Fath Al-Qadir Al-Shawkani — البقرة 2:108 – البقرة 2:145
المحتويات
- البقرة 2:108
- البقرة 2:109
- البقرة 2:110
- البقرة 2:111
- البقرة 2:112
- البقرة 2:113
- البقرة 2:114
- البقرة 2:115
- البقرة 2:116
- البقرة 2:117
- البقرة 2:118
- البقرة 2:119
- البقرة 2:120
- البقرة 2:121
- البقرة 2:122
- البقرة 2:123
- البقرة 2:124
- البقرة 2:125
- البقرة 2:126
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:131
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
البقرة 2:108
أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، أيْ بَلْ تُرِيدُونَ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما سُئِلَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ سُؤالًا مِثْلَ ما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ حَيْثُ سَألُوهُ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً، وسَألُوا مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا.
وقَوْلُهُ: سَواءَ هو الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ يَرْثِي النَّبِيَّ ﷺ:
؎يا ويْحَ أصْحابِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ
وقالَ الفَرّاءُ: السَّواءُ: القَصْدُ، أيْ ذَهَبَ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ وسَمْتِهِ، أيْ طَرِيقِ طاعَةِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فِيهِ إخْبارُ المُسْلِمِينَ بِحِرْصِ اليَهُودِ عَلى فِتْنَتِهِمْ ورَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ والتَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ودَّ أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: حَسَدًا أيْ حَسَدًا ناشِئًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وهو عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: ودَّ.
والعَفْوُ: تَرْكُ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ.
والصَّفْحُ: إزالَةُ أثَرِهِ مِنَ النَّفْسِ، صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا أعْرَضْتَ عَنْ ذَنْبِهِ، وقَدْ ضَرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا: إذا أعْرَضْتَ عَنْهُ، وفِيهِ التَّرْغِيبُ في ذَلِكَ والإرْشادُ إلَيْهِ، وقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ هو غايَةُ ما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ العَفْوِ والصَّفْحِ، أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ إلى أنْ يَأْتِيَ إلَيْكُمُ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ بِما يَخْتارُهُ ويَشاؤُهُ، وما قَدْ قَضى بِهِ في سابِقِ عِلْمِهِ، وهو قَتْلُ مَن قُتِلَ مِنهم، وإجْلاءُ مَن أُجْلِيَ، وضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلى مَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، وإسْلامُ مَن أسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم عَلى الِاشْتِغالِ بِما يَنْفَعُهم ويَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَصْلَحَةِ، مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وتَقْدِيمِ الخَيْرِ الَّذِي يُثابُونَ عَلَيْهِ حَتّى يُمَكِّنَ اللَّهُ لَهم ويَنْصُرَهم عَلى المُخالِفِينَ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ ووَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِكِتابٍ يَنْزِلُ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ نَقْرَؤُهُ أوْ فَجِّرْ لَنا أنْهارًا نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وكانَ حُيَيُّ بْنُ أخَطَبَ مِن أشَدِّ اليَهُودِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ إذْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وكانا جاهِدَيْنِ في رَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ ما اسْتَطاعا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «سَألَتِ العَرَبُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِاللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَوْ كانَتْ كَفّاراتُنا كَفّاراتِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الخَطِيئَةَ وجَدَها مَكْتُوبَةً عَلى بابِهِ وكَفّارَتَها، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ، وقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ قالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ، والصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَقالَ: نَعَمْ، وهو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إنْ كَفَرْتُمْ، فَأبَوْا ورَجَعُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ قالَ: يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ قالَ: عَدَلَ عَنِ السَّبِيلِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ اليَهُودُ والمُشْرِكُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِيُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ والعَفْوِ عَنْهم، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ ويَصْبِرُونَ عَلى الأذى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ وقالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم﴾ الآيَةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأوَّلُ في العَفْوِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ بِقَتْلٍ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ مَن قَتَلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِ هَذا في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ قالَ: نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (p-٨٦)الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأعْمالِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.
البقرة 2:109
أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، أيْ بَلْ تُرِيدُونَ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما سُئِلَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ سُؤالًا مِثْلَ ما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ حَيْثُ سَألُوهُ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً، وسَألُوا مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا.
وقَوْلُهُ: سَواءَ هو الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ يَرْثِي النَّبِيَّ ﷺ:
؎يا ويْحَ أصْحابِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ
وقالَ الفَرّاءُ: السَّواءُ: القَصْدُ، أيْ ذَهَبَ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ وسَمْتِهِ، أيْ طَرِيقِ طاعَةِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فِيهِ إخْبارُ المُسْلِمِينَ بِحِرْصِ اليَهُودِ عَلى فِتْنَتِهِمْ ورَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ والتَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ودَّ أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: حَسَدًا أيْ حَسَدًا ناشِئًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وهو عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: ودَّ.
والعَفْوُ: تَرْكُ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ.
والصَّفْحُ: إزالَةُ أثَرِهِ مِنَ النَّفْسِ، صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا أعْرَضْتَ عَنْ ذَنْبِهِ، وقَدْ ضَرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا: إذا أعْرَضْتَ عَنْهُ، وفِيهِ التَّرْغِيبُ في ذَلِكَ والإرْشادُ إلَيْهِ، وقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ هو غايَةُ ما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ العَفْوِ والصَّفْحِ، أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ إلى أنْ يَأْتِيَ إلَيْكُمُ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ بِما يَخْتارُهُ ويَشاؤُهُ، وما قَدْ قَضى بِهِ في سابِقِ عِلْمِهِ، وهو قَتْلُ مَن قُتِلَ مِنهم، وإجْلاءُ مَن أُجْلِيَ، وضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلى مَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، وإسْلامُ مَن أسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم عَلى الِاشْتِغالِ بِما يَنْفَعُهم ويَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَصْلَحَةِ، مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وتَقْدِيمِ الخَيْرِ الَّذِي يُثابُونَ عَلَيْهِ حَتّى يُمَكِّنَ اللَّهُ لَهم ويَنْصُرَهم عَلى المُخالِفِينَ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ ووَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِكِتابٍ يَنْزِلُ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ نَقْرَؤُهُ أوْ فَجِّرْ لَنا أنْهارًا نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وكانَ حُيَيُّ بْنُ أخَطَبَ مِن أشَدِّ اليَهُودِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ إذْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وكانا جاهِدَيْنِ في رَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ ما اسْتَطاعا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «سَألَتِ العَرَبُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِاللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَوْ كانَتْ كَفّاراتُنا كَفّاراتِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الخَطِيئَةَ وجَدَها مَكْتُوبَةً عَلى بابِهِ وكَفّارَتَها، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ، وقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ قالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ، والصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَقالَ: نَعَمْ، وهو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إنْ كَفَرْتُمْ، فَأبَوْا ورَجَعُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ قالَ: يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ قالَ: عَدَلَ عَنِ السَّبِيلِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ اليَهُودُ والمُشْرِكُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِيُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ والعَفْوِ عَنْهم، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ ويَصْبِرُونَ عَلى الأذى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ وقالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم﴾ الآيَةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأوَّلُ في العَفْوِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ بِقَتْلٍ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ مَن قَتَلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِ هَذا في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ قالَ: نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (p-٨٦)الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأعْمالِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.
البقرة 2:110
أمْ هَذِهِ هي المُنْقَطِعَةُ الَّتِي بِمَعْنى بَلْ، أيْ بَلْ تُرِيدُونَ، وفي هَذا تَوْبِيخٌ وتَقْرِيعٌ، والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما سُئِلَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ سُؤالًا مِثْلَ ما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ حَيْثُ سَألُوهُ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً، وسَألُوا مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا.
وقَوْلُهُ: سَواءَ هو الوَسَطُ مِن كُلِّ شَيْءٍ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي سَواءِ الجَحِيمِ﴾ ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ يَرْثِي النَّبِيَّ ﷺ:
؎يا ويْحَ أصْحابِ النَّبِيِّ ورَهْطِهِ بَعْدَ المُغَيَّبِ في سَواءِ المُلْحَدِ
وقالَ الفَرّاءُ: السَّواءُ: القَصْدُ، أيْ ذَهَبَ عَنْ قَصْدِ الطَّرِيقِ وسَمْتِهِ، أيْ طَرِيقِ طاعَةِ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ فِيهِ إخْبارُ المُسْلِمِينَ بِحِرْصِ اليَهُودِ عَلى فِتْنَتِهِمْ ورَدِّهِمْ عَنِ الإسْلامِ والتَّشْكِيكِ عَلَيْهِمْ في دِينِهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ ودَّ أيْ ودُّوا ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ: حَسَدًا أيْ حَسَدًا ناشِئًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ، وهو عِلَّةٌ لِقَوْلِهِ: ودَّ.
والعَفْوُ: تَرْكُ المُؤاخَذَةِ بِالذَّنْبِ.
والصَّفْحُ: إزالَةُ أثَرِهِ مِنَ النَّفْسِ، صَفَحْتُ عَنْ فُلانٍ: إذا أعْرَضْتَ عَنْ ذَنْبِهِ، وقَدْ ضَرَبْتُ عَنْهُ صَفْحًا: إذا أعْرَضْتَ عَنْهُ، وفِيهِ التَّرْغِيبُ في ذَلِكَ والإرْشادُ إلَيْهِ، وقَدْ نُسِخَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالقِتالِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ هو غايَةُ ما أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ مِنَ العَفْوِ والصَّفْحِ، أيِ افْعَلُوا ذَلِكَ إلى أنْ يَأْتِيَ إلَيْكُمُ الأمْرُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ في شَأْنِهِمْ بِما يَخْتارُهُ ويَشاؤُهُ، وما قَدْ قَضى بِهِ في سابِقِ عِلْمِهِ، وهو قَتْلُ مَن قُتِلَ مِنهم، وإجْلاءُ مَن أُجْلِيَ، وضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلى مَن ضُرِبَتْ عَلَيْهِ، وإسْلامُ مَن أسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهم عَلى الِاشْتِغالِ بِما يَنْفَعُهم ويَعُودُ عَلَيْهِمْ بِالمَصْلَحَةِ، مِن إقامَةِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ وتَقْدِيمِ الخَيْرِ الَّذِي يُثابُونَ عَلَيْهِ حَتّى يُمَكِّنَ اللَّهُ لَهم ويَنْصُرَهم عَلى المُخالِفِينَ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ ووَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِكِتابٍ يَنْزِلُ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ نَقْرَؤُهُ أوْ فَجِّرْ لَنا أنْهارًا نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وكانَ حُيَيُّ بْنُ أخَطَبَ مِن أشَدِّ اليَهُودِ حَسَدًا لِلْعَرَبِ إذْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وكانا جاهِدَيْنِ في رَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ ما اسْتَطاعا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «سَألَتِ العَرَبُ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَأْتِيَهم بِاللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَوْ كانَتْ كَفّاراتُنا كَفّاراتِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ما أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الخَطِيئَةَ وجَدَها مَكْتُوبَةً عَلى بابِهِ وكَفّارَتَها، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ، وقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ قالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ، والصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾» الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألَتْ قُرَيْشٌ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَقالَ: نَعَمْ، وهو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إنْ كَفَرْتُمْ، فَأبَوْا ورَجَعُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهَ جَهْرَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ قالَ: يَتَبَدَّلِ الشِّدَّةَ بِالرَّخاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ قالَ: عَدَلَ عَنِ السَّبِيلِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كانَ اليَهُودُ والمُشْرِكُونَ مِن أهْلِ المَدِينَةِيُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ والعَفْوِ عَنْهم، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ ويَصْبِرُونَ عَلى الأذى، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ وقالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم﴾ الآيَةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأوَّلُ في العَفْوِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ بِقَتْلٍ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ مَن قَتَلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ يَقُولُ: إنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ ونَحْوِ هَذا في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ قالَ: نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (p-٨٦)الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأعْمالِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.
البقرة 2:111
قَوْلُهُ: هُودًا قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هُودًا ) بِمَعْنى يَهُودِيًّا، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ هائِدٍ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ في ( كانَ ) هو بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: هُودًا بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن )، قِيلَ: في هَذا الكَلامِ حَذْفٌ، وأصْلُهُ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.
هَكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وسَبَقَهم إلى ذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى وقَعَ مِنهم هَذا القَوْلُ وأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، ووَجْهُ القَوْلِ بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا ما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ تُضَلِّلُ الأُخْرى وتَنْفِي عَنْها أنَّها عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّها قالَتْ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، والأمانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي آخِرُها أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُهم.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ الآخِرَةِ، والتَّقْدِيرُ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهم عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيُطابِقَ ( أمانِيُّهم ) .
قَوْلُهُ: هاتُوا أصْلُهُ هاتُيُوا حُذِفَتِ الضَّمَّةُ لِثِقَلِها ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويُقالُ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ ( هاتِ ) ولِلْمُؤَنَّثِ ( هاتِي ) وهو صَوْتٌ بِمَعْنى احْضَرْ.
والبُرْهانُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ اليَقِينُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَلَبُ الدَّلِيلِ هُنا يَقْتَضِي إثْباتَ النَّظَرِ ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الأمانِيِّ المُجَرَّدَةِ والدَّعاوى الباطِلَةِ.
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ﴾ وهو إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ، أيْ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ بَلْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.
ومَعْنى أسْلَمَ: اسْتَسْلَمَ، وقِيلَ: أخْلَصَ.
وخَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ولِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُّلُّ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّيْءِ، وأنَّ المَعْنى هُنا الوَجْهُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: والمُرادُ بِالوَجْهِ هُنا المَقْصِدُ، أيْ مَن أخْلَصَ مَقْصِدَهُ وقَوْلُهُ: وهو مُحْسِنٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وجْهَهُ، ولَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفي قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْناها.
وقَوْلُهُ: مَن إنْ كانَتِ المَوْصُولَةَ فَهي فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: فَلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَن أسْلَمَ وإنْ كانَتْ مَن شَرْطِيَّةً فَقَوْلُهُ: فَلَهُ هو الجَزاءُ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكِتابِ وإبْطالٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى.
وقَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ وما بَعْدَهُ فِيهِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفِي الخَيْرَ عَنِ الأُخْرى ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إثْباتَهُ لِنَفْسِها تَحْجِيرًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ في الكَشّافِ: إنَّ الشَّيْءَ هو الَّذِي يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ المُحالَ والمَعْدُومَ يَقَعُ عَلَيْهِما اسْمُ الشَّيْءِ، وإذا نُفِيَ إطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ فَقَدْ بُولِغَ في تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ إلى ما لَيْسَ بَعْدَهُ، وهَكَذا قَوْلُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ الكِتابِ، وفي هَذا أعْظَمُ تَوْبِيخٍ وأشَدُّ تَقْرِيعٍ، لِأنَّ الوُقُوعَ في الدَّعاوى الباطِلَةِ والتَّكَلُّمَ بِما لَيْسَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ هو وإنْ كانَ قَبِيحًا عَلى الإطْلاقِ لَكِنَّهُ مِن أهْلِ العِلْمِ والدِّراسَةِ لِكُتُبِ اللَّهِ أشَدُّ قُبْحًا وأفْظَعُ جُرْمًا وأعْظَمُ ذَنْبًا.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ المُرادُ بِهِمْ كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم قالُوا مِثْلَ مَقالَةِ اليَهُودِ اقْتِداءً بِهِمْ لِأنَّهم جَهَلَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى غَيْرِ التَّقْلِيدِ لِمَن يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وهُمُ الَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدَهم، ثُمَّ أخْبَرَنا سُبْحانَهُ بِأنَّهُ المُتَوَلِّي لِفَصْلِ هَذِهِ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها الخِلافُ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَيُعَذِّبُ مَن يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ ويُنَجِّي مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ الآيَةَ، قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ قالَ: أمانِيُّ يَتَمَنَّوْنَها عَلى اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ قالَ: حُجَّتَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِما تَقُولُونَهُ أنَّهُ كَما تَقُولُونَ ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: أخْلَصَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ قالَ: حُجَّتَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ﴾ قالَ: أخْلَصَ دِينَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتَتْهم أحْبارُ اليَهُودِ، فَتَنازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ. وكَفَرَ بِعِيسى والإنْجِيلِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ»: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، وجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسى وكَفَرَ بِالتَّوْراةِ، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيْ كُلٌّ يَتْلُو في كِتابِهِ تَصْدِيقَ مَن كَفَرَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ؟ قالَ: هم أُمَمٌ كانَتْ قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هُمُ العَرَبُ قالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ عَلى شَيْءٍ.
البقرة 2:112
قَوْلُهُ: هُودًا قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هُودًا ) بِمَعْنى يَهُودِيًّا، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ هائِدٍ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ في ( كانَ ) هو بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: هُودًا بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن )، قِيلَ: في هَذا الكَلامِ حَذْفٌ، وأصْلُهُ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.
هَكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وسَبَقَهم إلى ذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى وقَعَ مِنهم هَذا القَوْلُ وأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، ووَجْهُ القَوْلِ بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا ما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ تُضَلِّلُ الأُخْرى وتَنْفِي عَنْها أنَّها عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّها قالَتْ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، والأمانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي آخِرُها أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُهم.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ الآخِرَةِ، والتَّقْدِيرُ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهم عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيُطابِقَ ( أمانِيُّهم ) .
قَوْلُهُ: هاتُوا أصْلُهُ هاتُيُوا حُذِفَتِ الضَّمَّةُ لِثِقَلِها ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويُقالُ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ ( هاتِ ) ولِلْمُؤَنَّثِ ( هاتِي ) وهو صَوْتٌ بِمَعْنى احْضَرْ.
والبُرْهانُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ اليَقِينُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَلَبُ الدَّلِيلِ هُنا يَقْتَضِي إثْباتَ النَّظَرِ ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الأمانِيِّ المُجَرَّدَةِ والدَّعاوى الباطِلَةِ.
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ﴾ وهو إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ، أيْ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ بَلْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.
ومَعْنى أسْلَمَ: اسْتَسْلَمَ، وقِيلَ: أخْلَصَ.
وخَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ولِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُّلُّ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّيْءِ، وأنَّ المَعْنى هُنا الوَجْهُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: والمُرادُ بِالوَجْهِ هُنا المَقْصِدُ، أيْ مَن أخْلَصَ مَقْصِدَهُ وقَوْلُهُ: وهو مُحْسِنٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وجْهَهُ، ولَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفي قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْناها.
وقَوْلُهُ: مَن إنْ كانَتِ المَوْصُولَةَ فَهي فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: فَلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَن أسْلَمَ وإنْ كانَتْ مَن شَرْطِيَّةً فَقَوْلُهُ: فَلَهُ هو الجَزاءُ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكِتابِ وإبْطالٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى.
وقَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ وما بَعْدَهُ فِيهِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفِي الخَيْرَ عَنِ الأُخْرى ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إثْباتَهُ لِنَفْسِها تَحْجِيرًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ في الكَشّافِ: إنَّ الشَّيْءَ هو الَّذِي يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ المُحالَ والمَعْدُومَ يَقَعُ عَلَيْهِما اسْمُ الشَّيْءِ، وإذا نُفِيَ إطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ فَقَدْ بُولِغَ في تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ إلى ما لَيْسَ بَعْدَهُ، وهَكَذا قَوْلُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ الكِتابِ، وفي هَذا أعْظَمُ تَوْبِيخٍ وأشَدُّ تَقْرِيعٍ، لِأنَّ الوُقُوعَ في الدَّعاوى الباطِلَةِ والتَّكَلُّمَ بِما لَيْسَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ هو وإنْ كانَ قَبِيحًا عَلى الإطْلاقِ لَكِنَّهُ مِن أهْلِ العِلْمِ والدِّراسَةِ لِكُتُبِ اللَّهِ أشَدُّ قُبْحًا وأفْظَعُ جُرْمًا وأعْظَمُ ذَنْبًا.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ المُرادُ بِهِمْ كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم قالُوا مِثْلَ مَقالَةِ اليَهُودِ اقْتِداءً بِهِمْ لِأنَّهم جَهَلَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى غَيْرِ التَّقْلِيدِ لِمَن يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وهُمُ الَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدَهم، ثُمَّ أخْبَرَنا سُبْحانَهُ بِأنَّهُ المُتَوَلِّي لِفَصْلِ هَذِهِ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها الخِلافُ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَيُعَذِّبُ مَن يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ ويُنَجِّي مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ الآيَةَ، قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ قالَ: أمانِيُّ يَتَمَنَّوْنَها عَلى اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ قالَ: حُجَّتَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِما تَقُولُونَهُ أنَّهُ كَما تَقُولُونَ ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: أخْلَصَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ قالَ: حُجَّتَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ﴾ قالَ: أخْلَصَ دِينَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتَتْهم أحْبارُ اليَهُودِ، فَتَنازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ. وكَفَرَ بِعِيسى والإنْجِيلِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ»: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، وجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسى وكَفَرَ بِالتَّوْراةِ، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيْ كُلٌّ يَتْلُو في كِتابِهِ تَصْدِيقَ مَن كَفَرَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ؟ قالَ: هم أُمَمٌ كانَتْ قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هُمُ العَرَبُ قالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ عَلى شَيْءٍ.
البقرة 2:113
قَوْلُهُ: هُودًا قالَ الفَرّاءُ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( هُودًا ) بِمَعْنى يَهُودِيًّا، وأنْ يَكُونَ جَمْعَ هائِدٍ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ الضَّمِيرَ المُفْرَدَ في ( كانَ ) هو بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، والجَمْعُ في قَوْلِهِ: هُودًا بِاعْتِبارِ مَعْنى ( مَن )، قِيلَ: في هَذا الكَلامِ حَذْفٌ، وأصْلُهُ: وقالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا.
هَكَذا قالَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وسَبَقَهم إلى ذَلِكَ بَعْضُ السَّلَفِ.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى وقَعَ مِنهم هَذا القَوْلُ وأنَّهم يَخْتَصُّونَ بِذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِمْ، ووَجْهُ القَوْلِ بِأنَّ في الكَلامِ حَذْفًا ما هو مَعْلُومٌ مِن أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ مِن هاتَيْنِ الطّائِفَتَيْنِ تُضَلِّلُ الأُخْرى وتَنْفِي عَنْها أنَّها عَلى شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ فَضْلًا عَنْ دُخُولِ الجَنَّةِ كَما في هَذا المَوْضِعِ، فَإنَّهُ قَدْ حَكى اللَّهُ عَنِ اليَهُودِ أنَّها قالَتْ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ، والأمانِيُّ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ تِلْكَ إلى ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الأمانِيِّ الَّتِي آخِرُها أنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُهم.
وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ إلى هَذِهِ الأُمْنِيَّةِ الآخِرَةِ، والتَّقْدِيرُ أمْثالُ تِلْكَ الأُمْنِيَّةِ أمانِيُّهم عَلى حَذْفِ المُضافِ لِيُطابِقَ ( أمانِيُّهم ) .
قَوْلُهُ: هاتُوا أصْلُهُ هاتُيُوا حُذِفَتِ الضَّمَّةُ لِثِقَلِها ثُمَّ حُذِفَتِ الياءُ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ، ويُقالُ لِلْمُفْرَدِ المُذَكَّرِ ( هاتِ ) ولِلْمُؤَنَّثِ ( هاتِي ) وهو صَوْتٌ بِمَعْنى احْضَرْ.
والبُرْهانُ: الدَّلِيلُ الَّذِي يَحْصُلُ عِنْدَهُ اليَقِينُ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: طَلَبُ الدَّلِيلِ هُنا يَقْتَضِي إثْباتَ النَّظَرِ ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أيْ في تِلْكَ الأمانِيِّ المُجَرَّدَةِ والدَّعاوى الباطِلَةِ.
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ﴾ وهو إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ، أيْ لَيْسَ كَما يَقُولُونَ بَلْ يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ.
ومَعْنى أسْلَمَ: اسْتَسْلَمَ، وقِيلَ: أخْلَصَ.
وخَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ولِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُّلُّ، وقِيلَ: إنَّ العَرَبَ تُخْبِرُ بِالوَجْهِ عَنْ جُمْلَةِ الشَّيْءِ، وأنَّ المَعْنى هُنا الوَجْهُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: والمُرادُ بِالوَجْهِ هُنا المَقْصِدُ، أيْ مَن أخْلَصَ مَقْصِدَهُ وقَوْلُهُ: وهو مُحْسِنٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: وجْهَهُ، ولَهُ بِاعْتِبارِ لَفْظِ ( مَن )، وفي قَوْلِهِ: عَلَيْهِمْ بِاعْتِبارِ مَعْناها.
وقَوْلُهُ: مَن إنْ كانَتِ المَوْصُولَةَ فَهي فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ بَلى يَدْخُلُها مَن أسْلَمَ.
وقَوْلُهُ: فَلَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَن أسْلَمَ وإنْ كانَتْ مَن شَرْطِيَّةً فَقَوْلُهُ: فَلَهُ هو الجَزاءُ، ومَجْمُوعُ الشَّرْطِ والجَزاءِ رَدٌّ عَلى أهْلِ الكِتابِ وإبْطالٌ لِتِلْكَ الدَّعْوى.
وقَوْلُهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ وما بَعْدَهُ فِيهِ أنَّ كُلَّ طائِفَةٍ تَنْفِي الخَيْرَ عَنِ الأُخْرى ويَتَضَمَّنُ ذَلِكَ إثْباتَهُ لِنَفْسِها تَحْجِيرًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
قالَ في الكَشّافِ: إنَّ الشَّيْءَ هو الَّذِي يَصِحُّ ويُعْتَدُّ بِهِ، قالَ: وهَذِهِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ لِأنَّ المُحالَ والمَعْدُومَ يَقَعُ عَلَيْهِما اسْمُ الشَّيْءِ، وإذا نُفِيَ إطْلاقُ اسْمِ الشَّيْءِ عَلَيْهِ فَقَدْ بُولِغَ في تَرْكِ الِاعْتِدادِ بِهِ إلى ما لَيْسَ بَعْدَهُ، وهَكَذا قَوْلُهم أقَلُّ مِن لا شَيْءَ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيِ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ جِنْسُ الكِتابِ، وفي هَذا أعْظَمُ تَوْبِيخٍ وأشَدُّ تَقْرِيعٍ، لِأنَّ الوُقُوعَ في الدَّعاوى الباطِلَةِ والتَّكَلُّمَ بِما لَيْسَ عَلَيْهِ بُرْهانٌ هو وإنْ كانَ قَبِيحًا عَلى الإطْلاقِ لَكِنَّهُ مِن أهْلِ العِلْمِ والدِّراسَةِ لِكُتُبِ اللَّهِ أشَدُّ قُبْحًا وأفْظَعُ جُرْمًا وأعْظَمُ ذَنْبًا.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ المُرادُ بِهِمْ كُفّارُ العَرَبِ الَّذِينَ لا كِتابَ لَهم قالُوا مِثْلَ مَقالَةِ اليَهُودِ اقْتِداءً بِهِمْ لِأنَّهم جَهَلَةٌ لا يَقْدِرُونَ عَلى غَيْرِ التَّقْلِيدِ لِمَن يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمْ طائِفَةٌ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى وهُمُ الَّذِينَ لا عِلْمَ عِنْدَهم، ثُمَّ أخْبَرَنا سُبْحانَهُ بِأنَّهُ المُتَوَلِّي لِفَصْلِ هَذِهِ الخُصُومَةِ الَّتِي وقَعَ فِيها الخِلافُ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ فَيُعَذِّبُ مَن يَسْتَحِقُّ التَّعْذِيبَ ويُنَجِّي مَن يَسْتَحِقُّ النَّجاةَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ الآيَةَ، قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ قالَ: أمانِيُّ يَتَمَنَّوْنَها عَلى اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ قالَ: حُجَّتَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِما تَقُولُونَهُ أنَّهُ كَما تَقُولُونَ ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: أخْلَصَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ قالَ: حُجَّتَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ﴾ قالَ: أخْلَصَ دِينَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ وفْدُ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتَتْهم أحْبارُ اليَهُودِ، فَتَنازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ. وكَفَرَ بِعِيسى والإنْجِيلِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ»: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ، وجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسى وكَفَرَ بِالتَّوْراةِ، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيْ كُلٌّ يَتْلُو في كِتابِهِ تَصْدِيقَ مَن كَفَرَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ؟ قالَ: هم أُمَمٌ كانَتْ قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هُمُ العَرَبُ قالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ عَلى شَيْءٍ.
البقرة 2:114
(p-٨٧)هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ أبْلَغُ دَلالَةٍ عَلى أنَّ هَذا الظُّلْمَ مُتَناهٍ وأنَّهُ بِمَنزِلَةٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَهُ سائِرُ أنْواعِ الظُّلْمِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأظْلَمُ خَبَرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن مَساجِدَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ مِن أنْ يُذْكَرَ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ لِطُولِ الكَلامِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: مَنَعَ والمُرادُ بِمَنعِ المَساجِدِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ: مَنعُ مَن يَأْتِي إلَيْها لِلصَّلاةِ والتِّلاوَةِ والذِّكْرِ وتَعْلِيمِهِ.
والمُرادُ بِالسَّعْيِ في خَرابِها: هو السَّعْيُ في هَدْمِها ورَفْعِ بُنْيانِها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخَرابِ تَعْطِيلُها عَنِ الطّاعاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لَها فَيَكُونُ أعَمَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما يُمْنَعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي بُنِيَتْ لَها المَساجِدُ كَتَعَلُّمِ العِلْمِ وتَعْلِيمِهِ، والقُعُودِ لِلِاعْتِكافِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما هو أعَمُّ مِنَ الأمْرَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم دُخُولُها إلّا حالَ خَوْفِهِمْ، وفِيهِ إرْشادٌ لِلْعِبادِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَمْنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ مِن أهْلِ الكُفْرِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْجِدٍ ومَسْجِدٍ، وبَيْنَ كافِرٍ وكافِرٍ، كَما يُفِيدُهُ عُمُومُ اللَّفْظِ، ولا يُنافِيهِ خُصُوصُ السَّبَبِ، وأنْ يَجْعَلُوهم بِحالَةِ إذا أرادُوا الدُّخُولَ كانُوا عَلى وجَلٍ وخَوْفٍ مِن أنْ يَفْطِنَ لَهم أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيُنْزِلُونَ بِهِمْ ما يُوجِبُ الإهانَةَ والإذْلالَ، ولَيْسَ فِيهِ الإذْنُ لَنا بِتَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ حالَ خَوْفِهِمْ، بَلْ هو كِنايَةٌ عَنِ المَنعِ لَهم مِنّا عَنْ دُخُولِ مَساجِدِنا.
والخِزْيُ: قِيلَ: هو ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وإذْلالُهم، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
والمَشْرِقُ: مَوْضِعُ الشُّرُوقِ.
والمَغْرِبُ: مَوْضِعُ الغُرُوبِ، أيْ هُما مِلْكٌ لِلَّهِ وما بَيْنَهُما مِنَ الجِهاتِ والمَخْلُوقاتِ فَيَشْمَلُ الأرْضَ كُلَّها.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ أيْ أيَّ جِهَةٍ تَسْتَقْبِلُونَها فَهُناكَ وجْهُ اللَّهِ: أيِ المَكانُ الَّذِي يَرْتَضِي لَكُمُ اسْتِقْبالَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ التِباسِ جِهَةِ القِبْلَةِ الَّتِي أمَرَنا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى أنَّكم إذا مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا، فَصَلُّوا في أيِّ بُقْعَةٍ شِئْتُمْ مِن بِقاعِها، وافْعَلُوا التَّوْلِيَةَ فِيها، فَإنَّ التَّوْلِيَةَ مُمْكِنَةٌ في كُلِّ مَكانٍ لا تَخْتَصُّ أماكِنُها في مَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ ولا في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. انْتَهى.
وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ فَإنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِنهُ.
وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ بَيانَ السَّبَبِ فَلا بَأْسَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ.
وأنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في دِينِهِمْ ولا يُكَلِّفُهم ما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ، وقِيلَ: واسْعٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسَعُ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ كَما قالَ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ: الواسِعُ الجَوادُ الَّذِي يَسَعُ عَطاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ الصَّلاةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هُمُ النَّصارى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هُمُ الرُّومُ كانُوا ظاهَرُوا بُخَتُنَصَّرَ عَلى خَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ قالَ: فَلَيْسَ في الأرْضِ رُومِيٌّ يَدْخُلُهُ اليَوْمَ إلّا وهو خائِفٌ أنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، وقَدْ أُخِيفَ بِأداءِ الجِزْيَةِ فَهو يُؤَدِّيها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: أمّا خِزْيُهم في الدُّنْيا فَإنَّهُ إذا قامَ المَهْدِيُّ وفُتِحَتِ القُسْطَنْطِينِيَّةُ قَتَلَهم فَذَلِكَ الخِزْيُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الرُّومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَدْخُلُوا المَسْجِدَ إلّا خائِفِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ فِيما ذُكِرَ لَنا واللَّهُ أعْلَمُ شَأْنُ القِبْلَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ، فاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ وتَرَكَ البَيْتَ العَتِيقَ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إلى البَيْتِ العَتِيقِ ونَسَخَها فَقالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ تَطَوُّعًا أيْنَما تَوَجَّهَتْ بِهِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أيْنَما تَوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ وقالَ: في هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ، فَإذا أرادَ أنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وصَلّى» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في لَيْلَةٍ سَوْداءَ مُظْلِمَةٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الأحْجارَ فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا فَيُصَلِّي فِيهِ، فَلَمّا أنْ أصْبَحْنا إذا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنا عَلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ، (p-٨٨)فَقالَ: مَضَتْ صَلاتُكم» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهم خَطُّوا خُطُوطًا.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ يَرْفَعُهُ وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ قالَ: قِبْلَةٌ لِلَّهِ أيْنَما تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أوْ غَرْبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ.
البقرة 2:115
(p-٨٧)هَذا الِاسْتِفْهامُ فِيهِ أبْلَغُ دَلالَةٍ عَلى أنَّ هَذا الظُّلْمَ مُتَناهٍ وأنَّهُ بِمَنزِلَةٍ لا يَنْبَغِي أنْ يَلْحَقَهُ سائِرُ أنْواعِ الظُّلْمِ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ وأظْلَمُ خَبَرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ قِيلَ: هو بَدَلٌ مِن مَساجِدَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ بِتَقْدِيرِ كَراهِيَةَ أنْ يُذْكَرَ، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ مِن أنْ يُذْكَرَ، ثُمَّ حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ لِطُولِ الكَلامِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: مَنَعَ والمُرادُ بِمَنعِ المَساجِدِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُ اللَّهِ: مَنعُ مَن يَأْتِي إلَيْها لِلصَّلاةِ والتِّلاوَةِ والذِّكْرِ وتَعْلِيمِهِ.
والمُرادُ بِالسَّعْيِ في خَرابِها: هو السَّعْيُ في هَدْمِها ورَفْعِ بُنْيانِها. ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالخَرابِ تَعْطِيلُها عَنِ الطّاعاتِ الَّتِي وُضِعَتْ لَها فَيَكُونُ أعَمَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ما يُمْنَعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي بُنِيَتْ لَها المَساجِدُ كَتَعَلُّمِ العِلْمِ وتَعْلِيمِهِ، والقُعُودِ لِلِاعْتِكافِ، وانْتِظارِ الصَّلاةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ ما هو أعَمُّ مِنَ الأمْرَيْنِ مِن بابِ عُمُومِ المَجازِ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ أيْ: ما كانَ يَنْبَغِي لَهم دُخُولُها إلّا حالَ خَوْفِهِمْ، وفِيهِ إرْشادٌ لِلْعِبادِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَمْنَعُوا مَساجِدَ اللَّهِ مِن أهْلِ الكُفْرِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَسْجِدٍ ومَسْجِدٍ، وبَيْنَ كافِرٍ وكافِرٍ، كَما يُفِيدُهُ عُمُومُ اللَّفْظِ، ولا يُنافِيهِ خُصُوصُ السَّبَبِ، وأنْ يَجْعَلُوهم بِحالَةِ إذا أرادُوا الدُّخُولَ كانُوا عَلى وجَلٍ وخَوْفٍ مِن أنْ يَفْطِنَ لَهم أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيُنْزِلُونَ بِهِمْ ما يُوجِبُ الإهانَةَ والإذْلالَ، ولَيْسَ فِيهِ الإذْنُ لَنا بِتَمْكِينِهِمْ مِن ذَلِكَ حالَ خَوْفِهِمْ، بَلْ هو كِنايَةٌ عَنِ المَنعِ لَهم مِنّا عَنْ دُخُولِ مَساجِدِنا.
والخِزْيُ: قِيلَ: هو ضَرْبُ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ وإذْلالُهم، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
والمَشْرِقُ: مَوْضِعُ الشُّرُوقِ.
والمَغْرِبُ: مَوْضِعُ الغُرُوبِ، أيْ هُما مِلْكٌ لِلَّهِ وما بَيْنَهُما مِنَ الجِهاتِ والمَخْلُوقاتِ فَيَشْمَلُ الأرْضَ كُلَّها.
قَوْلُهُ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا﴾ أيْ أيَّ جِهَةٍ تَسْتَقْبِلُونَها فَهُناكَ وجْهُ اللَّهِ: أيِ المَكانُ الَّذِي يَرْتَضِي لَكُمُ اسْتِقْبالَهُ، وذَلِكَ يَكُونُ عِنْدَ التِباسِ جِهَةِ القِبْلَةِ الَّتِي أمَرَنا بِالتَّوَجُّهِ إلَيْها بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى أنَّكم إذا مُنِعْتُمْ أنْ تُصَلُّوا في المَسْجِدِ الحَرامِ، أوْ في بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَدْ جُعِلَتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا، فَصَلُّوا في أيِّ بُقْعَةٍ شِئْتُمْ مِن بِقاعِها، وافْعَلُوا التَّوْلِيَةَ فِيها، فَإنَّ التَّوْلِيَةَ مُمْكِنَةٌ في كُلِّ مَكانٍ لا تَخْتَصُّ أماكِنُها في مَسْجِدٍ دُونَ مَسْجِدٍ ولا في مَكانٍ دُونَ مَكانٍ. انْتَهى.
وهَذا التَّخْصِيصُ لا وجْهَ لَهُ فَإنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِنهُ.
وإنْ كانَ المَقْصُودُ بِهِ بَيانَ السَّبَبِ فَلا بَأْسَ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فِيهِ إرْشادٌ إلى سِعَةِ رَحْمَتِهِ.
وأنَّهُ يُوَسِّعُ عَلى عِبادِهِ في دِينِهِمْ ولا يُكَلِّفُهم ما لَيْسَ في وُسْعِهِمْ، وقِيلَ: واسْعٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسَعُ عِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ كَما قالَ: ﴿وسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ وقالَ الفَرّاءُ: الواسِعُ الجَوادُ الَّذِي يَسَعُ عَطاؤُهُ كُلَّ شَيْءٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ قُرَيْشًا مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ الصَّلاةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هُمُ النَّصارى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: هُمُ الرُّومُ كانُوا ظاهَرُوا بُخَتُنَصَّرَ عَلى خَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلّا خائِفِينَ﴾ قالَ: فَلَيْسَ في الأرْضِ رُومِيٌّ يَدْخُلُهُ اليَوْمَ إلّا وهو خائِفٌ أنْ يُضْرَبَ عُنُقُهُ، وقَدْ أُخِيفَ بِأداءِ الجِزْيَةِ فَهو يُؤَدِّيها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: أمّا خِزْيُهم في الدُّنْيا فَإنَّهُ إذا قامَ المَهْدِيُّ وفُتِحَتِ القُسْطَنْطِينِيَّةُ قَتَلَهم فَذَلِكَ الخِزْيُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُمُ الرُّومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: هُمُ المُشْرِكُونَ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَدْخُلُوا المَسْجِدَ إلّا خائِفِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ فِيما ذُكِرَ لَنا واللَّهُ أعْلَمُ شَأْنُ القِبْلَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ، فاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ وتَرَكَ البَيْتَ العَتِيقَ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إلى البَيْتِ العَتِيقِ ونَسَخَها فَقالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ تَطَوُّعًا أيْنَما تَوَجَّهَتْ بِهِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أيْنَما تَوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ وقالَ: في هَذا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ.
وقَدْ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ، فَإذا أرادَ أنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وصَلّى» .
ورُوِيَ نَحْوُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ مَرْفُوعًا.
أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهم عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في لَيْلَةٍ سَوْداءَ مُظْلِمَةٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الأحْجارَ فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا فَيُصَلِّي فِيهِ، فَلَمّا أنْ أصْبَحْنا إذا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنا عَلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ، (p-٨٨)فَقالَ: مَضَتْ صَلاتُكم» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ إلّا أنَّهُ ذَكَرَ أنَّهم خَطُّوا خُطُوطًا.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ يَرْفَعُهُ وهو مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ قالَ: قِبْلَةٌ لِلَّهِ أيْنَما تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أوْ غَرْبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ.
البقرة 2:116
قَوْلُهُ: وقالُوا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وقِيلَ اليَهُودُ، أيْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ النَّصارى، أيْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هم كُفّارُ العَرَبِ، أيْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، والمُرادُ هُنا تَبَرُّؤُ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا، أيْ بَلْ هو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِهِ، والوَلَدُ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِهِ، ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ.
والقانِتُ: المُطِيعُ الخاضِعُ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُطِيعُونَ لَهُ خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ خاشِعُونَ لِجَلالِهِ، والقُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ القِيامُ.
قالَ الزَّجّاجُ: فالخَلْقُ قانِتُونَ أيْ قائِمُونَ بِالعُبُودِيَّةِ إمّا إقْرارًا وإمّا أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَأثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطّاعَةُ، ومِنهُ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ وقِيلَ: السُّكُونُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ»، وقِيلَ القُنُوتُ: الصَّلاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قانِتًا لِلَّهِ يَتْلُو كُتُبَهُ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلَ
والأوْلى أنَّ القُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: هي ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وهي مُبَيَّنَةٌ.
وقَدْ نَظَمَها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما أوْضَحْتُ ذَلِكَ في شَرْحِي عِلْمَ المُنْتَقى.
و( بَدِيعُ ): فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، أبْدَعَ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ لا عَنْ مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ مُبْدِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أحْكَمَهُ وأتْقَنَهُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ( قَضى ) في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ: مَرْجِعُها إلى انْقِطاعِ الشَّيْءِ وتَمامِهِ، قِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ، يُقالُ: قَضى بِمَعْنى خَلَقَ، ومِنهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِمَعْنى أعْلَمَ، ومِنهُ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ وبِمَعْنى أمَرَ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وبِمَعْنى ألْزَمَ، ومِنهُ: قَضى عَلَيْهِ القاضِي، وبِمَعْنى أوْفاهُ، ومِنهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ وبِمَعْنى أرادَ ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ.
وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى:
الأوَّلُ: الدِّينُ، ومِنهُ: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾
الثّانِي: بِمَعْنى القَوْلِ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ .
الثّالِثُ: العَذابُ، ومِنهُ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾
الرّابِعُ: عِيسى، ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أوْجَدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الخامِسُ: القَتْلُ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾
السّادِسُ: فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .
السّابِعُ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ، ومِنهُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .
الثّامِنُ: القِيامَةُ، ومِنهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .
التّاسِعُ: القَضاءُ، ومِنهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ .
العاشِرُ: الوَحْيُ، ومِنهُ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ .
الحادِي عَشَرَ: أمْرُ الخَلائِقِ، ومِنهُ: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
الثّانِي عَشَرَ: النَّصْرُ، ومِنهُ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ .
الثّالِثَ عَشَرَ: الذَّنْبُ، ومِنهُ: ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾
الرّابِعَ عَشَرَ: الشَّأْنُ، ومِنهُ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
هَكَذا أوْرَدَ هَذِهِ المَعانِيَ بِأطْوَلَ مِن هَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ولَيْسَ تَحْتَ ذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ، وإطْلاقُهُ عَلى الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ لِصِدْقِ اسْمِ الأمْرِ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الظّاهِرُ في هَذا المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وأنَّهُ يَقُولُ سُبْحانَهُ هَذا اللَّفْظَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ مانَعٌ ولا جاءَ ما يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقالَ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا ما أرادَ اللَّهُ أمْرًا فَإنَّما ∗∗∗ يَقُولُ لَهُ كُنْ قَوْلُهُ فَيَكُونُ
وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَجازٌ، وأنَّهُ لا قَوْلَ، وإنَّما هو قَضاءٌ يَقْضِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ، وهُوَعُمَرُ بْنُ حُمَمَةَ الدُّوسِيُّ:
؎فَأصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طارَتْ فِراخُهُ ∗∗∗ إذا رامَ تَطْيارًا يُقالُ لَهُ قَعِ
وقالَ آخَرُ:
؎قالَتْ جَناحاهُ لِساقَيْهِ الحَقا ∗∗∗ ونَجِّيا لِحُكْمِكُما أنْ يُمَزَّقا
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اليَهُودُ، وقِيلَ: النَّصارى، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، أيْ هَلّا ﴿يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ فَنَعْلَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ أوْ تَأْتِينا (p-٨٩)بِذَلِكَ عَلامَةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كُفّارَ العَرَبِ، أوِ الأُمَمُ السّالِفَةُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اليَهُودَ والنَّصارى، أوِ اليَهُودُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ النَّصارى: تَشابَهَتْ أيْ في التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، وقالَ الفَرّاءُ: تَشابَهَتْ في اتِّفاقِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ يَعْتَرِفُونَ بِالحَقِّ ويُنْصِفُونَ في القَوْلِ ويُذْعِنُونَ لِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِمْ مُصَدِّقِينَ لَهُ سُبْحانَهُ مُؤْمِنِينَ بِآياتِهِ مُتَّبِعِينَ لِما شَرَعَهُ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وشَتَمَنِي، فَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَيَزْعُمُ أنِّي لا أقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَما كانَ، وأمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لِي ولَدٌ، فَسُبْحانِي أنْ أتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسَهُ عَنِ السُّوءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّسْبِيحِ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ: سُبْحانَ اللَّهِ، قالَ: بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ» .
وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ سُبْحانَ اللَّهِ، فَقالَ: هو تَنْزِيهُ اللَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ حَرْفٍ في القُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ القُنُوتُ فَهو الطّاعَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ قالَ: مُطِيعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: ابْتَدَعَ خَلْقَهُما ولَمْ يُشْرِكْهُ في خَلْقِهِما أحَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَما تَقُولُ فَقُلْ لِلَّهِ فَلْيُكَلِّمْنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم كُفّارُ العَرَبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هُمُ النَّصارى، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ: يَهُودُ.
البقرة 2:117
قَوْلُهُ: وقالُوا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وقِيلَ اليَهُودُ، أيْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ النَّصارى، أيْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هم كُفّارُ العَرَبِ، أيْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، والمُرادُ هُنا تَبَرُّؤُ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا، أيْ بَلْ هو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِهِ، والوَلَدُ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِهِ، ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ.
والقانِتُ: المُطِيعُ الخاضِعُ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُطِيعُونَ لَهُ خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ خاشِعُونَ لِجَلالِهِ، والقُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ القِيامُ.
قالَ الزَّجّاجُ: فالخَلْقُ قانِتُونَ أيْ قائِمُونَ بِالعُبُودِيَّةِ إمّا إقْرارًا وإمّا أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَأثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطّاعَةُ، ومِنهُ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ وقِيلَ: السُّكُونُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ»، وقِيلَ القُنُوتُ: الصَّلاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قانِتًا لِلَّهِ يَتْلُو كُتُبَهُ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلَ
والأوْلى أنَّ القُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: هي ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وهي مُبَيَّنَةٌ.
وقَدْ نَظَمَها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما أوْضَحْتُ ذَلِكَ في شَرْحِي عِلْمَ المُنْتَقى.
و( بَدِيعُ ): فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، أبْدَعَ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ لا عَنْ مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ مُبْدِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أحْكَمَهُ وأتْقَنَهُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ( قَضى ) في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ: مَرْجِعُها إلى انْقِطاعِ الشَّيْءِ وتَمامِهِ، قِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ، يُقالُ: قَضى بِمَعْنى خَلَقَ، ومِنهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِمَعْنى أعْلَمَ، ومِنهُ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ وبِمَعْنى أمَرَ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وبِمَعْنى ألْزَمَ، ومِنهُ: قَضى عَلَيْهِ القاضِي، وبِمَعْنى أوْفاهُ، ومِنهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ وبِمَعْنى أرادَ ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ.
وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى:
الأوَّلُ: الدِّينُ، ومِنهُ: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾
الثّانِي: بِمَعْنى القَوْلِ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ .
الثّالِثُ: العَذابُ، ومِنهُ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾
الرّابِعُ: عِيسى، ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أوْجَدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الخامِسُ: القَتْلُ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾
السّادِسُ: فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .
السّابِعُ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ، ومِنهُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .
الثّامِنُ: القِيامَةُ، ومِنهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .
التّاسِعُ: القَضاءُ، ومِنهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ .
العاشِرُ: الوَحْيُ، ومِنهُ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ .
الحادِي عَشَرَ: أمْرُ الخَلائِقِ، ومِنهُ: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
الثّانِي عَشَرَ: النَّصْرُ، ومِنهُ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ .
الثّالِثَ عَشَرَ: الذَّنْبُ، ومِنهُ: ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾
الرّابِعَ عَشَرَ: الشَّأْنُ، ومِنهُ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
هَكَذا أوْرَدَ هَذِهِ المَعانِيَ بِأطْوَلَ مِن هَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ولَيْسَ تَحْتَ ذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ، وإطْلاقُهُ عَلى الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ لِصِدْقِ اسْمِ الأمْرِ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الظّاهِرُ في هَذا المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وأنَّهُ يَقُولُ سُبْحانَهُ هَذا اللَّفْظَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ مانَعٌ ولا جاءَ ما يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقالَ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا ما أرادَ اللَّهُ أمْرًا فَإنَّما ∗∗∗ يَقُولُ لَهُ كُنْ قَوْلُهُ فَيَكُونُ
وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَجازٌ، وأنَّهُ لا قَوْلَ، وإنَّما هو قَضاءٌ يَقْضِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ، وهُوَعُمَرُ بْنُ حُمَمَةَ الدُّوسِيُّ:
؎فَأصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طارَتْ فِراخُهُ ∗∗∗ إذا رامَ تَطْيارًا يُقالُ لَهُ قَعِ
وقالَ آخَرُ:
؎قالَتْ جَناحاهُ لِساقَيْهِ الحَقا ∗∗∗ ونَجِّيا لِحُكْمِكُما أنْ يُمَزَّقا
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اليَهُودُ، وقِيلَ: النَّصارى، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، أيْ هَلّا ﴿يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ فَنَعْلَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ أوْ تَأْتِينا (p-٨٩)بِذَلِكَ عَلامَةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كُفّارَ العَرَبِ، أوِ الأُمَمُ السّالِفَةُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اليَهُودَ والنَّصارى، أوِ اليَهُودُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ النَّصارى: تَشابَهَتْ أيْ في التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، وقالَ الفَرّاءُ: تَشابَهَتْ في اتِّفاقِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ يَعْتَرِفُونَ بِالحَقِّ ويُنْصِفُونَ في القَوْلِ ويُذْعِنُونَ لِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِمْ مُصَدِّقِينَ لَهُ سُبْحانَهُ مُؤْمِنِينَ بِآياتِهِ مُتَّبِعِينَ لِما شَرَعَهُ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وشَتَمَنِي، فَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَيَزْعُمُ أنِّي لا أقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَما كانَ، وأمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لِي ولَدٌ، فَسُبْحانِي أنْ أتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسَهُ عَنِ السُّوءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّسْبِيحِ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ: سُبْحانَ اللَّهِ، قالَ: بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ» .
وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ سُبْحانَ اللَّهِ، فَقالَ: هو تَنْزِيهُ اللَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ حَرْفٍ في القُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ القُنُوتُ فَهو الطّاعَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ قالَ: مُطِيعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: ابْتَدَعَ خَلْقَهُما ولَمْ يُشْرِكْهُ في خَلْقِهِما أحَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَما تَقُولُ فَقُلْ لِلَّهِ فَلْيُكَلِّمْنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم كُفّارُ العَرَبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هُمُ النَّصارى، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ: يَهُودُ.
البقرة 2:118
قَوْلُهُ: وقالُوا هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى وقِيلَ اليَهُودُ، أيْ قالُوا: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ النَّصارى، أيْ قالُوا: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقِيلَ: هم كُفّارُ العَرَبِ، أيْ قالُوا: المَلائِكَةُ بَناتُ اللَّهِ.
وقَوْلُهُ: سُبْحانَهُ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، والمُرادُ هُنا تَبَرُّؤُ اللَّهِ تَعالى عَمّا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنِ اتِّخاذِ الوَلَدِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ لَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ رَدٌّ عَلى القائِلِينَ بِأنَّهُ اتَّخَذَ ولَدًا، أيْ بَلْ هو مالِكٌ لِما في السَّماواتِ والأرْضِ، وهَؤُلاءِ القائِلُونَ داخِلُونَ تَحْتَ مُلْكِهِ، والوَلَدُ مِن جِنْسِهِمْ لا مِن جِنْسِهِ، ولا يَكُونُ الوَلَدُ إلّا مِن جِنْسِ الوالِدِ.
والقانِتُ: المُطِيعُ الخاضِعُ، أيْ كُلُّ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ مُطِيعُونَ لَهُ خاضِعُونَ لِعَظَمَتِهِ خاشِعُونَ لِجَلالِهِ، والقُنُوتُ في أصْلِ اللُّغَةِ القِيامُ.
قالَ الزَّجّاجُ: فالخَلْقُ قانِتُونَ أيْ قائِمُونَ بِالعُبُودِيَّةِ إمّا إقْرارًا وإمّا أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ ذَلِكَ، فَأثَرُ الصَّنْعَةِ بَيِّنٌ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: أصْلُهُ الطّاعَةُ، ومِنهُ ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ وقِيلَ: السُّكُونُ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ ولِهَذا قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: «كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ فَأُمِرْنا بِالسُّكُوتِ ونُهِينا عَنِ الكَلامِ»، وقِيلَ القُنُوتُ: الصَّلاةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قانِتًا لِلَّهِ يَتْلُو كُتُبَهُ وعَلى عَمْدٍ مِنَ النّاسِ اعْتَزَلَ
والأوْلى أنَّ القُنُوتَ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ مَعانٍ كَثِيرَةٍ، قِيلَ: هي ثَلاثَةَ عَشَرَ مَعْنًى، وهي مُبَيَّنَةٌ.
وقَدْ نَظَمَها بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ كَما أوْضَحْتُ ذَلِكَ في شَرْحِي عِلْمَ المُنْتَقى.
و( بَدِيعُ ): فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ وهو خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هو بَدِيعُ سَماواتِهِ وأرْضِهِ، أبْدَعَ الشَّيْءَ: أنْشَأهُ لا عَنْ مِثالٍ، وكُلُّ مَن أنْشَأ ما لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قِيلَ لَهُ مُبْدِعٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أحْكَمَهُ وأتْقَنَهُ.
قالَ الأزْهَرِيُّ: ( قَضى ) في اللُّغَةِ عَلى وُجُوهٍ: مَرْجِعُها إلى انْقِطاعِ الشَّيْءِ وتَمامِهِ، قِيلَ: هو مُشْتَرِكٌ بَيْنَ مَعانٍ، يُقالُ: قَضى بِمَعْنى خَلَقَ، ومِنهُ: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ وبِمَعْنى أعْلَمَ، ومِنهُ ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ وبِمَعْنى أمَرَ، ومِنهُ ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ وبِمَعْنى ألْزَمَ، ومِنهُ: قَضى عَلَيْهِ القاضِي، وبِمَعْنى أوْفاهُ، ومِنهُ: ﴿فَلَمّا قَضى مُوسى الأجَلَ﴾ وبِمَعْنى أرادَ ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ .
والأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ.
وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةَ عَشَرَ مَعْنًى:
الأوَّلُ: الدِّينُ، ومِنهُ: ﴿حَتّى جاءَ الحَقُّ وظَهَرَ أمْرُ اللَّهِ﴾
الثّانِي: بِمَعْنى القَوْلِ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُنا﴾ .
الثّالِثُ: العَذابُ، ومِنهُ: ﴿لَمّا قُضِيَ الأمْرُ﴾
الرّابِعُ: عِيسى، ومِنهُ: ﴿فَإذا قَضى أمْرًا﴾ أيْ أوْجَدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
الخامِسُ: القَتْلُ، ومِنهُ: ﴿فَإذا جاءَ أمْرُ اللَّهِ﴾
السّادِسُ: فَتْحُ مَكَّةَ، ومِنهُ ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .
السّابِعُ: قَتْلُ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءُ النَّضِيرِ، ومِنهُ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ .
الثّامِنُ: القِيامَةُ، ومِنهُ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ .
التّاسِعُ: القَضاءُ، ومِنهُ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ﴾ .
العاشِرُ: الوَحْيُ، ومِنهُ: ﴿يَتَنَزَّلُ الأمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ .
الحادِي عَشَرَ: أمْرُ الخَلائِقِ، ومِنهُ: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ .
الثّانِي عَشَرَ: النَّصْرُ، ومِنهُ: ﴿هَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ مِن شَيْءٍ﴾ .
الثّالِثَ عَشَرَ: الذَّنْبُ، ومِنهُ: ﴿فَذاقَتْ وبالَ أمْرِها﴾
الرّابِعَ عَشَرَ: الشَّأْنُ، ومِنهُ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾
هَكَذا أوْرَدَ هَذِهِ المَعانِيَ بِأطْوَلَ مِن هَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ ولَيْسَ تَحْتَ ذَلِكَ كَثِيرُ فائِدَةٍ، وإطْلاقُهُ عَلى الأُمُورِ المُخْتَلِفَةِ لِصِدْقِ اسْمِ الأمْرِ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ الظّاهِرُ في هَذا المَعْنى الحَقِيقِيُّ، وأنَّهُ يَقُولُ سُبْحانَهُ هَذا اللَّفْظَ، ولَيْسَ في ذَلِكَ مانَعٌ ولا جاءَ ما يُوجِبُ تَأْوِيلَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقالَ تَعالى: ﴿إنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إذا أرَدْناهُ أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقالَ: ﴿وما أمْرُنا إلّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالبَصَرِ﴾ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إذا ما أرادَ اللَّهُ أمْرًا فَإنَّما ∗∗∗ يَقُولُ لَهُ كُنْ قَوْلُهُ فَيَكُونُ
وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَجازٌ، وأنَّهُ لا قَوْلَ، وإنَّما هو قَضاءٌ يَقْضِيهِ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالقَوْلِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ، وهُوَعُمَرُ بْنُ حُمَمَةَ الدُّوسِيُّ:
؎فَأصْبَحْتُ مِثْلَ النَّسْرِ طارَتْ فِراخُهُ ∗∗∗ إذا رامَ تَطْيارًا يُقالُ لَهُ قَعِ
وقالَ آخَرُ:
؎قالَتْ جَناحاهُ لِساقَيْهِ الحَقا ∗∗∗ ونَجِّيا لِحُكْمِكُما أنْ يُمَزَّقا
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اليَهُودُ، وقِيلَ: النَّصارى، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ لِأنَّهُمُ المَذْكُورُونَ في الآيَةِ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ، ولَوْلا حَرْفُ تَحْضِيضٍ، أيْ هَلّا ﴿يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ فَنَعْلَمُ أنَّهُ نَبِيٌّ أوْ تَأْتِينا (p-٨٩)بِذَلِكَ عَلامَةٌ عَلى نُبُوَّتِهِ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ كُفّارَ العَرَبِ، أوِ الأُمَمُ السّالِفَةُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ اليَهُودَ والنَّصارى، أوِ اليَهُودُ في قَوْلِ مَن جَعَلَ ﴿الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ النَّصارى: تَشابَهَتْ أيْ في التَّعَنُّتِ والِاقْتِراحِ، وقالَ الفَرّاءُ: تَشابَهَتْ في اتِّفاقِهِمْ عَلى الكُفْرِ.
﴿قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ أيْ يَعْتَرِفُونَ بِالحَقِّ ويُنْصِفُونَ في القَوْلِ ويُذْعِنُونَ لِأوامِرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِمْ مُصَدِّقِينَ لَهُ سُبْحانَهُ مُؤْمِنِينَ بِآياتِهِ مُتَّبِعِينَ لِما شَرَعَهُ لَهم.
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ تَعالى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وشَتَمَنِي، فَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَيَزْعُمُ أنِّي لا أقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَما كانَ، وأمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لِي ولَدٌ، فَسُبْحانِي أنْ أتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفي البابِ أحادِيثُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُبْحانَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسَهُ عَنِ السُّوءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّسْبِيحِ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ: سُبْحانَ اللَّهِ، قالَ: بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ» .
وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ سُبْحانَ اللَّهِ، فَقالَ: هو تَنْزِيهُ اللَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ حَرْفٍ في القُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ القُنُوتُ فَهو الطّاعَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ قالَ: مُطِيعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: ابْتَدَعَ خَلْقَهُما ولَمْ يُشْرِكْهُ في خَلْقِهِما أحَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَما تَقُولُ فَقُلْ لِلَّهِ فَلْيُكَلِّمْنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم كُفّارُ العَرَبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هُمُ النَّصارى، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ: يَهُودُ.
البقرة 2:119
قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أرْسَلْناكَ لِأجْلِ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْألُ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مَسْئُولٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ.
قالَ الأخْفَشُ: ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ سائِلٍ عَنْهم، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إنْذارِهِمْ يُغْنِي عَنْ سُؤالِهِ عَنْهم، وقَرَأ نافِعٌ: ولا تَسْألْ بِالجَزْمِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَنْ هَؤُلاءِ أوْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ تَعْظِيمًا لِحالِهِ وتَغْلِيظًا لِشَأْنِهِ، أيْ أنَّ هَذا أمْرٌ فَظِيعٌ وخَطْبٌ شَنِيعٌ، يَتَعاظَمُ المُتَكَلِّمُ أنْ يُجْرِيَهُ عَلى لِسانِهِ أوْ يَتَعاظَمُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ الآيَةَ، أيْ لَيْسَ غَرَضُهم ومَبْلَغُ الرِّضا مِنهم ما يَقْتَرِحُونَهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ ويُورِدُونَهُ مِنَ التَّعَنُّتاتِ، فَإنَّكَ لَوْ جِئْتَهم بِكُلِّ ما يَقْتَرِحُونَ وأجَبْتَهم عَنْ كُلِّ تَعَنُّتٍ لَمْ يَرْضَوْا عَنْكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ في دِينِهِمْ ويَتَّبِعَ مِلَّتَهم.
والمِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِ وهَكَذا الشَّرِيعَةُ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ فَأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ الحَقِيقِيُّ، لا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ والكُتُبِ المُحَرَّفَةِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم وحاوَلَ رِضاهم وأتْعَبَ نَفْسَهُ في طَلَبِ ما يُوافِقُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ وتَحْذِيرًا لَهم أنْ يُواقِعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، أوْ يَدْخُلُوا في أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ ويَطْلُبُوا رِضا أهْلِ البِدَعِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ، تَرْكَ الدِّهانَ لِأهْلِ البِدَعِ المُتَمَذْهِبِينَ بِمَذاهِبِ السُّوءِ، التّارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما، فَإنَّ غالِبَ هَؤُلاءِ وإنْ أظْهَرَ قَبُولًا وأبانَ مِن أخْلاقِهِ لِينًا لا يُرْضِيهِ إلّا اتِّباعُ بِدْعَتِهِ والدُّخُولُ في مَداخِلِهِ والوُقُوعُ في حَبائِلِهِ، فَإنْ فَعَلَ العالِمُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ ما يَسْتَفِيدُ بِهِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما في كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا ما هم عَلَيْهِ مِن تِلْكَ البِدَعِ الَّتِي هي ضَلالَةٌ مَحْضَةٌ، وجَهالَةٌ بَيِّنَةٌ ورَأْيٌ مُنْهارٌ، وتَقْلِيدٌ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَهو إذْ ذاكَ ما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَخْذُولٌ لا مَحالَةَ وهالِكٌ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُسْلِمُونَ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: يَتْلُونَهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ بِما فِيهِ فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ ويَحْرِمُونَ حَرامَهُ، فَيَكُونُ مِن تَلاهُ يَتْلُوهُ إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيِ اتَّبَعَها كَذا قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ يَقْرَءُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ لا يُحَرِّفُونَهُ ولا يُبَدِّلُونَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَتْلُونَهُ (p-٩٠)أوِ الخَبَرُ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ مَعَ ما بَعْدَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ فَنَزَلَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ فَما ذَكَرَها حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ» .
قالَ السُّيُوطِيُّ: هَذا مُرْسَلٌ ضَعِيفُ الإسْنادِ.
ثُمَّ رَواهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي عاصِمٍ مَرْفُوعًا وقالَ: هو مُعْضَلُ الإسْنادِ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ ولا بِالَّذِي قَبْلَهُ حُجَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: الجَحِيمِ ما عَظُمَ مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ كانُوا يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِبْلَتِهِمْ فَلَمّا صَرَفَ اللَّهُ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأيِسُوا مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلى دِينِهِمْ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يُحِلُّونَ حَلالَهُ ويُحَرِّمُونَ حَرامَهُ ولا يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ.
وأخْرَجُوا عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، ثُمَّ قَرَءُوا: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ يَقُولُ: اتَّبَعَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ إذا مَرَّ بِذِكْرِ الجَنَّةِ سَألَ اللَّهَ الجَنَّةَ، وإذا مَرَّ بِذِكْرِ النّارِ تَعَوُّذَ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ الرُّواةِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ»، وكَذا قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ أنَّ في إسْنادِهِ مَجاهِيلَ، قالَ: لَكِنَّ مَعْناهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ مِثْلَ ما سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحِلُّونَ حَلالَهُ إلى آخِرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: يَتَكَلَّمُونَ بِهِ كَما أُنْزِلَ ولا يَكْتُمُونَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ حَكى نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ، ويُؤْمِنُونَ بِمُتَشابِهِهِ، ويَكِلُونَ ما أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ إلى عالَمِهِ.
البقرة 2:120
قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أرْسَلْناكَ لِأجْلِ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْألُ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مَسْئُولٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ.
قالَ الأخْفَشُ: ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ سائِلٍ عَنْهم، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إنْذارِهِمْ يُغْنِي عَنْ سُؤالِهِ عَنْهم، وقَرَأ نافِعٌ: ولا تَسْألْ بِالجَزْمِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَنْ هَؤُلاءِ أوْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ تَعْظِيمًا لِحالِهِ وتَغْلِيظًا لِشَأْنِهِ، أيْ أنَّ هَذا أمْرٌ فَظِيعٌ وخَطْبٌ شَنِيعٌ، يَتَعاظَمُ المُتَكَلِّمُ أنْ يُجْرِيَهُ عَلى لِسانِهِ أوْ يَتَعاظَمُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ الآيَةَ، أيْ لَيْسَ غَرَضُهم ومَبْلَغُ الرِّضا مِنهم ما يَقْتَرِحُونَهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ ويُورِدُونَهُ مِنَ التَّعَنُّتاتِ، فَإنَّكَ لَوْ جِئْتَهم بِكُلِّ ما يَقْتَرِحُونَ وأجَبْتَهم عَنْ كُلِّ تَعَنُّتٍ لَمْ يَرْضَوْا عَنْكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ في دِينِهِمْ ويَتَّبِعَ مِلَّتَهم.
والمِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِ وهَكَذا الشَّرِيعَةُ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ فَأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ الحَقِيقِيُّ، لا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ والكُتُبِ المُحَرَّفَةِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم وحاوَلَ رِضاهم وأتْعَبَ نَفْسَهُ في طَلَبِ ما يُوافِقُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ وتَحْذِيرًا لَهم أنْ يُواقِعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، أوْ يَدْخُلُوا في أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ ويَطْلُبُوا رِضا أهْلِ البِدَعِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ، تَرْكَ الدِّهانَ لِأهْلِ البِدَعِ المُتَمَذْهِبِينَ بِمَذاهِبِ السُّوءِ، التّارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما، فَإنَّ غالِبَ هَؤُلاءِ وإنْ أظْهَرَ قَبُولًا وأبانَ مِن أخْلاقِهِ لِينًا لا يُرْضِيهِ إلّا اتِّباعُ بِدْعَتِهِ والدُّخُولُ في مَداخِلِهِ والوُقُوعُ في حَبائِلِهِ، فَإنْ فَعَلَ العالِمُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ ما يَسْتَفِيدُ بِهِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما في كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا ما هم عَلَيْهِ مِن تِلْكَ البِدَعِ الَّتِي هي ضَلالَةٌ مَحْضَةٌ، وجَهالَةٌ بَيِّنَةٌ ورَأْيٌ مُنْهارٌ، وتَقْلِيدٌ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَهو إذْ ذاكَ ما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَخْذُولٌ لا مَحالَةَ وهالِكٌ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُسْلِمُونَ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: يَتْلُونَهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ بِما فِيهِ فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ ويَحْرِمُونَ حَرامَهُ، فَيَكُونُ مِن تَلاهُ يَتْلُوهُ إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيِ اتَّبَعَها كَذا قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ يَقْرَءُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ لا يُحَرِّفُونَهُ ولا يُبَدِّلُونَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَتْلُونَهُ (p-٩٠)أوِ الخَبَرُ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ مَعَ ما بَعْدَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ فَنَزَلَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ فَما ذَكَرَها حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ» .
قالَ السُّيُوطِيُّ: هَذا مُرْسَلٌ ضَعِيفُ الإسْنادِ.
ثُمَّ رَواهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي عاصِمٍ مَرْفُوعًا وقالَ: هو مُعْضَلُ الإسْنادِ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ ولا بِالَّذِي قَبْلَهُ حُجَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: الجَحِيمِ ما عَظُمَ مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ كانُوا يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِبْلَتِهِمْ فَلَمّا صَرَفَ اللَّهُ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأيِسُوا مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلى دِينِهِمْ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يُحِلُّونَ حَلالَهُ ويُحَرِّمُونَ حَرامَهُ ولا يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ.
وأخْرَجُوا عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، ثُمَّ قَرَءُوا: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ يَقُولُ: اتَّبَعَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ إذا مَرَّ بِذِكْرِ الجَنَّةِ سَألَ اللَّهَ الجَنَّةَ، وإذا مَرَّ بِذِكْرِ النّارِ تَعَوُّذَ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ الرُّواةِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ»، وكَذا قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ أنَّ في إسْنادِهِ مَجاهِيلَ، قالَ: لَكِنَّ مَعْناهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ مِثْلَ ما سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحِلُّونَ حَلالَهُ إلى آخِرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: يَتَكَلَّمُونَ بِهِ كَما أُنْزِلَ ولا يَكْتُمُونَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ حَكى نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ، ويُؤْمِنُونَ بِمُتَشابِهِهِ، ويَكِلُونَ ما أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ إلى عالَمِهِ.
البقرة 2:121
قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الحالِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ، أيْ أرْسَلْناكَ لِأجْلِ التَّبْشِيرِ والإنْذارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُسْألُ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَجْهُولِ، أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مَسْئُولٍ، وقُرِئَ بِالرَّفْعِ مَبْنِيًّا لِلْمَعْلُومِ.
قالَ الأخْفَشُ: ويَكُونُ في مَوْضِعِ الحالِ عَطْفًا عَلى ﴿بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ سائِلٍ عَنْهم، لِأنَّ عِلْمَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ بَعْدَ إنْذارِهِمْ يُغْنِي عَنْ سُؤالِهِ عَنْهم، وقَرَأ نافِعٌ: ولا تَسْألْ بِالجَزْمِ، أيْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَنْ هَؤُلاءِ أوْ لا يَصْدُرُ مِنكَ السُّؤالُ عَمَّنْ ماتَ مِنهم عَلى كُفْرِهِ ومَعْصِيَتِهِ تَعْظِيمًا لِحالِهِ وتَغْلِيظًا لِشَأْنِهِ، أيْ أنَّ هَذا أمْرٌ فَظِيعٌ وخَطْبٌ شَنِيعٌ، يَتَعاظَمُ المُتَكَلِّمُ أنْ يُجْرِيَهُ عَلى لِسانِهِ أوْ يَتَعاظَمُ السّامِعُ أنْ يَسْمَعَهُ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ﴾ الآيَةَ، أيْ لَيْسَ غَرَضُهم ومَبْلَغُ الرِّضا مِنهم ما يَقْتَرِحُونَهُ عَلَيْكَ مِنَ الآياتِ ويُورِدُونَهُ مِنَ التَّعَنُّتاتِ، فَإنَّكَ لَوْ جِئْتَهم بِكُلِّ ما يَقْتَرِحُونَ وأجَبْتَهم عَنْ كُلِّ تَعَنُّتٍ لَمْ يَرْضَوْا عَنْكَ، ثُمَّ أخْبَرَهُ بِأنَّهم لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَدْخُلَ في دِينِهِمْ ويَتَّبِعَ مِلَّتَهم.
والمِلَّةُ: اسْمٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ في كُتُبِهِ عَلى ألْسُنِ أنْبِيائِهِ وهَكَذا الشَّرِيعَةُ، ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ سُبْحانَهُ فَأمَرَهُ بِأنْ يَقُولَ لَهم: ﴿إنَّ هُدى اللَّهِ هو الهُدى﴾ الحَقِيقِيُّ، لا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِيعَةِ المَنسُوخَةِ والكُتُبِ المُحَرَّفَةِ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِوَعِيدٍ شَدِيدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إنِ اتَّبَعَ أهْواءَهم وحاوَلَ رِضاهم وأتْعَبَ نَفْسَهُ في طَلَبِ ما يُوافِقُهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ وتَحْذِيرًا لَهم أنْ يُواقِعُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ، أوْ يَدْخُلُوا في أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ ويَطْلُبُوا رِضا أهْلِ البِدَعِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ الَّذِي تَرْجُفُ لَهُ القُلُوبُ وتَتَصَدَّعُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، ما يُوجِبُ عَلى أهْلِ العِلْمِ الحامِلِينَ لِحُجَجِ اللَّهِ سُبْحانَهُ والقائِمِينَ بِبَيانِ شَرائِعِهِ، تَرْكَ الدِّهانَ لِأهْلِ البِدَعِ المُتَمَذْهِبِينَ بِمَذاهِبِ السُّوءِ، التّارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ، المُؤْثِرِينَ لِمَحْضِ الرَّأْيِ عَلَيْهِما، فَإنَّ غالِبَ هَؤُلاءِ وإنْ أظْهَرَ قَبُولًا وأبانَ مِن أخْلاقِهِ لِينًا لا يُرْضِيهِ إلّا اتِّباعُ بِدْعَتِهِ والدُّخُولُ في مَداخِلِهِ والوُقُوعُ في حَبائِلِهِ، فَإنْ فَعَلَ العالِمُ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ العِلْمِ ما يَسْتَفِيدُ بِهِ أنَّ هُدى اللَّهِ هو ما في كِتابِهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ، لا ما هم عَلَيْهِ مِن تِلْكَ البِدَعِ الَّتِي هي ضَلالَةٌ مَحْضَةٌ، وجَهالَةٌ بَيِّنَةٌ ورَأْيٌ مُنْهارٌ، وتَقْلِيدٌ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ، فَهو إذْ ذاكَ ما لَهُ مِنَ اللَّهِ مِن ولِيٍّ ولا نَصِيرٍ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو مَخْذُولٌ لا مَحالَةَ وهالِكٌ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هُمُ المُسْلِمُونَ والكِتابُ هو القُرْآنُ، وقِيلَ: مَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: يَتْلُونَهُ أنَّهم يَعْلَمُونَ بِما فِيهِ فَيُحَلِّلُونَ حَلالَهُ ويَحْرِمُونَ حَرامَهُ، فَيَكُونُ مِن تَلاهُ يَتْلُوهُ إذا اتَّبَعَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ أيِ اتَّبَعَها كَذا قِيلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ التِّلاوَةِ، أيْ يَقْرَءُونَهُ حَقَّ قِراءَتِهِ لا يُحَرِّفُونَهُ ولا يُبَدِّلُونَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ يَتْلُونَهُ (p-٩٠)أوِ الخَبَرُ قَوْلُهُ: أُولَئِكَ مَعَ ما بَعْدَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ فَنَزَلَ: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ فَما ذَكَرَها حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ» .
قالَ السُّيُوطِيُّ: هَذا مُرْسَلٌ ضَعِيفُ الإسْنادِ.
ثُمَّ رَواهُ مِن طَرِيقِ ابْنِ جَرِيرٍ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي عاصِمٍ مَرْفُوعًا وقالَ: هو مُعْضَلُ الإسْنادِ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ ولا بِالَّذِي قَبْلَهُ حُجَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: الجَحِيمِ ما عَظُمَ مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ كانُوا يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِبْلَتِهِمْ فَلَمّا صَرَفَ اللَّهُ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأيِسُوا مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلى دِينِهِمْ.
فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يُحِلُّونَ حَلالَهُ ويُحَرِّمُونَ حَرامَهُ ولا يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ.
وأخْرَجُوا عَنْهُ أيْضًا قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ، ثُمَّ قَرَءُوا: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ يَقُولُ: اتَّبَعَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ إذا مَرَّ بِذِكْرِ الجَنَّةِ سَألَ اللَّهَ الجَنَّةَ، وإذا مَرَّ بِذِكْرِ النّارِ تَعَوُّذَ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ الرُّواةِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ»، وكَذا قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ أنَّ في إسْنادِهِ مَجاهِيلَ، قالَ: لَكِنَّ مَعْناهُ صَحِيحٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في تَفْسِيرِهِ هَذِهِ الآيَةَ مِثْلَ ما سَبَقَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: يُحِلُّونَ حَلالَهُ إلى آخِرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: يَتَكَلَّمُونَ بِهِ كَما أُنْزِلَ ولا يَكْتُمُونَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ حَكى نَحْوَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ، ويُؤْمِنُونَ بِمُتَشابِهِهِ، ويَكِلُونَ ما أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ إلى عالَمِهِ.
البقرة 2:122
قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا في صَدْرِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ووَجْهُ التَّكْرارِ الحَثُّ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ذَكَرَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
وقالَ البَقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عَوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ تُجْمَعُ الأُمَمُ، ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِالذّاتِ الحَثُّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ. انْتَهى.
وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ سَبَبُ التَّكْرارِ ما ذَكَرَهُ مِن طُولِ المَدى وأنَّهُ عادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتهمْ لِذَلِكَ - لَكانَ الأوْلى بِالتَّكْرارِ، والأحَقُّ بِإعادَةِ الذِّكْرِ هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ كَوْنِها أوَّلَ الكَلامِ مَعَهم والخِطابِ لَهم في هَذِهِ السُّورَةِ، هي أيْضًا أوْلى بِأنْ تُعادَ وتُكَرَّرَ لِما فِيها مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ والرَّهْبَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وبِهَذا تَعْرِفُ صِحَّةَ ما قَدَّمْناهُ لَكَ عِنْدَ بَيانِ شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خِطابِ بَنِي إسْرائِيل مِن هَذِهِ السُّورَةِ فَراجِعْهُ ثُمَّ حَكى البَقاعِيُّ بَعْدَ كَلامِهِ السّابِقِ عَنِ الحَوالِي أنَّهُ قالَ: كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ، ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ بِأنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كانَ الخِطابُ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتَمِهِ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِذاتِهِ تِلْكَ الغايَةَ فَيَتْلُوها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ الثَّناءِ، وفي تَفْهِيمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى.
وأقُولُ: لَوْ كانَ هَذا هو سَبَبَ التَّكْرارِ لَكانَ الأوْلى بِهِ ما عَرَّفْناكَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ولِيُتَّخَذَ ذَلِكَ أصْلًا لِما يَرِدُ مِنَ التَّكْرارِ في سائِرِ القُرْآنِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ حُصُولَ هَذا الأمْرِ في الأذْهانِ وتَقَرُّرَهُ في الأفْهامِ لا يَخْتَصُّ بِتَكْرِيرِ آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ افْتِتاحُ هَذا المَقْصِدِ بِها، فَلَمْ تَتِمَّ حِينَئِذٍ النُّكْتَةُ في تَكْرِيرِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِخُصُوصِهِما، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ الَّتِي لا تَبْلُغُها الأفْهامُ ولا تُدْرِكُها العُقُولُ، فَلَيْسَ في تَكْلِيفِ هَذِهِ المُناسَباتِ المُتَعَسِّفَةِ إلّا ما عَرَّفْناكَ بِهِ هُنالِكَ فَتَذَكَّرْ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ الِابْتِلاءُ: الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ: أيِ ابْتَلاهُ بِما أمَرَهُ بِهِ، و" إبْراهِيمَ " مَعْناهُ في السُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: وكَثِيًرا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ بَيْنَ السُّرْيانِيِّ والعَرَبِيِّ.
وقَدْ أوْرَدَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا سُؤالًا في رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى إبْراهِيمَ مَعَ كَوْنِ رُتْبَتِهِ التَّأْخِيرَ، وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَفْظًا فَرَجَعَ إلَيْهِ، والأمْرُ في هَذا أوْضَحُ مِن أنْ يُشْتَغَلَ بِذِكْرِهِ، أوْ تَرِدَ في مِثْلِهِ الأسْئِلَةُ أوْ يُسَوَّدَ وجْهُ القِرْطاسِ بِإيضاحِهِ.
قَوْلُهُ: بِكَلِماتٍ قَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها، فَقِيلَ: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، وقِيلَ: ذَبْحُ ابْنِهِ، وقِيلَ: أداءُ الرِّسالَةِ، وقِيلَ: هي خِصالُ الفِطْرَةِ، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وقِيلَ: بِالطَّهارَةِ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ بِمُتَناقِضَةٍ، لِأنَّ هَذا كُلَّهُ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ إبْراهِيمُ. انْتَهى.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ الكَلِماتِ (p-٩١)هِيَ قَوْلُهُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ وما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِلْكَلِماتِ، وسَيَأْتِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ما يُوافِقُ ذَلِكَ، وعَنْ آخَرِينَ ما يُخالِفُهُ.
وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ مُسْتَأْنَفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ ما حاصِلُهُ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَلِماتِ جَمِيعَ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بَعْضَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ الجَزْمُ بِشَيْءٍ مِنها أنَّهُ المُرادُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا بِحَدِيثٍ أوْ إجْماعٍ، ولَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ خَبَرٌ بِنَقْلِ الواحِدِ ولا بِنَقْلِ الجَماعَةِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ الَّذِي قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، أوْلى بِالصَّوابِ، يَعْنِي أنَّ الكَلِماتِ هي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ وما بَعْدَهُ.
ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّها تَشْمَلُ جَمِيعَ ما ذُكِرَ، وسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِما هو الحَقُّ بَعْدَ إيرادِ ما ورَدَ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ أيْ قامَ بِهِنَّ أتَمَّ قِيامٍ، وامْتَثَلَ أكْمَلَ امْتِثالٍ.
والإمامُ: هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ إمامٌ ولِلْبِناءِ إمامٌ، لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِذَلِكَ، أيْ يَهْتَدِي بِهِ السّالِكُ، والإمامُ لَمّا كانَ هو القُدْوَةَ لِلنّاسِ لِكَوْنِهِمْ يَأْتَمُّونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُعاءً مِن إبْراهِيمَ، أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي أئِمَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إبْراهِيمَ بِقَصْدِ الِاسْتِفْهامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِصِيغَتِهِ، أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي ماذا يَكُونُ يا رَبِّ ؟ فَأخْبَرَهُ أنَّ فِيهِمْ عُصاةً وظَلَمَةً، وأنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ ولا يَقُومُونَ بِهِ ولا يَنالُهم عَهْدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
والذُّرِّيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الذَّرِّ، لِأنَّ اللَّهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ كالذَّرِّ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ يَذْرَؤُهم: إذا خَلَقَهم.
وفِي الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: ذَرَّتِ الرِّيحُ السَّحابَ وغَيْرَهُ تَذْرُوهُ وتَذْرِيهِ ذَرْوًا وذَرْيًا، أيْ نَسَفَتْهُ، وقالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمُّوا ذُرِّيَّةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَرَأها عَلى الأرْضِ كَما ذَرَأ الزّارِعُ البِذْرَ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالعَهْدِ فَقِيلَ: الإمامَةُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: عَهْدُ اللَّهِ: أمْرُهُ، وقِيلَ: الأمانُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الزَّجّاجُ والأوَّلُ أظْهَرُ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الإمامَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والعَمَلِ بِالشَّرْعِ كَما ورَدَ، لِأنَّهُ إذا زاغَ عَنْ ذَلِكَ كانَ ظالِمًا.
ويُمْكِنُ أنْ يُنْظَرَ إلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَهْدِ وما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ العُمُومِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى السَّبَبِ ولا إلى السِّياقِ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى اشْتِراطِ السَّلامَةِ مِن وصْفِ الظُّلْمِ في كُلِّ مَن تَعَلَّقَ بِالأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَنالُ عَهْدُ اللَّهِ بِالإمامَةِ ظالِمًا، فَفِيها إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ أنَّهُ سَيُوجَدُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ.
انْتَهى.
ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا جَدْوى لِكَلامِهِ هَذا.
فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ في مَعْنى الأمْرِ لِعِبادِهِ أنْ لا يُوَلُّوا أُمُورَ الشَّرْعِ ظالِمًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، لِأنَّ أخْبارَهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ تَتَخَلَّفَ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ قَدْ نالَ عَهْدُهُ مِنِ الإمامَةِ وغَيْرِها كَثِيرًا مِنَ الظّالِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ هو الكَعْبَةُ غَلَبَ عَلَيْهِ كَما غَلَبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا، و﴿مَثابَةً﴾ مَصْدَرٌ مِن ثابَ يَثُوبُ مَثابًا ومَثابَةً، أيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُ الحُجّاجُ إلَيْهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ في الكَعْبَةِ:
؎مَثابٌ لِأقْفاءِ القَبائِلِ كُلِّها تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الذَّوابِلُ
وقَرَأ الأعْمَشُ " مَثاباتٍ " وقِيلَ: المَثابَةُ مِنَ الثَّوابِ، أيْ يُثابُونَ هُنالِكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ أنَّهم لا يَقْضُونَ مِنهُ أوْطارَهم، قالَ الشّاعِرُ:
؎جُعِلَ البَيْتُ مَثاباتٍ لَهم ∗∗∗ لَيْسَ مِنهُ الدَّهْرُ يَقْضُونَ الوَطَرَ
قالَ الأخْفَشُ: ودَخَلَتِ الهاءُ لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ فَهي كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: هي لِلتَّأْنِيثِ ولَيْسَتْ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأمْنًا﴾ هو اسْمُ مَكانٍ، أيْ مَوْضِعُ أمْنٍ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ الحَدُّ عَلى مَن لَجَأ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، أيْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخَذُوهُ مُصَلًّى.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى ( اذْكُرُوا ) المَذْكُورِ أوَّلِ الآياتِ، أوْ عَلى ( اذْكُرُوا ) المُقَدَّرِ عامِلًا في قَوْلِهِ: وإذْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا اتَّخِذُوا.
والمَقامُ في اللُّغَةِ: مَوْضِعُ القِيامِ.
قالَ النَّحّاسُ: هو مِن قامَ يَقُومُ، يَكُونُ مَصْدَرًا واسْمًا لِلْمَوْضِعِ، ومَقامُ مَن أقامَ، ولَيْسَ مِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
لِأنَّ مَعْناهُ أهْلُ مَقاماتٍ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المَقامِ عَلى أقْوالٍ: أصَحُّها أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ ويُصَلُّونَ عِنْدَهُ رَكْعَتَيِ الطَّوافِ، وقِيلَ: المَقامُ الحَجُّ كُلُّهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ، رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ قالَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالطَّهارَةِ: خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ؛ في الرَّأْسِ قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ، وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ مَكانِ الغائِطِ والبَوْلِ بِالماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: ما ابْتُلِيَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ فَقامَ بِهِ كُلِّهِ إلّا إبْراهِيمُ.
وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ لَهُ: ما الكَلِماتُ ؟ قالَ: سِهامُ الإسْلامِ ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشْرَةٌ في ( بَراءَةٌ ) ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ " قَدْ أفْلَحَ " و" سَألَ سائِلٌ " ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الآياتِ، وعَشْرَةٌ في (p-٩٢)الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ كُلَّهُنَّ فَكَتَبَ لَهُ بَراءَةً قالَ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنْهُ قالَ: مِنهُنَّ مَناسِكُ الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الكَلِماتُ ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ والآياتُ في شَأْنِ المَناسِكِ، والمَقامِ الَّذِي جُعِلَ لِإبْراهِيمَ، والرِّزْقِ الَّذِي رُزِقَ ساكِنُو البَيْتِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ في ذُرِّيَّتِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قالَ: ابْتُلِيَ بِالآياتِ الَّتِي بَعْدَها.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إبْراهِيمُ فَأتَمَّهُنَّ: فِراقُ قَوْمِهِ في اللَّهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفارَقَتِهِمْ، ومُحاجَّتُهُ نُمْرُوذَ في اللَّهِ حِينَ وقَفَهُ عَلى ما وقَفَهُ عَلَيْهِ مِن خَطَرِ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ خِلافُهم، وصَبْرُهُ عَلى قَذْفِهِمْ إيّاهُ في النّارِ لِيَحْرِقُوهُ في اللَّهِ، والهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وطَنِهِ وبِلادِهِ حِينَ أمَرَهُ بِالخُرُوجِ عَنْهم، وما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيافَةِ والصَّبْرِ عَلَيْها، وما ابْتُلِيَ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، فَلَمّا مَضى عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالقَمَرِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالشَّمْسِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالهِجْرَةِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالخِتانِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِابْنِهِ فَرَضِيَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ قالَ: فَأدّاهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ السِّواكُ» قُلْتُ: وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ إسْنادَهُ إلى عَطاءٍ صَحِيحٌ فَهو مُرْسَلٌ لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ولا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ عَلى مِثْلِهِ في تَفْسِيرِ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهَكَذا لا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ عَلى مِثْلِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ غَسْلُ الذَّكَرِ والبَراجِمِ، ومِثْلِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ عَنْهُ قالَ: سِتٌّ مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ: قَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، والفَرْقُ، وقَصُّ الأظْفارِ، والِاسْتِنْجاءُ، وحَلْقُ العانَةِ، قالَ: ثَلاثَةٌ في الرَّأْسِ، وثَلاثَةٌ في الجَسَدِ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مَشْرُوعِيَّةُ تِلْكَ العَشْرِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها إبْراهِيمُ، وأحْسَنُ ما رُوِيَ عَنْهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أوْ يَأْخُذُ مِن شارِبِهِ. قالَ: كانَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إبْراهِيمُ يَفْعَلُهُ» .
ولا يَخْفاكَ أنَّ فِعْلَ الخَلِيلِ لَهُ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها، وإذا لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا جاءَنا مِن طَرِيقٍ تَقُومُ بِها الحُجَّةُ تَعْيِينُ تِلْكَ الكَلِماتِ لَمْ يَبْقَ لَنا إلّا أنْ نَقُولَ: إنَّها ما ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِلْكَلِماتِ أوِ السُّكُوتُ وإحالَةُ العِلْمِ في ذَلِكَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَحْوِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم في تَعْيِينِها، فَهو أوَّلًا أقْوالُ صَحابَةٍ لا يَقُومُ بِها الحُجَّةُ فَضْلًا عَنْ أقْوالِ مَن بَعْدِهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا مَجالَ لِلِاجْتِهادِ في ذَلِكَ، وأنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ اخْتِلافًا يَمْتَنِعُ مَعَهُ العَمَلُ بِبَعْضِ ما رُوِيَ عَنْهم دُونَ البَعْضِ الآخَرِ. بَلِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ الواحِدِ مِنهم كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ العَمَلُ بِذَلِكَ - وبِهَذا تَعْرِفُ ضَعْفَ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ يُصارُ إلى العُمُومِ ويُقالُ: تِلْكَ الكَلِماتُ هي جَمِيعُ ما ذَكَرْنا هُنا، فَإنَّ هَذا يَسْتَلْزِمُ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ بِالضَّعِيفِ والمُتَناقِضِ وما لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ يُقْتَدى بِدِينِكَ وهَدْيِكَ وسُنَّتِكَ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ إمامًا لِغَيْرِ ذُرِّيَّتِي ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنْ يُقْتَدى بِدِينِهِمْ وهَدْيِهِمْ وسُنَّتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ فَأبى أنْ يَفْعَلَ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنالُ عَهْدُهُ ظالِمًا، فَأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ نالُوا عَهْدَهُ فَوارَثُوا بِهِ المُسْلِمِينَ وغازُوهم وناكَحُوهم، فَلَمّا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قَصَرَ اللَّهُ عَهْدَهُ وكَرامَتَهُ عَلى أوْلِيائِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: لا أجْعَلُ إمامًا ظالِمًا يُقْتَدى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُخْبِرُهُ أنَّهُ إنْ كانَ في ذُرِّيَّتِهِ ظالِمٌ لا يَنالُ عَهْدَهُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُوَلِّيَهُ شَيْئًا مِن أمْرِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِظالِمٍ عَلَيْكَ عَهْدٌ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ وكِيعُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا طاعَةَ إلّا في المَعْرُوفِ»، بِإسْنادِهِ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ هَكَذا: قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حامِدٍ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الأسَدِيُّ، حَدَّثَنا سُلَيْمُ بْنُ سَعِيدٍ الدّامَغانِيُّ، حَدَّثَنا وكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لَيْسَ لِلظّالِمِ عَهْدٌ وإنْ عاهَدْتَهُ فانْقُضْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وابْنِ حِبّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ قالَ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى أهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٩٣)﴿وأمْنًا﴾ قالَ: أمْنًا لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ ووافَقَنِي رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَهُنَّ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، واجْتَمَعَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِساؤُهُ في الغَيْرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مُخْتَصَرًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ ثَلاثَةَ أشْواطٍ ومَشى أرْبَعًا، حَتّى إذا فَرَغَ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ "» وفي مَقامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مُسْتَوْفاةٌ في الأُمَّهاتِ وغَيْرِها، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي كانَ إبْراهِيمُ يَقُومُ عَلَيْهِ لِبِناءِ الكَعْبَةِ لَمّا ارْتَفَعَ الجِدارُ، أتاهُ إسْماعِيلُ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ، كَما في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الَّذِي كانَ مُلْصَقًا بِجِدارِ الكَعْبَةِ.
وأوَّلُ مَن نَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ في وصْفِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا طافَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لَهُ عُمَرُ: هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ ؟ قالَ: نَعَمْ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
البقرة 2:123
قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا في صَدْرِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ووَجْهُ التَّكْرارِ الحَثُّ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ذَكَرَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
وقالَ البَقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عَوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ تُجْمَعُ الأُمَمُ، ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِالذّاتِ الحَثُّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ. انْتَهى.
وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ سَبَبُ التَّكْرارِ ما ذَكَرَهُ مِن طُولِ المَدى وأنَّهُ عادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتهمْ لِذَلِكَ - لَكانَ الأوْلى بِالتَّكْرارِ، والأحَقُّ بِإعادَةِ الذِّكْرِ هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ كَوْنِها أوَّلَ الكَلامِ مَعَهم والخِطابِ لَهم في هَذِهِ السُّورَةِ، هي أيْضًا أوْلى بِأنْ تُعادَ وتُكَرَّرَ لِما فِيها مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ والرَّهْبَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وبِهَذا تَعْرِفُ صِحَّةَ ما قَدَّمْناهُ لَكَ عِنْدَ بَيانِ شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خِطابِ بَنِي إسْرائِيل مِن هَذِهِ السُّورَةِ فَراجِعْهُ ثُمَّ حَكى البَقاعِيُّ بَعْدَ كَلامِهِ السّابِقِ عَنِ الحَوالِي أنَّهُ قالَ: كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ، ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ بِأنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كانَ الخِطابُ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتَمِهِ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِذاتِهِ تِلْكَ الغايَةَ فَيَتْلُوها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ الثَّناءِ، وفي تَفْهِيمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى.
وأقُولُ: لَوْ كانَ هَذا هو سَبَبَ التَّكْرارِ لَكانَ الأوْلى بِهِ ما عَرَّفْناكَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ولِيُتَّخَذَ ذَلِكَ أصْلًا لِما يَرِدُ مِنَ التَّكْرارِ في سائِرِ القُرْآنِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ حُصُولَ هَذا الأمْرِ في الأذْهانِ وتَقَرُّرَهُ في الأفْهامِ لا يَخْتَصُّ بِتَكْرِيرِ آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ افْتِتاحُ هَذا المَقْصِدِ بِها، فَلَمْ تَتِمَّ حِينَئِذٍ النُّكْتَةُ في تَكْرِيرِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِخُصُوصِهِما، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ الَّتِي لا تَبْلُغُها الأفْهامُ ولا تُدْرِكُها العُقُولُ، فَلَيْسَ في تَكْلِيفِ هَذِهِ المُناسَباتِ المُتَعَسِّفَةِ إلّا ما عَرَّفْناكَ بِهِ هُنالِكَ فَتَذَكَّرْ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ الِابْتِلاءُ: الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ: أيِ ابْتَلاهُ بِما أمَرَهُ بِهِ، و" إبْراهِيمَ " مَعْناهُ في السُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: وكَثِيًرا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ بَيْنَ السُّرْيانِيِّ والعَرَبِيِّ.
وقَدْ أوْرَدَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا سُؤالًا في رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى إبْراهِيمَ مَعَ كَوْنِ رُتْبَتِهِ التَّأْخِيرَ، وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَفْظًا فَرَجَعَ إلَيْهِ، والأمْرُ في هَذا أوْضَحُ مِن أنْ يُشْتَغَلَ بِذِكْرِهِ، أوْ تَرِدَ في مِثْلِهِ الأسْئِلَةُ أوْ يُسَوَّدَ وجْهُ القِرْطاسِ بِإيضاحِهِ.
قَوْلُهُ: بِكَلِماتٍ قَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها، فَقِيلَ: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، وقِيلَ: ذَبْحُ ابْنِهِ، وقِيلَ: أداءُ الرِّسالَةِ، وقِيلَ: هي خِصالُ الفِطْرَةِ، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وقِيلَ: بِالطَّهارَةِ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ بِمُتَناقِضَةٍ، لِأنَّ هَذا كُلَّهُ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ إبْراهِيمُ. انْتَهى.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ الكَلِماتِ (p-٩١)هِيَ قَوْلُهُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ وما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِلْكَلِماتِ، وسَيَأْتِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ما يُوافِقُ ذَلِكَ، وعَنْ آخَرِينَ ما يُخالِفُهُ.
وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ مُسْتَأْنَفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ ما حاصِلُهُ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَلِماتِ جَمِيعَ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بَعْضَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ الجَزْمُ بِشَيْءٍ مِنها أنَّهُ المُرادُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا بِحَدِيثٍ أوْ إجْماعٍ، ولَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ خَبَرٌ بِنَقْلِ الواحِدِ ولا بِنَقْلِ الجَماعَةِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ الَّذِي قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، أوْلى بِالصَّوابِ، يَعْنِي أنَّ الكَلِماتِ هي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ وما بَعْدَهُ.
ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّها تَشْمَلُ جَمِيعَ ما ذُكِرَ، وسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِما هو الحَقُّ بَعْدَ إيرادِ ما ورَدَ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ أيْ قامَ بِهِنَّ أتَمَّ قِيامٍ، وامْتَثَلَ أكْمَلَ امْتِثالٍ.
والإمامُ: هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ إمامٌ ولِلْبِناءِ إمامٌ، لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِذَلِكَ، أيْ يَهْتَدِي بِهِ السّالِكُ، والإمامُ لَمّا كانَ هو القُدْوَةَ لِلنّاسِ لِكَوْنِهِمْ يَأْتَمُّونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُعاءً مِن إبْراهِيمَ، أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي أئِمَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إبْراهِيمَ بِقَصْدِ الِاسْتِفْهامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِصِيغَتِهِ، أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي ماذا يَكُونُ يا رَبِّ ؟ فَأخْبَرَهُ أنَّ فِيهِمْ عُصاةً وظَلَمَةً، وأنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ ولا يَقُومُونَ بِهِ ولا يَنالُهم عَهْدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
والذُّرِّيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الذَّرِّ، لِأنَّ اللَّهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ كالذَّرِّ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ يَذْرَؤُهم: إذا خَلَقَهم.
وفِي الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: ذَرَّتِ الرِّيحُ السَّحابَ وغَيْرَهُ تَذْرُوهُ وتَذْرِيهِ ذَرْوًا وذَرْيًا، أيْ نَسَفَتْهُ، وقالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمُّوا ذُرِّيَّةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَرَأها عَلى الأرْضِ كَما ذَرَأ الزّارِعُ البِذْرَ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالعَهْدِ فَقِيلَ: الإمامَةُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: عَهْدُ اللَّهِ: أمْرُهُ، وقِيلَ: الأمانُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الزَّجّاجُ والأوَّلُ أظْهَرُ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الإمامَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والعَمَلِ بِالشَّرْعِ كَما ورَدَ، لِأنَّهُ إذا زاغَ عَنْ ذَلِكَ كانَ ظالِمًا.
ويُمْكِنُ أنْ يُنْظَرَ إلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَهْدِ وما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ العُمُومِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى السَّبَبِ ولا إلى السِّياقِ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى اشْتِراطِ السَّلامَةِ مِن وصْفِ الظُّلْمِ في كُلِّ مَن تَعَلَّقَ بِالأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَنالُ عَهْدُ اللَّهِ بِالإمامَةِ ظالِمًا، فَفِيها إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ أنَّهُ سَيُوجَدُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ.
انْتَهى.
ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا جَدْوى لِكَلامِهِ هَذا.
فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ في مَعْنى الأمْرِ لِعِبادِهِ أنْ لا يُوَلُّوا أُمُورَ الشَّرْعِ ظالِمًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، لِأنَّ أخْبارَهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ تَتَخَلَّفَ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ قَدْ نالَ عَهْدُهُ مِنِ الإمامَةِ وغَيْرِها كَثِيرًا مِنَ الظّالِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ هو الكَعْبَةُ غَلَبَ عَلَيْهِ كَما غَلَبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا، و﴿مَثابَةً﴾ مَصْدَرٌ مِن ثابَ يَثُوبُ مَثابًا ومَثابَةً، أيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُ الحُجّاجُ إلَيْهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ في الكَعْبَةِ:
؎مَثابٌ لِأقْفاءِ القَبائِلِ كُلِّها تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الذَّوابِلُ
وقَرَأ الأعْمَشُ " مَثاباتٍ " وقِيلَ: المَثابَةُ مِنَ الثَّوابِ، أيْ يُثابُونَ هُنالِكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ أنَّهم لا يَقْضُونَ مِنهُ أوْطارَهم، قالَ الشّاعِرُ:
؎جُعِلَ البَيْتُ مَثاباتٍ لَهم ∗∗∗ لَيْسَ مِنهُ الدَّهْرُ يَقْضُونَ الوَطَرَ
قالَ الأخْفَشُ: ودَخَلَتِ الهاءُ لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ فَهي كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: هي لِلتَّأْنِيثِ ولَيْسَتْ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأمْنًا﴾ هو اسْمُ مَكانٍ، أيْ مَوْضِعُ أمْنٍ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ الحَدُّ عَلى مَن لَجَأ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، أيْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخَذُوهُ مُصَلًّى.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى ( اذْكُرُوا ) المَذْكُورِ أوَّلِ الآياتِ، أوْ عَلى ( اذْكُرُوا ) المُقَدَّرِ عامِلًا في قَوْلِهِ: وإذْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا اتَّخِذُوا.
والمَقامُ في اللُّغَةِ: مَوْضِعُ القِيامِ.
قالَ النَّحّاسُ: هو مِن قامَ يَقُومُ، يَكُونُ مَصْدَرًا واسْمًا لِلْمَوْضِعِ، ومَقامُ مَن أقامَ، ولَيْسَ مِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
لِأنَّ مَعْناهُ أهْلُ مَقاماتٍ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المَقامِ عَلى أقْوالٍ: أصَحُّها أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ ويُصَلُّونَ عِنْدَهُ رَكْعَتَيِ الطَّوافِ، وقِيلَ: المَقامُ الحَجُّ كُلُّهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ، رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ قالَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالطَّهارَةِ: خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ؛ في الرَّأْسِ قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ، وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ مَكانِ الغائِطِ والبَوْلِ بِالماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: ما ابْتُلِيَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ فَقامَ بِهِ كُلِّهِ إلّا إبْراهِيمُ.
وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ لَهُ: ما الكَلِماتُ ؟ قالَ: سِهامُ الإسْلامِ ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشْرَةٌ في ( بَراءَةٌ ) ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ " قَدْ أفْلَحَ " و" سَألَ سائِلٌ " ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الآياتِ، وعَشْرَةٌ في (p-٩٢)الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ كُلَّهُنَّ فَكَتَبَ لَهُ بَراءَةً قالَ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنْهُ قالَ: مِنهُنَّ مَناسِكُ الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الكَلِماتُ ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ والآياتُ في شَأْنِ المَناسِكِ، والمَقامِ الَّذِي جُعِلَ لِإبْراهِيمَ، والرِّزْقِ الَّذِي رُزِقَ ساكِنُو البَيْتِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ في ذُرِّيَّتِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قالَ: ابْتُلِيَ بِالآياتِ الَّتِي بَعْدَها.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إبْراهِيمُ فَأتَمَّهُنَّ: فِراقُ قَوْمِهِ في اللَّهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفارَقَتِهِمْ، ومُحاجَّتُهُ نُمْرُوذَ في اللَّهِ حِينَ وقَفَهُ عَلى ما وقَفَهُ عَلَيْهِ مِن خَطَرِ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ خِلافُهم، وصَبْرُهُ عَلى قَذْفِهِمْ إيّاهُ في النّارِ لِيَحْرِقُوهُ في اللَّهِ، والهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وطَنِهِ وبِلادِهِ حِينَ أمَرَهُ بِالخُرُوجِ عَنْهم، وما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيافَةِ والصَّبْرِ عَلَيْها، وما ابْتُلِيَ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، فَلَمّا مَضى عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالقَمَرِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالشَّمْسِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالهِجْرَةِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالخِتانِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِابْنِهِ فَرَضِيَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ قالَ: فَأدّاهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ السِّواكُ» قُلْتُ: وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ إسْنادَهُ إلى عَطاءٍ صَحِيحٌ فَهو مُرْسَلٌ لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ولا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ عَلى مِثْلِهِ في تَفْسِيرِ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهَكَذا لا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ عَلى مِثْلِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ غَسْلُ الذَّكَرِ والبَراجِمِ، ومِثْلِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ عَنْهُ قالَ: سِتٌّ مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ: قَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، والفَرْقُ، وقَصُّ الأظْفارِ، والِاسْتِنْجاءُ، وحَلْقُ العانَةِ، قالَ: ثَلاثَةٌ في الرَّأْسِ، وثَلاثَةٌ في الجَسَدِ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مَشْرُوعِيَّةُ تِلْكَ العَشْرِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها إبْراهِيمُ، وأحْسَنُ ما رُوِيَ عَنْهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أوْ يَأْخُذُ مِن شارِبِهِ. قالَ: كانَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إبْراهِيمُ يَفْعَلُهُ» .
ولا يَخْفاكَ أنَّ فِعْلَ الخَلِيلِ لَهُ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها، وإذا لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا جاءَنا مِن طَرِيقٍ تَقُومُ بِها الحُجَّةُ تَعْيِينُ تِلْكَ الكَلِماتِ لَمْ يَبْقَ لَنا إلّا أنْ نَقُولَ: إنَّها ما ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِلْكَلِماتِ أوِ السُّكُوتُ وإحالَةُ العِلْمِ في ذَلِكَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَحْوِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم في تَعْيِينِها، فَهو أوَّلًا أقْوالُ صَحابَةٍ لا يَقُومُ بِها الحُجَّةُ فَضْلًا عَنْ أقْوالِ مَن بَعْدِهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا مَجالَ لِلِاجْتِهادِ في ذَلِكَ، وأنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ اخْتِلافًا يَمْتَنِعُ مَعَهُ العَمَلُ بِبَعْضِ ما رُوِيَ عَنْهم دُونَ البَعْضِ الآخَرِ. بَلِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ الواحِدِ مِنهم كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ العَمَلُ بِذَلِكَ - وبِهَذا تَعْرِفُ ضَعْفَ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ يُصارُ إلى العُمُومِ ويُقالُ: تِلْكَ الكَلِماتُ هي جَمِيعُ ما ذَكَرْنا هُنا، فَإنَّ هَذا يَسْتَلْزِمُ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ بِالضَّعِيفِ والمُتَناقِضِ وما لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ يُقْتَدى بِدِينِكَ وهَدْيِكَ وسُنَّتِكَ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ إمامًا لِغَيْرِ ذُرِّيَّتِي ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنْ يُقْتَدى بِدِينِهِمْ وهَدْيِهِمْ وسُنَّتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ فَأبى أنْ يَفْعَلَ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنالُ عَهْدُهُ ظالِمًا، فَأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ نالُوا عَهْدَهُ فَوارَثُوا بِهِ المُسْلِمِينَ وغازُوهم وناكَحُوهم، فَلَمّا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قَصَرَ اللَّهُ عَهْدَهُ وكَرامَتَهُ عَلى أوْلِيائِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: لا أجْعَلُ إمامًا ظالِمًا يُقْتَدى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُخْبِرُهُ أنَّهُ إنْ كانَ في ذُرِّيَّتِهِ ظالِمٌ لا يَنالُ عَهْدَهُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُوَلِّيَهُ شَيْئًا مِن أمْرِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِظالِمٍ عَلَيْكَ عَهْدٌ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ وكِيعُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا طاعَةَ إلّا في المَعْرُوفِ»، بِإسْنادِهِ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ هَكَذا: قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حامِدٍ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الأسَدِيُّ، حَدَّثَنا سُلَيْمُ بْنُ سَعِيدٍ الدّامَغانِيُّ، حَدَّثَنا وكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لَيْسَ لِلظّالِمِ عَهْدٌ وإنْ عاهَدْتَهُ فانْقُضْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وابْنِ حِبّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ قالَ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى أهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٩٣)﴿وأمْنًا﴾ قالَ: أمْنًا لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ ووافَقَنِي رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَهُنَّ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، واجْتَمَعَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِساؤُهُ في الغَيْرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مُخْتَصَرًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ ثَلاثَةَ أشْواطٍ ومَشى أرْبَعًا، حَتّى إذا فَرَغَ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ "» وفي مَقامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مُسْتَوْفاةٌ في الأُمَّهاتِ وغَيْرِها، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي كانَ إبْراهِيمُ يَقُومُ عَلَيْهِ لِبِناءِ الكَعْبَةِ لَمّا ارْتَفَعَ الجِدارُ، أتاهُ إسْماعِيلُ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ، كَما في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الَّذِي كانَ مُلْصَقًا بِجِدارِ الكَعْبَةِ.
وأوَّلُ مَن نَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ في وصْفِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا طافَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لَهُ عُمَرُ: هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ ؟ قالَ: نَعَمْ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
البقرة 2:124
قَوْلُهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْصَرُونَ﴾ قَدْ سَبَقَ مِثْلُ هَذا في صَدْرِ السُّورَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ، ووَجْهُ التَّكْرارِ الحَثُّ عَلى اتِّباعِ الرَّسُولِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ، ذَكَرَ مَعْناهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
وقالَ البَقاعِيُّ في تَفْسِيرِهِ: إنَّهُ لَمّا طالَ المَدى في اسْتِقْصاءِ تَذْكِيرِهِمْ بِالنِّعَمِ ثُمَّ في بَيانِ عَوارِهِمْ وهَتْكِ أسْتارِهِمْ، وخَتَمَ ذَلِكَ بِالتَّرْهِيبِ لِتَضْيِيعِ أدْيانِهِمْ بِأعْمالِهِمْ وأحْوالِهِمْ وأقْوالِهِمْ، أعادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتَهم مِنَ التَّذْكِيرِ بِالنِّعَمِ، والتَّحْذِيرِ مِن حُلُولِ النِّقَمِ يَوْمَ تُجْمَعُ الأُمَمُ، ويَدُومُ فِيهِ النَّدَمُ لِمَن زَلَّتْ بِهِ القَدَمُ، لِيُعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ بِالذّاتِ الحَثُّ عَلى انْتِهازِ الفُرْصَةِ. انْتَهى.
وأقُولُ: لَيْسَ هَذا بِشَيْءٍ، فَإنَّهُ لَوْ كانَ سَبَبُ التَّكْرارِ ما ذَكَرَهُ مِن طُولِ المَدى وأنَّهُ عادَ ما صَدَّرَ بِهِ قِصَّتهمْ لِذَلِكَ - لَكانَ الأوْلى بِالتَّكْرارِ، والأحَقُّ بِإعادَةِ الذِّكْرِ هو قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿يابَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ فَإنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَعَ كَوْنِها أوَّلَ الكَلامِ مَعَهم والخِطابِ لَهم في هَذِهِ السُّورَةِ، هي أيْضًا أوْلى بِأنْ تُعادَ وتُكَرَّرَ لِما فِيها مِنَ الأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ والرَّهْبَةِ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، وبِهَذا تَعْرِفُ صِحَّةَ ما قَدَّمْناهُ لَكَ عِنْدَ بَيانِ شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ في خِطابِ بَنِي إسْرائِيل مِن هَذِهِ السُّورَةِ فَراجِعْهُ ثُمَّ حَكى البَقاعِيُّ بَعْدَ كَلامِهِ السّابِقِ عَنِ الحَوالِي أنَّهُ قالَ: كَرَّرَهُ تَعالى إظْهارًا لِمَقْصِدِ التِئامِ آخِرِ الخِطابِ بِأوَّلِهِ، ولِيُتَّخَذَ هَذا الإفْصاحُ والتَّعْلِيمُ أصْلًا لِما يُمْكِنُ بِأنْ يَرِدَ مِن نَحْوِهِ في سائِرِ القُرْآنِ حَتّى كانَ الخِطابُ إذا انْتَهى إلى غايَةِ خاتَمِهِ يَجِبُ أنْ يَلْحَظَ القَلْبُ بِذاتِهِ تِلْكَ الغايَةَ فَيَتْلُوها لِيَكُونَ في تِلاوَتِهِ جامِعًا لِطَرَفَيِ الثَّناءِ، وفي تَفْهِيمِهِ جامِعًا لِمَعانِي طَرَفَيِ المَعْنى. انْتَهى.
وأقُولُ: لَوْ كانَ هَذا هو سَبَبَ التَّكْرارِ لَكانَ الأوْلى بِهِ ما عَرَّفْناكَ.
وأمّا قَوْلُهُ: ولِيُتَّخَذَ ذَلِكَ أصْلًا لِما يَرِدُ مِنَ التَّكْرارِ في سائِرِ القُرْآنِ، فَمَعْلُومٌ أنَّ حُصُولَ هَذا الأمْرِ في الأذْهانِ وتَقَرُّرَهُ في الأفْهامِ لا يَخْتَصُّ بِتَكْرِيرِ آيَةٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ افْتِتاحُ هَذا المَقْصِدِ بِها، فَلَمْ تَتِمَّ حِينَئِذٍ النُّكْتَةُ في تَكْرِيرِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ بِخُصُوصِهِما، ولِلَّهِ الحِكْمَةُ البالِغَةُ الَّتِي لا تَبْلُغُها الأفْهامُ ولا تُدْرِكُها العُقُولُ، فَلَيْسَ في تَكْلِيفِ هَذِهِ المُناسَباتِ المُتَعَسِّفَةِ إلّا ما عَرَّفْناكَ بِهِ هُنالِكَ فَتَذَكَّرْ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذِ ابْتَلى﴾ الِابْتِلاءُ: الِامْتِحانُ والِاخْتِبارُ: أيِ ابْتَلاهُ بِما أمَرَهُ بِهِ، و" إبْراهِيمَ " مَعْناهُ في السُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، كَذا قالَ الماوَرْدِيُّ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ في العَرَبِيَّةِ ذَلِكَ.
قالَ السُّهَيْلِيُّ: وكَثِيًرا ما يَقَعُ الِاتِّفاقُ بَيْنَ السُّرْيانِيِّ والعَرَبِيِّ.
وقَدْ أوْرَدَ صاحِبُ الكَشّافِ هُنا سُؤالًا في رُجُوعِ الضَّمِيرِ إلى إبْراهِيمَ مَعَ كَوْنِ رُتْبَتِهِ التَّأْخِيرَ، وأجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ لَفْظًا فَرَجَعَ إلَيْهِ، والأمْرُ في هَذا أوْضَحُ مِن أنْ يُشْتَغَلَ بِذِكْرِهِ، أوْ تَرِدَ في مِثْلِهِ الأسْئِلَةُ أوْ يُسَوَّدَ وجْهُ القِرْطاسِ بِإيضاحِهِ.
قَوْلُهُ: بِكَلِماتٍ قَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَعْيِينِها، فَقِيلَ: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، وقِيلَ: ذَبْحُ ابْنِهِ، وقِيلَ: أداءُ الرِّسالَةِ، وقِيلَ: هي خِصالُ الفِطْرَةِ، وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وقِيلَ: بِالطَّهارَةِ كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وهَذِهِ الأقْوالُ لَيْسَتْ بِمُتَناقِضَةٍ، لِأنَّ هَذا كُلَّهُ مِمّا ابْتُلِيَ بِهِ إبْراهِيمُ. انْتَهى.
وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ الكَلِماتِ (p-٩١)هِيَ قَوْلُهُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ وما بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِلْكَلِماتِ، وسَيَأْتِي عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ما يُوافِقُ ذَلِكَ، وعَنْ آخَرِينَ ما يُخالِفُهُ.
وعَلى هَذا فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ مُسْتَأْنَفًا كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ ما حاصِلُهُ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالكَلِماتِ جَمِيعَ ذَلِكَ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بَعْضَ ذَلِكَ، ولا يَجُوزُ الجَزْمُ بِشَيْءٍ مِنها أنَّهُ المُرادُ عَلى التَّعْيِينِ إلّا بِحَدِيثٍ أوْ إجْماعٍ، ولَمْ يَصِحَّ في ذَلِكَ خَبَرٌ بِنَقْلِ الواحِدِ ولا بِنَقْلِ الجَماعَةِ الَّذِي يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، ثُمَّ قالَ: فَلَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ الَّذِي قالَهُ مُجاهِدٌ وأبُو صالِحٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، أوْلى بِالصَّوابِ، يَعْنِي أنَّ الكَلِماتِ هي قَوْلُهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ وما بَعْدَهُ.
ورَجَّحَ ابْنُ كَثِيرٍ أنَّها تَشْمَلُ جَمِيعَ ما ذُكِرَ، وسَيَأْتِي التَّصْرِيحُ بِما هو الحَقُّ بَعْدَ إيرادِ ما ورَدَ عَنِ السَّلَفِ الصّالِحِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ أيْ قامَ بِهِنَّ أتَمَّ قِيامٍ، وامْتَثَلَ أكْمَلَ امْتِثالٍ.
والإمامُ: هو ما يُؤْتَمُّ بِهِ، ومِنهُ قِيلَ لِلطَّرِيقِ إمامٌ ولِلْبِناءِ إمامٌ، لِأنَّهُ يُؤْتَمُّ بِذَلِكَ، أيْ يَهْتَدِي بِهِ السّالِكُ، والإمامُ لَمّا كانَ هو القُدْوَةَ لِلنّاسِ لِكَوْنِهِمْ يَأْتَمُّونَ بِهِ ويَهْتَدُونَ بِهَدْيِهِ أُطْلِقَ عَلَيْهِ هَذا اللَّفْظُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ دُعاءً مِن إبْراهِيمَ، أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِي أئِمَّةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا مِن إبْراهِيمَ بِقَصْدِ الِاسْتِفْهامِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِصِيغَتِهِ، أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي ماذا يَكُونُ يا رَبِّ ؟ فَأخْبَرَهُ أنَّ فِيهِمْ عُصاةً وظَلَمَةً، وأنَّهم لا يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ ولا يَقُومُونَ بِهِ ولا يَنالُهم عَهْدُ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
والذُّرِّيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الذَّرِّ، لِأنَّ اللَّهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن ظَهْرِ آدَمَ حِينَ أشْهَدَهم عَلى أنْفُسِهِمْ كالذَّرِّ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِن ذَرَأ اللَّهُ الخَلْقَ يَذْرَؤُهم: إذا خَلَقَهم.
وفِي الكِتابِ العَزِيزِ: ﴿فَأصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ﴾ قالَ في الصِّحاحِ: ذَرَّتِ الرِّيحُ السَّحابَ وغَيْرَهُ تَذْرُوهُ وتَذْرِيهِ ذَرْوًا وذَرْيًا، أيْ نَسَفَتْهُ، وقالَ الخَلِيلُ: إنَّما سُمُّوا ذُرِّيَّةً لِأنَّ اللَّهَ تَعالى ذَرَأها عَلى الأرْضِ كَما ذَرَأ الزّارِعُ البِذْرَ.
واخْتُلِفَ في المُرادِ بِالعَهْدِ فَقِيلَ: الإمامَةُ، وقِيلَ: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: عَهْدُ اللَّهِ: أمْرُهُ، وقِيلَ: الأمانُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، ورَجَّحَهُ الزَّجّاجُ والأوَّلُ أظْهَرُ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الإمامَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِن أهْلِ العَدْلِ والعَمَلِ بِالشَّرْعِ كَما ورَدَ، لِأنَّهُ إذا زاغَ عَنْ ذَلِكَ كانَ ظالِمًا.
ويُمْكِنُ أنْ يُنْظَرَ إلى ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ العَهْدِ وما تُفِيدُهُ الإضافَةُ مِنَ العُمُومِ فَيَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى السَّبَبِ ولا إلى السِّياقِ، فَيُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى اشْتِراطِ السَّلامَةِ مِن وصْفِ الظُّلْمِ في كُلِّ مَن تَعَلَّقَ بِالأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
وقَدِ اخْتارَ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ وإنْ كانَتْ ظاهِرَةً في الخَبَرِ أنَّهُ لا يَنالُ عَهْدُ اللَّهِ بِالإمامَةِ ظالِمًا، فَفِيها إعْلامٌ مِنَ اللَّهِ لِإبْراهِيمَ الخَلِيلِ أنَّهُ سَيُوجَدُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن هو ظالِمٌ لِنَفْسِهِ.
انْتَهى.
ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا جَدْوى لِكَلامِهِ هَذا.
فالأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا الخَبَرَ في مَعْنى الأمْرِ لِعِبادِهِ أنْ لا يُوَلُّوا أُمُورَ الشَّرْعِ ظالِمًا، وإنَّما قُلْنا: إنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، لِأنَّ أخْبارَهُ تَعالى لا يَجُوزُ أنْ تَتَخَلَّفَ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّهُ قَدْ نالَ عَهْدُهُ مِنِ الإمامَةِ وغَيْرِها كَثِيرًا مِنَ الظّالِمِينَ.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ هو الكَعْبَةُ غَلَبَ عَلَيْهِ كَما غَلَبَ النَّجْمُ عَلى الثُّرَيّا، و﴿مَثابَةً﴾ مَصْدَرٌ مِن ثابَ يَثُوبُ مَثابًا ومَثابَةً، أيْ مَرْجِعًا يَرْجِعُ الحُجّاجُ إلَيْهِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ ورَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ في الكَعْبَةِ:
؎مَثابٌ لِأقْفاءِ القَبائِلِ كُلِّها تَخُبُّ إلَيْها اليَعْمَلاتُ الذَّوابِلُ
وقَرَأ الأعْمَشُ " مَثاباتٍ " وقِيلَ: المَثابَةُ مِنَ الثَّوابِ، أيْ يُثابُونَ هُنالِكَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ أنَّهم لا يَقْضُونَ مِنهُ أوْطارَهم، قالَ الشّاعِرُ:
؎جُعِلَ البَيْتُ مَثاباتٍ لَهم ∗∗∗ لَيْسَ مِنهُ الدَّهْرُ يَقْضُونَ الوَطَرَ
قالَ الأخْفَشُ: ودَخَلَتِ الهاءُ لِكَثْرَةِ مَن يَثُوبُ إلَيْهِ فَهي كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ.
وقالَ غَيْرُهُ: هي لِلتَّأْنِيثِ ولَيْسَتْ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأمْنًا﴾ هو اسْمُ مَكانٍ، أيْ مَوْضِعُ أمْنٍ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّهُ لا يُقامُ الحَدُّ عَلى مَن لَجَأ إلَيْهِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ مَنسُوخٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الخاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ، أيْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخَذُوهُ مُصَلًّى.
وقَرَأ الباقُونَ عَلى صِيغَةِ الأمْرِ عَطْفًا عَلى ( اذْكُرُوا ) المَذْكُورِ أوَّلِ الآياتِ، أوْ عَلى ( اذْكُرُوا ) المُقَدَّرِ عامِلًا في قَوْلِهِ: وإذْ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ وقُلْنا اتَّخِذُوا.
والمَقامُ في اللُّغَةِ: مَوْضِعُ القِيامِ.
قالَ النَّحّاسُ: هو مِن قامَ يَقُومُ، يَكُونُ مَصْدَرًا واسْمًا لِلْمَوْضِعِ، ومَقامُ مَن أقامَ، ولَيْسَ مِن هَذا قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وفِيهِمْ مَقاماتٌ حِسانٌ وُجُوهُها ∗∗∗ وأنْدِيَةٌ يَنْتابُها القَوْلُ والفِعْلُ
لِأنَّ مَعْناهُ أهْلُ مَقاماتٍ.
واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المَقامِ عَلى أقْوالٍ: أصَحُّها أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي يَعْرِفُهُ النّاسُ ويُصَلُّونَ عِنْدَهُ رَكْعَتَيِ الطَّوافِ، وقِيلَ: المَقامُ الحَجُّ كُلُّهُ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ، وقِيلَ: عَرَفَةُ والمُزْدَلِفَةُ، رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: الحَرَمُ كُلُّهُ مَقامُ إبْراهِيمَ.
ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ قالَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالطَّهارَةِ: خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ؛ في الرَّأْسِ قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ، وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ مَكانِ الغائِطِ والبَوْلِ بِالماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: ما ابْتُلِيَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ فَقامَ بِهِ كُلِّهِ إلّا إبْراهِيمُ.
وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَقِيلَ لَهُ: ما الكَلِماتُ ؟ قالَ: سِهامُ الإسْلامِ ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشْرَةٌ في ( بَراءَةٌ ) ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرَةٌ في أوَّلِ سُورَةِ " قَدْ أفْلَحَ " و" سَألَ سائِلٌ " ﴿والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ الآياتِ، وعَشْرَةٌ في (p-٩٢)الأحْزابِ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ كُلَّهُنَّ فَكَتَبَ لَهُ بَراءَةً قالَ تَعالى: ﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ عَنْهُ قالَ: مِنهُنَّ مَناسِكُ الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: الكَلِماتُ ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ والآياتُ في شَأْنِ المَناسِكِ، والمَقامِ الَّذِي جُعِلَ لِإبْراهِيمَ، والرِّزْقِ الَّذِي رُزِقَ ساكِنُو البَيْتِ وبَعْثِ مُحَمَّدٍ في ذُرِّيَّتِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قالَ: ابْتُلِيَ بِالآياتِ الَّتِي بَعْدَها.
وأخْرَجا أيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إبْراهِيمُ فَأتَمَّهُنَّ: فِراقُ قَوْمِهِ في اللَّهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفارَقَتِهِمْ، ومُحاجَّتُهُ نُمْرُوذَ في اللَّهِ حِينَ وقَفَهُ عَلى ما وقَفَهُ عَلَيْهِ مِن خَطَرِ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ خِلافُهم، وصَبْرُهُ عَلى قَذْفِهِمْ إيّاهُ في النّارِ لِيَحْرِقُوهُ في اللَّهِ، والهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وطَنِهِ وبِلادِهِ حِينَ أمَرَهُ بِالخُرُوجِ عَنْهم، وما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيافَةِ والصَّبْرِ عَلَيْها، وما ابْتُلِيَ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، فَلَمّا مَضى عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قالَ اللَّهُ لَهُ ﴿أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالقَمَرِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالشَّمْسِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالهِجْرَةِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالخِتانِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِابْنِهِ فَرَضِيَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ قالَ: فَأدّاهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ السِّواكُ» قُلْتُ: وهَذا عَلى تَقْدِيرِ أنَّ إسْنادَهُ إلى عَطاءٍ صَحِيحٌ فَهو مُرْسَلٌ لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ، ولا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ عَلى مِثْلِهِ في تَفْسِيرِ كَلامَ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وهَكَذا لا يَحِلُّ الِاعْتِمادُ عَلى مِثْلِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ غَسْلُ الذَّكَرِ والبَراجِمِ، ومِثْلِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ عَنْهُ قالَ: سِتٌّ مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ: قَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، والفَرْقُ، وقَصُّ الأظْفارِ، والِاسْتِنْجاءُ، وحَلْقُ العانَةِ، قالَ: ثَلاثَةٌ في الرَّأْسِ، وثَلاثَةٌ في الجَسَدِ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ مَشْرُوعِيَّةُ تِلْكَ العَشْرِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، ولَمْ يَصِحَّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّها الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها إبْراهِيمُ، وأحْسَنُ ما رُوِيَ عَنْهُ ما أخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أوْ يَأْخُذُ مِن شارِبِهِ. قالَ: كانَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إبْراهِيمُ يَفْعَلُهُ» .
ولا يَخْفاكَ أنَّ فِعْلَ الخَلِيلِ لَهُ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ مِنَ الكَلِماتِ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها، وإذا لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا جاءَنا مِن طَرِيقٍ تَقُومُ بِها الحُجَّةُ تَعْيِينُ تِلْكَ الكَلِماتِ لَمْ يَبْقَ لَنا إلّا أنْ نَقُولَ: إنَّها ما ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بَيانًا لِلْكَلِماتِ أوِ السُّكُوتُ وإحالَةُ العِلْمِ في ذَلِكَ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وأمّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ونَحْوِهِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم في تَعْيِينِها، فَهو أوَّلًا أقْوالُ صَحابَةٍ لا يَقُومُ بِها الحُجَّةُ فَضْلًا عَنْ أقْوالِ مَن بَعْدِهِمْ، وعَلى تَقْدِيرِ أنَّهُ لا مَجالَ لِلِاجْتِهادِ في ذَلِكَ، وأنَّ لَهُ حُكْمَ الرَّفْعِ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في التَّعْيِينِ اخْتِلافًا يَمْتَنِعُ مَعَهُ العَمَلُ بِبَعْضِ ما رُوِيَ عَنْهم دُونَ البَعْضِ الآخَرِ. بَلِ اخْتَلَفَتِ الرِّواياتُ عَنِ الواحِدِ مِنهم كَما قَدَّمْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَكَيْفَ يَجُوزُ العَمَلُ بِذَلِكَ - وبِهَذا تَعْرِفُ ضَعْفَ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ يُصارُ إلى العُمُومِ ويُقالُ: تِلْكَ الكَلِماتُ هي جَمِيعُ ما ذَكَرْنا هُنا، فَإنَّ هَذا يَسْتَلْزِمُ تَفْسِيرَ كَلامِ اللَّهِ بِالضَّعِيفِ والمُتَناقِضِ وما لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ يُقْتَدى بِدِينِكَ وهَدْيِكَ وسُنَّتِكَ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ إمامًا لِغَيْرِ ذُرِّيَّتِي ﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنْ يُقْتَدى بِدِينِهِمْ وهَدْيِهِمْ وسُنَّتِهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: قالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ فَأبى أنْ يَفْعَلَ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَنالُ عَهْدُهُ ظالِمًا، فَأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ نالُوا عَهْدَهُ فَوارَثُوا بِهِ المُسْلِمِينَ وغازُوهم وناكَحُوهم، فَلَمّا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قَصَرَ اللَّهُ عَهْدَهُ وكَرامَتَهُ عَلى أوْلِيائِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في تَفْسِيرِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: لا أجْعَلُ إمامًا ظالِمًا يُقْتَدى بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُخْبِرُهُ أنَّهُ إنْ كانَ في ذُرِّيَّتِهِ ظالِمٌ لا يَنالُ عَهْدَهُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُوَلِّيَهُ شَيْئًا مِن أمْرِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لَيْسَ لِظالِمٍ عَلَيْكَ عَهْدٌ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.
وقَدْ أخْرَجَ وكِيعُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا طاعَةَ إلّا في المَعْرُوفِ»، بِإسْنادِهِ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ هَكَذا: قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حامِدٍ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ الأسَدِيُّ، حَدَّثَنا سُلَيْمُ بْنُ سَعِيدٍ الدّامَغانِيُّ، حَدَّثَنا وكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن حَدِيثِ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: لَيْسَ لِلظّالِمِ عَهْدٌ وإنْ عاهَدْتَهُ فانْقُضْهُ.
قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ ومُقاتِلٍ وابْنِ حِبّانَ نَحْوُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ قالَ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: لا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى أهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٩٣)﴿وأمْنًا﴾ قالَ: أمْنًا لِلنّاسِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ أنَسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ ووافَقَنِي رَبِّي في ثَلاثٍ، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَهُنَّ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، واجْتَمَعَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِساؤُهُ في الغَيْرَةِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مُخْتَصَرًا مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ جابِرٍ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ ثَلاثَةَ أشْواطٍ ومَشى أرْبَعًا، حَتّى إذا فَرَغَ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ "» وفي مَقامِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مُسْتَوْفاةٌ في الأُمَّهاتِ وغَيْرِها، والأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ مَقامَ إبْراهِيمَ هو الحَجَرُ الَّذِي كانَ إبْراهِيمُ يَقُومُ عَلَيْهِ لِبِناءِ الكَعْبَةِ لَمّا ارْتَفَعَ الجِدارُ، أتاهُ إسْماعِيلُ بِهِ لِيَقُومَ فَوْقَهُ، كَما في البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو الَّذِي كانَ مُلْصَقًا بِجِدارِ الكَعْبَةِ.
وأوَّلُ مَن نَقَلَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ جابِرٍ في وصْفِ حَجِّ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا طافَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لَهُ عُمَرُ: هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ ؟ قالَ: نَعَمْ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ.
البقرة 2:125
قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.
والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.
والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.
ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.
والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.
والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبِناءِ المُرْتَفِعِ فَوْقَها صارَتْ كَأنَّها مُرْتَفِعَةٌ بِارْتِفاعِهِ، كَما يُقالُ ارْتَفَعَ البِناءُ، ولا يُقالُ ارْتَفَعَ أعالِي البِناءِ ولا أسافِلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ في مَحَلِّ الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلِينَ رَبَّنا.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا " .
وقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اجْعَلْنا ثابِتَيْنِ عَلَيْهِ أوْ زِدْنا مِنهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ هُنا مَجْمُوعُ الإيمانِ والأعْمالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّبْيِينِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ العَرَبَ خاصَّةً، وكَذا قالَ السُّهَيْلِيُّ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ في العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ.
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ في هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الدِّينِ، ومِنهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ، ومِنهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ هي مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٩٤)كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وغَيْرِهِمْ " أرْنا " بِسُكُونِ الرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أرْنا إداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ يَمْلَؤُها مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا
والمَناسِكُ جَمْعُ نُسُكٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الغَسْلُ، يُقالُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ: إذا غَسَلَهُ.
وهُوَ في الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْعِبادَةِ، والمُرادُ هُنا مَناسِكُ الحَجِّ، وقِيلَ: مَواضِعُ الذَّبْحِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُتَعَبَّداتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ قِيلَ: المُرادُ بِطَلَبِهِما لِلتَّوْبَةِ التَّثْبِيتُ، لِأنَّهُما مَعْصُومانِ لا ذَنْبَ لَهُما، وقِيلَ: المُرادُ تُبْ عَلى الظَّلَمَةِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ أمَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قالَ: مِنَ الأوْثانِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وزادُوا: الرَّيْبَ وقَوْلَ الزُّورِ والرِّجْسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا كانَ قائِمًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ، وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِينَ يَنامُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: هُمُ العاكِفُونَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَلا يُصادُ صَيْدُها ولا يُقْطَعُ عِضاهُها» أخْرَجَهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ومِنهم أبُو قَتادَةَ عِنْدَ أحْمَدَ، ومِنهم أنَسٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، ومِنهم أبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، ومِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ ومِنهم أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ أحْمَدَ والبُخارِيِّ، ومِنهم عائِشَةُ عِنْدَ البُخارِيِّ.
وثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ وهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفي البابِ أحادِيثُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَلَّغَ النّاسَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها وأنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا آمِنًا نَسَبَ إلَيْهِ أنَّهُ حَرَّمَها، أيْ أظْهَرَ لِلنّاسِ حُكْمَ اللَّهِ فِيها، وإلى هَذا الجَمْعِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها كانَتْ حَرامًا ولَمْ يَتَعَبَّدِ اللَّهُ الخَلْقَ بِذَلِكَ حَتّى سَألَهُ إبْراهِيمُ فَحَرَّمَها وتَعَبَّدَهم بِذَلِكَ. انْتَهى.
وكِلا الجَمْعَيْنِ حَسَنٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ لِلْحَرَمِ فَقالَ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والأزْرَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا الأزْرَقِيُّ عَنْ بَعْضِ ولَدِ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ الأزْرَقِيُّ نَحْوَها مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: دَعا إبْراهِيمُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرَكَ الكُفّارَ ولَمْ يَدْعُ لَهم بِشَيْءٍ، قالَ اللَّهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ قالَ: كَأنَّ إبْراهِيمَ احْتَجَزَها عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْضًا فَأنا أرْزُقُهم كَما أرْزُقُ المُؤْمِنِينَ، أخْلُقُ خَلْقًا لا أرْزُقُهم ؟ أُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهم إلى عَذابِ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الرَّبِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ يَسْألُ رَبَّهُ أنَّ مَن كَفَرَ فَأمْتِعْهُ قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَواعِدُ أساسُ البَيْتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قِصَّةً مُطَوَّلَةً، وآخِرُها في بِناءِ البَيْتِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْماعِيلُ يَأْتِي بِالحِجارَةِ وإبْراهِيمُ يَبْنِي حَتّى إذا ارْتَفَعَ البِناءُ جاءَ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضْعَهُ لَهُ، فَقامَ عَلَيْهِ وهو يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وهُما يَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ قالَ: القَواعِدُ الَّتِي كانَتْ قَواعِدَ البَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن نَقْلِ أقْوالِ السَّلَفِ في كَيْفِيَّةِ بِناءِ البَيْتِ، ومِن أيِّ أحْجارِ الأرْضِ بُنِيَ، وفي أيِّ زَمانٍ عُرِفَ، ومَن حَجَّهُ ؟ وما ورَدَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ أوْ فَضْلِ بَعْضِهِ كالحَجَرِ الأسْوَدِ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّفْسِيرِ لَمْ نَذْكُرْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلّامِ بْنِ أبِي مُطِيعٍ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قالَ: كانا مُسْلِمَيْنِ ولَكِنْ سَألاهُ الثَّباتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ، قالَ: مُخْلِصَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ قالَ: يَعْنِيانِ العَرَبَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنا مَناسِكَنا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَأتى بِهِ البَيْتَ فَقالَ: ارْفَعِ القَواعِدَ، فَرَفَعَ القَواعِدَ وأتَمَّ البُنْيانَ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ فَأخْرَجَهُ فانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمّا كانَ عِنْدَ العَقَبَةِ فَإذا إبْلِيسُ قائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَقالَ: كَبِّرْ وارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورَماهُ، فَذَهَبَ إبْلِيسُ حَتّى أتى الجَمْرَةَ الوُسْطى فَفَعَلَ بِهِ إبْراهِيمُ كَما فَعَلَ في الأُولى، ثُمَّ كَذَلِكَ في الجَمْرَةِ الثّالِثَةِ، ثُمَّ أخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِ إبْراهِيمَ حَتّى أتى بِهِ المَشْعَرَ الحَرامَ فَقالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتّى أتى بِهِ عَرَفاتٍ، قالَ: وقَدْ عَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ ؟ قالَها ثَلاثًا، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ، قالَ: كَيْفَ أُؤَذِّنُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ أجِيبُوا رَبَّكم. ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأجابَ العِبادُ: (p-٩٥)لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَمَن أجابَ إبْراهِيمَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الخَلْقِ فَهو حاجٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ أيْ رَبِّ. فَأرِنا مَناسِكَنا: أبْرِزْها لَنا عَلِّمْناها، فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ. وفي البابِ آثارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم تَتَضَمَّنُ أنَّ جِبْرِيلَ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ، وفي أكْثَرِها أنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لَهُ كَما تَقَدَّمَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ.
البقرة 2:126
قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.
والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.
والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.
ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.
والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.
والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبِناءِ المُرْتَفِعِ فَوْقَها صارَتْ كَأنَّها مُرْتَفِعَةٌ بِارْتِفاعِهِ، كَما يُقالُ ارْتَفَعَ البِناءُ، ولا يُقالُ ارْتَفَعَ أعالِي البِناءِ ولا أسافِلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ في مَحَلِّ الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلِينَ رَبَّنا.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا " .
وقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اجْعَلْنا ثابِتَيْنِ عَلَيْهِ أوْ زِدْنا مِنهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ هُنا مَجْمُوعُ الإيمانِ والأعْمالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّبْيِينِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ العَرَبَ خاصَّةً، وكَذا قالَ السُّهَيْلِيُّ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ في العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ.
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ في هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الدِّينِ، ومِنهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ، ومِنهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ هي مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٩٤)كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وغَيْرِهِمْ " أرْنا " بِسُكُونِ الرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أرْنا إداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ يَمْلَؤُها مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا
والمَناسِكُ جَمْعُ نُسُكٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الغَسْلُ، يُقالُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ: إذا غَسَلَهُ.
وهُوَ في الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْعِبادَةِ، والمُرادُ هُنا مَناسِكُ الحَجِّ، وقِيلَ: مَواضِعُ الذَّبْحِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُتَعَبَّداتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ قِيلَ: المُرادُ بِطَلَبِهِما لِلتَّوْبَةِ التَّثْبِيتُ، لِأنَّهُما مَعْصُومانِ لا ذَنْبَ لَهُما، وقِيلَ: المُرادُ تُبْ عَلى الظَّلَمَةِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ أمَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قالَ: مِنَ الأوْثانِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وزادُوا: الرَّيْبَ وقَوْلَ الزُّورِ والرِّجْسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا كانَ قائِمًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ، وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِينَ يَنامُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: هُمُ العاكِفُونَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَلا يُصادُ صَيْدُها ولا يُقْطَعُ عِضاهُها» أخْرَجَهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ومِنهم أبُو قَتادَةَ عِنْدَ أحْمَدَ، ومِنهم أنَسٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، ومِنهم أبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، ومِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ ومِنهم أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ أحْمَدَ والبُخارِيِّ، ومِنهم عائِشَةُ عِنْدَ البُخارِيِّ.
وثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ وهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفي البابِ أحادِيثُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَلَّغَ النّاسَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها وأنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا آمِنًا نَسَبَ إلَيْهِ أنَّهُ حَرَّمَها، أيْ أظْهَرَ لِلنّاسِ حُكْمَ اللَّهِ فِيها، وإلى هَذا الجَمْعِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها كانَتْ حَرامًا ولَمْ يَتَعَبَّدِ اللَّهُ الخَلْقَ بِذَلِكَ حَتّى سَألَهُ إبْراهِيمُ فَحَرَّمَها وتَعَبَّدَهم بِذَلِكَ. انْتَهى.
وكِلا الجَمْعَيْنِ حَسَنٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ لِلْحَرَمِ فَقالَ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والأزْرَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا الأزْرَقِيُّ عَنْ بَعْضِ ولَدِ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ الأزْرَقِيُّ نَحْوَها مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: دَعا إبْراهِيمُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرَكَ الكُفّارَ ولَمْ يَدْعُ لَهم بِشَيْءٍ، قالَ اللَّهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ قالَ: كَأنَّ إبْراهِيمَ احْتَجَزَها عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْضًا فَأنا أرْزُقُهم كَما أرْزُقُ المُؤْمِنِينَ، أخْلُقُ خَلْقًا لا أرْزُقُهم ؟ أُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهم إلى عَذابِ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الرَّبِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ يَسْألُ رَبَّهُ أنَّ مَن كَفَرَ فَأمْتِعْهُ قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَواعِدُ أساسُ البَيْتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قِصَّةً مُطَوَّلَةً، وآخِرُها في بِناءِ البَيْتِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْماعِيلُ يَأْتِي بِالحِجارَةِ وإبْراهِيمُ يَبْنِي حَتّى إذا ارْتَفَعَ البِناءُ جاءَ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضْعَهُ لَهُ، فَقامَ عَلَيْهِ وهو يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وهُما يَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ قالَ: القَواعِدُ الَّتِي كانَتْ قَواعِدَ البَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن نَقْلِ أقْوالِ السَّلَفِ في كَيْفِيَّةِ بِناءِ البَيْتِ، ومِن أيِّ أحْجارِ الأرْضِ بُنِيَ، وفي أيِّ زَمانٍ عُرِفَ، ومَن حَجَّهُ ؟ وما ورَدَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ أوْ فَضْلِ بَعْضِهِ كالحَجَرِ الأسْوَدِ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّفْسِيرِ لَمْ نَذْكُرْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلّامِ بْنِ أبِي مُطِيعٍ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قالَ: كانا مُسْلِمَيْنِ ولَكِنْ سَألاهُ الثَّباتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ، قالَ: مُخْلِصَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ قالَ: يَعْنِيانِ العَرَبَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنا مَناسِكَنا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَأتى بِهِ البَيْتَ فَقالَ: ارْفَعِ القَواعِدَ، فَرَفَعَ القَواعِدَ وأتَمَّ البُنْيانَ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ فَأخْرَجَهُ فانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمّا كانَ عِنْدَ العَقَبَةِ فَإذا إبْلِيسُ قائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَقالَ: كَبِّرْ وارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورَماهُ، فَذَهَبَ إبْلِيسُ حَتّى أتى الجَمْرَةَ الوُسْطى فَفَعَلَ بِهِ إبْراهِيمُ كَما فَعَلَ في الأُولى، ثُمَّ كَذَلِكَ في الجَمْرَةِ الثّالِثَةِ، ثُمَّ أخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِ إبْراهِيمَ حَتّى أتى بِهِ المَشْعَرَ الحَرامَ فَقالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتّى أتى بِهِ عَرَفاتٍ، قالَ: وقَدْ عَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ ؟ قالَها ثَلاثًا، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ، قالَ: كَيْفَ أُؤَذِّنُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ أجِيبُوا رَبَّكم. ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأجابَ العِبادُ: (p-٩٥)لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَمَن أجابَ إبْراهِيمَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الخَلْقِ فَهو حاجٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ أيْ رَبِّ. فَأرِنا مَناسِكَنا: أبْرِزْها لَنا عَلِّمْناها، فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ. وفي البابِ آثارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم تَتَضَمَّنُ أنَّ جِبْرِيلَ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ، وفي أكْثَرِها أنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لَهُ كَما تَقَدَّمَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ.
البقرة 2:127
قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.
والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.
والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.
ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.
والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.
والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبِناءِ المُرْتَفِعِ فَوْقَها صارَتْ كَأنَّها مُرْتَفِعَةٌ بِارْتِفاعِهِ، كَما يُقالُ ارْتَفَعَ البِناءُ، ولا يُقالُ ارْتَفَعَ أعالِي البِناءِ ولا أسافِلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ في مَحَلِّ الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلِينَ رَبَّنا.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا " .
وقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اجْعَلْنا ثابِتَيْنِ عَلَيْهِ أوْ زِدْنا مِنهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ هُنا مَجْمُوعُ الإيمانِ والأعْمالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّبْيِينِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ العَرَبَ خاصَّةً، وكَذا قالَ السُّهَيْلِيُّ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ في العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ.
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ في هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الدِّينِ، ومِنهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ، ومِنهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ هي مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٩٤)كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وغَيْرِهِمْ " أرْنا " بِسُكُونِ الرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أرْنا إداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ يَمْلَؤُها مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا
والمَناسِكُ جَمْعُ نُسُكٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الغَسْلُ، يُقالُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ: إذا غَسَلَهُ.
وهُوَ في الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْعِبادَةِ، والمُرادُ هُنا مَناسِكُ الحَجِّ، وقِيلَ: مَواضِعُ الذَّبْحِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُتَعَبَّداتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ قِيلَ: المُرادُ بِطَلَبِهِما لِلتَّوْبَةِ التَّثْبِيتُ، لِأنَّهُما مَعْصُومانِ لا ذَنْبَ لَهُما، وقِيلَ: المُرادُ تُبْ عَلى الظَّلَمَةِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ أمَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قالَ: مِنَ الأوْثانِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وزادُوا: الرَّيْبَ وقَوْلَ الزُّورِ والرِّجْسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا كانَ قائِمًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ، وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِينَ يَنامُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: هُمُ العاكِفُونَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَلا يُصادُ صَيْدُها ولا يُقْطَعُ عِضاهُها» أخْرَجَهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ومِنهم أبُو قَتادَةَ عِنْدَ أحْمَدَ، ومِنهم أنَسٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، ومِنهم أبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، ومِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ ومِنهم أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ أحْمَدَ والبُخارِيِّ، ومِنهم عائِشَةُ عِنْدَ البُخارِيِّ.
وثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ وهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفي البابِ أحادِيثُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَلَّغَ النّاسَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها وأنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا آمِنًا نَسَبَ إلَيْهِ أنَّهُ حَرَّمَها، أيْ أظْهَرَ لِلنّاسِ حُكْمَ اللَّهِ فِيها، وإلى هَذا الجَمْعِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها كانَتْ حَرامًا ولَمْ يَتَعَبَّدِ اللَّهُ الخَلْقَ بِذَلِكَ حَتّى سَألَهُ إبْراهِيمُ فَحَرَّمَها وتَعَبَّدَهم بِذَلِكَ. انْتَهى.
وكِلا الجَمْعَيْنِ حَسَنٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ لِلْحَرَمِ فَقالَ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والأزْرَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا الأزْرَقِيُّ عَنْ بَعْضِ ولَدِ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ الأزْرَقِيُّ نَحْوَها مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: دَعا إبْراهِيمُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرَكَ الكُفّارَ ولَمْ يَدْعُ لَهم بِشَيْءٍ، قالَ اللَّهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ قالَ: كَأنَّ إبْراهِيمَ احْتَجَزَها عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْضًا فَأنا أرْزُقُهم كَما أرْزُقُ المُؤْمِنِينَ، أخْلُقُ خَلْقًا لا أرْزُقُهم ؟ أُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهم إلى عَذابِ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الرَّبِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ يَسْألُ رَبَّهُ أنَّ مَن كَفَرَ فَأمْتِعْهُ قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَواعِدُ أساسُ البَيْتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قِصَّةً مُطَوَّلَةً، وآخِرُها في بِناءِ البَيْتِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْماعِيلُ يَأْتِي بِالحِجارَةِ وإبْراهِيمُ يَبْنِي حَتّى إذا ارْتَفَعَ البِناءُ جاءَ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضْعَهُ لَهُ، فَقامَ عَلَيْهِ وهو يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وهُما يَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ قالَ: القَواعِدُ الَّتِي كانَتْ قَواعِدَ البَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن نَقْلِ أقْوالِ السَّلَفِ في كَيْفِيَّةِ بِناءِ البَيْتِ، ومِن أيِّ أحْجارِ الأرْضِ بُنِيَ، وفي أيِّ زَمانٍ عُرِفَ، ومَن حَجَّهُ ؟ وما ورَدَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ أوْ فَضْلِ بَعْضِهِ كالحَجَرِ الأسْوَدِ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّفْسِيرِ لَمْ نَذْكُرْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلّامِ بْنِ أبِي مُطِيعٍ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قالَ: كانا مُسْلِمَيْنِ ولَكِنْ سَألاهُ الثَّباتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ، قالَ: مُخْلِصَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ قالَ: يَعْنِيانِ العَرَبَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنا مَناسِكَنا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَأتى بِهِ البَيْتَ فَقالَ: ارْفَعِ القَواعِدَ، فَرَفَعَ القَواعِدَ وأتَمَّ البُنْيانَ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ فَأخْرَجَهُ فانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمّا كانَ عِنْدَ العَقَبَةِ فَإذا إبْلِيسُ قائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَقالَ: كَبِّرْ وارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورَماهُ، فَذَهَبَ إبْلِيسُ حَتّى أتى الجَمْرَةَ الوُسْطى فَفَعَلَ بِهِ إبْراهِيمُ كَما فَعَلَ في الأُولى، ثُمَّ كَذَلِكَ في الجَمْرَةِ الثّالِثَةِ، ثُمَّ أخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِ إبْراهِيمَ حَتّى أتى بِهِ المَشْعَرَ الحَرامَ فَقالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتّى أتى بِهِ عَرَفاتٍ، قالَ: وقَدْ عَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ ؟ قالَها ثَلاثًا، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ، قالَ: كَيْفَ أُؤَذِّنُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ أجِيبُوا رَبَّكم. ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأجابَ العِبادُ: (p-٩٥)لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَمَن أجابَ إبْراهِيمَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الخَلْقِ فَهو حاجٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ أيْ رَبِّ. فَأرِنا مَناسِكَنا: أبْرِزْها لَنا عَلِّمْناها، فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ. وفي البابِ آثارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم تَتَضَمَّنُ أنَّ جِبْرِيلَ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ، وفي أكْثَرِها أنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لَهُ كَما تَقَدَّمَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ.
البقرة 2:128
قَوْلُهُ: عَهِدْنا مَعْناهُ هُنا: أمَرْنا وأوْجَبْنا.
وقَوْلُهُ: ﴿أنْ طَهِّرا﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِنَزْعِ الخافِضِ، أيْ بِأنْ طَهِّرا قالَهُ الكُوفِيُّونَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو بِتَقْدِيرِ ( أيْ ) المُفَسِّرَةِ، أيْ أنْ طَهِّرا. فَلا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، والمُرادُ بِالتَّطْهِيرِ قِيلَ: مِنَ الأوْثانِ، وقِيلَ: مِنَ الآفاتِ والرِّيَبِ، وقِيلَ: مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: مِنَ النَّجاساتِ وطَوافِ الجُنُبِ والحائِضِ وكُلِّ خَبِيثٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لا يُخْتَصُّ بِنَوْعٍ مِن هَذِهِ الأنْواعِ، وأنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى التَّطْهِيرِ فَهو يَتَناوَلُهُ إمّا تَناوُلًا شُمُولِيًّا أوْ بَدَلِيًّا، والإضافَةُ في قَوْلِهِ: بَيْتِيَ لِلتَّشْرِيفِ والتَّكْرِيمِ، وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ المَدِينَةِ وهِشامٌ وحَفْصٌ " بَيْتِيَ " بِفَتْحِ الياءِ، وقَرَأ الآخَرُونَ بِإسْكانِها.
والطّائِفُ: الَّذِي يَطُوفُ بِهِ، وقِيلَ: الغَرِيبُ الطّارِئُ عَلى مَكَّةَ.
والعاكِفُ: المُقِيمُ: وأصِلُ العُكُوفِ في اللُّغَةِ: اللُّزُومُ والإقْبالُ عَلى الشَّيْءِ، وقِيلَ: هو المُجاوِرُ دُونَ المُقِيمِ مِن أهْلِها.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصَلُّونَ، وخَصَّ هَذَيْنِ الرُّكْنَيْنِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما أشْرَفُ أرْكانِ الصَّلاةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ سَتَأْتِي الأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ إبْراهِيمَ هو الَّذِي حَرَّمَ مَكَّةَ، والأحادِيثُ الدّالَّةُ عَلى أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ والجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ في هَذا البَحْثِ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلَدًا آمِنًا﴾ أيْ مَكَّةَ، والمُرادُ: الدُّعاءُ لِأهْلِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ: ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ أيْ راضٍ صاحِبُها.
وقَوْلُهُ: ﴿مَن آمَنَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِ: ( أهْلَهُ )، أيِ ارْزُقْ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ دُونَ مَن كَفَرَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذا مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ رَدًّا عَلى إبْراهِيمَ حَيْثُ طَلَبَ الرِّزْقَ لِلْمُؤْمِنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، أيْ وأرْزُقُ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ بِالرِّزْقِ قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ كَلامًا مُسْتَقِلًّا بَيانًا لِحالِ مَن كَفَرَ، ويَكُونَ في حُكْمِ الإخْبارِ عَنْ حالِ الكافِرِينَ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ، أيْ مَن كَفَرَ فَإنِّي أُمَتِّعُهُ في هَذِهِ الدُّنْيا بِما يَحْتاجُهُ مِنَ الرِّزْقِ ﴿ثُمَّ أضْطَرُّهُ﴾ بَعْدَ هَذا التَّمْتِيعِ ﴿إلى عَذابِ النّارِ﴾ فَأخْبَرَ سُبْحانَهُ أنَّهُ لا يَنالُ الكَفَرَةَ مِنَ الخَيْرِ إلّا تَمْتِيعُهم في هَذِهِ الدُّنْيا، ولَيْسَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ إلّا ما هو شَرٌّ مَحْضٌ وهو عَذابُ النّارِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ مَن قَرَأ " فَأمْتِعْهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: " ثُمَّ اضْطَرُّهُ " بِصِيغَةِ الأمْرِ فَهي مَبْنِيَّةٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ مِن جُمْلَةِ كَلامِ إبْراهِيمَ، وأنَّهُ لَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ دَعا لِلْكافِرِينَ بِالإمْتاعِ قَلِيلًا، ثُمَّ دَعا عَلَيْهِمْ بِأنْ يَضْطَرَّهم إلى عَذابِ النّارِ.
ومَعْنى: ( اضْطَرَّهُ ) ألْزَمَهُ حَتّى صَيَّرَهُ مُضْطَرًّا لِذَلِكَ لا يَجِدُ عَنْهُ مُخَلِّصًا، ولا مِنهُ مُتَحَوَّلًا.
قَوْلُهُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ﴾ هو حِكايَةٌ لِحالٍ ماضِيَةٍ اسْتِحْضارًا لِصُورَتِها العَجِيبَةِ.
والقَواعِدُ: الأساسُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هي الجُدُرُ.
والمُرادُ بِرَفْعِها رَفْعُ ما هو مَبْنِيٌّ فَوْقَها لا رَفْعُها في نَفْسِها فَإنَّها لَمْ تَرْتَفِعْ، لَكِنَّها لَمّا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِالبِناءِ المُرْتَفِعِ فَوْقَها صارَتْ كَأنَّها مُرْتَفِعَةٌ بِارْتِفاعِهِ، كَما يُقالُ ارْتَفَعَ البِناءُ، ولا يُقالُ ارْتَفَعَ أعالِي البِناءِ ولا أسافِلُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا﴾ في مَحَلِّ الحالِ بِتَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلِينَ رَبَّنا.
وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ " وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا " .
وقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اجْعَلْنا ثابِتَيْنِ عَلَيْهِ أوْ زِدْنا مِنهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالإسْلامِ هُنا مَجْمُوعُ الإيمانِ والأعْمالِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ أيْ واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتِنا، ومِن لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلتَّبْيِينِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ أرادَ بِالذُّرِّيَّةِ العَرَبَ خاصَّةً، وكَذا قالَ السُّهَيْلِيُّ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ في العَرَبِ وغَيْرِهِمْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ.
والأُمَّةُ: الجَماعَةُ في هَذا المَوْضِعِ، وقَدْ تُطْلَقُ عَلى الواحِدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الدِّينِ، ومِنهُ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ وتُطْلَقُ عَلى الزَّمانِ، ومِنهُ: ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ هي مِنَ الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ وقَتادَةُ وابْنُ (p-٩٤)كَثِيرٍ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وغَيْرِهِمْ " أرْنا " بِسُكُونِ الرّاءِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أرْنا إداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ يَمْلَؤُها مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا
والمَناسِكُ جَمْعُ نُسُكٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ الغَسْلُ، يُقالُ: نَسَكَ ثَوْبَهُ: إذا غَسَلَهُ.
وهُوَ في الشَّرْعِ اسْمٌ لِلْعِبادَةِ، والمُرادُ هُنا مَناسِكُ الحَجِّ، وقِيلَ: مَواضِعُ الذَّبْحِ، وقِيلَ: جَمِيعُ المُتَعَبَّداتِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وتُبْ عَلَيْنا﴾ قِيلَ: المُرادُ بِطَلَبِهِما لِلتَّوْبَةِ التَّثْبِيتُ، لِأنَّهُما مَعْصُومانِ لا ذَنْبَ لَهُما، وقِيلَ: المُرادُ تُبْ عَلى الظَّلَمَةِ مِنّا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ أيْ أمَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قالَ: مِنَ الأوْثانِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ، وزادُوا: الرَّيْبَ وقَوْلَ الزُّورِ والرِّجْسَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا كانَ قائِمًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ، وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الَّذِينَ يَنامُونَ في المَسْجِدِ فَقالَ: هُمُ العاكِفُونَ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَلا يُصادُ صَيْدُها ولا يُقْطَعُ عِضاهُها» أخْرَجَهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم مِن حَدِيثِ جابِرٍ.
وقَدْ رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن طَرِيقِ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم رافِعُ بْنُ خَدِيجٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، ومِنهم أبُو قَتادَةَ عِنْدَ أحْمَدَ، ومِنهم أنَسٌ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ، ومِنهم أبُو هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ، ومِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ عِنْدَ الطَّبَرانِيِّ في الأوْسَطِ ومِنهم أُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ أحْمَدَ والبُخارِيِّ، ومِنهم عائِشَةُ عِنْدَ البُخارِيِّ.
وثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضِ وهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
أخْرَجَهُ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وأخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وأهْلُ السُّنَنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، وفي البابِ أحادِيثُ غَيْرُ ما ذَكَرْنا، ولا تَعارُضَ بَيْنَ هَذِهِ الأحادِيثِ، فَإنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا بَلَّغَ النّاسَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها وأنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا آمِنًا نَسَبَ إلَيْهِ أنَّهُ حَرَّمَها، أيْ أظْهَرَ لِلنّاسِ حُكْمَ اللَّهِ فِيها، وإلى هَذا الجَمْعِ ذَهَبَ ابْنُ عَطِيَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّها كانَتْ حَرامًا ولَمْ يَتَعَبَّدِ اللَّهُ الخَلْقَ بِذَلِكَ حَتّى سَألَهُ إبْراهِيمُ فَحَرَّمَها وتَعَبَّدَهم بِذَلِكَ. انْتَهى.
وكِلا الجَمْعَيْنِ حَسَنٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ لِلْحَرَمِ فَقالَ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والأزْرَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا الأزْرَقِيُّ عَنْ بَعْضِ ولَدِ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعَمٍ.
وقَدْ أخْرَجَ الأزْرَقِيُّ نَحْوَها مَرْفُوعًا مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: دَعا إبْراهِيمُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرَكَ الكُفّارَ ولَمْ يَدْعُ لَهم بِشَيْءٍ، قالَ اللَّهُ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ﴾ قالَ: كَأنَّ إبْراهِيمَ احْتَجَزَها عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْضًا فَأنا أرْزُقُهم كَما أرْزُقُ المُؤْمِنِينَ، أخْلُقُ خَلْقًا لا أرْزُقُهم ؟ أُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهم إلى عَذابِ النّارِ، ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أنَّ هَذا مِن قَوْلِ الرَّبِّ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ يَسْألُ رَبَّهُ أنَّ مَن كَفَرَ فَأمْتِعْهُ قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَواعِدُ أساسُ البَيْتِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وغَيْرُهم، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قِصَّةً مُطَوَّلَةً، وآخِرُها في بِناءِ البَيْتِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْماعِيلُ يَأْتِي بِالحِجارَةِ وإبْراهِيمُ يَبْنِي حَتّى إذا ارْتَفَعَ البِناءُ جاءَ بِهَذا الحَجَرِ فَوَضْعَهُ لَهُ، فَقامَ عَلَيْهِ وهو يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وهُما يَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ قالَ: القَواعِدُ الَّتِي كانَتْ قَواعِدَ البَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وقَدْ أكْثَرَ المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ مِن نَقْلِ أقْوالِ السَّلَفِ في كَيْفِيَّةِ بِناءِ البَيْتِ، ومِن أيِّ أحْجارِ الأرْضِ بُنِيَ، وفي أيِّ زَمانٍ عُرِفَ، ومَن حَجَّهُ ؟ وما ورَدَ فِيهِ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِ أوْ فَضْلِ بَعْضِهِ كالحَجَرِ الأسْوَدِ.
وفِي الدُّرِّ المَنثُورِ مِن ذَلِكَ ما لَمْ يَكُنْ في غَيْرِهِ فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ، وفي تَفْسِيرِ ابْنِ كَثِيرٍ بَعْضٌ مِن ذَلِكَ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ ما ذَكَرُوهُ مُتَعَلِّقًا بِالتَّفْسِيرِ لَمْ نَذْكُرْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلّامِ بْنِ أبِي مُطِيعٍ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ قالَ: كانا مُسْلِمَيْنِ ولَكِنْ سَألاهُ الثَّباتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ، قالَ: مُخْلِصَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا﴾ قالَ: يَعْنِيانِ العَرَبَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ أرِنا مَناسِكَنا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَأتى بِهِ البَيْتَ فَقالَ: ارْفَعِ القَواعِدَ، فَرَفَعَ القَواعِدَ وأتَمَّ البُنْيانَ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ فَأخْرَجَهُ فانْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمّا كانَ عِنْدَ العَقَبَةِ فَإذا إبْلِيسُ قائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَقالَ: كَبِّرْ وارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورَماهُ، فَذَهَبَ إبْلِيسُ حَتّى أتى الجَمْرَةَ الوُسْطى فَفَعَلَ بِهِ إبْراهِيمُ كَما فَعَلَ في الأُولى، ثُمَّ كَذَلِكَ في الجَمْرَةِ الثّالِثَةِ، ثُمَّ أخَذَ جِبْرِيلُ بِيَدِ إبْراهِيمَ حَتّى أتى بِهِ المَشْعَرَ الحَرامَ فَقالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ، ثُمَّ ذَهَبَ حَتّى أتى بِهِ عَرَفاتٍ، قالَ: وقَدْ عَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ ؟ قالَها ثَلاثًا، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ، قالَ: كَيْفَ أُؤَذِّنُ ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ أجِيبُوا رَبَّكم. ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأجابَ العِبادُ: (p-٩٥)لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، فَمَن أجابَ إبْراهِيمَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الخَلْقِ فَهو حاجٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيَّبِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ أيْ رَبِّ. فَأرِنا مَناسِكَنا: أبْرِزْها لَنا عَلِّمْناها، فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ. وفي البابِ آثارٌ كَثِيرَةٌ عَنِ السَّلَفِ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم تَتَضَمَّنُ أنَّ جِبْرِيلَ أرى إبْراهِيمَ المَناسِكَ، وفي أكْثَرِها أنَّ الشَّيْطانَ تَعَرَّضَ لَهُ كَما تَقَدَّمَ عَنْ مُجاهِدٍ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ عَنْهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ.
البقرة 2:129
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا.
وقَرَأ أُبَيٌّ: " وابْعَثْ في آخِرِهِمْ " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَدْ أجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ كَما سَيَأْتِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ.
والرَّسُولُ هو المُرْسَلُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ ( ناقَةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَةٌ ) إذا كانَتْ سَهْلَةَ السَّيْرِ ماضِيَةً أمامَ النُّوقِ.
ويُقالُ: جاءَ القَوْمُ أرْسالًا، أيْ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
والمُرادُ بِالحِكْمَةِ: المَعْرِفَةُ بِالدِّينِ والفِقْهُ في التَّأْوِيلِ والفَهْمُ لِلشَّرِيعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالآياتِ ظاهِرُ الألْفاظِ، والكِتابُ مَعانِيها، والحِكْمَةُ الحُكْمُ، وهو مُرادُ اللَّهِ بِالخِطابِ، والعَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ.
﴿ومَن يَرْغَبُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ ( يَرْغَبُ )، والتَّقْدِيرُ: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ أحَدٌ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سَفِهَ بِمَعْنى جَهِلَ، أيْ جَهِلَ أمْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ.
وحَكى ثَعْلَبٌ والمُبَرِّدُ أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وقِيلَ: إنَّ ﴿نَفْسَهُ﴾ مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ، وهَذانِ ضَعِيفانِ جِدًّا، وأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَلا يَتَعَدّى قالَهُ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ.
والِاصْطِفاءُ: الِاخْتِيارُ، أيِ اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا وجَعَلْناهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ راغِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْناهُ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ وقْتَ أمْرِنا لَهُ بِالإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " وأوْصى بِها " راجِعٌ إلى المِلَّةِ أوْ إلى الكَلِمَةِ، أيْ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ قُولُوا أسْلَمْنا. انْتَهى.
والأوَّلُ أرْجَحُ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِمَّنْ بَعْدَهُ هو اتِّباعُ مِلَّتِهِ لا مُجَرَّدَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فالتَّوْصِيَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ بِإبْراهِيمَ وأوْلى بِهِمْ.
ووَصّى وأوْصى بِمَعْنًى، وقُرِئَ بِهِما، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ " وأوْصى " وهي قِراءَةُ أهْلِ الشّامِ والمَدِينَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ووَصّى﴾ وهي قِراءَةُ الباقِينَ ﴿ويَعْقُوبُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ وأوْصى يَعْقُوبُ بَنِيهِ كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ الأسْوارِيُّ وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَكِّيُّ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ، فَيَكُونُ داخِلًا فِيمَن أوْصاهُ إبْراهِيمُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهو بَعِيدٌ لِأنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يُدْرِكْ جَدَّهُ إبْراهِيمَ وإنَّما وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يابَنِيَّ﴾ هو بِتَقْدِيرِ أنْ.
وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ بِإثْباتِها.
قالَ الفَرّاءُ: أُلْغِيَتْ ( أنْ ) لِأنَّ التَّوْصِيَةَ كالقَوْلِ، وكُلُّ كَلامٍ رَجَعَ إلى القَوْلِ جازَ فِيهِ دُخُولُ ( أنْ ) وجازَ فِيهِ إلْغاؤُها، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلًا: يا بَنِيَّ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَصْرِيِّينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أيِ اخْتارَهُ لَكم، والمُرادُ مِلَّتُهُ الَّتِي لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وهي المِلَّةُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فِيهِ إيجازٌ بَلِيغٌ.
والمُرادُ الزَمُوا الإسْلامَ ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ: رَغِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى عَنْ مِلَّتِهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، تَرَكُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ الإسْلامَ، وبِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ قالَ: اخْتَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ قالَ: وصّاهم بِالإسْلامِ، ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمُ الظَّنَّ.
البقرة 2:130
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا.
وقَرَأ أُبَيٌّ: " وابْعَثْ في آخِرِهِمْ " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَدْ أجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ كَما سَيَأْتِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ.
والرَّسُولُ هو المُرْسَلُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ ( ناقَةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَةٌ ) إذا كانَتْ سَهْلَةَ السَّيْرِ ماضِيَةً أمامَ النُّوقِ.
ويُقالُ: جاءَ القَوْمُ أرْسالًا، أيْ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
والمُرادُ بِالحِكْمَةِ: المَعْرِفَةُ بِالدِّينِ والفِقْهُ في التَّأْوِيلِ والفَهْمُ لِلشَّرِيعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالآياتِ ظاهِرُ الألْفاظِ، والكِتابُ مَعانِيها، والحِكْمَةُ الحُكْمُ، وهو مُرادُ اللَّهِ بِالخِطابِ، والعَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ.
﴿ومَن يَرْغَبُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ ( يَرْغَبُ )، والتَّقْدِيرُ: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ أحَدٌ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سَفِهَ بِمَعْنى جَهِلَ، أيْ جَهِلَ أمْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ.
وحَكى ثَعْلَبٌ والمُبَرِّدُ أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وقِيلَ: إنَّ ﴿نَفْسَهُ﴾ مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ، وهَذانِ ضَعِيفانِ جِدًّا، وأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَلا يَتَعَدّى قالَهُ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ.
والِاصْطِفاءُ: الِاخْتِيارُ، أيِ اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا وجَعَلْناهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ راغِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْناهُ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ وقْتَ أمْرِنا لَهُ بِالإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " وأوْصى بِها " راجِعٌ إلى المِلَّةِ أوْ إلى الكَلِمَةِ، أيْ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ قُولُوا أسْلَمْنا. انْتَهى.
والأوَّلُ أرْجَحُ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِمَّنْ بَعْدَهُ هو اتِّباعُ مِلَّتِهِ لا مُجَرَّدَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فالتَّوْصِيَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ بِإبْراهِيمَ وأوْلى بِهِمْ.
ووَصّى وأوْصى بِمَعْنًى، وقُرِئَ بِهِما، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ " وأوْصى " وهي قِراءَةُ أهْلِ الشّامِ والمَدِينَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ووَصّى﴾ وهي قِراءَةُ الباقِينَ ﴿ويَعْقُوبُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ وأوْصى يَعْقُوبُ بَنِيهِ كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ الأسْوارِيُّ وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَكِّيُّ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ، فَيَكُونُ داخِلًا فِيمَن أوْصاهُ إبْراهِيمُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهو بَعِيدٌ لِأنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يُدْرِكْ جَدَّهُ إبْراهِيمَ وإنَّما وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يابَنِيَّ﴾ هو بِتَقْدِيرِ أنْ.
وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ بِإثْباتِها.
قالَ الفَرّاءُ: أُلْغِيَتْ ( أنْ ) لِأنَّ التَّوْصِيَةَ كالقَوْلِ، وكُلُّ كَلامٍ رَجَعَ إلى القَوْلِ جازَ فِيهِ دُخُولُ ( أنْ ) وجازَ فِيهِ إلْغاؤُها، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلًا: يا بَنِيَّ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَصْرِيِّينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أيِ اخْتارَهُ لَكم، والمُرادُ مِلَّتُهُ الَّتِي لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وهي المِلَّةُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فِيهِ إيجازٌ بَلِيغٌ.
والمُرادُ الزَمُوا الإسْلامَ ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ: رَغِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى عَنْ مِلَّتِهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، تَرَكُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ الإسْلامَ، وبِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ قالَ: اخْتَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ قالَ: وصّاهم بِالإسْلامِ، ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمُ الظَّنَّ.
البقرة 2:131
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا.
وقَرَأ أُبَيٌّ: " وابْعَثْ في آخِرِهِمْ " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَدْ أجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ كَما سَيَأْتِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ.
والرَّسُولُ هو المُرْسَلُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ ( ناقَةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَةٌ ) إذا كانَتْ سَهْلَةَ السَّيْرِ ماضِيَةً أمامَ النُّوقِ.
ويُقالُ: جاءَ القَوْمُ أرْسالًا، أيْ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
والمُرادُ بِالحِكْمَةِ: المَعْرِفَةُ بِالدِّينِ والفِقْهُ في التَّأْوِيلِ والفَهْمُ لِلشَّرِيعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالآياتِ ظاهِرُ الألْفاظِ، والكِتابُ مَعانِيها، والحِكْمَةُ الحُكْمُ، وهو مُرادُ اللَّهِ بِالخِطابِ، والعَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ.
﴿ومَن يَرْغَبُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ ( يَرْغَبُ )، والتَّقْدِيرُ: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ أحَدٌ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سَفِهَ بِمَعْنى جَهِلَ، أيْ جَهِلَ أمْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ.
وحَكى ثَعْلَبٌ والمُبَرِّدُ أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وقِيلَ: إنَّ ﴿نَفْسَهُ﴾ مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ، وهَذانِ ضَعِيفانِ جِدًّا، وأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَلا يَتَعَدّى قالَهُ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ.
والِاصْطِفاءُ: الِاخْتِيارُ، أيِ اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا وجَعَلْناهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ راغِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْناهُ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ وقْتَ أمْرِنا لَهُ بِالإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " وأوْصى بِها " راجِعٌ إلى المِلَّةِ أوْ إلى الكَلِمَةِ، أيْ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ قُولُوا أسْلَمْنا. انْتَهى.
والأوَّلُ أرْجَحُ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِمَّنْ بَعْدَهُ هو اتِّباعُ مِلَّتِهِ لا مُجَرَّدَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فالتَّوْصِيَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ بِإبْراهِيمَ وأوْلى بِهِمْ.
ووَصّى وأوْصى بِمَعْنًى، وقُرِئَ بِهِما، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ " وأوْصى " وهي قِراءَةُ أهْلِ الشّامِ والمَدِينَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ووَصّى﴾ وهي قِراءَةُ الباقِينَ ﴿ويَعْقُوبُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ وأوْصى يَعْقُوبُ بَنِيهِ كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ الأسْوارِيُّ وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَكِّيُّ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ، فَيَكُونُ داخِلًا فِيمَن أوْصاهُ إبْراهِيمُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهو بَعِيدٌ لِأنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يُدْرِكْ جَدَّهُ إبْراهِيمَ وإنَّما وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يابَنِيَّ﴾ هو بِتَقْدِيرِ أنْ.
وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ بِإثْباتِها.
قالَ الفَرّاءُ: أُلْغِيَتْ ( أنْ ) لِأنَّ التَّوْصِيَةَ كالقَوْلِ، وكُلُّ كَلامٍ رَجَعَ إلى القَوْلِ جازَ فِيهِ دُخُولُ ( أنْ ) وجازَ فِيهِ إلْغاؤُها، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلًا: يا بَنِيَّ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَصْرِيِّينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أيِ اخْتارَهُ لَكم، والمُرادُ مِلَّتُهُ الَّتِي لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وهي المِلَّةُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فِيهِ إيجازٌ بَلِيغٌ.
والمُرادُ الزَمُوا الإسْلامَ ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ: رَغِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى عَنْ مِلَّتِهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، تَرَكُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ الإسْلامَ، وبِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ قالَ: اخْتَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ قالَ: وصّاهم بِالإسْلامِ، ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمُ الظَّنَّ.
البقرة 2:132
الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ﴾ راجِعٌ إلى الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ المَذْكُورَةِ سابِقًا.
وقَرَأ أُبَيٌّ: " وابْعَثْ في آخِرِهِمْ " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ راجِعًا إلى الذُّرِّيَّةِ.
وقَدْ أجابَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذِهِ الدَّعْوَةَ، فَبَعَثَ في ذُرِّيَّتِهِ ﴿رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَدْ أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ بِأنَّهُ دَعْوَةُ إبْراهِيمَ كَما سَيَأْتِي تَخْرِيجُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ومُرادُهُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ.
والرَّسُولُ هو المُرْسَلُ.
قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: يُشْبِهُ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ ( ناقَةٌ مِرْسالٌ ورَسْلَةٌ ) إذا كانَتْ سَهْلَةَ السَّيْرِ ماضِيَةً أمامَ النُّوقِ.
ويُقالُ: جاءَ القَوْمُ أرْسالًا، أيْ بَعْضُهم في أثَرِ بَعْضٍ، والمُرادُ بِالكِتابِ: القُرْآنُ.
والمُرادُ بِالحِكْمَةِ: المَعْرِفَةُ بِالدِّينِ والفِقْهُ في التَّأْوِيلِ والفَهْمُ لِلشَّرِيعَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ويُزَكِّيهِمْ﴾ أيْ يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ وسائِرِ المَعاصِي.
وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالآياتِ ظاهِرُ الألْفاظِ، والكِتابُ مَعانِيها، والحِكْمَةُ الحُكْمُ، وهو مُرادُ اللَّهِ بِالخِطابِ، والعَزِيزُ الَّذِي لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: ﴿العَزِيزُ﴾ الغالِبُ.
﴿ومَن يَرْغَبُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ، وقِيلَ: هو بَدَلٌ مِن فاعِلِ ( يَرْغَبُ )، والتَّقْدِيرُ: وما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ أحَدٌ إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: سَفِهَ بِمَعْنى جَهِلَ، أيْ جَهِلَ أمْرَ نَفْسِهِ فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ.
وحَكى ثَعْلَبٌ والمُبَرِّدُ أنَّ سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَّهَ بِفَتْحِ الفاءِ المُشَدَّدَةِ.
قالَ الأخْفَشُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وقِيلَ: إنَّ ﴿نَفْسَهُ﴾ مُنْتَصِبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: هو تَمْيِيزٌ، وهَذانِ ضَعِيفانِ جِدًّا، وأمّا سَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ فَلا يَتَعَدّى قالَهُ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ.
والِاصْطِفاءُ: الِاخْتِيارُ، أيِ اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا وجَعَلْناهُ في الآخِرَةِ مِنَ الصّالِحِينَ، فَكَيْفَ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّتِهِ راغِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ لَهُ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْناهُ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ وقْتَ أمْرِنا لَهُ بِالإسْلامِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو اذْكُرْ.
قالَ في الكَشّافِ: كَأنَّهُ قِيلَ: اذْكُرْ ذَلِكَ الوَقْتَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ المُصْطَفى الصّالِحُ الَّذِي لا يُرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ مِثْلِهِ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: " وأوْصى بِها " راجِعٌ إلى المِلَّةِ أوْ إلى الكَلِمَةِ، أيْ ﴿أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ .
قالَ القُرْطُبِيُّ: وهو أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ، أيْ قُولُوا أسْلَمْنا. انْتَهى.
والأوَّلُ أرْجَحُ لِأنَّ المَطْلُوبَ مِمَّنْ بَعْدَهُ هو اتِّباعُ مِلَّتِهِ لا مُجَرَّدَ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ، فالتَّوْصِيَةُ بِذَلِكَ ألْيَقُ بِإبْراهِيمَ وأوْلى بِهِمْ.
ووَصّى وأوْصى بِمَعْنًى، وقُرِئَ بِهِما، وفي مُصْحَفِ عُثْمانَ " وأوْصى " وهي قِراءَةُ أهْلِ الشّامِ والمَدِينَةِ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴿ووَصّى﴾ وهي قِراءَةُ الباقِينَ ﴿ويَعْقُوبُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ وأوْصى يَعْقُوبُ بَنِيهِ كَما أوْصى إبْراهِيمُ بَنِيهِ.
وقَرَأ عُمَرُ بْنُ فايِدٍ الأسْوارِيُّ وإسْماعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المَكِّيُّ بِنَصْبِ يَعْقُوبَ، فَيَكُونُ داخِلًا فِيمَن أوْصاهُ إبْراهِيمُ، قالَ القُشَيْرِيُّ: وهو بَعِيدٌ لِأنَّ يَعْقُوبَ لَمْ يُدْرِكْ جَدَّهُ إبْراهِيمَ وإنَّما وُلِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿يابَنِيَّ﴾ هو بِتَقْدِيرِ أنْ.
وقَدْ قَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ والضَّحّاكُ بِإثْباتِها.
قالَ الفَرّاءُ: أُلْغِيَتْ ( أنْ ) لِأنَّ التَّوْصِيَةَ كالقَوْلِ، وكُلُّ كَلامٍ رَجَعَ إلى القَوْلِ جازَ فِيهِ دُخُولُ ( أنْ ) وجازَ فِيهِ إلْغاؤُها، وقِيلَ: إنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ، أيْ قائِلًا: يا بَنِيَّ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ البَصْرِيِّينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أيِ اخْتارَهُ لَكم، والمُرادُ مِلَّتُهُ الَّتِي لا يَرْغَبُ عَنْها إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ، وهي المِلَّةُ الَّتِي جاءَ بِها مُحَمَّدٌ ﷺ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فِيهِ إيجازٌ بَلِيغٌ.
والمُرادُ الزَمُوا الإسْلامَ ولا تُفارِقُوهُ حَتّى تَمُوتُوا.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ: رَغِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى عَنْ مِلَّتِهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، تَرَكُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ الإسْلامَ، وبِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ قالَ: اخْتَرْناهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ قالَ: وصّاهم بِالإسْلامِ، ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلّا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمُ الظَّنَّ.
البقرة 2:133
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:134
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:135
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:136
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:137
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:138
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:139
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:140
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:141
(p-٩٦)قَوْلُهُ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ ( أمْ ) هَذِهِ قِيلَ: هي المُنْقَطِعَةُ، وقِيلَ: هي المُتَّصِلَةُ، وفي الهَمْزَةِ الإنْكارُ المُفِيدُ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، والخِطابُلِلْيَهُودِ والنَّصارى الَّذِينَ يَنْسِبُونَ إلى إبْراهِيمَ وإلى بَنِيهِ أنَّهم عَلى اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وقالَ لَهم: أشَهِدْتُمْ يَعْقُوبَ وعَلِمْتُمْ بِما أوْصى بِهِ بَنِيهِ فَتَدَّعُونَ ذَلِكَ عَنْ عِلْمٍ، أمْ لَمْ تَشْهَدُوا بَلْ أنْتُمْ مُفْتَرُونَ.
والشُّهَداءُ جَمْعُ شاهِدٍ، ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّ فِيهِ ألِفَ التَّأْنِيثِ الَّتِي لِتَأْنِيثِ الجَماعَةِ، والعامِلُ في ( إذْ ) الأُولى مَعْنى الشَّهادَةِ، و( إذْ ) الثّانِيَةُ بَدَلٌ مِنَ الأُولى، والمُرادُ بِحُضُورِ المَوْتِ حُضُورُ مُقَدَّماتِهِ، وإنَّما جاءَ بِـ " ما " دُونَ " مَن " في قَوْلِهِ: ﴿ما تَعْبُدُونَ﴾ لِأنَّ المَعْبُوداتِ مِن دُونِ اللَّهِ غالِبُها جَماداتٌ كالأوْثانِ والنّارِ والشَّمْسِ والكَواكِبِ.
ومَعْنى ﴿مِن بَعْدِي﴾ أيْ مِن بَعْدِ مَوْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِقَوْلِهِ: ﴿آبائِكَ﴾ وإسْماعِيلُ وإنْ كانَ عَمًّا لِيَعْقُوبَ لِأنَّ العَرَبَ تُسَمِّي العَمَّ أبًا وقَوْلُهُ: ﴿إلَهًا﴾ بَدَلٌ مِن ﴿إلَهَكَ﴾ وإنْ كانَ نَكِرَةً فَذَلِكَ جائِزٌ ولا سِيَّما بَعْدَ تَخْصِيصِهِ بِالصِّفَةِ الَّتِي هي قَوْلُهُ: ﴿واحِدًا﴾ فَإنَّهُ قَدْ حَصَلَ المَطْلُوبُ مِنَ الإبْدالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿إلَهًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى الِاخْتِصاصِ، وقِيلَ: إنَّهُ حالٌ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو قَوْلٌ حَسَنٌ، لِأنَّ الغَرَضَ إثْباتُ حالِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وأبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ " وإلَهَ أبِيكَ " فَقِيلَ: أرادَ إبْراهِيمَ وحْدَهُ.
ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وإسْماعِيلَ﴾ عَطْفًا عَلى أبِيكَ وكَذَلِكَ إسْحاقَ وإنْ كانَ هو أباهُ حَقِيقَةً وإبْراهِيمُ جَدَّهُ، ولَكِنْ لِإبْراهِيمَ مَزِيدُ خُصُوصِيَّةٍ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( أبِيكَ ) جَمْعٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ ( أبِينَ ) جَمْعُ سَلامَةٍ ومِثْلُهُ أبُونَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَلَمّا تَبَيَّنَ أصْواتَنا بَكَيْنَ وفَدَيْنَنا بِالأبِينا
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، أيْ نَعْبُدُهُ حالَ إسْلامِنا لَهُ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ إعْتِراضِيَّةً عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مِن جَوازِ وُقُوعِ الجُمَلِ الِاعْتِراضِيَّةِ آخِرَ الكَلامِ.
والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ﴾ إلى إبْراهِيمَ وبَنِيهِ ويَعْقُوبَ وبَنِيهِ و﴿أُمَّةٌ﴾ بَدَلٌ مِنهُ وخَبَرُهُ ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أوْ ( أُمَّةٌ ) خَبَرُهُ، و﴿قَدْ خَلَتْ﴾ نَعْتٌ لِ ( أُمَّةٌ ) وقَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ ولَكم ما كَسَبْتُمْ ولا تُسْألُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ بَيانٌ لِحالِ تِلْكَ الأُمَّةِ وحالِ المُخاطَبِينَ بِأنَّ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ كَسْبَهُ، لا يَنْفَعُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ ولا يَنالُهُ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَضُرُّهُ ذَنْبُ غَيْرِهِ، وفِيهِ الرَّدُّ عَلى مَن يَتَّكِلُ عَلى عَمَلِ سَلَفِهِ ويُرَوِّحُ نَفْسَهُ بِالأمانِي الباطِلَةِ، ومِنهُ ما ورَدَ في الحَدِيثِ: «مَن بَطَّأ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» والمُرادُ: أنَّكم لا تَنْتَفِعُونَ بِحَسَناتِهِمْ ولا تُؤاخَذُونَ بِسَيِّئاتِهِمْ ولا تُسْألُونَ عَنْ أعْمالِهِمْ كَما لا يُسْألُونَ عَنْ أعْمالِكم، ومِثْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾، ﴿وأنْ لَيْسَ لِلْإنْسانِ إلّا ما سَعى﴾ .
ولَمّا ادَّعَتِ اليَهُودُ والنَّصارى أنَّ الهِدايَةَ بِيَدِها والخَيْرَ مَقْصُورٌ عَلَيْها رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إبْراهِيمَ﴾ أيْ قُلْ يا مُحَمَّدُ هَذِهِ المَقالَةَ، ونُصِبَ " مِلَّةَ " بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ نَتَّبِعُ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: نَكُونُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ، أيْ أهْلَ مِلَّتِهِ، وقِيلَ: بَلْ نَهْتَدِي بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا حُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ صارَ مَنصُوبًا.
وقَرَأ الأعْرَجُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ " مِلَّةَ " بِالرَّفْعِ، أيْ بَلِ الهُدى مِلَّةُ إبْراهِيمَ.
والحَنِيفُ: المائِلُ عَنِ الأدْيانِ الباطِلَةِ إلى دِينِ الحَقِّ، وهو في أصْلِ اللُّغَةِ: الَّذِي تَمِيلُ قَدَماهُ كُلُّ واحِدَةٍ إلى أُخْتِها.
قالَ الزَّجّاجُ وهو مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، أيْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حالَ كَوْنِهِ حَنِيفًا.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ ( أعْنِي ) والحالُ خَطَأٌ كَما لا يَجُوزُ جاءَنِي غُلامُ هِنْدٍ مُسْرِعَةً.
وقالَ في الكَشّافِ: هو حالٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ كَقَوْلِكَ: رَأيْتُ وجْهَ هِنْدٍ قائِمَةً. وقالَ قَوْمٌ: الحَنَفُ الِاسْتِقامَةُ، فَسُمِّيَ دِينُ إبْراهِيمَ حَنِيفًا لِاسْتِقامَتِهِ، وسُمِّيَ مُعْوَجُّ الرِّجْلَيْنِ أحَنَفَ تَفاؤُلًا بِالِاسْتِقامَةِ، كَما قِيلَ لِلَّدِيغِ سَلِيمٌ، ولِلْمُهْلِكَةِ مَفازَةٌ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن قالَ بِأنَّ الحَنِيفَ في اللُّغَةِ المائِلُ لا المُسْتَقِيمُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا حَوَّلَ الظِّلُّ العَشِيَّ رَأيْتَهُ ∗∗∗ حَنِيفًا وفي قَرْنِ الضُّحى يَتَنَصَّرُ
أيْ أنَّ الحِرْباءَ تَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ بِالعَشِيِّ، وتَسْتَقْبِلُ المَشْرِقَ بِالغَداةِ، وهي قِبْلَةُ النَّصارى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎واللَّهِ لَوْلا حَنَفٌ في رِجْلِهِ ∗∗∗ ما كانَ في رِجالِكم مَن مِثْلُهُ
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِاليَهُودِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ وبِالنَّصارى لِقَوْلِهِمْ: ﴿المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ أيْ أنَّ إبْراهِيمَ ما كانَ عَلى هَذِهِ الحالَةِ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فَكَيْفَ تَدَّعُونَ عَلَيْهِ أنَّهُ كانَ عَلى اليَهُودِيَّةِ أوِ النَّصْرانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُسْلِمِينَ وأمْرٌ لَهم بِأنْ يَقُولُوا هَذِهِ المَقالَةَ، وقِيلَ: إنَّهُ خِطابٌ لِلْكُفّارِ بِأنْ يَقُولُوا كَذَلِكَ حَتّى يَكُونُوا عَلى الحَقِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
والأسْباطُ: أوْلادُ يَعْقُوبَ وهُمُ اثْنا عَشَرَ ولَدًا، ولِكُلِّ واحِدٍ مِنهم مِنَ الأوْلادِ جَماعَةٌ، والسِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ بِمَنزِلَةِ القَبِيلَةِ في العَرَبِ، وسُمُّوا الأسْباطَ مِنَ السَّبْطِ وهو التَّتابُعُ، فَهم جَماعَةٌ مُتَتابِعُونَ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِنَ السَّبَطِ بِالتَّحْرِيكِ وهو الشَّجَرُ، أيْ هم في الكَثْرَةِ بِمَنزِلَةِ الشَّجَرِ، وقِيلَ: الأسْباطُ حَفَدَةُ يَعْقُوبَ، أيْ أوْلادُ أوْلادِهِ لا أوْلادُهُ، لِأنَّ الكَثْرَةَ إنَّما كانَتْ فِيهِمْ دُونَ أوْلادِ يَعْقُوبَ في نَفْسِهِ، فَهم أفْرادٌ لا أسْباطٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مَعْناهُ لا نُؤْمِنُ بِبَعْضِهِمْ ونَكْفُرُ بِبَعْضِهِمْ كَما فَعَلَتِ اليَهُودُ والنَّصارى.
قالَ في الكَشّافِ: وأحَدٌ في مَعْنى الجَماعَةِ، ولِذَلِكَ صَحَّ دُخُولُ بَيْنَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ هَذا الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ أيْضًا، أيْ فَإنْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ وغَيْرُهم بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ مِن جَمِيعِ (p-٩٧)كُتُبِ اللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم فَقَدِ اهْتَدَوْا، وعَلى هَذا فَمِثْلُ زائِدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَصِيرُوا مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
وقِيلَ: إنَّ المُماثَلَةَ وقَعَتْ بَيْنَ الإيمانَيْنِ، أيْ فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ إيمانِكم.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ مِن بابِ التَّبْكِيتِ لِأنَّ دِينَ الحَقِّ واحِدٌ لا مِثْلَ لَهُ، وهو: دِينُ الإسْلامِ، قالَ، أيْ فَإنْ حَصَّلُوا دِينًا آخَرَ مِثْلَ دِينِكم مُساوِيًا لَهُ في الصِّحَّةِ والسَّدادِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، وقِيلَ: إنَّ الباءَ زائِدَةٌ مُؤَكِّدَةٌ، وقِيلَ: إنَّها لِلِاسْتِعانَةِ.
والشِّقاقُ أصْلُهُ مِنَ الشَّقِّ وهو الجانِبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ في جانِبٍ غَيْرِ الجانِبِ الَّذِي فِيهِ الآخَرُ، وقِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن فِعْلِ ما يَشُقُّ ويَصْعُبُ، فَكُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ يَحْرِصُ عَلى فِعْلِ ما يَشُقُّ عَلى صاحِبِهِ، ويَصِحُّ حَمْلُ الآيَةِ عَلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ المَعْنَيَيْنِ، وكَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ ∗∗∗ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ
وقَوْلُ الآخَرِ:
؎إلى كَمْ تَقْبَلُ العُلَماءُ قَسْرًا ∗∗∗ وتَفْخَرُ بِالشِّقاقِ وبِالنِّفاقِ
وقَوْلُهُ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ وعْدٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى لِنَبِيِّهِ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ مَن عانَدَهُ وخالَفَهُ مِنَ المُتَوَلِّينَ، وقَدْ أنْجَزَ لَهُ وعْدَهُ بِما أنْزَلَهُ مِن بَأْسِهِ بِقُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وبَنِي قَيْنُقاعَ.
وقَوْلُهُ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ الأخْفَشُ وغَيْرُهُ، أيْ دِينَ اللَّهِ، قالَ: وهي مُنْتَصِبَةٌ عَلى البَدَلِ مِن ( مِلَّةَ )، كَما قالَهُ الفَرّاءُ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّها مَصْدَرٌ مُؤَكَّدٌ مُنْتَصِبٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كَما انْتَصَبَ ﴿وعْدَ اللَّهِ﴾ عَمّا تَقَدَّمَهُ، وهي فِعْلَةٌ مِن صَبَغَ كالجِلْسَةِ مِن جَلَسَ، وهي الحالَةُ الَّتِي يَقَعُ عَلَيْها الصَّبْغُ، والمَعْنى تَطْهِيرُ اللَّهِ لِأنَّ الإيمانَ تَطْهِيرُ النُّفُوسِ. انْتَهى، وبِهِ قالَ سِيبَوَيْهِ، أيْ كَوْنِهِ مَصْدَرًا مُؤَكَّدًا.
وقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أنَّ أصْلَ ذَلِكَ أنَّ النَّصارى كانُوا يَصْبُغُونَ أوْلادَهم في الماءِ، وهو الَّذِي يُسَمُّونَهُ المَعْمُودِيَّةَ ويَجْعَلُونَ ذَلِكَ تَطْهِيرًا لَهم، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ قالُوا الآنَ صارَ نَصْرانِيًّا حَقًّا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ أيِ الإسْلامَ، وسَمّاهُ صِبْغَةً اسْتِعارَةً، ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِ شُعَراءِ هَمْدانَ:
؎وكُلُّ أُناسٍ لَهم صِبْغَةٌ ∗∗∗ وصِبْغَةُ هَمْدانَ خَيْرُ الصِّبَغِ
؎صَبَغْنا عَلى ذاكَ أوْلادَنا ∗∗∗ فَأكْرِمْ بِصِبْغَتِنا في الصِّبَغِ
وقِيلَ: إنَّ الصِّبْغَةَ الِاغْتِسالُ لِمَن أرادَ الدُّخُولَ في الإسْلامِ بَدَلًا مِن مَعْمُودِيَّةِ النَّصارى، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.
وقالَ الجَوْهَرِيُّ: صِبْغَةُ اللَّهِ دِينُهُ وهو يُؤَيِّدُ ما تَقَدَّمَ عَنِ الفَرّاءِ، وقِيلَ: الصِّبْغَةُ الخِتانُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ أيْ أتُجادِلُونَنا في اللَّهِ، أيْ في دِينِهِ والقُرْبِ مِنهُ والحُظْوَةِ عِنْدَهُ، وذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " أتُحاجُّونا " بِالإدْغامِ لِاجْتِماعِ المِثْلَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ رَبُّنا ورَبُّكُمْ﴾ أيْ نَشْتَرِكُ نَحْنُ وأنْتُمْ في رُبُوبِيَّتِهِ لَنا وعُبُودِيَّتِنا لَهُ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ أنَّكم أوْلى بِهِ مِنّا وتُحاجُّونَنا في ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم﴾ أيْ لَنا أعْمالٌ ولَكم أعْمالٌ فَلَسْتُمْ بِأوْلى بِاللَّهِ مِنّا، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَقُلْ لِي عَمَلِي ولَكم عَمَلُكم أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿ونَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أيْ نَحْنُ أهْلُ الإخْلاصِ لِلْعِبادَةِ دُونَكم، وهو المِعْيارُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ التَّفاضُلُ والخَصْلَةُ الَّتِي يَكُونُ صاحِبُها أوْلى بِاللَّهِ سُبْحانَهُ مِن غَيْرِهِ، فَكَيْفَ تَدَّعُونَ لِأنْفُسِكم ما نَحْنُ أوْلى بِهِ مِنكم وأحَقُّ ؟ وفِيهِ تَوْبِيخٌ لَهم وقَطْعٌ لِما جاءُوا بِهِ مِنَ المُجادَلَةِ والمُناظَرَةِ.
وقَوْلُهُ: " أمْ يَقُولُونَ " قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ تَقُولُونَ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ تَكُونُ " أمْ " هاهُنا مُعادِلَةً لِلْهَمْزَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أيْ أتُحاجُونَنا في اللَّهِ أمْ تَقُولُونَ إنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ عَلى دِينِكم، وعَلى قِراءَةِ الياءِ التَّحْتِيَّةِ تَكُونُ " أمْ " مُنْقَطِعَةً، أيْ بَلْ يَقُولُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ أأنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ﴾ فِيهِ تَقْرِيعٌ وتَوْبِيخٌ، أيْ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَنا بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا هُودًا ولا نَصارى وأنْتُمْ تَدَّعُونَ أنَّهم كانُوا هُودًا أوْ نَصارى فَهَلْ أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ سُبْحانَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ اسْتِفْهامٌ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ الذَّمَّ لِأهْلِ الكِتابِ بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ هَؤُلاءِ الأنْبِياءَ ما كانُوا هُودًا ولا نَصارى، بَلْ كانُوا عَلى المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ، فَظَلَمُوا أنْفُسَهم بِكَتْمِهِمْ لِهَذِهِ الشَّهادَةِ بَلْ بِادِّعائِهِمْ لِما هو مُخالِفٌ لَها، وهو أشَدُّ في الذَّنْبِ مِمَّنِ اقْتَصَرَ عَلى مُجَرَّدِ الكَتْمِ الَّذِي لا أحَدَ أظْلَمُ مِنهُ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ أنَّ المُسْلِمِينَ لَوْ كَتَمُوا هَذِهِ الشَّهادَةَ لَمْ يَكُنْ أحَدٌ أظْلَمَ مِنهم، ويَكُونُ المُرادُ بِذَلِكَ التَّعْرِيضَ بِأهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: المُرادُ هُنا ما كَتَمُوهُ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وفِي قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وتَهْدِيدٌ لَيْسَ عَلَيْهِ مَزِيدٌ، وإعْلامٌ بِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لا يَتْرُكُ عُقُوبَتَهم عَلى هَذا الظُّلْمِ القَبِيحِ والذَّنْبِ الفَظِيعِ.
وكَرَّرَ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ لِتَضَمُّنِها مَعْنى التَّهْدِيدِ والتَّخْوِيفِ الَّذِي هو المَقْصُودُ في هَذا المَقامِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ قالَ: يَقُولُ: لَمْ يَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ: أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ أنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجِدُّ أبٌ ويَتْلُو الآيَةَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سُمِّيَ العَمُّ أبًا.
وأخْرَجَ أيْضًا نَحْوَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبَعًا.
(p-٩٨)وأخْرَجا أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ أيْضًا والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ في تارِيخِهِ وابْنُ عَساكِرَ مِن حَدِيثِ أسْعَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ كُلَّها وفي الآخِرَةِ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ أهْلُ الكِتابِ يَقْرَءُونَ التَّوْراةَ بِالعِبْرانِيَّةِ ويُفَسِّرُونَها بِالعَرَبِيَّةِ لِأهْلِ الإسْلامِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتابِ ولا تُكَذِّبُوهم وقُولُوا: آمَنّا بِاللَّهِ» الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
ورَوى نَحْوَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ عَنْ أبِي العالِيَةِ والرَّبِيعِ وقَتادَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا: " ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ "، فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ، ولَكِنْ قُولُوا: فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ فَقُلْ: نَعَمْ، أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها في صِبْغَتِي» وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودًا، والنَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِ بَغْدادَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: البَياضُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أتُجادِلُونَنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
البقرة 2:142
قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ السُّفَهاءَ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ سَيَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ تَتَحَوَّلَ القِبْلَةُ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿سَيَقُولُ﴾ بِمَعْنى قالَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ الماضِي بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتَدامَتِهِ واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ الإخْبارَ بِهَذا الخَبَرِ كانَ قَبْلَ التَّحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ، وإنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ أنَّ الإخْبارَ بِالمَكْرُوهِ إذا وقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ كانَ فِيهِ تَهْوِينًا لِصَدْمَتِهِ وتَخْفِيفًا لِرَوْعَتِهِ وكَسْرًا لِسَوْرَتِهِ.
والسُّفَهاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ، وهو الكَذّابُ البَهّاتُ المُعْتَمِدُ خِلافَ ما يُعْلَمُ، كَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
وقالَ في الكَشّافِ: هم خِفافُ الأحْلامِ، ومِثْلُهُ في القامُوسِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ما يَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ومَعْنى: ﴿ما ولّاهم﴾ ما صَرَفَهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ فَلَهُ أنْ يَأْمُرَ بِالتَّوَجُّهِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلى مَكَّةَ مِنَ الهِدايَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأهْلِ مِلَّتِهِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعَلْناكم، قِيلَ مَعْناهُ: وكَما أنَّ الكَعْبَةَ وسَطُ الأرْضِ كَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.
والوَسَطُ الخِيارُ أوِ العَدْلُ، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، ومِمّا يَحْتَمِلُهُما قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎هم وسَطٌ تَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعَظَّمِ
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎أنْتُمْ أوْسَطُ حَيٍّ عَلِمُوا ∗∗∗ بِصَغِيرِ الأمْرِ أوْ إحْدى الكُبَرِ
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ الوَسَطِ هُنا بِالعَدْلِ كَما سَيَأْتِي، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎لا تَذْهَبَنَّ في الأُمُورِ مُفَرِّطا
؎لا تَسْألَنَّ إنْ سَألْتَ شَطَطا ∗∗∗ وكُنْ مِنَ النّاسِ جَمِيعًا وسَطا
(p-٩٩)ولَمّا كانَ الوَسَطُ مُجانِبًا لِلْغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ كانَ مَحْمُودًا، أيْ هَذِهِ الأُمَّةُ لَمْ تَغْلُ غُلُوَّ النَّصارى في عِيسى ولا قَصَّرُوا تَقْصِيرَ اليَهُودِ في أنْبِيائِهِمْ، ويُقالُ: فُلانٌ أوْسَطُ قَوْمِهِ وواسِطَتُهم، أيْ خِيارُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ تَشْهَدُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوهم ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ويَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ بِأنَّهم قَدْ فَعَلُوا ما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي لَكم، أيْ يَشْهَدُ لَهم بِالإيمانِ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّبْلِيغِ لَكم.
قالَ في الكَشّافِ: لَمّا كانَ الشَّهِيدُ كالرَّقِيبِ والمُهَيْمِنِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ جِيءَ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ . ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ انْتَهى.
وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ يَشْهَدُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بَعْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا فِيما لا يَصِحُّ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ.
وسَيَأْتِي مِنَ المَرْفُوعِ ما يُبَيِّنُ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ، وإنَّما أخَّرَ لَفْظَ ( عَلى ) في شَهادَةِ الأُمَّةِ عَلى النّاسِ، وقَدَّمَها في شَهادَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الغَرَضَ كَما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في الأوَّلِ: إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الآخَرِ اخْتِصاصُهم بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ القِبْلَةِ هي بَيْتُ المَقْدِسِ، أيْ ما جَعَلْناها إلّا لِنَعْلَمَ المُتَّبِعَ والمُنْقَلِبَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ إذا كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ صَرْفِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ الكَعْبَةُ، أيْ ما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها الآنَ بَعْدَ أنْ كانَتْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إلّا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ويَكُونُ ﴿كُنْتُ﴾ بِمَعْنى الحالِ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ القِبْلَةُ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَقْبِلُ في مَكَّةَ الكَعْبَةَ، ثُمَّ لَمّا هاجَرَ تَوَجَّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تَألُّفًا لِلْيَهُودِ ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ هُنا الرُّؤْيَةُ، وقِيلَ: المُرادُ: إلّا لِتَعْلَمُوا أنّا نَعْلَمُ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في شَكٍّ، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ، وقِيلَ: المُرادُ لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا حاصِلًا، وهَكَذا ما ورَدَ مُعَلَّلًا بِعِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا بُدَّ أنْ يُئَوَّلَ بِمِثْلِ هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أيْ ما كانَتْ إلّا كَبِيرَةً، كَما قالَهُ الفَرّاءُ في " أنْ " و" إنْ " أنَّهُما بِمَعْنى " ما " و" إلّا " .
وقالَ البَصْرِيُّونَ: هي الثَّقِيلَةُ خُفِّفَتْ، والضَّمِيرُ في كانَتْ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ مِنَ التَّحْوِيلَةِ أوِ التَّوْلِيَةِ أوِ الجَعْلَةِ أوِ الرِّدَّةِ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الأخْفَشُ ولا مانِعَ مِن أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى القِبْلَةِ المَذْكُورَةِ، أيْ وإنْ كانَتِ القِبْلَةُ المُتَّصِفَةُ بِأنَّكَ كُنْتَ عَلَيْها - لِكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ، فانْشَرَحَتْ صُدُورُهم لِتَصْدِيقِكَ، وقَبِلَتْ ما جِئْتَ بِهِ عُقُولُهم، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في قُوَّةِ النَّفْيِ، أيْ لِأنَّها لا تَخِفُّ ولا تَسْهُلُ إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ وهو يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ قالَ: فَسَمّى الصَّلاةَ إيمانًا لِاجْتِماعِها عَلى نِيَّةٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ، وقِيلَ: المُرادُ ثَباتُ المُؤْمِنِينَ عَلى الإيمانِ عِنْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وعَدَمُ ارْتِيابِهِمْ كَما ارْتابَ غَيْرُهم.
والأوَّلُ يَتَعَيَّنُ القَوْلُ بِهِ والمَصِيرُ إلَيْهِ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْسِيرِهِ ﷺ لِلْآيَةِ بِذَلِكَ.
والرَّءُوفُ كَثِيرُ الرَّأْفَةِ، وهي أشَدُّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْبَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ القَعْقاعِ " لَرَوُفٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ:
؎وشَرُّ الغالِبِينَ فَلا تَكُنْهُ ∗∗∗ يُقاتِلُ عَمَّهُ الرَّوُفَ الرَّحِيمَ
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ البَراءِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أوَّلَ ما نَزَلَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلى أخْوالِهِ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّهُ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّ أوَّلَ صَلاةٍ صَلّاها العَصْرُ، وصَلّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم راكِعُونَ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ الكَعْبَةِ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ، وكانَتِ اليَهُودُ قَدْ أعْجَبَهم إذْ كانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا ولّى وجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أنْكَرُوا ذَلِكَ وكانَ الَّذِي ماتَ عَلى القِبْلَةِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ رِجالٌ، وقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ ما يَقُولُ فِيهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ "» ولَهُ طُرُقٌ أُخَرُ وألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نُسِخَ في القُرْآنِ القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ والكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وبَعْدَ ما تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبَةِ» .
وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ في الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ، وفي كَيْفِيَّةِ اسْتِدارَةِ المُصَلِّينَ لَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا في الصَّلاةِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والإسْماعِيلِيُّ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ: عَدْلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُدْعى نُوحٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعى قَوْمُهُ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم ؟ فَيَقُولُونَ: ما أتانا مِن نَذِيرٍ، وما أتانا مِن أحَدٍ، فَيُقالُ لِنُوحٍ: مَن يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ - قالَ: - والوَسَطُ العَدْلُ، فَتُدْعُونَ (p-١٠٠)فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالبَلاغِ وأشْهَدُ عَلَيْكم» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أنا وأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ عَلى كَوْمٍ مُشْرِفِينَ عَلى الخَلائِقِ، ما مِنَ النّاسِ أحَدٌ إلّا ودَّ أنَّهُ مِنّا، وما مِن نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إلّا ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهُ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ بِما عَمِلْتُمْ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرُّوا بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها خَيْرًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وجَبَتْ وجَبَتْ وجَبَتْ، ومَرُّوا بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها شَرًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وجَبَتْ وجَبَتْ وجَبَتْ. فَسَألَهُ عُمَرُ فَقالَ: مَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، ومَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وجَبَتْ لَهُ النّارُ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ» زادَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ " ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ الآيَةَ " وفي البابِ أحادِيثُ مِنها عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ المُنْذِرِ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ، ومِنها عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدَ والبُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ، ومِنها عَنْ أبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ ماجَهْ والطَّبَرانِيِّ والدّارَقُطْنِيِّ في الأفْرادِ والحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ والبَيْهَقِيِّ في السُّنَنِ، ومِنها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ، ومِنها عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ قالَ: يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ قالَ: نَبْتَلِيهِمْ لِنَعْلَمَ مَن يُسَلِّمُ لِأمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ قالَ: لِنُمَيِّزَ أهْلَ اليَقِينِ مِن أهْلِ الشَّكِّ ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ يَعْنِي تَحْوِيلَها عَلى أهْلِ الشِّرْكِ والرَّيْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ ناسًا مِمَّنْ أسْلَمَ رَجَعُوا فَقالُوا: مَرَّةً هاهُنا ومَرَّةً هاهُنا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِالَّذِينِ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ "» .
وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ البَراءِ.
وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ.
البقرة 2:143
قَوْلُهُ: ﴿سَيَقُولُ﴾ هَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ ولِلْمُؤْمِنِينَ بِأنَّ السُّفَهاءَ مِنَ اليَهُودِ والمُنافِقِينَ سَيَقُولُونَ هَذِهِ المَقالَةَ عِنْدَ أنْ تَتَحَوَّلَ القِبْلَةُ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ.
وقِيلَ: إنَّ ﴿سَيَقُولُ﴾ بِمَعْنى قالَ، وإنَّما عَبَّرَ عَنِ الماضِي بِلَفْظِ المُسْتَقْبَلِ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتَدامَتِهِ واسْتِمْرارِهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: إنَّ الإخْبارَ بِهَذا الخَبَرِ كانَ قَبْلَ التَّحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ، وإنَّ فائِدَةَ ذَلِكَ أنَّ الإخْبارَ بِالمَكْرُوهِ إذا وقَعَ قَبْلَ وُقُوعِهِ كانَ فِيهِ تَهْوِينًا لِصَدْمَتِهِ وتَخْفِيفًا لِرَوْعَتِهِ وكَسْرًا لِسَوْرَتِهِ.
والسُّفَهاءُ جَمْعُ سَفِيهٍ، وهو الكَذّابُ البَهّاتُ المُعْتَمِدُ خِلافَ ما يُعْلَمُ، كَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ.
وقالَ في الكَشّافِ: هم خِفافُ الأحْلامِ، ومِثْلُهُ في القامُوسِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ ما يَنْبَغِي الرُّجُوعُ إلَيْهِ، ومَعْنى: ﴿ما ولّاهم﴾ ما صَرَفَهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ وهي بَيْتُ المَقْدِسِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ فَلَهُ أنْ يَأْمُرَ بِالتَّوَجُّهِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ إشْعارٌ بِأنَّ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلى مَكَّةَ مِنَ الهِدايَةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولِأهْلِ مِلَّتِهِ إلى الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكُمْ﴾ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ الجَعْلِ جَعَلْناكم، قِيلَ مَعْناهُ: وكَما أنَّ الكَعْبَةَ وسَطُ الأرْضِ كَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا.
والوَسَطُ الخِيارُ أوِ العَدْلُ، والآيَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِلْأمْرَيْنِ، ومِمّا يَحْتَمِلُهُما قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎هم وسَطٌ تَرْضى الأنامُ بِحُكْمِهِمْ إذا نَزَلَتْ إحْدى اللَّيالِي بِمُعَظَّمِ
ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ:
؎أنْتُمْ أوْسَطُ حَيٍّ عَلِمُوا ∗∗∗ بِصَغِيرِ الأمْرِ أوْ إحْدى الكُبَرِ
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ تَفْسِيرُ الوَسَطِ هُنا بِالعَدْلِ كَما سَيَأْتِي، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلى ذَلِكَ ومِنهُ قَوْلُ الرّاجِزِ:
؎لا تَذْهَبَنَّ في الأُمُورِ مُفَرِّطا
؎لا تَسْألَنَّ إنْ سَألْتَ شَطَطا ∗∗∗ وكُنْ مِنَ النّاسِ جَمِيعًا وسَطا
(p-٩٩)ولَمّا كانَ الوَسَطُ مُجانِبًا لِلْغُلُوِّ والتَّقْصِيرِ كانَ مَحْمُودًا، أيْ هَذِهِ الأُمَّةُ لَمْ تَغْلُ غُلُوَّ النَّصارى في عِيسى ولا قَصَّرُوا تَقْصِيرَ اليَهُودِ في أنْبِيائِهِمْ، ويُقالُ: فُلانٌ أوْسَطُ قَوْمِهِ وواسِطَتُهم، أيْ خِيارُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ تَشْهَدُونَ لِلْأنْبِياءِ عَلى أُمَمِهِمْ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوهم ما أمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ويَكُونُ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلى أُمَّتِهِ بِأنَّهم قَدْ فَعَلُوا ما أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ إلَيْهِمْ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾، قِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي لَكم، أيْ يَشْهَدُ لَهم بِالإيمانِ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَشْهَدُ عَلَيْكم بِالتَّبْلِيغِ لَكم.
قالَ في الكَشّافِ: لَمّا كانَ الشَّهِيدُ كالرَّقِيبِ والمُهَيْمِنِ عَلى المَشْهُودِ لَهُ جِيءَ بِكَلِمَةِ الِاسْتِعْلاءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ . ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ انْتَهى.
وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ يَشْهَدُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ بَعْدَ المَوْتِ، وقِيلَ: المُرادُ لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ في الدُّنْيا فِيما لا يَصِحُّ إلّا بِشَهادَةِ العُدُولِ.
وسَيَأْتِي مِنَ المَرْفُوعِ ما يُبَيِّنُ مَعْنى الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ، وإنَّما أخَّرَ لَفْظَ ( عَلى ) في شَهادَةِ الأُمَّةِ عَلى النّاسِ، وقَدَّمَها في شَهادَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّ الغَرَضَ كَما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ في الأوَّلِ: إثْباتُ شَهادَتِهِمْ عَلى الأُمَمِ، وفي الآخَرِ اخْتِصاصُهم بِكَوْنِ الرَّسُولِ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ القِبْلَةِ هي بَيْتُ المَقْدِسِ، أيْ ما جَعَلْناها إلّا لِنَعْلَمَ المُتَّبِعَ والمُنْقَلِبَ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ إذا كانَ نُزُولُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدَ صَرْفِ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ: المُرادُ الكَعْبَةُ، أيْ ما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي أنْتَ عَلَيْها الآنَ بَعْدَ أنْ كانَتْ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إلّا لِذَلِكَ الغَرَضِ، ويَكُونُ ﴿كُنْتُ﴾ بِمَعْنى الحالِ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ القِبْلَةُ الَّتِي كانَ عَلَيْها قَبْلَ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإنَّهُ كانَ يَسْتَقْبِلُ في مَكَّةَ الكَعْبَةَ، ثُمَّ لَمّا هاجَرَ تَوَجَّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ تَألُّفًا لِلْيَهُودِ ثُمَّ صُرِفَ إلى الكَعْبَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالعِلْمِ هُنا الرُّؤْيَةُ، وقِيلَ: المُرادُ: إلّا لِتَعْلَمُوا أنّا نَعْلَمُ بِأنَّ المُنافِقِينَ كانُوا في شَكٍّ، وقِيلَ: لِيَعْلَمَ النَّبِيُّ، وقِيلَ: المُرادُ لِنَعْلَمَ ذَلِكَ مَوْجُودًا حاصِلًا، وهَكَذا ما ورَدَ مُعَلَّلًا بِعِلْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا بُدَّ أنْ يُئَوَّلَ بِمِثْلِ هَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ أيْ ما كانَتْ إلّا كَبِيرَةً، كَما قالَهُ الفَرّاءُ في " أنْ " و" إنْ " أنَّهُما بِمَعْنى " ما " و" إلّا " .
وقالَ البَصْرِيُّونَ: هي الثَّقِيلَةُ خُفِّفَتْ، والضَّمِيرُ في كانَتْ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ مِنَ التَّحْوِيلَةِ أوِ التَّوْلِيَةِ أوِ الجَعْلَةِ أوِ الرِّدَّةِ، ذَكَرَ مَعْنى ذَلِكَ الأخْفَشُ ولا مانِعَ مِن أنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ إلى القِبْلَةِ المَذْكُورَةِ، أيْ وإنْ كانَتِ القِبْلَةُ المُتَّصِفَةُ بِأنَّكَ كُنْتَ عَلَيْها - لِكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ لِلْإيمانِ، فانْشَرَحَتْ صُدُورُهم لِتَصْدِيقِكَ، وقَبِلَتْ ما جِئْتَ بِهِ عُقُولُهم، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ لِأنَّ ما قَبْلَهُ في قُوَّةِ النَّفْيِ، أيْ لِأنَّها لا تَخِفُّ ولا تَسْهُلُ إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ: اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن ماتَ وهو يُصَلِّي إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ قالَ: فَسَمّى الصَّلاةَ إيمانًا لِاجْتِماعِها عَلى نِيَّةٍ وقَوْلٍ وعَمَلٍ، وقِيلَ: المُرادُ ثَباتُ المُؤْمِنِينَ عَلى الإيمانِ عِنْدَ تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وعَدَمُ ارْتِيابِهِمْ كَما ارْتابَ غَيْرُهم.
والأوَّلُ يَتَعَيَّنُ القَوْلُ بِهِ والمَصِيرُ إلَيْهِ لِما سَيَأْتِي مِن تَفْسِيرِهِ ﷺ لِلْآيَةِ بِذَلِكَ.
والرَّءُوفُ كَثِيرُ الرَّأْفَةِ، وهي أشَدُّ مِنَ الرَّحْمَةِ.
قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الرَّأْفَةُ أكْبَرُ مِنَ الرَّحْمَةِ والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ القَعْقاعِ " لَرَوُفٌ " بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ومِنهُ قَوْلُ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ:
؎وشَرُّ الغالِبِينَ فَلا تَكُنْهُ ∗∗∗ يُقاتِلُ عَمَّهُ الرَّوُفَ الرَّحِيمَ
وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ البَراءِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أوَّلَ ما نَزَلَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلى أخْوالِهِ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّهُ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّ أوَّلَ صَلاةٍ صَلّاها العَصْرُ، وصَلّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم راكِعُونَ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ الكَعْبَةِ، فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ، وكانَتِ اليَهُودُ قَدْ أعْجَبَهم إذْ كانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا ولّى وجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أنْكَرُوا ذَلِكَ وكانَ الَّذِي ماتَ عَلى القِبْلَةِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ رِجالٌ، وقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ ما يَقُولُ فِيهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ "» ولَهُ طُرُقٌ أُخَرُ وألْفاظٌ مُتَقارِبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ ما نُسِخَ في القُرْآنِ القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ والكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وبَعْدَ ما تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبَةِ» .
وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ بِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ، وكَذَلِكَ ورَدَتْ أحادِيثُ في الوَقْتِ الَّذِي نَزَلَ فِيهِ اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ، وفي كَيْفِيَّةِ اسْتِدارَةِ المُصَلِّينَ لَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ، وقَدْ كانُوا في الصَّلاةِ فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والإسْماعِيلِيُّ في صَحِيحِهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ: عَدْلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُدْعى نُوحٌ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيُدْعى قَوْمُهُ فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم ؟ فَيَقُولُونَ: ما أتانا مِن نَذِيرٍ، وما أتانا مِن أحَدٍ، فَيُقالُ لِنُوحٍ: مَن يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ - قالَ: - والوَسَطُ العَدْلُ، فَتُدْعُونَ (p-١٠٠)فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالبَلاغِ وأشْهَدُ عَلَيْكم» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «أنا وأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ عَلى كَوْمٍ مُشْرِفِينَ عَلى الخَلائِقِ، ما مِنَ النّاسِ أحَدٌ إلّا ودَّ أنَّهُ مِنّا، وما مِن نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إلّا ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهُ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ بِما عَمِلْتُمْ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرُّوا بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها خَيْرًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وجَبَتْ وجَبَتْ وجَبَتْ، ومَرُّوا بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها شَرًّا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: وجَبَتْ وجَبَتْ وجَبَتْ. فَسَألَهُ عُمَرُ فَقالَ: مَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، ومَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وجَبَتْ لَهُ النّارُ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ» زادَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ " ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ الآيَةَ " وفي البابِ أحادِيثُ مِنها عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ المُنْذِرِ والحاكِمِ وصَحَّحَهُ، ومِنها عَنْ عُمَرَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدَ والبُخارِيِّ والتِّرْمِذِيِّ والنَّسائِيِّ، ومِنها عَنْ أبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ وابْنِ ماجَهْ والطَّبَرانِيِّ والدّارَقُطْنِيِّ في الأفْرادِ والحاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ والبَيْهَقِيِّ في السُّنَنِ، ومِنها عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ، ومِنها عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ وابْنِ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ قالَ: يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ قالَ: نَبْتَلِيهِمْ لِنَعْلَمَ مَن يُسَلِّمُ لِأمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ قالَ: لِنُمَيِّزَ أهْلَ اليَقِينِ مِن أهْلِ الشَّكِّ ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ يَعْنِي تَحْوِيلَها عَلى أهْلِ الشِّرْكِ والرَّيْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ ناسًا مِمَّنْ أسْلَمَ رَجَعُوا فَقالُوا: مَرَّةً هاهُنا ومَرَّةً هاهُنا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «لَمّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ بِالَّذِينِ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾ "» .
وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ البَراءِ.
وفِي البابِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ، وآثارٌ عَنِ السَّلَفِ.
البقرة 2:144
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ العُلَماءُ: هَذِهِ الآيَةُ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾، ومَعْنى: قَدْ تَكْثِيرُ الرُّؤْيَةِ، كَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومَعْنى: ﴿تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ تَحَوُّلَ وجْهِكَ إلى السَّماءِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقَلُّبَ عَيْنَيْكَ في النَّظَرِ إلى السَّماءِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ هو إمّا مِنَ الوِلايَةِ، أيْ فَلَنُعْطِيَنَّكَ ذَلِكَ.
أوْ مِنَ التَّوَلِّي، أيْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ مُتَوَلِّيًا إلى جِهَتِها، وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
والمُرادُ بِالشَّطْرِ هُنا: النّاحِيَةُ والجِهَةُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ
ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِّسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو
وقَدْ يُرادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ، ومِنهُ «الوُضُوءُ شَطْرُ الإيمانِ»، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنِّي امْرُؤٌ مِن خَيْرِ عَبْسٍ مَنصِبًا ∗∗∗ شَطْرِي وأحْمِي سائِرِي بِالمُنْصُلِ
قالَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهُ مِن ساداتِ عَبْسٍ وأُمَّهُ أمَةٌ.
ويَرِدُ بِمَعْنى البَعْضِ مُطْلَقًا.
ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِشَطْرِ المَسْجِدِ هُنا الكَعْبَةُ.
وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ فَرْضٌ عَلى المُعايِنِ، وعَلى أنَّ غَيْرَ المُعايِنِ يَسْتَقْبِلُ النّاحِيَةَ، ويَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ بِما يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ التَّحَوُّلِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وعِلْمُ أهْلِ الكِتابِ بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِ قَدْ بَلَغَهم عَنْ أنْبِيائِهِمْ أوْ وجَدُوا في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ أنَّ هَذا النَّبِيَّ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ، أوْ لِكَوْنِهِمْ قَدْ عَلِمُوا مِن كُتُبِهِمْ أوْ أنْبِيائِهِمْ أنَّ النَّسْخَ سَيَكُونُ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في الإسْلامِ ومُتابَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَعْمَلُونَ " بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى مُخاطَبَةِ أهْلِ الكِتابِ أوْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ﴾ هَذِهِ اللّامُ هي مُوَطِّئَةُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَئِنْ أتَيْتَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما تَبِعُوا﴾ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: أُجِيبَ " لَئِنْ " بِجَوابِ " لَوْ " لِأنَّ المَعْنى: ولَوْ أتَيْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ أيْ ولَوْ أرْسَلْنا، وإنَّما قالا هَكَذا لِأنَّ " لَئِنْ " هي ضِدُّ " لَوْ "، وذَلِكَ أنَّ الأُولى تَطْلُبُ في جَوابِها المُضِيَّ والوُقُوعَ و" لَئِنْ " تَطْلُبُ في جَوابِها الِاسْتِقْبالَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْنى " لَئِنْ " يُخالِفُ مَعْنى " لَوْ " فَلا تَدْخُلُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، فالمَعْنى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَعْنى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ لَيَظْلَلْنَ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ وهي مُتَضَمِّنَةٌ (p-١٠١)لِلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرْوِيحِ خاطِرِهِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ كُلُّ آيَةٍ، ولا يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ وإنْ جاءَهم بِكُلِّ بُرْهانٍ فَضْلًا عَنْ بُرْهانٍ واحِدٍ وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا اتِّباعَ الحَقِّ لِدَلِيلٍ عِنْدَهم أوْ لِشُبْهَةٍ طَرَأتْ عَلَيْهِمْ، حَتّى يُوازِنُوا بَيْنَ ما عِنْدَهم وما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويُقْلِعُوا عَنْ غِوايَتِهِمْ عِنْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، بَلْ كانَ تَرْكُهم لِلْحَقِّ تَمَرُّدًا وعِنادًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَنْتَفِعُ بِالبُرْهانِ أبَدًا.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هَذا الإخْبارُ مُمْكِنٌ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، أيْ لا تَتَّبِعْ يا مُحَمَّدُ قِبْلَتَهم ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ دَفْعًا لِأطْماعِ أهْلِ الكِتابِ، وقَطْعًا لِما يَرْجُونَهُ مِن رُجُوعِهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى مُبايَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِما عِنْدَهم مُخْتَلِفُونَ في دِينِهِمْ حَتّى في هَذا الحُكْمِ الخاصِّ الَّذِي قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى رَسُولِهِ، فَإنَّ بَعْضَهم لا يُتابِعُ الآخَرَ في اسْتِقْبالِ قِبْلَتِهِ.
قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، والنَّصارى تَسْتَقْبِلُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ والزَّجْرِ البَلِيغِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، وإذا كانَ المَيْلُ إلى أهْوِيَةِ المُخالِفِينَ لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمِلَّةِ الشَّرِيفَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي هو سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ وحاشاهُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، وقَدْ صانَ اللَّهُ هَذِهِ الفِرْقَةَ الإسْلامِيَّةَ بَعْدَ ثُبُوتِ قَدَمِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ مَنارِهِ عَنْ أنْ يَمِيلُوا إلى شَيْءٍ مِن هَوى أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ تَبْقَ إلّا دَسِيسَةٌ شَيْطانِيَّةٌ ووَسِيلَةٌ طاغُوتِيَّةٌ، وهي مَيْلُ بَعْضِ مَن تَحَمَّلَ حُجَجَ اللَّهِ إلى هَوى بَعْضِ طَوائِفِ المُبْتَدِعَةِ، لِما يَرْجُوهُ مِنَ الحُطامِ العاجِلِ مِن أيْدِيهِمْ أوِ الجاهِ لَدَيْهِمْ إنْ كانَ لَهم في النّاسِ دَوْلَةٌ، أوْ كانُوا مِن ذَوِي الصَّوْلَةِ، وهَذا المَيْلُ لَيْسَ بِدُونِ ذَلِكَ المَيْلِ، بَلِ اتِّباعُ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ تُشْبِهُ اتِّباعَ أهْوِيَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يُشْبِهُ الماءُ الماءَ، والبَيْضَةُ البَيْضَةَ، والتَّمْرَةُ التَّمْرَةَ، وقَدْ تَكُونُ مَفْسَدَةُ اتِّباعِ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ أشَدَّ عَلى هَذِهِ المِلَّةِ مِن مَفْسَدَةِ اتِّباعِ أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ، فَإنَّ المُبْتَدِعَةَ يَنْتَمُونَ إلى الإسْلامِ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يَنْصُرُونَ الدِّينَ ويَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، وهم عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ والضِّدِّ لِما هُنالِكَ، فَلا يَزالُونَ يَنْقُلُونَ مَن يَمِيلُ إلى أهَوِيَتِهِمْ مِن بِدْعَةٍ إلى بِدْعَةٍ ويَدْفَعُونَهُ مِن شُنْعَةٍ إلى شُنْعَةٍ، حَتّى يَسْلَخُوهُ مِنَ الدِّينِ ويُخْرِجُوهُ مِنهُ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ في الصَّمِيمِ، وأنَّ الصِّراطَ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، هَذا إنْ كانَ في عِدادِ المُقَصِّرِينَ، ومِن جُمْلَةِ الجاهِلِينَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ المُمَيِّزِينَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كانَ في اتِّباعِهِ لِأهْوِيَتِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، وصارَ نِقْمَةً عَلى عِبادِ اللَّهِ ومُصِيبَةً صَبَّها اللَّهُ عَلى المُقَصِّرِينَ، لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ في عِلْمِهِ وفَهْمِهِ لا يَمِيلُ إلّا إلى الحَقِّ، ولا يَتَّبِعُ إلّا الصَّوابَ، فَيَضِلُّونَ بِضَلالِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُهُ وإثْمُ مَنِ اقْتَدى بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، نَسْألُ اللَّهَ اللُّطْفَ والسَّلامَةَ والهِدايَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: يَعْرِفُونَ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ الأوَّلَ.
وعِنْدِي أنَّ الرّاجِحَ الآخَرُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ هَذِهِ الآياتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ هو عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الثّانِي اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الحَقَّ الأوَّلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ الحَقُّ هو الَّذِي مِن رَبِّكَ لا مِن غَيْرِهِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ الزَمِ الحَقَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، نَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الشَّكِّ في كَوْنِهِ الحَقَّ مِن رَبِّهِ، أوْ في كَوْنِ كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، وعَلى الأوَّلِ هو تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ، أيْ لا يَكُنْ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ مِنَ المُمْتَرِينَ، لِأنَّهُ ﷺ لا يَشُكُّ في كَوْنِ ذَلِكَ هو الحَقَّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وصُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ إلى المَدِينَةِ بِشَهْرَيْنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ أكْثَرَ تَقْلِيبَ وجْهِهِ في السَّماءِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِن قَلْبِ نَبِيِّهِ أنَّهُ يَهْوى الكَعْبَةَ فَصَعِدَ جِبْرِيلُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ وهو يَصْعَدُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَنْظُرُ ما يَأْتِيهِ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا جِبْرِيلُ كَيْفَ حالُنا في صَلاتِنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾» .
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ مُخْتَصَرًا لَكِنَّهُ قالَ: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قالَ: قِبْلَةَ إبْراهِيمَ نَحْوَ المِيزابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قِبَلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿شَطْرَهُ﴾ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ تِلْقاءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وقِبْلَةُ البَيْتِ البابُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا قالَ: (p-١٠٢)«البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الأرْضِ في مَشارِقِها ومَغارِبِها مِن أُمَّتِي» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: أُنْزِلَ ذَلِكَ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ القِبْلَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: ما اليَهُودُ بِتابِعِي قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى بِتابِعِي قِبْلَةَ اليَهُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ قالَ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ في كِتابِهِمْ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّ البَيْتَ الحَرامَ هو القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: يَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ يَقُولُ: لا تَكُونُنَّ في شَكٍّ يا مُحَمَّدُ أنَّ الكَعْبَةَ هي قِبْلَتُكَ، وكانَتْ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ.
البقرة 2:145
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ العُلَماءُ: هَذِهِ الآيَةُ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾، ومَعْنى: قَدْ تَكْثِيرُ الرُّؤْيَةِ، كَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومَعْنى: ﴿تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ تَحَوُّلَ وجْهِكَ إلى السَّماءِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقَلُّبَ عَيْنَيْكَ في النَّظَرِ إلى السَّماءِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ هو إمّا مِنَ الوِلايَةِ، أيْ فَلَنُعْطِيَنَّكَ ذَلِكَ.
أوْ مِنَ التَّوَلِّي، أيْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ مُتَوَلِّيًا إلى جِهَتِها، وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
والمُرادُ بِالشَّطْرِ هُنا: النّاحِيَةُ والجِهَةُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ
ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِّسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو
وقَدْ يُرادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ، ومِنهُ «الوُضُوءُ شَطْرُ الإيمانِ»، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنِّي امْرُؤٌ مِن خَيْرِ عَبْسٍ مَنصِبًا ∗∗∗ شَطْرِي وأحْمِي سائِرِي بِالمُنْصُلِ
قالَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهُ مِن ساداتِ عَبْسٍ وأُمَّهُ أمَةٌ.
ويَرِدُ بِمَعْنى البَعْضِ مُطْلَقًا.
ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِشَطْرِ المَسْجِدِ هُنا الكَعْبَةُ.
وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ فَرْضٌ عَلى المُعايِنِ، وعَلى أنَّ غَيْرَ المُعايِنِ يَسْتَقْبِلُ النّاحِيَةَ، ويَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ بِما يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ التَّحَوُّلِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وعِلْمُ أهْلِ الكِتابِ بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِ قَدْ بَلَغَهم عَنْ أنْبِيائِهِمْ أوْ وجَدُوا في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ أنَّ هَذا النَّبِيَّ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ، أوْ لِكَوْنِهِمْ قَدْ عَلِمُوا مِن كُتُبِهِمْ أوْ أنْبِيائِهِمْ أنَّ النَّسْخَ سَيَكُونُ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في الإسْلامِ ومُتابَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَعْمَلُونَ " بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى مُخاطَبَةِ أهْلِ الكِتابِ أوْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ﴾ هَذِهِ اللّامُ هي مُوَطِّئَةُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَئِنْ أتَيْتَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما تَبِعُوا﴾ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: أُجِيبَ " لَئِنْ " بِجَوابِ " لَوْ " لِأنَّ المَعْنى: ولَوْ أتَيْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ أيْ ولَوْ أرْسَلْنا، وإنَّما قالا هَكَذا لِأنَّ " لَئِنْ " هي ضِدُّ " لَوْ "، وذَلِكَ أنَّ الأُولى تَطْلُبُ في جَوابِها المُضِيَّ والوُقُوعَ و" لَئِنْ " تَطْلُبُ في جَوابِها الِاسْتِقْبالَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْنى " لَئِنْ " يُخالِفُ مَعْنى " لَوْ " فَلا تَدْخُلُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، فالمَعْنى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَعْنى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ لَيَظْلَلْنَ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ وهي مُتَضَمِّنَةٌ (p-١٠١)لِلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرْوِيحِ خاطِرِهِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ كُلُّ آيَةٍ، ولا يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ وإنْ جاءَهم بِكُلِّ بُرْهانٍ فَضْلًا عَنْ بُرْهانٍ واحِدٍ وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا اتِّباعَ الحَقِّ لِدَلِيلٍ عِنْدَهم أوْ لِشُبْهَةٍ طَرَأتْ عَلَيْهِمْ، حَتّى يُوازِنُوا بَيْنَ ما عِنْدَهم وما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويُقْلِعُوا عَنْ غِوايَتِهِمْ عِنْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، بَلْ كانَ تَرْكُهم لِلْحَقِّ تَمَرُّدًا وعِنادًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَنْتَفِعُ بِالبُرْهانِ أبَدًا.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هَذا الإخْبارُ مُمْكِنٌ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، أيْ لا تَتَّبِعْ يا مُحَمَّدُ قِبْلَتَهم ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ دَفْعًا لِأطْماعِ أهْلِ الكِتابِ، وقَطْعًا لِما يَرْجُونَهُ مِن رُجُوعِهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى مُبايَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِما عِنْدَهم مُخْتَلِفُونَ في دِينِهِمْ حَتّى في هَذا الحُكْمِ الخاصِّ الَّذِي قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى رَسُولِهِ، فَإنَّ بَعْضَهم لا يُتابِعُ الآخَرَ في اسْتِقْبالِ قِبْلَتِهِ.
قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، والنَّصارى تَسْتَقْبِلُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ والزَّجْرِ البَلِيغِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، وإذا كانَ المَيْلُ إلى أهْوِيَةِ المُخالِفِينَ لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمِلَّةِ الشَّرِيفَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي هو سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ وحاشاهُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، وقَدْ صانَ اللَّهُ هَذِهِ الفِرْقَةَ الإسْلامِيَّةَ بَعْدَ ثُبُوتِ قَدَمِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ مَنارِهِ عَنْ أنْ يَمِيلُوا إلى شَيْءٍ مِن هَوى أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ تَبْقَ إلّا دَسِيسَةٌ شَيْطانِيَّةٌ ووَسِيلَةٌ طاغُوتِيَّةٌ، وهي مَيْلُ بَعْضِ مَن تَحَمَّلَ حُجَجَ اللَّهِ إلى هَوى بَعْضِ طَوائِفِ المُبْتَدِعَةِ، لِما يَرْجُوهُ مِنَ الحُطامِ العاجِلِ مِن أيْدِيهِمْ أوِ الجاهِ لَدَيْهِمْ إنْ كانَ لَهم في النّاسِ دَوْلَةٌ، أوْ كانُوا مِن ذَوِي الصَّوْلَةِ، وهَذا المَيْلُ لَيْسَ بِدُونِ ذَلِكَ المَيْلِ، بَلِ اتِّباعُ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ تُشْبِهُ اتِّباعَ أهْوِيَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يُشْبِهُ الماءُ الماءَ، والبَيْضَةُ البَيْضَةَ، والتَّمْرَةُ التَّمْرَةَ، وقَدْ تَكُونُ مَفْسَدَةُ اتِّباعِ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ أشَدَّ عَلى هَذِهِ المِلَّةِ مِن مَفْسَدَةِ اتِّباعِ أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ، فَإنَّ المُبْتَدِعَةَ يَنْتَمُونَ إلى الإسْلامِ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يَنْصُرُونَ الدِّينَ ويَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، وهم عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ والضِّدِّ لِما هُنالِكَ، فَلا يَزالُونَ يَنْقُلُونَ مَن يَمِيلُ إلى أهَوِيَتِهِمْ مِن بِدْعَةٍ إلى بِدْعَةٍ ويَدْفَعُونَهُ مِن شُنْعَةٍ إلى شُنْعَةٍ، حَتّى يَسْلَخُوهُ مِنَ الدِّينِ ويُخْرِجُوهُ مِنهُ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ في الصَّمِيمِ، وأنَّ الصِّراطَ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، هَذا إنْ كانَ في عِدادِ المُقَصِّرِينَ، ومِن جُمْلَةِ الجاهِلِينَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ المُمَيِّزِينَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كانَ في اتِّباعِهِ لِأهْوِيَتِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، وصارَ نِقْمَةً عَلى عِبادِ اللَّهِ ومُصِيبَةً صَبَّها اللَّهُ عَلى المُقَصِّرِينَ، لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ في عِلْمِهِ وفَهْمِهِ لا يَمِيلُ إلّا إلى الحَقِّ، ولا يَتَّبِعُ إلّا الصَّوابَ، فَيَضِلُّونَ بِضَلالِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُهُ وإثْمُ مَنِ اقْتَدى بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، نَسْألُ اللَّهَ اللُّطْفَ والسَّلامَةَ والهِدايَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: يَعْرِفُونَ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ الأوَّلَ.
وعِنْدِي أنَّ الرّاجِحَ الآخَرُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ هَذِهِ الآياتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ هو عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الثّانِي اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الحَقَّ الأوَّلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ الحَقُّ هو الَّذِي مِن رَبِّكَ لا مِن غَيْرِهِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ الزَمِ الحَقَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، نَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الشَّكِّ في كَوْنِهِ الحَقَّ مِن رَبِّهِ، أوْ في كَوْنِ كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، وعَلى الأوَّلِ هو تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ، أيْ لا يَكُنْ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ مِنَ المُمْتَرِينَ، لِأنَّهُ ﷺ لا يَشُكُّ في كَوْنِ ذَلِكَ هو الحَقَّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وصُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ إلى المَدِينَةِ بِشَهْرَيْنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ أكْثَرَ تَقْلِيبَ وجْهِهِ في السَّماءِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِن قَلْبِ نَبِيِّهِ أنَّهُ يَهْوى الكَعْبَةَ فَصَعِدَ جِبْرِيلُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ وهو يَصْعَدُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَنْظُرُ ما يَأْتِيهِ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا جِبْرِيلُ كَيْفَ حالُنا في صَلاتِنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾» .
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ مُخْتَصَرًا لَكِنَّهُ قالَ: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قالَ: قِبْلَةَ إبْراهِيمَ نَحْوَ المِيزابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قِبَلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿شَطْرَهُ﴾ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ تِلْقاءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وقِبْلَةُ البَيْتِ البابُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا قالَ: (p-١٠٢)«البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الأرْضِ في مَشارِقِها ومَغارِبِها مِن أُمَّتِي» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: أُنْزِلَ ذَلِكَ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ القِبْلَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: ما اليَهُودُ بِتابِعِي قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى بِتابِعِي قِبْلَةَ اليَهُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ قالَ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ في كِتابِهِمْ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّ البَيْتَ الحَرامَ هو القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: يَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ يَقُولُ: لا تَكُونُنَّ في شَكٍّ يا مُحَمَّدُ أنَّ الكَعْبَةَ هي قِبْلَتُكَ، وكانَتْ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ.