدر دليل على فرط استكبارهم قال ابن عباس: تركوا التوبة.

نوح 71:8

(ثم إني دعوتهم جهاراً) أي مظهراً لهم الدعوة مجاهراً لهم بها، وانتصاب (جهاراً) على المصدرية لأن الدعاء يكون جهاراً ويكون غير جهار، فالجهار نوع من الدعاء كقولهم قعد القرفصاء، ويجوز أن يكون نعت مصدر محذوف أي دعاء جهاراً، وأن يكون مصدراً في موضع الحال أي مجاهراً أو ذا جهار، أو جعل نفس المصدر مبالغة، ومعنى " ثم " الدلالة على تباعد الأحوال لأن الجهار أغلظ من السر، والجمع بين الأمرين أغلظ من أحدهما، قرأ الجمهور (إني) بسكون الياء وقرىء بفتحها.

نوح 71:9

(ثم إني أعلنت لهم) أي دعوتهم معلناً لهم بالدعاء (وأسررت لهم) الدعوة (إسراراً) كثيراً قيل المعنى أنه يدعو الرجل بعد الرجل يكلمه سراً فيما بينه وبينه، والمقصود أنه دعاهم على وجوه متخالفة وأساليب متفاوتة، فلم ينجح ذلك فيهم، وهكذا يفعل الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يبتدىء بالأهون ثم بالأشد فالأشد، قال مجاهد معنى أعلنت صحت، وقيل معنى أسررت أتيتهم في منازلهم فدعوتهم فيها.

نوح 71:10

(فقلت استغفروا ربكم)، أي سلوه المغفرة من ذنوبكم السالفة أعيانها وآثارها بإخلاص النية (إنه كان غفاراً) أي كثير المغفرة للمذنبين، وقيل لمعنى توبوا عن الكفر إنه كان غفاراً للتائبين.

نوح 71:11

(يرسل السماء عليكم مدراراً) أي يرسل ماء السماء عليكم، ففيه إضمار وقيل المراد بالسماء المطر، والمدرار الدرور، وهو التحلب بالمطر، وانتصابه إما على الحال من السماء ولم يؤنث لأن مفعالا لا يؤنث بل يستوي فيه المذكر والمؤنث، تقول امرأة مئناث ومذكار أو على أنه نعت لمصدر محذوف أي إرسالاً مدراراً، وقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام، وجزم يرسل لكونه جواب الأمر، وفي هذه الآية دليل " على أن الاستغفار من أعظم أسباب المطر، وحصول أنواع الأرزاق ومن لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً، ومن كل ضيق مخرجاً " [[قال ابن كثير: أي: إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه، كثر الرزق عليكم، وأسقاكم من بركات السماء، وأنبت لكم من بركات الأرض، وأنبت لكم الزرع، وأدرّ لكم الضرع، وأمدّكم -[335]- بأموال وبنين، أي: أعطاكم الأموال والأولاد، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار، وخلّلها بالأنهار الجارية بينها. ثم قال: هذا مقام الدعوة بالترغيب، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال: (ما لكم لا ترجون لله وقاراً)؟.]]. ولهذا قال:

نوح 71:12

(ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات) أي بساتين الدنيا ليكون مما وعدوا به عاجلاً (ويجعل لكم أنهاراً) جارية، قال عطاء المعنى يكثر أموالكم وأولادكم وكانوا يحبونهما فحركوا بهذا على الإيمان وأعلمهم نوح عليه السلام أن إيمانهم بالله يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغنى في الدنيا، وأعاد فعل الجعل ولم يقل وأنهاراً لتغايرهما فإن الأول مما لفعلهم فيه مدخل بخلاف الثاني. وعن الحسن: أن رجلاً شكا إليه الجدب فقال استغفر الله وشكا إليه آخر الفقر وآخر قلة النسل وآخر قلة ريع أرضه، فأمرهم كلهم بالاستغفار، فقال له الربيع ابن صبيح: أتاك رجال يشكون أبواباً ويسألونك أنواعاً فأمرتهم كلهم بالاستغفار، فتلا هذه الآية ولله دره ما أفقهه، قال القشيري من وقعت له حاجة إلى الله لم يصل إلى مراده إلا بتقديم الاستغفار، وقال الشهاب وليس المراد بالاستغفار مجرد قول استغفر الله بل الرجوع عن الذنوب وتطهير الألسنة والقلوب.

نوح 71:13

(ما لكم لا ترجون لله وقاراً) أي أيّ عذر لكم في ترك الرجاء، والرجاء هنا الخوف أي ما لكم لا تخافون الله والوقار العظمة من التوقير، وهو التعظيم، والمعنى لا تخافون حق عظمته فتوحدونه وتطيعونه، وقيل المعنى ما لكم لا تؤملون من الله توقيراً لكم بأن تؤمنوا به فتصيروا موقرين عنده، وهذا المعنى هو ما سلكه البيضاوي أولاً، وقال أبو السعود: إنكار لأن يكون لهم سبب ما في عدم رجائهم لله تعالى وقاراً على أن الرجاء بمعنى الاعتقاد انتهى. وهذا حث على رجاء الوقار لله، والمراد الحث على الإيمان والطاعة الموجبين لرجاء ثواب الله، فهو من الكناية التلويحية لأن من أراد رجاء تعظيم الله، وتوقيره إياه آمن به وعبده وعمل صالحاً ومن عمل الصالحات رجا ثواب الله وتعظيمه إياه في دار الثواب، فإن الحث على تحصيل الرجاء مسبوق بالحث على تحصيل الإيمان. فهو من باب مقدمة الواجب. قال الكرخي: أي أنكم إذا وقرتم نوحاً وتركتم استخفافه كان ذلك لأجل الله، فما لكم لا ترجون لله وقاراً، وقال سعيد بن جبير وأبو العالية وعطاء بن أبي رباح: ما لكم لا ترجون لله ثواباً ولا تخافون منه عقاباً، وقال مجاهد والضحاك: ما لكم لا تبالون لله عظمة، قال قطرب: هذه لغة حجازية وهذيل وخزاعة ومضر يقولون لم أرج لم أبل، وقال قتادة ما لكم لا ترجون لله عاقبة الإيمان، وقال ابن كيسان ما لكم لا ترجون في عبادة الله وطاعته أن يثيبكم على توقيركم خيراً، وقال ابن زيد: ما لكم لا تؤدون لله طاعة، وقال الحسن: ما لكم لا تعرفون لله حقاً ولا تشكرون له نعمة، وقال ابن عباس: لا تعلمون لله عظمة، وعنه قال: لا تخافون لله عظمة ولا تخشون له عقاباً، ولا ترجون له ثواباً، وعن علي بن أبي طالب أن النبي صلى الله عليه وسلم: " رأى ناساً يغتسلون عراة ليس عليهم أزر فوقف فنادى بأعلى صوته ما لكم لا ترجون لله وقاراً " أخرجه عبد الرزاق في المصنف.

نوح 71:14

(وقد خلقكم أطواراً) أي والحال أنه سبحانه قد خلقكم على أطوار مختلفة وأحوال منافية لما أنتم عليه بالكلية، فخلقكم تارة عناصر ثم أغذية ثم اخلاطاً ثم نطفاً ثم مضغاً ثم علقاً ثم عظاماً ولحوماً ثم أنشأكم خلقاً آخر، والطور في اللغة المرة، وقال ابن الأنباري: الطور الحال والهيئة وجمعه أطوار، وقيل أطواراً صبياناً ثم شباناً ثم شيوخاً، وقيل الأطوار اختلافهم في الأفعال والأقوال والأخلاق، والمعنى كيف تقصرون في توقير من خلقكم على هذه الأطوار البديعة تارات وكرات، فهذا مما لا يكاد يصدر عن العاقل. أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20) قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) ثم لما نبههم سبحانه وتعالى أولاً على النظر في أنفسهم لأنها أقرب، نبههم ثانياً على النظر في العالم وما سوى فيه من العجائب الدالة على الصانع الحكيم فقال

نوح 71:15

(أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا) الخطاب لمن يصلح له، والمراد الاستدلال بخلق السموات على كمال قدرته وبديع صنعه، وأنه الحقيق بالعبادة، والطباق المتطابقة بعضها فوق بعض كل سماء طبقة على الأخرى كالقباب من غير مماسة، قال الحسن خلق الله سبع سموات على سبع أرضين بين كل سماء وسماء وأرض وأرض خلق وأمر. وقد تقدم تحقيق هذا في قوله (ومن الأرض مثلهن) وانتصاب طباقاً على المصدرية تقول طابقه طباقاً ومطابقة أو حال بمعنى ذات طباق فحذف ذات وأقام طباقاً مقامه، وأجاز الفراء في غير القرآن جر طباق على النعت.

نوح 71:16

(وجعل القمر فيهن نوراً) أي منوراً لوجه الأرض وجعل القمر في السموات مع كونه في سماء الدنيا لأنه إذا كان في إحداهن فهو فيهن كذا قال ابن كيسان وأبو السعود، قال الأخفش: كما تقول أتاني بنو تميم والمراد بعضهم أو لأن كل واحدة منها شفافة لا تحجب ما وراءها فيرى الكل كأنه سماء واحدة، ومن ضرورة ذلك أن يكون ما في كل واحدة منها كأنه في الكل، وقال قطرب " فيهن " بمعنى معهن أي خلق الشمس والقمر مع خلق السموات والأرض، قال ابن عباس: وجهه في السماء إلى العرش وقفاه إلى الأرض وعنه قال خلق فيهن حين خلقهن ضياء لأهل الأرض وليس من ضوئه في السماء شيء. (وجعل الشمس) فيهن (سراجاً) أي كالمصباح لأهل الأرض ليتوصلوا بذلك إلى التصرف فيما يحتاجون إليه من المعاش، عن ابن عمرو: قال الشمس والقمر وجوههما قبل السماء وأقفيتهما قبل الأرض، وأنا أقرأ بذلك عليكم آية من كتاب الله يعني هذه الآية، وعن ابن عمر قال في الآية تضيء لأهل السموات كما تضيء لأهل الأرض، وعن شهر بن حوشب قال: اجتمع عبد الله بن العاص وكعب الأحبار، وكان بينهما بعض العتب فتعاتبا فذهب ذلك فقال ابن عمرو لكعب سلني عما شئت فلا تسألني عن شيء إلا أخبرتك بتصديق قولي من القرآن، فقال له أرأيت ضوء الشمس والقمر أهو في السموات السبع كما هو في الأرض؟ قال نعم ألم تر إلى قول الله، يعني هذه الآية، قال النسفي: وأجمعوا على أن الشمس في السماء الرابعة وضوءها أقوى من نور القمر، وقيل في الخامسة وقيل في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة [[قال ابن جرير الطبري: وقوله: (وجعل القمر فيهن نوراً) يقول: وجعل القمر في السموات السبع نوراً، وجعل الشمس فيهن سراجاً، وقال ابن كثير: المقصود أن الله سبحانه وتعالى: خلق سبع سموات طباقاً، وجعل القمر فيهن نوراً وجعل الشمس سراجاً، أي: فاوت بينهما في الاستنارة، فجعل كلاً منهما أنموذجاً على حدة ليعرف الليل والنهار بمطلع الشصر ومغيبها، وقدَّر للقمر منازل وبروجاً، وفاوت نوره، فتارة يزداد حتى يتناهى، ثم يشرع في النقص حتى يستسر ليدل على مضي الشهور والأعوام، كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). وقال الآلوسي: (وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا) منوِّراً لوجه الأرض في ظلمة الليل، وجعله فيهن مع أنه في إحداهن وهي السماء الدنيا، كما يقال: زيد في بغداد وهو في بقعة منها، والمرجح له الإيجاز والملابسة بالكلية والجزئية وكونها طباقاً شفافة.]].

نوح 71:17

(والله أنبتكم من الأرض نباتاً) يعني آدم خلقه الله من أديم الأرض، والمعنى أنشأكم منها إنشاء، فاستعير الإنبات للإنشاء لكونه أدل على الحدوث والتكوين من الأرض، ونباتاً إما مصدر لأنبت على حذف الزوائد ويسمى اسم مصدر، ويجوز أن يكون مصدراً لنبتم مقدراً أي أنبتكم فنبتم نباتاً فيكون منصوباً بالمطاوع المقدر. وقال الخليل والزجاج: هو مصدر محمول على المعنى لأن معنى أنبتكم جعلكم تنبتون نباتاً، وقيل المعنى والله أنبت لكم من الأرض النبات، فنباتاً على هذا مفعول به، قال ابن بحر: أنبتهم في الأرض بالكبر بعد الصغر وبالطول بعد القصر.

نوح 71:18

(ثم يعيدكم) في الأرض بعد الموت مقبورين (فيها ويخرجكم) منها بالبعث يوم القيامة (إخراجاً) حقاً لا محالة.

نوح 71:19

(والله جعل لكم الأرض بساطاً) أي فرشها وبسطها لكم تتقلبون عليها تقلبكم على بسطكم في بيوتكم، ولم يجعلها مسنمة

نوح 71:20

(لتسلكوا منها سبلاً فجاجاً) أي طرقاً واسعة، وقال ابن عباس طرقاً مختلفة، والفجاج جمع فج وهو الطريق الواسع، كذا قال الفراء وغيره، وقيل هو المسلك بين الجبلين، وقد مضى تحقيق هذا في سورة الأنبياء وفي سورة الحج مستوفى، وفي الأنبياء تقديم الفجاج فقال فجاجاً سبلاً لتناسب الفواصل هنا.

نوح 71:21

(قال نوح) بعد يأسه من إيمانهم (رب إنهم عصوني) أي كلهم استمروا على عصياني ولم يجيبوا دعوتي، شكاهم إلى الله عز وجل وأخبره بأنهم عصوه ولم يتبعوه وهو أعلم بذلك (واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خساراً) أي أتبع الأصاغر رؤساءهم وأهل الثروة منهم الذين لم تزدهم كثرة المال والولد إلا ضلالاً وطغياناً وكفراً في الدنيا، وعقوبة في الآخرة، واستمروا على اتباعهم لا أنهم أحدثوا الاتباع، قرىء ولده بفتح الواو واللام، وبضم الواو وسكون اللام، هما سبعيتان وبفتح الأول وسكون الثاني، وهي لغة في الولد، ويجوز أن يكون جمعاً وقد تقدم تحقيقه. وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)

نوح 71:22

(ومكروا) أي الرؤساء (مكراً كباراً) قرأ الجمهور بالتشديد أي كبيراً عظيماً جداً، يقال كبير وكبار وكبار مثل عجيب وعجاب وعجاب، وحميل وحمال وحمال، قال المبرد: كباراً بالتشديد للمبالغة ومثل كبار قراء لكثير القراءة، وقرىء بالضم والتخفيف وهو بناء مبالغة أيضاًً دون الأول، وقرىء بكسر الكاف وتخفيف الباء، قال أبو بكر: هو جمع كبير كأنه جعل مكراً مكان ذنوب أو أفاعيل فلذلك وصفه بالجمع، وقال عيسى بن عمر هي لغة يمانية، قيل جمع الضمير حملاً على معنى من بعد حمله على لفظها في قوله (من لم يزده ماله وولده) قاله السمين. واختلف في مكرهم هذا ما هو فقيل هو تحريشهم سفلتهم على قتل نوح وأذاه وصد الناس عن الإيمان به والميل إليه، والاستماع منه، وقيل هو تغريرهم على الناس بما أوتوا من المال والولد حتى قلل الضعفة لولا أنهم على الحق لما أوتوا هذه النعم، وقال الكلبي: هو ما جعلوه لله من الصاحبة والولد، وقال مقاتل: هو قول كبرائهم لأتباعهم (لا تذرن آلهتكم) وقيل مكرهم كفرهم وقيل: افتروا على الله الكذب وكذبوا رسله.

نوح 71:23

(وقالوا لا تذرن آلهتكم) أي لا تتركوا عبادة آلهتكم وهي الأصنام والصور التي كانت لهم ثم عبدتها العرب من بعدهم، وبهذا قال الجمهور (ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً) أي لا تتركوا عبادة هذه الأوثان. قال محمد بن كعب: هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح، فنشأ بعدهم قوم يقتدون بهم في العبادة. فقال لهم إبليس لو صورتم صورهم كان أنشط لكم وأشوق إلى العبادة ففعلوا، ثم نشأ قوم من بعدهم فقال لهم إبليس إن الذين من قبلكم كانوا يعبدونهم فاعبدوهم، فابتداء عبادة الأوثان كان من ذلك الوقت، وسميت هذه الصور بهذه الأسماء لأنهم صوروها على صور أولئك القوم. وقال عروة بن الزبير وغيره إن هذه كانت أسماء أولاد آدم وكان ود أكبرهم، وكانوا عباداً فمات رجل منهم فحزنوا عليه، فقال الشيطان أنا أصور لكم مثله إذا نظرتم إليه ذكرتموه، قالوا افعل فصوره في المسجد من صفر ورصاص، ثم مات آخر فصوره حتى ماتوا كلهم وصورهم، فلما تقدم الزمان تركت الناس عبادة الله فقال لهم الشيطان ما لكم لا تعبدون شيئاًً قالوا وما نعبد، قال آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون أنها في مصلاكم فعبدوها من دون الله حتى بعث الله نوحاً عليه السلام فقالوا (لا تذرن آلهتكم) الآية. قال الماوردي: فأما ود فهو أول صنم معبود سمي وداً لودهم له وكان بعد قوم نوح لكلب بدومة الجندل، في قول ابن عباس وعطاء ومقاتل، وفيه يقول شاعرهم: حياك ود فإنا لا يحل لنا ... لهو النساء وإن الدين قد غربا وأما سواع فكان لهذيل بساحل البحر، وأما يغوث فكان لغطيف من مراد بالجرف من سبأ في قول قتادة، وقال المهدوي: لمراد ثم لغطفان، وأما يعوق فكان لهمدان في قول قتادة وعكرمة وعطاء، وقال الثعلبي: كان لكهلان بن سبأ ثم توارثوه حتى صار في همدان وفيه يقول مالك بن نمط الهمداني. يريش الله في الدنيا ويبري ... ولا يبري يعوق ولا يريش وأما نسر فكان بذي الكلاع من حمير في قول قتادة ومقاتل، قال ابن عباس هذه الأصنام كانت تعبد في زمن نوح، قال الواقدي كان ود على صورة رجل، وسواع على صورة امرأة، ويغوث على صورة أسد، ويعوق على صورة فرس، ونسر على صورة النسر الطائر. قال البقاعي: ولا يعارض هذا أنهم صور لناس صالحين لأن تصويرهم لهم يمكن أن يكون منتزعاً من معانيهم، فكان ود كاملاً في الرجولية، وكان سواع امرأة كاملة في العبادة، وكان يغوث شجاعاً وكان يعوق سابقاً قوياً وكان نسر عظيماً طويل العمر، ومثله في القرطبي. وأخرج البخاري وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن عباس قال: " صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح في العرب. أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل وأما يغوث فكانت لمراد ثم لبني غطيف، وأما يعوق فكانت لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن أنصبوا إلى مجلسهم الذي كانوا يجلسون فيه أنصاباً وسموها بأسمائهم ففعلوا فلم تعبد حتى هلك أولئك ونسخ العلم فعبدت ". وفي الصحيحين من حديث عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة " ذكرتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأيتاها بأرض الحبشة تسمى مارية فيها تصاوير فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أولئك كان إذا مات الرجل الصالح منهم بنوا على قبره مسجداً ثم صوروا فيه تلك الصور، أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة " قرأ الجمهور وداً بفتح الواو، وقرىء بضمها، قال الليث: ود بضم الواو صنم لقريش، وبفتحها صنم كان لقوم نوح وبه سمي عمرو بن ود قال في الصحاح: والود بالفتح الوتد في لغة أهل نجد كأنهم سكنوا التاء وأدغموها في الدال، وقرأ الجمهور يغوث ويعوق بغير تنوين، فإن كانا عربيين فالمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، وإن كانا أعجميين فللعجمة والعلمية، وقرىء يغوثاً ويعوقاً بالنصب مصروفين لأمرين (أحدهما) أنه صرفهما للتناسب إذ قبلهما اسمان منصرفان وبعدهما اسم منصرف كما صرف سلاسل (والثاني) أنه جاء على لغة من يصرف غير المنصرف مطلقاً، وهي لغة حكاها الكسائي ذكره السمين. وقال ابن عطية وذلك وهم، ووجه تخصيص هذه الأصنام بالذكر مع دخولها تحت الآلهة أنها كانت أكبر أصنامهم وأعظمها، ولم يذكر النفي مع يعوق ونسرا لكثرة التكرار وعدم اللبس.

نوح 71:24

(وقد أضلوا كثيراً) أي وقال نوح قد أضل كبراؤهم ورؤساؤهم كثيراً من الناس، وقيل الضمير راجع إلى الأصنام أي ضل بسببها كثير من الناس كقول إبراهيم (رب إنهن أضللن كثيراً من الناس) وأجرى عليهم صيغة من يعقل لاعتقاد الكفار الذين يعبدونها أنها تعقل. (ولا تزد الظالمين إلا ضلالاً) معطوف على (رب إنهم عصوني) ووضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم، وقال أبو حيان: إنه معطوف على قد أضلوا ومعنى (إلا ضلالاً) إلا عذاباً كذا قال ابن بحر واستدل على ذلك بقوله (إن المجرمين في ضلال وسعر) وقيل إلا خسراناً، وقيل إلا فتنة بالمال والولد، وقيل الضياع وقيل ضلالاً في مكرهم، وهذا دعاء عليهم من نوح بعد أن أعلمه الله أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن.

نوح 71:25

(مما) ما مزيدة للتأكيد والمعنى من (خطيئاتهم) قرأ الجمهور على جمع السلامة وهي سبعية وقرىء خطاياهم على جمع التكسير وخطيئتهم على الإفراد والمعنى من أجلها وبسببها (أغرقوا) بالطوفان قرأ الجمهور من أغرق وقرىء غرقوا بالتشديد. (فأدخلوا) عقب الإغراق (ناراً) وهي نار الآخرة، وهذا من التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق وقوعه نحو (أتى أمر الله) وقيل عذاب القبر، وعلى هذا هو على بابه كقوله في آل فرعون (النار يعرضون عليها غدواً وعشياً) (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً) أي لم يجدوا أحداً يمنعهم من عذاب الله ويدفعه عنهم.

نوح 71:26

(وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً) يعني لما أيس نوح عليه السلام من إيمانهم وإقلاعهم عن الكفر، دعا عليهم بالهلاك، قال قتادة دعا عليهم بعد أن أوحى إليه أنه (لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) فأجاب الله دعوته وأغرقهم، وقال محمد بن كعب ومقاتل والربيع بن أنس وابن زيد وعطيه: إنما قال هذا حين أخرج الله كل مؤمن من أصلابهم وأرحام نسائهم، وأعقم أرحام النساء وأصلاب الآباء قبل العذاب بسبعين سنة، وقيل بأربعين، قال قتادة: لم يكن فيهم صبي وقت العذاب وقال الحسن وأبو العالية: لو أهلك الله أطفالهم معهم كان عذاباً من الله وعدلاً فيهم، ولكن أهلك ذريتهم وأطفالهم بغير عذاب ثم أهلكهم بالعذاب. ومعنى (ديّاراً) من يسكن الديار ويدور في الأرض وأصله ديوار على فيعال من دار يدور فقلبت الواو ياء وأدغمت إحداهما في الأخرى مثل القيام أصله قيوام، وقال القتيبي أصله من الدار أي نازل بالدار يقال ما بالدار ديار وديور أي أحد كقيام وقيوم، وهو من الأسماء المستعملة في النفي العام، وقيل الديار صاحب الديار، والمعنى لا تدع أحداً منهم إلا أهلكته، وقيل هو مأخوذ من الدوران وهو التحرك. قال سليمان الجمل: انظر ما الحكمة في تأخيره عن قوله (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا) مع أن مقتضى الظاهر تقديمه عليه لكونه سبباً لإغراقهم، تأمل، ثم رأيت، أبا السعود: قال هذا عطف على نظيره السابق وقوله (مما خطيئاتهم) اعتراض وسط بين دعائه عليه السلام للإيذان من أول الأمر بأن ما أصابهم من الإغراق والإحراق لم يصبهم إلا لأجل خطاياهم التي عددها نوح، وإشارة إلا أن استحقاقهم للإهلاك لأجلها أهـ كلام الجمل.

نوح 71:27

(إنك إن تذرهم) أي إن تركتهم على الأرض (يضلوا عبادك) عن طريق الحق (ولا يلدوا إلا فاجراً) بترك طاعتك (كفّاراً) لنعمتك أي كثير الكفران لها، والمعنى إلا من سيفجر ويكفر، ففي الكلام مجاز الأول لأنهم لم يفجروا وقت الولاده بل بعدها بزمان طويل، وقال عليه السلام هذا القول لعلمه بالتجربة من أحوالهم أن أولادهم يكونون مثلهم. ثم لما دعا على الكافرين أتبعه بالدعاء لنفسه ووالديه وللمؤمنين فقال

نوح 71:28

(رب اغفر لي ولوالدي) قرأ العامة بكسر اللام وفتح الدال على أنه تثنية والد، يريد أبويه وكانا مؤمنين وأبوه لامك أو لمك بفتحتين أو بفتح فسكون ابن متوشلخ بن أخنوخ وهو إدريس [[نرى اختلافاً في اسم نوح عليه السلام انظر ما ذكره المؤلف في أول تفسيره للسورة ولا أرى لهذا سبباً.]]، وأمه شمخابوزن سكرى بنت أنوش. وقيل أراد آدم وحواء والأول أولى، وقال سعيد بن جبير أراد بوالديه أباه وجده وقرىء ولولدي بكسر الدال على الإفراد وعلى التثنية يعني ابنيه ساماً وحاماً، وقرىء ولوالدي بكسر الدال يعني أباه فيجوز أن يكون أراد أباه الأقرب الذي ولده، وخصه بالذكر لأنه أشرف من الأم، وأن يريد جميع من ولده من لدن آدم إلى من ولده ". (ولمن دخل بيتي) قال الضحاك والكلبي يعني مسجده وقيل منزله الذي هو ساكن فيه وقيل سفينته وقيل لمن دخل في دينه، وانتصاب (مؤمناً) على الحال أي لمن دخل بيتي متصفاً بصفة الإيمان فيخرج من دخله غير متصف بهذه الصفة كامرأته وولده الذي قال (سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) ثم عمم الدعوة فقال: (وللمؤمنين والمؤمنات) أي واغفر لكل متصف بالإيمان من الذكور والإناث، ثم عاد إلى الدعاء على الكافرين فقال: (ولا تزد الظالمين إلا تباراً) مفعول ثان والاستثناء مفرغ أي لا تزد المتصفين بالظلم إلا هلاكاً وخسراناً ودماراً فأهلكوا وغرق معهم صبيانهم أيضاًً لكن لا على وجه العقاب لهم بل لتشديد عذاب آبائهم وأمهاتهم بإراءة هلاك أطفالهم الذين كانوا أعز عليهم من أنفسهم. وفي الحديث " يهلكون مهلكاً واحداً ويصدرون مصادر شتى " وعن الحسن أنه سئل عن ذلك فقال علم الله براءتهم فأهلكهم بغير عذاب، وقد يشمل دعاؤه هذا كل ظالم إلى يوم القيامة كما شمل دعاؤه للمؤمنين والمؤمنات كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة.

الجن 72:1

سورة الجن ثمان وعشرون آية وهي مكية قال القرطبي في قول الجميع، عن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن عائشة وابن الزبير مثله وتسمى سورة قل أوحي. بسم الله الرحمن الرحيم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) (قل) يا محمد للناس (أوحي إليّ) ليعرفوا بذلك وأنك مبعوث إلى الجن كالإنس، ولتعلم قريش أن الجن مع تمردهم لما سمعوا القرآن وعرفوا إعجازه آمنوا قرأ الجمهور أوحي رباعياً وقرىء وحي ثلاثياً وهما لغتان، والمعنى أخبرت بالوحي من الله. (أنه استمع نفر من الجن) واختلف هل رآهم النبي صلى الله عليه وسلم أم لم يرهم، فظاهر القرآن أنه لم يرهم لأن المعنى قل يا محمد لأمتك أوحي إليّ على لسان جبريل أنه استمع نفر من الجن، ومثله قوله (وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن يستمعون القرآن). ويؤيد هذا ما ثبت في الصحيح قال " ما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجن وما رآهم "، وروى ابن مسعود أنه رآهم، ورجحه العلماء والحق صحتهما وإن الأول وقع أولا ثم نزلت السورة، ثم أمر بالخروج إليهم، قال عكرمة والسورة التي كان يقرؤها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي (اقرأ باسم ربك الذين خلق) وقد تقدم في سورة الأحقاف ذكر ما يفيد زيادة في هذا. والنفر اسم للجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة، قال البغوي كانوا تسعة وقيل سبعة وقد اختلف الناس قديماً وحديثاً في ثبوت وجود الجن فأنكر وجودهم معظم الفلاسفة، واعترف به جمع منهم وسموهم بالأرواح السفلية، وزعموا أنهم أسرع إجابة من الأرواح الفلكية إلا أنهم أضعف. وأما جمهور أرباب الملل وهم أتباع الرسل والشرائع فقد اعترفوا بوجودهم، لكن اختلفوا في ماهيتهم وقد نطق الكتاب العزيز والسنة المطهرة بوجودهم فلا اعتداد بمنكريهم، وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل، قال الضحاك: والجن ولد الجان وليسوا بشياطين، وقال الحسن: إنهم ولد إبليس وقيل هم أجسام عاقلة خفية تغلب عليهم النارية والهوائية، وقيل نوع من الأرواح المجردة وقيل هي النفوس البشرية المفارقة لأبدانها. وقد اختلف أهل العلم في دخول مؤمني الجن الجنة كما تدخل عصاتهم النار لقوله في سورة تبارك (وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ) وقول الجن فيما سيأتي في هذه السورة (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) وغير ذلك من الآيات، فقال الحسن: يدخلون الجنة وقال مجاهد: لا يدخلونها وإن صرفوا عن النار والأول أولى لقوله في سورة الرحمن. (لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان) وفي سورة الرحمن آيات غير هذه تدل على ذلك فراجعها، وقد قدمنا أن الحق أنه لم يرسل الله إليهم رسلاً منهم بل الرسل جميعاً من الإنس، وإن أشعر قوله (قد أرسلنا إليكم رسلاً منكم) بخلاف هذا فهو مدفوع الظاهر بآيات كثيرة في الكتاب العزيز دالة على أن الله سبحانه لم يرسل الرسل إلا من بني آدم، وهذه الأبحاث الكلام فيها يطول، والمراد الإشارة بأخصر عبارة، قال ابن مسعود في الآية: كانوا من جن نصيبين. وقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وغيرهم عن ابن عباس " قال انطلق النبي صلى الله عليه وسلم في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب فرجعت الشياطين إلى قومهم فقالوا ما لكم، فقيل حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب، قالوا ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها لتعرفوا ما هذا الأمر الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له قالوا هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهناك رجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا (إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً) فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم (قل أوحي إليّ أنه استمع نفر من الجن) وإنما أوحي إليه قول الحق. (فقالوا) لقومهم لما رجعوا إليهم (إنا سمعنا قرآناً) أي كلاما مقروءاً (عجباً) في فصاحته وبلاغته وغزارة معانيه وغير ذلك، وقيل عجباً في مواعظه، وقيل في بركته، وعجباً مصدر وصف به للمبالغة أو على حذف المضاف أي ذا عجب أو المصدر بمعنى اسم الفاعل أي معجباً.

الجن 72:2

(يهدي إلى الرشد) أي إلى مراشد الأمور، وهي الحق والصواب والإيمان، وقيل إلى معرفة الله والتوحيد، والجملة صفة أخرى للقرآن (فآمنا به) أي صدقنا بأنه من عند الله (ولن نشرك) بعد اليوم (بربنا أحداً) من خلقه ولا نتخذ معه إلهاً آخر لأنه المتفرد بالربوبية، وفيه دليل على أن أولئك النفر كانوا مشركين قيل كانوا يهوداً وقيل كانوا نصارى وقيل مجوساً ومشركين. وفي هذا توبيخ للكفار من بني آدم حيث آمنت الجن بسماع القرآن مرة واحدة وانتفعوا بسماع آيات يسيرة منه، وأدركوا بعقولهم أنه كلام الله وآمنوا به، ولم ينتفع كفار الإنس لا سيما رؤساؤهم وعظماؤهم بسماعه مراراً متعددة، وتلاوته عليهم في أوقات مختلفة، مع كون الرسول منهم يتلوه عليهم بلسانهم، لا جرم صرعهم الله أذل مصرع وقتلهم أقبح مقتل ولعذاب الآخرة أشد لو كانوا يعلمون. وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)

الجن 72:3

(وأنه تعالى جد ربنا) قرىء بفتح أن وكذا فيما بعدها وذلك أحد عشر موضعاً إلى قوله (وأنه لما قام عبد الله) وقرىء بالكسر في هذه المواضع كلها إلا في قوله (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ) فإنهم اتفقوا على الفتح، أما من قرأ بالفتح في هذه المواضع فعلى العطف على محل الجار والمجرور في (فآمنا به) كأنه قيل فصدقناه وصدقنا أنه تعالى جد ربنا الخ. وأما من قرأ بالكسر في هذه المواضع فعلى العطف على (إنا سمعنا) أي (فقالوا إنا سمعنا قرآنا) وقالوا (إنه تعالى جد ربنا) الخ: واختار أبو حاتم وأبو عبيدة قراءة الكسر لأنه كله من كلام الجن. ومما هو محكي عنهم بقوله (فقالوا إنا سمعنا). وقرىء بالفتح في ثلاثة مواضع وهي (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا)،

الجن 72:4

(وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا)، (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ) لأنه من الوحي وكسر ما بقي لأنه من كلام الجن، وقرأ الجمهور (وأنه لما قام عبد الله) بالفتح لأنه معطوف على قوله أنه استمع. وقرىء بالكسر في هذا الموضع عطفاً على (فآمنا به) بذلك التقدير السابق. واتفقوا على الفتح في (أنه استمع) كما اتفقوا على الفتح في (أن المساجد) وفي (وأن لو استقاموا) واتفقوا على الكسر في (فقالوا إنا سمعنا) وقال إنما أدعو ربي وقل إن أدري وقل إني لا أملك لكم. والجد عن أهل اللغة العظمة والجلال، يقال جد في عيني أي أعظم، فالمعنى ارتفع عظمة ربنا وجلاله، وبه قال عكرمة ومجاهد وقال الحسن: المراد تعالى غناؤه ومنه قيل للحظ جد ورجل مجدود أي محظوظ، وفي الحديث " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " قال أبو عبيد والخليل أنه لا ينفع ذا الغنى منك الغنى، أي وإنما ينفعه الطاعة، وقال القرطبي والضحاك: جده آلاؤه وعظمته وأمره وقدرته، وقال أبو عبيدة والأخفش: ملكه وسلطانه وقال السدي: أمره وقال سعيد بن جبير. (وأنه تعالى جد ربنا) أي تعالى ربنا وقيل جده قدرته، وقال محمد بن علي بن الحسن وابنه جعفر الصادق والربيع بن أنس: ليس لله جد، وإنما قالته الجن للجهالة، والجد أيضاًً أبو الأب قرأ الجمهور جد بفتح الجيم وقرىء بكسرها وهو ضد الهزل. وقرىء جدي ربنا أي جدواه ومنفعته وقرىء بتنوين جد ورفع ربنا على أنه بدل من جد. (ما اتخذ صاحبة ولا ولداً) هذا بيان لتعالى جده سبحانه قال الزجاج: تعالى جلال ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولداً لأن الصاحبة تتخذ للحاجة والولد للاستئناس به، والله تعالى منزه عن كل نقص، وكأن الجن نبهوا بهذا على خطأ الكفار الذين ينسبون إلى الله الصاحبة والولد، ونزهوا الله سبحانه عنهما. (وأنه كان يقول سفيهنا) أي جاهلنا (على الله شططاً) أي غلواً في الكذب بوصفه بالصاحبة والولد، والضمير في " أنه " للحديث أو الأمر وسفيهنا يجوز أن يكون اسم كان ويقول الخبر، ويجوز أن يكون سفيهنا فاعل يقول، والجملة خبر كان واسمها ضمير يرجع إلى الحديث أو الأمر، ويجوز أن تكون كان زائدة، ومرادهم بسفيههم عصاتهم ومشركوهم. وقال مجاهد وابن جريج وقتادة: أرادوا به إبليس، عن أبي موسى الأشعري مرفوعاً " قال إبليس "، أخرجه ابن مردويه والديلمي قال السيوطي بسند واه، والشطط الغلو في الغمر، وقال أبو مالك الجور وقال الكلبي الكذب، وأصله البعد عن القصد ومجاوزة الحد.

الجن 72:5

(وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذباً) أي إنا حسبنا أن الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكاً وصاحبة وولداً، فلذلك صدقناهم في ذلك حتى سمعنا القرآن فعلمنا بطلان قولهم، وبطلان ما كنا نظنه بهم من الصدق، وانتصاب كذباً على أنه مصدر مؤكد ليقول، لأن الكذب نوع من القول أو صفة لمصدر محذوف أي قولاً كذباً، وقرىء أن لن تقول من التقول فعلى هذا كذباً مفعول به.

الجن 72:6

(وأنه كان رجال) في الجاهلية (من الإنس يعوذون) أي يستعيذون (برجال من الجن) حين ينزلون في سفرهم بمخوف، قال الحسن وابن زيد وغيرهما: كان العرب إذا نزل الرجل بواد قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه، فيبيت في جواره حتى يصبح، فنزلت هذه الآية، قال مقاتل: كان أول من تعوذ بالجن قوم من أهل اليمن ثم من بني حنيفة ثم فشا ذلك في العرب، فلما جاء الإسلام عاذوا بالله وتركوهم. وعن عكرمة بن أبي السائب الأنصاري " قال خرجت مع أبي إلى المدينة في حاجة وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملاً من الغنم فوثب الراعي فقال يا عامر الوادي أنا جارك، فنادى مناد يا سرحان أرسله فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم، وأنزل الله على رسوله بمكة (وأنه كان رجال) الآية وذكر ابن الجوزي في تفسيره بغير سند. [[ذكر هذا الحديث ابن كثير في التفسير من رواية ابن أبي حاتم، وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف، وذكره الهيثمي في " مجمع الزوائد " 7/ 129 وقال: رواه الطبراني، وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي، وهو ضعيف، قال الحافظ ابن حجر في " الإصابة " في ترجمة " كردم بن أبي السائب " بعد ما ساق حديثه هذا من رواية العقيلي من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه عن كردم بن أبي السائب: وأخرجه ابن مردويه في " التفسير " من هذا الوجه، وأخرج له شاهداً من حديث معاوية بن قرة عن أبيه. وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 271 وزاد نسبته لابن المنذر، وأبي الشيخ في " العظمة " وبأن عساكر عن كدرم بن أبي السائب الأنصاري رضي الله عنه. قال ابن كثير: وروي عن عبيد بن عمير، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي نحوه، ثم قال: وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل وهو ولد الشاة، كان جنياً حتى يرهب الإنسي ويخاف منه، ثم ردَّه عليه لما استجار به ليضله ويخرجه عن دينه، والله أعلم. اهـ.]] (فزادوهم) أي زاد رجال الجن من يعوذ بهم من رجال الإنس، أو زاد المستعيذون من رجال الإنس من استعاذوا بهم من رجال الجن (رهقاً) لأن المستعاذ بهم كانوا يقولون سدنا الجن والإنس، وبالأول قال مجاهد وقتادة وبالثاني قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد. والرهق في كلام العرب الإثم وغشيان المحارم، ورجل رهق إذا كان كذلك، ومنه قوله (ترهقهم ذلة) أي تغشاهم وقيل الرهق الخوف أي أن الجن زادت الإنس بهذا التعوذ بهم خوفاً منهم، وقيل كان الرجل من الإنس يقول أعوذ بفلان من سادات العرب من جن هذا الوادي. ويؤيد هذا ما قيل من أن لفظ رجال لا يطلق على الجن فيكون قوله برجال وصفاً لمن يستعيذون به من رجال الإنس أي يعوذون بهم من شر الجن، وهذا فيه بعد، وإطلاق لفظ رجال على الجن على تسليم عدم صحته لغة لا مانع من إطلاقه عليهم هنا من باب المشاكلة، قال ابن عباس: كان القوم في الجاهلية إذا نزلوا بالوادي قالوا نعوذ بسيد هذا الوادي من شر ما فيه، فلا يكون شيء أشد ولعاً منهم بهم، فذلك قوله: (فزادهم رهقاً).

الجن 72:7

(وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحداً) أي وأن الجن ظنوا كما ظننتم أيها الناس أنه لا بعث بعد الموت، فتكون هذه الآية وما قبلها من جملة الكلام الموحى به، وقيل المعنى: وأن الإنس ظنوا كما ظننتم أيها الجن. على أنه كلام بعض الجن لبعض، والمعنى أنهم لا يؤمنون بالبعث كما أنكم لا تؤمنون به. وهذان القولان من كلام الله تعالى معترضان في خلال كلام الجن المحكي عنهم عند بعض المفسرين. وعند بعضهم هما من جملة كلام الجن، وعليه فلا اعتراضم، في الكلام، تأمل. وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14)

الجن 72:8

(وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ) هذا من قول الجن أيضاًً أي طلبنا خبرها كما جرت به عادتنا، واللمس المس فاستعير للطلب لأن الماس طالب متعرف (فوجدناها ملئت حرساً شديداً) أي جمعاً أقوياء من الملائكة يحرسونها عن استراق السمع، والحرس جمع حارس وهو الرقيب، والمصدر الحراسة، وقيل إسم مفرد في معنى الحراس كالخدم في معنى الخدام، ولذا وصف بشديد، ولو نظر إلى معناه لقيل شداداً، وشهباً جمع شهاب وهو الشعلة المقتبسة من نار الكوكب. كما تقدم بيانه في تفسير قوله: (وجعلناها رجوماً للشياطين).

الجن 72:9

(وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع) أي وإنا كنا معشر الجن قبل هذا نقعد من السماء مواضع نقعد في مثلها لاستماع الأخبار من السماء؛ وللسمع متعلق بنقعد أي لأجل السمع أو بمضمر هو صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة للسمع، والمقاعد جمع مقعد إسم مكان وذلك أن مردة الجن كانوا يفعلون ذلك ليسمعوا من الملائكة أخبار السماء فيلقونها إلى الكهنة، فحرسها الله سبحانه ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم بالشهب المحرقة. عن ابن عباس قال: " كانت الشياطين لهم مقاعد في السماء يسمعون فيها الوحي فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعاً فأما الكلمة فتكون حقاً. وأما ما زادوا فيكون باطلاً فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك فقال لهم ما هذا إلا من أمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائماً يصلي بين جبلين بمكة، فأتوه فأخبروه فقال هذا الحدث الذي حدث في الأرض " أخرجه أحمد والترمذي وصححه النسائي وغيرهم. (فمن يستمع الآن يجد له شهاباً رصداً) أي أرصد له ليرمي به أو لأجله لمنعه من الاستماع، وقوله (الآن) هو ظرف للحال واستعير هنا للاستقبال لأنهم لا يريدون به وقت قولهم فقط، وانتصاب رصداً على أنه صفة لشهاباً أو مفعول له وهو مفرد، ويجوز أن يكون اسم جمع كالحرس. وقد اختلف أهل العلم هل كانت الشياطين ترمى بالشهب وتقذف قبل المبعث أم لا؟ فقال قوم لم يكن ذلك وحكى الواحدي عن معمر قال قلت للزهري؟ أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال نعم قلت أفرأيت قوله (وأنا كنا نقعد منها) الآية؟ قال غلظ وشدد أمرها حين بعث محمد صلى الله عليه وسلم، قال ابن قتيبة: إن الرجم قد كان قبل مبعثه ولكنه لم يكن مثله في شدة الحراسة بعد مبعثه، وكانوا يسترقوق السمع في بعض الأحوال، فلما بعث منعوا من ذلك أصلاً. وقال عبد الملك بن سابور: ولم تكن السماء تحرس في الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام: فلما بعث محمد صلى الله عليه وآله وسلم حرست السماء ورميت الشياطين بالشهب، ومنعت من الدنو إلى السماء، وقال نافع بن جبير: كانت الشياطين في الفترة تسمع فلا ترمى، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله رميت بالشهب، قال الزمخشري: والصحيح أنه كان قبل البعث، فلما بعث صلى الله عليه وسلم كثر الرجم وازداد زيادة ظاهرة حتى تنبه لها الإنس والجن ومنع الاستراق أصلاً؛ وقد تقدم البحث عن هذا.

الجن 72:10

(وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض) بسبب هذه الحراسة للسماء. وارتفاع الشر على الاشتغال أو على الابتداء وخبره ما بعده. والأول أولى لتقدم طالب الفعل على الاشتغال أو على الابتداء وخبره ما بعده. والأول (أم أراد بهم ربهم رشداً) أي خيراً: قال ابن زيد قال إبليس لا ندري أأراد الله بهذا المنع أن ينزل على أهل الأرض عذاباً أو يرسل إليهم رسولاً؟ والجملة سادة مسد مفعولي ندري، والأولى أن هذا من قول الجن فيما بينهم، وليس من قول إبليس كما قال ابن زيد.

الجن 72:11

(وأنا منا الصالحون) أي قال بعض لبعض لما دعوا أصحابهم إلى الإيمان بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وإنا كنا قبل استماع القرآن منا الموصوفون بالصلاح (ومنا دون ذلك) أي قوم دون الموصوفين بالصلاح، وقيل أراد بأهل الصلاح المؤمنين وبمن هم دون ذلك الكافرين، والأول أولى، وقال ابن عباس يقول منا المسلم ومنا المشرك. (كنا طرائق قدداً) أي جماعات متفرقة وفرقاً شتى، وأصنافاً مختلفة وذوي مذاهب متفاوتة، والقدة القطعة من الشيء وصار القوم قدداً إذا تفرقت أحوالهم، واستعمال القدد في الفرق مجاز، والمعنى كنا ذوي طرائق قدداً أو كانت طرائقنا طرقاً قدداً أو كنا مثل طرائق قدداً أو كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة: وقال السدي والضحاك: أدياناً مختلفة، وقال قتادة: أهواء متباينة، وقال ابن عباس: أهواء شتى. وقال سعيد بن المسيب: كانوا مسلمين ويهوداً ونصارى ومجوساً، وكذا قال مجاهد: قال الحسن: الجن أمثالكم قدرية ومرجئة وخوارج ورافضة وشيعة وسنية وكذا قال السدي.

الجن 72:12

(وأنا ظننا) الظن هنا بمعنى العلم واليقين أي وأنا علمنا وتيقنا بالتفكر والاستدلال في آيات الله (أن لن نعجز الله في الأرض) أينما كنا فيها ولن نفوته بهرب ولا غيره إن أراد بنا أمراً (ولن نعجزه هرباً) مصدر في موضع الحال أي ولن نعجزه هاربين منها إلى السماء. وهذه صفة الجن وما هم عليه من أحوالهم وعقائدهم.

الجن 72:13

(وأنا لما سمعنا الهدى) يعنون القرآن (آمنا به) وصدقنا أنه من عند الله ولم نكذب به كما كذبت به كفرة الإنس (فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخساً ولا رهقاً) أي لا يخاف نقصاً في عمله وثوابه ولا ظلماً ومكروهاً يغشاه، والبخس النقصان، والرهق العدوان والطغيان، والمعنى لا يخاف أن ينقص من حسناته ولا أن يزاد في سيئاته، وقد تقدم تحقيق الرهق قريباً، قرأ الجمهور بخساً بسكون الخاء، وقرىء بفتحها وقرىء فلا يخف جزماً على جواب الشرط، ولا وجه لهذا بعد دخول الفاء والتقدير فهو لا يخاف، والأمر ظاهر، وفي الآية دليل على أن العمل ليس من الإيمان، قاله النسفي.

الجن 72:14

(وأنا منا المسلمون) وهم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم (ومنا القاسطون) أي الجائرون الكافرون الظالمون الذين حادوا عن طريق الحق. ومالوا إلى طريق الباطل، يقال قسط إذا جار وأقسط إذا عدل [[ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في " صحيحه " عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن المقسطين عند الله على منابر من نور ".]] قال ابن عباس القاسطون العادلون عن الحق. وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله ما تقول فيَّ قال قاسط عادل فقال القوم ما أحسن ما قال، حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج يا جهلة إنه سماني ظالماً مشركاً، وتلا لهم قوله تعالى

الجن 72:15

(وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) وقوله (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) ذكره الخطيب. (فمن أسلم فأولئك تحروا رشداً) أي قصدوا طريق الحق وتوخوه باجتهاد، ومنه التحري في الشيء، قال الراغب: حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه وتحراه كذلك. وقال الفراء: أموا الهدى قال النسفي: تحرى طلب الأحرى. أي الأولى وفيه دليل على أن الجن يثاب بالجنة. وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17) وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) (وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا) في علم الله (لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) أي وقوداً للنار يوقد بهم كما يوقد بكفرة الإنس، وفيه دليل على أن الجني الكافر يعذب في النار، وأنهم وإن خلقوا منها لكنهم تغيروا عن تلك الكيفية فصاروا لحماً ودماً هكذا قيل، وأيضاًً النار قويها قد يأكل ضعيفها فيكون الضعيف حطباً للقوي.

الجن 72:16

(وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ) قرأ الجمهور بكسر الواو من " لو " لالتقاء الساكنين وقرىء بضمها تشبيهاً بواو الضمير، وهذا ليس من قول الجن بل هو معطوف على أنه استمع نفر من الجن، والمعنى وأوحي إلى أن الشأن لو استقام الجن والإنس، أو كلاهما على الطريقة وهي طريقة الإسلام. وقد قدمنا أن القراء اتفقوا على فتح " أن " ههنا. قال ابن الأنباري والفتح ههنا على إضمار يمين تأويلها، والله أن لو استقاموا على الطريقة كما يقال في الكلام: ولله لو قمت قمت، قال أو على (أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ) (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا) وعلى (آمَنَّا بِهِ) أي آمنا به وبأن لو استقاموا، وعلى هذا يكون جميع ما تقدم معترضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، قال ابن عباس: لو أقاموا على ما أمروا به. (لأسقيناهم ماء غدقاً) وليس المراد خصوص السقيا بل المراد لوسعنا عليهم في الدنيا وبسطنا لهم في الرزق، وقال ابن عباس: معيناً، وقال مقاتل: ماء كثيراً من السماء، وذلك بعد ما رفع عنهم المطر سبع سنين، وقال ابن قتيبة: المعنى لو آمنوا جميعاً لوسعنا عليهم في الدنيا، وضرب الماء الغدق مثلاً لأن الخير والرزق كله بالمطر، وهذا كقوله: (ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا) الآية وقوله (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) وقوله (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ) الآية. وقيل المعنى وأن لو استقام أبوهم على عبادته وسجد لآدم ولم يكفر. وتبعه ولده على الإسلام لأنعمنا عليهم، واختار هذا الزجاج، والماء الغدق هو الكثير في لغة العرب، قرأ العامة غدقاً بفتحتين وقرىء بفتح الغين وكسر الدال، وهما لغتان في الماء الغزير، ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو، والكثير النطق ويقال غدقت عينه تغدق أي هطل دمعها، وفي المصباح غدقت العين غدقاً من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وأغدقت إغداقاً كذلك.

الجن 72:17

(لنفتنهم فيه) أي لنختبرهم فنعلم كيف شكرهم على تلك النعم علم ظهور للخلائق وإلا فهو تعالى لا يخفى عليه شيء، وقال الكلبي المعنى وأن لو استقاموا على الطريقة التي هم عليها من الكفر فكانوا كلهم كفاراً لأوسعنا أرزاقهم مكراً بهم واستدراجاً حتى يفتنوا بها فنعذبهم في الدنيا والآخرة، وبه قال الربيع بن أنس وزيد بن أسلم وابنه عبد الرحمن والثمالي ويمان بن ريان وابن كيسان وأبو مجلز، واستدلوا بقوله: (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء) وقوله (وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ) الآية والأول أولى، وقال عمر: في الآية حيثما كان الماء كان المال وحيثما كان المال كانت الفتنة، وقال ابن عباس: لنبتليهم به. (ومن يعرض عن ذكر ربه) أي ومن يعرض عن القرآن أو عن العبادة أو عن الموعظة أو عن التوحيد أو عن جميع ذلك (يسلكه) أي يدخله (عذاباً صعداً) أي شاقاً، قرأ الجمهور نسلكه بالنون مفتوحة من سلكه، وقرىء بالياء التحتية، واختار هذه القراءة أبو عبيد وأبو حاتم لقوله (عن ذكر ربه) ولم يقل عن ذكرنا، وقرىء بضم النون وكسر اللام من أسلكه، والصعد في اللغة المشقة تقول تصعد بي الأمر إذا شق عليك، وهو مصدر صعد يقال صعد صعداً وصعوداً فوصف به العذاب مبالغة لأنه يتصعد المعذب أي يعلوه ويغمره ويغلبه فلا يطيقه. قال أبو عبيدة: الصعد مصدر أي عذاباً ذا صعد، وقال عكرمة: الصعد هو صخرة ملساء في جهنم يكلف صعودها فإذا انتهى إلى أعلاها حدر إلى جهنم كما في قوله (سأرهقه صعوداً) والصعود العقبة الكؤود، وقال ابن عباس: عذاباً صعداً شقة من العذاب يصعد فيها، وعنه قال جبلاً في جهنم، وعنه قال لا راحة فيه.

الجن 72:18

(وأن المساجد لله) أي وأوحي إليَّ أن المساجد مختصة بالله، وقال الخليل التقدير ولأن المساجد، والمساجد المواضع التي بنيت للصلاة فيها، جمع مسجد بكسر الجيم وهو موضع السجود، قال سعيد بن جبير: قالت الجن كيف لنا أن نأتي المساجد ونشهد معك الصلاة ونحن ناؤون فنزلت، وقال الحسن أراد بها كل البقاع لأن الأرض جعلت كلها مسجداً للنبي صلى الله عليه وسلم، وقال سعيد بن المسيب وطلق بن حبيب أراد بالمساجد الأعضاء التي يسجد عليها العبد [[ومنه قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة (وأشار بيده إلى أنفه)، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ".]]، وهي القدمان والركبتان واليدان والجبهة والأنف، وهو على هذا جمع مسجد بالفتح يقول هذه أعضاء أنعم الله بها عليك فلا تسجد بها لغيره فتجحد نعمة الله، وكذا قال عطاء وقيل المساجد هي الصلاة لأن السجود من جملة أركانها قاله الحسن، قال ابن عباس: لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا ببيت المقدس، وقيل المراد بها البيوت التي تبنيها أهل الملل للعبادة، والقول بأنها البيوت المبنية للعبادة أظهر الأقوال إن شاء الله تعالى وهو مروي عن ابن ابن عباس، وإضافة المساجد إلى الله إضافة تشريف وتكريم وقد تنسب إلى غيره تعريفاً، قال صلى الله عليه وسلم " صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام " [[صحيح الجامع/2733.]] ذكره القرطبي. (فلا تدعوا) أي فلا تعبدوا (مع الله أحداً) من خلقه كائناً من كان، هذا توبيخ للمشركين في دعائهم مع الله غيره في المسجد الحرام، قال مجاهد كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين أن يخلصوا لله الدعوة إذا دخلوا المساجد كلها، يقول فلا تشركوا فيها صنماً أو غيره مما يعبد، وقيل المعنى أفردوا المساجد بذكر الله تعالى ولا تجعلوا لغير الله تعالى فيها نصيباً، وفي الصحيح " من نشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك فإن المساجد لم تبن لهذا ".

الجن 72:19

(وأنه) أي وأوحي إليَّ أن الشأن (لما قام عبد الله) وهو النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يقل نبي الله أو رسول الله لأنه من أحب الأسماء إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولأنه لما كان واقعاً في كلامه صلى الله عليه وسلم عن نفسه جيء به على ما يقتضيه التواضع؛ أو لأن عبادة عبد الله المستفادة من قوله: (يدعوه) ليست بمستبعدة؛ ثم كان وقوع هذا الأمر ببطن نخل على ما قاله المحلي؛ وقال الحفناوي سياق هذه الآية إنما يظهر في المرة الثانية من مرَّتي الجن وهي التي كانت بحجون مكة؛ وكان معه فيها ابن مسعود وكان الجن إثني عشر ألفاً أو أكثر، وأما المرة الأولى التي تقدم الكلام فيها التي كانت ببطن نخل فكانوا فيها تسعة أو سبعة ولا يظهر في حقهم أن يقال (كادوا يكونون عليه لبداً) كما لا يخفى فليتأمل اهـ. ومعنى الآية أنه لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ويتلو القرآن كاد الجن أن يكونوا عليه صلى الله عليه وسلم متراكمين من ازدحامهم عليه لسماع القرآن منه؛ قال الزجاج: ومعنى لبداً يركب بعضهم بعضاً؛ ومن هذا اشتقاق هذه اللبود التي تفرش. قرأ الجمهور لبداً بكسر اللام وفتح الباء وقرىء بضم اللام وفتح الباء وبضم الباء واللام وبضم اللام وتشديد الباء مفتوحة فعلى القراءة الأولى المعنى ما ذكرناه وعلى الثانية المعنى كثيراً كما في قوله: (أهلكت مالاً لبداً) وقيل المعنى كاد المشركون يركب بعضهم بعضاً حرداً على النبي صلى الله عليه وسلم وقال الحسن وقتادة وابن زيد: لما قام عبد الله محمد بالدعوى تلبدت الجن والإنس على هذا الأمر ليطفئوه فأبى الله إلا أن ينصره ويتم نوره، واختار هذا ابن جرير. قال مجاهد: لبداً أي جماعات وهو من تلبد الشيء أي اجتمع، ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه وكل شيء ألصقته الصاقاً شديداً فقد لبدته، ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد لبدة وجمعها لبد، ويقال للجراد الكثير لبد ويطلق اللبد بضم اللام وفتح الباء على الشيء الدائم، ومنه قيل لنسر لقمان لبد لطول بقائه. وعن ابن مسعود قال: " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة إلى نواحي مكة فخط لي خطاً وقال لا تحدثن شيئاًً حتى آتيك؛ ثم قال لا يهولنك شيء تراه؛ فتقدم شيئاًً ثم جلس فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط وكانوا كما قال الله تعالى (كادوا يكونون عليه لبداً) أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل ". وعن ابن عباس في الآية قال: " لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ) أخرجه ابن جرير وابن مردويه. وعنه في الآية قال: " لما أتى الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي بأصحابه يركعون بركوعه وشمجدون بسجوده فعجبوا من طواعية أصحابه، فقالوا لقومهم لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً " أخرجه عبد بن حميد والحاكم والترمذي وصححاه وغيرهم؛ وعنه قال لبداً أي أعواناً.

الجن 72:20

(قل) يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجيباً للكفار (إنما أدعو ربي) وحده وأعبده (ولا أشرك به) في العبادة (أحداً) من خلقه، قرأ الجمهور " قال " وقرىء قل على الأمر، وهي سبعية، ففي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، وسبب نزولها أن كفار قريش قالوا للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أنك جئت بأمر عظيم وقد عاديت الناس كلهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك.

الجن 72:21

(قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً) أي لا أقدر أن أدفع عنكم غياً [[استعمال الضر في الغي من استعمال المسبب في السبب فهو مجاز مرسل اهـ منه.]] ولا أسوق إليكم خيراً لأن الضار والنافع هو الله سبحانه وقيل الضر الكفر والرشد الهدى، والأول أولى لوقوع النكرتين في سياق النفي فهما يعمان كل ضرر وكل رشد في الدنيا والدين.

الجن 72:22

(قل إني لن يجيرني من الله أحد) أي لا يدفع عني أحد عذابه إن أنزله بي كقول صالح (فمن ينصرني من الله إن عصيته) وهذا بيان لعجزه عن شؤون نفسه بعد بيان عجزه عن شؤون غيره (ولن أجد من دونه ملتحداً) أي ملجأً ومعدلاً وحرزاً ألجأ إليه وأحترز به، والملتحد معناه في اللغة الممال أي موضعاً أميل إليه، في القاموس ألحد إليه مال كالملتحد، والملتحد الملتجأ، وفي المصباح الملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ أهـ قال قتادة: مولى، وقال السدي: حرزاً، وقال الكلبي: مدخلاً في الأرض مثل السرب، وقيل مذهباً ومسلكاً، والمعنى متقارب. إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28) والاستثناء في قوله

الجن 72:23

(إلا بلاغاً) هو من قوله لا أملك أي لا أملك ضراً ولا رشداً إلا التبليغ (من الله) فإن فيه أعظم الرشد أو من ملتحداً أي لن أجد من دونه ملجأً إلا التبليغ، وقال مقاتل: ذلك الذي يجيرني من عذابه، وقال قتادة: إلا بلاغاً من الله فذلك الذي أملكه بتوفيق الله، فأما الكفر والإيمان فلا أملكهما، قال الفراء لكن أبلغكم ما أرسلت به فهو على هذا منقطع، وقال الزجاج هو منصوب على البدل من ملتحداً أي لن أجد من دونه ملتحداً إلا أن أبلغ ما يأتي من الله. (ورسالاته) معطوف على بلاغاً أي إلا بلاغاً من الله وإلا رسالاته التي أرسلني بها إليكم أو إلا أن أبلغ عن الله وأعمل برسالاته، فآخذ نفسي بما آمر به غيري، وقيل معطوف على الاسم الشريف أي إلا بلاغاً عن الله وعن رسالاته كذا قال أبو حيان ورجحه واستظهره الكرخي. (ومن يعص الله ورسوله) في الأمر بالتوحيد ولم يؤمن لأن السياق فيه (فإن له نار جهنم) قرأ الجمهور بكسر " إن " على أنها جملة مستأنفة مستقلة، وقرىء بفتحها لأن ما بعد فاء الجزاء موضع ابتداء، وإن مع في حيزها خبر لمبتدأ مضمر، والتقدير فجزاؤه أو فحكمه أن له نار جهنم. (خالدين فيها) أي يدخلون في النار أو في جهنم مقدار خلودهم والجمع باعتبار معنى " من " كما أن التوحيد في قوله فإن له باعتبار لفظه (أبداً) تأكيد لمعنى الخلود أي خالدين فيها بلا نهاية.

الجن 72:24

(حتى إذا رأوا ما يوعدون) من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، والمعنى لا يزالون على ما هم عليه من الإصرار على الكفر وعداوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين إلى أن يروا الذي يوعدون به من العذاب، وحتى ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدر قبلها يدل عليه الحال وهي قوله (خالدين) فإن الخلود في النار يستلزم استمرارهم على كفرهم وعدم انقطاعه بالإيمان إذ لو آمنوا لم يخلدوا في النار، ولو جعلت لمجرد الابتداء من غير ملاحظة معنى الغاية كما أشار إليه القرطبي لكان أسهل وأوضح فتكون جملة مستقلة بالاستفادة. (فسيعلمون) عند حلوله بهم يوم بدر أو يوم القيامة (من أضعف ناصراً) " من " موصولة أي هو أضعف جنداً ينتصر به أو استفهامية، والأول أولى (وأقل عدداً) أي أعواناً أهم أم المؤمنون قال الخطيب أي أنا وإن كنت في هذا الوقت وحيداً مستضعفاً وأقل عدداً، أو هم وإن كانوا الآن بحيث لا يحصيهم عدداً إلا الله تعالى. فيا لله ما أعظم كلام الرسل حيث يستضعفون أنفسهم ويذكرون قوتهم من جهة مولاهم الذي بيده الملك وله جنود السموات والأرض بخلاف الجبابرة فإنهم لا كلام لهم إلا في تعظيم أنفسهم، وازدراء غيرهم، والظاهر أن " إذا " شرطية وأن قوله (فسيعلمون) جوابها لكن يشكل عليه الاستقبال المفاد بالسين وذلك لأن وقت رؤية العذاب يحصل علم الضعيف من القوي، والسين تقتضي أنه يتأخر عنه، فليتأمل هذا المحل فإنه لم ينبه عليه أحد من المفسرين، ولا يتلخص منه إلا بجعل السين لمجرد التأكيد لا للاستقبال وله نظائر كثيرة، قاله الحفناوي.

الجن 72:25

(قل إن) أي ما (أدري أقريب) حصول (ما توعدون) من العذاب أو يوم القيامة أي فيكون واقعاً الآن أو قريباً من هذا الأوان بحيث يتوقع عن قريب (أم يجعل له ربي أمداً) أي غاية ومدة فلا يتوقع دون ذلك الأمد، أمره الله سبحانه أن يقول لهم هذا القول لما قالوا له متى يكون هذا الذي توعدنا به، ولا يقال إنه صلى الله عليه وسلم قال " بعثت أنا والساعة كهاتين " [[قال ابن كثير: وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه عليه الصلاة والسلام لا يؤلّف تحت الأرض، كذب لا أصل له، ولم نره في شيء من الكتب، وقد كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن وقت الساعة، فلا يجيب عنها، ولما تبدَّى له جبريل في صورة أعرابي، كان فيما سأله أن قال: يا محمد: فأخبرني عن الساعة؟ قال: " ما المسؤول عنها بأعلم من السائل " ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري فقال: يا محمد متى الساعة؟ قال: " ويحك إنها كائنة فما أعددت لها؟ " قال: أما إني لم أعدّ لها كثير صلاة ولا صيام. ولكني أحب الله ورسوله، قال: " فأنت مع من أحببت " قال أنس: فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث.]] فكان عالماً بقرب وقوع القيامة، فكيف قال ههنا لا أدري أقريب الخ لأن المراد بقرب وقوعه الذي علمه هو أن ما بقي من الدنيا أقل مما انقضى، فهذا القدر من القرب معلوم، وأما معرفة مقدار القرب فغير معلوم لا يعلمه إلا الله، وهو على كل حال متوقع لا كلام فيه، وإنما الكلام في تعيين وقته وليس إليه صلى الله عليه وآله وسلم، قال عطاء: يريد أنه لا يعرف يوم القيامة إلا الله سبحانه وحده، والمعنى أن علم وقت العذاب علم غيب لا يعلمه إلا الله [[زاد المسير 8/ 385.]].

الجن 72:26

(عالم الغيب) قرأ الجمهور بالرفع على أنه بدل من ربي أو بيان له أو خبر مبتدأ محذوف، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها من عدم الدراية، وقرىء بالنصب على المدح، وقرأ السري (علم الغيب) بصيغة الماضي ونصب الغيب والفاء في قوله: (فلا يظهر على غيبه أحداً) لترتيب عدم الإظهار على تفرده سبحانه بعلم الغيب أي لا يطلع على الغيب الذي يعلمه وهو ما غاب عن العباد أحداً منهم، ثم استثنى فقال

الجن 72:27

(إلا من ارتضى من رسول) أي إلا من اصطفاه من الرسل أو من ارتضاه منهم لإظهاره على بعض غيبه ليكون ذلك دالاً على نبوته. قال القرطبي قال العلماء لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضى من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم، ودلالة على نبوتهم. وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكفّ ويزجر بالطير، ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، فهو كافر بالله مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه، وقال سعيد بن جبير (إلا من ارتضى من رسول) هو جبريل وفيه بعد، وقيل المراد أنه يطلعه على بعض غيبه وهو ما يتعلق برسالته كالمعجزة وأحكام التكاليف وجزاء الأعمال وما يبينه من أحوال الآخرة لا ما لا يتعلق برسالته من الغيوب كوقت قيام الساعة ونحوه. قال الواحدي: وفي هذا دليل على أن من ادعى أن النجوم تدله على ما يكون من حادث فقد كفر بما في القرآن، قال في الكشاف: وفي هذا إبطال للكرامات لأن الذين تضاف إليهم الكرامات وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل، وقد خص الله الرسل من بين المرتضين بالاطلاع على الغيب، وفيه أيضاًً إبطال للكهانة والسحر والتنجيم لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط. قال الرازي وعندي أن الآية لا دلالة فيها على شيء مما قالوه إذ لا صيغة عموم في غيبه فيحمل على غيب واحد، وهو وقت القيامة لأنه واقع بعد قوله (أقريب ما توعدون) الآية. فإن قيل فما معنى الاستثناء حينئذ، قلنا لعله إذا قربت القيامة يظهره وكيف لا وقد قال (يوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلاً) فتعلم الملائكة حينئذ قيام الساعة، أو هو استثناء منقطع أي من ارتضاه من رسول يجعل من بين يديه ومن خلفه حفظة يحفظونه من شر مردة الجن والإنس، ويدل على أنه ليس المراد أنه لا يطلع أحداً على شيء من المغيبات إلا الرسل أنه ثبت كما يقارب التواتر أن شقاً وسطيحاً كانا كاهنين وقد عرفا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم قبل ظهوره، وكانا مشهورين بهذا العلم عند العرب حتى رجع إليهما كسرى، فثبت أن الله قد يطلع غير الرسل على شيء من المغيبات. وأيضاًً أطبق أهل الملل على أن معبر الرؤيا يخبر عن أمور مستقبلة ويكون صادقاً فيها، وأيضاًً قد نقل السلطان سنجر بن ملك شاه كاهنة من بغداد إلى خراسان وسألها عن أمور مستقبلة فأخبرته بها فوقعت على وفق كلامها، قال وأخبرني ناس محققون في علم الكلام والحكمة أنها أخبرت عن أمور غائبة بالتفصيل فكانت على وفق خبرها، وبالغ أبو البركات في كتاب المعتبر في شرح حالها، وقال فحصت عن حالها ثلاثين سنة فتحققت أنها كانت تخبر عن المغيبات إخباراً مطابقاً، وأيضاًً فإنا نشاهد ذلك في أصحاب الإلهامات الصادقة، وقد يوجد ذلك في السحرة أيضاًً، وقد نرى الأحكام النجومية مطابقة وإن كانت قد تتخلف، فلو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن فيكون التأويل ما ذكرنا انتهى كلامه بمعناه. قال محمد بن علي الشوكاني: أما قوله: إذ لا صيغة عموم في غيبه، فباطل فإن إضافة المصدر واسم الجنس من صيغ العموم كما صرح به أئمة الأصول وغيرهم، وأما قوله: أو هو استثناء منقطع، فمجرد دعوى يأباه النظم القرآني، وأما قوله: إن شقاً وسطيحاً الخ فقد كانا في زمن تسترق فيه الشياطين السمع ويلقون ما يسمعونه إلى الكهان فيخلطون الصدق بالكذب، كما ثبت في الحديث الصحيح، وفي قوله (إلا من خطف الخطفة) ونحوها مني الآيات، فباب الكهانة قد ورد بيانه في هذه الشريعة وإنه كان طريقاً لبعض الغيب بواسطة استراق الشياطين حتى منعوا ذلك بالبعثة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية، وقالوا (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا) فباب الكهانة في الوقت الذي كانت فيه مخصوص بأدلته، فهو من جملة ما يخصص به هذا العموم، فلا يرد ما زعمه من إيراد الكهانة على هذه الآية. وأما حديث المرأة الذي أورده فحديث خرافة، ولو سلم وقوع شيء مما حكاه عنها من الأخبار لكان من باب ما ورد في الحديث " إن في هذه الأمة محدثين وإن منهم عمر " فيكون كالتخصيص لعموم هذه الآية لا نقضاً، وأما ما اجترأ به على الله وعلى كتابه من قوله في آخر كلامه: فلو قلنا إن القرآن يدل على خلاف هذه الأمور المحسوسة لتطرق الطعن إلى القرآن، فيقال له ما هذه بأول زلة من زلاتك وسقطة من سقطاتك، وكم لها لديك من أشباه وأمثال نبض بها عرق فلسفتك، وركض بها الشيطان الذي صار يتخبطك في مباحث تفسيرك، يا عجباً لك أيكون ما بلغك من خبر هذه المرأة ونحوه موجباً لتطرق الطعن إلى القرآن، وما أحسن ما قاله بعض أدباء عصرنا. وإذا رامت الذبابة للشمـ ... ـس غطاء مدت عليها جناحا وقلت من أبيات منها: مهب رياح سده بجناح ... وقابل بالمصباح ضوء صباح فإن قلت: إذاً قد تقرر بهذا الدليل القرآني أن الله يظهر من ارتضى من رسله على ما شاء من غيبه فهل للرسول الذي أظهره الله على ما شاء من غيبه أن يخبر بعض أمته. قلت نعم، ولا مانع من ذلك، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا ما لا يخفى على عارف بالسنة المطهرة، فمن ذلك ما صح أنه قام مقاماً أخبر فيه بما سيكون إلى يوم القيامة، وما ترك شيئاًً مما يتعلق بالفتن ونحوها، حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه، وكذلك ما ثبت من أن حذيفة ابن اليمان كان قد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يحدث من الفتن بعده حتى سأله عن ذلك أكابر الصحابة ورجعوا إليه. وثبت في الصحيح وغيره أن عمر بن الخطاب سأله عن الفتنة التي تموج كموج البحر فقال إن بينك وبينها باباً فقال عمر هل يفتح أو يكسر؟ فقال بل يكسر، فعلم عمر أنه الباب وأن كسره قتله كما في الحديث الصحيح المعروف أنه قيل لحذيفة هل كان عمر يعلم ذلك؟ فقال نعم كما يعلم أن دون غد الليلة. وكذلك ما ثبت من إخباره لأبي ذر بما حدث له وإخباره لعلي بن أبي طالب بخبر ذي الثدية ونحو هذا مما يكثر تعداده، ولو جمع لجاء منه مصنف مستقل. وإذا تقرر هذا فلا مانع من أن يختص بعض صلحاء هذه الأمة بشيء من أخبار الغيب التي أظهرها الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وأظهرها رسوله لبعض أمته وأظهرها هذا البعض من الأمة لمن بعدهم، فتكون كرامات الصالحين من هذا القبيل، والكل من الفيض الرباني بواسطة الجناب النبوي اهـ كلامه رحمة الله تعالى عليه. قال ابن عباس " في الآية أعلم الله رسوله من الغيب الوحي وأظهر عليه مما أوحى إليهم من غيبه وما يحكم الله فإنه لا يعلم ذلك غيره " أخرجه ابن المنذر وابن مردويه. ثم ذكر سبحانه أنه يحفظ ذلك الغيب الذي يطلع عليه الرسول فقال: (فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً) والجملة تقرير للإظهار المستفاد من الاستثناء والمعنى أنه يجعل سبحانه بين يدي الرسول ومن خلفه حرساً من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين لما أظهره عليه من الغيب، أو يجعل بين يدي الوحي وخلفه حرساً من الملائكة يحوطونه من أن يسترقه الشياطين فتلقيه إلى الكهنة والمراد من جميع الجوانب، قال الضحاك: ما بعث الله نبياً إلا ومعه ملائكة يحفظونه من الشياطين أن يتشبهوا بصورة الملك، فإذا جاءه شيطان في صورة الملك قالوا هذا شيطان فاحذره، وإن جاءه الملك قالوا هذا رسول ربك. قال ابن زيد: رصداً أي حفظة يحفظون النبي صلى الله عليه وسلم من أمامه وورائه من الجن والشياطين، قال قتادة، وسعيد بن المسيب: هم أربعة من الملائكة حفظة، وقال الفراء: المراد جبريل قال في الصحاح: الرصد القوم يرصدون كالحرس يستوي فيه الواحد والجمع والمؤنث والمذكر والراصد الشيء الراقب له، يقال رَصَدَهُ يَرْصُدُهُ رَصْداً ورَصَداً والترصد الترقب والمرصد موضع الرصد. قال ابن عباس في قوله (رصداً) هي معقبات من الملائكة يحفظون رسول الله من الشياطين حتى يبين الذي أرسل إليهم به، وذلك حتى يقول أهل الشرك قد أبلغوا رسالات ربهم وعنه قال ما أنزل الله على نبيه آية من القرآن إلا ومعها أربعة من الملائكة يحفظونها حتى يؤدوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قرأ الآية.

الجن 72:28

(ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم) اللام متعلقة بيسلك والمراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن والخبر الجملة، والرسالات عبارة عن الغيب الذي أريد إظهاره لمن ارتضاه الله من رسول، وضمير أبلغوا يعود إلى الرصد، وقال قتادة ومقاتل ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو الرسالة، وفيه حذف يتعلق به اللام أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله كانوا على حالته من التبليغ، وقيل ليعلم محمد أن جبريل ومن معه قد أبلغوا إليه رسالات ربه، قاله سعيد بن جبير. وقيل ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم، وقيل ليعلم إبليس أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم من غير تخليط، وقال ابن قتيبة: ليعلم الجن أن الرسل قد أبلغوا ما أنزل إليهم ولم يكونوا هم المبلغين باستراق السمع عليهم، وقال مجاهد ليعلم من كذب الرسل أن الرسل قد أبلغوا رسالات ربهم. قرأ الجمهور ليعلم بفتح التحتية على البناء للفاعل أي ليعلم الناس أن الرسل قد أبلغوا، وقال الزجاج: ليعلم الله أن رسله قد أبلغوا رسالاته أي ليعلم ذلك عن مشاهدة كما علمه غيباً، وقرىء بضم الياء على البناء للمفعول، وقرىء بضم الياء وكسر اللام. (وأحاط بما لديهم) أي بما عند الرصد من الملائكة أو بما عند الرسل المبلغين لرسالاته، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل يسلك بإضمار قد أي والحال أنه تعالى قد أحاط بما لديهم من الأحوال، قال سعيد بن جبير ليعلم أن ربهم قد أحاط بما لديهم فبلغوا رسالاته. (وأحصى كل شيء عدداً) معطوف على أحاط، وعدداً يجوز أن يكون منتصباً على التمييز محولاً من المفعول به أي وأحصى عدد كل شيء كما في قوله: (وفجرنا الأرض عيوناً) ويجوز أن يكون منصوباً على المصدرية أو في موضع الحال أي معدوداً، والمعنى أن علمه سبحانه بالأشياء ليس على وجه الإجمال بل على وجه التفصيل، أي أحصى كل فرد من مخلوقاته التي كانت والتي ستكون على حدة فلم يخف عليه منها شيء على حدة.

المزمل 73:1

سورة المزمل هي تسع عشرة آية وقيل عشرون آية وهي مكية قال الماوردي كلها مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر، قال وقال ابن عباس وقتادة إلا آيتين منها (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ) والتي تليها، وقال الثعلبي إلا قوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ) إلى آخر السورة فإنه نزل بالمدينة، وأخرج النحاس عن ابن عباس أنه قال نزلت بمكة إلا آيتين (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ) إلخ، وأخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال نزلت يا أيها المزمل بمكة، وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله، وعن جابر قال اجتمعت قريش في دار الندوة فقالوا سموا هذا الرجل اسماً تصدون الناس عنه فقالوا كاهن، قالوا ليس بكاهن، قالوا مجنون قالوا ليس بمجنون، قالوا ساحر، قالوا ليس بساحر فتفرق المشركون على ذلك، فبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - فتزمل في ثيابه وتدثر فيها فأتاه جبريل فقال: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ)، (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ)، أخرجه البزار والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل، وقال البزار بعد إخرجه من طريق معلي بن عبد الرحمن أن معلي قد حدث عنه جماعة من أهل العلم واحتملوا حديثه لكنه إذا تفرد بالأحاديث لا يتابع عليها، وعن ابن عباس " قال بت عند خالتي ميمونة فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل فصلى ثلاث عشرة ركعة منها ركعتا الفجر، فحرزت قيامه في كل ركعة بقدر يا أيها المزمل "، أخرجه أبو داود والبيهقي في السنن. بسم الله الرحمن الرحيم يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) أصله المتزمل فأدغمت التاء في الزاي، والتزمل التلفف في الثوب، وفي المصباح زملته بثوبه فتزمل مثل لففته فتلفف وزملت الشيء حملته، ومنه قيل للبعير زاملة بالهاء للمبالغة لأنه يحمل متاع المسافر، قرأ الجمهور بالإدغام، وقرأ أبيّ (المتزمل) على الأصل وقرأ عكرمة بتخفيف الزاي، وهذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقد اختلف في معناه فقال جماعة إنه كان يتزمل صلى الله عليه وآله وسلم بثيابه في أول ما جاءه جبريل بالوحي فرقاً منه حتى أنس به، وقيل المعنى يا أيها المزمل بالنبوة والملتزم للرسالة، وبهذا قال عكرمة وكان يقرأ يا أيها المزمل بتخفيف الزاي وفتح الميم المشددة اسم مفعول، وعنه أيضاًً يا أيها الذي زمل هذا الأمر أي حمله ثم فتر، وقيل المعنى يا أيها المزمل بالقرآن وقال الضحاك تزمل بثيابه لمنامه ونحوه عن قتادة، وقيل بلغه من المشركين سوء قول فتزمل في ثيابه وتدثر، فنزلت يا أيها المزمل ويا أيها المدثر. وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع صوت الملك ونظر إليه أخذته الرعدة فأتى أهله وقال زملوني دثروني، وكان خطابه صلى الله عليه وآله وسلم بهذا الخطاب في أول نزول الوحي، ثم بعد ذلك خوطب بالنبوة والرسالة، وقال ابن عباس زملت هذا الأمر فقم به، وعنه قال يتزمل بالثياب، قال السهيلي ليس المزمل من أسماء النبي صلى الله عليه وسلم كما ذهب إليه بعض الناس وعدوه في أسمائه صلى الله عليه وسلم، وإنما المزمل اسم مشتق من حاله التي كان عليها حين الخطاب، وكذلك المدثر. وفي خطابه صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم فائدتان (إحداهما) الملاطفة فإن العرب إذا قصدت ملاطفة المخاطب وترك المعاتبة سموه باسم مشتق من حالته التي هو عليها " كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي حين غاضب فاطمة رضي الله عنها فأتاه وهو نائم وقد لصق بجنبه التراب فقال له: " قم أبا تراب "، إشعاراً له بأنه غير عاتب عليه وملاطف له. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة " قم يا نومان وكان نائماً " ملاطفة له وإشعاراً بترك العتب، فقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم (يا أيها المزمل) فيه تأنيس له وملاطفة ليستشعر أنه غير عاتب عليه. والفائدة الثانية التنبيه لكل متزمل راقد ليله أن يتنبه إلى قيام الليل وذكر الله تعالى، لأن الاسم المشتق من الفعل يشترك فيه مع المخاطب كل من عمل ذلك العمل واتصف بتلك الصفة، ذكره الخطيب.

المزمل 73:2

(قم الليل) أي قم للصلاة في الليل الذي هو وقت الخلوة والخفية والستر، وقيل أن معنى قم صل عَبّر به عنه واستعير له، واختلف هل كان هذا القيام الذي أمره به فرضاً عليه أو نفلاً فقيل الأمر للوجوب، وكان واجباً عليه وعلى أمته، بل وعلى سائر الأنبياء قبله، وأول ما فرض عليه صلى الله عليه وسلم بعد الدعاء والإنذار قيام الليل، قال القرطبي؛ والدلائل تقوي أن قيامه كان فرضاً عليه صلى الله عليه وآله وسلم وحده أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء أو عليه وعلى أمته، ثلاثة أقوال: الأول قول سعيد بن جبير لتوجه الخطاب له، والثاني قول ابن عباس، والثالث قول عائشة وابن عباس أيضاًً. كذا في الخطيب والخازن وغيرهما. والعامة على كسر الميم لالتقاء الساكنين، وأبو السماك يضمها إتباعاً لحركة القاف، وقرىء بفتحها طلباً للخفة، قال أبو الفتح والغرض الهرب من التقاء الساكنين فبأي حركة حرك الأول حصل الغرض. قلت إلا أن الأصل الكسر لدليل ذكره النحويون، والليل ظرف للقيام وإن استغرقه الحدث الواقع فيه، هذا قول البصريين، وأما الكوفيون فيجعلون هذا النوع مفعولاً به. أخرج أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي والبيهقي وغيرهم عن سعد بن هشام قال قلت لعائشة " أنبئيني عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت ألست تقرأ هذه السورة (يا أيها المزمل) قلت بلى، قالت فإن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حولاً حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهراً. ثم أنزل التخفيف في آخر هذه السورة، وصار قيام الليل تطوعاً من بعد فرضه " وقد روي هذا الحديث عنها من طرق. وعن ابن عباس قال: " لما نزل أول المزمل كانوا يقومون نحواً من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها وكان بين أولها وآخرها نحو من سنة " أخرجه البيهقي والحاكم وصححه والطبراني وغيرهم، وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: " لما نزلت يا أيها المزمل قاموا حولاً حتى ورمت أقدامهم وسوقهم حتى نزلت (فاقرأوا ما تيسر منه) فاستراح الناس " وأخرج أبو داود في ناسخه وابن نصر وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق عكرمة عن ابن عباس " في الآية قال نسختها الآية التي فيها (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) ". وقوله (إلا قليلاً) استثناء من الليل أي صل الليل كله إلا يسيراً منه، والقليل من الشيء هو ما دون النصف، وقيل ما دون السدس، وقيل ما دون العشر، وقال مقاتل والكلبي المراد بالقليل هنا الثلث وقد أغنانا عن هذا الاختلاف قوله

المزمل 73:3

(نصفه) قال الزجاج هو بدل من الليل والاستثناء هو من النصف. (أو انقص منه قليلاً) الضمير في منه وعليه عائد إلى النصف والمعنى قم نصف الليل أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث.

المزمل 73:4

(أو زد عليه) قليلاً إلى الثلثين فكأنه قال قم ثلثي الليل أو نصفه أو ثلثه. وأو للتخيير بين قيام النصف وقيام الثلث الذي هو مفاد قوله أو انقص منه قليلاً، وقيام الثلثين الذي هو مفاد أو زد عليه، وقيل إن نصفه بدل من قوله قليلاً فيكون المعنى قم الليل إلا نصفه أو أقل من نصفه أو أكثر من نصفه، وقال المحلي بدل من قليلاً، وقلته بالنظر إلى الكل انتهى. قال الحفناوي قوله وقلته الخ جواب عما يقال أن النصف مساو للنصف الآخر فكيف يوصف بالقلة ومحصل الجواب أنه يوصف بها بالنظر لكل الليل لا بالنظر للنصف الآخر منه قال الأخفش نصفه أي أو نصفه كما يقال أعطه درهماً درهمين ثلاثة يريد أو درهمين أو ثلاثة، قال الواحدي قال المفسرون أو انقص من النصف قليلاً إلى الثلث أو زد على النصف إلى الثلثين جعل له سعة في مدة قيامه في الليل، وخيره في هذه الساعات للقيام، فكان النبي صلى الله عليه وسلم وطائفة معه يقومون على هذه المقادير، وشق ذلك عليهم فكان الرجل لا يدري كم صلى أو كم بقي من الليل، فكان يقوم الليل كله حتى خفف الله عنهم ورحمهم ونسخ وجوب قيام الليل في حقه وحقنا. وقيل الضميران في (منه وعليه) راجعان للأقل من النصف كأنه قال قم أقل من نصفه أو قم أنقص من ذلك الأقل، أو أزيد منه قليلاً، وهو بعيد جداً: والظاهر أن نصفه بدل من قليلاً، والضميران راجعان إلى النصف المبدل من قليلاً. واختلف في الناسخ لهذا الأمر فقيل هو قوله (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه) إلى آخر السورة كما تقدم وقيل هو قوله (علم أن لن تحصوه) الخ وقيل هو قوله (علم أن سيكون منكم مرضى) الخ وقيل هو منسوخ بالصلوات الخمس. وبهذا قال مقاتل والشافعي وابن كيسان، وقيل هو قوله: (فاقرؤا ما تيسر منه) وليس في القرآن سورة نسخ آخرها أولها إلا هذه السورة، وكان بين نزول أولها المنسوخ وآخرها الناسخ سنة، وقيل ستة عشر شهراً، وهذا على القول بأن السورة كلها مكية. وأما على القول بأن قوله (إن ربك يعلم) مدني فبين الناسخ والمنسوخ عشر سنين لما علمت أن نزول المنسوخ كان في أول الوحي بمكة، ونزول الناسخ كان بالمدينة، وأقل ما يتحقق بينهما عشر سنين، وقد قال به سعيد بن جبير، وقيل نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد حتى نسخ بالمدينة، وقيل نسخ أولها بآخرها ثم نسخ آخرها بإيجاب الصلوات الخمس، وذهب الحسن وابن سيرين إلى أن صلاة الليل فريضة على كل مسلم ولو قدر حلب شاة. (ورتل القرآن ترتيلاً) أي اقرأه على مهل مع تدبر، وقيل بين وفصل من الثغر المرتل أي المفلج الأسنان، وكلام رتل بالتحريك أي مرتل، وثغر رتل أيضاًً إذا كان مستوي البنيان، أو اقرأ على تؤدة بتبيين الحروف وحفظ الوقوف وإشباع الحركات، بحيث يتمكن السامع من عدها، وقال الضحاك: اقرأه حرفاً حرفاً، وقال الزجاج: هو أن يبين جميع الحروف ويوفي حقها من الإشباع، وأصل الترتيل التنضيد والتنسيق وحسن النظام، وقال ابن عباس: بينه تبيينا، وتأكيد الفعل بالمصدر يدل على المبالغة، وإيجاب الأمر على وجه لا يلتبس فيه بعض الحروف ببعض، ولا ينقص من النطق بالحرف من مخرجه المعلوم، مع استيفاء حركته المعتبرة وأنه لا بد منه للقارىء. عن قتادة قال سئل أنس " كيف كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال كانت مداً ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم " أخرجه البخاري [[قال ابن كثير: وقوله تعالى: (ورتل القرآن ترتيلاً) أي: اقرأه على تمهُّل فإنه يكون عوناً على فهم القرآن وتدبُّره، قال، وكذلك كان يقرأ صلوات الله وسلامه عليه، قالت عائشة رضي الله عنها: كان يقرأ السورة فيرتِّلها حتى تكون أطول من أطوال منها. وفي " صحيح البخاري " عن أنس أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت مَدَّاًً، ثم قرأ (بسم الله الرحمن الرحيم) يمد (بسم الله) ويمد (الرحمن) ويمد (الرحيم). ثم قال: وروى الإمام -[382]- أحمد عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقال لقارىء القرآن: اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا، فإن منزلتك عند آخر آية تقرأها " ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.]]، وعن أم سلمة وقد سألها يعلى بن مالك عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلاته، فقالت " ما لكم وصلاته، ثم نعتت قراءته فإذا هي تنعت قراءة مفسرة حرفاً حرفاً " [[زاد المسير 8/ 389.]] أخرجه النسائي. وللترمذي قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع قراءته يقول الحمد لله رب العالمين، ثم يقف، الرحمن الرحيم، ثم يقف، وكان يقول مالك يوم الدين ثم يقف " وفي رواية أبي داود قالت " قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين؛ الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، يقطع قراءته آية آية ". وعن عبد الله بن مغفل قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة على ناقته يقرأ سورة الفتح فرجع في قراءته " أخرجه الشيخان. وعن جابر قال: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقرأ القرآن وفينا العربي والعجمي فقال اقرأوا وكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه " أخرجه أبو داود، وزاد غيره في رواية " لا يجاوز تراقيهم ". وعن ابن مسعود قال لا تنثروه نثر الدقل ولا تهذوه هَذّ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب، ولا يكن هَمُّ أحدكم آخر السورة، وفي الباب أحاديث. والمقصود من الترتيل إنما هو حضور القلب عند القراءة لا مجرد إخراج الحروف من الحلقوم بتعويج الوجه والفم وألحان الغناء كما يعتاده قراء هذا الزمان من أهل مصر وغيره، في مكة المكرمة وغيرها، بل هو بدعة أحدثها البطالون الأكالون، والحمقاء الجاهلون بالشرائع وأدلتها الصادقة، وليس هذا بأول قارورة كسرت في الإسلام. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا (6) إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وقوله

المزمل 73:5

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) اعتراض بين الأمر بقيام الليل وبين تعليله بقوله الآتي (إن ناشئة الليل) والقصد بهذا الاعتراض تسهيل ما كلفه من القيام كأنه يقول إن قيام الليل وإن كان عليك فيه مشقة لكنه أسهل من غيره من التكاليف فإنا سنلقي الخ. وقال السمين هذه الجملة مستأنفة، وقال الزمخشري هذه الآية اعتراض ويعني بالاعتراض من حيث المعنى لا من حيث الصناعة، والمعنى سنوحي وسننزل إليك القرآن وهو قول ثقيل، وكلام عظيم ذو خطر وعظمة، لأنه كلام رب العالمين وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل. قال قتادة: ثقيل والله فرائضه وحدوده، وقال مجاهد: حلاله وحرامه، وقال الحسن: العمل به، وقال أبو العالية: ثقيلاً بالوعد والوعيد والحلال والحرام، وقال محمد بن كعب: ثقيل على المنافقين والكفار بما فيها من الاحتجاج عليهم والبيان لضلالهم وهتك أسرارهم، وبطلان أديانهم وسب آلهتهم، وقال السدي: ثقيل بمعنى كريم من قولهم فلان ثقل عليّ أي كرم عليّ، قال الفراء: ثقيلاً أي رزيناً ليس بالخفيف السفساف، لأنه كلام ربنا، وقال الحسين بن الفضل: ثقيلاً لا يحمله إلا قلب مؤيد بالتوفيق، ونفس مزينة بالتوحيد، وقيل هو خفيف على اللسان بالتلاوة ثقيل في الميزان بالثواب يوم القيامة، وقيل ثقيل أي ثابت كثبوت، الثقيل في محله، ومعناه أنه ثابت الإعجاز لا يزول إعجازه أبداً، وقيل وصفه بكونه ثقيلاً حقيقة لما ثبت " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها [[الجران: باطن العنق.]] على الأرض فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى عنه " أخرجه أحمد وعبد بن حميد والحاكم وصححه عن عائشة [[رواه البخاري في " صحيحه " عن عائشة رضي الله عنها أن الحارث بن هشام سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلّمني فأعي ما يقول: قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه يتفصَّد عرقاً.]]. وقيل ثقيلاً بمعنى أن العقل الواحد لا يفي بإدراك فوائده ومعانيه بالكلية، فالمتكلمون غاصوا في بحار معقولاته، والفقهاء بحثوا عن أحكامه وكذا أهل اللغة والنحو والمعاني والبيان، ثم لا يزال كل متأخر يفوز منه بفوائد ما وصل إليها المتقدمون، فعلمنا أن الإنسان الواحد لا يقوى على الاستقلال بحمله فصار كالجبل الثقيل الذي يعجز الخلق عن حمله، والأولى أن جميع هذه المعاني فيه، وقال القشيري القول الثقيل هو قول لا إله إلا الله لأنه ورد في الخبر " لا إله إلا الله خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان ".

المزمل 73:6

(إن ناشئة الليل) أي ساعاته وأوقاته، لأنها تنشأ أولاً فأولاً، يقال نشأ الشيء ينشأ إذا ابتدىء وأقبل شيئاًً بعد شيء فهو ناشىء وأنشأه الله فنشأ، ومنه نشأت السحاب إذا بدأت، فناشئة فاعلة من نشأت تنشىء فهي ناشئة، قال الزجاج: ناشئة الليل كل ما نشأ منه أي حدث فهو ناشئة، قال الواحدي: قال المفسرون الليل كله ناشئة، والمراد أن ساعات الليل الناشئة فاكتفى بالوصف عن الاسم الموصوف، وقيل إن ناشئة الليل هي النفس التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي تنهض، من نشأ من مكانه إذا نهض، وقيل إنما يقال لقيام الليل ناشئة إذا كان بعد نوم، فلو لم يتقدمه نوم لم يكن ناشئة، وقيل ما ينشأ فيه من الطاعات. قال ابن الأعرابي إذا نمت من أول الليل ثم قمت فتلك المنشأة والنشأة ومنه ناشئة الليل قيل وناشئة الليل هي ما بين المغرب والعشاء لأن معنى نشأ ابتدأ وكان زين العابدين علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما يصلي بين المغرب والعشاء ويقول: هذه ناشئة الليل، وقال عكرمة وعطاء: هي بدو الليل، وقال مجاهد وغيره: هي في الليل كله لأنه ينشأ بعد النهار، واختار هذا مالك، وقال ابن كيسان هي القيام من آخر الليل. وقال في الصحاح: ناشئة الليل أول ساعاته، وقال الحسن: هي ما بعد العشاء الآخرة إلى الصبح، وقال ابن عباس: هي قيام الليل بلسان الحبشة إذا قام الرجل قالوا نشأ، قال الشيخ فعلى هذا هي جمع ناشىء أي قائم (قلت) يعني أنها صفة لشيء يفهم الجمع أي طائفة أو فرقة ناشئة وإلا ففاعل لا يجمع على فاعلة. وأخرج البيهقي عن ابن عباس قال: هي أوله، وعنه قال الليل كله ناشئة، وعن ابن مسعود قال ناشئة الليل بالحبشية قيام الليل، وعن أنس بن مالك: قال هي ما بين المغرب والعشاء. (هي أشد وطأً) قرأ الجمهور بفتح الواو وسكون الطاء مقصورة واختارها أبو حاتم وقرىء بكسر الواو وفتح الطاء ممدودة واختار هذه الفراء وأبو عبيدة، فالمعنى على الأولى أن الصلاة ناشئة الليل أثقل على المصلي من صلاة النهار، لأن الليل للنوم، قال ابن قتيبة المعنى أنها أثقل على المصلي من ساعات النهار من قول العرب اشتدت على القوم وطأة السلطان إذا ثقل عليهم ما يلزمهم منه، ومنه قوله صلى الله عليه عليه وآله وسلم " اللهم اشدد وطأتك على مضر " [[متفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه في قصة القنوت في صلاة الصبح.]]. والمعنى على القراءة الثانية أنها أشد مواطأة أي موافقة السمع للقلب على تفهم القرآن من قولهم واطأت فلاناً على كذا مواطأة ووطاء إذا وافقته عليه، قال مجاهد وابن أبي مليكة: أي أشد موافقة بين القلب والسمع والبصر واللسان، لانقطاع الأصوات والحركات فيها، ومنه (ليواطئوا عدة ما حرم الله) أي ليوافقوا، وقال الأخفش: أشد قياماً، وقال الفراء: أي أثبت للعمل وأدوم لمن أراد الاستكثار من العبادة، والليل وقت الفراغ عن الاشتغال بالمعاش، فعبادته تدوم ولا تنقطع، وقال الكلبي أشد نشاطاً. (وأقوم قيلاً) أي أبين قولاً، وأسد مقالاً، وأثبت قراءة وأصح قولاً من النهار لحضور القلب فيها وهدو الأصوات وسكونها، وأشد استقامة واستمراراً على الصواب، لأن الأصوات فيها هادئة والدنيا ساكنة، فلا يضطرب على المصلي ما يقرأه، قال قتادة ومجاهد: أي أصوب للقراءة وأثبت للقول لأنه زمان التفهم، قال أبو علي الفارسي: أَقوم قيلاً أي أشد استقامة بفراغ البال بالليل، قال الكلبي: أي أبين قولاً بالقرآن، وقال عكرمة: أي أتم نشاطاً وإخلاصاً وأكثر بركة، وقال ابن زيد: أجدر أن يتفقه في القرآن وقيل أعجل إجابة للدعاء.

المزمل 73:7

(إن لك في النهار سبحاً طويلاً) قرأ الجمهور بالحاء المهملة أي تصرفاً في حوائجك وأشغالك وإقبالاً وإدباراً وذهاباً ومجيئاً، والسبح الجري والدوران ومنه السباحة في الماء لتقلبه بيديه ورجليه، وفرس سابح أي شديد الجري، وقد استعير من السباحة في الماء للتصرف في الحوائج، وقيل السبح الفراغ أي أن لك فراغاً بالنهار للحاجات فصل بالليل. وقال ابن عباس: السبح الفراغ للحاجة والنوم، قال ابن قتيبة: أي تصرفاً وإقبالاً وإدباراً في حوائجك وأشغالك وقيل فراغاً وسعة لنومك وراحتك، وقال الخليل: سبحاً أي نوماً والسبح التمدد، وقال الزجاج: المعنى إن فاتك في الليل شيء فلك في النهار فراغ للاستدراك. وقرىء سبخاً بالخاء المعجمة قيل ومعنى هذه القراءة الخفة والسعة والاستراحة، قال الأصمعي يقال سبخ الله الحمى أي خففها، وسبخ الحر فتر وخف ومنه قول الشاعر. فسبخ عليك الهم واعلم بأنه ... إذا قدر الرحمن شيئاًً فكائن أي خفف عنك الهم، والتسبيخ من القطن ما ينسبخ بعد الندف، وقال ثعلب السبخ بالخاء المعجمة التردد والاضطراب، والسبخ السكون، وقال أبو عمر السبخ النوم والفراغ. وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (8) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9) وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (14) إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16)

المزمل 73:8

(واذكر اسم ربك) أي ادعه بأسمائه الحسنى، وقيل اقرأ باسم ربك في ابتداء صلاتك وقيل اذكر اسم ربك في وعده ووعيده لتوفر على طاعته وتبعد عن معصيته، وقيل المعنى دم على ذكر ربك وتلاوة القرآن ودراسة العلم ليلاً ونهاراً، واستكثر من ذلك على أي وجه كان من تسبيح وتهليل وتحميد وصلاة وقراءة قرآن، قاله القاضي كالكشاف، وقال الكلبي: المعنى صل لربك وقال المحلي: أي قل بسم الله الرحمن الرحيم في ابتداء قراءتك انتهى تبع فيه سهلاً وزاد عليه سهل توصلك ببركة قراءتها إلى ربك وتقطعك عما سواه، ذكره الكرخي، ومعنى في ابتداء قراءتك سواء قرأت في الصلاة أو في خارجها، وهذا إذا قرأ من أول سورة، وأما إذا قرأ من أثناء سورة فإنه إن كان في غير الصلاة سن له أن يبسمل، وإن كان فيها لم تسن له البسملة لأن قراءة السورة بعد الفاتحة تعد قراءة واحدة فتأمل. (وتبتل تبتيلاً) أي انقطع إليه انقطاعاً بالإشتغال لعبادته، والتبتل الانقطاع يقال تبتلت الشيء أي قطعته وميزته عن غيره، وصدقة بتلة أي منقطعة من مال صاحبها، ويقال للراهب تبتل لانقطاعه عن الناس، ووضع تبتيلاً مكان تبتلاً لرعاية الفواصل، قال الواحدي والتبتل رفض الدنيا وما فيها والتماس ما عند الله، وقيل المعنى أخلص إليه إخلاصاً، وقيل توكل عليه توكلاً.

المزمل 73:9

(رب المشرق والمغرب) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر وابن عامر بجر (رب) على النعت لربك أو البدل منه أو البيان له، وقرأ الباقون برفعه على أنه مبتدأ وخبره. (لا إله إلا هو) أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو رب الخ وقرأ زيد بن علي بنصبه على المدح، وقرأ الجمهور المشرق والمغرب مفردين، وقرأ ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم المشارق والمغارب على الجمع، وقد قدمنا تفسير المشرق والمغرب والمشرقين والمغربين والمشارق والمغارب. (فاتخذه وكيلاً) أي إذا عرفت أنه المختص بالربوبية فاتخذه قائماً بأمورك وعول عليه في جميعها، وقيل كفيلاً بما وعدك من الجزاء والنصر، وفائدة الفاء أن لا تلبث بعد أن عرفت في تفويض الأمور إلى الواحد القهار إذ لا عذر لك في الانتظار بعد الإقرار. قال البقاعي وليس ذلك بأن يترك الإنسان كل عمل فإن ذلك طمع فارغ بل بالإجمال في طلب كل ما ندب الإنسان إلى طلبه ليكون متوكلاً في السبب، منتظراً المسبب، فلا يهمل الأسباب ويتركها طامعاً في المسببات، لأنه حينئذ يكون كمن يطلب الولد من غير زوجة، وهو مخالف لحكمة هذه الدار المبنية على الأسباب.

المزمل 73:10

(واصبر على ما يقولون) فيَّ من الصاحبة والولد، وفيك من الساحر والشاعر، والأذى والسب والاستهزاء ولا تجزع من ذلك (واهجرهم هجراً جميلاً) أي لا تتعرض لهم ولا تشتغل بمكافآتهم وتجانبهم وتداريهم وكل أمرهم إلى الله فالله يكفيكهم، وقيل الهجر الجميل الذي لا جزع فيه. وهذا كان قبل الأمر بالقتال.

المزمل 73:11

(وذرني والمكذبين) أي دعني وإياهم ولا تهتم بهم، فإني أكفيك أمرهم وأنتقم لك منهم، وقيل نزلت في المطعميين يوم بدر، وهم عشرة، وقد تقدم ذكرهم، وقال يحيي بن سلام: هم بنو المغيرة، وقال سعيد بن جبير: أخبرت أنهم إثنا عشر. (أولي النعمة) أي أرباب الغنى والسعة والترفه واللذة في الدنيا، والنعمة بالفتح التنعم بالكسر الإنعام وبالضم المسرة. (ومهلهم قليلاً) أي تمهيلاً قليلاً، على أنه نعت لمصدر محذوف، أو زماناً قليلاً على أنه صفة لزمان محذوف، والمعنى أمهلهم إلى انقضاء آجالهم، وقيل إلى نزول عقوبة الدنيا بهم كيوم بدر، قالت عائشة " لما نزلت هذه الآية لم يكن إلا يسيراً حتى كانت وقعة بدر " وقيل إلى يوم القيامة، والأول أولى لقوله:

المزمل 73:12

(إن لدينا أنكالاً) وما بعده فإنه وعيد لهم بعذاب الآخرة، والأنكال جمع نكل وهو القيد كما قال الحسن ومجاهد وغيرهما، قال ابن مسعود: أنكالاً قيوداً، وقال الكلبي: الأنكال: الأغلال من حديد، والأول أعرف في اللغة، وقال مقاتل: هي أنواع العذاب الشديد، وقال أبو عمران الجوني هي قيود لا تحل. (وجحيماً) أي ناراً مؤججة محرقة

المزمل 73:13

(وطعاماً ذا غصة) أي لا يسوغ في الحلق بل ينشب فيه فلا ينزل ولا يخرج، قال ابن عباس: هو شجرة الزقوم، وبه قال مجاهد، وقال الزجاج: هو الضريع كما قال تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع) وقال: هو شوك العوسج، قال عكرمة: هو شوك يأخذ بالحلق لا يدخل ولا يخرج والغصة الشجى في الحلق وهو ما ينشب فيه من عظم أو غيره وجمعها غصص (وعذاباً أليماً) أي ونوعاً آخر من العذاب غير ما ذكر وجعاً يخلص وجعه إلى القلب.

المزمل 73:14

(يوم ترجف الأرض والجبال) انتصاب الظرف إما بذرني أو بالاستقرار المتعلق به لدينا أو هو صفة لعذاب فيتعلق بمحذوف أي عذاباً واقعاً يوم ترجف، أو متعلق بأليمٍ، قرأ الجمهور ترجف بفتح التاء وضم الجيم مبنياً للفاعل، وقرىء مبنياً للمفعول مأخوذ أرجفها، والمعنى تتحرك وتتزلزل وتضطرب بمن عليها وهو يوم القيامة، والرجفة الزلزلة والرعدة الشديدة. (وكانت الجبال) أي وتكون الجبال التي هي مراسي الأرض وأوتادها (كثيباً مهيلاً) وإنما عبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه، والكثيب الرمل المجتمع من كثب الشيء إذا جمعه، كأنه فعيل بمعنى مفعول، والمهيل الذي يمر تحت الأرجل، قال الواحدي: أي رملاً سائلاً يقال لكل شيء أرسلته إرسالاً من تراب أو طعام أهلته هيلاً، قال الضحاك والكلبي: المهيل الذي إذا وطئته بالقدم زل من تحتها، وإذا أخذت أسفله انهال. وقال ابن عباس: المهيل الذي إذا أخذت منه شيئاًً تبعك آخره، وعنه قال المهيل الرمل السائل.

المزمل 73:15

(إنا أرسلنا إليكم رسولاً شاهداً عليكم) الخطاب لأهل مكة أو لكفار قريش أو لجميع الكفار ففيه التفات من الغيبة في قوله (واصبر على ما يقولون) وقوله: (والمكذبين) والرسول محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والمعنى يشهد عليكم يوم القيامة بأعمالكم. (كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً) يعني موسى

المزمل 73:16

(فعصى فرعون الرسول) الذي أرسلناه إليه وكذبه ولم يؤمن بما جاء به، والنكرة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول، وإنما خص موسى وفرعون بالذكر لأن خبرهما كان منتشراً بين أهل مكة، لأنهم كانوا جيران اليهود، والمعنى إنا أرسلنا إليكم رسولاً فعصيتموه كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصاه. (فأخذناه أخذاً وبيلاً) أي شديداً ثقيلاً غليظاً، ومنه قيل للمطر وابل، وقال الأخفش شديداً، وبه قال ابن عباس، والمعنى متقارب، ومنه طعام وبيل إذا كان لا يستمرأ. فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18)

المزمل 73:17

(فكيف تتقون) أي فكيف تقون أنفسكم وتوجدون الوقاية التي تقي أنفسكم، والمعنى لا سبيل لكم إلى التقوى إذا رأيتم القيامة، وقيل معناه فكيف تتقون العذاب يوم القيامة (إن كفرتم) أي إذا بقيتم على كفركم في الدنيا (يوماً) أي عذاب يوم. (يجعل الولدان شيباً) لشدة هوله أي يصير الولدان شيوخاً شمطاً، والشيب جمع أشيب، وهذا يجوز أن يكون حقيقة وأنهم يصيرون كذلك، أو تمثيلاً لأن من شاهد الهول العظيم تقاصرت قواه وضعفت أعضاؤه وصار كالشيخ في الضعف وسقوط القوة، قال الشاعر: والهم يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبى ويهرم قال في المصباح والشيب ابيضاض الشعر المسود وشيب الحزن رأسه وبرأسه بالتشديد وأشابه بالألف وأشاب به فشاب في المطاوع انتهى. وفي القاموس الشيب الشعر وبياضه كالمشيب وهو أشيب، ولا فعلاء له أي لا يقال امرأة شيباء كما في المصباح، وقومٌ شِيبٌ وَشُيُبٌ بضمتين، وقيل يحتمل أن يكون المراد وصف ذلك اليوم بالطول وأن الأطفال يبلغون منه الشيخوخة والشيب، والأول أولى. وفي هذا توبيخ لهم شديد وتقريع عظيم. قال الحسن أي كيف تتقون يوماً يجعل الولدان شيباً إذ كفرتم وكذا قرأ ابن مسعود وعطية، ويوماً مفعول به لتتقون، قال ابن الأنباري: ومنهم من نصب اليوم بكفرتم، وهذا قبيح، والولدان الصبيان. وعن ابن عباس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ يجعل الولدان شيباً قال ذلك يوم القيامة. وذلك يوم يقول الله لآدم قم فابعث من ذريتك بعثاً إلى النار، قال من كم يا رب؟ قال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين وينجو واحد، فاشتد ذلك على المسلمين فقال حين أبصر ذلك في وجوههم إن بني آدم كثير، وأن يأجوج ومأجوج من ولد آدم إنه يموت رجل منهم حتى يرثه لصلبه ألف رجل ففيهم وفي أشباههم جنة لكم " أخرجه الطبراني وابن مردويه، وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود بأخصر منه. ثم زاد سبحانه في وصف ذلك اليوم بالشدة فقال:

المزمل 73:18

(السماء منفطر به) أي منشقة به لشدته وعظيم هوله، فما ظنك بغيرها من الخلائق، والجملة صفة أخرى ليوم والباء سببية، وجوز الزمخشري أن تكون للاستعانة فإنه قال والباء في " به " مثلها في قولك فطرت العود بالقدوم فانفطر به، وقال القرطبي إنها بمعنى " في " أي منفطر فيه وهو ظاهر، وقيل بمعنى اللام أي منفطر له، وإنما قال منفطر ولم يقل منفطرة لتنزيل السماء منزلة شيء لكونها قد تغيرت ولم يبق منها إلا ما يعبر عنه بالشيء. وقال أبو عمرو بن العلاء: لم يقل منفطرة لأن مجازها السقف، فيكون هذا كما في قوله (وجعلنا السماء سقفاً محفوظاً) وقال الفراء: السماء تذكر وتؤنث، وقال أبو علي الفارسي: هو من باب الجراد المنتشر، والشجر الأخضر و (أعجاز نخل منقعر) وقال أيضاًً أي السماء ذات انفطار كقولهم امرأة مرضع، أي ذات إرضاع على طريق النسب. وانفطارها لنزول الملائكة قال: (إذا السماء انفطرت) وقوله: (والسموات يتفطرن من فوقهن) وقيل منفطر به أي بالله والمراد بأمره، والأول أولى، وقال ابن عباس: منفطر به ممتلئة بلسان الحبشة وعنه قال مثقلة موقرة، وعنه قال يعني تشقق السماء. (وكان وعده مفعولاً) أي كان وعد الله بما وعد به من البعث والحساب وغير ذلك كائناً لا محالة، والمصدر مضاف إلى فاعله، أو وكان وعد اليوم مفعولاً فالمصدر مضاف إلى مفعوله، ومعنى مفعولاً أنه مقضي نافذ لا يرد على حد (من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله) قال مقاتل كان وعده أن يظهر دينه على الدين كله. إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (19) إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (20)

المزمل 73:19

(إن هذه) أي ما تقدم من الآيات (تذكرة) أي موعظة، وقيل الإشارة إلى جميع آيات القرآن لا إلى ما في هذه السورة فقط (فمن شاء) النجاة (اتخذ) بالطاعة التي هي أهم أنواعها التوحيد (إلى ربه سبيلاً) أي طريقاً توصله إلى الجنة، وقال القرطبي أي من أراد أن يؤمن ويتخذ بذلك إلى ربه سبيلاً أي طريقاً إلى رضاه ورحمته فليرغب فقد أمكن له لأنه أظهر له الحجج والدلائل.

المزمل 73:20

(إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى) أي أقل، استعير له الأدنى لأن المسافة بين الشيئين إذا دنت قل ما بينهما من الإحياز، وإذا بعدت كثر ذلك (من ثلثي الليل ونصفه) معطوف على أدنى، وقوله: (وثلثه) معطوف على نصفه، والمعنى أن الله يعلم أن رسوله صلى الله عليه وسلم يقوم أقل من ثلثي الليل ويقوم نصفه ويقوم ثلثه وبالنصب قرأ ابن كثير والكوفيون، وقرأ الجمهور ونصفه وثلثه بالجر عطفاً على ثلثي الليل، والمعنى أن الله يعلم أن رسوله يقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وأقل من ثلثه، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله الآتي: (علم أن لن تحصوه) فكيف يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه، وقال الفراء النصب أشد بالصواب، لأنه قال أقل من ثلثي الليل ثم فسر نفس القلة. (وطائفة من الذين معك) معطوف على الضمير (تقوم) وجاز من غير تأكيد للفصل أي وتقوم ذلك القدر معك طائفة من أصحابك (والله يقدر الليل والنهار) أي يعلم مقاديرهما على حقائقها، ويختص بذلك دون غيره، وأنتم لا تعلمون ذلك على الحقيقة، قال عطاء يريد لا يفوته علم ما يفعلون أي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم قدر الذي يقومونه من الليل والذي ينامون منه. (علم أن لن تحصوه) أي لن تطيقوا علم مقاديرهما على الحقيقة، وفي أن ضمير شأن محذوف أي أنه وقيل المعنى لن تطيقوا قيام الليل، قال القرطبي والأول أصح، فإن قيام الليل ما فرض كله قط قال مقاتل وغيره لما نزل (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ) شق ذلك عليهم وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطىء فانتفخت أقدامهم وامْتُقِعَتْ [[امتُقِعَ لونه (بالبناء للمجهول) تغيَّر من حزن أو فزع أو مرض.]] ألوانهم، فرحمهم الله وخفف عنهم فقال (علم أن لن تحصوه) لأنكم إن زدتم ثقل عليكم واحتجتم إلى تكلف ما ليس فرضاً، وإن نقصتم شق ذلك عليكم. (فتاب عليكم) أي فعاد عليكم بالعفو ورخص لكم في ترك القيام، وقيل أسقط عنكم فرض القيام إذ عجزتم، وأصل التوبة الرجوع كما تقدم، فالمعنى رجع بكم من التثقيل إلى التخفيف، ومن العسر إلى اليسر، قال المحلي رجع بكم إلى التخفيف، قال الحفناوي فالمراد التوبة اللغوية لا التوبة من الذنب والمراد بالتخفيف الذي رجع بهم إليه ما كان قبل وجوب القيام لكن الرجوع في الجملة لأنه قبل وجوب قيام الليل لم يكن عليهم قيام شيء منه، وفي هذا الرجوع والتخفيف وجوب جزء مطلق يصدق بركعتين. (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) بيان للبدل الذي وقع النسخ إليه أي فنسخ التقدير بالأجزاء الثلاثة إلى جزء مطلق من الليل، وسيأتي أن هذا الجزء نسخ أيضاًً بوجوب الصلوات الخمس، والمعنى فاقرأوا في الصلاة بالليل ما خف عليكم وتيسر لكم منه من غير أن ترقبوا وقتاً، قاله القرطبي ورجحه، قال الحسن هو ما يقرأ في صلاة المغرب والعشاء، وقال السدي: ما تيسر منه هو مائة آية، وقال الحسن أيضاًً: من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن، وقال كعب: من قرأ في ليلة مائة آية كتب من القانتين، وقال سعيد خمسون آية وعن ابن عباس مرفوعاً قال مائة آية أخرجه الطبراني وابن أبي حاتم وابن مردويه. وعن قيس بن أبي حازم قال: " صليت خلف ابن عباس فقرأ في أول ركعة بالحمد لله رب العالمين وأول آية من البقرة ثم ركع فلما انصرفنا أقبل علينا فقال إن الله يقول فاقرأوا ما تيسر منه " أخرجه الدارقطني والبيهقي في سننه وحسناه، قال ابن كثير هذا حديث غريب جداً لم أره إلا في معجم الطبراني. وعن أبي سعيد عند أحمد والبيهقي في سننه قال: " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر " وقد قدمنا في أول هذه السورة ما روي أن هذه الآيات المذكورة هنا هي الناسخة لوجوب قيام الليل وقيل المعنى فصلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل، والصلاة تسمى قرآناً كقوله (وقرآن الفجر) قيل إن هذه الآية نسخت قيام الليل ونصفه والنقصان من النصف والزيادة عليه فيحتمل أن يكون ما تضمنته هذه الآية فرضاً ثابتاً ويحتمل أن يكون منسوخاً لقوله (ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً). قال الشافعي: الواجب طلب الاستدلال بالسنة على أحد المعنيين، فوجدنا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم تدل على أن لا واجب من الصلاة إلا الخمس، وقد ذهب قوم إلى أن قيام الليل نسخ في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حق أمته، وقيل نسخ التقدير بمقدار، وبقي أصل الوجوب وقيل أنه نسخ في حق الأمة وبقي فرضاً في حقه صلى الله عليه وسلم، والأول القول بنسخ قيام الليل على العموم في حقه صلى الله عليه وسلم وفي حق أمته، وليس في قوله: (فاقرأوا ما تيسر منه) ما يدل على بقاء شيء من الوجوب، لأنه إن كان المراد به القراءة من القرآن فقد وجدت في المغرب والعشاء وما يتبعهما من النوافل المؤكدة، وإن كان المراد به الصلاة من الليل فقد وجدت صلاة الليل بصلاة المغرب والعشاء وما يتبعهما من التطوع. وأيضاًً الأحاديث الصحيحة المصرحة بقول السائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم هل على غيرها يعني الصلوات الخمس، فقال " لا إلا أن تطوع " تدل على عدم وجوب غيرها فارتفع بهذا وجوب قيام الليل وصلاته على الأمة كما ارتفع وجوب ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) قال الواحدي قال المفسرون في قوله: (فاقرأوا ما تيسر منه) كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بالصلوات الخمس عن المؤمنين وثبت على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وذلك قوله (وأقيموا الصلاة). قلت فيه نظر لأن وجوب الصلوات الخمس لا ينافي وجوب قيام الليل، وشرط الناسخ أن يكون حكمه منافياً ومعارضاً لحكم المنسوخ كوجوب العدة بحول مع وجوبها بأربعة أشهر فليتأمل، فالصواب أن يكون النسخ بغير ذلك كالحديث الذي قدمنا. ثم ذكر سبحانه عذرهم فقال: (علم أن سيكون منكم مرضى) فلا يطيقون قيام الليل ويشق عليهم ذلك، وقال الحفناوي هذا استئناف مبين لحكمة أخرى، فالحكمة الأولى هي قوله: (علم أن لن تحصوه) والثانية هي قوله (علم أن سيكون) الخ. (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) أي يسافرون فيها للتجارة والأرباح يطلبون من رزق الله ما يحتاجونه إليه في معاشهم فلا يطيقون قيام الليل (وآخرون يقاتلون في سبيل الله) يعني الغزاة والمجاهدين فلا يطيقون قيام الليل، قال النسفي: سوى سبحانه وتعالى في هذه الآية بين درجة المجاهد والمكتسب، لأن كسب الحلال جهاد. قال ابن مسعود أيما رجل جلب شيئاًً إلى مدينة من مدائن المسلمين صابراً محتسباً فباعه بسعر يومه كان عند الله من الشهداء ثم قرأ هذه الآية، وقال ابن عمر ما خلق الله موتة أموتها بعد القتل في سبيل الله أحب إليَّ من أن أموت بين شعبتي رحل أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله، وقال طاوس الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله. ثم لما ذكر سبحانه ههنا ثلاثة أسباب مقتضية للترخيص ورفع وجوب القيام فرفعه عن جميع الأمة لأجل هذه الأعذار التي تنوب بعضهم، ذكر ما يفعلونه بعد هذا الترخيص فقال (فاقرأوا ما تيسر منه) وقد تقدم تفسيره قريباً والتكرير للتأكيد (وأقيموا الصلاة) يعني المفروضة وهي الخمس لوقتها (وآتوا الزكاة) يعني الواجبة في الأموال [[قال ابن كثير: وقوله تعالى: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) أي: أقيموا صلاتكم الواجبة عليكم، وآتوا الزكاة المفروضة، قال: وهذا يدل لمن قال: إن فرض الزكاة نزل بمكة، لكن مقادير النُّصُب والمخرَج لم تُبين إلا بالمدينة، والله أعلم. قال: وقد قال ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف: إن هذه الآية نسخت الذي كان الله قد أوجبه على المسلْمين أولاً من قيام الليل، واختلفوا في المدة التي بينهما على أقوال، وقد ثبت في " الصحيحين " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لذلك الرجل الذي سأل: ماذا فرض الله عليه من الصلوات؟: " خمس صلوات في اليوم والليلة " قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: " لا إلا أن تطوع ".]]، وقال الحرث العكلي صدقة الفطر لأن زكاة الأموال وجبت بعد ذلك، وقيل صدقة التطوع، وقيل كل أفعال الخير. (وأقرضوا الله قرضاً حسناً) أي أنفقوا ما سوى المفروض في سبل الخير من أموالكم إنفاقاً حسناً عن طيب قلب، وإنما أضافه إلى نفسه لئلا يمن على الفقير فيما يتصدق به عليه، وهذا لأن الفقير معاون له في تلك القربة فلا تكون له عليه منة، بل المنة للفقير عليه، وقد مضى تفسيره في سورة الحديد. قال زيد بن أسلم القرض الحسن الإنفاق على الأهل وقيل الإنفاق من الحلال بالإخلاص والصرف إلى المستحق، وقيل النفقة في الجهاد، وقيل هو إخراج الزكاة المفترضة على وجه حسن فيكون تفسيراً لقوله: (وآتوا الزكاة) والأول أولى لقوله (وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) فإن ظاهره العموم أي أيّ خير كان مما ذكر ومما لم يذكر. (هو خيراً وأعظم أجراً) أي أجزل ثواباً مما تؤخرونه إلى عند الموت أو توصون به ليخرج بعد موتكم، وانتصاب خيراً على أنه ثاني مفعولي تجدوه وضمير هو ضمير فصل وبالنصب قرأ الجمهور، وقرىء بالرفع على أنه خبر هو، والجملة في محل نصب على أنها ثاني مفعولي تجدوه، قال أبو زيد وهي لغة تميم يرفعون ما بعد ضمير الفصل، وقرأ الجمهور أيضاًً أعظم بالنصب عطفاً على (خيراً) وقرىء بالرفع مثل خير وانتصاب أجراً على التمييز. (واستغفروا الله) أي اطلبوا منه المغفرة لذنوبكم في مجامع أحوالكم فإنكم لا تخلون من ذنوب تقترفونها (إن الله غفور رحيم) أي كثير المغفرة لمن استغفره كثير الرحمة لمن استرحمه، ويستر على أهل الذنب والتقصير، ويخفف عن أهل الجهد والتوفير، وهو على ما يشاء قدير [[قال ابن جرير الطبري في تتمة الآية من آخر السورة (واستغفروا الله) يقول تعالى ذكره: سلوا الله غفران ذنوبكم، يصفح لكم عنها (إن الله غفور رحيم) يقول: إن الله ذو مغفرة لذنوب من تاب من عباده من ذنوبه، وذو رحمة أن يعاقبهم عليها من بعد توبتهم منها.]].