Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — المدثر 74:1 – عبس 80:42
المحتويات
- المدثر 74:1
- المدثر 74:2
- المدثر 74:3
- المدثر 74:4
- المدثر 74:5
- المدثر 74:6
- المدثر 74:7
- المدثر 74:8
- المدثر 74:9
- المدثر 74:10
- المدثر 74:11
- المدثر 74:12
- المدثر 74:13
- المدثر 74:14
- المدثر 74:15
- المدثر 74:16
- المدثر 74:17
- المدثر 74:18
- المدثر 74:19
- المدثر 74:20
- المدثر 74:21
- المدثر 74:22
- المدثر 74:23
- المدثر 74:24
- المدثر 74:25
- المدثر 74:26
- المدثر 74:27
- المدثر 74:28
- المدثر 74:29
- المدثر 74:30
- المدثر 74:31
- المدثر 74:32
- المدثر 74:33
- المدثر 74:34
- المدثر 74:35
- المدثر 74:36
- المدثر 74:37
- المدثر 74:38
- المدثر 74:39
- المدثر 74:40
- المدثر 74:41
- المدثر 74:42
- المدثر 74:43
- المدثر 74:44
- المدثر 74:45
- المدثر 74:46
- المدثر 74:47
- المدثر 74:48
- المدثر 74:49
- المدثر 74:50
- المدثر 74:51
- المدثر 74:52
- المدثر 74:53
- المدثر 74:54
- المدثر 74:55
- المدثر 74:56
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:3
- القيامة 75:4
- القيامة 75:5
- القيامة 75:6
- القيامة 75:7
- القيامة 75:8
- القيامة 75:9
- القيامة 75:10
- القيامة 75:11
- القيامة 75:12
- القيامة 75:13
- القيامة 75:14
- القيامة 75:15
- القيامة 75:16
- القيامة 75:17
- القيامة 75:18
- القيامة 75:19
- القيامة 75:20
- القيامة 75:22
- القيامة 75:23
- القيامة 75:24
- القيامة 75:25
- القيامة 75:26
- القيامة 75:27
- القيامة 75:28
- القيامة 75:29
- القيامة 75:30
- القيامة 75:31
- القيامة 75:32
- القيامة 75:33
- القيامة 75:34
- القيامة 75:35
- القيامة 75:36
- القيامة 75:37
- القيامة 75:38
- القيامة 75:39
- القيامة 75:40
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:2
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:4
- الإنسان 76:5
- الإنسان 76:6
- الإنسان 76:7
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:9
- الإنسان 76:10
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:12
- الإنسان 76:13
- الإنسان 76:14
- الإنسان 76:15
- الإنسان 76:16
- الإنسان 76:17
- الإنسان 76:18
- الإنسان 76:19
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:21
- الإنسان 76:22
- الإنسان 76:23
- الإنسان 76:24
- الإنسان 76:25
- الإنسان 76:26
- الإنسان 76:27
- الإنسان 76:28
- الإنسان 76:29
- الإنسان 76:30
- الإنسان 76:31
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:2
- المرسلات 77:3
- المرسلات 77:4
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:7
- المرسلات 77:8
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:10
- المرسلات 77:11
- المرسلات 77:12
- المرسلات 77:13
- المرسلات 77:14
- المرسلات 77:15
- المرسلات 77:16
- المرسلات 77:17
- المرسلات 77:18
- المرسلات 77:19
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:21
- المرسلات 77:22
- المرسلات 77:23
- المرسلات 77:24
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:26
- المرسلات 77:27
- المرسلات 77:28
- المرسلات 77:29
- المرسلات 77:30
- المرسلات 77:31
- المرسلات 77:32
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:34
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:37
- المرسلات 77:38
- المرسلات 77:39
- المرسلات 77:40
- المرسلات 77:41
- المرسلات 77:42
- المرسلات 77:43
- المرسلات 77:44
- المرسلات 77:45
- المرسلات 77:46
- المرسلات 77:47
- المرسلات 77:48
- المرسلات 77:49
- المرسلات 77:50
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:5
- النبأ 78:6
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:22
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:26
- النبأ 78:27
- النبأ 78:28
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:32
- النبأ 78:33
- النبأ 78:34
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:39
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:2
- النازعات 79:3
- النازعات 79:4
- النازعات 79:5
- النازعات 79:6
- النازعات 79:7
- النازعات 79:8
- النازعات 79:9
- النازعات 79:10
- النازعات 79:11
- النازعات 79:12
- النازعات 79:13
- النازعات 79:14
- النازعات 79:15
- النازعات 79:16
- النازعات 79:17
- النازعات 79:18
- النازعات 79:19
- النازعات 79:20
- النازعات 79:21
- النازعات 79:22
- النازعات 79:23
- النازعات 79:24
- النازعات 79:25
- النازعات 79:26
- النازعات 79:27
- النازعات 79:28
- النازعات 79:29
- النازعات 79:30
- النازعات 79:31
- النازعات 79:32
- النازعات 79:33
- النازعات 79:34
- النازعات 79:35
- النازعات 79:36
- النازعات 79:37
- النازعات 79:38
- النازعات 79:39
- النازعات 79:40
- النازعات 79:41
- النازعات 79:42
- النازعات 79:43
- النازعات 79:44
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
- عبس 80:1
- عبس 80:2
- عبس 80:3
- عبس 80:4
- عبس 80:5
- عبس 80:6
- عبس 80:7
- عبس 80:8
- عبس 80:9
- عبس 80:10
- عبس 80:11
- عبس 80:12
- عبس 80:13
- عبس 80:14
- عبس 80:15
- عبس 80:16
- عبس 80:17
- عبس 80:18
- عبس 80:19
- عبس 80:20
- عبس 80:21
- عبس 80:22
- عبس 80:23
- عبس 80:24
- عبس 80:25
- عبس 80:26
- عبس 80:27
- عبس 80:28
- عبس 80:29
- عبس 80:30
- عبس 80:31
- عبس 80:32
- عبس 80:33
- عبس 80:34
- عبس 80:37
- عبس 80:38
- عبس 80:39
- عبس 80:40
- عبس 80:41
- عبس 80:42
المدثر 74:1
سورة المدثر
هي خمس أو ست وخمسون آية وهي مكيّة في قول الجميع، قال ابن عباس نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (8) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (11)
قال الواحدي قال المفسرون لما بدىء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي أتاه جبريل فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على سرير بين السماء والأرض كالنور المتلألىء ففزع ووقع مغشياً عليه، فلما أفاق دخل على خديجة ودعا بماء فصبه عليه، وقال دثروني، فدثروه بقطيفة فقال
(يا أيها المدثر) أي يا أيها الذي قد تدثر بثيابه، أي تغشى بها من الرعب الذي حصل له من رؤية الملك عند نزول الوحي، وأصله المتدثر فأدغمت التاء في الدال لتجانسهما، وقد قرأ الجمهور بالإدغام، وقرأ أبيّ على الأصل، والدثار هو ما يلبس فوق الشعار، والشعار هو الذي يلي الجسد، وفي الحديث الأنصار شعار، والناس دثار، وسيف داثر بعيد العهد بالصقال، ومنه قيل للمنزل الدارس داثر لذهاب أعلامه، وقال عكرمة المعنى يا أيها المدثر بالنبوة وأثقالها، قال ابن العربي وهذا مجاز بعيد لأنه لم يكن نبياً إذ ذاك.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن أبا سلمة بن عبد الرحمن قال إن أول ما نزل من القرآن (يا أيها المدثر) فقال له يحيى بن أبي كثير يقولون إن أول ما نزل من القرآن (اقرأ باسم ربك الذي خلق) فقال أبو سلمة سألت جابر بن عبد الله عن ذلك وقلت له مثل ما قلت فقال جابر لا أحدثنك إلا ما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئاً، ونظرت عن شمالي فلم أر شيئاًً، ونظرت خلفي فلم أر شيئاًً فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض، فجئثت منه رعباً فرجعت فقلت دثروني فنزلت (يا أيها المدثر) إلى قوله (والرجز فاهجر) [[رواه البخاري 8/ 520 ومسلم 1/ 144 وأحمد في " المسند " 3/ 306 والطبري 29/ 143 والواحدي في " أسباب النزول " 333 وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 280 وزاد نسبته للطيالسي، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن الضريس، وابن المنذر، وابن مردويه، وابن الأنباري في " المصاحف " عن جابر رضي الله عنه.]] " وعن ابن عباس قال دثر هذا الأمر فقم به، وعنه قال المدثر النائم، وسيأتي في سورة اقرأ ما يدل على أنها أول سورة أنزلت، والجمع ممكن.
قال الخطيب اختلف في أول ما نزل من القرآن اختلافاً طويلاً، وتحقيق المعتمد منه وطريق الجمع بين الأحاديث المتناقضة فيه أن أول ما نزل على الإطلاق (اقرأ باسم ربك) إلى (ما لم يعلم)، وأول ما نزل بعد فترة الوحي يا أيها المدثر إلى فاهجر، وفي صدر حاشية سليمان الجمل استيفاء الكلام على ترتيب القرآن نزولاً نقلاً عن الخازن فراجعه إن شئت.
المدثر 74:2
(قم فأنذر) أي انهض فخوف أهل مكة وحذرهم العذاب إن لم يسلموا، أو قم من مضجعك واترك الدثر بالثياب واشتغل بهذا المنصب الذي نصبك الله له وهو الإنذار، أو قم قيام عزم وتصميم، وقيل الإنذار هنا هو إعلامهم بنبوته، وقيل إعلامهم بالتوحيد، وقال الفراء المعنى قم فصل وأمر بالصلاة.
المدثر 74:3
(وربك فكبر) أي واختص سيدك ومالكك ومصلح أمورك بالتكبير، وهو وصفه سبحانه بالكبرياء والعظمة عقداً وقولاً، وأنه أكبر من أن يكون له شريك كما يعتقده الكفار، وأعظم من أن تكون له صاحبة أو ولد، قال ابن العربي المراد به تكبير التقديس والتنزيه لخلع الأضداد والأنداد والأصنام، ولا تتخذ ولياً غيره، ولا تعبد سواه، ولا ترى لغيره فعلاً إلا له ولا نعمة إلا منه.
قال الزجاج إن الفاء في (فكبر) دخلت على معنى الجزاء كما دخلت في قوله فأنذر، وقال ابن جني هو كقولك زيداً فاضرب أي زيداً اضرب فالفاء زائدة وعبارة الكرخي دخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل وأياماً كان فلا تدع تكبيره.
المدثر 74:4
(وثيابك فطهر) المراد بها الثياب الملبوسة على ما هو المعنى اللغوي، أمره الله سبحانه بتطهير ثيابه وحفظها عن النجاسات وإزالة ما وقع فيها منها، وقال مجاهد وابن زيد وأبو رزين أي عملك فأصلح وقال قتادة نفسك فطهر من الذنب، والثياب عبارة عن النفس، وقال سعيد بن جبير قلبك فطهر، وقال الحسن والقرطبي أخلاقك فطهر، لأن خلق الإنسان مشتمل على أحواله اشتمال ثيابه على نفسه.
وقال الزجاج المعنى وثيابك فقصر، لأن تقصير الثوب أبعد من النجاسات إذا انجر على الأرض، وبه قال طاوس، وذلك لأن العرب كانت عادتهم تطويل الثياب وجر الذيول ولا يؤمن معه إصابة النجاسة، وفي الثوب الطويل من الخيلاء والكبر والفخر ما ليس في الثوب القصير، فنهى عن تطويل الثوب وأمر بتقصيره لذلك.
وقال أبيّ ابن كعب معناه لا تلبسها على غدر ولا على ظلم ولا على إثم، البسها وأنت بر طاهر، وقال ابن عباس أي لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل، وعنه قال فطهر من الإثم قال وهي في كلام العرب نقي الثياب، وعنه قال من الغدر لا تكن غداراً، وفي لفظ لا تلبسها على غدرة، والأول أولى لأنه المعنى الحقيقي، وليس في استعمال الثياب مجاز عن غيرها لعلاقة مع قرينة ما يدل على أنه المراد عند الإطلاق، وليس في مثل هذا الأصل أعني الحمل على الحقيقة عند الإطلاق خلاف.
وفي الآية دليل على وجوب طهارة الثياب في الصلاة.
قال الرازي إذا حملنا التطهير على حقيقته ففي الآية ثلاث احتمالات (الأول) قال الشافعي المقصود من الآية الإعلام بأن الصلاة لا تجوز إلا في ثياب طاهرة من الأنجاس (وثانيها) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كان المشركون لا يصونون ثيابهم عن النجاسات فأمره الله أن يصون ثيابه عنها (وثالثها) روي أنهم ألقوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قذراً فقيل له وثيابك فطهر عن تلك النجاسات والقاذورات.
المدثر 74:5
(والرجز فاهجر) الرجز معناه في اللغة العذاب، وفيه لغتان كسر الراء وضمها وهما قراءتان سبعيتان، والزاي منقلبة عن السين، والعرب تعاقب بين السين والزاي ومعناهما واحد، وإنما سمي الشرك وعبادة الأوثان رجزاً لأنها سبب الرجز، وقال مجاهد وعكرمة الرجز الأوثان كما في قوله:
(فاجتنبوا الرجس من الأوثان) وبه قال ابن زيد، وقال إبراهيم النخعي الرجز المأثم، والهجر الترك، وقال قتادة الرجز أساف ونائلة، وهما صنمان كانا عند البيت، وقال أبو العالية والربيع والكسائي الرجز بالضم الوثن، وبالكسر العذاب، وقال السدي الرجز بضم الراء الوعيد والأول أولى، وقال ابن عباس الرجز الأصنام.
المدثر 74:6
(ولا تمنن تستكثر) قرىء لا تمن بالإدغام، وقرأ الجمهور بفك الإدغام، وتستكثر بالرفع على أنه حال أي ولا تمنن حال كونك مستكثراً وقيل على حذف " أن " والأصل ولا تمنن أن تستكثر، فلما حذفت رفع، قال الكسائي فإذا حذف " أن " رفع الفعل، وقرىء تستكثر بالنصب على تقدير " أن " وبقاء عملها، ويؤيدها قراءة ابن مسعود أن تستكثر بزيادة أن، وقرىء بالجزم على أنه بدل من تمنن كما في قوله (يَلْقَ أَثَامًا (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ) أو الجزم لإجراء الوصل مجرى الوقف.
وقد أعترض على قراءة الجزم لأن قوله تستكثر لا يصح أن يكون بدلاً من تمنن، لأن المن غير الاستكثار، ولا يصح أن يكون جواباً للنهي، والمن الإنعام وبابه رد.
واختلف السلف في معنى الآية فقيل المعنى لا تنعم بشيء مستكثراً أي طالباً للكثرة، كارهاً أن ينقص المال بسبب العطاء فيكون الاستكثار هنا عبارة عن طلب العوض كيف كان، وقيل المعنى لا تمنن على ربك بما تتحمله من أعباء الرسالة والنبوة كالذي يستكثر ما يتحمله بسبب الغير، وقيل لا تعط عطية تلتمس فيها أكثر منها قاله عكرمة وقتادة، وقال ابن عباس لا تعط تلتمس بها أفضل منها وعنه قال لا تعط الرجل عطاء رجاء أن يعطيك أكثر منه، قال الضحاك هذا حرمه الله على رسوله لأنه مأمور بأشرف الآداب وأجل الأخلاق، وأباحه لأمته، وقال مجاهد لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولك حبل متين إذا كان ضعيفاً، وقال الربيع ابن أنس لا يعظم عملك في عينك أن تستكثر من الخير.
وقال ابن كيسان لا تستكثر عملاً فتراه من نفسك إنما عملك منة من الله عليك إذ جعل لك سبيلاً إلى عبادته، وقيل لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس فتأخذ منهم أجراً تستكثره، وقال محمد بن كعب لا تعط مالك مصانعة وقال زيد بن أسلم إذا أعطيت عطية فأعطها لربك.
المدثر 74:7
(ولربك فاصبر) على طاعته وفرائضه، والمعنى لأجل ربك وثوابه، وقال مقاتل ومجاهد اصبر على الأذى والتكذيب، وقال ابن زيد حملت أمراً عظيماً فحاربتك العرب والعجم فاصبر عليه لله، وقيل اصبر تحت موارد القضاء لله، وقيل فاصبر على البلوى وقيل على الأوامر والنواهي.
المدثر 74:8
(فإذا نقر في الناقور) فاعول من النقر كأنه من شأنه أن ينقر فيه للتصويت، والنقر في كلام العرب الصوت ويقولون نقر باسم الرجل إذا دعاه، والمراد هنا النفخ في الصور، والمراد النفخة الثانية وقيل الأولى، وقد تقدم الكلام على هذا في سورة الأنعام وسورة النحل، والفاء للسببية كأنه قيل اصبر على أذاهم فبين أيديهم يوم هائل يلقون فيه عاقبة أمرهم.
قال ابن عباس: الناقور الصور أي القرن الذي هو مستطيل وفيه ثقب بعدد الأرواح كلها وتجمع الأرواح في تلك الثقب، فيخرج من كل ثقبة روح إلى الجسد الذي نزعت منه فيعود الجسد حياً بإذن الله تعالى كما مر غير مرة، والعامل في " إذا " ما دل عليه قوله الآتي
المدثر 74:9
(فذلك يومئذ) الخ فإن معناه عسر الأمر عليهم، وقيل العامل فيه ما دل عليه قوله (فذلك) لأنه إشارة إلى النقر أي وقت النقر وهو النفخة يوم القيامة (يومئذ) بدل مما قبله وهو اسم الإشارة، وبنى يوم لإضافته إلى غير متمكن وهو إذ وتنوينها عوض عن الجملة أي يوم إذ نفخ في الصور، وخبر ذلك (يوم عسير) أي شديد.
المدثر 74:10
(على الكافرين غير يسير) تأكيد العسر عليهم لأن كونه غير يسير قد فهم من قوله (يوم عسير) وفيه إيذان بأنه يسير على المؤمنين، وقال الرازي: يحتمل أنه عسير على المؤمنين والكافرين إلا أنه على الكافرين أشد. أهـ وما قاله الرازي يفهمه التقييد بالجار والمجرور إن جعل متعلقاً بيسير، وإن كان مضافاً إليه لأنه قد أجازه بعضهم كما ذكره السمين.
المدثر 74:11
(ذرني ومن خلقت وحيداً) أي دعني واتركني وهي كلمة تهديد ووعيد، والمعنى دعني والذي خلقته حال كونه وحيداً في بطن أمه لا مال ولا ولد، هذا على أن وحيداً منتصب على الحال من الموصول أو من الضمير العائد المحذوف، ويجوز أن يكون حالاً من الياء في ذرني أي دعني وحدي معه فإني أكفيك في الانتقام منه، والأول أولى، قال المفسرون وهو الوليد بن المغيرة وبه قال ابن عباس، قال مقاتل خل بيني وبينه فأنا أنفرد بهلكته، وإنما خص بالذكر لمزيد كفره وعظيم جحوده لنعم الله عليه.
وقيل أراد بالوحيد الذي لا يُعرف أبوه وكان يقال في الوليد أنه دعي، وعن ابن عباس قال " إن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً ليعطوكه فإنك أتيت محمداً لتعرض لما قبله، قال قد علمت قريش أني من أكثرها مالاً، قال فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر له وأنك كاره له، قال وماذا أقول فوالله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئاًً من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، قال والله لا يرضى قومك حتى تقول فيه، قال فدعني حتى أفكر فلما فكر قال هذا سحر يؤثر يأثره عن غيره، فنزلت (ذرني ومن خلقت وحيداً) " أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي في الدلائل وقد أخرجه عبد الرزاق عن عكرمة مرسلاً وكذا غير واحد [[رواه بهذا اللفظ الواحدي في " أسباب النزول " 330 من رواية عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني عن عكرمة عن ابن عباس، وسنده صحيح. ورواه الحاكم به وقال:
زاد المسير 8/ 403.]].
وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (12) وَبَنِينَ شُهُودًا (13) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (14) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (15) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (16) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (17) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (18) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (19) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (20) ثُمَّ نَظَرَ (21)
المدثر 74:12
(وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا) أي كثيراً أو يمد بالزيادة والنماء شيئاًً بعد شيء، قال الزجاج مال غير منقطع عنه وقد كان الوليد بن المغيرة مشهوراً بكثرة المال على اختلاف أنواعه كالزرع والضرع والتجارة، قيل كان يحصل له من غلة أمواله ألف ألف دينار، وقيل أربعة آلاف دينار، وقيل ألف دينار قاله ابن عباس وعن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية فقال غلة شهر بشهر قيل كان له بستان بالطائف لا ينقطع ثماره شتاء ولا صيفاً، وكان له عبيد وجوار كثيرة.
المدثر 74:13
(وبنين شهوداً) أي وجعلت له بنين حضوراً بمكة معه لا يسافرون ولا يحتاجون إلى التفرق في طلب الرزق لكثرة مال أبيهم، قال الضحاك كانوا سبعة ولدوا بمكة وخمسة ولدوا بالطائف، وقال سعيد بن جبير كانوا ثلاثة عشر ولداً، وقال مقاتل كانوا سبعة كلهم رجال أسلم منهم ثلاثة خالد وهشام والوليد بن الوليد، وقيل عمارة وفيه نظر لأن ابن حجر قال في الإصابة إن عمارة مات كافراً، وقيل معنى شهوداً أنه إذا ذكر ذكروا معه وقيل كانوا يشهدون ما كان يشهده من المحافل والمجامع، ويقومون بما كان يباشره.
المدثر 74:14
(ومهدت له تمهيداً) أي بسطت له في العيش الرغيد وطول العمر، والجاه العريض والرياسة في قريش حتى كان يدعى ريحانة قريش، وهو الكمال عند أهل الدنيا، والتمهيد عند العرب التوطئة ومنه مهد الصبي، وأصله التسوية والتهيئة ويتجوز به عن بسط المال والجاه وهو المراد هنا، وقال مجاهد إنه المال بعضه فوق بعض كما يمهد الفراش.
المدثر 74:15
(ثم يطمع أن أزيد) أي يطمع بعد هذا كله في الزيادة لكثرة حرصه وشدة طمعه مع كفرانه بالنعم وإشراكه بالله، قال الحسن ثم يطمع أن أدخله الجنة. وكان يقول إن كان محمد صادقاً فما خلقت الجنة إلا لي. فردعه الله سبحانه وزجره فقال
المدثر 74:16
(كلا) أي لست أزيده بل أنقصه فقد ورد أنه بعد نزول هذه الآية ما زال في نقصان ماله وولده حتى هلك فقيراً.
ثم علل ذلك على وجه الاستئناف التحقيقي بقوله (إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا) أي معانداً لها كافراً بما أنزلناه منها على رسولنا، فإن معاندة آيات النعم مع وضوحها وكفرانها مع شيوعها مما يوجب الحرمان بالكلية، وإنما أوتي ما أوتي استدراجاً، يقال عند يعند بالكسر إذا خالف الحق ورده وهو يعرفه فهو عنيد وعاند، والعاند الذي يجوز عن الطريق ويعدل عن القصد، قال أبو صالح: عنيداً معناه مباعداً، وقال قتادة: جاحداً وقال مقاتل: معرضاً وقال ابن عباس: جحوداً.
المدثر 74:17
(سأرهقه صعوداً) أي سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة فيها وهو مثل لما يلقاه من العذاب الصعب الذي لا يطاق، وقيل المعنى إنه يكلف أن يصعد جبلاً من نار، والإرهاق في كلام العرب أن يحمل الإنسان الشيء الثقيل، قال أبو سعيد الخدري في قوله صعوداً هو جبل في النار يكلفون أن يصعدوا فيه، فكلما وضعوا أيديهم عليه ذابت فإذا رفعوها عادت كما كانت، وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " قال الصعود جبل في النار يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً ثم يهوي، وهو كذلك فيه أبداً " أخرجه أحمد والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي، قال الترمذي غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة عن دراج. قال ابن كثير وفيه غرابة ونكارة انتهى. وقد أخرجه جماعة من قول أبي سعيد [[هذا الحديث ذكره المؤلف ملفقاً من حديثين، الأول رواه ابن جرير الطبري من رواية شريك بن عبد الله بن أبي شريك النخعي عن عمارة بن القعقاع عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري،
-[410]-
ورواه ابن أبي حاتم من رواية شريك عن عمار الدهني عن عطية به، بلفظ " (سأرهقه صعوداً) " قال: " هو جبل من نار يكلَّف أن يصعده، فإذا وضع يده ذابت، وإذا رفعها عادت، فإذا وضع رجله ذابت، وإذا رفعها عادت ". وعطية العوفي ضعيف. والحديث الثاني رواه أحمد من حديث ابن لهيعة عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري، والطبري عن عمرو بن الحارث عن دراج به، بلفظ " الصُّعود: جبل من نار، يصعد فيه الكافر سبعين خريفاً، ثم يهوي به كذلك منه أبدا " ودراج عن شيخه أبي الهيثم ضعيفان. وقال ابن كثير بعد ما ذكر حديث أحمد والطبري (وهو الرواية الثانية): وفيه غرابة ونكارة.]].
وقال ابن عباس صعوداً صخرة في جهنم يسحب عليها الكافر على وجهه. وعنه قال جبل في النار.
وجملة
المدثر 74:18
(إِنَّهُ فَكَّرَ) تعليل لما تقدم من الوعيد أي أنه فكر في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه من القرآن (وقدر) أي هيأ الكلام في نفسه، والعرب تقول هيأت الشيء إذا قدرته وقدرت الشيء إذا هيأته، وذلك أنه لا سمع القرآن لم يزل يتفكر ماذا يقول فيه وقدر في نفسه ما يقول فذمه الله وقال
المدثر 74:19
(فقتل) أي لعن وعذب (كيف قدر) أي على أي حال قدر ما قدر من الكلام كما يقال في الكلام لأضربنه كيف صنع أي على أيّ حال كانت منه، وقيل المعنى قهر وغلب كيف قدر، وقال الزهري عذب، وهو من باب الدعاء عليه.
والتكرير في قوله
المدثر 74:20
(ثم قتل كيف قدر) للمبالغة والتأكيد، وقيل فقتل في الدنيا ثم قتل فيما بعد الموت في البرزخ والقيامة، و (ثم) يشعر بأن الدعاء الثاني أبلغ من الأول فهي للتفاوت في الرتبة وقيل بل للتراخي في الزمان أيضاًً.
المدثر 74:21
(ثم نظر) بأي شيء يدفع القرآن ويقدح فيه، فالنظر بمعنى التأمل وعلى هذا فتتكرر هذه الجملة مع قوله أنه فكر وقدر أو فكر في القرآن وتدبر ما هو.
ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (22) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (23) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (24) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (25) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30)
المدثر 74:22
(ثم عبس) أي قطب وجهه لما لم يجف مطعناً يطعن به في القرآن، والعبس مصدر عبس مخففاً يعبس عبساً وعبوساً إذا قطب وقيل عبس في وجوه المؤمنين، وقيل عبس في وجه النبي صلى الله عليه وسلم.
(وبسر) أي كلح وجهه وتغير، وقيل إن ظهور العبس في الوجه يكون بعد المحاورة وظهور البسور في الوجه قبلها، والعرب تقول وجه باسر إذا تغير واسود، وقال الراغب: البسر استعمال الشر قبل أوانه نحو بسر الرجل حاجته أي طلبها في غير أوانها قال ومنه قوله عبس وبسر أي أظهر العبوس قبل أوانه وقبل وقته، وأهل اليمن يقولون بسر المركب وأبسر أي وقف لا يتقدم ولا يتأخر، وقد أبسرنا أي صرنا إلى البسور.
المدثر 74:23
(ثم أدبر واستكبر) أي أعرض عن الحق وذهب إلى أهله وتعظم عن أن يؤمن
المدثر 74:24
(فقال) عقب ما جره إليه طبعه الخبيث من الكفر القائم به (إن هذا إلا سحر يؤثر) أي يأثره عن غيره ويرويه عن السحرة كمسيلمة وأهل بابل، والسحر إظهار الباطل في صورة الحق أو الخديعة على ما تقدم بيانه في سورة البقرة، يقال أثرت الحديث تأثره إذا ذكرته عن غيرك أي أمور تخييلية لا حقائق لها وهي لدقتها بحيث تخفي أسبابها شؤون تمويهية.
المدثر 74:25
(إن هذا إلا قول البشر) يعني أنه كلام الإنس، وليس بكلام الله، وهو تأكيد لما قبله وقد تقدم أن الوليد بن المغيرة إنما قال هذا القول إرضاء لقومه بعد اعترافه أن له لحلاوة وأن عليه لطلاوة إلى آخر كلامه.
ولما قال هذا القول الذي حكاه الله عنه قال الله عز وجل
المدثر 74:26
(سأصليه سقر) أي سأدخله النار، وسقر من أسماء النار ومن دركات جهنم ولم تتصرف للتعريف والتأنيث، قال السمين هذا بدل من قوله سأرهقه صعوداً قاله الزمخشري، فإن كان المراد بالصعود المشقة فالبدل واضح، وإن كان المراد صخرة في جهنم كما جاء في بعض التفاسير فيعسر البدل ويكون فيه شبه من بدل الاشتمال لأن جهنم مشتملة على تلك الصخرة.
ثم بالغ في وصف النار وشدة أمرها فقال
المدثر 74:27
(وما أدراك ما سقر) أي وما أعلمك أي شيء هي، والعرب تقول وما أدراك ما كذا إذا أرادوا المبالغة في أمره وتعظيم شأنه وتهويل خطبه، و (ما) الأولى مبتدأ وجملة (ما سقر) خبر المبتدأ ثم فسر حالها فقال:
المدثر 74:28
(لا تبقي ولا تذر) والجملة مستأنفة لبيان حال سقر والكشف عن وصفها، وقيل هي في محل نصب على الحال والعامل فيها معنى التعظيم لأن قوله وما أدراك ما سقر يدل على التعظيم فكأنه قال استعظموا سقر في هذه الحال، والأول أولى ومفعول الفعلين محذوف قال السدي لا تبقي لهم لحماً ولا تذر لهم عظماً، وقال عطاء لا تبقي من فيها حياً ولا تذره ميتاً، وقيل هما لفظان بمعنى واحد كررا للتأكيد كقولك صدر عني وأعرض عني، وقال ابن عباس لا تبقي منهم شيئاًً وإذا بدلوا خلقاً آخر لم تذر أن تعاودهم سبيل العذاب الأول.
المدثر 74:29
(لواحة للبشر) قرأ الجمهور بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف وقيل على أنه نعت لسقر والأول أولى، وقرىء بالنصب على الحال أو الاختصاص للتهويل يقال لاح يلوح أي ظهر، والمعنى أنها تظهر للبشر، قال الحسن تلوح لهم جهنم حتى يرونها عياناً كقوله (وبرزت الجحيم لمن يرى) وقيل معنى لواحة للبشر مغيرة لهم ومسودة قال مجاهد والعرب تقول لاحه الحر والبرد والحزن والسقم إذا غيره وهذا أرجح من الأول، وإليه ذهب جمهور المفسرين.
وقال الأخفش المعنى: أنها معطشة للبشر قال ابن عباس: تلوح الجلد فتحرقه وتغير لونه فيصير أسود من الليل، وعنه قال لواحة محرقة والمراد بالبشر إما جلدة الإنسان الظاهرة كما قاله الأكثر أو المراد به أهل النار من الإنس كما قال الأخفش.
المدثر 74:30
(عليها تسعة عشر) قال المفسرون يقول سبحانه على النار تسعة عشر من الملائكة هم خزنتها، وقيل تسعة عشر صنفاً من أصناف الملائكة، وقيل تسعة عشر صفاً من صفوفهم وقيل تسعة عشر نقيباً مع كل نقيب جماعة من الملائكة والأول أولى، قال الثعلبي ولا ينكر هذا فإذا كان ملك واحد يقبض أرواح الخلائق كان أحرى أن يكونوا تسعة عشر على عذاب بعض الخلق، قرأ الجمهور عشر بفتح الشين وقرىء بإسكانها.
عن البراء " أن رهطاً من اليهود سألوا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن خزنة جهنم فقال: الله ورسوله أعلم فجاء جبريل فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فنزل عليه ساعتئذ (عليها تسعة عشر) رواه البيهقي في البعث وابن أبي حاتم وابن مردويه ".
وقال الكرخي وخص هذا العدد بالذكر لكونه موافقاً لعدد أسباب فساد النفس الإنسانية وهي القوى الإنسانية والطبيعية إذ القوى الإنسانية اثنتا عشرة الخمسة الظاهرة والخمسة الباطنة والشهوة والغضب، والقوى الطبيعية سبعة الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمولدة والمجموع تسعة عشر انتهى.
قلت: وهذا ليس بتفسير للآية، بل الحكمة المودعة في هذا العدد مفوضة إلى علم الله تعالى، قال الرازي وتخصيص هذا العدد لحكمة اختص الله بها.
ولما نزل هذا قال أبو جهل أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر، يخوفكم محمد بتسعة عشر وأنتم الدهم، أفيعجز كل مائة رجل منكم أن يبطشوا بواحد منهم ثم يخرجوا من النار، فقال أبو الأشد: وهو رجل من بني جمح يا معشر قريش إذا كان يوم القيامة فأنا أمشي بين أيديكم فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن وتسعة بمنكبي الأيسر، ونمضى ندخل الجنة فأنزل الله سبحانه: وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (31) كَلَّا وَالْقَمَرِ (32) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (33) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (34) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (35)
المدثر 74:31
(وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ) يعني ما جعلنا المدبرين لأمر النار القائمين بعذاب من فيها (إلا ملائكة) فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم، فكيف تتعاطون أيها الكافرون مغالبتهم.
قال ابن عباس لما سمع أبو جهل (عليها تسعة عشر) قال لقريش ثكلتكم أمهاتكم، أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة جهنم تسعة عشر وأنتم الدهم أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم، أخرجه ابن جرير وابن مردويه، قيل جعلهم ملائكة لأنهم خلاف جنس المخلوقين من الجن والإنس فلا يأخذهم ما يأخذ المجانس من الرقة والرأفة، وقيل لأنهم أقوم خلق الله بحقه والغضب له وأشدهم بأساً وأقواهم بطشاً.
(وما جعلنا عدتهم إلا فتنة) أي سبب ضلالة (للذين كفروا) أي للذين استقلوا، عددهم، والمعنى ما جعلنا عددهم هذا العدد المذكور في القرآن إلا ضلالة ومحنة لهم حتى قالوا ليتضاعف عذابهم ويكثر غضب الله عليهم، وقيل المعنى إلا عذاباً كما في قوله (يوم هم على النار يفتنون) أي يعذبون.
قال ابن عباس في الآية. قال أبو الأشد خلوا بيني وبين خزنة جهنم أنا أكفيكم مؤونتهم قال وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف خزان جهنم فقال " كأن أعينهم البرق وكأن أفواههم الصياصي يجرون أشعارهم، لهم مثل قوة الثقلين يقبل أحدهم بالأمة من الناس يسوقهم، على رقبته جبل حتى يرمي بهم في النار فيرمي بالجبل عليهم " أخرجه ابن مردويه.
(ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) المراد بهم اليهود والنصارى لموافقة ما نزل من القرآن بأن عدة خزنة جهنم تسعة عشر لما عندهم قاله الضحاك وقتادة ومجاهد وغيرهم، والمعنى أن الله سبحانه جعل عدة خزنة جهنم هذه العدة ليحصل اليقين لليهود والنصارى بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم لموافقة ما في القرآن لما في كتبهم.
(ويزداد الذين آمنوا) من أهل الكتاب كعبد الله بن سلام، وقيل أراد المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم (إيماناً) أي ليزدادوا يقيناً إلى يقينهم لما رأوا من موافقة أهل الكتاب لهم.
وجملة (ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون) مقررة لما تقدم من الإستيقان وازدياد الإيمان، والمعنى نفي الارتياب عنهم في الدين أو في أن عدة خزنة جهنم تسعة عشر، ولا ارتياب في الحقيقة من المؤمنين ولكنه من باب التعريض لغيرهم ممن في قلبه شك من المنافقين.
(وليقول الذين في قلوبهم مرض) المراد بأهل المرض المنافقون، والسورة وإن كانت مكية ولم يكن إذ ذاك نفاق فهو إخبار بما سيكون في المدينة فهو معجزة له صلى الله عليه وسلم حيث أخبر وهو بمكة عما سيكون بالمدينة بعد الهجرة، أو المراد بالمرض مجرد حصول الشك والريب وهو كائن في الكفار، قال الحسين بن الفضل السورة مكية ولم يكن بمكة نفاق؛ فالمرض في هذه الآية الخلاف.
والمراد بقوله (والكافرون) كفار مكة من العرب وغيرهم (ماذا) مجموع الكلمتين اسم استفهام فـ (ذا) ملغاة أي أيّ شيء (أراد الله بهذا) العدد المستغرب استغراب المثل (مثلاً) تسير به الركبان سيرها بالأمثال، قال الليث المثل الحديث ومنه قوله (مثل الجنة التي وعد المتقون) أي حديثها والخبر عنها.
(كذلك) أي مثل ذلك الإضلال المتقدم ذكره وهو قوله (وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا) (يضل الله من يشاء) من عباده (ويهدي من يشاء) منهم والمعنى مثل ذلك الإضلال للكافرين والهداية للمؤمنين يضل الله من يشاء الإضلال ويهدي من يشاء هدايته، وهو الذي علم منه اختيار الإهتداء، وفيه دليل على خلق الأفعال، وقيل المعنى كذلك يضل الله عن الجنة من يشأ ويهدي إليها من يشاء.
(وما يعلم جنود ربك) أي ما يعلم عدد خلقه ومقدار جموعه من الملائكة وغيرهم (إلا هو) وحده لا يقدر على علم ذلك أحد، قال عطاء يعني من الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار لا يعلم عدتهم إلا الله وحده، والمعنى أن خزنة النار وإن كانوا تسعة عشر فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه.
عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسرى به قال " فصعدت أنا وجبريل إلى السماء الدنيا فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب سماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف، وتلا هذه الآية " أخرجه الطبراني في الأوسط وأبو الشيخ.
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أطَّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أصبع إلا عليه ملك ساجد "، أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة قال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبي ذر موقوفاً.
ثم رجع سبحانه إلى ذكر سقر فقال (وما هي إلا ذكرى للبشر) أي وما سقر وما ذكر من عدد خزنتها إلا تذكرة وموعظة للعالم يتذكرون بها ويعلمون كمال قدرته تعالى، وأنه لا يحتاج إلى أعوان وأنصار، وقيل ما هي الدلائل والحجج والقرآن إلا تذكرة للبشر، وقال الزجاج: نار الدنيا تذكرة لنار الآخرة وهو بعيد، وقيل الضمير في (وما هي) يرجع إلى الجنود.
ثم ردع سبحانه المكذبين وزجرهم فقال
المدثر 74:32
(كلا والقمر) قال الفراء (كلا) صلة للقسم والتقدير أي والقمر، وقيل المعنى حقاً والقمر.
قال الكرخي (كلا) استفتاح بمعنى ألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام المفيدة للتنبيه على تحقق ما بعدها، وقال النضر بن شميل حرف جواب بمعنى أي ونعم، وهو مذهب البصريين، وجعلها، الزمخشري في الآية للإنكار أو الردع قال الكافيجي: ولا منافاة بينه وبين كلام البصريين فإن مدار كلامهم على ما يتبادر من ظاهر القول، ومدار كلامه على أساس البلاغة والإعجاز وهو أحسن.
قال ابن جرير الطبري رَدّ زَعْم مَنْ زَعَمَ أنه يقاوم خزنة جهنم أي ليس الأمر كما يقول، ثم أقسم على ذلك بالقمر وبما بعده وهذا هو الظاهر من معنى الآية.
المدثر 74:33
(والليل إذ أدبر) أي ولى، قرأ الجمهور إذا بزيادة الألف ودبر بزنة ضرب على أنه ظرف لما يستقبل من الزمان، وقرىء إذ أدبر بزنة أكرم ظرف لما مضى من الزمان ودبر وأدبر لغتان كما يقال أقبل الزمان وقبل الزمان، ويقال دبر الليل وأدبر الليل إذا تولى ذاهباً، عن مجاهد قال سألت ابن عباس عن قوله إذا دبر فسكت عني حتى إذا كان من آخر الليل وسمع الأذان ناداني يا مجاهد هذا حين دبر الليل، وعن ابن عباس قال دبوره ظلامه.
المدثر 74:34
(والصبح إذا أسفر) أي أضاء وتبين وظهر
المدثر 74:35
(إنها لإحدى الكبر) قرأ الجمهور لإحدي بالهمزة وقرىء لحدى بدونها وهذا جواب القسم، والضمير راجع إلى سقر أي أن سقر لإحدى الدواهي أو البلايا الكبر، والكبر جمع كبرى وقال مقاتل إن الكبر اسم من أسماء النار، وقيل إنها تكذيبهم لمحمد صلى الله عليه وسلم لإحدى الكبر، وقيل إن قيام الساعة لإحدى الكبر، والأول أولى، وقال الكلبي أراد بالكبر دركات جهنم وأبوابها.
نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (36) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (37) كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (38) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (43) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (44) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (45)
المدثر 74:36
(نذيراً للبشر) حال من ضمير في (إنها) قاله الزجاج وروي عنه وعن الكسائي وأبي علي الفارسي أنه حال من قوله (قم فأنذر) أي قم يا محمد فأنذر حال كونك نذيراً للبشر، وقال الفراء هو مصدر بمعنى الإنذار منصوب بفعل مقدر، وقيل إنه منتصب على التمييز لإحدى لتضمنها معنى التعظيم، كأنه قيل أعظم الكبر إنذاراً، وقيل التقدير لأجل إنذاراً للبشر، وقيل غير ذلك.
قرأ الجمهور بالنصب، وقرىء بالرفع أي هي نذير أو هو نذير، وقد اختلف النذير فقال الحسن هي النار وقيل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقال أبو رزين المعنى أنا نذير لكم منها وقيل القرآن نذير للبشر لما تضمنه من الوعد والوعيد.
المدثر 74:37
(لمن شاء منكم) بدل من قوله للبشر (أن يتقدم) يسبق إلى الطاعة (أو يتأخر) يتخلف عنها، والمعنى أن الإنذار قد حصل لكل من آمن وكفر، وقيل فاعل المشيئة هو الله سبحانه أي لمن شاء الله أن يتقدم منكم بالإيمان أو يتأخر بالكفر والأول أولى، وقال السدي لمن شاء أن يتقدم إلى النار المتقدم ذكرها أو يتأخر إلى الجنة، وقال ابن عباس من شاء اتبع طاعة الله ومن شاء تأخر عنها قال الحسن هذا وعد وتهديد وإن خرج مخرج الخبر كقوله تعالى (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر).
المدثر 74:38
(كل نفس بما كسبت رهينة) أي مأخوذة بعملها مرتهنة به إما خلصها وإما أوبقها والرهينة اسم بمعنى الرهن كالشتيمة بمعنى الشتم، وليست صفة ولو كانت صفة لقيل رهين لأن فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنث، والمعنى كل نفس رهينة بكسبها غير مفكوكة، كافرة كانت أو مؤمنة، عاصية أو غير عاصية
المدثر 74:39
(إلا أصحاب اليمين) فإنهم لا يرتهنون بذنوبهم بل يفكون بما أحسنوا من أعمالهم، والاستثناء متصل لأن المستثنى هو المؤمنون الخالصون من الذنوب.
وقوله رهينة أي على الدوام بالنسبة للكفار، وعلى وجه الانقطاع بالنسبة لعصاة المؤمنين، واختلف في تعيينهم فقيل هم الملائكة وقيل المؤمنون وقيل أولاد المسلمين وأطفالهم، وقيل الذين كانوا عن يمين آدم وقيل أصحاب الحق، وقيل هم المعتمدون على الفضل دون العمل، وقيل هم الذين اختارهم الله لخدمته، وقال ابن عباس: هم المسلمون، وقال علي: هم أطفال المسلمين، قيل هو أشبه بالصواب لأن الأطفال لم يكتسبوا إثماً يرتهنون به.
المدثر 74:40
(في جنات) هو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم في جنات لا يكتنه وصفها. والجملة استئناف جواباً عن سؤال نشأ مما قبله أو حال من أصحاب اليمين أو من فاعل قوله (يتساءلون) ويجوز أن يكون ظرفاً له، ويتساءلون أي يسألون غيرهم نحو دعيته وتداعيته، فعلى الوجه الأول يكون
المدثر 74:41
(عن المجرمين) متعلقاً بيتساءلون أي يسأل بعضهم بعضاً عن، أحوالهم، وعلى الوجه الثاني تكون عن زائدة أي يسألون المجرمين، ثم المراد بهم الكافرون.
وهذا التساؤل فيما بينهم قبل أن يروا المجرمين فلما يرونهم يسألونهم ويقولون في سؤالهم
المدثر 74:42
(ما سلككم في سقر) أي ما أدخلكم فيها تقول سلكت الخيط في كذا إذا أدخلته فيه، قال الكلبي يسأل الرجل من أهل الجنة الرجل من أهل النار باسمه فيقول له يا فلان ما سلكك في النار، وقيل إن الملائكة يسألون الملائكة عن أقربائهم فتسأل الملائكة المشركين يقولون لهم (ما سلككم في سقر) قال الفراء في هذا ما يقوي أن أصحاب اليمين هم الولدان لأنهم لا يعرفون الذنوب، وهذا سؤال توبيخ وتقريع.
ثم ذكر سبحانه ما أجاب به أهل النار فقال
المدثر 74:43
(قالوا لم نك من المصلين) أي من المؤمنين الذين يصلون لله في الدنيا ولم نعتقد فرضيتها [[الآية صريحة في أنهم تركو الصلاة فاستحقوا سقر، أما قوله: ولم نعتقد فرضيتها فليس في الآية.]]
المدثر 74:44
(ولم نك نطعم المسكين) أي لم نتصدق على المساكين، وقيل وهذان محمولان على الصلاة الواجبة والصدقة لأنه لا تعذيب على غير الواجب، وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالشرعيات والفروع، فقول صاحب الكشاف يحتمل أن يدخل بعضهم النار بمجموع ذلك وهو ترك الصلاة وترك الإطعام والخوض في الباطل مع الخائضين والتكذيب بيوم القيامة، وبعضهم بمجرد ترك الصلاة أو ترك الطعام تخيل منه كما قال صاحب الانتصاف أن تارك الصلاة يخلد في النار.
المدثر 74:45
(وكنا نخوض مع الخائضين) أي نخالط أهل الباطل في باطلهم، قال قتادة كلما غوى غاو غوينا معه، وقال السدي كنا نكذب مع المكذبين، وقال ابن زيد نخوض مع الخائضين في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وهو قولهم كاذب ساحر مجنون شاعر، وعبارة الخطيب أي نشرع في الباطل مع الخائضين فنقول في القرآن إنه سحر وشعر وكهانة وغير ذلك من الأباطيل، لا نتورع عن شيء من ذلك ولا نقف مع صريح عقل، ولا نرجع إلى صحيح نقل، فمن هذا يحذر الذين يبادرون بالجواب في كل ما يسألون عنه من أنواع العلم من غير تثبت.
وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (46) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (47) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (48) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (55) وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ (56)
المدثر 74:46
(وكنا نكذب بيوم الدين) أي بيوم الجزاء والحساب آخره لتعظيمه وهذا تخصيص بعد تعميم، لأن الخوض في الباطل عام شامل لتكذيب يوم الدين وغيره أي وكنا بعد ذلك كله مكذبين بيوم القيامة، والصحيح أن الآية في الكفار أي لم نكن من أهل الصلاة وكذلك البقية، ولا تصح منه هذه الطاعات وإنما يتأسفون على فوات ما ينفع، ذكره سليمان الجمل.
المدثر 74:47
(حتى أتانا اليقين) وهو الموت كما في قوله (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) وبه قال ابن عباس، وهذا غاية في الأمور الأربعة.
المدثر 74:48
(فما تنفعهم شفاعة الشافعين) أي شفاعة الملائكة والنبيين كما تنفع الصالحين، والمعنى لا شفاعة لهم، قال الحفناوي فالنفي مسلط على المقيد وقيده وليس المراد أن ثم شفاعة غير نافعة كما يتوهم من ظاهر اللفظ من حيث أن الغالب في النفي إذا دخل على مقيد بقيد أن يتسلط على القيد فقط، وفيه دليل على ثبوت الشفاعة للمؤمنين، وفي الحديث أن من أمتي من يدخل الجنة بشفاعته أكثر من ربيعة ومضر، قال ابن مسعود تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون وجميع المؤمنين فلا يبقى في النار إلا أربعة ثم تلا (قالوا لم نك من المصلين) الآيات، وقال عمران بن حصين الشفاعة نافعة لكل أحد دون هؤلاء الذين تسمعون.
المدثر 74:49
(فما لهم عن التذكرة معرضين) التذكرة التذكير بمواعظ القرآن، والفاء لترتيب إنكار إعراضهم عن التذكرة على ما قبله من موجبات الإقبال عليها، وانتصاب معرضين على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور أي أيّ شيء حصل لهم حال كونهم معرضين عن القرآن الذي هو مشتمل على التذكرة الكبرى، والموعظة العظمى.
ثم شبههم في نفورهم عن القرآن بالحمر فقال
المدثر 74:50
(كأنهم حمر مستنفرة) أي نافرة يقال نفر واستنفر مثل عجب واستعجب، والمراد الحمر الوحشية، والجملة حال من الضمير في معرضين على التداخل، قرىء في السبع بكسر الفاء بمعنى نافرة وقرىء بفتحها أي منفرة مذعورة، واختار هذا أبو حاتم وأبو عبيد قال في الكشاف المستنفرة الشديدة النفار كأنها تطلب النفار من نفوسها في جمعها له وحملها عليه.
المدثر 74:51
(فرت من قسورة) حال بتقدير قد أي قد فرت من رماة يرمونها، والقسور الرامي وجمعه قسورة قاله سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وقتادة وابن كيسان، وقيل هو الأسد قاله عطاء والكلبي، قال ابن عرفة هو من القسر وهو القهر لأنه يقهر السباع، وقيل القسورة أصوات الناس وقيل القسورة بلسان العرب الأسد، وبلسان الحبشة جماعة الرماة ولا واحد له من لفظه، وقال ابن الأعرابي: القسورة أول الليل أي فرت من ظلمة الليل، وبه قال عكرمة، والأول أولى، وكل شديد عند العرب فهو قسورة، قال أبو موسى الأشعري: القسورة الرماة رجال القسى، وقال ابن عباس: القسورة الرجال الرماة القنص، وقيل هي حبال الصيادين.
وعن أبي حمزة قال قلت لابن عباس القسورة الأسد، فقال ما أعلمه بلغة أحد من العرب الأسد، هم عصبة الرجال، وعن ابن عباس قال هو ركز الناس يعني أصواتهم شبههم في إعراضهم عن القرآن واستماع الذكر بحمر جدت في نفارها.
المدثر 74:52
(بل يريد كل امرىء منهم أن يؤتى صحفاً منشرة) عطف على مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل لا يكتفون بتلك التذكرة بل يريد الخ فهو اضراب انتقالي عن محذوف هو جواب الاستفهام السابق كأنه قيل فلا جواب لهم عن هذا السؤال أي لا سبب لهم في الإعراض بل يريد الخ.
قال المفسرون إن كفار قريش قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم ليصبح عند رأس كل رجل منا كتاب منشور من الله أنك لرسول الله، والصحف الكتب واحدتها صحيفة والمنشرة المنشورة المبسوطة المفتوحة أي غير مطوية أي طرية لم تطو، بل تأتينا وقت كتابتها، وهذا من زيادة تعنتهم، ومثل هذه الآية قوله سبحانه (حتى تنزل علينا كتاباً نقرأه) قرأ الجمهور منشرة بالتشديد، وقرأ سعيد بن جبير بالتخفيف وقرأ الجمهور أيضاًً بضم الحاء من صحف وقرأ سعيد بإسكانها.
ثم ردعهم الله سبحانه عن هذه المقالة وزجرهم فقال
المدثر 74:53
(كلا بل لا يخافون الآخرة) يعني عذابها لأنهم لو خافوا النار لما اقترحوا الآيات، وهذا إضراب انتقالي لبيان سبب هذا التعنت والاقتراح، وقيل كلا بمعنى حقاً.
ثم كرر الردع والزجر لهم فقال
المدثر 74:54
(كلا إنه تذكرة) أو بمعنى " ألا " الاستفتاحية أو حقاً أن القرآن تذكرة بليغة كافية، والمعنى أنه يتذكر به ويتعظ بمواعظه، أو إنكار لأن يتذكروا بها، قاله القاضي كالكشاف.
المدثر 74:55
(فمن شاء ذكره) أي فمن شاء " أن يذكره ولا ينساه فعل واتعظ فإن نفع ذلك عائد إليه.
ثم رد سبحانه المشيئة إلى نفسه فقال
المدثر 74:56
(وما يذكرون إلا أن يشاء الله) قرأ الجمهور يذكرون بالياء التحتية، وقرأ نافع ويعقوب بالفوقية وهما سبعيتان، واتفقوا على التخفيف والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، قال مقاتل إلا أن يشاء الله لهم الهدى، وقال في الكشاف يعني إلا أن يقسرهم على الذكر قال الإمام إنه تعالى نفى الذكر مطلقاً واستثنى منه حال المشيئة المطلقة، فيلزم أنه متى حصلت المشيئة يحصل الذكر، فحيث لم يحصل الذكر علمنا أنه لم تحصل المشيئة، وتخصيص المشيئة بالمشيئة القسرية ترك للظاهر، وقال وهو تصريح بأن فعل العبد بمشيئة الله تعالى ذكره الكرخي.
(هو أهل التقوى) أي هو الحقيق بأن يتقيه المتقون بترك معاصيه والعمل بطاعاته (وأهل المغفرة) أي هو الحقيق بأن يغفر للمؤمنين ما فرط منهم من الذنوب، والحقيق بأن يقبل توبة التائبين من العصاة فيغفر ذنوبهم.
عن أنس " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية فقال: قال ربكم أنا أهل أن أتقى فلا يجعل معي إله فمن اتقاني فلم يجعل معي إلهاً فأنا أهل أن أغفر له " أخرجه أحمد والدارمي والترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجة والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي وصححه وابن مردويه، وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة وابن عمر وابن عباس مرفوعاً نحوه [[رواه أحمد في " المسند " والترمذي 2/ 168 والحاكم 2/ 508، وابن ماجة، والدارمي، والطبراني في " الأوسط " وابن عدي، وأبو يعلى. والبزار، كلهم من رواية سهيل بن أبي حزم القُطَعي عن ثابت بن أنس، وهو ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في " التقريب " قال الترمذي: حديث حسن غريب، وسهيل ليس بالقوي في الحديث، وقد تفرد سهيل بهذا الحديث عن ثابت. قال الحافظ ابن حجر في " تخريج الكشاف " 180: ورواه الحكيم الترمذي في السابع والسبعين بعد المائة بلفظ؛ " قال: هو أهل أن يتقى، فمن اتقى فهو أهل أن يغفر له " وله شاهد من رواية عبد الله قال: سمعت ثلاثة نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبا هريرة، وابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم يقولون: سئل رسول الله صلى الله عليه. وسلم عن قوله تعالى ... فذكره.]].
تعليق هام للناشر:
إبراز حقيقة قرآنية
هذه سورة " المدثر " وهي مكية من أوائل ما نزل من القرآن، وقد ختمها بقوله:
1 - (فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ) .. الخ كما ختم سورة (اقرأ) وهي أول سورة نزلت بقوله:
2 - (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا (1) بِالنَّاصِيَةِ (15) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (16) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (17) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ).
كما نزلت سورة بأسرها تقول:
3 - (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [[السفع: الجذب بقوة واللطم بشدة، والناصية شعر الجبهة.]] مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ).
كذلك جاء في سورة المزمل وهي كذلك من أوائل ما نزل:
4 - وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) [[أولي النعمة الذين يتمتعون بنعم الله وهم الأغنياء والزعماء. والأنكال: الأغلال والقيود. والكثيب تل الرمل، والمهيل الرخو المتداعي للتبعثر.]].
إذا تأملت هذه الآيات وكلها سب وتسفيه وتهديد للمشركين وزعمائهم، مع ملاحظة أنها من أوائل ما نزل، برزت لك حقيقة قرآنية عجيبة، هي أن القرآن يدعو إلى مواجهة خصومه بكل شدة وعنف، فلا هوادة ولا خنوع، مهما كانت الظروف، فهذه الآيات صرخ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الأيام الأولى ولم يكن معة من يغني عنه فتيلاً، في الوقت الذي تمالأ عليه الشرك وأهله لمحوه من الوجود.
ولم أر من المفسرين للقرآن من أدرك هذه النقطة غير صاحب التفسير الحديث حيث يقول تعليقاً على آيات سورة اقرأ (كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ): والتهديد والتحدي والإنذار والتنديد بالطاغية قوي كل القوة عنيف كل العنف.
وتبدو روعة هذه القوة حينما يلاحظ أن النبي عليه السلام لم يكن قد آمن به من يستطيع له نصراً ويقف إلى جانبه، وأن المتصدي له زعيم معتد بقوته وماله وجاهه وناديه.
وإذ يتصور المرء النبي صلى الله عليه وسلم، يصرخ بملء فيه صرخته المدوية " كلا، كلا " ثم يقذف بكلمات التنديد والتهديد والتحدي والإنذار القرآنية النارية غير مبال بالزعامة وقوتها، وهو من دون نصير من الناس، يدرك من دون ريب تلك الشجاعة التي كان يتحلى بها والتي استمدها من إيمان قوي عميق متول على مشاعره، جعله لا يرى إلا عظمة لله ولا قوة إلا لله ولا سلطاناً إلا لله، وجعله يرى كل ما عداه أضعف من أن يخشى، وأعجز من أن يستطيع له نفعاً أو ضراً، أو يقف أمام دين الله ويحول دون الدعوة إليه. ويدرك بهذا ما تحلى به من عظمة الخلق وقوة الجنان وعمق اليقين.
ويتبادر من عنف الآيات وقوتها القارعة أن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون الرد على أول متصد للنبي صلى الله عليه وسلم، من الزعماء الأقوياء بهذا الأسلوب لتثبيت النبي وأصحابه القلائل الذين آمنوا به ومواجهة الزعيم القوي بقوة وعنف يصدمانه على غير توقع.
ولا شك في أن النبي صلى الله عليه وسلم، قد تلا الآيات على أصحابه، فقوت من روحهم وزادتهم إيماناً، ووصلت إلى صاحبها وناديه فصعقهم بعنفها وجعلتهم يشعرون بالقوة الروحية التي يستمد منها النبي، وازداد النبي بهذا وذاك قوة وعزماً على الاستمرار في مهمته، غير مبال بالزعيم القوي وناديه.
وقد روى الطبري أن الذي عنته الآيات هو عمرو بن هشام المخزومي الذي عرف في التاريخ الإسلامي بأبي جهل وكان من كبار الزعماء وأشد أعداء النبي صلى الله عليه وسلم، ورسالته والمؤلبين عليه. " وقد روي أنه لما تصدى للنبي صلى الله عليه وسلم، انتهره وأغلظ له وتوعده، وأنه قال: علام يتوعدني محمد وأنا أكثر أهل الوادي نادياً؟ وأنه قال: لئن رأيته يصلي ثانية لأطأن عنقه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم، استمر على الصلاة في فناء الكعبة فرآه أبو جهل ولكنه لم يلبث أن نكص على عقبيه رافعاً يديه كأنما يقي بهما نفسه فقيل له ما لك؟ فقال إن بيني وبينه خندقاً من نار، وقد اسود ما بيني وبينه من الكتائب ".
على أن جملة (فليدع ناديه) تسوغ القول إن أبا جهل لم يكن وحيداً في موقفه من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما تدل عليه الآيات التي نزلت بعد هذه الآيات في مناسبات عديدة مبكرة.
وليس بعيداً أن يكون تعبير " ناديه " قد عنى دار الندوة التي كان يجتمع فيها أهل الحل والعقد في مكة الذين هم رؤساء الأسر القرشية البارزة، وقد كانت هذه الدار قرب الكعبة. فإذا صح هذا فإن من السائغ أن يقال إن السلطات الرسمية قد رأت في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، علناً بصلاة جديدة لا عهد للناس بها وفي دعوته الناس جهاراً إلى دين يخالف ما عليه الناس بدعة، ورأت وجوب الوقوف في وجهها، وأنها عمدت إلى أعضائها بتنفيذ ذلك، أو أن هذا العضو كان أشد حماساً ضدها من غيره فكان هو المتصدي اهـ.
ومنطق القوة هذا يذكرنا بموقف لخليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في بدء توليه الخلافة فقد ارتد كثير من العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، وكان هناك جيش أعده النبي قبل وفاته، فرأى بعض الصحابة أن لا يمضي هذا الجيش إلى وجهته، وأن يبقى لتأديب أهل الردة، ولكن الخليفة الراشد أبى، وأصر على أن يمضي الجيش الذي أمر به النبي إلى وجهته، فكانت النتيجة أن أهل الردة اضطربوا وقالوا لولا أن الخليفة أعد لنا قوة كبرى ما سمح لهذا الجيش أن يذهب إلى غيرنا - وكان النصر حليف المؤمنين.
...
وهناك نكتة أخرى وهي أن القرآن كان حريصاً على مواجهة المشركين ومصارحتهم وإعلانهم بأوصافهم كما في الآيات السابقة ولم يسمح بأدنى تردد أو كتمان أو إخفاء مراعاة للظروف، مع أن هناك آية تقول (وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) وهذه الآية نزلت في قصة زيد وزينب، وخلاصتها أن العرب كانت من عادتها التبني، وهو أن يتخذ الرجل ولداً من غيره يتبناه، فإذا كبر الولد وتزوج لا يجوز للرجل الذي تبناه أن يتزوج امرأته إذا طلقها وجاء الإسلام بإبطال هذه العادة، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم، قد تبنى زيداً في صغره فلما كبر تزوج زيد بزينب بنت جحش وهي من الأشراف وهو دونها في الشرف، فلم يستقم الحال بينهما فطلقها زيد، فجاء القرآن يكلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يتزوج بزينب ليكون هو أول من يبطل هذه العادة، وكأن الرسول صلى الله عليه وسلم، تردد بعض الشيء في التنفيذ لما فيه من إتاحة الفرصة للمنافقين أن يلمزوه صلى الله عليه وسلم، ويقولوا إن محمداً تزوج حليلة ولده، وما هو بولده.
فأنت ترى أنه صلى الله عليه وسلم، قد يخفي بعض الأمور الفرعية إلى حين مراعاة للظروف، أما الشرك وهدمه من جذوره، وهي وظيفة الرسل الأصلية، فكان يؤدي دوره فيه بكل صراحة ووضوح.
(علنية الدعوة في بدئها)
وهذه الآيات التي سبقت في صدر هذا التعليق تدل على خلاف ما روي بأن الدعوة النبوية قد بدأت سرية، وتدل بقوة على أنها بدأت علنية، وكل ما يمكن أن يقال إزاء ما ورد في الأحاديث التي تروي أقوال بعض أصحاب رسول الله مثل ما روي عن عمر في قصة إسلامه حيث سأل بعد إسلامه " أنحن على حق أم باطل؟ فقال له رسول الله: بل على حق، فقال ففيم التخفي إذا " هو أن النبي صلى الله عليه وسلم، حماية لأصحابه كان يلزم الحذر والتحفظ في الصلاة والاجتماع بهم، غير أن دعوته للناس كانت وظلت جهرة.
وهذا هو المعقول المتسق مع هدف الدعوة وإيمان النبي بالله ورسالته.
القيامة 75:1
سورة القيامة
هي تسع وثلاثون أو أربعون آية وهي مكية بلا خلاف. وعن ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)
(لا أقسم بيوم القيامة) قال أبو عبيدة وجماعة من المفسرين أن (لا) زائدة والتقدير أقسم، قال السمرقندي أجمع المفسرون أن معنى (لا أقسم) أقسم، واختلفوا في تفسير لا فقال بعضهم هي زائدة وزيادتها جارية في كلام العرب كقوله (مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ) يعني أن تسجد (ولئلا يعلم أهل الكتاب).
واعترضوا هذا بأنها إنما تزاد في وسط الكلام لا في أوله، وأجيب بأن القرآن في حكم سورة واحدة متصل بعضه ببعض، يدل على ذلك أنه قد يجيء ذكر الشيء في سورة ويذكر جوابه في سورة أخرى كقوله تعالى: (يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون) وجوابه في سورة أخرى (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) وإذا كان كذلك كان أول هذه السورة جارياً مجرى الوسط، ورد هذا بأن القرآن في حكم السورة الواحدة في عدم التناقض، لا في أن تقرن سورة بما بعدها فذلك غير جائز.
وقال الزمخشري إدخال لا النافية على فعل القسم مستفيض في كلامهم وأشعارهم، وفائدتها توكيد القسم، وقال بعضهم هي رد لكلامهم حيث أنكروا البعث كأنه قال ليس الأمر كما ذكرتم، أقسم بيوم القيامة، وهذا قول الفراء وكثير من النحويين، كقول القائل لا والله فـ (لا) رد لكلام قد تقدمها، وقيل هي للنفي لكن لا لنفي الأقسام بل لنفي ما ينبىء عنه من إعظام المقسم به وتفخيمه، كأن معنى لا أقسم بكذا لا أعظمه بإقسامي به حق إعظامه، فإنه حقيق بأكثر من ذلك، وقيل إنها لنفي الإقسام لوضوح الأمر، وقد تقدم الكلام على هذا في تفسير قوله (فلا أقسم بمواقع النجوم).
وقرأ الحسن وابن كثير في رواية عنه والزهري وابن هرمز (لأقسم) بدون ألف على أن اللام لام الابتداء والقول الأول هو أرجح الأقوال، وقد اعتوض عليه، الرازي بما لا يقدح في قوته ولا يفت في عضد رجحانه.
وإقسامه سبحانه بيوم القيامة لتعظيمه وتفخيمه، ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، قال سعيد بن جبير سألت ابن عباس عن قوله (لا أقسم بيوم القيامة) قال يقسم ربك بما شاء من خلقه.
القيامة 75:2
(ولا أقسم بالنفس اللوامة) ذهب قوم إلى أنه سبحانه أقسم بالنفس اللوامة كما أقسم بيوم القيامة فيكون الكلام في (لا) هذه كالكلام في الأولى وهذا قول الجمهور، وقال الحسن أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، قال الثعلبي: والصحيح أنه أقسم بهما جميعاً، وجرى الجلال المحلى على زيادتها في الموضعين وهو الصواب، ومعنى النفس اللوامة النفس التي تلوم صاحبها على تقصيره أو تلوم جميع النفوس على تقصيرها في الدنيا أو في القيامة، قال الحسن: هي والله نفس المؤمن لا يرى المؤمن إلا يلوم نفسه ما أردت بكذا، ما أردت بكذا، والفاجر لا يعاتب نفسه.
وقال مجاهد: هي التي تلوم على ما فات وتندم فتلوم نفسها على الشر لِمَ عمله وعلى الخير لِمَ لَمْ يستكثر منه، قال ابن عباس التي تلوم على الخير والشر يقول لو فعلت كذا وكذا، وعنه تندم على ما فات وتلوم عليه.
قال الفراء: ليس من نفس برة ولا فاجرة إلا وهي تلوم نفسها إن كانت عملت خيراً قالت هلا ازددت، وإن كانت عملت سوءاً قالت ليتني لم أفعل.
وعلى هذا فالكلام خارج مخرج المدح للنفس، فيكون الإقسام بها حسناً سائغاً، وقيل اللوامة هي الملومة المذمومة، قاله ابن عباس فهي صفة ذم وبهذا أحتج من نفي أن يكون قسماً إذ ليس لنفس العاصي خطر يقسم به، وقال مقاتل هي نفس الكافر تلوم نفسه وتتحسر في الآخرة على ما فرط في جنب الله، والأول أولى.
وقيل هي آدم لم تزل تلوم على فعلها التي خرجت به من الجنة وما أبعده، وقال ابن عباس اللوامة اللؤم. قال القاضي ضمها بيوم القيامة بهما لأن المقصود من إقامة القيامة مجازاة النفوس اهـ فهو من بديع القسم لتناسب الأمرين المقسم بهما حيث أقسم بيوم البعث والنفوس المجزية فيه على حقية البعث والجزاء.
القيامة 75:3
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) المراد بالإِنسان الجنس، وقيل الإنسان الكافر والهمزة للإنكار وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن محذوف والمعنى أيحسب الإنسان أن الشأن أن لن نجمع عظامه بعد أن صارت رفاتاً مختلطة بالتراب، وبعد ما نسفتها الريح فطيرتها في أباعد الأرض فنعيدها خلقاً جديداً، وذلك الحسبان باطل فإنا نجمعها، وما يدل عليه هذا الكلام هو جواب القسم.
قال الزجاج: أقسم ليجمعن العظام للبعث فهذا جواب القسم، وقال النحاس جوابه محذوف أي لتبعثن، والمعنى أن الله سبحانه يبعث جميع أجزاء الإنسان، وإنما خص العظام لأنها قالب الخلق [[قال البغوي: نزلت في عدي بن ربيعة حليف بني زهرة خَتَن الأخنس بن شريق الثقفي، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: اللهم اكفني جَارَيِ السوء، يعني عدياً والأخنس، وذلك أن عدي بن ربيعة أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد حدثني عن القيامة متى تكون؟ وكيف أمرها وحالها؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لو عاينتُ ذلك اليوم لم أصدقك ولم أؤمن بك، أو يجمع الله العظام؟! فأنزل الله عز وجل: (أيحسب الإنسان) يعني الكافر (أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) بعد التفرق والبلي فنحييه قبل ذكر العظام، وذكره كذلك بغير سند القرطبي والخازن. والله أعلم. وفي القرطبي و " البحر المحيط ": وقيل: نزلت في أبي جهل.]].
القيامة 75:4
(بلى قادرين على أن نسوي بنانه) بلى إيجاب لما بعد النفي المنسحب إليه الاستفهام والوقف على هذا اللفظ وقف حسن، ثم يبتدىء الكلام بقوله (قادرين) وانتصابه على الحال أي بلى نجمعها قادرين، فالحال من ضمير الفعل المقدر، وقيل المعنى بل نجمعها نقدر قادرين، قال الفراء أي نقدر ونقوي قادرين على أكثر من ذلك، وقال أيضاً إنه يصلح نصبه على التكرير أي بلى فليحسبنا قادرين، وقيل التقدير بلى كنا قادرين وهذا ليس بواضح.
وقرأ ابن أبي عبله وابن السميفع (بلى قادرون) على تقدير مبتدأ أي بلى نحن قادرون، ومعنى تسوية البنان نقدر على أن نجمع بعضها إلى بعض فنردها كما كانت مع لطافتها وصغرها فكيف بكبار الأعضاء، فنبه سبحانه بالبنان، وهي الأصابع على بقية الأعضاء وأن الاقتدار على بعثها وإرجاعها كما كانت أولى في القدرة من إرجاع الأصابع الصغيرة اللطيفة المشتملة على المفاصل والأظفار والعروق اللطاف والعظام الدقاق فهذا وجه تخصيصها بالذكر، وبهذا قال الزجاج وابن قتيبة.
وقال جمهور المفسرين إن معنى الآية أن نجعل أصابع يديه ورجليه شيئاًً واحداً كخف البعير وحافر الحمار صفحة واحدة لا شقوق فيها فلا يقدر على أن ينتفع بها في الأعمال اللطيفة كالكتابة والخياطة ونحوهما، ولكنا فرقنا أصابعه لينتفع بها، وقيل المعنى بل نقدر على أن نعيد الإنسان في هيئة البهائم فكيف في صورته التي كان عليها والأول أولى.
قال ابن عباس لو شاء لجعله خفاً أو حافراً، وبنان جمع أو اسم جمع لبنانة قولان. وفي المختار البنانة واحد البنان وهي أطراف الأصابع، ويقال بنان مخضب لأن كل جمع ليس بينه وبين واحده إلا الهاء فإنه يؤنث ويذكر.
القيامة 75:5
(بل يريد الإنسان ليفجر أمامه) عطف على (أيحسب) إما على أنه استفهام مثله واضرب عن التوبيخ بذلك إلى التوبيخ بهذا أو على أنه إيجاب انتقل إليه من الاستفهام، والمعنى بل يريد الإنسان أن يقدم فجوره فيما بين يديه من الأوقات وما يستقبله من الزمان، فيقدم الذنب ويؤخر التوبة.
قال ابن الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد عمره وليس في نيته أن يرجع من ذنب يرتكبه، قال مجاهد والحسن وعكرمة والسدي وسعيد بن جبير يقول: سوف أتوب ولا يتوب حتى يأتيه الموت وهو على أشر أحواله، قال الضحاك: هو الأمل يقول سوف أعيش وأصيب من الدنيا ولا يذكر الموت، وقال ابن عباس: يمضي قدماً، وعنه قال: هو الكافر الذي يكذب بالحساب، وعنه قال: يعني الأمل يقول أعمل ثم أتوب وعنه قال: يقدم الذنب ويؤخر التوبة، وعنه قال: يقول سوف أتوب، والفجور أصله الميل عن الحق فيصدق على كل من مال عن الحق بقول أو فعل.
القيامة 75:6
(يسأل أيان يوم القيامة) مستأنفة، وقال أبو البقاء تفسير لبيان معنى يفجر فتكون مفسرة مستأنفة أو بدلاً من الجملة قبلها لأن التفسير يكون بالاستئناف وبالبدل، وأيان خبر مقدم ويوم القيامة مبتدأ مؤخر، والمعنى يسأل متى يقوم يوم القيامة، سؤال استبعاد واستهزاء، قال ابن عباس أي يقول متى يوم القيامة.
القيامة 75:7
(فإذا برق البصر) أي فزع وتخير، من برق الرجل إذا نظر إلى البرق فدهش بصره، قرأ الجمهور برق بكسر الراء قال أبو عمرو بن العلاء والزجاج وغيرهما المعنى تحير فلم يطرف، وقال الخليل والفراء: برق بالكسر فزع وبهت وتحير، والعرب تقول للإنسان المبهوت قد برق فهو برق، وقرىء بفتح الراء أي لمع بصره من شدة شخوصه للموت، قال مجاهد وغيره: هذا عند الموت، وقيل برق يبرق شق عينيه وفتحهما، وقال أبو عبيدة: فتح الراء وكسرها لغتان بمعنى، قال ابن عباس: يعني الموت.
وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15) لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)
القيامة 75:8
(وخسف القمر) قرأ الجمهور بفتح الخاء والسين مبنياً للفاعل، وقرىء بضم الخاء وكسر السين مبنياً للمفعول، والمعنى ذهب ضوؤه وأظلم ولا يعود كما يعود إذا خسف في الدنيا، ويقال خسف إذا ذهب جميع ضوئه، وكسف إذا ذهب بعض ضوئه.
القيامة 75:9
(وجمع الشمس والقمر) أي ذهب ضوؤهما جميعاً ولم يقل جمعت لأن التأنيث مجازي، قاله المبرد وقال أبو عبيدة هو لتغليب المذكر على المؤنث، وقال الكسائي حمل على معنى جمع النيران، وقال الزجاج والفراء: لم يقل جمعت لأن المعنى جمع بينهما في ذهاب نورهما، وقيل جمع بينهما في طلوعهما من المغرب أسودين مكورين مظلمين. قال عطاء: يجمع بينهما يوم القيامة ثم يقذفان في البحر فيكونان نار الله الكبرى، وقيل يجمع الشمس والقمر فلا يكون هناك تعاقب ليل ونهار، وقرأ ابن مسعود وجمع بين الشمس والقمر.
القيامة 75:10
(يقول الإنسان) جواب إذا (يومئذ) أي يوم إذا برق البصر الخ (أين المفر) أي يقول عند وقوع هذه الأمور أين الفرار، والمراد بالإنسان الكافر أو المؤمن أيضاً يقول ذلك من الهول، والمفر مصدر بمعنى الفرار، قال الفراء: يجوز أن يكون موضع الفرار.
قال الماوردي يحتمل وجهين (أحدهما) أين المفر من الله سبحانه استحياء منه (والثاني) أين المفر من جهنم حذراً منها، قرأ الجمهور بفتح الميم والفاء مصدراً كما تقدم، وقرىء بضم الميم على أنه اسم مكان أي أين مكان الفرار وقال الكسائي هما لغتان مثل مَذَب ومُذَب ومَصَح ومُصَح، وقرأ الزهري بكسر الميم وفتح الفاء على أن المراد به الإنسان الجيد الفرار.
القيامة 75:11
(كلا) للردع عن طلب الفرار أو لنفي ما قبلها أو بمعنى حقاً (لا وزر) أي لا سلاح ولا جبل ولا حصن ولا ملجأ يتحصن به من الله، وقال ابن جبير لا محيص ولا منعة، والوزر في اللغة ما يلجأ إليه الإنسان من حصن أو جبل وغيرهما، مني يومئذ، قال ابن مسعود: لا وزر لا حصن، وقال ابن عباس: لا ملجأ وفي لفظ لا حرز وفي لفظ لا جبل ولا حصن، وخبر لا محذوف أي لا وزر له.
القيامة 75:12
(إلى ربك يومئذ المستقر) أي إليه المرجع والمنتهى والمصير لا إلى غيره، وقيل إليه الحكم بين العباد لا إلى غيره، وقيل: المستقر الاستقرار حيث يقره الله من جنة أو نار.
القيامة 75:13
(يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) أي يخبر يوم القيامة بما عمل من خير وشر، وقال قتادة: بما عمل من طاعة الله وما أخر من طاعته فلم يعمل بها، وقال زيد ابن أسلم: بما قدم من أمواله وما خلف للورثة، وقال مجاهد: بأول عمله وآخره، وقال الضحاك: بما قدم من فرض وأخر من فرض.
قال القشيري: هذا الإنباء يكون يوم القيامة عند وزن الأعمال، ويجوز أن يكون عند الموت، قال القرطبي: والأول أظهر، قال ابن مسعود: بما قدم من عمل وأخر من سنة عمل بها من بعده من خير أو شر، وعن ابن عباس نحوه، وعنه قال: بما قدم من معصية وآخر من طاعة فينبأ بذلك.
القيامة 75:14
(بل الإنسان على نفسه بصيرة) قال الأخفش جعله هو البصيرة كما تقول للرجل أنت حجة على نفسك، وقيل المعنى أن جوارحه تشهد عليه بما عمل كما في قوله (يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) فيكون المعنى بل جوارح الإنسان عليه شاهدة، قال أبو عبيدة والقتيبي أن هذه الهاء في البصيرة هي التي يسميها أهل الأعراب هاء المبالغة كما في قولهم علامة، وقيل المراد بالبصيرة الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون منه من خير وشر، والتاء على هذا للتأنيث. وقال الحسن: أي بصير بعيوب نفسه، وقال ابن عباس: شهد على نفسه وحده، وعنه قال سمعه وبصره ويديه ورجليه وجوارحه.
القيامة 75:15
(ولو ألقى معاذيره) أي ولو اعتذر وتجرد من ثيابه وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك يقال معذرة ومعاذير على غير قياس كملاقيح ومذاكير جمع لقحة وذكر، قال الفراء أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره، وقال الزجاج: المعاذير الستور والواحد معذار أي وإن أرخى الستور وأغلق الأبواب، يريد أن يخفي نفسه فنفسه شاهدة عليه، وكذا قال الضحاك والسدي، والستر بلغة اليمن يقال له معذار كذا قال المبرد والأول أولى، وبه قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير وابن زيد وأبو العالية ومقاتل ومثله قوله (يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم) وقوله (وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ) وقول الشاعر:
فما سن أن يعذر المرء نفسه ... وليس له من سائر الناس عاذر
وقال النسفي والمعاذير ليس بجمع معذرة لأن جمعها معاذر بل هي اسم جمع لها ونحوه المناكير في المنكر، قال الشيخ وليس هذا البناء من أبنية أسماء الجموع وإنما هو من أبنية جموع التكسير وهو الصحيح.
القيامة 75:16
(لا تحرك به لسانك لتعجل به) أي لا تحرك بالقرآن لسانك عند إلقاء الوحي لتأخذه على عجل مخافة أن يتفلت منك، ومثل هذا قوله (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه) الآية.
القيامة 75:17
(إن علينا جمعه) في صدرك حتى لا يذهب عليك منه شيء (وقرآنه) أي إثبات قراءته في لسانك وهو تعليل للنهي، قال الفراء القراءة والقرآن مصدران.
القيامة 75:18
(فإذا قرأناه) أي أتممنا قراءته عليك بلسان جبريل عليه السلام وبيناه (فاتبع قرآنه) أي فاستمع قراءته وكررها حتى يرسخ في ذهنك، وقال ابن عباس يقول اعمل به، وقال قتادة فاتبع قرآنه أي شرائعه وأحكامه.
القيامة 75:19
(ثم إن علينا بيانه) أي تفسير ما فيه من الحلال والحرام وبيان ما أشكل من معانيه. قال الزجاج: المعنى أن علينا أن ننزله عليك قرآناً عربياً فقه بيان للناس، وقيل المعنى أن علينا أن نبينه بلسانك، وهو دليل على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، وهو اعتراض بما يؤكد التوبيخ على حب العجلة لأن العجلة إذا كانت مذمومة فيما هو أهم الأمور وأصل الدين فكيف بها في غيره.
والمناسبة بين هذه الآية وما قبلها أن تلك تضمنت الإعراض عن آيات الله، وهذه تضمنت المبادرة إليها بحفظها.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعالج من التنزيل شدة فكان يحرك به لسانه وشفتيه مخافة أن يتفلت منه، يريد أن يحفظه فأنزل الله (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [[رواه الإمام أحمد في " المسند " من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، والبخاري 8/ 325 ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وذكره السيوطي في " الدر " 6/ 219 وزاد نسبته للطيالسي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في " المصاحف " والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم والبيهقي معاً في " الدلائل " عن ابن عباس رضي الله عنهما.]] يقول إن علينا أن نجمعه في صدرك ثم نقرأه فإذا قرأناه يقول إذا أنزلناه عليك فاتبع قرآنه فاستمع له وأنصت، ثم إن علينا بيانه أن نبينه بلسانك، وفي لفظ علينا أن نقرأه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك إذا أتاه جبريل أطرق، وفي لفظ استمع، فإذا ذهب قرأه كما وعده الله.
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ (21) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25) كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27) وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30) فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (32) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (33)
القيامة 75:20
(كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ) كلا للردع عن العجلة، والترغيب في الأناة، وقيل هي ردع لمن لا يؤمن بالقرآن وبكونه بيّنا من الكفار، قال عطاء: أي لا يؤمن أبو جهل بالقرآن وبيانه، قرأ أهل المدينة والكوفيون تحبون وتذرون بالفوقية في الفعلين جميعاً، وقرأ الباقون بالتحتية فيهما وهما سبعيتان، فعلى الأولى يكون الخطاب لهم تقريعاً وتوبيخاً، والمعنى تحبون الدنيا وتختارونها وتتركون الآخرة ونعيمها فلا تعملون لها، وعلى الثانية يكون الكلام عائداً إلى الإِنسان لأنه بمعنى الناس، قال ابن مسعود عجلت لهم الدنيا خيرها وشرها، وغيبت الآخرة، أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد.
القيامة 75:22
(وجوه يومئذ ناضرة) أي ناعمة غضة حسنة يقال شجر ناضر، وروض ناضر أي حسن ناعم، ونضارة العيش حسنه وبهجته، قال الواحدي: قال المفسرون: مضيئة مسفرة مشرقة، وقال ابن عباس: ناعمة وقيل مسرورة بالنعيم، وقيل بيض يعلوها نور، والأول أولى، ووجوه مبتدأ وناضرة صفة لوجوه، ويومئذ ظرف لناضرة، وناظرة خبر مبتدأ وسوغ الابتداء بالنكرة هنا العطف عليها وكون الموضع موضع تفصيل، ولو لم يكن المقام مقام تفصيل لكان وصف النكرة بقوله ناضرة مسوغاً للابتداء بها، ولكن مقام التفصيل بمجرده مسوغ للابتداء بالنكرة.
القيامة 75:23
(إلى ربها ناظرة) أي تنظر إليه عياناً بلا حجاب، هكذا قال جمهور أهل العلم والمراد به ما تواترت به الأحاديث الصحيحة من أن العباد ينظرون إلى ربهم يوم القيامة كما ينظرون إلى القمر ليلة البدر.
قال ابن كثير وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة كما هو متفق عليه بين أئمة الأسلام وهداة الأنام، وقال مجاهد إن النظر هنا انتظار ما لهم عند الله من الثواب، وروي نحوه عن عكرمة، وقيل لا يصح هذا إلا عن مجاهد وحده، قال الأزهري وقول مجاهد خطأ لأنه لا يقال نظر إلى كذا بمعنى الانتظار لأن قول القائل نظرت إلى فلان ليس إلا رؤية عين، فإذا أرادوا الانتظار قالوا نظرته، فإذا أرادوا نظر العين قالوا نظرت إليه، وأشعار العرب وكلماتهم في هذا كثيرة جداً.
ويشهد لصحة هذا أن النظر الوارد في التنزيل بمعنى الانتظار كثير ولم يوصل في موضع بإلى قوله (انظرونا نقتبس من نوركم) وقوله (هل ينظرون إلا تأويله) وقوله (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) والوجه إذا وصف بالنظر وعدِّي بإلى لم يحتمل غير الرؤية.
والأحاديث الصحيحة تعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية وسيأتي بعضها قال ابن عباس في الآية تنظر إلى الخالق، وعنه قال تنظر إلى وجه ربها.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الآية ينظرون إلى ربهم بلا كيفية ولا حد محدود ولا صفة معلومة. أخرجه ابن مردويه.
وعن أبي هريرة قال: " قال الناس يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب، قالوا لا يا رسول الله، قال فهل تضارون في القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، قالوا لا يا رسول الله، قال فإنكم ترونه يوم القيامة كذلك " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما [[وقد ثبت رؤية المؤمنين لله عز وجل في الدار الآخرة في الأحد الصحاح من طرق متواترة عند أئمة الحديث لا يمكن دفعها ولا منعها، كحديث أبيّ وأبي هريرة، وهما في " الصحيحين " أن ناساً
-[444]-
قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة فقال: " هل تضارون في رؤية الشمس والقمر ليس دونهما سحاب؟ " قالوا: لا يا رسول الله، قال: " إنكم ترون ربكم كذلك " وفي (الصحيحين) عن جرير قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم القمر ليلة البدر فقال: " إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر، فإن استطعتم أن لا تقلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس ولا قبل غروبها فافعلوا ".]].
وأخرج الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة نحوه.
وقد أخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد والترمذي وابن جرير وابن المنذر والدارقطني والحاكم وابن مردويه والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن أدنى أهل الجنة منزلة لمن ينظر إلى جناته وأزواجه ونعيمه وخدمه وسرره مسيرة ألف سنة، وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) " وأخرجه أحمد في المسند من حديثه بلفظ " وإن أفضلهم منزلة لينظر في وجه الله كل يوم مرتين ".
وأخرج النسائي والدارقطني وصححه وأبو نعيم عن أبي هريرة قال: " قلنا يا رسول الله هل نرى ربنا قال هل ترون الشمس في يوم لا غيم فيه، وترون القمر في ليلة لا غيم فيها قلنا نعم، قال فإنكم سترون ربكم عز وجل حتى أن أحدكم ليحاور ربه محاورة فيقول عبدي هل تعرف ذنب كذا وكذا فيقول: ألم تغفر لي؟ فيقول بمغفرتي صرت إلى هذا ".
وقد تظافرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من سلف الأمة على إثبات رؤية الله تعالى، وقد رواها نحو من عشرين صحابياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وآيات القرآن فيها مشهورة، ولاعتراضات المبتدعة من المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة عليها أجوبة معروفة في كتب الكلام من أهل السنة، وكذلك باقي شبههم وأجوبتها مستفاضة في كتب أهل الحق، وليس هذا موضع ذكرها، وقد قدمنا أن أحاديث الرؤية متواترة فلا نطيل بذكرها وهي تأتي في مصنف مستقل، ولم يتمسك من نفاها واستبعدها بشيء يصلح للتمسك به لا من كتاب الله ولا من سنة رسوله.
وقد أطال الحافظ المتكلم محمد بن أبي بكر القيم الجوزي رحمه الله تعالى في إثبات رؤيته تعالى يوم القيامة في كتابه " حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح " ومن أحب النظر في أدلة الفريقين فعليه برسالة الشوكاني المسماة بالبغية في مسألة الرؤية جمع فيها جميع ما استدل به النافون والمثبتون من الأدلة العقلية والنقلية.
القيامة 75:24
(ووجوه يومئذ باسرة) أي كالحة عابسة كئيبة قال في الصحاح: بسر الرجل وجهه بسوراً أي كلح قال السدي: باسرة أي متغيرة، وقيل مصفرة والمراد بالوجوه هنا وجوه الكفار.
القيامة 75:25
(تظن) أي توقن (أن يفعل بها فاقرة) الفاقرة الداهية العظيمة، يقال فقرته الفاقرة أي كسرت فقار ظهره، قال قتادة: الفاقرة الشر، وقال السدي: الهلاك وقال ابن زيد: دخول النار، وقيل الحجاب عن رؤية الله تعالى، والأول أولى.
وأصل الفاقرة الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى تخلص إلى العظم، كذا قال الأصمعي ومن هذا قولهم قد عمل به الفاقرة.
القيامة 75:26
(كلا) ردع وزجر أي بعيد أن يؤمن الكافر بيوم القيامة ثم استأنف فقال (إذا بلغت) النفس أو الروح أي نفس المحتضر مؤمناً كان أو كافراً، وإنما أضمرت وإن لم يجر لها ذكر لأن السياق يدل عليها (التراقي) جمع ترقوة وهي عظم بين ثغرة النحر والعاتق يميناً وشمالاً، ولكل إنسان ترقوتان ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومثله قوله تعالى (فلولا إذا بلغت الحلقوم) وقيل معنى كلا حقاً أي حقاً أن المساق إلى الله إذا بلغت التراقي، والمقصود تذكيرهم بشدة الحال عند نزول الموت قال دريد بن الصمة:
ورب كريهة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقي
القيامة 75:27
(وقيل) هذا الفعل وما بعده من الفعلين معطوف على بلغت (من راق) أي قال من حضر صاحبها من يرقيه ويشتفي برقيته، قال قتادة إلتمسوا له الأطباء فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئاًً وبه قال أبو قلابة ومنه قول الشاعر:
هل للفتى من بنات الموت من واقٍ؟ ... أم هل له من حمام الموت من راقِ؟
وقال أبو الجوزاء هو من رقى يرقى إذا صعد والمعنى من يرقى بروحه إلى السماء أملائكة الرحمة أم ملائكة العذاب، وقيل إنه يقول ذلك ملك الموت وذلك أن نفس الكافر تكره الملائكة قربها، وقال ابن عباس: في قوله (وقيل من راق) قال تنتزع نفسه حتى إذا كانت في تراقيه قيل من يرقى بروحه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب، وهذا الاستفهام يجوز أن يكون على بابه وأن يكون استبعاداً وإنكاراً، وراق اسم فاعل إما من رقى يرقي بالفتح في الماضي والكسر في المضارع من الرقية وهي كلام معد للاستشفاء يرقى به المريض ليشفى، وفي الحديث " وما أدراك أنها رقية " [[سبق شرحها في تفسير سورة الفاتحة.]]، يعني الفاتحة وهي من أسمائها، وإما من رقي يرقى بالكسر في الماضي والفتح في المضارع من الرقي وهو الصعود، يقال رقى بالفتح من الرقية وبالكسر من الرقي.
القيامة 75:28
(وظن) أي أيقن الذي بلغت روحه التراقي وسمي اليقين ظناً لأن الإنسان ما دامت روحه متعلقة ببدنه فإنه يطمع في الحياة لشدة حبه لها ولا ينقطع رجاؤه منها (أنه) أي ما نزل به (الفراق) من الدنيا ومن الأهل والمال والولد.
القيامة 75:29
(والتفت الساق بالساق) أي الشفت ساقه بساقه عند نزول الموت به، وقال جمهور المفسرين المعنى تتابعت عليه الشدائد وقال الحسن: هما ساقاه إذا التفتا في الكفن، وقال زيد بن أسلم التفت ساق الكفن بساق الميت، وقيل ماتت رجلاه ويبست ساقاه ولم تحملاه، وقد كان جوالاً عليهما، وقال الضحاك: اجتمع عليه أمران شديدان الناس يجهزون جسده، والملائكة يجهزون روحه، وبه قال ابن زيد:
والعرب لا تذكر الساق إلا في الشدائد الكبار والمحن العظام، ومنه قولهم قامت الحرب على ساق، وقيل الساق الأول تعذيب روحه عند خروج نفسه، والساق الآخر شدة البعث وما بعده، وقال ابن عباس التفت عليه الدنيا والآخرة، وعنه قول يقول آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة فيلقى الشدة بالشدة إلا من رحم الله، وقال الشعبي وغيره المعنى التفت ساق الإنسان عند الموت من شدة الكرب، وقال قتادة أما رأيته إذا أشرف على الموت يضرب إحدى رجليه على الأخرى، قال النحاس القول الأول أحسنها.
القيامة 75:30
(إلى ربك يومئذ المساق) أي إلى خالقك يوم القيامة المرجع، وذلك جمع العباد إلى الله يساقون إليه وقيل التنوين عوض عن جمل أربع أي يوم إذ بلغت الروح التراقي الخ.
القيامة 75:31
(فلا صدق ولا صلى) أي لم يصدق الإنسان المذكور في أول هذه السورة بالرسالة ولا بالقرآن ولا صلى لربه أي الصلاة الشرعية، فهو ذم له يترك العقائد والفروع، قال قتادة فلا صدق بالكتاب ولا صلى لله، وقيل فلا آمن بقلبه ولا عمل ببدنه، وقيل صدق من التصدق أي فلا صدق بشيء يدخره عند الله تعالى، قاله القرطبي قال الكسائي: لا بمعنى لم وكذا قال الأخفش والعرب تقول لا ذهب أي لم يذهب، وهذا مستفيض في كلاء العرب ومنه.
إن تغفر اللهم فاغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما
ولما كان عدم التصديق يصدق بالشك والسكوت والتكذيب استدرك على عمومه وبمن أن المراد منه خصوص التكذيب فقال:
القيامة 75:32
(ولكن كذب وتولى) أي كذب بالرسول وبما جاء به، وتولى عن الطاعة والإيمان، ولم يستدرك على نفي الصلاة لأنه لا يصدق إلا بصورة واحدة فلم يحتج للإستدراك عليه.
القيامة 75:33
(ثم ذهب إلى أهله يتمطى) أي يتبختر ويختال في مشيه افتخاراً بذلك، وقيل هو مأخوذ من المطا، وهو الظهر والمعنى يلوي مطاه وقيل أصله يتمطط وهو التمدد والتثاقل أي يتثاقل ويتكاسل عن الداعي إلى الحق.
قال الإمام هذا ذكر لما يتعلق بدنياه بعد ذكر ما يتعلق بدينه، وثم للاستبعاد لأن من صدر عنه مثل ذلك ينبغي أن يخاف من حلول غضب الله به فيمشي خائفاً منه متطامناً لا فرحاً متبختراً، ذكره الشهاب.
أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (35) أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)
القيامة 75:34
(أولى لك) فيه التفات عن الغيبة، والكلمة اسم فعل مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب، والفاعل ضمير مستتر يعود على ما يفهم من السياق وهو كون هذه الكلمة تستعمل في الدعاء بالمكروه، واللام مزيدة والمعنى وليك ما تكرهه (فأولى) أي فهو أولى بك من غيرك، فدلت الأولى على الدعاء عليه بقرب المكروه منه، ودلت الثانية على الدعاء عليه بأن يكون أقرب إليه من غيره، هذا ما سلكه الجلال المحلي في تقرير هذا المقام وانفرد به عن غيره من المفسرين وهو حسن جداً.
القيامة 75:35
(ثم أولى لك فأولى) الأولى تأكيد للأولى والثانية تأكيد للثانية، وقيل أي وليك الويل وأصله أولاك الله ما تكرهه واللام مزيدة كما في ردف لكم، وهذا تهديد شديد ووعيد بعد وعيد، والتكرير للتأكيد أي يتكرر عليك ذلك مرة بعد مرة.
قال الواحدي قال المفسرون: " أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بيد أبي جهل فقال أولى لك فأولى فقال أبو جهل بأي شيء تهددني؟ لا تستطيع أنت ولا ربك أن تفعلا بي شيئاًً وإني لأعز أهل هذا الوادي " فنزلت هذه الآية، وقيل معناه الويل لك وعلى هذا القول قيل هو من القلوب، كأنه قيل أويل لك ثم أخر الحرف المعتل، قيل ومعنى التكرير لهذا اللفظ أربع مرات الويل لك حياً والويل لك ميتاً والويل لك يوم البعث والويل لك يوم تدخل النار، وقيل المعنى أن الذم لك أولى لك من تركه، وقيل المعنى أنت أولى وأحق وأجدر بهذا العذاب قاله محي السنة، وقال الأصمعي أولى في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك، قال المبرد كأنه يقول قد وليت الهلاك وقد دانيته، وأصله من الولي وهو القرب.
قال ثعلب: لم يقل أحد في (أولى) أحسن وأصح مما قاله الأصمعي، وعن سعيد بن جبير قال: " سألت ابن عباس عن قوله أولى لك فأولى أشيء قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأبي جهل من قبل نفسه أم أمره الله به قال بل قاله من قبل نفسه ثم أنزله الله " أخرجه النسائي والحاكم وصححه والطبراني وغيرهم.
القيامة 75:36
(أيحسب الإنسان أن يترك سدى) أي مهملاً لا يؤمر ولا ينهى ولا يحاسب ولا يعاقب ولا يكلف في الدنيا ولا يبعث ولا يجازى، وقال السدي معناه المهمل ومنه إبل سدى أي ترعى بلا راع، وقيل المعنى أيحسب أن يترك في قبره كذلك أبداً لا يبعث، وهو يتضمن تكرير إنكاره للحشر، والدلالة عليه من حيث أن الحكمة تقتضي الأمر بالمحاسن والنهي عن القبائح، والتكليف لا يتحقق إلا بالمجازاة وهي قد لا تكون في الدنيا فتكون في الآخرة.
القيامة 75:37
(ألم يك نطفة من مني يمنى) مستأنفة أي ألم يك ذلك الإنسان قطرة من مني تراق وتصب في الرحم، وسمي المني منياً لإراقته، والنطفة الماء القليل، يقال نطف الماء إذا قطر، قرأ الجمهور ألم يك بالتحتية على إرجاع الضمير إلى الإِنسان، وقرأ الحسن بالفوقية على الالتفات إليه توبيخاً له، وقرأ الجمهور تمنى أيضاًً بالفوقية على أن الضمير للنطفة، وقرىء بالتحتية على أن الضمير للمني، ورويت هذه القراءة عن أبي عمرو واختارها أبو حاتم وفائدته بعد قوله (من مني) الإشارة إلى حقارة حاله كأنه قيل إنه مخلوق من مني الذي يجري على مخرج النجاسة.
القيامة 75:38
(ثم كان علقة) أي كان بعد النطفة دماً أحمر شديد الحمرة (فخلق) أي فقدر الله منها الإنسان بأن جعلها مضغة مخلقه (فسوى) أي فعدله وكمل نشأته ونفخ فيه الروح وجعله بشراً سوياً
القيامة 75:39
(فجعل منه) أي حصل من الإنسان وقيل من المني (الزوجين) أي الصنفين من نوع الإنسان، قال الكرخي أي لا خصوص الفردين وإلا فقد تحمل المرأة بذكرين وأنثى وبالعكس، ثم بين ذلك فقال (الذكر والأنثى) أي الرجل والمرأة يجتمعان تارة وينفرد كل منهما عن الآخر أخرى.
القيامة 75:40
(أليس ذلك) الفعال الذي أنشأ هذا الخلق البديع وقدر عليه (بقادر على أن يحيي الموتى) أي يعيد الأجسام بالبعث كما كانت عليه في الدنيا، فإن الإعادة أهون من الإِبداء وأيسر مؤنة منه، قرأ الجمهور بقادر، وقرأ زيد بن علي (يقدر) فعلاً مضارعاً، وقرأ الجمهور أيضاًً يحيى بنصبه بأن، وقرىء بسكونها تخفيفاً أو على إجراء الوصل مجرى الوقف كما مر في مواضع.
عن صالح أبي الخليل قال " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا قرأ هذه الآية قال سبحانك اللهم وبلى " [[ذكره ابن كثير في التفسير من رواية ابن أبي حاتم عن ابن عباس موقوفاً من حديث أبي إسحاق السبيعي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأبو إسحاق السبيعي ثقة عابد لكنه اختلط بأخرة. ورواه أبو داود والترمذي مطولاً عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً وفي سنده أعرابي لم يسم، وعنه أخرجه أحمد 2/ 249 والترمذي 2/ 238 مختصراً وأعله بالأعرابي. ورواه الحاكم في " المستدرك " 2/ 510 وصححه ووافقه الذهبي، وفي سنده يزيد بن عياض، وهو متروك كما قال الحافظ ابن حجر في " تخريج الكشاف ". ورواه أبو داود رقم (484) من رواية موسى بن أبي عائشة عن رجل سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن كثير: تفرد به أبو داود، ولم يسم هذا الصحابي، ولا يضر ذلك.]]، أخرجه عبد بن حميد وابن الأنباري.
وعن البراء بن عازب قال " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، سبحانك ربي وبلى " أخرجه ابن مردويه.
وعن أبي أمامة أنه " سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول عند قراءته لهذه الآية بلى وأنا على ذلك من الشاهدين " أخرجه ابن النجار في تاريخه.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " من قرأ منكم والتين والزيتون فانتهى إلى آخرها أليس الله بأحكم الحاكمين، فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة فانتهى إلى قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) فليقل بلى، ومن قرأ والمرسلات عرفاً فبلغ فبأي حديث بعد يؤمنون، فليقل آمنا بالله "، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وفي إسناده رجل مجهول.
وعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إذا قرأت لا أقسم بيوم القيامة فبلغت أليس ذلك بقادر إلى آخرها فقل بلى " أخرجه ابن المنذر وابن مردويه.
قال ابن عباس من قرأ سبح اسم ربك الأعلى إماماً كان أو غيره فليقل سبحان ربي الأعلى، ومن قرأ لا أقسم بيوم القيامة إلى آخرها فليقل سبحانك اللهم بلى، إماماً كان أو غيره، ذكره الخطيب.
قال الحفناوي: قوله إماماً كان أو غيره يقتضي أن هذه الكلمة وهي (بلى) لا تبطل الصلاة وهو كذلك لأنها ذكر وتقديس وتنزيه لله تعالى.
الإنسان 76:1
سورة الإنسان
(وتسمى سورة هل أتى وسورة الأمشاج وسورة الدهر وهي إحدى وثلاثون آية)
قال الجمهور هي مدنية، وقال مقاتل والكلبي: هي مكيّة، وجرى عليه البيضاوي والزمخشري، وقال المحلي: مكيّة أو مدنية ولم يجزم بشيء قال ابن عباس: نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله، وقيل فيها مكي من قوله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ) إلى آخر السورة وما قبله مدني وقال الحسن وعكرمة هي مدنية إلا آية وهي (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ) -إلى قوله- (كَفُورًا) وأخرج الطبراني وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمرو قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " سل واستفهم " فقال يا رسول الله فضلتم علينا بالألوان والصور والنبوة أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بما عملت به أني كائن معك في الجنة قال: " نعم والذي نفسي بيده إنه ليرى بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام " ثم قال " من قال لا إله إلا الله كان له عهد عند الله ومن قال سبحان الله وبحمد كتب له مائة ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة، ونزلت هذه السورة إلى قوله: (وَمُلْكًا كَبِيرًا) " فقال الحبشي وإن عيني لترى ما ترى عيناك في الجنة قال: " نعم "، فاستبكى حتى فاضت نفسه، قال ابن عمر فلقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدليه في حفرته بيده ".
وأخرج أحمد في الزهد عن محمد بن مطرف قال حدثني الثقة أن رجلاً أسود كان يسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التسبيح والتهليل فقال له عمر بن الخطاب أكثرت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " مه يا عمر "، وأنزلت على رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ) حتى إذا أتى علي ذكر الجنة زفر الأسود زفرة خرجت نفسه فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - " مات شوقاً إلى الجنة " وأخرج نحوه ابن وهب عن ابن زيد مرفوعاً مرسلاً.
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وغيرهم عن أبي ذر قال قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ) حتى ختمها ثم قال: " إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله، والله وتعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرش ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله عز وجل " [[حديث حسن - صحيح الجامع 2445 - المشكاة 5347.]].
بسم الله الرحمن الرحيم
هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2) إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3) إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (4) إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (5)
(هل أتى) حكى الواحدي عن المفسرين وأهل المعاني أن هل هنا بمعنى قد، وليس باستفهام لأن الاستفهام محال على الله تعالى، وقد قال بهذا سيبويه والكسائي والفراء وأبو عبيدة، قال الفراء (هل) يكون جحداً ويكون خبراً فهذا من الخبر، لأنك تقول هل أعطيتك تقرره بأنك أعطيته والجحد أن تقول هل يقدر أحد على مثل هذا، وقيل هي وإن كانت بمعنى قد ففيها معنى الاستفهام، والأصل أهل أتى، فالمعنى أقد أتى، والاستفهام للتقرير والتقريب وبه قال مكي وهو تقرير لمن أنكر البعث أن يقول نعم قد مضى دهر طويل لا إنسان فيه، قال السمين: جعلها للاستفهام التقريري لا للاستفهام المحض، وهذا هو الذي يجب أن يكون لأن الاستفهام لا يرد من الله إلا على هذا النحو وما أشبهه انتهى والأول أنسب.
(على الإنسان) المراد بالإنسان هنا آدم قاله قتادة والثوري وعكرمة والسدي وغيرهم وقال ابن عباس كل إنسان (حين من الدهر) أي طائفة محدودة من الزمان الممتد غير المحدود، فإنه عند الجمهور يقع على مدة العالم جميعها، وعلى كل زمان طويل غير معين قيل أربعون سنة قبل أن ينفخ فيه الروح، وهو ملقى بين مكة والطائف، وقيل إنه خلق من طين أربعين سنة ثم من حمأ مسنون أربعين سنة ثم من صلصال أربعين سنة فتم خلقه بعد مائة وعشرين سنة ثم نفخ فيه الروح، وقيل الحين المذكور هنا لا يعرف مقداره.
وجملة (لم يكن شيئاًً مذكوراً) في محل نصب على الحال من الإنسان أو في محل رفع صفة لحين، قال الفراء وقطرب وثعلب المعنى أنه كان جسداً مصوراً تراباً وطيناً لا يذكر في السماء ولا في الأرض ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما المراد به، ثم نفخ فيه الروح فصار مذكوراً، وقال يحيى: لم يكن شيئاًً مذكوراً في الخلق وإن كان عند الله شيئاًً مذكوراً، وقيل ليس المراد بالذكر هنا الإخبار فإن إخبار الرب عن الكائنات قديم بل هو الذكر بمعنى الخطر والشرف كما في قوله (وإنه لذكر لك ولقومك) قال القشيري ما كان مذكوراً لله سبحانه.
قال الفراء: كان شيئاًً ولم يكن مذكوراً، فجعل النفي متوجهاً إلى القيد وقيل المعنى قد مضت أزمنة وما كان آدم شيئاًً ولا مخلوقاً ولا مذكوراً لأحد من الخليقة.
وقال مقاتل: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره هل أتى حين من الدهر على الإنسان لم يكن شيئاًً مذكوراً لأنه خلقه بعد خلق الحيوان كله ولم يخلق بعده حيوان، وعن عمر أنه سمع رجلاً يقرأ هذه الآية لم يكن شيئاً مذكوراً فقال عمر ليتها تمت، يعني ليته بقي على ما كان عليه، ويروى نحوه عن أبي بكر وابن مسعود، وقيل المراد بالإنسان جنس الإنسان وهو بنو آدم بدليل قوله:
الإنسان 76:2
(إنا خلقنا الإنسان من نطفة) فإن المراد بالإنسان هنا بنو آدم، قال القرطبي من غير خلاف، والنطفة الماء الذي يقطر، وهو المني وكل ماء قليل في وعاء فهو نطفة وجمعها نطف أي خلقناه من مادة هي شيء يسير جداً من الرجل والمرأة، والنطفة ماء الرجل والمرأة وأيضاًً الماء الصافي قل أو كثر، ولا فعل للنطفة أي لا يستعمل لها فعل من لفظها.
(أمشاج) صفة لنطفة وهي جمع مشج بفتحتين أو مشج كعدل وأعدال أو مشيج كشريف وأشراف وهي الأخلاط، ووقع الجمع صفة لمفرد لأنه في معنى الجمع أو جعل كل جزء من النطفة نطفة فاعتبر ذلك فوصف بالجمع والمراد نطفة الرجل ونطفة المرأة واختلاطهما يقال مشج هذا بهذا فهو ممشوج أي خلط هذا بهذا فهو مخلوط.
قال المبرد مشج يمشج إذا اختلط وهو هنا اختلاط النطفة بالدم، قال الفراء أمشاج اختلاط ماء الرجل وماء المرأة والدم والعلقة، ويقال مشج هذا إذا خلط، وقيل الأمشاج الحمرة في البياض، والبياض في الحمرة.
قال القرطبي: وهذا قول يختاره كثير من أهل اللغة وذلك لأن ماء الرجل أبيض غليظ وماء المرأة أصفر رقيق فيخلق منهما الولد، قيل وما كان من عصب وعظم فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة، حتى لو زنت المرأة بامرأة واجتمع الماءآن في رحم إحداهما خلق الولد بلا عظم، وقد وقع ذلك في عصر السلطان غياث الدين فلم يدر السلطان، فجمع الأطباء والعلماء فلم يدركوا شيئاًً من شأنه فأرسل الاستفتاء إلى علماء ظفر أباد فقال محمد بن الحاج إنه خلق من ماء امرأتين فتفحص السلطان فظهر أنه كذلك، وقيل الأمشاج أطوار الخلق نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم يكسوه لحماً ثم ينشئه خلقاً آخر.
قال ابن السكيت: الأمشاج الأخلاط لأنها ممتزجة من أنواع يخلق الإنسان منها وطباع مختلفة، وقيل الأمشاج لفظ مفرد كبرمة أعشار، ويؤيد هذا وقوعه نعتاً للنطفة، قال ابن مسعود: أمشاجها عروقها، وعن ابن عباس: قال ماء الرجل وماء المرأة حين يختلطان، وعنه قال: نطفة الرجل بيضاء وحمراء ونطفة المرأة خضراء وحمراء، وعنه قال: الأمشاج الذي يخرج على أثر البول كقطع الأوتار، ومنه يكون الولد.
وجملة (نبتليه) في محل نصب على الحال من فاعل خلقنا أي مريدين ابتلاءه حين تأهله ويجوز أن يكون حالاً من الإنسان، والمعنى نبتليه بالخير والشر والتكاليف قال الفراء معناه والله أعلم (فجعلناه سميعاً بصيراً) نبتليه وهي مقدمة معناها التأخير، لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وعلى هذا هذه حال مقدرة وقيل مقارنة.
وقال الكرخي: لا حاجة إلى دعوى التقديم والتأخير مع صحة المعنى بدونه، وقيل معنى الابتلاء نقله من حال إلى حال على طريقة الاستعارة والأول أولى، والمراد بالسمع والبصر الحاستان المعروفتان، وخصهما بالذكر لأنهما أعظم الحواس وأشرفها قال الخطيب أي جعلناه عظيم السمع والبصر والبصيرة ليتمكن من مشاهدة الدلائل ببصره، وسماع الآيات بسمعه ومعرفة الحجج ببصيرته فيصح تكليفه وابتلاؤه، وقدم السمع لأنه أنفع في المخاطبات، ولأن الآيات المسموعة أبين من الآيات المرئية وقيل المراد بالسميع المطيع كقولهم سمعاً وطاعة، وبالبصير العالم يقال لفلان بصر في هذا الأمر أي علم، والأول أولى.
ثم ذكر سبحانه أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء فقال:
الإنسان 76:3
(إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) أي بينا له وعرفناه طريق الهدى والضلال والخير والشر بأدلة السمع والعقل، كما في قوله (وهديناه النجدين) قال مجاهد: أي بينا السبيل إلى الشقاوة وإلى السعادة، وقال الضحاك والسدي وأبو صالح: السبيل هنا خروجه من الرحم، وقيل منافعه ومضاره التي يهتدي إليها بطبعه وكمال عقله، وانتصاب شاكراً وكفوراً على الحال من مفعول هديناه أي مكناه من سلوك الطريق في حالتيه جميعاً، وقيل على الحال من السبيل على المجاز أي عرفناه السبيل إما سبيلاً شاكراً وإما سبيلاً كفوراً [[قال ابن كثير: فهو في ذلك إما شقي وإما سعيد، كما جاء في الحديث الذي رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها ".]].
وحكى مكي عن الكوفيين إن قوله إما هي إن الشرطية زيدت بعدها ما أي بينا له الطريق إن شكر وإن كفر، واختار هذا الفراء ولا يجيزه البصريون لأن (إن) الشرطية لا تدخل على الأسماء إلا أن يضمر بعدها فعل، ولا يصح هنا إضمار الفعل لأنه كان يلزم رفع شاكراً وكفوراً، ويمكن أن يضمر فعل ينصب شاكراً وكفوراً وتقديره إن خلقناه شاكراً فشكوراً؛ وإن خلقناه كافراً فكفوراً، وهذا على قراءة الجمهور (إمّا) بكسر الهمزة وقرأ أبو السماك وأبو العجاج بفتحها وعلى الفتح هي (أمّا) العاطفة في لغة بعض العرب أو هي التفصيلية وجوابها مقدرة وقيل انتصب شاكراً وكفوراً بإضمار كان والتقدير سواء كان شاكراً أو كان كفوراً.
ولما كان الشكر قل من يتصف به قال شاكراً، ولما كان الكفر كثيراً من يتصف به ويكثر وقوعه عن الإنسان بخلاف الشكر قال كفوراً بصيغة المبالغة، كذا في النهر أو هو مراعاة لرؤوس الآي.
ثم بين سبحانه ما أعد للكافرين فقال:
الإنسان 76:4
(إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالاً وسعيراً) قرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم وهشام عن ابن عامر (سلاسلاً) بالتنوين ووقف قنبل عن ابن كثير وحمزة بغير ألف، والباقون وقفوا بالألف، ووجه من قرأ بالتنوين في سلاسل مع كونه صيغة منتهى الجموع أنه قصد بذلك التناسب لأن ما قبله وهو إما شاكراً وإما كفوراً، وما بعده وهو أغلالاً وسعيراً منون أو على لغة من يصرف جميع ما لا ينصرف كما حكاه الكسائي وغيره من الكوفيين عن بعض العرب.
قال الأخفش: سمعنا من العرب من يصرف كل ما لا ينصرف لأن الأصل في الأسماء الصرف وترك الصوف لعارض فيها، قال الفراء هو على لغة من يجر الأسماء كلها إلا قولهم هو أظرف منك فإنهم لا يجرونه، وقيل إن التنوين لموافقة رسم المصاحف المكية والمدنية والكوفية فإنها فيها بالألف، وقيل إن هذا التنوين بدل من حرف الإطلاق ويجري الوصل مجرى الوقف.
والسلاسل قد تقدم تفسيرها، والخلاف فيها هل هي القيود أو ما يجعل في الأعناق كما في قول الشاعر:
ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل
والسلاسل جمع سلسلة أي يشدون ويسحبون بها في النار، والأغلال جمع غل تغل به الأيدي إلى الأعناق، وقد تقدم تفسير السعير وهي نار مهيجة يعذبون بها.
ولما أوجز في جزاء الكافرين ذكر ما أعده للشاكرين وأطنب تأكيداً للترغيب فقال:
الإنسان 76:5
(إن الأبرار يشربون من كأس) الأبراز أهل الطاعة والإخلاص والصدق جمع بر أو بار، قال في الصحاح: جمع البر الأبرار، وجمع البار البررة، وفلان يبر خالقه ويبرره أي يطيعه، وقال الحسن: البر الذي لا يؤذي الذر، وقال قتادة: الأبرار الذين يؤدون حق الله ويوفون بالنذر، وقيل هم الصادقون في إيمانهم المطيعون لربهم الذين سمت همتهم عن المحقرات فظهرت في قلوبهم ينابيع الحكمة، وقيل سماهم الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، والكأس في اللغة هو الإناء الذي فيه الشراب، وإذا لم يكن فيه الشراب لم يسم كأساً، بل هو إناء، ولا وجه لتخصيصه بالزجاجة بل يكون من الزجاج ومن الذهب والفضة والصيني وغير ذلك، وقد كانت كؤوس العرب من أجناس مختلفة، وقد يطلق الكأس على نفس الخمر كما في قول الشاعر:
وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها
(كان مزاجها كافوراً) أي ما يخالطها وتمزج به، يقال مزجه يمزجه مزجاً أي خلطه يخلطه خلطاً ومنه مزاج البدن وهو ما يمازجه من الإخلاط، والكافور قيل هو اسم عين في الجنة يقال لها الكافور أي تمزج خمر الجنة بماء هذه العين، وقال قتادة ومجاهد: تمزج لهم بالكافور وتختم لهم بالمسك، وقال عكرمة: مزاجها طعمها، وقيل إنما الكافور في ريحها لا في طعمها، وقيل إنما أراد الكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب كما في قوله (حتى إذا جعله ناراً) أي كنار، وقال ابن كيسان: طيبها المسك والكافور والزنجبيل، وقال مقاتل: ليس هو كافور الدنيا وإنما سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي له القلوب.
والجملة في محل جر صفة لكأس، وقيل إن " كان " ههنا زائدة أي من كأس مزاجها كافور، وقرأ عبد الله قافوراً بالقاف بدل الكاف، قال السمين وهذا من التعاقب بين الحرفين.
عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (10) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (11) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12)
وقوله
الإنسان 76:6
(عيناً) بدل من كافور لأن ماءها في بياض الكافور، وقال مكي إنها بدل من محل من كأس على حذف مضاف كأنه قيل يشربون خمراً خمر عين، وقيل إنها منتصبة على أنها مفعول يشربون أي عيناً من كأس، وقيل هي منتصبة على الاختصاص، قاله الأخفش وقيل بإضمار فعل يفسره ما بعده أي يشربون عيناً، وذكر السمين في نصبها وجوهاً والأول أولى.
(يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ) أي أولياؤه أو المؤمنون، والجملة صفة لعيناً، وقيل الباء في بها زائدة ويؤيده قراءة ابن أبي عبلة يشربها، وقيل بمعنى (من) قاله الزجاج، وقيل إن يشرب مضمن معنى يلتذ وقيل هي متعلقة بيشرب والضمير يعود على الكأس، وقيل إنها حالية أي ممزوجة بها، وقال الفراء يشربها ويشرب بها سواء في المعنى وكأن يشرب بها يروى بها وينتفع.
(يفجرونها تفجيراً) أي يجرونها إلى حيث يريدون وينتفعون بها كما يشاؤون ويتبعهم ماؤها إلا كل مكان يريدون وصوله إليه، فهم يشقونها شقاً كما يشق النهر ويفجر إلى هنا وهنا، قال مجاهد: يقودونها حيث شاؤوا وتتبعهم حيث مالوا مالت معهم أي فهي سهلة لا تمتنع عليهم، والجملة صفة أخرى لعيناً.
وجملة
الإنسان 76:7
(يوفون بالنذر) مستأنفة مسوقة لبيان ما لأجله رزقوا ما ذكر، وكذا ما عطف عليها، ومعنى النذر في اللغة الإيجاب، والمعنى يوفون بما أوجبه الله عليهم من الطاعات، قال قتادة ومجاهد: يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ونحوهما، وفيه مبالغة في وصفهم بالتوفيق على أداء الواجبات لأن من وفى بما أوجبه هو على نفسه لوجه الله تعالى كان بما أوجب الله عليه أوفى.
وقال عكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه، فالمعنى يوفون بما أوجبوه على أنفسهم [[قال ابن كثير: وقوله تعالى: (يوفون بالنذر) أي: يتعبدون الله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر. قال الإمام مالك في " الموطأ " 2/ 476 عن طلحة بن عبد الملك الأيلي عن القاسم بن محمد بن الصديق عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " ورواه البخاري في صحيحه " كتاب الأيمان والنذور ": باب النذر في الطاعة من حديث مالك.]].
قال الفراء: في الكلام إضمار أي كانوا يوفون بالنذر في الدنيا، وقال الكلبي: يوفون بالنذر أي يتممون العهود لقوله تعالى (وأوفوا بعهد الله) وقوله: (أوفوا بالعقود) أمروا بالوفاء بهما لأنهم عقدوهما على أنفسهم باعتقادهم الإيمان، والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص.
(ويخافون يوماً كان شره مستطيراً) المراد يوم القيامة، ومعنى استطارة شره فشوه وانتشاره غاية الانتشار، يقال استطار يستطير فهو مستطير، وهو استفعل من الطيران، والعرب تقول استطار الصدع في القارورة والزجاجة إذا امتد ويقال استطار الحريق إذا انتشر، وهو أبلغ من طار، قال الفراء: المستطير المستطيل، قال قتادة استطار شر ذلك اليوم حتى ملأ السموات والأرض.
قال مقاتل كان شره فاشياً في السموات فانشقت وتناثرت الكواكب وكورت الشمس والقمر وفزعت الملائكة، وفي الأرض نسفت الجبال وغارت المياه، وفي الآية إشارة لحسن عقيدتهم واجتنابهم المعاصي.
الإنسان 76:8
(ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً) أي يطعمون هؤلاء الثلاثة الأصناف الطعام مع حبه لديهم وقلته عندهم، قال مجاهد على قلته وحبهم إياه وشهوتهم له، فقوله (على حبه) في محل نصب على الحال أي كائنين على حبه ومثله قوله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وقيل على حب الإطعام لرغبتهم في الخير قال الفضيل بن عياض على حب إطعام الطعام، وقيل الضمير يرجع إلى الله أي يطعمون إطعاماً كائناً على حب الله، ويؤيد هذا قوله الآتي
الإنسان 76:9
(إنما نطعمكم لوجه الله) والأول أمدح لأن فيه الإيثار على النفس، والطعام محبوب للفقراء والأغنياء، والمسكين ذو المسكنة وهو الفقير أو من هو أفقر من الفقير، والمراد باليتيم يتامى المسلمين. والأسير الذي يؤسر فيحبس، قال قتادة ومجاهد الأسير المحبوس، وقال عكرمة الأسير العبد، وقال أبو حمزة الثمالي الأسير المرأة.
قال سعيد بن جبير: نسخ هذا الإطعام آية الصدقات وآية السيف في حق الأسير الكافر، وقال غيره بل هي محكمة، وإطعام المسكين واليتيم على التطوع، وإطعام الأسير لحفظ نفسه إلى أن يتخير فيه الإمام، قال ابن عباس أسيراً هو المشرك.
وعن أبي سعيد الخدري " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله (مسكيناً) قال فقيراً (ويتيماً) قال لا أب له (وأسيراً) قال المملوك والمسجون " أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم، وعن ابن عباس قال: " نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخرجه ابن مردويه، وقيل عامة في كل من أطعم هؤلاء لله وآثر على نفسه [[ذكره الواحدي في " أسباب النزول " 331 والبغوي من رواية عطاء عن ابن عباس بغير سند. وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 299 من رواية ابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. والله أعلم.]].
وجملة (إنما نطعمكم لوجه الله) في محل نصب على الحال بتقدير القول أي يقولون بلسان المقال أو بلسان الحال، أو قائلين إنما نطعمكم يعني أنهم لا يتوقعون المكافأة ولا يريدون ثناء الناس عليهم بذلك، وهذا الوصف من باب التكميل، فقد وصفهم أولاً بالجود والبذل وكمله بأن ذلك عن إخلاص لا رياء فيه.
قال الواحدي قال المفسرون لم يتكلموا بهذا، ولكن علمه الله من قلوبهم فأثنى عليهم وعلم من ثنائه أنهم ذلك خوفاً من الله ورجاء ثوابه.
(لا نريد منكم جزاء ولا شكوراً) أي لا نطلب منكم المجازاة على هذا الإطعام ولا نريد منكم الشكر لنا، بل هو خالص لوجه الله، وهذه الجملة مقررة لما قبلها لأن من أطعم لوجه الله لا يريد المكافأة ولا يطلب الشكر له ممن أطعمه.
الإنسان 76:10
(إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً) أي نخاف عذاب يوم متصف بهاتين الصفتين ومعنى عبوساً أنه يوم تعبس فيه الوجوه من هوله وشدته، فالمعنى أنه ذو عبوس، قال الفراء وأبو عبيده والمبرد: يوم قمطرير وقماطر إذا كان صعباً شديداً، قال الأخفش القمطرير أشد ما يكون من الأيام وأطوله في البلاء. قال الكسائي اقمطر اليوم وازمهر إذا كان شديداً صعباً.
وقال مجاهد إن العبوس بالشفتين والقمطرير بالجبهة والحاجبين فجعلهما من صفات اليوم والمتغير في ذلك اليوم بما يراه من الشدائد، قال أبو عبيدة يقال قمطرير أي منقبض ما بين العينين والحاجبين.
قال الزجاج يقال اقمطرت الناقة إذا رفعت ذنبها وجمعت قطريها ورمت بأنفها ما سبقها من القطر، وجعل الميم مزيدة.
وقال ابن عباس: عبوساً ضيقاً قمطريراً طويلاً، وعن أنس بن مالك " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله عبوساً قمطريراً قال يقبض ما بين الأبصار " وقال ابن عباس القمطرير الرجل المنقبض ما بين عينيه ووجهه.
الإنسان 76:11
(فوقاهم الله شر ذلك اليوم) أي دفع عنهم شره بسبب خوفهم منه وإطعامهم لوجهه، والفاء سببيه (ولقاهم نضرة وسروراً) أي أعطاهم بدل العبوس في الكفار نضرة في الوجوه وسروراً في القلوب بدل الخوف، قال الضحاك النضرة البياض والنقاء في وجوههم، وقال سعيد بن جبير: الحسن والبهاء، وقيل النضرة أثر النعمة، وعن ابن عباس: قال نضرة في وجوههم، وسروراً في صدورهم.
الإنسان 76:12
(وجزاهم بما صبروا) أي بسبب صبرهم على التكاليف، وقيل على الفقر، وقيل على الجوع، وقيل على الصوم والأولى حمل الآية على الصبر على كل شيء يكون الصبر عليه طاعة لله سبحانه (جنة وحريراً) أي أدخلهم الجنة وألبسهم الحرير، وهو لباس أهل الجنة عوضاً عن تركه في الدنيا امتثالاً لما ورد في الشرع من تحريمه.
والمراد بالجنة هنا بستان المأكولات لا ما يقابل النار، وهي دار الكرامة حتى يقال أي حاجة إلى ذكر الحرير بعد ذكر الجنة مع أنها مشتملة عليه في جملة ما أعد فيها للمؤمنين.
وظاهر هذه الآيات العموم في كل من خاف من يوم القيامة وأطعم لوجه الله وخاف من عذابه، والسبب وإن كان خاصاً كما تقدم فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ويدخل سبب النزول تحت عمومها دخولاً أولياً.
مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16)
وقوله
الإنسان 76:13
(مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ) منصوب على الحال من مفعول جزاهم، والعامل فيها جزي ولا يعمل فيها صبروا، لأن الصبر إنما كان في الدنيا قال الفراء وإن شئت جعلت متكئين تابعاً كأنه قال وجزاهم جنة متكئين فيها.
وقال الأخفش يجوز أن يكون منصوباً على المدح والضمير في (فيها) يعود إلى الجنة، وجوز أبو البقاء والزمخشري أن يكون متكئين صفة لجنة، وهذا لا يجوز عند البصريين لأنه كان يلزم بروز الضمير فيقال متكئين هم فيها لجريان الصفة على غير من هي له، وقد منعه مكي لما ذكر من عدم بروز الضمير، ولا يجوز كونه حالاً من فاعل صبروا لأن الصبر كان في الدنيا واتكاؤهم إنما هو في الآخرة.
والأرائك جمع أريكة وهي السرر في الحجال وهي بيت يزين بالثياب والأسرة والستور، وقد تقدم تفسيرها في سورة الكهف.
(لا يرون فيها شمساً ولا زمهريراً) الجملة في محل نصب على الحال من مفعول جزاهم، فتكون من الحال المترادفة أو من الضمير في متكئين فتكون من الحال المتداخلة، أو صفة أخرى لجنة، قال ابن مسعود الزمهرير هو البرد الشديد، والمعنى أنهم لا يرون في الجنة حر الشمس ولا برد لزمهرير، ومنه قول الأعشى: منعمة طفلة كالمها ... لم تر شمساً ولا زمهريرا
وفي الحديث " هواء الجنة سجسج لا حر ولا قر " قاله النسفي، وقال ثعلب الزمهرير القمر بلغة طي وأنشد لشاعرهم:
وليلة ظلامها قد اعتكر ... قطعتها والزمهرير ما زهر [[البيت غير منسوب راجع القرطبي 19/ 136 والآلوسي 29/ 158.]]
ويروي ما ظهر أي ما طلع القمر، وقد تقدم تفسير هذا في سورة مريم.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضاً، فجعل لها نفسين نفساً في الصيف ونفساً في الشتاء، فشدة ما تجدون من البرد من زمهريرها، وشدة ما تجدون في الصيف من الحر من سمومها ".
الإنسان 76:14
(ودانية عليهم ظلالها) قرأ الجمهور دانية بالنصب عطفاً على محل لا يرون أو على متكئين أو صفة لمحذوف أي وجنة دانية كأنه قال وجزاهم جنة دانية، وقال الزجاج هو صفة لجنة المتقدم ذكرها، وقال الفراء منصوب على المدح، وقرىء بالرفع على أنه خبر مقدم وظلالها مبتدأ مؤخر، والجملة في محل نصب على الحال، والمعنى أن ظلال الأشجار قريبة منهم مظلة عليهم، زيادة في نعيمهم وإن كان لا شمس هنالك، قال مقاتل: يعني شجرها قريب منهم، وقرأ ابن مسعود ودانياً عليهم قال البراء بن عازب: دانية قريبة.
(وذللت قطوفها تذليلاً) معطوف على دانية كأنه قال ومذللة، ويجوز أن تكون الجملة في محل نصب على الحال من الضمير في (عليهم) ويجوز أن تكون مستأنفة، والقطوف الثمار جمع قطف بالكسر وهو العنقود.
والمعنى أنها سخرت ثمارها لمتناوليها تسخيراً كثيراً بحيث يتناولها القائم والقاعد، والمضطجع والمتكىء، ولا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك، قال النحاس المذلل القريب التناول، ومنه قولهم حائط ذليل أي قصير، قال ابن قتيبة ذللت أدنيت من قولهم حائط ذليل إذا كان قصير السمك وقيل ذللت أي جعلت منقادة لا تمتنع على قطافها كيف شاؤوا.
عن البراء ابن عازب قال إن أهل الجنة يأكلون من ثمار الجنة قياماً وقعوداً ومضطجعين وعلى أي حال شاؤوا وفي لفظ قال ذللت فيتناولون منها كيف شاؤوا.
ولما وصف تعالى طعامهم ولباسهم ومسكنهم وصف شرابهم بقوله
الإنسان 76:15
(ويطاف عليهم) وقال هنا يطاف وفيما بعد يطوف لأن المقصود في الأول ما يطاف به لا الطائفون بقرينة قوله: (بآنية من فضة وأكواب) والمقصود في الثاني الطائفون، فذكر في كل منهما ما يناسبه كما أشار إليه في التقرير، والمعنى يدور عليهم الخدم إذا أرادوا الشراب بآنية الفضة، والآنية جمع إناء والأصل أأنية بهمزتين الأولى مزيدة للجمع، والثانية فاء الكلمة فقلبت الثانية ألفاً وجوباً، وهذا نظير كساء وأكسية وغطاء وأغطية ونظيره في الصحيح اللام حمار وأحمرة قاله السمين وهو وعاء الماء.
والأكواب جمع كوب وهو الكوز العظيم والإبريق الذي لا أذن له ولا عروة، وهو من عطف الخاصر على العام، ولم تنف الآية آنية الذهب، بل نبه سبحانه بذكر أحدهما على الآخر كقوله (تقيكم الحر) والمعنى قد يسقون في أواني الفضة، وقد يسقون في أواني الذهب وقد مضى تفسيره في سورة الزخرف.
(كانت قواريراً) بتكوين الله تعالى تفخيماً لتلك الخلقة العجيبة الشأن الجامعة بين صفتي الجوهرين المتباينين وكذا كان مزاجها كافوراً.
الإنسان 76:16
(قوارير من فضة) أي في وصف القوارير في الصفاء وفي بياض الفضة، فصفاؤها صفاء الزجاج ولونها الفضة، قال ابن عباس آنية من فضة وصفاؤها كصفاء القوارير، وعنه قال ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء إذ الذي في الجنة أشرف وأعلى.
قرأ نافع الكسائي وأبو بكر قواريراً بالتنوين فيهما مع الوصل وبالوقوف عليهما وبالألف، وقد تقدم وجه هذه القراءة في تفسير قوله (سلاسلاً) من هذه السورة، وبينا هنالك وجه صرف ما فيه صيغة منتهى الجموع.
وقرأ حمزة بعدم التنوين فيهما وعدم الوقف بالألف، ووجه هذه القراءة ظاهر لأنهما ممتنعان لصيغة منتهى الجموع.
وقرأ هشام بعدم التنوين فيهما مع الوقف عليهما بالألف.
وقرأ ابن كثير بتنوين الأول دون الثاني والوقف على الأول بالألف دون الثاني.
وقرأ أبو عمرو وحفص وابن ذكوان بعدم التنوين فيهما والوقف على الأول بالألف دون الثاني، وبسط السمين في ذكر هذه الوجوه الخمسة في القراءة.
والجملة في محل جر صفة لأكواب، وقوارير جمع قارورة وهي ما أقر فيه الشراب ونحوه من كل إناء رقيق صاف، وقيل هو خاص بالزجاج.
قال أبو البقاء: وحسن التكرير لما اتصل به من بيان أصلها، ولولا التكرير لم يحسن أن يكون الأول رأس آية لشدة اتصال الصفة بالموصوف.
قال الواحدي قال المفسرون: جعل الله قوارير أهل الجنة من فضة فاجتمع لها بياض الفضة وصفاء القوارير.
قال الزجاج القوارير التي في الدنيا من الرمل فأعلم الله فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة يرى من خارجها ما في داخلها، قال ابن عباس: لو أخذت فضة من فضة الدنيا فضربتها حتى جعلتها مثل جناح الذباب لم ير الماء من ورائها، ولكن قوارير الجنة ببياض الفضة في صفاء القوارير: وعنه قال: ليس في الجنة شيء إلا وقد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة.
وجملة (قدروها تقديراً) صفة لقوارير، قرأ الجمهور قدروها بفتح القاف على البناء للفاعل أي قدرها السقاة من الخدم الذين يطوفون عليهم على قدر ما يحتاج إليه الشاربون من أهل الجنة من دون زيادة ولا نقصان، وذلك ألذ الشراب لكونه على مقدار الحاجة لا يفضل عنه ولا يعجز، قال مجاهد: وغيره أتوا بها على قدر ربهم أي شهوتهم بغير زيادة ولا نقصان إذ لا عطش في الجنة قال الكلبي: وذلك ألذ وأشهى.
وقيل قدرها الملائكة وقيل قدرها أهل الجنة الشاربون على مقدار شهوتهم وحاجتهم فجاءت كما يريدون في الشكل لا تزيد ولا تنقص.
وقرىء قدروها بضم القاف وكسر الدال مبنياً للمفعول أي جعلت لهم على قدر إرادتهم.
قال أبو علي الفارسي: هو من باب القلب قال لأن حقيقة المعنى أن يقال قدرت عليهم لا قدروها لأنه في معنى قدروا عليها.
وقال أبو حاتم التقدير قدرت الأواني على قدر ريِّهم، فمفعول ما لم يسم محذوف. قال أبو حيان والأقرب في تخريج هذه الآية الشاذة أن يقال قدر ريهم منها تقديراً، فحذف المضاف فصار قدروها.
قال المهدوي: هذه القراءة يرجع معناها إلى القراءة الأولى، وكان الأصل قدروا عليها فحذف حرف الجر، وقال ابن عباس: قدرت للكف، وقال أيضاًً أتوا بها على قدر الفم لا يفضلون شيئاً ولا يشتهون بعدها شيئاًً، وعنه قال: قدرتها السقاة.
وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22) إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)
الإنسان 76:17
(ويسقون) أي يسقيهم من أرادوه من خدمهم الذين لا يحصون كثرة (فيها) أي في الجنة أو الأكواب (كأساً كان مزاجها زنجبيلاً) قد تقدم أن الكأس هو الإناء الذي فيه الخمر، وإذا كان خالياً عن الخمر فلا يقال له كأس.
والمعنى أن أهل الجنة يسقون في الجنة كأساً من الخمر ممزوجة بالزنجبيل، وقد كانت العرب تستلذ مزيج الشراب بالزنجبيل لطيب رائحته، وقال مجاهد وقتادة الزنجبيل اسم للعين التي يشرب بها المقربون، وقال مقاتل هو زنجبيل لا يشبه الدنيا أي يلذع الحلق فتصعب إساغته.
قلت: وكذلك ما في الجنان من الأشجار والثمار والقصور والنساء والحور والمأكولات والمشروبات والملبوسات لا يشبه ما في الدنيا إلا في مجرد الاسم، لكن الله سبحانه وتعالى يرغب الناس ويطمعهم بأن يذكر لهم أحسن شيء وألذه وأطيبه مما يعرفونه في الدنيا لأجل أن يرغبوا ويسعوا فيما يوصلهم إلى هذا النعيم المقيم.
الإنسان 76:18
(عيناً فيها تسمى سلسبيلاً) انتصاب عيناً على أنها بدل من كأس ويجوز أن تكون منصوبة بفعل مقدر أي يسقون عيناً، ويجوز أن تكون منصوبة بنزع الخافض أي ومن عين، والسلسبيل الشراب اللذيذ مأخوذ من السلاسة، تقول العرب هذا شراب سلس وسلسال وسلسبيل أي طيب لذيذ.
قال الزمخشري: وقد زيدت الباء في التركيب حتى صارت الكلمة خماسية ودلت على غاية السلاسة، قال الزجاج السلسبيل في اللغة اسم لماء في غاية السلاسة سريع الجريان يسوغ في حلوقهم، ومنه قول حسان بن ثابت:
يسقون من ورد البريض عليهم ... كأساً يصفق بالرحيق السلسل
وقال ابن الأعرابي لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن، وقال مكي هو اسم عجمي نكرة فلذلك صرف وزنه مثل دردبيس، وقيل فعفليل لأن الفاء مكررة وقيل سلسة منقادة لهم يصرفونها حيث شاؤوا والأول أولى.
وقال الخازن معنى (تسمى) توصف لأن أكثر العلماء على أن سلسبيلاً صفة لا اسم انتهى.
قال مقاتل ابن حيان سميت سلسبيلاً لأنها تسيل عليهم في الطرق وفي منازلهم تنبع من أصل العرش من جنة عدن إلى أهل الجنان.
قال البغوي وشراب الجنة في برد الكافور، وطعم الزنجبيل، وريح المسك من غير لذع، قال مقاتل يشربها المقربون صرفاً، وتمزج لسائر أهل الجنة.
ولما فرغ سبحانه من وصف شرابهم ووصف آنيته وصف السقاة الذين يسقونهم ذلك الشراب فقال:
الإنسان 76:19
(ويطوف عليهم) بالشراب (ولدان) بكسر الواو باتفاق السبعة أي غلمان هم في سن من هو دون البلوغ، قال بعض المفسرين هم غلمان ينشئهم الله تعالى لخدمة المؤمنين، وقال بعضهم أطفال المؤمنين لأنهم ماتوا على الفطرة.
وقال ابن برحان: وأرى والله أعلم أنهم من علم الله تعالى إيمانه من أولاد الكفار، ويكونون خدماً لأهل الجنة كما كانوا في الدنيا لنا سبياً وخدماً، وأما أولاد المؤمنين فيلحقون بآبائهم تأنساً وسروراً بهم.
وفي الخازن في سورة الواقعة والصحيح الذي لا معدل عنه إن شاء الله تعالى أنهم ولدان خلقوا في الجنة لخدمة أهل الجنة كالحور ولم يولدوا، ولم يخلقوا عن ولادة انتهى.
قلت الله أعلم بهم، ولا أقول فيهم بشيء ظناً وتخميناً إذ لم يرد نص صريح صحيح في كتاب الله ولا في سنة رسوله فالوقف أولى وأحوط.
(مخلدون) أي باقون على ما هم عليه من الشباب والطراوة والنضارة لا يهرمون ولا يتغيرون، وقيل المعنى لا يموتون، وقيل التخليد التحلية أي محلون.
(إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً) أي إذا نظرت إليهم ظننتهم لمزيد حسنهم وصفاء ألوانهم ونضارة وجوههم، وانبثاثهم في مجالسهم، لؤلؤاً مفرقاً، قال عطاء يريد في بياض اللون وحسنه، واللؤلؤ إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه منظوماً.
قال أهل المعاني إنما شبهوا الانتثار لأنهم في الخدمة ولو كانوا صفاً لشبهوا بالمنظوم، قيل إنما شبههم بالمنثور لأنهم سراع في الخدمة بخلاف الحور العين فإنه شبههن باللؤلؤ المكنون لأنهن لا يمتهن بالخدمة.
عن أبي عمرو قال: " إن أدنى أهل الجنة منزلاً من يسعى عليه ألف خادم كل خادم على عمل ليس عليه صاحبه، وتلا " إذا رأيتهم حسبتهم، الخ " أخرجه ابن المبارك وهناد وعبد بن حميد والبيهقي في البعث.
الإنسان 76:20
(وإذا رأيت ثم) أي وإذا رميت ببصرك هناك يعني في الجنة، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يدخل الجنة، وثم ظرف مكان مختص بالبعد، والعامل فيها رأيت.
قال الفراء في الكلام " ما " مضمرة أي وإذا رأيت ما ثم كقوله لقد انقطع بينكم أي ما بينكم.
قال الزجاج معترضاً على الفراء أنه لا يجوز إسقاط الموصول وترك الصلة ولكن رأيت يتعدى في المعنى إلى ثم، والمعنى إذا رأيت ببصرك ثم ويعني بثم الجنة، وقيل إن رأيت ليس له مفعول ملفوظ ولا مقدر ولا منوي بل معناه أن بصرك أينما وقع في الجنة (رأيت نعيماً) لا يوصف، والنعيم سائر ما يتنعم به.
(وملكاً كبيراً) لا يقادر قدره، قال السدي الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم وكذا قال مقاتل والكلبي وقيل واسعاً لا غاية له، وقيل كون التيجان على رؤوسهم كما تكون على رؤوس الملوك وأعظمهم منزلة من ينظر إلى وجه ربه كل يوم.
الإنسان 76:21
(عاليهم ثياب سندس) قرأ نافع وحمزة وابن محيصن عاليهم بسكون الياء وكسر الهاء وهي سبعية على أنه خبر مقدم وثياب مبتدأ مؤخر أو على أن عاليهم مبتدأ ثياب مرتفع بالفاعلية وأن لم يعتمد الوصف كما هو مذهب الأخفش، وقال الفراء: هو مرفوع بالابتداء وخبره ثياب واسم الفاعل مراد به الجمع.
وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الهاء لتحرك ما قبلها على أنه ظرف كأنه قيل فوقهم ثياب قال الفراء إن عاليهم بمعنى فوقهم، وكذا قال ابن عطية.
قال أبو حيان عال وعالية اسم فاعل فيحتاج في كونهما ظرفين إلى أن يكون منقولاً من كلام العرب، وقد تقدمه إلى هذا الزجاج، وقال هذا مما لا نعرفه في الظروف، ولو كان ظرفاً لم يجز إسكان الياء ولكنه نصب على الحال من شيئين أحدهما الهاء والميم في قوله يطوف عليهم، أي على الأبرار ثياب سندس، أي يطوف عليهم في هذه الحال.
والثاني أن يكون حالاً من الولدان أي إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤاً منثوراً في حال علو الثياب أبدانهم.
قلت: قد وردت ألفاظ من صيغ أسماء الفاعلين ظروفاً نحو خارج الدار وداخلها وباطنها وظاهرها فكذلك هذا فلا وجه للإنكار، وقال أبو علي الفارسي: العامل في الحال إما لقاهم نضرة وإما جزاهم بما صبروا قال ويجوز أن يكون ظرفاً.
وقرىء (عليهم) وهي قراءة واضحة المعنى ظاهرة الدلالة، واختار أبو عبيد الأولى لقراءة ابن مسعود (عاليتهم).
وقرأ الجمهور ثياب سندس بالإضافة على معنى " من " وقرأ أبو حيوة وابن أبي عبلة بفكها ورفع سندس، و (خضر واستبرق) على أن السندس نعت للثياب لأن السندس نوع منها وعلى أن خضر نعت لسندس لأنه يكون أخضر وغير أخضر، وعلى أن استبرق معطوف على سندس أي وثياب استبرق.
والجمهور من القراء اختلفوا في خضر واستبرق مع اتفاقهم على جر سندس بإضافة ثياب إليه، فقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم وابن محيصن بجر خضر نعتاً لسندس، ورفع استبرق عطفاً على ثياب أي عليهم ثياب سندس، وعليهم استبرق.
وقرأ أبو عمرو وابن عامر برفع خضر نعتاً لثياب وجر استبرق نعتاً لسندس، واختار هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد لأن الخضر أحسن ما كانت نعتاً للثياب فهي مرفوعة ولاستبرق من جنس السندس.
وقرأ نافع وحفص برفع خضر واستبرق لأن خضراً نعت للثياب واستبرق عطف على الثياب.
وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي بجر خضر واستبرق على أن خضراً نعت للسندس واستبرق معطوف على سندس.
واستشكل على هذه القراءة وكذا على قراءة جر الأول ورفع الثاني بوقوع خضر الذي هو جمع نعتاً لسندس الذي هو مفرد.
والجواب أن السندس اسم جنس واحده سندسة، ووصف اسم الجنس بالجمع شائع فصيح على حد (وينشيء السحاب الثقال) وقرأوا كلهم بصرف استبرق إلا ابن محيصن فإنه قرأ بعدم صرفه قال لأنه أعجمي، ولا وجه لهذا لأنه نكرة إلا أن يقول أنه علم لهذا الجنس من الثياب، والسندس ترقَّ من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه، وقد تقدم تفسيرهما في سورة الكهف.
(وحلوا أساور من فضة) عطف على يطوف عليهم ماض لفظاً مستقبل معنى وأبرزه بالماضي لتحققه.
ذكر سبحانه هنا أنهم يحلون بأساور الفضة، وفي سورة فاطر (يحلون فيها من أساور من ذهب) وفي سورة الحج (يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤاً).
ولا تعارض بين هذه الآيات لإمكان الجمع بأن تجعل لهم سوارات من ذهب وفضة ولؤلؤ لتجتمع لهم محاسن الجنة أو بأن المراد لهم يلبسون سوارات الذهب تارة، وسوارات الفضة تارة، وسوارات اللؤلؤ تارة، وأنه يلبس كل أحد منه ما تميل إليه نفسه من ذلك أو حلي الرجال الفضة وحلي النساء الذهب، وقيل أسورة الفضة إنما تكون للولدان، وأسورة الذهب للنسوان، وقيل هذا بحسب الأوقات والأعمال.
(وسقاهم ربهم شراباً طهوراً) هذا نوع آخر من الشراب الذي يمن الله عليهم به يفوق على النوعين المتقدمين، ولذلك أسند سقياه إلى الله ووصفه بالطهورية فإنه يطهر شاربه عن الميل إلى اللذات الحسية، والركون إلى ما سوى الحق فيتجرد لمطالعة جماله، متلذذاً بلقائه باقياً ببقائه، وهو منتهى درجات الصديقين.
قال الفراء يقول هو طهور ليس بنجس كما كان في الدنيا موصوفاً بالنجاسة أي لم تمسه الأيدي ولم تدنسه الأرجل، وقيل لا يستحيل بولاً، وطهور صيغة مبالغة في الطهارة والنظافة.
والمعنى أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا، فشتان ما بين الشرابين والآنيتين والمنزلتين، قال مقاتل هو عين ماء على باب الجنة من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش وغل وحسد.
قال أبو قلابة وإبراهيم والنخعي يؤتون بالطعام فإذا كان آخره أتوا بالشراب الطهور فيشربون فتضمر بطونهم من ذلك ويفيض عرق من أبدانهم مثل ريح المسك ثم يقال لهم بعد دخولهم في الجنة ومشاهدتهم نعيمها.
الإنسان 76:22
(إن هذا) الذي ذكر من أنواع النعم (كان) في علم الله (لكم جزاء) بأعمالكم أي ثواباً لها أعده لكم إلى هذا الوقت (وكان سعيكم مشكوراً) أي كان عملكم في الدنيا بطاعة الله مرضياً مقبولاً مقابلاً بالثواب، وشكر الله سبحانه لعمل عبده هو قبوله لطاعته.
الإنسان 76:23
(إنا نحن نزلنا عليك القرآن تنزيلاً) أي فرقناه في الإنزال ولم ننزله جملة واحدة لحكمة بالغة تقتضي تخصيص كل شيء بوقت معين، قيل المعنى نزلناه عليك ولم تأت به من عندك كما يدعيه المشركون، والمقصود من ذلك تثبيت قلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وشرح صدره وإن الذي أنزل عليه وحي ليس بكهانة ولا سحر لتزول الوحشة الحاصلة له من قول الكفار إنه كهانة أو سحر.
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (24) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (25) وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا (26) إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27) نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا (28) إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (31)
الإنسان 76:24
(فاصبر لحكم ربك) أي لقضائه ومن حكمه وقضائه تأخير نصرك إلى أجل اقتضته حكمته، قيل هذا منسوخ بآية السيف (ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً) أي لا تطع كل واحد من مرتكب لإثم وغال في كفر، فنهاه الله سبحانه وتعالى عن ذلك.
قال الزجاج: إن الألف هنا آكد من الواو وحدها لأنك إذا قلت لا تطع زيداً وعمراً فأطاع أحدهما كان غير عاص لأنك أمرته أن لا يطيع الاثنين، فإذا قال منهم آثماً أو كفوراً دل ذلك على أن كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك إذا قلت لا تخالف الحسن أو ابن سيرين فقد قلت أنهما أهل أن يتبعا، وكل واحد منهما أهل أن يتبع.
وقال الفراء " أو " هنا بمنزلة لا كأنه قال ولا كفوراً، وقيل المراد بقوله (آثماً) عتبه ابن ربيعة وبقوله (أو كفوراً) الوليد بن المغيرة لأنهما قالا للنبي صلى الله عليه وسلم ارجع عن هذا الأمر ونحن نرضيك بالمال والتزويج.
الإنسان 76:25
(واذكر اسم ربك بكرة وأصيلاً) أي دم على ذكره في جميع الأوقات وقيل المعنى صل لربك أول النهار وآخره، فأول النهار صلاة الصبح، وآخره صلاة العصر، قال البيضاوي دم على صلاة الفجر والظهر والعصر، فإن الأصيل يتناول وقتيهما، وفي الشهاب تناول الأصيل للعصر ظاهر، وأما تناوله للظهر فباعتبار آخره إذ الزوال وما يقرب منه لا يسمى أصيلاً.
الإنسان 76:26
(ومن الليل فاسجد له) أي صل المغرب والعشاء وقيل المراد الصلاة في بعضه من غير تعيين، ومن للتبعيض على كل تقدير والفاء دالة على معنى الشرطية والتقدير مهما يكن من شيء فصل من الليل، وهو يفيد أيضاًً بتأكيده الاعتناء التام (وسبحه ليلاً طويلاً) أي نزهه عما لا يليق به فيكون المراد الذكر بالتسبيح سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وقيل المراد التطوع في الليل.
قال ابن زيد وغيره إن هذه الآية منسوخة بالصلوات الخمس، وقيل الأمر للندب وقيل هو مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
وفيه دليل على عدم صحة ما قاله بعض أهل علم المعاني والبيان أن الجمع بين الحاء والهاء مثلاً يخرج الكلمة عن فصاحتها وجعلوا من ذلك قول أبي تمام:
كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي، وإذا ما لمته لمته وحدي
ويمكن أن يفرق بين ما أنشدوه وبين الآية الكريمة بأن التكرار في البيت هو المخرج له عن الفصاحة بخلاف الآية فإنه لا تكرار فيها ذكره السمين.
الإنسان 76:27
(إن هؤلاء) يعني كفار مكة ومن هو موافق لهم (يحبون) الدار (العاجلة) وهي دار الدنيا (ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً) أي يتركون ويدعون خلفهم أو بين أيديهم وأمامهم يوماً شديداً عسيراً وهو القيامة، وسمي ثقيلاً لما فيه من الشدائد والأهوال، ووصفه بالثقل على المجاز لأنه من صفات الأعيان لا المعاني، ومعنى كونهم يذرونه وراءهم أنهم لا يستعدون له ولا يعبأون به، فهم كمن ينبذ الشيء وراء ظهره تهاوناً به واستخفافاً بشأنه، وإن كانوا في الحقيقة مستقبلين له وهو أمامهم.
الإنسان 76:28
(نحن خلقناهم) أي ابتدأنا خلقهم من تراب ثم من نطفة ثم من مضغة ثم من علقة إلى أن كمل خلقهم، ولم يكن لغيرنا في ذلك عمل ولا سعي، لا اشتراكاً ولا استقلالاً (وشددنا أسرهم) الأسر شدة الخلق يقال شد الله أسر فلان أي قوى خلقه، قال مجاهد وقتادة ومقاتل وغيرهم: شددنا خلقهم، قال الحسن شددنا وربطنا أوصالهم بعضاً إلى بعض بالعروق والعصب.
قال أبو عبيدة: يقال فرس شديد الأسر أي الخلق وقال ابن زيد الأسر القوة واشتقاقه من الأسار وهو القد الذي تشد به الأقتاب، قال ابن عباس: أسرهم خلقهم وقال: أبو هريرة هي المفاضل، وقيل المراد بالأسر عَجْبُ الذنب لأنه لا يتفتت في القبر والأسر بالضم احتباس البول كالحصر في الغائط.
(وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلاً) أي لو شئنا لأهلكناهم وجئنا بأطوع لله منهم، وقيل المعنى مسخناهم إلى أسمج صورة وأقبح خلقه.
الإنسان 76:29
(إن هذه تذكرة) يعني أن هذه السورة تذكير وموعظة للخلق لأن في تصفحها تنبيهات للغافلين، وفي تدبرها وتذكرها فوائد جمة للطالبين السالكين ممن ألقى سمعه وأحضر قلبه، وكانت نفسه مقبلة على ما ألقى إليه سمعه (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً) أي طريقاً يتوصل به إليه، وذلك بالإيمان والطاعة والمراد إلى ثوابه أو إلى جنته، لأنا بينا الأمور غاية البيان وكشفنا اللبس، وأزلنا جميع موانع الفهم، فلم يبق مانع من استطراق الطريق غير مشيئة العبد.
الإنسان 76:30
(وما تشاؤون) أن تتخذوا إلى الله سبيلاً، وفيه التفات عن الغيبة في خلقناهم إلى الخطاب، وقرىء بالياء التحتية لمناسبة قوله خلقناهم.
وقوله: (إلا أن يشاء الله) منصوب على الظرفية وأصله إلا وقت مشيئة الله فالأمر إليه سبحانه ليس إليكم والخير والشر بيده لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، فمشيئة العبد مجردة لا تأتي بخير، ولا تدفع شراً وإن كان يثاب على المشيئة الصالحة ويؤجر على قصد الخير كما في حديث " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى " [[سبق ذكره.]] قال الزجاج أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة الله، والآية حجة على المعتزلة والقدرية (إن الله كان عليماً) أي بليغ العلم بما يكون من الأحوال (حكيماً) بليغ الحكمة في أمره ونهيه، مصيباً في جميع الأقوال والأحوال.
الإنسان 76:31
(يدخل من يشاء في رحمته) أي يدخل في رحمته من يشاء أن يدخله فيها أو يدخل في جنته من يشاء من عباده لأنها برحمته تنال، وهو حجة على المعتزلة، قال عطاء من صدقت نيته أدخله الله تعالى جنته (والظالمين أعد لهم عذاباً أليماً) انتصاب الظالمين بفعل مقدر يدل عليه ما قبله أي يعذب الظالمين لأن ما قبله منصوب أي يدخل من يشاء في رحمته، ويعذب الظالمين أي المشركين، ويكون أعد لهم تفسيراً لهذا المضمر والاختيار النصب وإن جاز الرفع، وبالنصب قرأ الجمهور، وقرأ أبان بن عثمان بالرفع على الابتداء، ووجهه أنه لم يكن بعده فعل يقع عليه.
المرسلات 77:1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سورة المرسلات
هي خمسون آية وهي مكية في قول الحسن وعكرمة وعطاء وجابر
قال قتادة إلا آية منها وهي قوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ) فإنها مدنية وروي هذا عن ابن عباس.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال: بينما نحن مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في غار بمنى إذ نزلت سورة (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) فإنه ليتلوها وإني لأتلقاها من فيه، وإن فاه لرطب بها إذ وثبت علينا حية فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - اقتلوها فابتدرناها فذهبت، فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - " وق شركم كما وقيتم شرها ".
وأخرج الشيخان وغيرهما عن ابن عباس أن أم الفضل سمعته وهو يقرأ (وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا) فقالت: يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة إنها آخر ما سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها في المغرب ".
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (5) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10)
(والمرسلات عرفاً) قال جمهور المفسرين هي الرياح، روي عن ابن مسعود قال إنه الريح وقيل هي الملائكة، وبه قال مقاتل وأبو صالح والكلبي، وقال أبو هريرة: هي الملائكة أرسلت بالعرف، وعن ابن مسعود مثله، وقيل هم الأنبياء.
فعلى الأول أقسم سبحانه بالرياح المرسلة لما يأمرها به كما في قوله (وأرسلنا الرياح لواقح) وقوله (ويرسل الرياح) وغير ذلك وعلى الثاني أقسم سبحانه بالملائكة المرسلة لوحيه وأمره ونهيه، وعلى الثالث أقسم برسله المرسلة إلى عباده لتبليغ شرائعه، وقيل المراد بالمرسلات السحاب لما فيها من نقمة ونعمة [[قال ابن جرير الطبري: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إن الله تعالى ذكره أقسم بالمرسلات عُرفاً، وقد ترسل عرفاً الملائكة، وترسل كذلك الرياح، ولا دلالة تدل على أن المعني بذلك أحد الحزبين دون الآخر، وقد عم جل ثناؤه بإقسامه بكل ما كانت صفته ما وصف، فكل من كانت صفته كذلك، فداخل في قسمه ذلك، ملكاً أو ريحاً أو رسولاً من بني آدم مرسلاً. وقال ابن كثير: والأظهر أن المرسلات: هي الرياح، كما قال تعالى: (وأرسلنا الرياح لواقح) وقال تعالى: (وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته) وهكذا العاصفات هي الرياح، يقال: عصفت الرياح: إذا هبت بتصويت، وكذا الناشرات: هي الرياح التي تنشر السحاب في آفاق السماء كما يشاء الرب عز وجل.]].
وإنتصاب (عرفاً) إما على أنه مفعول لأجله أي المرسلات لأجل العرف وهو ضد النكر أو على أنه حالط بمعنى متتابعة يتبع بعضها بعضاً كعرف الفرس، تقول العرب سار الناس إلى فلان عرفاً واحداً إذا توجهوا إليه، وهم على فلان كعرف الضبع إذا تألبوا عليه، أو على أنه مصدر كأنه قال والمرسلات إرسالاً أي متتابعة، أو على أنه منصوب بنزع الخافض أي والمرسلات بالعرف، قرأ الجمهور (عرفاً) بسكون الراء، وقرأ عيسى بن عمر بضمها.
المرسلات 77:2
(فالعاصفات عصفاً) وهي الرياح الشديدة الهبوب، وقال القرطبي: بغير اختلاف، يقال عصف بالشيء إذا أباده وأهلكه، وناقة عصوف أي تعصف براكبها فتمضي كأنها ريح في السرعة، ويقال عصفت الحرب بالقوم إذا ذهبت بهم، وقيل هي الملائكة الموكلون بالريح، يعصفون بها، وقيل يعصفون بروح الكافر، وقيل هي الآيات المهلكة كالزلازل ونحوها، وقال ابن مسعود هي الريح، وعن علي قال هي الرياح، وبه قال ابن عباس.
المرسلات 77:3
(والناشرات نشراً) يعني الرياح تأتي بالمطر وهي تنشر السحاب نشراً، قال ابن مسعود هي الريح أو الملائكة الموكلون بالسحاب ينشرونها أو ينشرون أجنحتهم في الجو عند النزول بالوحي، أو هي الأمطار لأنها تنشر النبات، وقال الضحاك: يريد ما ينشر من الكتب وأعمال بني آدم، قال الربيع: أنه البعث للقيامة ينشر الأرواح وجاء بالواو هنا لأنه إستئناف قسم آخر.
المرسلات 77:4
(فالفارقات فرقاً) يعني الملائكة تأتي بما يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام وقال مجاهد هي الريح تفرق بين السحاب فتبدده، وروي عنه أنها آيات القرآن تفرق بين الحق والباطل، وقيل هي الرسل فرقوا بين ما أمر الله به ونهى عنه، وبه قال الحسن قال ابن عباس هي الملائكة فرقت بين الحق والباطل.
المرسلات 77:5
(فالملقيات ذكراً) هي الملائكة قال القرطبي: بإجماع أي تلقي الوحي إلى الأنبياء، وقيل هو جبريل وسمي بإسم الجمع تعظيماً له، وقيل هي الرسل يلقون إلى أممهم ما أنزل الله عليهم، قاله قطرب، قال ابن عباس: فالملقيات ذكراً قال بالتنزيل.
قرأ الجمهور ملقيات بسكون اللام وتخفيف القاف إسم فاعل.
وقرأ ابن عباس بفتح اللام وتشديد القاف من التلقية وهي إيصال الكلام إلى المخاطب.
أقسم سبحانه بصفات خمسة موصوفها محذوف فجعله بعضهم الرياح في الكل، وبعضهم جعله الملائكة في الكل، وبعضهم غاير فجعله تارة الرياح وتارة الملائكة، وجعل الجلال المحلي الصفات الثلاث الأول لموصوف واحد وهو الرياح، وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات وجعل الخامسة لموصوف ثالث وهو الملائكة، ولم يسلك هذه الطريق غيره من المفسرين.
وعبارة النهر: ولما كان للمقسم به موصوفات قد حذفت وأقيمت صفاتها مقامها وقع الخلاف في تلك الموصوفات، والذي يظهر أن المقسم به شيئان، ولذلك جاء العطف بالواو في (والناشرات) والعطف بالواو يشعر بالتغاير، وأما العطف بالفاء إذا كان في الصفات فيدل على أنها راجعة لموصوف واحد:
وإذا تقرر هذا فالظاهر أنه أقسم أولاً بالرياح ويدل عليه عطف الصفة بالفاء، والقسم الثاني فيه ترق إلى أشرف من المقسم به الأول وهم الملائكة، ويكون قوله (فالفارقات، فالملقيات) من صفاتهم وإلقاؤهم للذكر وهو ما أنزل الله تعالى صحيح إسناده إليهم.
وما ذكر من اختلاف المفسرين في المراد بهذه الأوصاف ينبغي أن يحمل على التمثيل لا على التعيين، والراجح أن الأوصاف الثلاثة الأول للرياح، والرابع والخامس للملائكة، وهو الذي اختاره الزجاج والقاضي وغيرهما.
المرسلات 77:6
(عذراً أو نذراً) انتصابهما على البدل من (ذكراً) أو على المفعولية والعامل فيهما المصدر المنون كما في قوله تعالى (أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا) أو على المفعول لأجله أي للإعذار والإنذار، أو على الحال بالتأويل المعروف أي معذرين أو منذرين.
قرأ الجمهور بإسكان الذال فيهما، وقريء بضمها وبسكونها في (عذراً) وضمها في نذراً.
وقرأ الجمهور عذراً أو نذراً على العطف بأو، وقرىء بالواو.
والمعنى أن الملائكة تلقي الوحي إعذاراً من الله إلى خلقه وإنذاراً من عذابه، كذا قال الفراء، وقيل عذراً للمحقين ونذراً للمبطلين.
قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون العذر والنذر بالتثقيل جمع عاذر وناذر كقوله (هذا نذير من النذر الأولى) فيكون نصباً على الحال من الإلقاء أي يلقون الذكر في حال العذر والإنذار، قال المبرد هما بالتثقيل جمع والواحد عذير ونذير، وقيل الإعذار محو الإساءة، والإنذار التخويف، والأول أظهر.
ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال
المرسلات 77:7
(إنما توعدون لواقع) أي إن الذي توعدونه من مجيء الساعة والبعث كائن لا محالة ما إسم الموصول، والقاعدة أنها إذا كانت كذلك ترسم مفصولة من أن ورسمت هنا موصولة بها إتباعاً لرسم المصحف الإمام.
ثم بين سبحانه متى يقع ذلك فقال
المرسلات 77:8
(فإذا النجوم طمست) أي محي نورها وذهب ضؤها يقال طمس الشيء إذا درس وذهب أثره
المرسلات 77:9
(وإذا السماء فرجت) أي فتحت وشقت ومثله قوله (وفتحت السماء فكانت أبواباً)
المرسلات 77:10
(وإذا الجبال نسفت) أي قلعت من مكانها بسرعة، يقال نسفت الشيء وأنسفته إذا أخذته بسرعة، وقال الكلبي سويت بالأرض، والعرب تقول نسفت الناقة الكلأ إذا رعته، وقيل جعلته كالحب الذي ينسف بالمنسف، ومنه قوله (وبست الجبال بسّا) والأول أولى، قال المبرد: نسفت قلعت من مواضعها.
وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (15) أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (19) أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (24)
المرسلات 77:11
(وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ) الهمزة بدل من الواو المضمومة، وكل واو انضمت وكانت ضمتها لازمة يجوز إبدالها بالهمزة، وقد قرىء بالواو، والوقت الأجل الذي يكون عنده الشيء المؤخر إليه.
والمعنى جعل لها وقت للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم كما في قوله سبحانه (يوم يجمع الله الرسل) وقيل هذا في الدنيا أي جمعت الرسل لميقاتها الذي ضرب لها في إنزال العذاب بمن كذبها، والأول أولى، قال أبو علي الفارسي أي جعل يوم الدين والفصل لها وقتاً، وقيل أقتت أرسلت لأوقات معلومة على ما علم الله به.
المرسلات 77:12
(لأي يوم أجلت) هذا الإستفهام للتعظيم والتعجيب، أي لأي يوم عظيم تعجب العباد منه لشدته ومزيد أهواله ضرب لهم الأجل لجمعهم، والجملة مقول قول مقدر هو جواب لإذا أو في محل نصب على الحال من الضمير في أقتت، قال الزجاج المراد بهذا التأقيت تبيين الوقت الذي يحضرون فيه للشهادة على أممهم.
ثم بين هذا اليوم فقال
المرسلات 77:13
(ليوم الفصل) قال قتادة يفصل فيه بين الناس بأعمالهم إلى الجنة والنار، ثم أتبع ذلك تعظيماً وتهويلاً فقال
المرسلات 77:14
(وما أدراك ما يوم الفصل) أي وما أعلمك بيوم الفصل يعني أنه أمر بديع هائل لا يقادر قدره، وما مبتدأ وأدراك خبره أو العكس كما اختاره سيبويه.
ثم ذكر حال الذين كذبوا بذلك اليوم فقال
المرسلات 77:15
(ويل يومئذ للمكذبين) أي ويل لهم في ذلك اليوم الهائل، قال الزمخشري ويل أصله مصدر ساد مسد فعله لكنه عدل به إلى الرفع للدلالة على الثبات.
قلت: سوغ الإبتداء به كونه دعاء لا ما ذكره الزمخشري، ويجوز ويلاً بالنصب ولكنه لم يقرأ به، والويل الهلاك أو هو إسم واد في جهنم، قال ابن مسعود يسيل فيه صديد أهل النار فجعل للمكذبين.
وكررت هذه الآية في هذه السورة عشر مرات لأنه قسم الويل بينهم على قدر تكذيبهم، فإن لكل مكذب بشيء عذاباً سوى تكذيبه بشيء آخر، ورب شيء كذب به هو أعظم جرماً من التكذيب بغيره، فيقسم له من الويل على قدر ذلك التكذيب.
وقال الكرخي: التكرار في مقام الترغيب والترهيب مستحسن لا سيما إذا تغيرت الآيات السابقة على المرات المكررة كما هنا.
ذكر سبحانه ما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال
المرسلات 77:16
(ألم نهلك الأولين) أخبر سبحانه بإهلاك الكفار من الأمم الماضية من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم كقوم نوح وعاد وثمود، قال مقاتل يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم، والإستفهام إنكاري وهو داخل على نفي، ونفي النفي إثبات، ويعبر عنه بالإستفهام التقريري والمراد به طلب الإقرار بما بعد النفي.
المرسلات 77:17
(ثم نتبعهم الآخرين) يعني كفار مكة ومن وافقهم حين كذبوا محمداً صلى الله عليه وآله وسلم، قرأ الجمهور نتبعهم بالرفع على الإستئناف أي ثم نحن نتبعهم، كذا قدره أبو البقاء، وقال ليس بمعطوف لأن العطف يوجب أن يكون المعنى أهلكنا الأولين ثم أتبعناهم الآخرين في الهلاك، وليس كذلك لأن إهلاك الآخرين لم يقع بعد، ويدل على الرفع قراءة ابن مسعود (ثم سنتبعهم الآخرين) بسين التنفيس.
وقرىء بالجزم عطفاً على نهلك، قال شهاب الدين على جعل الفعل معطوفاً على مجموع الجملة من قوله ألم نهلك، والمراد بالآخرين حينئذ قوم شعيب ولوط وموسى، وبالأولين قوم نوح وعاد وثمود.
المرسلات 77:18
(كذلك نفعل بالمجرمين) أي مثل ذلك الفعل الفظيع نفعل بهم، يريد من يهلكه فيما بعد، والكاف في موضع نصب على النعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الإهلاك نفعل بكل مشرك إما في الدنيا أو في الآخرة.
المرسلات 77:19
(ويل يومئذ للمكذبين) أي ويل يوم ذلك الإهلاك للمكذبين بكتب الله ورسله، قيل والويل الأول لعذاب الآخرة وهذا لعذاب الدنيا، والتكرير للتوكيد شائع في كلام العرب.
المرسلات 77:20
(ألم نخلقكم من ماء مهين) أي ضعيف حقير قذر منتن ذليل وهو النطفة، قال ابن عباس مهين ضعيف، هذا نوع آخر من تخويف الكفار.
ونظيره قوله سبحانه (ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين).
المرسلات 77:21
(فجعلناه في قرار مكين) أي مكان حريز وهو الرحم يحفظ فيه المني من الآفات المفسدة له كالهواء
المرسلات 77:22
(إلى قدر معلوم) أي إلى مقدار قدره الله تعالى للولادة وهو مدة الحمل وهو تسعة أشهر أو ما فوقها أو ما دونها، وقيل إلى أن يصور.
المرسلات 77:23
(فقدرنا) قرأ الجمهور بالتخفيف من القدرة ويدل عليه (فنعم القادرون) وقرىء بالتشديد من التقدير، وهو موافق لقوله (من نطفة خلقه فقدره) قال الكسائي والفراء وهما لغتان بمعنى قدرت كذا وقدرته (فنعم القادرون) أي نعم المقدرون نحن، قيل المعنى قدرناه قصيراً أو طويلاً، وقيل قدرنا أي ملكنا.
المرسلات 77:24
(ويل يومئذ للمكذبين) بقدرتنا على ذلك أو على الإعادة وبنعمة الفطرة.
أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (26) وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (27) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (28) انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (29) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (30) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (31) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ (33) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (34)
ثم بين لهم بديع صنعه وعظيم قدرته ليعتبروا فقال
المرسلات 77:25
(ألم نجعل الأرض كفاتاً) معنى الكفت في اللغة الضم والجمع، ويقال كفت الشيء إذا ضمه وجمعه، ومن هذا يقال للجراب والقدر كفت، والكفات بالكسر الموضع الذي يكفت فيه شيء أي يضم، ذكره المختار والقاموس، وقال المحلي: مصدر كفت وفيه نظر لأن كفت من باب ضرب، فالحق أنه إسم مكان وقيل جمع كافت كصيام وقيام، وقيل مصدر كالكتاب والحساب.
وقال الأخفش: كفاتاً جمع كافتة والأرض يراد بها الجمع فنعتت بالجمع. وقال الخليل: التكفت تقليب الشيء ظهراً لبطن أو بطناً لظهر، ويقال إنكفت القوم إلى منازلهم أي ذهبوا.
والمعنى ألم نجعل الأرض ضامة للأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها، تضمهم وتجمعهم قال الفراء يريد تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتاً في بطنها أي تحوزهم، وهو معنى قوله
المرسلات 77:26
(أحياء وأمواتاً) والتنكير فيهما للتفخيم أي تكفت أحياء لا يعدون وأمواتاً لا يحصرون، وقال أبو عبيدة: (كفاتاً) أوعية، وقيل معنى جعلها كفاتاً أنه يدفن فيها ما يخرج من الإنسان من الفضلات، وقال ابن عباس: (كفاتاً) كنا.
وقال الأخفش وأبو عبيدة: الأحياء والأموات وصفان للأرض أي الأرض منقسمة إلى حي وهو الذي ينبت، وإلى ميت وهو الذي لا ينبت.
قال الفراء: إنتصاب أحياء وأمواتاً لوقوع الكفات عليه أي ألم نجعل الأرض كفات أحياء وأموات، فإذا نون نصب ما بعده، وقيل نصباً على الحال من الأرض أي منها كذا ومنها كذا، وقيل هو مصدر نعت به للمبالغة.
المرسلات 77:27
(وجعلنا فيها رواسي شامخات) أي جبالاً مرتفعات طوالاً، والرواسي الثوابت، والشامخات الطوال وكل عال فهو شامخ، وقال ابن عباس: جبالاً مشرفات وقيل ثوابت عاليات.
(وأسقيناكم ماء فراتاً) أي عذباً قاله ابن عباس، والفرات الماء العذب يشرب منه ويسقى به، قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث، روي أن في الأرض من الجنة سيحان وجيحان والفرات والنيل كلها من أنهار الجنة
المرسلات 77:28
(ويل يومئذ للمكذبين) بما أنعمنا عليهم من نعمنا التي هذه من جملتها.
المرسلات 77:29
(انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) في الدنيا يقول لهم ذلك خزنة جهنم توبيخاً وتقريعاً أي سيروا إليه من العذاب، وهو عذاب النار.
المرسلات 77:30
(انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب) أي إلى ظل من دخان جهنم قد سطع ثم افترق ثلاث فرق يكونون فيه حتى يفرغ من الحساب، وهذا شأن الدخان العظيم إذا ارتفع تشعب شعباً.
قرأ الجمهور انطلقوا في الموضعين على صيغة الأمر على التأكيد، وقرىء بصيغة الماضي في الثاني أي لما أمروا بالإنطلاق امتثلوا ذلك فانطلقوا، وقيل المراد بالظل هنا هو السرادق، وهو لسان من النار تحيط بهم ثم تتشعب ثلاث شعب فتظلهم حتى يفرغ من حسابهم ثم يصيرون إلى النار، وقيل هو الظل من يحموم كما في قوله (فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ) على ما تقدم، وقيل أن الشعب الثلاث هي الضريع والزقوم والغسلين لأنها أوصاف النار.
ثم وصف سبحانه هذا الظل تهكماً بهم فقال
المرسلات 77:31
(لا ظليل) كنين يظلهم من حر ذلك اليوم، وهذا تهكم بهم ورد لما أوهمه لفظ الظل (ولا يغني) أي لا يرد عنهم شيئاًً (من اللهب) أي النار، قال الكلبي لا يرد حر جهنم عنكم.
ثم وصف سبحانه النار فقال
المرسلات 77:32
(إنها ترمي بشرر كالقصر) العظيم أي كل شررة من شررها التي ترمي بها كالقصر من القصور في عظمها، والشرر ما تطاير من النار متفرقاً، والقصر البناء العظيم، وقيل القصر جمع قصرة ساكنة الصاد مثل جمر وجمرة وتمر وتمرة وهي الواحدة من جزل الحطب الغليظ، قال سعيد بن جبير والضحاك وهي أصول الشجر العظام، وقيل أعناقه.
قرأ الجمهور كالقصر بإسكان الصاد وهو واحد القصور كما تقدم، وقرىء بفتحها أي أعناق النخل والقصرة العنق جمعه قصر وقصرات، وقال قتادة: أعناق الإبل.
وقرأ سعيد بن جبير: بكسر القاف وفتح الصاد وهي جمع أيضاًً لقصرة مثل بدر وبدرة وقصع قصعة.
وقرأ الجمهور بشرر بفتح الشين، وقرأ ابن عباس وابن مقسم شرار بكسرها مع ألف بين الراءين، وقرأ عيسى كذلك إلا أنه بفتح الشين وهي لغات، قال ابن عباس قصر النخل يعني الأعناق، وعنه قال كانت العرب في الجاهلية تقول اقصروا لنا الحطب فيقطع على قدر الذراع والذراعين، وقال ابن مسعود: إنها ليست كالشجر والجبال، ولكنها مثل المدائن والحصون.
ثم شبه الشرر باعتبار لونه فقال
المرسلات 77:33
(كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) قرأ حمزه والكسائي وحفص جمالة جمع جمل، وقرأ الجمهور جمالات بكسر الجيم وهي جمع جمال وهي الإبل أو جمع جمالة، وقرىء بضم الجيم وهي حبال السفن، قال ابن عباس: جمالات صفر قطع النحاس.
عن عبد الرحمن بن عابس قال: " سمعت ابن عباس يسأل عن قوله (بشرر كالقصر) قال كنا نرفع الخشب بقدر ثلاثة أذرع أو أقل فنرفعه للشتاء فنسميه القصر، قال وسمعته يسأل عن قوله (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ) قال حبال السفن يجمع بعضها إلى بعض حتى تكون كأوساط الرجال ".
ولفظ البخاري " كنا نعمد إلى الخشبة ثلاثة أذرع وفوق ذلك فنرفعه للشتاء فنسميه القصر (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ)، حبال السفن تجمع حتى تكون كأوساط الرجال " وعنه قال هي الإبل.
قال الواحدي الصفر معناها السود في قول المفسرين، قال الفراء الصفر سود الإبل لا يرى أسود من الإبل إلا وهو مشرب صفرة لذلك سمت العرب سود الإبل صفراً، قيل والشرر إذا تطاير وسقط وفيه بقية من لون النار أشبه شيء بالإبل السود.
قيل وهذا القول محال في اللغة أن يكون شيء يشوبه شيء قليل فينسب كله إلى ذلك الشائب فالعجب لمن قال بهذا وقد قال تعالى (جِمَالَتٌ صُفْرٌ) وأجيب أن وجهه أن النار خلقت من النور فهي مضيئة، فلما خلق الله جهنم هي موضع النار حشى ذلك الموضع بتلك النار وبعث إليها سلطانه وغضبه فاسودت من سلطانه وإزدادت سواداً وصارت أشد سوادا من كل شيء فيكون شررها أسود لأنه من نار سوداء.
قلت هذا الجواب البارد لا يدفع ما قاله القائل لأن كلامه باعتبار ما وقع في الكتاب العزيز هنا من وصفها بكونها صفراً، فلو كان الأمر كما ذكره المجيب من اسوداد النار واسوداد شررها لقال الله تعالى كأنها جمالات سود، ولكن إذا كانت العرب تسمى الأسود أصفر لم يبق إشكال لأن القرآن نزل بلغتهم، وقد نقل الثقات عنهم ذلك ويدل عليه الحديث في صفة جهنم وفي آخره " فهي سوداء مظلمة " فكان ما في القرآن هنا وارداً على هذا الإستعمال العربي
المرسلات 77:34
(ويل يومئذ للمكذبين) لرسل الله وآياته.
هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (35) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (36) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (37) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (38) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ (39) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (40) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (41) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (42) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (44) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (45) كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (46) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (47) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (48) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (50)
المرسلات 77:35
(هذا يوم لا ينطقون) أي لا يتكلمون، قرأ الجمهور برفع يوم على أنه خبر لإسم الإشارة، وقرأ زيد بن علي والأعرج والأعمش وغيرهم بالفتح على البناء لإضافته إلى الفعل ومحله الرفع على الخبرية، وقيل هو منصوب على الظرفية.
قال الواحدي قال المفسرون: في يوم القيامة مواقف ففي بعضها يتكلمون وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون، وقد قدمنا الجمع بهذا في غير موضع، وقيل إن هذا إشارة إلى وقت دخولهم النار وهم عند ذلك لا ينطقون لأن مواقف السؤال والحساب قد انقضت، وقال الحسن لا ينطقون بحجة وإن كانوا ينطقون، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الوعيد كأنه قيل هذا العقاب المذكور كائن يوم لا ينطقون.
وعن عكرمة قال: " سأل نافع بن الأزرق: ابن عباس عن قوله (هذا يوم لا ينطقون) و (لا تسمع لهم إلا همساً) و (أقبل بعضهم على بعض يتساءلون)، و (هاؤم إقرأوا كتابيه) فقال له ويحك هل سألت عن هذا أحداً قبلي؟ قال لا قال أما إنك لو كنت سألت هلكت. أليس قال الله (وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون) قال بلى، قال فإن لكل مقدار يوم من هذه الأيام لوناً من الألوان ".
المرسلات 77:36
(ولا يؤذن لهم فيعتذرون) قرأ الجمهور يؤذن على البناء للمفعول، وقرأ زيد بن علي لا يأذن على البناء للفاعل أي لا يأذن الله لهم أي لا يكون لهم إذن من الله فيكون لهم اعتذار من غير أن يجعل الإعتذار مسبباً عن الأذن كما لو نصب، قال الفراء الفاء في (فيعتذرون) نسق على يؤذن وأجيز ذلك لأن أواخر الكلام بالنون ولو قال فيعتذروا لم يوافق الآيات، وقد قال (لا يقضى عليهم فيموتوا) بالنصب والكل صواب
المرسلات 77:37
(ويل يومئذ للمكذبين) بما دعتهم إليه الرسل وأنذرتهم عاقبته.
المرسلات 77:38
(هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين) أي ويقال لهم هذا يوم الفصل الذي يفصل فيه بين الخلائق، ويتميز فيه الحق من الباطل، والخطاب في (جمعناكم) للكفار في زمن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم والمراد بالأولين كفار الأمم الماضية.
المرسلات 77:39
(فإن كان لكم كيد) أي إن قدرتم على حيلة في دفع العذاب عنكم الآن (فيكيدون) أي فافعلوها، وهذا تقريع لهم وتهكم وتوبيخ قال مقاتل يقول إن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم، وقيل المعنى فإن قدرتم على حرب فحاربون، وقيل إن هذا من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيكون كقول هود (فكيدوني جميعاً ثم لا تنظرون)
المرسلات 77:40
(ويل يومئذ للمكذبين) بالبعث لأنه قد ظهر لهم عجزهم وبطلان ما كانوا عليه في الدنيا.
ثم لما ذكر سبحانه في سورة الدهر أحوال الكفار في الآخرة على سبيل الإختصار وأطنب في أحوال المؤمنين فيها، ذكر في هذه السورة أحوال الكفار على سبيل الإطناب، وأحوال المؤمنين على سبيل الإيجاز فوقع بذلك التعادل بين السورتين فقال
المرسلات 77:41
(إن المتقين في ظلال وعيون) أي في ظلال الأشجار وظلال القصور لا كالظل الذي للكفار من الدخان ومن النار كما تقدم، قال المحلي أي تكاثف أشجار، وعبارة الكازروني أي تحت أشجار.
قرأ الجمهور (في ظلال) وقرىء في ظل جمع ظلة، قال مقاتل والكلبي: المراد بالمتقين الذين يتقون الشرك بالله لأن السورة من أولها إلى آخرها في تقريع الكفار على كفرهم.
قال الرازي: فيجب أن تكون هذه الآية مذكورة لهذا الغرض وإلا لتفككت السورة في نظمها وترتيبها، وإنما يتم النظم بأن يكون هذا الوعد حاصلاً للمؤمنين بسبب إيمانهم، لأنه لما تقدم وعيد الكافر بسبب كفره وجب أن يقرن ذلك بوعد المؤمن بسبب إيمانه حتى يصير ذلك سبباً في الزجر عن الكفر، فأما أن يقرن به وعد المؤمن بسبب طاعته فلا يليق بالنظر، كذا قال.
والمراد بالعيون الأنهار أي نابعة من ماء وعسل ولبن وخمر كما قال تعالى (فيها أنهار من ماء غير آسن) إلخ.
المرسلات 77:42
(وفواكه مما يشتهون) المراد بالفواكه ما يتفكه به مما تطلبه أنفسهم وتستدعيه شهواتهم فمتى اشتهوا فاكهة وجدوها حاضرة فليست فاكهة الجنة مقيدة بوقت دون وقت كما في أنواع فاكهة الدنيا.
المرسلات 77:43
(كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون) أي يقال لهم ذلك، والقائل لهم الملائكة إكراماً لهم، أو يقال لهم من قبل الله، فالجملة مقدرة بالقول والباء للسببية أي بسبب ما كنتم تعملونه في الدنيا من الأعمال الصالحة.
المرسلات 77:44
(إنا كذلك) أي مثل ذلك الجزاء العظيم (نجزي المحسنين) في أعمالهم وعقائدهم
المرسلات 77:45
(ويل يومئذ للمكذبين) حيث صاروا في شقاء عظيم وصار المؤمنون في نعيم مقيم.
المرسلات 77:46
(كلوا وتمتعوا) خطاب للكفار أي الويل ثابت لهم في حال ما يقال لهم ذلك تذكيراً لهم بحالهم في الدنيا أو يقال لهم هذا في الدنيا، وإنما قال (قليلاً) لأن متاع الدنيا وزمانه قليل لأنه زائل مع قصر مدته في مقابلة مدة الآخرة، وذلك إلى منتهى آجالهم.
قال بعض العلماء التمتع بالدنيا من أفعال الكافرين، والسعي لها من أفعال الظالمين والاطمئنان إليها من أفعال الكاذبين، والسكون فيها على حد الإذن والأخذ منها على قدر الحاجة من أفعال عوام المؤمنين، والإعراض عنها من أفعال الزاهدين، وأهل الحقيقة أجل خطراً من أن يؤثر فيهم حب الدنيا وبغضها وجمعها وتركها.
(إنكم مجرمون) أي المشركون بالله، وهذا وإن كان في اللفظ أمر فهو في المعنى تهديد وزجر عظيم
المرسلات 77:47
(ويل يومئذ للمكذبين) حيث عرضوا أنفسهم للعذاب الدائم بالتمتع القليل.
المرسلات 77:48
(وإذا قيل لهم) أي لهؤلاء المجرمين من أي قائل كان (اركعوا لا يركعون) أي وإذا أمروا بالصلاة لا يصلون، قال مقاتل: " نزلت في ثقيف امتنعوا من الصلاة بعد أن أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بها فقالوا لا ننحني فإنها سبة علينا فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا خير في دين ليس فيه ركوع ولا سجود " وقيل إنما يقال لهم ذلك في الآخرة حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون من أجل أنهم لم يكونوا يسجدون في الدنيا لله سبحانه، قاله ابن عباس [[قال الحافظ ابن حجر في " تخريج الكشاف " 181: هكذا ذكره الثعلبي، قال: وأخرجه أبو داود 3/ 222، وأحمد 4/ 218 وابن أبي شيبة، والطبراني، من رواية الحسن عن عثمان بن أبي العاص به، وأتم منه. قلت: وفيه عنعنة الحسن.]].
وفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وسميت الصلاة باسم جزئها وهو الركوع، وخص هذا الجزء لأنه يقال على الخضوع والطاعة، ولأنه خاص بصلاة المسلمين
المرسلات 77:49
(ويل يومئذ للمكذبين) بأوامر الله سبحانه ونواهيه.
المرسلات 77:50
(فبأي حديث بعده) أي بعد القرآن (يؤمنون) أي يصدقون إذا لم يؤمنوا به، مع أنه آية مبصرة ومعجزة باهرة من بين الكتب السماوية، قرأ الجمهور يؤمنون بالتحتية على الغيبة، وقرأ ابن عامر في رواية عنه ويعقوب بالفوقية على الخطاب.
النبأ 78:1
سورة عمّ
كذا في الخازن والخطيب، وتسمى سورة التساؤل وسورة النبأ، وهي أربعون آية وقيل إحدى وأربعون آية وهي مكيّة عند الجميع، وقال ابن عباس نزلت بمكة، وعن ابن الزبير ومثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7)
(عم يتساءلون) أصله عن ما فأدغمت النون في الميم لأن الميم تشاركها في الغنة، كذا قال الزجاج، وحذفت الألف ليتميز الخبر عن الاستفهام، وكذلك فيم وبم، ونحو ذلك، والمعنى عن أي شيء يسأل بعضهم بعضاً.
قرأ الجمهور: عمَّ بحذف الألف لما ذكرنا، وقرىء بإثباتها، ولكنه قليل لا يجوز إلا للضرورة، وقرىء بهاء السكت عوضاً عن الألف، قال الزجاج: اللفظ لفظ الاستفهام والمعنى تفخيم القصة، كما تقول أي شيء تريد، إذا عظمت شأنه.
قال الشهاب: وهذا الاستفهام لا يمكن حمله على حقيقته لأن المطلوب به لا بد أن يكون مجهولاً عند الطالب، فلذا جعل مجازاً عن الفخامة، لأنه ورد على طريق مخاطبات العرب فالاستفهام بالنسبة إلى الناس.
وقال في النهر: هذا الاستفهام فيه تفخيم وتهويل وتقرير وتعجيب.
قال الواحدي قال المفسرون: " لما بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسم وأخبرهم بتوحيد الله والبعث بعد الموت وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم، يقولون ماذا جاء به محمد، وما الذي أتى به؟ فأنزل الله عم يتساءلون " [[روى ابن جرير الطبري سبب النزول هذا عن الحسن 30/ 1 وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 305 وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن الحسن.]] قال الفراء التساؤل هو أن يسأل بعضهم بعضاً كالتقابل، وقد يستعمل أيضاًً في أن يتحدثوا به وإن لم يكن بينهم سؤال. قال تعالى: (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) وهذا يدل على أنه التحدث. ومناسبتها لما قبلها ظاهرة لما ذكر في قوله: (فبأي حديث بعده) أي بعد هذا الحديث وهو القرآن وكانوا يتجادلون فيه ويتساءلون عنه فقال: (عمَّ يتساءلون).
ثم ذكر سبحانه تساؤلهم عما ذا وبينه فقال:
النبأ 78:2
(عن النبأ العظيم) أورده سبحانه أولاً على طريقة الاستفهام مبهماً لتتوجه إليه أذهانهم، وتلتفت إليه أفهامهم، ثم بينه بما يفيد تعظيمه وتفخيمه، كأنه قيل عن أي شيء يتساءلون، هل أخبركم به، ثم قيل بطريق الجواب (عن النبأ العظيم) على منهاج قوله: (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) وإنما كان ذلك النبأ أي القرآن عظيماً لأنه ينبىء عن التوحيد وتصديق الرسول، ووقوع البعث والنشور.
وقال الضحاك: يعني نبأ يوم القيامة وكذا قال قتادة.
وقد استدل على أن النبأ هو القرآن بقوله الآتي:
النبأ 78:3
(الذي هم فيه مختلفون) فإنهم اختلفوا في القرآن فجعله بعضهم سحراً وبعضهم شعراً وبعضهم كهانه وبعضهم قال هو أساطير الأولين، وأما البعث فقد اتفق الكفار إذ ذاك على إنكاره، وممكن أن يقال أنه قد وقع الاختلاف في البعث في الجملة فصدق به المؤمنون، وكذب به الكافرون، فقد وقع الخلاف فيه من هذه الحيثية وإن لم يقع الاختلاف فيه بين الكفار أنفسهم على التسليم والتنزل.
ومما يدل على أنه القرآن قوله سبحانه: (قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) ومما يدل على أنه البعث أنه أكثر ما كان يستنكره المشركون وتأباه عقولهم السخيفة.
وأيضاًً فطوائف الكفار قد وقع الاختلاف بينهم في البعث فأثبتت النصارى المعاد الروحاني، وأثبتت طائفة من اليهود المعاد الجسماني، وفي التوراة التصريح بلفظ الجنة باللغة العبرانية بلفظ جنعيذا بجيم مفتوحة ثم نون ساكنة ثم عين مهملة مكسورة ثم تحتية ساكنة ثم ذال معجمة بعدها ألف، وفي الإنجيل في مواضع كثيرة التصريح بالعاد، وأنه يكون فيه النعيم للمطيعين، والعذاب للعاصين.
وقد كان بعض طوائف كفار العرب ينكر المعاد كما حكى الله عنه بقوله: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) وكانت طائفة منهم غير جازمة بنفيه بل شاكة فيه كما حكى الله عنهم بقوله: (إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين) وما حكاه الله عنهم بقوله: (وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى) فقد حصل الاختلاف بين طوائف الكفر على هذه الصفة.
وقد قيل إن الضمير في قوله يتساءلون يرجع إلى المؤمنين والكفار لأنهم جميعاً كانوا يتساءلون عنه: فأما المسلم فيزداد يقيناً واستعداداً وبصيرة في دينه، وأما الكافر فاستهزاء وسخرية.
قال الرازي: ويحتمل أنهم يسألون الرسول ويقولون ما هذا الذي تعدنا به من أمر الآخرة، قال ابن عباس: النبأ العظيم القرآن، وهذا مروي عن جماعة من التابعين.
(الذي هم فيه مختلفون) الموصول صفة للنبأ بعد وصفه بكونه عظيماً فهو متصف بالعظم ومتصف بوقوع الاختلاف فيه.
النبأ 78:4
(كلا سيعلمون) ردع لهم وزجر، وهذا يدل على أن المختلفين فيه هم الكفار، وبه يندفع ما قيل أن الخلاف بينهم وبين المؤمنين، فإنه إنما يتوجه الردع والوعيد إلى الكفار فقط، وقيل كلا بمعنى حقاً.
ثم كرر الردع والزجر فقال:
النبأ 78:5
(ثم كلا سيعلمون) للمبالغة في التأكيد والتشديد في الوعيد، وقرأ الجمهور بالياء التحتية في الفعلين على الغيبة، وقرىء بالفوقية على الخطاب، وقرأ الضحاك الأولى بالفوقية، وقرأ الثانية بالتحتية، قال الضحاك أيضاًً (كلا سيعلمون) يعني الكافرين عاقبة تكذيبهم (ثم كلا سيعلمون) يعني المؤمنين عاقبة تصديقهم، وقيل بالعكس، وقيل هو وعيد بعد وعيد.
وقيل: المعنى (كلا سيعلمون) عند النزع ما يحل بهم (ثم كلا سيعلمون) عند البعث لأنه يكشف لهم الغطاء حينئذ، وقيل الأول للبعث والثاني للجزاء.
وقال ابن مالك تأكيد لفظي ولا يضر توسط حرف العطف، قال السمين: والنحويون يأبون هذا ولا يسمون إلا عطفاً وإن أفاد التأكيد، قال زاده " ثم " موضوعة للتراخي الزماني وقد تستعمل في التراخي الرتبي كما هنا تشبيهاً لتباعد الرتبة بتباعد الزمان.
النبأ 78:6
ثم ذكر سبحانه بديع صنعه وعظيم قدرته على البعث وأشار إلى الأدلة الدالة عليها وذكر منها تسعة ليعرفوا توحيده ويؤمنوا بما جاء به رسوله فقال:
(ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً) أي قدرتنا على هذه الأمور المذكورة أعظم من قدرتنا على الإعادة بالبعث، فما وجه إنكاركم، لأنه قد تقرر أن الأجسام متساوية الأقدام في قبول الصفات والأعراض.
وهذا الجعل بمعنى الإنشاء والإبداع كالخلق خلا إنه مختص بالإنشاء التكويني، وفيه معنى التقدير والتسوية، وهذا عام له كما في الآية الكريمة، وقيل: الجعل بمعنى التصيير، والمهاد الوطاء والفراش كما في قوله: (الذي جعل لكم الأرض فراشاً) قرأ الجمهور بالجمع، وقرىء مهداً.
والمعنى أنها كالمهد للصبي وهو ما يمهد له فينام عليه، وسمي الممهود بالمهد تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير، والأوتاد جمع وتد أي جعلنا الجبال أوتاداً للأرض لتسكن ولا تتحرك كما ترسى الخيام بالأوتاد.
وفي هذا دليل على أن التساؤل الكائن بينهم هو عن أمر البعث لا عن القرآن ولا عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كما قيل، لأن هذا الدليل إنما يصلح للإستدلال به على البعث.
وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا (8) وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (11) وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (13) وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)
النبأ 78:8
(وخلقناكم أزواجاً) معطوف على المضارع المنفي داخل في حكمه، فهو في قوة أما خلقناكم، والمراد بالأزواج هنا الأصناف أي المذكور والإناث، وقيل المراد بها الألوان، وقيل يدخل في هذا كل زوج من المخلوقات من قبيح وحسن وطويل وقصير.
النبأ 78:9
(وجعلنا نومكم سباتاً)، قال الزجاج السبات أن ينقطع عن الحركة والروح في بدنه أي جعلنا نومكم راحة لكم، قال ابن الأنباري جعلنا نومكم قطعاً لأعمالكم لأن أصل السبت القطع، وقيل أصله التمدد يقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته وأرسلته، ورجل مسبوت الخلق أي ممدوده، والرجل إذا أراد أن يستريح تمدد فسمي النوم سباتاً.
وفي المختار السبات النوم وأصله الراحة وبابه نصر. وفي المصباح السبات كغراب النوم الثقيل، وأصله الراحة يقال سبت يسبت من باب قتل وسبت بالبناء للمفعول غشي عليه وأيضاًً مات، ومن هنا قيل المعنى وجعلنا نومكم موتاً، والنوم أحد الموتتين فالمسبوت يشبه الميت ولكنه لم يفارقه الروح، ومن هذا قوله: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) الآية، وقوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل).
النبأ 78:10
(وجعلنا الليل لباساً) أي نلبسكم ظلمته ونغشيكم بها كما يغشيكم اللباس، فشبه الليل باللباس، لأن في كل منهما ستراً. فهو استعارة. وقال سعيد بن جبير والسدي أي سكناً لكم، وقيل المراد ما يستره عند النوم من اللحاف ونحوه وهو بعيد لأن الجعل وقع على الليل لا على ما يستتر به النائم عند نومه.
النبأ 78:11
(وجعلنا النهار معاشاً) أي وقت معاش، والمعاش مصدر ميمي بمعنى العيشة، وقع هنا ظرفاً، وكل شيء يعاش به فهو معاش، والمعنى أن الله جعل لهم النهار مضيئاً ليسعوا فيما يقوم به معاشهم وما قسمه الله لهم من الرزق.
النبأ 78:12
(وبنينا فوقكم سبعاً شداداً) يريد سبع سموات قوية الخلق محكمة البناء لا يؤثر فيها مرور الزمان، ولهذا وصفها بالشدة وغلظ كل واحدة منها مسيرة خمسمائة عام كما ورد ذلك.
النبأ 78:13
(وجعلنا سراجاً) منيراً (وهاجاً) وقاداً يعني الشمس، والوهاج المضيء المتلألىء من قولهم وهج الجوهر أي تلألأ، ويقال وهج يوهج كوجل يوجل وكوعد يعد، قال الزجاج الوهاج الوقاد، وهو الذي وهج يقال وهجت النار تهج وهجاً ووهجاناً، قال مقاتل جعل فيه نوراً وحراً، والوهج يجمع النور والحرارة، وقال ابن عباس وهاجاً مضيئاً.
النبأ 78:14
(وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجاً) المعصرات هي السحاب التي تنعصر بالماء ولم تمطر بعد كالمرأة المعتصرة التي قد دنا حيضها، كذا قال سفيان والربيع وأبو العالية والضحاك، وقال مجاهد ومقاتل وقتادة والكلبي هي الرياح، والرياح تسمى معصرات يقال أعصرت الريح تعصر إعصاراً إذا أثارت العجاج، قال الأزهري هي الرياح ذوات الأعاصير، وذلك أن الرياح تستدر المطر، وقال الفراء المعصرات السحاب التي يتحلب منها المطر.
قال النحاس: وهذه الأقوال صحاح يقال للريح التي تأتي بالمطر معصرات، والرياح تلقح السحاب فيكون المطر، ويجوز أن تكون هذه الأقوال قولاً واحداً ويكون المعنى وأنزلنا من ذوات المعصرات.
قال في الصحاح والمعصرات السحاب تعتصر بالمطر، وعصر القوم أي مطروا، قال المبرد يقال سحاب معصر أي ممسك للماء ويعتصر منه شيء بعد شيء.
وقال أبيّ بن كعب والحسن وابن جبير وزيد بن أسلم ومقاتل بن حيان: المعصرات السموات وقال ابن عباس: السحاب، وقال ابن مسعود: يبعث الله الريح فتحمل الماء فتمر به السحاب فتدر كما تدر اللقحة.
وقرأ ابن عباس (وأنزلنا من المعصرات بالرياح) وقيل المعصرات المغيثات والعاصر هو الغيث.
والثجاج هو المنصب بكثرة على وجه التتابع، يقال ثج الماء أي سال بكثرة وثجه أي أساله فيكون لازماً ومتعدياً، وبابه رد، ومطر ثجاج أي منصب جداً، والثج أيضاًً سيلان دماء الهدي، وفي الحديث " أحب العمل إلى الله العج والثج " فالعج رفع الصوت بالتلبية، والثج إراقة دماء الهدى.
وقال الزجاج: الثجاج الصباب، وقال ابن زيد ثجاجاً كثيراً، وقال ابن عباس: منصباً، وقيل مدراراً متتابعاً يتلو بعضه بعضاً، وقال ابن مسعود الثجاج ينزل من السماء أمثال العزالى فتصرفه الرياح فينزل متفرقاً.
النبأ 78:15
(لنخرج به حباً ونباتاً) أي لنخرج بذلك الماء حباً يقتات به كالحنطة والشعير ونحوهما والنبات ما تأكله الدواب من الحشيش والتبن وسائر النبات والكلأ.
النبأ 78:16
(وجنات ألفافاً) أي بساتين ملتف بعضها ببعض تتشعب أغصانها ولا واحد للألفاف كالأوزاع والأخياف، وقيل واحدها لف بكسر اللام وضمها، ذكره الكسائي، وقال أبو عبيدة: واحدها لفيف كشريف وأشراف، وروي عن الكسائي أنها جمع الجمع يقال جنة لفاء ونبت لف والجمع لف بالضم مثل حمر ثم يجمع هذا الجمع على ألفاف، وقيل هو جمع ملتفة بحذف الزوائد.
وقال ابن عباس: ألفافاً ملتفة، وقال: يقول التف بعضها ببعض، قال الفراء: الجنة ما فيه النخيل، والفردوس ما فيه الكرم.
ولما أثبت الله البعث بالأدلة التسعة المتقدمة كأن سائلاً سأل عن وقته ما هو فقال
النبأ 78:17
(إن يوم الفصل) بين المحسن والمسيء، والمحق والمبطل، وأكده بأن لأنه مما ارتابوا فيه (كان) في علمه وحكمه (ميقاتاً) أي وقتاً ومجمعاً وميعاداً للأولين والآخرين يصلون فيه إلى ما وعدوا من البعث، وقيل معنى ميعاداً إنه حد توقت به الدنيا وتنتهي عنده وقيل حد للخلائق ينتهون إليه أو منتهى معلوماً لوقوع الجزاء أو ميعاداً للثواب والعقاب.
النبأ 78:18
(يوم ينفخ) بدل من يوم الفصل أو بيان له مفيد لزيادة تفخيمه وتهويله وإن كان الفصل متأخراً عن النفخ (في الصور) هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل، والمراد هنا النفخة الثانية التي تكون للبعث (فتأتون) من قبوركم إلى الموقف (أفواجاً) أي زمراً زمراً وجماعات جماعات، وهي جمع فوج والفاء في (فتأتون) فصيحة تدل على محذوف أي فتأتون إلى موضع العرض عقيب ذلك أفواجاً أي أمماً مع كل أمة إمامهم.
النبأ 78:19
(وفتحت السماء) معطوف على (ينفخ) وصيغة الماضي للدلالة على تحقق الوقوع أي فتحت لنزول الملائكة، وقال علي القارىء عطف على (فتأتون) أو حال أي والحال أنها قد فتحت، وقرىء بالتخفيف والتشديد وهما سبعيتان.
قال الشهاب المراد بالفتح ليس ما عرف من فتح الأبواب، وهو موافق لقوله (إذا السماء انشقت) و (إذا السماء انفطرت) فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً، وعبر عن التشقيق بالفتح إشارة إلى كمال قدرته حتى كان تشقيق هذا الجرم العظيم كفتح الباب سهولة وسرعة (فكانت أبواباً) كما في قوله: (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا) وقيل معنى فتحت قطعت فصارت قطعاً كالأبواب، وقيل أبوابها طرقها، وقيل تنحل وتتناثر حتى تصير فيها أبواب وطرق، وقيل أن لكل عبد بابين في السماء باب لرزقه وباب لعمله، فإذا قامت القيامة انفتحت الأبواب.
وظاهر قوله: (فكانت أبواباً) أنها صارت كلها أبواباً، وليس المراد ذلك بل المراد أنها صارت ذات أبواب كثيرة.
وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا (21) لِلطَّاغِينَ مَآبًا (22) لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (23) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَابًا (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (30)
النبأ 78:20
(وسيرت الجبال) عن أماكنها في الهواء كالهباء الذي هو الغبار وقلعت عن مقارها، وقيل معنى سيرت أنها نسفت من أصولها، ومثل هذا قوله: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) (فكانت سراباً) أي هباء منبثاً يظن الناظر أنها سراب، وتخيل الشمس أنها ماء، والمعنى أن الجبال صارت كلا شيء كما أن السراب يظن الناظر أنه ماء وليس بماء.
ذكر سبحانه أحوال الجبال بوجوه مختلفة، وممكن الجمع بينها بأن نقول أول أحوالها الإندكاك وهو قوله: (وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة) وثاني أحوالها أن تصير كالعهن المنفوش كما في قوله: (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) وثالث أحوالها أن تصير كالهباء وهو قوله: (وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا) ورابع أحوالها أن تنسف وتحملها الرياح كما في قوله: (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) وخامس أحوالها أن تصير سراباً أي لا شيء كما في هذه الآية.
ثم شرع سبحانه في تفصيل أحكام الفصل فقال:
النبأ 78:21
(إن جهنم كانت مرصاداً) قال الأزهري المرصاد المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو، وقال المبرد مرصاداً يرصدون به أي هو معد لهم يرصد به خزنتها الكفار، قال الحسن إن على الباب رصداً لا يدخل أحد الجنة حتى يجتاز عليهم، فمن جاء بجواز جاز ومن لم يجىء بجواز حبس وقال مقاتل محبساً، وقيل طريقاً وممراً.
قال في الصحاح الراصد للشيء الراقب له، يقال رصده يرصده رصداً والرصد الترقب، والمرصد موضع الرصد، قال الأصمعي رصدته أرصده ترقبته.
ومعنى الآية إن جهنم كانت في حكم الله وقضائه موضع رصد يرصد فيه خزنة النار الكفار ليعذبوهم فيها، أو هي في نفسها متطلعة لما يأتي إليها من الكفار كما يتطلع الرصد لمن يمر بهم، ويأتي إليهم، والمرصاد مفعال من أبنية المبالغة كالمعطار والمعمار، فكأنه يكثر من جهنم انتظار الكفار.
ثم ذكر من هي مرصد له فقال
النبأ 78:22
(لِلطَّاغِينَ مَآبًا) أي مرجعاً يرجعون إليه، والمئآب المرجع يقال آب يؤوب إذا رجع، والطاغي من طغى بالكفر، وللطاغين نعت لمرصاداً متعلق بمحذوف ومئآباً بدل من مرصاداً، ويجوز أن يكون للطاغين في محل نصب على الحال من مئآباً قدمت عليه لكونه نكرة.
وانتصاب
النبأ 78:23
(لابثين فيها أحقاباً) على الحال المقدرة من الضمير المستكن في الطاغين قرأ الجمهور لابثين بالألف، وقرىء بدون ألف، وانتصاب (أحقاباً) على الظرفية أي ماكثين في النار ما دامت الأحقاب، وهي لا تنقطع، وكلما مضى حقب جاء حقب، وهي جمع حقب بضمتين وهو الدهر، والأحقاب الدهور، والحقب بضم الحاء وسكون القاف قيل هو ثمانون سنة.
وحكى الواحدي عن المفسرين أنه بضع وثمانون سنة، السنة ثلثمائة وستون يوماً اليوم ألف سنة من أيام الدنيا، وقال السدي الحقب سبعون سنة، وقال بشير بن كعب ثلثمائة سنة، وقال ابن عمر أربعون سنة، وقيل ثلاثون ألف سنة.
قال الحسن الأحقاب لا يدري أحد كم هي، ولكن ذكروا أنها مائة حقب، والحقب الواحد منها سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة، قال ابن عباس أحقاباً سنين.
وعن سالم بن أبي الجعد قال سأل علي بن أبي طالب: هلال الهجري ما تجدون الحقب في كتاب الله؟ قال نجده ثمانين سنة كل سنة منها إثنا عشر شهراً كل شهر ثلاثون يوماً كل يوم ألف سنة، وعن ابن مسعود في الآية قال الحقب الواحد ثمانون سنة.
وعن أبي هريرة رفعه " قال الحقب ثمانون سنة والسنة ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم منها ألف سنة مما تعدون ".
وعن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم: " قال الحقب ألف شهر والشهر ثلاثون يوماً والسنة إثنا عشر شهراً ثلثمائة وستون يوماً، كل يوم ألف سنة مما تعدون فالحقب ثلاثون ألف ألف سنة " أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه قال السيوطي بسند ضعيف.
وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " والله لا يخرج من النار من دخلها حتى يمكث فيها أحقاباً والحقب بضع وثمانون سنة، كل سنة ثلثمائة وستون يوماً، واليوم ألف سنة مما تعدون "، قال ابن عمر: فلا يتكلن أحد أنه يخرج من النار " أخرجه البزار وابن مردويه والبيهقي.
وعن ابن عمرو قال: الحقب الواحد ثمانون سنة وعن ابن عباس مثله، وعن عبادة ابن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الحقب أربعون سنة " أخرجه ابن مردويه.
وقيل الأحقاب وقت شربهم الحميم والغساق، فإذا انقضت فيكون لهم نوع آخر من العذاب، وعن خالد بن معدان في الآية وفي قوله (إلا ما شاء ربك) أنهما في أهل التوحيد من أهل القبلة.
وقيل إن الآية منسوخة بقوله: (فلن يزيدكم إلا عذاباً) يعني أن العدد قد ارتفع، والخلود قد حصل، والأول أولى، وقيل الآية محمولة على العصاة الذين يخرجون من النار، والأولى ما ذكرناه أولاً من أن المقصود بالآية التأييد لا التقييد، وحكى الواحدي عن الحسن أنه قال: والله ما هي إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر كذلك إلى الأبد.
النبأ 78:24
(لا يذوقون فيها) حال من الضمير في (لابثين) أو صفة لأحقاباً أو مستأنفة لبيان ما اشتملت عليه من أنهم لا يذوقون في جهنم أو في الأحقاب (برداً) ينفعهم من حرها (ولا شراباً) ينفعهم من عطشها.
النبأ 78:25
(إلا حميماً) هو الماء الحار (وغساقاً) هو صديد أهل النار، وقيل هو ماء يسيل من صديد أهل النار، والاستثناء منقطع عند من جعل البرد النوم، وبه قال الزمخشري، ويجوز أن يكون متصلاً من قوله: (ولا شراباً) وبه قال أبو حيان، وقضية كلام الكواشي تجويز الأمرين، وقيل أنه بدل من (شراباً) وهو الأحسن لأن الكلام غير موجب.
وقال مجاهد والسدي وأبو عبيدة والكسائي والفضل بن خالد وأبو معاذ النحوي: البرد المذكور في هذه الآية النوم، قال الزجاج: أي لا يذوقون فيها برد ريح ولا ظل ولا نوم، فجعل البرد يشمل هذه الأمور، وإطلاق البرد على النوم لغة هذيل وسمي بذلك لأنه يقطع سورة العطش، ألا ترى أن العطشان إذا نام سكن عطشه ولأنه يبرد صاحبه، والعرب تقول منع البرد البرد يعني أذهب البرد النوم.
وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم: " سئل هل في الجنة نوم فقال: لا، النوم أخو الموت والجنة لا موت فيها " وكذلك النار وقد قال تعالى: (لا يقضى عليهم فيموتوا) وقيل البرد برد الشراب، والشراب الماء، وجعل الزجاج البرد برد كل شيء له راحة، وهذا ينفعهم. فأما الزمهرير فهو برد يتأذون به فلا ينفعهم فلهم منه من العذاب ما الله أعلم به، وقال الحسن وعطاء وابن زيد برداً أي روحاً وراحة.
قرأ الجمهور غساقاً بالتخفيف، وقرأ حمزة والكسائي بتشديد السين وهما سبعيتان، وقد تقدم تفسيره وتفسير الحميم والخلاف فيهما في سورة (ص).
عن ابن مسعود قال زمهرير جهنم يكون لهم من العذاب لأن الله يقول لا يذوقون فيها برداً ولا شراباً إلا حميماً، قال قد انتهى حره، وغساقاً قد انتهى حره، وأن الرجل إذا أدنى الإناء من فيه سقط فروة وجهه حتى يبقى عظاماً تقعقع.
النبأ 78:26
(جزاء وفاقاً) أي موافقاً لأعمالهم على أن (وفاقاً) صفة لجزاء بتأويله باسم الفاعل، ويصح أن يكون على حذف مضاف أي ذا وفاق أو باق على مصدريته لقصد المبالغة، قال الفراء والأخفش: جازيناهم جزاء وافق أعمالهم، وقال الزجاج: جوزوا جزاء وافق أعمالهم.
قال الفراء: الوفاق جمع الوفق، والوفق والموافق واحد، قال مقاتل وافق العذاب الذنب فلا ذنب أعظم من الشرك ولا عذاب أعظم من النار، وقال الحسن وعكرمة: كانت أعمالهم سيئة فأتاهم الله بما يسوءهم.
النبأ 78:27
(إنهم كانوا لا يرجون حساباً) أي ثواب حساب، قال الزجاج كانوا لا يؤمنون بالبعث فيرجون حسابهم. والجملة مستأنفة وتعليل لاستحقاقهم الجزاء المذكور.
النبأ 78:28
(وكذبوا بآياتنا كذاباً) أي كذبوا بالآيات القرآنية أو كذبوا بما هو أعم منها تكذيباً شديداً، وفعال من مصادر التفعيل قال الفراء هي لغة فصيحة يمانية تقول كذبت كذاباً وخرقت القميص خراقاً.
قال في الصحاح هو أحد مصادر المشدد لأن مصدره قد يجيء على تفعيل مثل التكليم وعلى فعال مثل كذاب، وعلى تفعلة مثل توصية، وعلى مفعل مثل ومزقناهم كل ممزق.
وقرأ الجمهور كذاباً بالتشديد وقرأ علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بالتخفيف، قال أبو علي الفارسي التخفيف والتشديد جميعاً مصدر المكاذبة، وقرأ ابن عمر كذاباً بضم الكاف والتشديد جمع كاذب، قال أبو حاتم ونصبه على الحال، قال الزمخشري وقد يكون يعني على هذه القراءة بمعنى الواحد البليغ في الكذب تقول رجل كذاب كقولك حسان وبخال.
قرأ الجمهور
النبأ 78:29
(وكل شيء) بالنصب على الاشتغال أي وأحصينا كل شيء (أحصيناه) وقرأ أبو السماك برفعه على الابتداء وما بعده خبره، وهذه الجملة معترضة بين السبب والمسبب، وفائدة الاعتراض تقرير ما ادعاه من قوله (جزاء وفاقاً).
وفي انتصاب قوله: (كتاباً) أوجه.
أحدها: أنه مصدر من معنى أحصينا أي إحصاء فالتجوز في نفس المصدر.
والثاني: أنه مصدر لأحصينا لأنه في معنى كتبنا، فالتجوز في نفس الفعل أي لالتقاء الإحصاء والكتب في معنى الضبط والتحصيل.
والثالث: أن يكون منصوباً على الحال أي مكتوباً في اللوح لتعرفه الملائكة، وقيل أراد ما كتبته الحفظة على العباد من أعمالهم، وقيل المراد به العلم لأن ما كتب كان أبعد من النسيان، والأول أولى لقوله: (وكل شيء أحصيناه في إمام مبين).
النبأ 78:30
(فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً) هذه الجملة مسببة عن كفرهم وتكذيبهم بالآيات، والأمر أمر إهانة وتحقير، قال الرازي هذه الفاء للجزاء فنبه على أن الأمر بالذوق معلل بما تقدم شرحه من قبائح أفعالهم ومن الزيادة في عذابهم أنها كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها وكلما خبت النار زادهم الله سعيراً، قيل هذه أشد آية في القرآن على أهل النار كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد منه.
قال الرازي وفي هذه الآية مبالغات منها التأكيد بلن، ومنها الالتفات، ومنها إعادة قوله فذوقوا بعد ذكر العذاب.
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (31) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (32) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (33) وَكَأْسًا دِهَاقًا (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا (35) جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (37) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38) ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (39) إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (40)
النبأ 78:31
(إن للمتقين مفازاً) هذا شروع في بيان حال المؤمنين وما أعد الله لهم من الخير بعد بيان حال الكافرين وما أعد الله لهم من الشر، والمفاز مصدر بمعنى الفوز والظفر بالبغية والمطلوب والنجاة من النار، ومنه قيل للفلاة مفازة تفاؤلاً بالخلاص منها، ويصلح أن يراد به الجنة على أنه مصدر ميمي بمعنى المكان أو بمعنى الحدث ويحتمل أن يفسر الفوز بالأمرين جميعاً، لأنهم فازوا بمعنى نجوا من العذاب، وفازوا بما حصل لهم من النعيم، وفي المختار الفوز النجاة، وهو الهلاك أيضاًً، وعلى هذا فإطلاق المفازة على الفلاة الخالية من الماء حقيقي لأنها مهلكة، ومن معاني الفوز الهلاك كما رأيت وبابهما قال:
ثم فسر سبحانه هذا المفاز فقال:
النبأ 78:32
(حدائق وأعناباً) وانتصابهما على أنهما بدل اشتمال من (مفازاً) أو بدل كل من كل على طرق المبالغة بجعل نفس هذه الأشياء مفازاً، ويجوز أن يكون النصب بإضمار أعني وإذا كان مفازاً بمعنى الفوز فيقدر مضاف أي فوز حدائق، وهي جمع حديقة وهي البستان المحوط عليه فيه أنواع الشجر المثمر، والأعناب جمع عنب أي كروم أعناب، والتكرير يدل على تعظيم ذلك العنب.
قال المحلي (وأعناباً) عطف على مفاز أي ذكرت بعد الحدائق تنويهاً لعظم شأنها وإلا فهي من جملة الحدائق، قال القاري وهذا بعيد جداً والظاهر عطفه على حدائق وكذا كواعب وكأساً انتهى.
النبأ 78:33
(وكواعب أتراباً) الكواعب جمع كاعبة وهي الناهدة قال ابن عباس أي نواهد، يقال كعبت الجارية تكعب تكعيباً وكعوباً، ونهدت تنهد نهوداً، والمراد أن لهم نساء كواعب تكعبت ثديهن وتفلكت حتى صارت كالكعب في صدورهن، أي استدارت مع ارتفاع يسير، قال الضحاك الكواعب العذارى، والأتراب الأقران في السن، وقد تقدم تحقيقه في سورة البقرة، وقال ابن عباس أي لدات مستويات.
النبأ 78:34
(وكأساً دهاقاً) قال الحسن وقتادة وابن زيد: أي مترعة مملوءة، يقال أدهقت الكأس أي ملأتها، وقال سعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد (دهاقاً) متتابعة يتبع بعضها بعضاً، وقال زيد بن أسلم: دهاقاً صافية، قال ابن عباس: دهاقاً ممتلئاً، وعنه قال: هي الممتلئة المترعة المتتابعة، وربما سمعت العباس يقول يا غلام إسقنا وأدهق لنا. وعنه قال (دهاقاً) دراكاً، وعنه قال إذا كان فيها خمر فهي كأس، وإذا لم تكن فيها خمر فليس بكأس.
النبأ 78:35
(لا يسمعون) حال من المتقين (فيها) أي في الجنة عند شرب الخمر وغيره من الأحوال (لغواً) وهو الباطل منِ الكلام (ولا كذاباً) أي لا يكذب بعضهم بعضاً قرأ الجمهور كذاباً مشدداً وقرأ الكسائي هنا مخففاً، ووافق الجماعة على التشديد في الآية المتقدمة للتصريح بفعله المشدد هناك، وقد قدمنا الخلاف في كذاباً هل هو من مصادر التفعيل أو من مصادر المفاعلة.
النبأ 78:36
(جزاء من ربك) أي جازاهم بما تقدم ذكره جزاء، قال الزجاج: المعنى جزاهم جزاء أي بمقتضى وعده وكذا (عطاء) أي وأعطاهم عطاء تفضلاً منه، إذ لا يجب عليه شيء، وقيل عطاء بدل من جزاء أي بدل كل من كل، وفي إبداله منه نكتة لطيفة، وهي الدلالة على أن بيان كونه عطاء وتفضلاً منه هو المقصود وبيان كونه جزاء وسيلة له.
(حساباً) قال أبو عبيدة كافياً فهو مصدر أقيم مقام الوصف أو باق على مصدريته مبالغة أو هو على حذف مضاف، وقال ابن قتيبة كثيراً، يقال أحسبت فلاناً أي أكثرت له العطاء. قال الزجاج حساباً أي ما يكفيهم قال الأخفش يقال أحسبني كذا أي كفاني.
قال الكلبي حاسبهم فأعطاهم بالحسنة عشراً وقال مجاهد حساباً لما عملوه، فالحساب بمعنى القدر أي بقدر ما وجب له. في وعد الرب سبحانه فإنه وعد للحسنة عشراً، ووعد لقوم سبعمائة ضعف، وقد وعد لقوم جزاء لا نهاية له ولا مقدار كقوله: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب).
وقرأ أبو هاشم حساباً بفتح الحاء وتشديد السين أي كفافاً قال الأصمعي تقول العرب حسبت الرجل بالتشديد إذا أكرمته، وفي القاموس حسبك درهم كفاك، وشيء حساب كاف ومنه (عطاء حساباً) وأحسبه كفاه وقرأ ابن عباس حساناً بالنون.
النبأ 78:37
(رب السموات والأرض وما بينهما الرحمن) قرىء بخفض رب والرحمن على أن رب بدل من ربك والرحمن صفة له، وقرىء برفعهما على أن رب مبتدأ والرحمن خبره أو الرحمن صفته ولا يملكون خبره أو على أن رب خبر مبتدأ مقدر أي هو رب، والرحمن صفته، أو على أن رب مبتدأ والرحمن مبتدأ ثان ولا يملكون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول.
وقرأ ابن عباس وحمزة والكسائي بخفض الأول ورفع الثاني على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن، واختار هذه القراءة أبو عبيدة، وقال هذه أعدلها فخفض رب لقربه من ربك فيكون نعتاً له، ورفع الرحمن لبعده منه على الاستئناف، وخبره قوله:
(لا يملكون) أي الخلق (منه) تعالى أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه (خطاباً) بالشفاعة إلا بإذنه، وقيل الخطاب الكلام أي لا يملكون أن يخاطبوا الرب سبحانه خوفاً إلا بإذنه، دليله (لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقيل أراد الكفار وأما المؤمنون فيشفعون، والجملة مستأنفة مقررة لما تفيده الربوبية العامة من العظمة والكبرياء.
النبأ 78:38
(يوم يقوم الروح والملائكة) الظرف منتصب بلا يملكون أو بلا يتكلمون وقوله (صفاً) منتصب على الحال أي مصطفين أو على المصدرية أي يصفون صفاً، والجملة حالية أو مستأنفة لتقرير ما قبله.
واختلف في الروح على أقوال ثمانية فقيل أنه ملك من الملائكة أعظم من السموات السبع ومن الأرضين السبع ومن الجبال، وقيل هو جبريل، قاله الشعبي والضحاك وسعيد بن جبير، وقيل الروح جند من جنود الله ليسوا بملائكة قاله أبو صالح ومجاهد، وعن ابن عباس مثله مرفوعاً وزاد لهم رؤوس وأيد وأرجل ثم قرأ هذه الآية، وقال هؤلاء جند وهؤلاء جند، أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه، وقيل هم أشراف الملائكة، قاله مقاتل بن حيان، وقيل هم حفظة على الملائكة قاله ابن أبي نجيح.
وقيل هم بنو آدم قاله الحسن وقتادة، وقيل هم أرواح بني آدم تقوم صفاً وتقوم الملائكة صفاً وذلك بين النفختين قبل أن ترد إلى الأجسام، قاله عطية العوفي، وقيل إنه القرآن قاله زيد بن أسلم، وقال ابن عباس هو ملك من أعظم الملائكة خلقاً.
وعن ابن مسعود قال: الروح في السماء الرابعة وهو أعظم من السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة يخلق من كل تسبيحة ملكاً من الملائكة يجيء يوم القيامة صفاً واحداً [[ذكره السيوطي في " الدر " 6/ 309 من رواية ابن أبي حاتم وأبي الشيخ في " العظمة " وابن مردويه عن ابن عباس، والله أعلم بصحة سنده. وقد ذكر ابن كثير هذا المعنى عن ابن عباس موقوفاً عليه، وذكره ابن كثير والشوكاني عن مجاهد وأبي صالح، ولعله مما تلقاه ابن عباس من الإسرائيليات. والله أعلم.]]، أخرجه ابن جرير، وعن ابن عباس قال: (إن جبريل يوم القيامة لقائم بين يدي الجبار ترعد فرائصه فرقاً من عذاب الله يقول سبحانك لا إله إلا أنت ما عبدناك حق عبادتك ما بين منكبيه كما بين المشرق والمغرب، أما سمعت قول الله:
(يوم يقوم الروح والملائكة صفاً) [[روى هذا المعنى ابن جرير الطبري في " تفسيره " 30/ 22 عن ابن مسعود قال ابن كثير: وهذا قول غريب جداً.]] أخرجه أبو الشيخ، وعنه قال
يقول حين تقوم أرواح الناس مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الروح إلى الأجساد، أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات.
(لا يتكلمون) أي الخلائق ثم خوفاً وإجلالاً لعظمة الله جل جلاله من هول ذلك اليوم ولا يشفعون لأحد (إلا من أذن له الرحمن) بالشفاعة أو لا يتكلمون إلا في حق من أذن له الرحمن.
(و) كان ذلك الشخص ممن (قال صواباً) قال الضحاك ومجاهد: صواباً يعني حقاً وقال أبو صالح: لا إله إلا الله، وبه قال ابن عباس، وأصل الصواب السداد من القول والفعل، قيل لا يتكلمون يعني الملائكة والروح الذين قاموا صفاً هيبة وإجلالاً إلا من أذن له الرحمن منهم في الشفاعة، وهم قد قالوا صواباً، قال الحسن: إن الروح يقول يوم القيامة لا يدخل أحد الجنة إلا بالروح، ولا النار إلا بالعمل.
قال الواحدي: فهم لا يتكلمون يعني الخلق كلهم إلا من أذن له الرحمن وهم المؤمنون والملائكة، وقال في الدنيا صواباً أي شهد بالتوحيد.
قال البيضاوي: قوله لا يتكلمون الخ تقرير وتأكيد لقوله: (لا يملكون) فإن هؤلاء الذين هم أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذ لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم.
والإشارة بقوله:
النبأ 78:39
(ذلك) إلى يوم قيامهم على تلك الصفة وهو مبتدأ وخبره (اليوم الحق) أي الكائن الواقع المتحقق الثابت وقوعه (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً) أي مرجعاً يرجع إليه بالعمل الصالح لأنه إذا عمل خيراً قربه إلى الله، وإذا عمل شراً باعده منه، قال قتادة مآباً سبيلاً.
قال أبو السعود: الفاء فصيحة تفصح عن شرط محذوف ومفعول المشيئة محذوف، وقوله: (إلى ربه) أي إلى ثوابه، وهو متعلق بمآباً كأنه قيل وإذا كان الأمر كما ذكر من تحقق اليوم المذكور لا محالة فمن شاء أن يتخذ مرجعاً إلى ثواب ربه الذي ذكر شأنه العظيم فعل ذلك بالإيمان والطاعة، وتعلق الجار به لما فيه من معنى الإفضاء والإيصال انتهى.
ثم زاد سبحانه في تخويف الكفار فقال:
النبأ 78:40
(إنا أنذرناكم) يا كفار مكة (عذاباً قريباً) يعني العذاب في الآخرة وكل ما هو آت فهو قريب، ومثله قوله: (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) كذا قال الكلبي وغيره، وقال قتادة هو عذاب الدنيا لأنه أقرب العذابين، قال مقاتل هو قتل قريش ببدر، والأول أولى لقوله:
(يوم ينظر المرء) أي كل امرىء مسلماً كان أو كافراً (ما قدمت يداه) أي يشاهد كل ما قدمه من خير أو شر لقوله: (ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (181) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ) وتخصيص الأيدي لأن أكثر الأعمال يقع بها، وإن احتمل أن لا يكون للأيدي مدخل فيما ارتكب من الآثام، و " ما " موصولة أو استفهامية قال الحسن والمرء هنا هو المؤمن أي يجد لنفسه عملاً، فأما الكافر فلا يجد لنفسه عملاً فيتمنى أن يكون تراباً، وقيل المراد به الكافر على العموم، وقيل أبيّ بن خلف وعقبة بن أبي معيط، والأول أولى لقوله:
(ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً) فإن الكافر واقع في مقابلة المرء. والمراد جنس الكافر يتمنى أن يكون تراباً لما يشاهده مما قد أعده الله له من أنواع العذاب. والمعنى أنه يتمنى أنه كان تراباً في الدنيا فلم يخلق ولم يكلف، أو تراباً يوم القيامة فلم يبعث، وقيل المراد بالكافر أبو جهل، وقيل أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وقيل إبليس، والأول أولى اعتباراً بعموم اللفظ ولا ينافيه خصوص السبب كما تقدم غير مرة، ووضع الظاهر موضع المضمر لزيادة الذم.
عن أبي هريرة: " قال يحشر الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والدواب والطير وكل شيء فيبلغ من عذاب الله أن يؤخذ للجمَّاء من القرناء ثم يقول كوني تراباً فذلك حين يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً " أخرجه عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث والنشور.
وأما الجن فقال أبو الزناد يعودون تراباً أيضاًً. وقال عمر بن عبد العزيز ومجاهد وغيرهما مؤمنو الجن حول الجنة في ربض ورحاب وليسوا فيها، والذي عليه الأكثرون أنهم مكلفون مثابون ومعاقبون، فالمؤمن يدخل الجنة، والكافر يدخل النار كبني آدم، ذكره الخطيب والله أعلم بالصواب.
النازعات 79:1
سورة النازعات
وتسمى سورة الساهرة خمس أو ست وأربعون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5) يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)
(وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا) أقسم سبحانه بهذه الأشياء التي ذكرها وهي الملائكة التي تنزع أرواح العباد عن أجسادهم كما ينزع النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، وكذا المراد بالناشطات والسابحات والسابقات والمدبرات، يعني الملائكة [[ذكر ابن كثير أن الصحيح في قوله: (والنازعات غرقاً): الملائكة، قال: يعنون حين تنزع أرواح بني آدم، فمنهم من تأخذ روحه بعسر فتغرقه في نزعها، ومنهم من تأخذ روحه بسهولة وكأنما حلته من نشاط، وهو قوله: (والناشطات نشطاً).]]، والعطف مع اتحاد الكل لتنزيل التغاير الوصفي منزلة التغاير الذاتي، وإنما جاءت هذه الأقسام بلفظ التأنيث والكل وصف للملائكة مع أنهم ليسوا إناثاً لأن المقسم به طوائف من الملائكة، والطوائف جمع طائفة وهي مؤنثة، وهذا قول الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم.
وقال السدي: النازعات هي النفوس حين تغرق في الصدور، وقال مجاهد: هي الموت ينزع النفس، وقال قتادة: هي النجوم تنزع من أفق إلى أفق، من قولهم نزع إليه إذا ذهب، أو من قولهم نزعت بالحبل أي أنها تغرب وتغيب وتطلع من أفق آخر، وبه قال أبو عبيدة والأخفش وابن كيسان.
وقال عطاء وعكرمة: النازعات القسي تنزع بالسهام، وإغراق النازع في القوس أن يمده غاية المد حتى ينتهي به إلا النصل، وقيل أراد بالنازعات الغزاة الرماة، وانتصاب غرقاً على أنه مصدر محذوف الزوائد أي إغراقاً، والناصب له ما قبله لملاقاته له في المعنى أي إغراقاً في النزع حيث تنزعها من أقاصي الأجساد، أو على الحال أي ذوات إغراق يقال أغرق في الشيء يغرق فيه إذا أوغل فيه وبلغ غايته، وعن علي قال: هي الملائكة تنزع أرواح الكفار، وعن ابن عباس قال: هي أنفس الكفار تنزع ثم تنشط ثم تغرق في النار وقال ابن مسعود الملائكة الذين يلون أنفس الكفار.
النازعات 79:2
(و) معنى (الناشطات نشطاً) أنها تنشط النفوس أن تخرجها من الأجساد كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنه حلاً رفيقاً، ونشط الرجل الدلو في البئر إذا أخرجها، والنشاط الجذب بسرعة، ومنه الأنشوطة للعقدة التي يسهل حلها.
قال أبو زيد نشطت الحبل أنشطه نشطاً عقدته، وأنشطته أي حللته وأنشطت الحبل أي مددته، قال الفراء أنشط العقال أي حل ونشط أي ربط الحبل في يديه، قال الأصمعي بئراً نشاط أي قريبة القعر يخرج الدلو منها بجذبة واحدة، وبئر نشوط وهي التي لا يخرج منها الدلو حتى ينشط كثيراً، وقال مجاهد هو الموت ينشط نفس الإنسان، وبه قال ابن عباس، وقال السدي: هي النفوس حين تنشط من القدمين، وقال عكرمة وعطاء: هي الأوهاق التي تنشط السهام، وقال قتادة والحسن والأخفش هي النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب.
قال في الصحاح والناشطات نشطاً يعني النجوم من برج إلى برج كالثور الناشط من بلد إلى بلد والهموم تنشط بصاحبها، وقال أبو عبيدة وقتادة هي الوحوش حين تنشط من بلد إلى بلد، وقيل الناشطات لأرواح المؤمنين والنازعات لأرواح الكافرين لأنها تجذب روح المؤمن برفق، وتجذب روح الكافر بعنف.
وقوله نشطاً مصدر وكذا سبحاً وسبقاً، قال علي: هي الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الأظفار والجلد حتى تخرجها، وعن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تمزق الناس فتمزقك كلاب النار، قال الله والناشطات نشطاً أتدري ما هو؟ قلت يا نبي الله ما هو؟ قال: كلاب في النار تنشط اللحم والعظم " أخرجه ابن مردويه.
النازعات 79:3
(والسابحات سبحاً) هي الملائكة تسبح في الأبدان لإخراج الأرواح كما يسبح الغواص في البحر لإخراج شيء منه، يعني الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلاً رفيقاً ثم يدعونها حتى تستريح ثم يستخرجونها كالسابح في الماء يتحرك فيه برفق ولطافة.
وقال مجاهد وأبو صالح: هي الملائكة ينزلون من السماء مسرعين لأمر الله كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه، وقال مجاهد: أيضاًً السابحات الموت يسبح في نفوس بني آدم، وقيل هي الخيل السابحة في الغزو، وقال قتادة والحسن هي النجوم تسبح في أفلاكها كما في قوله: (وكل في فلك يسبحون) وقال عطاء هي السفن تسبح في الماء. وقيل هي أرواح المؤمنين تسبح شوقاً إلى الله، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هي الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين بين السماء والأرض.
النازعات 79:4
(فالسابقات سبقاً) هم الملائكة على قول الجمهور كما سلف، قال مسروق ومجاهد: تسبق الملائكة الشياطين بالوحي إلى الأنبياء، وقال أبو روق هي الملائكة سبقت ابن آدم بالخير والعمل الصالح. وروي نحوه عن مجاهد، وقال مقاتل هي الملائكة تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة، وقال الربيع هي أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة شوقاً إلى الله، وقال علي كرم الله وجهه: هي الملائكة يسبق بعضها بعضاً بأرواح المؤمنين إلى الله تعالى، وقال مجاهد: أيضاًً هو الموت يسبق الإنسان، وقال قتادة والحسن ومعمر: هي النجوم يسبق بعضها في السير بعضاً.
وقال عطاء: هي الخيل التي تسبق إلى الجهاد، وقيل هي الأرواح التي تسبق الأجساد إلى الجنة أو النار.
قال الجرجاني عطف السابقات بالفاء لأنها مسببة عن التي قبلها أي واللاتي يسبحن فيسبقن. تقول قام فذهب، فهذا يوجب أن يكون القيام سبباً للذهاب، ولو قلت قام وذهب بالواو، لم يكن القيام سبباً للذهاب، قال الواحدي: وهذا غير مطرد في قوله الآتي:
النازعات 79:5
(فالمدبرات أمراً) لأنه يبعد أن يجعل السبق سبباً للتدبير.
قال الرازي ويمكن الجواب عما قاله الواحدي بأنها لما أمرت سبحت فسبقت فدبرت ما أمرت بتدبيره، فتكون هذه أفعالاً يتصل بعضها ببعض، كقوله قام زيد فذهب فضرب عمراً.
ولما سبقوا في الطاعات وسارعوا إليها ظهرت أمانتهم ففوض إليهم التدبير.
ويجاب عنه بأن السبق لا يكون سبباً للتدبير كسببية السبح للسبق، والقيام للذهاب ومجرد الإتصال لا يوجب السببية والمسببية.
والأولى أن يقال العطف بالفاء في المدبرات طوبق به ما قبله من عطف السابقات بالفاء ولا يحتاج إلى نكتة كما احتاج إليها ما قبله لأن النكتة إنما تطلب لمخالفة اللاحق للسابق لا لمطابقته وموافقته.
(فالمدبرات أمراً) قال علي هي الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة. وعنه يدبرون ذكر الرحمن وأمره، وقال ابن عباس ملائكة يكونون مع ملك الموت يحضرون الموتى عند قبض أرواحهم فمنهم من يعرج بالروح، ومنهم من يؤمن على الدعاء، ومنهم من يستغفر للميت حتى يصلى عليه ويدلى في حفرته، قال القشيري أجمعوا على أن المراد هنا الملائكة.
وقال الماوردي فيه قولان: (أحدهما) الملائكة وهو قول الجمهور، والثاني إنها الكواكب السبع، حكاه خالد بن معدان عن معاذ بن جبل، وفي تدبيرها الأمر وجهان (أحدهما) تدبر طلوعها وأفولها (الثاني) تدبر ما قضاه الله فيها من الأحوال.
ومعنى تدبير الملائكة للأمر نزولها بالحلال والحرام وتفصيلهما والفاعل للتدبير في الحقيقة وإن كان هو الله عز وجل لكن لما نزلت الملائكة به وصفت به، وقيل إن الملائكة لما أمرت بتدبير أهل الأرض في الرياح والأمطار وغير ذلك قيل لها مدبرات.
قال عبد الرحمن بن ساباط تدبير أمر الدنيا إلى أربعة من الملائكة جبريل وميكائيل وعزرائيل وإسرافيل، أما جبريل فموكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات، وأما عزرائيل فموكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم.
وجواب القسم بهذه الأمور التي أقسم الله بها محذوف أي والنازعات وكذا وكذا لتبعثن. قال الفراء وحذف لمعرفة السامعين به ويدل عليه قوله (أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً) وقيل إن جواب القسم لقوله (إن في ذلك لعبرة لمن يخشى) أي أن في يوم القيامة وذكر موسى وفرعون لعبرة لمن يخشى، قال ابن الأنباري وهذا قبيح لأن الكلام قد طال بينهما.
وقيل جواب القسم (هل أتاك حديث موسى) لأن المعنى قد أتاك وهذا ضعيف جداً.
وقيل الجواب
النازعات 79:6
(يوم ترجف الراجفة) على تقدير ليوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة.
قال السجستاني: يجوز أن يكون هذا من التقديم والتأخير كأنه قال فإذا هم بالساهرة والنازعات، قال ابن الأنباري وهذا خطأ لأن الفاء لا يفتتح بها الكلام والأول أولى.
وقال الكرخي الفاء فيهما للدلالة على ترتبهما بغير مهلة، وهو من عطف المقسم به والمعطوف بالواو من عطف الصفات بعضها على بعض، والعطف مع اتحاد الكل بتنزيل التغاير العنواني منزلة التغاير الذاتي للإشعار بأن كل واحد من الأوصاف المعدودة من معظمات الأمور حقيق بأن يكون على حياله مناطاً لاستحقاق موصوفه للإجلال والإعظام بالإقسام به من غير انضمام الأوصاف الأخر إليه.
(يوم ترجف الراجفة) انتصاب هذا الظرف بالجواب المقدر للقسم أو بإضمار اذكر، والراجفة المضطربة، يقال رجف يرجف إذا اضطرب، والمراد هنا الصيحة العظيمة التي فيها تردد واضطراب كالرعد وهي النفخة الأولى التي يموت بها جميع الخلائق، قاله ابن عباس.
النازعات 79:7
(تتبعها الرادفة) هي النفخة الثانية التي تكون عند البعث، قاله ابن عباس وبينهما أربعون سنة، فاليوم واسع للنفختين وغيرهما فصح ظرفيته للبعث الواقع عقب الثانية، وسميت رادفة لأنها ردفت النفخة الأولى، كذا قال جمهور المفسرين وقال ابن زيد: الراجفة الأرض، والرادفة الساعة، وقال مجاهد الراجفة الزلزلة تتبعها المرادفة الصيحة، وقيل الراجفة اضطراب الأرض والرادفة الزلزلة.
وأصل الرجفة الحركة، وليس المراد التحرك هنا فقط بل الراجفة هنا مأخوذة من قولهم رجف الرعد يرجف رجفاً ورجيفاً إذا ظهر صوته، ومنه سميت الأراجيف لإضطراب الأصوات بها وظهور الأصوات فيها، ومحل تتبعها الرادفة النصب على الحال من الراجفة.
والمعنى لتبعثن يوم النفخة الأولى حال كون النفخة الثانية تابعة لها، وعن أبيّ بن كعب قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب ربع الليل قام فقال: يا أيها الناس اذكروا الله جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، جاء الموت بما فيه " أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وغيرهم.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ترجف الأرض رجفاً وتزلزل بأهلها وهي التي يقول الله (يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ) يقول مثل السفينة في البحر تكفأ بأهلها مثل القنديل المعلق بأرجائها. أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه والديلمي.
قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (14) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)
النازعات 79:8
(قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ) قلوب مبتدأ ويومئذ منصوب بواجفة. وواجفة صفة لقلوب وهو المسوغ للإبتداء بالنكرة أي قلوب مضطربة خائفة قلقة خافقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة، قال جمهور المفسرين. أي خائفة وجلة، وقال ابن عباس: وجلة متحركة، وقال السدي زائلة عن أماكنها نظيره (إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ) وقال المؤرج: قلقة مستوفزة، وقال المبرد: مضطربة يقال وجف القلب يجف وجيفاً إذا خفق كما يقال وجب يجب وجيباً، والإيجاف السير السريع فأصل الوجيف إضطراب القلب، وقال ابن عباس: خائفة.
النازعات 79:9
(أبصارها) مبتدأ ثان وخبره (خاشعة) والجملة خبر الأول، في الكلام حذف مضاف تقديره أبصار أصحاب القلوب ذليلة، والضمير راجع إلى أصحاب القلوب فهو من الإستخدام والمراد أنها تظهر عليهم الذلة والخشوع عند معاينة أهوال يوم القيامة، كقوله (خاشعين من الذل) قال عطاء يريد أبصار من مات على غير الإسلام ويدل على هذا أن السياق في منكري البعث.
النازعات 79:10
(يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) هذا حكاية لما يقوله المنكرون للنعت في الدنيا إستهزاء وإنكاراً للبعث إذا قيل لهم أنكم تبعثون، أي أنرد إلى أول حالنا وإبتداء أمرنا فنصير أحياء بعد موتنا، يقال رجع فلان في حافرته أي رجع من حيث جاء والحافرة عند العرب إسم لأول الشيء وإبتداء الأمر، ومنه قولهم رجع فلان على حافرته أي على الطريق الذي جاء منه، يقال النقد عند الحافرة أي عند الحالة الأولى وهي الصفقة، ويقال اقتتل القوم عند الحافرة أي عند أول ما التقوا، وسميت الطريق التي جاء منها حافرة لتأثيره فيها بمشيه فيها فهي حافرة بمعنى محفورة، وقيل الحافرة العاجلة.
والمعنى إنا لمردودون إلى الدنيا وقيل الحافرة جمع حافر بمعنى القدم أي أنمشي أحياء على أقدامنا ونطأ بها الأرض، وقيل فاعلة بمعنى مفعولة، وقيل على النسب أي ذات حفر، والمراد الأرض، وقيل الحافرة الأرض التي يحفر فيها قبورهم، والمعنى إنا لمردودون في قبورنا أحياء، كذا قال الخليل والفراء وبه قال مجاهد، وقال ابن زيد: الحافرة النار، واستدل بقوله (تلك إذاً كرة خاسرة) قال ابن عباس في الحافرة أي الحياة وعنه قال خلقاً جديداً، قرأ الجمهور في الحافرة، وقرأ أبو حيوة في الحفرة.
ثم زادوا في الاستبعاد بقولهم
النازعات 79:11
(أئذا كنا عظاماً نخرة) أي بالية متفتتة يقال نخر العظم بالكسر إذا بلي، وهذا تأكيد لإنكار البعث أي كيف نرد أحياء ونبعث إذا كنا عظاماً نخرة، والعامل في " إذا " مضمر يدل عليه مردودون أي أئذا كنا عظاماً بالية نرد ونبعث مع كونها أبعد شيء من الحياة.
قرأ الجمهور نخرة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر ناخرة، واختار الأولى أبو عبيدة وأبو حاتم، والثانية الفراء وابن جرير وأبو معاذ النحوي.
قال أبو عمرو بن العلاء: الناخرة التي لم تنخر بعد أي لم تبل ولا بد أن تنخر، وقيل هما بمعنى، تقول العرب نخر الشيء فهو ناخر ونخر، وطمع فهو طامع وطمع ونحو ذلك، قال الأخفش هما جميعاً لغتان أيهما قرأت فحسن.
وقيل الناخرة التي أكلت أطرافها وبقيت أوساطها، والنخرة التي فسدت كلها، وقال مجاهد نخرة أي مرفوتة كما في قوله (رفاتاً) وقيل الناخرة المجوفة التي تمر فيها الريح فتنخر أي تصوت، وقد قرىء إذا كنا وأإذا كنا بالإستفهام وبعدمه.
ثم ذكر سبحانه عنهم قولاً آخر قالوه فقال
النازعات 79:12
(قالوا تلك إذاً كرة خاسرة) أي رجعة ذات خسران لما يقع على أصحابها من الخسران، والمعنى أنهم قالوا إن رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت مما يقوله محمد، وهذا إستهزاء منهم، وقيل معنى خاسرة كاذبة أي ليست بكائنة كذا قال الحسن وغيره، وقال الربيع بن أنس: خاسرة على من كذب بها، وقال قتادة ومحمد بن كعب: أي لئن رجعنا بعد الموت لنخسرن بالنار، وإنما قالوا هذا لأنهم أوعدوا بالنار، والكرة الرجعة والجمع كرات.
وقوله
النازعات 79:13
(فإنما هي زجرة واحدة) تعليل لما يدل عليه ما تقدم من استبعادهم لبعث العظام النخرة وإحياء الأموات، والمعنى لا تستبعدوا ذلك فإنما هي زجرة واحدة وكان ذلك الإحياء والبعث، والمراد بالزجرة الصيحة وهي النفخة الثانية التي يكون البعث بها، وقيل أن الضمير في (إنما هي) راجع إلى المرادفة المتقدم ذكرها التي يعقبها البعث وسميت هذه النفخة زجرة لأنه يفهم منها النهي عن التخلف والمنع منه، وعبارة الخطيب وعبر بالزجرة لأنها أشد من النهي لأنها صيحة لا يتخلف عنها القيام أصلاً.
النازعات 79:14
(فإذا هم بالساهرة) أي فإذا الخلائق الذين قد ماتوا ودفنوا أحياء على وجه الأرض، قال الواحدي المراد بالساهرة وجه الأرض وظاهرها في قول الجميع، قال الفراء سميمت بهذا الإسم لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم، وقيل لأنه يسهر في فلاتها خوفاً منها فسميت بذلك، قال في الصحاح الساهرة وجه الأرض، ومنه قوله (فإذا هم بالساهرة) وقال الساهرة أرض بيضاء، وقيل أرض من فضة لم يعص الله فيها، وقيل الساهرة الأرض السابعة يأتي بها الله سبحانه فيحاسب عليها الخلائق.
وقال سفيان الثوري: الساهرة أرض الشام أو أرض مكة أو أرض القيامة، وقال قتادة هي جهنم، أي فإذا هؤلاء الكفار في جهنم، وإنما قيل لها ساهرة لأنهم لا ينامون فيها لاستمرار عذابهم، وقال ابن عباس هي وجه الأرض وفي لفظ الأرض كلها ساهرة.
وجملة
النازعات 79:15
(هل أتاك حديث موسى) مستأنفة مسوقة لتسلية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تكذيب قومه، وأنه يصيبهم مثل ما أصاب من كان قبلهم ممن هو أقوى منهم، ومعنى (هل أتاك) قد جاءك وبلغك، وهذا على تقدير أن قد سمع من قصص فرعون وموسى ما يعرف به حديثهما، وعلى تقدير أن هذا أول ما نزل عليه في شأنهما فيكون المعنى على الإستفهام إذ لا وجه لحملة على الإقرار حينئذ أي هل أتاك حديثه؟ أنا أخبرك به.
النازعات 79:16
(إذ ناداه ربه بالواد المقدس طوى) الظرف متعلق بحديث لا بأتاك لاختلاف وقتيهما، وقد مضى من خبر موسى وفرعون في غير موضع ما فيه كفاية.
والواد المقدس المبارك المطهر غاية الطهر بتشريف الله له بإنزال النبوة فيه المفيضة للبركات، قال الفراء (طوى) واد بين المدينة ومصر سمي طوى لأنه طوى فيه الشر عن بني إسرائيل أو لأن موسى طواه بالليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي، وقيل واد بالشام عند الصور بين أيلة ومصر، وهو معدول من طاو كما عدل عمر من عامر، قاله الفراء، قال: والصرف أحب إلي إذ لم أجد في المعدول نظيراً له.
وقيل طوى معناه بالعبرانية يا رجل فكأنه قيل يا رجل، وقيل المعنى أن الوادي المقدس بورك فيه مرتين والأول أولى، وقد مضى تحقيق القول فيه، قرىء طوى بالتنوين وتركه وهما سبعيتان، قال الجوهري طوى اسم موضع بالشام تكسر طاؤه وتضم ويصرف ولا يصرف، فمن صرفه جعله إسم واد ومكان وجعله نكرة، ومن لم يصرفه جعله بلدة وبقعة وجعله معرفة.
النازعات 79:17
(إذهب إلى فرعون) قيل هو على تقدير القول، وقيل هو تفسير للنداء أي ناداه نداء هو قوله إذهب، وقيل هو على حذف (أن) المفسرة ويؤيده قراءة ابن مسعود (أن اذهب) لأن في النداء معنى القول.
وجملة (إنه طغى) تعليل للأمر أو لوجوب الإمتثال أي جاوز الحد في العصيان والفساد والتكبر والكفر بالله، قال الرازي ولم يبين أنه طغى في أي شيء فقيل تكبر على الله وكفر به، وقيل تكبر على الخلق واستعبدهم.
النازعات 79:18
(فقل هل لك أن تزكى) أي قل له بعد وصولك إليه هل لك رغبة إلى التزكي وهو التطهر من الشرك، وأصله تتزكى، قرأ الجمهور بالتخفيف، وقرأ نافع وابن كثير بتشديد الزاي على إدغام التاء في الزاي.
قال أبو عمرو ابن العلاء معنى قراءة التخفيف تكون زكياً مؤمناً، ومعنى قراءة التشديد الصدقة، وفي الكلام مبتدأ مقدر تتعلق به إلى، والتقدير هل لك رغبة أو توجه أو سبيل إلى التزكي، ومثل هذا قولهم هل لك في الخير يريدون هل لك رغبة في الخير، وقال ابن عباس: هل لك أن تقول لا إله إلا الله، وقيل معناه هل لك أن تسلم وتصلح العمل، أمر عليه السلام أن يخاطبه بالإستفهام الذي معناه العرض ليستدعيه بالتلطف ويستنزله بالمداراة من عتوه، وهذا نوع تفصيل لقوله (فقولا له قولاً ليِّناً لعله يتذكر أو يخشى).
النازعات 79:19
(وأهديك إلى ربك فتخشى) أي أرشدك إلى عبادته وتوحيده فتخشى عقابه، والفاء لترتيب الخشية على الهداية لأن الخشية لا تكون إلا من مهتد راشد، قال ابن عطاء الخشية أتم من الخوف، لأنها صفة العلماء في قوله تعالى (إنما يخشى الله من عباده العلماءُ) أي العلماء به رواه السلمي.
وعن الواسطي: أوائل العلم الخشية ثم الإجلال ثم الهيبة ثم التعظيم ثم الفناء [[الفناء اصطلاح صوفي لا يعرفه الإسلام.]] وعن بعضهم من تحقق بالخوف ألهاه خوفه عن كل مفروح به، وألزمه الكمد إلى أن يظهر له الأمن من خوفه، ذكره الكرخي.
فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (26) أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (33)
النازعات 79:20
(فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى) هذه الفاء هي الفصيحة لإفصاحها عن كلام محذوف يعني فذهب فقال له ما قال مما حكاه الله في غير موضع، وأجاب عليه بما أجاب إلى أن قال: إن كنت جئت بآية فأت بها فعند ذلك أراه الآية الكبرى.
واختلف فيها ما هي فقيل العصا، وقيل يده وقيل فلق البحر، وقيل هي جميع ما جاء به من الآيات التسع، والأول أولى ثم اليد، والأكثرون على أنه أراهما له، وأطلق عليهما الآية الكبرى لاتحادهما معنى أو أراد بالكبرى العصا وحدها لأنها كانت مقدمة على الأخرى.
ولا ينافي هذا قوله في الآية الأخرى (ولقد أريناه آياتنا كلها) وكل آياته كبرى لأن الإخبار هنا عما أراه له أول ملاقاته إياه وهو العصا واليد، ثم أردف ذلك برؤية الكل.
ولا مساغ لحمل الآية على مجموع معجزاته فإن ما عدا هاتين الآيتين من الآيات التسع إنما ظهر على يده عليه السلام بعد ما غلب السحرة على مهل في نحو من عشرين سنة كما في سورة الأعراف، ولا ريب في أن هذا مطلع القضية وأمر السحرة مترقب بعده.
النازعات 79:21
(فكذب وعصى) أي فلما أراه الآية الكبرى كذب فرعون بموسى وبما جاء به وعصى الله عز وجل بعد ظهور الآية وتحقق الأمر فلم يطعه.
النازعات 79:22
(ثم أدبر) أي تولى وأعرض عن الإيمان، وأتى بثم لأن إبطال الأمر ونقضه يقتضي زماناً طويلاً (يسعى) أي يعمل بالفساد في الأرض ويجتهد في معارضة ما جاء به موسى، وقيل أدبر هارباً من الحية يسعى خوفاً منها، وقال الرازي معنى أدبر يسعى أقبل يسعى كما يقال أقبل يفعل كذا أي أنشأ يفعل كذا فوضع أدبر موضع أقبل، لئلا يوصف بالإقبال، ويسعى حال من الضمير في أدبر.
النازعات 79:23
(فحشر) أي فجمع جنوده للقتال والمحاربة أو جمع السحرة للمعارضة أو جمع الناس للحضور ليشاهدوا ما يقع أو جمعهم ليمنعوه من الحية (فنادى
النازعات 79:24
فقال أنا ربكم الأعلى) أي قال لهم بصوت عال أو أمر من ينادي بهذا القول بعد ما قال له موسى ربي أرسلني إليك، والمعنى أنه لا رب فوقي، قال عطاء كان صنع لهم أصناماً صغاراً وأمرهم بعبادتها، وقال أنا رب أصنامكم، وقيل أراد بكونه ربهم أنه قائدهم وسائدهم والأول أولى لقوله في آية أخرى (ما علمت لكم من إله غيري).
النازعات 79:25
(فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) النكال نعت مصدر محذوف أي أخذه أخذ نكال أو هو مصدر لفعل محذوف أي أخذه الله فنكله نكال الآخرة والأولى، أو مصدر مؤكد لمضمون الجملة، ويجوز أن يكون انتصاب نكال على أنه مفعول له أي أخذه الله لأجل نكال، ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض أي بنكال، ورجح الزجاج أنه مصدر مؤكد، قال لأن معنى أخذه الله نكل الله به فأخرج من معناه لا من لفظه.
وقال الفراء أي أخذه الله أخذاً نكالاً أي للنكال، والنكال اسم لما جعل نكالاً للغير أي عقوبة له، يقال نكل فلان بفلان إذا عاقبه وأصل الكلمة من الإمتناع، ومنه النكول عن اليمين، والنكل القيد، والمراد بنكال الآخرة عذاب النار، ونكال الأولى عذاب الدنيا بالغرق، وقال مجاهد عذاب أول عمره وآخره، وقال قتادة: الآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) والأولى تكذيبه لموسى، وقيل الآخرة قوله (أنا ربكم الأعلى) والأولى قوله (ما علمت لكم من إله غيري) قاله ابن عباس وكان بين الكلمتين أربعون سنة، قاله ابن عمرو [[قال ابن كثير: (فأخذه الله نكال الآخرة والأولى) أي: انتقم الله منه انتقاماً جعله به عبرة ونكالاً لأمثاله من المتمردين في الدنيا (ويوم القيامة بئس الوفد المرفود) كما قال تعالى: (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون) قال: وهذا هو الصحيح في معنى الآية أن المراد بقوله: (نكال الآخرة والأولى) أي الدنيا والآخرة.]].
النازعات 79:26
(إن في ذلك) أي فيما ذكر من قصة فرعون وما فعل به (لعبرة) عظيمة (لمن) شأنه أن (يخشى) الله ويتقيه ويخاف عقوبته ويحاذر غضبه.
النازعات 79:27
(أأنتم أشد خلقاً أم السماء) أي أخلقكم بعد الموت وبعثكم أشد عندكم وفي تقديركم أم خلق السماء، والخطاب لكفار مكة والمقصود به التوبيخ لهم والتبكيت لأن من قدر على خلق السماء التي لها هذا الجرم العظيم، وفيها من عجائب الصنع وبدائع القدرة ما هو بيّن للناظرين، كيف يعجز عن إعادة الأجسام التي أماتها بعد أن خلقها أول مرة، ومثل هذا قوله سبحانه (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس) وقوله (أليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم).
ثم بيّن سبحانه كيفية خلق السماء فقال (بناها) أي جعلها كالبناء المرتفع فوق الأرض
النازعات 79:28
(رفع سمكها) أي أعلاه في الهواء، وهذا بيان للبناء، أو جعل مقدار ذهابها وارتفاعها في سمت العلو رفيعاً مسيرة خمسمائة عام، يقال سمكت الشيء أي رفعته في الهواء وسمك الشيء سموكاً ارتفع قال الفراء كل شيء حمل شيئاًً من البناء أو غيره فهو سمك، وبناء مسموك وسنام سامك أي عال والسموكات السموات.
وقال ابن جزي: السمك غلظ السماء وهو الإرتفاع الذي بين السطح السفلي الأسفل الذي يلينا، وسطحها الأعلى الذي يلي ما فوقها، قال البغوي: رفع سمكها أي سقفها ولينظر ما المراد بسقفها، ويمكن أن يقال سقف كل سماء هو السماء التي فوقها كما أن السماء الدنيا سقف للأرض تأمل.
قال الكسائي والفراء والزجاج: تمّ الكلام عند قوله بناها لأنه من صلة السماء والتقدير أم السماء التي بناها فحذف التي، ومثل هذا الحذف جائز.
ومعنى (فسواها) جعلها مستوية الخلق معتدلة الشكل لا تفاوت فيها ولا اعوجاج ولا فطور، ولا فروج ولا شقوق
النازعات 79:29
(وأغطش ليلها) الغطش الظلمة بلغة أنمار أي جعله مظلماً يقال أغطش الليل وأغطشه الله كما يقال أظلم الليل وأظلمه الله، ورجل أغطش وامرأة غطشى لا يهتديان.
قال الراغب وأصله من الأغطش وهو الذي في عينه عمش، ومنه فلاة غطشى لا يهتدى فيها والتغاطش التعامي، وأضاف الليل إلى السماء لأن الليل يكون بغروب الشمس، والشمس مضافة إلى السماء.
(وأخرج ضحاها) أي أبرز نهارها المضيء بإضاءة الشمس وعبر عن النهار بالضحى لأنه أشرف أوقاته وأطيبها، وأضافه إلى السماء لأنه يظهر بظهور الشمس، وهي منسوبة إلى السماء.
النازعات 79:30
(والأرض بعد ذلك) أي بعد خلق السماء (دحاها) بسطها يقال دحا يدحو دحوا ودحى يدحي دحياً أي بسط ومد فهو من ذوات الواو والياء فيكتب بالألف والياء ويقال لعش المنعامة أدحى لأنه مبسوط على الأرض، قال أمية ابن الصلت:
دحوت البلاد فسويتها ... وأنت على طيها قادر
قيل دحيت من مكة بعد خلق السماء بألفي عام [[قال ابن كثير 4/ 92: أما خلق الأرض، فقبل خلق السماء بالنص، وبهذا أجاب ابن عباس رضي الله عنهما فيما ذكره البخاري. انظر " صحيح البخاري " 8/ 427، 428. ثم قال ابن كثير 4/ 468: ولكن إنما دحيت الأرض بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل، قال: وهذا معنى قول ابن عباس وغير واحد، واختاره ابن جرير.]].
ولا معارضة بين هذه الآية وبين ما تقدم في سورة فصلت من قوله (ثم استوى إلى السماء) بل الجمع بأنه سبحانه خلق الأرض أولاً غير مدحوة ثم خلق السماء ثم دحى الأرض، وقد قدمنا الكلام على هذا مستوفى هنالك، وقدمنا أيضاًً بحثاً في هذا في أول سورة البقرة عند قوله (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً) وذكر بعض أهل العلم أن (بعد) بمعنى مع كما في قوله (عتل بعد ذلك زنيم) وقيل (بعد) بمعنى قبل كقوله (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) أي من قبل الذكر، والجمع الذي ذكرناه أولى وهو قول ابن عباس وغير واحد واختاره ابن جرير.
وعن ابن عباس أن رجلاً قال له آيتان في كتاب الله تخالف إحداهما الأخرى، فقال إنما أتيت من قبل رأيك قال اقرأ (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ -حتى بلغ- ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) وقوله (والأرض بعد ذلك دحاها) قال خلق الله الأرض قبل أن يخلق السماء ثم خلق السماء ثم دحى الأرض بعد ما خلق السماء وإنما قوله (دحاها) بسطها، وعنه قال دحاها أن أخرج منها الماء والمرعى وشقق فيها الأنهار وجعل فيها الجبال والرمال والسبل والآكام وما بينهما في يومين.
قرأ الجمهور بنصب الأرض على الاشتغال وقرىء بالرفع على الابتداء.
ثم فسر سبحانه الدحو فقال:
النازعات 79:31
(أخرج منها ماءها ومرعاها) فجرت من الأرض الأنهار والبحار والعيون، والمرعى النبات الذي يرعى والمرعى مصدر سمي أي رعيها وهو في الأصل موضع الرعي، واستعير الرعي للإنسان على سبيل التجوز.
قال الشهاب: والمرعى ما يأكله الحيوان غير الإنسان فأريد به مجازاً مطلق المأكول للإنسان وغيره، فهو مجاز مرسل من باب استعمال المقيد في المطلق انتهى، وهو استعارة تصريحية حيث شبه أكل الناس برعي الدواب أو فيه جمع بين الحقيقة والمجاز، وقال الكرخي يجوز أن يكون استعارة معنوية.
والظاهر أنه تغليب لأن قوله الآتي (متاعاً لكم ولأنعامكم) وارد عليه ومن حقه أن تغلب ذوو العقول على الأنعام فعكس تجهيلاً لأن الكلام مع منكري الحشر بشهادة قوله (أأنتم أشد خلقاً) كما مر كأنه قيل أيها المعاندون الداخلون في زمرة البهائم الملزوزون في قرنها في تمتعكم بالدنيا وذهولكم عن الأخرى.
والجملة إما بيان وتفسير لدحاها لأن السكنى لا تتأتى بمجرد البسط بل لا بد من تسوية أمر المعاش من المأكل والمشرب، وإما في محل نصب على الحال.
النازعات 79:32
(والجبال أرساها) أي أثبتها في الأرض وجعلها كالأوتاد للأرض لتثبت وتستقر وأن لا تميد بأهلها، قرأ الجمهور بنصب الجبال على الاشتغال، وقرىء بالرفع على الابتداء، قيل ولعل وجه تقديم ذكر إخراج الماء والمرعى على إرساء الجبال مع تقدم الارساء عليه الاهتمام بأمر المأكل والمشرب.
النازعات 79:33
(متاعاً) أي منفعة (لكم ولأنعامكم) من البقر والإبل والغنم، وانتصاب متاعاً على المصدرية أي متعكم بذلك متاعاً أو هو مصدر من عير لفظه لأن قوله (أخرج منها ماءها ومرعاها) بمعنى متع بذلك أو على أنه مفعول له أي فعل ذلك لأجل التمتع وإنما قال لكم ولأنعامكم لأن فائدة ما ذكر من الدحو وإخراج الماء والمرعى كائنة لهم ولأنعامهم، والمرعى يعم ما يأكله الناس والدواب.
فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (36) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (46)
النازعات 79:34
(فإذا جاءت الطامة) أي الداهية التي تعلو سائر الدواهي (الكبرى) أي العظمى التي تطم على سائر الطامات، فالوصف بالكبرى تأسيس لا تأكيد فهي أكبر من داهية فرعون، وهي قوله (أنا ربكم الأعلى).
وهذا شروع في بيان أحوال معادهم إثر بيان أحوال معاشهم، والفاء للدلالة على ترتب ما بعدها على ما قبلها كما ينبىء عنه لفظ المتاع، وفي الكرخي وخص ما هنا بالطامة موافقة لما قبله من داهية فرعون، ولذلك وصفت بالكبرى، موافقة لقوله (فأراه الآية الكبرى) بخلاف ما في عبس فإنه لم يتقدمه شيء من ذلك فخصت بالصاخة وإن شاركت الطامة في أنها النفخة الثانية لأنها الصوت الشديد والصوت يكون بعد الطم فناسب جعل الطم للسابقة، والصخ للاحاقة انتهى.
قال الحسن وغيره: هي النفخة الثانية، وقال الضحاك وغيره: هي القيامة سميت بذلك لأنها تطم على كل شيء لعظم هولها قال المبرد: الطامة عند العرب الداهية التي لا تستطاع، وإنما أخذت فيما أحسب من قولهم طم الفرس طميماً إذا استفرغ جهده في الجري، وطم الماء إذا ملأ النهر كله.
وقال غيره هو من طم السيل الركية أي دفنها، والطم الدفن.
قال مجاهد وغيره: الطامة الكبرى هي التي تسلم أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، قال ابن عباس: الطامة اسم من أسماء يوم القيامة، وجواب " إذا " قيل هو قوله (فأما من طغى) وقيل محذوف أي فإن الأمر كذلك أو عاينوا أو علموا أو أدخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، وقدره بعضهم بقوله كان من عظائم الشؤون ما لم تشاهده العيون.
وقال أبو البقاء العامل فيها جوابها وهو معنى
النازعات 79:35
(يوم يتذكر الإنسان ما سعى) لأنه منصوب بفعل مضمر أي أعني يوم يتذكر أو يوم يتذكر بكون كيت وكيت، وقيل إن الظرف بدل من " إذا " وقيل هو بدل من الطامة الكبرى، ومعنى، تذكر الإنسان ما سعى أنه يتذكر ما عمله من خير أو شر لأنه يشاهده مدوناً في صحائف أعماله، و " ما " مصدرية أو موصولة.
النازعات 79:36
(وبُرزت الجحيم لمن يرى) معطوف على (جاءت) أي أظهرت النار المحرقة إظهاراً بيناً مكشوفاً لا تخفى على أحد، قال مقاتل فكشف عنها الغطاء فينظر إليها الخلق، وقيل لمن يرى من الكفار لا من المؤمنين.
والظاهر أنها تبرز لكل راء، فأما المؤمن فيعرف برؤيتها قدر نعمة الله عليه بالسلامة منها، وأما الكافر فيزداد غماً إلى غمه وحسرة إلى حسرته.
قرأ الجمهور لمن يرى بالتحتية وقرأت عائشة ومالك بن دينار وعكرمة وزيد بن علي: بالفوقية أي لمن تراه الجحيم، أو لمن تراه أنت يا محمد، وقرأ ابن مسعود لمن رأى على صيغة الفعل الماضي.
النازعات 79:37
(فأما من طغى) أي جاوز الحد في الكفر والمعاصي
النازعات 79:38
(وآثر الحياة الدنيا) أي قدمها على الآخرة باتباع الشهوات المحرمات ولم يستعد لها ولا عمل عملها
النازعات 79:39
(فإن الجحيم هي المأوى) أي مأواه، والألف واللام عوض عن المضاف إليه، وهذا عند الكوفيين، وعند سيبويه وعند البصريين هي المأوى له، ولا بد من أحد هذين التأويلين في الآية لأجل العائد من الجملة الواقعة خبراً عن المبتدأ الذي هو من طغى، وحسن عدم ذكر ذلك العائد كون الكلمة وقعت فاصلة ورأس آية، والمعنى أنها منزله الذي ينزله ومأواه الذي يأوي إليه لا غيرها.
ثم ذكر القسم الثاني من القسمين فقال:
النازعات 79:40
(وأما من خاف مقام ربه) أي حذر مقامه بين يدي ربه يوم القيامة لعلمه بالمبدأ والمعاد، قال الربيع مقامه يوم الحساب، قال قتادة يقول إن لله عز وجل مقاماً قد خافه المؤمنون، وقال مجاهد هو خوفه في الدنيا من الله عز وجل مواقعة الذنب فيقلع عنه، نظيره قوله (ولمن خاف مقام ربه جنتان) والأول أولى.
(ونهى النفس) الأمارة بالسوء (عن الهوى) أي زجرها من الميل إلى المعاصي والمحارم التي تشتهيها، قال مقاتل هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه للحساب فيتركها، والهوى ميل النفس إلى شهواتها
النازعات 79:41
(فإن الجنة هي المأوى) أي المنزل الذي ينزله والمكان الذي يأوي إليه لا غيرها.
النازعات 79:42
(يسألونك) يا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - (عن الساعة أيان مرساها) أي متى وقوعها وقيامها، قال الفراء أي منتهى قيامها كرسو السفينة، قال أبو عبيدة ومرسى السفينة حين تنتهي، والمعنى يسألونك عن الساعة متى يقيمها الله، وقد مضى بيان هذا في سورة الأعراف.
النازعات 79:43
(فيم أنت من ذكراها) أي في أي شيء أنت يا محمد من ذكر القيامة والسؤال عنها والمعنى لست في شيء من علمها وذكرها إنما يعلمها الله سبحانه، وهو استفهام إنكار ورد لسؤال المشركين عنها أي فيم أنت من ذلك حتى يسألوك عنها ولست تعلمها وأنت آخر الأنبياء وعلامة من علاماتها فلا معنى لسؤالهم عنها فكفاهم ذلك دليلاً على دنوها ووجوب الاستعداد لها، والأول أولى.
عن علي بن أبي طالب قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عن الساعة فنزلت فيم أنت من ذكراها " أخرجه ابن مردويه.
وعن عائشة قالت: ما زال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسأل عن الساعة حتى أنزل الله فيم أنت من ذكراها الخ فانتهى فلم يسأل عنها " أخرجه البزار وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه.
وعن طارق بن شهاب قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر ذكر الساعة حتى نزلت هذه الآية فكف عنها " أخرجه عبد بن حميد والنسائي وابن جرير وغيرهم.
وعن ابن عباس: " أن مشركي مكة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا متى الساعة استهزاء منهم، فأنزل الله (يسألونك عن الساعة أيان مرساها) يعني مجيئها فيم أنت من ذكراها يعني ما أنت ممن علمها يا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم -
النازعات 79:44
(إلى ربك منتهاها) يعني منتهى علمها " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه، قال السيوطي: بسند ضعيف.
وعن عائشة قالت: " كانت الأعراب إذا قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم يسألوه عن الساعة فينظر إلى أحدث إنسان منهم فيقول إن يعش هذا قامت عليكم ساعتكم "، أخرجه ابن مردويه.
وجملة (إلى ربك منتهاها) مستأنفة أي منتهى علمها فلا يوجد علمها عند غيره وهذا كقوله: (قل إنما علمها عند ربي) وقوله: (إن الله عنده علم الساعة) فكيف يسألونك عنها ويطلبون منك بيان وقت قيامها.
النازعات 79:45
(إنما أنت منذر من يخشاها) أي مخوف لمن يخشى قيام الساعة وذلك وظيفتك ليس عليك غيره من الإخبار بوقت قيام الساعة ونحوه مما استأثر لله بعلمه إذ لا مدخل لتعيين وقتها في الإنذار، فإن محض الإنذار لا يتوقف على علم المنذر بوقت قيامها، فقصر حاله على الإنذار فلا يتعداه إلى علم الوقت وخص الإنذار بمن يخشى لأنهم المنتفعون بالإنذار، وإن كان منذراً لكل مكلف من مسلم وكافر.
قرأ الجمهور بإضافة منذر إلى ما بعده، وقرىء بالتنوين قال الفراء كلاهما صواب كقوله بالغ أمره وموهن كيد الكافرين، قال أبو علي الفارسي يجوز أن تكون الإضافة للماضي نحو ضارب زيد أمس، وقال الزمخشري التنوين هو الأصل والإضافة تخفيف، وكلاهما يصلح للحال والاستقبال.
النازعات 79:46
(كأنهم) أي كفار قريش (يوم يرونها) أي يوم يرون الساعة ويعاينوها (لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) أي يستقصرون مدة لبثهم ويزعمون أنهم لم يلبثوا إلا قدر آخر نهار أو أوله، أو قدر الضحى الذي يلي تلك العشية، والمراد تقليل مدة الدنيا كما قال لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، وقيل لم يلبثوا في قبورهم.
قال الفراء والزجاج: المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافته إلى يوم العشية على عادة العرب يقولون آتيك الغداة أو عشيتها، وآتيك العشية أو غداتها فتكون العشية في معنى آخر النهار، والغداة في معنى أول النهار، وزاد زاده أن الضحى والعشية لما كانتا من يوم واحد كان بينهما ملابسة مصححة لإضافة إحداهما إلى الأخرى.
قال المحلي: وحسن الإضافة وقوع الكلمة فاصلة أي من الفواصل.
والجملة تقرير لما يدل عليه الإنذار من سرعة مجيء المنذر به، والعشية هي من الزوال إلى غروب الشمس، والضحى هو البكرة إلى الزوال.
عبس 80:1
سورة عبس
وتسمى سورة السفرة وسورة الأعمى، وهي إحدى أو اثنتان وأربعون آية وهي مكية في قول الجميع وعن ابن عباس - رضي الله عنه - نزلت بمكة، وعن ابن الزبير - رضي الله عنه - مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (2) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (6) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (7) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (8) وَهُوَ يَخْشَى (9) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (10) كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (13)
(عبس وتولى) أي كلح بوجهه وقطب وأعرض، وقرىء عبس بالتشديد، جيء في هذه المواضع بضمائر الغائب إجلالاً له صلى الله عليه وسلم ولطفاً به لما في المشافهة بتاء الخطاب ما لا يخفى.
عبس 80:2
(أن جاءه الأعمى) مفعول لأجله أي لأن جاءه، والعامل فيه إما عبس أو تولى، على الاختلاف بين البصريين والكوفيين في التنازع هل المختار أعمال الأول أو الثاني، والمختار مذهب البصريين لعدم الإضمار في الثاني.
وقد أجمع المفسرون على أن سبب نزول الآية " أن قوماً من أشراف قريش كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم وقد طمع في إسلامهم، فأقبل عبد الله ابن أم مكتوم، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقطع عليه ابن أم مكتوم كلامه، فأعرض عنه، فنزلت " [[قوله تعالى: (عبس وتولى) قال المفسرون: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً يناجي عتبة بن ربيعة، وأبا جهل بن هشام، وأُمية وأُبَيّاً ابني خلف، ويَدعْوهم إلى الله تعالى، ويرجو إسلامهم، فجاء بن أم مكتوم الأعمى، فقال: علمني يا رسول الله مما علَّمك الله، وجعل يناديه، ويكرِّر النداء، ولا يدري أنه مشتغل بكلام غيره، حتى ظهرت الكراهية في وجهه - صلى الله عليه وسلم - لقطعه كلامه، فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأقبل على القوم يكلِّمهم، فنزلت هذه الآيات، فكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكرمه بعد ذلك، ويقول: مرحباً بمن عاتبني فيه ربي.]].
وعن عائشة قالت: " أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويقبل على الآخر ويقول أترى بما أقول بأساً، فيقول لا، ففي هذا أنزلت " أخرجه الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن حيان والحاكم وصححه وابن مردويه.
وعن أنس قال: " جاء ابن أم مكتوم وهو يكلم أبيّ بن خلف فأعرض عنه، فأنزل الله (عبس) الخ وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يكرمه " أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى.
وعن ابن عباس قال: " بينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يناجي عتبة بن ربيعة والعباس بن عبد المطلب وأبا جهل بن هشام، وكان يتصدى لهم كثيراً، ويحرص عليهم أن يؤمنوا فأقبل عليهم رجل أعمى يقال له عبد الله ابن أم مكتوم يمشي وهو يناجيهم، فجعل عبد الله يستقرىء النبي صلى الله عليه وآله وسلم آية من القرآن، قال يا رسول الله علمني مما علمك الله، فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعبس في وجهه وتولى وكره كلامه، وأقبل على الآخرين، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نجواه وأخذ ينقلب إلى أهله أمسك الله ببعض بصره ثم خفق برأسه ثم أنزل الله (عبس وتولى) الآية، فلما نزل فيه ما نزل أكرمه نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم وكلمه وقال له: ما حاجتك هل تريد من شيء؟ وإذا ذهب من عنده قال: هل لك حاجة في شيء " أخرجه ابن جرير وابن مردويه، قال ابن كثير فيه غرابة وقد تكلم في إسناده [[ذكره الواحدي في " أسباب النزول " ص 333 بغير سند، وقال الحافظ في " تخريج أحاديث الكشاف 181 ذكره الثعلبي بلا إسناد، وأخرجه ابن أبي حاتم من رواية العوفي عن ابن عباس نحوه. وأخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، وابن حبان عن عائشة قالت: أُنزلت سورة " عبس وتولى " في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعل يقول. يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض عنه، ويقبل على الآخر، ويقول: أترى بما أقول بأساً؟ فيقول: لا، ففي هذا أُنزلت.]].
وقال المحلي: فكان بعد ذلك يقول له إذا جاء مرحباً بمن عاتبني فيه ربي، ويبسط له رداءه، وقال الخازن استخلفه النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المدينة ثلاث عشرة مرة في غزواته [[أي يستخلفه للصلاة بالناس.]] وكان من المهاجرين الأولين، قيل قتل شهيداً بالقادسية قال أنس بن مالك رأيته يوم القادسية وعليه درع ومعه راية سوداء [[كلمة أنس لا تصح لأن الرجل أعمى.]].
قرأ الجمهور (أن جاءه الأعمى) على الخبر بدون الاستفهام، ووجهه ما تقدم.
وقرأ الحسن (أن جاءه) بالمد على الاستفهام فهو على هذه القراءة متعلق بفعل محذوف دل عليه عبس وتولى والتقدير أن جاءه الأعمى تولى وأعرض.
عبس 80:3
(وما يدريك) التفت سبحانه من الغيبة إلى خطاب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم لأن المشافهة أدخل في العتاب. أي أيّ شيء يجعلك دارياً بحاله حتى تعرض عنه.
وجملة (لعله يزكى) مستأنفة لبيان أن له شأناً ينافي الإعراض عنه أي لعله يتطهر من الذنوب بالعمل الصالح بسبب ما يتعلمه منك لا من الشرك لأنه أسلم قديماً بمكة، فالضمير في لعله راجع إلى الأعمى، وقيل هو راجع إلى الكافر أي وما يدريك أن ما طمعت فيه ممن اشتغلت بالكلام معه عن الأعمى أنه يزكى أو يذكر، والأول أولى، وكلمة الترجي باعتبار من وجه إليه الخطاب للتنبيه على أن الإعراض عنه مع كونه مرجو التزكي مما لا يجوز.
ومثل هذه الآية قوله في سورة الأنعام (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي) وكذلك قوله: في سورة الكهف: (ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا).
عبس 80:4
(أو يذكر) عطف على يزكى داخل معه في حكم الترجي، أي أو يتذكر فيتعظ بما تعلمه من المواعظ (فتنفعه الذكرى) أي الموعظة المسموعة منك، قرأ الجمهور بالرفع وقرىء بالنصب على جواب الترجي أي أنك لا تدري ما هو مترقب منه من تزكي أو تذكر ولو دريت ما فرط ذلك منك.
عبس 80:5
(أما من استغنى) أي كان ذا ثروة وغنى، أو استغنى عن الإيمان وعما عندك من العلم الذي ينطوي عليه القرآن
عبس 80:6
(فأنت له تصدى) أي تصغي لكلامه، والتصدي الإصغاء وقيل هو من الصدى وهو الصوت المسموع في الأماكن الخالية والأجرام الصلبة، وقيل من الصدى وهو العطش، والمعنى على التعريض، قرأ الجمهور تصدى بالتخفيف على طرح إحدى التاءين تخفيفاً، وقرأ نافع وابن محيصن بالتشديد على الإدغام، وفي هذا مزيد تنفير له صلى الله عليه وآله وسلم عن الإقبال عليهم والإصغاء إلى كلامهم.
عبس 80:7
(وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) أي أيُّ شيء عليك في أن لا يسلم ولا يهتدي، فإنه ليس عليك إلا البلاغ فلا تهتم بأمر من كان هكذا من الكفار، ويجوز أن تكون (ما) نافية أي ليس عليك بأس في أن لا يتزكى من تصديت له وأقبلت عليه، وتكون الجملة في محل نصب على الحال من ضمير تصدى.
ثم زاد سبحانه في معاتبة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم فقال:
عبس 80:8
(وأما من جاءك يسعى) أي وصل إليك حال كونه مسرعاً في المجيء إليك طالباً منك أن ترشده إلى الخير وتعظه بمواعظ الله
عبس 80:9
(وهو يخشى) حاك من فاعل (يسعى) على التداخل، أو من فاعل جاءك على الترادف أي يخشى الله أو أذى الكفار يعني ابن أم مكتوم
عبس 80:10
(فأنت عنه تلهى) أي تتشاغل عنه وتعرض عن الإقبال عليه. والتلهي التشاغل والتغافل، يقال لهيت عن الأمر ألهى أي تشاغلت عنه وكذا تلهيت. وليس هو من اللهو في شيء ولم يجعل من اللهو لأنه مسند إلى ضمير النبي، ولا يليق بمنصبه الكريم أن ينسب إليه الفعل من اللهو بخلاف الاشتغال فإنه يجوز أن يصدر منه في بعض الأحيان، ولا ينبغي أن يعتقد غير هذا.
وقوله
عبس 80:11
(كلا) ردع له صلى الله عليه وآله وسلم عما عوتب عليه أي لا تفعل بعد هذا الواقع منك مثله من الإعراض عن الفقير، والتصدي للغني والتشاغل به مع كونه ليس ممن يتزكى. عن إرشاد من جاءك من أهل التزكي والقبول للموعظة، وهذا الواقع من النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو من باب ترك الأولى، فأرشده الله سبحانه إلى ما هو الأولى به.
(إنها تذكرة) أي أن هذه الآيات أو السورة موعظة حقها أن تتعظ بها وتقبلها وتعمل بموجبها أو تعمل بها كل أمتك.
عبس 80:12
(فمن شاء ذكره) أي فمن رغب فيها اتعظ بها وحفظها وعمل بموجبها، ومن رغب عنها كما فعله من استغنى فلا حاجة إلى الاهتمام بأمره، قيل الضميران في (إنها) وفي (ذكره) للقرآن وتأنيث الأول لتأنيث خبره، وقيل الأول للسورة أو للآيات السابقة والثاني للتذكرة لأنها في معنى الذكر، وقيل المعنى فمن شاء الله ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به والأول أولى.
ثم أخبر سبحانه عن عظم هذه التذكرة وجلالتها فقال:
عبس 80:13
(في صحف) أي أنها تذكرة كائنة في صحف، فالجار والمجرور صفة لتذكرة وما بينهما اعتراض، والصحف جمع صحيفة.
ومعنى (مكرمة) أنها مكرمة عند الله لما فيها من العلم والحكمة، أو لأنها نازلة من اللوح المحفوظ، وقيل المراد بالصحف كتب الأنبياء كما في قوله (إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى).
مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (16) قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (22) كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ (23) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30)
عبس 80:14
(مرفوعة) أي أنها رفيعة القدر عند الله، وقيل مرفوعة في السماء السابعة، قال الواحدي قال المفسرون مكرمة يعني في اللوح المحفوظ، مرفوعة يعني في السماء السابعة، قال ابن جرير مرفوعة القدر والذكر، وقيل مرفوعة عن الشبه والتناقض.
(مطهرة) أي منزهة لا يمسها إلا المطهرون، قال الحسن مطهرة من كل دنس. قال السدي مصانة عن الكفار لا ينالونها، وقال المحلي منزهة عن مس الشياطين انتهى.
وفيه أن الصحف بأيدي الملائكة في السماء، والشياطين لا يصلون إلى السماء فلا يظهر مدح الصحف بتطهيرها من مسهم فليتأمل، قاله سليمان الجمل.
عبس 80:15
(بأيدي سفرة) جمع سافر ككتبة وكاتب، قال ابن عباس سفرة كتبة، وقال هم النبطية القراء، والمعنى أنها بأيدي كتبة من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح المحفوظ، قال الفراء السفرة هنا الملائكة الذين يسفرون بالوحي بين الله ورسوله من السفارة وهي السعي بين القوم.
قال الزجاج إنما قيل للكتاب سفر بكسر السين، والكاتب سافر لأن معناه أنه بين، يقال أسفر الصبح إذا أضاء وسفرت المرأة إذا كشفت النقاب عن وجهها، ومنه سفرت بين القوم أسفر سفارة أي أصلحت بينهم، قال مجاهد هم الملائكة الكرام الكاتبون لأعمال العباد.
وقال قتادة: السفرة هنا هم القراء لأنهم يقرأون الأسفار، وقال وهب بن منبه هم أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم أثنى سبحانه على السفرة فقال:
عبس 80:16
(كرام) على ربهم كذا قال الكلبي، وقال الحسن كرام عن المعاصي فهم يرفعون أنفسهم عنها، وقيل يتكرمون أن يكونوا مع ابن آدم إذا خلا بزوجته أو قضى حاجته، وقيل يؤثرون منافع غيرهم على منافعهم، وقيل يتكرمون على المؤمنين بالاستغفار لهم.
(بررة) جمع بار مثل كفرة وكافر أي أتقياء مطيعون لربهم صادقون في إيمانهم وقد تقدم تفسيره، وقال ابن عباس هم الملائكة.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة قالت: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي يقرأ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأه وهو عليه شاق له أجران ".
عبس 80:17
(قتل الإنسان ما أكفره) أي لعن الإنسان الكافر ما أشد كفره، قال الكرخي وهذا دعاء عليه بأشنع الدعوات وإن ذلك ورد على أسلوب كلام العرب لبيان استحقاقه لأعظم العقاب حيث أتى بأعظم القبائح كقولهم إذا تعجبوا من شيء قاتله الله ما أخبثه، أخزاه الله ما أظلمه، قال الشاعر:
يتمنى المرء في الصيف الشتا ... فإذا جاء الشتا أنكره
لا بذا يرضى ولا يرضى بذا ... قتل الإنسان ما أكفره
وقيل معناه أي شيء أكفره أي دعاه إلى الكفر، وهو استفهام توبيخ، والظاهر هو الأول، قيل المراد بالإنسان عتبة بن أبي لهب، ومعنى ما أكفره التعجب من إفراط كفره، قال الزجاج معناه اعجبوا أنتم من كفره، وقيل المراد بالإنسان من تقدم ذكره في قوله (أما من استغنى) وقيل المراد به الجنس وهذا هو الأولى فيدخل تحته كل كافر شديد الكفر ويدخل تحته من كان سبباً لنزول الآية دخولاً أولياً.
ثم ذكر سبحانه ما كان ينبغي لهذا الكافر أن ينظر فيه حتى ينزجر عن كفره ويكف عن طغيانه فقال:
عبس 80:18
(من أي شيء خلقه) أي من أي شيء خلق الله هذا الكافر، والاستفهام للتقرير أو تحقير له والأول أظهر، لأن الاستفهام ذكروا من معانيه التقرير، لكن التحقير أخص بالمقام، وجمع بعضهم بينهما فقال الاستفهام هنا لتقرير التحقير، قال الشهاب ولو قيل أنه للتقرير والتحقير مستفاد من شيء المنكر لكان له وجه.
ثم فسر سبحانه ذلك فقال:
عبس 80:19
(من نطفة) أي من ماء مهين، وهذا كمال تحقير له قال الحسن كيف يتكبر من خرج من مخرج البول مرتين.
(خلقه فقدره) أي فسواه وهيأه لمصالح نفسه، وخلق له اليدين والرجلين والعينين وسائر الآلات والحواس، وقيل قدره أطواراً من حال أي حال، نطفة ثم علقة إلى أن تم خلقه، والفاء للترتيب في الذكر.
عبس 80:20
(ثم السبيل يسره) أي يسر له الطريق إلى الخير والشر، وقال السدي ومقاتل وعطاء وقتادة يسره للخروج من بطن أمه، قال بعضهم إن رأس المولود في بطن أمه من فوق ورجليه من تحت فهو في بطن أمه على الانتصاب، فإذا جاء وقت خروجه انقلب بإلهام من الله تعالى، ذكره الرازي والأول أولى، ومثله قوله (وهديناه النجدين) وانتصاب السبيل بمضمر يدل عليه الفعل المذكور أي يسر السبيل يسره.
عبس 80:21
(ثم أماته فأقبره) أي جعله بعد أن أماته ذا قبر يوارى فيه إكراماً له، ولم يجعله مما يلقى على وجه الأرض تأكله السباع والطير، كذا قال الفراء، وقال أبو عبيدة جعل له قبراً وأمر أن يقبر فيه، وقال أقبره ولم يقل قبره لأن القابر هو الدافن بيده والمقبر هو الله تعالى، ويقال قبر الميت إذا دفنه بيده، وأقبره إذا أمر غيره أن يجعله في قبر، وعد الإماتة من النعم لأنها وصلة في الجملة إلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم.
عبس 80:22
(ثم إذا شاء) إنشاره (أنشره) أي أحياه بعد موته، وعلق الإنشار بالمشيئة للدلالة على أن وقته غير متعين بل هو تابع للمشيئة، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك فإنها تعلم أوقاتها من بعض الوجوه فلم تفوض إلى مشيئته تعالى، قرأ الجمهور أنشره وقرىء نشره، وهما لغتان فصيحتان.
عبس 80:23
(كلا) ردع وزجر للإنسان الكافر عما هو عليه من التكبر والتجبر والترفع والإصرار على إنكار التوحيد والبعث والحساب أي ليس الأمر كما يقول (لما يقض ما أمره) الله به من العمل بطاعته واجتناب معاصيه، وقيل المراد الإنسان على العموم، وأنه لم يفعل ما أمره الله به مع طول المدة لأنه لا يخلو من تقصير [[قال ابن كثير: وحكاه البغوي عن الحسن البصري بنحو من هذا، قال: ولم أجد للمتقدمين فيه كلاماً سوى هذا، والذي يقع لي في معنى ذلك -والله أعلم- أن المعنى: (ثم إذا شاء أنشره) أي: بعثه (كلا لما يقضِ ما أمره) أي: لا يفعله الآن حتى تنقضي المدة ويفرغ القدر من بني آدم ممن كتب الله أن سيوجد منهم ويخرج إلى الدنيا، وقد أمر به تعالى كوناً وقدراً، فإذا تناهى ذلك عن الله أنشر الله الخلائق وأعادهم كما بدأهم.]]، قال الحسن أي حقاً لم يعمل ما أمر به، وقال ابن فورك: أي كلا لم يقض لهذا الكافر ما أمره به من الاتيان بل أمره بما لم يقض له.
قال ابن الأنباري: الوقف على كلا قبيح، والوقف على أمره وانشره جيد، وكلا على هذا بمعنى حقاً. وقيل المعنى لما يقض جميع أفراد الإنسان ما أمره بل أخل به بعضها بالكفر، وبعضها بالعصيان، وما قضى ما أمره الله به إلا القليل.
وقال بعضهم: ما لإبن آدم والفخر، أوله نطفة مذرة، وآخره جيفة قذرة، وهو بينهما حامل عذرة.
ثم شرع سبحانه في تعداد نعمه على عباده ليشكروها وينزجروا عن كفرانها، بعد ذكر النعم المتعلقة بحدوثهم فقال
عبس 80:24
(فلينظر الإنسان إلى طعامه) أي ينظر كيف خلق الله طعامه الذي جعله سبباً لحياته، وكيف هيأ له أسباب المعاش يستعد بها للسعادة الأخروية، قال مجاهد إلى مدخله ومخرجه، وبه قال ابن الزبير، والأول أولى، وعن ابن عباس قال إلى خرئه، أخرجه ابن أبي الدنيا.
ثم بين سبحانه ذلك فقال:
عبس 80:25
(أنا صببنا الماء صباً) قرأ الجمهور إنا بالكسر على الاستئناف، وقرأ الكوفيون وورش عن يعقوب بالفتح على أنه بدل من طعامه بدل اشتمال لكون نزول المطر سبباً لحصول الطعام فهو كالمشتمل عليه أو بتقدير لام العلة، قال الزجاج الكسر على الابتداء والاستئناف، والفتح على معنى البدل من الطعام.
والمعنى فلينظر الإنسان إلى أنا صببنا الماء صباً، وأراد بصب الماء المطر، وبه قال ابن عباس، وقرأ الحسن بن علي رضي الله عنهما بالفتح والإمالة.
عبس 80:26
(ثم شققنا الأرض) بالنبات الخارج منها بسبب نزول المطر (شقاً) بديعاً لائقاً بما يخرج منه في الصغر والكبر والشكل والهيئة، قال ابن عباس شقاً عن النبات.
قال البيضاوي أسند الشق إلى نفسه تعالى إسناد الفعل إلى السبب، وتبع في ذلك الزمخشري، وقد رده في الانتصاف بأنه تعالى موجد الأشياء فالإسناد إليه تعالى حقيقة، وإنما ذكره الزمخشري اعتزالاً فإن أفعال العباد مخلوقة لهم عنده، ورده المدقق في الكشف بأنه ليس مبنياً على ما ذكر، بل لأن الفعل إنما يسند حقيقة لمن قام به لا لمن أوجده، فالاعتراض عليه ناشىء من قلة التدبر، أفاده الشهاب.
ثم بين سبب هذا الشق وما وقع لأجله فقال:
عبس 80:27
(فأنبتنا فيها حباً) يعني الحبوب التي يتغذى بها، والمعنى أن النبات لا يزال ينمو ويتزايد إلى أن يصير حباً
عبس 80:28
(و) أنبتنا فيها (عنباً) قيل وليس من لوازم العطف أن يقيد المعطوف بجميع ما قيد به المعطوف عليه، فلا ضير في خلو نبات العنب عن شق الأرض.
قلت بل يمكن التقييد ويكون باعتبار أصل نبات العنب ففيه شق الأرض.
(وقضباً) هو القت الرطب الذي يقضب مرة بعد أخرى تعلف به الدواب، ولهذا سمي قضباً على مصدر قضبه أي قطعه، كأنه لتكرر قطعه نفس القطع، قال الخليل: القضب الفصفصة الرطبة فإذا يبست فهي القت، قال في الصحاح والقضبة والقضب الرطبة، قال والموضع الذي تنبت فيه المقضبة قال القتيبي وثعلب وأهل مكة يسمون العنب القضب، قال ابن عباس القضب الفصفصة يعني القت.
عبس 80:29
(وزيتوناً) هو ما يعصر منه الزيت وهي شجرة الزيتون المعروفة (ونخلاً) هو جمع نخلة
عبس 80:30
(وحدائق غلباً) جمع حديقة وهي البستان، والغلب العظام الغلاظ الرقاب، قال مقاتل ومجاهد الغلب الملتف بعضها ببعض، يقال رجل أغلب إذا كان عظيم الرقبة، ويقال للأسد أغلب لأنه مصمت العنق لا يلتفت إلا جميعاً، وجمع أغلب وغلباء غلب كما جمع أحمر وحمراء حمر، يقال حديقة غلباء أي غليظة الشجر ملتفة فالحدائق ذات أشجار غلاظ فهو مجاز مرسل، وفيه تجوز في الإسناد أيضاًً لأن الحدائق نفسها ليست غليظة بل الغليظ أشجارها.
وقال قتادة وابن زيد الغلب النخل الكرام، وعن ابن زيد أيضاًً وعكرمة هي غلاظ الأوساط والجذوع، وقال ابن عباس: غلباً طوالاً، وعنه قال: الحدائق كل ملتف، والغلب ما غلظ، وعنه قال شجر في الجنة يستظل به لا يحمل شيئاًً.
وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (32) فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (33) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (39) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (42)
عبس 80:31
(وفاكهة) عطف عام فيدخل رطب وعقب ورمان وأترج وتمر وزبيب وغير ذلك وهذا بالنظر لعطفه على عنباً، وأما إذا عطف على حدائق كما هو المتبادر فهو عطف خاص على عام كما لا يخفى، ثم الفاكهة ما يأكله الناس من ثمار الأشجار كالعقب والتين والخوخ ونحوه.
(وأباً) هو كل ما أنبتت الأرض مما لا يأكله الناس، ولا يزرعونه من الكلأ وسائر أنواع المراعي، قال الضحاك الأب كل شيء ينبت على وجه الأرض، وقال ابن أبي طلحة: هو الثمار الرطبة وبه قال ابن عباس، وروي عن الضحاك أيضاًً أنه قال: هو التين خاصة والأول أولى.
وعن ابن عباس أيضاًً الأب ما أنبتت الأرض مما يأكله الدواب ولا يأكله الناس وعنه قال الأب الكلأ والمرعى، وعن إبراهيم التيمي قال: " سئل أبو بكر الصديق عن الأب ما هو فقال أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم " أخرجه أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد.
وعن عبد الله بن يزيد " أن رجلاً سأل عمر عن قوله (أباً) فلما رآهم يقولون أقبل عليهم بالدرة " أخرجه عبد بن حميد.
وعن أنس " أن عمر قرأ على المنبر فأنبتنا فيها حباً وعنباً إلى قوله (وأباً) قال كل هذا قد عرفناه فما الأب، ثم رفض عصاً كانت في يده فقال هذا لعمر الله هو التكلف فما عليك أن لا تدري ما الأب، اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب فاعملوا عليه، وما لم تعرفوه فكلوه إلى ربه " أخرجه ابن سعد وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب والخطيب [[وما ورد من أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سئل عن قوله تعالى: (وفاكهة وأباً) فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلّني إن قلت في كتاب الله ما لا أعلم، فقد رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في " فضائل القرآن "، من رواية محمد بن زيد عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التيمي عن أبي بكر رضي الله عنه، وهو منقطع بين إبراهيم التيمي وبين أبي بكر رضي الله عنه. وقد روى ابن جرير قال: حدثنا بشار، حدثنا ابن أبي عدي، حدثنا حميد، عن أنس قال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه (عبس وتولى) حتى أتى على هذه الآية (وفاكهة وأباً) قال: قد عرفنا ما الفاكهة فما الأب؟ فقال: لعمرك يا ابن الخطاب إن هذا لهو التكلف. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح، إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد رواه غير واحد عن أنس به، ولكن هذا محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ هذه الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله تعالى: (فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا).]].
قال المحلي (أباً) أي ما ترعاه البهائم أي سواء كان رطباً أو يابساً فهو أعم من القضب وقيل التين وعليه فالمغايرة بينه وبين القضب ظاهرة.
عبس 80:32
(متاعاً لكم) منصوب بأنبتنا لأنه مصدر مؤكد لعامله لأن إنباته الأشياء إمتاع لجميع الحيوانات، ويحتمل أن العامل محذوف تقديره فعل ذلك متاعاً لكم أو متعكم بذلك تمتيعاً لكم (ولأنعامكم) جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم.
ثم شرع سبحانه في بيان أحوال المعاد فقال:
عبس 80:33
(فإذا جاءت الصاخة) يعني صيحة يوم القيامة، وسميت صاخة لشدة صوتها لأنها تصخ الآذان أي تصمها فلا تسمع، وقيل لأنها تصخ لها الأسماع من قولك أصاخ إلى كذا أي ْاستمع إليه، والأول أصح قال الخليل: الصاخة صيحة تصخ الآذان حتى تصمها لشدة وقعها، وأصل الكلمة في اللغة مأخوذ من الصك الشديد يقال، صخه الحجر إذا صكه به، وقال ابن عباس: الصاخة من أسماء يوم القيامة.
قال ابن الأعرابي: الصاخة التي تورث الصمم وأنها لمسمعة، وهذا من بديع الفصاحة والفاء للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها من فنون النعم، وجواب (إذا) محذوف يدل عليه قوله الآتي (لكل امرىء منهم) الخ أي فإذا جاءت الصاخة اشتغل كل أحد بنفسه.
عبس 80:34
(يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه) الظرف إما بدل من إذا جاءت أو منصوب بمقدر أي أعني، ويكون تفسيراً للصاخة أو بدلاً منها مبني على الفتح، وخص هؤلاء بالذكر لأنهم أخص القرابة وأولاهم بالحنو والرأفة، فالفرار منهم لا يكون إلا لهول عظيم وخطب فظيع، وتبعات بينه وبينهم، والمراد بالفرار التباعد.
والمعنى أنه لا يلتفت إلى واحد من هؤلاء لشغله بنفسه، قيل أول من يفر من أخيه هابيل، ومن أبويه إبراهيم، ومن صاحبته نوح ولوط، ومن ابنه نوح، والعموم أولى، وقيل إنما يفر عنهم حذراً من مطالبتهم إياه بما بينهم. وقيل يفر عنهم لئلا يروا ما هو فيه من الشدة وقيل لعلمه بأنهم لا ينفعونه ولا يغنون عنه شيئاً كما قال تعالى (يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاًً).
قال عبد الله بن طاهر الأبهري: يفر منهم لما يتبين له من عجزهم وقلة حيلتهم، إلى من يملك كشف تلك الكروب عنه ولو ظهر له ذلك في الدنيا لما اعتمد شيئاً سوى ربه تعالى.
عبس 80:37
(لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه) أي لكل إنسان يوم القيامة شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم، والجملة مستأنفة لبيان سبب الفرار، قال ابن قتيبة يغنيه أي يصرفه عن قرابته، ومنه يقال أغن عني وجهك أي أصرفه.
عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تحشرون حفاة عراة فقالت امرأة أيبصر أحدنا أو يرى بعضنا عورة بعض؟ قال يا فلانة لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه " أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح [[رواه بنحوه الطبري 30/ 61 من رواية الحسين بن حريث عن الفضل بن موسى عن عائذ بن شريح عن أنس، ورواه ابن أبي حاتم من رواية أزهر بن حاتم عن الفضل بن موسى عن عائذ بن شريح به، وعائذ بن شريح، قال أبو حاتم الرازي في " الجرح والتعديل ": في حديثه ضعف. وروى الترمذي في " سننه " 2/ 168 عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " تحشرون حفاة عراة غُرلاً " فقالت امرأة: أيُبصر أو يرى بعضنا عورة بعض؟! قال: يا فلانة (لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، قد روي من غير وجه عن ابن عباس. وروى مسلم في " صحيح " 4/ 2194 عن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " يحشر الناس يوم القيامة حفاةً عراةً غرلاً (غير مختونين) قلت: يا رسول الله النساء والرجال جميعاً ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: " يا عائشة الأمر أشد من أن ينظر بعضهم إلى بعض ".]].
قرأ الجمهور يغنيه بالغين المعجمة وقرأ ابن محيصن بالعين المهملة مع فتح الياء أي يهمه من عناه الأمر إذا أهمه.
ثم بين مآل أمر المذكورين وانقسامهم إلى الأشقياء والسعداء بعد وقوعهم في داهية عظيمة فقال
عبس 80:38
(وجوه) مبتدأ وإن كان نكرة لأنه في مقام التفصيل وحيز التنويع، وهو من مسوغات الابتداء بالنكرة (يومئذ) متعلق به ومعنى (مسفرة) مشرقة متهللة مضيئة، وبه قال ابن عباس، وهي وجوه المؤمنين لأنهم قد علموا إذا ذاك ما لهم من النعيم والكرامة، يقال أسفر الصبح إذا أضاء قال الضحاك: مسفرة من آثار الوضوء وقيل من قيام الليل، وقيل من الغبار في سبيل الله
عبس 80:39
(ضاحكة) عند الفراغ من الحساب (مستبشرة) أي فرحة بما نالته من الثواب الجزيل وكرامة الله ورضوانه.
ثم لما فرغ سبحانه من ذكر حال المؤمنين ذكر حال الكفار فقال
عبس 80:40
(ووجوه يومئذ عليها غبرة) أي غبار وكدورة لما تراه مما أعده الله لها من العذاب
عبس 80:41
(ترهقها قترة) أي يغشاها ويعلوها سواد وكسوف، ولا ترى أوحش من اجتماع الغبرة والسواد في الوجه، والقتر في كلام العرب الغبار كذا قال أبو عبيدة، ويدفع ما قاله أبو عبيدة تقدم ذكر الغبرة فإنها واحدة الغبار، وقال زيد بن أسلم القترة ما ارتفعت إلى السماء والغبرة ما انحطت إلى الأرض، قال ابن عباس: ذلة وشدة وعنه أنه قال قترة سواد الوجه.
عبس 80:42
(أولئك) يعني أصحاب الوجوه وأهل هذه الحالة (هم الكفرة الفجرة) جمع كافر وفاجر أي الجامعون بين الكفر بالله والفجور، ولذلك جمع إلى سواد وجوههم الغبرة كما جمعوا الفجور إلى الكفر، يقال فجر أي فسق، وفجر أي كذب، وبابهما دخل، وأصله الميل، والفاجر المائل عن الحق.