Fath Al-Qadir Al-Shawkani — البقرة 2:146 – البقرة 2:196
المحتويات
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:149
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:162
- البقرة 2:163
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:172
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
- البقرة 2:185
- البقرة 2:186
- البقرة 2:187
- البقرة 2:188
- البقرة 2:189
- البقرة 2:190
- البقرة 2:191
- البقرة 2:192
- البقرة 2:193
- البقرة 2:194
- البقرة 2:195
- البقرة 2:196
البقرة 2:146
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ العُلَماءُ: هَذِهِ الآيَةُ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾، ومَعْنى: قَدْ تَكْثِيرُ الرُّؤْيَةِ، كَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومَعْنى: ﴿تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ تَحَوُّلَ وجْهِكَ إلى السَّماءِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقَلُّبَ عَيْنَيْكَ في النَّظَرِ إلى السَّماءِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ هو إمّا مِنَ الوِلايَةِ، أيْ فَلَنُعْطِيَنَّكَ ذَلِكَ.
أوْ مِنَ التَّوَلِّي، أيْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ مُتَوَلِّيًا إلى جِهَتِها، وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
والمُرادُ بِالشَّطْرِ هُنا: النّاحِيَةُ والجِهَةُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ
ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِّسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو
وقَدْ يُرادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ، ومِنهُ «الوُضُوءُ شَطْرُ الإيمانِ»، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنِّي امْرُؤٌ مِن خَيْرِ عَبْسٍ مَنصِبًا ∗∗∗ شَطْرِي وأحْمِي سائِرِي بِالمُنْصُلِ
قالَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهُ مِن ساداتِ عَبْسٍ وأُمَّهُ أمَةٌ.
ويَرِدُ بِمَعْنى البَعْضِ مُطْلَقًا.
ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِشَطْرِ المَسْجِدِ هُنا الكَعْبَةُ.
وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ فَرْضٌ عَلى المُعايِنِ، وعَلى أنَّ غَيْرَ المُعايِنِ يَسْتَقْبِلُ النّاحِيَةَ، ويَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ بِما يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ التَّحَوُّلِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وعِلْمُ أهْلِ الكِتابِ بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِ قَدْ بَلَغَهم عَنْ أنْبِيائِهِمْ أوْ وجَدُوا في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ أنَّ هَذا النَّبِيَّ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ، أوْ لِكَوْنِهِمْ قَدْ عَلِمُوا مِن كُتُبِهِمْ أوْ أنْبِيائِهِمْ أنَّ النَّسْخَ سَيَكُونُ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في الإسْلامِ ومُتابَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَعْمَلُونَ " بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى مُخاطَبَةِ أهْلِ الكِتابِ أوْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ﴾ هَذِهِ اللّامُ هي مُوَطِّئَةُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَئِنْ أتَيْتَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما تَبِعُوا﴾ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: أُجِيبَ " لَئِنْ " بِجَوابِ " لَوْ " لِأنَّ المَعْنى: ولَوْ أتَيْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ أيْ ولَوْ أرْسَلْنا، وإنَّما قالا هَكَذا لِأنَّ " لَئِنْ " هي ضِدُّ " لَوْ "، وذَلِكَ أنَّ الأُولى تَطْلُبُ في جَوابِها المُضِيَّ والوُقُوعَ و" لَئِنْ " تَطْلُبُ في جَوابِها الِاسْتِقْبالَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْنى " لَئِنْ " يُخالِفُ مَعْنى " لَوْ " فَلا تَدْخُلُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، فالمَعْنى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَعْنى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ لَيَظْلَلْنَ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ وهي مُتَضَمِّنَةٌ (p-١٠١)لِلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرْوِيحِ خاطِرِهِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ كُلُّ آيَةٍ، ولا يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ وإنْ جاءَهم بِكُلِّ بُرْهانٍ فَضْلًا عَنْ بُرْهانٍ واحِدٍ وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا اتِّباعَ الحَقِّ لِدَلِيلٍ عِنْدَهم أوْ لِشُبْهَةٍ طَرَأتْ عَلَيْهِمْ، حَتّى يُوازِنُوا بَيْنَ ما عِنْدَهم وما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويُقْلِعُوا عَنْ غِوايَتِهِمْ عِنْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، بَلْ كانَ تَرْكُهم لِلْحَقِّ تَمَرُّدًا وعِنادًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَنْتَفِعُ بِالبُرْهانِ أبَدًا.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هَذا الإخْبارُ مُمْكِنٌ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، أيْ لا تَتَّبِعْ يا مُحَمَّدُ قِبْلَتَهم ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ دَفْعًا لِأطْماعِ أهْلِ الكِتابِ، وقَطْعًا لِما يَرْجُونَهُ مِن رُجُوعِهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى مُبايَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِما عِنْدَهم مُخْتَلِفُونَ في دِينِهِمْ حَتّى في هَذا الحُكْمِ الخاصِّ الَّذِي قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى رَسُولِهِ، فَإنَّ بَعْضَهم لا يُتابِعُ الآخَرَ في اسْتِقْبالِ قِبْلَتِهِ.
قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، والنَّصارى تَسْتَقْبِلُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ والزَّجْرِ البَلِيغِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، وإذا كانَ المَيْلُ إلى أهْوِيَةِ المُخالِفِينَ لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمِلَّةِ الشَّرِيفَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي هو سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ وحاشاهُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، وقَدْ صانَ اللَّهُ هَذِهِ الفِرْقَةَ الإسْلامِيَّةَ بَعْدَ ثُبُوتِ قَدَمِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ مَنارِهِ عَنْ أنْ يَمِيلُوا إلى شَيْءٍ مِن هَوى أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ تَبْقَ إلّا دَسِيسَةٌ شَيْطانِيَّةٌ ووَسِيلَةٌ طاغُوتِيَّةٌ، وهي مَيْلُ بَعْضِ مَن تَحَمَّلَ حُجَجَ اللَّهِ إلى هَوى بَعْضِ طَوائِفِ المُبْتَدِعَةِ، لِما يَرْجُوهُ مِنَ الحُطامِ العاجِلِ مِن أيْدِيهِمْ أوِ الجاهِ لَدَيْهِمْ إنْ كانَ لَهم في النّاسِ دَوْلَةٌ، أوْ كانُوا مِن ذَوِي الصَّوْلَةِ، وهَذا المَيْلُ لَيْسَ بِدُونِ ذَلِكَ المَيْلِ، بَلِ اتِّباعُ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ تُشْبِهُ اتِّباعَ أهْوِيَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يُشْبِهُ الماءُ الماءَ، والبَيْضَةُ البَيْضَةَ، والتَّمْرَةُ التَّمْرَةَ، وقَدْ تَكُونُ مَفْسَدَةُ اتِّباعِ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ أشَدَّ عَلى هَذِهِ المِلَّةِ مِن مَفْسَدَةِ اتِّباعِ أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ، فَإنَّ المُبْتَدِعَةَ يَنْتَمُونَ إلى الإسْلامِ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يَنْصُرُونَ الدِّينَ ويَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، وهم عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ والضِّدِّ لِما هُنالِكَ، فَلا يَزالُونَ يَنْقُلُونَ مَن يَمِيلُ إلى أهَوِيَتِهِمْ مِن بِدْعَةٍ إلى بِدْعَةٍ ويَدْفَعُونَهُ مِن شُنْعَةٍ إلى شُنْعَةٍ، حَتّى يَسْلَخُوهُ مِنَ الدِّينِ ويُخْرِجُوهُ مِنهُ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ في الصَّمِيمِ، وأنَّ الصِّراطَ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، هَذا إنْ كانَ في عِدادِ المُقَصِّرِينَ، ومِن جُمْلَةِ الجاهِلِينَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ المُمَيِّزِينَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كانَ في اتِّباعِهِ لِأهْوِيَتِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، وصارَ نِقْمَةً عَلى عِبادِ اللَّهِ ومُصِيبَةً صَبَّها اللَّهُ عَلى المُقَصِّرِينَ، لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ في عِلْمِهِ وفَهْمِهِ لا يَمِيلُ إلّا إلى الحَقِّ، ولا يَتَّبِعُ إلّا الصَّوابَ، فَيَضِلُّونَ بِضَلالِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُهُ وإثْمُ مَنِ اقْتَدى بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، نَسْألُ اللَّهَ اللُّطْفَ والسَّلامَةَ والهِدايَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: يَعْرِفُونَ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ الأوَّلَ.
وعِنْدِي أنَّ الرّاجِحَ الآخَرُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ هَذِهِ الآياتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ هو عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الثّانِي اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الحَقَّ الأوَّلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ الحَقُّ هو الَّذِي مِن رَبِّكَ لا مِن غَيْرِهِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ الزَمِ الحَقَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، نَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الشَّكِّ في كَوْنِهِ الحَقَّ مِن رَبِّهِ، أوْ في كَوْنِ كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، وعَلى الأوَّلِ هو تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ، أيْ لا يَكُنْ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ مِنَ المُمْتَرِينَ، لِأنَّهُ ﷺ لا يَشُكُّ في كَوْنِ ذَلِكَ هو الحَقَّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وصُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ إلى المَدِينَةِ بِشَهْرَيْنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ أكْثَرَ تَقْلِيبَ وجْهِهِ في السَّماءِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِن قَلْبِ نَبِيِّهِ أنَّهُ يَهْوى الكَعْبَةَ فَصَعِدَ جِبْرِيلُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ وهو يَصْعَدُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَنْظُرُ ما يَأْتِيهِ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا جِبْرِيلُ كَيْفَ حالُنا في صَلاتِنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾» .
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ مُخْتَصَرًا لَكِنَّهُ قالَ: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قالَ: قِبْلَةَ إبْراهِيمَ نَحْوَ المِيزابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قِبَلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿شَطْرَهُ﴾ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ تِلْقاءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وقِبْلَةُ البَيْتِ البابُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا قالَ: (p-١٠٢)«البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الأرْضِ في مَشارِقِها ومَغارِبِها مِن أُمَّتِي» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: أُنْزِلَ ذَلِكَ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ القِبْلَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: ما اليَهُودُ بِتابِعِي قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى بِتابِعِي قِبْلَةَ اليَهُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ قالَ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ في كِتابِهِمْ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّ البَيْتَ الحَرامَ هو القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: يَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ يَقُولُ: لا تَكُونُنَّ في شَكٍّ يا مُحَمَّدُ أنَّ الكَعْبَةَ هي قِبْلَتُكَ، وكانَتْ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ.
البقرة 2:147
قَوْلُهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: قالَ العُلَماءُ: هَذِهِ الآيَةُ مُقَدَّمَةٌ في النُّزُولِ عَلى قَوْلِهِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾، ومَعْنى: قَدْ تَكْثِيرُ الرُّؤْيَةِ، كَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ، ومَعْنى: ﴿تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ تَحَوُّلَ وجْهِكَ إلى السَّماءِ، قالَهُ قُطْرُبٌ.
قالَ الزَّجّاجُ: تَقَلُّبَ عَيْنَيْكَ في النَّظَرِ إلى السَّماءِ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ هو إمّا مِنَ الوِلايَةِ، أيْ فَلَنُعْطِيَنَّكَ ذَلِكَ.
أوْ مِنَ التَّوَلِّي، أيْ فَلَنَجْعَلَنَّكَ مُتَوَلِّيًا إلى جِهَتِها، وهَذا أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ .
والمُرادُ بِالشَّطْرِ هُنا: النّاحِيَةُ والجِهَةُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أقُولُ لِأُمِّ زِنْباعَ أقِيمِي صُدُورَ العِيسِ شَطْرَ بَنِي تَمِيمِ
ومِنهُ أيْضًا قَوْلُ الآخَرِ:
؎ألا مِن مُبَلِّغٍ عَمْرًا رَسُولًا ∗∗∗ وما تُغْنِي الرِّسالَةُ شَطْرَ عَمْرِو
وقَدْ يُرادُ بِالشَّطْرِ النِّصْفُ، ومِنهُ «الوُضُوءُ شَطْرُ الإيمانِ»، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎إنِّي امْرُؤٌ مِن خَيْرِ عَبْسٍ مَنصِبًا ∗∗∗ شَطْرِي وأحْمِي سائِرِي بِالمُنْصُلِ
قالَ ذَلِكَ لِأنَّ أباهُ مِن ساداتِ عَبْسٍ وأُمَّهُ أمَةٌ.
ويَرِدُ بِمَعْنى البَعْضِ مُطْلَقًا.
ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِشَطْرِ المَسْجِدِ هُنا الكَعْبَةُ.
وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ اسْتِقْبالَ عَيْنِ الكَعْبَةِ فَرْضٌ عَلى المُعايِنِ، وعَلى أنَّ غَيْرَ المُعايِنِ يَسْتَقْبِلُ النّاحِيَةَ، ويَسْتَدِلُّ عَلى ذَلِكَ بِما يُمْكِنُهُ الِاسْتِدْلالُ بِهِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّهُ الحَقُّ﴾ راجِعٌ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ الكَلامُ مِنَ التَّحَوُّلِ إلى جِهَةِ الكَعْبَةِ، وعِلْمُ أهْلِ الكِتابِ بِذَلِكَ إمّا لِكَوْنِهِ قَدْ بَلَغَهم عَنْ أنْبِيائِهِمْ أوْ وجَدُوا في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ أنَّ هَذا النَّبِيَّ يَسْتَقْبِلُ الكَعْبَةَ، أوْ لِكَوْنِهِمْ قَدْ عَلِمُوا مِن كُتُبِهِمْ أوْ أنْبِيائِهِمْ أنَّ النَّسْخَ سَيَكُونُ في هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مُوجِبًا عَلَيْهِمُ الدُّخُولَ في الإسْلامِ ومُتابَعَةَ النَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " تَعْمَلُونَ " بِالمُثَنّاةِ الفَوْقِيَّةِ عَلى مُخاطَبَةِ أهْلِ الكِتابِ أوْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ﴾ هَذِهِ اللّامُ هي مُوَطِّئَةُ القَسَمِ، والتَّقْدِيرُ: واللَّهِ لَئِنْ أتَيْتَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ما تَبِعُوا﴾ جَوابُ القَسَمِ المُقَدَّرِ، قالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: أُجِيبَ " لَئِنْ " بِجَوابِ " لَوْ " لِأنَّ المَعْنى: ولَوْ أتَيْتَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا﴾ أيْ ولَوْ أرْسَلْنا، وإنَّما قالا هَكَذا لِأنَّ " لَئِنْ " هي ضِدُّ " لَوْ "، وذَلِكَ أنَّ الأُولى تَطْلُبُ في جَوابِها المُضِيَّ والوُقُوعَ و" لَئِنْ " تَطْلُبُ في جَوابِها الِاسْتِقْبالَ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: إنَّ مَعْنى " لَئِنْ " يُخالِفُ مَعْنى " لَوْ " فَلا تَدْخُلُ إحْداهُما عَلى الأُخْرى، فالمَعْنى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ .
قالَ سِيبَوَيْهِ: ومَعْنى: ﴿ولَئِنْ أرْسَلْنا رِيحًا فَرَأوْهُ مُصْفَرًّا﴾ لَيَظْلَلْنَ. انْتَهى.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مُبالَغَةٌ عَظِيمَةٌ وهي مُتَضَمِّنَةٌ (p-١٠١)لِلتَّسْلِيَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَرْوِيحِ خاطِرِهِ لِأنَّ هَؤُلاءِ لا تُؤَثِّرُ فِيهِمْ كُلُّ آيَةٍ، ولا يَرْجِعُونَ إلى الحَقِّ وإنْ جاءَهم بِكُلِّ بُرْهانٍ فَضْلًا عَنْ بُرْهانٍ واحِدٍ وذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَتْرُكُوا اتِّباعَ الحَقِّ لِدَلِيلٍ عِنْدَهم أوْ لِشُبْهَةٍ طَرَأتْ عَلَيْهِمْ، حَتّى يُوازِنُوا بَيْنَ ما عِنْدَهم وما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ويُقْلِعُوا عَنْ غِوايَتِهِمْ عِنْدَ وُضُوحِ الحَقِّ، بَلْ كانَ تَرْكُهم لِلْحَقِّ تَمَرُّدًا وعِنادًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو لا يَنْتَفِعُ بِالبُرْهانِ أبَدًا.
وقَوْلُهُ: ﴿وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ هَذا الإخْبارُ مُمْكِنٌ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ، أيْ لا تَتَّبِعْ يا مُحَمَّدُ قِبْلَتَهم ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى ظاهِرِهِ دَفْعًا لِأطْماعِ أهْلِ الكِتابِ، وقَطْعًا لِما يَرْجُونَهُ مِن رُجُوعِهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ فِيهِ إخْبارٌ بِأنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مَعَ حِرْصِهِمْ عَلى مُبايَعَةِ الرَّسُولِ ﷺ لِما عِنْدَهم مُخْتَلِفُونَ في دِينِهِمْ حَتّى في هَذا الحُكْمِ الخاصِّ الَّذِي قَصَّهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى رَسُولِهِ، فَإنَّ بَعْضَهم لا يُتابِعُ الآخَرَ في اسْتِقْبالِ قِبْلَتِهِ.
قالَ في الكَشّافِ: وذَلِكَ أنَّ اليَهُودَ تَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، والنَّصارى تَسْتَقْبِلُ مَطْلَعَ الشَّمْسِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَئِنِ اتَّبَعْتَ أهْواءَهُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ مِنَ التَّهْدِيدِ العَظِيمِ والزَّجْرِ البَلِيغِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ مِنهُ الأفْئِدَةُ، وإذا كانَ المَيْلُ إلى أهْوِيَةِ المُخالِفِينَ لِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ الغَرّاءِ والمِلَّةِ الشَّرِيفَةِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي هو سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ وحاشاهُ مِنَ الظّالِمِينَ، فَما ظَنُّكَ بِغَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، وقَدْ صانَ اللَّهُ هَذِهِ الفِرْقَةَ الإسْلامِيَّةَ بَعْدَ ثُبُوتِ قَدَمِ الإسْلامِ وارْتِفاعِ مَنارِهِ عَنْ أنْ يَمِيلُوا إلى شَيْءٍ مِن هَوى أهْلِ الكِتابِ، ولَمْ تَبْقَ إلّا دَسِيسَةٌ شَيْطانِيَّةٌ ووَسِيلَةٌ طاغُوتِيَّةٌ، وهي مَيْلُ بَعْضِ مَن تَحَمَّلَ حُجَجَ اللَّهِ إلى هَوى بَعْضِ طَوائِفِ المُبْتَدِعَةِ، لِما يَرْجُوهُ مِنَ الحُطامِ العاجِلِ مِن أيْدِيهِمْ أوِ الجاهِ لَدَيْهِمْ إنْ كانَ لَهم في النّاسِ دَوْلَةٌ، أوْ كانُوا مِن ذَوِي الصَّوْلَةِ، وهَذا المَيْلُ لَيْسَ بِدُونِ ذَلِكَ المَيْلِ، بَلِ اتِّباعُ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ تُشْبِهُ اتِّباعَ أهْوِيَةِ أهْلِ الكِتابِ، كَما يُشْبِهُ الماءُ الماءَ، والبَيْضَةُ البَيْضَةَ، والتَّمْرَةُ التَّمْرَةَ، وقَدْ تَكُونُ مَفْسَدَةُ اتِّباعِ أهْوِيَةِ المُبْتَدِعَةِ أشَدَّ عَلى هَذِهِ المِلَّةِ مِن مَفْسَدَةِ اتِّباعِ أهْوِيَةِ أهْلِ المِلَلِ، فَإنَّ المُبْتَدِعَةَ يَنْتَمُونَ إلى الإسْلامِ، ويُظْهِرُونَ لِلنّاسِ أنَّهم يَنْصُرُونَ الدِّينَ ويَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ، وهم عَلى العَكْسِ مِن ذَلِكَ والضِّدِّ لِما هُنالِكَ، فَلا يَزالُونَ يَنْقُلُونَ مَن يَمِيلُ إلى أهَوِيَتِهِمْ مِن بِدْعَةٍ إلى بِدْعَةٍ ويَدْفَعُونَهُ مِن شُنْعَةٍ إلى شُنْعَةٍ، حَتّى يَسْلَخُوهُ مِنَ الدِّينِ ويُخْرِجُوهُ مِنهُ، وهو يَظُنُّ أنَّهُ مِنهُ في الصَّمِيمِ، وأنَّ الصِّراطَ الَّذِي هو عَلَيْهِ هو الصِّراطُ المُسْتَقِيمُ، هَذا إنْ كانَ في عِدادِ المُقَصِّرِينَ، ومِن جُمْلَةِ الجاهِلِينَ، وإنْ كانَ مِن أهْلِ العِلْمِ والفَهْمِ المُمَيِّزِينَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ كانَ في اتِّباعِهِ لِأهْوِيَتِهِمْ مِمَّنْ أضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وخَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، وصارَ نِقْمَةً عَلى عِبادِ اللَّهِ ومُصِيبَةً صَبَّها اللَّهُ عَلى المُقَصِّرِينَ، لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ في عِلْمِهِ وفَهْمِهِ لا يَمِيلُ إلّا إلى الحَقِّ، ولا يَتَّبِعُ إلّا الصَّوابَ، فَيَضِلُّونَ بِضَلالِهِ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ إثْمُهُ وإثْمُ مَنِ اقْتَدى بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، نَسْألُ اللَّهَ اللُّطْفَ والسَّلامَةَ والهِدايَةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ، أيْ يَعْرِفُونَ نُبُوَّتَهُ.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ وطائِفَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وقِيلَ: يَعْرِفُونَ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ بِالطَّرِيقِ الَّتِي قَدَّمْنا ذِكْرَها، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ورَجَّحَ صاحِبُ الكَشّافِ الأوَّلَ.
وعِنْدِي أنَّ الرّاجِحَ الآخَرُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ هَذِهِ الآياتُ.
وقَوْلُهُ: ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ هو عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ: نُبُوَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وعِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الثّانِي اسْتِقْبالُ الكَعْبَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الحَقَّ الأوَّلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ جِنْسُ الحَقِّ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أوْ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ قَوْلُهُ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ الحَقُّ هو الَّذِي مِن رَبِّكَ لا مِن غَيْرِهِ.
وقَرَأ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ " الحَقَّ " بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ أيِ الزَمِ الحَقَّ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ خِطابٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ والِامْتِراءُ: الشَّكُّ، نَهاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنِ الشَّكِّ في كَوْنِهِ الحَقَّ مِن رَبِّهِ، أوْ في كَوْنِ كِتْمانِهِمُ الحَقَّ مَعَ عِلْمِهِمْ، وعَلى الأوَّلِ هو تَعْرِيضٌ لِلْأُمَّةِ، أيْ لا يَكُنْ أحَدٌ مِن أُمَّتِهِ مِنَ المُمْتَرِينَ، لِأنَّهُ ﷺ لا يَشُكُّ في كَوْنِ ذَلِكَ هو الحَقَّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنِ البَراءِ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وصُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ إلى المَدِينَةِ بِشَهْرَيْنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ أكْثَرَ تَقْلِيبَ وجْهِهِ في السَّماءِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِن قَلْبِ نَبِيِّهِ أنَّهُ يَهْوى الكَعْبَةَ فَصَعِدَ جِبْرِيلُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ وهو يَصْعَدُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَنْظُرُ ما يَأْتِيهِ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا جِبْرِيلُ كَيْفَ حالُنا في صَلاتِنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم﴾» .
وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ مُخْتَصَرًا لَكِنَّهُ قالَ: سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قالَ: قِبْلَةَ إبْراهِيمَ نَحْوَ المِيزابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قِبَلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿شَطْرَهُ﴾ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ تِلْقاءَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ وقِبْلَةُ البَيْتِ البابُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا قالَ: (p-١٠٢)«البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الأرْضِ في مَشارِقِها ومَغارِبِها مِن أُمَّتِي» وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: أُنْزِلَ ذَلِكَ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ القِبْلَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: ما اليَهُودُ بِتابِعِي قِبْلَةَ النَّصارى، ولا النَّصارى بِتابِعِي قِبْلَةَ اليَهُودِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ قالَ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ في كِتابِهِمْ ﴿كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ أيْ يَعْرِفُونَ أنَّ البَيْتَ الحَرامَ هو القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: يَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ يَقُولُ: لا تَكُونُنَّ في شَكٍّ يا مُحَمَّدُ أنَّ الكَعْبَةَ هي قِبْلَتُكَ، وكانَتْ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ.
البقرة 2:148
قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ لِدَلالَةِ التَّنْوِينِ عَلَيْهِ، أيْ لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ وِجْهَةٌ، والوِجْهَةُ فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ وفي مَعْناها الجِهَةُ والوَجْهُ، والمُرادُ القِبْلَةُ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ وأنْتَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَتَهم ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إمّا بِحَقٍّ وإمّا بِباطِلٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ راجِعٌ إلى لَفْظِ كُلٍّ.
والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مُوَلِّيها﴾ هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ مُوَلِّيها وجْهَهُ.
والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً، صاحِبُ القِبْلَةِ مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوْ لِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قِبْلَةٌ يُصَلِّي إلَيْها مِن شَرْقٍ أوْ غَرْبٍ أوْ جَنُوبٍ أوْ شَمالٍ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، إذْ هو مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ فاعِلُ ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَءُوا ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ كَقَوْلِكَ لَزَيْدٌ ضَرَبْتُ ولَزَيْدٌ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ: " مُوَلّاها " عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ: قالَ الزَّجّاجُ: والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِواحِدٍ، أيْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ قِبْلَةٌ الواحِدُ مُوَلّاها، أيْ مَصْرُوفٌ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ إلى الخَيْراتِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بادِرُوا إلى ما أمَرَكُمُ اللَّهُ مِنِ اسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الأمْرَ بِالِاسْتِباقِ إلى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُفِيدُهُ العُمُومُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الخَيْراتِ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ إلى الِاسْتِقْبالِ: الِاسْتِباقُ إلى الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ في أيِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ يَجْمَعُكم جَمِيعًا، ويَجْعَلُ صَلاتَكم في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذا لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ، لِأنَّ مَوْقِعَ التَّحْوِيلِ كانَ مُعْتَنًى بِهِ في نُفُوسِهِمْ، وقِيلَ: وجْهُ التَّكْرِيرِ أنَّ النَّسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ ومَواطِنِ الشُّبْهَةِ، فَإذا سَمِعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثَبَتُوا وانْدَفَعَ ما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ: الأُولى ابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، والثّانِيَةُ جَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ أهْلِ مِلَّةٍ وصاحِبِ دَعْوَةٍ جِهَةً يَسْتَقِلُّ بِها والثّالِثَةُ دَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ فَقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ: ولِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ إذا صَلَّيْتَ تِلْقاءَها، ثُمَّ قالَ: وحَيْثُما كُنْتُمْ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ في سائِرِ المَساجِدِ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يَعْنِي وُجُوبَ الِاسْتِقْبالِ في الأسْفارِ فَكانَ هَذا أمْرًا بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ في جَمِيعِ المَواطِنِ مِن نَواحِي الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلْيَهُودِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا لِلْمُعانِدِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتَنا إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ فَعَلى هَذا المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا: المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، وحُجَّتُهم قَوْلُهم: راجَعْتَ قِبْلَتَنا، وقِيلَ مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ لِئَلّا يَقُولُوا لَكم: قَدْ أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ولَسْتُمْ تَرَوْنَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ " إلّا " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا فَهو اسْتِثْناءٌ بِمَعْنى الواوِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرُ واحِدَةٍ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارُ مُرْوانا
كَأنَّهُ قالَ: إلّا دارُ الخَلِيفَةِ ودارُ مَرْوانَ، وأبْطَلَ الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ وقالَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ، ومَعْناهُ: إلّا مَن ظَلَمَ بِاحْتِجاجِهِ فِيما قَدْ وضَحَ لَهُ كَما تَقُولُ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ إلّا أنْ تَظْلِمَنِي، أيْ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ البَتَّةَ ولَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي، وسَمّى ظُلْمَهُ حُجَّةً لِأنَّ (p-١٠٣)المُحْتَجَّ بِها سَمّاهُ حُجَّةً وإنْ كانَتْ داحِضَةً.
وقالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فَ " الَّذِينَ " بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في " عَلَيْكم " .
ورَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وقالَ: نَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في اسْتِقْبالِهِمُ الكَعْبَةَ، والمَعْنى: لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْكم إلّا الحُجَّةَ الدّاحِضَةَ حَيْثُ قالُوا ما ولّاهم، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا تَحَيَّرَ في دِينِهِ، وما تَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِنا إلّا أنّا أهْدى مِنهُ.
وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إلّا مِن عابِدِ وثَنٍ أوْ مِن يَهُودِيٍّ أوْ مُنافِقٍ.
قالَ: والحُجَّةُ بِمَعْنى المُحاجَّةِ الَّتِي هي المُخاصَمَةُ والمُجادَلَةُ، وسَمّاها تَعالى حُجَّةً وحَكَمَ بِفَسادِها حَيْثُ كانَتْ مِن ظالِمٍ.
ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ اليَهُودَ ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ يُرِيدُ النّاسَ، أيْ لا تَخافُوا مَطاعِنَهم فَإنَّها داحِضَةٌ باطِلَةٌ لا تَضُرُّكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِئَلّا يَكُونَ﴾ أيْ ولِأنْ أُتِمَّ. قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي. قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ الهِدايَةُ إلى القِبْلَةِ، وقِيلَ: دُخُولُ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم إتْمامًا مِثْلَ ما أرْسَلْنا. قالَهُ الفَرّاءُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في هَذِهِ الحالِ، والتَّشْبِيهُ واقِعٌ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ في القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ في الرِّسالَةِ.
وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ فاذْكُرُونِي كَما أرْسَلْنا. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ أمْرٌ وجَوابُهُ، وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ومَعْنى الآيَةِ اذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا كَما سَيَأْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: شَكَرَ لَكَ وشَكَرَكَ.
والشُّكْرُ: مَعْرِفَةُ الإحْسانِ والتَّحَدُّثُ بِهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الطَّهُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ نَهْيٌ ولِذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُ الجَماعَةِ، وهَذِهِ المَوْجُودَةُ في الفِعْلِ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، وإثْباتُها حَسَنٌ في غَيْرِ القُرْآنِ.
والكُفْرُ هُنا: سَتْرُ النِّعْمَةِ لا التَّكْذِيبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الأدْيانِ، يَقُولُ: لِكُلٍّ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: صَلُّوا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَرَّةً، ونَحْوَ الكَعْبَةِ مَرَّةً أُخْرى.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: لا تُغْلَبُنَّ عَلى قِبْلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ قالَ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: فَسارِعُوا في الخَيْراتِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: «لَمّا صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الكَعْبَةِ بَعْدَ صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلى مُحَمَّدٍ دِينُهُ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إلَيْكم وعَلِمَ أنَّكم أهْدى مِنهُ سَبِيلًا ويُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ دِينَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُجَّتُهم قَوْلُهم: قَدْ أحَبَّ قِبْلَتَنا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: «﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم﴾ قالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أنَّهم سَيَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، واحْتَجُّوا عَلى نَبِيِّ اللَّهِ بِانْصِرافِهِ إلى البَيْتِ الحَرامِ وقالُوا: سَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم﴾ يَقُولُ: كَما فَعَلْتُ فاذْكُرُونِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ «يَقُولُ: اذْكُرُونِي يا مَعْشَرَ العِبادِ بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَغْفِرَتِي» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي هِنْدٍ الدّارِيِّ وزادَ: «فَمَن ذَكَرَنِي وهو مُطِيعٌ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَغْفِرَتِي، ومَن ذَكَرَنِي وهو لِي عاصٍ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَقْتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ: «ذِكْرِي لَكم خَيْرٌ مِن ذِكْرِكم لِي» .
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ وفَضْلِ الشُّكْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:149
قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ لِدَلالَةِ التَّنْوِينِ عَلَيْهِ، أيْ لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ وِجْهَةٌ، والوِجْهَةُ فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ وفي مَعْناها الجِهَةُ والوَجْهُ، والمُرادُ القِبْلَةُ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ وأنْتَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَتَهم ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إمّا بِحَقٍّ وإمّا بِباطِلٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ راجِعٌ إلى لَفْظِ كُلٍّ.
والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مُوَلِّيها﴾ هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ مُوَلِّيها وجْهَهُ.
والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً، صاحِبُ القِبْلَةِ مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوْ لِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قِبْلَةٌ يُصَلِّي إلَيْها مِن شَرْقٍ أوْ غَرْبٍ أوْ جَنُوبٍ أوْ شَمالٍ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، إذْ هو مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ فاعِلُ ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَءُوا ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ كَقَوْلِكَ لَزَيْدٌ ضَرَبْتُ ولَزَيْدٌ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ: " مُوَلّاها " عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ: قالَ الزَّجّاجُ: والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِواحِدٍ، أيْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ قِبْلَةٌ الواحِدُ مُوَلّاها، أيْ مَصْرُوفٌ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ إلى الخَيْراتِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بادِرُوا إلى ما أمَرَكُمُ اللَّهُ مِنِ اسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الأمْرَ بِالِاسْتِباقِ إلى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُفِيدُهُ العُمُومُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الخَيْراتِ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ إلى الِاسْتِقْبالِ: الِاسْتِباقُ إلى الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ في أيِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ يَجْمَعُكم جَمِيعًا، ويَجْعَلُ صَلاتَكم في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذا لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ، لِأنَّ مَوْقِعَ التَّحْوِيلِ كانَ مُعْتَنًى بِهِ في نُفُوسِهِمْ، وقِيلَ: وجْهُ التَّكْرِيرِ أنَّ النَّسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ ومَواطِنِ الشُّبْهَةِ، فَإذا سَمِعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثَبَتُوا وانْدَفَعَ ما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ: الأُولى ابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، والثّانِيَةُ جَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ أهْلِ مِلَّةٍ وصاحِبِ دَعْوَةٍ جِهَةً يَسْتَقِلُّ بِها والثّالِثَةُ دَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ فَقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ: ولِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ إذا صَلَّيْتَ تِلْقاءَها، ثُمَّ قالَ: وحَيْثُما كُنْتُمْ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ في سائِرِ المَساجِدِ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يَعْنِي وُجُوبَ الِاسْتِقْبالِ في الأسْفارِ فَكانَ هَذا أمْرًا بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ في جَمِيعِ المَواطِنِ مِن نَواحِي الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلْيَهُودِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا لِلْمُعانِدِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتَنا إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ فَعَلى هَذا المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا: المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، وحُجَّتُهم قَوْلُهم: راجَعْتَ قِبْلَتَنا، وقِيلَ مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ لِئَلّا يَقُولُوا لَكم: قَدْ أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ولَسْتُمْ تَرَوْنَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ " إلّا " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا فَهو اسْتِثْناءٌ بِمَعْنى الواوِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرُ واحِدَةٍ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارُ مُرْوانا
كَأنَّهُ قالَ: إلّا دارُ الخَلِيفَةِ ودارُ مَرْوانَ، وأبْطَلَ الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ وقالَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ، ومَعْناهُ: إلّا مَن ظَلَمَ بِاحْتِجاجِهِ فِيما قَدْ وضَحَ لَهُ كَما تَقُولُ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ إلّا أنْ تَظْلِمَنِي، أيْ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ البَتَّةَ ولَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي، وسَمّى ظُلْمَهُ حُجَّةً لِأنَّ (p-١٠٣)المُحْتَجَّ بِها سَمّاهُ حُجَّةً وإنْ كانَتْ داحِضَةً.
وقالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فَ " الَّذِينَ " بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في " عَلَيْكم " .
ورَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وقالَ: نَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في اسْتِقْبالِهِمُ الكَعْبَةَ، والمَعْنى: لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْكم إلّا الحُجَّةَ الدّاحِضَةَ حَيْثُ قالُوا ما ولّاهم، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا تَحَيَّرَ في دِينِهِ، وما تَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِنا إلّا أنّا أهْدى مِنهُ.
وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إلّا مِن عابِدِ وثَنٍ أوْ مِن يَهُودِيٍّ أوْ مُنافِقٍ.
قالَ: والحُجَّةُ بِمَعْنى المُحاجَّةِ الَّتِي هي المُخاصَمَةُ والمُجادَلَةُ، وسَمّاها تَعالى حُجَّةً وحَكَمَ بِفَسادِها حَيْثُ كانَتْ مِن ظالِمٍ.
ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ اليَهُودَ ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ يُرِيدُ النّاسَ، أيْ لا تَخافُوا مَطاعِنَهم فَإنَّها داحِضَةٌ باطِلَةٌ لا تَضُرُّكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِئَلّا يَكُونَ﴾ أيْ ولِأنْ أُتِمَّ. قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي. قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ الهِدايَةُ إلى القِبْلَةِ، وقِيلَ: دُخُولُ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم إتْمامًا مِثْلَ ما أرْسَلْنا. قالَهُ الفَرّاءُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في هَذِهِ الحالِ، والتَّشْبِيهُ واقِعٌ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ في القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ في الرِّسالَةِ.
وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ فاذْكُرُونِي كَما أرْسَلْنا. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ أمْرٌ وجَوابُهُ، وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ومَعْنى الآيَةِ اذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا كَما سَيَأْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: شَكَرَ لَكَ وشَكَرَكَ.
والشُّكْرُ: مَعْرِفَةُ الإحْسانِ والتَّحَدُّثُ بِهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الطَّهُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ نَهْيٌ ولِذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُ الجَماعَةِ، وهَذِهِ المَوْجُودَةُ في الفِعْلِ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، وإثْباتُها حَسَنٌ في غَيْرِ القُرْآنِ.
والكُفْرُ هُنا: سَتْرُ النِّعْمَةِ لا التَّكْذِيبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الأدْيانِ، يَقُولُ: لِكُلٍّ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: صَلُّوا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَرَّةً، ونَحْوَ الكَعْبَةِ مَرَّةً أُخْرى.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: لا تُغْلَبُنَّ عَلى قِبْلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ قالَ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: فَسارِعُوا في الخَيْراتِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: «لَمّا صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الكَعْبَةِ بَعْدَ صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلى مُحَمَّدٍ دِينُهُ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إلَيْكم وعَلِمَ أنَّكم أهْدى مِنهُ سَبِيلًا ويُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ دِينَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُجَّتُهم قَوْلُهم: قَدْ أحَبَّ قِبْلَتَنا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: «﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم﴾ قالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أنَّهم سَيَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، واحْتَجُّوا عَلى نَبِيِّ اللَّهِ بِانْصِرافِهِ إلى البَيْتِ الحَرامِ وقالُوا: سَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم﴾ يَقُولُ: كَما فَعَلْتُ فاذْكُرُونِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ «يَقُولُ: اذْكُرُونِي يا مَعْشَرَ العِبادِ بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَغْفِرَتِي» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي هِنْدٍ الدّارِيِّ وزادَ: «فَمَن ذَكَرَنِي وهو مُطِيعٌ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَغْفِرَتِي، ومَن ذَكَرَنِي وهو لِي عاصٍ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَقْتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ: «ذِكْرِي لَكم خَيْرٌ مِن ذِكْرِكم لِي» .
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ وفَضْلِ الشُّكْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:150
قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ لِدَلالَةِ التَّنْوِينِ عَلَيْهِ، أيْ لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ وِجْهَةٌ، والوِجْهَةُ فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ وفي مَعْناها الجِهَةُ والوَجْهُ، والمُرادُ القِبْلَةُ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ وأنْتَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَتَهم ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إمّا بِحَقٍّ وإمّا بِباطِلٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ راجِعٌ إلى لَفْظِ كُلٍّ.
والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مُوَلِّيها﴾ هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ مُوَلِّيها وجْهَهُ.
والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً، صاحِبُ القِبْلَةِ مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوْ لِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قِبْلَةٌ يُصَلِّي إلَيْها مِن شَرْقٍ أوْ غَرْبٍ أوْ جَنُوبٍ أوْ شَمالٍ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، إذْ هو مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ فاعِلُ ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَءُوا ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ كَقَوْلِكَ لَزَيْدٌ ضَرَبْتُ ولَزَيْدٌ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ: " مُوَلّاها " عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ: قالَ الزَّجّاجُ: والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِواحِدٍ، أيْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ قِبْلَةٌ الواحِدُ مُوَلّاها، أيْ مَصْرُوفٌ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ إلى الخَيْراتِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بادِرُوا إلى ما أمَرَكُمُ اللَّهُ مِنِ اسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الأمْرَ بِالِاسْتِباقِ إلى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُفِيدُهُ العُمُومُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الخَيْراتِ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ إلى الِاسْتِقْبالِ: الِاسْتِباقُ إلى الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ في أيِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ يَجْمَعُكم جَمِيعًا، ويَجْعَلُ صَلاتَكم في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذا لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ، لِأنَّ مَوْقِعَ التَّحْوِيلِ كانَ مُعْتَنًى بِهِ في نُفُوسِهِمْ، وقِيلَ: وجْهُ التَّكْرِيرِ أنَّ النَّسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ ومَواطِنِ الشُّبْهَةِ، فَإذا سَمِعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثَبَتُوا وانْدَفَعَ ما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ: الأُولى ابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، والثّانِيَةُ جَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ أهْلِ مِلَّةٍ وصاحِبِ دَعْوَةٍ جِهَةً يَسْتَقِلُّ بِها والثّالِثَةُ دَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ فَقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ: ولِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ إذا صَلَّيْتَ تِلْقاءَها، ثُمَّ قالَ: وحَيْثُما كُنْتُمْ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ في سائِرِ المَساجِدِ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يَعْنِي وُجُوبَ الِاسْتِقْبالِ في الأسْفارِ فَكانَ هَذا أمْرًا بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ في جَمِيعِ المَواطِنِ مِن نَواحِي الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلْيَهُودِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا لِلْمُعانِدِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتَنا إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ فَعَلى هَذا المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا: المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، وحُجَّتُهم قَوْلُهم: راجَعْتَ قِبْلَتَنا، وقِيلَ مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ لِئَلّا يَقُولُوا لَكم: قَدْ أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ولَسْتُمْ تَرَوْنَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ " إلّا " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا فَهو اسْتِثْناءٌ بِمَعْنى الواوِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرُ واحِدَةٍ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارُ مُرْوانا
كَأنَّهُ قالَ: إلّا دارُ الخَلِيفَةِ ودارُ مَرْوانَ، وأبْطَلَ الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ وقالَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ، ومَعْناهُ: إلّا مَن ظَلَمَ بِاحْتِجاجِهِ فِيما قَدْ وضَحَ لَهُ كَما تَقُولُ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ إلّا أنْ تَظْلِمَنِي، أيْ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ البَتَّةَ ولَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي، وسَمّى ظُلْمَهُ حُجَّةً لِأنَّ (p-١٠٣)المُحْتَجَّ بِها سَمّاهُ حُجَّةً وإنْ كانَتْ داحِضَةً.
وقالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فَ " الَّذِينَ " بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في " عَلَيْكم " .
ورَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وقالَ: نَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في اسْتِقْبالِهِمُ الكَعْبَةَ، والمَعْنى: لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْكم إلّا الحُجَّةَ الدّاحِضَةَ حَيْثُ قالُوا ما ولّاهم، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا تَحَيَّرَ في دِينِهِ، وما تَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِنا إلّا أنّا أهْدى مِنهُ.
وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إلّا مِن عابِدِ وثَنٍ أوْ مِن يَهُودِيٍّ أوْ مُنافِقٍ.
قالَ: والحُجَّةُ بِمَعْنى المُحاجَّةِ الَّتِي هي المُخاصَمَةُ والمُجادَلَةُ، وسَمّاها تَعالى حُجَّةً وحَكَمَ بِفَسادِها حَيْثُ كانَتْ مِن ظالِمٍ.
ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ اليَهُودَ ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ يُرِيدُ النّاسَ، أيْ لا تَخافُوا مَطاعِنَهم فَإنَّها داحِضَةٌ باطِلَةٌ لا تَضُرُّكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِئَلّا يَكُونَ﴾ أيْ ولِأنْ أُتِمَّ. قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي. قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ الهِدايَةُ إلى القِبْلَةِ، وقِيلَ: دُخُولُ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم إتْمامًا مِثْلَ ما أرْسَلْنا. قالَهُ الفَرّاءُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في هَذِهِ الحالِ، والتَّشْبِيهُ واقِعٌ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ في القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ في الرِّسالَةِ.
وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ فاذْكُرُونِي كَما أرْسَلْنا. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ أمْرٌ وجَوابُهُ، وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ومَعْنى الآيَةِ اذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا كَما سَيَأْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: شَكَرَ لَكَ وشَكَرَكَ.
والشُّكْرُ: مَعْرِفَةُ الإحْسانِ والتَّحَدُّثُ بِهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الطَّهُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ نَهْيٌ ولِذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُ الجَماعَةِ، وهَذِهِ المَوْجُودَةُ في الفِعْلِ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، وإثْباتُها حَسَنٌ في غَيْرِ القُرْآنِ.
والكُفْرُ هُنا: سَتْرُ النِّعْمَةِ لا التَّكْذِيبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الأدْيانِ، يَقُولُ: لِكُلٍّ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: صَلُّوا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَرَّةً، ونَحْوَ الكَعْبَةِ مَرَّةً أُخْرى.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: لا تُغْلَبُنَّ عَلى قِبْلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ قالَ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: فَسارِعُوا في الخَيْراتِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: «لَمّا صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الكَعْبَةِ بَعْدَ صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلى مُحَمَّدٍ دِينُهُ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إلَيْكم وعَلِمَ أنَّكم أهْدى مِنهُ سَبِيلًا ويُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ دِينَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُجَّتُهم قَوْلُهم: قَدْ أحَبَّ قِبْلَتَنا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: «﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم﴾ قالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أنَّهم سَيَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، واحْتَجُّوا عَلى نَبِيِّ اللَّهِ بِانْصِرافِهِ إلى البَيْتِ الحَرامِ وقالُوا: سَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم﴾ يَقُولُ: كَما فَعَلْتُ فاذْكُرُونِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ «يَقُولُ: اذْكُرُونِي يا مَعْشَرَ العِبادِ بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَغْفِرَتِي» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي هِنْدٍ الدّارِيِّ وزادَ: «فَمَن ذَكَرَنِي وهو مُطِيعٌ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَغْفِرَتِي، ومَن ذَكَرَنِي وهو لِي عاصٍ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَقْتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ: «ذِكْرِي لَكم خَيْرٌ مِن ذِكْرِكم لِي» .
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ وفَضْلِ الشُّكْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:151
قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ لِدَلالَةِ التَّنْوِينِ عَلَيْهِ، أيْ لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ وِجْهَةٌ، والوِجْهَةُ فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ وفي مَعْناها الجِهَةُ والوَجْهُ، والمُرادُ القِبْلَةُ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ وأنْتَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَتَهم ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إمّا بِحَقٍّ وإمّا بِباطِلٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ راجِعٌ إلى لَفْظِ كُلٍّ.
والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مُوَلِّيها﴾ هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ مُوَلِّيها وجْهَهُ.
والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً، صاحِبُ القِبْلَةِ مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوْ لِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قِبْلَةٌ يُصَلِّي إلَيْها مِن شَرْقٍ أوْ غَرْبٍ أوْ جَنُوبٍ أوْ شَمالٍ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، إذْ هو مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ فاعِلُ ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَءُوا ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ كَقَوْلِكَ لَزَيْدٌ ضَرَبْتُ ولَزَيْدٌ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ: " مُوَلّاها " عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ: قالَ الزَّجّاجُ: والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِواحِدٍ، أيْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ قِبْلَةٌ الواحِدُ مُوَلّاها، أيْ مَصْرُوفٌ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ إلى الخَيْراتِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بادِرُوا إلى ما أمَرَكُمُ اللَّهُ مِنِ اسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الأمْرَ بِالِاسْتِباقِ إلى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُفِيدُهُ العُمُومُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الخَيْراتِ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ إلى الِاسْتِقْبالِ: الِاسْتِباقُ إلى الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ في أيِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ يَجْمَعُكم جَمِيعًا، ويَجْعَلُ صَلاتَكم في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذا لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ، لِأنَّ مَوْقِعَ التَّحْوِيلِ كانَ مُعْتَنًى بِهِ في نُفُوسِهِمْ، وقِيلَ: وجْهُ التَّكْرِيرِ أنَّ النَّسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ ومَواطِنِ الشُّبْهَةِ، فَإذا سَمِعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثَبَتُوا وانْدَفَعَ ما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ: الأُولى ابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، والثّانِيَةُ جَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ أهْلِ مِلَّةٍ وصاحِبِ دَعْوَةٍ جِهَةً يَسْتَقِلُّ بِها والثّالِثَةُ دَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ فَقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ: ولِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ إذا صَلَّيْتَ تِلْقاءَها، ثُمَّ قالَ: وحَيْثُما كُنْتُمْ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ في سائِرِ المَساجِدِ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يَعْنِي وُجُوبَ الِاسْتِقْبالِ في الأسْفارِ فَكانَ هَذا أمْرًا بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ في جَمِيعِ المَواطِنِ مِن نَواحِي الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلْيَهُودِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا لِلْمُعانِدِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتَنا إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ فَعَلى هَذا المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا: المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، وحُجَّتُهم قَوْلُهم: راجَعْتَ قِبْلَتَنا، وقِيلَ مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ لِئَلّا يَقُولُوا لَكم: قَدْ أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ولَسْتُمْ تَرَوْنَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ " إلّا " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا فَهو اسْتِثْناءٌ بِمَعْنى الواوِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرُ واحِدَةٍ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارُ مُرْوانا
كَأنَّهُ قالَ: إلّا دارُ الخَلِيفَةِ ودارُ مَرْوانَ، وأبْطَلَ الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ وقالَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ، ومَعْناهُ: إلّا مَن ظَلَمَ بِاحْتِجاجِهِ فِيما قَدْ وضَحَ لَهُ كَما تَقُولُ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ إلّا أنْ تَظْلِمَنِي، أيْ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ البَتَّةَ ولَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي، وسَمّى ظُلْمَهُ حُجَّةً لِأنَّ (p-١٠٣)المُحْتَجَّ بِها سَمّاهُ حُجَّةً وإنْ كانَتْ داحِضَةً.
وقالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فَ " الَّذِينَ " بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في " عَلَيْكم " .
ورَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وقالَ: نَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في اسْتِقْبالِهِمُ الكَعْبَةَ، والمَعْنى: لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْكم إلّا الحُجَّةَ الدّاحِضَةَ حَيْثُ قالُوا ما ولّاهم، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا تَحَيَّرَ في دِينِهِ، وما تَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِنا إلّا أنّا أهْدى مِنهُ.
وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إلّا مِن عابِدِ وثَنٍ أوْ مِن يَهُودِيٍّ أوْ مُنافِقٍ.
قالَ: والحُجَّةُ بِمَعْنى المُحاجَّةِ الَّتِي هي المُخاصَمَةُ والمُجادَلَةُ، وسَمّاها تَعالى حُجَّةً وحَكَمَ بِفَسادِها حَيْثُ كانَتْ مِن ظالِمٍ.
ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ اليَهُودَ ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ يُرِيدُ النّاسَ، أيْ لا تَخافُوا مَطاعِنَهم فَإنَّها داحِضَةٌ باطِلَةٌ لا تَضُرُّكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِئَلّا يَكُونَ﴾ أيْ ولِأنْ أُتِمَّ. قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي. قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ الهِدايَةُ إلى القِبْلَةِ، وقِيلَ: دُخُولُ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم إتْمامًا مِثْلَ ما أرْسَلْنا. قالَهُ الفَرّاءُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في هَذِهِ الحالِ، والتَّشْبِيهُ واقِعٌ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ في القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ في الرِّسالَةِ.
وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ فاذْكُرُونِي كَما أرْسَلْنا. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ أمْرٌ وجَوابُهُ، وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ومَعْنى الآيَةِ اذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا كَما سَيَأْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: شَكَرَ لَكَ وشَكَرَكَ.
والشُّكْرُ: مَعْرِفَةُ الإحْسانِ والتَّحَدُّثُ بِهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الطَّهُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ نَهْيٌ ولِذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُ الجَماعَةِ، وهَذِهِ المَوْجُودَةُ في الفِعْلِ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، وإثْباتُها حَسَنٌ في غَيْرِ القُرْآنِ.
والكُفْرُ هُنا: سَتْرُ النِّعْمَةِ لا التَّكْذِيبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الأدْيانِ، يَقُولُ: لِكُلٍّ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: صَلُّوا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَرَّةً، ونَحْوَ الكَعْبَةِ مَرَّةً أُخْرى.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: لا تُغْلَبُنَّ عَلى قِبْلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ قالَ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: فَسارِعُوا في الخَيْراتِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: «لَمّا صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الكَعْبَةِ بَعْدَ صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلى مُحَمَّدٍ دِينُهُ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إلَيْكم وعَلِمَ أنَّكم أهْدى مِنهُ سَبِيلًا ويُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ دِينَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُجَّتُهم قَوْلُهم: قَدْ أحَبَّ قِبْلَتَنا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: «﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم﴾ قالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أنَّهم سَيَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، واحْتَجُّوا عَلى نَبِيِّ اللَّهِ بِانْصِرافِهِ إلى البَيْتِ الحَرامِ وقالُوا: سَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم﴾ يَقُولُ: كَما فَعَلْتُ فاذْكُرُونِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ «يَقُولُ: اذْكُرُونِي يا مَعْشَرَ العِبادِ بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَغْفِرَتِي» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي هِنْدٍ الدّارِيِّ وزادَ: «فَمَن ذَكَرَنِي وهو مُطِيعٌ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَغْفِرَتِي، ومَن ذَكَرَنِي وهو لِي عاصٍ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَقْتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ: «ذِكْرِي لَكم خَيْرٌ مِن ذِكْرِكم لِي» .
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ وفَضْلِ الشُّكْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:152
قَوْلُهُ: ولِكُلٍّ بِحَذْفِ المُضافِ إلَيْهِ لِدَلالَةِ التَّنْوِينِ عَلَيْهِ، أيْ لِكُلِّ أهْلِ دِينٍ وِجْهَةٌ، والوِجْهَةُ فِعْلَةٌ مِنَ المُواجَهَةِ وفي مَعْناها الجِهَةُ والوَجْهُ، والمُرادُ القِبْلَةُ، أيْ أنَّهم لا يَتَّبِعُونَ قِبْلَتَكَ وأنْتَ لا تَتَّبِعُ قِبْلَتَهم ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ إمّا بِحَقٍّ وإمّا بِباطِلٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ مُوَلِّيها﴾ راجِعٌ إلى لَفْظِ كُلٍّ.
والهاءُ في قَوْلِهِ: ﴿مُوَلِّيها﴾ هي المَفْعُولُ الأوَّلُ، والمَفْعُولُ الثّانِي مَحْذُوفٌ، أيْ مُوَلِّيها وجْهَهُ.
والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً، صاحِبُ القِبْلَةِ مُوَلِّيها وجْهَهُ، أوْ لِكُلٍّ مِنكم يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ قِبْلَةٌ يُصَلِّي إلَيْها مِن شَرْقٍ أوْ غَرْبٍ أوْ جَنُوبٍ أوْ شَمالٍ إذا كانَ الخِطابُ لِلْمُسْلِمِينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ، إذْ هو مَعْلُومٌ أنَّ اللَّهَ فاعِلُ ذَلِكَ، والمَعْنى: أنَّ لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةً اللَّهُ مُوَلِّيها إيّاهُ.
وحَكى الطَّبَرِيُّ أنَّ قَوْمًا قَرَءُوا ( ولِكُلِّ وِجْهَةٍ ) بِالإضافَةِ، ونَسَبَ هَذِهِ القِراءَةَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ إلى ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ في الكَشّافِ: والمَعْنى: وكُلُّ وِجْهَةٍ اللَّهُ مُوَلِّيها فَزِيدَتِ اللّامُ لِتَقَدُّمِ المَفْعُولِ كَقَوْلِكَ لَزَيْدٌ ضَرَبْتُ ولَزَيْدٌ أبُوهُ ضارِبُهُ. انْتَهى.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عامِرٍ: " مُوَلّاها " عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ: قالَ الزَّجّاجُ: والضَّمِيرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ لِواحِدٍ، أيْ ولِكُلِّ واحِدٍ مِنَ النّاسِ قِبْلَةٌ الواحِدُ مُوَلّاها، أيْ مَصْرُوفٌ إلَيْها.
وقَوْلُهُ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ أيْ إلى الخَيْراتِ عَلى الحَذْفِ والإيصالِ، أيْ بادِرُوا إلى ما أمَرَكُمُ اللَّهُ مِنِ اسْتِقْبالِ البَيْتِ الحَرامِ كَما يُفِيدُهُ السِّياقُ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الأمْرَ بِالِاسْتِباقِ إلى كُلِّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ خَيْرٌ كَما يُفِيدُهُ العُمُومُ المُسْتَفادُ مِن تَعْرِيفِ الخَيْراتِ، والمُرادُ مِنَ الِاسْتِباقِ إلى الِاسْتِقْبالِ: الِاسْتِباقُ إلى الصَّلاةِ في أوَّلِ وقْتِها.
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ﴾ أيْ في أيِّ جِهَةٍ مِنَ الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ لِلْجَزاءِ يَوْمَ القِيامَةِ أوْ يَجْمَعُكم جَمِيعًا، ويَجْعَلُ صَلاتَكم في الجِهاتِ المُخْتَلِفَةِ كَأنَّها إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ كَرَّرَ سُبْحانَهُ هَذا لِتَأْكِيدِ الأمْرِ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ، ولِلِاهْتِمامِ بِهِ، لِأنَّ مَوْقِعَ التَّحْوِيلِ كانَ مُعْتَنًى بِهِ في نُفُوسِهِمْ، وقِيلَ: وجْهُ التَّكْرِيرِ أنَّ النَّسْخَ مِن مَظانِّ الفِتْنَةِ ومَواطِنِ الشُّبْهَةِ، فَإذا سَمِعُوهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى ثَبَتُوا وانْدَفَعَ ما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ، وقِيلَ: إنَّهُ كَرَّرَ هَذا الحُكْمَ لِتَعَدُّدِ عِلَلِهِ، فَإنَّهُ سُبْحانَهُ ذَكَرَ لِلتَّحْوِيلِ ثَلاثَ عِلَلٍ: الأُولى ابْتِغاءُ مَرْضاتِهِ، والثّانِيَةُ جَرْيُ العادَةِ الإلَهِيَّةِ أنْ يُوَلِّيَ كُلَّ أهْلِ مِلَّةٍ وصاحِبِ دَعْوَةٍ جِهَةً يَسْتَقِلُّ بِها والثّالِثَةُ دَفْعُ حُجَجِ المُخالِفِينَ فَقَرَنَ بِكُلِّ عِلَّةٍ مَعْلُولَها، وقِيلَ: أرادَ بِالأوَّلِ: ولِّ وجْهَكَ شَطْرَ الكَعْبَةِ إذا صَلَّيْتَ تِلْقاءَها، ثُمَّ قالَ: وحَيْثُما كُنْتُمْ مَعاشِرَ المُسْلِمِينَ في سائِرِ المَساجِدِ بِالمَدِينَةِ وغَيْرِها فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يَعْنِي وُجُوبَ الِاسْتِقْبالِ في الأسْفارِ فَكانَ هَذا أمْرًا بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ في جَمِيعِ المَواطِنِ مِن نَواحِي الأرْضِ.
وقَوْلُهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلْيَهُودِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا لِلْمُعانِدِينَ مِنهُمُ القائِلِينَ: ما تَرَكَ قِبْلَتَنا إلى الكَعْبَةِ إلّا مَيْلًا إلى دِينِ قَوْمِهِ فَعَلى هَذا المُرادُ بِالَّذِينِ ظَلَمُوا: المُعانِدُونَ مِن أهْلِ الكِتابِ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، وحُجَّتُهم قَوْلُهم: راجَعْتَ قِبْلَتَنا، وقِيلَ مَعْناهُ: لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ لِئَلّا يَقُولُوا لَكم: قَدْ أُمِرْتُمْ بِاسْتِقْبالِ الكَعْبَةِ ولَسْتُمْ تَرَوْنَها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ " إلّا " هاهُنا بِمَعْنى الواوِ، أيْ والَّذِينَ ظَلَمُوا فَهو اسْتِثْناءٌ بِمَعْنى الواوِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ما بِالمَدِينَةِ دارٌ غَيْرُ واحِدَةٍ دارُ الخَلِيفَةِ إلّا دارُ مُرْوانا
كَأنَّهُ قالَ: إلّا دارُ الخَلِيفَةِ ودارُ مَرْوانَ، وأبْطَلَ الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ وقالَ: إنَّهُ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، أيْ: ولَكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَإنَّهم يَحْتَجُّونَ، ومَعْناهُ: إلّا مَن ظَلَمَ بِاحْتِجاجِهِ فِيما قَدْ وضَحَ لَهُ كَما تَقُولُ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ إلّا أنْ تَظْلِمَنِي، أيْ: ما لَكَ عَلَيَّ حُجَّةٌ البَتَّةَ ولَكِنَّكَ تَظْلِمُنِي، وسَمّى ظُلْمَهُ حُجَّةً لِأنَّ (p-١٠٣)المُحْتَجَّ بِها سَمّاهُ حُجَّةً وإنْ كانَتْ داحِضَةً.
وقالَ قُطْرُبٌ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، فَ " الَّذِينَ " بَدَلٌ مِنَ الكافِ والمِيمِ في " عَلَيْكم " .
ورَجَّحَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُتَّصِلٌ، وقالَ: نَفى اللَّهُ أنْ يَكُونَ لِأحَدٍ حُجَّةٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في اسْتِقْبالِهِمُ الكَعْبَةَ، والمَعْنى: لا حُجَّةَ لِأحَدٍ عَلَيْكم إلّا الحُجَّةَ الدّاحِضَةَ حَيْثُ قالُوا ما ولّاهم، وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا تَحَيَّرَ في دِينِهِ، وما تَوَجَّهَ إلى قِبْلَتِنا إلّا أنّا أهْدى مِنهُ.
وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الأقْوالِ الَّتِي لَمْ تَنْبَعِثْ إلّا مِن عابِدِ وثَنٍ أوْ مِن يَهُودِيٍّ أوْ مُنافِقٍ.
قالَ: والحُجَّةُ بِمَعْنى المُحاجَّةِ الَّتِي هي المُخاصَمَةُ والمُجادَلَةُ، وسَمّاها تَعالى حُجَّةً وحَكَمَ بِفَسادِها حَيْثُ كانَتْ مِن ظالِمٍ.
ورَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ كَما قالَ الزَّجّاجُ: قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالنّاسِ اليَهُودَ ثُمَّ اسْتَثْنى كُفّارَ العَرَبِ كَأنَّهُ قالَ: لَكِنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا في قَوْلِهِمْ: رَجَعَ مُحَمَّدٌ إلى قِبْلَتِنا وسَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كُلِّهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ يُرِيدُ النّاسَ، أيْ لا تَخافُوا مَطاعِنَهم فَإنَّها داحِضَةٌ باطِلَةٌ لا تَضُرُّكم.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿لِئَلّا يَكُونَ﴾ أيْ ولِأنْ أُتِمَّ. قالَهُ الأخْفَشُ، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، والخَبَرُ مُضْمَرٌ، والتَّقْدِيرُ: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم عَرَّفْتُكم قِبْلَتِي. قالَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم.
وإتْمامُ النِّعْمَةِ الهِدايَةُ إلى القِبْلَةِ، وقِيلَ: دُخُولُ الجَنَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ.
والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم إتْمامًا مِثْلَ ما أرْسَلْنا. قالَهُ الفَرّاءُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ.
وقِيلَ: الكافُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى: ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم في هَذِهِ الحالِ، والتَّشْبِيهُ واقِعٌ عَلى أنَّ النِّعْمَةَ في القِبْلَةِ كالنِّعْمَةِ في الرِّسالَةِ.
وقِيلَ مَعْنى الكَلامِ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، أيْ فاذْكُرُونِي كَما أرْسَلْنا. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ أمْرٌ وجَوابُهُ، وفِيهِ مَعْنى المُجازاةِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ومَعْنى الآيَةِ اذْكُرُونِي بِالطّاعَةِ أذْكُرْكم بِالثَّوابِ والمَغْفِرَةِ حَكاهُ عَنْهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا كَما سَيَأْتِي.
وقَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِي﴾ قالَ الفَرّاءُ: شَكَرَ لَكَ وشَكَرَكَ.
والشُّكْرُ: مَعْرِفَةُ الإحْسانِ والتَّحَدُّثُ بِهِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الطَّهُورُ.
وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْفُرُونِ﴾ نَهْيٌ ولِذَلِكَ حُذِفَتْ نُونُ الجَماعَةِ، وهَذِهِ المَوْجُودَةُ في الفِعْلِ هي نُونُ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، وإثْباتُها حَسَنٌ في غَيْرِ القُرْآنِ.
والكُفْرُ هُنا: سَتْرُ النِّعْمَةِ لا التَّكْذِيبُ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الأدْيانِ، يَقُولُ: لِكُلٍّ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: صَلُّوا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَرَّةً، ونَحْوَ الكَعْبَةِ مَرَّةً أُخْرى.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: لا تُغْلَبُنَّ عَلى قِبْلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ قالَ: الأعْمالَ الصّالِحَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: فَسارِعُوا في الخَيْراتِ ﴿أيْنَما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: «لَمّا صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الكَعْبَةِ بَعْدَ صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلى مُحَمَّدٍ دِينُهُ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إلَيْكم وعَلِمَ أنَّكم أهْدى مِنهُ سَبِيلًا ويُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ دِينَكم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ قالُوا: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حُجَّتُهم قَوْلُهم: قَدْ أحَبَّ قِبْلَتَنا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: «﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم﴾ قالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أنَّهم سَيَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ عَلَيْكم، واحْتَجُّوا عَلى نَبِيِّ اللَّهِ بِانْصِرافِهِ إلى البَيْتِ الحَرامِ وقالُوا: سَيَرْجِعُ إلى دِينِنا كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولًا مِنكم﴾ يَقُولُ: كَما فَعَلْتُ فاذْكُرُونِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ «يَقُولُ: اذْكُرُونِي يا مَعْشَرَ العِبادِ بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَغْفِرَتِي» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ مَرْفُوعًا مِن حَدِيثِ أبِي هِنْدٍ الدّارِيِّ وزادَ: «فَمَن ذَكَرَنِي وهو مُطِيعٌ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَغْفِرَتِي، ومَن ذَكَرَنِي وهو لِي عاصٍ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَقْتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ: «ذِكْرِي لَكم خَيْرٌ مِن ذِكْرِكم لِي» .
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ ذِكْرِ اللَّهِ عَلى الإطْلاقِ وفَضْلِ الشُّكْرِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:153
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن إرْشادِهِ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِإرْشادِهِمْ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَإنَّ (p-١٠٤)مَن جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، واسْتَعانَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المِحَنِ فَقَدَ هُدِيَ إلى الصَّوابِ ووُفِّقَ إلى الخَيْرِ، وإنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ الَّتِي أوْضَحَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فِيها أعْظَمُ تَرْغِيبٍ لِعِبادِهِ سُبْحانَهُ إلى لُزُومِ الصَّبْرِ عَلى ما يَنُوبُ مِنَ الخُطُوبِ، فَمَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَخْشَ مِنَ الأهْوالِ وإنْ كانَتْ كالجِبالِ.
و" أمْواتٌ " و" أحْياءٌ " مُرْتَفِعانِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفَيْنِ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ هم أمْواتٌ بَلْ هم أحْياءٌ، ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ بِهَذِهِ الحَياةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِأبْدانِهِمْ بَعْدَ سَلْبِ رُوحِهِمْ، لِأنَّكم تَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالمَوْتِ في ظاهِرِ الأمْرِ بِحَسَبِ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ عِلْمُكُمُ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِن ماءِ البَحْرِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في الواقِعِ بَلْ هم أحْياءٌ في البَرْزَخِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ عَذابِ القَبْرِ، ولا اعْتِدادَ بِخِلافِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ، فَقَدْ تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
والبَلاءُ أصْلُهُ المِحْنَةُ، ومَعْنى نَبْلُوَنَّكم: نَمْتَحِنُكم لِنَخْتَبِرَكم هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى القَضاءِ أمْ لا ؟ وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ بِأشْياءَ.
والمُرادُ بِالخَوْفِ: ما يَحْصُلُ لِمَن يَخْشى مِن نُزُولِ ضَرَرٍ بِهِ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ.
وبِالجُوعِ: المَجاعَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الجَدْبِ والقَحْطِ.
وبِنَقْصِ الأمْوالِ: ما يَحْدُثُ فِيها بِسَبَبِ الجَوائِحِ وما أوْجَبَهَ اللَّهُ فِيها مِنَ الزَّكاةِ ونَحْوِها.
وبِنَقْصِ الأنْفُسِ: المَوْتُ والقَتْلُ في الجِهادِ.
وبِنَقْصِ الثَّمَراتِ: ما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِشُمُولِ الأمْوالِ لِلثَّمَراتِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِنَقْصِ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَقْدِرُ عَلى التَّبْشِيرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البِشارَةِ.
والصَّبْرُ أصْلُهُ الحَبْسُ، ووَصَفَهم بِأنَّهم المُسْتَرْجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمٌ ورِضًا.
والمُصِيبَةُ واحِدَةُ المَصائِبِ: وهي النَّكْبَةُ الَّتِي يَتَأذّى بِها الإنْسانُ وإنْ صَغُرَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأٌ لِلْمُصابِينَ وعِصْمَةٌ لِلْمُمْتَحَنِينَ، فَإنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، والِاعْتِرافِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
ومَعْنى الصَّلَواتِ هُنا: المَغْفِرَةُ والثَّناءُ الحَسَنُ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وعَلى هَذا فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ.
وقالَ في الكَشّافِ: الصَّلاةُ: الرَّحْمَةُ والتَّعَطُّفُ، فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الرَّأْفَةِ، وجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الرَّحْمَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ بَعْدَ رَأْفَةٍ ورَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ.
و﴿المُهْتَدُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، وإنَّما وُصِفُوا هُنا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا ما فِيهِ الوُصُولُ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والتَّسْلِيمِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: غُشِيَ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في وجَعِهِ غَشْيَةً ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ فِيها، حَتّى قامُوا مِن عِنْدِهِ وجَلَّلُوهُ ثَوْبًا، وخَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِما أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَبِثُوا ساعَةً وهو في غَشْيَتِهِ ثُمَّ أفاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ بِبَدْرٍ، وفِيهِ وفي غَيْرِهِ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طُيُورِ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ.
فَمِنها عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ.
ورُوِيَ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَكُونُ عَلى صُوَرِ طُيُورٍ بِيضٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا، فَذَكَرَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِنَحْوِهِ، ورُوِيَ أنَّها عَلى صُوَرِ طُيُورٍ خُضْرٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ كَعْبٍ.
وأخْرَجَهُ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُذَيْلٍ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ وبَشَّرَهم فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ ورَجَعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَخْفِيفُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:154
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن إرْشادِهِ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِإرْشادِهِمْ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَإنَّ (p-١٠٤)مَن جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، واسْتَعانَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المِحَنِ فَقَدَ هُدِيَ إلى الصَّوابِ ووُفِّقَ إلى الخَيْرِ، وإنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ الَّتِي أوْضَحَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فِيها أعْظَمُ تَرْغِيبٍ لِعِبادِهِ سُبْحانَهُ إلى لُزُومِ الصَّبْرِ عَلى ما يَنُوبُ مِنَ الخُطُوبِ، فَمَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَخْشَ مِنَ الأهْوالِ وإنْ كانَتْ كالجِبالِ.
و" أمْواتٌ " و" أحْياءٌ " مُرْتَفِعانِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفَيْنِ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ هم أمْواتٌ بَلْ هم أحْياءٌ، ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ بِهَذِهِ الحَياةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِأبْدانِهِمْ بَعْدَ سَلْبِ رُوحِهِمْ، لِأنَّكم تَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالمَوْتِ في ظاهِرِ الأمْرِ بِحَسَبِ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ عِلْمُكُمُ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِن ماءِ البَحْرِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في الواقِعِ بَلْ هم أحْياءٌ في البَرْزَخِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ عَذابِ القَبْرِ، ولا اعْتِدادَ بِخِلافِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ، فَقَدْ تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
والبَلاءُ أصْلُهُ المِحْنَةُ، ومَعْنى نَبْلُوَنَّكم: نَمْتَحِنُكم لِنَخْتَبِرَكم هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى القَضاءِ أمْ لا ؟ وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ بِأشْياءَ.
والمُرادُ بِالخَوْفِ: ما يَحْصُلُ لِمَن يَخْشى مِن نُزُولِ ضَرَرٍ بِهِ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ.
وبِالجُوعِ: المَجاعَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الجَدْبِ والقَحْطِ.
وبِنَقْصِ الأمْوالِ: ما يَحْدُثُ فِيها بِسَبَبِ الجَوائِحِ وما أوْجَبَهَ اللَّهُ فِيها مِنَ الزَّكاةِ ونَحْوِها.
وبِنَقْصِ الأنْفُسِ: المَوْتُ والقَتْلُ في الجِهادِ.
وبِنَقْصِ الثَّمَراتِ: ما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِشُمُولِ الأمْوالِ لِلثَّمَراتِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِنَقْصِ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَقْدِرُ عَلى التَّبْشِيرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البِشارَةِ.
والصَّبْرُ أصْلُهُ الحَبْسُ، ووَصَفَهم بِأنَّهم المُسْتَرْجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمٌ ورِضًا.
والمُصِيبَةُ واحِدَةُ المَصائِبِ: وهي النَّكْبَةُ الَّتِي يَتَأذّى بِها الإنْسانُ وإنْ صَغُرَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأٌ لِلْمُصابِينَ وعِصْمَةٌ لِلْمُمْتَحَنِينَ، فَإنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، والِاعْتِرافِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
ومَعْنى الصَّلَواتِ هُنا: المَغْفِرَةُ والثَّناءُ الحَسَنُ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وعَلى هَذا فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ.
وقالَ في الكَشّافِ: الصَّلاةُ: الرَّحْمَةُ والتَّعَطُّفُ، فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الرَّأْفَةِ، وجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الرَّحْمَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ بَعْدَ رَأْفَةٍ ورَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ.
و﴿المُهْتَدُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، وإنَّما وُصِفُوا هُنا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا ما فِيهِ الوُصُولُ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والتَّسْلِيمِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: غُشِيَ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في وجَعِهِ غَشْيَةً ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ فِيها، حَتّى قامُوا مِن عِنْدِهِ وجَلَّلُوهُ ثَوْبًا، وخَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِما أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَبِثُوا ساعَةً وهو في غَشْيَتِهِ ثُمَّ أفاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ بِبَدْرٍ، وفِيهِ وفي غَيْرِهِ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طُيُورِ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ.
فَمِنها عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ.
ورُوِيَ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَكُونُ عَلى صُوَرِ طُيُورٍ بِيضٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا، فَذَكَرَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِنَحْوِهِ، ورُوِيَ أنَّها عَلى صُوَرِ طُيُورٍ خُضْرٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ كَعْبٍ.
وأخْرَجَهُ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُذَيْلٍ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ وبَشَّرَهم فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ ورَجَعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَخْفِيفُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:155
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن إرْشادِهِ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِإرْشادِهِمْ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَإنَّ (p-١٠٤)مَن جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، واسْتَعانَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المِحَنِ فَقَدَ هُدِيَ إلى الصَّوابِ ووُفِّقَ إلى الخَيْرِ، وإنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ الَّتِي أوْضَحَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فِيها أعْظَمُ تَرْغِيبٍ لِعِبادِهِ سُبْحانَهُ إلى لُزُومِ الصَّبْرِ عَلى ما يَنُوبُ مِنَ الخُطُوبِ، فَمَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَخْشَ مِنَ الأهْوالِ وإنْ كانَتْ كالجِبالِ.
و" أمْواتٌ " و" أحْياءٌ " مُرْتَفِعانِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفَيْنِ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ هم أمْواتٌ بَلْ هم أحْياءٌ، ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ بِهَذِهِ الحَياةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِأبْدانِهِمْ بَعْدَ سَلْبِ رُوحِهِمْ، لِأنَّكم تَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالمَوْتِ في ظاهِرِ الأمْرِ بِحَسَبِ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ عِلْمُكُمُ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِن ماءِ البَحْرِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في الواقِعِ بَلْ هم أحْياءٌ في البَرْزَخِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ عَذابِ القَبْرِ، ولا اعْتِدادَ بِخِلافِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ، فَقَدْ تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
والبَلاءُ أصْلُهُ المِحْنَةُ، ومَعْنى نَبْلُوَنَّكم: نَمْتَحِنُكم لِنَخْتَبِرَكم هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى القَضاءِ أمْ لا ؟ وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ بِأشْياءَ.
والمُرادُ بِالخَوْفِ: ما يَحْصُلُ لِمَن يَخْشى مِن نُزُولِ ضَرَرٍ بِهِ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ.
وبِالجُوعِ: المَجاعَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الجَدْبِ والقَحْطِ.
وبِنَقْصِ الأمْوالِ: ما يَحْدُثُ فِيها بِسَبَبِ الجَوائِحِ وما أوْجَبَهَ اللَّهُ فِيها مِنَ الزَّكاةِ ونَحْوِها.
وبِنَقْصِ الأنْفُسِ: المَوْتُ والقَتْلُ في الجِهادِ.
وبِنَقْصِ الثَّمَراتِ: ما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِشُمُولِ الأمْوالِ لِلثَّمَراتِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِنَقْصِ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَقْدِرُ عَلى التَّبْشِيرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البِشارَةِ.
والصَّبْرُ أصْلُهُ الحَبْسُ، ووَصَفَهم بِأنَّهم المُسْتَرْجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمٌ ورِضًا.
والمُصِيبَةُ واحِدَةُ المَصائِبِ: وهي النَّكْبَةُ الَّتِي يَتَأذّى بِها الإنْسانُ وإنْ صَغُرَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأٌ لِلْمُصابِينَ وعِصْمَةٌ لِلْمُمْتَحَنِينَ، فَإنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، والِاعْتِرافِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
ومَعْنى الصَّلَواتِ هُنا: المَغْفِرَةُ والثَّناءُ الحَسَنُ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وعَلى هَذا فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ.
وقالَ في الكَشّافِ: الصَّلاةُ: الرَّحْمَةُ والتَّعَطُّفُ، فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الرَّأْفَةِ، وجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الرَّحْمَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ بَعْدَ رَأْفَةٍ ورَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ.
و﴿المُهْتَدُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، وإنَّما وُصِفُوا هُنا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا ما فِيهِ الوُصُولُ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والتَّسْلِيمِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: غُشِيَ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في وجَعِهِ غَشْيَةً ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ فِيها، حَتّى قامُوا مِن عِنْدِهِ وجَلَّلُوهُ ثَوْبًا، وخَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِما أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَبِثُوا ساعَةً وهو في غَشْيَتِهِ ثُمَّ أفاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ بِبَدْرٍ، وفِيهِ وفي غَيْرِهِ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طُيُورِ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ.
فَمِنها عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ.
ورُوِيَ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَكُونُ عَلى صُوَرِ طُيُورٍ بِيضٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا، فَذَكَرَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِنَحْوِهِ، ورُوِيَ أنَّها عَلى صُوَرِ طُيُورٍ خُضْرٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ كَعْبٍ.
وأخْرَجَهُ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُذَيْلٍ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ وبَشَّرَهم فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ ورَجَعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَخْفِيفُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:156
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن إرْشادِهِ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِإرْشادِهِمْ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَإنَّ (p-١٠٤)مَن جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، واسْتَعانَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المِحَنِ فَقَدَ هُدِيَ إلى الصَّوابِ ووُفِّقَ إلى الخَيْرِ، وإنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ الَّتِي أوْضَحَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فِيها أعْظَمُ تَرْغِيبٍ لِعِبادِهِ سُبْحانَهُ إلى لُزُومِ الصَّبْرِ عَلى ما يَنُوبُ مِنَ الخُطُوبِ، فَمَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَخْشَ مِنَ الأهْوالِ وإنْ كانَتْ كالجِبالِ.
و" أمْواتٌ " و" أحْياءٌ " مُرْتَفِعانِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفَيْنِ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ هم أمْواتٌ بَلْ هم أحْياءٌ، ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ بِهَذِهِ الحَياةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِأبْدانِهِمْ بَعْدَ سَلْبِ رُوحِهِمْ، لِأنَّكم تَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالمَوْتِ في ظاهِرِ الأمْرِ بِحَسَبِ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ عِلْمُكُمُ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِن ماءِ البَحْرِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في الواقِعِ بَلْ هم أحْياءٌ في البَرْزَخِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ عَذابِ القَبْرِ، ولا اعْتِدادَ بِخِلافِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ، فَقَدْ تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
والبَلاءُ أصْلُهُ المِحْنَةُ، ومَعْنى نَبْلُوَنَّكم: نَمْتَحِنُكم لِنَخْتَبِرَكم هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى القَضاءِ أمْ لا ؟ وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ بِأشْياءَ.
والمُرادُ بِالخَوْفِ: ما يَحْصُلُ لِمَن يَخْشى مِن نُزُولِ ضَرَرٍ بِهِ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ.
وبِالجُوعِ: المَجاعَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الجَدْبِ والقَحْطِ.
وبِنَقْصِ الأمْوالِ: ما يَحْدُثُ فِيها بِسَبَبِ الجَوائِحِ وما أوْجَبَهَ اللَّهُ فِيها مِنَ الزَّكاةِ ونَحْوِها.
وبِنَقْصِ الأنْفُسِ: المَوْتُ والقَتْلُ في الجِهادِ.
وبِنَقْصِ الثَّمَراتِ: ما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِشُمُولِ الأمْوالِ لِلثَّمَراتِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِنَقْصِ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَقْدِرُ عَلى التَّبْشِيرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البِشارَةِ.
والصَّبْرُ أصْلُهُ الحَبْسُ، ووَصَفَهم بِأنَّهم المُسْتَرْجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمٌ ورِضًا.
والمُصِيبَةُ واحِدَةُ المَصائِبِ: وهي النَّكْبَةُ الَّتِي يَتَأذّى بِها الإنْسانُ وإنْ صَغُرَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأٌ لِلْمُصابِينَ وعِصْمَةٌ لِلْمُمْتَحَنِينَ، فَإنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، والِاعْتِرافِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
ومَعْنى الصَّلَواتِ هُنا: المَغْفِرَةُ والثَّناءُ الحَسَنُ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وعَلى هَذا فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ.
وقالَ في الكَشّافِ: الصَّلاةُ: الرَّحْمَةُ والتَّعَطُّفُ، فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الرَّأْفَةِ، وجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الرَّحْمَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ بَعْدَ رَأْفَةٍ ورَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ.
و﴿المُهْتَدُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، وإنَّما وُصِفُوا هُنا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا ما فِيهِ الوُصُولُ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والتَّسْلِيمِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: غُشِيَ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في وجَعِهِ غَشْيَةً ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ فِيها، حَتّى قامُوا مِن عِنْدِهِ وجَلَّلُوهُ ثَوْبًا، وخَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِما أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَبِثُوا ساعَةً وهو في غَشْيَتِهِ ثُمَّ أفاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ بِبَدْرٍ، وفِيهِ وفي غَيْرِهِ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طُيُورِ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ.
فَمِنها عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ.
ورُوِيَ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَكُونُ عَلى صُوَرِ طُيُورٍ بِيضٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا، فَذَكَرَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِنَحْوِهِ، ورُوِيَ أنَّها عَلى صُوَرِ طُيُورٍ خُضْرٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ كَعْبٍ.
وأخْرَجَهُ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُذَيْلٍ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ وبَشَّرَهم فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ ورَجَعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَخْفِيفُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:157
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن إرْشادِهِ عِبادَهُ إلى ذِكْرِهِ وشُكْرِهِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِإرْشادِهِمْ إلى الِاسْتِعانَةِ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَإنَّ (p-١٠٤)مَن جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ اللَّهِ وشُكْرِهِ، واسْتَعانَ بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ عَلى تَأْدِيَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ودَفْعِ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ المِحَنِ فَقَدَ هُدِيَ إلى الصَّوابِ ووُفِّقَ إلى الخَيْرِ، وإنَّ هَذِهِ المَعِيَّةَ الَّتِي أوْضَحَها اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ فِيها أعْظَمُ تَرْغِيبٍ لِعِبادِهِ سُبْحانَهُ إلى لُزُومِ الصَّبْرِ عَلى ما يَنُوبُ مِنَ الخُطُوبِ، فَمَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ لَمْ يَخْشَ مِنَ الأهْوالِ وإنْ كانَتْ كالجِبالِ.
و" أمْواتٌ " و" أحْياءٌ " مُرْتَفِعانِ عَلى أنَّهُما خَبَرانِ لِمَحْذُوفَيْنِ، أيْ لا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ هم أمْواتٌ بَلْ هم أحْياءٌ، ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ بِهَذِهِ الحَياةِ عِنْدَ مُشاهَدَتِكم لِأبْدانِهِمْ بَعْدَ سَلْبِ رُوحِهِمْ، لِأنَّكم تَحْكُمُونَ عَلَيْها بِالمَوْتِ في ظاهِرِ الأمْرِ بِحَسَبِ ما يَبْلُغُ إلَيْهِ عِلْمُكُمُ الَّذِي هو بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ كَما يَأْخُذُ الطّائِرُ في مِنقارِهِ مِن ماءِ البَحْرِ، ولَيْسُوا كَذَلِكَ في الواقِعِ بَلْ هم أحْياءٌ في البَرْزَخِ.
وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى ثُبُوتِ عَذابِ القَبْرِ، ولا اعْتِدادَ بِخِلافِ مَن خالَفَ في ذَلِكَ، فَقَدْ تَواتَرَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ ودَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ .
والبَلاءُ أصْلُهُ المِحْنَةُ، ومَعْنى نَبْلُوَنَّكم: نَمْتَحِنُكم لِنَخْتَبِرَكم هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى القَضاءِ أمْ لا ؟ وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّقْلِيلِ، أيْ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ بِأشْياءَ.
والمُرادُ بِالخَوْفِ: ما يَحْصُلُ لِمَن يَخْشى مِن نُزُولِ ضَرَرٍ بِهِ مِن عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ.
وبِالجُوعِ: المَجاعَةُ الَّتِي تَحْصُلُ عِنْدَ الجَدْبِ والقَحْطِ.
وبِنَقْصِ الأمْوالِ: ما يَحْدُثُ فِيها بِسَبَبِ الجَوائِحِ وما أوْجَبَهَ اللَّهُ فِيها مِنَ الزَّكاةِ ونَحْوِها.
وبِنَقْصِ الأنْفُسِ: المَوْتُ والقَتْلُ في الجِهادِ.
وبِنَقْصِ الثَّمَراتِ: ما يُصِيبُها مِنَ الآفاتِ وهو مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِشُمُولِ الأمْوالِ لِلثَّمَراتِ وغَيْرِها، وقِيلَ: المُرادُ بِنَقْصِ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ لِكُلِّ مَن يَقْدِرُ عَلى التَّبْشِيرِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى البِشارَةِ.
والصَّبْرُ أصْلُهُ الحَبْسُ، ووَصَفَهم بِأنَّهم المُسْتَرْجِعُونَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، لِأنَّ ذَلِكَ تَسْلِيمٌ ورِضًا.
والمُصِيبَةُ واحِدَةُ المَصائِبِ: وهي النَّكْبَةُ الَّتِي يَتَأذّى بِها الإنْسانُ وإنْ صَغُرَتْ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فِيهِ بَيانُ أنَّ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأٌ لِلْمُصابِينَ وعِصْمَةٌ لِلْمُمْتَحَنِينَ، فَإنَّها جامِعَةٌ بَيْنَ الإقْرارِ بِالعُبُودِيَّةِ لِلَّهِ، والِاعْتِرافِ بِالبَعْثِ والنُّشُورِ.
ومَعْنى الصَّلَواتِ هُنا: المَغْفِرَةُ والثَّناءُ الحَسَنُ قالَهُ الزَّجّاجُ.
وعَلى هَذا فَذِكْرُ الرَّحْمَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ.
وقالَ في الكَشّافِ: الصَّلاةُ: الرَّحْمَةُ والتَّعَطُّفُ، فَوُضِعَتْ مَوْضِعَ الرَّأْفَةِ، وجَمَعَ بَيْنَها وبَيْنَ الرَّحْمَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿رَأْفَةً ورَحْمَةً﴾ ﴿رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ والمَعْنى: عَلَيْهِمْ رَأْفَةٌ بَعْدَ رَأْفَةٍ ورَحْمَةٌ بَعْدَ رَحْمَةٍ. انْتَهى.
وقِيلَ: المُرادُ بِالرَّحْمَةِ: كَشْفُ الكُرْبَةِ وقَضاءُ الحاجَةِ.
و﴿المُهْتَدُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْناهُ، وإنَّما وُصِفُوا هُنا بِذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ فَعَلُوا ما فِيهِ الوُصُولُ إلى طَرِيقِ الصَّوابِ مِنَ الِاسْتِرْجاعِ والتَّسْلِيمِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: غُشِيَ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في وجَعِهِ غَشْيَةً ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ فِيها، حَتّى قامُوا مِن عِنْدِهِ وجَلَّلُوهُ ثَوْبًا، وخَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِما أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَبِثُوا ساعَةً وهو في غَشْيَتِهِ ثُمَّ أفاقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في المَعْرِفَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُتِلَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ بِبَدْرٍ، وفِيهِ وفي غَيْرِهِ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعَةِ اللَّهِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طُيُورِ خُضْرٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ.
فَمِنها عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا عِنْدَ أحْمَدَ والتِّرْمِذِيِّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيِّ وابْنِ ماجَهْ.
ورُوِيَ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَكُونُ عَلى صُوَرِ طُيُورٍ بِيضٍ، كَما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا، فَذَكَرَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أيْضًا بِنَحْوِهِ، ورُوِيَ أنَّها عَلى صُوَرِ طُيُورٍ خُضْرٍ، كَما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في البَعْثِ والنُّشُورِ عَنْ كَعْبٍ.
وأخْرَجَهُ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ عَنْ هُذَيْلٍ.
وأخْرَجَهُ عَنْهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ مَرْفُوعًا، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ وبَشَّرَهم فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ ورَجَعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ: الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَخْفِيفُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
البقرة 2:158
أصْلُ " الصَّفا " في اللُّغَةِ: الحَجَرُ الأمْلَسُ، وهو هَنا عَلَمٌ لِجَبَلٍ مِن جِبالِ مَكَّةَ مَعْرُوفٍ، وكَذَلِكَ " المَرْوَةَ " عَلْمٌ لِجَبَلٍ بِمَكَّةَ مَعْرُوفٍ، وأصْلُها في اللُّغَةِ: واحِدَةُ المَرْوى، وهي الحِجارَةُ الصِّغارُ الَّتِي فِيها لِينٌ.
وقِيلَ: الَّتِي فِيها صَلابَةٌ، وقِيلَ: تَعُمُّ (p-١٠٥)الجَمِيعَ.
قالَ أبُو ذُؤَيْبٍ:
؎حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ بِصَفا المُشَرَّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
وقِيلَ: إنَّها الحِجارَةُ البِيضُ البَرّاقَةُ: وقِيلَ: إنَّها الحِجارَةُ السُّودُ.
والشَّعائِرُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ، وهي العَلامَةُ، أيْ مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ.
والمُرادُ بِها مَواضِعُ العِبادَةِ الَّتِي أشْعَرَها اللَّهُ إعْلامًا لِلنّاسِ مِنَ المَوْقِفِ والسَّعْيِ والمَنحَرِ، ومِنهُ إشْعارُ الهَدْيِ، أيْ إعْلامِهِ بِغَرْزِ حَدِيدَةٍ في سَنامِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ:
؎نُقَتِّلُهم جِيلًا فَجِيلًا تَراهم ∗∗∗ شَعائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ
وحَجُّ البَيْتِ في اللُّغَةِ: قَصْدُهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُئُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا
والسَّبُّ: العِمامَةُ.
وفِي الشَّرْعِ: الإتْيانُ بِمَناسِكِ الحَجِّ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ سُبْحانَهُ.
والعُمْرَةُ في اللُّغَةِ: الزِّيارَةُ.
وفِي الشَّرْعِ: الإتْيانُ بِالنُّسُكِ المَعْرُوفِ عَلى الصِّفَةِ الثّابِتَةِ.
والجَناحُ أصْلُهُ مِنَ الجُنُوحِ، وهو المَيْلُ، ومِنهُ الجَوانِحُ لِاعْوِجاجِها.
وقَوْلُهُ: ﴿يَطَّوَّفَ﴾ أصْلُهُ يَتَطَوَّفَ فَأُدْغِمَ.
وقُرِئَ: " أنْ يَطُوفَ "، ورَفْعُ الجَناحِ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةِ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ.
وحَكى الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ عَنْ أبِي حَنِيفَةِ أنَّهُ يَقُولُ: إنَّهُ واجِبٌ ولَيْسَ بِرُكْنٍ وعَلى تارِكِهِ دَمٌ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى عَدَمِ الوُجُوبِ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ وأنَسُ بْنُ مالِكٍ وابْنُ سِيرِينَ.
ومِمّا يُقَوِّي دَلالَةَ هَذِهِ الآيَةِ عَلى عَدَمِ الوُجُوبِ قَوْلُهُ تَعالى في آخِرِ الآيَةِ: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ السَّعْيَ واجِبٌ ونُسُكٌ مِن جُمْلَةِ المَناسِكِ، واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما عَنْ «عائِشَةَ أنَّ عُرْوَةَ قالَ لَها: أرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فَما أرى عَلى أحَدٍ جُناحًا أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما ؟ فَقالَتْ عائِشَةُ: بِئْسَ ما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي، إنَّها لَوْ كانَتْ عَلى ما أوَّلْتَها كانَتْ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِما، ولَكِنَّها إنَّما أُنْزِلَتْ أنَّ الأنْصارَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، وكانَ مَن أهَلَّ لَها يَتَحَرَّجُ أنْ يَطَّوَّفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ في الجاهِلِيَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: ثُمَّ قَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوافَ بِهِما، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَدَعَ الطَّوافَ بِهِما» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وغَيْرُهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: لَعَمْرِي ما أتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَن لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولا عُمْرَتَهُ، لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فاسْعَوْا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والشّافِعِيُّ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ قانِعٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي تَجْراةَ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ والنّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو وراءَهم يَسْعى حَتّى أرى رُكْبَتَيْهِ مِن شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إزارُهُ وهو يَقُولُ: اسْعَوْا فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» وهي في مُسْنَدِ أحْمَدَ مِن طَرِيقِ شَيْخِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُؤَمِّلِ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْها، ورَواهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى عَنْ عَبْدِ الرَّزّاقِ، أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنْ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ عَنْ مُوسى بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ أنَّ امْرَأةً أخْبَرَتْها فَذَكَرَتْهُ.
ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ حَدِيثُ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» اهـ.
البقرة 2:159
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ الَّذِي يَكْتُمُ ذَلِكَ مَلْعُونٌ، واخْتَلَفُوا مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَّصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: كُلُّ مَن كَتَمَ الحَقَّ وتَرَكَ بَيانَ ما أوْجَبَ اللَّهُ بَيانَهُ، وهو الرّاجِحُ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فَعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ الكَتْمِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَناوُلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن كَتَمَ الحَقَّ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَإنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ مِن عِبادِهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ إلى الغايَةِ الَّتِي لا تُلْحَقُ ولا يُدْرَكُ كُنْهُها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَتْمُ غَيْرِ ذَلِكَ كَما قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «" حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ راجِعٌ إلى ﴿ما أنْزَلْنا﴾، والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ، وتَعْرِيفُهُ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ.
واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الجِنُّ، وقِيلَ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ إلَخْ، فِيهِ اسْتِثْناءُ التّائِبِينَ والمُصْلِحِينَ لِما فَسَدَ مِن أعْمالِهِمْ، والمُبَيِّنِينَ لِلنّاسِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كُتُبِهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ مُعَيَّنٍ، لِأنَّ حالَهُ عِنْدَ الوَفاةِ لا يُعْلَمُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن لَعْنِهِ لِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالوَحْيِ ما لا نَعْلَمُ، وقِيلَ: يَجُوزُ لَعْنُهُ عَمَلًا بِظاهِرِ الحالِ كَما يَجُوزُ قِتالُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ إلَخْ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ في ذَلِكَ.
قالَ: ولَيْسَ لَعْنُ الكافِرِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ لَهُ عَنِ الكُفْرِ، بَلْ هو جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ وإظْهارُ قُبْحِ كُفْرِهِ سَواءٌ كانَ الكافِرُ عاقِلًا أوْ مَجْنُونًا.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن جُنَّ أوْ ماتَ مِنهم لا بِطَرِيقِ الجَزاءِ ولا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ بِلَعْنِهِمْ (p-١٠٦)لا عَلى الأمْرِ بِهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ لَعْنَ العاصِي المُعَيَّنِ لا يَجُوزُ بِاتِّفاقٍ، لِما رُوِيَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشارِبِ خَمْرٍ مِرارًا، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ: لَعَنَهُ اللَّهُ ما أكْثَرَ ما يَشْرَبُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطانِ عَلى أخِيكم» والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قِيلَ: هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا في الدُّنْيا فَفي النّاسِ المُسْلِمُ والكافِرُ، ومَن يَعْلَمُ بِالعاصِي ومَعْصِيَتِهِ ومَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَتَأتّى اللَّعْنُ لَهُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا، والمُرادُ أنَّهُ يَلْعَنُهُ غالِبُ النّاسِ أوْ كُلُّ مَن عَلِمَ بِمَعْصِيَتِهِ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ، وقِيلَ: في اللَّعْنَةِ.
والإنْظارُ: الإمْهالُ، وقِيلَ: مَعْنى لا يُنْظَرُونَ: لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَهو مِنَ النَّظَرِ، وقِيلَ: هو مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فِيهِ الإرْشادُ إلى التَّوْحِيدِ وقَطْعِ عَلائِقِ الشِّرْكِ، والإشارَةُ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ بَيانُهُ ويَحْرُمُ كِتْمانُهُ هو أمْرُ التَّوْحِيدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخُو بَنِي سَلَمَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي الأشْهَلِ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ نَفَرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ لِكَتْمِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كُنّا في جِنازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: «إنِ الكافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَتَسْمَعُهُ كُلُّ دابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ»، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ يَعْنِي دَوابَّ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّ دَوابَّ الأرْضِ والعَقارِبَ والخَنافِسَ يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَلْعَنُونَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: يَلْعَنُهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخُنْفُساءِ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ العِلْمِ والوَعِيدِ لِفاعِلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ قالَ: أصْلَحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، وبَيَّنُوا الَّذِي جاءَهم مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَجْحَدُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي أتَجاوَزُ عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ.
وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: ألّا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، و﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى مَرَدَةِ الجِنِّ مِن هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَتَيْنِ» .
البقرة 2:160
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ الَّذِي يَكْتُمُ ذَلِكَ مَلْعُونٌ، واخْتَلَفُوا مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَّصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: كُلُّ مَن كَتَمَ الحَقَّ وتَرَكَ بَيانَ ما أوْجَبَ اللَّهُ بَيانَهُ، وهو الرّاجِحُ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فَعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ الكَتْمِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَناوُلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن كَتَمَ الحَقَّ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَإنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ مِن عِبادِهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ إلى الغايَةِ الَّتِي لا تُلْحَقُ ولا يُدْرَكُ كُنْهُها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَتْمُ غَيْرِ ذَلِكَ كَما قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «" حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ راجِعٌ إلى ﴿ما أنْزَلْنا﴾، والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ، وتَعْرِيفُهُ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ.
واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الجِنُّ، وقِيلَ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ إلَخْ، فِيهِ اسْتِثْناءُ التّائِبِينَ والمُصْلِحِينَ لِما فَسَدَ مِن أعْمالِهِمْ، والمُبَيِّنِينَ لِلنّاسِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كُتُبِهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ مُعَيَّنٍ، لِأنَّ حالَهُ عِنْدَ الوَفاةِ لا يُعْلَمُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن لَعْنِهِ لِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالوَحْيِ ما لا نَعْلَمُ، وقِيلَ: يَجُوزُ لَعْنُهُ عَمَلًا بِظاهِرِ الحالِ كَما يَجُوزُ قِتالُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ إلَخْ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ في ذَلِكَ.
قالَ: ولَيْسَ لَعْنُ الكافِرِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ لَهُ عَنِ الكُفْرِ، بَلْ هو جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ وإظْهارُ قُبْحِ كُفْرِهِ سَواءٌ كانَ الكافِرُ عاقِلًا أوْ مَجْنُونًا.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن جُنَّ أوْ ماتَ مِنهم لا بِطَرِيقِ الجَزاءِ ولا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ بِلَعْنِهِمْ (p-١٠٦)لا عَلى الأمْرِ بِهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ لَعْنَ العاصِي المُعَيَّنِ لا يَجُوزُ بِاتِّفاقٍ، لِما رُوِيَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشارِبِ خَمْرٍ مِرارًا، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ: لَعَنَهُ اللَّهُ ما أكْثَرَ ما يَشْرَبُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطانِ عَلى أخِيكم» والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قِيلَ: هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا في الدُّنْيا فَفي النّاسِ المُسْلِمُ والكافِرُ، ومَن يَعْلَمُ بِالعاصِي ومَعْصِيَتِهِ ومَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَتَأتّى اللَّعْنُ لَهُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا، والمُرادُ أنَّهُ يَلْعَنُهُ غالِبُ النّاسِ أوْ كُلُّ مَن عَلِمَ بِمَعْصِيَتِهِ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ، وقِيلَ: في اللَّعْنَةِ.
والإنْظارُ: الإمْهالُ، وقِيلَ: مَعْنى لا يُنْظَرُونَ: لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَهو مِنَ النَّظَرِ، وقِيلَ: هو مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فِيهِ الإرْشادُ إلى التَّوْحِيدِ وقَطْعِ عَلائِقِ الشِّرْكِ، والإشارَةُ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ بَيانُهُ ويَحْرُمُ كِتْمانُهُ هو أمْرُ التَّوْحِيدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخُو بَنِي سَلَمَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي الأشْهَلِ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ نَفَرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ لِكَتْمِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كُنّا في جِنازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: «إنِ الكافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَتَسْمَعُهُ كُلُّ دابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ»، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ يَعْنِي دَوابَّ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّ دَوابَّ الأرْضِ والعَقارِبَ والخَنافِسَ يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَلْعَنُونَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: يَلْعَنُهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخُنْفُساءِ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ العِلْمِ والوَعِيدِ لِفاعِلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ قالَ: أصْلَحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، وبَيَّنُوا الَّذِي جاءَهم مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَجْحَدُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي أتَجاوَزُ عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ.
وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: ألّا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، و﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى مَرَدَةِ الجِنِّ مِن هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَتَيْنِ» .
البقرة 2:161
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ الَّذِي يَكْتُمُ ذَلِكَ مَلْعُونٌ، واخْتَلَفُوا مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَّصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: كُلُّ مَن كَتَمَ الحَقَّ وتَرَكَ بَيانَ ما أوْجَبَ اللَّهُ بَيانَهُ، وهو الرّاجِحُ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فَعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ الكَتْمِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَناوُلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن كَتَمَ الحَقَّ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَإنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ مِن عِبادِهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ إلى الغايَةِ الَّتِي لا تُلْحَقُ ولا يُدْرَكُ كُنْهُها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَتْمُ غَيْرِ ذَلِكَ كَما قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «" حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ راجِعٌ إلى ﴿ما أنْزَلْنا﴾، والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ، وتَعْرِيفُهُ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ.
واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الجِنُّ، وقِيلَ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ إلَخْ، فِيهِ اسْتِثْناءُ التّائِبِينَ والمُصْلِحِينَ لِما فَسَدَ مِن أعْمالِهِمْ، والمُبَيِّنِينَ لِلنّاسِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كُتُبِهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ مُعَيَّنٍ، لِأنَّ حالَهُ عِنْدَ الوَفاةِ لا يُعْلَمُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن لَعْنِهِ لِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالوَحْيِ ما لا نَعْلَمُ، وقِيلَ: يَجُوزُ لَعْنُهُ عَمَلًا بِظاهِرِ الحالِ كَما يَجُوزُ قِتالُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ إلَخْ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ في ذَلِكَ.
قالَ: ولَيْسَ لَعْنُ الكافِرِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ لَهُ عَنِ الكُفْرِ، بَلْ هو جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ وإظْهارُ قُبْحِ كُفْرِهِ سَواءٌ كانَ الكافِرُ عاقِلًا أوْ مَجْنُونًا.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن جُنَّ أوْ ماتَ مِنهم لا بِطَرِيقِ الجَزاءِ ولا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ بِلَعْنِهِمْ (p-١٠٦)لا عَلى الأمْرِ بِهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ لَعْنَ العاصِي المُعَيَّنِ لا يَجُوزُ بِاتِّفاقٍ، لِما رُوِيَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشارِبِ خَمْرٍ مِرارًا، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ: لَعَنَهُ اللَّهُ ما أكْثَرَ ما يَشْرَبُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطانِ عَلى أخِيكم» والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قِيلَ: هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا في الدُّنْيا فَفي النّاسِ المُسْلِمُ والكافِرُ، ومَن يَعْلَمُ بِالعاصِي ومَعْصِيَتِهِ ومَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَتَأتّى اللَّعْنُ لَهُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا، والمُرادُ أنَّهُ يَلْعَنُهُ غالِبُ النّاسِ أوْ كُلُّ مَن عَلِمَ بِمَعْصِيَتِهِ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ، وقِيلَ: في اللَّعْنَةِ.
والإنْظارُ: الإمْهالُ، وقِيلَ: مَعْنى لا يُنْظَرُونَ: لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَهو مِنَ النَّظَرِ، وقِيلَ: هو مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فِيهِ الإرْشادُ إلى التَّوْحِيدِ وقَطْعِ عَلائِقِ الشِّرْكِ، والإشارَةُ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ بَيانُهُ ويَحْرُمُ كِتْمانُهُ هو أمْرُ التَّوْحِيدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخُو بَنِي سَلَمَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي الأشْهَلِ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ نَفَرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ لِكَتْمِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كُنّا في جِنازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: «إنِ الكافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَتَسْمَعُهُ كُلُّ دابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ»، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ يَعْنِي دَوابَّ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّ دَوابَّ الأرْضِ والعَقارِبَ والخَنافِسَ يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَلْعَنُونَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: يَلْعَنُهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخُنْفُساءِ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ العِلْمِ والوَعِيدِ لِفاعِلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ قالَ: أصْلَحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، وبَيَّنُوا الَّذِي جاءَهم مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَجْحَدُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي أتَجاوَزُ عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ.
وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: ألّا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، و﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى مَرَدَةِ الجِنِّ مِن هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَتَيْنِ» .
البقرة 2:162
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ الَّذِي يَكْتُمُ ذَلِكَ مَلْعُونٌ، واخْتَلَفُوا مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَّصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: كُلُّ مَن كَتَمَ الحَقَّ وتَرَكَ بَيانَ ما أوْجَبَ اللَّهُ بَيانَهُ، وهو الرّاجِحُ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فَعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ الكَتْمِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَناوُلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن كَتَمَ الحَقَّ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَإنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ مِن عِبادِهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ إلى الغايَةِ الَّتِي لا تُلْحَقُ ولا يُدْرَكُ كُنْهُها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَتْمُ غَيْرِ ذَلِكَ كَما قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «" حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ راجِعٌ إلى ﴿ما أنْزَلْنا﴾، والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ، وتَعْرِيفُهُ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ.
واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الجِنُّ، وقِيلَ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ إلَخْ، فِيهِ اسْتِثْناءُ التّائِبِينَ والمُصْلِحِينَ لِما فَسَدَ مِن أعْمالِهِمْ، والمُبَيِّنِينَ لِلنّاسِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كُتُبِهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ مُعَيَّنٍ، لِأنَّ حالَهُ عِنْدَ الوَفاةِ لا يُعْلَمُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن لَعْنِهِ لِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالوَحْيِ ما لا نَعْلَمُ، وقِيلَ: يَجُوزُ لَعْنُهُ عَمَلًا بِظاهِرِ الحالِ كَما يَجُوزُ قِتالُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ إلَخْ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ في ذَلِكَ.
قالَ: ولَيْسَ لَعْنُ الكافِرِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ لَهُ عَنِ الكُفْرِ، بَلْ هو جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ وإظْهارُ قُبْحِ كُفْرِهِ سَواءٌ كانَ الكافِرُ عاقِلًا أوْ مَجْنُونًا.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن جُنَّ أوْ ماتَ مِنهم لا بِطَرِيقِ الجَزاءِ ولا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ بِلَعْنِهِمْ (p-١٠٦)لا عَلى الأمْرِ بِهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ لَعْنَ العاصِي المُعَيَّنِ لا يَجُوزُ بِاتِّفاقٍ، لِما رُوِيَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشارِبِ خَمْرٍ مِرارًا، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ: لَعَنَهُ اللَّهُ ما أكْثَرَ ما يَشْرَبُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطانِ عَلى أخِيكم» والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قِيلَ: هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا في الدُّنْيا فَفي النّاسِ المُسْلِمُ والكافِرُ، ومَن يَعْلَمُ بِالعاصِي ومَعْصِيَتِهِ ومَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَتَأتّى اللَّعْنُ لَهُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا، والمُرادُ أنَّهُ يَلْعَنُهُ غالِبُ النّاسِ أوْ كُلُّ مَن عَلِمَ بِمَعْصِيَتِهِ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ، وقِيلَ: في اللَّعْنَةِ.
والإنْظارُ: الإمْهالُ، وقِيلَ: مَعْنى لا يُنْظَرُونَ: لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَهو مِنَ النَّظَرِ، وقِيلَ: هو مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فِيهِ الإرْشادُ إلى التَّوْحِيدِ وقَطْعِ عَلائِقِ الشِّرْكِ، والإشارَةُ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ بَيانُهُ ويَحْرُمُ كِتْمانُهُ هو أمْرُ التَّوْحِيدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخُو بَنِي سَلَمَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي الأشْهَلِ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ نَفَرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ لِكَتْمِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كُنّا في جِنازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: «إنِ الكافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَتَسْمَعُهُ كُلُّ دابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ»، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ يَعْنِي دَوابَّ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّ دَوابَّ الأرْضِ والعَقارِبَ والخَنافِسَ يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَلْعَنُونَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: يَلْعَنُهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخُنْفُساءِ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ العِلْمِ والوَعِيدِ لِفاعِلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ قالَ: أصْلَحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، وبَيَّنُوا الَّذِي جاءَهم مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَجْحَدُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي أتَجاوَزُ عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ.
وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: ألّا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، و﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى مَرَدَةِ الجِنِّ مِن هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَتَيْنِ» .
البقرة 2:163
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ الَّذِي يَكْتُمُ ذَلِكَ مَلْعُونٌ، واخْتَلَفُوا مَنِ المُرادُ بِذَلِكَ ؟ فَقِيلَ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَّصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقِيلَ: كُلُّ مَن كَتَمَ الحَقَّ وتَرَكَ بَيانَ ما أوْجَبَ اللَّهُ بَيانَهُ، وهو الرّاجِحُ لِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، فَعَلى فَرْضِ أنَّ سَبَبَ النُّزُولِ ما وقَعَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى مِنَ الكَتْمِ فَلا يُنافِي ذَلِكَ تَناوُلَ هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن كَتَمَ الحَقَّ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، فَإنَّ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ولَعَنَهُ كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ مِن عِبادِهِ قَدْ بَلَغَ مِنَ الشَّقاوَةِ والخُسْرانِ إلى الغايَةِ الَّتِي لا تُلْحَقُ ولا يُدْرَكُ كُنْهُها.
وفِي قَوْلِهِ: ﴿مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ كَتْمُ غَيْرِ ذَلِكَ كَما قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: «" حَفِظْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ» " أخْرَجَهُ البُخارِيُّ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ﴾ راجِعٌ إلى ﴿ما أنْزَلْنا﴾، والكِتابُ اسْمُ جِنْسٍ، وتَعْرِيفُهُ يُفِيدُ شُمُولَهُ لِجَمِيعِ الكُتُبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ التَّوْراةُ.
واللَّعْنُ: الإبْعادُ والطَّرْدُ.
والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿اللّاعِنُونَ﴾ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، ورَجَّحَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ الجِنُّ، وقِيلَ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ.
وقَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا﴾ إلَخْ، فِيهِ اسْتِثْناءُ التّائِبِينَ والمُصْلِحِينَ لِما فَسَدَ مِن أعْمالِهِمْ، والمُبَيِّنِينَ لِلنّاسِ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كُتُبِهِ وعَلى ألْسُنِ رُسُلِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وماتُوا وهم كُفّارٌ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقَدِ اسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَعْنُ كافِرٍ مُعَيَّنٍ، لِأنَّ حالَهُ عِنْدَ الوَفاةِ لا يُعْلَمُ، ولا يُنافِي ذَلِكَ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن لَعْنِهِ لِقَوْمٍ مِنَ الكُفّارِ بِأعْيانِهِمْ، لِأنَّهُ يَعْلَمُ بِالوَحْيِ ما لا نَعْلَمُ، وقِيلَ: يَجُوزُ لَعْنُهُ عَمَلًا بِظاهِرِ الحالِ كَما يَجُوزُ قِتالُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ إلَخْ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى جَوازِ لَعْنِ الكُفّارِ عَلى العُمُومِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ في ذَلِكَ.
قالَ: ولَيْسَ لَعْنُ الكافِرِ بِطَرِيقِ الزَّجْرِ لَهُ عَنِ الكُفْرِ، بَلْ هو جَزاءٌ عَلى الكُفْرِ وإظْهارُ قُبْحِ كُفْرِهِ سَواءٌ كانَ الكافِرُ عاقِلًا أوْ مَجْنُونًا.
وقالَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ: لا فائِدَةَ في لَعْنِ مَن جُنَّ أوْ ماتَ مِنهم لا بِطَرِيقِ الجَزاءِ ولا بِطَرِيقِ الزَّجْرِ.
قالَ: ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ أنَّ الآيَةَ دالَّةٌ عَلى الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ بِلَعْنِهِمْ (p-١٠٦)لا عَلى الأمْرِ بِهِ.
قالَ ابْنُ العَرَبِيِّ: إنَّ لَعْنَ العاصِي المُعَيَّنِ لا يَجُوزُ بِاتِّفاقٍ، لِما رُوِيَ: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِشارِبِ خَمْرٍ مِرارًا، فَقالَ بَعْضُ مَن حَضَرَ: لَعَنَهُ اللَّهُ ما أكْثَرَ ما يَشْرَبُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطانِ عَلى أخِيكم» والحَدِيثُ في الصَّحِيحَيْنِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قِيلَ: هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا في الدُّنْيا فَفي النّاسِ المُسْلِمُ والكافِرُ، ومَن يَعْلَمُ بِالعاصِي ومَعْصِيَتِهِ ومَن لا يَعْلَمُ، فَلا يَتَأتّى اللَّعْنُ لَهُ مِن جَمِيعِ النّاسِ، وقِيلَ: في الدُّنْيا، والمُرادُ أنَّهُ يَلْعَنُهُ غالِبُ النّاسِ أوْ كُلُّ مَن عَلِمَ بِمَعْصِيَتِهِ مِنهم.
وقَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ أيْ في النّارِ، وقِيلَ: في اللَّعْنَةِ.
والإنْظارُ: الإمْهالُ، وقِيلَ: مَعْنى لا يُنْظَرُونَ: لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِمْ فَهو مِنَ النَّظَرِ، وقِيلَ: هو مِنَ الِانْتِظارِ، أيْ لا يُنْتَظَرُونَ لِيَعْتَذِرُوا.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فِيهِ الإرْشادُ إلى التَّوْحِيدِ وقَطْعِ عَلائِقِ الشِّرْكِ، والإشارَةُ إلى أنَّ أوَّلَ ما يَجِبُ بَيانُهُ ويَحْرُمُ كِتْمانُهُ هو أمْرُ التَّوْحِيدِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخُو بَنِي سَلَمَةَ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي الأشْهَلِ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ نَفَرًا مِن أحْبارِ اليَهُودِ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ» .
وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ لِكَتْمِهِمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّنا ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: كُنّا في جِنازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: «إنِ الكافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَتَسْمَعُهُ كُلُّ دابَّةٍ غَيْرَ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ»، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللّاعِنُونَ﴾ يَعْنِي دَوابَّ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّ دَوابَّ الأرْضِ والعَقارِبَ والخَنافِسَ يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ فَيَلْعَنُونَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: يَلْعَنُهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخُنْفُساءِ.
وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ العِلْمِ والوَعِيدِ لِفاعِلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ قالَ: أصْلَحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، وبَيَّنُوا الَّذِي جاءَهم مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكْتُمُوهُ ولَمْ يَجْحَدُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي أتَجاوَزُ عَنْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ.
وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: ألّا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلّا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، و﴿الم﴾ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى مَرَدَةِ الجِنِّ مِن هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَتَيْنِ» .
البقرة 2:164
لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ التَّوْحِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الدّالِّ عَلَيْهِ، وهو هَذِهِ الأُمُورُ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ صَنْعَةِ الصّانِعِ الحَكِيمِ، مَعَ عِلْمِ كُلِّ عاقِلٍ بِأنَّهُ لا يَتَهَيَّأُ مِن أحَدٍ مِنَ الآلِهَةِ الَّتِي أثْبَتَها الكُفّارُ أنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنها، أوْ يَقْتَدِرَ عَلَيْهِ أوْ عَلى بَعْضِهِ، وهي خَلْقُ السَّماواتِ، وخَلْقُ الأرْضِ، وتَعاقُبُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، وجَرْيُ الفُلْكِ في البَحْرِ، وإنْزالُ المَطَرِ مِنَ السَّماءِ، وإحْياءُ الأرْضِ بِهِ، وبَثُّ الدَّوابِّ مِنها بِسَبَبِهِ، وتَصْرِيفُ الرِّياحِ، فَإنَّ مَن أمْعَنَ نَظَرَهُ وأعْمَلَ فِكْرَهُ في واحِدٍ مِنها انْبَهَرَ لَهُ، وضاقَ ذِهْنُهُ عَنْ تَصَوُّرِ حَقِيقَتِهِ.
وتَحَتَّمَ عَلَيْهِ التَّصْدِيقُ بِأنَّ صانِعَهُ هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وإنَّما جَمَعَ السَّماواتِ لِأنَّها أجْناسٌ مُخْتَلِفَةٌ، كُلُّ سَماءٍ مِن جِنْسٍ غَيْرِ جِنْسِ الأُخْرى، ووَحَّدَ الأرْضَ لِأنَّها كُلَّها مِن جِنْسٍ واحِدٍ وهو التُّرابُ.
والمُرادُ بِاخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ تَعاقُبُهُما بِإقْبالِ أحَدِهِما وإدْبارِ الآخَرِ، وإضاءَةِ أحَدِهِما وإظْلامِ الآخَرِ.
والنَّهارُ: ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: أوَّلُ النَّهارِ طُلُوعُ الشَّمْسِ، ولا يُعَدُّ ما قَبْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّهارِ.
وكَذا قالَ ثَعْلَبٌ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:
؎والشَّمْسُ تَطْلُعُ كُلَّ آخِرِ لَيْلَةٍ حَمْراءَ يُصْبِحُ لَوْنُها يَتَوَرَّدُ
وكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقَسَّمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ الزَّمانَ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: قِسْمًا جَعَلَهُ لَيْلًا مَحْضًا، وهو مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.
وقِسْمًا جَعَلَهُ نَهارًا مَحْضًا، وهو مِن طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى غُرُوبِها.
وقِسْمًا جَعَلَهُ مُشْتَرِكًا بَيْنَ النَّهارِ واللَّيْلِ، وهو ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ لِبَقايا ظُلْمَةِ اللَّيْلِ ومَبادِئِ ضَوْءِ النَّهارِ.
هَذا بِاعْتِبارِ مُصْطَلَحِ أهْلِ اللُّغَةِ.
وأمّا في الشَّرْعِ فالكَلامُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ.
والفُلْكُ: السُّفُنُ، وإفْرادُهُ وجَمْعُهُ بِلَفْظٍ واحِدٍ، وهو هَذا، ويُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ.
قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فِي الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾، ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ (p-١٠٧)وقالَ: ﴿حَتّى إذا كُنْتُمْ في الفُلْكِ وجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ وقِيلَ: واحِدُهُ فَلَكٌ بِالتَّحْرِيكِ، مِثْلَ أُسْدٍ وأسَدٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما يَنْفَعُ النّاسَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ " ما " مَوْصُولَةً أيْ بِالَّذِي يَنْفَعُهم، أوْ مَصْدَرِيَّةً، أيْ بِنَفْعِهِمْ، والمُرادُ بِما أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ المَطَرُ الَّذِي بِهِ حَياةُ العالَمِ وإخْراجُ النَّباتِ والأرْزاقُ.
والبَثُّ: النَّشْرُ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: بَثَّ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: فَأحْيا لِأنَّهُما أمْرانِ مُتَسَبَّبانِ عَنْ إنْزالِ المَطَرِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ الظّاهِرَ عَطْفُهُ عَلى أنْزَلَ.
والمُرادُ بِتَصْرِيفِ الرِّياحِ: إرْسالُها عَقِيمًا، ومُلَقِّحَةً وصِرًّا، ونَصْرًا، وهَلاكًا، وحارَّةً، وبارِدَةً، ولَيِّنَةً، وعاصِفَةً، وقِيلَ: تَصْرِيفُها إرْسالُها جَنُوبًا، وشَمالًا، ودَبُورًا، وصَبًا، ونَكْبًا، وهي الَّتِي تَأْتِي بَيْنَ مَهَبَّيْ رِيحَيْنِ، وقِيلَ: تَصْرِيفُها أنْ تَأْتِيَ السُّفُنَ الكِبارَ بِقَدْرِ ما تَحْمِلُها والصِّغارَ كَذَلِكَ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ التَّصْرِيفِ عَلى جَمِيعِ ما ذُكِرَ.
والسَّحابُ سُمِّيَ سَحابًا لِانْسِحابِهِ في الهَواءِ، وسَحَبْتُ ذَيْلِي سَحْبًا وتَسَحَّبَ فُلانٌ عَلى فُلانٍ: اجْتَرَأ.
والمُسَخَّرُ: المُذَلَّلُ، وسَخَّرَهُ: بَعَثَهُ مِن مَكانٍ إلى آخَرَ، وقِيلَ تَسْخِيرُهُ: ثُبُوتُهُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ مِن غَيْرِ عَمَدٍ ولا عَلائِقَ. والأوَّلُ أظْهَرُ.
والآياتُ: الدَّلالاتُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ سُبْحانَهُ لِمَن يَنْظُرُ بِبَصَرِهِ ويَتَفَكَّرُ بِعَقْلِهِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا نَتَقَوّى بِهِ عَلى عَدُوِّنا، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنِّي مُعْطِيهِمْ فَأجْعَلُ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، ولَكِنْ إنْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهم عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَقالَ: رَبِّ دَعْنِي وقَوْمِي فَأدْعُوهم يَوْمًا بِيَوْمٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ والفِرْيابِيُّ وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ «عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ عَجِبَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَطاءٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: اللَّيْلُ مُوَكَّلٌ بِهِ مَلَكٌ يُقالُ لَهُ شَراهِيلُ، فَإذا حانَ وقْتُ اللَّيْلِ أخَذَ خَرَزَةً سَوْداءَ فَدَلّاها مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، فَإذا نَظَرَتْ إلَيْها الشَّمْسُ وجَبَتْ في أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، وقَدْ أُمِرَتِ الشَّمْسُ أنْ لا تَغْرُبَ حَتّى تَرى الخَرَزَةَ، فَإذا غَرَبَتْ جاءَ اللَّيْلُ، فَلا تَزالُ الخَرَزَةُ مُعَلَّقَةً حَتّى يَجِيءَ مَلَكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ هَراهِيلُ بِخَرَزَةٍ بَيْضاءَ فَيُعَلِّقُها مِن قِبْلِ المَطْلَعِ، فَإذا رَآها شَراهِيلُ مَدَّ إلَيْهِ خَرَزَتَهُ، وتَرى الشَّمْسُ الخَرَزَةَ البَيْضاءَ، فَتَطْلُعُ، وقَدْ أُمِرَتْ أنْ لا تَطْلُعَ حَتّى تَراها، فَإذا طَلَعَتْ جاءَ النَّهارُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿والفُلْكِ﴾ قالَ: السَّفِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَثَّ خَلَقَ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ قالَ: إذا شاءَ جَعْلَها رَحْمَةً لَواقِحَ لِلسَّحابِ، وبُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وإذا شاءَ جَعْلَها عَذابًا رِيحًا عَقِيمًا لا تُلَقِّحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّياحِ فَهي رَحْمَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهي عَذابٌ.
وقَدْ ورَدَ في النَّهْيِ عَنْ سَبِّ الرِّيحِ وأوْصافِها أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لا تَعَلُّقَ لَها بِالآيَةِ.
البقرة 2:165
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذا الدَّلِيلِ الظّاهِرِ المُفِيدِ لِعَظِيمِ سُلْطانِهِ، وجَلِيلِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ، قَدْ وُجِدَ في النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَعَهُ سُبْحانَهُ نِدًّا يَعْبُدُهُ مِنَ الأصْنامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأنْدادِ، مَعَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأنْدادِ، بَلْ أحَبُّوها حُبًّا عَظِيمًا وأفْرَطُوا في ذَلِكَ إفْراطًا بالِغًا، حَتّى صارَ حُبُّهم لِهَذِهِ الأوْثانِ ونَحْوِها مُتَمَكِّنًا في صُدُورِهِمْ كَتَمَكُّنِ حُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فالمَصْدَرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ وهو المُؤْمِنُونَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، أيْ عَبَدَةُ الأوْثانِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ والزَّجّاجُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا المَصْدَرُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ كَما يُحَبُّ اللَّهُ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِدْراكٌ لِما يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ مِنَ التَّساوِي، أيْ أنَّ حُبَّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ أشَدُّ مِن حُبِّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَخُصُّونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ والدُّعاءِ، والكَفّارُ لا يَخُصُّونَ أصْنامَهم بِذَلِكَ، بَلْ يُشْرِكُونَ اللَّهَ مَعَهم، ويَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ أصْنامَهم لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ هَذا: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ دَلِيلًا عَلى الثّانِي، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا أشَدَّ حُبًّا لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأنْدادِ هُنا الرُّؤَساءُ، أيْ يُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِمْ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ فَإنَّهُ لِمَن يَعْقِلُ، ويُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ عَقِبَ ذَلِكَ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ وأبِي عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.
وقِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الشّامِ بِالفَوْقِيَّةِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: لَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا في الدُّنْيا عَذابَ الآخِرَةِ لَعَلِمُوا حِينَ يُرُونَهُ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ. انْتَهى.
وعَلى هَذا فالرُّؤْيَةُ هي البَصَرِيَّةُ لا القَلْبِيَّةُ.
ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: هَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي جاءَ بِهِ أبُو عُبَيْدٍ بِعِيدٌ، ولَيْسَتْ عِبارَتُهُ فِيهِ (p-١٠٨)بِالجَيِّدَةِ، لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ، فَكَأنَّهُ يَجْعَلُهُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وقَدْ أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى، ولَكِنَّ التَّقْدِيرَ وهو الأحْسَنُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، ويَرى بِمَعْنى يَعْلَمُ، أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ قُوَّةِ اللَّهِ وشِدَّةَ عَذابِهِ.
قالَ: وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ، أيْ لَتَبَيَّنُوا ضَرَرَ اتِّخاذِهِمُ الآلِهَةَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ومَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وفَزَعِهِمْ مِنهُ لَعَلِمْتَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ ولَكِنْ خُوطِبَ بِهَذا الخِطابِ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، وقِيلَ: أنَّ في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، أيْ لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمًا
أيْ لِادِّخارِهِ، والمَعْنى: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ لَعَلِمْتَ مَبْلَغَهم مِنَ النَّكالِ. ودَخَلَتْ " إذْ " وهي لِما مَضى في إثْباتِ هَذِهِ المُسْتَقْبَلاتِ تَقْرِيبًا لِلْأمْرِ وتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إذْ يُرَوْنَ " بِضَمِّ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ " إنَّ القُوَّةَ " و" إنَّ اللَّهَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ السّادَةَ والرُّؤَساءَ تَبَرَّءُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: يَعْنِي التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ، قِيلَ: عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا، وقِيلَ: عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِما جَمِيعًا إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ هي جَمْعُ سَبَبٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشَّيْءُ ويُجْذَبُ بِهِ، ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ ما جَرَّ شَيْئًا سَبَبًا، والمُرادُ بِها: الوُصَلُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ بِها في الدُّنْيا مِنَ الرَّحِمِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: هي الأعْمالُ.
والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ والعَوْدَةُ إلى حالٍ قَدْ كانَتْ، و" لَوْ " هُنا في مَعْنى التَّمَنِّي كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا كَرَّةً، ولِهَذا وقَعَتِ الفاءُ في الجَوابِ.
والمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ قالُوا: لَوْ رُدِدْنا إلى الدُّنْيا حَتّى نَعْمَلَ صالِحًا ونَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا.
والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ولا أراهُ صَحِيحًا.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ كَما أراهُمُ اللَّهُ العَذابَ يُرِيهِمْ أعْمالَهم، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَقَوْلُهُ: ﴿حَسَراتٍ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وإنْ كانَتِ القَلْبِيَّةَ فَهو المَفْعُولُ الثّالِثُ، والمَعْنى: أنَّ أعْمالَهُمُ الفاسِدَةَ يُرِيهِمُ اللَّهُ إيّاها فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، أوْ يُرِيهِمُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي أوْجَبَها عَلَيْهِمْ فَتَرَكُوها فَيَكُونُ ذَلِكَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ، وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلتَّقْوِيَةِ لِغَرَضٍ لَهُ يَرْجِعُ إلى المَذْهَبِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ قالَ: مُباهاةً ومُضارَرَةً لِلْحَقِّ بِالأنْدادِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ أنْدادُهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهِمْ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الأنْدادُ مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم كَما يُطِيعُونَ اللَّهَ إذا أمَرُوهم أطاعُوهم وعَصَوُا اللَّهَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَ ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّبَيْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قالَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فاتَّخَذُوا مِن دُونِي أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم إيّايَ حِينَ يُعايِنُونَ عَذابِي يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي أعْدَدْتُ لَهم، لَعَلِمْتُمْ أنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِي دُونَ الأنْدادِ، والآلِهَةُ لا تُغْنِي عَنْهم هُنالِكَ شَيْئًا ولا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابًا أحْلَلْتُ بِهِمْ، وأيْقَنْتُهم أنِّي شَدِيدٌ عَذابِي لِمَن كَفَرَ بِي وادَّعى مَعِي إلَهًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الجَبابِرَةُ والقادَةُ والرُّءُوسُ في الشِّرْكِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ قالَ: هُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّءُوا مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هي الأرْحامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الأوْصالُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا والمَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: هي الأعْمالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَراتٍ﴾ قالَ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ثابِتِ بْنِ مَعْبَدٍ قالَ: ما زالَ أهْلُ النّارِ يَأْمُلُونَ الخُرُوجَ مِنها حَتّى نَزَلَتْ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ .
البقرة 2:166
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذا الدَّلِيلِ الظّاهِرِ المُفِيدِ لِعَظِيمِ سُلْطانِهِ، وجَلِيلِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ، قَدْ وُجِدَ في النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَعَهُ سُبْحانَهُ نِدًّا يَعْبُدُهُ مِنَ الأصْنامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأنْدادِ، مَعَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأنْدادِ، بَلْ أحَبُّوها حُبًّا عَظِيمًا وأفْرَطُوا في ذَلِكَ إفْراطًا بالِغًا، حَتّى صارَ حُبُّهم لِهَذِهِ الأوْثانِ ونَحْوِها مُتَمَكِّنًا في صُدُورِهِمْ كَتَمَكُّنِ حُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فالمَصْدَرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ وهو المُؤْمِنُونَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، أيْ عَبَدَةُ الأوْثانِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ والزَّجّاجُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا المَصْدَرُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ كَما يُحَبُّ اللَّهُ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِدْراكٌ لِما يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ مِنَ التَّساوِي، أيْ أنَّ حُبَّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ أشَدُّ مِن حُبِّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَخُصُّونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ والدُّعاءِ، والكَفّارُ لا يَخُصُّونَ أصْنامَهم بِذَلِكَ، بَلْ يُشْرِكُونَ اللَّهَ مَعَهم، ويَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ أصْنامَهم لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ هَذا: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ دَلِيلًا عَلى الثّانِي، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا أشَدَّ حُبًّا لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأنْدادِ هُنا الرُّؤَساءُ، أيْ يُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِمْ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ فَإنَّهُ لِمَن يَعْقِلُ، ويُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ عَقِبَ ذَلِكَ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ وأبِي عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.
وقِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الشّامِ بِالفَوْقِيَّةِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: لَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا في الدُّنْيا عَذابَ الآخِرَةِ لَعَلِمُوا حِينَ يُرُونَهُ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ. انْتَهى.
وعَلى هَذا فالرُّؤْيَةُ هي البَصَرِيَّةُ لا القَلْبِيَّةُ.
ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: هَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي جاءَ بِهِ أبُو عُبَيْدٍ بِعِيدٌ، ولَيْسَتْ عِبارَتُهُ فِيهِ (p-١٠٨)بِالجَيِّدَةِ، لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ، فَكَأنَّهُ يَجْعَلُهُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وقَدْ أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى، ولَكِنَّ التَّقْدِيرَ وهو الأحْسَنُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، ويَرى بِمَعْنى يَعْلَمُ، أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ قُوَّةِ اللَّهِ وشِدَّةَ عَذابِهِ.
قالَ: وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ، أيْ لَتَبَيَّنُوا ضَرَرَ اتِّخاذِهِمُ الآلِهَةَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ومَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وفَزَعِهِمْ مِنهُ لَعَلِمْتَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ ولَكِنْ خُوطِبَ بِهَذا الخِطابِ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، وقِيلَ: أنَّ في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، أيْ لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمًا
أيْ لِادِّخارِهِ، والمَعْنى: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ لَعَلِمْتَ مَبْلَغَهم مِنَ النَّكالِ. ودَخَلَتْ " إذْ " وهي لِما مَضى في إثْباتِ هَذِهِ المُسْتَقْبَلاتِ تَقْرِيبًا لِلْأمْرِ وتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إذْ يُرَوْنَ " بِضَمِّ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ " إنَّ القُوَّةَ " و" إنَّ اللَّهَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ السّادَةَ والرُّؤَساءَ تَبَرَّءُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: يَعْنِي التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ، قِيلَ: عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا، وقِيلَ: عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِما جَمِيعًا إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ هي جَمْعُ سَبَبٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشَّيْءُ ويُجْذَبُ بِهِ، ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ ما جَرَّ شَيْئًا سَبَبًا، والمُرادُ بِها: الوُصَلُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ بِها في الدُّنْيا مِنَ الرَّحِمِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: هي الأعْمالُ.
والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ والعَوْدَةُ إلى حالٍ قَدْ كانَتْ، و" لَوْ " هُنا في مَعْنى التَّمَنِّي كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا كَرَّةً، ولِهَذا وقَعَتِ الفاءُ في الجَوابِ.
والمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ قالُوا: لَوْ رُدِدْنا إلى الدُّنْيا حَتّى نَعْمَلَ صالِحًا ونَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا.
والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ولا أراهُ صَحِيحًا.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ كَما أراهُمُ اللَّهُ العَذابَ يُرِيهِمْ أعْمالَهم، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَقَوْلُهُ: ﴿حَسَراتٍ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وإنْ كانَتِ القَلْبِيَّةَ فَهو المَفْعُولُ الثّالِثُ، والمَعْنى: أنَّ أعْمالَهُمُ الفاسِدَةَ يُرِيهِمُ اللَّهُ إيّاها فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، أوْ يُرِيهِمُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي أوْجَبَها عَلَيْهِمْ فَتَرَكُوها فَيَكُونُ ذَلِكَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ، وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلتَّقْوِيَةِ لِغَرَضٍ لَهُ يَرْجِعُ إلى المَذْهَبِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ قالَ: مُباهاةً ومُضارَرَةً لِلْحَقِّ بِالأنْدادِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ أنْدادُهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهِمْ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الأنْدادُ مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم كَما يُطِيعُونَ اللَّهَ إذا أمَرُوهم أطاعُوهم وعَصَوُا اللَّهَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَ ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّبَيْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قالَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فاتَّخَذُوا مِن دُونِي أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم إيّايَ حِينَ يُعايِنُونَ عَذابِي يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي أعْدَدْتُ لَهم، لَعَلِمْتُمْ أنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِي دُونَ الأنْدادِ، والآلِهَةُ لا تُغْنِي عَنْهم هُنالِكَ شَيْئًا ولا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابًا أحْلَلْتُ بِهِمْ، وأيْقَنْتُهم أنِّي شَدِيدٌ عَذابِي لِمَن كَفَرَ بِي وادَّعى مَعِي إلَهًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الجَبابِرَةُ والقادَةُ والرُّءُوسُ في الشِّرْكِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ قالَ: هُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّءُوا مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هي الأرْحامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الأوْصالُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا والمَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: هي الأعْمالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَراتٍ﴾ قالَ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ثابِتِ بْنِ مَعْبَدٍ قالَ: ما زالَ أهْلُ النّارِ يَأْمُلُونَ الخُرُوجَ مِنها حَتّى نَزَلَتْ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ .
البقرة 2:167
لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى وحْدانِيَّتِهِ، أخْبَرَ أنَّ مَعَ هَذا الدَّلِيلِ الظّاهِرِ المُفِيدِ لِعَظِيمِ سُلْطانِهِ، وجَلِيلِ قُدْرَتِهِ وتَفَرُّدِهِ بِالخَلْقِ، قَدْ وُجِدَ في النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مَعَهُ سُبْحانَهُ نِدًّا يَعْبُدُهُ مِنَ الأصْنامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأنْدادِ، مَعَ أنَّ هَؤُلاءِ الكُفّارَ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأنْدادِ، بَلْ أحَبُّوها حُبًّا عَظِيمًا وأفْرَطُوا في ذَلِكَ إفْراطًا بالِغًا، حَتّى صارَ حُبُّهم لِهَذِهِ الأوْثانِ ونَحْوِها مُتَمَكِّنًا في صُدُورِهِمْ كَتَمَكُّنِ حُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، فالمَصْدَرُ في قَوْلِهِ: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والفاعِلُ مَحْذُوفٌ وهو المُؤْمِنُونَ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ كَحُبِّهِمْ لِلَّهِ، أيْ عَبَدَةُ الأوْثانِ قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ والزَّجّاجُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا المَصْدَرُ مِنَ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ، أيْ كَما يُحَبُّ اللَّهُ.
والأوَّلُ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فَإنَّهُ اسْتِدْراكٌ لِما يُفِيدُهُ التَّشْبِيهُ مِنَ التَّساوِي، أيْ أنَّ حُبَّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ أشَدُّ مِن حُبِّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ يَخُصُّونَ اللَّهَ سُبْحانَهُ بِالعِبادَةِ والدُّعاءِ، والكَفّارُ لا يَخُصُّونَ أصْنامَهم بِذَلِكَ، بَلْ يُشْرِكُونَ اللَّهَ مَعَهم، ويَعْتَرِفُونَ بِأنَّهم إنَّما يَعْبُدُونَ أصْنامَهم لِيُقَرِّبُوهم إلى اللَّهِ، ويُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ هَذا: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ دَلِيلًا عَلى الثّانِي، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ إذا كانُوا أشَدَّ حُبًّا لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ حُبُّ الكُفّارِ لِلْأنْدادِ كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ لِلَّهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالأنْدادِ هُنا الرُّؤَساءُ، أيْ يُطِيعُونَهم في مَعاصِي اللَّهِ، ويُقَوِّي هَذا الضَّمِيرُ في قَوْلِهِمْ: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ فَإنَّهُ لِمَن يَعْقِلُ، ويُقَوِّيهِ أيْضًا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ عَقِبَ ذَلِكَ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قِراءَةُ أهْلِ مَكَّةَ والكُوفَةِ وأبِي عَمْرٍو بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وهو اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدٍ.
وقِراءَةُ أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ الشّامِ بِالفَوْقِيَّةِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: لَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا في الدُّنْيا عَذابَ الآخِرَةِ لَعَلِمُوا حِينَ يُرُونَهُ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ.
قالَ النَّحّاسُ: وهَذا القَوْلُ هو الَّذِي عَلَيْهِ أهْلُ التَّفْسِيرِ. انْتَهى.
وعَلى هَذا فالرُّؤْيَةُ هي البَصَرِيَّةُ لا القَلْبِيَّةُ.
ورُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ المُبَرِّدِ أنَّهُ قالَ: هَذا التَّفْسِيرُ الَّذِي جاءَ بِهِ أبُو عُبَيْدٍ بِعِيدٌ، ولَيْسَتْ عِبارَتُهُ فِيهِ (p-١٠٨)بِالجَيِّدَةِ، لِأنَّهُ يُقَدَّرُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا العَذابَ، فَكَأنَّهُ يَجْعَلُهُ مَشْكُوكًا فِيهِ، وقَدْ أوْجَبَهُ اللَّهُ تَعالى، ولَكِنَّ التَّقْدِيرَ وهو الأحْسَنُ: ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، ويَرى بِمَعْنى يَعْلَمُ، أيْ لَوْ يَعْلَمُونَ حَقِيقَةَ قُوَّةِ اللَّهِ وشِدَّةَ عَذابِهِ.
قالَ: وجَوابُ ( لَوْ ) مَحْذُوفٌ، أيْ لَتَبَيَّنُوا ضَرَرَ اتِّخاذِهِمُ الآلِهَةَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ ومَن قَرَأ بِالفَوْقِيَّةِ فالتَّقْدِيرُ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ وفَزَعِهِمْ مِنهُ لَعَلِمْتَ أنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ عَلِمَ ذَلِكَ ولَكِنْ خُوطِبَ بِهَذا الخِطابِ، والمُرادُ بِهِ أُمَّتُهُ، وقِيلَ: أنَّ في مَوْضِعِ نَصْبِ مَفْعُولٍ لِأجْلِهِ، أيْ لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎وأغْفِرُ عَوْراءَ الكَرِيمِ ادِّخارَهُ وأُعْرِضُ عَنْ شَتْمِ اللَّئِيمِ تَكَرُّمًا
أيْ لِادِّخارِهِ، والمَعْنى: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا في حالِ رُؤْيَتِهِمْ لِلْعَذابِ، لِأنَّ القُوَّةَ لِلَّهِ لَعَلِمْتَ مَبْلَغَهم مِنَ النَّكالِ. ودَخَلَتْ " إذْ " وهي لِما مَضى في إثْباتِ هَذِهِ المُسْتَقْبَلاتِ تَقْرِيبًا لِلْأمْرِ وتَصْحِيحًا لِوُقُوعِهِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ " إذْ يُرَوْنَ " بِضَمِّ الياءِ، والباقُونَ بِفَتْحِها.
وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ وأبُو جَعْفَرٍ " إنَّ القُوَّةَ " و" إنَّ اللَّهَ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فِيهِما عَلى الِاسْتِئْنافِ، وعَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ ومَعْناهُ: أنَّ السّادَةَ والرُّؤَساءَ تَبَرَّءُوا مِمَّنِ اتَّبَعَهم عَلى الكُفْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ورَأوُا العَذابَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: يَعْنِي التّابِعِينَ والمَتْبُوعِينَ، قِيلَ: عِنْدَ المُعايَنَةِ في الدُّنْيا، وقِيلَ: عِنْدَ العَرْضِ والمُساءَلَةِ في الآخِرَةِ.
ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِما جَمِيعًا إذْ لا مانِعَ مِن ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ هي جَمْعُ سَبَبٍ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ: الحَبْلُ الَّذِي يُشَدُّ بِهِ الشَّيْءُ ويُجْذَبُ بِهِ، ثُمَّ جُعِلَ كُلُّ ما جَرَّ شَيْئًا سَبَبًا، والمُرادُ بِها: الوُصَلُ الَّتِي كانُوا يَتَواصَلُونَ بِها في الدُّنْيا مِنَ الرَّحِمِ وغَيْرِهِ، وقِيلَ: هي الأعْمالُ.
والكَرَّةُ: الرَّجْعَةُ والعَوْدَةُ إلى حالٍ قَدْ كانَتْ، و" لَوْ " هُنا في مَعْنى التَّمَنِّي كَأنَّهُ قِيلَ: لَيْتَ لَنا كَرَّةً، ولِهَذا وقَعَتِ الفاءُ في الجَوابِ.
والمَعْنى: أنَّ الأتْباعَ قالُوا: لَوْ رُدِدْنا إلى الدُّنْيا حَتّى نَعْمَلَ صالِحًا ونَتَبَرَّأ مِنهم كَما تَبَرَّءُوا مِنّا.
والكافُ في قَوْلِهِ: ﴿كَما تَبَرَّءُوا مِنّا﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، وقِيلَ: في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، ولا أراهُ صَحِيحًا.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ﴾ في مَوْضِعِ رَفْعٍ: أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، أيْ كَما أراهُمُ اللَّهُ العَذابَ يُرِيهِمْ أعْمالَهم، وهَذِهِ الرُّؤْيَةُ إنْ كانَتْ بَصَرِيَّةً فَقَوْلُهُ: ﴿حَسَراتٍ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، وإنْ كانَتِ القَلْبِيَّةَ فَهو المَفْعُولُ الثّالِثُ، والمَعْنى: أنَّ أعْمالَهُمُ الفاسِدَةَ يُرِيهِمُ اللَّهُ إيّاها فَتَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، أوْ يُرِيهِمُ الأعْمالَ الصّالِحَةَ الَّتِي أوْجَبَها عَلَيْهِمْ فَتَرَكُوها فَيَكُونُ ذَلِكَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى خُلُودِ الكُفّارِ في النّارِ، وظاهِرُ هَذا التَّرْكِيبِ يُفِيدُ الِاخْتِصاصَ، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ لِلتَّقْوِيَةِ لِغَرَضٍ لَهُ يَرْجِعُ إلى المَذْهَبِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ قالَ: مُباهاةً ومُضارَرَةً لِلْحَقِّ بِالأنْدادِ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ أنْدادُهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهَ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهِمْ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الأنْدادُ مِنَ الرِّجالِ يُطِيعُونَهم كَما يُطِيعُونَ اللَّهَ إذا أمَرُوهم أطاعُوهم وعَصَوُا اللَّهَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَ ما قالَ ابْنُ زَيْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّبَيْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ يَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قالَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فاتَّخَذُوا مِن دُونِي أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم إيّايَ حِينَ يُعايِنُونَ عَذابِي يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي أعْدَدْتُ لَهم، لَعَلِمْتُمْ أنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِي دُونَ الأنْدادِ، والآلِهَةُ لا تُغْنِي عَنْهم هُنالِكَ شَيْئًا ولا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابًا أحْلَلْتُ بِهِمْ، وأيْقَنْتُهم أنِّي شَدِيدٌ عَذابِي لِمَن كَفَرَ بِي وادَّعى مَعِي إلَهًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الجَبابِرَةُ والقادَةُ والرُّءُوسُ في الشِّرْكِ ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ قالَ: هُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّءُوا مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: هي الأرْحامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الأوْصالُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا والمَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: هي الأعْمالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: هي المَنازِلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَراتٍ﴾ قالَ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ثابِتِ بْنِ مَعْبَدٍ قالَ: ما زالَ أهْلُ النّارِ يَأْمُلُونَ الخُرُوجَ مِنها حَتّى نَزَلَتْ ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ .
البقرة 2:168
(p-١٠٩)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ.
حَكّاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَوْلُهُ: ( حَلالًا ) مَفْعُولٌ أوْ حالٌ، وسُمِّيَ الحَلّالُ حَلالًا لِانْحِلالِ عُقْدَةِ الحَظْرِ عَنْهُ.
والطَّيِّبُ هُنا هو المُسْتَلَذُّ كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: هو الحَلالُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: حَلالًا.
و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ في الأرْضِ ما هو حَرامٌ و( خُطُواتِ ) جَمْعُ خُطْوَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، وهي بِالفَتْحِ لِلْمَرَّةِ، وبِالضَّمِّ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ.
وقَرَأ الفَرّاءُ " خَطُؤاتِ " بِفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ أبُو سِماكٍ بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والأعْمَشُ " خُطُؤاتِ " بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ والهَمْزِ عَلى الواوِ.
قالَ الأخْفَشُ: وذَهَبُوا بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطِيَّةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ: المَرَّةُ الواحِدَةُ، والجَمْعُ خُطُواتٌ وخُطًا. انْتَهى.
والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لا تَقْفُوا أثَرَ الشَّيْطانِ وعَمَلَهُ، وكُلُّ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَهو مَنسُوبٌ إلى الشَّيْطانِ، وقِيلَ: هي النُّذُورُ والمَعاصِي، والأوْلى التَّعْمِيمُ وعَدَمُ التَّخْصِيصِ بِفَرْدٍ أوْ نَوْعٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .
وقَوْلُهُ: ( بِالسُّوءِ ) سُمِّيَ السُّوءُ سُوءًا لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهو مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوْءًا ومَساءَةً: إذا أحْزَنَهُ.
والفَحْشاءُ أصْلُهُ سُوءُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَقْبُحُ مِنَ المَعانِي، وقِيلَ: السُّوءُ: القَبِيحُ، والفَحْشاءُ: التَّجاوُزُ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والفَحْشاءُ: ما فِيهِ الحَدُّ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ الزِّنا، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، ونَحْوَهِما مِمّا جَعَلُوهُ شَرْعًا، وقِيلَ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما قِيلَ في الشَّرْعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، أوْ ظاهِرٌ مِنَ الأعْيانِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ فَأصْلُهُ الحِلُّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وأوْضَحُ دِلالَةٍ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ .
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ، لِأنَّ الكُفّارَ مِنهم، وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وقِيلَ: كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً، و( ألْفَيْنا ) مَعْناهُ وجَدْنا، والألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ، وفُتِحَتِ الواوُ لِأنَّها واوُ العَطْفِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الذَّمِّ لِلْمُقَلِّدِينَ والنِّداءِ بِجَهْلِهِمُ الفاحِشِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّقْلِيدِ، والمَنعِ مِنهُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ يَطُولُ.
وقَدْ أفْرَدْتُهُ بِمُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ سَمَّيْتُهُ [ القَوْلُ المُفِيدُ في حُكْمِ التَّقْلِيدِ ] واسْتَوْفَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في [ أدَبُ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ ] .
وقَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فِيهِ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ، وداعِيهِمْ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ بِالرّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا يُسْمِعُ إلّا دُعاءً ونِداءً ولا يُفْهَمُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ وسِيبَوَيْهِ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُشَبَّهُوا بِالنّاعِقِ، إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنعُوقِ بِهِ، والمَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْهَمُ. فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ ما لا يَفْهَمُ، يَعْنِي الأصْنامَ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا نَعَقَ بِغَنَمِهِ وهو لا يَدْرِي أيْنَ هي وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ الآلِهَةَ الجَمادَ كَمَثَلِ الصّائِحِ في جَوْفِ اللَّيْلِ فَيُجِيبُهُ الصَّدى فَهو يَصِيحُ بِما لا يَسْمَعُ، ويُجِيبُهُ ما لا حَقِيقَةَ فِيهِ.
والنَّعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِّياحُ بِها، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ يَنْعِقُ نَعِيقًا ونُعاقًا، أيْ صاحَ بِها وزَجَرَها، والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِراعِي الغَنَمِ في الجَهْلِ ويَقُولُونَ: أجْهَلُ مِن راعِي الضَّأْنِ.
وقَوْلُهُ: ( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ فَما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما خالَفَ القُرْآنَ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: خُطاهُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هي نَزَغاتُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هي تَزْيِينُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أتى بِضَرْعٍ ومِلْحٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوَلُوا صاحِبَكم: فَقالَ: لا أُرِيدُ، فَقالَ: (p-١١٠)أصائِمٌ أنْتَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَما شَأْنُكَ ؟ قالَ: حَرَّمْتُ عَلى نَفْسِي أنْ آكُلَ ضَرْعًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ قالَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَجْعَلَ في أنْفِهِ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: هي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا يَزالُ عاصِيًا لِلَّهِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ جَعَلَ يَمِينَ مَن حَلَفَ أنْ يَحُجَّ حَبْوًا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: هي النُّذُورُ في المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ﴾ قالَ: المَعْصِيَةُ. ( والفَحْشاءِ ) قالَ: الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ ونِقْمَتَهُ، فَقالَ لَهُ» رافِعُ بْنُ خارِجَةَ ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتَّبِعُ يا مُحَمَّدُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فَهم كانُوا أعْلَمَ وخَيْرًا مِنّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ألْفَيْنا قالا: وجَدْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَمَثَلِ البَقَرِ والحِمارِ والشّاةِ إنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ كَلامًا لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وكَذَلِكَ الكافِرُ إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أوْ وعَظْتَهُ لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.
ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أخْرَجَهُ وكِيعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ لِي عَطاءٌ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ .
البقرة 2:169
(p-١٠٩)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ.
حَكّاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَوْلُهُ: ( حَلالًا ) مَفْعُولٌ أوْ حالٌ، وسُمِّيَ الحَلّالُ حَلالًا لِانْحِلالِ عُقْدَةِ الحَظْرِ عَنْهُ.
والطَّيِّبُ هُنا هو المُسْتَلَذُّ كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: هو الحَلالُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: حَلالًا.
و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ في الأرْضِ ما هو حَرامٌ و( خُطُواتِ ) جَمْعُ خُطْوَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، وهي بِالفَتْحِ لِلْمَرَّةِ، وبِالضَّمِّ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ.
وقَرَأ الفَرّاءُ " خَطُؤاتِ " بِفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ أبُو سِماكٍ بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والأعْمَشُ " خُطُؤاتِ " بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ والهَمْزِ عَلى الواوِ.
قالَ الأخْفَشُ: وذَهَبُوا بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطِيَّةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ: المَرَّةُ الواحِدَةُ، والجَمْعُ خُطُواتٌ وخُطًا. انْتَهى.
والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لا تَقْفُوا أثَرَ الشَّيْطانِ وعَمَلَهُ، وكُلُّ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَهو مَنسُوبٌ إلى الشَّيْطانِ، وقِيلَ: هي النُّذُورُ والمَعاصِي، والأوْلى التَّعْمِيمُ وعَدَمُ التَّخْصِيصِ بِفَرْدٍ أوْ نَوْعٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .
وقَوْلُهُ: ( بِالسُّوءِ ) سُمِّيَ السُّوءُ سُوءًا لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهو مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوْءًا ومَساءَةً: إذا أحْزَنَهُ.
والفَحْشاءُ أصْلُهُ سُوءُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَقْبُحُ مِنَ المَعانِي، وقِيلَ: السُّوءُ: القَبِيحُ، والفَحْشاءُ: التَّجاوُزُ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والفَحْشاءُ: ما فِيهِ الحَدُّ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ الزِّنا، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، ونَحْوَهِما مِمّا جَعَلُوهُ شَرْعًا، وقِيلَ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما قِيلَ في الشَّرْعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، أوْ ظاهِرٌ مِنَ الأعْيانِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ فَأصْلُهُ الحِلُّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وأوْضَحُ دِلالَةٍ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ .
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ، لِأنَّ الكُفّارَ مِنهم، وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وقِيلَ: كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً، و( ألْفَيْنا ) مَعْناهُ وجَدْنا، والألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ، وفُتِحَتِ الواوُ لِأنَّها واوُ العَطْفِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الذَّمِّ لِلْمُقَلِّدِينَ والنِّداءِ بِجَهْلِهِمُ الفاحِشِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّقْلِيدِ، والمَنعِ مِنهُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ يَطُولُ.
وقَدْ أفْرَدْتُهُ بِمُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ سَمَّيْتُهُ [ القَوْلُ المُفِيدُ في حُكْمِ التَّقْلِيدِ ] واسْتَوْفَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في [ أدَبُ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ ] .
وقَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فِيهِ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ، وداعِيهِمْ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ بِالرّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا يُسْمِعُ إلّا دُعاءً ونِداءً ولا يُفْهَمُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ وسِيبَوَيْهِ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُشَبَّهُوا بِالنّاعِقِ، إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنعُوقِ بِهِ، والمَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْهَمُ. فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ ما لا يَفْهَمُ، يَعْنِي الأصْنامَ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا نَعَقَ بِغَنَمِهِ وهو لا يَدْرِي أيْنَ هي وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ الآلِهَةَ الجَمادَ كَمَثَلِ الصّائِحِ في جَوْفِ اللَّيْلِ فَيُجِيبُهُ الصَّدى فَهو يَصِيحُ بِما لا يَسْمَعُ، ويُجِيبُهُ ما لا حَقِيقَةَ فِيهِ.
والنَّعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِّياحُ بِها، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ يَنْعِقُ نَعِيقًا ونُعاقًا، أيْ صاحَ بِها وزَجَرَها، والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِراعِي الغَنَمِ في الجَهْلِ ويَقُولُونَ: أجْهَلُ مِن راعِي الضَّأْنِ.
وقَوْلُهُ: ( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ فَما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما خالَفَ القُرْآنَ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: خُطاهُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هي نَزَغاتُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هي تَزْيِينُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أتى بِضَرْعٍ ومِلْحٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوَلُوا صاحِبَكم: فَقالَ: لا أُرِيدُ، فَقالَ: (p-١١٠)أصائِمٌ أنْتَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَما شَأْنُكَ ؟ قالَ: حَرَّمْتُ عَلى نَفْسِي أنْ آكُلَ ضَرْعًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ قالَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَجْعَلَ في أنْفِهِ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: هي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا يَزالُ عاصِيًا لِلَّهِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ جَعَلَ يَمِينَ مَن حَلَفَ أنْ يَحُجَّ حَبْوًا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: هي النُّذُورُ في المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ﴾ قالَ: المَعْصِيَةُ. ( والفَحْشاءِ ) قالَ: الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ ونِقْمَتَهُ، فَقالَ لَهُ» رافِعُ بْنُ خارِجَةَ ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتَّبِعُ يا مُحَمَّدُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فَهم كانُوا أعْلَمَ وخَيْرًا مِنّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ألْفَيْنا قالا: وجَدْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَمَثَلِ البَقَرِ والحِمارِ والشّاةِ إنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ كَلامًا لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وكَذَلِكَ الكافِرُ إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أوْ وعَظْتَهُ لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.
ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أخْرَجَهُ وكِيعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ لِي عَطاءٌ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ .
البقرة 2:170
(p-١٠٩)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ.
حَكّاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَوْلُهُ: ( حَلالًا ) مَفْعُولٌ أوْ حالٌ، وسُمِّيَ الحَلّالُ حَلالًا لِانْحِلالِ عُقْدَةِ الحَظْرِ عَنْهُ.
والطَّيِّبُ هُنا هو المُسْتَلَذُّ كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: هو الحَلالُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: حَلالًا.
و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ في الأرْضِ ما هو حَرامٌ و( خُطُواتِ ) جَمْعُ خُطْوَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، وهي بِالفَتْحِ لِلْمَرَّةِ، وبِالضَّمِّ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ.
وقَرَأ الفَرّاءُ " خَطُؤاتِ " بِفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ أبُو سِماكٍ بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والأعْمَشُ " خُطُؤاتِ " بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ والهَمْزِ عَلى الواوِ.
قالَ الأخْفَشُ: وذَهَبُوا بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطِيَّةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ: المَرَّةُ الواحِدَةُ، والجَمْعُ خُطُواتٌ وخُطًا. انْتَهى.
والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لا تَقْفُوا أثَرَ الشَّيْطانِ وعَمَلَهُ، وكُلُّ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَهو مَنسُوبٌ إلى الشَّيْطانِ، وقِيلَ: هي النُّذُورُ والمَعاصِي، والأوْلى التَّعْمِيمُ وعَدَمُ التَّخْصِيصِ بِفَرْدٍ أوْ نَوْعٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .
وقَوْلُهُ: ( بِالسُّوءِ ) سُمِّيَ السُّوءُ سُوءًا لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهو مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوْءًا ومَساءَةً: إذا أحْزَنَهُ.
والفَحْشاءُ أصْلُهُ سُوءُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَقْبُحُ مِنَ المَعانِي، وقِيلَ: السُّوءُ: القَبِيحُ، والفَحْشاءُ: التَّجاوُزُ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والفَحْشاءُ: ما فِيهِ الحَدُّ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ الزِّنا، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، ونَحْوَهِما مِمّا جَعَلُوهُ شَرْعًا، وقِيلَ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما قِيلَ في الشَّرْعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، أوْ ظاهِرٌ مِنَ الأعْيانِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ فَأصْلُهُ الحِلُّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وأوْضَحُ دِلالَةٍ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ .
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ، لِأنَّ الكُفّارَ مِنهم، وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وقِيلَ: كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً، و( ألْفَيْنا ) مَعْناهُ وجَدْنا، والألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ، وفُتِحَتِ الواوُ لِأنَّها واوُ العَطْفِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الذَّمِّ لِلْمُقَلِّدِينَ والنِّداءِ بِجَهْلِهِمُ الفاحِشِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّقْلِيدِ، والمَنعِ مِنهُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ يَطُولُ.
وقَدْ أفْرَدْتُهُ بِمُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ سَمَّيْتُهُ [ القَوْلُ المُفِيدُ في حُكْمِ التَّقْلِيدِ ] واسْتَوْفَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في [ أدَبُ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ ] .
وقَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فِيهِ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ، وداعِيهِمْ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ بِالرّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا يُسْمِعُ إلّا دُعاءً ونِداءً ولا يُفْهَمُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ وسِيبَوَيْهِ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُشَبَّهُوا بِالنّاعِقِ، إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنعُوقِ بِهِ، والمَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْهَمُ. فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ ما لا يَفْهَمُ، يَعْنِي الأصْنامَ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا نَعَقَ بِغَنَمِهِ وهو لا يَدْرِي أيْنَ هي وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ الآلِهَةَ الجَمادَ كَمَثَلِ الصّائِحِ في جَوْفِ اللَّيْلِ فَيُجِيبُهُ الصَّدى فَهو يَصِيحُ بِما لا يَسْمَعُ، ويُجِيبُهُ ما لا حَقِيقَةَ فِيهِ.
والنَّعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِّياحُ بِها، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ يَنْعِقُ نَعِيقًا ونُعاقًا، أيْ صاحَ بِها وزَجَرَها، والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِراعِي الغَنَمِ في الجَهْلِ ويَقُولُونَ: أجْهَلُ مِن راعِي الضَّأْنِ.
وقَوْلُهُ: ( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ فَما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما خالَفَ القُرْآنَ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: خُطاهُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هي نَزَغاتُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هي تَزْيِينُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أتى بِضَرْعٍ ومِلْحٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوَلُوا صاحِبَكم: فَقالَ: لا أُرِيدُ، فَقالَ: (p-١١٠)أصائِمٌ أنْتَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَما شَأْنُكَ ؟ قالَ: حَرَّمْتُ عَلى نَفْسِي أنْ آكُلَ ضَرْعًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ قالَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَجْعَلَ في أنْفِهِ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: هي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا يَزالُ عاصِيًا لِلَّهِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ جَعَلَ يَمِينَ مَن حَلَفَ أنْ يَحُجَّ حَبْوًا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: هي النُّذُورُ في المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ﴾ قالَ: المَعْصِيَةُ. ( والفَحْشاءِ ) قالَ: الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ ونِقْمَتَهُ، فَقالَ لَهُ» رافِعُ بْنُ خارِجَةَ ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتَّبِعُ يا مُحَمَّدُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فَهم كانُوا أعْلَمَ وخَيْرًا مِنّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ألْفَيْنا قالا: وجَدْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَمَثَلِ البَقَرِ والحِمارِ والشّاةِ إنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ كَلامًا لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وكَذَلِكَ الكافِرُ إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أوْ وعَظْتَهُ لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.
ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أخْرَجَهُ وكِيعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ لِي عَطاءٌ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ .
البقرة 2:171
(p-١٠٩)قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ﴾ قِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في ثَقِيفٍ وخُزاعَةَ وبَنِي مُدْلِجٍ فِيما حَرَّمُوهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنَ الأنْعامِ.
حَكّاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ.
وقَوْلُهُ: ( حَلالًا ) مَفْعُولٌ أوْ حالٌ، وسُمِّيَ الحَلّالُ حَلالًا لِانْحِلالِ عُقْدَةِ الحَظْرِ عَنْهُ.
والطَّيِّبُ هُنا هو المُسْتَلَذُّ كَما قالَهُ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ مالِكٌ وغَيْرُهُ: هو الحَلالُ فَيَكُونُ تَأْكِيدًا لِقَوْلِهِ: حَلالًا.
و" مِن " في قَوْلِهِ: ﴿مِمّا في الأرْضِ﴾ لِلتَّبْعِيضِ لِلْقَطْعِ بِأنَّ في الأرْضِ ما هو حَرامٌ و( خُطُواتِ ) جَمْعُ خُطْوَةٍ بِالفَتْحِ والضَّمِّ، وهي بِالفَتْحِ لِلْمَرَّةِ، وبِالضَّمِّ لِما بَيْنَ القَدَمَيْنِ.
وقَرَأ الفَرّاءُ " خَطُؤاتِ " بِفَتْحِ الخاءِ، وقَرَأ أبُو سِماكٍ بِفَتْحِ الخاءِ والطّاءِ، وقَرَأ عَلِيٌّ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ والأعْمَشُ " خُطُؤاتِ " بِضَمِّ الخاءِ والطّاءِ والهَمْزِ عَلى الواوِ.
قالَ الأخْفَشُ: وذَهَبُوا بِهَذِهِ القِراءَةِ إلى أنَّها جَمْعُ خَطِيَّةٍ مِنَ الخَطَأِ لا مِنَ الخَطْوِ.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: والخَطْوَةُ بِالفَتْحِ: المَرَّةُ الواحِدَةُ، والجَمْعُ خُطُواتٌ وخُطًا. انْتَهى.
والمَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: لا تَقْفُوا أثَرَ الشَّيْطانِ وعَمَلَهُ، وكُلُّ ما لَمْ يَرِدْ بِهِ الشَّرْعُ فَهو مَنسُوبٌ إلى الشَّيْطانِ، وقِيلَ: هي النُّذُورُ والمَعاصِي، والأوْلى التَّعْمِيمُ وعَدَمُ التَّخْصِيصِ بِفَرْدٍ أوْ نَوْعٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ لَكم عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أيْ ظاهِرُ العَداوَةِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ لَكم عَدُوٌّ فاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ .
وقَوْلُهُ: ( بِالسُّوءِ ) سُمِّيَ السُّوءُ سُوءًا لِأنَّهُ يَسُوءُ صاحِبَهُ بِسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهو مَصْدَرُ ساءَهُ يَسُوءُهُ سَوْءًا ومَساءَةً: إذا أحْزَنَهُ.
والفَحْشاءُ أصْلُهُ سُوءُ المَنظَرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وجِيدٍ كَجِيدِ الرِّئْمِ لَيْسَ بِفاحِشِ
ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِيما يَقْبُحُ مِنَ المَعانِي، وقِيلَ: السُّوءُ: القَبِيحُ، والفَحْشاءُ: التَّجاوُزُ لِلْحَدِّ في القُبْحِ، وقِيلَ: السُّوءُ ما لا حَدَّ فِيهِ، والفَحْشاءُ: ما فِيهِ الحَدُّ، وقِيلَ: الفَحْشاءُ الزِّنا، وقِيلَ: إنَّ كُلَّ ما نَهَتْ عَنْهُ الشَّرِيعَةُ فَهو مِنَ الفَحْشاءِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: يُرِيدُ ما حَرَّمُوهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، ونَحْوَهِما مِمّا جَعَلُوهُ شَرْعًا، وقِيلَ: هو قَوْلُهم هَذا حَلالٌ وهَذا حَرامٌ، بِغَيْرِ عِلْمٍ.
والظّاهِرُ أنَّهُ يَصْدُقُ عَلى كُلِّ ما قِيلَ في الشَّرْعِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ كُلَّ ما لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ، أوْ ظاهِرٌ مِنَ الأعْيانِ المَوْجُودَةِ في الأرْضِ فَأصْلُهُ الحِلُّ حَتّى يَرِدَ دَلِيلٌ يَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ، وأوْضَحُ دِلالَةٍ عَلى ذَلِكَ مِن هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ﴾ .
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ﴾ راجِعٌ إلى النّاسِ، لِأنَّ الكُفّارَ مِنهم، وهُمُ المَقْصُودُونَ هُنا، وقِيلَ: كُفّارُ العَرَبِ خاصَّةً، و( ألْفَيْنا ) مَعْناهُ وجَدْنا، والألِفُ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ﴾ لِلِاسْتِفْهامِ، وفُتِحَتِ الواوُ لِأنَّها واوُ العَطْفِ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ مِنَ الذَّمِّ لِلْمُقَلِّدِينَ والنِّداءِ بِجَهْلِهِمُ الفاحِشِ واعْتِقادِهِمُ الفاسِدِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الآيَةَ، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى قُبْحِ التَّقْلِيدِ، والمَنعِ مِنهُ، والبَحْثُ في ذَلِكَ يَطُولُ.
وقَدْ أفْرَدْتُهُ بِمُؤَلَّفٍ مُسْتَقِلٍّ سَمَّيْتُهُ [ القَوْلُ المُفِيدُ في حُكْمِ التَّقْلِيدِ ] واسْتَوْفَيْتُ الكَلامَ فِيهِ في [ أدَبُ الطَّلَبِ ومُنْتَهى الأرَبِ ] .
وقَوْلُهُ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ فِيهِ تَشْبِيهُ واعِظِ الكافِرِينَ، وداعِيهِمْ وهو مُحَمَّدٌ ﷺ بِالرّاعِي الَّذِي يَنْعِقُ بِالغَنَمِ أوِ الإبِلِ فَلا يُسْمِعُ إلّا دُعاءً ونِداءً ولا يُفْهَمُ ما يَقُولُ، هَكَذا فَسَّرَهُ الزَّجّاجُ والفَرّاءُ وسِيبَوَيْهِ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: لَمْ يُشَبَّهُوا بِالنّاعِقِ، إنَّما شُبِّهُوا بِالمَنعُوقِ بِهِ، والمَعْنى: مَثَلُكَ يا مُحَمَّدُ ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا، كَمَثَلِ النّاعِقِ والمَنعُوقِ بِهِ مِنَ البَهائِمِ الَّتِي لا تَفْهَمُ. فَحُذِفَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقالَ قُطْرُبٌ: المَعْنى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمْ ما لا يَفْهَمُ، يَعْنِي الأصْنامَ، كَمَثَلِ الرّاعِي إذا نَعَقَ بِغَنَمِهِ وهو لا يَدْرِي أيْنَ هي وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْنى: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في دُعائِهِمُ الآلِهَةَ الجَمادَ كَمَثَلِ الصّائِحِ في جَوْفِ اللَّيْلِ فَيُجِيبُهُ الصَّدى فَهو يَصِيحُ بِما لا يَسْمَعُ، ويُجِيبُهُ ما لا حَقِيقَةَ فِيهِ.
والنَّعِيقُ: زَجْرُ الغَنَمِ والصِّياحُ بِها، يُقالُ: نَعَقَ الرّاعِي بِغَنَمِهِ يَنْعِقُ نَعِيقًا ونُعاقًا، أيْ صاحَ بِها وزَجَرَها، والعَرَبُ تَضْرِبُ المَثَلَ بِراعِي الغَنَمِ في الجَهْلِ ويَقُولُونَ: أجْهَلُ مِن راعِي الضَّأْنِ.
وقَوْلُهُ: ( صُمٌّ ) وما بَعْدَهُ أخْبارٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هم صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، يَعْنِي: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، فَقالَ: يا سَعْدُ أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ فَما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ما خالَفَ القُرْآنَ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: خُطاهُ.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: هي نَزَغاتُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هي تَزْيِينُ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ أتى بِضَرْعٍ ومِلْحٍ فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوَلُوا صاحِبَكم: فَقالَ: لا أُرِيدُ، فَقالَ: (p-١١٠)أصائِمٌ أنْتَ ؟ قالَ: لا. قالَ: فَما شَأْنُكَ ؟ قالَ: حَرَّمْتُ عَلى نَفْسِي أنْ آكُلَ ضَرْعًا، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ قالَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَجْعَلَ في أنْفِهِ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: هي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ ولا يَزالُ عاصِيًا لِلَّهِ فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ جَعَلَ يَمِينَ مَن حَلَفَ أنْ يَحُجَّ حَبْوًا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: هي النُّذُورُ في المَعاصِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ﴾ قالَ: المَعْصِيَةُ. ( والفَحْشاءِ ) قالَ: الزِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ ونِقْمَتَهُ، فَقالَ لَهُ» رافِعُ بْنُ خارِجَةَ ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتَّبِعُ يا مُحَمَّدُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا فَهم كانُوا أعْلَمَ وخَيْرًا مِنّا، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ألْفَيْنا قالا: وجَدْنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَمَثَلِ البَقَرِ والحِمارِ والشّاةِ إنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ كَلامًا لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وكَذَلِكَ الكافِرُ إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أوْ وعَظْتَهُ لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.
ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَنْ عِكْرِمَةَ أخْرَجَهُ وكِيعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ لِي عَطاءٌ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ .
البقرة 2:172
قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ هُنا لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ أنْواعِ النّاسِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالأكْلِ الِانْتِفاعُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأكْلُ المُعْتادُ، وهو الظّاهِرُ.
قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ يُقالُ شَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ كَما يُفِيدُهُ تَقَدُّمُ المَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " حُرِّمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( إنَّما ) كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ ما تَناوَلَهُ الخِطابُ وتَنْفِي ما عَداهُ.
وقَدْ حَصَرَتْ هاهُنا التَّحْرِيمَ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها.
قَوْلُهُ: ( المَيْتَةَ ) قَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُ " ما " في ( إنَّما ) مَوْصُولَةً مُنْفَصِلَةً في الخَطِّ، والمَيْتَةَ وما بَعْدَها خَبَرَ المَوْصُولِ، وقِراءَةُ الجَمِيعِ بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ ( المَيِّتَةَ ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ يَجُوزُ في مَيِّتٍ التَّخْفِيفُ والتَّشْدِيدُ.
والمَيْتَةُ ما فارَقَها الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.
وقَدْ خُصِّصَ هَذا العُمُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» .
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ومِثْلُ حَدِيثِ جابِرٍ في العَنْبَرِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ فالمُرادُ بِالمَيْتَةِ هُنا مَيْتَةُ البَرِّ لا مَيْتَةُ البَحْرِ.
وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى جَوازِ أكْلِ جَمِيعِ حَيَواناتِ البَحْرِ حَيِّها ومَيِّتِها.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ يَحْرُمُ مِن حَيَواناتِ البَحْرِ ما يَحْرُمُ شَبَهُهُ في البَرِّ، وتَوَقَّفَ ابْنُ حَبِيبٍ في خِنْزِيرِ الماءِ.
وقالَ ابْنُ القاسِمِ: وأنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حَرامًا.
قَوْلُهُ: ( والدَّمَ ) قَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الدَّمَ حَرامٌ، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ لِأنَّ ما خُلِطَ بِاللَّحْمِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
وقَدْ رَوَتْ «عائِشَةُ أنَّها كانَتْ تَطْبُخُ اللَّحْمَ فَتَعْلُو الصُّفْرَةُ عَلى البُرْمَةِ مِنَ الدَّمِ، فَيَأْكُلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ولا يُنْكِرُهُ» .
قَوْلُهُ: ﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو اللَّحْمُ فَقَطْ.
وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ كَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ اللَّحْمَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشَّحْمُ.
وحَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ أيْضًا عَلى أنَّ جُمْلَةَ الخِنْزِيرِ مُحَرَّمَةٌ إلّا الشَّعَرَ فَإنَّهُ تَجُوزُ الخِرازَةُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، يُقالُ: أهَلَّ بِكَذا، أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ.
قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ فَلاةً:
؎تُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ
ومِنهُ إهْلالُ الصَّبِيِّ، واسْتِهْلالُهُ: وهو صِياحُهُ عِنْدَ وِلادَتِهِ.
والمُرادُ هُنا: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ كاللّاتِ والعُزّى إذا كانَ الذّابِحُ وثَنِيًّا، والنّارِ إذا كانَ الذّابِحُ مَجُوسِيًّا.
ولا خِلافَ في تَحْرِيمِ هَذا وأمْثالِهِ، ومِثْلُهُ ما يَقَعُ مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِلْأمْواتِ مِنَ الذَّبْحِ عَلى قُبُورِهِمْ، فَإنَّهُ مِمّا أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الذَّبْحِ لِلْوَثَنِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ لِلْإتْباعِ وبِكَسْرِها عَلى الأصْلِ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وفِيهِ إضْمارٌ، أيْ فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِ الطّاءِ.
والمُرادُ مَن صَيَّرَهُ الجُوعُ والعَدَمُ إلى الِاضْطِرارِ إلى المَيْتَةِ.
قَوْلُهُ: غَيْرَ باغٍ نُصِبَ عَلى الحالِ.
قِيلَ المُرادُ بِالباغِي: مَن يَأْكُلُ فَوْقَ حاجَتِهِ، والعادِي: مَن يَأْكُلُ هَذِهِ المُحَرَّماتِ وهو يَجِدُ عَنْها مَندُوحَةً، وقِيلَ: غَيْرَ باغٍ عَلى (p-١١١)المُسْلِمِينَ وعادٍ عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والعادِي قُطّاعُ الطَّرِيقِ والخارِجُ عَلى السُّلْطانِ وقاطِعُ الرَّحِمِ ونَحْوُهم، وقِيلَ: المُرادُ: غَيْرَ باغٍ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ ولا عادٍ سَدَّ الجَوْعَةَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الحَلالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ: طَيِّبُ الكَسْبِ لا طَيِّبُ الطَّعامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّها حَلالُ الرِّزْقِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ﴾ قالَ: ذُبِحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ﴾ لِلطَّواغِيتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
قالَ: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ يَقُولُ: مَن أكَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ وهو مُضْطَرٌّ فَلا حَرَجَ، ومَن أكَلَهُ وهو غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَقَدْ بَغى واعْتَدى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: غَيْرَ باغٍ قالَ: في المَيْتَةِ ﴿ولا عادٍ﴾ قالَ: في الأكْلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قالَ: غَيْرَ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ ولا مُعْتَدٍ عَلَيْهِمْ، فَمَن خَرَجَ يَقْطَعُ الرَّحِمَ أوْ يَقْطَعُ السَّبِيلَ أوْ يُفْسِدُ في الأرْضِ أوْ مُفارِقًا لِلْجَماعَةِ والأئِمَّةِ، أوْ خَرَجَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فاضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: العادِي الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي في أكْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن أكَلَ مِنَ الحَرامِ، رَحِيمٌ بِهِ إذْ أحَلَّ لَهُ الحَرامَ في الِاضْطِرارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ غَيْرَ باغٍ في أكْلِهِ، ولا عادٍ يَتَعَدّى الحَلالَ إلى الحَرامِ وهو يَجِدُ عَنْهُ بُلْغَةً ومَندُوحَةً.
البقرة 2:173
قَوْلُهُ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ هَذا تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالًا طَيِّبًا﴾ وإنَّما خَصَّ المُؤْمِنِينَ هُنا لِكَوْنِهِمْ أفْضَلَ أنْواعِ النّاسِ، قِيلَ: والمُرادُ بِالأكْلِ الِانْتِفاعُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الأكْلُ المُعْتادُ، وهو الظّاهِرُ.
قَوْلُهُ: ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ يُقالُ شَكَرَهُ وشَكَرَ لَهُ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ وبِالحَرْفِ.
وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أيْ تَخُصُّونَهُ بِالعِبادَةِ كَما يُفِيدُهُ تَقَدُّمُ المَفْعُولِ.
قَوْلُهُ: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ﴾ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ " حُرِّمَ " عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ و( إنَّما ) كَلِمَةٌ مَوْضُوعَةٌ لِلْحَصْرِ تُثْبِتُ ما تَناوَلَهُ الخِطابُ وتَنْفِي ما عَداهُ.
وقَدْ حَصَرَتْ هاهُنا التَّحْرِيمَ في الأُمُورِ المَذْكُورَةِ بَعْدَها.
قَوْلُهُ: ( المَيْتَةَ ) قَرَأ ابْنُ عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ يَجْعَلُ " ما " في ( إنَّما ) مَوْصُولَةً مُنْفَصِلَةً في الخَطِّ، والمَيْتَةَ وما بَعْدَها خَبَرَ المَوْصُولِ، وقِراءَةُ الجَمِيعِ بِالنَّصْبِ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ ( المَيِّتَةَ ) بِتَشْدِيدِ الياءِ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّهُ يَجُوزُ في مَيِّتٍ التَّخْفِيفُ والتَّشْدِيدُ.
والمَيْتَةُ ما فارَقَها الرُّوحُ مِن غَيْرِ ذَكاةٍ.
وقَدْ خُصِّصَ هَذا العُمُومُ بِمِثْلِ حَدِيثِ «أُحِلَّ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ» .
وأخْرَجَهُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، ومِثْلُ حَدِيثِ جابِرٍ في العَنْبَرِ الثّابِتِ في الصَّحِيحَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ فالمُرادُ بِالمَيْتَةِ هُنا مَيْتَةُ البَرِّ لا مَيْتَةُ البَحْرِ.
وقَدْ ذَهَبَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى جَوازِ أكْلِ جَمِيعِ حَيَواناتِ البَحْرِ حَيِّها ومَيِّتِها.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ يَحْرُمُ مِن حَيَواناتِ البَحْرِ ما يَحْرُمُ شَبَهُهُ في البَرِّ، وتَوَقَّفَ ابْنُ حَبِيبٍ في خِنْزِيرِ الماءِ.
وقالَ ابْنُ القاسِمِ: وأنا أتَّقِيهِ ولا أراهُ حَرامًا.
قَوْلُهُ: ( والدَّمَ ) قَدِ اتَّفَقَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الدَّمَ حَرامٌ، وفي الآيَةِ الأُخْرى: ﴿أوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فَيُحْمَلُ المُطْلَقُ عَلى المُقَيَّدِ لِأنَّ ما خُلِطَ بِاللَّحْمِ غَيْرُ مُحَرَّمٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ.
وقَدْ رَوَتْ «عائِشَةُ أنَّها كانَتْ تَطْبُخُ اللَّحْمَ فَتَعْلُو الصُّفْرَةُ عَلى البُرْمَةِ مِنَ الدَّمِ، فَيَأْكُلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ ولا يُنْكِرُهُ» .
قَوْلُهُ: ﴿ولَحْمَ الخِنْزِيرِ﴾ ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ والآيَةِ الأُخْرى أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا أجِدُ في ما أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلّا أنْ يَكُونَ مَيْتَةً أوْ دَمًا مَسْفُوحًا أوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ أنَّ المُحَرَّمَ إنَّما هو اللَّحْمُ فَقَطْ.
وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ كَما حَكاهُ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ.
وقَدْ ذَكَرَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ أنَّ اللَّحْمَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ الشَّحْمُ.
وحَكى القُرْطُبِيُّ الإجْماعَ أيْضًا عَلى أنَّ جُمْلَةَ الخِنْزِيرِ مُحَرَّمَةٌ إلّا الشَّعَرَ فَإنَّهُ تَجُوزُ الخِرازَةُ بِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الإهْلالُ: رَفْعُ الصَّوْتِ، يُقالُ: أهَلَّ بِكَذا، أيْ رَفَعَ صَوْتَهُ.
قالَ الشّاعِرُ يَصِفُ فَلاةً:
؎تُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبانُها كَما يُهِلُّ الرّاكِبُ المُعْتَمِرُ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎أوْ دُرَّةٍ صَدَفِيَّةٍ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ
ومِنهُ إهْلالُ الصَّبِيِّ، واسْتِهْلالُهُ: وهو صِياحُهُ عِنْدَ وِلادَتِهِ.
والمُرادُ هُنا: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ كاللّاتِ والعُزّى إذا كانَ الذّابِحُ وثَنِيًّا، والنّارِ إذا كانَ الذّابِحُ مَجُوسِيًّا.
ولا خِلافَ في تَحْرِيمِ هَذا وأمْثالِهِ، ومِثْلُهُ ما يَقَعُ مِنَ المُعْتَقِدِينَ لِلْأمْواتِ مِنَ الذَّبْحِ عَلى قُبُورِهِمْ، فَإنَّهُ مِمّا أُهِلَ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ، ولا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الذَّبْحِ لِلْوَثَنِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ قُرِئَ بِضَمِّ النُّونِ لِلْإتْباعِ وبِكَسْرِها عَلى الأصْلِ في التِقاءِ السّاكِنَيْنِ، وفِيهِ إضْمارٌ، أيْ فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ المُحَرَّماتِ.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ بِإدْغامِ الضّادِ في الطّاءِ.
وقَرَأ أبُو السَّمّاكِ بِكَسْرِ الطّاءِ.
والمُرادُ مَن صَيَّرَهُ الجُوعُ والعَدَمُ إلى الِاضْطِرارِ إلى المَيْتَةِ.
قَوْلُهُ: غَيْرَ باغٍ نُصِبَ عَلى الحالِ.
قِيلَ المُرادُ بِالباغِي: مَن يَأْكُلُ فَوْقَ حاجَتِهِ، والعادِي: مَن يَأْكُلُ هَذِهِ المُحَرَّماتِ وهو يَجِدُ عَنْها مَندُوحَةً، وقِيلَ: غَيْرَ باغٍ عَلى (p-١١١)المُسْلِمِينَ وعادٍ عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والعادِي قُطّاعُ الطَّرِيقِ والخارِجُ عَلى السُّلْطانِ وقاطِعُ الرَّحِمِ ونَحْوُهم، وقِيلَ: المُرادُ: غَيْرَ باغٍ عَلى مُضْطَرٍّ آخَرَ ولا عادٍ سَدَّ الجَوْعَةَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الحَلالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّ المُرادَ بِما في الآيَةِ: طَيِّبُ الكَسْبِ لا طَيِّبُ الطَّعامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّها حَلالُ الرِّزْقِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ وقالَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم﴾ ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ ومَطْعَمُهُ حَرامٌ ومَشْرَبُهُ حَرامٌ ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ﴾ قالَ: ذُبِحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ﴾ لِلطَّواغِيتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ.
قالَ: ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ يَقُولُ: مَن أكَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ وهو مُضْطَرٌّ فَلا حَرَجَ، ومَن أكَلَهُ وهو غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَقَدْ بَغى واعْتَدى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: غَيْرَ باغٍ قالَ: في المَيْتَةِ ﴿ولا عادٍ﴾ قالَ: في الأكْلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قالَ: غَيْرَ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ ولا مُعْتَدٍ عَلَيْهِمْ، فَمَن خَرَجَ يَقْطَعُ الرَّحِمَ أوْ يَقْطَعُ السَّبِيلَ أوْ يُفْسِدُ في الأرْضِ أوْ مُفارِقًا لِلْجَماعَةِ والأئِمَّةِ، أوْ خَرَجَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ فاضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: العادِي الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي في أكْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لِمَن أكَلَ مِنَ الحَرامِ، رَحِيمٌ بِهِ إذْ أحَلَّ لَهُ الحَرامَ في الِاضْطِرارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ غَيْرَ باغٍ في أكْلِهِ، ولا عادٍ يَتَعَدّى الحَلالَ إلى الحَرامِ وهو يَجِدُ عَنْهُ بُلْغَةً ومَندُوحَةً.
البقرة 2:174
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والِاشْتِراءُ هُنا: الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهَذا السَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ الرِّشا، وذَكَرَ البُطُونَ دَلالَةً وتَأْكِيدًا أنَّ هَذا الأكْلَ حَقِيقَةٌ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ: أكَلَ فُلانٌ أرْضِيَ. ونَحْوِهِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْنى ( في بُطُونِهِمْ ) مِلْءَ بُطُونِهِمْ، قالَ: يَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ( إلّا النّارَ ) أيْ أنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ عَذابَ النّارِ، فَسَمّى ما أكَلُوهُ نارًا لِأنَّهُ يَئُولُ بِهِمْ إلَيْها، هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النّارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ الرِّضا عَنْهم، يُقالُ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَهُ لا بِما يَكْرَهُونَهُ.
كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) مَعْناهُ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.
قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ مَعْناهُ: لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ فَيُطَهِّرُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ ومِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ.
والمُرادُ تَعْجِيبُ المَخْلُوقِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ باشَرُوا الأسْبابَ لِعَذابِ النّارِ، فَكَأنَّهم بِهَذِهِ المُباشَرَةِ لِلْأسْبابِ صَبَرُوا عَلى العُقُوبَةِ في نارِ جَهَنَّمَ.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: ما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ، وقِيلَ المَعْنى: ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ، فَجَعَلَ قِلَّةَ الجَزَعِ صَبْرًا.
وقالَ الكِسائِيُّ وقُطْرُبٌ، أيْ ما أدْوَمَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، أيْ أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ، أيْ ذَلِكَ الأمْرُ وهو العَذابُ. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ.
والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ.
( بِالحَقِّ ) أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِالحُجَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ هُنا التَّوْراةُ، فادَّعى النَّصارى أنَّ فِيها صِفَةَ عِيسى وأنْكَرَها اليَهُودُ، وقِيلَ: خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واخْتَلَفُوا فِيها، وقِيلَ: المُرادُ القُرْآنُ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.
( لَفي شِقاقٍ ) أيْ خِلافٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشِّقاقِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
(p-١١٢)وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى والعَذابَ عَلى المَغْفِرَةِ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أعْلَمَهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: واللَّهِ ما لَهم عَلَيْها مِن صَبْرٍ ولَكِنْ يَقُولُ: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ يَقُولُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: في عَداوَةٍ بَعِيدَةٍ.
البقرة 2:175
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والِاشْتِراءُ هُنا: الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهَذا السَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ الرِّشا، وذَكَرَ البُطُونَ دَلالَةً وتَأْكِيدًا أنَّ هَذا الأكْلَ حَقِيقَةٌ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ: أكَلَ فُلانٌ أرْضِيَ. ونَحْوِهِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْنى ( في بُطُونِهِمْ ) مِلْءَ بُطُونِهِمْ، قالَ: يَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ( إلّا النّارَ ) أيْ أنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ عَذابَ النّارِ، فَسَمّى ما أكَلُوهُ نارًا لِأنَّهُ يَئُولُ بِهِمْ إلَيْها، هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النّارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ الرِّضا عَنْهم، يُقالُ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَهُ لا بِما يَكْرَهُونَهُ.
كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) مَعْناهُ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.
قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ مَعْناهُ: لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ فَيُطَهِّرُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ ومِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ.
والمُرادُ تَعْجِيبُ المَخْلُوقِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ باشَرُوا الأسْبابَ لِعَذابِ النّارِ، فَكَأنَّهم بِهَذِهِ المُباشَرَةِ لِلْأسْبابِ صَبَرُوا عَلى العُقُوبَةِ في نارِ جَهَنَّمَ.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: ما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ، وقِيلَ المَعْنى: ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ، فَجَعَلَ قِلَّةَ الجَزَعِ صَبْرًا.
وقالَ الكِسائِيُّ وقُطْرُبٌ، أيْ ما أدْوَمَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، أيْ أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ، أيْ ذَلِكَ الأمْرُ وهو العَذابُ. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ.
والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ.
( بِالحَقِّ ) أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِالحُجَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ هُنا التَّوْراةُ، فادَّعى النَّصارى أنَّ فِيها صِفَةَ عِيسى وأنْكَرَها اليَهُودُ، وقِيلَ: خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واخْتَلَفُوا فِيها، وقِيلَ: المُرادُ القُرْآنُ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.
( لَفي شِقاقٍ ) أيْ خِلافٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشِّقاقِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
(p-١١٢)وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى والعَذابَ عَلى المَغْفِرَةِ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أعْلَمَهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: واللَّهِ ما لَهم عَلَيْها مِن صَبْرٍ ولَكِنْ يَقُولُ: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ يَقُولُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: في عَداوَةٍ بَعِيدَةٍ.
البقرة 2:176
قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ عُلَماءُ اليَهُودِ، لِأنَّهم كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
والِاشْتِراءُ هُنا: الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ، وهَذا السَّبَبُ وإنْ كانَ خاصًّا فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وهو يَشْمَلُ كُلَّ مَن كَتَمَ ما شَرَعَهُ اللَّهُ، وأخَذَ عَلَيْهِ الرِّشا، وذَكَرَ البُطُونَ دَلالَةً وتَأْكِيدًا أنَّ هَذا الأكْلَ حَقِيقَةٌ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ: أكَلَ فُلانٌ أرْضِيَ. ونَحْوِهِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ مَعْنى ( في بُطُونِهِمْ ) مِلْءَ بُطُونِهِمْ، قالَ: يَقُولُ: أكَلَ فُلانٌ في بَطْنِهِ، وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ. انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ( إلّا النّارَ ) أيْ أنَّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِمْ عَذابَ النّارِ، فَسَمّى ما أكَلُوهُ نارًا لِأنَّهُ يَئُولُ بِهِمْ إلَيْها، هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: إنَّهم يُعاقَبُونَ عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النّارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ كِنايَةٌ عَنْ حُلُولِ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وعَدَمِ الرِّضا عَنْهم، يُقالُ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: المَعْنى ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَهُ لا بِما يَكْرَهُونَهُ.
كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ﴾ .
وقَوْلُهُ: ( ولا يُزَكِّيهِمْ ) مَعْناهُ: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ خَيْرًا.
قالَ الزَّجّاجُ: وقِيلَ مَعْناهُ: لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةَ فَيُطَهِّرُهم.
وقَوْلُهُ: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ ذَهَبَ الجُمْهُورُ ومِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ إلى أنَّ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ.
والمُرادُ تَعْجِيبُ المَخْلُوقِينَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ باشَرُوا الأسْبابَ لِعَذابِ النّارِ، فَكَأنَّهم بِهَذِهِ المُباشَرَةِ لِلْأسْبابِ صَبَرُوا عَلى العُقُوبَةِ في نارِ جَهَنَّمَ.
وحَكى الزَّجّاجُ أنَّ المَعْنى: ما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ، وقِيلَ المَعْنى: ما أقَلَّ جَزَعَهم مِنَ النّارِ، فَجَعَلَ قِلَّةَ الجَزَعِ صَبْرًا.
وقالَ الكِسائِيُّ وقُطْرُبٌ، أيْ ما أدْوَمَهم عَلى عَمَلِ أهْلِ النّارِ، وقِيلَ: ( ما ) اسْتِفْهامِيَّةٌ، ومَعْناهُ التَّوْبِيخُ، أيْ أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والسُّدِّيُّ وعَطاءٌ وأبُو عُبَيْدَةَ.
﴿ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ﴾ الإشارَةُ بِاسْمِ الإشارَةِ إلى الأمْرِ، أيْ ذَلِكَ الأمْرُ وهو العَذابُ. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّ خَبَرَ اسْمِ الإشارَةِ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مَعْلُومٌ.
والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا القُرْآنُ.
( بِالحَقِّ ) أيْ بِالصِّدْقِ، وقِيلَ: بِالحُجَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالكِتابِ هُنا التَّوْراةُ، فادَّعى النَّصارى أنَّ فِيها صِفَةَ عِيسى وأنْكَرَها اليَهُودُ، وقِيلَ: خالَفُوا ما في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ واخْتَلَفُوا فِيها، وقِيلَ: المُرادُ القُرْآنُ، والَّذِينَ اخْتَلَفُوا كُفّارُ قُرَيْشٍ، يَقُولُ بَعْضُهم: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو أساطِيرُ الأوَّلِينَ، وبَعْضُهم يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ.
( لَفي شِقاقٍ ) أيْ خِلافٍ بَعِيدٍ عَنِ الحَقِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشِّقاقِ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
(p-١١٢)وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ بِسَنَدَيْنِ ضَعِيفَيْنِ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى والعَذابَ عَلى المَغْفِرَةِ ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أعْلَمَهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: واللَّهِ ما لَهم عَلَيْها مِن صَبْرٍ ولَكِنْ يَقُولُ: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ يَقُولُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ ؟ وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: في عَداوَةٍ بَعِيدَةٍ.
البقرة 2:177
قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ قَرَأ حَمْزَةُ وحَفْصٌ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ لَيْسَ والِاسْمُ ( أنْ تُوَلُّوا ) وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ الِاسْمُ. قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ لِلرَّدِّ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى، لَمّا أكْثَرُوا الكَلامَ في شَأْنِ القِبْلَةِ عِنْدَ تَحْوِيلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى الكَعْبَةِ، وقِيلَ: إنَّ سَبَبَ نُزُولِها أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ سائِلٌ، وسَيَأْتِي ذَلِكَ آخِرَ البَحْثِ إنْ شاءَ اللَّهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ قِيلَ: أشارَ سُبْحانَهُ بِذِكْرِ المَشْرِقِ إلى قِبْلَةِ النَّصارى لِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، وأشارَ بِذِكْرِ المَغْرِبِ إلى قِبْلَةِ اليَهُودِ، لِأنَّهم يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتَ المَقْدِسِ وهو في جِهَةِ الغَرْبِ مِنهم إذْ ذاكَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ﴾ هو اسْمٌ جامِعٌ لِلْخَيْرِ، وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: بِرُّ مَن آمَنَ.
قالَهُ الفَرّاءُ وقُطْرُبٌ والزَّجّاجُ، وقِيلَ إنَّ التَّقْدِيرَ: ولَكِنْ ذُو البِرِّ مَن آمَنَ، ووَجْهُ هَذا التَّقْدِيرِ: الفِرارُ عَنِ الإخْبارِ بِاسْمِ العَيْنِ عَنِ اسْمِ المَعْنى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ البِرُّ بِمَعْنى البارِّ، وهو يُطْلِقُ المَصْدَرَ عَلى اسْمِ الفاعِلِ كَثِيرًا، ومِنهُ في التَّنْزِيلِ ﴿إنْ أصْبَحَ ماؤُكم غَوْرًا﴾ أيْ غائِرًا وهَذا اخْتِيارُ أبِي عُبَيْدَةَ.
والمُرادُ بِالكِتابِ هُنا الجِنْسُ أوِ القُرْآنُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ( عَلى حُبِّهِ ) راجِعٌ إلى المالِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى الإيتاءِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ راجِعٌ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، أيْ عَلى حُبِّ اللَّهِ، والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: أنَّهُ أعْطى المالَ وهو يُحِبُّهُ ويَشِحُّ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ تَنالُوا البِرَّ حَتّى تُنْفِقُوا مِمّا تُحِبُّونَ﴾ والمَعْنى عَلى الثّانِي: أنَّهُ يُحِبُّ إيتاءَ المالِ وتَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ، والمَعْنى عَلى الثّالِثِ: أنَّهُ أعْطى مَن تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ في حُبِّ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لا لِغَرَضٍ آخَرَ، وهو مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ﴾ ومِثْلُهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎إنَّ الكَرِيمَ عَلى عِلّاتِهِ هَرِمُ
وقَدَّمَ ذَوِي القُرْبى لِكَوْنِ دَفْعِ المالِ إلَيْهِمْ صَدَقَةً وصِلَةً إذا كانُوا فُقَراءَ، وهَكَذا اليَتامى الفُقَراءُ أوْلى بِالصَّدَقَةِ مِنَ الفُقَراءِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِيَتامى، لِعَدَمِ قُدْرَتِهِمْ عَلى الكَسْبِ.
والمِسْكِينُ: السّاكِنُ إلى ما في أيْدِي النّاسِ لِكَوْنِهِ لا يَجِدُ شَيْئًا.
وابْنُ السَّبِيلِ المُسافِرُ المُنْقَطِعُ وجُعِلَ ابْنًا لِلسَّبِيلِ لِمُلازَمَتِهِ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ أيْ في مُعاوَنَةِ الأرِقّاءِ الَّذِينَ كاتَبَهُمُ المالِكُونَ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ شِراءُ الرِّقابِ وإعْتاقُها، وقِيلَ: المُرادُ فَكُّ الأسارى.
وقَوْلُهُ: ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الإيتاءَ المُتَقَدِّمَ هو صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، لا صَدَقَةُ الفَرِيضَةِ.
وقَوْلُهُ: ( والمُوفُونَ ) قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ( مَن آمَنَ )، كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنَّ البِرَّ المُؤْمِنُونَ والمُوفُونَ.
قالَهُ الفَرّاءُ والأخْفَشُ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، وقِيلَ: هو خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ هُمُ المُوفُونَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في ( آمَنَ ) وأنْكَرَهُ أبُو عَلِيٍّ وقالَ: لَيْسَ المَعْنى عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ( والصّابِرِينَ ) مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾، ومِنهُ ما أنْشَدَهُ أبُو عُبَيْدَةَ:
؎لا يَبْعَدَنَّ قَوْمَيِ الَّذِينَ هم ∗∗∗ سُمُّ العُداةِ وآفَةُ الجُزُرِ
؎النّازِلِينَ بِكُلِّ مَعْرَكَةٍ ∗∗∗ والطَّيِّبِينَ مَعاقِدَ الأُزْرِ
وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَعْطُوفٌ عَلى ( ذَوِي القُرْبى ) كَأنَّهُ قالَ: وآتى الصّابِرِينَ.
وقالَ النَّحّاسُ: إنَّهُ خَطَأٌ.
قالَ الكِسائِيُّ: وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ: ( والمُوفِينَ والصّابِرِينَ ) .
قالَ النَّحّاسُ: يَكُونانِ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَنسُوقَيْنِ عَلى ( ذَوِي القُرْبى ) أوْ عَلى المَدْحِ.
وقَرَأ يَعْقُوبُ والأعْمَشُ " والمُوفُونَ " " والصّابِرُونَ " بِالرَّفْعِ فِيهِما.
و( البَأْساءُ ) الشِّدَّةُ والفَقْرُ.
و( الضَّرّاءُ ) المَرَضُ والزَّمانَةُ ﴿وحِينَ البَأْسِ﴾ قِيلَ: المُرادُ وقْتُ الحَرْبِ، والبَأْساءُ والضَّرّاءُ اسْمانِ بُنِيا عَلى فَعْلاءَ ولا فِعْلَ لَهُما لِأنَّهُما اسْمانِ ولَيْسا بِنَعْتٍ.
وقَوْلُهُ: ( صَدَقُوا ) وصَفَهم بِالصِّدْقِ والتَّقْوى في أُمُورِهِمْ والوَفاءِ بِها وأنَّهم كانُوا جادِّينَ، وقِيلَ: المُرادُ صَدَقُوهُمُ القِتالَ، والأوَّلُ أوْلى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ «عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ فَتَلا ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حَتّى فَرَغَ مِنها، ثُمَّ سَألَهُ أيْضًا فَتَلاها، ثُمَّ سَألَهُ فَتَلاها.
قالَ: وإذا عَمِلْتَ بِحَسَنَةٍ أحَبَّها قَلْبُكَ، وإذا عَمِلْتَ بِسَيِّئَةٍ أبْغَضَها قَلْبُكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى أبِي ذَرٍّ فَقالَ: ما الإيمانُ ؟ فَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُ نَحْوَ الحَدِيثِ السّابِقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: يَقُولُ: لَيْسَ البِرَّ أنْ تُصَلُّوا ولا تَعْمَلُوا، هَذا حِينَ تَحَوَّلَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ وأُنْزِلَتِ الفَرائِضُ.
وأخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، يَقُولُ: لَيْسَ البَرَّ أنْ تُصَلُّوا، لَكِنَّ البِرَّ ما ثَبَتَ في (p-١١٣)القَلْبِ مِن طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنْ «رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ البِرِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ الآيَةَ» . / ٥٠ وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تُصَلِّي قِبَلَ المَغْرِبِ، والنَّصارى قِبَلَ المَشْرِقِ، فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ قالَ: يُعْطِي وهو صَحِيحٌ شَحِيحٌ يَأْمُلُ العَيْشَ ويَخافُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ «عَنِ المُطَّلِبِ أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما آتى المالَ عَلى حُبِّهِ فَكُلُّنا نُحِبُّهُ.
قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: تُؤْتِيهِ حِينَ تُؤْتِيهِ ونَفْسُكَ تُحَدِّثُكَ بِطُولِ العُمُرِ والفَقْرِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ يَعْنِي عَلى حُبِّ المالِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: ذَوِي القُرْبى يَعْنِي قَرابَتَهُ.
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتانِ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ» أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ الضَّبِّيِّ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن «حَدِيثِ زَيْنَبَ امْرَأةِ ابْنِ مَسْعُودٍ» أنَّها سَألَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: هَلْ تُجْزِي عَنْها مِنَ الصَّدَقَةِ النَّفَقَةُ عَلى زَوْجِها وأيْتامٍ في حِجْرِها ؟ فَقالَ: لَكِ أجْرانِ: أجْرُ الصَّدَقَةِ، وأجْرُ القَرابَةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن حَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلى ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هو الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو الَّذِي يَمُرُّ بِكَ وهو مُسافِرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: والسّائِلِينَ قالَ: السّائِلُ الَّذِي يَسْألُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ قالَ: يَعْنِي فَكَّ الرِّقابِ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي وأتَمَّ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ يَعْنِي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ والدّارَقُطْنِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ ثُمَّ قَرَأ ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ﴾ قالَ: فَمَن أعْطى عَهْدَ اللَّهِ ثُمَّ نَقَضَهُ فاللَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهُ، ومَن أعْطى ذِمَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ غَدَرَ بِها فالنَّبِيُّ ﷺ خَصْمُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ يَعْنِي فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: البَأْساءُ الفَقْرُ والضَّرّاءُ السَّقَمُ وحِينَ البَأْسِ حِينَ القِتالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالَ: فَعَلُوا ما ذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالَ: تَكَلَّمُوا بِكَلامِ الإيمانِ، فَكانَتْ حَقِيقَةُ العَمَلِ صَدَقُوا لِلَّهِ.
قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ هَذا كَلامُ الإيمانِ، وحَقِيقَتُهُ العَمَلُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ القَوْلِ عَمَلٌ فَلا شَيْءَ.
البقرة 2:178
قَوْلُهُ: كُتِبَ مَعْناهُ فُرِضَ وأُثْبِتَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ
وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ بِأنَّهُ شَرَعَ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ كُتِبَ هُنا إشارَةٌ إلى ما جَرى بِهِ القَلَمُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
و﴿القِصاصُ﴾ أصْلُهُ قَصُّ الأثَرِ: أيِ اتِّباعُهُ، ومِنهُ القاصُّ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ الآثارَ، وقَصُّ الشِّعْرِ اتِّباعُ أثَرِهِ، فَكَأنَّ القاتِلَ يَسْلُكُ طَرِيقًا مِنَ القَتْلِ، يَقُصُّ أثَرَهُ فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ وقِيلَ: إنَّ القِصاصَ مَأْخُوذٌ مِنَ القَصِّ وهو القَطْعُ، يُقالُ قَصَصْتُ ما بَيْنَهُما، أيْ قَطَعْتُهُ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ وهُمُ الجُمْهُورُ.
وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى وداوُدُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وقَتادَةُ والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقالُوا أيْضًا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ.
ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الآخِرُونَ قَوْلُهُ ﷺ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ مُجْمَلٌ والآيَةُ مُبَيِّنَةٌ، ولَكِنَّهُ يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ إنَّما أفادَ بِمَنطُوقِهِ أنَّ الحُرَّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، والعَبْدَ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ إلّا بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ، فَمَن أخَذَ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَزِمَهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَمْ يَلْزَمْهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، والبَحْثُ في هَذا مُحَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنْ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالكافِرِ وهُمُ (p-١١٤)الكُوفِيُّونَ والثَّوْرِيُّ، لِأنَّ الحُرَّ يَتَناوَلُ الكافِرَ كَما يَتَناوَلُ المُسْلِمَ، وكَذا العَبْدُ والأُنْثى يَتَناوَلانِ الكافِرَ كَما يَتَناوَلانِ المُسْلِمَ.
واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ الكافِرَةِ كَما تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ المُسْلِمَةِ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ، واسْتَدَلُّوا بِما ورَدَ مِنَ السُّنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ،» وهو مُبَيِّنٌ لِما يُرادُ في الآيَتَيْنِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.
واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الذَّكَرَ لا يُقْتَلُ بِالأُنْثى، وقَرَّرُوا الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ بِمِثْلِ ما سَبَقَ إلّا إذا سَلَّمَ أوْلِياءُ المَرْأةِ الزِّيادَةَ عَلى دِيَتِها مِن دِيَةِ الرَّجُلِ.
وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ والثَّوْرِيُّ وأبُو ثَوْرٍ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأةِ ولا زِيادَةَ، وهو الحَقُّ.
وقَدْ بَسَطْنا البَحْثَ في شَرْحِ المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ " مَن " هُنا عِبارَةٌ عَنِ القاتِلِ.
والمُرادُ بِالأخِ: المَقْتُولُ أوِ الوَلِيُّ، والشَّيْءُ عِبارَةٌ عَنِ الدَّمِ، والمَعْنى: أنَّ القاتِلَ أوِ الجانِيَ إذا عُفِيَ لَهُ مِن جِهَةِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ أوِ الوَلِيِّ دَمٌ أصابَهُ مِنهُ عَلى أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ أوِ الأرْشِ، فَلْيَتْبَعِ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ الوَلِيَّ مَن عَلَيْهِ الدَّمُ فِيما يَأْخُذُهُ مِنهُ مِن ذَلِكَ اتِّباعًا بِالمَعْرُوفِ، ولْيُؤَدِّ الجانِي ما لَزِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ أوِ الأرْشِ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أوْ إلى الوَلِيِّ أداءً بِإحْسانٍ، وقِيلَ: إنَّ ( مَن ) عِبارَةٌ عَنِ الوَلِيِّ و( الأخُ ) يُرادُ بِهِ القاتِلُ، والشَّيْءُ: الدِّيَةُ، والمَعْنى أنَّ الوَلِيَّ إذا جَنَحَ إلى العَفْوِ عَنِ القِصاصِ إلى مُقابِلِ الدِّيَةِ، فَإنَّ القاتِلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَها أوْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِلْقَصاصِ كَما رُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ يَثْبُتُ الخِيارُ لِلْقاتِلِ في ذَلِكَ، وذَهَبَ مَن عَداهُ إلى أنَّهُ لا يُخَيَّرُ، بَلْ إذا رَضِيَ الأوْلِياءُ بِالدِّيَةِ فَلا خِيارَ لِلْقاتِلِ بَلْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُها، وقِيلَ: مَعْنى ( عُفِيَ ) بُذِلَ، أيْ مَن بُذِلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدِّيَةِ، فَلْيَقْبَلْ ولْيَتَّبِعْ بِالمَعْرُوفِ، وقِيلَ: إنِ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّ مَن فَضُلَ لَهُ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى شَيْءٌ مِنَ الدِّياتِ، فَيَكُونُ ( عُفِيَ ) بِمَعْنى فَضُلَ، وعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ فَتَنْكِيرُ ( شَيْءٌ ) لِلتَّقْلِيلِ، فَيَتَناوَلُ العَفْوَ عَنِ الشَّيْءِ اليَسِيرِ مِنَ الدِّيَةِ، والعَفْوَ الصّادِرَ عَنْ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الوَرَثَةِ.
وقَوْلُهُ: فاتِّباعٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَلْيَكُنْ مِنهُ اتِّباعٌ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فالأمْرُ اتِّباعٌ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ﴾ إشارَةٌ إلى العَفْوِ والدِّيَةِ، أيْ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ العَفْوَ مِن غَيْرِ عِوَضٍ أوْ بَعُوضٍ، ولَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِمْ كَما ضَيَّقَ عَلى اليَهُودِ، فَإنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ القِصاصَ، ولا عَفْوَ، وكَما ضَيَّقَ عَلى النَّصارى فَإنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ العَفْوَ ولا دِيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ التَّخْفِيفِ، نَحْوَ أنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ثُمَّ يَقْتُلَ القاتِلَ، أوْ يَعْفُوَ ثُمَّ يَقْتَصَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن قَتَلَ القاتِلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ.
فَقالَ جَماعَةٌ مِنهم مالِكٌ والشّافِعِيُّ: إنَّهُ كَمَن قَتَلَ ابْتِداءً، إنْ شاءَ الوَلِيُّ قَتَلَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: عَذابُهُ أنْ يُقْتَلَ ألْبَتَّةَ، ولا يُمَكِّنَ الحاكِمُ الوَلِيَّ مِنَ العَفْوِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أمْرُهُ إلى الإمامِ يَصْنَعُ فِيهِ ما رَأى.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ أيْ لَكم في هَذا الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكم حَياةٌ، لِأنَّ الرَّجُلَ إذا عَلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ قِصاصًا إذا قَتَلَ آخَرَ كَفَّ عَنِ القَتْلِ وانْزَجَرَ عَنِ التَّسَرُّعِ إلَيْهِ والوُقُوعِ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ لِلنُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ.
وهَذا نَوْعٌ مِنَ البَلاغَةِ بَلِيغٌ، وجِنْسٌ مِنَ الفَصاحَةِ رَفِيعٌ، فَإنَّهُ جَعَلَ القِصاصَ الَّذِي هو مَوْتٌ حَياةً بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ ارْتِداعِ النّاسِ عَنْ قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، إبْقاءً عَلى أنْفُسِهِمْ واسْتِدامَةً لِحَياتِهِمْ، وجَعَلَ هَذا الخِطابَ مُوَجَّهًا إلى أُولِي الألْبابِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ في العَواقِبِ ويَتَحامَوْنَ ما فِيهِ الضَّرَرُ الآجِلُ، وأمّا مَن كانَ مُصابًا بِالحُمْقِ والطَّيْشِ والخِفَّةِ فَإنَّهُ لا يَنْظُرُ عِنْدَ سَوْرَةِ غَضَبهِ وغَلَيانِ مَراجِلِ طَيْشِهِ إلى عاقِبَةٍ ولا يُفَكِّرُ في أمْرِ مُسْتَقْبَلٍ، كَما قالَ بَعْضُ فُتّاكِهِمْ:
؎سَأغْسِلُ عَنِّي العارَ بِالسَّيْفِ جالِبًا ∗∗∗ عَلَيَّ قَضاءُ اللَّهِ ما كانَ جالِبًا
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ هَذا الحُكْمَ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَتَحامَوْنَ القَتْلَ بِالمُحافَظَةِ عَلى القِصاصِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّقْوى.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ ولَكم في القَصَصِ حَياةٌ قِيلَ أرادَ بِالقَصَصِ القُرْآنَ، أيْ لَكم في كِتابِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ القِصاصَ حَياةٌ، أيْ نَجاةٌ، وقِيلَ: أرادَ حَياةَ القُلُوبِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِصاصِ، والكُلُّ ضَعِيفٌ، والقِراءَةُ بِهِ مُنْكَرَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ اقْتَتَلُوا في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ بِقَلِيلٍ، فَكانَ بَيْنَهم قَتْلٌ وجِراحاتٌ حَتّى قَتَلُوا العَبِيدَ والنِّساءَ، ولَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حَتّى أسْلَمُوا، فَكانَ أحَدُ الحَيَّيْنِ يَتَطاوَلُ عَلى الآخَرِ في العُدَّةِ والأمْوالِ، فَحَلَفُوا أنْ لا يَرْضَوْا حَتّى يُقْتَلَ بِالعَبْدِ مِنّا الحُرُّ مِنهم، وبِالمَرْأةِ مِنّا الرَّجُلُ مِنهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، ولَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ والمَرْأةَ بِالمَرْأةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فَجَعَلَ الأحْرارَ في القِصاصِ سَواءً فِيما بَيْنَهم في العَمْدِ رِجالُهم ونِساءُهم في النَّفْسِ وفِيما دُونَ النَّفْسِ، وجَعَلَ العَبِيدَ مُسْتَوِينَ في العَمْدِ في النَّفْسِ وفِيما دُونَ النَّفْسِ رِجالُهم ونِساءُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ قِتالٌ كانَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ الطَّوْلُ فَكَأنَّهم طَلَبُوا الفَضْلَ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصْلِحَ بَيْنَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَسَخَتْها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ قالَ: هو العَمْدُ رَضِيَ أهْلُهُ بِالعَفْوِ.
﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ أمَرَ بِهِ الطّالِبَ ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ مِنَ القابِلِ، قالَ: يُؤَدِّي المَطْلُوبَ بِإحْسانٍ.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ (p-١١٥)مِمّا كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ ولَمْ تَكُنِ الدِّيَةُ فِيهِمْ، فَقالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعَفْوُ أنْ تَقْبَلَ الدِّيَةَ في العَمْدِ ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ مِمّا كَتَبَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قِيلَ: بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ أهْلُ التَّوْراةِ إنَّما هو القِصاصُ أوِ العَفْوُ لَيْسَ بَيْنَهُما أرْشٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ إنَّما هو العَفْوُ أُمِرُوا بِهِ، وجَعَلَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَتْلَ والعَفْوَ والدِّيَةَ إنْ شاءُوا، أحَلَّها لَهم ولَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أُصِيبَ بِقَتْلٍ أوْ خَبَلٍ فَإنَّهُ يَخْتارُ إحْدى ثَلاثٍ: إمّا أنْ يَقْتَصَّ، وإمّا أنْ يَعْفُوَ، وإمّا أنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإنْ أرادَ الرّابِعَةَ فَخُذُوا عَلى يَدَيْهِ، ومَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ إذا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ فَلَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَ: فَعَلَيْهِ القَتْلُ لا تُقْبَلُ مِنهُ الدِّيَةُ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ» .
وأخْرَجَ سَمُّوَيْهِ في فَوائِدِهِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: يَقْتُلُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ في القِصاصِ حَياةً ونَكالًا وعِظَةً إذا ذَكَرَهُ الظّالِمُ المُعْتَدِي كَفَّ عَنِ القَتْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ تَقْتُلَهُ فَتُقْتَلَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأُولِي الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ يَذْكُرُ القِصاصَ فَيَحْجِزُهُ خَوْفُ القِصاصِ عَنِ القَتْلِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: لِكَيْ تَتَّقُوا الدِّماءَ مَخافَةَ القِصاصِ.
البقرة 2:179
قَوْلُهُ: كُتِبَ مَعْناهُ فُرِضَ وأُثْبِتَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرُ بْنُ أبِي رَبِيعَةَ:
؎كُتِبَ القَتْلُ والقِتالُ عَلَيْنا وعَلى الغانِياتِ جَرُّ الذُّيُولِ
وهَذا إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِعِبادِهِ بِأنَّهُ شَرَعَ لَهم ذَلِكَ. وقِيلَ: إنَّ كُتِبَ هُنا إشارَةٌ إلى ما جَرى بِهِ القَلَمُ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.
و﴿القِصاصُ﴾ أصْلُهُ قَصُّ الأثَرِ: أيِ اتِّباعُهُ، ومِنهُ القاصُّ لِأنَّهُ يَتَتَبَّعُ الآثارَ، وقَصُّ الشِّعْرِ اتِّباعُ أثَرِهِ، فَكَأنَّ القاتِلَ يَسْلُكُ طَرِيقًا مِنَ القَتْلِ، يَقُصُّ أثَرَهُ فِيها، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصًا﴾ وقِيلَ: إنَّ القِصاصَ مَأْخُوذٌ مِنَ القَصِّ وهو القَطْعُ، يُقالُ قَصَصْتُ ما بَيْنَهُما، أيْ قَطَعْتُهُ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ وهُمُ الجُمْهُورُ.
وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والثَّوْرِيُّ وابْنُ أبِي لَيْلى وداوُدُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ.
وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ وقَتادَةُ والحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وأجابَ الأوَّلُونَ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ مُفَسِّرٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وقالُوا أيْضًا: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ يُفِيدُ أنَّ ذَلِكَ حِكايَةٌ عَمّا شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ في التَّوْراةِ.
ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الآخِرُونَ قَوْلُهُ ﷺ: «المُسْلِمُونَ تَتَكافَأُ دِماؤُهم» ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ مُجْمَلٌ والآيَةُ مُبَيِّنَةٌ، ولَكِنَّهُ يُقالُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ﴾ إنَّما أفادَ بِمَنطُوقِهِ أنَّ الحُرَّ يُقْتَلُ بِالحُرِّ، والعَبْدَ يُقْتَلُ بِالعَبْدِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الحُرَّ لا يُقْتَلُ بِالعَبْدِ إلّا بِاعْتِبارِ المَفْهُومِ، فَمَن أخَذَ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَزِمَهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِمِثْلِ هَذا المَفْهُومِ لَمْ يَلْزَمْهُ القَوْلُ بِهِ هُنا، والبَحْثُ في هَذا مُحَرَّرٌ في عِلْمِ الأُصُولِ.
وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنْ المُسْلِمَ يُقْتَلُ بِالكافِرِ وهُمُ (p-١١٤)الكُوفِيُّونَ والثَّوْرِيُّ، لِأنَّ الحُرَّ يَتَناوَلُ الكافِرَ كَما يَتَناوَلُ المُسْلِمَ، وكَذا العَبْدُ والأُنْثى يَتَناوَلانِ الكافِرَ كَما يَتَناوَلانِ المُسْلِمَ.
واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ لِأنَّ النَّفْسَ تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ الكافِرَةِ كَما تَصْدُقُ عَلى النَّفْسِ المُسْلِمَةِ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُقْتَلُ المُسْلِمُ بِالكافِرِ، واسْتَدَلُّوا بِما ورَدَ مِنَ السُّنَّةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ لا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ،» وهو مُبَيِّنٌ لِما يُرادُ في الآيَتَيْنِ، والبَحْثُ في هَذا يَطُولُ.
واسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ القائِلُونَ بِأنَّ الذَّكَرَ لا يُقْتَلُ بِالأُنْثى، وقَرَّرُوا الدَّلالَةَ عَلى ذَلِكَ بِمِثْلِ ما سَبَقَ إلّا إذا سَلَّمَ أوْلِياءُ المَرْأةِ الزِّيادَةَ عَلى دِيَتِها مِن دِيَةِ الرَّجُلِ.
وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ والثَّوْرِيُّ وأبُو ثَوْرٍ.
وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالمَرْأةِ ولا زِيادَةَ، وهو الحَقُّ.
وقَدْ بَسَطْنا البَحْثَ في شَرْحِ المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ " مَن " هُنا عِبارَةٌ عَنِ القاتِلِ.
والمُرادُ بِالأخِ: المَقْتُولُ أوِ الوَلِيُّ، والشَّيْءُ عِبارَةٌ عَنِ الدَّمِ، والمَعْنى: أنَّ القاتِلَ أوِ الجانِيَ إذا عُفِيَ لَهُ مِن جِهَةِ المَجْنِيِّ عَلَيْهِ أوِ الوَلِيِّ دَمٌ أصابَهُ مِنهُ عَلى أنْ يَأْخُذَ مِنهُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَةِ أوِ الأرْشِ، فَلْيَتْبَعِ المَجْنِيُّ عَلَيْهِ الوَلِيَّ مَن عَلَيْهِ الدَّمُ فِيما يَأْخُذُهُ مِنهُ مِن ذَلِكَ اتِّباعًا بِالمَعْرُوفِ، ولْيُؤَدِّ الجانِي ما لَزِمَهُ مِنَ الدِّيَةِ أوِ الأرْشِ إلى المَجْنِيِّ عَلَيْهِ، أوْ إلى الوَلِيِّ أداءً بِإحْسانٍ، وقِيلَ: إنَّ ( مَن ) عِبارَةٌ عَنِ الوَلِيِّ و( الأخُ ) يُرادُ بِهِ القاتِلُ، والشَّيْءُ: الدِّيَةُ، والمَعْنى أنَّ الوَلِيَّ إذا جَنَحَ إلى العَفْوِ عَنِ القِصاصِ إلى مُقابِلِ الدِّيَةِ، فَإنَّ القاتِلَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أنْ يُعْطِيَها أوْ يُسَلِّمَ نَفْسَهُ لِلْقَصاصِ كَما رُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ يَثْبُتُ الخِيارُ لِلْقاتِلِ في ذَلِكَ، وذَهَبَ مَن عَداهُ إلى أنَّهُ لا يُخَيَّرُ، بَلْ إذا رَضِيَ الأوْلِياءُ بِالدِّيَةِ فَلا خِيارَ لِلْقاتِلِ بَلْ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُها، وقِيلَ: مَعْنى ( عُفِيَ ) بُذِلَ، أيْ مَن بُذِلَ لَهُ شَيْءٌ مِنَ الدِّيَةِ، فَلْيَقْبَلْ ولْيَتَّبِعْ بِالمَعْرُوفِ، وقِيلَ: إنِ المُرادَ بِذَلِكَ أنَّ مَن فَضُلَ لَهُ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى شَيْءٌ مِنَ الدِّياتِ، فَيَكُونُ ( عُفِيَ ) بِمَعْنى فَضُلَ، وعَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ فَتَنْكِيرُ ( شَيْءٌ ) لِلتَّقْلِيلِ، فَيَتَناوَلُ العَفْوَ عَنِ الشَّيْءِ اليَسِيرِ مِنَ الدِّيَةِ، والعَفْوَ الصّادِرَ عَنْ فَرْدٍ مِن أفْرادِ الوَرَثَةِ.
وقَوْلُهُ: فاتِّباعٌ مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فَلْيَكُنْ مِنهُ اتِّباعٌ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ فالأمْرُ اتِّباعٌ، وكَذا قَوْلُهُ: ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ﴾ إشارَةٌ إلى العَفْوِ والدِّيَةِ، أيْ أنَّ اللَّهَ شَرَعَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ العَفْوَ مِن غَيْرِ عِوَضٍ أوْ بَعُوضٍ، ولَمْ يُضَيِّقْ عَلَيْهِمْ كَما ضَيَّقَ عَلى اليَهُودِ، فَإنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ القِصاصَ، ولا عَفْوَ، وكَما ضَيَّقَ عَلى النَّصارى فَإنَّهُ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ العَفْوَ ولا دِيَةَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أيْ بَعْدِ التَّخْفِيفِ، نَحْوَ أنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ ثُمَّ يَقْتُلَ القاتِلَ، أوْ يَعْفُوَ ثُمَّ يَقْتَصَّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيمَن قَتَلَ القاتِلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ.
فَقالَ جَماعَةٌ مِنهم مالِكٌ والشّافِعِيُّ: إنَّهُ كَمَن قَتَلَ ابْتِداءً، إنْ شاءَ الوَلِيُّ قَتَلَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ.
وقالَ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والسُّدِّيُّ وغَيْرُهم: عَذابُهُ أنْ يُقْتَلَ ألْبَتَّةَ، ولا يُمَكِّنَ الحاكِمُ الوَلِيَّ مِنَ العَفْوِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أمْرُهُ إلى الإمامِ يَصْنَعُ فِيهِ ما رَأى.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ أيْ لَكم في هَذا الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لَكم حَياةٌ، لِأنَّ الرَّجُلَ إذا عَلِمَ أنَّهُ يُقْتَلُ قِصاصًا إذا قَتَلَ آخَرَ كَفَّ عَنِ القَتْلِ وانْزَجَرَ عَنِ التَّسَرُّعِ إلَيْهِ والوُقُوعِ فِيهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ الحَياةِ لِلنُّفُوسِ الإنْسانِيَّةِ.
وهَذا نَوْعٌ مِنَ البَلاغَةِ بَلِيغٌ، وجِنْسٌ مِنَ الفَصاحَةِ رَفِيعٌ، فَإنَّهُ جَعَلَ القِصاصَ الَّذِي هو مَوْتٌ حَياةً بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ مِنَ ارْتِداعِ النّاسِ عَنْ قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، إبْقاءً عَلى أنْفُسِهِمْ واسْتِدامَةً لِحَياتِهِمْ، وجَعَلَ هَذا الخِطابَ مُوَجَّهًا إلى أُولِي الألْبابِ لِأنَّهم هُمُ الَّذِينَ يَنْظُرُونَ في العَواقِبِ ويَتَحامَوْنَ ما فِيهِ الضَّرَرُ الآجِلُ، وأمّا مَن كانَ مُصابًا بِالحُمْقِ والطَّيْشِ والخِفَّةِ فَإنَّهُ لا يَنْظُرُ عِنْدَ سَوْرَةِ غَضَبهِ وغَلَيانِ مَراجِلِ طَيْشِهِ إلى عاقِبَةٍ ولا يُفَكِّرُ في أمْرِ مُسْتَقْبَلٍ، كَما قالَ بَعْضُ فُتّاكِهِمْ:
؎سَأغْسِلُ عَنِّي العارَ بِالسَّيْفِ جالِبًا ∗∗∗ عَلَيَّ قَضاءُ اللَّهِ ما كانَ جالِبًا
ثُمَّ عَلَّلَ سُبْحانَهُ هَذا الحُكْمَ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ أيْ تَتَحامَوْنَ القَتْلَ بِالمُحافَظَةِ عَلى القِصاصِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّقْوى.
وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ ولَكم في القَصَصِ حَياةٌ قِيلَ أرادَ بِالقَصَصِ القُرْآنَ، أيْ لَكم في كِتابِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ فِيهِ القِصاصَ حَياةٌ، أيْ نَجاةٌ، وقِيلَ: أرادَ حَياةَ القُلُوبِ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ بِمَعْنى القِصاصِ، والكُلُّ ضَعِيفٌ، والقِراءَةُ بِهِ مُنْكَرَةٌ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ اقْتَتَلُوا في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ بِقَلِيلٍ، فَكانَ بَيْنَهم قَتْلٌ وجِراحاتٌ حَتّى قَتَلُوا العَبِيدَ والنِّساءَ، ولَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حَتّى أسْلَمُوا، فَكانَ أحَدُ الحَيَّيْنِ يَتَطاوَلُ عَلى الآخَرِ في العُدَّةِ والأمْوالِ، فَحَلَفُوا أنْ لا يَرْضَوْا حَتّى يُقْتَلَ بِالعَبْدِ مِنّا الحُرُّ مِنهم، وبِالمَرْأةِ مِنّا الرَّجُلُ مِنهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، ولَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ والمَرْأةَ بِالمَرْأةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ فَجَعَلَ الأحْرارَ في القِصاصِ سَواءً فِيما بَيْنَهم في العَمْدِ رِجالُهم ونِساءُهم في النَّفْسِ وفِيما دُونَ النَّفْسِ، وجَعَلَ العَبِيدَ مُسْتَوِينَ في العَمْدِ في النَّفْسِ وفِيما دُونَ النَّفْسِ رِجالُهم ونِساءُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ قِتالٌ كانَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ الطَّوْلُ فَكَأنَّهم طَلَبُوا الفَضْلَ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصْلِحَ بَيْنَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَسَخَتْها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ قالَ: هو العَمْدُ رَضِيَ أهْلُهُ بِالعَفْوِ.
﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ أمَرَ بِهِ الطّالِبَ ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ مِنَ القابِلِ، قالَ: يُؤَدِّي المَطْلُوبَ بِإحْسانٍ.
﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ (p-١١٥)مِمّا كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ ولَمْ تَكُنِ الدِّيَةُ فِيهِمْ، فَقالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعَفْوُ أنْ تَقْبَلَ الدِّيَةَ في العَمْدِ ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ مِمّا كَتَبَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكم ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قِيلَ: بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ أهْلُ التَّوْراةِ إنَّما هو القِصاصُ أوِ العَفْوُ لَيْسَ بَيْنَهُما أرْشٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ إنَّما هو العَفْوُ أُمِرُوا بِهِ، وجَعَلَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَتْلَ والعَفْوَ والدِّيَةَ إنْ شاءُوا، أحَلَّها لَهم ولَمْ تَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «مَن أُصِيبَ بِقَتْلٍ أوْ خَبَلٍ فَإنَّهُ يَخْتارُ إحْدى ثَلاثٍ: إمّا أنْ يَقْتَصَّ، وإمّا أنْ يَعْفُوَ، وإمّا أنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإنْ أرادَ الرّابِعَةَ فَخُذُوا عَلى يَدَيْهِ، ومَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها أبَدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ أنَّهُ إذا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ فَلَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ، قالَ: فَعَلَيْهِ القَتْلُ لا تُقْبَلُ مِنهُ الدِّيَةُ.
قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ» .
وأخْرَجَ سَمُّوَيْهِ في فَوائِدِهِ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ: يَقْتُلُ، وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ في القِصاصِ حَياةً ونَكالًا وعِظَةً إذا ذَكَرَهُ الظّالِمُ المُعْتَدِي كَفَّ عَنِ القَتْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ تَقْتُلَهُ فَتُقْتَلَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأُولِي الألْبابِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ يَذْكُرُ القِصاصَ فَيَحْجِزُهُ خَوْفُ القِصاصِ عَنِ القَتْلِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: لِكَيْ تَتَّقُوا الدِّماءَ مَخافَةَ القِصاصِ.
البقرة 2:180
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى كُتِبَ قَرِيبًا، وحُضُورُ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ وظُهُورُ عَلاماتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِيِّ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎أنا المَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِهارِبٍ مِنِّي نَجاةٌ
وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى الوَصِيَّةِ، وهو كُتِبَ لِوُجُودِ الفاصِلِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: لِأنَّها بِمَعْنى الإيصاءِ، وقَدْ رُوِيَ جَوازُ إسْنادِ ما لا تَأْنِيثَ فِيهِ إلى المُؤَنَّثِ مَعَ عَدَمِ الفَصْلِ.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: قامَ امْرَأةٌ، وهو خِلافُ ما أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ، وشَرَطَ سُبْحانَهُ ما كَتَبَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ بِأنْ يَتْرُكَ المُوصِي خَيْرًا.
واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا الشَّرْطِ ما هو ؟ فَرُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَرَكَ خَيْرًا فالوَصِيَّةُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الفاءُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ∗∗∗ والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، أيْ كُتِبَ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ تَرَكَ خَيْرًا.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مِقْدارِ الخَيْرِ، فَقِيلَ: ما زادَ عَلى سَبْعِمِائَةِ دِينارٍ، وقِيلَ: ألْفُ دِينارٍ، وقِيلَ: ما زادَ عَلى خَمْسِمِائَةِ دِينارٍ.
والوَصِيَّةُ في الأصْلِ: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ والعَهْدِ بِهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ، وهي هُنا: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ لِبَعْدِ المَوْتِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ عَلى مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ أوْ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ نَحْوُها.
وأمّا مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّها واجِبَةٌ.
ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا القَدْرَ الَّذِي كَتَبَ الوَصِيَّةُ بِهِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَقِيلَ: الخُمُسُ، وقِيلَ: الرُّبُعُ، وقِيلَ: الثُّلُثُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، قالُوا: وهي وإنْ كانَتْ عامَّةً فَمَعْناها الخُصُوصُ.
والمُرادُ بِها مِنَ الوالِدَيْنِ مَن لا يَرِثُ كالأبَوَيْنِ الكافِرَيْنِ ومَن هو في الرِّقِّ، ومِنَ الأقْرَبِينَ مَن عَدا الوَرَثَةِ مِنهم.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عَنْهُ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يَرِثانِ والأقْرِباءِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ جائِزَةٌ.
وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» وهو حَدِيثٌ صَحَّحَهُ بَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ نَسَخَ الوُجُوبَ ونَفى النَّدْبَ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ.
قَوْلُهُ: بِالمَعْرُوفِ أيِ العَدْلِ لا وكْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ.
وقَدْ أذِنَ اللَّهُ لِلْمَيِّتِ بِالثُّلُثِ دُونَ ما زادَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: حَقًّا مَصْدَرٌ مَعْناهُ الثُّبُوتُ والوُجُوبُ.
قَوْلُهُ: فَمَن بَدَّلَهُ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإيصاءِ المَفْهُومِ مِنَ الوَصِيَّةِ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: سَمِعَهُ والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَإنَّما إثْمُهُ راجِعٌ إلى التَّبْدِيلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: بَدَّلَهُ وهَذا وعِيدٌ لِمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ المُطابِقَةَ لِلْحَقِّ الَّتِي لا جَنَفَ فِيها ولا مُضارَّةَ، وأنَّهُ يَبُوءُ بِالإثْمِ، ولَيْسَ عَلى المُوصِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقَدْ تَخَلَّصَ مِمّا كانَ عَلَيْهِ بِالوَصِيَّةِ بِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ أنَّهُ إذا أوْصى بِما لا يَجُوزُ، مِثْلَ أنْ يُوصِيَ بِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي أنَّهُ يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ، ولا يَجُوزُ إمْضاؤُهُ كَما لا يَجُوزُ إمْضاءُ ما زادَ عَلى الثُّلُثِ.
قالَهُ أبُو عُمَرَ انْتَهى.
والجَنَفُ: المُجاوَزَةُ، مِن جَنِفَ يَجْنَفُ: إذا جاوَزَ، قالَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ: الجَنَفُ المَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎تَجانَفْ عَنْ حَجَرِ اليَمامَةِ يا فَتى ∗∗∗ وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا
قالَ في الصِّحاحِ: الجَنَفُ المَيْلُ، وكَذا في الكَشّافِ.
وقالَ لَبِيدٌ:(p-١١٦)
؎إنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أرُومَةُ عامِرٍ ∗∗∗ ضَيْمِي وقَدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومِي
وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ أصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الشِّقاقِ والِاضْطِرابِ بِسَبَبِ الوَصِيَّةِ بِإبْطالِ ما فِيهِ ضِرارٌ ومُخالَفَةٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ، وإثْباتُ ما هو حَقٌّ كالوَصِيَّةِ في قَرابَةٍ لِغَيْرِ وارِثٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنَهم راجِعٌ إلى الوَرَثَةِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، لِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ أنَّهُمُ المُرادُونَ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى المُوصى لَهم، وهُمُ الأبَوانِ والقَرابَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالَ: مالًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهم في المَوْتِ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقالَ: ألا أُوصِي ؟ قالَ: لا ؟ إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ فَدَعْ مالَكَ لِوَرَثَتِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لَها: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ. قالَتْ: كَمْ مالُكَ ؟ قالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ، قالَتْ: قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا تَرَكَ المَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلا يُوصِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الوَصِيَّةَ حَقًّا مِمّا قَلَّ مِنهُ ومِمّا كَثُرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ حَدِيثًا وفِيهِ: «انْظُرْ قَرابَتَكَ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ ولا يَرِثُونَ، فَأوْصِ لَهم مِن مالِكَ بِالمَعْرُوفِ» .
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ طاوُسٍ قالَ: مَن أوْصى لِقَوْمٍ وسَمّاهم وتَرَكَ ذَوِي قَرابَتِهِ مُحْتاجِينَ انْتُزِعَتْ مِنهم ورُدَّتْ عَلى قَرابَتِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في النّاسِخِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المِيراثِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ نَسْخُ مَن يَرِثُ، ولَمْ يَنْسَخِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: وقَدْ وقَعَ أجْرُ المُوصِي عَلى اللَّهِ وبَرِئَ مِن إثْمِهِ، وقالَ في قَوْلِهِ: جَنَفًا يَعْنِي إثْمًا ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: إذا أخْطَأ المَيِّتُ في وصِيَّتِهِ أوْ حافَ فِيها فَلَيْسَ عَلى الأوْلِياءِ حَرَجٌ أنْ يَرُدُّوا خَطَأهُ إلى الصَّوابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ الجَنَفَ بِالمَيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: خَطَأً أوْ عَمْدًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإضْرارُ فِيها مِنَ الكَبائِرِ.
البقرة 2:181
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى كُتِبَ قَرِيبًا، وحُضُورُ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ وظُهُورُ عَلاماتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِيِّ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎أنا المَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِهارِبٍ مِنِّي نَجاةٌ
وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى الوَصِيَّةِ، وهو كُتِبَ لِوُجُودِ الفاصِلِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: لِأنَّها بِمَعْنى الإيصاءِ، وقَدْ رُوِيَ جَوازُ إسْنادِ ما لا تَأْنِيثَ فِيهِ إلى المُؤَنَّثِ مَعَ عَدَمِ الفَصْلِ.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: قامَ امْرَأةٌ، وهو خِلافُ ما أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ، وشَرَطَ سُبْحانَهُ ما كَتَبَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ بِأنْ يَتْرُكَ المُوصِي خَيْرًا.
واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا الشَّرْطِ ما هو ؟ فَرُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَرَكَ خَيْرًا فالوَصِيَّةُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الفاءُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ∗∗∗ والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، أيْ كُتِبَ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ تَرَكَ خَيْرًا.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مِقْدارِ الخَيْرِ، فَقِيلَ: ما زادَ عَلى سَبْعِمِائَةِ دِينارٍ، وقِيلَ: ألْفُ دِينارٍ، وقِيلَ: ما زادَ عَلى خَمْسِمِائَةِ دِينارٍ.
والوَصِيَّةُ في الأصْلِ: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ والعَهْدِ بِهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ، وهي هُنا: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ لِبَعْدِ المَوْتِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ عَلى مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ أوْ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ نَحْوُها.
وأمّا مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّها واجِبَةٌ.
ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا القَدْرَ الَّذِي كَتَبَ الوَصِيَّةُ بِهِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَقِيلَ: الخُمُسُ، وقِيلَ: الرُّبُعُ، وقِيلَ: الثُّلُثُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، قالُوا: وهي وإنْ كانَتْ عامَّةً فَمَعْناها الخُصُوصُ.
والمُرادُ بِها مِنَ الوالِدَيْنِ مَن لا يَرِثُ كالأبَوَيْنِ الكافِرَيْنِ ومَن هو في الرِّقِّ، ومِنَ الأقْرَبِينَ مَن عَدا الوَرَثَةِ مِنهم.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عَنْهُ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يَرِثانِ والأقْرِباءِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ جائِزَةٌ.
وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» وهو حَدِيثٌ صَحَّحَهُ بَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ نَسَخَ الوُجُوبَ ونَفى النَّدْبَ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ.
قَوْلُهُ: بِالمَعْرُوفِ أيِ العَدْلِ لا وكْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ.
وقَدْ أذِنَ اللَّهُ لِلْمَيِّتِ بِالثُّلُثِ دُونَ ما زادَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: حَقًّا مَصْدَرٌ مَعْناهُ الثُّبُوتُ والوُجُوبُ.
قَوْلُهُ: فَمَن بَدَّلَهُ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإيصاءِ المَفْهُومِ مِنَ الوَصِيَّةِ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: سَمِعَهُ والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَإنَّما إثْمُهُ راجِعٌ إلى التَّبْدِيلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: بَدَّلَهُ وهَذا وعِيدٌ لِمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ المُطابِقَةَ لِلْحَقِّ الَّتِي لا جَنَفَ فِيها ولا مُضارَّةَ، وأنَّهُ يَبُوءُ بِالإثْمِ، ولَيْسَ عَلى المُوصِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقَدْ تَخَلَّصَ مِمّا كانَ عَلَيْهِ بِالوَصِيَّةِ بِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ أنَّهُ إذا أوْصى بِما لا يَجُوزُ، مِثْلَ أنْ يُوصِيَ بِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي أنَّهُ يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ، ولا يَجُوزُ إمْضاؤُهُ كَما لا يَجُوزُ إمْضاءُ ما زادَ عَلى الثُّلُثِ.
قالَهُ أبُو عُمَرَ انْتَهى.
والجَنَفُ: المُجاوَزَةُ، مِن جَنِفَ يَجْنَفُ: إذا جاوَزَ، قالَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ: الجَنَفُ المَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎تَجانَفْ عَنْ حَجَرِ اليَمامَةِ يا فَتى ∗∗∗ وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا
قالَ في الصِّحاحِ: الجَنَفُ المَيْلُ، وكَذا في الكَشّافِ.
وقالَ لَبِيدٌ:(p-١١٦)
؎إنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أرُومَةُ عامِرٍ ∗∗∗ ضَيْمِي وقَدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومِي
وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ أصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الشِّقاقِ والِاضْطِرابِ بِسَبَبِ الوَصِيَّةِ بِإبْطالِ ما فِيهِ ضِرارٌ ومُخالَفَةٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ، وإثْباتُ ما هو حَقٌّ كالوَصِيَّةِ في قَرابَةٍ لِغَيْرِ وارِثٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنَهم راجِعٌ إلى الوَرَثَةِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، لِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ أنَّهُمُ المُرادُونَ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى المُوصى لَهم، وهُمُ الأبَوانِ والقَرابَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالَ: مالًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهم في المَوْتِ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقالَ: ألا أُوصِي ؟ قالَ: لا ؟ إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ فَدَعْ مالَكَ لِوَرَثَتِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لَها: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ. قالَتْ: كَمْ مالُكَ ؟ قالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ، قالَتْ: قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا تَرَكَ المَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلا يُوصِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الوَصِيَّةَ حَقًّا مِمّا قَلَّ مِنهُ ومِمّا كَثُرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ حَدِيثًا وفِيهِ: «انْظُرْ قَرابَتَكَ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ ولا يَرِثُونَ، فَأوْصِ لَهم مِن مالِكَ بِالمَعْرُوفِ» .
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ طاوُسٍ قالَ: مَن أوْصى لِقَوْمٍ وسَمّاهم وتَرَكَ ذَوِي قَرابَتِهِ مُحْتاجِينَ انْتُزِعَتْ مِنهم ورُدَّتْ عَلى قَرابَتِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في النّاسِخِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المِيراثِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ نَسْخُ مَن يَرِثُ، ولَمْ يَنْسَخِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: وقَدْ وقَعَ أجْرُ المُوصِي عَلى اللَّهِ وبَرِئَ مِن إثْمِهِ، وقالَ في قَوْلِهِ: جَنَفًا يَعْنِي إثْمًا ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: إذا أخْطَأ المَيِّتُ في وصِيَّتِهِ أوْ حافَ فِيها فَلَيْسَ عَلى الأوْلِياءِ حَرَجٌ أنْ يَرُدُّوا خَطَأهُ إلى الصَّوابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ الجَنَفَ بِالمَيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: خَطَأً أوْ عَمْدًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإضْرارُ فِيها مِنَ الكَبائِرِ.
البقرة 2:182
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى كُتِبَ قَرِيبًا، وحُضُورُ المَوْتِ حُضُورُ أسْبابِهِ وظُهُورُ عَلاماتِهِ، ومِنهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ:
؎وإنَّ المَوْتَ طَوْعُ يَدِي إذا ما وصَلْتُ بَنانَها بِالهِنْدُوانِيِّ
وقالَ جَرِيرٌ:
؎أنا المَوْتُ الَّذِي حُدِّثْتَ عَنْهُ ∗∗∗ فَلَيْسَ لِهارِبٍ مِنِّي نَجاةٌ
وإنَّما لَمْ يُؤَنَّثِ الفِعْلُ المُسْنَدُ إلى الوَصِيَّةِ، وهو كُتِبَ لِوُجُودِ الفاصِلِ بَيْنَهُما، وقِيلَ: لِأنَّها بِمَعْنى الإيصاءِ، وقَدْ رُوِيَ جَوازُ إسْنادِ ما لا تَأْنِيثَ فِيهِ إلى المُؤَنَّثِ مَعَ عَدَمِ الفَصْلِ.
وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ: قامَ امْرَأةٌ، وهو خِلافُ ما أطْبَقَ عَلَيْهِ أئِمَّةُ العَرَبِيَّةِ، وشَرَطَ سُبْحانَهُ ما كَتَبَهُ مِنَ الوَصِيَّةِ بِأنْ يَتْرُكَ المُوصِي خَيْرًا.
واخْتُلِفَ في جَوابِ هَذا الشَّرْطِ ما هو ؟ فَرُوِيَ عَنِ الأخْفَشِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَرَكَ خَيْرًا فالوَصِيَّةُ، ثُمَّ حُذِفَتِ الفاءُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎مَن يَفْعَلِ الحَسَناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها ∗∗∗ والشَّرُّ بِالشَّرِّ عِنْدَ اللَّهِ مِثْلانِ
والثّانِي: أنَّ جَوابَهُ مُقَدَّرٌ قَبْلَهُ، أيْ كُتِبَ الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ إنْ تَرَكَ خَيْرًا.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مِقْدارِ الخَيْرِ، فَقِيلَ: ما زادَ عَلى سَبْعِمِائَةِ دِينارٍ، وقِيلَ: ألْفُ دِينارٍ، وقِيلَ: ما زادَ عَلى خَمْسِمِائَةِ دِينارٍ.
والوَصِيَّةُ في الأصْلِ: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ والعَهْدِ بِهِ في الحَياةِ وبَعْدَ المَوْتِ، وهي هُنا: عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ بِالشَّيْءِ لِبَعْدِ المَوْتِ.
وقَدِ اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى وُجُوبِ الوَصِيَّةِ عَلى مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ أوْ عِنْدَهُ ودِيعَةٌ أوْ نَحْوُها.
وأمّا مَن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَذَهَبَ أكْثَرُهم إلى أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ عَلَيْهِ سَواءٌ كانَ فَقِيرًا أوْ غَنِيًّا، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّها واجِبَةٌ.
ولَمْ يُبَيِّنِ اللَّهُ سُبْحانَهُ هاهُنا القَدْرَ الَّذِي كَتَبَ الوَصِيَّةُ بِهِ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَقِيلَ: الخُمُسُ، وقِيلَ: الرُّبُعُ، وقِيلَ: الثُّلُثُ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ ؟ فَذَهَبَ جَماعَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، قالُوا: وهي وإنْ كانَتْ عامَّةً فَمَعْناها الخُصُوصُ.
والمُرادُ بِها مِنَ الوالِدَيْنِ مَن لا يَرِثُ كالأبَوَيْنِ الكافِرَيْنِ ومَن هو في الرِّقِّ، ومِنَ الأقْرَبِينَ مَن عَدا الوَرَثَةِ مِنهم.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن نَحْفَظُ عَنْهُ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلى أنَّ الوَصِيَّةَ لِلْوالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لا يَرِثانِ والأقْرِباءِ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ جائِزَةٌ.
وقالَ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المَوارِيثِ مَعَ قَوْلِهِ ﷺ: «لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ» وهو حَدِيثٌ صَحَّحَهُ بَعْضُ أهْلِ الحَدِيثِ، ورُوِيَ مِن غَيْرِ وجْهٍ.
وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّهُ نَسَخَ الوُجُوبَ ونَفى النَّدْبَ، ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ ومالِكٍ.
قَوْلُهُ: بِالمَعْرُوفِ أيِ العَدْلِ لا وكْسَ فِيهِ ولا شَطَطَ.
وقَدْ أذِنَ اللَّهُ لِلْمَيِّتِ بِالثُّلُثِ دُونَ ما زادَ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: حَقًّا مَصْدَرٌ مَعْناهُ الثُّبُوتُ والوُجُوبُ.
قَوْلُهُ: فَمَن بَدَّلَهُ هَذا الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الإيصاءِ المَفْهُومِ مِنَ الوَصِيَّةِ، وكَذَلِكَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: سَمِعَهُ والتَّبْدِيلُ: التَّغْيِيرُ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَإنَّما إثْمُهُ راجِعٌ إلى التَّبْدِيلِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: بَدَّلَهُ وهَذا وعِيدٌ لِمَن غَيَّرَ الوَصِيَّةَ المُطابِقَةَ لِلْحَقِّ الَّتِي لا جَنَفَ فِيها ولا مُضارَّةَ، وأنَّهُ يَبُوءُ بِالإثْمِ، ولَيْسَ عَلى المُوصِي مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقَدْ تَخَلَّصَ مِمّا كانَ عَلَيْهِ بِالوَصِيَّةِ بِهِ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: ولا خِلافَ أنَّهُ إذا أوْصى بِما لا يَجُوزُ، مِثْلَ أنْ يُوصِيَ بِخَمْرٍ أوْ خِنْزِيرٍ أوْ شَيْءٍ مِنَ المَعاصِي أنَّهُ يَجُوزُ تَبْدِيلُهُ، ولا يَجُوزُ إمْضاؤُهُ كَما لا يَجُوزُ إمْضاءُ ما زادَ عَلى الثُّلُثِ.
قالَهُ أبُو عُمَرَ انْتَهى.
والجَنَفُ: المُجاوَزَةُ، مِن جَنِفَ يَجْنَفُ: إذا جاوَزَ، قالَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ: الجَنَفُ المَيْلُ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى:
؎تَجانَفْ عَنْ حَجَرِ اليَمامَةِ يا فَتى ∗∗∗ وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا
قالَ في الصِّحاحِ: الجَنَفُ المَيْلُ، وكَذا في الكَشّافِ.
وقالَ لَبِيدٌ:(p-١١٦)
؎إنِّي امْرُؤٌ مَنَعَتْ أرُومَةُ عامِرٍ ∗∗∗ ضَيْمِي وقَدْ جَنَفَتْ عَلَيَّ خُصُومِي
وقَوْلُهُ: ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ أيْ أصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الشِّقاقِ والِاضْطِرابِ بِسَبَبِ الوَصِيَّةِ بِإبْطالِ ما فِيهِ ضِرارٌ ومُخالَفَةٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ، وإثْباتُ ما هو حَقٌّ كالوَصِيَّةِ في قَرابَةٍ لِغَيْرِ وارِثٍ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنَهم راجِعٌ إلى الوَرَثَةِ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهم ذِكْرٌ، لِأنَّهُ قَدْ عُرِفَ أنَّهُمُ المُرادُونَ مِنَ السِّياقِ، وقِيلَ: راجِعٌ إلى المُوصى لَهم، وهُمُ الأبَوانِ والقَرابَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالَ: مالًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهم في المَوْتِ ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقالَ: ألا أُوصِي ؟ قالَ: لا ؟ إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ فَدَعْ مالَكَ لِوَرَثَتِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لَها: أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ. قالَتْ: كَمْ مالُكَ ؟ قالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ، قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ، قالَتْ: قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا تَرَكَ المَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلا يُوصِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الوَصِيَّةَ حَقًّا مِمّا قَلَّ مِنهُ ومِمّا كَثُرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَرَ حَدِيثًا وفِيهِ: «انْظُرْ قَرابَتَكَ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ ولا يَرِثُونَ، فَأوْصِ لَهم مِن مالِكَ بِالمَعْرُوفِ» .
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ طاوُسٍ قالَ: مَن أوْصى لِقَوْمٍ وسَمّاهم وتَرَكَ ذَوِي قَرابَتِهِ مُحْتاجِينَ انْتُزِعَتْ مِنهم ورُدَّتْ عَلى قَرابَتِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في النّاسِخِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَسَخَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَنْهُ مِن وجْهٍ آخَرَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ المِيراثِ.
وأخْرَجَ عَنْهُ أبُو داوُدَ في سُنَنِهِ والبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: في الآيَةِ نَسْخُ مَن يَرِثُ، ولَمْ يَنْسَخِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: وقَدْ وقَعَ أجْرُ المُوصِي عَلى اللَّهِ وبَرِئَ مِن إثْمِهِ، وقالَ في قَوْلِهِ: جَنَفًا يَعْنِي إثْمًا ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: إذا أخْطَأ المَيِّتُ في وصِيَّتِهِ أوْ حافَ فِيها فَلَيْسَ عَلى الأوْلِياءِ حَرَجٌ أنْ يَرُدُّوا خَطَأهُ إلى الصَّوابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ لَكِنَّهُ فَسَّرَ الجَنَفَ بِالمَيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: خَطَأً أوْ عَمْدًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ قالَ: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإضْرارُ فِيها مِنَ الكَبائِرِ.
البقرة 2:183
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى كُتِبَ ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ فَرِيضَةٌ افْتَرَضَها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ.
والصِّيامُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَّنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويُقالُ لِلصَّمْتِ صَوْمٌ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُّجُما
أيْ خَيْلٌ مُمْسِكَةٌ عَنِ الجَرْيِ والحَرَكَةِ.
وهُوَ في الشَّرْعِ: الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ مَعَ اقْتِرانِ النِّيَّةِ بِهِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقَوْلُهُ: كَما كُتِبَ أيْ صَوْمًا كَما كُتِبَ، عَلى أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ، أوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ مُشْبِهًا ما كُتِبَ. عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ نَعْتًا لِلصِّيامِ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الصِّيامَ مُعَرَّفٌ بِاللّامِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ: كَما كُتِبَ راجِعٌ إلى " ما " .
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في وجْهِ التَّشْبِيهِ ما هو، فَقِيلَ: هو قَدْرُ الصَّوْمِ ووَقْتُهُ، فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى صَوْمَ رَمَضانَ فَغَيَّرُوا، وقِيلَ: هو الوُجُوبُ، فَإنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى الأُمَمِ الصِّيامَ، وقِيلَ: هو الصِّفَةُ، أيْ تَرْكُ الأكْلِ والشُّرْبِ ونَحْوِهِما في وقْتٍ، فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ صَوْمَ رَمَضانَ كَما كَتَبَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وعَلى الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيامَ كَما أوْجَبَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وعَلى الثّالِثِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْجَبَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ الإمْساكَ عَنِ المُفْطِراتِ كَما أوْجَبَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وقِيلَ: تَتَّقُونَ المَعاصِيَ بِسَبَبِ هَذِهِ العِبادَةِ، لِأنَّها تَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وتُضْعِفُ دَواعِيَ المَعاصِي، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ جُنَّةٌ» «وأنَّهُ وِجاءٌ» .
وقَوْلُهُ: أيّامًا مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: كُتِبَ قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، أيْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في أيّامٍ.
وقَوْلُهُ: مَعْدُوداتٍ أيْ مُعَيَّناتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في هَذا الجَمْعِ لِكَوْنِهِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ (p-١١٧)إشارَةٌ إلى تَقْلِيلِ الأيّامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ قِيلَ لِلْمَرِيضِ حالَتانِ: إنْ كانَ لا يُطِيقُ الصَّوْمَ كانَ الإفْطارُ عَزِيمَةً، وإنْ كانَ يُطِيقُهُ مَعَ تَضَرُّرٍ ومَشَقَّةٍ كانَ رُخْصَةً، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ. وقَوْلُهُ: عَلى سَفَرٍ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السَّفَرِ المُبِيحِ لِلْإفْطارِ، فَقِيلَ: مَسافَةُ قَصْرِ الصَّلاةِ، والخِلافُ في قَدْرِها مَعْرُوفٌ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقالَ غَيْرُهم بِمَقادِيرَ لا دَلِيلَ عَلَيْها.
والحَقُّ أنَّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمّى السَّفَرِ فَهو الَّذِي يُباحُ عِنْدَهُ الفِطْرُ، وهَكَذا ما صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمّى المَرَضِ فَهو الَّذِي يُباحُ عِنْدَهُ الفِطْرُ.
وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى الفِطْرِ في سَفَرِ الطّاعَةِ.
واخْتَلَفُوا في الأسْفارِ المُباحَةِ، والحَقُّ أنَّ الرُّخْصَةَ ثابِتَةٌ فِيهِ، وكَذا اخْتَلَفُوا في سَفَرِ المَعْصِيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، أوْ فالحُكْمُ عِدَّةٌ، أوْ فالواجِبُ عِدَّةٌ، والعِدَّةُ فِعْلَةٌ مِنَ العَدَدِ، وهو بِمَعْنى المَعْدُودِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ الآخَرِ، لِأنَّ سَبِيلَ هَذا البابِ أنْ يَأْتِيَ بِالألِفِ واللّامِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ أُخْرى.
ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ التَّتابُعِ في القَضاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الياءِ، وأصْلُهُ ( يُطَوِّقُونَهُ ) نُقِلَتِ الكَسْرَةُ إلى الطّاءِ، وانْقَلَبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.
وقَرَأ حُمَيْدٌ عَلى الأصْلِ مِن غَيْرِ إعْلالٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً وتَشْدِيدِ الواوِ، أيْ يُكَلَّفُونَهُ.
ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " يَطَّيَّقُونَهُ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ والياءِ مَفْتُوحَتَيْنِ بِمَعْنى يُطِيقُونَهُ.
ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ وطاوُسٍ أنَّهم قَرَءُوا ( يَطَّيْقُونَهُ ) بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ مَفْتُوحَةً.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ " فِدْيَةُ طَعامٍ " مُضافًا.
وقَرَءُوا أيْضًا " مَساكِينٍ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ طَعامُ مِسْكِينٍ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ، فَقِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وإنَّما كانَتْ رُخْصَةً عِنْدَ ابْتِداءِ فَرْضِ الصِّيامِ لِأنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مَن أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ وهو يُطِيقُهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّها لَمْ تُنْسَخْ، وأنَّها رُخْصَةٌ لِلشُّيُوخِ والعَجائِزِ خاصَّةً إذا كانُوا لا يُطِيقُونَ الصِّيامَ إلّا بِمَشَقَّةٍ، وهَذا يُناسِبُ قِراءَةَ التَّشْدِيدِ، أيْ يُكَلَّفُونَهُ كَما مَرَّ.
والنّاسِخُ لِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ الفِدْيَةِ، فَقِيلَ: كُلُّ يَوْمٍ صاعٌ مِن غَيْرِ البُرِّ، ونِصْفُ صاعٍ مِنهُ، وقِيلَ: مُدٌّ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ .
قالَ ابْنُ شِهابٍ: مَعْناهُ أرادَ الإطْعامَ مَعَ الصَّوْمِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ مَن زادَ في الإطْعامِ عَلى المُدِّ، وقِيلَ: مَن أطْعَمَ مَعَ المِسْكِينِ مِسْكِينًا آخَرَ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَطَّوَّعْ " مُشَدَّدًا مَعَ جَزْمِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى يَتَطَوَّعْ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الصِّيامَ خَيْرٌ لَهم مِنَ الإفْطارِ مَعَ الفِدْيَةِ، وكانَ هَذا قَبْلَ النَّسْخِ، وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْ تَصُومُوا في السَّفَرِ والمَرَضِ غَيْرِ الشّاقِّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: أُحِيلَتِ الصَّلاةُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، وأُحِيلَ الصِّيامُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، فَذَكَرَ أحْوالَ الصَّلاةِ ثُمَّ قالَ: وأمّا أحْوالُ الصِّيامِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَصُومُ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وصامَ عاشُوراءَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَضَ عَلَيْهِ الصِّيامَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فَكانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أطْعَمَ مِسْكِينًا وأجْزَأ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الآيَةَ الأُخْرى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَأثْبَتَ اللَّهُ صِيامَهُ عَلى الصَّحِيحِ المُقِيمِ، ورَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ، وثَبَتَ الإطْعامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصِّيامَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ الحَدِيثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ دَغْفَلِ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كانَ عَلى النَّصارى صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ، فَمَرِضَ مَلِكُهم فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ عَشْرًا، ثُمَّ كانَ آخَرُ فَأكَلَ لَحْمًا فَأُوجِعَ فُوهُ. قالَ: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لِيَزِيدَنَّ سَبْعَةً، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ آخَرُ فَقالَ: ما نَدَعُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ شَيْئًا أنْ نُتِمَّها ونَجْعَلَ صَوْمَنا في الرَّبِيعِ، فَفَعَلَ فَصارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: تَتَّقُونَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّساءِ مِثْلَ ما اتَّقَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما سَبَقَ عَنْ مُعاذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِيامُ رَمَضانَ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ قَبْلَكم» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ عاشُوراءُ صِيامًا، فَلَمّا أُنْزِلَ رَمَضانُ كانَ مَن شاءَ صامَ ومَن شاءَ أفْطَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قَدْ نُسِخَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ، وزادَ أنَّ النّاسِخَ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْهُ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ فَعَلَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَها فَنَسَخَتْها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ (p-١١٨)ابْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنا أصْحابُ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالَ: الشَّيْخُ الكَبِيرُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ فَيُفْطِرُ ويُطْعِمُ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ، أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ عامًا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَصَنَعَ جَفْنَةً مِن ثَرِيدٍ ودَعا ثَلاثِينَ مِسْكِينًا فَأطْعَمَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِأُمِّ ولَدٍ لَهُ حامِلٍ أوْ مُرْضِعَةٍ: أنْتِ بِمَنزِلَةِ الَّذِينَ لا يُطِيقُونَ الصِّيامَ، عَلَيْكِ الطَّعامُ لا قَضاءَ عَلَيْكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ إحْدى بَناتِهِ أرْسَلَتْ تَسْألُهُ عَنْ صَوْمِ رَمَضانَ وهي حامِلٌ، قالَ: تُفْطِرُ وتُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قالَ: أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طاوُسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قالَ: إطْعامُ مَساكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ أنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ لَكم مِنَ الفِدْيَةِ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الصَّوْمِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
البقرة 2:184
قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى كُتِبَ ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أجْمَعِينَ أنَّ صَوْمَ رَمَضانَ فَرِيضَةٌ افْتَرَضَها اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ.
والصِّيامُ أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَّنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ويُقالُ لِلصَّمْتِ صَوْمٌ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ ﴿إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أيْ إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ:
؎خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُّجُما
أيْ خَيْلٌ مُمْسِكَةٌ عَنِ الجَرْيِ والحَرَكَةِ.
وهُوَ في الشَّرْعِ: الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ مَعَ اقْتِرانِ النِّيَّةِ بِهِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
وقَوْلُهُ: كَما كُتِبَ أيْ صَوْمًا كَما كُتِبَ، عَلى أنَّ الكافَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَّعْتِ، أوْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامَ مُشْبِهًا ما كُتِبَ. عَلى أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
وقالَ بَعْضُ النُّحاةِ: إنَّ الكافَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ نَعْتًا لِلصِّيامِ، وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الصِّيامَ مُعَرَّفٌ بِاللّامِ، والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ: كَما كُتِبَ راجِعٌ إلى " ما " .
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في وجْهِ التَّشْبِيهِ ما هو، فَقِيلَ: هو قَدْرُ الصَّوْمِ ووَقْتُهُ، فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى اليَهُودِ والنَّصارى صَوْمَ رَمَضانَ فَغَيَّرُوا، وقِيلَ: هو الوُجُوبُ، فَإنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى الأُمَمِ الصِّيامَ، وقِيلَ: هو الصِّفَةُ، أيْ تَرْكُ الأكْلِ والشُّرْبِ ونَحْوِهِما في وقْتٍ، فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: أنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ صَوْمَ رَمَضانَ كَما كَتَبَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وعَلى الثّانِي: أنَّ اللَّهَ أوْجَبَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيامَ كَما أوْجَبَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ، وعَلى الثّالِثِ: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ أوْجَبَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ الإمْساكَ عَنِ المُفْطِراتِ كَما أوْجَبَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ بِالمُحافَظَةِ عَلَيْها، وقِيلَ: تَتَّقُونَ المَعاصِيَ بِسَبَبِ هَذِهِ العِبادَةِ، لِأنَّها تَكْسِرُ الشَّهْوَةَ وتُضْعِفُ دَواعِيَ المَعاصِي، كَما ورَدَ في الحَدِيثِ «أنَّهُ جُنَّةٌ» «وأنَّهُ وِجاءٌ» .
وقَوْلُهُ: أيّامًا مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: كُتِبَ قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: إنَّهُ مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، أيْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ في أيّامٍ.
وقَوْلُهُ: مَعْدُوداتٍ أيْ مُعَيَّناتٍ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في هَذا الجَمْعِ لِكَوْنِهِ مِن جُمُوعِ القِلَّةِ (p-١١٧)إشارَةٌ إلى تَقْلِيلِ الأيّامِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ قِيلَ لِلْمَرِيضِ حالَتانِ: إنْ كانَ لا يُطِيقُ الصَّوْمَ كانَ الإفْطارُ عَزِيمَةً، وإنْ كانَ يُطِيقُهُ مَعَ تَضَرُّرٍ ومَشَقَّةٍ كانَ رُخْصَةً، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ. وقَوْلُهُ: عَلى سَفَرٍ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في السَّفَرِ المُبِيحِ لِلْإفْطارِ، فَقِيلَ: مَسافَةُ قَصْرِ الصَّلاةِ، والخِلافُ في قَدْرِها مَعْرُوفٌ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، وقالَ غَيْرُهم بِمَقادِيرَ لا دَلِيلَ عَلَيْها.
والحَقُّ أنَّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمّى السَّفَرِ فَهو الَّذِي يُباحُ عِنْدَهُ الفِطْرُ، وهَكَذا ما صَدَقَ عَلَيْهِ مُسَمّى المَرَضِ فَهو الَّذِي يُباحُ عِنْدَهُ الفِطْرُ.
وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى الفِطْرِ في سَفَرِ الطّاعَةِ.
واخْتَلَفُوا في الأسْفارِ المُباحَةِ، والحَقُّ أنَّ الرُّخْصَةَ ثابِتَةٌ فِيهِ، وكَذا اخْتَلَفُوا في سَفَرِ المَعْصِيَةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَعِدَّةٌ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ، أوْ فالحُكْمُ عِدَّةٌ، أوْ فالواجِبُ عِدَّةٌ، والعِدَّةُ فِعْلَةٌ مِنَ العَدَدِ، وهو بِمَعْنى المَعْدُودِ.
وقَوْلُهُ: ﴿مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ قالَ سِيبَوَيْهِ: ولَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ بِهِ عَنِ الآخَرِ، لِأنَّ سَبِيلَ هَذا البابِ أنْ يَأْتِيَ بِالألِفِ واللّامِ.
وقالَ الكِسائِيُّ: هو مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ آخَرَ، وقِيلَ: إنَّهُ جَمْعُ أُخْرى.
ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ التَّتابُعِ في القَضاءِ.
قَوْلُهُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِكَسْرِ الطّاءِ وسُكُونِ الياءِ، وأصْلُهُ ( يُطَوِّقُونَهُ ) نُقِلَتِ الكَسْرَةُ إلى الطّاءِ، وانْقَلَبَتِ الواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها.
وقَرَأ حُمَيْدٌ عَلى الأصْلِ مِن غَيْرِ إعْلالٍ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِفَتْحِ الطّاءِ مُخَفَّفَةً وتَشْدِيدِ الواوِ، أيْ يُكَلَّفُونَهُ.
ورَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " يَطَّيَّقُونَهُ " بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ والياءِ مَفْتُوحَتَيْنِ بِمَعْنى يُطِيقُونَهُ.
ورُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ وطاوُسٍ أنَّهم قَرَءُوا ( يَطَّيْقُونَهُ ) بِفَتْحِ الياءِ وتَشْدِيدِ الطّاءِ مَفْتُوحَةً.
وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ " فِدْيَةُ طَعامٍ " مُضافًا.
وقَرَءُوا أيْضًا " مَساكِينٍ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ طَعامُ مِسْكِينٍ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وعاصِمٍ وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ.
وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ هي مُحْكَمَةٌ أوْ مَنسُوخَةٌ، فَقِيلَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، وإنَّما كانَتْ رُخْصَةً عِنْدَ ابْتِداءِ فَرْضِ الصِّيامِ لِأنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مَن أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ وهو يُطِيقُهُ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ.
ورُوِيَ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ أنَّها لَمْ تُنْسَخْ، وأنَّها رُخْصَةٌ لِلشُّيُوخِ والعَجائِزِ خاصَّةً إذا كانُوا لا يُطِيقُونَ الصِّيامَ إلّا بِمَشَقَّةٍ، وهَذا يُناسِبُ قِراءَةَ التَّشْدِيدِ، أيْ يُكَلَّفُونَهُ كَما مَرَّ.
والنّاسِخُ لِهَذِهِ الآيَةِ عِنْدَ الجُمْهُورِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
وقَدِ اخْتَلَفُوا في مِقْدارِ الفِدْيَةِ، فَقِيلَ: كُلُّ يَوْمٍ صاعٌ مِن غَيْرِ البُرِّ، ونِصْفُ صاعٍ مِنهُ، وقِيلَ: مُدٌّ فَقَطْ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ .
قالَ ابْنُ شِهابٍ: مَعْناهُ أرادَ الإطْعامَ مَعَ الصَّوْمِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ مَن زادَ في الإطْعامِ عَلى المُدِّ، وقِيلَ: مَن أطْعَمَ مَعَ المِسْكِينِ مِسْكِينًا آخَرَ.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عَمْرٍو ويَحْيى بْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ " يَطَّوَّعْ " مُشَدَّدًا مَعَ جَزْمِ الفِعْلِ عَلى مَعْنى يَتَطَوَّعْ، وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ: أنَّ الصِّيامَ خَيْرٌ لَهم مِنَ الإفْطارِ مَعَ الفِدْيَةِ، وكانَ هَذا قَبْلَ النَّسْخِ، وقِيلَ: مَعْناهُ وأنْ تَصُومُوا في السَّفَرِ والمَرَضِ غَيْرِ الشّاقِّ.
وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: أُحِيلَتِ الصَّلاةُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، وأُحِيلَ الصِّيامُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، فَذَكَرَ أحْوالَ الصَّلاةِ ثُمَّ قالَ: وأمّا أحْوالُ الصِّيامِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَصُومُ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وصامَ عاشُوراءَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ فَرَضَ عَلَيْهِ الصِّيامَ وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فَكانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أطْعَمَ مِسْكِينًا وأجْزَأ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الآيَةَ الأُخْرى ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فَأثْبَتَ اللَّهُ صِيامَهُ عَلى الصَّحِيحِ المُقِيمِ، ورَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ، وثَبَتَ الإطْعامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصِّيامَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَمامَ الحَدِيثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ دَغْفَلِ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كانَ عَلى النَّصارى صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ، فَمَرِضَ مَلِكُهم فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ عَشْرًا، ثُمَّ كانَ آخَرُ فَأكَلَ لَحْمًا فَأُوجِعَ فُوهُ. قالَ: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لِيَزِيدَنَّ سَبْعَةً، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ آخَرُ فَقالَ: ما نَدَعُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ شَيْئًا أنْ نُتِمَّها ونَجْعَلَ صَوْمَنا في الرَّبِيعِ، فَفَعَلَ فَصارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: تَتَّقُونَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّساءِ مِثْلَ ما اتَّقَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَ ما سَبَقَ عَنْ مُعاذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صِيامُ رَمَضانَ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ قَبْلَكم» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ عاشُوراءُ صِيامًا، فَلَمّا أُنْزِلَ رَمَضانُ كانَ مَن شاءَ صامَ ومَن شاءَ أفْطَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قَدْ نُسِخَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ، وزادَ أنَّ النّاسِخَ لَها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ نَحْوَ ذَلِكَ عَنْهُ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ.
وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ أيْضًا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ فَعَلَ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَعْدَها فَنَسَخَتْها ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ (p-١١٨)ابْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنا أصْحابُ مُحَمَّدٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالَ: الشَّيْخُ الكَبِيرُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ فَيُفْطِرُ ويُطْعِمُ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ، أنَّ أنَسَ بْنَ مالِكٍ ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ عامًا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَصَنَعَ جَفْنَةً مِن ثَرِيدٍ ودَعا ثَلاثِينَ مِسْكِينًا فَأطْعَمَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ لِأُمِّ ولَدٍ لَهُ حامِلٍ أوْ مُرْضِعَةٍ: أنْتِ بِمَنزِلَةِ الَّذِينَ لا يُطِيقُونَ الصِّيامَ، عَلَيْكِ الطَّعامُ لا قَضاءَ عَلَيْكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ إحْدى بَناتِهِ أرْسَلَتْ تَسْألُهُ عَنْ صَوْمِ رَمَضانَ وهي حامِلٌ، قالَ: تُفْطِرُ وتُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قالَ: أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طاوُسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قالَ: إطْعامُ مَساكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ أنَّ الصَّوْمَ خَيْرٌ لَكم مِنَ الفِدْيَةِ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الصَّوْمِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ جِدًّا.
البقرة 2:185
رَمَضانَ مَأْخُوذٌ مِن رَمِضَ الصّائِمُ يَرْمَضُ: إذا احْتَرَقَ جَوْفُهُ مِن شِدَّةِ العَطَشِ، والرَّمْضاءُ مَمْدُودٌ: شِدَّةُ الحَرِّ، ومِنهُ الحَدِيثُ الثّابِتُ في الصَّحِيحِ «صَلاةُ الأوّابِينَ إذا رَمِضَتِ الفِصالُ» أيْ أحْرَقَتِ الرَّمْضاءُ أجْوافَها.
قالَ الجَوْهَرِيُّ: وشَهْرُ رَمَضانَ يُجْمَعُ عَلى رَمَضاناتٍ وأرْمِضاءَ، يُقالُ: إنَّهم لَمّا نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ سَمَّوْها بِالأزْمِنَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها، فَوافَقَ هَذا الشَّهْرُ أيّامَ الحَرِّ فَسُمِّيَ بِذَلِكَ وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ رَمَضانُ لِأنَّهُ يَرْمِضُ الذُّنُوبَ، أيْ يَحْرِقُها بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ.
وقالَ الماوَرْدِيُّ: إنَّ اسْمَهُ في الجاهِلِيَّةِ ناتِقٌ، وأنْشَدَ المُفَضَّلُ:
؎وفِي ناتِقٍ أجْلَتْ لَدى حَوْمَةِ الوَغا ووَلَّتْ عَلى الأدْبارِ فُرْسانُ خَثْعَما
وإنَّما سَمَّوْهُ بِذَلِكَ لِأنَّهُ كانَ يَنْتِقُهم لِشِدَّتِهِ عَلَيْهِمْ، و" شَهْرُ " مُرْتَفِعٌ في قِراءَةِ الجَماعَةِ عَلى أنَّهُ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ أوْ عَلى خَبَرٍ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيِ المَفْرُوضُ عَلَيْكم صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الصِّيامِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ .
وقَرَأ مُجاهِدٌ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ بِنَصْبِ الشَّهْرِ، ورَواها هارُونُ الأعْوَرُ عَنْ أبِي عَمْرٍو وهو مُنْتَصِبٌ بِتَقْدِيرِ الزَمُوا أوْ صُومُوا.
قالَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ وأنْ تَصُومُوا، وأنْكَرَ ذَلِكَ النَّحّاسُ وقالَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ.
وقالَ الأخْفَشُ: إنَّهُ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، ومَنعُ الصَّرْفِ لِلْألِفِ والنُّونِ الزّائِدَتَيْنِ.
قَوْلُهُ: ﴿أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ قِيلَ: أُنْزِلَ مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ كانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِهِ نَجْمًا نَجْمًا.
وقِيلَ: أُنْزِلَ فِيهِ أوَّلُهُ، وقِيلَ: أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ، وهَذِهِ الآيَةُ أعَمُّ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ يَعْنِي لَيْلَةَ القَدْرِ.
والقُرْآنُ اسْمٌ لِكَلامِ اللَّهِ تَعالى، وهو بِمَعْنى المَقْرُوءِ كالمَشْرُوبِ سُمِّيَ شَرابًا، والمَكْتُوبِ سُمِّيَ كِتابًا، وقِيلَ: هو مَصْدَرُ قَرَأ يَقْرَأُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضَحَّوْا بِأشْمَطَ عُنْوانُ السُّجُودِ بِهِ ∗∗∗ يَقْطَعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وقُرْآنًا
أيْ قِراءَةً، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أيْ قِراءَةَ الفَجْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، أيْ هادِيًا لَهم.
وقَوْلُهُ: ﴿وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى﴾ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ إظْهارًا لِشَرَفِ المَعْطُوفِ بِإفْرادِهِ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ القُرْآنَ يَشْمَلُ مُحْكَمَهُ ومُتَشابِهَهُ، والبَيِّناتُ تَخْتَصُّ بِالمُحْكَمِ مِنهُ.
والفَرْقانُ: ما فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، أيْ فَصَلَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ أيْ حَضَرَ ولَمْ يَكُنْ في سَفَرٍ بَلْ كانَ مُقِيمًا، و" الشَّهْرَ " مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ ظَرْفٌ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا بِهِ.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ: إنَّ مَن أدْرَكَهُ شَهْرُ رَمَضانَ مُقِيمًا غَيْرَ مُسافِرٍ لَزِمَهُ صِيامُهُ، سافَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أوْ أقامَ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ.
وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ إذا سافَرَ أفْطَرَ، لِأنَّ مَعْنى الآيَةِ: إنْ حَضَرَ الشَّهْرَ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ لا إذا حَضَرَ بَعْضَهُ وسافَرَ فَإنَّهُ لا يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ إلّا صَوْمُ ما حَضَرَهُ، وهَذا هو الحَقُّ، وعَلَيْهِ دَلَّتِ الأدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ مِنَ السُّنَّةِ.
وقَدْ كانَ يَخْرُجُ ﷺ في رَمَضانَ فَيُفْطِرُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ فِيهِ أنَّ هَذا مَقْصِدٌ مِن مَقاصِدِ الرَّبِّ سُبْحانَهُ، ومُرادٌ مِن مُراداتِهِ في جَمِيعِ أُمُورِ الدِّينِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ وقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ كانَ يُرْشِدُ إلى التَّيْسِيرِ ويَنْهى عَنِ التَّعْسِيرِ كَقَوْلِهِ ﷺ: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا وبَشِّرُوا ولا تُنَفِّرُوا» وهو في الصَّحِيحِ.
واليُسْرُ السَّهْلُ الَّذِي لا عُسْرَ فِيهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ أيْ يُرِيدُ بِكُمُ اليُسْرَ، ويُرِيدُ إكْمالَكم لِلْعِدَّةِ وتَكْبِيرَكم، وقِيلَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٍ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: رَخَّصَ لَكم هَذِهِ الرُّخْصَةَ لِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، وشَرَعَ لَكُمُ الصَّوْمَ لِمَن شَهِدَ الشَّهْرَ لِتُكْمِلُوا العِدَّةَ.
وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ البَصْرِيُّونَ قالُوا: والتَّقْدِيرُ يُرِيدُ لِأنْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ كَثِيرِ بْنِ صَخْرٍ:
؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تَمَثَّلَ لِي لَيْلًا بِكُلِّ سَبِيلِ
وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى الثّانِي، وقِيلَ: الواوُ مُقْحَمَةٌ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ اللّامَ لامُ الأمْرِ، والواوَ لِعَطْفِ الجُمْلَةِ الَّتِي بَعْدَها عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبِلَها.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿لِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ (p-١١٩)عِلَّةٌ لِلْأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ ﴿ولِتُكَبِّرُوا﴾ عِلَّةُ ما عُلِمَ مِن كَيْفِيَّةِ القَضاءِ والخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الفِطْرِ ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ عِلَّةُ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، والمُرادُ بِالتَّكْبِيرِ هُنا: هو قَوْلُ القائِلِ اللَّهُ أكْبَرُ.
قالَ الجُمْهُورُ: ومَعْناهُ الحَضُّ عَلى التَّكْبِيرِ في آخِرِ رَمَضانَ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ في وقْتِهِ، فَرُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أنَّهم كانُوا يُكَبِّرُونَ لَيْلَةَ الفِطْرِ وقِيلَ: إذا رَأوْا هِلالَ شَوّالٍ كَبَّرُوا إلى انْقِضاءِ الخُطْبَةِ وقِيلَ: إلى خُرُوجِ الإمامِ، وقِيلَ: هو التَّكْبِيرُ يَوْمَ الفِطْرِ.
قالَ مالِكٌ: هو مِن حِينِ يَخْرُجُ مِن دارِهِ إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ في الأضْحى ولا يُكَبِّرُ في الفِطْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ.
وقَدْ أخْرَجَ أبُو حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا «لا تَقُولُوا رَمَضانَ، فَإنَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، ولَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضانَ» .
وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» وثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «مَن قامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ» وثَبَتَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: «شَهْرا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ: رَمَضانُ وذُو الحِجَّةِ» وقالَ: «إذا دَخَلَ رَمَضانُ فُتِحَتْ أبْوابُ الجَنَّةِ» وهَذا كُلُّهُ في الصَّحِيحِ.
وثَبَتَ عَنْهُ في أحادِيثَ كَثِيرَةٍ غَيْرَ هَذِهِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ ( رَمَضانُ ) بِدُونِ ذِكْرِ الشَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما سُمِّيَ رَمَضانَ لِأنَّ رَمَضانَ يَرْمِضُ الذُّنُوبَ» .
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ رَمَضانَ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ جَرِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ واثُلَّةَ بْنِ الأسْقَعِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُنْزِلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِثَمانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ، وأنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ جابِرٍ مِثْلَهُ، لَكِنَّهُ قالَ: «وأُنْزِلَ الزَّبُورُ لِاثْنَيْ عَشَرَ» وزادَ «وأنْزَلَ التَّوْراةَ لَسِتٍّ خَلَوْنَ مِن رَمَضانَ، وأنْزَلَ الإنْجِيلَ لِثَمانِي عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ» .
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَ قَوْلِ جابِرٍ، إلّا أنَّها لَمْ تَذْكُرْ نُزُولَ القُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنْ مِقْسِمٍ قالَ: سَألَ عَطِيَّةُ بْنُ الأسْوَدِ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: إنَّهُ قَدْ وقَعَ في قَلْبِي الشَّكُّ في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةِ القَدْرِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْناهُ في لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ أُنْزِلَ في لَيْلَةِ القَدْرِ وفي رَمَضانَ وفي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ جُمْلَةً واحِدَةً، ثُمَّ أُنْزِلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلى مَواقِعِ النُّجُومِ رَسَلًا في الشُّهُورِ والأيّامِ.
وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ جُمْلَةً لِأرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ، فَوُضِعَ في بَيْتِ العِزَّةِ في السَّماءِ الدُّنْيا، فَجَعَلَ جِبْرِيلُ يُنْزِلُهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَرْتِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " لَيْلَةُ القَدْرِ هي اللَّيْلَةُ المُبارَكَةُ وهي في رَمَضانَ أُنْزِلَ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ الذِّكْرِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ " .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُدًى لِلنّاسِ﴾ قالَ: يَهْتَدُونَ بِهِ ﴿وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى﴾ قالَ: فِيهِ الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ قالَ: هو إهْلالُهُ بِالدّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: مَن أدْرَكَ رَمَضانَ وهو مُقِيمٌ ثُمَّ سافَرَ فَقَدْ لَزِمَهُ الصَّوْمُ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ قالَ: اليُسْرُ الإفْطارُ في السَّفَرِ، والعُسْرُ الصَّوْمُ في السَّفَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ قالَ: عِدَّةَ شَهْرِ رَمَضانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ: أنَّهُ قالَ: عِدَّةُ ما أفْطَرَ المَرِيضُ في السَّفَرِ.
وقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَأكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثِينَ يَوْمًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَقٌّ عَلى الصّائِمِينَ إذا نَظَرُوا إلى شَهْرِ شَوّالٍ أنْ يُكَبِّرُوا اللَّهَ حَتّى يَفْرُغُوا مِن عِيدِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يُكَبِّرُ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا اللَّهُ أكْبَرُ ولِلَّهِ الحَمْدُ وأجَلُّ، اللَّهُ أكْبَرُ عَلى ما هَدانا.
البقرة 2:186
قَوْلُهُ: ﴿وإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي﴾ يُحْتَمَلُ أنَّ السُّؤالَ عَنِ القُرْبِ والبُعْدِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ ويُحْتَمَلُ أنِ السُّؤالَ عَنْ إجابَةِ الدُّعاءِ كَما يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنِ السُّؤالَ عَمّا هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ، وهَذا هو الظّاهِرُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي سَيَأْتِي بَيانُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِّي قَرِيبٌ﴾ قِيلَ: بِالإجابَةِ، وقِيلَ: بِالعِلْمِ، وقِيلَ: بِالإنْعامِ.
وقالَ في الكَشّافِ: إنَّهُ تَمْثِيلٌ لِحالِهِ في سُهُولَةِ إجابَتِهِ لِمَن دَعاهُ، وسُرْعَةِ إنْجاحِهِ حاجَةَ مَن سَألَهُ بِمَن قَرُبَ مَكانُهُ، فَإذا دُعِيَ أسْرَعَتْ تَلْبِيَتُهُ.
ومَعْنى الإجابَةِ هو مَعْنى ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقِيلَ: مَعْناهُ أقْبَلُ عِبادَةَ مَن عَبَدَنِي بِالدُّعاءِ لِما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ مِن أنَّ «الدُّعاءَ هو العِبادَةُ،» كَما أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ مِن حَدِيثِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ، والظّاهِرُ أنَّ الإجابَةَ هُنا هي باقِيَةٌ عَلى مَعْناها اللُّغَوِيِّ، وكَوْنُ الدُّعاءِ مِنَ (p-١٢٠)العِبادَةِ لا يَسْتَلْزِمُ أنَّ الإجابَةَ هي القَبُولُ لِلدُّعاءِ، أيْ جَعَلَهُ عِبادَةً مُتَقَبَّلَةً، فالإجابَةُ أمْرٌ آخَرُ غَيْرُ قَبُولِ هَذِهِ العِبادَةِ.
والمُرادُ أنَّهُ سُبْحانَهُ يُجِيبُ بِما شاءَ وكَيْفَ شاءَ، فَقَدْ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ قَرِيبًا وقَدْ يَحْصُلُ بَعِيدًا، وقَدْ يَدْفَعُ عَنِ الدّاعِي مِنَ البَلاءِ ما لا يَعْلَمُهُ بِسَبَبِ دُعائِهِ، وهَذا مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ اعْتِداءِ الدّاعِي في دُعائِهِ، كَما في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ ومِنَ الِاعْتِداءِ أنْ يَطْلُبَ ما لا يَسْتَحِقُّهُ ولا يَصْلُحُ لَهُ، كَمَن يُطْلَبُ مَنزِلَةً في الجَنَّةِ مُساوِيَةً لِمَنزِلَةِ الأنْبِياءِ أوْ فَوْقَها.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أيْ كَما أجَبْتُهم إذا دَعَوْنِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي فِيما دَعَوْتُهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ والطّاعاتِ، وقِيلَ مَعْناهُ: أنَّهم يَطْلُبُونَ إجابَةَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِدُعائِهِمْ بِاسْتِجابَتِهِمْ لَهُ: أيِ القِيامِ بِما أمَرَهم بِهِ والتَّرْكِ لِما نَهاهم عَنْهُ.
والرُّشْدُ خِلافُ الغَيِّ، رَشَدَ يَرْشُدُ رُشْدًا ورَشَدًا.
قالَ الهَرَوِيُّ: الرُّشْدُ والرَّشَدُ والرَّشادُ: الهُدى والِاسْتِقامَةُ.
قالَ: ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ الصَّلْتِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: سَألَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: أيْنَ رَبُّنا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ أنَّهُ «سَألَ أعْرابِيٌّ النَّبِيَّ ﷺ: أيْنَ رَبُّنا» ؟ فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ عَلِيٍّ «قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعاءِ، فَإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلِيَّ ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ رَبُّنا يَسْمَعُ الدُّعاءَ أمْ كَيْفَ ذَلِكَ» ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ بَلَغَهُ لَمّا نَزَلَتِ ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكم﴾ قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أيَّ ساعَةٍ نَدْعُو ؟ فَنَزَلَتْ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها إثْمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ بِها إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: إمّا أنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وإمّا أنْ يَدَّخِرَ لَهُ في الآخِرَةِ، وإمّا أنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها» .
وثَبَتَ في الصَّحِيحِ أيْضًا مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يُسْتَجابُ لِأحَدِكم ما لَمْ يُعَجِّلْ، يَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ قالَ: لِيَدْعُونِي ﴿ولْيُؤْمِنُوا بِي﴾ أيْ أنَّهم إذا دَعَوْنِي اسْتَجَبْتُ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ أيْ فَلْيُطِيعُونِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ﴾ قالَ: يَهْتَدُونَ.
البقرة 2:187
قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ هَذا الَّذِي أحَلَّهُ اللَّهُ كانَ حَرامًا عَلَيْهِمْ، وهَكَذا كانَ كَما يُفِيدُهُ السَّبَبُ لِنُزُولِ الآيَةِ وسَيَأْتِي.
والرَّفَثُ: كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ.
قالَ الزَّجّاجُ: الرَّفَثُ كَلِمَةٌ جامِعَةٌ لِكُلِّ ما يُرِيدُ الرَّجُلَ مِنَ امْرَأتِهِ، وكَذا قالَ الأزْهَرِيُّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ويُرَيْنَ مِن أُنْسِ الحَدِيثِ زَوانِيًا وبِهِنَّ عَنْ رَفَثِ الرِّجالِ نِفارُ
وقِيلَ الرَّفَثُ: أصْلُهُ قَوْلُ الفُحْشِ، رَفَثَ وأرْفَثَ: إذا تَكَلَّمَ بِالقَبِيحِ، ولَيْسَ هو المُرادَ هُنا، وعُدِّيَ الرَّفَثُ بِإلى لِتَضْمِينِهِ مَعْنى الإمْضاءِ، وجَعَلَ النِّساءَ لِباسًا لِلرِّجالِ، والرِّجالَ لِباسًا لَهُنَّ لِامْتِزاجِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما بِالآخَرِ عِنْدَ الجِماعِ كالِامْتِزاجِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الثَّوْبِ ولابِسِهِ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: يُقالُ لِلْمَرْأةِ: لِباسٌ وفِراشٌ وإزارٌ.
وقِيلَ: إنَّما جَعَلَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما لِباسًا لِلْآخَرِ لِأنَّهُ يَسْتُرُهُ عِنْدَ الجِماعِ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ.
وقَوْلُهُ: ﴿تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ تَخُونُونَها بِالمُباشِرَةِ في لَيالِي الصَّوْمِ، يُقالُ: خانَ واخْتانَ بِمَعْنًى، وهُما مِنَ الخِيانَةِ.
قالَ القُتَيْبِيُّ: أصْلُ الخِيانَةِ أنْ يُؤْتَمَنَ الرَّجُلُ عَلى شَيْءٍ فَلا يُؤَدِّي الأمانَةَ فِيهِ. انْتَهى.
وإنَّما سَمّاهم خائِنِينَ لِأنْفُسِهِمْ لِأنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما قَبُولُ التَّوْبَةِ مِن خِيانَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، والآخَرُ التَّخْفِيفُ عَنْهم بِالرُّخْصَةِ والإباحَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي خَفَّفَ عَنْكم، وكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي تَخْفِيفًا، وهَكَذا قَوْلُهُ: ﴿وعَفا عَنْكم﴾ يَحْتَمِلُ العَفْوَ مِنَ الذَّنْبِ، ويَحْتَمِلُ التَّوْسِعَةَ والتَّسْهِيلَ.
وقَوْلُهُ: وابْتَغُوا قِيلَ: هو الوَلَدُ، أيِ ابْتَغُوا بِمُباشَرَةِ نِسائِكم حُصُولَ ما هو مُعْظَمُ المَقْصُودِ مِنَ النِّكاحِ وهو حُصُولُ النَّسْلِ، وقِيلَ: المُرادُ ابْتَغُوا القُرْآنَ بِما أُبِيحَ لَكم فِيهِ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: ابْتَغُوا الرُّخْصَةَ والتَّوْسِعَةَ، وقِيلَ: ابْتَغُوا ما كَتَبَ لَكم مِنَ الإماءِ والزَّوْجاتِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا يُفِيدُهُ النَّظْمُ القُرْآنِيُّ، ولا دَلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ آخَرُ، وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ " واتَّبِعُوا " بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ مِنَ الِاتِّباعِ، وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ هو تَشْبِيهٌ بَلِيغٌ، والمُرادُ هُنا بِالخَيْطِ الأبْيَضِ: هو المُعْتَرِضُ في الأُفُقِ، لا الَّذِي هو كَذَنَبِ السِّرْحانِ، فَإنَّ الفَجْرَ الكاذِبِ الَّذِي لا يُحِلُّ شَيْئًا ولا يُحَرِّمُهُ.
والمُرادُ بِالخَيْطِ الأسْوَدِ: سَوادُ اللَّيْلِ، والتَّبَيُّنُ: أنْ يَمْتازَ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عِنْدَ دُخُولِ وقْتِ الفَجْرِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأنَّ لِلصَّوْمِ غايَةً هي اللَّيْلُ، فَعِنْدَ إقْبالِ اللَّيْلِ مِنَ المَشْرِقِ وإدْبارِ النَّهارِ مِنَ المَغْرِبِ يُفْطِرُ الصّائِمُ ويَحِلُّ لَهُ الأكْلُ والشُّرْبُ (p-١٢١)وغَيْرُهُما.
وقَوْلُهُ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ قِيلَ: المُرادُ بِالمُباشَرَةِ هُنا الجِماعُ، وقِيلَ: تَشْمَلُ التَّقْبِيلَ واللَّمْسَ إذا كانا لِشَهْوَةٍ لا إذا كانا لِغَيْرِ شَهْوَةٍ، فَهُما جائِزانِ كَما قالَهُ عَطاءٌ والشّافِعِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهم، وعَلى هَذا يَحْتَمِلُ ما حَكاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ مِنَ الإجْماعِ عَلى أنَّ المُعْتَكِفَ لا يُباشِرُ ولا يُقَبِّلُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الحِكايَةُ لِلْإجْماعِ مُقَيَّدَةً بِأنْ يَكُونا لِشَهْوَةٍ، والِاعْتِكافُ في اللُّغَةِ: المُلازَمَةُ، يُقالُ عَكَفَ عَلى الشَّيْءِ: إذا لازَمَهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎وظَلَّ بَناتُ اللَّيْلِ حَوْلِيَ عُكَّفًا ∗∗∗ عُكُوفَ البَواكِي حَوْلَهُنَّ صَرِيعُ
ولَمّا كانَ المُعْتَكِفُ يُلازِمُ المَسْجِدَ قِيلَ لَهُ: عاكِفٌ في المَسْجِدِ ومُعْتَكِفٌ فِيهِ، لِأنَّهُ يَحْبِسُ نَفْسَهُ لِهَذِهِ العِبادَةِ في المَسْجِدِ.
والِاعْتِكافُ في الشَّرْعِ: مُلازَمَةُ طاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ عَلى شَرْطٍ مَخْصُوصٍ.
وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ، وعَلى أنَّهُ لا يَكُونُ إلّا في مَسْجِدٍ، ولِلِاعْتِكافِ أحْكامٌ مُسْتَوْفاةٌ في كُتُبِ الفِقْهِ وشُرُوحِ الحَدِيثِ.
وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أيْ هَذِهِ الأحْكامُ حُدُودُ اللَّهِ.
وأصِلُ الحَدِّ المَنعُ، ومِنهُ سُمِّيَ البَوّابُ والسَّجّانُ حَدّادًا، وسُمِّيَتِ الأوامِرُ والنَّواهِي حُدُودَ اللَّهِ، لِأنَّها تَمْنَعُ أنْ يَدْخُلَ فِيها ما لَيْسَ مِنها، وأنْ يَخْرُجَ عَنْها ما هو مِنها، ومِن ذَلِكَ سُمِّيَتِ الحُدُودُ حُدُودًا لِأنَّها تَمْنَعُ أصْحابَها مِنَ العَوْدِ.
ومَعْنى النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِها النَّهْيُ عَنْ تَعَدِّيها بِالمُخالَفَةِ لَها، وقِيلَ: إنْ حُدُودَ اللَّهِ هي مَحارِمُهُ فَقَطْ، ومِنها المُباشَرَةُ مِنَ المُعْتَكِفِ والإفْطارُ في رَمَضانَ لِغَيْرِ عُذْرٍ وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَبَقَ النَّهْيُ عَنْهُ، ومَعْنى النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِها عَلى هَذا واضِحٌ.
وقَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ﴾ أيْ كَما بَيَّنَ لَكم هَذِهِ الحُدُودَ يُبَيِّنُ لَكُمُ العَلاماتِ الهادِيَةَ إلى الحَقِّ وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ الرَّجُلُ صائِمًا فَحَضَرَ الإفْطارُ فَنامَ قَبْلَ أنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ ولا يَوْمَهُ حَتّى يُمْسِيَ، وإنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأنْصارِيَّ كانَ صائِمًا، فَكانَ يَوْمُهُ ذَلِكَ يَعْمَلُ في أرْضِهِ، فَلَمّا حَضَرَ الإفْطارُ أتى امْرَأتَهُ فَقالَ: هَلْ عِنْدَكِ طَعامٌ ؟ قالَتْ: لا، ولَكِنْ أنْطَلِقُ فَأطْلُبُ لَكَ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنامَ وجاءَتِ امْرَأتُهُ، فَلَمّا رَأتْهُ نائِمًا قالَتْ: خَيْبَةً لَكَ أنِمْتَ ؟ فَلَمّا انْتَصَفَ النَّهارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَفَرِحُوا بِها فَرَحًا شَدِيدًا» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِهِ قالَ: لَمّا نَزَلَ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ كانُوا لا يَقْرَبُونَ النِّساءَ رَمَضانَ كُلَّهُ، فَكانَ رِجالٌ يَخُونُونَ أنْفُسَهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكم﴾ الآيَةَ.
وقَدْ رُوِيَ في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ أحادِيثُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ نَحْوَ ما قالَهُ البَراءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النّاسُ أوَّلَ ما أسْلَمُوا إذا صامَ أحَدُهم يَصُومُ يَوْمَهُ حَتّى إذا أمْسى طَعِمَ مِنَ الطَّعامِ، ثُمَّ قالَ: وإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ أتى امْرَأتَهُ، ثُمَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: يا رَسُولَ إنِّي أعْتَذِرُ إلى اللَّهِ وإلَيْكَ مِن نَفْسِي، وذَكَرَ ما وقَعَ مِنهُ، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: «إنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا في شَهْرِ رَمَضانَ، إذا صَلَّوُا العِشاءَ حَرُمَ عَلَيْهِمُ النِّساءُ والطَّعامُ والشَّرابُ إلى مِثْلِها مِنَ القابِلَةِ، ثُمَّ إنَّ أُناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ أصابُوا النِّساءَ والطَّعامَ في رَمَضانَ بَعْدَ العَشاءِ، مِنهم عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّفَثُ الجِماعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدُّخُولُ والتَّغَشِّي والإفْضاءُ والمُباشَرَةُ والرَّفَثُ واللَّمْسُ والمَسُّ هَذا الجِماعُ، غَيْرَ أنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يُكَنِّي بِما شاءَ عَمّا شاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ قالَ: هُنَّ سَكَنٌ لَكم وأنْتُمْ سَكَنٌ لَهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: تَظْلِمُونَ أنْفُسَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ قالَ: انْكِحُوهُنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكم﴾ قالَ: الوَلَدُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: لَيْلَةَ القَدْرِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: وابْتَغُوا الرُّخْصَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.
قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ ولَمْ يَنْزِلْ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلَيْهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أنَّهُ يَعْنِي اللَّيْلَ والنَّهارَ.
وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، أنَّهُ جَعَلَ تَحْتَ وِسادِهِ خَيْطَيْنِ أبْيَضَ وأسْوَدَ، وجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْهِما فَلا يَتَبَيَّنُ لَهُ الأبْيَضُ مِنَ الأسْوَدِ، فَغَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ وِسادَكَ إذًا لَعَرِيضٌ، إنَّما ذَلِكَ بَياضُ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ» .
وفِي رِوايَةٍ في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ أنَّهُ قالَ لَهُ: «إنَّكَ لِعَرِيضُ القَفا» .
وفِي رِوايَةٍ عِنْدَ ابْنِ جَرِيرٍ وابْنِ أبِي حاتِمٍ: «أنَّهُ ضَحِكَ مِنهُ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانُوا يُجامِعُونَ وهم مُعْتَكِفُونَ حَتّى نَزَلَتْ ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " إذا جامَعَ المُعْتَكِفُ بِطَلَ اعْتِكافُهُ ويَسْتَأْنِفُ " .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-١٢٢)﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ قالَ: يَعْنِي طاعَةَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ﴿حُدُودُ اللَّهِ﴾ مَعْصِيَةُ اللَّهِ، يَعْنِي المُباشَرَةَ في الِاعْتِكافِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ أنَّها الجِماعُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: كَذَلِكَ يَعْنِي هَكَذا يُبَيِّنُ اللَّهُ.
البقرة 2:188
هَذا يَعُمُّ جَمِيعَ الأُمَّةِ وجَمِيعَ الأمْوالِ، لا يَخْرُجُ عَنْ ذَلِكَ إلّا ما ورَدَ دَلِيلُ الشَّرْعِ بِأنَّهُ يَجُوزُ أخْذُهُ، فَإنَّهُ مَأْخُوذٌ بِالحَقِّ لا بِالباطِلِ، ومَأْكُولٌ بِالحِلِّ لا بِالإثْمِ، وإنْ كانَ صاحِبُهُ كارِهًا كَقَضاءِ الدَّيْنِ إذا امْتَنَعَ مِنهُ مَن هو عَلَيْهِ، وتَسْلِيمُ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ مِنَ الزَّكاةِ ونَحْوِها، ونَفَقَةُ مَن أوْجَبَ الشَّرْعُ نَفَقَتَهُ.
والحاصِلُ أنَّ ما لَمْ يُبِحِ الشَّرْعُ أخْذَهُ مِن مالِكِهِ، فَهو مَأْكُولٌ بِالباطِلِ وإنْ طابَتْ بِهِ نَفْسُ مالِكِهِ: كَمَهْرِ البَغِيِّ وحُلْوانِ الكاهِنِ، وثَمَنِ الخَمْرِ.
والباطِلُ في اللُّغَةِ: الذّاهِبُ الزّائِلُ.
قَوْلُهُ: وتُدْلُوا مَجْزُومٌ عَطْفًا عَلى تَأْكُلُوا فَهو مِن جُمْلَةِ النَّهْيِ عَنْهُ، يُقالُ: أدْلى الرَّجُلُ بِحُجَّتِهِ أوْ بِالأمْرِ الَّذِي يَرْجُو النَّجاحَ بِهِ تَشْبِيهًا بِالَّذِي يُرْسِلُ الدَّلْوَ في البِئْرِ، يُقالُ أدْلى دَلْوَهُ: أرْسَلَها، والمَعْنى أنَّكم لا تَجْمَعُوا بَيْنَ أكْلِ الأمْوالِ بِالباطِلِ وبَيْنَ الإدْلاءِ بِها إلى الحُكّامِ بِالحُجَجِ الباطِلَةِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ أنَّ حُكْمَ الحاكِمُ لا يُحَلِّلُ الحَرامَ ولا يُحَرِّمُ الحَلالَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الأمْوالِ والفُرُوجِ، فَمَن يَحْكُمُ لَهُ القاضِي بِشَيْءٍ مُسْتَنِدًا في حُكْمِهِ إلى شَهادَةِ زُورٍ أوْ يَمِينِ فُجُورٍ فَلا يَحِلُّ لَهُ أكْلُهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، وهَكَذا إذا أرْشى الحاكِمَ فَحَكَمَ لَهُ بِغَيْرِ الحَقِّ فَإنَّهُ مِن أكْلِ أمْوالِ النّاسِ بِالباطِلِ، ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لا يُحَلِّلُ الحَرامَ ولا يُحَرِّمُ الحَلالَ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ ما يُخالِفُ ذَلِكَ، وهو مَرْدُودٌ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى وبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَما في حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوِ ما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ بِشَيْءٍ فَلا يَأْخُذْهُ فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما.
وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا﴾ أيْ قِطْعَةً أوْ جُزْءًا أوْ طائِفَةً، فَعَبَّرَ بِالفَرِيقِ عَنْ ذَلِكَ، وأصْلُ الفَرِيقِ: القِطْعَةُ مِنَ الغَنَمِ تَشِذُّ عَنْ مُعْظَمِها.
وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: لِتَأْكُلُوا أمْوالَ فَرِيقٍ مِنَ النّاسِ بِالإثْمِ، وسُمِّيَ الظُّلْمُ والعُدْوانُ إثْمًا بِاعْتِبارِ تَعَلُّقِهِ بِفاعِلِهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ حالَ كَوْنِكم عالِمِينَ أنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لَيْسَ مِنَ الحَقِّ في شَيْءٍ، وهَذا أشَدُّ لِعِقابِهِمْ وأعْظَمُ لِجُرْمِهِمْ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا في الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ مالٌ ولَيْسَ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، فَيَجْحَدُ المالَ ويُخاصِمُ إلى الحُكّامِ وهو يَعْرِفُ أنَّ الحَقَّ عَلَيْهِ.
ورَوى سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مَعْناها لا تُخاصِمْ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّكَ ظالِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ امْرَأ القَيْسِ بْنَ عابِسٍ وعَبْدانَ بْنَ أشْوَعَ الحَضْرَمِيَّ اخْتَصَما في أرْضٍ، وأرادَ امْرُؤُ القَيْسِ أنْ يَحْلِفَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم﴾ الآيَةَ.
البقرة 2:189
قَوْلُهُ: ﴿يَسْألُونَكَ﴾ سَيَأْتِي بَيانُ مَن هُمُ السّائِلُونَ لَهُ ﷺ، والأهِلَّةُ جَمْعُ هِلالٍ، وجَمْعُها بِاعْتِبارِ هِلالِ كُلِّ شَهْرٍ، أوْ كُلِّ لَيْلَةٍ، تَنْزِيلًا لِاخْتِلافِ الأوْقاتِ مَنزِلَةَ اخْتِلافِ الذَّواتِ، والهِلالُ اسْمٌ لِما يَبْدُو في أوَّلِ الشَّهْرِ وفي آخِرِهِ.
قالَ الأصْمَعِيُّ: هو هِلالٌ حَتّى يَسْتَدِيرَ، وقِيلَ: هو هِلالٌ حَتّى يُنِيرَ بِضَوْئِهِ السَّماءَ وذَلِكَ لَيْلَةَ السّابِعِ.
وإنَّما قِيلَ لَهُ: هِلالٌ لِأنَّ النّاسَ يَرْفَعُونَ أصْواتَهم بِالإخْبارِ عَنْهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، ومِنهُ اسْتَهَلَّ الصَّبِيُّ: إذا صاحَ، واسْتَهَلَّ وجْهُهُ وتَهَلَّلَ: إذا ظَهَرَ فِيهِ السُّرُورُ.
قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ فِيهِ بَيانُ وجْهِ الحِكْمَةِ في زِيادَةِ الهِلالِ ونُقْصانِهِ، وأنَّ ذَلِكَ لِأجْلِ بَيانِ المَواقِيتِ الَّتِي يُوَقِّتُ النّاسُ عِباداتِهِمْ ومُعامَلاتِهِمْ بِها كالصَّوْمِ والفِطْرِ والحَجِّ ومُدَّةِ الحَمْلِ والعِدَّةِ والإجاراتِ والأيْمانِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ والحِسابَ﴾ والمَواقِيتُ جَمْعُ المِيقاتِ، وهو الوَقْتُ.
وقِراءَةُ الجُمْهُورِ والحَجِّ بِفَتْحِ الحاءِ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِكَسْرِها في جَمِيعِ القُرْآنِ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: الحَجُّ بِالفَتْحِ كالرَّدِّ والشَّدِّ، وبِالكَسْرِ كالذِّكْرِ مَصْدَرانِ بِمَعْنًى، وقِيلَ: بِالفَتْحِ مَصْدَرٌ، وبِالكَسْرِ الِاسْمُ.
وإنَّما أفْرَدَ سُبْحانَهُ الحَجَّ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ مِمّا يُحْتاجُ فِيهِ إلى مَعْرِفَةِ الوَقْتِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ النَّسِيءُ عَنْ وقْتِهِ، ولِعِظَمِ المَشَقَّةِ عَلى مَنِ التَبَسَ عَلَيْهِ وقْتُ مَناسِكِهِ أوْ أخْطَأ وقْتَها أوْ وقْتَ بَعْضِها.
وقَدْ جَعَلَ بَعْضُ عُلَماءِ المَعانِي هَذا الجَوابَ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ﴾ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، وهو تَلَقِّي المُخاطَبِ بِغَيْرِ ما يَتَرَقَّبُ، تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ الأوْلى بِالقَصْدِ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهم سَألُوا عَنْ أجْرامِ الأهِلَّةِ بِاعْتِبارِ زِيادَتِها ونُقْصانِها، فَأُجِيبُوا بِالحِكْمَةِ الَّتِي كانَتْ تِلْكَ الزِّيادَةُ والنُّقْصانُ لِأجْلِها لِكَوْنِ ذَلِكَ أوْلى بِأنْ يَقْصِدَ السّائِلُ، وأحَقُّ بِأنْ يَتَطَلَّعَ لِعِلْمِهِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ وجْهُ اتِّصالِ هَذا بِالسُّؤالِ عَنِ الأهِلَّةِ والجَوابِ بِأنَّها مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ: أنَّ الأنْصارَ كانُوا إذا حَجُّوا لا يَدْخُلُونَ مِن أبْوابِ بُيُوتِهِمْ إذا رَجَعَ أحَدُهم إلى بَيْتِهِ بَعْدَ إحْرامِهِ قَبْلَ تَمامِ حَجِّهِ، لِأنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُحْرِمَ لا يَجُوزُ أنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ حائِلٌ، وكانُوا يَتَسَنَّمُونَ ظُهُورَ بُيُوتِهِمْ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ هَذا مِن ضَرْبِ المَثَلِ، والمَعْنى: لَيْسَ البِرُّ أنْ تَسْألُوا الجُهّالَ، ولَكِنَّ البِرَّ التَّقْوى واسْألُوا العُلَماءَ، كَما تَقُولُ: أتَيْتُ هَذا الأمْرَ مِن بابِهِ، وقِيلَ: هو مَثَلٌ في جِماعِ النِّساءِ، وأنَّهم أُمِرُوا بِإتْيانِهِنَّ في (p-١٢٣)القُبُلِ لا في الدُّبُرِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
والبُيُوتُ جَمْعُ بَيْتٍ، وقُرِئَ بِضَمِّ الباءِ وكَسْرِها.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ التَّقْوى والفَلاحِ، وسَبَقَ أيْضًا أنَّ التَّقْدِيرَ في مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى﴾ ولَكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنِ اتَّقى.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ وثَعْلَبَةَ بْنِ عَثْمَةَ.
وهُما رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ قالا: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُ الهِلالِ يَبْدُو ويَطْلُعُ دَقِيقًا مِثْلَ الخَيْطِ، ثُمَّ يَزِيدُ حَتّى يَعْظُمَ ويَسْتَوِيَ، ثُمَّ لا يَزالُ يَنْقُصُ ويَدِقُّ حَتّى يَعُودَ كَما كانَ لا يَكُونُ عَلى حالٍ واحِدٍ ؟ فَنَزَلَتْ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ في حِلِّ دَيْنِهِمْ ولِصَوْمِهِمْ ولِفِطْرِهِمْ وعِدَدِ نِسائِهِمْ والشُّرُوطِ الَّتِي إلى أجَلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الأهِلَّةِ لِمَ جُعِلَتْ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ الآيَةَ، فَجَعَلَها لِصَوْمِ المُسْلِمِينَ ولِإفْطارِهِمْ ولِمَناسِكِهِمْ وحَجِّهِمْ وعِدَدِ نِسائِهِمْ ومَحَلَّ دَيْنِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ نَحْوَهُ.
وقَدْ رَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جَعَلَ اللَّهُ الأهِلَّةَ مَواقِيتَ لِلنّاسِ فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإنَّ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ يَوْمًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَدِيٍّ والدّارَقُطْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ البَراءِ قالَ: كانُوا إذا أحْرَمُوا في الجاهِلِيَّةِ أتَوُا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها فَنَزَلَتْ ﴿ولَيْسَ البِرُّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَتْ قُرَيْشٌ تُدْعى الحُمْسَ، وكانُوا يَدْخُلُونَ مِنَ الأبْوابِ في الإحْرامِ، وكانَتِ الأنْصارُ وسائِرُ العَرَبِ لا يَدْخُلُونَ مِن بابٍ في الإحْرامِ، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في بُسْتانٍ إذْ خَرَجَ مِن بابِهِ وخَرَجَ مَعَهُ قُطْبَةُ بْنُ عامِرٍ الأنْصارِيُّ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قُطْبَةَ بْنَ عامِرٍ رَجُلٌ فاجِرٌ، وإنَّهُ خَرَجَ مَعَكَ مِنَ البابِ، فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ قالَ: رَأيْتُكَ فَعَلْتَهُ فَفَعَلْتُ كَما فَعَلْتَ، فَقالَ: إنِّي رَجُلٌ أحْمَسِيٌّ، قالَ: فَإنَّ دِينِي دِينُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وقَدْ ورَدَ هَذا المَعْنى عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ.
البقرة 2:190
لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِتالَ كانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ كانَ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ .
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَن عَدا النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ ونَحْوِهم، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ، والمُرادُ بِالِاعْتِداءِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ هو مُقاتَلَةُ مَن يُقاتِلُ مِنَ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ.
والمُرادُ بِهِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مُجاوَزَةُ قَتْلِ مَن يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلى قَتْلِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُقالُ: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقَفًا، ورَجُلٌ ثَقِيفٌ: إذا كانَ مُحْكِمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ.
قالَ في الكَشّافِ: والثَّقَفُ وُجُودٌ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، ومِنهُ رَجُلٌ ثَقَفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ. انْتَهى.
ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎فَإمّا يَثْقَفَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ جَذِيمَةُ إنَّ قَتْلَهم دَواءُ
قَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مَكَّةَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ انْتَهى.
وقَدِ امْتَثَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَ رَبِّهِ، فَأخْرَجَ مِن مَكَّةَ مَن لَمْ يُسْلِمْ عِنْدَ أنْ فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ الفِتْنَةُ الَّتِي أرادُوا أنْ يَفْتِنُوكم، وهي رُجُوعُكم إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ المِحْنَةُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالإنْسانِ في نَفْسِهِ أوْ أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ عِرْضِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ الشِّرْكُ الَّذِي عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ القَتْلَ في الحَرَمِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ الشِّرْكَ الَّذِي هم عَلَيْهِ أشَدُّ مِمّا يَسْتَعْظِمُونَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم إنْ قَتَلُوكم.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الفِتْنَةُ في الدِّينِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، وعَلى أيِّ صُورَةٍ اتَّفَقَتْ، فَإنَّها أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ القِتالُ في الحَرَمِ إلّا بَعْدَ أنْ يَتَعَدّى بِالقِتالِ فِيهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ بِالمُقاتَلَةِ لَهُ، وهَذا هو الحَقُّ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ بِبِناءِ العامِّ عَلى الخاصِّ، فَيُقْتَلُ المُشْرِكُ حَيْثُ وُجِدَ إلّا بِالحَرَمِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» وهو في الصَّحِيحِ.
وقَدِ احْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّسْخِ بِقَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ خَطَلٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي أحَلَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ (p-١٢٤)عَنْ قِتالِكم ودَخَلُوا في الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِمُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ إلى غايَةٍ هي أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، وهو الدُّخُولُ في الإسْلامِ، والخُرُوجُ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، فَمَن دَخَلَ في الإسْلامِ وأقْلَعَ عَنِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ قِتالُهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها الفِتْنَةُ في الدِّينِ عَلى عُمُومِها كَما سَلَفَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَعْتَدُوا إلّا عَلى مَن ظَلَمَ وهو مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الفِتْنَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ، وإنَّما سُمِّيَ جَزاءُ الظّالِمِينَ عُدْوانًا؛ مُشاكَلَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ( بَراءَةٌ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا مَن ألْقى السَّلَمَ وكَفَّ يَدَهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَقُولُ: الشِّرْكُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ارْتِدادُ المُؤْمِنِ إلى الوَثَنِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَقْتُلَ مُحِقًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ قالَ: حَتّى يَبْدَءُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فَكانَ كَذَلِكَ حَتّى نَسَخَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا في ( بَراءَةٌ ) قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ قالَ: فَإنْ تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يَقُولُ: شِرْكٌ بِاللَّهِ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾ ويُخْلِصَ التَّوْحِيدَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ، قالَ: الشِّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: حَتّى لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: هم مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
البقرة 2:191
لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِتالَ كانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ كانَ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ .
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَن عَدا النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ ونَحْوِهم، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ، والمُرادُ بِالِاعْتِداءِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ هو مُقاتَلَةُ مَن يُقاتِلُ مِنَ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ.
والمُرادُ بِهِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مُجاوَزَةُ قَتْلِ مَن يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلى قَتْلِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُقالُ: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقَفًا، ورَجُلٌ ثَقِيفٌ: إذا كانَ مُحْكِمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ.
قالَ في الكَشّافِ: والثَّقَفُ وُجُودٌ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، ومِنهُ رَجُلٌ ثَقَفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ. انْتَهى.
ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎فَإمّا يَثْقَفَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ جَذِيمَةُ إنَّ قَتْلَهم دَواءُ
قَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مَكَّةَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ انْتَهى.
وقَدِ امْتَثَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَ رَبِّهِ، فَأخْرَجَ مِن مَكَّةَ مَن لَمْ يُسْلِمْ عِنْدَ أنْ فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ الفِتْنَةُ الَّتِي أرادُوا أنْ يَفْتِنُوكم، وهي رُجُوعُكم إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ المِحْنَةُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالإنْسانِ في نَفْسِهِ أوْ أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ عِرْضِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ الشِّرْكُ الَّذِي عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ القَتْلَ في الحَرَمِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ الشِّرْكَ الَّذِي هم عَلَيْهِ أشَدُّ مِمّا يَسْتَعْظِمُونَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم إنْ قَتَلُوكم.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الفِتْنَةُ في الدِّينِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، وعَلى أيِّ صُورَةٍ اتَّفَقَتْ، فَإنَّها أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ القِتالُ في الحَرَمِ إلّا بَعْدَ أنْ يَتَعَدّى بِالقِتالِ فِيهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ بِالمُقاتَلَةِ لَهُ، وهَذا هو الحَقُّ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ بِبِناءِ العامِّ عَلى الخاصِّ، فَيُقْتَلُ المُشْرِكُ حَيْثُ وُجِدَ إلّا بِالحَرَمِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» وهو في الصَّحِيحِ.
وقَدِ احْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّسْخِ بِقَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ خَطَلٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي أحَلَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ (p-١٢٤)عَنْ قِتالِكم ودَخَلُوا في الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِمُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ إلى غايَةٍ هي أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، وهو الدُّخُولُ في الإسْلامِ، والخُرُوجُ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، فَمَن دَخَلَ في الإسْلامِ وأقْلَعَ عَنِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ قِتالُهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها الفِتْنَةُ في الدِّينِ عَلى عُمُومِها كَما سَلَفَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَعْتَدُوا إلّا عَلى مَن ظَلَمَ وهو مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الفِتْنَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ، وإنَّما سُمِّيَ جَزاءُ الظّالِمِينَ عُدْوانًا؛ مُشاكَلَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ( بَراءَةٌ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا مَن ألْقى السَّلَمَ وكَفَّ يَدَهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَقُولُ: الشِّرْكُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ارْتِدادُ المُؤْمِنِ إلى الوَثَنِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَقْتُلَ مُحِقًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ قالَ: حَتّى يَبْدَءُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فَكانَ كَذَلِكَ حَتّى نَسَخَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا في ( بَراءَةٌ ) قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ قالَ: فَإنْ تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يَقُولُ: شِرْكٌ بِاللَّهِ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾ ويُخْلِصَ التَّوْحِيدَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ، قالَ: الشِّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: حَتّى لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: هم مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
البقرة 2:192
لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِتالَ كانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ كانَ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ .
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَن عَدا النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ ونَحْوِهم، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ، والمُرادُ بِالِاعْتِداءِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ هو مُقاتَلَةُ مَن يُقاتِلُ مِنَ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ.
والمُرادُ بِهِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مُجاوَزَةُ قَتْلِ مَن يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلى قَتْلِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُقالُ: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقَفًا، ورَجُلٌ ثَقِيفٌ: إذا كانَ مُحْكِمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ.
قالَ في الكَشّافِ: والثَّقَفُ وُجُودٌ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، ومِنهُ رَجُلٌ ثَقَفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ. انْتَهى.
ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎فَإمّا يَثْقَفَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ جَذِيمَةُ إنَّ قَتْلَهم دَواءُ
قَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مَكَّةَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ انْتَهى.
وقَدِ امْتَثَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَ رَبِّهِ، فَأخْرَجَ مِن مَكَّةَ مَن لَمْ يُسْلِمْ عِنْدَ أنْ فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ الفِتْنَةُ الَّتِي أرادُوا أنْ يَفْتِنُوكم، وهي رُجُوعُكم إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ المِحْنَةُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالإنْسانِ في نَفْسِهِ أوْ أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ عِرْضِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ الشِّرْكُ الَّذِي عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ القَتْلَ في الحَرَمِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ الشِّرْكَ الَّذِي هم عَلَيْهِ أشَدُّ مِمّا يَسْتَعْظِمُونَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم إنْ قَتَلُوكم.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الفِتْنَةُ في الدِّينِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، وعَلى أيِّ صُورَةٍ اتَّفَقَتْ، فَإنَّها أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ القِتالُ في الحَرَمِ إلّا بَعْدَ أنْ يَتَعَدّى بِالقِتالِ فِيهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ بِالمُقاتَلَةِ لَهُ، وهَذا هو الحَقُّ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ بِبِناءِ العامِّ عَلى الخاصِّ، فَيُقْتَلُ المُشْرِكُ حَيْثُ وُجِدَ إلّا بِالحَرَمِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» وهو في الصَّحِيحِ.
وقَدِ احْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّسْخِ بِقَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ خَطَلٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي أحَلَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ (p-١٢٤)عَنْ قِتالِكم ودَخَلُوا في الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِمُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ إلى غايَةٍ هي أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، وهو الدُّخُولُ في الإسْلامِ، والخُرُوجُ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، فَمَن دَخَلَ في الإسْلامِ وأقْلَعَ عَنِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ قِتالُهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها الفِتْنَةُ في الدِّينِ عَلى عُمُومِها كَما سَلَفَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَعْتَدُوا إلّا عَلى مَن ظَلَمَ وهو مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الفِتْنَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ، وإنَّما سُمِّيَ جَزاءُ الظّالِمِينَ عُدْوانًا؛ مُشاكَلَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ( بَراءَةٌ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا مَن ألْقى السَّلَمَ وكَفَّ يَدَهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَقُولُ: الشِّرْكُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ارْتِدادُ المُؤْمِنِ إلى الوَثَنِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَقْتُلَ مُحِقًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ قالَ: حَتّى يَبْدَءُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فَكانَ كَذَلِكَ حَتّى نَسَخَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا في ( بَراءَةٌ ) قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ قالَ: فَإنْ تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يَقُولُ: شِرْكٌ بِاللَّهِ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾ ويُخْلِصَ التَّوْحِيدَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ، قالَ: الشِّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: حَتّى لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: هم مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
البقرة 2:193
لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ القِتالَ كانَ مَمْنُوعًا قَبْلَ الهِجْرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿واهْجُرْهم هَجْرًا جَمِيلًا﴾ وقَوْلِهِ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا نَزَلَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقِتالِ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقِيلَ: إنَّ أوَّلَ ما نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ كانَ ﷺ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ .
وقالَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: إنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ مَن عَدا النِّساءِ والصِّبْيانِ والرُّهْبانِ ونَحْوِهم، وجَعَلُوا هَذِهِ الآيَةَ مُحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ، والمُرادُ بِالِاعْتِداءِ عِنْدَ أهْلِ القَوْلِ الأوَّلِ هو مُقاتَلَةُ مَن يُقاتِلُ مِنَ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ.
والمُرادُ بِهِ عَلى القَوْلِ الثّانِي مُجاوَزَةُ قَتْلِ مَن يَسْتَحِقُّ القَتْلَ إلى قَتْلِ مَن لا يَسْتَحِقُّهُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ يُقالُ: ثَقِفَ يَثْقَفُ ثَقَفًا، ورَجُلٌ ثَقِيفٌ: إذا كانَ مُحْكِمًا لِما يَتَناوَلُهُ مِنَ الأُمُورِ.
قالَ في الكَشّافِ: والثَّقَفُ وُجُودٌ عَلى وجْهِ الأخْذِ والغَلَبَةِ، ومِنهُ رَجُلٌ ثَقَفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ لِأقْرانِهِ. انْتَهى.
ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ:
؎فَإمّا يَثْقَفَنَّ بَنِي لُؤَيٍّ جَذِيمَةُ إنَّ قَتْلَهم دَواءُ
قَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ أيْ مَكَّةَ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: الخِطابُ لِلْمُهاجِرِينَ، والضَّمِيرُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ انْتَهى.
وقَدِ امْتَثَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَ رَبِّهِ، فَأخْرَجَ مِن مَكَّةَ مَن لَمْ يُسْلِمْ عِنْدَ أنْ فَتَحَها اللَّهُ عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ أيِ الفِتْنَةُ الَّتِي أرادُوا أنْ يَفْتِنُوكم، وهي رُجُوعُكم إلى الكُفْرِ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ المِحْنَةُ الَّتِي تَنْزِلُ بِالإنْسانِ في نَفْسِهِ أوْ أهْلِهِ أوْ مالِهِ أوْ عِرْضِهِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ الشِّرْكُ الَّذِي عَلَيْهِ المُشْرِكُونَ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَعْظِمُونَ القَتْلَ في الحَرَمِ، فَأخْبَرَهُمُ اللَّهُ أنَّ الشِّرْكَ الَّذِي هم عَلَيْهِ أشَدُّ مِمّا يَسْتَعْظِمُونَهُ، وقِيلَ: المُرادُ فِتْنَتُهم إيّاكم بِصَدِّكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ أشَدُّ مِن قَتْلِكم إيّاهم في الحَرَمِ أوْ مِن قَتْلِهِمْ إيّاكم إنْ قَتَلُوكم.
والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ الفِتْنَةُ في الدِّينِ بِأيِّ سَبَبٍ كانَ، وعَلى أيِّ صُورَةٍ اتَّفَقَتْ، فَإنَّها أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الآيَةَ.
اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّها مُحْكَمَةٌ، وأنَّهُ لا يَجُوزُ القِتالُ في الحَرَمِ إلّا بَعْدَ أنْ يَتَعَدّى بِالقِتالِ فِيهِ فَإنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهُ بِالمُقاتَلَةِ لَهُ، وهَذا هو الحَقُّ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ ويُجابُ عَنْ هَذا الِاسْتِدْلالِ بِأنَّ الجَمْعَ مُمْكِنٌ بِبِناءِ العامِّ عَلى الخاصِّ، فَيُقْتَلُ المُشْرِكُ حَيْثُ وُجِدَ إلّا بِالحَرَمِ، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «إنَّها لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» وهو في الصَّحِيحِ.
وقَدِ احْتَجَّ القائِلُونَ بِالنَّسْخِ بِقَتْلِهِ ﷺ لِابْنِ خَطَلٍ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِأسْتارِ الكَعْبَةِ، ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ وقَعَ في تِلْكَ السّاعَةِ الَّتِي أحَلَّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ .
قَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ أيْ (p-١٢٤)عَنْ قِتالِكم ودَخَلُوا في الإسْلامِ.
قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ فِيهِ الأمْرُ بِمُقاتَلَةِ المُشْرِكِينَ إلى غايَةٍ هي أنْ لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وأنْ يَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ، وهو الدُّخُولُ في الإسْلامِ، والخُرُوجُ عَنْ سائِرِ الأدْيانِ المُخالِفَةِ لَهُ، فَمَن دَخَلَ في الإسْلامِ وأقْلَعَ عَنِ الشِّرْكِ لَمْ يَحِلَّ قِتالُهُ، قِيلَ: المُرادُ بِالفِتْنَةِ هُنا الشِّرْكُ، والظّاهِرُ أنَّها الفِتْنَةُ في الدِّينِ عَلى عُمُومِها كَما سَلَفَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ أيْ لا تَعْتَدُوا إلّا عَلى مَن ظَلَمَ وهو مَن لَمْ يَنْتَهِ عَنِ الفِتْنَةِ، ولَمْ يَدْخُلْ في الإسْلامِ، وإنَّما سُمِّيَ جَزاءُ الظّالِمِينَ عُدْوانًا؛ مُشاكَلَةً كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ .
وقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ .
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ أنَّها أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمّا نَزَلَتْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ، ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ، حَتّى نَزَلَتْ سُورَةُ ( بَراءَةٌ ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ أُمِرُوا بِقِتالِ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ: لا تَقْتُلُوا النِّساءَ والصِّبْيانَ والشَّيْخَ الكَبِيرَ ولا مَن ألْقى السَّلَمَ وكَفَّ يَدَهُ، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ أنَّهُ قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَقُولُ: الشِّرْكُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ارْتِدادُ المُؤْمِنِ إلى الوَثَنِ أشُدُّ عَلَيْهِ مِن أنْ يَقْتُلَ مُحِقًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ قالَ: حَتّى يَبْدَءُوا بِالقِتالِ، ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنْ قَتادَةَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وقَوْلَهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ فَكانَ كَذَلِكَ حَتّى نَسَخَ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا في ( بَراءَةٌ ) قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾، ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ قالَ: فَإنْ تابُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يَقُولُ: شِرْكٌ بِاللَّهِ ﴿ويَكُونَ الدِّينُ﴾ ويُخْلِصَ التَّوْحِيدَ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ، قالَ: الشِّرْكُ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا تُقاتِلُوا إلّا مَن قاتَلَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: حَتّى لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا عُدْوانَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ﴾ قالَ: هم مَن أبى أنْ يَقُولَ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
البقرة 2:194
قَوْلُهُ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ﴾ أيْ إذا قاتَلُوكم في الشَّهْرِ الحَرامِ وهَتَكُوا حُرْمَتَهُ قاتَلْتُمُوهم في الشَّهْرِ الحَرامِ مُكافَأةً لَهم ومُجازاةً عَلى فِعْلِهِمْ.
﴿والحُرُماتُ﴾ جَمْعُ حُرْمَةٍ، كالظُّلُماتِ جَمْعُ ظُلْمَةٍ، إنَّما جَمَعَ الحُرُماتِ لِأنَّهُ أرادَ الشَّهْرَ الحَرامَ والبَلَدَ الحَرامَ وحُرْمَةَ الإحْرامِ، والحُرْمَةُ: ما مَنَعَ الشَّرْعُ مِنَ انْتِهاكِهِ.
والقِصاصُ: المُساواةُ، والمَعْنى: أنَّ كُلَّ حُرْمَةٍ يَجْرِي فِيها القِصاصُ، فَمَن هَتَكَ حُرْمَةً عَلَيْكم فَلَكم أنْ تَهْتِكُوا حُرْمَةً عَلَيْهِ قِصاصًا، قِيلَ: وهَذا كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِالقِتالِ، وقِيلَ: إنَّهُ ثابِتٌ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ لَمْ يُنْسَخْ، ويَجُوزُ لِمَن تُعُدِّيَ عَلَيْهِ في مالٍ أوْ بَدَنٍ أنْ يَتَعَدّى بِمِثْلِ ما تُعُدِّيَ عَلَيْهِ، وبِهَذا قالَ الشّافِعِيُّ وغَيْرُهُ.
وقالَ آخَرُونَ: إنَّ أُمُورَ القِصاصِ مَقْصُورَةٌ عَلى الحُكّامِ، وهَكَذا الأمْوالُ لِقَوْلِهِ ﷺ: «أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» .
أخْرَجَهُ الدّارَقُطْنِيُّ وغَيْرُهُ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وجُمْهُورُ المالِكِيَّةِ وعَطاءٌ الخُراسانِيُّ، والقَوْلُ الأوَّلُ أرْجَحُ، وبِهِ قالَ ابْنُ المُنْذِرِ واخْتارَهُ ابْنُ العَرَبِيِّ والقُرْطُبِيُّ، وحَكاهُ الدّاوُدِيُّ عَنْ مالِكٍ، ويُؤَيِّدُهُ «إذْنُهُ ﷺ لِامْرَأةِ أبِي سُفْيانَ أنْ تَأْخُذَ مِن مالِهِ ما يَكْفِيها ووَلَدَها» وهو في الصَّحِيحِ، ولا أصْرَحَ وأوْضَحَ مِن قَوْلِهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكم﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّأْكِيدِ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ وإنَّما سَمّى المُكافَأةَ اعْتِداءً مُشاكَلَةً كَما تَقَدَّمَ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا سارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُعْتَمِرًا في سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ وحَبَسَهُ المُشْرِكُونَ عَنِ الدُّخُولِ والوُصُولِ إلى البَيْتِ، وصَدُّوهُ بِمَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ في ذِي القَعْدَةِ، وهو شَهْرٌ حَرامٌ قاضاهم عَلى الدُّخُولِ مِن قابِلٍ، فَدَخَلَها في السَّنَةِ الآتِيَةِ هو ومَن كانَ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ وأقَصَّهُ اللَّهُ مِنهم - نَزَلَتْ في ذَلِكَ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجا أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.
وقَوْلِهِ: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿ولَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ، وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا ونَحْوُهُ نَزَلَ بِمَكَّةَ والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ قَلِيلٌ لَيْسَ لَهم سُلْطانٌ بِقَهْرِ المُشْرِكِينَ، فَكانَ المُشْرِكُونَ يَتَعاطَوْنَهم بِالشَّتْمِ والأذى، فَأمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مَن يَتَجازى مِنهم أنْ يَتَجازى بِمِثْلِ ما أُوتِيَ إلَيْهِ أوْ يَصْبِرُوا ويَعْفُوا، (p-١٢٥)فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ وأعَزَّ اللَّهُ سُلْطانَهُ، أمَرَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ أنْ يَنْتَهُوا في مَظالِمِهِمْ إلى سُلْطانِهِمْ، ولا يَعْدُوا بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ كَأهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فَقالَ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: يَنْصُرُهُ السُّلْطانُ حَتّى يُنْصِفَهُ عَلى مَن ظَلَمَهُ، ومَنِ انْتَصَرَ لِنَفْسِهِ دُونَ السُّلْطانِ فَهو عاصٍ مُسْرِفٌ، قَدْ عَمِلَ بِحَمِيَّةِ الجاهِلِيَّةِ ولَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى.
وأقُولُ: هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي جَعَلَها ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ناسِخَةً مُؤَيِّدَةً لِما تَدُلُّ عَلَيْهِ الآياتُ الَّتِي جَعَلَها مَنسُوخَةً ومُؤَكِّدَةً لَهُ، فَإنَّ الظّاهِرَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ أنَّهُ جَعَلَ السُّلْطانَ لَهُ، أيْ جَعَلَ لَهُ تَسَلُّطًا يَتَسَلَّطُ بِهِ عَلى القاتِلِ، ولِهَذا قالَ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنا أنَّ مَعْنى الآيَةِ كَما قالَهُ لَكانَ ذَلِكَ مُخَصِّصًا لِلْقَتْلِ مِن عُمُومِ الآياتِ المَذْكُورَةِ لا ناسِخًا لَها، فَإنَّهُ لَمْ يَنُصَّ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا عَلى القَتْلِ وحْدَهُ، وتِلْكَ الآياتُ شامِلَةٌ لَهُ ولِغَيْرِهِ، وهَذا مَعْلُومٌ مِن لُغَةِ العَرَبِ الَّتِي هي المَرْجِعُ في تَفْسِيرِ كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
البقرة 2:195
فِي هَذِهِ الآيَةِ الأمْرُ بِالإنْفاقِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو الجِهادُ، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ غَيْرَهُ مِمّا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ مِن سَبِيلِ اللَّهِ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ زائِدَةٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا تُلْقُوا أيْدِيَكم، ومِثْلُهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بِأنَّ اللَّهَ يَرى﴾ وقالَ المُبَرِّدُ: ﴿بِأيْدِيكُمْ﴾ أيْ بِأنْفُسِكم تَعْبِيرًا بِالبَعْضِ عَنِ الكُلِّ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ وقِيلَ: هَذا مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، يُقالُ: فُلانٌ ألْقى بِيَدِهِ في أمْرِ كَذا: إذا اسْتَسْلَمَ، لِأنَّ المُسْتَسْلِمَ في القِتالِ يُلْقِي سِلاحَهُ بِيَدَيْهِ، فَكَذَلِكَ فِعْلُ كُلِّ عاجِزٍ في أيِّ فِعْلٍ كانَ وقالَ قَوْمٌ: التَّقْدِيرُ ولا تُلْقُوا أنْفُسَكم بِأيْدِيكم.
والتَّهْلُكَةُ: مَصْدَرٌ مِن هَلَكَ يَهْلَكُ هَلاكًا وهُلْكًا وتَهْلُكَةً، أيْ لا تَأْخُذُوا فِيما يُهْلِكُكم.
ولِلسَّلَفِ في مَعْنى الآيَةِ أقْوالٌ سَيَأْتِي بَيانُها، وبَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ.
والحَقُّ أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَكُلُّ ما صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ تَهْلُكَةٌ في الدِّينِ أوِ الدُّنْيا فَهو داخِلٌ في هَذا، وبِهِ قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.
ومِن جُمْلَةِ ما يَدْخُلُ تَحْتَ الآيَةِ أنْ يَقْتَحِمَ الرَّجُلُ في الحَرْبِ فَيَحْمِلُ عَلى الجَيْشِ مَعَ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلى التَّخَلُّصِ وعَدَمِ تَأْثِيرِهِ لِأثَرٍ يَنْفَعُ المُجاهِدِينَ، ولا يَمْنَعُ مِن دُخُولِ هَذا تَحْتَ الآيَةِ إنْكارُ مَن أنْكَرَهُ مِنَ الَّذِينَ رَأوُا السَّبَبَ، فَإنَّهم ظَنُّوا أنَّ الآيَةَ لا تُجاوِزَ سَبَبَها، وهو ظَنٌّ تَدْفَعُهُ لُغَةُ العَرَبِ.
وقَوْلُهُ: ﴿وأحْسِنُوا﴾ أيْ في الإنْفاقِ في الطّاعَةِ، أوْ أحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ في إخْلافِهِ عَلَيْكم.
وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: هو تَرْكُ النَّفَقَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ مَخافَةَ العَيْلَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ أيْضًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: هو البُخْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: كانَ رِجالٌ يَخْرُجُونَ في بُعُوثٍ يَبْعَثُها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ نَفَقَةٍ، فَإمّا يَقْطَعُ لَهم، وإمّا كانُوا عِيالًا، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَسْتَنْفِقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ ولا يُلْقُوا بِأيْدِيهمْ إلى التَّهْلُكَةِ.
والتَّهْلُكَةُ: أنْ تَهْلَكَ رِجالٌ مِنَ الجُوعِ والعَطَشِ ومِنَ المَشْيِ.
وقالَ لِمَن بِيَدِهِ فَضْلٌ: ﴿وأحْسِنُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ وابْنُ مانِعٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ أبِي جُبَيْرَةَ: أنَّ الأنْصارَ كانُوا يُنْفِقُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ويَتَصَدَّقُونَ، فَأصابَتْهم سَنَةٌ فَساءَ ظَنُّهم وأمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أسْلَمَ بْنِ عِمْرانَ قالَ: كُنّا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ، وعَلى أهْلِ مِصْرَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ، وعَلى أهْلِ الشّامِ فُضالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، فَخَرَجَ صَفٌّ عَظِيمٌ مِنَ الرُّومِ فَصَفَفْنا لَهم، فَحَمَلَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلى صَفِّ الرُّومِ حَتّى دَخَلَ فِيهِمْ، فَصاحَ النّاسُ وقالُوا: سُبْحانَ اللَّهِ يُلْقِي بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ ؟ فَقامَ أبُو أيُّوبَ صاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تُئَوِّلُونَ الآيَةَ هَذا التَّأْوِيلَ، وإنَّما أُنْزِلَتْ فِينا هَذِهِ الآيَةُ مَعْشَرَ الأنْصارِ، إنّا لَمّا أعَزَّ اللَّهُ دِينَهُ وكَثُرَ ناصِرُوهُ، قالَ بَعْضُنا لِبَعْضٍ سِرًّا دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنْ أمْوالَ النّاسِ قَدْ ضاعَتْ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أعَزَّ الإسْلامَ وكَثُرَ ناصِرُوهُ، فَلَوْ أقَمْنا في أمْوالِنا فَأصْلَحْنا ما ضاعَ مِنها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ يَرُدُّ عَلَيْنا: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ فَكانَتِ التَّهْلُكَةُ الإقامَةَ في الأمْوالِ وإصْلاحَها وتَرْكَ الغَزْوِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: هو الرَّجُلُ يُذْنِبُ الذَّنْبَ فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ فَيَقُولُ: لا يَغْفِرُ اللَّهُ لِي أبَدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ قالَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ: إنَّهُ القُنُوطُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: التَّهْلُكَةُ عَذابُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ أنَّهم حاصَرُوا دِمَشْقَ فَأسْرَعَ رَجُلٌ إلى العَدُوِّ وحْدَهُ، فَعابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، ورُفِعَ حَدِيثُهُ إلى عَمْرِو بْنِ العاصِ فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَرَدَّهُ، وقالَ: قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأحْسِنُوا﴾ قالَ: أدَّوُا الفَرائِضَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ (p-١٢٦)عِكْرِمَةَ قالَ: أحْسِنُوا الظَّنَّ بِاللَّهِ.
البقرة 2:196
قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ﴾ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَعْنى المُرادِ بِإتْمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ لِلَّهِ، فَقِيلَ: أداؤُهُما والإتْيانُ بِهِما مِن دُونِ أنْ يَشُوبَهُما شَيْءٌ مِمّا هو مَحْظُورٌ، ولا يُخِلَّ بِشَرْطٍ ولا فَرْضٍ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ .
وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: إتْمامُهُما أنْ تَخْرُجَ لَهُما لا لِغَيْرِهِما، وقِيلَ: إتْمامُهُما أنْ تُفِرِدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مِن غَيْرِ تَمَتُّعٍ ولا قِرانٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ حَبِيبٍ.
وقالَ مُقاتِلٌ: إتْمامُهُما أنْ لا يَسْتَحِلُّوا فِيهِما ما لا يَنْبَغِي لَهم، وقِيلَ: إتْمامُهُما أنْ يُحْرِمَ لَهُما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِهِ، وقِيلَ: أنْ يُنْفِقَ في سَفَرِهِما الحَلالَ الطَّيِّبَ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ وما هو مَرْوِيٌّ عَنِ السَّلَفِ في مَعْنى إتْمامِهِما.
وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ لِأنَّ الأمْرَ بِإتْمامِهِما أمْرٌ بِها، وبِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وطاوُسٌ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ والشَّعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومَسْرُوقٌ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو عُبَيْدٍ وابْنُ الجَهْمِ مِنَ المالِكِيَّةِ.
وقالَ مالِكٌ والنَّخَعِيُّ وأصْحابُ الرَّأْيِ كَما حَكاهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهم: أنَّها سُنَّةٌ.
وحُكِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَقُولُ بِالوُجُوبِ.
ومِنَ القائِلِينَ بِأنَّها سُنَّةٌ ابْنُ مَسْعُودٍ وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ الأوَّلُونَ ما ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ في الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ لِأصْحابِهِ: «مَن كانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيُهِلَّ بِحَجٍّ وعُمْرَةَ» .
وثَبَتَ عَنْهُ أيْضًا في الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: «دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ فَرِيضَتانِ لا يَضُرُّكَ بِأيِّهِما بَدَأْتَ» .
واسْتَدَلَّ الآخَرُونَ بِما أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ في الآيَةِ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ الحَنَفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرٍ «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ العُمْرَةِ: أواجِبَةٌ هي ؟ قالَ: لا وأنْ تَعْتَمِرُوا خَيْرٌ لَكم» وأجابُوا عَنِ الآيَةِ وعَنِ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِأنَّها فَرِيضَةٌ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ قَدْ وقَعَ الدُّخُولُ فِيها، وهي بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيها واجِبَةٌ بِلا خِلافٍ، وهَذا وإنْ كانَ فِيهِ بُعْدٌ، لَكِنَّهُ يَجِبُ المَصِيرُ إلَيْهِ جَمْعًا بَيْنَ الأدِلَّةِ ولا سِيَّما بَعْدَ تَصْرِيحِهِ ﷺ بِما تَقَدَّمَ في حَدِيثِ جابِرٍ مِن عَدَمِ الوُجُوبِ، وعَلى هَذا يُحْمَلُ ما ورَدَ مِمّا فِيهِ دَلالَةٌ عَلى وُجُوبِها، كَما أخْرَجَهُ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ أنَّ في الكِتابِ الَّذِي كَتَبَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: «إنَّ العُمْرَةَ هي الحَجُّ الأصْغَرُ» .
وكَحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ في الشُّعَبِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أوْصِنِي، فَقالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ شَهْرَ رَمَضانَ، وتَحُجُّ وتَعْتَمِرُ، وتَسْمَعُ وتُطِيعُ، وعَلَيْكَ بِالعَلانِيَةِ، وإيّاكَ والسِّرَّ» وهَكَذا يَنْبَغِي حَمْلُ ما ورَدَ مِنَ الأحادِيثِ الَّتِي قَرَنَ فِيها بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ في أنَّهُما مِن أفْضَلِ الأعْمالِ، وأنَّهُما كَفّارَةٌ لِما بَيْنَهُما، وأنَّهُما يَهْدِمانِ ما كانَ قَبْلَهُما ونَحْوِ ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ الحَصْرُ: الحَبْسُ.
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ والكِسائِيُّ والخَلِيلُ: إنَّهُ يُقالُ أُحْصِرَ بِالمَرَضِ، وحُصِرَ بِالعَدُوِّ.
وفِي المُجْمَلِ لِابْنِ فارِسٍ العَكْسُ، يُقالُ: أُحْصِرَ بِالعَدُوِّ، وحُصِرَ بِالمَرَضِ.
ورَجَّحَ الأوَّلَ ابْنُ العَرَبِيِّ وقالَ: هو رَأْيُ أكْثَرِ أهْلِ اللُّغَةِ.
وقالَ الزَّجّاجُ: إنَّهُ كَذَلِكَ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ اللُّغَةِ.
وقالَ الفَرّاءُ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ في المَرَضِ والعَدُوِّ.
ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو الشَّيْبانِيُّ فَقالَ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي، أيْ حَبَسَنِي.
وبِسَبَبِ هَذا الِاخْتِلافِ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ اخْتَلَفَ أئِمَّةُ الفِقْهِ في مَعْنى الآيَةِ، فَقالَتِ الحَنَفِيَّةُ: - المُحْصَرُ مَن يَصِيرُ مَمْنُوعًا مِن مَكَّةَ بَعْدَ الإحْرامِ بِمَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ غَيْرِهِ.
وقالَتِ الشّافِعِيَّةُ وأهْلُ المَدِينَةِ المُرادُ بِالآيَةِ حَصْرُ العَدُوِّ.
وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ المُحْصَرَ بِعَدُوٍّ يَحِلُّ حَيْثُ أُحْصِرَ ويَنْحَرُ هَدْيَهُ إنْ كانَ ثَمَّ هَدْيٌ ويَحْلِقُ رَأْسَهُ، كَما فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ هو وأصْحابُهُ في الحُدَيْبِيَةِ.
وقَوْلُهُ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ " ما " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ أوِ الخَبَرِ، أيْ فالواجِبُ أوْ فَعَلَيْكم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، أيْ فانْحَرُوا أوْ فاهْدُوا ما اسْتَيْسَرَ، أيْ ما تَيَسَّرَ، يُقالُ: يَسَّرَ الأمْرَ واسْتَيْسَرَ، كَما يُقالُ: صَعَّبَ واسْتَصْعَبَ. الهَدْيُ والهَدِيُّ لُغَتانِ، وهُما جَمْعُ هَدِيَّةٍ، وهي ما يُهْدى إلى البَيْتِ مِن بَدَنَةٍ أوْ غَيْرِها.
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ وبَنُو أسَدٍ يُخَفِّفُونَ الهَدْيَ، وتَمِيمٌ وسُفْلى قَيْسٍ يُثَقِّلُونَ.
قالَ الشّاعِرُ:
؎حَلَفْتُ بِرَبِّ كَعْبَةٍ والمُصَلّى وأعْناقِ الهَدْيِ مُقَلَّداتِ
قالَ: وواحِدُ الهَدْيِ هَدِيَّةٌ، ويُقالُ: في جَمْعِ الهَدِيِّ أُهُدٌ.
واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ﴾ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ شاةٌ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ وعائِشَةُ وابْنُ الزُّبَيْرِ: جَمَلٌ أوْ بَقَرَةٌ.
وقالَ الحَسَنُ: أعْلى الهَدْيِ بَدَنَةٌ، وأوْسَطُهُ بَقَرَةٌ، وأدْناهُ شاةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ هو خِطابٌ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مُحْصَرٍ وغَيْرِ مُحْصَرٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَمْعٌ مِن أهْلِ العِلْمِ، وذَهَبَتْ طائِفَةٌ إلى أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُحْصَرِينَ خاصَّةً، أيْ لا تَحِلُّوا مِنَ الإحْرامِ حَتّى تَعْلَمُوا أنَّ الهَدْيَ الَّذِي بَعَثْتُمُوهُ إلى الحَرَمِ قَدْ بَلَغَ مَحِلَّهُ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يَحِلُّ فِيهِ ذَبْحُهُ.
واخْتَلَفُوا في تَعْيِينِهِ، فَقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: هو مَوْضِعُ الحَصْرِ اقْتِداءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَيْثُ أُحْصِرَ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هو الحَرَمُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ (p-١٢٧)المُخاطَبَ بِهِ هو الآمِنُ الَّذِي يُمْكِنُهُ الوُصُولُ إلى البَيْتِ.
وأجابَ الحَنَفِيَّةُ عَنْ نَحْرِهِ ﷺ في الحُدَيْبِيَةِ بِأنَّ طَرَفَ الحُدَيْبِيَةِ الَّذِي إلى أسْفَلَ مَكَّةَ هو مِنَ الحَرَمِ، ورُدَّ بِأنَّ المَكانَ الَّذِي وقَعَ فِيهِ النَّحْرُ لَيْسَ هو مِنَ الحَرَمِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ الآيَةَ، المُرادُ بِالمَرَضِ هُنا ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى المَرَضِ لُغَةً.
والمُرادُ بِالأذى مِنَ الرَّأْسِ: ما فِيهِ مِن قَمْلٍ أوْ جِراحٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، ومَعْنى الآيَةِ: أنَّ مَن كانَ مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ.
وقَدْ بَيَّنَتِ السُّنَّةُ ما أُطْلِقَ هُنا مِنَ الصِّيامِ والصَّدَقَةِ والنُّسُكِ، فَثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ رَأى كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ وهو مُحْرِمٌ وقَمْلُهُ يَتَساقَطُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: أيُؤْذِيكَ هَوامُّ رَأْسِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، فَأمَرَهُ أنْ يَحْلِقَ ويُطْعِمَ سِتَّةَ مَساكِينَ، أوْ يُهْدِيَ شاةً، أوْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيّامٍ» .
وقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ أنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ العُلَماءِ أنَّ النُّسُكَ هُنا هو شاةٌ.
وحُكِيَ عَنِ الجُمْهُورِ أنَّ الصَّوْمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ ثَلاثَةُ أيّامٍ، والإطْعامَ عَشَرَةُ مَساكِينَ.
والحَدِيثُ الصَّحِيحُ المُتَقَدِّمُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ ويُبْطِلُ قَوْلَهم.
وقَدْ ذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم وداوُدُ إلى أنَّ الإطْعامَ في ذَلِكَ مُدّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ أيْ لِكُلِّ مِسْكِينٍ وقالَ الثَّوْرِيُّ نِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ صاعٍ مِن غَيْرِهِ.
ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ.
قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وهَذا غَلَطٌ لِأنَّ في بَعْضِ أخْبارِ كَعْبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: تَصَدَّقْ بِثَلاثَةِ أصْوُعٍ مِن تَمْرٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ» .
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَرُوِيَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ إنْ أطْعَمَ بُرًّا فَمُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وإنْ أطْعَمَ تَمْرًا فَنِصْفُ صاعٍ.
واخْتَلَفُوا في مَكانِ هَذِهِ الفِدْيَةِ فَقالَ عَطاءٌ: ما كانَ مِن دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وما كانَ مِن طَعامٍ أوْ صِيامٍ فَحَيْثُ شاءَ.
وبِهِ قالَ أصْحابُ الرَّأْيِ.
وقالَ طاوُسٌ والشّافِعِيُّ: الإطْعامُ والدَّمُ لا يَكُونانِ إلّا بِمَكَّةَ، والصَّوْمُ حَيْثُ شاءَ.
وقالَ مالِكٌ ومُجاهِدٌ: حَيْثُ شاءَ في الجَمِيعِ، وهو الحَقُّ لِعَدَمِ الدَّلِيلِ عَلى تَعْيِينِ المَكانِ.
قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ أيْ بَرِأْتُمْ مِنَ المَرَضِ، وقِيلَ: مِن خَوْفِكم مِنَ العَدُوِّ عَلى الخِلافِ السّابِقِ، ولَكِنَّ الأمْنَ مِنَ العَدُوِّ أظْهَرُ مِنَ اسْتِعْمالِ أمِنتُمْ في ذَهابِ المَرَضِ، فَيَكُونُ مُقَوِّيًا لِقَوْلِ مَن قالَ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾، المُرادُ بِهِ الإحْصارُ مِنَ العَدُوِّ، كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ يُقَوِّي قَوْلَ مَن قالَ بِذَلِكَ لِإفْرادِ عُذْرِ المَرَضِ بِالذِّكْرِ.
وقَدْ وقَعَ الخِلافُ هَلِ المُخاطَبُ بِهَذا هُمُ المُحْصَرُونَ خاصَّةً أمْ جَمِيعُ الأُمَّةِ عَلى حَسَبِ ما سَلَفَ، والمُرادُ بِالتَّمَتُّعِ المَذْكُورِ في الآيَةِ أنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ بِعُمْرَةٍ ثُمَّ يُقِيمَ حَلالًا بِمَكَّةَ إلى أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ، فَقَدِ اسْتَباحَ بِذَلِكَ ما لا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ اسْتِباحَتُهُ، وهو مَعْنى تَمَتَّعَ واسْتَمْتَعَ.
ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في جَوازِ التَّمَتُّعِ، بَلْ هو عِنْدِي أفْضَلُ أنْواعِ الحَجِّ كَما حَرَّرْتُهُ في شَرْحِي عَلى المُنْتَقى.
وقَدْ تَقَدَّمَ الخِلافُ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ .
قَوْلُهُ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ الآيَةَ، أيْ فَمَن لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، إمّا لِعَدَمِ المالِ أوْ لِعَدَمِ الحَيَوانِ، صامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ، أيْ في أيّامِ الحَجِّ، وهي مِن عِنْدِ شُرُوعِهِ في الإحْرامِ إلى يَوْمِ النَّحْرِ، وقِيلَ: يَصُومُ قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَوْمًا ويَوْمَ التَّرْوِيَةِ ويَوْمَ عَرَفَةَ، وقِيلَ: ما بَيْنَ أنْ يُحْرِمَ بِالحَجِّ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ، وقِيلَ: يَصُومُهُنَّ مِن أوَّلِ عَشْرِ ذِي الحِجَّةِ، وقِيلَ: ما دامَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَصُومَ الثَّلاثَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ.
وقَدْ جَوَّزَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ صِيامَ أيّامِ التَّشْرِيقِ لِمَن لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، ومَنَعَهُ آخَرُونَ.
قَوْلُهُ: ﴿وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ﴾ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِخَفْضِ " سَبْعَةٍ "، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَعْمُولٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيْ وصُومُوا سَبْعَةً، وقِيلَ: عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى ثَلاثَةٍ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ مَجْرُورَةً لَفْظًا فَهي في مَحَلِّ نَصْبٍ كَأنَّهُ قِيلَ: فَصِيامُ ثَلاثَةٍ.
والمُرادُ بِالرُّجُوعِ هُنا الرُّجُوعُ إلى الأوْطانِ.
قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ: يَجْزِيهِ الصَّوْمُ في الطَّرِيقِ، ولا يَتَضَيَّقُ عَلَيْهِ الوُجُوبُ إلّا إذا وصَلَ وطَنَهُ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وقَتادَةُ والرَّبِيعُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ وعِكْرِمَةُ والحَسَنُ وغَيْرُهم.
وقالَ مالِكٌ: إذا رَجَعَ مِن مِنًى فَلا بَأْسَ أنْ يَصُومَ، والأوَّلُ أرْجَحُ.
وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ ﷺ: «فَمَن لَمْ يَجِدْ فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ» فَبَيَّنَ ﷺ أنَّ الرُّجُوعَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو الرُّجُوعُ إلى الأهْلِ.
وثَبَتَ أيْضًا في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ بِلَفْظِ «وسَبْعَةً إذا رَجَعْتُمْ إلى أمْصارِكم» وإنَّما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ﴾ مَعَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يَعْلَمُ أنَّ الثَّلاثَةَ والسَّبْعَةَ عَشَرَةٌ، لِدَفْعِ أنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الثَّلاثَةِ الأيّامِ في الحَجِّ والسَّبْعَةِ إذا رَجَعَ. قالَهُ الزَّجّاجُ.
وقالَ المُبَرِّدُ: ذُكِرَ ذَلِكَ لِيَدُلَّ عَلى انْقِضاءِ العَدَدِ لِئَلّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّهُ قَدْ بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذِكْرِ السَّبْعَةِ، وقِيلَ: هو تَوْكِيدٌ كَما تَقُولُ كَتَبْتُ بِيَدِي.
وقَدْ كانَتِ العَرَبُ تَأْتِي بِمِثْلِ هَذِهِ الفَذْلَكَةِ فِيما دُونَ هَذا العَدَدِ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ثَلاثٌ واثْنَتانِ فَهُنَّ خَمْسٌ ∗∗∗ وسادِسَةٌ تَمِيلُ إلى سِهامِي
وكَذا قَوْلُ الآخَرِ:
؎ثَلاثٌ بِالعِدادِ وذاكَ حَسْبِي ∗∗∗ وسِتٌّ حِينَ يُدْرِكُنِي العِشاءُ
؎فَذَلِكَ تِسْعَةٌ في اليَوْمِ رَيٌّ ∗∗∗ وشُرْبُ المَرْءِ فَوْقَ الرَّيِّ داءُ
وقَوْلُهُ: ﴿كامِلَةٌ﴾ تَوْكِيدٌ آخَرُ بَعْدَ الفَذْلَكَةِ لِزِيادَةِ التَّوْصِيَةِ بِصِيامِها، وأنْ لا يُنْقَصَ مِن عَدَدِها.
وقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ قِيلَ: هي راجِعَةٌ إلى التَّمَتُّعِ، فَتَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا مُتْعَةَ لِحاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ كَما يَقُولُأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ، قالُوا: ومَن تَمَتَّعَ مِنهم كانَ عَلَيْهِ دَمٌ، وهو دَمُ جِنايَةٍ لا يَأْكُلُ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّها راجِعَةٌ إلى الحُكْمِ، وهو وُجُوبُ الهَدْيِ والصِّيامِ، فَلا يَجِبُ ذَلِكَ عَلى مَن كانَ مِن حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ، كَما يَقُولُهُ الشّافِعِيُّ ومَن وافَقَهُ.
والمُرادُ بِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ: مَن لَمْ يَكُنْ ساكِنًا في الحَرَمِ، أوْ مَن لَمْ يَكُنْ ساكِنًا في المَواقِيتِ فَما دُونَها عَلى الخِلافِ (p-١٢٨)فِي ذَلِكَ بَيْنَ الأئِمَّةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ فِيما فَرَضَهُ عَلَيْكم في هَذِهِ الأحْكامِ، وقِيلَ: هو أمْرٌ بِالتَّقْوى عَلى العُمُومِ وتَحْذِيرٌ مِن شِدَّةِ عِقابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ.
وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في التَّمْهِيدِ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو بِالجِعْرانَةِ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ وعَلَيْهِ أثَرُ خَلُوقٍ، فَقالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ أصْنَعَ في عُمْرَتِي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيْنَ السّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ ؟ فَقالَ: هَأنَذا، قالَ: اخْلَعِ الجُبَّةَ واغْسِلْ عَنْكَ أثَرَ الخَلُوقِ، ثُمَّ ما كُنْتَ صانِعًا في حَجِّكِ فاصْنَعْهُ في عُمْرَتِكَ» .
وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِهِ، ولَكِنْ فِيهِما أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ ﷺ بَعْدَ السُّؤالِ ولَمْ يَذْكُرْ ما هو الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالَ: أنْ تُحْرِمَ مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ مِثْلَهُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مِن تَمامِهِما أنْ يُفْرِدَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما عَنِ الآخَرِ، وأنْ يَعْتَمِرَ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَمامُ الحَجِّ يَوْمَ النَّحْرِ إذا رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وزارَ البَيْتَ فَقَدْ حَلَّ، وتَمامُ العُمْرَةِ إذا طافَ بِالبَيْتِ وبِالصَّفا وبِالمَرْوَةِ فَقَدْ حَلَّ.
وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ الحَجِّ والعُمْرَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ لَيْسَ هَذا مَوْطِنَ ذِكْرِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يَقُولُ: مَن أحْرَمَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ ثُمَّ حُبِسَ عَنِ البَيْتِ بِمَرَضٍ يُجْهِدُهُ أوْ عَدُوٍّ يَحْبِسُهُ، فَعَلَيْهِ ذَبْحُ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ شاةً فَما فَوْقَها، وإنْ كانَتْ حَجَّةَ الإسْلامِ فَعَلَيْهِ قَضاؤُها، وإنْ كانَتْ بَعْدَ حَجَّةِ الفَرِيضَةِ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ يَقُولُ: الرَّجُلُ إذا أهَلَّ بِالحَجِّ فَأُحْصِرَ بَعَثَ بِما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، فَإنْ كانَ عَجَّلَ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَحَلَقَ رَأْسَهُ، أوْ مَسَّ طِيبًا، أوْ تَداوى بِدَواءٍ، كانَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ، فالصِّيامُ ثَلاثَةُ أيّامٍ، والصَّدَقَةُ ثَلاثَةُ آصُعٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ، والنُّسُكُ شاةٌ ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ يَقُولُ: فَإذا بَرِئَ فَمَضى مِن وجْهِهِ ذَلِكَ إلى البَيْتِ أحَلَّ مِن حَجَّتِهِ بِعُمْرَةٍ، وكانَ عَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ، فَإنْ هو رَجَعَ ولَمْ يُتِمَّ مِن وجْهِهِ ذَلِكَ إلى البَيْتِ كانَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ، فَإنْ هو رَجَعَ مُتَمَتِّعًا في أشْهُرِ الحَجِّ كانَ عَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ شاةٌ، فَإنْ هو لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ.
قالَ إبْراهِيمُ: فَذَكَرْتُ هَذا الحَدِيثَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقالَ: هَكَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في هَذا الحَدِيثِ كُلِّهِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ قالَ: شاةٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ قالَ: بَقَرَةٌ أوْ جَزُورٌ، قِيلَ: أوَما يَكْفِيهِ شاةٌ ؟ قالَ: لا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في تَفْسِيرِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ﴾ ما يَجِدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: إنْ كانَ مُوسِرًا فَمِنَ الإبِلِ، وإلّا فَمِنَ البَقَرِ، وإلّا فَمِنَ الغَنَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ القاسِمِ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ.
وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: " ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ " شاةٌ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ العَدُوِّ، فَأمّا مَن أصابَهُ مَرَضٌ أوْ وجَعٌ أوْ ضَلالٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، إنَّما قالَ اللَّهُ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ فَلا يَكُونُ الأمْنُ إلّا مِنَ الخَوْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لا إحْصارَ إلّا مِن عَدُوٍّ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءٍ قالَ: لا إحْصارَ إلّا مِن مَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ أوْ أمْرٍ حادِثٍ.
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ حَبَسَ المُحْرِمَ فَهو إحْصارٌ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ المِسْوَرِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أنْ يَحْلِقَ وأمَرَ أصْحابَهُ بِذَلِكَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قالَ: لَفِيَّ نَزَلَتْ، وإيّايَ عَنى بِها ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ يَعْنِي مَنِ اشْتَدَّ مَرَضُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ.
قالَ: يَعْنِي بِالمَرَضِ أنْ يَكُونَ بِرَأْسِهِ أذًى أوْ قُرُوحٌ، ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ قالَ: الأذى هو القَمْلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النُّسُكُ المَذْكُورُ في الآيَةِ شاةٌ.
ورُوِيَ أيْضًا عَنْ عَلِيٍّ مِثْلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ يَقُولُ: مَن أحْرَمَ بِالعُمْرَةِ في أشْهُرِ الحَجِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ أنَّ الزُّبَيْرَ كانَ يَقُولُ: إنَّما المُتْعَةُ لِمَن أُحْصِرَ، ولَيْسَتْ لِمَن خُلِّيَ سَبِيلُهُ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي لِمَن أُحْصِرَ ومَن خُلِّي سَبِيلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ قالَ: فَإنْ أخَّرَ العُمْرَةَ حَتّى يَجْمَعَها مَعَ الحَجِّ فَعَلَيْهِ الهَدْيُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ قالَ: قَبْلَ (p-١٢٩)التَّرْوِيَةِ يَوْمٌ، ويَوْمُ التَّرْوِيَةِ، ويَوْمُ عَرَفَةَ، فَإنْ فاتَتْهُ صامَهُنَّ أيّامَ التَّشْرِيقِ.
وأخْرَجَ هَؤُلاءِ إلّا ابْنَ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ إلّا أنَّهُ قالَ: وإذا فاتَهُ صامَ أيّامَ مِنًى فَإنَّهُنَّ مِنَ الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ مَرْفُوعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ ومُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الصِّيامُ لِلْمُتَمَتِّعِ ما بَيْنَ إحْرامِهِ إلى يَوْمِ عَرَفَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إذا لَمْ يَجِدِ المُتَمَتِّعُ بِالعُمْرَةِ هَدْيًا فَعَلَيْهِ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ، وإنْ كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ الثّالِثَ فَقَدْ تَمَّ صَوْمُهُ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائِشَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَصُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، ومَن لَمْ يَكُنْ صامَ تِلْكَ الثَّلاثَةَ الأيّامَ فَلْيَصُمْ أيّامَ التَّشْرِيقِ» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمَرَهُ في رَهْطٍ أنْ يَطُوفُوا في مِنًى في حَجَّةِ الوَداعِ، فَيُنادُوا: إنَّ هَذِهِ أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرِ اللَّهِ، فَلا نَصُومُ فِيهِنَّ إلّا صَوْمًا في هَدْيٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: سِتُّ قَرْياتٍ: عَرَفَةُ، وعُرَنَةُ، والرَّجِيعُ، والنَّخْلَتانِ، ومَرُّ الظَّهْرانِ، وضَجْنانُ.
وقالَ مُجاهِدٌ: هم أهْلُ الحَرَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم أهْلُ الحَرَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ.