Fath Al-Bayan li Al-Qanuji — التكوير 81:1 – الليل 92:21
المحتويات
- التكوير 81:1
- التكوير 81:2
- التكوير 81:3
- التكوير 81:4
- التكوير 81:5
- التكوير 81:6
- التكوير 81:7
- التكوير 81:8
- التكوير 81:9
- التكوير 81:10
- التكوير 81:11
- التكوير 81:12
- التكوير 81:13
- التكوير 81:14
- التكوير 81:15
- التكوير 81:16
- التكوير 81:17
- التكوير 81:18
- التكوير 81:19
- التكوير 81:20
- التكوير 81:21
- التكوير 81:22
- التكوير 81:23
- التكوير 81:24
- التكوير 81:25
- التكوير 81:26
- التكوير 81:27
- التكوير 81:28
- التكوير 81:29
- الانفطار 82:1
- الانفطار 82:2
- الانفطار 82:3
- الانفطار 82:4
- الانفطار 82:5
- الانفطار 82:6
- الانفطار 82:7
- الانفطار 82:8
- الانفطار 82:9
- الانفطار 82:10
- الانفطار 82:11
- الانفطار 82:12
- الانفطار 82:13
- الانفطار 82:14
- الانفطار 82:15
- الانفطار 82:16
- الانفطار 82:17
- الانفطار 82:18
- الانفطار 82:19
- المطففين 83:1
- المطففين 83:2
- المطففين 83:3
- المطففين 83:4
- المطففين 83:5
- المطففين 83:6
- المطففين 83:7
- المطففين 83:8
- المطففين 83:9
- المطففين 83:10
- المطففين 83:11
- المطففين 83:12
- المطففين 83:13
- المطففين 83:14
- المطففين 83:15
- المطففين 83:16
- المطففين 83:17
- المطففين 83:18
- المطففين 83:19
- المطففين 83:20
- المطففين 83:21
- المطففين 83:22
- المطففين 83:23
- المطففين 83:24
- المطففين 83:25
- المطففين 83:26
- المطففين 83:27
- المطففين 83:28
- المطففين 83:29
- المطففين 83:30
- المطففين 83:31
- المطففين 83:32
- المطففين 83:33
- المطففين 83:34
- المطففين 83:35
- المطففين 83:36
- الانشقاق 84:1
- الانشقاق 84:2
- الانشقاق 84:3
- الانشقاق 84:4
- الانشقاق 84:5
- الانشقاق 84:6
- الانشقاق 84:7
- الانشقاق 84:8
- الانشقاق 84:9
- الانشقاق 84:10
- الانشقاق 84:11
- الانشقاق 84:12
- الانشقاق 84:13
- الانشقاق 84:14
- الانشقاق 84:15
- الانشقاق 84:16
- الانشقاق 84:17
- الانشقاق 84:18
- الانشقاق 84:19
- الانشقاق 84:20
- الانشقاق 84:21
- الانشقاق 84:22
- الانشقاق 84:23
- الانشقاق 84:24
- الانشقاق 84:25
- البروج 85:1
- البروج 85:2
- البروج 85:3
- البروج 85:4
- البروج 85:5
- البروج 85:6
- البروج 85:7
- البروج 85:8
- البروج 85:9
- البروج 85:10
- البروج 85:11
- البروج 85:12
- البروج 85:13
- البروج 85:14
- البروج 85:15
- البروج 85:16
- البروج 85:17
- البروج 85:18
- البروج 85:19
- البروج 85:20
- البروج 85:21
- البروج 85:22
- الطارق 86:1
- الطارق 86:2
- الطارق 86:3
- الطارق 86:4
- الطارق 86:5
- الطارق 86:6
- الطارق 86:7
- الطارق 86:8
- الطارق 86:9
- الطارق 86:10
- الطارق 86:11
- الطارق 86:12
- الطارق 86:13
- الطارق 86:14
- الطارق 86:15
- الطارق 86:16
- الطارق 86:17
- الأعلى 87:1
- الأعلى 87:2
- الأعلى 87:3
- الأعلى 87:4
- الأعلى 87:5
- الأعلى 87:6
- الأعلى 87:7
- الأعلى 87:8
- الأعلى 87:9
- الأعلى 87:10
- الأعلى 87:11
- الأعلى 87:12
- الأعلى 87:13
- الأعلى 87:14
- الأعلى 87:15
- الأعلى 87:16
- الأعلى 87:17
- الأعلى 87:18
- الأعلى 87:19
- الغاشية 88:1
- الغاشية 88:2
- الغاشية 88:3
- الغاشية 88:4
- الغاشية 88:5
- الغاشية 88:6
- الغاشية 88:7
- الغاشية 88:8
- الغاشية 88:9
- الغاشية 88:10
- الغاشية 88:11
- الغاشية 88:12
- الغاشية 88:13
- الغاشية 88:14
- الغاشية 88:15
- الغاشية 88:16
- الغاشية 88:17
- الغاشية 88:18
- الغاشية 88:19
- الغاشية 88:20
- الغاشية 88:21
- الغاشية 88:22
- الغاشية 88:23
- الغاشية 88:24
- الغاشية 88:25
- الغاشية 88:26
- الفجر 89:1
- الفجر 89:2
- الفجر 89:3
- الفجر 89:4
- الفجر 89:5
- الفجر 89:6
- الفجر 89:7
- الفجر 89:8
- الفجر 89:9
- الفجر 89:10
- الفجر 89:11
- الفجر 89:12
- الفجر 89:13
- الفجر 89:14
- الفجر 89:15
- الفجر 89:16
- الفجر 89:17
- الفجر 89:18
- الفجر 89:19
- الفجر 89:20
- الفجر 89:21
- الفجر 89:22
- الفجر 89:23
- الفجر 89:24
- الفجر 89:25
- الفجر 89:26
- الفجر 89:27
- الفجر 89:28
- الفجر 89:29
- الفجر 89:30
- البلد 90:1
- البلد 90:2
- البلد 90:3
- البلد 90:4
- البلد 90:5
- البلد 90:6
- البلد 90:7
- البلد 90:8
- البلد 90:9
- البلد 90:10
- البلد 90:11
- البلد 90:12
- البلد 90:13
- البلد 90:14
- البلد 90:15
- البلد 90:16
- البلد 90:17
- البلد 90:18
- البلد 90:19
- البلد 90:20
- الشمس 91:1
- الشمس 91:2
- الشمس 91:3
- الشمس 91:4
- الشمس 91:5
- الشمس 91:6
- الشمس 91:7
- الشمس 91:8
- الشمس 91:9
- الشمس 91:10
- الشمس 91:11
- الشمس 91:12
- الشمس 91:13
- الشمس 91:14
- الشمس 91:15
- الليل 92:1
- الليل 92:2
- الليل 92:3
- الليل 92:4
- الليل 92:5
- الليل 92:6
- الليل 92:7
- الليل 92:8
- الليل 92:9
- الليل 92:10
- الليل 92:11
- الليل 92:12
- الليل 92:13
- الليل 92:14
- الليل 92:15
- الليل 92:16
- الليل 92:17
- الليل 92:18
- الليل 92:19
- الليل 92:20
- الليل 92:21
التكوير 81:1
سورة التكوير
تسع وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن عائشة وابن الزبير مثله.
وعن ابن عمر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ)، (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) "، أخرجه الترمذي وحسنه وابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه [[أخرجه أحمد في " المسند " رقم 4816 و4934 و4941 و5755 وإسناده صحيح، والترمذي 2/ 168، والحاكم 2/ 515، وصححه ووافقه الذهبي، وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 319 وزاد نسبته لابن المنذر وابن مردويه.]].
قال الكازروني: مناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر بعض أحوال القيامة فيما قبلها أردفه ببعض أحوالها الآخر.
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)
(إذا الشمس كورت) أي أظلمت، قاله ابن عباس، ارتفاع الشمس بفعل محذوف يفسره ما بعده على الاشتغال، وهذا عند البصريين، وأعرب الزمخشري الشمس فاعلاً لفعل مقدر يدل عليه كورت، ومنع أن يرتفع بالإبتداء لأن " إذا " تطلب الفعل لما فيها من معنى الشرط، وما منعه من وقوع المبتدأ بعدها أجازه الأخفش والكوفيون، وأجازوا إذا زيد أكرمك فأكرمه، ولكن الأولى ما ذكره.
والتكوير الجمع وهو مأخوذ من كار العمامة على رأسه يكورها قال الزجاج لفت كما تلف العمامة يقال كورت العمامة على رأسي أكورها كوراً وكورتها تكويراً إذا لففتها.
قال أبو عبيدة كورت مثل تكوير العمامة تلف فتجمع، قال الربيع بن خثيم كورت أي رمى بها ومنه كورته فتكور أي سقط قال مقاتل وقتادة والكلبي ذهب ضوؤها، وقال مجاهد اضمحلت وقيل غورت.
قال الواحدي قال المفسرون تجمع الشمس بعضها إلى بعض ثم تلف فيرمى بها. فالحاصل أن التكوير إما بمعنى لف جرمها أو لف ضوئها أو الرمي بها، والمعنى طويت كطي السجل.
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم " الشمس والقمر يكوران يوم القيامة " أخرجه [[وقد ورد في حديث مرفوع أخرجه الطماوي وإسناده صحيح.]] البخاري، قيل أنهما جمادان فإلقاؤهما في النار يكون سبباً لازدياد الحر في جهنم، وإذا ظرف في هذه المواضع الاثنى عشر وجوابها (علمت نفس) كما سيأتي.
التكوير 81:2
(وإذا النجوم انكدرت) أي تهافتت وتساقطت وانقضت وتناثرت، يقال انكدر الطائر من الهوى إذا انقض، والأصل في الانكدار الانصباب. قال الخليل يقال انكدر عليهم القوم إذا جاؤوا أرسالاً فانصبوا عليهم، قال أبو عبيدة انصبت كما ينصب العقاب، قال الكلبي وعطاء تمطر السماء يومئذ نجوماً فلا يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض وقيل انكدارها طمس نورها، وقال ابن عباس تغيرت.
وعن أبي مريم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " كورت في جهنم وانكدرت في جهنم فكل من عبد دون الله فهو في جهنم إلا ما كان من عيسى وأمه ولو رضيا أن يعبدا، لدخلاها " أخرجه ابن أبي حاتم والديلمي.
التكوير 81:3
(وإذا الجبال سيرت) أي قلعت عن وجه الأرض وأبعدت ورفعت عن مكانها بعد تفتيتها وسيرت في الهواء سير السحاب، ومنه قوله (ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة).
التكوير 81:4
(وإذا العشار عطلت) العشار النوق الحوامل التي في بطونها أولادها، الواحدة عشراء وهي التي قد أتى عليها في الحمل عشرة أشهر، ثم لا يزال ذلك اسمها حتى تضع، وخص العشار لأنها أنفس مال عند العرب وأعزه عندهم. ومعنى عطلت تركت هملاً بلا راع وبلا حلب، قال أبيّ بن كعب أي أهملها أهلها، وذلك لما شاهدوا من الهول العظيم، أو لاشتغالهم بأنفسهم.
قيل وهذا على وجه المثل لأن يوم القيامة لا يكون فيه ناقة عشراء. بل المراد أنه لو كان للرجل ناقة عشراء في ذلك اليوم أو نوق عشار لتركها ولم يلتفت إليها اشتغالاً بما هو فيه من هول يوم القيامة، وسيأتي ما يفيد أن هذا في الدنيا.
وقيل العشار السحاب فإن العرب تشبهها بالحامل، ومنه قوله تعالى (فالحاملات وقراً) وتعطيلها عدم إمطارها، وقيل المراد أن الديار تعطل فلا تسكن، وقيل الأرض التي تعشر زرعها تعطل فلا تزرع، قرأ الجمهور عطلت بالتشديد وقرأ ابن كثير في رواية عنه بالتخفيف.
التكوير 81:5
(وإذا الوحوش) أي ما توحش من دواب البر (حشرت) قرأ الجمهور بالتخفيف، وقرىء بالتشديد أي بعثت وجمعت بعد البعث من كل ناحية حتى يقتص بعضها من بعض، فيقتص للجماء من القرناء.
قال قتادة يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص، فإذا اقتص منها ردت تراباً فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته كالطاووس ونحوه.
وقيل حشرها موتها وقيل أنها مع نفرتها اليوم من الناس وتبددها في الصحاري تضم ذلك اليوم إليهم، قال أبيّ بن كعب حشرت اختلطت.
قال الشهاب في ريحانة الألباء: وههنا أمر نفيس نمحو به السيئات وبحث عظيم نحيي به عظام الرفات وهو أن الحيوانات هل يحييها الله تعالى وتحشر ويقتص لبعضها من بعض؟ فأكثر أهل الحديث والسنة والأصول على أنه كذلك لوروده في القرآن في قوله تعالى (وإذا الوحوش حشرت) ولقول سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم في خبر القصاص يوم القيامة يؤخذ للجماء من القرناء.
وخالفهم أبو الحسن الأشعري فقال في كتاب الإيجاز ما نصه لا يجب على الله أن يعوض البهائم والأطفال والمجانين وجميع الخلق الذين خلق فيهم الألم خلافاً للقدرية حيث قالوا إن الله تعالى إذا آلم الحيوان لا على سبيل الإستحقاق ويجب عليه أن يعوضهم وإلا يكون ظالماً.
ودليلنا أن العقل لا يوجب على الله شيئاًً، وإذا ثبت أن البهائم وغيرها من الحيوان الذي خلق فيه الألم من غير جرم ولا ذنب لا يستحقون ذلك لم تجب إعادتهم ولا نشرهم ولا حشرهم يوم القيامة.
وقال القدرية إن لم يعوضهم في الدنيا فإنه يجب عليه حشرهم في الآخرة وبعثهم كبعث المكلفين.
فإن قالوا قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خبر القصاص " حتى يؤخذ للجماء من القرناء ".
قلنا المراد به حتى يؤخذ للضعيف من القوي، فكنى بذلك عنهم لأن الدليل قد قام على أنهم غير مكلفين، ومن لا تكليف عليه لا يعاقب ولا يقتص منه انتهى.
وفي سراج الملوك اختلف السلف في هذا فقال ابن عباس حشرها موتها، وهو تأويل بعيد لأن الحشر الجمع، وليس في موتها جمعها، بل تفريقها بتمزيقها، ومعظم المفسرين على أنها تحشر كلها حتى الذباب يقتص منها ثم يقال لها كوني تراباً.
وقال بعضهم لا نقطع بإعادتها كالمجانين ومن لم تبلغه الدعوة، وتوقف بعضهم في ذلك والدليل عليه الآية المذكورة والحديث الصحيح عن أبي هريرة " ليؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء " وأنكرها الأشعري لأنها غير مكلفة والخبر تمثيل لشدة التقصي في الحساب.
وقال الأسفراييني يقتص منها بما تفعله في الدنيا، ورد بأنها ليست بمكلفة فهي في المشيئة يفعل بها ما أراد انتهى.
أقول قد تصل بهذا التفصيل الوقوف على الأقوال الأربعة وأدلتها، والحق الذي تشتفي به الصدور أن لا تؤول الآية والحديث بما هو خلاف الظاهر، والشبهة الداعية له بأنها غير عاقلة ولا مكلفة، والحشر والحساب مبني على ذلك، فإذا سقط الأساس سقط ما بني عليه.
فالجواب عنها أن نسلم أنها غير مكلفة لأنها لا تعقل، والنزاع فيه مكابرة إلا أنها لما كانت في المشيئة يفعل الله بها ما يريد، وهو لا يسأل عما يفعل باتفاق أهل السنة بل العقلاء فنقول إن الله تعالى يعيدها وينصف بعضها من بعض بما فعلته بإرداتها لإدراكها للجزئيات، وليس هذا بتكليف ولا مبني عليه، لأن جزاء التكليف إنما يكون في داري الخلود والنار وهي تعود تراباً قبل دخول أهليهما فيهما.
وأما فعل الحكيم القدير لذلك فليعرف أهل المحشر أنه عز وجل لا يترك مثقال ذرة من العدل، ليتحقق أهل النعيم ما لهم من النعيم المقيم وأهل الجحيم ما أعد لهم من العذاب الأليم تنويراً لهم وإرشاداً لأن يعلموا عظمة كبريائه، وتساوي جمع مخلوقاته عنده بالنسبة لذلك.
ولك أن تقول قول ابن عباس حشرها موتها معناه أن حشرها لأجل أن يفنيها ويقول لها كوني تراباً، ولولا بعد كلام الأشعري بتصريحه بما ينافيه حملنا أنه تمثيل على ما ذكر، أو قلنا أنه إنما أنكر الوجوب، ولكن الحق أحق أن يتبع، وهذا مما ينبغي أن يكتب بالنور، على صفحات خدود الحور، وإنما ذكرنا هذا مع طوله وعدم مناسبته لموضوع التفسير تصدقاً على من طالعه بجواهر الفرائد.
التكوير 81:6
(وإذا البحار سجرت) [[في هذه الآية عجيبة قرآنية تقطع ألسنة الملحدين الذين يقولون إن القرآن من عند محمد، من أين لمحمد أو لعصر محمد ما في هذه الآية من علوم لم يعرفها العالم إلا في العصر الحديث.
لم يكن عصر محمد يعرف في البحار إلا الري والإنبات، أما أن البحار تنقلب ناراً فهذا ما لم يخطر لهم
-[98]-
ببال. وإليك كلمة لأستاذ جامعي.
ونرى كذلك أن المعامل الطبيعية والكيميائية أثبتت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق فيما بلغه من كتاب الله، ذلك أن قوله تعالى (وإذا البحار سجرت) معناه التهبت وصارت ناراً. والبحوث العلمية أثبتت أن الماء مكون من عنصرين: أكسوجين وهيدروجين، وأن الهيدروجين يشتعل. والأكسوجين يساعد على الاشتعال. فإذا فصلت القدرة بين عنصري الماء تحولت البحار إلى نيران. وهذا دليل جديد على صدق القرآن. الناشر.]] أي أوقدت فصارت ناراً تضطرم وقال الفراء ملئت بأن صارت بحراً واحداً وكثر ماؤها وبه قال الربيع بن خيثم والكلبي ومقاتل والحسن والضحاك، وقيل أرسل عذبها على مالحها، ومالحها على عذبها حتى امتلأت. وقيل فجرت فصارت بحراً واحداً وروي عن قتادة وابن حبان أن معنى الآية يبست ولا يبقى فيها قطرة يقال سجرت الحوض أسجره سجراً إذا ملأته، وقال القشيري هو من سجرت التنور أسجره سجراً إذا أحميته.
قال ابن زيد وعطية وسفيان ووهب وغيرهم أوقدت فصارت ناراً، وقيل معنى سجرت أنها صارت حمراء كالدم من قولهم عين سجراء أي حمراء.
قرأ الجمهور سجِّرت بتشديد الجيم وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتخفيفها عن أبي العالية قال ست من آيات هذه السورة في الدنيا والناس ينظرون إليها، وست في الآخرة (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ -إلى- وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) هذه في الدنيا والناس ينظرون إليها، (وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ - إلى- وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ) هذه في الآخرة أخرجه عبد بن حميد وابن المنذر.
وعن أبيّ بن كعب قال ست آيات قيل يوم القيامة بينما الناس في أسواقهم إذ ذهب ضوء الشمس، فبينما هم كذلك إذ وقعت الجبال على وجه الأرض فتحركت واضطربت واختلطت، وفزعت الجن إلى الإنس، والإنس إلى الجن، واختلطت الدواب والطير والوحوش، فماجوا بعضهم في بعض.
وقال أيضاًً في الآية قال الجن للإنس نحن نأتيكم بالخبر فانطلقوا إلى البحر، فإذا هو نار تأجج فبينما هم كذلك إذ تصدعت الأرض صدعة واحدة إلى الأرض السابعة وإلى السماء السابعة فبينما هم كذلك إذ جاءتهم ريح فأماتتهم، وقال ابن عباس: تسجر حتى تصير ناراً، وقال أيضاًً سجرت أي اختلط ماؤها بماء الأرض.
التكوير 81:7
(وإذا النفوس زوجت) أي قرنت بأجسادها أي ردت الأرواح إلى أبدانها، وهذا بناء على أن التزويج بمعنى جعل الشيء زوجاً، والنفوس على هذا بمعنى الأرواح وقيل معناه قرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، وقرن بين الرجل السوء مع رجل السوء في النار كذلك تزويج الأنفس، قاله عمر بن الخطاب، وأخرج نحوه ابن مردويه عن النعمان بن بشير مرفوعاً.
وقال عطاء زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، وقرنت نفوس الكافرين بالشياطين، وقيل قرن كل شكل إلى شكله في العمل، وهو راجع إلى القول الثاني.
وقيل قرن كل رجل إلى من كان يلازمه من ملك أو سلطان كما في قوله (أحشروا الذين ظلموا وأزواجهم) وقال الحسن ألحق كل امرىء بشيعته، اليهود باليهود والنصارى بالنصارى والمجوس بالمجوس، وكل من كان يعبد شيئاًً من دون الله يلحق بعضهم ببعض، والمنافقون بالمنافقين والمؤمنون بالمؤمنين.
وقيل يقرن الغاوي بمن أغواه من شيطان أو إنسان، ويقرن المطيع بمن دعاه إلى الطاعة من الأنبياء والمؤمنين.
وقيل قرنت النفوس بأعمالها وكتبها فأصحاب اليمين زوج. وأصحاب الشمال زوج، والسابقون زوج
التكوير 81:8
(وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ) أي المدفونة حية (سُئِلَتْ (8)
التكوير 81:9
بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ) وقد كانت العرب إذا ولدت لأحدهم بنت دفنها حية مخافة العار أو الحاجة والإملاق، وخشية الاسترقاق، يقال وأد يئد فهو وائد والمفعول به موؤود، وأصله مأخوذ من الثقل لأنها تدفن فيطرح عليها التراب فيثقلها فتموت، ومنه (ولا يؤوده حفظهما) أي لا يثقله وهنا قول متمم بن نويرة *ومؤودة مقبورة في مغارة* ومنه قول الراجز:
سميتها إذ ولدت تموت ... والقبر صهر ضامن رميت
قرأ الجمهور " الْمَوْءُودَةُ " بهمزة بين واوين ساكنين كالموعودة، وقرأ البزي في رواية عنه بهمزة مضمومة ثم واو ساكنة، وقرأ الأعمش المودة بزنة الموزة، وقرأ الجمهور سئلت مبنياً للمفعول، وقرأ الحسن بكسر السين من سأل يسيل، وقرأ علي وابن مسعود وابن عباس سألت مبنياً للفاعل، وقتلت بضم التاء الأخيرة، وهذه قراءة شاذة.
والمعنى على الأولى أن توجيه السؤال إليها لإظهار كمال الغيظ على قاتلها حتى كأنه لا يستحق أن يخاطب ويسأل عن ذلك، وفيه تبكيت لقاتلها وتوبيخ له شديد بصرف الخطاب كقوله (أأنت قلت للناس) وهذه الطريقة أفظع في ظهور جناية القاتل وإلزام الحجة عليه.
قال الحسن أراد الله أن يوبخ قاتلها لأنها قتلت بغير ذنب، وقيل لتدل على قاتلها وقيل لتقول بلا ذنب قتلت، وعلى هذا هو سؤال تلطف.
وقرأ الجمهور قتلت بالتخفيف مبنياً للمفعول، وقرأ أبو جعفر بالتشديد على التكثير وقرىء بكسر التاء الثانية على أنها تاء المؤنثة المخاطبة والفعل مبني للمفعول، وهذه قراءة شاذة وفي مصحف أُبيّ وإذا الموؤودة سألت بأي ذنب قتلتني.
وفي الآية دليل على أن أطفال المشركين لا يعذبون، وعلى أن التعذيب لا يكون بلا ذنب.
عن عمر بن الخطاب قال " جاء قيس بن عاصم التميمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني وأدت ثمان بنات لي في الجاهلية فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأعتق عن كل واحدة رقبة، قال إني: صاحب إبل قال: فاهد عن كل واحدة بدنة " أخرجه البزار والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه.
وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (14) فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ (16) وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (18) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (19) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20)
التكوير 81:10
(وإذا الصحف) أي صحائف الأعمال (نشرت) أي فتحت وبسطت للحساب لأنها تطوى عند الموت وتنشر عند الحساب، فيقف كل إنسان على صحيفته فيعلم ما فيها فيقول (مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) ويجوز أن يراد نشرت بين أصحابها أي فرقت بينهم، قرأ نافع وابن عامر وأبو عمرو نشرت بالتخفيف وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير وهما سبعيتان.
التكوير 81:11
(وإذا السماء كشطت) أي أزيلت عن أماكنها وعدمت بالمرة، والكشط قلع عن شدة التزاق، فالسماء تكشط كما يكشط الجلد عن الكبش، والقشط بالقاف لغة في الكشط وهي قراءة ابن مسعود، قال الزجاج: قلعت كما يقلع السقف، وقال الفراء: نزعت فطويت، وقال مقاتل كشفت عما فيها، قال الواحدي ومعنى الكشط رفعك شيئاًً عن شيء قد غطاه.
التكوير 81:12
(وإذا الجحيم سعرت) أي أججت وأوقدت لأعداء الله إيقاداً شديداً، وزيد في إحمائها قرأ الجمهور سعرت بالتخفيف، وقرأ نافع وابن ذكوان وورش بالتشديد لأنها أوقدت مرة بعد مرة وهما سبعيتان، قال قتادة سعرها غضب الله وخطايا بني آدم.
التكوير 81:13
(وإذا الجنة أزلفت) أي قربت إلى المتقين وأدنيت منهم ليدخلوها، قال الحسن إنهم يقربون منها لا أنها تزول عن موضعها، وقال ابن زيد معنى أزلفت تزينت، والأول أولى لأن الزلفى القرب في كلام العرب.
قيل هذه الأمور الإثنا عشر ست منها في الدنيا وهي من أول السورة إلى قوله (وإذا البحار سجرت) وست في الآخرة هي (وإذا النفوس زوجت) إلى هنا وقد سبق بيانها.
وجواب الجميع قوله
التكوير 81:14
(علمت نفس ما أحضرت) على أن المراد الزمان الممتد من الدنيا إلى الآخرة لكن لا بمعنى أنها تعلم ما تعلم في كل جزء من أجزاء هذا الوقت الممتد أو عند وقوع كل داهية من تلك الدواهي، بل المراد علمت ما أحضرته عند نشر الصحف أو في موقف المحاسبة أو عند الميزان إلا أنه لما كان بعض تلك الدواهي من مباديه وبعضها من روادفه نسب علمها بذلك إلى زمان وقوع كلها تهويلاً للخطب، وتفظيعاً للحال.
والمراد بما أحضرت أعمالها من الخير والشر وبحضورها حضور صحائف الأعمال لأن الأعمال أعراض لا يمكن إحضارها أو حضور الأعمال نفسها، كما ورد أن الأعمال تصور بصور تدل عليها، وتعرف بها، وتنكير نفس المفيد لثبوت العلم المذكور لفرد من النفوس أي لبعض منها للإيذان بأن ثبوته لجميع أفرادها من الظهور والوضوح بحيث لا يخفى على أحد، ويدل على هذا قوله:
(يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضراً) وقيل يجوز أن يكون ذلك للإشعار بأنه إذا علمت حينئذ نفس من النفوس ما أحضرت وجب على كل نفس إصلاح عملها مخافة أن تكون هي تلك التي علمت ما أحضرت، فكيف وكل نفس تعلمه على طريقة قولك لمن تنصحه " لعلك ستندم على ما فعلت، وربما ندم الإنسان على فعله ".
التكوير 81:15
(فلا أقسم) لا زائدة كما تقدم تحقيقه وتحقيق ما فيه من الأقوال في أول سورة القيامة أي فأقسم (بالخنس) وهي الكواكب، وسميت الخنس من خنس إذا تأخر لأنها تخنس بالنهار فتخفى ولا ترى وهي زحل والمشترى والمريخ والزهرة وعطارد كما ذكره أهل التفسير، ووجه تخصيصها بالذكر من بين سائر النجوم أنها تستقبل الشمس وتقطع المجرة.
وقال في الصحاح الخنس الكواكب كلها لأنها تخنس في المغيب أو لأنها تخفى نهاراً أو يقال هي الكواكب السيارة منها دون الثابتة.
قال الفراء إنها الكواكب الخمس المذكورة لأنها تخنس في مجراها وتكنس أي تستتر كما تكنس الظباء في المغار، وقيل سميت خنساً لتأخرها لأنها الكواكب المتحيرة التي ترجع وتستقيم، يقال خنس عنه يخنس خنوساً إذا تأخر وأخنسه غيره إذا خلفه ومضى عنه والخنس تأخر الأنف عن الوجه مع ارتفاع قليل في الأرنبة.
قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: هي الكواكب تكنس بالليل وتخنس بالنهار فلا ترى، وعنه قال خمسة أنجم زحل وعطارد والمشترى وبهرام والزهرة ليس شيء يقطع المجرة غيرها.
وعن ابن عباس قال: هي النجوم السبعة وزاد الشمس والقمر وخنوسها رجوعها وكنوسها تغيبها بالنهار.
التكوير 81:16
(الجوار) أي السيارة لأنها تجري مع الشمس والقمر (الكنس) أي أنها ترجع حتى تخفى تحت ضوء الشمس فخنوسها رجوعها وكنوسها اختفاؤها تحت ضوئها وقيل خنوسها خفاؤها بالنهار وكنوسها غروبها، قال الحسن وقتادة هي النجوم التي تخنس بالنهار وإذا غربت، والمعنى متقارب لأنها تتأخر في النهار عن البصر لخفائها فلا ترى وتظهر بالليل وتكنس في وقت غروبها.
وقيل المراد بها بقر الوحش وبه قال ابن مسعود: لأنها تتصف بالخنس وبالجواري وبالكنس، وقال عكرمة: اخنس البقر والكنس الظباء فهي تخنس إذا رأت الإنسان وتنقبض وتتأخر وتدخل كناسها، وقيل هي الملائكة والأول أولى لذكر الليل والصبح بعد هذا.
والكنس مأخوذ من الكناس الذي يختفي فيه الوحش، والخنس جمع خانس وخانسة، والكنس جمع كانس وكانسة.
وقال ابن عباس هي البقرة تكنس إلى الظل، وعنه قال تكنس لأنفسها في أصول الشجر تتوارى فيه، وعنه قال هي الظباء وعنه الخنس البقر، والجوار الكنس الظباء، ألم ترها إذا كانت في الظل كيف تكنس بأعناقها ومدت نظرها.
وعن أبي العديس قال: " كنا عند عمر بن الخطاب فأتاه رجل فقال يا أمير المؤمنين ما الجواري الكنس فطعن عمر بمخصرة معه في عمامة الرجل فألقاها عن رأسه فقال عمر: أحروري؟ والذي نفس عمر بن الخطاب بيده لو وجدتك محلوقاً لأنحيت القمل عن رأسك " أخرجه الحاكم في الكنى، وهذا منكر، فإن الحرورية لم يكونوا في زمن عمر رضي الله عنه ولا كان لهم في ذلك الوقت ذكر.
التكوير 81:17
(والليل إذا عسعس) أي أقبل بظلامه أو أدبر، قال أهل اللغة: هو من الأضداد. يقال عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس إذا أدبر، ويدل على أن المراد هنا أدبر قوله الآتي
التكوير 81:18
(والصبح إذا تنفس) قال الفراء: أجمع المفسرون على أن معنى عسعس أدبر كذا حكاه عنه الجوهري، وقال الحسن: أقبل ظلامه، قال الفراء العرب تقول عسعس الليل إذا أقبل وإذا أدبر.
وهذا لا ينافي ما تقدم عنه لأنه حكى عن المفسرين أنهم أجمعوا على حمل معناه في هذه الآية على أدبر، وإن كان في الأصل مشتركاً بين الإقبال والإدبار، قال المبرد هو من الأضداد، قال والمعنيان يرجعان إلى شيء واحد وهو ابتداء الظلام في أوله وإدباره في آخره، قال ابن عباس عسعس أدبر وعنه قال إقبال سواده.
(والصبح إذا تنفس) أي امتد حتى يصير نهاراً بيناً، والتنفس في الأصل خروج النسيم من الجوف، وتنفس الصبح إقباله لأنه يقبل بروح ونسيم، فجعل ذلك تنفساً له مجازاً أو شبه الليل المظلم بالمكروب المحزون الذي حبس بحيث لا يتحرك فإذا تنفس وجد راحة، وههنا لما طلع الصبح فكأنه تخلص من ذلك الحزن فعبر عنه بالتنفس.
قال الواحدي تنفس أي امتد ضوؤه حتى يصير نهاراً ومنه يقال للنهار إذا زاد تنفس، وقيل المعنى إذا انشق وانفلق ومنه تنفست القوس أي تصدعت قال ابن عباس إذا تنفس إذا بدا النهار حين طلوع الفجر.
قال الشهاب مناسبته لقرينه ظاهرة على التفسيرين لأن ما قبله إن كان للإقبال فهو أول الليل وهذا أول النهار، وإن كان للإدبار فهذا ملاصق له فبينهما مناسبة الجوار فلا وجه لما قيل من أنه على الأول أنسب انتهى.
ثم ذكر سبحانه جواب القسم فقال
التكوير 81:19
(إنه) أي القرآن (لقول رسول كريم) على الله تعالى يعني جبريل وبه قال ابن عباس لكونه نزل به من جهة الله سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وأضاف القول إلى جبريل لكونه مرسلاً به وقيل المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والأول أولى.
ثم وصف الرسول المذكور بأوصاف محمودة فقال
التكوير 81:20
(ذي قوة عند ذي العرش مكين) أي ذي قوة شديدة في القيام بما كلف به كما في قوله (شديد القوى) ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط الأربع من الماء الأسود وحملها على جناحه فرفعها إلى السماء ثم قلبها، وأنه صاح صيحة بثمود فأصبحوا جاثمين، وأنه يهبط من السماء إلى الأرض ثم يصعد في أسرع من رد الطرف.
والمعنى أنه ذو رفعة عالية ومكانة مكينة عند الله سبحانه، وهو في محل نصب على الحال من مكين، وأصله الوصف فلما قدم صار حالاً، ويجوز أن يكون نعتاً لرسول يقال مكن فلان عند فلان مكانة أي صار ذا منزلة عنده ومكانة قال أبو صالح من مكانته عند ذي العرش أنه يدخل سبعين سرادقاً بغير إذن.
مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (21) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (27) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29)
ومعنى قوله
التكوير 81:21
(مطاع) أنه مطاع بين الملائكة يرجعون إليه ويطيعونه ومن طاعتهم له أنهم فتحوا أبواب السموات ليلة المعراج بقوله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفتح خزنة الجنة أبوابها بقوله.
قال الحسن فرض الله على أهل السموات طاعة جبريل كما فرض على أهل الأرض طاعة محمد صلى الله عليه وآله وسلم (ثََمَّ أمين) قرأ الجمهور بفتح ثم على أنها ظرف مكان للبعيد، والعامل فيه مطاع أو ما بعد، والمعنى أنه مطاع في السموات أو أمين فيها أي مؤتمن على الوحي وغيره.
وقرىء بضمها على أنها عاطفة وكأن العطف بها للتراخي في الرتبة لأن ما بعدها أعظم مما قبلها ومن قال أن المراد بالرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم فالمعنى أنه ذو قوة على تبليغ الرسالة إلى الأمة، مطاع يطيعه من أطاع الله، أمين على الوحي.
التكوير 81:22
(وما صاحبكم بمجنون) الخطاب لأهل مكة والمراد بصاحبكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى وما محمد يا أهل مكة بمجنون، وذكره بوصف الصحبة للإشعار بأنهم عالمون بأمره، وأنه ليس مما يرمونه به من الجنون وغيره في شيء، وأنهم افتروا عليه ذلك عن علم منهم بأنه أعقل الناس وأكملهم.
وهذه الجملة داخلة في جواب القسم فأقسم سبحانه بأن القرآن نزل به جبريل وأن محمد صلى الله عليه وآله وسلم ليس كما يقولون من أنه مجنون، وأنه يأتي بالقرآن من جهة نفسه.
والمقصود [[جواب سؤال تقريره أن بعضهم استدل بالآية على فضل جبريل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم حيث عد فضائل جبريل واقتصر على نفي الجنون عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأجاب المؤلف العلامة عن هذا بقوله والمقصود رد قولهم الخ أهـ السيد ذو الفقار.]] رد قولهم (إنما يعلمه بشر) (افترى على الله كذباً أم به جنة) لا تعداد فضلهما والموازنة بينهما.
ثم إنك إذا أمعنت النظر وقفت على أن إجراء تلك الصفات على جبريل في هذا المقام إدماج لتعظيم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه بلغ من المكانة وعلو المنزلة عند ذي العرش بأن جعل السفير بينه وبينه مثل هذا الملك المقرب المطاع الأمين، فالقول في هذه الصفات بالنسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعة منزلة له كالقول في قوله ذي العرش بالنسبة إلى رفعة منزلة جبريل عليه السلام، كذا ذكره الكرخي.
التكوير 81:23
(ولقد رآه بالأفق المبين) اللام جواب قسم محذوف أي وتالله لقد رأى محمد صلى الله عليه وآله وسلم جبريل بمطلع الشمس من قبل المشرق، لأن هذا الأفق إذا كانت الشمس تطلع منه فهو مبين، لأن من جهته ترى الأشياء وهذه الرؤية هي الواقعة في غار حراء حين رآه على كرسي بين السماء والأرض، وقيل الأفق المبين أقطار السماء ونواحيها.
وإنما قال سبحانه ذلك مع أنه قد رآه غير مرة لأنه رآه هذه المرة في صورته له ستمائة جناح.
قال سفيان: إنه رآه في أفق السماء الشرقي أي لأنه كان في المشرق من حيث تطلع الشمس، وقال ابن بحر في أفق السماء الغربي، وقال مجاهد: رآه نحو أجياد وهو مشرق مكة، والمبين صفة للأفق، قاله الربيع: وقيل صفة لمن رآه قاله مجاهد.
وقيل معنى الآية ولقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه عز وجل، وقد تقدم القول في هذا في سورة النجم.
قال ابن عباس في الآية إنما عنى جبريل أن محمداً صلى الله عليه وآله وسلم رآه في صورته عند سدرة المنتهى، والأفق المبين السماء السابعة.
التكوير 81:24
(وما هو) أي محمد صلى الله عليه وآله وسلم (على الغيب) يعني خبر السماء وما اطلع عليه مما كان غائباً علمه عن أهل مكة (بظنين) أي بمتهم أي هو ثقة فيم يؤدي عن الله سبحانه، وقيل بضنين بالضاد أي ببخيل، قاله ابن عباس أي لا يبخل بالوحي ولا يقصر في التبليغ.
وسبب هذا الاختلاف اختلاف القراء فقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي بالظاء أي بمتهم والظنة التهمة واختارها أبو عبيد، قال لأنهم لم يبخلوه ولكن كذبوه واتهموه.
وقرأ الباقون بالضاد من ضننت بالشيء أضن ضناً إذا بخلت، قال مجاهد أي لا يضن عليكم بما يعلم بل يعلم الخلق كلام الله وأحكامه، وقيل المراد جبريل أنه ليس على الغيب بضنين والأول أولى.
وقرأ ابن مسعود بالظاء بمعنى متهم.
وعن عائشة: " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأها بالظاء " أخرجه الدارقطني في الإفراد والحاكم وصححه وابن مردويه والخطيب، فإن البخل وما في معناه لا يتعدى بعلى وإنما يتعدى بالباء.
التكوير 81:25
(وما هو) أي القرآن (بقول شيطان رجيم) طريد من الشياطين المسترقة للسمع المرجومة بالشهب، قال الكلبي يقول أن القرآن ليس بشعر ولا كهانة كما قالت قريش كقوله (وما تنزلت به الشياطين) قال عطاء يريد بالشيطان الشيطان الأبيض الذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة جبريل يريد أن يفتنه.
ثم بكتهم الله سبحانه ووبخهم فقال
التكوير 81:26
(فأين تذهبون) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها من ظهور إنه وحي مبين، وليس مما يقولون في شيء أي أين تعدلون عن هذا القرآن وعن طاعته، قاله قتادة، وقال الزجاج: معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم.
وهذا استضلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً أو ذهاباً في جنبات الطريق أين تذهب وإلى أين تذهب، وحكى الفراء عن العرب ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق أي إليها قال سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة يريد إلى أي أرض تذهب فحذف إلى.
التكوير 81:27
(إن هو إلا ذكر للعالمين) أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين، وتذكير لهم.
وقوله
التكوير 81:28
(لمن شاء منكم) بدل من العالمين بإعادة الجار ومفعول المشيئة (أن يستقيم) أي لمن شاء منكم الإستقامة على الحق والإيمان والطاعة.
التكوير 81:29
(وَمَا تَشَاءُونَ) الاستقامة (إلا أن) أي بأن (يشاء الله) تلك المشيئة فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة الله وتوفيقه، ومثل هذا قوله سبحانه (وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله) وقوله (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) وقوله (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) والآيات القرآنية في هذا المعنى كثير.
والخطاب هنا ليس للمخاطبين في قوله (فأين تذهبون) بل هو لمن عبر عنهم بقوله لمن شاء منكم أن يستقيم (رب العالمين) أي مالك الخلق أجمعين.
ْعن أبي هريرة قال " لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قالوا الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وإن شئنا لم نستقم فهبط جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كذبوا يا محمد (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه ".
الانفطار 82:1
سورة الانفطار
هي تسع عشرة آية وهي مكية بلا خلاف وقال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله، وأخرج النسائي عن جابر قال: " قام معاذ فصلى العشاء فطول فقال النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - " أفتّان أنت يا معاذ أين أنت عن سبح اسم ربك، والضحى، وإذا السماء انفطرت " وأصل الحديث في الصحيحين ولكن بدون ذكر إذا السماء انفطرت وقد تفرد بها النسائي، وقد تقدم في سورة التكوير حديث " من سره أن ينظر إلى يوم القيامة رأي عين فليقرأ إذا الشمس كورت، وإذا السماء انفطرت " الحديث.
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8)
(إذا السماء انفطرت) السماء فاعل فعل محذوف يدل عليه المذكور، قال الواحدي قال المفسرون انفطارها انشقاقها كقوله (ويوم تشقق السماء بالغمام وتنزل الملائكة تنزيلاً) والفطر الشق يقال فطرته فانفطر، ومنه فطر ناب البعير إذا طلع، قيل والمراد أنها انفطرت هنا لنزول الملائكة منها وقيل انفطرت لهيبة الله عز وجل.
الانفطار 82:2
(وإذا الكواكب انتثرت) أي إذا انقضت وتساقطت متفرقة، يقال نثرت الشيء انثره نثراً، والانتثار استعارة لإزالة الكواكب حيث شبهت بجواهر قطع سلكها وهي مصرحة أو مكنية.
الانفطار 82:3
(وإذا البحار فجرت) أي فجر بعضها من أعلاها أو أسفلها في بعض فصارت بحراً واحداً واختلط العذب منها بالمالح، وأزال ما بينهما من البرزخ الحاجز، وقال الحسن معنى فجرت ذهب ماؤها ويبست، قال ابن عباس فجرت بعضها في بعض، وقيل فاضت.
العامة على بناء فجرت للمفعول مثقلاً، وقرأ مجاهد مبنياً للفاعل مخففاً من الفجور نظراً إلى قوله (بينهما برزخ لا يبغيان) فلما زال البرزخ بغياً، وقرأ مجاهد أيضاًً والربيع بن خيثم والزعفراني والثوري مبنياً للمفعول مخففاً.
الانفطار 82:4
(وإذا القبور بعثرت) أي قلب ترابها الذي أهيل على الأموات وقت الدفن، وأخرج الموتى الذين هم فيها، يقال بعثر يبعثر بعثرة إذا قلب التراب، ويقال بعثر المتاع قلبه ظهراً لبطن وبعثرت الحوض وبعثرته إذا هدمته، وجعلت أعلاه أسفله.
قال الفراء بعثرت أخرجت ما في بطنها من الذهب والفضة وذلك من أشراط الساعة أن تخرج الأرض ذهبها وفضتها، وقال ابن عباس أي بحثت.
وكررت " إذا " لتهويل ما في حيزها من الدواهي.
قال الرازي المراد من هذه الآيات أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة فهناك يحصل الحشر والنشر، وهي ههنا أربعة اثنان منها يتعلقان بالعلويات واثنان يتعلقان بالسفليات.
والمراد بهذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا وانقطاع التكاليف، والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار فإنه يبدأ أولاً بتخريب السقف ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، ثم بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض من البحار، ثم بعد ذلك تخرب الأرض التي فيها الأموات، وأشار لذلك بقوله (وإذا القبور بعثرت).
ثم ذكر سبحانه الجواب عما تقدم فقال
الانفطار 82:5
(علمت نفس ما قدمت وأخرت) والمعنى أنها علمته عند نشر الصحف لا عند البعث لأنه وقت واحد من عند البعث إلى عند مصير أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار، والكلام في إفراد نفس هنا كما تقدم في السورة الأولى في قوله:
(علمت نفس ما أحضرت) ومعنى ما قدمت وأخرت ما قدمت من عمل خير أو شر أو أخرت من سنة حسنة أو سيئة لأن لها أجر ما سنته من السنن الحسنة وأجر من عمل بها، وعليها وزر ما سنته من السنن السيئة ووزر من عمل بها.
وقال قتادة ما قدمت من معصية وأخرت من طاعة، وقيل ما قدم من فرض وأخر من فرض وقيل أول عمله وآخره.
وقيل أن النفس تعلم عند البعث بما قدمت وأخرت علماً إجمالياً لأن المطيع يرى آثار السعادة، والعاصي يرى آثار الشقاوة، وأما العلم التفصيلي فإنما يحصل عند نشر الصحف.
عن ابن مسعود قال ما قدمت من خير وما أخرت من سنة صالحة يعمل بها بعده فإن له مثل أجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاًً أو سنة سيئة يعمل بها بعده فإن عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيئاًً، وعن ابن عباس نحوه.
وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم من استن خيراً فاستن به فله أجره ومثل أجور من اتبعه من غير منتقص من أجورهم، ومن استن شراً فاستن به فعليه وزره ومثل أوزاره من اتبعه من غير منتقص من أوزارهم [[الحاكم 2/ 516.]] وتلا حذيفة (علمت نفس ما قدمت وأخرت).
ولما أخبر سبحانه في الآية الأولى عن وقوع الحشر والنشر ذكر في هذه الآية ما يدل عقلاً على وقوعه فقال:
الانفطار 82:6
(يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم) هذا خطاب للكفار وقال بعضهم المراد بالإنسان ما يشمل الكافر والمؤمن العاصي، قال الشهاب وهذا أرجح كما في الكشف وغيره.
والمعنى ما الذي غرك وخدعك أو جعلك غاراً حتى كفرت بربك الكريم الذي تفضل عليك في الدنيا بإكمال خلقك وحواسك وجعلك عاقلاً فاهماً ورزقك وأنعم عليك بنعمه التي لا تقدر على جحد شيء منها، قال قتادة غره شيطانه المسلط عليه، وقال الحسن غره شيطانه الخبيث وقيل غره حمقه وجهله.
وقيل غره عفو الله إذ لم يعاجله بالعقوبة أول مرة كذا قال مقاتل، وذكر الكريم للمبالغة في المنع من الاغترار، فإن محض الكرم لا يقتضي إهمال الظالم وتسوية الموالي والمعادي والمطيع والعاصي، فكيف إذا انضم إليه صفة القهر والانتقام والإشعار بما به يغره الشيطان فإنه يقول له افعل ما شئت فربك كريم لا يعذب أحداً ولا يعاجل بالعقوبة، والدلالة على أن كثرة كرمه تستدعي الجد في طاعته لا الإنهماك في عصيانه إغتراراً بكرمه، وعن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية وقال: غره والله جهله.
الانفطار 82:7
(الذي خلقك) من نطفة ولم تك شيئاًً (فسواك) رجلاً تسمع وتبصر وتعقل (فعدلك) أي فجعلك معتدلاً قال عطاء جعلك قائماً معتدلاً حسن الصورة وقال مقاتل عدل خلقك في العينين والأذنين واليدين والرجلين، والمعنى عدل بين ما خلق لك من الأعضاء.
قرأ الجمهور فعدلك مشدداً وقرىء بالتخفيف واختار الأولى أبو عبيد وأبو حاتم قال الفراء وأبو عبيد: يدل عليها قوله (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) ومعنى القراءة الأولى أنه سبحانه جعل أعضاءه متعادلة لا تفاوت فيها، ومعنى الثانية أنه صرفه وأماله إلى أي صورة شاء إما حسناً وإما قبيحاً وإما طويلاً وإما قصيراً.
الانفطار 82:8
(في أي صورة ما شاء ركبك) في أي صورة متعلق بركبك وما مزيدة وشاء صفة لصورة أي ركبك في أي صورة شاءها، ويجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه حال أي ركبك حاصلاً في أي صورة.
ونقل أبو حيان عن بعض المفسرين أنه متعلق بعدلك، واعترض عليه بأن أي لها صدر الكلام فلا يعمل فيها ما قبلها، قال مقاتل والكلبي ومجاهد: في أي شبه من أب أو أم أو خال أو عم، وقال مكحول إن شاء ذكراً وإن شاء أنثى.
كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ (19)
الانفطار 82:9
(كلا) ردع وزجر عن الاغترار بكرم الله وجعله ذريعة إلى الكفر به والمعاصي له أو بمعنى حقاً (بل تكذبون بالدين) إضراب عن جملة مقدرة ينساق إليها الكلام كأنه قيل بعد الردع بطريق الاعتراض وأنتم لا ترتدعون عن ذلك بل تجاوزونه إلى ما هو أعظم منه من التكذيب بالدين وهو الجزاء أو بدين الإسلام.
قال ابن الأنباري الوقف الجيد على الدين وعلى ركبك، وعلى كلا قبيح، والمعنى بل تكذبون يا أهل مكة بالدين أي بالحساب وبل لنفي شيء تقدم، وتحقيق غيره، وإنكار البعث قد كان معلوماً عندهم وإن لم يجر له ذكر.
قال الفراء كلا ليس الأمر كما غررت به، قرأ الجمهور تكذبون بالفوقية على الخطاب، وقرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة بالتحتية على الغيبة.
وجملة
الانفطار 82:10
(وإن عليكم لحافظين) في محل نصب على الحال من فاعل تكذبون أي تكذبون والحال أن عليكم من يدفع تكذيبكم، أو مستأنفة مسوقة لبيان ما يبطل تكذيبهم، والحافظون الرقباء من الملائكة الذين يحفظون على العباد أعمالهم ويكتبونها في الصحف.
قال ابن عباس: جعل الله على ابن آدم حافظين في الليل والنهار يحفظان عمله ويكتبان أثره.
وهذا الخطاب وإن كان مشافهة إلا أن الأمة أجمعت على عموم هذا الخطاب في حق المكلفين.
وقوله تعالى حافظين جمع يحتمل أن يكونوا حافظين لجميع بني آدم من غير أن يختص واحد من الملائكة بواحد من بني آدم، ويحتمل أن يكون الموكل بكل أحد منهم غير الموكل بالآخر، ويحتمل أن يكون الموكل بكل واحد منهم جمعاً من الملائكة كما قيل إثنان بالليل وإثنان بالنهار أو كما قيل أنهم خمسة، واختلفوا في الكفار هل عليهم حفظة فقيل لا، لأن أمرهم ظاهر وعملهم واحد، قال تعالى (يعرف المجرمون بسيماهم) وقيل عليهم حفظة وهو ظاهر قوله تعالى في هذه الآية وفي قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه وراء ظهره) فأخبر أن لهم كتاباً، وأن عليهم حفظه.
ثم وصفهم سبحانه فقال
الانفطار 82:11
(كراماً كاتبين) أي أنهم كرام لديه يكتبون ما يأمرهم به من أعمال العباد (يعلمون) على التجدد والاستقرار (ما تفعلون) في الآية دلالة على أن الشاهد لا يشهد إلا بعد العلم لوصف الملائكة بكونهم (حافظين كراماً كاتبين
الانفطار 82:12
يعلمون ما تفعلون) فدل على أنهم يكونون عالمين بها حتى أنهم يكتبونها فإذا كتبوها يكونون عالمين عند أداء الشهادة.
قال الرازي المعنى التعجيب من حالهم كأنه قال إنكم تكذبون بيوم الدين وملائكة الله موكلون يكتبون أعمالكم حتى تحاسبوا بها يوم القيامة ونظيره قوله تعالى (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ).
وفي تعظيم الكتبة بالثناء عليهم تعظيم لأمر الجزاء وأنه عند الله من جلائل الأمور فيه إنذار وتهويل للمجرمين، ولطف للمتقين، وعن الفضيل أنه كان إذا قرأها قال ما أشدها من آية على الغافلين.
ثم بين سبحانه حال الفريقين فقال
الانفطار 82:13
(إن الأبرار لفي نعيم) أي جنة
الانفطار 82:14
(وإن الفجار لفي جحيم) أي نار، والجملة مستأنفة لتقرير هذا المعنى الذي سيقت له وهي كقوله سبحانه (فريق في الجنة وفريق في السعير).
لفظ الفجار عائد على الكافرين الذين تقدم ذكرهم، وليس شاملاً لعصاة المؤمنين، لأنا لا نسلم أن مرتكب الكبيرة من المؤمنين فاجر على الإطلاق (فأل) في الفجار للعهد لا الذكرى بدليل قوله (بل تكذبون بالدين).
الانفطار 82:15
(يَصْلَوْنها يوم الدين) صفة لجحيم أو مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما حالهم فقيل يصلونها يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به، ويجوز أن يكون في محل نصب على الحال من الضمير في متعلق الجار والمجرور، ومعنى يصلونها أنهم يلزمونها مقاسين لوهجها وحرها يومئذ.
قرأ الجمهور يصلونها مخففاً مبنياً للفاعل، وقرىء بالتشديد مبنياً للمفعول.
الانفطار 82:16
(وما هم عنها بغائبين) أي لا يفارقونها أبداً ولا يغيبون عنها بل هم فيها وقيل المعنى وما كانوا غائبين عنها قبل ذلك بالكلية بل كانوا يجدون حرها في قبورهم.
ثم عظم سبحانه ذلك اليوم فقال
الانفطار 82:17
(وما أدراك ما يوم الدين) أي يوم الجزاء والحساب
الانفطار 82:18
(ثم ما أدراك ما يوم الدين) كرره تعظيماً لشأنه وتفخيماً لقدره وتهويلاً لأمره كما في قوله (الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ) و (الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ) والمعنى أي شيء جعلك دارياً ما يوم الدين قال الكلبي الخطاب للإنسان الكافر.
ثم أخبر سبحانه عن اليوم فقال
الانفطار 82:19
(يوم لا تملك نفس) من النفوس (لنفس) أخرى (شيئاًً) من النفع والضر، وملك الشفاعة لبعض الناس إذ ذاك إنما هو بإذن الله (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) ذكره الحفناوي.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع يوم على أنه بدل من يوم الدين أو خبر مبتدأ محذوف.
وقرأ أبو عمرو في رواية عنه (يوم) بالتنوين والقطع عن الإضافة.
وقرأ الباقون بفتحه على أنها فتحة إعراب بتقدير أعني أو أذكر فيكون مفعولاً به أو على أنها فتحة بناء لإضافته إلى الجملة على رأي الكوفيين وهو في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على أنه بدل من يوم الدين.
قال الزجاج يجوز أن يكون في موضع رفع إلا أنه بني على الفتح لإضافته إلى قوله (لا تملك) وما أضيف إلى غير المتمكن فقد يبنى على الفتح وإن كان في موضع رفع، وهذا الذي ذكره إنما يجوز عند الخليل وسيبويه إذا كانت الإضافة إلى الفعل الماضي وأما إلى الفعل المستقبل فلا يجوز عندهما، وقد وافق الزجاج على ذلك أبو علي الفارسي والفراء وغيرهما.
(والأمر يومئذ لله) وحده لا يملك شيئاًً من الأمر غيره كائناً من كان. قال مقاتل يعني لنفس كافرة شيئاًً من المنفعة، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئاًً أو يصنع شيئاًً إلا الله رب العالمين، والمعنى أن الله لا يملك أحداً في ذلك اليوم شيئاًً من الأمور كما ملكهم في الدنيا، ومثل هذا قوله (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ).
المطففين 83:1
سورة المطففين
هي ست وثلاثون آية، قال القرطبي وهي مكية في قول ابن مسعود والضحاك ومقاتل، ومدنية في قول الحسن وعكرمة، وقال مقاتل أيضاً هي أول سورة نزلت بالمدينة، وقال ابن عباس وقتادة هي مدنية إلا ثمان آيات من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا) إلى آخرها، وقال الكلبي وجابر بن زيد نزلت بين مكة والمدينة، وعن ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.
وعن ابن عباس قال آخر ما نزل بمكة سورة المطففين، وعنه قال: " لما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا من أخبث الناس كيلاً فأنزل الله (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ) فأحسنوا الكيل بعد ذلك " أخرجه ابن مردويه والبيهقي في الشعب، قال السيوطي بسند صحيح [[أخرجه ابن ماجة 2/ 748، والطبري 30/ 91، والواحدي: 333، وقال الحافظ في " تخريج الكشاف " 218: رواه النسائي وابن حبان والحاكم من رواية يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس، وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 323 وزاد نسبته إلى الطبراني وابن مردويه والبيهقي في " شعب الإيمان " بسند صحيح عن ابن عباس.]].
بسم الله الرحمن الرحيم
وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6)
(ويل للمطففين) ويل مبتدأ، وسوغ الابتداء به كونه دعاء، ولو نصب لجاز، قال مكي والمختار في ويل وشبهه إذا كان غير مضاف الرفع، ويجوز النصب، فإن كان مضافاً أو معرفاً كان الاختيار فيه النصب كقوله (ويلكم لا تفتروا) والمطفف المنقص، وحقيقته الأخذ في الكيل أو الوزن شيئاًً طفيفاً أي نزراً خفيفاً حقيراً.
قال أهل اللغة: المطفف مأخوذ من الطفف وهو القليل، فالمطفف هو المقلل حق صاحبه بنقصانه عن الحق في كيل أو وزن.
قال الزجاج: إنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف.
قال أبو عبيدة والمبرد: المطفف الذي يبخس في الكيل والوزن.
والمراد بالويل هنا شدة العذاب أو نفس العذاب أو الشر الشديد أو هو واد في جهنم.
قال الكلبي " قدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم فنزلت هذه الآية " [[قال الألوسي و " هم " ضمير مرفوع تأكيد للضمير المرفوع وهو الواو يعني في " كالوا ".]].
وقال السدي قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وكان بها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان، يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر فأنزل الله هذه الآية.
قال الفراء: هم بعد نزول هذه الآية أحسن الناس كيلاً إلى يومهم هذا.
وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ما نقص قوم العهد إلا سلط الله عليهم العدو، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات وأخذوا بالسنين " وهذا الوعيد يلحق كل من يأخذ لنفسه زائداً أو يدفع إلى غيره ناقصاً قليلاً أو كثيراً، لكن إن لم يتب منه فإن تاب قبلت توبته، ومن فعل ذلك وأصر عليه كان مصراً على كبيرة من الكبائر، وذلك لأن عامة الخلق محتاجون إلى المعاملات وهي مبنية على أمر الكيل والوزن والزرع، فلهذا السبب عظم الله أمر الكيل والوزن.
ثم بين سبحانه المطففين من هم فقال
المطففين 83:2
(الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون) الاكتيال الأخذ بالكيل، قال الفراء يريد اكتالوا من الناس، " وعلى " " ومن " في هذا الموضع يعتقبان، يقال اكتلت منك أي استوفيت منك وتقول اكتلت عليك أي أخذت ما عليك، قال الزجاج: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل.
قال الزمخشري: لما كان اكتيالهم اكتيالاً يضرهم ويتحامل فيه عليهم أبدل " على " مكان " من " للدلالة على ذلك، ويجوز أن يتعلق بيستوفون، وقدم المفعول على الفعل لإفادة الخصوصية أي يستوفون على الناس خاصة، فأما أنفسهم فيستوفون لها قال السمين: وهو حسن.
ولم يذكر اتزنوا لأن الكيل والوزن بهما الشراء والبيع فأحدهما يدل على الآخر، قال الواحدي قال المفسرون: يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا ووزنوا لغيرهم نقصوا وهو معنى قوله:
المطففين 83:3
(وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون) أي كالوا لهم أو وزنوا لهم فحذفت اللام فتعدى الفعل إلى المفعول فهو من باب الحذف والإيصال، ومثله نصحتك ونصحت لك كذا قال الأخفش والكسائي والفراء.
وقال الفراء: سمعت أعرابية تقول إذا صدر الناس أتينا التاجر فيكيلنا المد والمدين إلى الموسم المقبل، قال وهو من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم من قيس.
قال الزجاج: لا يجوز الوقف على كالوا حتى يوصل بالضمير، ومن الناس من يجعله تأكيداً أي توكيداً للضمير المستكن في الفعل فيجيز الوقف على كالوا أو وزنوا قال أبو عبيد: وكان عيسى بن عمر يجعلهما حرفين ويقف على كالوا أو وزنوا ثم يقول هم يخسرون، قال: وأحسب قراءة حمزة كذلك.
قال أبو عبيد الاختيار أن يكونا كلمة واحدة من جهتين.
(إحداهما) الخط ولذلك كتبوهما بغير ألف ولو كانتا مقطوعتين لكانتا كالوا أو وزنوا بالألف.
(والأخرى) أنه يقال كلتك ووزنتك بمعنى كلت لك ووزنت لك وهو كلام عربي كما يقال صدتك وصدت لك وكسبتك وكسبت لك، وشكرتك وشكرت لك ونحو ذلك، وقيل هو على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والمضاف المكيل والموزون أي وإذا كالوا مكيلهم أو وزنوا موزونهم، ومعنى يخسرون ينقصون كقوله (ولا تخسروا الميزان) والعرب تقول خسرت الميزان وأخسرته.
ثم خوفهم سبحانه فقال:
المطففين 83:4
(ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون) مستأنفة مسوقة لتهويل ما فعلوه من التطفيف وتفظيعه وللتعجيب من حالهم في الاجتراء عليه، والإشارة بأولئك إلى المطففين وما فيه من معنى البعد للإشعار ببعد درجتهم في الشرارة والفساد.
والمعنى أنهم لا يخطرون ببالهم أنهم مبعوثون فمسؤولون عما يفعلون قيل والظن هنا بمعنى اليقين أي لا يوقن أولئك ولو أيقنوا ما نقصوا الكيل والوزن، وقيل الظن على بابه والمعنى إن كانوا لا يستيقنون البعث فهلا ظنوه حتى يتدبروا فيه ويبحثوا عنه، ويتركوا ما يخشون من عاقبته ويأخذوا بالأحوط.
المطففين 83:5
(ليوم عظيم) هو يوم القيامة، ووصفه بالعظم لكونه زماناً لتلك الأمور العظام من البعث والحساب والعقاب ودخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.
عن عبد الملك بن مروان أن أعرابياً قال له قد سمعت ما قال الله في المطففين، أراد بذلك أن المطفف قد توجه عليه الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن.
ثم زجر عن ذلك اليوم فقال
المطففين 83:6
(يوم يقوم الناس لرب العالمين) أي يوم يقومون من قبورهم لأمر رب العالمين أو لجزائه أو لحسابه أو لحكمه وقضائه، وفي وصف اليوم بالعظم مع قيام الناس لله خاضعين فيه، ووصفه سبحانه بكونه رب العالمين دلالة على عظم ذنب التطفيف ومزيد إثمه وفظاعة عقابه، وفيما كان مثل حاله من الحيف وترك القيام بالقسط والعمل على السوية والعدل في كل أخذ وعطاء بل في كل قول وعمل وحال.
وقيل المراد بقوله يوم يقوم الناس قيامهم في رشحهم إلى أنصاف آذانهم.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر " أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه " [[رواه مالك والبخاري 5/ 535 ومسلم 4/ 219.]].
وقيل المراد قيامهم بما عليهم من حقوق العباد، وقيل المراد قيام الرسل بين يدي الله للقضاء، والأول أولى.
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هذه الآية " فكيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم " أخرجه الطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم يقوم الناس لرب العالمين بمقدار نصف يوم من خمسين ألف سنة فيهون ذلك على المؤمن كتدلي الشمس إلى الغروب إلى أن تغرب، أخرجه أبو يعلى وابن حيان وابن مردويه.
وعن ابن مسعود قال " إذا حشر الناس قاموا أربعين عاماً " أخرجه ابن أبي حاتم وأخرجه ابن مردويه من حديثه مرفوعاً.
وعن ابن عمر أنه قال: " يا رسول الله كم مقام الناس بين يدي رب العالمين يوم القيامة؟ قال ألف سنة لا يؤذن لهم " أخرجه الطبراني وعن ابن عمر أنه قرأ هذه السورة فلما بلغ هنا بكى نحيباً وامتنع عن قراءة ما بعدها.
المطففين 83:7
(كلا) هي للردع والزجر للمطففين الغافلين عن البعث وما بعده أو بمعنى حقاً. ثم استأنف فقال (إن كتاب الفجار) أظهر في موضع الإضمار تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف، يعني أن كتب أعمال الكفار (لفي سجين) وهو ما فسره به سبحانه من قوله:
المطففين 83:8
(وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم) فأخبر بهذا أنه كتاب مرقوم أي مسطور، قيل هو كتاب جامع لأعمال الشر الصادرة من الشياطين والكفرة والفسقة، ولفظ سجين علم به.
وقال قتادة وسعيد بن جبير ومقاتل وكعب: أنه صخرة تحت الأرض السابعة تقلب فيجعل كتاب الفجار تحتها وبه قال مجاهد فيكون في الكلام على هذا القول مضاف محذوف، والتقدير محل كتاب مرقوم، وقال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج: لفي حبس وضيق شديد، والمعنى كأنهم في حبس جعل ذلك دليلاً على خساسة منزلتهم وهوانهم.
كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20)
قال الواحدي ذكر قوم أن قوله
المطففين 83:9
(كتاب مرقوم) تفسير سجين وهو بعيد لأنه ليس السجين من الكتاب في شيء على ما حكيناه عن المفسرين، والوجه أن يجعل بياناً لكتاب المذكور في قوله (إن كتاب الفجار) على تقدير هو كتاب مرقوم أي مكتوب قد بينت حروفه انتهى، والأولى ما ذكرناه.
ويكون المعنى أن كتاب الفجار الذين من جملتهم المطففون أي ما يكتب من أعمالهم أو كتابة أعمالهم لفي ذلك الكتاب المدون للقبائح المختص بالشر، وهو سجين.
ثم ذكر ما يدل على تهويله وتعظيمه فقال (وما أدراك ما سجين) ثم بينه بقوله كتاب مرقوم.
قال الزجاج: معنى قوله وما أدراك ما سجين ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك أي في الدنيا قبل نزول الوحي عليك وإنما علمته بالوحي.
قال قتادة: ومعنى مرقوم رقم لهم بشر، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه كافر وكذا قال مقاتل.
وقد اختلفوا في نون سجين فقيل هي أصلية واشتقاقه من السجن وهو الحبس، وهو بناء مبالغة كخمير وسكير وفسيق من الخمر والسكر والفسق، وكذا قال أبو عبيدة والمبرد والزجاج، قال الواحدي: وهذا ضعيف لأن العرب ما كانت تعرف سجيناً، ويجاب عنه بأن رواية هؤلاء الأئمة تقوم بها الحجة وتدل على أنه من لغة العرب، ومنه قول ابن مقبل:
ورفقة يضربون البيض ضاحية ... ضرباً تواصت به الأبطال سجيناً وقيل النون بدل من اللام والأصل سجيل مشتقاً من السجل وهو الكتاب، قال ابن عطية: من قال أن سجيناً موضع، فكتاب مرفوع على أنه خبر " إن " والظرف وهو قوله لفي سجين ملغى، ومن جعله عبارة عن الكتاب، فكتاب خبر مبتدأ محذوف، والتقدير هو كتاب، ويكون هذا الكلام مفسر السجين ما هو كذا قال الضحاك، وقوله مرتوم مختوم بلغة حمير، وأصل الرقم الكتابة.
وقال كعب الأحبار في الآية أن روح الفاجر يصعد بها إلى السماء فتأبى السماء أن تقبلها فتهبط بها إلى الأرض فتأبى أن تقبلها، فيدخل بها تحت سبع أرضين حتى ينتهي بها إلى سجين، وهو خد إبليس فيخرج لها من تحت خد إبليس كتاباً فيختم ويوضع تحت خد إبليس [[هذا من إسرائيليات كعب الأحبار ولا خير فيها.]] وعن ابن عباس قال سجين أسفل الأرضين.
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الفلق جب في جهنم مغطى، وأما سجين مفتوح، قال ابن كثير هو حديث غريب منكر لا يصح [[قال ابن كثير: والصحيح أن " سجيناً " مأخوذ من السجن، وهو الضيق، فإن المخلوقات كلُّ ما تسافل منها ضاق، وكل ما تعالى منها اتسع، فإن الأفلاك السبعة كل واحد منها أوسع وأعلى من الذي دونه، وكذلك الأرضون كل واحدة أوسع من التي دونها حتى ينتهي السفول المطلق والمحل الأضيق إلى المركز في وسط الأرض السابعة، ولما كان مصير الفجار إلى جهنم، وهي أسفل السافلين، كما قال تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): قال ها هنا: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ) وهو يجمع الضيق والسفول، كما قال تعالى: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا).]].
وأخرج ابن مردويه عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم " قال سجين الأرض السابعة السفلى ".
وأخرج هو عن جابر نحوه مرفوعاً.
وعن عبد الله بن كعب بن مالك قال لما حضرت كعباً الوفاة أتته أم بشر بنت البراء فقالت إن لقيت إبني فاقرأه مني السلام فقال غفر الله لك يا أم بشر، نحن أشغل من ذلك، فقالت أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت وإن نسمة الكافر في سجين، قال بلى قالت فهو ذاك " أخرجه ابن ماجه والطبراني والبيهقي في البعث وعبد بن حميد.
المطففين 83:10
(ويل يومئذ للمكذبين) هذا متصل بقوله (يوم يقوم الناس) وما بينهما اعتراض، والمعنى ويل يوم القيامة لمن وقع منه التكذيب بالبعث وبما جاءت به الرسل.
ثم بين سبحانه هؤلاء المكذبين فقال
المطففين 83:11
(الذين يكذبون بيوم الدين) أي بيوم القيامة لأنه يوم الجزاء والحساب، والموصول بدل من المكذبين أو صفة.
المطففين 83:12
(وما يكذب به إلا كل معتد أثيم) أي فاجر جائر متجاوز في الإثم منهمك في أسبابه
المطففين 83:13
(إذا تتلى عليه آياتنا) المنزلة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو القرآن الكريم (قال أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأباطيلهم التي زخرفوها والحكايات التي سطرت قديماً جمع أسطورة بالضم أو إسطاره بالكسر، قرأ الجمهور تتلى بفوقيتين، وقرىء بالتحتية.
وقوله
المطففين 83:14
(كلا) للردع والزجر للمعتدي الأثيم عن ذلك القول الباطل وتكذيب له وقال الحسن: بمعنى حقاً، وقوله (بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) بيان للسبب الذي حملهم على قولهم بأن القرآن أساطير الأولين.
وقال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها، رينا وريوناً وكل ما غلبك وعلاك فقد ران بك وران عليك، قال الفراء هو أنها كثرت منهم المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم فذلك الرين عليها. قال الحسن: هو الذنب على الذنب حتى يعمى القلب.
قال مجاهد: القلب مثل الكف ورفع كفه فإذا أذنب انقبض وضم إصبعه، فإذا أذنب ذنباً آخر انقبض وضم أخرى، حتى ضم أصابعه كلها حتى يطبع على قلبه، قال وكانوا يرون أن ذلك هو الرين، ثم قرأ هذه الآية.
قال أبو زيد يقال قد رين بالرجل ريناً إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به.
وقال أبو معاذ النحوي الرين أن يسود القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب وهو أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع.
قال الزجاج: الرين هو كالصدأ يغشى القلب كالغيم الرقيق ومثله الغين.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال " إن العبد إذا أذنب ذنباً نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن عاد زادت حتى تغلف قلبه، فذلك الران الذي ذكره الله سبحانه في القرآن (كلا بل ران على قلوبهم) الخ أخرجه أحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وغيرهم [[روى الترمذي والنسائي وابن ماجه من طرق عن محمد بن عجلان، عن القعقاع بن حكيم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن العبد إذا أذنب ذنباً كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن زاد زادت، فذلك قول الله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون) وقال الترمذي: حسن صحيح، ولفظ النسائي " إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب، صقل قلبه، فإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، فهو الران الذي قال الله تعالى: (كلا بك ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون).]].
ثم ذكر سبحانه الردع والزجر فقال
المطففين 83:15
(كلا) وقيل كلا بمعنى حقاً أي حقاً (إنهم) يعني الكفار (عن ربهم) أي عن رؤيته (يومئذ) أي يوم القيامة (لمحجوبون) لا يرونه أبداً، قال مقاتل يعني أنهم بعد العرض والحساب لا ينظرون إلى ربهم نظر المؤمنين إِليه، قال الحسين بن الفضل: كما حجبهم في الدنيا عن توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته.
قال الزجاج في هذه الآية دليل على أن الله عز وجل يرى في القيامة، ولولا ذلك ما كان في هذه الآية فائدة، وقال جل ثناؤه (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) فأعلم سبحانه أن المؤمنين ينظرون، وأعلم أن الكفار محجوبون.
وقيل هو تمثيل لإهانتهم بإهانة من يحجب عن الدخول على الملوك، وقال قتادة وابن أبي مليكة: هو أن لا ينظر إليهم برحمته ولا يزكيهم، وقال مجاهد: محجوبون عن كرامته، وكذا قال ابن كيسان والأول أولى.
المطففين 83:16
(ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ) أي لداخلو النار وملازموها غير خارجين منها، وثم لتراخي الرتبة لأن صلي الجحيم أشد من الإهانة وحرمان الكرامة.
المطففين 83:17
(ثم يقال هذا الذي كنتم به تكذبون) أي يقول لهم خزنة جهنم تبكيتاً وتوبيخاً هذا ما كذبتم به في الدنيا وأنكرتم وقوعه فانظروه وذوقوه.
وقوله
المطففين 83:18
(كلا) للردع والزجر عما كانوا عليه والتكرير للتأكيد.
وجملة (إن كتاب الأبرار لفي عليين) مستأنفة لبيان ما تضمنته، ويجوز أن تكون كلا بمعنى حقاً فتلخص أن في كل واحدة من الأربعة الواقعة في هذه السورة قولين، والأبرار هم المطيعون وكتابهم صحائف حسناتهم، قال الفراء عليين ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له.
ووجه هذا أنه منقول من جمع علي من العلو قال الزجاج: هو أعلى الأمكنة قال الفراء والزجاج: فأعرب كإعراب الجمع لأنه على لفظ الجمع ولا واحد له من لفظه نحو ثلاثين وعشرين وقنسرين قيل هو علم لديوان الخير الذي دون فيه ما عمله الصالحون وحكى الولد عن المفسرين أنه السماء السابعة. قال الضحاك ومجاهد وقتادة يعني السماء السابعة فيها أرواح المؤمنين، وقال الضحاك أيضاًً هو سدرة المنتهى ينتهي إليه كل شيء من أمر الله لا يعدوها. وقيل هو الجنة وبه قال ابن عباس: وقال قتادة أيضاًً هو فوق السماء السابعة عند قائمة العرش اليمنى، وقيل أن عليين صفة للملائكة في الملأ الأعلى كما يقال فلان بني فلان أي في جملتهم، وقيل هو لوح من زبرجدة خضراء معلق تحت العرش مكتوبة فيه أعمالهم وقيل هو قائمة العرش اليمنى وقيل هو مراتب عالية محفوفة بالجلالة وقد عظمها الله وأعلاها.
المطففين 83:19
(وما أدراك ما عليون) أي ما أعلمك يا محمد أي شيء عليون، على جهة التفخيم والتعظيم لعليين.
أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر من طريق شمر ابن عطية أن ابن عباس سأل كعب الأحبار عن قوله (إن كتاب الأبرار لفي عليين) قال " روح المؤمن إذا قبضت عرج بها إلى السماء ففتح لها أبواب السماء وتلقاها الملائكة بالبشرى حتى ينتهى بها إلى العرش، وتعرج الملائكة فيخرج لها من تحت العرش رق فيرقم ويختم ويوضع تحت العرش لمعرفة النجاة لحساب يوم الدين ".
وعن أبي أمامة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله سلم " صلاة على إثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين " أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وابن مردويه.
ثم فسره سبحانه بقوله
المطففين 83:20
(كتاب مرقوم) أي مسطور، وقيل مكتوب فيه أعمالهم أو ما أعد لهم في الآخرة من الكرامة، وهذا التفسير الالهي يغني عن تفاسير الخلق، قال الخطيب مكتوب فيه أن فلاناً آمن من النار، رقماً يا له من رقم ما أبهاه وأجمله.
والكلام في هذا كالكلام المتقدم في قوله (وما أدراك ما سجين) الخ.
يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29)
وجملة
المطففين 83:21
(يشهده المقربون) صفة أخرى لكتاب والمعنى أن الملائكة يحضرون ذلك الكتاب المرقوم ويحفظونه، وقيل يشهدون بما فيه يوم القيامة لتعظيمه، والأول من الشهود والثاني من الشهادة.
قال وهب وابن إسحق المقربون هنا إسرافيل فإذا عمل المؤمن عمل البر صعدت الملائكة بالصحيفة ولها نور يتلألأ في السموات كنور الشمس في الأرض حتى ينتهى بها إلى إسرافيل فيختم عليها. وقال ابن عباس المقربون أهل السماء.
ثم ذكر سبحانه حالهم في الجنة بعد ذكر كتابهم فقال
المطففين 83:22
(إن الأبرار لفي نعيم) أي أن أهل الطاعة لفي تنعم عظيم لا يقادر قدره
المطففين 83:23
(على الأرائك ينظرون) الأرائك الأسرة التي في الحجال [[قال الجوهري الحجال جمع حجلة بالتحريك واحدهُ حجال العروس وهو بيت يزين بالثياب والأسرة ذكره الكرخي أهـ.]] وقد تقدم أنها لا تطلق الأريكة على السرير إلا إذا كان في حجلة.
قال الحسن: ما كنا ندري ما الأرائك حتى قدم علينا رجل من اليمن فزعم أن الأريكة عندهم الحجلة إذا كان فيها سرير، قال الشهاب الحجلة بفتحتين بيت مربع من الثياب الفاخرة يرخى على السرير يسمى في عرف الناس بالناموسية والمعنى أنهم ينظرون إلى ما أعد الله لهم من الكرامات، كذا قال عكرمة ومجاهد وغيرهما، وقال مقاتل ينظرون إلى أهل النار وقيل ينظرون إلى وجهه وجلاله.
المطففين 83:24
(تعرف في وجوههم نضرة النعيم) أي إذا رأيتهم عرفت أنهم من أهل النعمة لما تراه في وجوههم من النور والحسن والبياض والبهجة والتنعم والرونق.
أخرج ابن المنذر عن علي بن أبي طالب في الآية قال " عين في الجنة يتوضؤون منها ويغتسلون فتجري عليهم نضرة النعيم " أي بهجة التنعم وطراوته، والخطاب، لكل راء يصلح لذلك، يقال أنضر النبات إذا أزهر ونور قال عطاء وذلك أن الله زاد في جمالهم وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف.
قرأ الجمهور تعرف بفتح الفوقية وكسر الراء ونصب نضرة، وقرىء بضم الفوقية وفتح الراء على البناء للمفعول ورفع نضرة بالنيابة.
المطففين 83:25
(يسقون من رحيق) خمر خالصة من الدنس فهي بيضاء (مختوم) على إنائها لا يفك ختمها إلا هم قال أبو عبيدة والأخفش والمبرد والزجاج الرحيق من الخمر ما لا غش فيه ولا شيء يفسده، والمختوم الذي له ختام.
وقال الخليل: الرحيق أجود الخمر، وفي الصحاح: الرحيق صفوة الخمر. وقال مجاهد؛ هو الخمر العتيقة البيضاء الصافية قال مجاهد: مختوم مطين كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين، ويكون المعنى أنه ممنوع أن تمسه يد إلى أن يفك ختمه للأبرار. وقال تعالى: في سورة محمد صلى الله عليه وسلم (وأنهار من خمر) والنهر لا يختم عليه فطريق الجمع بينهما أن المذكور في هذه الآية في أوان مختوم عليها لشرفها ونفاستها، وهي غير تلك الخمر التي في الأنهار:
المطففين 83:26
(ختامه مسك) أي آخر طعمه إذا رفع الشارب فاه من آخر شرابه وجد ريحه كريح المسك، وقيل مختوم أوانيه من الأكواب والأباريق بمسك مكان الطين، وكأنه تمثيل لكمال نفاسته وطيب رائحته.
والحاصل أن المختوم والختام إما أن يكون من ختام الشيء وهو آخره أو من ختم الشيء وهو جعل الخاتم عليه كما تختم الأشياء بالطين ونحوه.
وقال ابن مسعود: الرحيق الخمر والمختوم يجدون عاقبتها طعم المسك، وعنه (مختوم) ممزوج (ختامه مسك) قال طعمه في ريحه، وقيل يمزج لهم بالكافور، ويختم لهم بالمسك.
وقال ابن عباس رحيق خمر ومختوم ختم بالمسك.
عن ابن مسعود قال: ليس بخاتم فيختم به ولكن خلطه بمسك، ألم تر إلى المرأة من نسائكم تقول خلطة من الطيب كذا كذا، وعن أبي الدرداء ختامه مسك قال هو شراب أبيض مثل الفضة يختمون به آخر شرابهم، ولو أن رجلاً من أهل الدنيا أدخل أصبعه فيه ثم أخرجها لم يبق ذو روح إلا وجد ريحها.
قرأ الجمهور (ختامه) وقرىء (خاتمه) بفتح الخاء قال علقمة أما رأيت المرأة تقول للعطار إجعل خاتمه مسكاً أي آخره، والخاتم والختام يتقاربان في المعنى إلا أن الخاتم الاسم والختام المصدر، كذا قال الفراء، وقال في الصحاح: والختام الطين الذي يختم به، وكذا قال ابن زيد.
(وفي ذلك) الرحيق الموصوف بتلك الصفة (فليتنافس المتنافسون) أي فليرغب الراغبون وقيل إن " في " بمعنى إلى أي وإلى ذلك فليتبادر المتبادرون في العمل، كما في قوله (لمِثل هذا فليعمل العاملون) وأصل التنافس التشاجر على الشيء والتنازع فيه بأن يحب كل واحد أن ينفرد به دون صاحبه.
يقال نفست الشيء عليه نفاسة أي ضننت به ولم أحب أن يصير إليه، قال البغوي أصله من الشيء النفيس الذي تحرص عليه نفوس الناس فيريده كل واحد لنفسه وينفس به على غيره أي يضن به، قال عطاء المعنى فليستبق المستبقون، وقال مقاتل بن سليمان فليتنازع المتنازعون، وهذا لا يكون إلا بالمسارعة إلى الخيرات، والإنتهاء عن السيئات، وقال الزمخشري فليرتقب المرتقبون والمعنى في الجميع واحد.
المطففين 83:27
(ومزاجه) معطوف على ختامه صفة أخرى لرحيق أي ومزاج ذلك الرحيق (من تسنيم) وهو شراب ينصب عليهم من علو وهو أشرف شراب الجنة وأصل التسنيم في اللغة الإرتفاع فهي عين ماء تجري من علو إلى أسفل، ومنه سنام البعير لعلوه من بدنه، ومنه تسنيم القبور.
قال ابن عباس: لما سئل عن هذا: هذا مما قاله الله (فلا تعلم نفس ما أُخفي لهم من قرة أعين) وقال ابن مسعود: عين في الجنة تمزج لأصحاب اليمين ويشربها المقربون صرفاً.
ثم بين سبحانه ذلك فقال
المطففين 83:28
(عيناً يشرب بها المقربون) انتصاب عيناً على المدح، وقال الزجاج: على الحال، وإنما جاز أن يكون عيناً حالاً مع كونها جامدة غير مشتقة لاتصافها بقوله (يشرب بها) وقال الأخفش أنها منصوبة بيسقون، وقال الفراء بتسنيم والأول أولى، وبه قال المبرد قيل والباء في بها زائدة أي يشربها أو بمعنى " من " أي يشرب منها قال ابن زيد: بلغنا أنها عين تجري من تحت العرش.
ثم ذكر سبحانه بعض قبائح المشركين فقال
المطففين 83:29
(إن الذين أجرموا) وهم كفار قريش كأبي جهل والوليد بن المغيرة والعاصي بن وائل وأصحابهم من أهل مكة ومن وافقهم على الكفر، حكى الله عنهم أربعة أشياء من العلامات القبيحة أولها:
(كانوا من الذين آمنوا) كعمار وبلال وخباب وصهيب وأصحابهم من فقراء المؤمنين (يضحكون) أي يستهزئون بهم في الدنيا ويسخرون منهم، وآخرها قولهم (إن هؤلاء لضالون) وتقديم الجار والمجرور إما للقصر إشعاراً بغاية شناعة ما فعلوا أو لمراعاة الفواصل.
وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)
المطففين 83:30
(وإذا مروا بهم) أي وإذا مر المؤمنون بالكفار وهم في مجالسهم (يتغامزون) من الغمز وهو الإشارة بالجفون والحواجب أي يغمز بعضهم بعضاً ويشيرون بأعينهم وحواجبهم طعناً فيهم وعيباً لهم، وقيل يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به.
المطففين 83:31
(وإذا انقلبوا) أي إذا انقلب الكفار من مجالسهم (إلى أهلهم انقلبوا فكهين) أي معجبين بما هم فيه متلذذين به يتفكهون بذكر المؤمنين والطعن فيهم والاستهزاء بهم والسخرية منهم، والانقلاب الانصراف.
قرأ الجمهور فاكهين وقرىء فكهين بغير ألف، قال الفراء هما لغتان مثل طمع وطامع وحذر وحاذر، وقد تقدم بيانه في سورة الدخان أن الفكه الأشر البطر والفاكه الناعم المتنعم.
المطففين 83:32
(وإذا رأوهم) أي إذا رأى الكفار المسلمين في أي مكان (قالوا إن هؤلاء لضالون) في اتباعهم محمداً صلى الله عليه وسلم وتمسكهم بما جاء به، وتركهم التنعم الحاضر يعني خدع محمد هؤلاء فضلوا وتركوا اللذات لما يرجونه في الآخرة من الكرامات فقد تركوا الحقيقة بالخيال، وهذا هو عين الضلال أو المعنى وإذا رأى المسلمون الكافرين قالوا هذا القول، والأول أولى.
المطففين 83:33
(وما أرسلوا عليهم حافظين) أي والحال أنهم لم يرسلوا على المسلمين من جهة الله موكلين بهم يحفظون عليهم أحوالهم وأعمالهم، ويشهدون برشدهم وضلالهم، بل أمروا بإصلاح أنفسهم، فاشتغالهم بذلك أولى بهم من تتبع عورات غيرهم وتسفيه أحلامهم، وهذا تهكم بهم وإشعار بأن ما اجترؤا عليه من القول مات وظائف الرسل من جهته تعالى.
ويجوز أن يكون ذلك من جملة قول المؤمنين كأنهم (قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا علينا حافظين) إنكاراً لصدهم عن الشرك ودعائهم إلى الإسلام، قاله أبو السعود والأول أولى وأظهر.
المطففين 83:34
(فاليوم) أي يوم الآخرة (الذين آمنوا من الكفار يضحكون) يعني أن المؤمنين في ذلك اليوم يضحكون من الكفار حين يرونهم أذلاء مغلوب قد نزل بهم ما نزل من العذاب كما ضحك الكفار منهم في الدنيا.
المطففين 83:35
(على الأرائك ينظرون) أي يضحكون منهم ناظرين إليهم وإلى ما هم فيه من الحال الفظيع والهوان والصغار بعد العزة والاستكبار، وقد تقدم تفسير الأرائك قريباً.
قال الواحدي قال المفسرون أن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعداء الله وهم يعذبون في النار فضحكوا منهم كما ضحكوا منهم في الدنيا.
وقال أبو صالح يقال لأهل النار أخرجوا ويفتح لهم أبوابها فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) الخ.
وجملة
المطففين 83:36
(هل ثُوّب الكفار ما كانوا يفعلون) مستأنفة لبيان أنه قد وقع الجزاء للكفار بما كان يقع منهم في الدنيا من الضحك من المؤمنين والاستهزاء بهم، والاستفهام للتقرير، وثوب بمعنى أثيب والمعنى هل جوزي الكفار بما كانوا يفعلونه بالمؤمنين، وقيل الجملة في محل نصب بينظرون وقيل هي على إضمار القول أي يقول بعض المؤمنين لبعض هل ثوب الكفار، والثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويطلق على الخير والشر.
قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بإدغام لام هل في ثاء ثوب، وقرأ الباقون بترك الإدغام.
الانشقاق 84:1
سورة الانشقاق
هي ثلاث أو خمس وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف، قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.
وعن أبي رافع " صليت مع أبي هريرة العتمة [[أي العشاء.]] فقرأ (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) فسجد فقلت له، فقال سجدت خلف أبي القاسم - صلى الله عليه وآله وسلم - فلا أزال أسجد فيها حتى ألقاه " [[أي سجود التلاوة إذا وصل إلى آية (وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ).]] أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما وأخرج مسلم وأهل السنن وغيرهم عن أبي هريرة " قال سجدنا مع رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) و (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ".
وعن بريدة أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - " كان يقرأ في الظهر (إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ) ونحوها " أخرجه ابن خزيمة والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة.
بسم الله الرحمن الرحيم
إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (1) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (2) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (3) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (4) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
(إذا السماء انشقت) أي انصدعت وتفطرت، فيه حذف، والتقدير إذا انشقت السماء انشقت لأن إذا الشرطية يختص دخولها بالجمل الفعلية، وما جاء من هذا ونحوه فمؤول محافظة على قاعدة الاختصاص، فالسماء فاعل لفعل محذوف.
قال الواحدي قال المفسرون انشقاقها من علامات القيامة، ومعنى انشقاقها انفطارها بالغمام الأبيض كما في قوله (ويوم تشقق السماء بالغمام) وقيل تنشق من المجرة وبه قال علي بن أبي طالب والمجرة باب السماء، وأهل الهيئة يقولون أنها نجوم صغار مختلطة غير متميزة في الحس.
واختلف في جواب " إذا " فقال الفراء أنه أذنت، والواو زائدة. وكذلك ألقت. قال ابن الأنباري هذا غلط لأن العرب لا تقحم الواو إلا مع حتى إذا كقوله (حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها) ومع لما كقوله (فلما أسلما وتلة للجبين وناديناه) ولا تقحم مع غير هذين.
وقيل أن الجواب قوله (فملاقيه) أي فأنت ملاقيه. وبه قال الأخفش. وقال المبرد إن في الكلام تقديماً وتأخيراً أي (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه) إذا السماء انشقت.
وقال المبرد أيضاًً إن الجواب قوله (فأما من أوتي كتابه) وبه قال الكسائي، والتقدير إذا السماء انشقت فمن أوتي كتابه بيمينه فحكمه كذا، وقيل هو يا أيها الإنسان على إضمار الفاء أو على إضمار القول أي يقال له يا أيها الإنسان، وقيل الجواب محذوف تقديره بعثتم أو لاقى كل إنسان عمله.
وقيل هو ما صرح به في سورة التكوير أي (علمت نفس)، هذا على تقدير أن " إذا " شرطية، وقيل ليست بشرطية وهي منصوبة باذكر المحذوف وهي مبتدأ وخبرها إذا الثانية والواو مزيدة وتقديره وقت انشقاق السماء وقت مد الأرض.
ومعنى
الانشقاق 84:2
(وأذنت لربها وحقت) أنها أطاعته في الانشقاق ولم تأب ولم تمتنع، مشتق من الأذن وهو الاستماع للشيء والإصغاء إليه. وحق لها أن تطيع وتنقاد وتسمع: وقد استعمل الأذن في الاستماع في أشعار العرب، وفي الحديث " ما أذن الله لشيء أذنه لنبي يتغنى بالقرآن " قال الشاعر:
صم إذا سمعوا خيراً ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذن [[البيت لقَعْنَب بن ضمرة بن أم صاحب أم قعنب، وكان في أيام الوليد، وهو في " مجاز القرآن " 1/ 177، و " الطبري " 30/ 112. و " السمط ": 362، و " الاقتضاب ": 292 و " شواهد الكشاف " 143، و " القرطبي " 19/ 267، و " اللسان " أذن، وأورد بيتاً قبله، هو:
إن يسمعوا ريبةً طاروا بها فرحاً ... مني وما علموا من صالحٍ دفنوا]]
وقال الحجار بن حكيم: أذنت لكم لما سمعت هديركم.
وفي المختار أذن له استمع وبابه طرب، وقيل المعنى وحقق الله عليها الاستماع لأمره بالانشقاق أي جعلها حقيقة بذلك، قال الضحاك حقت أطاعت وحق لها أن تطيع ربها لأنه خلقها، يقال فلان محقوق بكذا. ومعنى طاعتها أنها لا تمتنع مما أراده الله بها. قال قتادة حق لها أن تفعل ذلك، ومن هذا قول كثير:
فإن تكن العتبى فأهلاً ومرحبا ... وحقت لها العتبى لدنيا وقلت
الانشقاق 84:3
(وإذا الأرض مدت) أي بسطت كما تبسط الأدم ودكت جبالها وكل أمت فيها حتى صارت (قَاعًا صَفْصَفًا (106) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا) قال مقاتل سويت كمد الأديم فلا يبقى عليها بناء ولا جبل إلا دخل فيها، وقيل مدت زيد في سعتها من المدد، وهو الزيادة، قال ابن عباس: تمد يوم القيامة.
وأخرج الحاكم قال السيوطي بسند جيد عن جابر قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم " تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم ثم لا يكون لابن آدم فيها إلا موضع قدميه ".
الانشقاق 84:4
(وألقت ما فيها) أي أخرجت ما فيها من الأموات والكنوز وطرحتهم إلى ظهرها ورمت (وتخلت) من ذلك، قال ابن عباس أخرجت ما فيها من الموتى وتخلت ممن على ظهرها من الأحياء ومثل هذا قوله: (وأخرجت الأرض أثقالها) والمعنى تخلت غاية الخلو لم يبق شيء في باطنها كأنها تكلفت أقصى جهدها في الخلو يقال تكرم الكريم إذا بلغ جهده في الكرم، وتكلف فوق ما في طبعه، وذلك يؤذن بعظم الأمر.
وقيل ألقت ما استودعته وتخلت مما استحفظته. ووصفت الأرض بالإلقاء والتخلية توسعاً وإلا فالتحقيق أن المخرج لتلك الأشياء هو الله تعالى.
الانشقاق 84:5
(وأذنت لربها) أي سمعت وأجابت وأطاعت لما أمرها به من الإلقاء والتخلي، وقال ابن عباس سمعت حين كلمها وعنه قال أطاعت وحقت بالطاعة وعنه قال سمعت وأطاعت (وحقت) أي وجعلت حقيقة بالاستماع لذلك والانقياد له إذ هي مصنوعة مربوبة لله تعالى، وقد تقدم بيان معنى الفعلين قبل هذا، وليس تكراراً لأن الأول في السماء وهذا في الأرض، وتكرير إذا لاستقلال كل من الجملتين بنوع من القدرة.
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (9) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (10) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (11) وَيَصْلَى سَعِيرًا (12) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (13) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (14) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (15)
الانشقاق 84:6
(يا أيها الإنسان) المراد جنس الإنسان فيشمل المؤمن والكافر وقيل هو الإنسان الكافر والأول أولى لما سيأتي من التفصيل (إنك كادح إلى ربك كدحاً) الكدح في كلام العرب السعي في الشيء بجهد من غير فرق بين أن يكون ذلك الشيء خيراً أو شراً، والمعنى أنك ساع إلى ربك في عملك أو إلى لقاء ربك مأخوذ من كدح جلده إذا خدشه، قال قتادة والضحاك والكلبي: عامل لربك عملاً، وفي المختار الكدح العمل والسعي والكد والكسب، وهو الخدش أيضاًً وباب الكل قطع.
(فملاقيه) أي فملاق عملك وبه قال ابن عباس، والمعنى أنه لا محالة ملاق لجزاء عمله وما يترتب عليه من الثواب والعقاب، قال الشهاب: أي ملاق كدحه بنفسه من غير تقدير لوجوده في صحفه، وعلى هذا فما بعده تفصيل له.
قال القتيبي معنى الآية أنك كادح أي عامل ناصب في معيشتك إلى لقاء ربك لا مفر لك منه، والملاقاة بمعنى اللقاء أي تلقى ربك بعملك، وقيل فملاق كتاب عملك لأن العمل قد انقضى.
الانشقاق 84:7
(فأما من أوتي كتابه) أي كتاب عمله (بيمينه) وهم المؤمنون
الانشقاق 84:8
(فسوف يحاسب حساباً يسيراً) سهلاً هيناً لا مناقشة فيه، قال مقاتل لأنها تغفر ذنوبه ولا يحاسب عليها.
وقال المفسرون هو أن تعرض عليه سيئاته ثم يغفرها الله فهو الحساب اليسير، وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليس أحد يحاسب إلا هلك فقلت أليس يقول الله فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حساباً يسيراً قال ليس ذلك بالحساب ولكن ذلك العرض، ومن نوقش الحساب هلك " أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما.
وعنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في بعض صلاته " اللهم حاسبني حساباً يسيراً فلما انصرف قلت: يا رسول الله ما الحساب اليسير؟ قال أن ينظر في كتابه فيتجاوز له عنه، أنه من نوقش الحساب هلك "، أخرجه أحمد وعبد ابن حميد وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه، وفي بعض ألفاظ الحديث الأول وهذا الحديث " عُذِّب " مكان هلك.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " ثلاث من كن فيه يحاسبه الله حساباً يسيراً، ويدخله الجنة برحمته: تعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك وتصل من قطعك " أخرجة البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي والحاكم.
الانشقاق 84:9
(وينقلب) أي يرجع وينصرف بنفسه بعد الحساب اليسير من غير مزعج برغبة وقبول (إلى أهله الذين أهل بهم) الجنة من عشيرته أو إلى أهله الذين كانوا له في الدنيا من الزوجات والأولاد وقد سبقوه إلى الجنة أو إلى من أعده الله له في الجنة من الحور العين والولدان المخلدين أو إلى جميع هؤلاء (مسروراً) مبتهجاً فرحاً بما أوتي من الخير والكرامة.
الانشقاق 84:10
(وأما من أوتي كتابه) بشماله و (وراء ظهره) قال الكلبي لأن يمينه مغلولة إلى عنقه وتكون يده اليسرى خلفه وقال قتادة ومقاتل تفك ألواح صدره وعظامه ثم تدخل يده وتخرج من ظهره فيأخذ كتابه كذلك
الانشقاق 84:11
(فسوف يدعو ثبوراً) أي ينادي هلاكه ويتمنى فإن نداء ما لا يعقل يراد به التمني فالدعاء بمعنى الطلب بالنداء، والمعنى إذا قرأ كتابه قال يا ويلاه يا ثبوراً، والثبور الهلاك، وقال ابن عباس ثبوراً الويل.
الانشقاق 84:12
(ويصلى سعيراً) أي يدخلها ويقاسي حر نارها وشدتها، قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم يصلي بفتح الياء وسكون الصاد وتخفيف اللام، وقرأ الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديدها، وقرىء بضم الياء وإسكان الصاد من أصلى يصلي.
الانشقاق 84:13
(إنه كان في أهله) أي عشيرته في الدنيا (مسروراً) باتباع هواه وركون شهوته بطراً أشراً لعدم خطور الآخر بباله أي كان لنفسه متابعاً، وفي مراتع هواه راتعاً، والجملة تعليل لما قبلها.
الانشقاق 84:14
(إنه ظن) أي علم وتيقن (أن لن يحور) تعليل لكونه كان في الدنيا بين أهله مسروراً والمعنى أن سبب ذلك السرور ظنه بأنه لا يرجع إلى الله ولا يبعث للحساب والعقاب لتكذيبه بالبعث وجحده لدار الآخرة، وأن هي المخففة من الثقيل سادَّة مع ما في حيزها مسد مفعولي ظن، والحور في اللغة الرجوع يقال حار يحور إذا رجع وقال الراغب الحور التردد في الأمر، ومحاورة الكلام مراجعته والمحار المرجع والمصير.
قال عكرمة وداود بن أبي هند: " يحور " كلمة بالحبشية ومعناها يرجع، قال القرطبي: الحور في كلام العرب الرجوع، ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " اللهم أني أعوذ بك من الحور بعد الكور " يعني من الرجوع إلى النقصان بعد الزيادة، وكذلك الحور بالضم، وفي المثل حور في محار أي نقصان في نقصان، والحور أيضاًً الهلكة، قال ابن عباس: يحور يبعث ويرجع.
الانشقاق 84:15
(بلى إن ربه كان به بصيراً) أي كان به وبأعماله عالماً لا يخفى عليه منها خافية، وبلى إيجاب للمنفي بأن أي بلى ليحورن وليبعثن، وأن ربه جواب قسم مقدر فالجملة بمنزلة التعليل لما أفادته بلى، قال الزجاج كان به بصيراً قبل أن يخلقه عالماً بأن مرجعه إليه.
فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ (16) وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (17) وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ (18) لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (19) فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (21) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (23) فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (25)
الانشقاق 84:16
(فلا أقسم بالشفق) لا زائدة كما تقدم في أمثال هذه العبارة وقد قدمنا الخلاف فيها في سورة القيامة فارجع إليه.
أقسم بمخلوقاته تشريفاً لها وتعريضاً للاعتبار بها، والشفق الحمرة التي تكون بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة، قال الواحدي: هذا قول المفسرين وأهل اللغة جميعاً، قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب مصبوغ كأنه الشفق وكان أحمراً، وحكاه القرطبي عن أكثر الصحابة والتابعين والفقهاء.
وقال أسد بن عمرو وأبو حنيفة رحمه الله: في إحدى الروايتين عنه أنه البياض، ولا وجه لهذا القول ولا متمسك له لا من لغة العرب ولا من الشرع، قال الخليل الشفق الحمرة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة.
قال في الصحاح: الشفق بقية ضوء الشمس وحمرتها في أول الليل إلى قريب العتمة، وكتب اللغة والشرع مطبقة على هذا [[أخرجه الدارقطني في " سننه " ص 100، وصحح البيهقي وقفه، وقال في " المعرفة ": روي هذا: الحديث عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، وأبي هريرة، ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه شيء، وذكره السيوطي في " الدر " موقوفاً على ابن عمر، وعزاه إلى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وعبد بن حميد، وابن مردويه.]].
وقال مجاهد: الشفق النهار كله، ألا تراه قال
الانشقاق 84:17
(والليل وما وسق) وقال عكرمة هو ما بقي من النهار، وإنما قالا هذا لقوله بعده (والليل وما وسق) فكأنه تعالى أقسم بالضياء والظلام، ولا وجه لهذا على أنه قد روي عن عكرمة أنه قال الشفق الذي يكون بين المغرب والعشاء، وروي عن أسد بن عمرو الرجوع، وعن عمر بن الخطاب قال الشفق الحمرة، وعن ابن عباس نحوه، وعن أبي هريرة الشفق النهار كله.
وقال الراغب الشفق اختلاط ضوء النهار بسواد الليل عند غروب الشمس، وقال الزمخشري الشفق الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس وبسقوطه يخرج وقت المغرب ويدخل وقت العتمة عند عامة العلماء إلا ما يروى عن أبي حنيفة في إحدى الروايتين أنه البياض وروى أسد بن عمرو أنه رجع عنه انتهى، وسمي شفقاً لرقته ومنه الشفقة على الإنسان وهي رقة القلب عليه.
(والليل وما وسق) أي جمع ما دخل عليه من الدواب وغيرها، والوسق عند أهل اللغة ضم الشيء بعضه إلى بعض يقال استوسقت الإبل إذا اجتمعت وانضمت والراعي يسقها أي يجمعها، قال الواحدي: المفسرون يقولون وما جمع وضم وحوى ولف.
والمعنى أنه جمع وضم ما كان منتشراً بالنهار في تصرفه وذلك الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه، وقال عكرمة وما وسق أي وما ساق من شيء إلى حيث يأوي فجعله من السوق لا من الجمع، وقيل وما وسق أي وما جن ما ستر، وقيل وما حمل وكل شيء حملته فقد وسقته، والعرب تقول لا أحمله وما وسقت عيني الماء أي حملته ووسقت الناقة تسق وسقاً أي حملت.
قال قتادة: والضحاك ومقاتل بن سليمان: وما وسق وما حمل من الظلمة أو حمل من الكواكب، قال القشيري ومعنى حمل ضم وجمع والليل يحمل بظلمته كل شيء، وقال سعيد بن جبير وما وسق أي وما عمل فيه من التهجد والاستغفار بالأسحار، والأول أولى، وقال ابن عباس: ما وسق ما دخل فيه وعنه ما جمع.
الانشقاق 84:18
(والقمر إذا اتسق) أي اجتمع وتكامل، قال الفراء: اتساقه امتلاؤه واجتماعه واستواؤه ليلة ثلاث عشرة ورابع عشرة إلى ست عشرة، وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع، قال الحسن اتسق امتلأ واجتمع، وقال قتادة استدار يقال وسقته فاتسق كما يقال وصلته فاتصل، ويقال أمر فلان متسق أي مجتمع منتظم، ويقال اتسق الشيء إذا تتابع، قال ابن عباس اتسق استوى، وعنه قال ليلة ثلاث عشرة.
الانشقاق 84:19
(لتركبن) أيها الناس (طبقاً عن طبق) حالاً بعد حال، هذا جواب القسم ومحل عن طبق النصب على أنه صفة لطبقاً مجاوزاً لطبق، أو على الحال من ضمير لتركبن أي مجاوزين أو مجاوزاً، قرىء بفتح الموحدة على أنه خطاب للواحد وهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو لكل من يصلح له، وقرىء بضم الموحدة خطاباً للجمع وهم الناس. قال الشعبي ومجاهد لتركبن يا محمد سماء بعد سماء، قال الكلبي يعني تصعد فيها وهذا على القراءة الأولى، وقيل درجة ورتبة بعد رتبة في القرب من الله ورفعة المنزله.
وقيل المعنى لتركبن حالاً بعد حال كل حالة منها مطابقة لأختها في الشدة، وقيل المعنى لتركبن أيها الإنسان حالاً بعد حال من كونك نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم حياً وميتاً وغنياً وفقيراً، فالخطاب للإنسان المذكور في قوله (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً) واختار أبو حاتم وأبو عبيدة القراءة الثانية قالا لأن المعنى بالناس أشبه منه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وقرأ عمر رضي الله عنه ليركبن بالتحتية وضم الموحدة على الإخبار، وروي عنه وعن ابن عباس أنهما قرآ بالغيبة وفتح الوحدة أي ليركبن الإنسان، وروي عن ابن مسعود وابن عباس أنهما قرآ بكسر حرف المضارعة وهي لغة، وقرىء بفتح حرف المضارعة وكسر الموحدة على أنه خطاب للنفس.
وقيل أن معنى الآية ليركبن القمر أحوالاً من سرار واستهلال وهو بعيد، قال مقاتل: طبقاً عن طبق يعني الموت والحياة، وقال عكرمة: رضيع ثم فطيم ثم غلام ثم شاب ثم شيخ. وعن ابن مسعود: قال يعني السماء تنفطر ثم تنشق ثم تحمر، وعنه قال: السماء تكون كالمهل وتكون وردة كالدهان وتكون واهية وتنشق فتكون حالاً بعد حال، وقيل يعني الشدائد وأهوال الموت ثم البعث ثم العرض، وقيل " لتركبن سنن من كان قبلكم " كما ورد في الحديث الصحيح.
الانشقاق 84:20
(فما لهم لا يؤمنون) الاستفهام للإنكار والفاء لترتيب ما بعدها من الإنكار والتعجيب على ما قبلها من أحوال يوم القيامة الموجبة للإيمان والسجود أو من غيرها على الإختلاف السابق، والمعنى أي شيء للكفار لا يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم بما جاء به من القرآن مع وجود موجبات الإيمان بذلك من التغيرات العلوية والسفلية الدالة على خالق عظيم القدرة.
الانشقاق 84:21
(وإذا قرىء عليهم القرآن لا يسجدون) الجملة في محل نصب على الحال أي أيّ مانع لهم حال عدم سجودهم وخضوعهم عند قراءة القرآن، قال الحسن وعطاء والكلبي ومقاتل ما لهم لا يصلُّون، وقال أبو مسلم المراد الخضوع والاستكانة. وقيل المراد نفس السجود المعروف بسجود التلاوة، وقد وقع الخلاف على هذا الموضع من مواضع السجود عند التلاوة أم لا وقد تقدم في فاتحة هذه السورة الدليل على السجود، وهذه السجدة آخر سجدات القرآن عند الشافعي ومن وافقه.
الانشقاق 84:22
(بل الذين كفروا يكذبون) أي بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم وبما جاء به من الكتاب المشتمل على إثبات التوحيد والبعث والثواب والعقاب
الانشقاق 84:23
(والله أعلم بما يوعون) أي بما يضمرونه في أنفسهم من التكذيب. وقال مقاتل: بما يكتمون من أفعالهم. وقال ابن زيد: يجمعون من الأعمال الصالحة والسيئة، مأخوذ من الوعاء الذي يجمع فيه، ويقال وعاء، حفظه وعيت الحديث أعيه وعياً ومنه (أذن واعية) وقال ابن عباس يوعون يسرون.
الانشقاق 84:24
(فبشرهم بعذاب أليم) أي أخبرهم خبراً يظهر أثره على بشرتهم واجعل ذلك بمنزلة البشارة لهم لأن علمه سبحانه بذلك على الوجه المذكور موجب لتعذيبهم، والأليم المؤلم الموجع، والكلام خارج مخرج التهكم بهم.
الانشقاق 84:25
(إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) الاستثناء منقطع لأن الموصول مبتدأ، والجملة خبره والاستثناء من قبيل المفردات أي لكن الذين جمعوا بين الإيمان بالله والعمل الصالح (لهم أجر) عند الله (غير ممنون) أي غير مقطوع ولا منقوص، يقال مننت الحبل إذا قطعته، قال المبرد: المنين الغبار لأنه يقطعه وراءه وكل ضعيف منين وممنون، وقيل المعنى أنه لا يمن عليهم به وقيل متصل وليس بذلك لأن الضمير راجع إلى الذين كفروا، والذين كفروا قد وضع موضع المظهر للإشعار بأنهم لا يؤمنون ولا يسجدون عند قراءة القرآن عليهم لأنهم كافرون مكذبون.
قال أبو السعود استئناف مقرر لما أفاده الاستثناء من انتفاء العذاب عنهم ومبين لكيفيته ومقارنته الثواب العظيم.
البروج 85:1
سورة البروج
هي اثنتان وعشرون آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة، وعن أبي هريرة " أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يقرأ في العشاء الآخرة بالسماء ذات البروج، والسماء والطارق " أخرجه أحمد وعن جابر بن سمرة " أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - كان يقرأ في الظهر والعصر بالسماء والطارق والسماء ذات البروج " أخرجه أحمد والدارمي وأبو داود والترمذي وحسنه والنسائي وغيرهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4)
بسم الله الرحمن الرحيم
(والسماء ذات البروج) قد تقدم الكلام في البروج عند قوله (هو الذي جعل في السماء بروجاً) قال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك: هي النجوم والسماء ذات النجوم، وقال عكرمة ومجاهد أيضاًً هي قصور في السماء وبه قال ابن عباس، وقال المنهال بن عمرو: ذات الخلق الحسن، وقال أبو عبيدة ويحيى بن سلام وغيرهما: هي المنازل للكواكب وهي إثنا عشر برجاً لاثني عشر كوكباً وهي: الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت، قيل وهي منازل الكواكب السبعة السيارة المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد والمشتري وله القوس والحوت وزحل وله الجدي والدلو.
والبروج في كلام العرب القصور، ومنه قوله (ولو كنتم في بروج مشيدة) شبهت منازل هذه النجوم بالقصور لكونها تنزل فيها، وقيل هي أبواب السماء. وقيل هي منازل القمر، وأصل البرج الظهور سميت بذلك لظهورها.
وعن جابر بن عبد الله " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن السماء ذات البروج فقال الكواكب، وسئل عن قوله (جعل في السماء بروجاً) قال الكواكب وعن قوله (في بروج مشيدة) قال القصور " أخرجه ابن مردويه.
البروج 85:2
(واليوم الموعود) أي الموعود به وهو يوم القيامة قال الواحدي: في قول جميع المفسرين، وبه قال ابن عباس.
البروج 85:3
(وشاهد ومشهود) نكرهما دون بقية ما أقسم به لاختصاصهما من بين الأيام بفضيلة ليست لغيرهما فلم يجمع بينهما وبين البقية بلام الجنس. وهذا جواب أيضاًً عما يقال لم خصصهما بالذكر دون بقية الأيام؟ وإنما لم يعرفا بلام الجهد لأن التنكير أدل على التفخيم والتعظيم بدليل قوله تعالى (وإلهكم إله واحد) والمراد بالشاهد من يشهد في ذلك اليوم من الخلائق أي يحضر فيه والمراد بالمشهود ما يشاهد في ذلك اليوم من العجائب.
وذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن الشاهد يوم الجمعة وأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، والمشهود يوم عرفة لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج وتحضره الملائكة، قال الواحدي وهذا قول الأكثر، قال ابن عباس: الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة وهو الحج الأكبر.
فيوم الجمعة جعله الله عيداً لمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته وفضله بها على الخلق أجمعين وهو سيد الأيام عند الله وأحب الأعمال إلى الله، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم يصلي يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه إياه، أخرجه ابن مردويه.
وحكى القشيري عن ابن عمر وابن الزبير أن الشاهد يوم الأضحى، وقال سعيد بن المسيب: الشاهد يوم التروية والمشهود يوم عرفة، وقال النخعي: الشاهد يوم عرفة والمشهود يوم النحر: وقيل الشاهد هو الله سبحانه، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير لقوله (وكفى بالله شهيداً) وقوله (قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم).
وقيل الشاهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم لقوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً). وقوله (يا أيها الرسول إنا أرسلناك شاهداً) وقوله (ويكون الرسول عليكم شهيداً) وقيل الشاهد جميع الأنبياء لقوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد).
وقيل هو عيسى ابن مريم لقوله (وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم).
والمشهود على هذه الأقوال الثلاثة إما أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو أمم الأنبياء أو أمة عيسى.
وقيل الشاهد آدم والشهود ذريته، وقال محمد بن كعب: الشاهد الإنسان لقوله (كفى بنفسك اليوم عليك حسيباً) وقال مقاتل أعضاؤه لقوله (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم).
وقال الحسين بن الفضل: الشاهد هذه الأمة والمشهود سائر الأمم لقوله (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس) وقيل الشاهد الحفظة والمشهود بنو آدم " وقيل الأيام والليالي، وقيل الشاهد الخلق يشهدون لله عز وجل بالوحدانية والمشهود له بالوحدانية هو الله سبحانه. وسيأتي بيان ما هو الحق.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " اليوم الموعود يوم القيامة واليوم المشهود يوم عرفة والشاهد يوم الجمعة " وما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل منه فيه ساعة لا يوافقها عبد مؤمن يدعو الله بخير إلا استجاب الله له، ولا يستعيذ من شيء إلا أعاذ منه " أخرجه الترمذي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في سننه.
وعن أبي هريرة رفعه " قال الشاهد يوم عرفة ويوم الجمعة والمشهود هو الموعود يوم القيامة " أخرجه الحاكم وصححه والبيهقي وابن مردويه [[رواه الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وفي سنده موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف كما قال الحافظ ابن حجر في " التقريب "، وقال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث موسى بن
-[160]-
عبيدة، وموسى بن عبيدة: يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد وغيره من قبل حفظه، وقال ابن كثير: وروى هذا الحديث ابن خزيمة من طرق عن موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف، وقد روي موقوفاً على أبي هريرة، وهو أشبه.]].
وعن علي بن أبي طالب اليوم الموعود يوم القيامة والمشهود يوم النحر والشاهد يوم الجمعة.
وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اليوم الموعود يوم القيامة والشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة " أخرجه ابن جرير والطبراني وابن مردويه.
وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الآية " الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة " أخرجه ابن عساكر وابن مردويه، وعن أبي هريرة مثله موقوفاً.
وعن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سيد الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد، والمشهود يوم عرفة " وهذا مرسل من مراسيله أخرجه سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن مردويه.
وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " أكثروا من الصلاة عليَّ يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة " أخرجه ابن ماجه والطبراني وابن جرير.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال في الآية الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وعن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما أن رجلاً سأله عن قوله (وشاهد ومشهود) قال هل سألت أحداً قبلي قال نعم سألت ابن عمر وابن الزبير فقالا يوم الذبح ويوم الجمعة قال لا ولكن الشاهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم قرأ (وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) والمشهود يوم القيامة، ثم قرأ (ذلك يوم مشهود) وعن الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما في الآية قال الشاهد جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمشهود يوم القيامة ثم تلا (إنا أرسلناك شاهداً) (ذلك يوم مشهود).
وعن ابن عباس قال اليوم الموعود يوم القيامة والشاهد محمد صلى الله عليه وسلم والمشهود يوم القيامة ثم تلا ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود.
وعنه قال الشاهد الله والشهود يوم القيامة.
قلت وهذه التفاسير عن الصحابة رضي الله عنهم قد اختلفت كما ترى وكذلك اختلفت تفاسير التابعين بعدهم، واستدل من استدل منهم بآيات ذكر الله فيها أن ذلك الشيء شاهد أو مشهود، فجعله دليلاً على أنه المراد بالشاهد والمشهود في هذه الآية المطلقة، وليس ذلك بدليل يستدل به على أن الشاهد والمشهود المذكورين في هذا المقام هو ذلك الشاهد والمشهود الذي ذكر في آية أخرى، وإلا لزم أن يكون قوله هنا وشاهد ومشهود هو جميع ما أطلق عليه في الكتاب العزيز أو السنة المطهرة أنه يشهد أو أنه مشهود، وليس بعض ما استدلوا به مع اختلافه بأولى من بعض، ولم يقل قائل ذلك.
فإن قلت هل في المرفوع الذي ذكرته من حديثي أبي هريرة وحديث أبي مالك الأشعري وحديث جبير بن مطعم ومرسل سعيد بن المسيب ما يعين هذا اليوم الموعود والشاهد والمشهود.
قلت أما اليوم الموعود فلم تختلف هذه الروايات التي ذكر فيها بل اتفقت على أنه يوم القيامة، وأما الشاهد ففي حديث أبي هريرة الأول أنه يوم الجمعة وفي حديثه الثاني أنه يوم عرفة ويوم الجمعة، وفي حديث الأشعري أنه يوم الجمعة، وفي حديث جبير أنه يوم الجمعة وفي مرسل سعيد أنه يوم الجمعة فاتففت هذه الأحاديث عليه، ولا تضر زيادة يوم عرفة عليه في حديث أبي هريرة الثاني.
وأما المشهود ففي حديث أبي هريرة الأول أنه يوم عرفة وفي حديثه الثاني أنه يوم القيامة وفي حديث أبي مالك أنه يوم عرفة وفي حديث جبير أنه يوم عرفة، وكذا في حديث سعيد، فقد تعين في هذه الروايات أنه يوم عرفة، وهي أرجح من تلك الرواية التي صرح فيها بأنه يوم القيامة، فحصل من مجموع هذا رجحان ما ذهب إليه الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم أن الشاهد يوم الجمعة والمشهود يوم عرفة، وأما اليوم الموعود فقد قدمنا أنه وقع الإجماع على أنه يوم القيامة.
البروج 85:4
(قتل أصحاب الأخدود) هذا جواب القسم واللام فيه مضمرة وهو الظاهر، وبه قال الفراء وغيره وقيل تقديره لقد قتل فحذفت اللام وقد، وعلى هذا تكون الجملة خبرية والظاهر أنها دعائية لأن معنى قتل لعن، قال الواحدي: في قول الجميع والدعائية لا تكون جواباً للقسم فقيل الجواب قوله (إن الذين فتنوا المؤمنين) وقيل قوله (إن بطش ربك لشديد) وبه قال المبرد واعترض عليه بطول الفصل.
وقيل هو مقدر يدل عليه قوله قتل أصحاب الأخدود كأنه قال أقسم بهذه الأشياء أن كفار قريش ملعونون كما لعن أصحاب الأخدود، فإن السورة وردت لتثبيت المؤمنين على أذاهم وتذكيرهم بما جرى على من قبلهم.
وقيل تقدير الجواب أن الأمر حق في الجزاء، وقيل تقدير الجواب لتبعثن، واختاره ابن الأنباري.
وقال أبو حاتم السجستاني وابن الأنباري أيضاًً في الكلام تقديم وتأخير أي (قتل أصحاب الأخدود) (والسماء ذات البروج) واعترض عليه بأنه لا يجوز أن يقال والله قام زيد.
وعن ابن مسعود قال: (والسماء ذات البروج إلى قوله) شاهد ومشهود) هذا قسم على (أن بطش ربك لشديد) إلى آخرها، والأخدود جمع خد وهو الحق العظيم المستطيل في الأرض كالخندق وجمعه أخاديد ومنه الخد لمجاري الدموع والمخدة لأن الخد يوضع عليها، ويقال تخدد وجه الرجل إذا صارت فيه أخاديد من جراح.
أخرج عبد الرازق وابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد ومسلم والترمذي والنسائي والطبراني عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال " كان ملك من الملوك فيمن كان قبلكم وكان لذلك الملك كاهن يكهن له فقال له ذلك الكاهن انظروا لي غلاماً فهماً -أو قال فطناً- ألقنه فأعلمه علمي فإني أخاف أن أموت فينقطع منكم هذا العلم، ولا يكون فيكم من يعلمه قال فنظروا له على ما وصف فأمروه أن يحضر ذلك الكاهن وأن يختلف إليه فجعل الغلام يختلف إليه وكان على طريق الغلام راهب في صومعة فجعل الغلام يسأل ذلك الراهب كلما مر به فلم يزل به حتى أخبره فقال إنما أعبد الله فجعل الغلام يمكث عند هذا الراهب، ويبطىء عن الكاهن، فأرسل الكاهن إلى أهل الغلام أنه لا يكاد يحضرني، فأخبر الغلام الراهب بذلك فقال له الراهب إذا قال لك أين كنت فقل عند أهلي، وإذا قال لك أهلك أين كنت فأخبرهم أني كنت عند الكاهن، فبينما الغلام على ذلك إذ مر بجماعة من الناس كثير قد حبستهم دابة يقال أنها كانت أسداً فأخذ الغلام حجراً فقال اللهم إن كان ما يقول ذلك الراهب حقاً فأسألك أن أقتل هذا الدابة، وإن كان ما يقول الكاهن حقا فأسألك أن لا أقتلها، ثم رمى فقتل الدابة فقال الناس من قتلها قالوا الغلام ففزع الناس وقالوا قد علم هذا الغلام علماً لم يعلمه أحد، فسمع أعمى فجاءه فقال له إن أنت رددت عليّ بصري فلك كذا وكذا فقال الغلام لا أريد منك هذا، ولكن أرأيت إن رجع عليك بصرك أتؤمن بالذي رده عليك قال نعم، فدعا الله فرد عليه بصره فآمن الأعمى فبلغ الملك أمرهم فبعث إليهم فأتى بهم فقال لأقتلن كل واحد منكم قتلة لا أقتل بها صاحبه فأمر بالراهب والرجل الذي كان أعمى فوضع المنشار على مفرق أحدهما فقتله وقتل الآخر بقتلة أخرى، ثم أمر بالغلام فقال انطلقوا به إلى جبل كذا وكذا فألقوه من رأسه فانطلقوا به إلى ذلك الجبل فلما انتهوا إلى ذلك المكان الذي أرادوا أن يلقوه منه جعلوا يتهافتون من ذلك الجبل ويتردون حتى لم يبق منهم إلا الغلام، ثم رجع الغلام فأمر به الملك أن ينطلقوا به إلى البحر فيلقوه فيه، فانطلقوا به إلى البحر، فغرّق الله الذين كانوا معه وأنجاه، فقال الغلام للملك إنك لن تقتلني حتى تصلبني وترميني وتقول إذا رميتني بسم الله رب الغلام، فأمر به فصلب ثم رماه وقال بسم الله رب الغلام فوقع السهم في صدغه فوضع الغلام يده على موضع السهم ثم مات، فقال الناس لقد علم هذا الغلام علماً ما علمه أحد، فإنا نؤمن برب هذا الغلام، فقيل للملك أجزعت أن خالفك ثلاثة فهذا العالم كلهم قد خالفوك، قال فخد أخدوداً ثم ألقي فيها الحطب والنار، ثم جمع الناس فقال: من رجع عن دينه تركناه، ومن لم يرجع ألقيناه في هذه النار، فجعل يلقيهم في تلك الأخدود، فقال يقول الله (قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ) حتى بلغ (الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) فأما الغلام فإنه دفن ثم أخرج فيذكر أنه خرج في زمن عمر بن الخطاب وإصبعه على صدغه كما وضعها حين قتل.
ولهذه القصة ألفاظ فيها بعض اختلاف، وقد رواها مسلم في أواخر الصحيح عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب.
وأخرجها أحمد من طريق عفان عن حماد به.
وأخرجها النسائي عن أحمد بن سليمان عن حماد بن سلمة به.
وأخرجها الترمذي عن محمود بن غيلان وعبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر عن ثابت به.
وعن علي بن أبي طالب في قوله (أصحاب الأخدود) قال هم الحبشة أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم.
وعن ابن عباس " قال هم ناس من بني إسرائيل خدوا أخدوداً في الأرض أوقدوا فيه ناراً ثم أقاموا على ذلك الأخدود رجالاً ونساء فعرضوا عليها " أخرجه ابن جرير وقال مقاتل كانت الأخاديد ثلاثة واحدة بنجران باليمن وأخرى بالشام. وأخرى بفارس، حرق أصحابها بالنار فأما التي بالشام فهو أبطاموس الرومي، وأما التي بفارس فبختنصر، ويزعمون أنهم أصحاب دانيال، وأما التي باليمن فذو نواس.
فأما التي بالشام وفارس فلم ينزل الله فيهم قرآنا وأنزل في التي بنجران اليمن وذلك لأن هذه القصة كانت مشهورة عند أهل مكة فذكرها الله تعالى لأصحاب رسوله يحملهم بذلك على الصبر وتحمل المكاره في الدين.
النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ (11) إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (13)
البروج 85:5
(النار ذات الوقود) قرأ الجمهور النار بالجر على أنها بدل اشتمال من الأخدود لأن الأخدود مشتمل عليها وحينئذ فلا بد من ضمير مقدر أي النار فيه وذات الوقود وصف لها بأنها نار عظيمة والوقود الحطب الذي توقد به، وقيل هو بدل كل من كل، وقيل أن النار مخفوضة على الجوار حكاه مكي عن الكوفيين.
قرأ الجمهور بفتح الواو من الوقود، وقرىء بضمها وبرفع النار على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هي النار أو على أنها فاعل فعل محذوف أي أحرقتهم النار.
البروج 85:6
(إذ هم عليها قعود) العامل في الظرف قتل أي لعنوا حين أحرقوا بالنار قاعدين على ما يدنو منها ويقرب إليها، قال مقاتل يعني عند النار قعود يعرضونهم على الكفر، وقال مجاهد كانوا قعوداً على الكراسي عند الأخدود، قال زاده عبر عن القعود على حافة النار بالقعود على نفس النار للدلالة على أنهم حال قعودهم على شفيرها مستولون عليها يقذفون فيها من شاؤوه ويخلون سبيل من شاؤوه.
البروج 85:7
(وهم) أي الذين خدّدوا الأخدود وهم الملك وأصحابه (على ما يفعلون بالمؤمنين) بالله تعالى من عرضهم على النار ليرجعوا إلى دينهم (شهود) أي حضور أو يشهد بعضهم لبعض عند الملك بأنه لم يقصر فيما أمر به، وقيل يشهدون بما فعلوا يوم القيامة ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم، وقيل على بمعنى مع والتقدير وهم مع ما يفعلون بالمؤمنين من الإحراق شهود لا يرقون لهم لغاية قسوة قلوبهم، هذا هو الذي يستدعيه النظم وتنطق به الروايات المشهورة.
قال الزجاج أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن يحرقوا بالنار في الله، وفيه حث للمؤمنين على الصبر وتحمل أذى أهل الكفر والعناد.
روي أن الله أنجى المؤمنين الملقين في النار وكانوا سبعة وسبعين بقبض أرواحهم قبل وقوعهم فيها وخرجت النار إلى من ثم فأحرقتهم، وهؤلاء لم يرجعوا عن دينهم، والذين رجعوا عشرة أو أحد عشر، ولم يرد نص بتعيين عدد أصحاب الأخدود.
البروج 85:8
(وما نقموا منهم) قرأ الجمهور نقموا بفتح النون، وقرىء بكسرها والفصيح الفتح في المختار نقم الأمر كرهه، وبابه ضرب ونقم من باب فهم لغة أي ما أنكروا عليهم ولا عابوا منهم (إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد) إلا أن صدقوا بالله الغالب المحمود في كل حال، قال الزجاج ما أنكروا عليهم ذنباً إلا إيمانهم، وهذا كقوله (هل تنقمون منا إلا أن آمنا بآيات ربنا) وهذا من تأكيد المدح بما يشبه الذم كما في قوله:
لا عيب فيهم سوى أن النزيل بهم ... يسلو عن الأهل والأوطان والحشم
وقول الآخر:
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطير شكلاً عيونها
وقول الآخر:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب ثم وصف سبحانه بما يدل على العظم والفخامة فقال
البروج 85:9
(الذي له ملك السموات والأرض) ومن كان هذا شأنه فهو حقيق بأن يؤمن به ويوحد (والله على كل شيء شهيد) من فعلهم بالمؤمنين لا تخفى عليه منه خافية، وفي هذا وعيد شديد لأصحاب الأخدود، ووعد خير لمن عذبوه على دينه من أولئك المؤمنين.
ثم بين سبحانه ما أعد لأولئك الذين فعلوا بالمؤمنين ما فعلوا من التحريق فقال
البروج 85:10
(إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات) أي حرقوهم بالنار، والعرب تقول فتنت الشيء أي أحرقته وفتنت الدرهم والدينار إذا أدخلته النار لتنظر جودته، ويقال دينار مفتون ويسمى الصائغ الفتان، ومنه قوله (يوم هم على النار يفتنون) أي يحرقون وقيل معنى فتنوا المؤمنين محنوهم في دينهم ليرجعوا عنه.
قال الرازي: ويحتمل أن يكون المراد كل من فعل ذلك، قال وهذا أولا، لأن اللفظ عام والحكم بالتخصيص ترك للظاهر من غير دليل (ثم لم يتوبوا) من قبح صنعهم ولم يرجعوا عن كفرهم وفتنتهم (فلهم) في الآخرة (عذاب جهنم) بسبب كفرهم (ولهم) عذاب آخر زائد على عذاب كفرهم وهو (عذاب الحريق) الذي وقع منهم للمؤمنين. وقيل أن الحريق إسم من أسماء النار كالسعير وقيل أنهم يعذبون في جهنم بالزمهرير، ثم يعذبون بعذاب الحريق فالأول عذاب ببردها، والثاني عذاب بحرها.
وقال الربيع بن أنس أن عذاب الحريق أصيبوا به في الدنيا، وذلك أن النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم، وبه قال الكلبي، ومفهوم الآية أنهم لو تابوا لخرجوا من هذا الوعيد، وإنما عبر سبحانه بأداة التراخي لأن التوبة مقبولة قبل الغرغرة ولو طال الزمان.
ثم لما ذكر سبحانه وعيد المجرمين أتبعه بذكر ما أعده للمؤمنين الذين أحرقوا بالنار فقال
البروج 85:11
(إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات) وظاهر الآية العموم فيدخل في ذلك المحرقون في الأخدود بسبب إيمانهم دخولاً أولياً، والمعنى أن الجامعين بين الإيمان وعمل الصالحات (لهم) بسبب الإيمان والعمل الصالح (جنات تجري من تحتها) أي تحت أسرتها وغرفها وجميع أماكنها (الأنهار) يتلذذون ببردها في نظير ذلك الحر الذي صبروا عليه في الدنيا.
وقد تقدم كيفية جري الأنهار من تحت الجنات في غير موضع، وأوضحنا أنه إن أريد بالجنات الأشجار فجري الأنهار من تحتها واضح وإن أريد بها الأرض المشتملة عليها فالتحتية باعتبار جزئها الظاهر وهو الشجر لأنها ساترة لساحتها وأرضها.
(ذلك) أي ما تقدم ذكره مما أعده الله لهم (الفوز الكبير) الذي لا يعدله فوز ولا يقاربه ولا يدانيه، والفوز الظفر بالمطلوب، وما في " ذلك " من معنى البعد للإيذان بعلو درجته في الفضل والشرف.
البروج 85:12
(إن بطش ربك) بالكفار (لشديد) بحسب إرادته قاله الجلال المحلي، وفيه إشارة إلى الرد على الفلاسفة القائلين بأنه موجب بالذات، وقد نطق القرآن بأنه فعال لما يريد، والجملة مستأنفة لخطاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم مبينة لما عند الله سبحانه من الجزاء لمن عصاه، والمغفرة لمن أطاعه، والمعنى أن أخذه تعالى للجبابرة والظلمة شديد، والبطش الأخذ بعنف، ووصفه بالشدة يدل على، أنه قد تضاعف وتفاقم. ومثل هذا قوله: (إن أخذه أليم شديد).
البروج 85:13
(إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ) أي يخلق الخلق أولاً في الدنيا ويعيدهم أحياء بعد الموت كذا قال الجمهور، وقيل يبدىء للكفار عذاب الحريق في الدنيا ثم يعيده لهم في الآخرة، واختار هذا ابن جرير والأول أولى، وقال ابن عباس: يبدىء العذاب ويعيده انتهى، ومن كان قادراً على الإيجاد والإعادة إذا بطش كان بطشه في غاية الشدة، وبهذا ظهر التعليل بهذه الجملة لما سبق من شدة البطش.
وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (14) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16) هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ (19) وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20) بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22)
البروج 85:14
(وهو الغفور الودود) أي بالغ المغفرة لذنوب عباده المؤمنين لا يفضحهم بها، بالغ المحبة للمطيعين من أوليائه، قال مجاهد الواد لأوليائه فهو فعول بمعنى فاعل. وقال ابن زيد معنى الودود الرحيم، وحكى المبرد عن إسماعيل القاضي أن الودود هو الذي لا ولد له، وقيل الودود بمعنى المودود أي يوده عباده الصالحون ويحبونه كذا قال الأزهري.
قال ويجوز أن يكون فعولاً بمعنى فاعل أي يكون محباً لهم، قال وكلتا الصفتين مدح لأنه جل ذكره إن أحب عباده المطيعين فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون فلما تقرر عندهم من كريم إحسانه، قال ابن عباس: الودود الحبيب.
وقالت المعتزلة غفور لمن تاب، وقال أصحاب السنة غفور مطلقاً لمن تاب ومن لم يتب، لأن الآية مذكورة في معرض التمدح بكونه غفوراً مطلقاً أتم، فالحمل عليه أولى، ولأن الغفور صيغة مبالغة فالمناسب أن يحمل على الإطلاق. قاله زاده.
البروج 85:15
(ذو العرش المجيد) قرأ الجمهور برفع الجيد على أنه نعت لذو، واختاره أبو عبيدة وأبو حاتم قالا لأن المجد هو النهاية في الكرم والفضل، والله سبحانه هو المنعوت بذلك.
وقرىء بالجر على أنه نعت للعرش ومجده علوه وعظمته.
وقدم وصف سبحانه عرشه بالكرم كما في آخر سورة المؤمنين، قال ابن عباس: المجيد الكريم، قيل أن العرش أحسن الأجسام، وقيل هو نعت لربك، ولا يضر الفصل بينهما لأنها صفات لله سبحانه، وقال مكي: هو خبر بعد خبر. والأول أولى. ومعنى ذو العرش ذو الملك والسلطان كما يقال فلان على سرير ملكه، وقيل المراد خالق العرش.
البروج 85:16
(فعال لما يريد) من الإبداء والإعادة، قال عطاء لا يعجز عن شيء يريده ولا يمتنع منه شيء طلبه، وارتفاع فعال على أنه خبر مبتدأ محذوف، قال الفراء: هو رفع على التكرير والاستئناف لأنه نكرة محضة، قال ابن جرير: رفع فعال وهو نكرة محضة على وجه الاتباع لإعراب (الغفور الودود).
وإنما قال: " فعال " لأن ما يريد ويفعل في غاية الكثرة، والإرادة هنا تكوينية فيكون فيه دلالة على خلق أفعالهم، وختم به الصفات لأنه كالنتيجة للأوصاف السابقة.
قال الكرخي: نكره لضرب من التعظيم تتلاشى عنده الأوهام والعقول، قال بعضهم: وفيه دلالة على أنه لا يجب عليه شيء لأنها دالة على أن فعله بحسب إرادته، ثم ذكر سبحانه خبر الجموع الكافرة فقال:
البروج 85:17
(هل أتاك حديث الجنود) والجملة مستأنفة مقررة لما تقدم من شدة بطشه سبحانه وكونه فعالاً لما يريد، وفيه تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي هل أتاك يا محمد خبر الجموع الكافرة الطاغية في الأمم الخالية المكذبة لأنبيائهم المتجندة عليها.
ثم بيّنهم فقال
البروج 85:18
(فرعون وثمود) وهو بدل من الجنود، فالمراد بفرعون هو وقومه والمراد بثمود القوم المعروفون، والمراد بحديثهم ما وقع منهم من الكفر والعناد والضلال، وما وقع عليهم من العذاب والنكال، وقصتهم مشهورة، وقد تكرر في الكتاب العزيز ذكرها في غير موضع، واقتصر على الطائفتين لاشتهار أمرهما عند أهل الكتاب، وعند مشركي العرب ودل بهما على أمثالهما.
ثم أضرب عن مماثلة هؤلاء الكفار الموجودين في عصره صلى الله عليه وآله وسلم إضراباً إنتقالياً لمن تقدم ذكرهم وبين أنهم أشد منهم في الكفر والتكذيب فقال
البروج 85:19
(بل الذين كفروا في تكذيب) شديد لك ولما جئت به، ولم يعتبروا بمن كان قبلهم من الكفار.
البروج 85:20
(والله من ورائهم محيط) أي يقدر على أن ينزل بهم ما أنزل بأولئك لا عاصم لهم منه، والإحاطة بالشيء الحصر له من جميع جوانبه فهو تمثيل لعدم نجاتهم بعدم فوت المحاط به على المحيط.
ثم رد سبحانه تكذيبهم بالقرآن فقال:
البروج 85:21
(بل هو قرآن مجيد) أي متناه في الشرف والكرم والبركة والنفع، معجز بنظمه عالي الطبقة من بين الكتب، وحيد في النظم والمعنى لكونه بياناً لما شرعه الله لعباده من أحكام الدين والدنيا وليس هو كما يقولون أنه شعر وكهانة وسحر.
البروج 85:22
(في لوح محفوظ) أي مكتوب في لوح وهو أم الكتاب محفوظ عند الله من وصول الشياطين إليه، قرأ الجمهور لوح بفتح اللام واتفق عليها القراء وقرأ الجمهور محفوظ بالجر على أنه نعت للوح وقرىء برفعه على أنه نعت للقرآن، أي (بل هو قرآن مجيد) محفوظ في لوح، قيل والمراد باللوح بضم اللام الهواء والفضاء الذي فوق السماء السابعة، وبه قال أبو الفضل وكذا قال ابن خالويه.
وقال في الصحاح اللوح بالضم الهواء بين السماء والأرض، وعن ابن عباس قال " أخبرت أن لوح الذكر لوح واحد فيه الذكر " وأن ذلك اللوح نور، وأنه مسيرة ثلثمائة سنة " أخرجه ابن المنذر، وعن أنس أن اللوح المحفوظ الذي ذكره الله في الآية في جبهة إسرافيل.
وأخرج أبو الشيخ قال السيوطي بسند جيد عن ابن عباس قال: " خلق الله اللوح المحفوظ كمسيرة مائة عام فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق اكتب علمي في خلقي، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة " وقال مقاتل: اللوح المحفوظ عن يمين العرش.
الطارق 86:1
سورة الطارق
هي سبع عشرة آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة وعن خالد العدواني " أنه أبصر رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - في سوق ثقيف وهو قائم على قوس أو عصا حين أتاهم يبتغي النصر عندهم، فسمعه يقرأ (وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ) حتى ختمها قال فوعيتها في الجاهلية ثم قرأتها في الإسلام، قال فدعتني ثقيف فقالوا ماذا سمعت من هذا الرجل، فقرأتها فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا، لو كنا نعلم ما يقول حقاً لاتبعناه " أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه والطبراني وابن مردويه.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (4) فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (6)
(والسماء والطارق) أقسم سبحانه بالسماء والطارق، وقد أكثر في كتابه العزيز ذكر السماء والشمس والقمر والنجوم، لأن أحوالها في أشكالها وسيرها ومطالعها ومغاربها عجيبة، والطارق هو النجم الثاقب كما صرح به التنزيل.
قال الواحدي: قال المفسرون أقسم الله بالطارق يعني الكواكب تطرق بالليل وتخفى بالنهار، قال الفراء: الطارق النجم لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلاً فهو طارق، وكذا قال الزجاج والمبرد.
وقد اختلف في الطارق هل هو نجم معين أو جنس النجم، فقيل هو زحل وقيل الثريا وقيل هو الذي ترمى به الشياطين، وقيل هو جنس النجم، قال في الصحاح: والطارق النجم الذي يقال له كوكب الصبح.
قال الماوردي: أصل الطروق الدق فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق، ثم اتسع به في كل ما ظهر بالليل كائناً ما كان، ثم اتسع كل التوسع حتى أطلق على الصور الخالية البادية بالليل.
وقال قوم إن الطروق قد يكون نهاراً والعرب تقول أتيتك اليوم طرقتين أي مرتين ومنه قوله صلى الله عليه وآله وسلم " أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير " قال ابن عباس أقسم ربك بالطارق وكل شيء طرقك بالليل فهو طارق.
ثم بين سبحانه ما هو الطارق تفخيماً لشأنه بعد تعظيمه بالإقسام به فقال
الطارق 86:2
(وما أدراك ما الطارق) وفيه تنبيه على أن رفعة قدره بحيث لا ينالها إدراك الخلق، فلا بد من تلقيها من الخلاق العليم.
الطارق 86:3
(النجم الثاقب) أي المضيء ومنه يقال ثقب النجم ثقوباً إذا أضاء وثقوبه ضؤوه، قال مجاهد: الثاقب المتوهج وقيل المرتفع العالي، قال سفيان: كل ما في القرآن " وما أدراك " فقد أخبره، وكل شيء قال " ما يدريك " لم يخبره به.
وقيل هو نجم في السماء السابعة وهو زحل لا يسكنها غيره من النجوم، وإذا أخذت النجوم أمكنتها من السماء هبط فكان معها ثم يرجع إلى مكانه من السماء السابعة، فهو طارق حين ينزل وحين يصعد.
ولم يقل: والنجم الثاقب، مع أنه أخضر وأظهر فعدل عنه تفخيماً لشأنه فأقسم أولاً بما يشترك فيه هو وغيره وهو الطارق، ثم فسره بالنجم إزالة لذلك الإبهام الحاصل بالاستفهام، والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر نشأ مما قبله كأنه قيل ما هو فقيل هو النجم الثاقب.
الطارق 86:4
(إن كل نفس لما عليها حافظ) هذا جواب القسم، وما بينهما اعتراض جيء به لتأكيد فخامة القسم المستتبع لتأكيد مضمون الجملة المقسم عليها، وقد تقدم في سورة هود اختلاف القراء في " لما " فمن قرأ بتخفيفها كانت إن هنا هي المخففة من الثقيلة فيها ضمير الشأن المقدر وهو اسمها، واللام هي الفارقة و " ما " مزيدة، وهذا كله تفريع على قول البصريين أي أن الشأن كل نفس لعليها حافظ.
ومن قرأ بالتشديد فإن نافية، ولما بمعنى إلا أي ما كل نفس إلا عليها حافظ، قيل والحافظ هم الحفظة من الملائكة الذين يحفظون عليها عملها وقولها وفعلها، ويحصون ما تكسب من خير وشر، وقيل الحافظ هو الله عز وجل.
وعدى حافظ بعلى لتضمينه معنى القيام، فإنه تعالى قائم على خلقه بعلمه واطلاعه على أحوالهم وقيل هو العقل يرشدهم إلى المصالح ويكفهم عن المفاسد، والأول أولى لقوله (وإن عليكم لحافظين) وقوله (ويرسل عليكم حفظة) وقوله (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه) والحافظ في الحقيقة هو الله عز وجل كما في قوله (فالله خير حافظاً) وقوله (وكان الله على كل شيء رقيباً) فإن الممكنات كما تحتاج إلى الواجب لذاته في وجودها تحتاج إليه في بقائها، وحفظ الملائكة من حفظه لأنهم يحفظونه بأمره.
الطارق 86:5
(فلينظر الإنسان) الفاء للدلالة على أن كون حافظ على كل نفس يوجب على الإنسان أن يتفكر في مبتدأ خلقه ليعلم قدرة الله على ما هو دون ذلك من البعث، قال مقاتل يعني المكذب بالبعث (مم خلق) أي من أي شيء خلقه الله، والمعنى فلينظر نظر التفكر والإستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه من نطفة قادر على إعادته.
ثم بيّن سبحانه ذلك فقال
الطارق 86:6
(خلق من ماء دافق) والجملة مستأنفة جواب سؤال مقدر، والماء هو المني والدفق الصب، يقال دفقت الماء أي صببته ويقال (ماء دافق) أي مدفوق مثل (عيشة راضية) أي مرضية.
قال الفراء والأخفش أي مصبوب في الرحم، قال الفراء وأهل الحجاز يجعلون الفاعل بمعنى المفعول في كثير من كلامهم كقولهم سر كاتم أي مكتوم وهم ناصب أي منصوب وليل نائم ونحو ذلك.
قال الزجاج: من ماء ذي اندفاق يقال دارع وقايس ونابل أي ذو درع وقوس ونبل، يعني من صيغ النسب كلابن وتامر، وهو صادق على الفاعل والمفعول أو هو مجاز في الإسناد، فأسند إلى الماء ما لصاحبه مبالغة أو هو استعارة مكنية وتخييلية أو مصرحة يجعله دافقاً لأنه لتتابع قطراته كأنه يدفق بعضه بعضاً أي يدفعه كما أشار له ابن عطية.
وأراد سبحانه ماء الرجل والمرأة لأن الإنسان مخلوق منهما لكن جعلهما ماء واحداً لامتزاجهما.
يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7) إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (9) فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (10) وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (12) إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (13) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ (14) إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)
ثم وصف هذا الماء فقال
الطارق 86:7
(يخرج من بين الصلب والترائب) أي صلب الرجل وترائب المرأة وهي جمع تريبة وهي موضع القلادة من الصدر، والولد لا يكون إلا من الماءين، قرأ الجمهور يخرج مبنياً للفاعل وقرىء مبنياً للمفعول، وفي الصلب وهو الظهر لغات قرأ الجمهور بضم الصاد وسكون اللام، وقرأ أهل مكة بضمهما، وقرأ اليماني بفتحهما، ويقال صالب على وزن قالب ومنه قول العباس بن عبد المطلب *تنقل من صالب إلى رحم* في أبياته المشهورة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تقدم كلام في هذا عند تفسير قوله (الذين من أصلابكم) وقيل الترائب ما بين الثديين.
وقال الضحاك: ترائب المرأة اليدان والرجلان والعينان وقال: سعيد بن جبير هي الجيد، وقال مجاهد هي ما بين المنكبين والصدر، وروي عنه أنه قال: هي الصدر، وعنه قال هي: التراقي، وحكى الزجاج أن الترائب ْعصارة القلب ومنه يكون الولد، والمشهور في اللغة أنها عظام الصدر والنحر، قال عكرمة الترائب الصدر.
قال في الصحاح التريبة واحدة الترائب وهي عظام الصدر، قال أبو عبيدة جمع التريبة تريب وحكى الزجاج أن الترائب أربع أضلاع من يمنة الصدر، وأربع أضلاع من يسرة الصدر.
قال قتادة والحسن المعنى يخرج من صلب الرجل وترائب المرأة، وحكى الفراء أن مثل هذا يأتي من العرب يكون معنى من بين الصلب من الصلب، وقيل إن ماء الرجل ينزل من الدماغ.
ولا يخالف هذا ما في الآية لأنه إذا نزل من الدماغ نزل من بين الصلب والترائب، وقيل أن المني يخرج من جميع أجزاء البدن، ولا يخالف هذا ما في الآية لأن نسبة خروجه إلى ما بين الصلب والترائب باعتبار أن أكثر أجزاء البدن هي الصلب والترائب وما يجاورها وما فوقها مما يكون تنزله منها.
قال ابن عباس في الآية: ما بين الجيد والنحر، وعنه قال: تريبة المرأة وهي موضع القلادة وعنه الترائب ما بين ثدي المرأة وعنه الترائب أربع أضلاع من كل جانب من أسفل الأضلاع، قال ابن عادل أن الولد يخرج من ماء الرجل يخرج من صلبه العظم والعصب، ومن ماء المرأة يخرج من ترائبها اللحم والدم.
الطارق 86:8
(إنه على رجعه لقادر) الضمير في " إنه " يرجع إلى الله سبحانه بدلالة قوله (خلق) عليه، فإن الذي خلقه هو الله سبحانه، والضمير في رجعه عائد إلى الإنسان، والمعنى أن الله سبحانه على إعادة الإنسان بالبعث بعد الموت لقادر، هكذا قال جماعة من المفسرين.
وقال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل، وقال عكرمة والضحاك على أن يرد الماء في الصلب، وقال مقاتل بن حيان يقول إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة وقال ابن زيد إنه على حبس ذلك الماء حتى لا يخرج لقادر، والأول أظهر، ورجحه ابن جرير والثعلبي والقرطبي، قال ابن عباس: على أن يجعل الشيخ شاباً والشاب شيخاً.
الطارق 86:9
(يوم تبلى السرائر) العامل في الظرف على تفسير الأول هو رجعه، وقيل لقادر، واعترض عليه بأنه يلزم تخصيص القدرة بهذا اليوم، وقيل العامل فيه مقدر أي يرجعه أو اذكر فيكون مفعولاً به.
وأما على قول من قال أن المراد رجع الماء فالعامل فيه اذكر، والمعنى تختبر وتعرف وتكشف السرائر التي تسر في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وقيل يظهر الخبايا وقيل يبدي كل سر فيكون زيناً في وجوه، وشيناً في وجوه، والمراد هنا عرض الأعمال ونشر الصحف، فعند ذلك يتميز الحسن منها من القبيح، والغث من السمين، وفي المختار السر الذي يكتم وجمعه أسرار، والسريرة مثله والجمع سرائر.
الطارق 86:10
(فما له من قوة ولا ناصر) أي فما للإنسان من قوة ومنعة في نفسه يمتنع بها من عذاب الله ولا ناصر ينصره مما نزل به، قال عكرمة هؤلاء الملوك ما لهم يوم القيامة من قوة ولا ناصر، قال سفيان القوة العشيرة والناصر الحليف والأول أولى.
الطارق 86:11
(والسماء ذات الرجع) أي التي ترجع بالدوران إلى الموضع الذي تتحرك عنه، قال الزجاج: الرجع المطر، لأنه يجيء ويرجع ويتكرر، قال الخليل الرجع المطَر نفسه، والرجع نبات الربيع.
قال الواحدي: الرجع المطر في قول جميع المفسرين، وفي هذا نظر فإن ابن زيد قال الرجع الشمس والقمر والنجوم يرجعن في السماء تطلع من ناحية وتغيب في ناحية، وقال بعض المفسرين ذات الرجع ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد، وقال بعضهم معناه ذات النفع.
ووجه تسمية المطر رجعاً ما قاله القفال أنه مأخوذ من ترجيع الصوت وهو إعادته وكذا المطر لكونه يعود مرة بعد أخرى سمي رجعاً، وقيل إن العرب كانوا يزعمون أن السحاب تحمل الماء من بحار الأرض ثم ترجعه إلى الأرض، وقيل سمته العرب رجعاً لأجل التفاؤل ليرجع عليهم وقيل لأن الله يرجعه وقتاً بعد وقت، وقال ابن عباس الرجع المطر بعد المطر.
الطارق 86:12
(والأرض ذات الصدع) هو ما تتصدع عنه الأرض من النبات والثمار والشجر والأنهار والعيون، والصدع الشق لأنه يصدع الأرض فتنصدع له قال أبو عبيدة والفراء: تتصدع بالنبات، قال مجاهد: والأرض ذات الطرق التي تصدعها المياه وقيل ذات الحرث لأنه يصدعها، وقيل ذات الأموات لانصداعها عنهم عند البعث.
والحاصل أن الصدع إن كان اسماً للنبات فكأنه قال والأرض ذات النبات، وإن كان المراد به الشق فكأنه قال والأرض ذات الشق الذي يخرج منه النبات ونحوه، وقال ابن عباس صدعها عن النبات وعنه قال تصدع الأودية.
وعن معاذ بن أنس مرفوعاً قال " تصدع بإذن الله عن الأموال والنبات "، أخرجه ابن منده والديلمي.
قال الرازي إنه تعالى كما جعل كيفية خلاته الحيوان دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، ذكر في هذا القسم كيفية خلقه النبات، فقوله تعالى (والسماء ذات الرجع) كالأب وقوله (والأرض ذات الصدع) كالأم، وكلاهما من النعم العظام لأن نعم الدنيا موقوفة على ما ينزل من السماء مكرراً، وعلى ما ينبت من الأرض كذلك.
وجواب القسم الثاني قوله
الطارق 86:13
(إنه لقول فصل) أي أن القرآن لقول يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما كما قيل له فرقان، ومنه فصل الخصومات وهو قطعها بالحكم الجازم، ويقال هذا قول فصل أي قاطع للشر والنزاع، وقال ابن عباس فصل حق.
الطارق 86:14
(وما هو بالهزل) أي لم ينزل القرآن الكريم باللعب فهو جد كلمة ليس بالهزل، والهزل ضد الجد، فيجب أن يكون مهيباً في الصدور، ومعظماً في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه عن أن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وقال ابن عباس بالهزل بالباطل.
الطارق 86:15
(إنهم يكيدون كيداً) أي يمكرون في إبطال ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدين الحق، قال ألزجاج يخاتلون النبي صلى الله عليه وسلم ويظهرون ما هم على خلافه، وذلك حين اجتمعوا في دار الندوة وتشاوروا فيه وقيل الكيد إلقاء الشبهات كقولهم (إن هي إلا حياتنا الدنيا) (من يحيي العظام وهي رميم) (أجعل الآلهة إلهاً واحداً) وما أشبه ذلك.
الطارق 86:16
(وأكيد كيداً) أي أستدرجهم من حيث لا يعلمون وأجازيهم جزاء كيدهم، قيل هو ما أوقع الله بهم يوم بدر من القتل والأسر، وقيل كيد الله لهم نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم وإعلاء درجته، تسمية لإحدى المتقابلين بالاسم الآخر كقوله (وجزاء سيئة سيئة مثلها).
الطارق 86:17
(فمهل الكافرين) أي أخرهم ولا تسأل الله سبحانه تعجيل هلاكهم والدعاء عليهم بإهلاكهم فإنّا لا نعجل لأن العجلة وهي إيقاع الشيء في غير وقته اللائق به نقص، وارض بما يريده لك في أمورهم (أمهلهم) بدل من مهل ومهل، وأمهل بمعنى مثل نزل وأنزل، والإمهال الإنظار، وتمهل في الأمر اتأد، وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين والتصبير، وانتصاب (رويداً) على أنه مصدر مؤكد للفعل المذكور أو نعت لمصدر محذوف أي أمهلهم إمهالاً رويداً أي قليلاً أو قريباً.
وقد أخذهم الله تعالى، ونسخ الإمهال بآية السيف والأمر بالقتال والجهاد، قال أبو عبيدة الرويد في كلام العرب تصغير الرود والرود المهل، وقيل تصغير أرواد مصدر أرود تصغير الترخيم، ويأتي اسم فعل نحو: رويد زيداً أي أمهله ويأتي حالاً نحو سار القوم رويداً أي متمهلين ذكر معنى هذا الجوهري والبحث مستوفى في علم النحو.
الأعلى 87:1
سورة الأعلى
ويقال سورة سبح وهي تسع عشرة آية هي مكية في قول الجمهور، وقال الضحاك مدنية، وعن ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير وعائشة مثله.
وأخرج البخاري وغيره عن البراء بن عازب قال " أول من قدم علينا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرآننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله عليه وآله وسلم قد جاء فما جاء حتى قرأت (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) وسورة مثلها " [[روى البخاري في " صحيحه " 8/ 537 عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - (يعني المدينة) مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعلاَ يُقْرآنِنَا القُرْآن، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ، وَبِلاَلٌ، وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيْءٍ فَرَحَهُمْ بِهِ، حَتَّى رَأَيْتُ الوَلاَئِدَ وَالصِّبْيَانَ يَقُولُونَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَاءَ، فَمَا جَاءَ حَتَّى قَرَأْتُ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى) في سورة مثلها أهـ. وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها وبسورة الغاشية في صلاة الجمعة والعيدين ووتر العشاء، وثبت في " الصحيحين " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ: " هلاَّ صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى "؟.]].
وعن علي قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يحب هذه السورة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) أخرجه أحمد والبزار وابن مردويه أي لكثرة ما اشتملت عليه من العلوم والخيرات الحسان.
وأخرج أحمد ومسلم وأهل السنن عن النعمان بن بشير " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ) وإن وافق يوم جمعة قرأهما جميعاً " وفي لفظ وربما اجتمعا في يوم واحد فقرأهما، وفي الباب أحاديث.
وأخرج مسلم وغيره عن جابر بن سمرة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الظهر (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) ".
وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة والداقطني والحاكم والبيهقي عن أبيّ بن كعب قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) و (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة قالت كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الوتر في الركعة الأولى بسبح وفي الركعة الثانية (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) وفي الثالثة (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) والمعوذتين ".
وفي الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لمعاذ " هلا صليت بـ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ".
بسم الله الرحمن الرحيم
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7)
بسم الله الرحمن الرحيم
(سبح اسم ربك الأعلى) أي نزهه عن كل ما لا يليق به في ذاته وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه، قال السدي: أي عظمه قيل والإسم هنا مقحم لقصد التعظيم، قال ابن جرير المعنى نزه اسم ربك أن يسمى به أحد سواه، فلا تكون لفظة " اسم " على هذا مقحمة وقيل المعنى نزه تسمية ربك وذكرك إياه أن تذكره إلا وأنت له خاشع معظم ولذكره محترم، وقال الحسن معنى سبح صل له وقيل المعنى صل بأسماء الله لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية وقيل المعنى ارفع صوتك بذكر ربك ومنه قول جرير:
قبح الإله وجوه تغلب كلما ... سبح الحجيج وكبروا تكبيرا
وقال جماعة من الصحابة والتابعين قل سبحان ربي الأعلى، وقيل معناه نزه ربك الأعلى عما يصفه به الملحدون، فعلى هذا يكون الإسم صلة، والأعلى صفة للرب، وقيل للاسم، والأول أولى.
وعن عقبة بن عامر الجهني قال لما نزلت فسبح باسم ربك العظيم، قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اجعلوها في ركوعكم، فلما نزلت سبح اسم ربك الأعلى قال اجعلوها في سجودكم أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن المنذر وابن مردويه ولا مطعن في إسناده ".
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال سبحان ربي الأعلى " أخرجه أحمد والطبراني وابن مردويه والبيهقي، وقال أبو داود خولف فيه وكيع فرواه شعبة عن أبي إسحق عن سعيد عن ابن عباس موقوفاً، وأخرجه موقوفاً أيضاًً عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عنه أنه " كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال سبحان ربي الأعلى ".
وفي لفظ لعبد بن حميد عنه قال إذا قرأت سبح اسم ربك الأعلى فقل سبحان ربي الأعلى، وعن علي بن أبي طالب " أنه قرأ سبح اسم ربك الأعلى فقال سبحان ربي الأعلى وهو في الصلاة فقيل له أتزيد في القرآن قال لا إنما أمرنا بشيء فقلته ".
وعن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة سبح اسم ربك الأعلى فقال سبحان ربي الأعلى.
وعن سعيد بن جبير قال سمعت ابن عمر يقرأ سبح اسم ربك الأعلى فقال سبحان ربي الأعلى.
وكذلك هي في قراءة أُبيّ بن كعب وعن عمر أنه كان إذا قرأ سبح اسم ربك الأعلى قال سبحان ربي الأعلى وعن ابن الزبير أنه قرأ سبح اسم ربك الأعلى فقال سبحان ربي الأعلى وهو في الصلاة.
وقوله
الأعلى 87:2
(الذي خلق فسوى) صفة أخرى للرب قال الزجاج خلق الإنسان مستوياً، ومعنى سوى عدل قامته وحسن خلقه، قال الضحاك خلقه فسوى خلقه وقيل خلق الأجساد فسوى الأفهام وقيل خلق الإنسان وهيأه للتكليف والقيام بأداء العبادات وقيل خلق في أصلاب الآباء وسوى في أرحام الأمهات.
وقيل خلق كل شيء فسوى خلقه تسوية ولم يأت به متفاوتاً غير ملتئم ولكن على إحكام واتساق ودلالة على أنه صادر عن عالم حكيم أو سوَّاه على ما فيه منفعة ومصلحة وقيل خلق كل ذي روح فسوى اليدين والرجلين والعينين.
وقوله
الأعلى 87:3
(والذي قدر فهدى) صفة أخرى للرب أو معطوف على الموصول الذي قبله، قرىء قدر مخفقاً ومثقلاً، قال الواحدي قال المفسرون: قدر خلق الذكر والأنثى من الدواب فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها.
وقال مجاهد: هدى الإنسان لسبيل الخير والسعادة والشقاوة، وروي عنه أيضاًً أنه قال: قدر السعادة والشقاوة وهدى للرشد والضلالة، وهدى الأنعام لمراعيها وقيل قدر أرزاقهم وأقواتهم وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنساً، ولمراعيهم إن كانوا وحشاً.
وقال عطاء: جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له وقيل خلق المنافع في الأشياء وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها، وقال السدي: قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، وأقل وأكثر ثم هداه للخروج من الرحم.
قال الفراء أي قدر فهدى وأضل، فاكتفى بأحدهما.
وفي تفسير الآية أقوال غير ما ذكرنا والأولى عدم تعيين فرد أو أفراد مما يصدق عليه قدر وهدى إلا بدليل يدل عليه، ومع عدم الدليل يحمل على ما يصدق عليه معنى الفعلين إما على البدل أو على الشمول، والمعنى قدر أجناس الأشياء وأنواعها وصفاتها وأفعالها وأقوالها وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له ويسره لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه.
ولما ذكر ما يختص بالناس أتبعه بما يختص بالحيوان فقال
الأعلى 87:4
(والذي أخرج المرعى) صفة أخرى للرب أي أنبت العشب وما ترعاه الدواب والنعم من النبات الأخضر.
الأعلى 87:5
(فجعله غثاء) أي فجعل المرعى بعد أن كان أخضر هشيماً يابساً جافاً بالياً كالغثاء الذي يكون فوق السيل، وفي القاموس الغثاء القماش والزبد والهالك البالي من ورق الشجر، قال قتادة الغثاء الشيء اليابس، ويقال للبقل والحشيش إذا انحطم ويبس " غثاء " وهثيم، قال الكسائي غثاء حال من المرعى أي أخرجه أحوى من شدة الخضرة والري فجعله غثاء بعد ذلك.
(أحوى) أي اسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس أسود، والأحوى مأخوذ من الحوة وهي سواد يضرب إلى الخضرة، وقيل خضرة عليها سواد، وفي القاموس الحوة سواد إلى خضرة أو حمرة إلى السواد، حوى كرضى حوى، قال في الصحاح والحوة أي بالضم حمرة الشفة، قال ابن عباس غثاء هشيماً أحوى متغيراً، وقال ابن زيد وهذا مثل ضربه الله للكفار بذهاب الدنيا بعد نضارتها.
الأعلى 87:6
(سنقرئك) أي سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة، والسين إما للتأكيد وإما لأن المراد إقراء ما أوحى الله إليه حينئذ وما سيوحي إليه بعد ذلك، فهو وعد باستمرار الوحي في ضمن الوعد بالإقراء (فلا تنسى) ما نقرأه، والجملة مستأنفة لبيان هدايته صلى الله عليه وآله وسلم الخاصة به بعد بيان الهداية العامة لكافة خلقه، وهو هدايته صلى الله عليه وآله وسلم لحفظ القرآن وتلقي الوحي، وهدايته للناس أجمعين.
قيل هو نفي، وقيل نهي والألف إشباع، ومنع مكي أن يكون نهياً لأنه لا ينهى عما ليس باختياره، وهذا غير لازم إذ المعنى أن النهي عن تعاطي أسباب النسيان وهو شائع فسقط ما قاله.
قال مجاهد والكلبي كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأولها مخافة أن ينساها، فنزلت هذه الآية فلم ينس شيئاًً بعد ذلك.
وعن ابن عباس " كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينسى فقيل له قد كفيناك ذلك، ونزلت هذه الآية " وعن سعد بن أبي وقاص نحوه.
وهذه الآية تدل على المعجزة من وجهين:
(الأول) أنه كان رجلاً أمياً فحفظه لهذا الكتاب المطول من غير دراسة ولا تكرار خارق للعادة فيكون معجزة.
(الثاني) أن هذه السورة من أول ما نزل بمكة فهذا إخبار عن أمر عجيب مخالف للعادة سيقع في المستقبل، وقد وقع فكان هذا إخباراً فيكون معجزاً.
وقوله
الأعلى 87:7
(إلا ما شاء الله) استثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي لا تنسى مما تقرأه شيئاًً من الأشياء إلا ما شاء الله أن تنساه، قال ابن عباس يقول إلا ما شئت أنا فأنسيك.
قال الفراء وهو لم يشأ سبحانه أن ينسى محمد صلى الله عليه وآله وسلم شيأ كقوله (خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك) وقيل إلا ما شاء الله أن تنسى ثم تذكر بعد ذلك فإذن قد ينسى ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئاًً نسياناً كلياً، وقيل هو بمعنى النسخ أي إلا ما شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته وحكمه معاً، وأما ما نسخت تلاوته فقط أو حكمه فقط فلا يصح أن تنساه للاحتياج إلى تلاوته في الأول، وإلى حكمه في الثاني.
وقيل المعنى فلا تترك العمل إلا ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه، وقيل إلا ما شاء أن يؤخر إنزاله، والالتفات إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإيذان بدوران المشيئة على عنوان الألوهية المستتبعة لسائر الصفات.
(إنه يعلم الجهر وما يخفى) تعليل لما قبله أي يعلم ما ظهر وما بطن، والإعلان والإسرار، وظاهره العموم فيندرج تحته ما قيل أن الجهر ما حفظه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وما يخفى هو ما نسخ من صدره، ويدخل تحته أيضاًً ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة وما يخفى هو أخفاؤها.
ويدخل تحته أيضاًً ما قيل أن الجهر جهره صلى الله عليه وسلم بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتفلت عليه، وما يخفى ما في نفسه مما يدعوه إلى الجهر.
وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
الأعلى 87:8
(ونيسرك لليسرى) معطوف على سنقرئك كما ينبيء عنه الالتفات إلى الحكاية فهو داخل في حيز التنفيس، وما بينهما اعتراض وارد للتعليل.
قال مقاتل: أن نهون عليك عمل الجنة، وقيل نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل، وقيل للشريعة اليسرى وهي الحنيفية السهلة السمحة البيضاء التي ليلها كنهارها، وقيل نهون عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به.
والأولى حمل الآية على العموم أي نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كل أمر من أمورهما التي تتوجه إليك، ولهذه النكتة قال (نيسرك) ولم يقل نيسر لك أي لإفادة أنك موفق لها، وقال ابن عباس لليسرى للخير، وقال ابن مسعود للجنة.
الأعلى 87:9
(فذكر إن نفعت الذكرى) أي عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين، قال الحسن تذكرة للمؤمن وحجة على الكافر.
قال الواحدي: إن نفعت أو لم تنفع، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث مبلغاً للإعذار والإنذار فعليه التذكير في كل حال نفع أو لم ينفع، ولم يذكر الحالة الثانية كقوله (سرابيل تقيكم الحر): قال الجرجاني: التذكير واجب وإن لم ينفع فالمعنى إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، وقيل إنه مخصوص في قوم بأعيانهم، وقيل إن بمعنى ما أي فذكر ما نفعت الذكرى لأن الذكرى نافعة بكل حال وقيل أنها بمعنى (قد) ذكره ابن خالويه وهو بعيد جداً، وقيل أنها بمعنى إذ.
وما قاله الواحدي والجرجاني أولى وقد سبقهما إلى القول به الفراء والنحاس والزهراوي قال الرازي: قوله (إن نفعت الذكرى) للتنبيه على أشرف الحالين وهو وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى (واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون) ومنها قوله (ولا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم) فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله (فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله) والمراجعة جائزة بدون هذا الظن.
فهذا الشرط فيه فوائد منها ما تقدم، ومنها البعث على الانتفاع بالذكر كما يقول الرجل لمن يرشد، قد أوضحت لك أن كنت تعقل، وهو تنبيه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم على أنها لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة فأما الدعاء الأول فهو عام انتهى.
ثم بيّن سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى ومن لا تنفعه فقال:
الأعلى 87:10
(سيذَّكر) أي سيتعظ بوعظك، والسين بمعنى سوف، وسوف من الله واجب كقوله سنقرئك فلا تنسى (من يخشى) الله فيزداد بالتذكير خشية وصلاحاً.
الأعلى 87:11
(ويتجنبها) أي ويتجنب الذكرى ويبعد عنها فلا يقبلها (الأشقى) من الكفار لإصراره على الكفر بالله وانهماكه في معاصيه.
ثم وصف الأشقى فقال
الأعلى 87:12
(الذي يصلى النار الكبرى) أي العظيمة الفظيعة لأنها أشد حراً من غيرها. قال الحسن النار الكبرى نار جهنم والنار الصغرى نار الدنيا، وقال الزجاج هي السفلى من أطباق النار، وقيل أن في الآخرة نيراناً ودركات متفاضلة، فكما أن الكافر أشقى العصاة فكذا يصلى أعظم النيران.
الأعلى 87:13
(ثم لا يموت فيها) فيستريح مما هو فيه من العذاب (ولا يحيى) حياة ينتفع بها، ومنه قول الشاعر:
ألا النفس لا تموت فينقضي ... عناها ولا تحيى حياة لها طعم
وثم للتراخي في مراتب الشدة لأن التردد بين الموت والحياة أفظع من صلي النار الكبرى.
ولما ذكر تعالى وعيد من أعرض عن النظر في دلائل الله أتبعه بالوعد لضده فقال (قد أفلح من تزكى) أي نال الفوز من تطهر من الشرك فآمن بالله ووحده وعمل بشرائعه، قال عطاء والربيع من كان عمله زاكياً نامياً، وقال قتادة: تزكى بعمل صالح، وقال عطاء وقتادة وأبو العالية نزلت في صدقة الفطر، قال عكرمة كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي، وأصل الزكاء في اللغة النماء.
وقيل المراد بالآية زكاة الأموال كلها. وقيل المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكى لا تزكى، قال ابن عباس: من تزكى من قال لا إله إلا الله.
وعن عوف عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه يأمر بزكاة الفطر قيل أن يصلي صلاة العيد ويتلو هذه الآية " أخرجه البزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم في الكنى والبيهقي في سننه وابن مردويه، وفي لفظ قال " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر فقال
الأعلى 87:14
(قد أفلح من تزكى) قال هي زكاة الفطر " وكثير بن عبد الله ضعيف جداً [[أحد رجال إسناد هذا الحديث ولم يذكره المؤلف اقتصاراً.]] قال أبو داود وهو ركن من أركان الكذب وقد صحح الترمذي حديثاً من طرقه وخطىء في ذلك.
ولكن يشهد له ما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري " قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر ".
وليس في هذين الحديثين ما يدل على أن ذلك سبب النزول بل فيهما أنه صلى الله عليه وسلم تلا الآية، وقوله هي زكاة الفطر يمكن أن يراد به أنها مما يصدق عليه التزكي، وقد قدمنا أن السورة مكية ولم يكن في مكة صلاة عيد ولا فطرة.
وعن أبي سعيد الخدري في الآية قال " أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد وخرج إلى العيد فصلى " وعن ابن عمر قال إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد، وعن عطاء قال قلت لابن عباس أرأيت قوله (قد أفلح من تزكى) للفطر قال لم أسمع بذلك، ولكن للزكاة كلها، ثم عاودته فقال لي: والصدقات كلها.
الأعلى 87:15
(وذكر اسم ربه فصلى) قيل المعنى ذكر اسم ربه بالخوف فعبده وصلى له، وقيل ذكر اسم ربه بلسانه وكبر للافتتاح فصلى أي فأقام الصلوات الخمس، وبه يحتج على وجوب تكبيرة الافتتاح وعلى أنها ليست من الصلاة لأن الصلاة عطفت عليها وهو يقتضي المغايرة، على أن الافتتاح جائز بكل اسم من أسمائه عز وجل، قاله النسفي وفيه نظر، وقيل ذكر موقفه ومعاده فعبده وهو كالقول الأول.
وقيل ذكر اسم ربه بالتكبير في أول الصلاة لأنها لا تنعقد إلا بذكره وهو قوله الله أكبر، وقيل ذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى، وقيل هو أن يتطوع بصلاة بعد زكاة، وقيل المراد بالصلاة هنا صلاة العيد كما أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر، ولا يخفى بعد هذا القول لأن السورة مكية ولم تفرض زكاة الفطر وصلاة العيد إلا بالمدينة.
عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله (قد أفلح من تزكى) قال " من شهد أن لا إله إلا الله وقطع الأنداد وشهد أني رسول الله (وذكر اسم ربه فصلى) قال هي الصلوات الخمس والمحافظة عليها والاهتمام بمواقيتها " أخرجه ابن مردويه، وقال البزار لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه وعن ابن عباس قال من تزكى من الشرك (وذكر اسم ربه) قال وحد الله فصلى قال الصلوات الخمس.
الأعلى 87:16
(بل تؤثرون الحياة الدنيا) هذا إضراب عن كلام مقدر يدل عليه السياق وينساق إليه الكلام أي أنتم لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية العاجلة الكائنة في الدنيا على الدار الآخرة الآجلة الباقية فلا تفعلون ما به تفلحون.
قرأ الجمهور بالفوقية على الخطاب للكفار فقط أو لمطلق الناس، ويؤيدها قراءة أبيّ بل أنتم تؤثرون وقرىء بالتحتية على الغيبة وعلى هذا يكون الضمير راجعاً للأشقى، قيل والمراد بالآية الكفرة والمراد بالإيثار للحياة الدنيا هو الرضا بها والاطمئنان إليها والإعراض عن الآخرة بالكلية.
وقيل المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر، والمراد بإيثارها هو أعم من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من إيثار جانب الدنيا على الآخرة، والتوجه إلى تحصيل منافعها والاهتمام بها اهتماماً زائداً على اهتمامه بالطاعات.
وعن عرفجة الثقفي قال استقرأت ابن مسعود (سبح اسم ربك الأعلى) فلما بلغ (بل تؤثرون الحياة الدنيا) ترك القراءة وأقبل على أصحابه فقال آثرنا الدنيا على الآخرة فسكت القوم فقال آثرنا الدنيا لأن رأينا زينتها ونساءها وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وقال (بل يؤثرون الحياة الدنيا) بالياء.
قال عرفجة عند ابن مسعود فقرأ هذه الآية فقال لنا أتدرون لم آثرنا الحياة الدنيا على الآخرة قلنا لا، قال لأن الدنيا أحضرت وعجل لنا طعامها وشرابها ونساءها ولذاتها وبهجتها، وأن الآخرة تغيبت وزويت عنا فأصبنا العاجل وتركنا الآجل.
الأعلى 87:17
(والآخرة خير وأبقى) أي والحال أن الدار الآخرة التي هي الجنة أفضل وأدوم من الدنيا، لأنها تشتمل على السعادة الجسمانية والروحانية، والدنيا ليست كذلك، ولأن الدنيا لذاتها مخلوقة بالآلام، والآخرة ليست كذلك، ولأن الدنيا فانية والآخرة باقية، والباقي خير من الفاني.
قال مالك بن دينار لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى.
الأعلى 87:18
(إن هذا) أي ما تقدم من فلاح من تزكى وما بعده، وقيل إنه إشارة إلى جميع السورة (لفي الصحف الأولى) أي ثابت فيها قال النسفي وهو دليل على جواز قراءة القرآن بالفارسية في الصلاة، لأنه جعله مذكوراً في تلك الصحف مع أنه لم يكن فيها بهذا النظم وبهذه اللغة انتهى.
قال الخطيب: لم يُرد تعالى أن هذه الألفاظ بعينها في تلك الصحف بل معناه أن معنى هذا الكلام في تلك الصحف وفيه بعد لأن أبا حنيفة قد رجع عنه وعليه الاعتماد عند الحنفية وعليه الفتوى منهم وقد وصف الله سبحانه القرآن بكونه عربياً فلا يتم هذا الاستدلال.
الأعلى 87:19
(صحف إبراهيم وموسى) بدل من الصحف الأولى قال قتادة وابن زيد يريد بقوله (إِنَّ هَذَا): (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وقالا تتابعت كتب الله عز وجل أن الآخرة خير وأبقى من الدنيا وقال الحسن تتابعت كتب الله عز وجل إن هذا لفي الصحف الأولى، وهو قوله (قد أفلح) إلى آخر السورة.
قرأ الجمهور صحف بضم الحاء في الموضعين، وقرىء بسكونها فيهما، وقرأ الجمهور " إبراهيم " بالألف بعد الراء وبالياء بعد الهاء، وقرىء بحذفهما وفتح الهاء، وقرأ أبو موسى وابن الزبير إبراهام بألفين.
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هي كلها في صحف إبراهيم وموسى " أخرجه البزار وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه، وعنه في الآية قال " نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى " وفي لفظ " هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى ".
وعن أبي ذر قال: قلت " يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال مائة كتاب وأربعة كتب " الحديث وأخرجه عبد بن حميد وابن مردويه وابن عساكر.
الغاشية 88:1
سورة الغاشية
هي ست وعشرون آية وهي مكيّة بلا خلاف، وعن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله، وقد تقدم حديث النعمان بن بشير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) والغاشية في صلاة العيد ويوم الجمعة.
بسم الله الرحمن الرحيم
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6)
(هل أتاك حديث الغاشية) قال جماعة من المفسرين هل هنا بمعنى قد، وبه قال قطرب أي قد جاءك يا محمد، حديث الغاشية وهي القيامة لأنها تغشى الخلائق بأهوالها، وقيل أن بقاء (هل) على معناها الاستفهامي المتضمن للتعجب مما في حيزه والتشويق إلى استماعه أولى.
وقد ذهب إلى أن المراد بالغاشية هنا القيامة أكثر المفسرين، وقال سعيد بن جبير ومحمد بن كعب الغاشية النار تغشى وجوه الكفار كما في قوله (وتغشى وجوههم النار) وقيل الغاشية أهل النار لأنهم يغشونها ويقتحمونها، والأول أولى.
قال الكلبي المعنى إن لم يكن أتاك حديث الغاشية فقد أتاك قال ابن عباس: الغاشية من أسماء القيامة وعنه قال الغاشية الساعة، وفي المصباح الغشاء الغطاء ويقال أن الغشى يعطل القوى المحركة والأوردة الحساسة لضعف القلب بسبب وجع شديد أو برد أو جوع مفرط، وقيل الغشي هو الإغماء وقيل الإغماد امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ وقيل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء لعلة، وغشيته أغشاه من باب تعب أتيته، والاسم الغشيان بالكسر.
وجملة
الغاشية 88:2
(وجوه يومئذ خاشعة) مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ما هو أو مستأنفة استئنافاً نحوياً لبيان ما تضمنته من كون ثم وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفات المذكورة، ووجوه مرتفع على الابتداء وإن كان نكرة لوقوعه في مقام التفصيل، وقد تقدم مثل هذا في سورة القيامة وفي سورة النازعات.
والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه أي يوم غشيان الغاشية، والخاشعة الذليلة الخاضعة وكل متضائل ساكن يقال له خاشع، يقال خشع الصوت إذا خفي، وخشع في صلاته إذا تذلل ونكس رأسه، والمراد بالوجوه هنا أصحابها قال المحلي عبر بها عن الذوات في الموضعين أي بالجزء عن الكل، وخص الوجه لأنه أشرف أعضاء الإنسان ولأن الذل يظهر عليه أولاً دون غيره، قال مقاتل يعني الكفار لأنهم تكبروا عن عبادة الله، قال قتادة وابن زيد خاشعة في النار.
وقيل أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص، والأول أولى، وفي البحر: الآية نزلت في القسيسين وعباد الأوثان، وفي كل مجتهد في كفر.
الغاشية 88:3
(عاملة) أي أنها تعمل عملاً شاقاً، قال أهل اللغة يقال للرجل إذا دأب في سيره عمل يعمل عملاً، ويقال للسحاب إذا دام برقه قد عمل يعمل عملاً، قيل وهذا العمل هو جر السلاسل والأغلال والخوض في النار والصعود والهبوط في تلالها ووهادها.
(ناصبة) أي تعبة يقال نصب بالكسر ينصب نصباً إذا تعب، والمعنى أنها في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب الله، وقيل أن قوله (عاملة) في الدنيا إذ لا عمل في الآخرة أي تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي، وتنصب في ذلك، وقيل إنها (عاملة) في الدنيا (ناصبة) في الآخرة، والأول أولى.
قال قتادة عاملة ناصبة تكبرت في الدنيا عن طاعة الله فأعملها الله وأنصبها في النار بجر السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).
قال الحسن وسعيد بن جبير: لم تعمل لله في الدنيا ولم تنصب فاعملها وانصبها في جهنم، قال الكلبي: يجرون على وجوههم في جهنم، وقال أيضاًً يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل والأغلال والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل.
قال ابن عباس: (عاملة ناصبة) تعمل وتنصب، وعنه قال يعني اليهود والنصارى تخشع ولا ينفعها عملها، قرأ الجمهور (عاملة ناصبة) بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران للمبتدأ أو على تقدير مبتدأ وهما خبران له، وقرىء بنصبهما على الحال أو على الذم.
وقوله
الغاشية 88:4
(تصلى ناراً حامية) خبر آخر للمبتدأ أي تدخل ناراً متناهية في الحر، يقال حمى النار وحمى التنور أي اشتد حرهما، قال الكسائي يقال اشتد حمى النهار وحموه بمعنى، والمعنى قد أحميت وأوقد عليها مدة طويلة، وفي الحديث " أحمى عليها ألف سنة حتى احمرت ثم أوقد عليها ألف سنة حتى أبيضت، ثم أوقد عليها ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة ".
قرأ الجمهور تصلى بفتح التاء مبنياً للفاعل وقرىء بضمها مبنياً للمفعول وبضم التاء وفتح الصاد وتشديد اللام، والضمير راجع إلى الوجوه على جميع هذه القراآت السبعية، والمراد أصحابها كما تقدم.
وهكذا الضمير في
الغاشية 88:5
(تسقى من عين آنية) أي متناهية في الحر، والآني الذي قد انتهى حره من الإيناء بمعنى التأخر، يقال آناه يؤنيه إيناء أي أخره وحبسه، كما في قوله (يطوفون بينها وبين حميم آن) قال الواحدي قال المفسرون لو وقعت منها قطرة على جبال الدنيا لذابت، قال ابن عباس هي التي قد طال أينها وقال أيضاً قد أنى غليانها، وعنه قال انتهى حرها.
ولما ذكر سبحانه شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال:
الغاشية 88:6
(ليس لهم طعام إلا من ضريع) هو نوع من الشوك لا ترعاه دابة لخبثه يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطباً فإذا يبس فهو الضريع، كذا قال مجاهد، وقتادة وغيرهما من المفسرين، قيل وهو سم قاتل، وإذا يبس لا تقربه دابة ولا ترعاه، وقيل هو شيء يرمى به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام لا من أقوات الناس، فإذا رعت منه الإبل لا تشبع وتهلك هزالاً. قال الخليل الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمى به البحر، وجمهور أهل اللغة والتفسير قالوا بالأول.
وقال سعيد بن جبير: الضريع الحجارة وقيل هو شجرة في نار جهنم، وقال الحسن: هو بعض ما أخفاه الله من العذاب. وقال ابن كيسان: هو طعام يضرعون عنده ويذلون ويتضرعون إلى الله بالخلاص منه، فسمي بذلك لأن آكله يتضرع إلى الله في أن يعفى عنه لكراهته وخشونته، قال النحاس: قد يكون مشتقاً من الضارع وهو الذليل أي من شربه تلحقه ضراعة وذلة، وقال الحسن أيضاًً هو الزقوم وقيل هو واد في جهنم.
وقد تقدم في سورة الحاقة (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) والغسلين غير الضريع كما تقدم، وجمع بين الآيتين بأن النار دركات، والعذاب ألوان والمعذبون طبقات، فمنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الزقوم، فلا تناقض بين هذه الآيات.
قال ابن عباس الضريع الشبرق، وقال أيضاًً شجر من نار، وعنه قال الشبرق اليابس.
لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10) لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (11) فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (12) فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (13) وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ (14) وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ (15)
ثم وصف سبحانه الضريع فقال:
الغاشية 88:7
(لا يسمن ولا يغني من جوع) أي لا يسمن الضريع آكله ولا يدفع عنه ما به من الجوع يعني هما منفعتا الغذاء وكلاهما منتفيان عنه.
قال المفسرون: لما نزلت ليس لهم طعام الخ قال المشركون إن إبلنا تسمن من الضريع فنزلت (لا يسمن ولا يغني من جوع) وكذبوا في قولهم هذا فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه، وقيل اشتبه عليهم أمره فظنوه كغيره من النبات النافع.
قال أبو السعود وتحقيق ذلك أن جوعهم وعطشهم ليسا من قبيل ما هو المعهود منهما في هذه النشأة من حالة عارضة للإِنسان عند استدعاء الطبيعة إلى المطعوم والمشروب بحيث يلتذ بهما عند الأكل والشرب، ويستغنى بهما عن غيرهما عند استقرارهما في المعدة ويستفيد منهما قوة وسمناً عند انهضامهما، بل جوعهم عبارة عن اضطرارهم عند إضرام النار في أحشائهم إلى إدخال شيء كثيف يملؤها ويخرج ما فيها من اللهب، وأما أن يكون لهم شوق إلى مطعوم ما أو التذاذ به عند الأكل واستغناء به عن الغير أو استفادة قوة فهيهات.
وكذا عطشهم عبارة عن اضطرارهم عند أكل الضريع والتهابه في بطونهم إلى شيء مائع بارد يطفئه من غير أن يكون لهم التذاذ بشربه أو استفادة قوة في الجملة، وهو المعنى بما روي أنه تعالى يسلط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع. فإذا أكلوه يسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم.
وتنكير الجوع للتحقير أي لا يغني من جوع ما.
ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال
الغاشية 88:8
(وجوه يومئذ ناعمة) أي ذات نعمة وبهجة في لين العيش، وهي وجوه المؤمنين صارت ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم وما أعده الله لهم من الخير الذي يفوق الوصف، ومثله قوله (تعرف في وجوههم نضرة النعيم) والمراد بالوجوه هنا أصحابها كما تقدم.
ثم قال
الغاشية 88:9
(لسعيها راضية) أي لعملها الذي عملته في الدنيا راضية لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها وقرت به عيونها.
الغاشية 88:10
(في جنة عالية) أي عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة أو عالية القدر لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين.
الغاشية 88:11
(لا تسمع فيها لاغية) قرأ الجمهور بفتح الفوقية ونصب لاغية أي لا تسمع أنت أيها المخاطب أو لا تسمع تلك الوجوه وقرىء بضم التحتية مبنياً للمفعول ورفع لاغية، وقرىء بالفوقية مضمومة ورفع لاغية وقرىء بفتح التحتية مبنياً للفاعل ونصب لاغية. واللغو الكلام الساقط.
قال الفراء والأخفش: أي لا تسمع فيها كلمة لغو قيل المراد بذلك الكذب والبهتان والكفر، قاله قتادة وقال مجاهد أي الشتم، وقال الفراء لا تسمع فيها حالفاً يحلف بكذب، قال الكلبي لا تسمع في الجنة حالفاً بيمين برة ولا فاجرة، وقال الفراء أيضاً لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، وهذا أرجح الأقوال لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص.
ولاغية إما صفة موصوف محذوف أي كلمة لاغية أو جماعة لاغية أو نفس لاغية أو مصدر أي لا تسمع فيها لغواً قال ابن عباس لا تسمع أذى ولا باطلاً.
الغاشية 88:12
(فيها عين جارية) قد تقدم في سورة الإنسان أن فيها عيوناً، والعين هنا بمعنى العيون كما في قوله (علمت نفس) ومعنى جري العين أنها تجري مياهها على وجه الأرض في غير أخدود تتدفق بأنواع الأشربة المستلذة لا ينقطع جريها أبداً، قال الكلبي لا أدري بماء أو بغيره.
الغاشية 88:13
(فيها سرر مرفوعة) أي عالية مرتفعة السمك أو عالية القدر أو شريفة الذات قال ابن عباس بعضها فوق بعض.
الغاشية 88:14
(وأكواب موضوعة) قد تقدم أن الأكواب جمع كوب وأنه القدح الذي لا عروة له ولا خرطوم أي أنها موضوعة بين أيديهم يشربون منها أو معدة لأهلها أو موضوعة على حافات العين الجارية أو موضوعة عن حد الكبر أي هي أوساط بين الكبر والصغر كقوله (قدروها تقديراً).
الغاشية 88:15
(ونمارق مصفوفة) هي الوسائد قال الواحدي في قول الجميع واحدتها نمرقة بضم النون وزاد الفراء سماعاً عن العرب نمرقة بكسرها وهما لغتان أشهرهما الأولى، قال الكلبي وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض، ومنه قول الشاعر:
كهول وشبان حسان وجوههم ... على سرر مصفوفة ونمارق
قال في الصحاح: النمرق والنمرقة وسادة صغيرة وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب وقال ابن عباس: نمارق مجالس، وعنه قال: مرافق، وقيل مساند ومطارح أينما أراد أن يجلس جلس على موسدة واستند إلى الأخرى، قال الواحدي مصفوفة أي فوق الطنافس.
وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (16) أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20) فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (21) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (22) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (23) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (24) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)
الغاشية 88:16
(وزرابي مبثوثة) يعني البسط العراض الفاخرة واحدها زربى وزربية قال أبو عبيدة والفراء الزرابي الطنافس التي لها خمل رقيق واحدها زربية، وفي القاموس الزرابي النمارق والبسط أو كل ما يبسط ويتكأ عليها: الواحد زربى بالكسر ويضم والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة وقال عكرمة بعضها فوق بعض.
قال الواحدي ويجوز أن يكون المعنى أنها متفرقة في المجالس، وبه قال القتيبي، وقال الفراء مبثوثة كثيرة، والظاهر أن معنى البث التفريق مع كثره ومنه (وبث فيها من كل دابة) قال القرطبي وغيره هذا أصح.
الغاشية 88:17
(أفلا ينظرون إلى الإِبل كيف خلقت) الاستفهام للتقريع والتوبيخ والفاء للعطف على مقدر كما في نظائره مما مر غير مرة، والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه، وكذا ما بعدها، وقيل الجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من الإِبل.
والمعنى ينكرون أمر البعث ويستبعدون وقوعه أفلا ينظرون إلى الإِبل التي هي غالب مواشيهم وأكثر ما يشاهدونه من المخلوقات كيف خلقت معدولاً عن سنن خلق سائر أنواع الحيوانات على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها ومزيد قوتها وبديع أوصافها.
قال أبو عمرو بن العلاء إنما خص الإِبل لأنها من ذوات الأربع تبرك فتحمل عليها الحمولة، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلا وهو قائم.
قال الزجاج نبههم على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير يقوده وينيخه، وينهضه ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره فأراهم عظيماً من خلقه ليدل بذلك على توحيده.
وسئل الحسن عن هذه الآية وقيل له الفيل أعظم في الأعجوبة فقال أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره ولا يؤكل لحمه ولا يحلب دره، والإبل من أعز مال العرب وأنفسه يأكل النوى والقت ويخرج اللبن ويأخذ الصبي بزمامها فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها.
وقال المبرد: الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب، وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة.
وروي عن الأصمعي أنه قال: من قرأ خلقت بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأ بالتشديد عنى به السحاب.
قال أبو السعود: بدأ بالإبل لكثرة منافعها كأكل لحمها وشرب لبنها والحمل عليها والتنقل عليها إلى البلاد البعيدة، وعيشها بأي نبات أكلته كالشجر والشوك وصبرها على العطش عشرة أيام فأكثر، وطواعيتها لكل من قادها ولو صبياً صغيراً ونهوضها وهي باركة بالأحمال الثقيلة وتأثرها بالصوت الحسن مع غلظ أكبادها ولا شيء من الحيوان جمع هذه الأشياء غيرها ولكونها أفضل ما عند العرب جعلوها دية القتل.
والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه وإنما واحده بعير وناقة وجمل.
الغاشية 88:18
(وإلى السماء كيف رفعت) فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل وقيل رفعت فلا ينالها شيء.
الغاشية 88:19
(وإلى الجبال كيف نصبت) على وجه الأرض مرساة راسخة لا تميد ولا تميل ولا تزول
الغاشية 88:20
(وإلى الأرض كيف سطحت) أي بسطت، والسطح بسط الشيء يقال لظهر البيت إذا كان مستويا سطح، قرأ الجمهور مبنياً للمفعول مخففاً، وقرأ الحسن: مشدداً، وقرأ علي بن أبي طالب وغيره خلقت ورفعت ونصبت وسطحت على البناء للفاعل وضم التاء فيها كلها.
قال المحلي قوله سطحت ظاهر في أن الأرض سطح، وعليه علماء الشرع لا كرة كما قاله أهل الهيئة وإن لم ينقض ركناً من أركان الشرع.
قال الكرخي هي كرة بطبعها وحقيقتها لكن الله أخرجها عن طبعها بفضله وكرمه بتسطيح بعضها لإقامة الحيوانات عليها فأخرجها عما يقتضيه طبعها انتهى.
وفي التكميل للشيخ رفيع الدين ابن ولي الله الدهلوي رحمه الله: أهل الشرائع يفهمون من مثل قوله تعالى (الْأَرْضَ فِرَاشًا)، و (دَحَاهَا)، و (سُطِحَتْ) أنها سطح مستو، والحكماء يثبتون كرويتها بالأدلة الصحيحة فيتوهم الخلاف، ويدفع بأن القدر المحسوس منها في كل بقعة سطح مستو، فإن الدائرة كلما عظمت قل انجذاب أجزائها فاستواؤها باعتبار محسوسية، أجزائها، وكرويتها باعتبار معقولية جملتها انتهى.
ثم لما ذكر تعالى دليل توحيده ولم يعتبروا ولم يتفكروا فيها خاطب نبيه وأمره بأن يذكرهم فقال
الغاشية 88:21
(فذكر) الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فعظهم يا محمد وخوفهم، ثم علل الأمر بالتذكير فقال (إنما أنت مذكر) أي ليس عليك إلا ذلك و
الغاشية 88:22
(لست عليهم بمصيطر) حتى تكرههم على الإيمان، ومصيطر بالصاد والسين المسلط على الشيء ليشرف عليه ويتعهد أحواله، كذا في الصحاح قال ابن عباس أي بجبار، وعنه قال ثم نسخ ذلك فقال (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم).
الغاشية 88:23
(إلا من تولى وكفر) استثناء منقطع من الهاء في عليهم أي لكن من تولى عن الوعظ والتذكير
الغاشية 88:24
(فيعذبه الله العذاب الأكبر) وهو عذاب جهنم الدائم، وقيل هو استثناء متصل من قوله (فذكر) أي فذكر كل أحد إلا من انقطع طمعك عن إيمانه وتولى فاستحق العذاب الأكبر، والأول أولى، وإنما قال الأكبر لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر.
وقرأ ابن مسعود (فإنه يعذبه الله) وقرأ ابن عباس وقتادة (ألا من تولى) على أنها ألا التي للتنبيه والاستفتاح.
الغاشية 88:25
(إن إلينا إيابهم) أي رجوعهم بعد الموت بالبعث لا إلى أحد سوانا لا استقلالاً ولا اشتراكاً وفائدة تقديم الظرف التشديد في الوعيد وأن إيابهم ليس إلا إلى الجبار المقتدر على الانتقام، وقال ابن عباس أي مرجعهم يقال آب يؤوب إذا رجع، قرأ الجمهور إيابهم بالتخفيف وقرىء بالتشديد، قال أبو حاتم لا يجوز التشديد ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام، وقيل هما لغتان بمعنى، قال الواحدي وأما إيابهم بتشديد الياء فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج.
الغاشية 88:26
(ثم إن علينا حسابهم) يعني جزاءهم بعد رجوعهم إلينا بالبعث في المحشر لا على غيرنا وثم للتراخي في الرتبة لا في الزمان لبعد منزلة الحساب في الشدة عن منزلة الإِياب، وعلى لتأكيد الوعيد لا للوجوب إذ لا يجب على الله شيء، وجمع الضمير في إيابهم وحسابهم باعتبار معنى من كما أن أفراده في يعذبه باعتبار لفظها، وفي تصدير الجملتين بإن وتقديم خبرها وعطف الثانية على الأولى بكلمة ثم المفيدة لبعد منزلة الحساب في الشدة من الإنباء عن غاية السخط الموجب لتشديد العذاب ما لا يخفى.
الفجر 89:1
سورة الفجر
هي ثلاثون آية وقيل تسع وعشرون وهي مكيّة بلا خلاف في قول الجمهور قال ابن عباس نزلت بمكة وعن ابن الزبير وعائشة مثله، ومدنية في قول علي بن أبي طلحة.
أخرج النسائي عن جابر قال صلى معاذ صلاة فجاء رجل فصلى معه فطول، فصلى في ناحية المسجد ثم انصرف، فبلغ ذلك معاذاً فقال منافق، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، فقال يا رسول الله جئت أصلي معه فطول عليّ فانصرف فصليت في ناحية المسجد، فعلفت ناضحي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -: " أفتان أنت يا معاذ، أين أنت من سبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والفجر والليل إذا يغشى ".
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2) وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (4)
(والفجر) أقسم سبحانه بهذه الأشياء كما أقسم بغيرها من مخلوقاته، واختلف في الفجر الذي أقسم الله به هنا فقيل هو الوقت المعروف، وسمي فجراً لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم، قاله علي وابن الزبير، وقال قتادة إنه فجر أول يوم من شهر محرم، لأن منه تنفجر السنة، وقال مجاهد يريد يوم النحر.
وقال الضحاك فجر ذي الحجة لأن الله قرن الأيام به فقال
الفجر 89:2
(وليال عشر) أي ليالي عشر من ذي الحجة، وبه قال السدي والكلبي، وقيل المعنى وصلاة الفجر أو ورب الفجر، والأول أولى، وقال ابن عباس فجر النهار، وعنه قال يعني صلاة الفجر، وعنه قال هو المحرم فجر السنة.
وقد ورد في فضل صوم شهر محرم أحاديث صحيحة، ولكنها لا تدل على أنه المراد بالآية لا مطابقة ولا تضمناً ولا التزاماً، وجواب هذا القسم وما بعده هو قوله (إن ربك لبالمرصاد). قاله ابن الأنباري، وقيل محذوف لدلالة السياق عليه أي ليجازين كل أحد بما عمل أو ليعذبن، وقدره أبو حيان بما دلت عليه خاتمة السورة التي قبله أي والفجر الخ لإِيابهم إلينا وحسابهم علينا، وهذا ضعيف جداً، وأضعف منه قول من قال أن الجواب قوله (هل في ذلك قسم لذي حجر) وأن هل بمعنى قد، لأن هذا لا يصح أن يكون مقسماً عليه أبداً.
وليال عشر هي عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين، وإنما نكرت ولم تعرف لفضيلتها على غيرها لأنها أفضل ليالي السنة، ولو عرفت لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير، فنكرت من بين ما أقسم به للفضيلة التي ليست لغيرها، وقال الضحاك أنها العشر الأواخر من رمضان، وقيل العشر الأول من المحرم إلى عاشرها يوم عاشوراء.
قرأ الجمهور ليال بالتنوين وعشر صفة لها، وقرأ ابن عباس بالإضافة قيل والمراد ليالي أيام عشر، وكان حقه على هذا أن يقال عشرة لأن المعدود مذكر، وأجيب عنه بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان.
وعن جابر مرفوعاً " هي ليالي العشر من ذي الحجة " [[المراد بها عشر ذي الحجة، كما قاله ابن عباس، وابن الزبير، ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف، قال: وقد ثبت في " صحيح البخاري " عن ابن عباس مرفوعاً: " ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله فيهن من هذه الأيام " يعني عشر ذي الحجة، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: " ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجلاً خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء ".]]، أخرجه أحمد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم، وعن طلحة بن عبد الله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة فقال أبو سلمة أليس هذه الليالي العشر التي ذكرها الله تعالى في القرآن؟ فقال ابن عمر وما يدريك قال ما أشك، قال بلى فاشكك.
وقد ورد في فضل هذه العشر أحاديث، وليس فيها ما يدل على أنها المرادة بما في القرآن هنا بوجه من الوجوه، قال ابن عباس هي العشر الأواخر من رمضان.
الفجر 89:3
(والشفع والوتر) هما يعمان الأشياء كلها شفعها ووترها، كالكفر والإيمان، والهدى والضلال، والسعادة والشقاوة، والليل والنهار، والسماء والأرض، والبر والبحر، والشمس والقمر، والجن والإنس، وقيل شفع الليالي ووترها، وقال قتادة الشفع والوتر شفع الصلاة ووترها منها شفع ومنها وتر، وقيل الشفع يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر، وقال مجاهد وعطية العوفي الشفع الخلق والوتر الله الواحد الصمد وبه قال محمد بن سيرين ومسروق وأبو صالح وقتادة، وقال الربيع بن أنس وأبو العالية هي صلاة المغرب فيها ركعتان الموتر الركعة.
وقال الضحاك الشفع عشر ذي الحجة والوتر أيام منى الثلاثة، وبه قال عطاء وقيل هما آدم وحواء لأن آدم كان وتراً فشفع بحواء، وقيل الشفع درجات الجنة وهي ثمان والوتر دركات النار وهي سبع وبه قال الحسين بن الفضل وقيل الشفع الصفا والمروة والوتر الكعبة، وقال مقاتل الشفع الأيام والليالي والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة.
وقال سفيان بن عيينة الوتر هو الله سبحانه، وهو الشفع أيضاً لقوله (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) الآية وقال الحسن المراد بالشفع والوتر العدد كله لأن العدد لا يخلو عنهما، وقيل الشفع مسجد مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس، وقيل الشفع حج القِران والوتر الإفراد، وقيل الشفع الحيوان لأنه ذكر وأنثى والوتر الجماد، وقيل الشفع ما سمي، والوتر ما لم يسم.
ولا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرد الرأي الزائف والخاطر الخاطيء، والذي ينبغي التعويل عليه ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب الزوج، والوتر الفرد.
فالمراد بالآية إما نفسى العدد أو ما يصدق عليه من المعدودات بأنه شفع أو وتر، وإذا قام دليل على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية فإن كان الدليل يدل على أنه المراد نفسه دون غيره فذاك، وإن كان الدليل يدل على أنه مما تناولته هذه الآية لم يكن ذلك مانعاً من تناولها لغيره.
عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر، فقال: " هو الصلاة بعضها شفع وبعضها وتر " أخرجه أحمد والترمذي وغيرهما وفي إسناده رجل مجهول وهو الراوي له عن عمران [[رواه أحمد في " المسند " 4/ 442 من حديث همام عن قتادة عن عمران بن عصام الضبعي أبو عمارة البصري، عن شيخ أهل البصرة، عن عمران بن حصين رضي الله عنه. ورواه أيضاًً الترمذي 2/ 170 من حديث همام عن قتادة به، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة، وقد رواه خالد بن قيس أيضاًً عن قتادة، ورواه ابن جرير الطبري 30/ 172 عن خالد بن قيس عن قتادة به، والحاكم في " المستدرك " 2/ 522 من حديث همام عن قتادة به، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وفيه نظر، لأن الراوي عن عمران بن حصين مجهول، ولم يوثقه إلا ابن حبان. وأورده السيوطي في " الدر " 6/ 346 وزاد نسبته لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن عمران بن حصين رضي الله عنه.]].
وقد روي عن عمران بن عصام عن عمران بن حصين بإسقاطه الرجل المجهول، وقال الترمذي في الرواية الأولى غريب لا نعرفه إلا من حديث قتادة.
قال ابن كثير وعندي أن وقفه على عمران أشبه والله تعالى أعلم، قال ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير هذا الحديث موقوفاً على عمران، فهذا يقوي ما قاله ابن كثير.
وعن جابر مرفوعاً " أن العشر عشر الأضحى، والوتر يوم عرفة والشفع يوم النحر " أخرجه أحمد والنسائي والبزار والحاكم وصححه وغيرهم.
وعن ابن عباس قال كل شيء شفع فهو اثنان، والوتر واحد. وعن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنه سئل عن الشفع والوتر فقال يومان وليلة يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع " أخرجه الطبراني وابن مردويه، قال السيوطي بسند ضعيف.
وعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الشفع اليومان والوتر اليوم الثالث " أخرجه ابن جرير، وعن ابن الزبير قال الشفع قول الله (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) والوتر اليوم الثالث وفي لفظ الوتر أوسط أيام التشريق.
وعن ابن عباس قال الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة.
قرأ الجمهور الوتر بفتح الواو، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بكسرها وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل الحجاز، والكسر لغة تميم. قال الأصمعي كل فرد وتر، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد، وحكى يونس عن ابن كثير أنه قرأ بفتح الواو وكسر التاء فيحتمل أن يكون لغة ثالثة. ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء إجراء للوصل مجرى الوقف.
الفجر 89:4
(والليل إذا يسر) قرأ الجمهور يسر بحذف الياء وصلاً ووقفاً اتباعاً لرسم المصحف، وقرأ نافع وأبو عمرو بحذفها في الوقف وإثباتها في الوصل، وقرأ ابن كثير وابن محيصن ويعقوب بإثباتها فيهما، قال الخليل تسقط الياء منها موافقة لرؤوس الآي، قال الزجاج والحذف أحب إليّ لأنها فاصلة والفواصل تحذف منها الياآت، قال الفراء قد تحذف العرب الياء وتكتفي بكسر ما قبلها.
قال المؤرج سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من (يسري) فقال لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة فبت على باب داره سنة فقال الليل لا يسري وإنما يسرى فيه فهو مصروف عن جهته وكل ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه، ألا ترى إلى قوله (وما كانت أمك بغياً) ولم يقل بغية لأنه صرفها عن باغية.
وفي كلام الأخفش هذا نظر فإن صرف الشيء عن معناه بسبب من الأسباب لا يستلزم صرف لفظه عن بعض ما يستحقه، ولو صح ذلك للزم في كل المجازات العقلية واللفظية، واللازم باطل فالملزوم مثله، والأصل هنا إثبات الياء لأنها لام الفعل المضارع المرفوع ولم تحذف لعلة من العلل إلا لاتباع رسم المصحف وموافقة رؤوس الآي إجراء للفواصل مجرى القوافي.
ومعنى (والليل إذا يسر) إذا يمضي كقوله (والليل إذ أدبر)، (والليل إذا عسعس) وقيل معنى يسر يسار فيه كما يقال ليل نائم ونهار صائم وبهذا قال الأخفش والقتيبي وغيرهما من أهل المعاني، وعلى هذا نسبة السري إلى الليل مجاز والمراد يسرى فيه فهو مجاز في الإسناد بإسناد ما للشيء للزمان كما يسند للمكان، والظاهر أنه مجاز مرسل أو استعارة، وبالأول قال جمهور المفسرين.
وقال قتادة وأبو العالية (والليل إذا يسر) أي جاء وأقبل، وقال النخعي أي استوى، قال عكرمة وقتادة والكلبي ومحمد بن كعب هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله سبحانه، وقيل ليلة القدر لسراية الرحمة فيها واختصاصها بزيادة الثواب، والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي دون أخرى.
قال ابن عباس (إذا يسر) إذا ذهب، ويسر مأخوذ من السري وهو خاص بسير الليل، يقال سريت الليل وسريت به، وقد استعملت العرب سرى في المعاني تشبيهاً لها بالأجسام مجازاً، واتساعاً نحو طاف الخيال وذهب الهم وأخذه الكسل والنشاط.
وقول الفقهاء سرى الجرح إلى النفس معناه دام ألمه حتى حدث منه الموت، وقطع كفه فسرى إلى ساعده أي تعدى أثر الجرح، وسرى التحريم وسرى العتق بمعنى التعدية. وهذه الألفاظ جارية على ألسنة الفقهاء، وليس لها ذكر في الكتب المشهورة لكنها موافقة لما تقدم.
قال الفارابي سرى فيه السم والخمر ونحوهما، وقال السرقسطي سرى عرق السوء من الإنسان، وقال ابن القطاع سرى عليه الهم أتاه ليلاً، وسرى همه ذهب.
هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ (5) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10)
الفجر 89:5
(هل في ذلك قسم) هذا الاستفهام لتقرير تعظيم ما أقسم الله سبحانه به وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة، والإشارة بقوله (ذلك) إلى تلك الأمور. والتذكير بتأويل المذكور، أي هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم أي مقنع ومكتفى في القسم أو مقسم به حقيق بأن يؤكد به الأخبار، وأيا ما كان فما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبة المشار إليه وبعد منزلته في الفضل والشرف.
(لذي حجر) أي عقل ولب، فمن كان ذا عقل ولب علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به، ومثل هذا قوله (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ) قال الحسن: لذي حجر أي لذي حلم، وقال أبو مالك: لذي ستر من الناس، وقال الجمهور: الحجر العقل قال الفراء: الكل يرجع إلى معنى واحد لذي عقل ولذي حلم ولذي ستر، الكل بمعنى العقل.
وأصل الحجر المنع يقال لمن ملك نفسه ومنعها أنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته ومنه حجر الحاكم على فلان أي منعه، قال والعرب تقول إنه لذو حجر إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها، قال ابن عباس لذي حجر لذي حجى وعقل ونهي.
ثم ذكر سبحانه على طريق الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيراً للكفار في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم، وتخويفاً لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال:
الفجر 89:6
(ألم تر كيف فعل ربك بعاد) أي ألم تعلم يا محمد علماً يوازي العيان في الإيقان وهو استفهام تقرير، قرأ الجمهور بتنوين عاد على أن يكون قوله
الفجر 89:7
(إرم ذات العماد) عطف بيان لعاد، والمراد بعاد اسم أبيهم وإرم إسم القبيلة أو بدلاً منه، وامتناع صرف إرم للتعريف والتأنيث، وقيل المراد بعاد أولاد عاد وهم عاد الأولى، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى فيكون ذكر إرم على طريقة عطف البيان أو البدل للدلالة على أنهم عاد الأولى لا عاد الأخرى.
ولا بد من تقدير مضاف على كلا القولين أي أهل إرم أو سبط إرم فإن إرم هو جد عاد، لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وقرأ الحسن وأبو العالية بإضافة عاد إلى إرم، وقرأ الجمهور إرم بكسر الهمزة وفتح الراء والميم، وقرىء بفتح الهمزة والراء وقرأ معاذ بسكون الراء تخفيفاً وقرىء بإضافة إرم إلى ذات العماد.
وقال مجاهد: من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالإِرم التي هي الأعلام واحدها أرم. وفي الكلام تقديم وتأخير أي والفجر وكذا وكذا إن ربك لبالمرصاد ألم تر أي ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد، وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو لكل من يصلح له.
وقد كان أمر عاد وثمود مشهوراً عند العرب، لأن ديارهم متصلة بديار العرب، وكانوا يسمعون من أهل الكتاب أمر فرعون.
وقال مجاهد أيضاً إرم أمة من الأمم، وقال قتادة هي قبيلة من عاد، وقيل هما عادان فالأولى هي إرم، قال معمر إرم إليه مجتمع عاد وثمود وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود وكانت القبيلتان تنسب إلى إرم، قال أبو عبيدة هما عادان فالأولى إرم.
ومعنى ذات العماد ذات القوة والشدة مأخوذ من قوة الأعمدة، كذا قال الضحاك وقال قتادة ومجاهد أنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم، وقال مقاتل ذات العماد يعني طولهم، وكان طول الرجل منهم إثني عشر ذراعاً، يقال رجل طويل العماد أي القامة.
قال أبو عبيدة ذات العماد ذات الطول، يقال رجل معمد إذا كان طويلاً، وقال مجاهد وقتادة أيضاًً كان عماداً لقومهم يقال فلان عميد القوم وعمودهم أي سيدهم، وقال ابن زيد ذات العماد يعني إحكام البنيان بالعمد.
قال في الصحاح: والعماد الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث، وقال عكرمة وسعيد المقبري: هي دمشق، وعن مالك مثله، وقال محمد بن كعب: هي الاسكندرية، قال ابن عباس يعني بالإرم الهالك، ألا ترى أنك تقول إرم بنو فلان، وذات العماد يعني طولهم مثل العماد.
وعن المقدام بن معد يكرب عن النبي صلى الله عليه وسلم: " أنه ذكر إرم ذات العماد فقال كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة فيحملها على كاهله فيلقيها على أي حي أراد فيهلكهم " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه وفي إسناده رجل مجهول لأن معاوية بن صالح رواه عمن حدثه عن المقدام.
الفجر 89:8
(التي لم يخلق مثلها في البلاد) هذه صفة لعاد أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والشدة والقوة وهم الذين قالوا (من أشد منا قوة) أو صفة للقرية على قول من قال أن إرم اسم لقريتهم أو للأرض التي كانوا فيها، والأول أولى ويدل عليه قراءة أبيّ بن كعب (التي لم يخلق مثلهم في البلاد) وقيل الإِرم الهلاك قال الضحاك إرم ذات العماد أي أهلكهم فجعلهم رميماً، وبه قال شهر بن حوشب.
وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ذات العماد اسم مدينة مبنية بالذهب والفضة قصورها ودورها وبساتينها وأن حصباءها جواهر، وترابها مسك، وليس بها أنيس ولا فيها ساكن من بني آدم وأنها لا تزال تنتقل من موضع إلى موضع تارة تكون باليمن وتارة تكون بالشام وتارة تكون بالعراق وتارة تكون بسائر البلاد. وهذا كذب بحت لا ينفق [[لا يروج.]] على من له أدنى تمييز.
وزاد الثعلبي في تفسيره فقال أن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية دخل هذه المدينة، وهذا كذب على كذب، وافتراء على افتراء.
وقد أصيب الإسلام وأهله بداهية دهياء وفاقرة عظمى. ورزية كبرى من أمثال هؤلاء الكذابين الدجالين الذين يجترئون على الكذب تارة على بني إسرائيل وتارة على الأنبياء وتارة على الصالحين، وتارة على رب العالمين، وتضاعف هذا الشر وزاد كثرة بتصدر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ضعيفها بل موضوعها للتصنيف والتفسير للكتاب العزيز فأدخلوا هذه الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله سبحانه، فحرفوا وغيروا وبدلوا، ومن أراد أن يقف على بعض ما ذكرنا فلينظر في كتاب الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة للشوكاني.
قال الحافظ ابن كثير لا تغتر بما ذكر جماعة من المفسرين من ذكر مدينة يقال لها إرم ذات العماد فإن ذلك كله من خرافات الإسرائيليين من وضع الزنادقة منهم ليختبروا بذلك عقول الجهلة من الناس، فهذا وأمثاله مختلق لا حقيقة له.
وأما قوله تعالى فالمراد من الآية إنما هو الإخبار عن هلاك القبيلة المسماة بعاد الذين أرسل الله فيهم هوداً فكذبوه فأهلكهم الله، وإرم عطف بيان لعاد أو بدل منه للإعلام بأنهم عاد الأولى فسموا باسم جدهم إرم كما يقال لبني هاشم " هاشم " لأن عاد هو ابن عوض بن إرم سام بن نوح، وقيل إرم اسم بلدتهم وأرضهم بالتقدير بعاد أهل إرم كقوله تعالى (واسأل القرية) أي أهلها وذات العماد إن كان صفة للقبيلة فمعناها أنهم أصحاب خيام لها أعمدة يظعنون بها، أو هو كناية عن طول أجسامهم وتشبيهها بالأعمدة، وإن كان صفة للبلدة فمعناه أنها ذات عمد من الحجارة.
وتعقب هذا القول بأنه لو كان ذلك مراداً لقال التي لم يعمل مثلها في البلاد وإنما قال (لم يخلق) فالقول الأول هو الصواب انتهى، وبه قال شيخ الإسلام نجم الدين محمد الغيظي رحمه الله تعالى.
قال عبد الرحمن بن خلدون في كتاب العبر بعد ذكر أغلاط المؤرخين:
وأبعد من ذلك وأغرق في الوهم ما يتناقله المفسرون في تفسير سورة والفجر في قوله تعالى (إرم ذات العماد) فيجعلون لفظة إرم إسماً لمدينة وصفت بأنها ذات عماد أي أساطين وهي كذا وكذا ذكر ذلك الطبري والثعالبي والزمخشري وغيرهم من المفسرين، وينقلون عن عبد الله ابن قلابة من الصحابة أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها الخ وهذه المدينة لم يسمع لها خبر من يومئذ في شيء من بقاع الأرض، وصحارى عدن التي زعموا أنها بنيت فيها هي في وسط اليمن وما زال عمرانه متعاقباً والأدلاء تقص طرقه ولم ينقل عن هذه المدينة خبر. ولا ذكرها أحد من الإخباريين، ولا من الأمم، ولو قالوا أنها درست فيما درس من الآثار لكان أشبه إلا أن ظاهر كلامهم أنها موجودة، وبعضهم يقول أنها دمشق بناء على أن قوم عاد ملكوها، وقد ينتهي الهذيان ببعضهم إلى أنها غائبة، وإنما يعثر عليها أهل الرياضة والسحر، مزاعم كلها أشبه بالخرافات.
والذي حمل المفسرين على ذلك ما اقتضته صناعة الأعراب في لفظة ذات العماد أنها صفة إرم وحملوا العماد على الأساطين فتعين أن يكون بناء، ورشح لهم ذلك قراءة ابن الزبير عاد إرم على الإضافة من غير تنوين ثم وقفوا على تلك الحكايات التي هي أشبه بالأقاصيص الموضوعة التي هي أقرب إلى الكذب المنقولة في عداد المضحكات، وإلا فالعماد هي عماد الأخبية بل الخيام وإن أريد بها الأساطين فلا بدع وصفهم بأنه أهل بناء وأساطين على العموم بما اشتهر من قوتهم لا إنه بناء خاص في مدينة معينة كما تقول قريش كنانة والياس مضر، وربيعة نزار، وأي ضرورة إلى هذا المحمل البعيد الذي تمحل لتوجيهه لأمثال هذه الحكايات الواهية التي ينزه كتاب الله تعالى عن مثلها لبعدها عن الصحة انتهى كلامه.
ثم عطف سبحانه. القبيلة الآخرة وهي ثمود على قبيلة عاد فقال
الفجر 89:9
(وثمود) هم قوم صالح سموا باسم جدهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح. قرأ الجمهور ثمود بمنع الصرف على أنه إسم للقبيلة ففيه التأنيث والتعريف، وقرأ يحيى بن وثاب بالصرف على أنه اسم لأبيهم.
(الذين جابوا الصخر) أي قطعوه وقال ابن عباس: خرقوه والجوب القطع ومنه جاب البلاد إذا قطعها، ومنه سمي جيب القميص لأنه جيب أي قطع، قال المفسرون أول من نحت الجبال والصخور ثمود فبنوا من المدائن ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومنه قوله سبحانه (وتنحتون من الجبال بيوتاً آمنين) وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون تلك الأنقاب بيوتاً يسكنون فيها.
وقوله (بالواد) متعلق بجابوا أو بمحذوف على أنه حال من الصخر وهو وادي القرى، وهو موضع بقرب المدينة من جهة الشام، وقيل الوادي بين جبال، وكانوا ينقبون في تلك الجبال بيوتاً ودوراً وأحواضاً وكل منفرج بين جبال أو تلال يكون مسلكاً للسيل ومنفذاً فهو واد، وقرأ الجمهور بالواد بحذف الياء وصلاً ووقفاً إتباعاً لرسم المصحف، وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما وقرىء بإثباتها في الوصل دون الوقف.
الفجر 89:10
(وفرعون ذي الأوتاد) أي ذي الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدونها بالأوتاد أو جعل الجنود والجيوش والجموع أنفسهم أوتاداً لأنهم يشدون الملك كما تشد الأوتاد الخيام، وقيل كان له أوتاد يعذب الناس بها ويشدهم إليها، والوتد بكسر التاء في لغة الحجاز وهي الفصحى وجمعه أوتاد، وفتح التاء لغة، وأهل نجد يسكنون التاء قال ابن عباس الأوتاد الجنود الذين يشدون له أمره.
وقال ابن مسعود: وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاداً ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت.
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (17) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (18) وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا (19) وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا (20) كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21)
الفجر 89:11
(الذين طغوا في البلاد) الموصول صفة لعاد وثمود وفرعون أي طغت كل طائفة منهم في بلادهم وتمردت وعتت، والطغيان مجاوزة الحد، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين طغوا أو في محل نصب على الذم.
الفجر 89:12
(فأكثروا فيها الفساد) بالكفر ومعاصي الله والجور على عباده
الفجر 89:13
(فصب) أي أفرغ (عليهم ربك) وألقى على تلك الطوائف (سوط عذاب) وهو ما عذبهم به قال الزجاج جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب، يقال صب على فلان خلعة أي ألقاها عليه، ومعنى سوط عذاب نصيب عذاب أو نوع من العذاب. فأهلكت عاد بالريح وثمود بالصيحة وفرعون بالغرق (فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).
وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعده لهم في الآخرة كالسوط إذا قيس إلى سائر ما يعذب به، وقيل ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به.
وقال الفراء هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب. وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب، وقيل معناه عذاب يخالط اللحم والدم من قولهم ساطه يسوطه سوطاً أي خلطه فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض، والأولى أنه مجاز واستعارة عن إيقاع العذاب بهم على أبلغ الوجوه وأكملها إذ الصب يشعر بالدوام والسوط بزيادة الإيلام أي عذبوا عذاباً مؤلماً دائماً.
وقوله:
الفجر 89:14
(إن ربك لبالمرصاد) تعليل لما قبله إيذاناً بأن كفار قومه عليه السلام سيصيبهم مثل ما أصاب المذكورين من العذاب كما ينبىء عنه التعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام.
وقد قدمنا قول من قال أن هذا جواب القسم، وبه قال ابن مسعود، والأولى أن الجواب محذوف والمعنى أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيراً وبالشر شراً ففيه استعارة تمثيلية قال الحسن وعكرمة أي عليه طريق العباد لا يفوته أحد، والرصد والمرصاد الطريق.
وقد تقدم بيانه في سورة براءة، وقد تقدم أيضاًً عند قوله: (إن جهنم كانت مرصاداً) وقال ابن عباس: بالمرصاد أي يسمع ويرى، وقال ابن مسعود في الآية من وراء الصراط جسور جسر عليه الأمانة وجسر عليه الرحم وجسر عليه الرب عز وجل.
ولما ذكر سبحانه أنه ذكر ما يدل على اختلاف أحوال عباده عند إصابة الخير وعند إصابة الشر، وإن مطمح أنظارهم ومعظم مقاصدهم هو الدنيا فقال:
الفجر 89:15
(فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه) أي اختبره وامتحنه بالنعم (فأكرمه ونعمه) أي أكرمه بالمال ووسع عليه رزقه (فيقول ربي أكرمن) فرحاً بما نال وسروراً بما أعطي، غير شاكر لله على ذلك ولا خاطر بباله أن ذلك امتحان له من ربه واختبار لحاله، وكشف ما يشتمل عليه من الصبر والجزع والشكر للنعمة وكفرانها، وأما هنا لمجرد التأكيد لا لتفصيل المجمل مع التأكيد، وما في (إذا ما) زائدة، وقوله فأكرمه ونعمه تفسير للإبتلاء.
ومعنى أكرمن أي فضلني بما أعطاني من المال وأسبغه عليَّ من النعم لمزيد استحقاقي لذلك وكوني موضعاً له، ودخلت الفاء فيه لتضمن " أما " معنى الشرط أي فأما الإنسان فيقول ربي أكرمن وقت ابتلائه بالإنعام، قال الكلبي الإنسان هنا هو الكافر، أبيّ بن خلف، وقال مقاتل نزلت في أمية بن خلف وقيل نزلت في عتبة ابن ربيعة وأبي حذيفة بن المغيرة.
الفجر 89:16
(وأما إذا ما ابتلاه) أي اختبره وعامله معاملة من يختبره (فقدر عليه رزقه) أي ضيقه ولم يوسعه له ولا بسط له فيه (فيقول ربي أهانن) أي أولاني هواناً، وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث لأنه لا كرامة عنده إلا الدنيا والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلا فوتها وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته ويوفقه لعمل الآخرة.
ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير وما أصيب به من الشر في الدنيا ليس إلا للاختبار والإمتحان، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل عند الله جناح بعوضة ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء.
قرىء بإثبات الياء في أكرمن وأهانن وصلاً، وحذفها وقفاً، وقرىء بإثباتها فيهما، وقرىء بحذفها في الوصل والوقف اتباعاً لرسم المصحف وموافقة لرؤوس الآي، والأصل إثباتها لأنها اسم، وقرأ الجمهور (فقدر) بالتخفيف وقرىء بالتشديد وهما لغتان، وقرىء ربي بفتح الياء في الموضعين وبسكونها فيهما.
وقوله:
الفجر 89:17
(كلا) ردع للإنسان القائل في الحالتين ما قال وزجر له، فإن الله سبحانه قد يوسع الرزق ويبسط النعم للإنسان لا لكرامته، ويضيقه عليه لا لإهانته بل للإختبار والإمتحان كما تقدم ونحوه قوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة) قال الفراء " كلا " في هذا الموضع بمعنى أنه لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا ولكن يحمد الله على الغنى والفقر.
ثم انتقل سبحانه من بيان سوء أقوال الإنسان إلى بيان سوء أفعاله فقال:
(بل لا تكرمون اليتيم) والالتفات إلى الخطاب لقصد التوبيخ والتقريع على قراءة الجمهور بالفوقية، وقرىء بالتحتية على الخبر، وهكذا اختلفوا فيما بعد هذا من الأفعال، فقرأ الجمهور تحضون وتأكلون وتحبون بالفوقية على الخطاب فيها، وقرىء بالتحتية فيها والجمع في هذه الأفعال باعتبار معنى الإنسان لأن المراد به الجنس أي بل لكم أفعال هي أقبح مما ذكر، وهي أنكم تتركون إكرام اليتيم فتأكلون ماله وتمنعونه من فضل أموالكم، قال مقاتل نزلت في قدامة بن مظعون وكان يتيماً في حجر أميَّة ابن خلف.
الفجر 89:18
(ولا تحاضون على طعام المسكين) قرأ الجمهور تحضون من حضه على كذا أي أغراه به ومفعوله محذوف أي لا تحضون أنفسكم أو لا يحض بعضكم بعضاً على ذلك ولا يأمر به ولا يرشد إليه، وقرىء تحاضون وأصله تتحاضون أي لا يحض بعضكم بعضاً وقرىء تحاضون بضم التاء من الحض وهو الحث، والطعام إما اسم مصدر أي على إطعام المسكين أو اسم للمطعوم على حذف مضاف أي على بذل أو على إعطاء طعام المسكين.
الفجر 89:19
(وتأكلون التراث) أصله الوراث فأبدلت التاء من الواو المضمومة كما في تجاه ووجاه، والمراد به أموال اليتامى الذين يرثونه من قراباتهم، وكذلك أموال النساء وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء والصبيان ويأكلون أموالهم (أكلاً لماً) أي أكلاً شديداً، وقيل معنى " لماً " جمعاً من قولهم لممت الطعام إذا أكلته جميعاً، قال الحسن: يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وكذا قال أبو عبيدة.
وأصل اللّم في كلام العرب الجمع يقال لممت الشيء ألمّه لمّاً جمعته، ومنه قولهم لَمَّ الله شعثه أي جمع ما تفرق من أموره، قال الليث: اللّم الجمع الشديد، ومنه حجر ملموم وكتيبة ملمومة، والآكل يلم الثريد فيجمعه ثم يأكله وقال مجاهد: يسفه سفاً وقال ابن زيد: هو إذا أكل ماله ألم بمال غيره فأكله ولا يفكر فيما أكل من خبيث وطيب قال ابن عباس: " لماً " سفاً وعنه قال شديداً.
وكان حكم الإرث عندهم من بقايا شريعة إسماعيل أو مما هو معلوم لهم وثابت عندهم بطريق عادتهم، فلا يقال السورة مكية وآية المواريث مدنية ولا يعلم الحل والحرمة إلا من الشرع.
الفجر 89:20
(وتحبون المال حباً جماً) أي حباً كثيراً، والجم الكثير، يقال جم الماء في الحوض إذا كثر واجتمع، والجمة المكان الذي يجتمع فيه الماء، وقال ابن عباس جماً شديداً.
ثم كرر سبحانه الردع لهم والزجر فقال
الفجر 89:21
(كلا) أي ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم ثم استأنف سبحانه فقال: (إذا دكت الأرض دكاً دكاً) وفيه وعيد لهم بعد الردع والزجر، والدك الكسر والدق والمعنى هنا أنها زلزلت وحركت تحريكاً بعد تحريك، قال ابن قتيبة: دكت جبالها حتى استوت، قال الزجاج: أي تزلزلت فدك بعضها بعضاً قال المبرد أي بسطت وذهب ارتفاعها قال والدك حط المرتفع بالبسط.
وقد تقدم الكلام على الدك في سورة الأعراف وفي سورة الحاقة، والمعنى أنها دكت مرة بعد أخرى، ونصب دكاً الأول على أنه مصدر مؤكد للفعل، ودكاً الثاني تأكيد للأول، وكذا قال ابن عصفور.
ويجوز أن يكون النصب على الحال، والمعنى حال كونها مدكوكة مرة بعد مرة، كما يقال: علمته الحساب باباً باباً، وعلمته الخط حرفاً حرفاً، والمعنى أنه كرر الدك عليها حتى صارت (هباء منبثاً) قال ابن عباس يعني تحريكها.
وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)
الفجر 89:22
(وجاء ربك) أي جاء أمره وقضاؤه وظهرت آياته وقيل المعنى أنها زالت الشبه في ذلك اليوم وظهرت المعارف وصارت ضرورية كما يزول الشك عند برء الشيء الذي كان يشك فيه، وقيل جاء قهر ربك وسلطانه وانفراده بالأمر والتدبير من دون أن يجعل إلى أحد من عباده شيئاًً من ذلك، وقيل تمثيل لظهور آيات اقتداره وتبين آثار قهره وسلطانه، وقيل جاء أمر ربك بالمحاسبة والجزاء وقيل غير ذلك.
والحق أن هذه الآية من آيات الصفات التي سكت عنها وعن مثلها عامة سلف الأمة وأئمتها وبعض الخلف فلم يتكلموا فيها، بل أجروها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تأويل ولا تحريف ولا تعطيل، وقالوا يلزمنا الإيمان بها وإجراؤها على ظاهرها، والتأويل ديدن المتكلمين ودين المتأخرين، وهو خلاف ما عليه جمهور السلف الصالحين.
وقوله (والملك صفاً صفاً) منتصب على الحال أي مصطفين أو ذوي الصفوف، قال عطاء يريد صفوف الملائكة وأهل كل سماء صف على حدة قال الضحاك أهل كل سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفاً محيطين بالأرض ومن فيها فيكونون سبعة صفوف.
الفجر 89:23
(وجيء يومئذ) منصوب بجيء والقائم مقام الفاعل قوله: (بجهنم) وجوز مكي أن يكون يومئذ هو القائم مقام الفاعل وليس بذاك، قال الواحدي قال جماعة المفسرين جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه يقول: يا رب نفسي نفسي.
وهذا الذي نقله عن جماعة المفسرين قد أتى مرفوعاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أخرج مسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها " [[صحيح مسلم 4/ 2184.]] وعلى هذا فالآية مجراة على ظاهرها وقيل المعنى أنها برزت لأهلها كقوله: (وبرزت الجحيم للغاوين) والأول أولى.
(يومئذ) بدل من يومئذ الذي قبله أي يوم جيء بجهنم (يتذكر الإنسان) أي يتعظ ويذكر ما فرط منه ويندم على ما قدمه في الدنيا من الكفر والمعاصي، وقيل إن قوله: (يومئذ) الثاني بدل من قوله (إذا دكت) والعامل فيهما هو قوله: يتذكر الإنسان (وأنى له الذكرى) أي ومن أين له التذكرة والاتعاظ. وقيل هو على حذف مضاف أي ومن أين له منفعة الذكرى، قال الزجاج: يظهر التوبة ومن أين له التوبة.
الفجر 89:24
(يقول يا ليتني قدمت لحياتي) بدل اشتمال من يتذكر أو مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل ماذا يقول الإنسان فقيل يقول الخ والمعنى أنه يتمنى أنه قدم الخير والعمل الصالح لأجل حياته. والمراد حياة الآخرة فإنها الحياة بالحقيقة، لأنها دائمة غير منقطعة، وقيل أن اللام بمعنى في، والمراد حياة الدنيا أي يا ليتني قدمت الأعمال الصالحة في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها يوم القيامة، والأول أولى، قال الحسن علم والله أنه صادف حياة طويلة لا موت فيها.
الفجر 89:25
(فيومئذ) أي يوم يكون زمان ما ذكر من الأحوال (لا يعذب عذابه أحد
الفجر 89:26
ولا يوثق وثاقه أحد) أي لا يعذب كعذاب الله أحد، ولا يوثق كوثاقه ولا يتولى عذاب الله ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله له، والضميران في عذابه ووثاقه لله عز وجل، وهذا على قراءة الجمهور يعذب ويوثق مبنيين للفاعل، وقرىء على البناء للمفعول فيهما فيكون الضميران راجعين إلى الإنسان أي لا يعذب كعذاب ذلك الإنسان أحد ولا يوثق كوثاقه أحد، والمراد بالإنسان الكافر أي لا يعذب من ليس بكافر كعذاب الكافر، وقيل إبليس وقيل المراد به أبيّ بن خلف.
قال الفراء المعنى أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد، لتناهيه في الكفر والعناد، وقيل المعنى إنه لا يعذب مكانه أحد ولا يوثق مكانه أحد فلا تؤخذ منه فدية وهو كقوله؛ (ولا تزر وازرة وزر أخرى) والعذاب بمعنى التعذيب والوثاق بمعنى التوثيق.
واختار أبو عبيد وأبو حاتم قراءة المبني للمفعول وقالا تكون الهاء في الموضعين ضميراً لكافر لأنه معروف أنه لا يعذب كعذاب الله أحد، وقال أبو علي الفارسي يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي لا يعذب أحد أحداً مثل تعذيب هذا الكافر.
ولما فرغ سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال السعداء فقال:
الفجر 89:27
(يا أيتها النفس المطمئنة) والقائل هو الله سبحانه إكراماً للمؤمن كما كلم موسى، أو الملك، وإنما يقال لها ذلك عند الموت أو البعث أو عند دخول الجنة، والنفس المطمئنة هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شك ولا يعتريها ريب.
قال الحسن هي المؤمنة الموقنة، وقال مجاهد الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن لصيبها وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها، وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة. وقال ابن كيسان المطمئنة بذكر الله تعالى وقيل المخلصة، قال ابن زيد المطمئنة لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث، وقال ابن عباس المطمئنة المؤمنة.
الفجر 89:28
(إرجعي إلى ربك راضية) بالثواب الذي أعطاك (مرضية) عنده.
والمعنى ارجعي إلى الله وقيل إلى موعده وقيل إلى أمره، وقال عكرمة وعطاء إلى جسدك الذي كنت فيه، واختاره ابن جرير، ويدل على هذا قراءة ابن عباس
الفجر 89:29
(فادخلي في عبدي) بالإفراد والأول أولى.
قال القفال: هذا وإن كان أمراً في الظاهر فهو خبر في المعنى، والتقدير أن النفس إذا كانت مطمئنة رجعت في القيامة إلى الله بسبب هذا الأمر. قال ابن عباس: " نزلت هذه الآية وأبو بكر جالس، فقال: يا رسول الله ما أحسن هذا فقال أما أنه سيقال لك هذا " أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة، وعن سعيد بن جبير نحوه مرسلاً، وعن أبي بكر الصديق نحوه.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: (يا أيتها النفس المطمئنة) قال هو النبي صلى الله عليه وسلم، وعنه قال: المطمئنة المصدقة، وعنه قال ترد الأرواح يوم القيامة في الأجساد، وعنه قال: راضية بما أعطيت من الثواب، مرضية عنها بعملها.
(فادخلي في عبادي) المؤمنين أي في زمرة عبادي الصالحين وكوني من جملتهم، وانتظمي في سلكهم: وهذا يشعر بأن النفس بمعنى الذات، ويجوز أن تكون بمعنى الروح كما أشار له البيضاوي
الفجر 89:30
(وادخلي جنتي) معهم قيل أنه يقال لها ارجعي إلى ربك عند خروجها من الدنيا ويقال لها ادخلي في عبادي وادخلي جنتي يوم القيامة.
وأتى بالفاء فيما لم يتراخ عن الموت وبالواو فيما يتراخى عنه.
والمراد بالآية كل نفس مطمئنة على العموم لأن السورة مكية ولا ينافي ذلك نزولها في نفس معينة فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
عن سعيد بن جبير قال: " مات ابن عباس في الطائف فجاء طير لم ير على خلقته فدخل نعشه ثم لم ير خارجاً منه، فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً). الآية أخرجه ابن أبي حاتم والطبراني، وعن عكرمة مثله، أخرجه أبو نعيم في الدلائل.
البلد 90:1
سورة البلد
ويقال سورة لا أقسم وهي عشرون آية وهي مكية بلا خلاف، عن ابن عباس قال نزلت بمكة وعن ابن الزبير مثله.
بسم الله الرحمن الرحيم
لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ (4) أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ (5) يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9)
(لا أقسم بهذا البلد) قد تقدم الكلام على هذا في تفسير (لا أقسم بيوم القيامة) ولا زائدة ومن زيادة لا في الكلام في غير القسم قول الشاعر:
تذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتصدع
أي يتصدع، ومن ذلك قوله تعالى: (ما منعك أن لا تسجد) أي أن تسجد، قال الواحدي: أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة، وبه قال ابن عباس: قرأ الجمهور لا أقسم وقرىء لأقسم من غير ألف، وقيل هو نفي للقسم.
والمعنى لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه، وقال مجاهد إن " لا " رد على من أنكر البعث ثم ابتدأ فقال: " أقسم " والمعنى ليس الأمر كما تحسبون والأول أولى.
والمعنى أقسم بالبلد الحرام وقال الواسطي: أن المراد بالبلد المدينة وهو مع كونه خلاف إجماع المفسرين هو أيضاًً مدفوع بكون السورة مكية لا مدنية، ومكة جعلها الله تعالى: (حراماً آمناً) (ومثابة للناس) وجعل مسجدها قبلة لأهل المشرق والمغرب، وشرفه بمقام إبراهيم وحرم فيه الصيد، وجعل البيت المعمور بإزائه، ودحيت الأرض من تحته فهذه الفضائل وغيرها لما اجتمعت في مكة دون غيرها أقسم بها.
البلد 90:2
(وأنت حل بهذا البلد) البلد يذكر ويؤنث والجمع بلدان، والبلدة البلد وجمعها بلاد مثل كلبة وكلاب، وقال الواحدي الحل والحلال والمحل واحد، وهو ضد الحرام، أحل الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح حتى قاتل وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي ولم تحل لي إلا ساعة من نهار ".
قال والمعنى أن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة دل ذلك على عظيم قدرها مع كونها حراماً فوعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يحلها له حتى يقاتل فيها ويفتحها على يده فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلاً انتهى.
فالمعنى وأنت حل بهذا البلد في المستقبل كما في قوله: (إنك ميت وإنهم ميتون) قال النسفي رحمه الله وكفاك دليلاً قاطعاً على أنه للإستقبال وإن تفسيره بالحال محال أن السورة مكية بالإتفاق، وأين الهجرة من وقت نزولها، فما بال الفتح انتهى.
قال مجاهد المعنى ما صنعت فيه من شيء فأنت حل، قال قتادة أنت حل به لست بآثم يعني أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر والمعاصي.
وقيل المعنى لا أقسم بهذا البلد وأنت حال به ومقيم فيه وهو محلك، فعلى القول بأن لا نافية غير زائدة يكون المعنى لا أقسم به وأنت حال به فأنت أحق بالإقسام بك، وعلى القول بأنها زائدة يكون المعنى أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به تشريفاً لك وتعظيماً لقدرك لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيماً شريفاً، وزاد على ما كان عليه من الشرف والعظم.
ولكن هذا إذا تقرر في لغة الغرب أن لفظ حل يجيء بمعنى حال، وكما يجوز أن تكون الجملة معترضة يجوز أن تكون في محل نصب على الحال.
قال ابن عباس في الآية يعني بذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحل الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء ويستحيي من شاء فقتل يومئذ ابن خطل صبراً وهو آخذ بأستار الكعبة فلم يحل لأحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل فيها حراماً حرمه الله فأحل الله ما صنع بأهل مكة، وعنه فيها قال أنت يا محمد يحل لك أن تقاتل فيه وأما غيرك فلا.
وعن أبي برزة الأسلمي قال: " نزلت هذه الآية فيَّ خرجت فوجدت عبد الله ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة فضربت عنقه بين الركن والمقام " أخرجه ابن مردويه.
وقوله:
البلد 90:3
(ووالد وما ولد) عطف على البلد قال قتادة ومجاهد والضحاك والحسن وأبو صالح: ووالد أي آدم وما ولد أي وما تناسل من ولده، ومثله عن ابن عباس.
وأقسم بهم لأنهم أعجب ما خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والعقل والتدبير، واستخراج العلوم، وفيهم الأنبياء والأولياء والصالحون والدعاة إلى الله والانتصار لدينه، وكل ما في الأرض من مخلوق لأجلهم، وأمر الملائكة بالسجود لآدم وعلمه الأسماء كلها، فيكون قد أقسم بجميع الآدميين صالحهم وطالحهم.
وقيل هو قسم بآدم والصالحين من ذريته، وأما الطالحون فكأنهم ليسوا من أولاده وكأنهم بهائم، وفائدة التنكير في (والد) التعجب والمدح، قاله الرازي.
وقال أبو عمران الجوني (الوالد) إبراهيم عليه السلام (وما ولد) ذريته، قال الفراء إن (ما) عبارة عن الناس كقوله: (ما طاب لكم) وقيل الوالد إبراهيم والولد إسماعيل ومحمد صلى الله عليه وآله وسلم، وقال عكرمة وسعيد بن جبير (ووالد) يعني الذي يولد له (وما ولد) يعني العاقر الذي لا يولد له وكأنهما جعلا (ما) نافية هو بعيد ولا يصح ذلك إلا بإضمار الموصول أي ووالد والذي ما ولد ولا يجوز إضمار الموصول عند البصريين، وقال عطية العوفي هو عام في كل والد ومولود من جميع الحيوانات واختار هذا ابن جرير.
وعن ابن عباس (الوالد) الذي يلد (وما ولد) العاقر لا يلد من الرجال والنساء، وقد استدل بعض الجهال بهذه الآية على جواز الاحتفال لمولده صلى الله عليه وسلم، وهذا تحريف لمعاني كتاب الله لم يذهب إليه أحد من المفسرين بل هو خلاف إجماع المسلمين.
البلد 90:4
(لقد خلقنا الإنسان في كبد) هذا جواب القسم، والإنسان هو هذا النوع الإنساني والكبد الشدة والمشقة، يقال كابدت الأمر قاسيت شدته، والإنسان لا يزال في مكابدة الدنيا ومقاساة شدائدها حتى يموت.
قال ذو النون لم يزل مربوطاً بحبل القضاء، مدعواً إلى الائتمار والانتهاء، وأصل الكبد الشدة ومنه تكبد اللبن إذا اشتد وغلظ، ويقال كبد الرجل إذا وجعت كبده ثم استعمل في كل مشقة وشدة، قال الحسن يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة وقال أيضاًً يكابد الشكر على السراء ويكابد الصبر على الضراء لا يخلو عن أحدهما.
قال الكلبي: نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يقال له أبو الأشدين وكان يأخذ الأديم العكاظي ويجعله تحت رجليه ويقول من أزالني عنه فله كذا فيجذبه عشرة حتى يتمزق ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبي صلى الله عليه وسلم وفيه نزل:
البلد 90:5
(أيحسب أن لن يقدر عليه أحد) يعني لقوته ويكون معنى في كبد على هذا في شدة خلق، وقيل معنى في كبد أنه جريء القلب غليظ الكبد، وقال ابن عباس في كبد في اعتدال وانتصاب، وعنه قال في نصب، وعنه قال في شدة، وقال أيضاًً في شدة خلق ولادته ونبت أسنانه ومعيشته وختانه.
وقال أيضاًً: خلق الله كل شيء يمشي على أربعة إلا الإنسان فإنه خلق منتصباً، وقال أيضاًً منتصباً في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأم أو اضطجعت رفع رأسه، لولا ذلك لغرق في الدم، والكبد الاستواء والاستقامة فهذا امتنان عليه في الخلقة ولم يخلق الله جل جلاله دابة في بطن أمها إلا منكبة على وجهها إلا ابن آدم فإنه منتصب انتصاباً.
قال اليماني: لم يخلق الله خلقاً يكابد ما يكابد ابن آدم وهو مع ذلك أضعف الخلق.
قال العلماء: أول ما يكابد قطع سرته، ثم إذا قمط قماطاً وشدد عليه يكابد الضيق والتعب، ثم يكابد الارتضاع ولو فاته لضاع، ثم يكابد نبت أسنانه وتحريك لسانه ثم يكابد الفطام الذي هو أشد من اللطام ثم يكابد الختان والأوجاع والأحزان ثم يكابد المعلم وصولته والمؤدب وسياسته، والأستاذ وهيبته، ثم يكابد شغل التزويج والتعجيل فيه والترويج ثم يكابد شغل الأولاد والخدم والأجناد ثم يكابد شغل الدور وبناء القصور ثم الكبر والهرم وضعف الركبة والقدم، في مصائب يكثر تعدادها ونوائب يطول إيرادها من صداع الرأس ووجع الأضراس، ورمد العين وغم الدين ووجع السن، وألم الأذن ويكابد محناً من المال والنفس مثل الضرب والحبس ولا يمضي عليه يوم إلا يقاسي فيه شدة ويكابد مشقة ثم الموت بعد ذلك كله ثم سؤال الملك وضغطة القبر وظلمته ثم البعث والعرض على الله تعالى إلى أن يستقر به القرار إما في جنة وإما في نار.
فلو كان الأمر إليه لما اختار هذه الشدائد ودل على أن له خالقاً دبره وقضى عليه بهذه الأحوال فليمتثل أمره، ذكره القرطبي.
(أيحسب) الإنسان (أن لن يقدر عليه أحد) أي أيظن ابن آدم أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد أو يظن أبو الأشدين أن لن يقدر عليه أحد، وأن هي المخففة من الثقيلة واسمها ضمير شأن مقدر.
ثم أخبر سبحانه عن مقال هذا الإنسان فقال:
البلد 90:6
(يقول) مفتخراً (أهلكت مالاً لبداً) أي كثيراً مجتمعاً بعضه على بعض، قال الليث مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته، قال الكلبي ومقاتل: يقول أهلكت في عداوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم مالاً كثيراً، وفي أبي السعود يريد كثرة ما أنفقه فيما كان أهل الجاهلية يسمونه مكارم ويدعونه معالي ومفاخر.
وقال مقاتل نزلت في الحرث بن عامر بن نوفل أذنب فاستفتى النبي صلى الله عليه وسلم فأمره أن يكفر فقال لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
قرأ الجمهور (لبداً) بضم اللام وفتح الباء مخففاً وقرىء بضمها بالتخفيف وقرىء بضم اللام وفتح الباء مشدداً قال أبو عبيدة لبد فعل من التلبيد وهو المال الكثير بعضه على بعض، قال الزجاج: فعل للكثرة يقال رجل حطم إذا كان كثير الحطم، قال الفراء واحدته لبدة والجمع لبد، وقد تقدم بيان هذا في سورة الجن.
البلد 90:7
(أيحسب أن لم يره أحد) استفهام على سبيل الإنكار أي أيظن أنه لم يعاينه أحد، قال قتادة أيظن أن الله سبحانه لم يره ولا يسأله عن ماله من أين كسبه وأين أنفقه، وقال الكلبي كان كاذباً لم ينفق ما قال، فقال الله أيظن أن الله لم ير ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق.
ثم ذكر سبحانه ما أنعم عليه ليعتبر فقال:
البلد 90:8
(ألم نجعل له عينين) يبصر بهما المرئيات شققناهما وهو في الرحم في ظلمات ثلاث على مقدار مناسب. لا تزيد إحداهما على الأخرى شيئاًً وقدرنا البياض والسواد والسمرة والزرقة وغير ذلك على ما ترون، وأودعناهما البصر على كيفية يعجز الخلق عن إدراكها.
البلد 90:9
(ولساناً) ينطق به ويعبر عما في ضميره (وشفتين) يستر بهما ثغره وفاه ويستعين بهما على النطق والأكل والشرب والنفخ وغير ذلك، قال الزجاج: المعنى ألم نفعل به ما يدله على أن الله قادر على أن يبعثه، والشفة محذوفة اللام وأصلها شفهة بدليل تصغيرها على شفيهة وجمعها على شفاه نظير سنة في إحدى اللغتين وشافهته أي كلمته من غير واسطة، ولا تجمع بالألف والتاء استغناء بتكسيرها عن تصحيحها.
وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)
البلد 90:10
(وهديناه النجدين) النجد الطريق في ارتفاع، قال المفسرون: بيّنا له طريق الخير وطريق الشر، قال الزجاج المعنى ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشر مبينتين كتبيين الطريقين العاليتين.
وقال ابن عباس وعكرمة وسعيد بن المسيب والضحاك: النجدان الثديان لأنهما كالطريقين لحياة الولد ورزقه، والأول أولى.
وأصل النجد المكان المرتفع وجمعه نجود، ومنه سميت نجد لارتفاعها عن انخفاض تهامة فالنجدان الطريقان العاليان.
قال ابن مسعود في الآية: سبيل الخير والشر، وقال ابن عباس: الهدى والضلالة، وعنه نحو قول ابن مسعود، وعن أنس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " هما نجدان فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير " أخرجه ابن أبي حاتم تفرد به سنان بن سعد، ويقال سعد بن سنان وقد وثقه يحيى بن معين، وقال الإمام أحمد والنسائي والجوزجاني منكر الحديث، وقال أحمد تركت حديثه لاضطرابه قد روى خمسة عشر حديثاً منكرة كلها ما أعرف منها حديثاً واحداً، يشبه حديثه حديث البصري لا يشبه حديث أنس.
وروي نحوه عن الحسن وقتادة مرسلاً، ويشهد له ما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يا أيها الناس أنهما نجدان نجد خير ونجد شر، فما جعل نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ".
ويشهد له أيضاًً ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إنما هما نجد الخير ونجد الشر، فلا يكن نجد الشر أحب إليكم من نجد الخير ".
قال الشهاب لا يخفى أنه ذكره في سياق الامتنان والمراد الامتنان عليه بأن هداه وبين له الطريق فسلكها تارة وعدل عنها أخرى، فلا امتنان عليه بالشر ولذا جعله الإمام بمعنى قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً) ووصف مكان الخير بالرفعة والنجدية ظاهر بخلاف الشر فإنه هبوط من ذروة الفطرة إلى حضيض الشقوة فهو على سبيل التغليب أو على توهم المخيلة أن فيه صعوداً فتدبر انتهى.
قلت الامتنان بالهداية إلى سبيل الشر يصح بمعنى أن الله عرف الإنسان طريق الشر ليجتنبه وطريق الخير ليسلكه، ولو لم يعرفه سبيل الشر لما اجتنبه، والأشياء تعرف بأضدادها، فالامتنان بهدايته إليه ثابت عقلاً. والمعنى بينا ووضحنا له أن سلوك الأول ينجي وأن سلوك الثاني يردي. وأن سلوك الأول ممدوح وأن سلوك الثاني مذموم، فالذي ذكره الشهاب تدفعه الأحاديث المرفوعة المتقدم ذكرها.
البلد 90:11
(فلا اقتحم العقبة) الاقتحام الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه قحم في الأمر قحوماً أي رمى بنفسه في الأمر من غير روية وتقحيم النفس في الشيء إدخالها فيه عن غير روية، والقحمة بالضم المهلكة، والعقبة في الأصل الطريق الصعب التي في الجبل سميت بذلك لصعوبة سلوكها.
وهو مثل ضربه الله سبحانه لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة.
قال الفراء والزجاج: ذكر سبحانه هنا (لا) مرة واحدة والعرب لا تكاد تفرد (لا) مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع حتى يعيدوها في كلام آخر كقوله: (فلا صدق ولا صلى) وإنما أفرد ههنا لدلالة آخر الكلام على معناه فيجوز أن يكون قوله: (ثم كان من الذين آمنوا) قائماً مقام التكرير، كأنه قال فلا اقتحم العقبة ولا آمن.
قال المبرد وأبو علي الفارسي: أن " لا " هنا بمعنى لم أي فلم يقتحم، وروي نحو ذلك عن مجاهد، فلهذا لم يحتج إلى التكرير، وقيل هو جار مجرى الدعاء كقوله لا نجا.
قال ابن زيد وجماعة من المفسرين: معنى الكلام هنا الاستفهام الذي بمعنى الإنكار تقديره أفلا اقتحم العقبة أو هلا اقتحم العقبة، قال ابن عمر في العقبة جبل زلال في جهنم، وقال ابن عباس العقبة النار، وعنه قال عقبة بين الجنة والنار، وقال قتادة وكعب: هي نار دون الجسر فاقتحموها بطاعة الله، وقال الحسن: هي والله عقبة شديدة مجاهدة نفسه وهواه وعداوة الشيطان. وقيل العقبة خلاصه من هول العرض، وقال مجاهد والضحاك والكلبي هي الصراط الذي يضرب على جهنم كحد السيف.
وعن عائشة قالت لما نزل (فلا اقتحم العقبة) قيل يا رسول الله ما عند أحدنا ما يعتق إلا أن عند أحدنا الجارية السوداء تخدمه فلو أمرناهن بالزنا فجئن بالأولاد فأعتقناهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد " أخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي وأخرجه ابن جرير عنها بلفظ " لعلاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من هذا ".
ثم بين سبحانه العقبة فقال:
البلد 90:12
(وما أدراك ما العقبة) أي أيُّ شيء أعلمك ما اقتحامها والمعرف باللام إذا أعيد كان الثاني عين الأول فتكون الجملة معترضة مقحمة لبيان العقبة مقررة لمعنى الإبهام والتفسير، فإن (فلا اقتحم العقبة) مفسرة بقوله:
البلد 90:13
(فك رقبة) والمفسر منفي والمفسر كذلك لاتحادهما في الاعتبار كأنه قيل فلا فك رقبة ولا أطعم مسكيناً.
قال محيي السنة ذكر العقبة ههنا مثل ضربه الله لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة.
قال صاحب الفرائد هذا تنبيه على أن النفس لا توافق صاحبها في الإنفاق لوجه الله البتة فلا بد من التكليف وتحمل المشقة، والذي توافقه النفس هو الافتخار والمراآت فكأنه تعالى ذكر هذا المثل بإزاء ما قال: (أهلكت مالاً لبداً) والمراد الإنفاق المفيد، وأن ذلك الإنفاق لمضر انتهى.
وفي التمثيل بالعقبة بعد ذكر النجدين ترشيح ثم التقريع عليه بالاقتحام قرينة لتلك المبالغة ذكره الكرخي، ومعنى (فك رقبة) إعتاق رقبة وتخليصها من إسار الرق وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الرهن وفك الكتاب، فقد بين سبحانه أن العقبة هي هذه القرب المذكورة التي تكون بها النجاة من النار، قرىء فك رقبة على أنه فعل ماض وهكذا أطعم، وقرىء فك وإطعام على أنهما مصدران، وعلى الأولى المعنى فلا أفك ولا أطعم، والفك في الأصل حل القيد سمي العتق فكاً لأن الرق كالقيد، وسمي المرقوق رقبة لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته.
وقد ثبت الترغيب في عتق الرقاب بأحاديث كثيرة منها ما في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً من النار حتى الفرج بالفرج ".
البلد 90:14
(أو إطعام في يوم ذي مسغبة) أي مجاعة. والسغب الجوع، والساغب الجائع، قال الراغب يقال منه سغب الرجل سغباً وسغوباً فهو ساغب وسغبان والمسغبة مفعلة منه، قال النخعي في يوم ذي مسغبة أي عزيز فيه الطعام.
قال ابن عباس مسغبة مجاعة، وعنه جوع، وقيد الإطعام في هذا اليوم لأن إخراج المال في ذلك الوقت أثقل على النفس وأوجب للأجر، قرأ الجمهور بالجر على أنه وصفة ليوم، ويتيماً هو مفعول إطعام، وقرأ الحسن بالنصب على أنه مفعول إطعام أي يطعمون ذا مسغبة ويتيماً بدلاً منه.
البلد 90:15
(يتيماً ذا مقربة) أي قرابة قاله ابن عباس. يقال فلان ذو قرابتي وذو مقربتي، واليتيم في الأصل الضعيف يقال يتم الرجل إذا ضعف، واليتيم عند أهل اللغة من لا أب له، وقيل هو من لا أب له ولا أم، ومنه قول قيس بن الملوح.
إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا ... إلى الله فقد الوالدين يتيم
البلد 90:16
(أو مسكيناً ذا متربة) أي لا شيء له كأنه لصق بالتراب لفقره، وليس له مأوى إلا التراب، يقال ترب الرجل يترب ترباً ومتربة إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضراً، قال مجاهد هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره، وقال قتادة هو ذو العيال وقال عكرمة هو المديون، وقال أبو سنان هو ذو الزمانة وقال ابن جبير هو الذي ليس له أحد، وقال عكرمة أيضاًً هو البعيد التربة الغريب عن وطنه وبه قال ابن عباس، والأول أولى ومنه قول الهذلي.
وكنا إذا ما الضيف حل بأرضنا ... سفكنا دماء البدن في تربة الحال
وعن ابن عباس أيضاًً قال هو المطروح الذي ليس له بيت، وفي لفظ هو الذي لا يقيه من التراب شيء، وفي لفظ هو اللازق بالتراب من شدة الفقر، وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الآية قال: " هو الذي مأواه المزابل " أخرجه ابن مردويه والمتربة والمقربة والمسغبة أي كل واحد منها مصدر ميمي على وزن مفعلة.
البلد 90:17
(ثم كان من الذين آمنوا) عطف على المنفي بلا، وجاء بثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة محله وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان وقيل التراخي في الذكر، وقيل المعنى ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم وقيل المعنى أنه أتى بهذه القرب لوجه الله.
(وتواصوا بالصبر) معطوف على آمنوا أي أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله وعن معاصيه وعلى ما أصابهم من البلايا والمصائب والمحن والشدائد (وتواصوا بالمرحمة) أي بالرحمة على عباد الله فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين، واستكثروا من فعل الخير بالصدقة ونحوها قال ابن عباس: يعني بذلك رحمه الناس.
البلد 90:18
(أولئك) الموصوفون بتلك الصفات هم (أصحاب الميمنة) أي أصحاب جهة اليمين أو أصحاب اليمين أو الذين يعطون كتبهم بأيمانهم وقيل غير ذلك مما قدمنا ذكره في سورة الواقعة.
البلد 90:19
(والذين كفروا بآياتنا) أي بالقرآن أو بما هو أعم منه فتدخل الآيات التنزيلية والآيات التكوينية التي تدل على الصانع سبحانه (هم أصحاب المشأمة) أي أصحاب الشمال أو أصحاب الشؤم أو الذين يعطون كتبهم في شمائلهم أو غير ذلك مما تقدم.
البلد 90:20
(عليهم نار مؤصدة) أي مطبقة مغلقة يقال أصدت الباب وأوصدته إذا أغلقته وأطبقته. قرأ الجمهور موصدة بالواو، وقرىء بالهمزة وهما لغتان والمعنى واحد قال ابن عباس مغلقة الأبواب، وقال أبو هريرة مطبقة.
الشمس 91:1
سورة الشمس
هي خمس عشرة آية وهي مكية بلا خلاف قال ابن عباس نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله، وعن بريده " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في صلاة العشاء (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا) وأشباهها من السور " أخرجه أحمد والترمذي وحسنه والنسائي، وقد تقدم حديث جابر في الصحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - قال لمعاذ " هلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ".
وعن ابن عباس " أن النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - أمره أن يقرأ في صلاة الصبح بالليل إذا يغشى والشمس وضحاها " أخرجه الطبراني، وعن عقبة بن عامر قال: " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - أن نصلي ركعتي الضحى بسورتيهما بالشمس وضحاها والضحى " أخرجه البيهقي في الشعب.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (1) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (2) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (3) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (4) وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (5) وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا (6) وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)
(والشمس وضحاها) أقسم سبحانه بهذه الأمور، وله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته وقال قوم إن القسم بهذه الأمور ونحوها مما تقدم ومما سيأتي هو على حذف مضاف أي ورب الشمس، وهكذا سائرها، ولا ملجىء إلى هذا ولا موجب له، وقوله: (وضحاها) هو قسم ثان، وقال الرازي المقصود من هذه السورة الترغيب في الطاعات والتحذير من المعاصي.
وقد أقسم تعالى بأنواع مخلوقاته المشتملة على المنافع العظيمة ليتأمل المكلف فيها ويشكر عليها لأن ما أقسم الله تعالى به يحصل منه وقع في القلب، وأقسم الله في هذه السورة بسبعة أشياء إلى قوله: (قد أفلح من زكاها) فأقسم بالشمس وضحاها فإن أهل العالم كانوا كالأموات في الليل، فلما ظهر أثر الصبح صارت الأموات أحياء، وتكاملت الحياة وقت الضحوة، وهذه الحالة تشبه أحوال القيامة، ووقت الضحى يشبه استقرار أهل الجنة فيها انتهى.
قال مجاهد أي ضوؤها وإشراقها، وأضاف الضحى إلى الشمس لأنه إنما يكون عند ارتفاعها، وكذا قال الكلبي، وقال قتادة: ضحاها نهارها كله، قال الفراء: الضحى هو النهار، وقال المبرد: أصل الضحى الصبح، وهو نور الشمس، وقيل الضحوة ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك.
قال القرطبي: الضحى مؤنثة يقال ارتفعت الضحى فوق الضحو، وقد تذكر، فمن أنث ذهب إلى أنها جمع ضحوة ومن ذكّر ذهب إلى أنها اسم فعل نحو صرد ونغر، قال أبو الهيثم: الضحى نقيض الظل: وهو نور الشمس على وجه الأرض، وأصله الضحى فاستثقلوا الياء فقلبوها ألفاً قيل والمعروف عند العرب أن الضحى إذا طلعت الشمس وبعد ذلك قليلاً، فإذا زاد فهو الضحاء بالمد.
قال المبرد: الضحى والضحوة مشتقان من الضح وهو النور فأبدلت الألف والواو من الحاء.
واختلف في جواب القسم ماذا هو، فقيل هو قوله: (قد أفلح من زكاها) قاله الزجاج وغيره وحذفت اللام لأن الكلام قد طال فصار طوله عوضاً منها، وقيل محذوف أي لتبعثن وقيل تقديره ليدمدمن الله على أهل مكة لتكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما دمدم على ثمود لأنهم كذبوا صالحاً، وأما قوله: (قد أفلح من زكاها) فكلام تابع لقوله: (فألهمها فجورها وتقواها) على سبيل الاستطراد، وليس من جواب القسم في شيء، وقيل هو على التقديم والتأخير بغير حذف، والمعنى (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) (والشمس وضحاها) والأول أولى.
الشمس 91:2
(والقمر إذا تلاها) أي تبعها وذلك بأن طلع بعد غروبها، يقال تلا يتلو تلواً إذا تبع، قال المفسرون وذلك إنما يكون في النصف الأول من الشهر إذا غربت الشمس تلاها القمر في الإضاءة وخلفها في النور، وقال الزجاج تلاها حين استدار فكان يتلو الشمس في الضياء والنور، يعني إذا كمل ضوؤه فصار تابعاً للشمس في الإنارة يعني كان مثلها في الإضاءة وذلك في الليالي البيض.
وقيل إذا تلا طلوعه طلوعها، قال قتادة إن ذلك ليلة الهلال إذا سقطت رؤى الهلال، قال ابن زيد إذا غربت الشمس في النصف الأول من الشهر تلاها القمر بالطلوع، وفي آخر الشهر يتلوها بالغروب، وقال الفراء تلاها أخذ منها يعني أن القمر يأخذ من ضوء الشمس، قال ابن عباس تلاها تبعها.
والأولى أن يفسر تلوه لها بكون ضوئه يخلفها ويجيء بعد مغيبها سواء كان ذلك من غير تراخ وهو في النصف الأول من الشهر، أو بعد مدة وذلك في النصف الثاني من الشهر فإن القمر إذا طلع في نصف الليل يقال أنه تلاها في ظهور الضوء أي خلفها فيه ولو بعد تخلل مدة ظلمة فليتأمل.
الشمس 91:3
(والنهار إذا جلاها) أي أضاءها، قاله ابن عباس، وذلك أن الشمس عند انبساط النهار تنجلي تمام الإنجلاء فكأنه جلاها مع أنها التي تبسطه وقيل الضمير عائد إلى الظلمة أي جلى الظلمة وإن لم يجر للظلمة ذكر لأن المعنى معروف، قال الفراء تقول أصبحت باردة أي أصبحت غداتنا باردة، والأول أولى، ومنه قول قيس ابن الخطيم:
تجلت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب
وقيل المعنى جلى ما في الأرض من الحيوانات وغيرها بعد أن كانت مستترة في الليل، وقيل جلى الدنيا وقيل جلى الأرض.
الشمس 91:4
(والليل إذا يغشاها) أي يغشى الشمس فيذهب بضوئها فتغيب وتظلم الآفاق وقيل يغشى الآفاق وقيل الأرض، وإن لم يجر لهما ذكر لأن ذلك معروف، والأول أولى.
قال الخطيب: وجيء به مضارعاً دون ما قبله وما بعده مراعاة للفواصل إذ لو أتى به ماضياً لكان التركيب: إذا غشيها فتفوت المناسبة اللفظية بين الفواصل والمقاطع انتهى.
والمعنى يغطيها بظلمته أي فيزيل ضوؤها فالنهار يجليها ويظهرها والليل يغطيها ويزيل ضوؤها فالضمير في الفواصل من أول السورة إلى هنا للشمس.
وهذه الأقسام الأربعة ليست إلا للشمس في الحقيقة لكن بحسب أربعة أوصاف أولها الضوء الحاصل منها عند ارتفاع النهار، وذلك هو الوقت الذي يكمل فيه انتشار الحيوان وتحرك الإنسان للمعاش، ومنها تلو القمر للشمس بأخذه الضوء عنها، ومنها تكامل طلوعها وبروزها بمجيء النهار، ومنها وجود خلاف ذلك بمجيء الليل، ومن تأمل قليلاً في عظمة الشمس انتقل منها إلى عظمة خالقها فسبحانه ما أعظم شأنه.
الشمس 91:5
(والسماء وما بناها) يجوز أن تكون ما مصدرية أي والسماء وبنيانها، ويجوز أن تكون موصولة وبه قال أبو البقاء أي والذي بناها، وإيثار (ما) على (من) لإرادة الوصفية لقصد التفخيم كأنه قال والقادر العظيم الشأن الذي بناها ورجح الأول الفراء والزجاج ولا وجه لقول من قال أن جعلها مصدرية مخل بالنظم ورجح الثاني ابن جرير قال ابن عباس الله بنى السماء.
الشمس 91:6
(والأرض وما طحاها) الكلام في (ما) هذه كالكلام في التي قبلها ومعنى طحاها بسطها على الماء كذا قال عامة المفسرين كما في قوله: (دحاها) قالوا طحاها ودحاها واحد أي بسطها من كل جانب، والطحو البسط، وقيل معنى طحاها قسمها وقيل خلقها والأول أولى، والطحو أيضاًً الذهاب، قال أبو عمرو بن العلاء طحا الرجل إذا ذهب في الأرض، يقال ما أدري أين طحا، ويقال طحا به قلبه إذا ذهب به.
الشمس 91:7
(ونفس وما سواها) الكلام في (ما) هذه كما تقدم، ومعنى سواها خلقها وأنشأها وسوى أعضائها وعدلها على هذا القانون الأحكم في أعضائها وما فيها من الجواهر والأعراض والمعاني وغير ذلك. قال عطاء يريد جميع ما خلق من الإنس والجن، التنكير للتفخيم أو للتكثير، وقيل المراد نفس آدم:
الشمس 91:8
(فألهمها فجورها وتقواها) أي عرفها وأفهمها حالهما وما فيهما من الحسن والقبح، والإلهام إلقاء الشيء في القلب بطريق الفيض ينشرح له الصدر ويطمئن، فإطلاقه على الفجور تسامح، وقد دفع بحمل الإلهام على مطلق البيان.
قال مجاهد عرفها طريق الفجور والتقوى والطاعة والمعصية، قال الفراء فألهمها عرفها طريق الخير والشر كما قال: (وهديناه النجدين).
قال محمد بن كعب: إذا أراد الله بعبده خيراً ألهمه الخير فعمل به، وإذا أراد به الشر ألهمه الشر فعمل به، قال ابن زيد جعل فيها ذلك بتوفيقه إياها للتقوى وخذلانه إياها للفجور، واختار هذا الزجاج، وحمل الإلهام على التوفيق والخذلان.
قال الواحدي: وهذا هو الوجه لتفسير الإلهام فإن التبيين والتعليم والتعريف دون الإلهام، والإلهام أن يوقع في قلبه ويجعل فيه، وإذا أوقع الله في قلب عبد شيئاًً فقد ألزمه ذلك الشيء قال: وهذا صريح في أن الله خلق في المؤمن تقواه، وفي الكافر فجوره، قال ابن عباس: في الآية علمها الطاعة والمعصية، وعنه قال ألهمها من الخير والشر وعنه قال: ألزمها فجورها وتقواها.
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن عمران بن حصين أن رجلاً قال: " يا رسول الله أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه شيء قد قضي عليهم ومضى في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون مما أتاهم به نبيهم واتخذت عليهم به الحجة قال بل شيء قد قضي عليهم، قال فلم يعملون إذن؟ قال من كان الله خلقه لواحدة من المنزلتين يهيئه لعملها، وتصديق ذلك في كتاب الله (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وسيأتي في السورة التي بعد هذه نحو هذا الحديث.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي عن زيد بن أرقم قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اللهم آت نفسي تقواها، " وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها " وأخرجه ابن المنذر والطبراني وابن مردويه من حديث ابن عباس، وزاد كان إذا تلا هذه الآية (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) قال فذكره وزاد أيضاًً وهو في الصلاة، وأخرج حديث زيد بن أرقم مسلم أيضاًً وأخرج نحوه أحمد من حديث عائشة.
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)
الشمس 91:9
(قد أفلح من زكاها) أي قد فاز من زكى نفسه وأنماها وأعلاها بالتقوى بكل مطلوب وظفر بكل محبوب، وقد قدمنا أن هذا جواب القسم على الراجح، قال الزجاج: صار طول الكلام عوضاً عن اللام، أي والأصل فيه (لقد) وتبعه القاضي قال الشهاب وعند النحاة أن الماضي المثبت المتصرف الذي لم يتقدم معموله إذا وقع جواباً للقسم تلزمه اللام وقد، ولا يجوز الاقتصار على إحداهما إلا عند طول الكلام أو في ضرورة، وأصل الزكاة النمو والزيادة ومنه زكا الزرع إذا كثر، قال ابن عباس يقول قد أفلح من زكى الله نفسه أي بالطاعة.
الشمس 91:10
(وقد خاب من دساها) أي خسر من أضلها وأغواها بالمعصية قال أهل اللغة دساها أصله دسسها من التدسيس وهو إخفاء الشيء في الشيء، فمعنى دساها في الآية أخفاها وأخملها ولم يشهرها بالطاعة والعمل الصالح.
وكانت أجواد العرب تنزل الأمكنة المرتفعة ليشتهر مكانها فتقصدها الضيوف، وكانت لئام العرب تنزل الهضاب والأمكنة المنخفضة ليخفى مكانها عن الوافدين.
وقال ابن الأعرابي المعنى دس نفسه في جملة الصالحين وليس منهم قال ابن عباس قد خاب من دس الله نفسه فأضله، وعنه قال دساها يعني مكر بها، وعنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في الآية " أفلحت نفس زكاها الله وخابت نفس خيبها الله من كل خير " أخرجه أبو حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه والديلمي من طريق جويبر عن الضحاك، وجويبر ضعيف، وتكرير (قد) فيه لإبراز الاعتناء بتحقيق مضمونها والإيذان بتعلق القسم به أيضاًً اصالة.
الشمس 91:11
(كذبت ثمود) رسولها صالحاً (بطغواها) أنث الفعل لضعف أثر تكذيبهم لأن كل سامع له يعرف ظلمهم فيه لوضوح آيتهم، والطغوى اسم من الطغيان كالدعوى.
قال الواحدي قال المفسرون: معناه الطغيان حملهم على التكذيب، والطغيان مجاوزة الحد في المعاصي والباء للسببية كما قاله مجاهد وقتادة وغيرهما، وقيل بطغواها أي بعذابها الذي وعدت به وسمي العذاب طغوى لأنه طغى عليهم فتكون الباء على هذا للتعدية، وبدأ في الكشاف بأنها للاستعانة مجازاً يعني فعلت التكذيب بطغيانها كما تقول ظلمني بجرأته على الله، وقال محمد بن كعب بطغواها أي بأجمعها.
قرأ الجمهور بفتح الطاء وهو مصدر بمعنى الطغيان، وإنما قلبت الياء واواً للفرق بين الاسم والصفة لأنهم يقلبون الياء في الأسماء كثيراً نحو تقوى وسروى، وقرىء بضم الطاء وهو مصدر أيضاًً كالرجعى والحسنى ونحوهما، وقيل هما لغتان، واختير التعبير بالطغوى لأنه أشبه برؤوس الآيات قال ابن عباس اسم العذاب الذي جاءها الطغوى فقال كذبت ثمود بعذابها.
الشمس 91:12
(إذ انبعث أشقاها) العامل في الظرف كذبت أو بطغواها أي حين قام أشقى ثمود، وهو قدار بن سالف فعقر الناقة، ومعنى انبعث انتدب لذلك وقام به يقال بعثته على الأمر فانبعث به، ويضرب بقدار المثل فيقال أشأم من قدار، وهو أشقى الأولين وكان رجلاً أشقر أزرق قصيراً، ومعنى قدار في الأصل الجزار، وقد تقدم بيان هذا في الأعراف.
الشمس 91:13
(فقال لهم رسول الله) يعني صالحاً بسبب الانبعاث أو التكذيب الذي دل على قصدهم لها بالأذى (ناقة الله) قال الزجاح أي ذروا ناقة الله، وقال الفراء حذرهم إياها وكل تحذير فهو نصب أي ذروا عقرها، والإضافة للتشريف كبيت الله (و) احذروا (سقياها) وهو شربها من الماء وكان لها يوم ولهم يوم، قال الكلبي ومقاتل قال لهم صالح ذروا ناقة الله فلا تعقروها وذروا سقياها وهو شربها من النهر فلا تعرضوا لها يوم شربها.
الشمس 91:14
(فكذبوه) بتحذيره إياهم واستمروا على تكذيبه (فعقروها) أي عقرها الأشقى وإنما أسند العقر إلى الجميع لأنهم رضوا بما فعله، قال قتادة إنه لم يعقرها حتى تابعه صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم، قال الفراء عقرها اثنان، والعرب تقول هذان أفضل الناس، وهذان خير الناس، فلهذا لم يقل أشقياها.
أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن زمعة قال: " خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر الناقة وذكر الذي عقرها فقال: (إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا) قال انبعث لها رجل عارم عزيز منيع في رهطه مثل أبي زمعة " [[وهو قدار بن سالف. روى البخاري في " صحيحه " 8/ 542 عن عبد الله بن زمعة أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب وذكر الناقة، والذي عقر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذ انبعث أشقاها) انبعث لها رجل عزيز عارم منيع في رهطه مثل أبي زمعة " ورواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن أبي حاتم.]].
وعن عمار بن ياسر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي " ألا أحدثك بأشقى الناس قال بلى قال رجلان أحيمر ثمود الذي عقر الناقة والذي يضربك على هذا يعني قرنه - حتى تبتل منه هذه، يعني لحيته " أخرجه أحمد وابن أبي حاتم والبغوي والطبراني وابن مردويه والحاكم وأبو نعيم في الدلائل.
(فدمدم عليهم ربهم) أي أهلكهم وأطبق عليهم العذاب (بذنبهم) الذي هو الكفر والتكذيب والعقر، وحقيقة الدمدمة تضعيف العذاب وترديده يقال دمدمت على الشيء أي أطبقت عليه ودمدم عليه القبر أي أطبقه، وناقة مدمومة إذا لبسها الشحم والدمدمة إهلاك باستئصال، كذا قال المؤرج.
قال في الصحاح دمدمت الشيء إذا ألزقته بالأرض وطحطحته، ودمدم الله عليهم أهلكهم ودمدمت على الميت التراب أي سويته عليه.
قال ابن الأنباري دمدم أي غضب، والدمدمة الكلام الذي يزعج الرجل، وقال ابن الأعرابي دمدم إذا عذب عذاباً تاماً.
والضمير في (فسواها) يعود إلى الدمدمة أي فسوى الدمدمة عليهم وعمهم بها فاستوت في صغيرهم وكبيرهم، وقيل: يعود إلى الأرض أي فسوى الأرض عليهم فجعلهم تحت التراب، وقيل يعود إلى الأمة أي ثمود، قال الفراء: سوى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرها بمعنى سوى بينهم فلم يفلت منهم أحداً إلا من آمن مع صالح وكانوا أربعة آلاف.
قرأ الجمهور فدمدم بميم بين الدالين وقرأ ابن الزبير فدهدم بهاء بينهما: قال القرطبي وهما لغتان كما يقال امتقع لونه واهتقع لونه، وفي القاموس دمم الأرض سواها كدهدم ودمدم عليهم، فتلخص أن دمدم بدال واحدة ودمدم بدالين معناهما واحد.
الشمس 91:15
(ولا يخاف عقباها) أي فعل الله بهم ذلك غير خائف من عاقبة ولا تبعة، والضمير في عقباها يرجع إلى الفعلة، أو إلى الدمدمة المدلول عليها بدمدم.
قال السدي والضحاك والكلبي إن الكلام يرجع إلى العاقر لا إلى الله سبحانه أي لم يخف الذي عقرها عقبى ما صنع، وقيل لا يخاف رسول الله عليه الصلاة والسلام عاقبة إهلاك قومه ولا يخشى ضرراً يعود عليه من عذابهم، لأنه قد أنذرهم، والأول أولى.
قرأ الجمهور ولا يخاف بالواو، وقرىء بالفاء وهما قراءتان سبعيتان، أما الواو فيجوز أن تكون للحال أو لاستئناف الأخبار، والفاء للتعقيب، وهو ظاهر، والمعنى لا يخاف عاقبتها كما تخاف الملوك عاقبة ما تفعله، فهو استعارة تمثيلية لإهانتهم، وأنهم أذلاء عند الله.
وفي القاموس أعقبه الله بطاعته جازاه، والعقبى جزاء الأمر.
الليل 92:1
سورة والليل
هي إحدى وعشرون آية وهي مكية عند الجمهو، وقيل مدنية قال ابن عباس نزل بمكة وعن ابن الزبير مثله، عن جابر بن سمرة قال: " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الظهر والعصر (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى) ونحوها، أخرجه البيهقي في سننه.
وعن أنس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى بهم الهاجرة فرفع صوته فقرأ والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى، فقال له أبيّ بن كعب يا رسول الله أمرت في هذه الصلاة بشيء قال " لا ولكن أردت أن أوقت لكم " أخرجه الطبراني في الأوسط وقد تقدم حديث " فهلا صليت بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها والليل إذا يغشى ".
وعن ابن عباس إني لأقول أن هذه السورة نزلت في السماحة والبخل، قال الرازي نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وإنفاقه على المسلمين، وفي أمية بن خلف وبخله وكفره بالله، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
بسم الله الرحمن الرحيم
وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (4) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (11)
(والليل إذا يغشى) أي يغطي بظلمته ما كان مضيئاً، قال الزجاج يغشى الليل الأفق وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار وقيل يغشى النهار وقيل يغشى الأرض، والأول أولى، قال ابن عباس إذا يغشى إذا أظلم.
وعن ابن مسعود قال " إن أبا بكر الصديق اشترى بلالاً من أميَّة بن خلف ببردة وعشر أواق فأعتقه لله فأنزل الله (والليل إذا يغشى) إلى قوله، (إن سعيكم لشتى) سعى أبي بكر وأمية وأبيّ إلى قوله (وكذب بالحسنى) قال لا إله إلا الله إلى قوله (فسنيسره للعسرى) قال النار " أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عساكر.
أقسم سبحانه بالليل الذي يأوي فيه كل حيوان إلى مأواه وتسكن الخلق فيه عن التحرك ويغشاهم النوم الذي جعله الله راحة لأبدانهم، وغذاء لأرواحهم، ثم أقسم بالنهار فقال
الليل 92:2
(والنهار إذا تجلى) أي ظهر وانكشف ووضح لزوال الظلمة التي كانت في الليل بطلوع الشمس لأن النهار إذا جاء انكشف بضوئه ما كان في الدنيا من الظلمة، وجاء الوقت الذي يتحرك فيه الناس لمعايشهم وتتحرك الطير من أوكارها والهوام من مكانها، فلو كان الدهر كله ليلاً لتعذر المعاش، ولو كان كله نهاراً لبطلت الراحة فكانت المصلحة في تعاقبهما.
الليل 92:3
(وما خلق الذكر والأنثى) (ما) هنا الموصولة أي والذي خلقهما وعبر عن من بما للدلالة على الوصفية ولقصد التفخيم أي والقادر العظيم الذي خلق صنفي الذكر والأنثى، قال الحسن والكلبي معناه الذي خلق الذكر والأنثى، فيكون قد أقسم بنفسه الكريمة، قال أبو عبيدة وما خلق أي ومن خلق.
وقال مقاتل يعني وخلق الذكر والأنثى فتكون (ما) على هذا مصدرية قال الكلبي ومقاتل يعني آدم وحواء والظاهر العموم.
قرأ الجمهور (وما خلق الذكر والأنثى) وقرأ ابن مسعود (والذكر والأنثى) بدون ما خلق، قال المحلي والخنثى المشكل عندنا ذكر أو أنثى عند الله تعالى فيحنث بتكليمه من حلف لا يكلم ذكراً ولا أنثى انتهى، وعبارة الخطيب الخنثى وإن أشكل أمره عندنا فهو عند الله غير مشكل معلوم بالمذكورة أو الأنوثة انتهت، وقال الكرخي يحنث بتكليمه لأن الله تعالى لم يخلق من ذوي الأرواح من ليس ذكراً ولا أنثى، والخنثى إنما هو مشكل بالنسبة إلينا، خلافاً لأبي الفضل الهمداني فيما حكاه وجهاً أنه نوع ثالث، ويدفعه قوله (يهب لمن يشاء إناثاً ويهب لمن يشاء الذكور) ونحو ذلك قاله الأسنوي.
الليل 92:4
(إن سعيكم لشتى) هذا جواب القسم أي أن عملكم مختلف فمنه عمل للجنة ومنه عمل للنار أو منكم مؤمن وكافر أو منكم مثاب بالجنة ومعاقب بالنار، أو منكم راحم وقاس وحليم وطائش وجواد وبخيل [[روى مسلم في " صحيحه " 1/ 203 عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " كل الناس يغدوُ، فبائع نفسه فمعتقها، أو موبقها " أي: كل إنسان يسعى بنفسه، فمنهم من يبيعها لله بطاعته فيعتقها من العذاب، ومنهم من يبيعها للشيطان والهوى باتباعها فيوبقها، أي: يهلكها.]].
قال جمهور المفسرين السعي العمل، فساع في فكاك نفسه وساع في عطبها، وشتى جمع شتيت كمرضى جمع مريض، وقيل للمختلف شتى لتباعد ما بين بعضه وبعض، والشتات هو الافتراق، وسعيكم مصدر مضاف فيفيد العموم فهو جمع معنى وإن كان مفرداً في اللفظ ولذا أخبر عنه بالجمع وهو شتى فهو بمعنى مساعيكم.
الليل 92:5
(فأما من أعطى) أي بذل ماله في وجوه الخير (واتقى) محارم الله التي نهى عنها
الليل 92:6
(وصدق بالحسنى) أي أيقن بالخلف الذي من الله، قال المفسرون فأما من أعطى المعسرين، وقال قتادة أعطى حق الله الذي عليه، وقال الحسن أعطى الصدق من قلبه وصدق بالحسنى أي بـ (لا إله إلا الله) وبه قال الضحاك والسلمي وابن عباس. وقال مجاهد بالحسنى بالجنة، وقال زيد ابن أسلم بالصلاة والزكاة والصوم، والأول أولى، قال قتادة بالحسنى أي بموعود الله الذي وعده أن يثيبه، قال الحسن بالخلف من عطائه، واختار هذا ابن جرير، وقال ابن عباس أعطى من الفضل واتقى ربه وصدق بالخلف من الله.
الليل 92:7
(فسنيسره لليسرى) أي فسنهيئه للخصلة التي هي حسنى وهي عمل الخير حتى يسهل عليه فعله، والمعنى فسنيسر له الإنفاق في سبيل الخير والعمل بالطاعة لله، والسين في الموضوعين للتسويف وهو من الله محقق، وذكر القسطلاني أن هذه السين للتلطيف.
قال الشريف الصفوي مرادهم به ترقيق الكلام بمعنى أن لا يكون نصاً في المقصود بل يكون محتملاً لغير المقصود فهو كالشيء الرقيق الذي يمكن تغييره ويسهل ويقابله الكثيف بمعنى أن يكون نصاً في القصود لأنه لا يمكن تغييره، وتبديله فهو كالشيء الكثيف الذي لا يمكن فيه ذلك.
فالمقصود ههنا أن التيسير حاصل في الحال لكن أتى بالسين الدالة على الاستقبال والتأخير لتلطيف الكلام وترقيقه باحتمال أن لا يكون التيسير حاصلاً في الحال لنكات تقتضي ذلك والله أعلم.
قال الواحدي قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق اشترى ستة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبوهم في الله، قال ابن عباس لليسرى للخير من الله، وقال زيد بن أسلم للجنة.
وعن عامر بن عبد الله بن الزبير قال " كان أبو بكر الصديق يعتق على الإسلام بمكة وكان يعتق عجائز ونساء إذا أسلمن فقال له أبوه أي بني أراك تعتق ناساً ضعفاء فلو أنك تعتق رجالاً جلداً يقومون معك ويمنعونك ويدفعون عنك قال أي أبت إنما أريد ما عند الله، قال فحدثني بعض أهل بيتي أن هذه الآية نزلت فيه [[رواه الواحدي في أسباب النزول 335.]] ".
الليل 92:8
(وأما من بخل) بماله فلم يبذله في سبل الخير (واستغنى) أي زهد في الأجر والثواب أو استغنى بشهوات الدنيا عن نعيم الآخرة، قال ابن عباس بخل بماله واستغنى عن ربه، وعنه قال يقول من أغناه الله فبخل بالزكاة، وعنه هو أبو سفيان بن حرب
الليل 92:9
(وكذب بالحسنى) أي بالخلف من الله عز وجل، وقال مجاهد بالجنة، وعنه قال بلا إله إلا الله.
الليل 92:10
(فسنيسره للعسرى) أي فسنهيئه للخصلة العسرى ونسهلها له حتى يتعسر عليه أسباب الخير والصلاح ويضعف عن فعلها فيؤديه ذلك إلى النار، قال مقاتل يعسر عليه أن يعطي خيراً، قيل العسرى الشر، وذلك أن الشر يؤدي إلى العذاب، والعسرة في العذاب والمعنى سنهيئه للشر بأن نجريه على يديه، قال الفراء سنيسره سنهيئه، والعرب تقول قد يسرت الغنم إذا ولدت أو تهيأت للولادة، قال ابن عباس للعسرى للشر من الله وقيل للنار.
وأخرج البخاري ومسلم وأهل السنن وغيرهم عن علي بن أبي طالب قال " كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة فقال ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار فقالوا يا رسول الله أفلا نتكل؟ فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فييسر لعمل أهل السعادة، وأما من كان من أهل الشقاء فييسر لعمل أهل الشقاء ثم قرأ فأما من أعطى، إلى قوله، للعسرى ".
وأخرج أحمد ومسلم وغيرهما عن جابر بن عبد الله أن سراقة بن مالك قال " يا رسول الله في أي شيء يعمل، أفي شيء ثبتت فيه المقادير وجرت به الأقلام أم في شيء يستقبل فيه العمل، قال بل في شيء ثبتت فيه المقادير، وجرت فيه الأقلام، قال سراقة: ففيم العمل إذن يا رسول الله؟ قال اعملوا فكل ميسر لما خلق له، وقرأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية فأما من أعطى، إلى آخرها ".
وقد تقدم حديث عمران بن حصين في السورة التي قبل هذه، وفي الباب أحاديث من طريق جماعة من الصحابة قال الفراء: لقائل أن يقول كيف قال ذلك وهل في العسرى تيسير؟ انتهى.
وإيضاح الجواب عن هذا ما ورد في الحديث " اعملوا فكل ميسر لما خلق له " أي عليكم بشأن العبودية وما خلقتم لأجله وأمرتم به، وكلوا أمور الربوبية الغيبية إلى صاحبها فلا عليكم بشأنها، ونظيره الرزق المقسوم مع الأمر بالكسب، والأجل المضروب في العمر مع المعالجة بالطب، فإنك تجد المغيب فيهما علة موجبة، والظاهر البادي سبباً مخيلاً وقد اصطلح الناس خاصتهم وعامتهم أن الظاهر فيهما لا يترك بسبب الباطن، قاله الكرخي.
الليل 92:11
(وما) أي لا (يغني عنه) شيئاًً (ماله) الذي بخل به وتركه لوارثه ولم يصحبه منه إلى آخرته التي هي موضع فقره وحاجته شيء أو أي شيء يغني عنه (إذا تردى) أي هلك، يقال ردي الرجل يردى ردى وتردى يتردى إذا هلك، وقال قتادة وأبو صالح وزيد بن أسلم إذا تردى إذا سقط في جهنم، يقال ردى في البئر وتردى إذا سقط فيها، ويقال ما أدري أين ردي أي أين ذهب.
إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (12) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (13) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21)
الليل 92:12
(إن علينا للهدى) مستأنفة مقررة لما قبلها أي علينا البيان بموجب قضائنا المبني على الحكم البالغة حيث خلقنا الخلق للعبادة، قال الزجاج: علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال أي وقد فعلنا ذلك بما لا مزيد عليه حيث بينا حل من سلك كلا الطريقين ترغيباً وترهيباً.
قال قتادة على الله البيان، بيان حرامه وطاعته ومعصيته، قال الفراء من سلك الهدى فعلى الله سبيله لقوله (وعلى الله قصد السبيل) يقول من أراد الله فهو على السبيل القاصد، قال الفراء أيضاًً المعنى إن علينا للهدى والإضلال فحذف الإضلال كقوله (سرابيل تقيكم الحر) أي والبرد، وقيل المعنى أن علينا ثواب هداه الذي هديناه، والأول أولى.
الليل 92:13
(وإن لنا للآخرة والأولى) أي لنا كل ما في الآخرة وكل ما في الدنيا نتصرف به كيف نشاء، فمن أرادهما أو أخذهما ذلك منا، وقيل المعنى أن لنا ثواب الآخرة وثواب الدنيا فمن طلبها من غيرنا فقد أخطأ الطريق.
الليل 92:14
(فأنذرتكم ناراً تلظى) أي حذرتكم وخوفتكم ناراً تتوقد وتتوهج، وأصله تتلظى فحذفت إحدى التاءين تخفيفاً، وقرىء على الأصل
الليل 92:15
(لا يصلاها) صلياً لازماً على جهة الخلود (إلا الأشقى) وهو الكافر وإن صليها غيره من العصاة فليس صليه كصليه والمعنى يدخلها أو يجد صليها وهو حرها.
ثم وصف الأشقى فقال
الليل 92:16
(الذي كذب وتولى) أي كذب بالحق الذي جاءت به الرسل وأعرض عن الطاعة والإيمان، قال الفراء إلا الأشقى إلا من كان شقياً في علم الله جل ثناؤه، وقال أيضاًً لم يكن كذب برد ظاهر، ولكنه قصر عما أمر به من الطاعة فجعل تكذيباً كما تقول لقي فلان العدو فكذب، إذا نكل ورجع عن إتباعه.
قال الزجاج: هذه الآية هي التي من أجلها قال أهل الإرجاء بالإرجاء فزعموا أنه لا يدخل النار إلا كافر.
ولأهل النار منازل فمنها أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، والله سبحانه كلما وعد عليه بجنس من العذاب فجدير أن يعذب به، وقد قال الله (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فلو كان من لم يشرك لم يعذب لم يكن في قوله (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فائدة.
وقال في الكشاف الآية واردة في الموازنة بين حالتي عظيم من المشركين وعظيم من المؤمنين فأريد أن يبالغ في صفتهما المتناقضتين فقيل الأشقى وجعل مختصاً بالصلي كأن النار لم تخلق إلا له، وقيل الأتقى وجعل مختصاً بالنجاة كأن الجنة لم تخلق إلا له.
وقيل المراد بالأشقى أبو جهل أو أمية بن خلف، وبالأتقى أبو بكر الصديق.
قال المحلي وهذا الحصر مؤول لقوله تعالى (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) فيكون المراد الصلي المؤبد انتهى أي مصروف عن ظاهره فلا يرد الفاسق لأنه إما أن لا يدخلها إن عفي عنه أو يدخلها ويخلص منها، فالمعنى لا يدخلها دخولاً مؤبداً إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب النبي.
والأولى أن يقال مؤول بحمل الصلي على التأبيد والخلود.
وعن أبي هريرة قال " لتدخلن الجنة إلا من يأبى قالوا ومن يأبى أن يدخل الجنة فقرأ (الذي كذب وتولى) " أخرجه ابن جرير.
وعن أبي أمامة " لا يبقى أحد من هذه الأمة إلا أدخله الجنة إلا من شرد على الله كما يشرد البعير السوء على أهله فمن لم يصدقني فإن الله يقول (لا يصلاها إلا الأشقى الذي كذب وتولى) كذب بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وتولى عنه ". أخرجه سعيد بن منصور وغيره.
وعنه أنه سئل عن ألين كلمة سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ألا كلكم يدخل الله الجنة إلا من شرد على الله شراد البعير على أهله " أخرجه أحمد والحاكم والضياء.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يدخل النار إلا الأشقى، قيل ومن الشقي قال: الذي لا يعمل لله بطاعة ولا يترك لله معصية " أخرجه أحمد وابن ماجه وابن مردويه.
وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " كل أمتي يدخل الجنة يوم القيامة إلا من أبى قالوا ومن يأبى يا رسول الله قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " أخرجه أحمد والبخاري.
الليل 92:17
(وسيجنبها الأتقى) أي سيباعد عنها التقي للكفر اتقاء بالغاً، قال الواحدي الأتقى أبو بكر الصديق في قول جميع المفسرين اهـ، والأولى حمل الأشقى والأتقى على كل متصف بالصفتين المذكورتين، ويكون المعنى أنه لا يصلاها صلياً تاماً لازماً إلا الكامل في الشقاء وهو الكافر، ولا يجنبها ويبعد عنها تبعيداً كاملاً بحيث لا يحوم حولها فضلاً عن أن يدخلها إلا الكامل في التقوى، فلا ينافي هذا دخول بعض العصاة من المسلمين النار دخولاً غير لازم، ولا تبعيد بعض من لم يكن كامل التقوى عن النار تبعيداً غير بالغ تبعيد الكامل في التقوى عنها.
والحاصل أن من تمسك من المرجئة بقوله (لا يصلاها إلا الأشقى) زاعما أن الأشقى الكافر لأنه الذي كذب وتولى، ولم يقع التكذيب من عصاة المسلمين.
فيقال له فماذا تقول في قوله (وسيجنبها الأتقى) فإنه يدل على أنه لا يجنب النار إلا الكامل في التقوى، فمن لم يكن كاملاً فيها كعصاة المسلمين لم يكن ممن يجنب النار، فإن أولت الأتقى بوجه من وجوه التأويل لزمك مثله في الأشقى. فخذ إليك هذه مع تلك وكن كما قال الشاعر:
على أنني راض بأن أحمل الهوى ... وأخرج منه لا علي ولا ليا
وقيل أراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي كما قال طرفة بن العبد:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي بواحد، ولا يخفاك أنه ينافي هذا وصف الأشقى بالتكذيب، فإن ذلك لا يكون إلا من الكافر فلا يتم ما أراده قائل هذا القول من شمول الوصفين لعصاة المسلمين.
عن عروة " أن أبا بكر الصديق أعتق سبعة كلهم يعذب في الله: بلال وعامر بن فهيرة والنهدية وابنتها وزنيرة وأم عيسى وأمة بني المؤمل، وفيه نزلت (وسيجنبها الأتقى) إلى آخر السورة " أخرجه ابن أبي حاتم، وفي الباب روايات.
ثم ذكر سبحانه صفة الأتقى فقال
الليل 92:18
(الذي يؤتي ماله) أي يعطيه ويصرفه في وجوه الخير، وقوله (يتزكى) في محل يصب على الحال من فاعل يؤتي أي حال كونه يطلب أن يكون عند الله زكياً لا يطلب رياء ولا سمعة، ويجوز أن يكون بدلاً من يؤتي داخلاً معه في حكم الصلة، قرأ الجمهور يتزكى مضارع تزكى، قرأ علي بن الحسين رضي الله عنهما بإدغام التاء في الزاي.
الليل 92:19
(وما لأحد عنده من نعمة تجزى) قال أبو السعود أي من شأنها أن تجازى وتكافأ، والجملة مستأنفة لتقرير ما قبلها من كون التزكي على جهة الخلوص غير مشوب بشائبة تنافي الخلوص، أي ليس ممن يتصدق بماله ليجازي بصدقته نعمة لأحد من الناس عنده ويكافئه عليها، وإنما يبتغي بصدقته وجه الله تعالى.
ومعنى الآية أنه ليس لأحد من الناس عنده نعمة من شأنها أن يجازى عليها حتى يقصد بإيتاء ما يؤتي من ماله مجازاتها، وإنما قال نجزي مضارعاً مبنياً للمفعول لأجل الفواصل، والأصل يجزيها إياه أو يجزيه إياها.
الليل 92:20
(إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى) قرأ الجمهور بالنصب على الإستثناء المنقطع لعدم اندراجه تحت جنس النعمة أي لكن ابتغاء وجه ربه، ويجوز أن يكون منصوباً على أنه مفعول له على المعنى أي لا يؤتي إلا لابتغاء وجه ربه لا لمكافأة نعمة، قال الفراء هو منصوب على التأويل أي ما أعطيتك ابتغاء جزائك بل ابتغاء وجه الله، وقرىء بالرفع على البدل من محل نعمة لأن محلها الرفع إما على الفاعلية وإما على الابتداء أو (من) مزيدة والرفع لغة تميم لأنهم يجوزون البدل في المنقطع في غير الإيجاب ويجرونه مجرى المتصل.
قال مكي وأجاز الفراء في ابتغاء على البدل من موضع نعمة وهو بعيد.
قلت كأنه لم يطلع عليها قراءة، واستبعاده هو البعيد فإنها لغة فاشية، وقرأ الجمهور أيضاًً ابتغاء بالمد، وقرىء بالقصر. والأعلى نعت للرب.
الليل 92:21
(ولسوف يرضى) اللام هن الموطئة للقسم أي وتالله لسوف يرضى بما نعطيه من الكرامة والجزاء العظيم، وهو وعد من الكريم تعالى لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بنيل جميع ما يبتغيه على أكمل الوجوه وأجلها إذ به يتحقق الرضا، قاله أبو السعود، وقرأ الجمهور يرضى مبنياً للفاعل وقرىء مبنياً للمفعول من أرضاه الله وهو قريب من قوله تعالى في آخر طه (لعلك ترضى) وترضى.