Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — آل عمران 3:17 – آل عمران 3:55

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. آل عمران 3:17
  2. آل عمران 3:18
  3. آل عمران 3:19
  4. آل عمران 3:20
  5. آل عمران 3:21
  6. آل عمران 3:22
  7. آل عمران 3:23
  8. آل عمران 3:24
  9. آل عمران 3:25
  10. آل عمران 3:26
  11. آل عمران 3:27
  12. آل عمران 3:28
  13. آل عمران 3:29
  14. آل عمران 3:30
  15. آل عمران 3:31
  16. آل عمران 3:32
  17. آل عمران 3:33
  18. آل عمران 3:34
  19. آل عمران 3:35
  20. آل عمران 3:36
  21. آل عمران 3:37
  22. آل عمران 3:38
  23. آل عمران 3:39
  24. آل عمران 3:40
  25. آل عمران 3:41
  26. آل عمران 3:42
  27. آل عمران 3:43
  28. آل عمران 3:44
  29. آل عمران 3:45
  30. آل عمران 3:46
  31. آل عمران 3:47
  32. آل عمران 3:48
  33. آل عمران 3:49
  34. آل عمران 3:50
  35. آل عمران 3:51
  36. آل عمران 3:52
  37. آل عمران 3:53
  38. آل عمران 3:54
  39. آل عمران 3:55

آل عمران 3:17

قَوْلُهُ: زُيِّنَ لِلنّاسِ إلَخْ: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ حَقارَةِ ما تَسْتَلِذُّهُ الأنْفُسُ مِن هَذِهِ الدّارِ، والمُزَيِّنُ قِيلَ: هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وبِهِ قالَ عُمَرُ كَما حَكاهُ عَنْهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم﴾ [الكهف: ٧] . وقِيلَ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، حَكاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ زَيَّنَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ. والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي نُزُوعُ النَّفْسِ إلى ما تُرِيدُهُ. والمُرادُ هُنا المُشْتَهَياتُ عَبَّرَ عَنْها بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً في كَوْنِها مَرْغُوبًا فِيها أوْ تَحْقِيرًا لَها لِكَوْنِها مُسْتَرْذَلَةً عِنْدَ العُقَلاءِ مِن صِفاتِ الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، ووَجْهُ تَزْيِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَها ابْتِلاءُ عِبادِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ حالَ كَوْنِها مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ إلَخْ. وبَدَأ بِالنِّساءِ لِكَثْرَةِ النُّفُوسِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، وخَصَّ البَنِينَ دُونَ البَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في مَحَبَّتِهِنَّ. والقَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو اسْمٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ المالِ. قالَ الزَّجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ: تَقُولُ العَرَبُ قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ: إذا أحْكَمْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةُ لِإحْكامِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ عَلى أقْوالٍ لِلسَّلَفِ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. واخْتَلَفُوا في مَعْنى المُقَنْطَرَةِ، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناها المُضَعَّفَةُ، وقالَ القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: القَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ، والمُقَنْطَرَةُ جَمْعُ الجَمْعِ، فَتَكُونُ تِسْعَ قَناطِيرَ وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المَضْرُوبَةُ، وقِيلَ: المُكَمَّلَةُ كَما يُقالُ: بَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وأُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبِهِ قالَ مَكِّيٌّ وحَكاهُ الهَرَوِيُّ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن سَبْعِ قَناطِيرَ. وقَوْلُهُ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ، أوْ حالٌ، والخَيْلُ المُسَوَّمَةُ قِيلَ: هي المَرْعِيَّةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، يُقالُ: سامَتِ الدّابَّةُ والشّاةُ: إذا سَرَحَتْ، وقِيلَ: هي المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ، وقِيلَ: هي الحِسانُ، وقِيلَ: المُعَلَّمَةُ، مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ؛ أيِ: الَّتِي يُجْعَلُ عَلَيْها عَلامَةٌ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ المُسَوَّمَةُ: المُرْسَلَةُ وعَلَيْها رُكْبانُها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: البُلْقُ. والأنْعامُ هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، فَإذا قُلْتَ نَعَمٌ فَهي الإبِلُ خاصَّةً قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎وكانَتْ لا يَزالُ بِها أنِيسُ خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وشاءُ والحَرْثُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَحْرُوثُ، يَقُولُ: حَرَثَ الرَّجُلُ حَرْثًا، إذا أثارَ الأرْضَ فَيَقَعُ عَلى الأرْضِ والزَّرْعِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَرْثُ: التَّفْتِيشُ. قَوْلُهُ: ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ ولا يَبْقى، وفِيهِ تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والمَآبُ: المَرْجِعُ آبَ يَئُوبُ إيابًا: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ (p-٢٠٨)امْرِئِ القَيْسِ: ؎لَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ . قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم﴾، أيْ: هَلْ أُخْبِرُكم بِما هو خَيْرٌ لَكم مِن تِلْكَ المُسْتَلَذّاتِ، وإبْهامُ الخَيْرِ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ وعِنْدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن جَنّاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِخَيْرٍ. وجَنّاتٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: هو جَنّاتٌ، وخَصَّ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وما بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، والصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا يَكُونُ الصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ مَنصُوبَةً عَلى المَدْحِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ. قَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ هُمُ السّائِلُونَ لِلْمَغْفِرَةِ بِالأسْحارِ، وقِيلَ المُصَلُّونَ. والأسْحارُ جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن حِينِ يُدْبِرُ اللَّيْلُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، وخَصَّ الأسْحارَ؛ لِأنَّها مِن أوْقاتِ الإجابَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، لَمّا نَزَلَتْ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قالَ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِلَفْظِ خَيْرٍ انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ﴾ فَبَكى وقالَ: بَعْدَ ماذا، بَعْدَ ماذا بَعْدَ ما زَيَّنْتَها. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ» . رَواهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ عَنْ حَمّادٍ عَنْ عاصِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ. ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِهِ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا عَلى أبِي هُرَيْرَةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا أصَحُّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ فَقالَ: القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ» . ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ألْفِ دِينارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: القِنْطارُ مِلْءُ مَسْكِ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفًا، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: القِنْطارُ مِائَةُ رَطْلٍ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: القِنْطارُ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: هو المالُ الكَثِيرُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنِ الرَّبِيعِ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُقَنْطَرَةَ المَضْرُوبَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ قالَ: الرّاعِيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هي الرّاعِيَةُ والمُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي المُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: تَسْوِيمُها حُسْنُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الخَيْلُ المُسَوَّمَةُ الغِرَّةُ والتَّحْجِيلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ الصّابِرِينَ قالَ: قَوْمٌ صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَنْ مَحارِمِهِ، والصّادِقُونَ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيّاتُهم واسْتَقامَتْ قُلُوبُهم وألْسِنَتُهم وصَدَقُوا في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، والقانِتُونَ هُمُ المُطِيعُونَ والمُسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ أهْلُ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي إلّا أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حَتّى يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخَرِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ ؟» .

آل عمران 3:18

قَوْلُهُ: شَهِدَ اللَّهُ، أيْ بَيَّنَ وأعْلَمَ. قالَ الزَّجّاجُ: الشّاهِدُ هو الَّذِي يَعْلَمُ الشَّيْءَ ويُبَيِّنُهُ، فَقَدْ دَلَّنا عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِما خَلَقَ وبَيَّنَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَهِدَ اللَّهُ بِمَعْنى قَضى؛ أيْ: أعْلَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، وقِيلَ إنَّها شَبَّهَتْ دَلالَتَهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِأفْعالِهِ ووَحْيِهِ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في كَوْنِها مَبْنِيَّةً. وقَوْلُهُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ المُبَرِّدُ؛ أيْ: بِأنَّهُ ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ كَما في أمَرْتُكَ الخَيْرَ؛ أيْ: بِالخَيْرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِتَضْمِينِ شَهِدَ مَعْنى قالَ. وقَرَأ أبُو المُهَلَّبِ شُهَداءَ لِلَّهِ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ، أوْ عَلى المَدْحِ والمَلائِكَةُ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، وشَهادَتُهم إقْرارُهم بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٠٩)وقَوْلُهُ: وأُولُو العِلْمِ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى ما قَبْلَهُ وشَهادَتُهم بِمَعْنى الإيمانِ مِنهم وما يَقَعُ مِنَ البَيانِ لِلنّاسِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنًى يَشْمَلُ شَهادَةَ اللَّهِ وشَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أُولِي العِلْمِ هَؤُلاءِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ، وهو الحَقُّ إذْ لا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. وفِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ لِأهْلِ العِلْمِ جَلِيلَةٌ، ومَنقَبَةٌ نَبِيلَةٌ لِقُرْبِهِمْ بِاسْمِهِ واسْمِ مَلائِكَتِهِ، والمُرادُ بِأُولِي العِلْمِ هُنا عُلَماءُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِما، إذْ لا اعْتِدادَ بِعِلْمٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في العِلْمِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ العَزِيزُ والسُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ. وقَوْلُهُ: قائِمًا بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ؛ أيْ: قائِمًا بِالعَدْلِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ أوْ مُقِيمًا لَهُ، وانْتِصابُ قائِمًا عَلى الحالِ مِنَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ. قالَ في الكَشّافِ: إنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] وجازَ إفْرادُهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ دُونَ ما هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ( إلَهَ ) أيْ لا إلَهَ قائِمًا بِالقِسْطِ إلّا هو أوْ هو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( إلّا هو ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الجُمْلَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ لِأنَّ أصْلَهُ الألِفُ واللّامُ، فَلَمّا قُطِعَتْ نُصِبَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ القائِمُ بِالقِسْطِ. وقَوْلُهُ: " لا إلَهَ إلّا هو " تَكْرِيرٌ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو كالدَّعْوى، والأخِيرَةُ كالحُكْمِ. وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ الأُولى وصْفٌ وتَوْحِيدٌ، والثّانِيَةُ رَسْمٌ وتَعْلِيمٌ. وقَوْلُهُ: العَزِيزُ الحَكِيمُ مُرْتَفِعانِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِفاعِلِ شَهِدَ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الوَحْدانِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ . قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وقُرِئَ بِفَتْحِ أنَّ. قالَ الكِسائِيُّ: أنْصِبُهُما جَمِيعًا يَعْنِي قَوْلَهُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ وقَوْلَهُ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، بِمَعْنى شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ كَذا وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنَ الأُولى. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الإسْلامَ هُنا بِمَعْنى الإيمانِ وإنْ كانا في الأصْلِ مُتَغايِرَيْنِ كَما في حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَعْنى الإسْلامِ ومَعْنى الإيمانِ، وصَدَّقَهُ جِبْرِيلُ، وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما ولَكِنَّهُ قَدْ يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِاسْمِ الآخَرِ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم﴾ فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ اخْتِلافَ اليَهُودِ والنَّصارى كانَ لِمُجَرَّدِ البَغْيِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولُ في دِينِ الإسْلامِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ المُنَزَّلَةُ إلَيْهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: ما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بَغْيًا بَيْنَهم إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ. والمُرادُ بِهَذا الخِلافِ الواقِعِ بَيْنَهم هو خِلافُهم في كَوْنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وقِيلَ: اخْتِلافُهم في نُبُوَّةِ عِيسى، وقِيلَ: اخْتِلافُهم في ذاتِ بَيْنِهِمْ حَتّى قالَتِ اليَهُودُ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ فَيُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَلى كُفْرِهِ بِآياتِهِ، والإظْهارُ في قَوْلِهِ فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِهِ مَقامَ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ والتَّهْدِيدِ لَهم. قَوْلُهُ: فَإنْ حاجُّوكَ أيْ جادَلُوكَ بِالشُّبَهِ الباطِلَةِ والأقْوالِ المُحَرَّفَةِ، فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أخْلَصْتُ ذاتِي لِلَّهِ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنْ سائِرِ الذّاتِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ وأجْمَعَها لِلْحَواسِّ، وقِيلَ: الوَجْهُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ. وقَوْلُهُ: ومَنِ اتَّبَعَنِ عَطْفٌ عَلى فاعِلِ أسْلَمْتُ وجازَ لِلْفَصْلِ، وأثْبَتَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ الياءَ في اتَّبَعَنِ عَلى الأصْلِ وحَذَفَها الآخَرُونَ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ، والمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ هُنا مُشْرِكُو العَرَبِ. وقَوْلُهُ: أأسْلَمْتُمُ، اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ؛ أيْ: أسْلِمُوا، كَذا قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( أأسْلَمْتُمْ ) تَهْدِيدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَراهِينِ ما يُوجِبُ الإسْلامَ فَهَلْ عَلِمْتُمْ بِمُوجِبِ ذَلِكَ أمْ لا ؟ تَبْكِيتًا لَهم وتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ في الإنْصافِ وقَبُولِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ: فَقَدِ اهْتَدَوْا أيْ ظَفِرُوا بِالهِدايَةِ الَّتِي هي الحَظُّ الأكْبَرُ، وفازُوا بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنْ تَوَلَّوْا أيْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ ولَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ أيْ فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبْلِغَهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، والبَلاغُ مَصْدَرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾، فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أحْوالِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: قائِمًا بِالقِسْطِ قالَ: بِالعَدْلِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قالَ: الإسْلامُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإقْرارُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ أوْلِياءَهُ لا يَقْبَلُ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا بِالإسْلامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ حَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ صَنَمٍ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ صَنَمٌ أوْ صَنَمانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ، فَأصْبَحَتِ الأصْنامُ كُلُّها قَدْ خَرَّتْ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ وأبُو مَنصُورٍ الشَّحامِيُّ في الأرْبَعِينَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ وآيَةَ الكُرْسِيِّ والآيَتَيْنِ مِن آلِ عِمْرانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ . ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ (p-٢١٠)إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦، ٢٧] هُنَّ مُعَلَّقاتٌ بِالعَرْشِ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ، يَقُلْنَ: يا رَبِّ تَهَبَّطْنا إلى أرْضِكَ وإلى مَن يَعْصِيكَ ؟ قالَ اللَّهُ: إنِّي حَلَفْتُ لا يَقْرَؤُكُنَّ أحَدٌ مِن عِبادِي دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إلّا جَعَلْتُ الجَنَّةَ مَأْواهُ عَلى ما كانَ مِنهُ، وإلّا أسْكَنْتُهُ حَظِيرَةَ القُدُسِ، وإلّا نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي المَكْنُونَةِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ نَظْرَةً وإلّا قَضَيْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ، وإلّا أعَذْتُهُ مِن كُلِّ عَدُّوٍ ونَصَرْتُهُ مِنهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وفِيهِ «لا يَتْلُوكُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلّا غَفَرْتُ لَهُ ما كانَ مِنهُ، وأسْكَنْتُهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو بِعَرَفَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ: وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ وأنا أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ غالِبٍ القَطّانِ قالَ: أتَيْتُ الكُوفَةَ في تِجارَةٍ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا﴾ هو إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ فَقالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ بِهِ اللَّهُ، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، وهي لِي ودِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، قالَها مِرارًا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيها شَيْئًا فَسَألْتُهُ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ وأنا أحَقُّ مَن وفّى بِالعَهْدِ أدْخِلُوا عَبْدِيَ الجَنَّةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: " ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ " قالَ: بَنُو إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: بَغْيًا بَيْنَهم يَقُولُ: بَغْيًا عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ مُلْكِها وسُلْطانِها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الدُّنْيا مِن بَعْدِ ما كانُوا عُلَماءَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: فَإنْ حاجُّوكَ قالَ: إنْ حاجَّكَ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ " قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى والأُمِّيِّينَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ.

آل عمران 3:19

قَوْلُهُ: شَهِدَ اللَّهُ، أيْ بَيَّنَ وأعْلَمَ. قالَ الزَّجّاجُ: الشّاهِدُ هو الَّذِي يَعْلَمُ الشَّيْءَ ويُبَيِّنُهُ، فَقَدْ دَلَّنا عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِما خَلَقَ وبَيَّنَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَهِدَ اللَّهُ بِمَعْنى قَضى؛ أيْ: أعْلَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، وقِيلَ إنَّها شَبَّهَتْ دَلالَتَهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِأفْعالِهِ ووَحْيِهِ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في كَوْنِها مَبْنِيَّةً. وقَوْلُهُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ المُبَرِّدُ؛ أيْ: بِأنَّهُ ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ كَما في أمَرْتُكَ الخَيْرَ؛ أيْ: بِالخَيْرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِتَضْمِينِ شَهِدَ مَعْنى قالَ. وقَرَأ أبُو المُهَلَّبِ شُهَداءَ لِلَّهِ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ، أوْ عَلى المَدْحِ والمَلائِكَةُ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، وشَهادَتُهم إقْرارُهم بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٠٩)وقَوْلُهُ: وأُولُو العِلْمِ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى ما قَبْلَهُ وشَهادَتُهم بِمَعْنى الإيمانِ مِنهم وما يَقَعُ مِنَ البَيانِ لِلنّاسِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنًى يَشْمَلُ شَهادَةَ اللَّهِ وشَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أُولِي العِلْمِ هَؤُلاءِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ، وهو الحَقُّ إذْ لا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. وفِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ لِأهْلِ العِلْمِ جَلِيلَةٌ، ومَنقَبَةٌ نَبِيلَةٌ لِقُرْبِهِمْ بِاسْمِهِ واسْمِ مَلائِكَتِهِ، والمُرادُ بِأُولِي العِلْمِ هُنا عُلَماءُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِما، إذْ لا اعْتِدادَ بِعِلْمٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في العِلْمِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ العَزِيزُ والسُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ. وقَوْلُهُ: قائِمًا بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ؛ أيْ: قائِمًا بِالعَدْلِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ أوْ مُقِيمًا لَهُ، وانْتِصابُ قائِمًا عَلى الحالِ مِنَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ. قالَ في الكَشّافِ: إنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] وجازَ إفْرادُهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ دُونَ ما هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ( إلَهَ ) أيْ لا إلَهَ قائِمًا بِالقِسْطِ إلّا هو أوْ هو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( إلّا هو ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الجُمْلَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ لِأنَّ أصْلَهُ الألِفُ واللّامُ، فَلَمّا قُطِعَتْ نُصِبَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ القائِمُ بِالقِسْطِ. وقَوْلُهُ: " لا إلَهَ إلّا هو " تَكْرِيرٌ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو كالدَّعْوى، والأخِيرَةُ كالحُكْمِ. وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ الأُولى وصْفٌ وتَوْحِيدٌ، والثّانِيَةُ رَسْمٌ وتَعْلِيمٌ. وقَوْلُهُ: العَزِيزُ الحَكِيمُ مُرْتَفِعانِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِفاعِلِ شَهِدَ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الوَحْدانِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ . قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وقُرِئَ بِفَتْحِ أنَّ. قالَ الكِسائِيُّ: أنْصِبُهُما جَمِيعًا يَعْنِي قَوْلَهُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ وقَوْلَهُ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، بِمَعْنى شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ كَذا وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنَ الأُولى. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الإسْلامَ هُنا بِمَعْنى الإيمانِ وإنْ كانا في الأصْلِ مُتَغايِرَيْنِ كَما في حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَعْنى الإسْلامِ ومَعْنى الإيمانِ، وصَدَّقَهُ جِبْرِيلُ، وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما ولَكِنَّهُ قَدْ يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِاسْمِ الآخَرِ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم﴾ فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ اخْتِلافَ اليَهُودِ والنَّصارى كانَ لِمُجَرَّدِ البَغْيِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولُ في دِينِ الإسْلامِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ المُنَزَّلَةُ إلَيْهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: ما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بَغْيًا بَيْنَهم إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ. والمُرادُ بِهَذا الخِلافِ الواقِعِ بَيْنَهم هو خِلافُهم في كَوْنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وقِيلَ: اخْتِلافُهم في نُبُوَّةِ عِيسى، وقِيلَ: اخْتِلافُهم في ذاتِ بَيْنِهِمْ حَتّى قالَتِ اليَهُودُ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ فَيُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَلى كُفْرِهِ بِآياتِهِ، والإظْهارُ في قَوْلِهِ فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِهِ مَقامَ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ والتَّهْدِيدِ لَهم. قَوْلُهُ: فَإنْ حاجُّوكَ أيْ جادَلُوكَ بِالشُّبَهِ الباطِلَةِ والأقْوالِ المُحَرَّفَةِ، فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أخْلَصْتُ ذاتِي لِلَّهِ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنْ سائِرِ الذّاتِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ وأجْمَعَها لِلْحَواسِّ، وقِيلَ: الوَجْهُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ. وقَوْلُهُ: ومَنِ اتَّبَعَنِ عَطْفٌ عَلى فاعِلِ أسْلَمْتُ وجازَ لِلْفَصْلِ، وأثْبَتَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ الياءَ في اتَّبَعَنِ عَلى الأصْلِ وحَذَفَها الآخَرُونَ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ، والمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ هُنا مُشْرِكُو العَرَبِ. وقَوْلُهُ: أأسْلَمْتُمُ، اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ؛ أيْ: أسْلِمُوا، كَذا قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( أأسْلَمْتُمْ ) تَهْدِيدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَراهِينِ ما يُوجِبُ الإسْلامَ فَهَلْ عَلِمْتُمْ بِمُوجِبِ ذَلِكَ أمْ لا ؟ تَبْكِيتًا لَهم وتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ في الإنْصافِ وقَبُولِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ: فَقَدِ اهْتَدَوْا أيْ ظَفِرُوا بِالهِدايَةِ الَّتِي هي الحَظُّ الأكْبَرُ، وفازُوا بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنْ تَوَلَّوْا أيْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ ولَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ أيْ فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبْلِغَهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، والبَلاغُ مَصْدَرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾، فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أحْوالِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: قائِمًا بِالقِسْطِ قالَ: بِالعَدْلِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قالَ: الإسْلامُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإقْرارُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ أوْلِياءَهُ لا يَقْبَلُ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا بِالإسْلامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ حَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ صَنَمٍ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ صَنَمٌ أوْ صَنَمانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ، فَأصْبَحَتِ الأصْنامُ كُلُّها قَدْ خَرَّتْ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ وأبُو مَنصُورٍ الشَّحامِيُّ في الأرْبَعِينَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ وآيَةَ الكُرْسِيِّ والآيَتَيْنِ مِن آلِ عِمْرانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ . ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ (p-٢١٠)إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦، ٢٧] هُنَّ مُعَلَّقاتٌ بِالعَرْشِ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ، يَقُلْنَ: يا رَبِّ تَهَبَّطْنا إلى أرْضِكَ وإلى مَن يَعْصِيكَ ؟ قالَ اللَّهُ: إنِّي حَلَفْتُ لا يَقْرَؤُكُنَّ أحَدٌ مِن عِبادِي دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إلّا جَعَلْتُ الجَنَّةَ مَأْواهُ عَلى ما كانَ مِنهُ، وإلّا أسْكَنْتُهُ حَظِيرَةَ القُدُسِ، وإلّا نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي المَكْنُونَةِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ نَظْرَةً وإلّا قَضَيْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ، وإلّا أعَذْتُهُ مِن كُلِّ عَدُّوٍ ونَصَرْتُهُ مِنهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وفِيهِ «لا يَتْلُوكُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلّا غَفَرْتُ لَهُ ما كانَ مِنهُ، وأسْكَنْتُهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو بِعَرَفَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ: وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ وأنا أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ غالِبٍ القَطّانِ قالَ: أتَيْتُ الكُوفَةَ في تِجارَةٍ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا﴾ هو إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ فَقالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ بِهِ اللَّهُ، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، وهي لِي ودِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، قالَها مِرارًا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيها شَيْئًا فَسَألْتُهُ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ وأنا أحَقُّ مَن وفّى بِالعَهْدِ أدْخِلُوا عَبْدِيَ الجَنَّةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: " ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ " قالَ: بَنُو إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: بَغْيًا بَيْنَهم يَقُولُ: بَغْيًا عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ مُلْكِها وسُلْطانِها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الدُّنْيا مِن بَعْدِ ما كانُوا عُلَماءَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: فَإنْ حاجُّوكَ قالَ: إنْ حاجَّكَ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ " قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى والأُمِّيِّينَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ.

آل عمران 3:20

قَوْلُهُ: شَهِدَ اللَّهُ، أيْ بَيَّنَ وأعْلَمَ. قالَ الزَّجّاجُ: الشّاهِدُ هو الَّذِي يَعْلَمُ الشَّيْءَ ويُبَيِّنُهُ، فَقَدْ دَلَّنا عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِما خَلَقَ وبَيَّنَ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: شَهِدَ اللَّهُ بِمَعْنى قَضى؛ أيْ: أعْلَمَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا مَرْدُودٌ مِن جِهاتٍ، وقِيلَ إنَّها شَبَّهَتْ دَلالَتَهُ عَلى وحْدانِيَّتِهِ بِأفْعالِهِ ووَحْيِهِ بِشَهادَةِ الشّاهِدِ في كَوْنِها مَبْنِيَّةً. وقَوْلُهُ: أنَّهُ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. قالَ المُبَرِّدُ؛ أيْ: بِأنَّهُ ثُمَّ حُذِفَتِ الباءُ كَما في أمَرْتُكَ الخَيْرَ؛ أيْ: بِالخَيْرِ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ إنَّهُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ بِتَضْمِينِ شَهِدَ مَعْنى قالَ. وقَرَأ أبُو المُهَلَّبِ شُهَداءَ لِلَّهِ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ حالٌ مِنَ الصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ، أوْ عَلى المَدْحِ والمَلائِكَةُ عَطْفٌ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ، وشَهادَتُهم إقْرارُهم بِأنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. (p-٢٠٩)وقَوْلُهُ: وأُولُو العِلْمِ مَعْطُوفٌ أيْضًا عَلى ما قَبْلَهُ وشَهادَتُهم بِمَعْنى الإيمانِ مِنهم وما يَقَعُ مِنَ البَيانِ لِلنّاسِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ، وعَلى هَذا لا بُدَّ مِن حَمْلِ الشَّهادَةِ عَلى مَعْنًى يَشْمَلُ شَهادَةَ اللَّهِ وشَهادَةَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في أُولِي العِلْمِ هَؤُلاءِ مَن هم ؟ فَقِيلَ: هُمُ الأنْبِياءُ، وقِيلَ: المُهاجِرُونَ والأنْصارُ، قالَهُ ابْنُ كَيْسانَ، وقِيلَ: مُؤْمِنُو أهْلِ الكِتابِ، قالَهُ مُقاتِلٌ، وقِيلَ: المُؤْمِنُونَ كُلُّهم، قالَهُ السُّدِّيُّ والكَلْبِيُّ، وهو الحَقُّ إذْ لا وجْهَ لِلتَّخْصِيصِ. وفِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ لِأهْلِ العِلْمِ جَلِيلَةٌ، ومَنقَبَةٌ نَبِيلَةٌ لِقُرْبِهِمْ بِاسْمِهِ واسْمِ مَلائِكَتِهِ، والمُرادُ بِأُولِي العِلْمِ هُنا عُلَماءُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وما يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى مَعْرِفَتِهِما، إذْ لا اعْتِدادَ بِعِلْمٍ لا مَدْخَلَ لَهُ في العِلْمِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الكِتابُ العَزِيزُ والسُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ. وقَوْلُهُ: قائِمًا بِالقِسْطِ أيِ العَدْلِ؛ أيْ: قائِمًا بِالعَدْلِ في جَمِيعِ أُمُورِهِ أوْ مُقِيمًا لَهُ، وانْتِصابُ قائِمًا عَلى الحالِ مِنَ الِاسْمِ الشَّرِيفِ. قالَ في الكَشّافِ: إنَّها حالٌ مُؤَكِّدَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ [البقرة: ٩١] وجازَ إفْرادُهُ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ دُونَ ما هو مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ مِنَ المَلائِكَةِ وأُولِي العِلْمِ لِعَدَمِ اللَّبْسِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، وقِيلَ: إنَّهُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ: ( إلَهَ ) أيْ لا إلَهَ قائِمًا بِالقِسْطِ إلّا هو أوْ هو حالٌ مِن قَوْلِهِ: ( إلّا هو ) والعامِلُ فِيهِ مَعْنى الجُمْلَةِ. وقالَ الفَرّاءُ: هو مَنصُوبٌ عَلى القَطْعِ لِأنَّ أصْلَهُ الألِفُ واللّامُ، فَلَمّا قُطِعَتْ نُصِبَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ القائِمُ بِالقِسْطِ. وقَوْلُهُ: " لا إلَهَ إلّا هو " تَكْرِيرٌ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو كالدَّعْوى، والأخِيرَةُ كالحُكْمِ. وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ الأُولى وصْفٌ وتَوْحِيدٌ، والثّانِيَةُ رَسْمٌ وتَعْلِيمٌ. وقَوْلُهُ: العَزِيزُ الحَكِيمُ مُرْتَفِعانِ عَلى البَدَلِيَّةِ مِنَ الضَّمِيرِ أوِ الوَصْفِيَّةِ لِفاعِلِ شَهِدَ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الوَحْدانِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ . قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ إنَّ عَلى أنَّ الجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلْجُمْلَةِ الأُولى، وقُرِئَ بِفَتْحِ أنَّ. قالَ الكِسائِيُّ: أنْصِبُهُما جَمِيعًا يَعْنِي قَوْلَهُ: شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ وقَوْلَهُ: إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ، بِمَعْنى شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ كَذا وأنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ. قالَ ابْنُ كَيْسانَ: إنَّ الثّانِيَةَ بَدَلٌ مِنَ الأُولى. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ الإسْلامَ هُنا بِمَعْنى الإيمانِ وإنْ كانا في الأصْلِ مُتَغايِرَيْنِ كَما في حَدِيثِ جِبْرِيلَ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مَعْنى الإسْلامِ ومَعْنى الإيمانِ، وصَدَّقَهُ جِبْرِيلُ، وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما ولَكِنَّهُ قَدْ يُسَمّى كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِاسْمِ الآخَرِ وقَدْ ورَدَ ذَلِكَ في الكِتابِ والسُّنَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهم﴾ فِيهِ الإخْبارُ بِأنَّ اخْتِلافَ اليَهُودِ والنَّصارى كانَ لِمُجَرَّدِ البَغْيِ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا بِأنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولُ في دِينِ الإسْلامِ بِما تَضَمَّنَتْهُ كُتُبُهُمُ المُنَزَّلَةُ إلَيْهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: وفي الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والمَعْنى: ما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ بَغْيًا بَيْنَهم إلّا مِن بَعْدِ ما جاءَهُمُ العِلْمُ. والمُرادُ بِهَذا الخِلافِ الواقِعِ بَيْنَهم هو خِلافُهم في كَوْنِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَبِيًّا أمْ لا ؟ وقِيلَ: اخْتِلافُهم في نُبُوَّةِ عِيسى، وقِيلَ: اخْتِلافُهم في ذاتِ بَيْنِهِمْ حَتّى قالَتِ اليَهُودُ: لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ، وقالَتِ النَّصارى: لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ بِالآياتِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ فَإنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الحِسابِ فَيُجازِيهِ ويُعاقِبُهُ عَلى كُفْرِهِ بِآياتِهِ، والإظْهارُ في قَوْلِهِ فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِهِ مَقامَ الإضْمارِ لِلتَّهْوِيلِ عَلَيْهِمْ والتَّهْدِيدِ لَهم. قَوْلُهُ: فَإنْ حاجُّوكَ أيْ جادَلُوكَ بِالشُّبَهِ الباطِلَةِ والأقْوالِ المُحَرَّفَةِ، فَقُلْ أسْلَمْتُ وجْهِيَ لِلَّهِ أيْ أخْلَصْتُ ذاتِي لِلَّهِ، وعَبَّرَ بِالوَجْهِ عَنْ سائِرِ الذّاتِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ أعْضاءِ الإنْسانِ وأجْمَعَها لِلْحَواسِّ، وقِيلَ: الوَجْهُ هُنا بِمَعْنى القَصْدِ. وقَوْلُهُ: ومَنِ اتَّبَعَنِ عَطْفٌ عَلى فاعِلِ أسْلَمْتُ وجازَ لِلْفَصْلِ، وأثْبَتَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو ويَعْقُوبُ الياءَ في اتَّبَعَنِ عَلى الأصْلِ وحَذَفَها الآخَرُونَ اتِّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ، والمُرادُ بِالأُمِّيِّينَ هُنا مُشْرِكُو العَرَبِ. وقَوْلُهُ: أأسْلَمْتُمُ، اسْتِفْهامٌ تَقْرِيرِيٌّ يَتَضَمَّنُ الأمْرَ؛ أيْ: أسْلِمُوا، كَذا قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: ( أأسْلَمْتُمْ ) تَهْدِيدٌ، والمَعْنى: أنَّهُ قَدْ أتاكم مِنَ البَراهِينِ ما يُوجِبُ الإسْلامَ فَهَلْ عَلِمْتُمْ بِمُوجِبِ ذَلِكَ أمْ لا ؟ تَبْكِيتًا لَهم وتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِمْ في الإنْصافِ وقَبُولِ الحَقِّ. وقَوْلُهُ: فَقَدِ اهْتَدَوْا أيْ ظَفِرُوا بِالهِدايَةِ الَّتِي هي الحَظُّ الأكْبَرُ، وفازُوا بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وإنْ تَوَلَّوْا أيْ أعْرَضُوا عَنْ قَبُولِ الحُجَّةِ ولَمْ يَعْمَلُوا بِمُوجِبِها فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ أيْ فَإنَّما عَلَيْكَ أنْ تُبْلِغَهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ، ولَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ، والبَلاغُ مَصْدَرٌ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِالعِبادِ﴾، فِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِتَضَمُّنِهِ أنَّهُ عالِمٌ بِجَمِيعِ أحْوالِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: قائِمًا بِالقِسْطِ قالَ: بِالعَدْلِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ قالَ: الإسْلامُ شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، والإقْرارُ بِما جاءَ بِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَ لِنَفْسِهِ وبَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ أوْلِياءَهُ لا يَقْبَلُ غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ رَسُولًا إلّا بِالإسْلامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ حَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وثَلاثُمِائَةِ صَنَمٍ لِكُلِّ قَبِيلَةٍ مِن قَبائِلِ العَرَبِ صَنَمٌ أوْ صَنَمانِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ الآيَةَ، فَأصْبَحَتِ الأصْنامُ كُلُّها قَدْ خَرَّتْ سُجَّدًا لِلْكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ وأبُو مَنصُورٍ الشَّحامِيُّ في الأرْبَعِينَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ فاتِحَةَ الكِتابِ وآيَةَ الكُرْسِيِّ والآيَتَيْنِ مِن آلِ عِمْرانَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ . ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وتُعِزُّ مَن تَشاءُ وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ (p-٢١٠)إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [آل عمران: ٢٦، ٢٧] هُنَّ مُعَلَّقاتٌ بِالعَرْشِ ما بَيْنَهُنَّ وبَيْنَ اللَّهِ حِجابٌ، يَقُلْنَ: يا رَبِّ تَهَبَّطْنا إلى أرْضِكَ وإلى مَن يَعْصِيكَ ؟ قالَ اللَّهُ: إنِّي حَلَفْتُ لا يَقْرَؤُكُنَّ أحَدٌ مِن عِبادِي دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ إلّا جَعَلْتُ الجَنَّةَ مَأْواهُ عَلى ما كانَ مِنهُ، وإلّا أسْكَنْتُهُ حَظِيرَةَ القُدُسِ، وإلّا نَظَرْتُ إلَيْهِ بِعَيْنِي المَكْنُونَةِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ نَظْرَةً وإلّا قَضَيْتُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ، وإلّا أعَذْتُهُ مِن كُلِّ عَدُّوٍ ونَصَرْتُهُ مِنهُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وفِيهِ «لا يَتْلُوكُنَّ عَبْدٌ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ إلّا غَفَرْتُ لَهُ ما كانَ مِنهُ، وأسْكَنْتُهُ جَنَّةَ الفِرْدَوْسِ، ونَظَرْتُ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّةً وقَضَيْتُ لَهُ سَبْعِينَ حاجَةً أدْناها المَغْفِرَةُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ السُّنِّيِّ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو بِعَرَفَةَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هو والمَلائِكَةُ وأُولُو العِلْمِ قائِمًا بِالقِسْطِ لا إلَهَ إلّا هو العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَقالَ: وأنا عَلى ذَلِكَ مِنَ الشّاهِدِينَ» ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ وأنا أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ والخَطِيبُ في تارِيخِهِ وابْنُ النَّجّارِ عَنْ غالِبٍ القَطّانِ قالَ: أتَيْتُ الكُوفَةَ في تِجارَةٍ فَمَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا﴾ هو إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ فَقالَ: وأنا أشْهَدُ بِما شَهِدَ بِهِ اللَّهُ، وأسْتَوْدِعُ اللَّهَ هَذِهِ الشَّهادَةَ، وهي لِي ودِيعَةٌ عِنْدَ اللَّهِ، قالَها مِرارًا، فَقُلْتُ: لَقَدْ سَمِعَ فِيها شَيْئًا فَسَألْتُهُ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يُجاءُ بِصاحِبِها يَوْمَ القِيامَةِ فَيَقُولُ اللَّهُ: عَبْدِي عَهِدَ إلَيَّ وأنا أحَقُّ مَن وفّى بِالعَهْدِ أدْخِلُوا عَبْدِيَ الجَنَّةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: " ﴿وما اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ " قالَ: بَنُو إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: بَغْيًا بَيْنَهم يَقُولُ: بَغْيًا عَلى الدُّنْيا وطَلَبِ مُلْكِها وسُلْطانِها، فَقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا عَلى الدُّنْيا مِن بَعْدِ ما كانُوا عُلَماءَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: فَإنْ حاجُّوكَ قالَ: إنْ حاجَّكَ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جَرِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ " وقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ " قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى والأُمِّيِّينَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَكْتُبُونَ.

آل عمران 3:21

قَوْلُهُ: بِآياتِ اللَّهِ، ظاهِرُهُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ آيَةٍ وآيَةٍ، ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ، أيْ بِالعَدْلِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهُمُ النَّبِيُّونَ فَدَعَوْهم إلى اللَّهِ فَقَتَلُوهم، فَقامَ أُناسٌ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَأمَرُوهم بِالإسْلامِ فَقَتَلُوهم. فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، ودَخَلَتْهُ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ النَّحْوِ إلى أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وقالُوا: إنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ إنَّ وإنْ تَضَمَّنَ اسْمُها مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ قَدْ نُسِخَ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِنهم سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّ ما يَتَضَمَّنُهُ المُبْتَدَأُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ لا يُنْسَخُ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِثْلُ المَكْسُورَةِ المَفْتُوحَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . وقَوْلُهُ: حَبِطَتْ أعْمالُهم قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإحْباطِ، ومَعْنى كَوْنِها حَبِطَتْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِحَسَناتِهِمْ أثَرٌ في الدُّنْيا، حَتّى يُعامَلُوا فِيها مُعامَلَةُ أهْلِ الحَسَناتِ، بَلْ عُومِلُوا مُعامَلَةَ أهْلِ السَّيِّئاتِ فَلُعِنُوا وحَلَّ بِهِمُ الخِزْيُ والصَّغارُ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ هَؤُلاءِ وهم أحْبارُ اليَهُودِ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، وتَنْكِيرُ النَّصِيبِ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: نَصِيبًا عَظِيمًا كَما يُفِيدُهُ مَقامَ المُبالَغَةِ، ومَن قالَ: إنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّحْقِيرِ فَلَمْ يُصِبْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ وهو التَّوْراةُ: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ واعْتِرافِهِمْ بِوُجُوبِ الإجابَةِ إلَيْهِ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وهي مِقْدارُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الأكاذِيبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا القَوْلُ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ﴾ فِيهِ هو رَدٌّ عَلَيْهِمْ وإبْطالٌ لِما غَرَّهم مِنَ الأكاذِيبِ؛ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي لا يَرْتابُ مُرْتابٌ في وُقُوعِهِ، فَإنَّهم يَقَعُونَ لا مَحالَةَ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِالحِيَلِ والأكاذِيبِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما كَسَبَتْ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهم لا يُظْلَمُونَ بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ. والمُرادُ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ. قالَ الكِسائِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ( لِيَوْمٍ ) بِمَعْنى في وقالَ البَصْرِيُّونَ: المَعْنى لِحِسابِ يَوْمٍ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: (p-٢١١)المَعْنى لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ عِيسى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ، فَكانَ يَنْهى عَنْ نِكاحِ بِنْتِ الأخِ، وكانَ مَلِكٌ لَهُ بِنْتُ أخٍ تُعْجِبُهُ فَأرادَها وجَعَلَ يَقْضِي لَها كُلَّ يَوْمٍ حاجَةً، فَقالَتْ لَها أُمُّها: إذا سَألَكِ عَنْ حاجَةٍ فَقُولِي: حاجَتِي أنْ تَقْتُلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَقالَ: سَلِي غَيْرَ هَذا، فَقالَتْ: لا أسْألُكَ غَيْرَ هَذا فَلَمّا أبَتْ أمَرَ بِهِ فَذُبِحَ في طَسْتٍ، فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمِهِ فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ بُخَتُنَصَّرَ، فَدَلَّتْ عَجُوزٌ عَلَيْهِ، فَألْقى في نَفْسِهِ أنْ لا يَزالَ يَقْتُلُ حَتّى يَسْكُنَ هَذا الدَّمُ، فَقَتَلَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ وسِنٍّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا فَسَكَنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أبِي مِسْكِينٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الوَحْيُ يَأْتِي بَنِي إسْرائِيلَ فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم ولَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتابٌ، فَيَقُومُ رِجالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهم وصَدَّقَهم فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم فَيُقْتَلُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ: وُلاةُ العَدْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أتَيْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ. قالَ: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ لَهُما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكم فَأبَيا عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: نَصِيبًا قالَ: حَظًّا مِنَ الكِتابِ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ حِينَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ يَعْنِي: تُوَفّى كُلُّ نَفْسِ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ ما كَسَبَتْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهم لا يُظْلَمُونَ يَعْنِي مِن أعْمالِهِمْ.

آل عمران 3:22

قَوْلُهُ: بِآياتِ اللَّهِ، ظاهِرُهُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ آيَةٍ وآيَةٍ، ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ، أيْ بِالعَدْلِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهُمُ النَّبِيُّونَ فَدَعَوْهم إلى اللَّهِ فَقَتَلُوهم، فَقامَ أُناسٌ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَأمَرُوهم بِالإسْلامِ فَقَتَلُوهم. فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، ودَخَلَتْهُ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ النَّحْوِ إلى أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وقالُوا: إنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ إنَّ وإنْ تَضَمَّنَ اسْمُها مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ قَدْ نُسِخَ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِنهم سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّ ما يَتَضَمَّنُهُ المُبْتَدَأُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ لا يُنْسَخُ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِثْلُ المَكْسُورَةِ المَفْتُوحَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . وقَوْلُهُ: حَبِطَتْ أعْمالُهم قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإحْباطِ، ومَعْنى كَوْنِها حَبِطَتْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِحَسَناتِهِمْ أثَرٌ في الدُّنْيا، حَتّى يُعامَلُوا فِيها مُعامَلَةُ أهْلِ الحَسَناتِ، بَلْ عُومِلُوا مُعامَلَةَ أهْلِ السَّيِّئاتِ فَلُعِنُوا وحَلَّ بِهِمُ الخِزْيُ والصَّغارُ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ هَؤُلاءِ وهم أحْبارُ اليَهُودِ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، وتَنْكِيرُ النَّصِيبِ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: نَصِيبًا عَظِيمًا كَما يُفِيدُهُ مَقامَ المُبالَغَةِ، ومَن قالَ: إنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّحْقِيرِ فَلَمْ يُصِبْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ وهو التَّوْراةُ: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ واعْتِرافِهِمْ بِوُجُوبِ الإجابَةِ إلَيْهِ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وهي مِقْدارُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الأكاذِيبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا القَوْلُ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ﴾ فِيهِ هو رَدٌّ عَلَيْهِمْ وإبْطالٌ لِما غَرَّهم مِنَ الأكاذِيبِ؛ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي لا يَرْتابُ مُرْتابٌ في وُقُوعِهِ، فَإنَّهم يَقَعُونَ لا مَحالَةَ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِالحِيَلِ والأكاذِيبِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما كَسَبَتْ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهم لا يُظْلَمُونَ بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ. والمُرادُ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ. قالَ الكِسائِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ( لِيَوْمٍ ) بِمَعْنى في وقالَ البَصْرِيُّونَ: المَعْنى لِحِسابِ يَوْمٍ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: (p-٢١١)المَعْنى لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ عِيسى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ، فَكانَ يَنْهى عَنْ نِكاحِ بِنْتِ الأخِ، وكانَ مَلِكٌ لَهُ بِنْتُ أخٍ تُعْجِبُهُ فَأرادَها وجَعَلَ يَقْضِي لَها كُلَّ يَوْمٍ حاجَةً، فَقالَتْ لَها أُمُّها: إذا سَألَكِ عَنْ حاجَةٍ فَقُولِي: حاجَتِي أنْ تَقْتُلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَقالَ: سَلِي غَيْرَ هَذا، فَقالَتْ: لا أسْألُكَ غَيْرَ هَذا فَلَمّا أبَتْ أمَرَ بِهِ فَذُبِحَ في طَسْتٍ، فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمِهِ فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ بُخَتُنَصَّرَ، فَدَلَّتْ عَجُوزٌ عَلَيْهِ، فَألْقى في نَفْسِهِ أنْ لا يَزالَ يَقْتُلُ حَتّى يَسْكُنَ هَذا الدَّمُ، فَقَتَلَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ وسِنٍّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا فَسَكَنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أبِي مِسْكِينٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الوَحْيُ يَأْتِي بَنِي إسْرائِيلَ فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم ولَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتابٌ، فَيَقُومُ رِجالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهم وصَدَّقَهم فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم فَيُقْتَلُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ: وُلاةُ العَدْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أتَيْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ. قالَ: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ لَهُما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكم فَأبَيا عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: نَصِيبًا قالَ: حَظًّا مِنَ الكِتابِ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ حِينَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ يَعْنِي: تُوَفّى كُلُّ نَفْسِ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ ما كَسَبَتْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهم لا يُظْلَمُونَ يَعْنِي مِن أعْمالِهِمْ.

آل عمران 3:23

قَوْلُهُ: بِآياتِ اللَّهِ، ظاهِرُهُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ آيَةٍ وآيَةٍ، ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ، أيْ بِالعَدْلِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهُمُ النَّبِيُّونَ فَدَعَوْهم إلى اللَّهِ فَقَتَلُوهم، فَقامَ أُناسٌ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَأمَرُوهم بِالإسْلامِ فَقَتَلُوهم. فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، ودَخَلَتْهُ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ النَّحْوِ إلى أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وقالُوا: إنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ إنَّ وإنْ تَضَمَّنَ اسْمُها مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ قَدْ نُسِخَ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِنهم سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّ ما يَتَضَمَّنُهُ المُبْتَدَأُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ لا يُنْسَخُ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِثْلُ المَكْسُورَةِ المَفْتُوحَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . وقَوْلُهُ: حَبِطَتْ أعْمالُهم قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإحْباطِ، ومَعْنى كَوْنِها حَبِطَتْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِحَسَناتِهِمْ أثَرٌ في الدُّنْيا، حَتّى يُعامَلُوا فِيها مُعامَلَةُ أهْلِ الحَسَناتِ، بَلْ عُومِلُوا مُعامَلَةَ أهْلِ السَّيِّئاتِ فَلُعِنُوا وحَلَّ بِهِمُ الخِزْيُ والصَّغارُ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ هَؤُلاءِ وهم أحْبارُ اليَهُودِ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، وتَنْكِيرُ النَّصِيبِ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: نَصِيبًا عَظِيمًا كَما يُفِيدُهُ مَقامَ المُبالَغَةِ، ومَن قالَ: إنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّحْقِيرِ فَلَمْ يُصِبْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ وهو التَّوْراةُ: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ واعْتِرافِهِمْ بِوُجُوبِ الإجابَةِ إلَيْهِ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وهي مِقْدارُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الأكاذِيبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا القَوْلُ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ﴾ فِيهِ هو رَدٌّ عَلَيْهِمْ وإبْطالٌ لِما غَرَّهم مِنَ الأكاذِيبِ؛ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي لا يَرْتابُ مُرْتابٌ في وُقُوعِهِ، فَإنَّهم يَقَعُونَ لا مَحالَةَ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِالحِيَلِ والأكاذِيبِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما كَسَبَتْ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهم لا يُظْلَمُونَ بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ. والمُرادُ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ. قالَ الكِسائِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ( لِيَوْمٍ ) بِمَعْنى في وقالَ البَصْرِيُّونَ: المَعْنى لِحِسابِ يَوْمٍ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: (p-٢١١)المَعْنى لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ عِيسى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ، فَكانَ يَنْهى عَنْ نِكاحِ بِنْتِ الأخِ، وكانَ مَلِكٌ لَهُ بِنْتُ أخٍ تُعْجِبُهُ فَأرادَها وجَعَلَ يَقْضِي لَها كُلَّ يَوْمٍ حاجَةً، فَقالَتْ لَها أُمُّها: إذا سَألَكِ عَنْ حاجَةٍ فَقُولِي: حاجَتِي أنْ تَقْتُلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَقالَ: سَلِي غَيْرَ هَذا، فَقالَتْ: لا أسْألُكَ غَيْرَ هَذا فَلَمّا أبَتْ أمَرَ بِهِ فَذُبِحَ في طَسْتٍ، فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمِهِ فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ بُخَتُنَصَّرَ، فَدَلَّتْ عَجُوزٌ عَلَيْهِ، فَألْقى في نَفْسِهِ أنْ لا يَزالَ يَقْتُلُ حَتّى يَسْكُنَ هَذا الدَّمُ، فَقَتَلَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ وسِنٍّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا فَسَكَنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أبِي مِسْكِينٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الوَحْيُ يَأْتِي بَنِي إسْرائِيلَ فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم ولَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتابٌ، فَيَقُومُ رِجالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهم وصَدَّقَهم فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم فَيُقْتَلُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ: وُلاةُ العَدْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أتَيْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ. قالَ: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ لَهُما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكم فَأبَيا عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: نَصِيبًا قالَ: حَظًّا مِنَ الكِتابِ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ حِينَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ يَعْنِي: تُوَفّى كُلُّ نَفْسِ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ ما كَسَبَتْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهم لا يُظْلَمُونَ يَعْنِي مِن أعْمالِهِمْ.

آل عمران 3:24

قَوْلُهُ: بِآياتِ اللَّهِ، ظاهِرُهُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ آيَةٍ وآيَةٍ، ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ، أيْ بِالعَدْلِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهُمُ النَّبِيُّونَ فَدَعَوْهم إلى اللَّهِ فَقَتَلُوهم، فَقامَ أُناسٌ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَأمَرُوهم بِالإسْلامِ فَقَتَلُوهم. فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، ودَخَلَتْهُ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ النَّحْوِ إلى أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وقالُوا: إنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ إنَّ وإنْ تَضَمَّنَ اسْمُها مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ قَدْ نُسِخَ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِنهم سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّ ما يَتَضَمَّنُهُ المُبْتَدَأُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ لا يُنْسَخُ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِثْلُ المَكْسُورَةِ المَفْتُوحَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . وقَوْلُهُ: حَبِطَتْ أعْمالُهم قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإحْباطِ، ومَعْنى كَوْنِها حَبِطَتْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِحَسَناتِهِمْ أثَرٌ في الدُّنْيا، حَتّى يُعامَلُوا فِيها مُعامَلَةُ أهْلِ الحَسَناتِ، بَلْ عُومِلُوا مُعامَلَةَ أهْلِ السَّيِّئاتِ فَلُعِنُوا وحَلَّ بِهِمُ الخِزْيُ والصَّغارُ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ هَؤُلاءِ وهم أحْبارُ اليَهُودِ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، وتَنْكِيرُ النَّصِيبِ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: نَصِيبًا عَظِيمًا كَما يُفِيدُهُ مَقامَ المُبالَغَةِ، ومَن قالَ: إنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّحْقِيرِ فَلَمْ يُصِبْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ وهو التَّوْراةُ: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ واعْتِرافِهِمْ بِوُجُوبِ الإجابَةِ إلَيْهِ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وهي مِقْدارُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الأكاذِيبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا القَوْلُ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ﴾ فِيهِ هو رَدٌّ عَلَيْهِمْ وإبْطالٌ لِما غَرَّهم مِنَ الأكاذِيبِ؛ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي لا يَرْتابُ مُرْتابٌ في وُقُوعِهِ، فَإنَّهم يَقَعُونَ لا مَحالَةَ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِالحِيَلِ والأكاذِيبِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما كَسَبَتْ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهم لا يُظْلَمُونَ بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ. والمُرادُ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ. قالَ الكِسائِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ( لِيَوْمٍ ) بِمَعْنى في وقالَ البَصْرِيُّونَ: المَعْنى لِحِسابِ يَوْمٍ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: (p-٢١١)المَعْنى لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ عِيسى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ، فَكانَ يَنْهى عَنْ نِكاحِ بِنْتِ الأخِ، وكانَ مَلِكٌ لَهُ بِنْتُ أخٍ تُعْجِبُهُ فَأرادَها وجَعَلَ يَقْضِي لَها كُلَّ يَوْمٍ حاجَةً، فَقالَتْ لَها أُمُّها: إذا سَألَكِ عَنْ حاجَةٍ فَقُولِي: حاجَتِي أنْ تَقْتُلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَقالَ: سَلِي غَيْرَ هَذا، فَقالَتْ: لا أسْألُكَ غَيْرَ هَذا فَلَمّا أبَتْ أمَرَ بِهِ فَذُبِحَ في طَسْتٍ، فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمِهِ فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ بُخَتُنَصَّرَ، فَدَلَّتْ عَجُوزٌ عَلَيْهِ، فَألْقى في نَفْسِهِ أنْ لا يَزالَ يَقْتُلُ حَتّى يَسْكُنَ هَذا الدَّمُ، فَقَتَلَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ وسِنٍّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا فَسَكَنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أبِي مِسْكِينٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الوَحْيُ يَأْتِي بَنِي إسْرائِيلَ فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم ولَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتابٌ، فَيَقُومُ رِجالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهم وصَدَّقَهم فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم فَيُقْتَلُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ: وُلاةُ العَدْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أتَيْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ. قالَ: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ لَهُما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكم فَأبَيا عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: نَصِيبًا قالَ: حَظًّا مِنَ الكِتابِ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ حِينَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ يَعْنِي: تُوَفّى كُلُّ نَفْسِ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ ما كَسَبَتْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهم لا يُظْلَمُونَ يَعْنِي مِن أعْمالِهِمْ.

آل عمران 3:25

قَوْلُهُ: بِآياتِ اللَّهِ، ظاهِرُهُ عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ آيَةٍ وآيَةٍ، ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ، يَعْنِي اليَهُودَ قَتَلُوا الأنْبِياءَ، ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ، أيْ بِالعَدْلِ، وهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ. قالَ المُبَرِّدُ: كانَ ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ جاءَهُمُ النَّبِيُّونَ فَدَعَوْهم إلى اللَّهِ فَقَتَلُوهم، فَقامَ أُناسٌ مِن بَعْدِهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَأمَرُوهم بِالإسْلامِ فَقَتَلُوهم. فَفِيهِمْ نَزَلَتِ الآيَةُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ خَبَرُ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَخْ، ودَخَلَتْهُ الفاءُ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ النَّحْوِ إلى أنَّ الخَبَرَ قَوْلُهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أعْمالُهم وقالُوا: إنَّ الفاءَ لا تَدْخُلُ في خَبَرِ إنَّ وإنْ تَضَمَّنَ اسْمُها مَعْنى الشَّرْطِ؛ لِأنَّهُ قَدْ نُسِخَ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِنهم سِيبَوَيْهِ والأخْفَشُ وذَهَبَ غَيْرُهُما إلى أنَّ ما يَتَضَمَّنُهُ المُبْتَدَأُ مِن مَعْنى الشَّرْطِ لا يُنْسَخُ بِدُخُولِ إنَّ عَلَيْهِ، ومِثْلُ المَكْسُورَةِ المَفْتُوحَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى:: ﴿واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ مِن شَيْءٍ فَأنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] . وقَوْلُهُ: حَبِطَتْ أعْمالُهم قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإحْباطِ، ومَعْنى كَوْنِها حَبِطَتْ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِحَسَناتِهِمْ أثَرٌ في الدُّنْيا، حَتّى يُعامَلُوا فِيها مُعامَلَةُ أهْلِ الحَسَناتِ، بَلْ عُومِلُوا مُعامَلَةَ أهْلِ السَّيِّئاتِ فَلُعِنُوا وحَلَّ بِهِمُ الخِزْيُ والصَّغارُ ولَهم في الآخِرَةِ عَذابُ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولِكُلِّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِن حالِ هَؤُلاءِ وهم أحْبارُ اليَهُودِ. والكِتابُ: التَّوْراةُ، وتَنْكِيرُ النَّصِيبِ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: نَصِيبًا عَظِيمًا كَما يُفِيدُهُ مَقامَ المُبالَغَةِ، ومَن قالَ: إنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّحْقِيرِ فَلَمْ يُصِبْ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِذَلِكَ، وذَلِكَ بِأنَّهم يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ وهو التَّوْراةُ: لِيَحْكُمَ بَيْنَهم ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم والحالُ أنَّهم مُعْرِضُونَ عَنِ الإجابَةِ إلى ما دُعُوا إلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ واعْتِرافِهِمْ بِوُجُوبِ الإجابَةِ إلَيْهِ. وذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما مَرَّ مِنَ التَّوَلِّي والإعْراضِ بِسَبَبِ أنَّهم قالُوا ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ وهي مِقْدارُ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ مِنَ الأكاذِيبِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها هَذا القَوْلُ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ﴾ فِيهِ هو رَدٌّ عَلَيْهِمْ وإبْطالٌ لِما غَرَّهم مِنَ الأكاذِيبِ؛ أيْ: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُهم إذا جَمَعْناهم لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وهو يَوْمُ الجَزاءِ الَّذِي لا يَرْتابُ مُرْتابٌ في وُقُوعِهِ، فَإنَّهم يَقَعُونَ لا مَحالَةَ ويَعْجِزُونَ عَنْ دَفْعِهِ بِالحِيَلِ والأكاذِيبِ ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما كَسَبَتْ عَلى حَذْفِ المُضافِ وهم لا يُظْلَمُونَ بِزِيادَةٍ ولا نَقْصٍ. والمُرادُ كُلُّ النّاسِ المَدْلُولُ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ نَفْسٍ. قالَ الكِسائِيُّ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ( لِيَوْمٍ ) بِمَعْنى في وقالَ البَصْرِيُّونَ: المَعْنى لِحِسابِ يَوْمٍ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: (p-٢١١)المَعْنى لِما يَحْدُثُ في يَوْمٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ النّاسِ أشَدُّ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا أوْ رَجُلًا أمَرَ بِالمَعْرُوفِ ونَهى عَنِ المُنْكَرِ، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما لَهم مِن ناصِرِينَ﴾ ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: يا أبا عُبَيْدَةَ قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا أوَّلَ النَّهارِ في ساعَةٍ واحِدَةٍ فَقامَ مِائَةُ رَجُلٍ وسَبْعُونَ رَجُلًا مِن عُبّادِ بَنِي إسْرائِيلَ فَأمَرُوا مَن قَتَلَهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا مِن آخِرِ النَّهارِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ عِيسى يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ يُعَلِّمُونَ النّاسَ، فَكانَ يَنْهى عَنْ نِكاحِ بِنْتِ الأخِ، وكانَ مَلِكٌ لَهُ بِنْتُ أخٍ تُعْجِبُهُ فَأرادَها وجَعَلَ يَقْضِي لَها كُلَّ يَوْمٍ حاجَةً، فَقالَتْ لَها أُمُّها: إذا سَألَكِ عَنْ حاجَةٍ فَقُولِي: حاجَتِي أنْ تَقْتُلَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَقالَ: سَلِي غَيْرَ هَذا، فَقالَتْ: لا أسْألُكَ غَيْرَ هَذا فَلَمّا أبَتْ أمَرَ بِهِ فَذُبِحَ في طَسْتٍ، فَبَدَرَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمِهِ فَلَمْ تَزَلْ تَغْلِي حَتّى بَعَثَ اللَّهُ بُخَتُنَصَّرَ، فَدَلَّتْ عَجُوزٌ عَلَيْهِ، فَألْقى في نَفْسِهِ أنْ لا يَزالَ يَقْتُلُ حَتّى يَسْكُنَ هَذا الدَّمُ، فَقَتَلَ في يَوْمٍ واحِدٍ مِن ضَرْبٍ واحِدٍ وسِنٍّ واحِدٍ سَبْعِينَ ألْفًا فَسَكَنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ أبِي مِسْكِينٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الوَحْيُ يَأْتِي بَنِي إسْرائِيلَ فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم ولَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِمْ كِتابٌ، فَيَقُومُ رِجالٌ مِمَّنِ اتَّبَعَهم وصَدَّقَهم فَيُذَكِّرُونَ قَوْمَهم فَيُقْتَلُونَ فَهُمُ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ: وُلاةُ العَدْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْتَ المِدْراسِ عَلى جَماعَةٍ مِن يَهُودَ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ، فَقالَ لَهُ النُّعْمانُ بْنُ عَمْرٍو والحارِثُ بْنُ زَيْدٍ: عَلى أيِّ دِينٍ أتَيْتَ يا مُحَمَّدُ ؟ قالَ: عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ. قالَ: فَإنَّ إبْراهِيمَ كانَ يَهُودِيًّا. قالَ لَهُما النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: فَهَلُمّا إلى التَّوْراةِ فَهي بَيْنَنا وبَيْنَكم فَأبَيا عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: نَصِيبًا قالَ: حَظًّا مِنَ الكِتابِ قالَ: التَّوْراةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ الأيّامَ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ فِيها آدَمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: وغَرَّهم في دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ حِينَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ يَعْنِي: تُوَفّى كُلُّ نَفْسِ بَرٍّ أوْ فاجِرٍ ما كَسَبَتْ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ وهم لا يُظْلَمُونَ يَعْنِي مِن أعْمالِهِمْ.

آل عمران 3:26

قَوْلُهُ: قُلِ اللَّهُمَّ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ: إنْ أصْلَ اللَّهُمَّ يا اللَّهُ، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِّدا الَّذِي هو يا جَعَلُوا بَدَلَهُ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ فَجاءُوا بِحَرْفَيْنِ وهُما المِيمانِ عِوَضًا مِن حَرْفَيْنِ وهُما الياءُ والألِفُ، والضَّمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ. وذَهَبَ الفَرّاءُ والكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الأصْلَ في اللَّهُمَّ يا اللَّهُ أُمَّنا بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ وخُلِطَ الكَلِمَتانِ، والضَّمَّةُ الَّتِي في الهاءِ هي الضَّمَّةُ الَّتِي كانَتْ في أُمَّنا لَمّا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ انْتَقَلَتِ الحَرَكَةُ. قالَ النَّحّاسُ: هَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ الخَطَأِ العَظِيمِ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ. قالَ الكُوفِيُّونَ: وقَدْ يُدْخَلُ حَرْفُ النِّداءِ عَلى اللَّهُمَّ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ قَوْلَ الرّاجِزِ: ؎غَفَرْتَ أوْ عَذَّبْتَ يا اللَّهُمّا وقَوْلَ الآخَرِ: ؎وما عَلَيْكَ أنْ تَقُولَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتَ أوْ هَلَّلْتَ يا للَّهُمّا وقَوْلَ الآخَرِ: ؎إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمّا ∗∗∗ أقُولُ يا للَّهُمَّ يا للَّهُمّا قالُوا: ولَوْ كانَ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِّداءِ لَما اجْتَمَعَتا. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَن قالَ: اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعا اللَّهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ. قَوْلُهُ: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ مالِكَ جِنْسِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، ومالِكَ مَنصُوبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ نِداءٌ ثانٍ، أيْ يا مالِكَ المُلْكِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ؛ لِأنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ وإبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجّاجُ: إنَّهُ صِفَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وما قالَهُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ وأبْيَنُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ والأصْواتُ لا تُوصَفُ نَحْوَ غاقْ وما أشْبَهَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوا، وقِيلَ: المَعْنى مالِكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: المُلْكُ هُنا: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الغَلَبَةُ، وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ. والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ المُلْكِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ أيْ: مَن تَشاءُ إيتاءَهُ إيّاهُ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ نَزْعَهُ مِنهُ. والمُرادُ بِما يُؤْتِيهِ مِنَ المُلْكِ ويَنْزِعُهُ هو نَوْعٌ مِن أنْواعِ ذَلِكَ المُلْكِ العامِّ. قَوْلُهُ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، يُقالُ عَزَّ: إذا غَلَبَ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] . وقَوْلُهُ: ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، يُقالُ: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا إذا غَلَبَ وقَهَرَ. قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ؛ أيْ: بِيَدِكَ الخَيْرُ لا بِيَدِ غَيْرِكَ، وذَكَرَ الخَيْرَ دُونَ (p-٢١٢)الشَّرِّ؛ لِأنَّ الخَيْرَ بِفَضْلٍ مَحْضٍ بِخِلافِ الشَّرِّ، فَإنَّهُ يَكُونُ جَزاءً لِعَمَلٍ وُصِلَ إلَيْهِ، وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ شَرٍّ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مِن قَضائِهِ سُبْحانَهُ هو مُتَضَمِّنٌ لِلْخَيْرِ فَأفْعالُهُ كُلُّها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ حُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وأصْلُهُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، وقِيلَ: خَصَّ الخَيْرَ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ دُعاءٍ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَحْقِيقٌ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: تُدْخِلُ ما نَقَصَ مِن أحَدِهِما في الآخَرِ، وقِيلَ: المَعْنى تُعاقِبُ بَيْنَهُما ويَكُونُ زَوالُ أحَدِهِما وُلُوجًا في الآخَرِ. قَوْلُهُ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ قِيلَ: المُرادُ إخْراجُ الحَيَوانِ وهو حَيٌّ مِنَ النُّطْفَةِ وهي مَيْتَةٌ، وإخْراجُ النُّطْفَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيَوانِ وهو حَيٌّ، وقِيلَ: المُرادُ إخْراجُ الطّائِرِ وهو حَيٌّ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الدَّجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ والكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ. قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَضْيِيقٍ ولا تَقْتِيرٍ كَما تَقُولُ فُلانٌ يُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُعاذٍ «أنَّهُ شَكا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولَ: رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما، تُعْطِي مَن تَشاءُ مِنهُما وتَمْنَعُ مَن تَشاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِها عَنْ رَحْمَةِ مَن سِواكَ، اللَّهُمَّ أغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ واقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ» . وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ: ألا أُعَلِّمَكَ دُعاءً تَدْعُو بِهِ لَوْ كانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ دَيْنًا لَأدّاهُ اللَّهُ عَنْكَ فَذَكَرَهُ، وإسْنادُهُ جَيِّدٌ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] بَعْضُ فَضائِلِ هَذِهِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ الآيَةَ، قالَ: تَأْخُذُ الصَّيْفَ مِنَ الشِّتاءِ، وتَأْخُذُ الشِّتاءَ مِنَ الصَّيْفِ ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ تُخْرِجُ الرَّجُلَ الحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ ﴿وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ تُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الرَّجُلِ الحَيِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ قالَ: ما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ تَجْعَلُهُ في اللَّيْلِ وما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ تَجْعَلُهُ في النَّهارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ قالَ: تُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الحَيِّ ثُمَّ تُخْرِجُ مِنَ النُّطْفَةِ بَشَرًا حَيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ قالَ: هي البَيْضَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَيِّ وهي مَيْتَةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها الحَيُّ‌ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: النَّخْلَةُ مِنَ النَّواةِ، والنَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ، والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ، والسُّنْبُلَةُ مِنَ الحَبَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، والكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ. والمُؤْمِنُ عَبْدٌ حَيُّ الفُؤادِ، والكافِرُ عَبْدٌ مَيِّتُ الفُؤادِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْهُ، أوْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ خالِدَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قِيلَ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ، قالَ: سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً وكانَ أبُوها كافِرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ.

آل عمران 3:27

قَوْلُهُ: قُلِ اللَّهُمَّ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ وجَمِيعُ البَصْرِيِّينَ: إنْ أصْلَ اللَّهُمَّ يا اللَّهُ، فَلَمّا اسْتُعْمِلَتِ الكَلِمَةُ دُونَ حَرْفِ النِّدا الَّذِي هو يا جَعَلُوا بَدَلَهُ هَذِهِ المِيمَ المُشَدَّدَةَ فَجاءُوا بِحَرْفَيْنِ وهُما المِيمانِ عِوَضًا مِن حَرْفَيْنِ وهُما الياءُ والألِفُ، والضَّمَّةُ في الهاءِ هي ضَمَّةُ الِاسْمِ المُنادى المُفْرَدِ. وذَهَبَ الفَرّاءُ والكُوفِيُّونَ إلى أنَّ الأصْلَ في اللَّهُمَّ يا اللَّهُ أُمَّنا بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ وخُلِطَ الكَلِمَتانِ، والضَّمَّةُ الَّتِي في الهاءِ هي الضَّمَّةُ الَّتِي كانَتْ في أُمَّنا لَمّا حُذِفَتِ الهَمْزَةُ انْتَقَلَتِ الحَرَكَةُ. قالَ النَّحّاسُ: هَذا عِنْدَ البَصْرِيِّينَ مِنَ الخَطَأِ العَظِيمِ، والقَوْلُ في هَذا ما قالَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ. قالَ الكُوفِيُّونَ: وقَدْ يُدْخَلُ حَرْفُ النِّداءِ عَلى اللَّهُمَّ، وأنْشَدُوا في ذَلِكَ قَوْلَ الرّاجِزِ: ؎غَفَرْتَ أوْ عَذَّبْتَ يا اللَّهُمّا وقَوْلَ الآخَرِ: ؎وما عَلَيْكَ أنْ تَقُولَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحْتَ أوْ هَلَّلْتَ يا للَّهُمّا وقَوْلَ الآخَرِ: ؎إنِّي إذا ما حَدَثٌ ألَمّا ∗∗∗ أقُولُ يا للَّهُمَّ يا للَّهُمّا قالُوا: ولَوْ كانَ المِيمُ عِوَضًا مِن حَرْفِ النِّداءِ لَما اجْتَمَعَتا. قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا شاذٌّ لا يُعْرَفُ قائِلُهُ. قالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: مَن قالَ: اللَّهُمَّ فَقَدْ دَعا اللَّهَ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ. قَوْلُهُ: ﴿مالِكَ المُلْكِ﴾ أيْ مالِكَ جِنْسِ المُلْكِ عَلى الإطْلاقِ، ومالِكَ مَنصُوبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ نِداءٌ ثانٍ، أيْ يا مالِكَ المُلْكِ، ولا يَجُوزُ عِنْدَهُ أنْ يَكُونَ وصْفًا لِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ؛ لِأنَّ المِيمَ عِنْدَهُ تَمْنَعُ الوَصْفِيَّةَ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ وإبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ الزَّجّاجُ: إنَّهُ صِفَةٌ لِاسْمِ اللَّهِ تَعالى، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الزمر: ٤٦] . قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وهو مَذْهَبُ المُبَرِّدِ، وما قالَهُ سِيبَوَيْهِ أصْوَبُ وأبْيَنُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ ضُمَّ إلَيْهِ صَوْتٌ والأصْواتُ لا تُوصَفُ نَحْوَ غاقْ وما أشْبَهَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: والمَعْنى مالِكُ العِبادِ وما مَلَكُوا، وقِيلَ: المَعْنى مالِكُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقِيلَ: المُلْكُ هُنا: النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: الغَلَبَةُ، وقِيلَ: المالُ والعَبِيدُ. والظّاهِرُ شُمُولُهُ لِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ المُلْكِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ أيْ: مَن تَشاءُ إيتاءَهُ إيّاهُ ﴿وتَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ﴾ نَزْعَهُ مِنهُ. والمُرادُ بِما يُؤْتِيهِ مِنَ المُلْكِ ويَنْزِعُهُ هو نَوْعٌ مِن أنْواعِ ذَلِكَ المُلْكِ العامِّ. قَوْلُهُ: ﴿وتُعِزُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، يُقالُ عَزَّ: إذا غَلَبَ، ومِنهُ ﴿وعَزَّنِي في الخِطابِ﴾ [ص: ٢٣] . وقَوْلُهُ: ﴿وتُذِلُّ مَن تَشاءُ﴾ أيْ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما، يُقالُ: ذَلَّ يَذِلُّ ذُلًّا إذا غَلَبَ وقَهَرَ. قَوْلُهُ: ﴿بِيَدِكَ الخَيْرُ﴾ تَقْدِيمُ الخَبَرِ لِلتَّخْصِيصِ؛ أيْ: بِيَدِكَ الخَيْرُ لا بِيَدِ غَيْرِكَ، وذَكَرَ الخَيْرَ دُونَ (p-٢١٢)الشَّرِّ؛ لِأنَّ الخَيْرَ بِفَضْلٍ مَحْضٍ بِخِلافِ الشَّرِّ، فَإنَّهُ يَكُونُ جَزاءً لِعَمَلٍ وُصِلَ إلَيْهِ، وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ شَرٍّ مِن حَيْثُ كَوْنِهِ مِن قَضائِهِ سُبْحانَهُ هو مُتَضَمِّنٌ لِلْخَيْرِ فَأفْعالُهُ كُلُّها خَيْرٌ، وقِيلَ: إنَّهُ حُذِفَ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وأصْلُهُ بِيَدِكَ الخَيْرُ والشَّرُّ، وقِيلَ: خَصَّ الخَيْرَ؛ لِأنَّ المَقامَ مَقامُ دُعاءٍ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَعْلِيلٌ لِما سَبَقَ وتَحْقِيقٌ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ وتُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ﴾ أيْ: تُدْخِلُ ما نَقَصَ مِن أحَدِهِما في الآخَرِ، وقِيلَ: المَعْنى تُعاقِبُ بَيْنَهُما ويَكُونُ زَوالُ أحَدِهِما وُلُوجًا في الآخَرِ. قَوْلُهُ: ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ قِيلَ: المُرادُ إخْراجُ الحَيَوانِ وهو حَيٌّ مِنَ النُّطْفَةِ وهي مَيْتَةٌ، وإخْراجُ النُّطْفَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الحَيَوانِ وهو حَيٌّ، وقِيلَ: المُرادُ إخْراجُ الطّائِرِ وهو حَيٌّ مِنَ البَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ، وإخْراجُ البَيْضَةِ وهي مَيْتَةٌ مِنَ الدَّجاجَةِ وهي حَيَّةٌ، وقِيلَ: المُرادُ إخْراجُ المُؤْمِنِ مِنَ الكافِرِ والكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ. قَوْلُهُ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ تَضْيِيقٍ ولا تَقْتِيرٍ كَما تَقُولُ فُلانٌ يُعْطِي بِغَيْرِ حِسابٍ، والباءُ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَألَ رَبَّهُ أنْ يَجْعَلَ مُلْكَ فارِسَ والرُّومِ في أُمَّتِهِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ المُلْكِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُعاذٍ «أنَّهُ شَكا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ أنْ يَتْلُوَ هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولَ: رَحْمَنُ الدُّنْيا والآخِرَةِ ورَحِيمُهُما، تُعْطِي مَن تَشاءُ مِنهُما وتَمْنَعُ مَن تَشاءُ، ارْحَمْنِي رَحْمَةً تُغْنِينِي بِها عَنْ رَحْمَةِ مَن سِواكَ، اللَّهُمَّ أغْنِنِي مِنَ الفَقْرِ واقْضِ عَنِّي الدَّيْنَ» . وأخْرَجَهُ الطَّبَرانِيُّ في الصَّغِيرِ مِن حَدِيثِ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِمُعاذٍ: ألا أُعَلِّمَكَ دُعاءً تَدْعُو بِهِ لَوْ كانَ عَلَيْكَ مِثْلُ جَبَلِ أُحُدٍ دَيْنًا لَأدّاهُ اللَّهُ عَنْكَ فَذَكَرَهُ، وإسْنادُهُ جَيِّدٌ وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨] بَعْضُ فَضائِلِ هَذِهِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشاءُ﴾ قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ الآيَةَ، قالَ: تَأْخُذُ الصَّيْفَ مِنَ الشِّتاءِ، وتَأْخُذُ الشِّتاءَ مِنَ الصَّيْفِ ﴿وتُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ﴾ تُخْرِجُ الرَّجُلَ الحَيَّ مِنَ النُّطْفَةِ المَيِّتَةِ ﴿وتُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ﴾ تُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الرَّجُلِ الحَيِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ﴾ قالَ: ما نَقَصَ مِنَ النَّهارِ تَجْعَلُهُ في اللَّيْلِ وما نَقَصَ مِنَ اللَّيْلِ تَجْعَلُهُ في النَّهارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ قالَ: تُخْرِجُ النُّطْفَةَ المَيِّتَةَ مِنَ الحَيِّ ثُمَّ تُخْرِجُ مِنَ النُّطْفَةِ بَشَرًا حَيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ تُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ قالَ: هي البَيْضَةُ تَخْرُجُ مِنَ الحَيِّ وهي مَيْتَةٌ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِنها الحَيُّ‌ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: النَّخْلَةُ مِنَ النَّواةِ، والنَّواةُ مِنَ النَّخْلَةِ، والحَبَّةُ مِنَ السُّنْبُلَةِ، والسُّنْبُلَةُ مِنَ الحَبَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُؤْمِنُ مِنَ الكافِرِ، والكافِرُ مِنَ المُؤْمِنِ. والمُؤْمِنُ عَبْدٌ حَيُّ الفُؤادِ، والكافِرُ عَبْدٌ مَيِّتُ الفُؤادِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْهُ، أوْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ سَعْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ خالِدَةَ بِنْتَ الأسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن هَذِهِ ؟ قِيلَ: خالِدَةُ بِنْتُ الأسْوَدِ، قالَ: سُبْحانَ الَّذِي يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً وكانَ أبُوها كافِرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ.

آل عمران 3:28

قَوْلُهُ ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ فِيهِ النَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] . وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلى الِاتِّحادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَتَّخِذِ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن وِلايَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، بَلْ هو مُنْسَلِخٌ عَنْهُ بِكُلِّ حالٍ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ أيْ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وتُقاةٌ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، وأصْلُها وِقْيَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ قُلِبَتِ الواوُ تاءً والياءُ ألِفًا، وقَرَأ رَجاءٌ وقَتادَةُ تَقِيَّةً. وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ (p-٢١٣)المُوالاةِ لَهم مَعَ الخَوْفِ مِنهم، ولَكِنَّها تَكُونُ ظاهِرًا لا باطِنًا. وخالَفَ في ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ، فَقالُوا: لا تَقِيَّةَ بَعْدَ أنْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جائِزٌ في المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وفي غَيْرِها. وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ إلى مَنعِ ذَلِكَ إلّا مُشاكَلَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إيّاهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِهَذا وصارَ المُسْتَعْمَلَ. قالَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ فَمَعْناهُ تَعْلَمُ ما عِنْدِي وما في حَقِيقَتِي ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ ولا ما في حَقِيقَتِكَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَهُ مِثْلَ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَجُعِلَتِ النَّفْسُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وتَخْوِيفٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لِعِقابِهِ بِمُوالاةِ أعْدائِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ الآيَةَ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يُضْمِرُهُ العَبْدُ ويُخْفِيهِ أوْ يُظْهِرُهُ ويُبْدِيهِ فَهو مَعْلُومٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِمّا هو أعَمُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُخْفُونَها أوْ يُبْدُونَها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما هو أخَصُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: اذْكُرْ، و" مُحْضَرًا " حالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما الأُولى؛ أيْ: وتَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا. فَحَذَفَ مُحْضَرًا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وهَذا إذا كانَ تَجِدُ مِن وِجْدانِ الضّالَّةِ، وأمّا إذا كانَ مِن وجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ كانَ مُحْضَرًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ويَكُونُ ما في ما عَمِلَتْ مُبْتَدَأٌ ويَوَدُّ خَبَرُهُ. والأمَدُ: الغايَةُ، وجَمْعُهُ آمادٌ؛ أيْ: تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ أمَدًا بَعِيدًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَ تَجِدُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: تَوَدُّ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ وبَيْنَهُ لِلْيَوْمِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ ولِلِاسْتِحْضارِ لِيَكُونَ هَذا التَّهْدِيدُ العَظِيمُ عَلى ذِكْرٍ مِنهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا التَّحْذِيرَ الشَّدِيدَ مُقْتَرِنٌ بِالرَّأْفَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ لُطْفًا بِهِمْ. وما أحْسَنَ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تَمُوتُ وتُبْعَثُ وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ فَقالَ: أتُهَدِّدُونَنِي بِمَن لَمْ أرَ الخَيْرَ قَطُّ إلّا مِنهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وابْنِ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ قَدْ بَطَّنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَثْمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ قالَ: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُلاطِفُوا الكُفّارَ ويَتَّخِذُوهم ولِيجَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنْ يَكُونَ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ ظاهِرِينَ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ اللُّطْفَ ويُخالِفُونَهم في الدِّينِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ فَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ مَن حُمِلَ عَلى أمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وهو مَعْصِيَةُ اللَّهِ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مَخافَةَ النّاسِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ، إنَّما التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: التُّقاةُ التَّكَلُّمُ بِاللِّسانِ والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقْتُلُ، ولا إلى إثْمٍ، فَإنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ، ولَيْسَ بِالعَمَلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ فَتَصِلُهُ لِذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وحَكى البُخارِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: إنّا نَبَشُّ في وُجُوهِ أقْوامٍ وقُلُوبُنا تَلْعَنُهم، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّقِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] ومِنَ القائِلِينَ بِجَوازِ التَّقِيَّةِ بِاللِّسانِ أبُو الشَّعْثاءِ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا﴾ الآيَةَ قالَ: أخْبَرَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما أسَرُّوا وما أعْلَنُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ مُحْضَرًا، يَقُولُ: مُوَفَّرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: يَسُرُّ أحَدُكم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، يَكُونُ ذَلِكَ مُناهُ. وأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذِّها. وأخْرَجا أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ قالَ: مَكانًا بَعِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أمَدًا قالَ: أجَلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ قالَ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ.

آل عمران 3:29

قَوْلُهُ ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ فِيهِ النَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] . وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلى الِاتِّحادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَتَّخِذِ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن وِلايَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، بَلْ هو مُنْسَلِخٌ عَنْهُ بِكُلِّ حالٍ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ أيْ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وتُقاةٌ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، وأصْلُها وِقْيَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ قُلِبَتِ الواوُ تاءً والياءُ ألِفًا، وقَرَأ رَجاءٌ وقَتادَةُ تَقِيَّةً. وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ (p-٢١٣)المُوالاةِ لَهم مَعَ الخَوْفِ مِنهم، ولَكِنَّها تَكُونُ ظاهِرًا لا باطِنًا. وخالَفَ في ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ، فَقالُوا: لا تَقِيَّةَ بَعْدَ أنْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جائِزٌ في المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وفي غَيْرِها. وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ إلى مَنعِ ذَلِكَ إلّا مُشاكَلَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إيّاهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِهَذا وصارَ المُسْتَعْمَلَ. قالَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ فَمَعْناهُ تَعْلَمُ ما عِنْدِي وما في حَقِيقَتِي ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ ولا ما في حَقِيقَتِكَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَهُ مِثْلَ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَجُعِلَتِ النَّفْسُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وتَخْوِيفٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لِعِقابِهِ بِمُوالاةِ أعْدائِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ الآيَةَ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يُضْمِرُهُ العَبْدُ ويُخْفِيهِ أوْ يُظْهِرُهُ ويُبْدِيهِ فَهو مَعْلُومٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِمّا هو أعَمُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُخْفُونَها أوْ يُبْدُونَها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما هو أخَصُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: اذْكُرْ، و" مُحْضَرًا " حالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما الأُولى؛ أيْ: وتَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا. فَحَذَفَ مُحْضَرًا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وهَذا إذا كانَ تَجِدُ مِن وِجْدانِ الضّالَّةِ، وأمّا إذا كانَ مِن وجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ كانَ مُحْضَرًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ويَكُونُ ما في ما عَمِلَتْ مُبْتَدَأٌ ويَوَدُّ خَبَرُهُ. والأمَدُ: الغايَةُ، وجَمْعُهُ آمادٌ؛ أيْ: تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ أمَدًا بَعِيدًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَ تَجِدُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: تَوَدُّ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ وبَيْنَهُ لِلْيَوْمِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ ولِلِاسْتِحْضارِ لِيَكُونَ هَذا التَّهْدِيدُ العَظِيمُ عَلى ذِكْرٍ مِنهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا التَّحْذِيرَ الشَّدِيدَ مُقْتَرِنٌ بِالرَّأْفَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ لُطْفًا بِهِمْ. وما أحْسَنَ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تَمُوتُ وتُبْعَثُ وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ فَقالَ: أتُهَدِّدُونَنِي بِمَن لَمْ أرَ الخَيْرَ قَطُّ إلّا مِنهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وابْنِ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ قَدْ بَطَّنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَثْمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ قالَ: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُلاطِفُوا الكُفّارَ ويَتَّخِذُوهم ولِيجَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنْ يَكُونَ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ ظاهِرِينَ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ اللُّطْفَ ويُخالِفُونَهم في الدِّينِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ فَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ مَن حُمِلَ عَلى أمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وهو مَعْصِيَةُ اللَّهِ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مَخافَةَ النّاسِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ، إنَّما التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: التُّقاةُ التَّكَلُّمُ بِاللِّسانِ والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقْتُلُ، ولا إلى إثْمٍ، فَإنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ، ولَيْسَ بِالعَمَلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ فَتَصِلُهُ لِذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وحَكى البُخارِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: إنّا نَبَشُّ في وُجُوهِ أقْوامٍ وقُلُوبُنا تَلْعَنُهم، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّقِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] ومِنَ القائِلِينَ بِجَوازِ التَّقِيَّةِ بِاللِّسانِ أبُو الشَّعْثاءِ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا﴾ الآيَةَ قالَ: أخْبَرَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما أسَرُّوا وما أعْلَنُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ مُحْضَرًا، يَقُولُ: مُوَفَّرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: يَسُرُّ أحَدُكم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، يَكُونُ ذَلِكَ مُناهُ. وأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذِّها. وأخْرَجا أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ قالَ: مَكانًا بَعِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أمَدًا قالَ: أجَلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ قالَ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ.

آل عمران 3:30

قَوْلُهُ ﴿لا يَتَّخِذِ﴾ فِيهِ النَّهْيُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَنْ مُوالاةِ الكُفّارِ لِسَبَبٍ مِنَ الأسْبابِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِن دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهم﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ [المائدة: ٥١]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١] . وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ المُؤْمِنِينَ إلى الكافِرِينَ اسْتِقْلالًا أوِ اشْتِراكًا، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ إلى الِاتِّحادِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: لا يَتَّخِذِ ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ أيْ: مِن وِلايَتِهِ في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ، بَلْ هو مُنْسَلِخٌ عَنْهُ بِكُلِّ حالٍ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ عَلى صِيغَةِ الخِطابِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ؛ أيْ: إلّا أنْ تَخافُوا مِنهم أمْرًا يَجِبُ اتِّقاؤُهُ وهو اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ مِن أعَمِّ الأحْوالِ. وتُقاةٌ مَصْدَرٌ واقِعٌ مَوْقِعَ المَفْعُولِ، وأصْلُها وِقْيَةٌ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ قُلِبَتِ الواوُ تاءً والياءُ ألِفًا، وقَرَأ رَجاءٌ وقَتادَةُ تَقِيَّةً. وفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ (p-٢١٣)المُوالاةِ لَهم مَعَ الخَوْفِ مِنهم، ولَكِنَّها تَكُونُ ظاهِرًا لا باطِنًا. وخالَفَ في ذَلِكَ قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ، فَقالُوا: لا تَقِيَّةَ بَعْدَ أنْ أعَزَّ اللَّهُ الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ أيْ ذاتَهُ المُقَدَّسَةَ، وإطْلاقُ ذَلِكَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ جائِزٌ في المُشاكَلَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] وفي غَيْرِها. وذَهَبَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ إلى مَنعِ ذَلِكَ إلّا مُشاكَلَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ إيّاهُ، ثُمَّ اسْتَغْنَوْا عَنْ ذَلِكَ بِهَذا وصارَ المُسْتَعْمَلَ. قالَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ فَمَعْناهُ تَعْلَمُ ما عِنْدِي وما في حَقِيقَتِي ولا أعْلَمُ ما عِنْدَكَ ولا ما في حَقِيقَتِكَ. وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: مَعْناهُ ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ عِقابَهُ مِثْلَ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] فَجُعِلَتِ النَّفْسُ في مَوْضِعِ الإضْمارِ، وفي هَذِهِ الآيَةِ تَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وتَخْوِيفٌ عَظِيمٌ لِعِبادِهِ أنْ يَتَعَرَّضُوا لِعِقابِهِ بِمُوالاةِ أعْدائِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكُمْ﴾ الآيَةَ فِيهِ أنَّ كُلَّ ما يُضْمِرُهُ العَبْدُ ويُخْفِيهِ أوْ يُظْهِرُهُ ويُبْدِيهِ فَهو مَعْلُومٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ، لا يَخْفى عَلَيْهِ مِنهُ شَيْءٌ ولا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ ﴿ويَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ مِمّا هو أعَمُّ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُخْفُونَها أوْ يُبْدُونَها، فَلا يَخْفى عَلَيْهِ ما هو أخَصُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ﴾ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقِيلَ بِمَحْذُوفٍ؛ أيِ: اذْكُرْ، و" مُحْضَرًا " حالٌ، وقَوْلُهُ: ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما الأُولى؛ أيْ: وتَجِدُ ما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ مُحْضَرًا تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا. فَحَذَفَ مُحْضَرًا لِدَلالَةِ الأوَّلِ عَلَيْهِ، وهَذا إذا كانَ تَجِدُ مِن وِجْدانِ الضّالَّةِ، وأمّا إذا كانَ مِن وجَدَ بِمَعْنى عَلِمَ كانَ مُحْضَرًا هو المَفْعُولُ الثّانِي، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً، ويَكُونُ ما في ما عَمِلَتْ مُبْتَدَأٌ ويَوَدُّ خَبَرُهُ. والأمَدُ: الغايَةُ، وجَمْعُهُ آمادٌ؛ أيْ: تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَ ما عَمِلَتْ مِنَ السُّوءِ أمَدًا بَعِيدًا، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ: يَوْمَ تَجِدُ مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: تَوَدُّ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ وبَيْنَهُ لِلْيَوْمِ، وفِيهِ بُعْدٌ، وكَرَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ لِلتَّأْكِيدِ ولِلِاسْتِحْضارِ لِيَكُونَ هَذا التَّهْدِيدُ العَظِيمُ عَلى ذِكْرٍ مِنهم، وفي قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا التَّحْذِيرَ الشَّدِيدَ مُقْتَرِنٌ بِالرَّأْفَةِ مِنهُ سُبْحانَهُ بِعِبادِهِ لُطْفًا بِهِمْ. وما أحْسَنَ ما يُحْكى عَنْ بَعْضِ العَرَبِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تَمُوتُ وتُبْعَثُ وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ فَقالَ: أتُهَدِّدُونَنِي بِمَن لَمْ أرَ الخَيْرَ قَطُّ إلّا مِنهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وابْنِ أبِي الحَقِيقِ وقَيْسِ بْنِ زَيْدٍ قَدْ بَطَّنُوا بِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ لِيَفْتِنُوهم عَنْ دِينِهِمْ، فَقالَ رِفاعَةُ بْنُ المُنْذِرِ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ وسَعْدُ بْنُ خَثْمَةَ لِأُولَئِكَ النَّفَرِ: فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿لا يَتَّخِذِ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنْهُ قالَ: نَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُلاطِفُوا الكُفّارَ ويَتَّخِذُوهم ولِيجَةً مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ، إلّا أنْ يَكُونَ الكُفّارُ عَلَيْهِمْ ظاهِرِينَ فَيُظْهِرُونَ لَهُمُ اللُّطْفَ ويُخالِفُونَهم في الدِّينِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ في شَيْءٍ﴾ فَقَدْ بَرِئَ اللَّهُ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ مَن حُمِلَ عَلى أمْرٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ، وهو مَعْصِيَةُ اللَّهِ فَيَتَكَلَّمُ بِهِ مَخافَةَ النّاسِ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ فَإنَّ ذَلِكَ لا يَضُرُّهُ، إنَّما التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: التُّقاةُ التَّكَلُّمُ بِاللِّسانِ والقَلْبُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ، ولا يَبْسُطُ يَدَهُ فَيَقْتُلُ، ولا إلى إثْمٍ، فَإنَّهُ لا عُذْرَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: التَّقِيَّةُ بِاللِّسانِ، ولَيْسَ بِالعَمَلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿إلّا أنْ تَتَّقُوا مِنهم تُقاةً﴾ قالَ: إلّا أنْ يَكُونَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ فَتَصِلُهُ لِذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: التَّقِيَّةُ جائِزَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وحَكى البُخارِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّهُ قالَ: إنّا نَبَشُّ في وُجُوهِ أقْوامٍ وقُلُوبُنا تَلْعَنُهم، ويَدُلُّ عَلى جَوازِ التَّقِيَّةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلّا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ ولَهم عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦] ومِنَ القائِلِينَ بِجَوازِ التَّقِيَّةِ بِاللِّسانِ أبُو الشَّعْثاءِ والضَّحّاكُ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا﴾ الآيَةَ قالَ: أخْبَرَهم أنَّهُ يَعْلَمُ ما أسَرُّوا وما أعْلَنُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ مُحْضَرًا، يَقُولُ: مُوَفَّرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: يَسُرُّ أحَدُكم أنْ لا يَلْقى عَمَلَهُ ذَلِكَ أبَدًا، يَكُونُ ذَلِكَ مُناهُ. وأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ كانَتْ خَطِيئَتُهُ يَسْتَلِذِّها. وأخْرَجا أيْضًا عَنِ السُّدِّيِّ ﴿أمَدًا بَعِيدًا﴾ قالَ: مَكانًا بَعِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أمَدًا قالَ: أجَلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ ﴿ويُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ واللَّهُ رَءُوفٌ بِالعِبادِ﴾ قالَ: مِن رَأْفَتِهِ بِهِمْ حَذَّرَهم نَفْسَهُ.

آل عمران 3:31

الحُبُّ والمَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: أحَبَّهُ فَهو مُحِبٌّ، وحَبَّهُ يَحِبُّهُ بِالكَسْرِ، فَهو مَحْبُوبٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهَذا شاذٌّ، لِأنَّهُ لا يَأْتِي في المُضاعَفِ يَفْعِلُ بِالكَسْرِ. قالَ ابْنُ (p-٢١٤)الدِّهانِ: في حَبَّ لُغَتانِ حَبَّ وأحَبَّ، وأصْلُ حَبَّ في هَذا البابِ حَبَبَ كَطَرَقَ، وقَدْ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِإرادَةِ طاعَتِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ طاعَتُهُ لَهُما واتِّباعُهُ أمْرَهُما، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعِبادِ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ بِالغُفْرانِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ فاتَّبَعُونِي بِفَتْحِ الباءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ أدْغَمَ الرّاءَ مِن يَغْفِرْ في اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يُجِيزُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ إدْغامَ الرّاءِ في اللّامِ، وأبُو عَمْرٍو أجَلُّ مَن أنْ يَغْلَطَ في هَذا، ولَعَلَّهُ كانَ يُخْفِي الحَرَكَةَ كَما يَفْعَلُ أشْياءَ كَثِيرَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، أيْ: في جَمْعِ الأوامِرِ والنَّواهِي. قَوْلُهُ " فَإنْ تَوَلَّوْا " يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ماضِيًا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ نَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ. ووَجْهُ الإظْهارِ في قَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إضْمارٍ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّعْمِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ إلَخْ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ أنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ هو الإسْلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الرَّسُولُ الَّذِي لا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ اللَّهَ إلّا بِاتِّباعِهِ، وأنَّ اخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِمُجَرَّدِ البَغْيِ عَلَيْهِ والحَسَدِ لَهُ، شَرَعَ في تَقْرِيرِ رِسالَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيَّنَ أنَّهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَعْدِنِ الرِّسالَةِ. والِاصْطِفاءُ الِاخْتِيارُ. قالَ الزَّجّاجُ: اخْتارَهم بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيِ: اصْطَفى دِينَ آدَمَ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ العالَمِينَ، وتَخْصِيصُ آدَمَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ، وكَذَلِكَ نُوحٌ فَإنَّهُ آدَمُ الثّانِي، وأمّا آلُ إبْراهِيمَ فَلِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم مَعَ كَثْرَةِ الأنْبِياءِ مِنهم. وأمّا آلُ عِمْرانَ فَهم وإنْ كانُوا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم كانَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ وجْهٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ، وبِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ نَصْبُ ذَرِّيَّةً عَلى البَدَلِيَّةِ مِمّا قَبْلَهُ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ قالَهُ الأخْفَشُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الذُّرِّيَّةِ، وبَعْضُها مِن بَعْضٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى صِفَةِ الذُّرِّيَّةِ، ومَعْناهُ مُتَناسِلَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ أوْ مُتَناصِرَةٌ مُتَعاضِدَةٌ في الدِّينِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ مِن طُرُقٍ قالَ: قالَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنّا لِنُحِبُّ رَبَّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيْ: إنْ كانَ هَذا مِن قَوْلِكم في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ وتَعْظِيمًا لَهُ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم﴾ أيْ: ما مَضى مِن كُفْرِكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَلى البِرِّ والتَّقْوى والتَّواضُعِ وذِلَّةِ النَّفْسِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ عَنْ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، وأدْناهُ أنْ يُحِبَّ عَلى شَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ ويُبْغِضَ عَلى شَيْءٍ مِنَ العَدْلِ، وهَلِ الدِّينُ إلّا الحُبُّ والبُغْضُ في اللَّهِ» قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ وآلِ ياسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ قالَ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.

آل عمران 3:32

الحُبُّ والمَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: أحَبَّهُ فَهو مُحِبٌّ، وحَبَّهُ يَحِبُّهُ بِالكَسْرِ، فَهو مَحْبُوبٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهَذا شاذٌّ، لِأنَّهُ لا يَأْتِي في المُضاعَفِ يَفْعِلُ بِالكَسْرِ. قالَ ابْنُ (p-٢١٤)الدِّهانِ: في حَبَّ لُغَتانِ حَبَّ وأحَبَّ، وأصْلُ حَبَّ في هَذا البابِ حَبَبَ كَطَرَقَ، وقَدْ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِإرادَةِ طاعَتِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ طاعَتُهُ لَهُما واتِّباعُهُ أمْرَهُما، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعِبادِ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ بِالغُفْرانِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ فاتَّبَعُونِي بِفَتْحِ الباءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ أدْغَمَ الرّاءَ مِن يَغْفِرْ في اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يُجِيزُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ إدْغامَ الرّاءِ في اللّامِ، وأبُو عَمْرٍو أجَلُّ مَن أنْ يَغْلَطَ في هَذا، ولَعَلَّهُ كانَ يُخْفِي الحَرَكَةَ كَما يَفْعَلُ أشْياءَ كَثِيرَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، أيْ: في جَمْعِ الأوامِرِ والنَّواهِي. قَوْلُهُ " فَإنْ تَوَلَّوْا " يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ماضِيًا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ نَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ. ووَجْهُ الإظْهارِ في قَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إضْمارٍ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّعْمِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ إلَخْ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ أنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ هو الإسْلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الرَّسُولُ الَّذِي لا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ اللَّهَ إلّا بِاتِّباعِهِ، وأنَّ اخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِمُجَرَّدِ البَغْيِ عَلَيْهِ والحَسَدِ لَهُ، شَرَعَ في تَقْرِيرِ رِسالَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيَّنَ أنَّهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَعْدِنِ الرِّسالَةِ. والِاصْطِفاءُ الِاخْتِيارُ. قالَ الزَّجّاجُ: اخْتارَهم بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيِ: اصْطَفى دِينَ آدَمَ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ العالَمِينَ، وتَخْصِيصُ آدَمَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ، وكَذَلِكَ نُوحٌ فَإنَّهُ آدَمُ الثّانِي، وأمّا آلُ إبْراهِيمَ فَلِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم مَعَ كَثْرَةِ الأنْبِياءِ مِنهم. وأمّا آلُ عِمْرانَ فَهم وإنْ كانُوا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم كانَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ وجْهٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ، وبِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ نَصْبُ ذَرِّيَّةً عَلى البَدَلِيَّةِ مِمّا قَبْلَهُ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ قالَهُ الأخْفَشُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الذُّرِّيَّةِ، وبَعْضُها مِن بَعْضٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى صِفَةِ الذُّرِّيَّةِ، ومَعْناهُ مُتَناسِلَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ أوْ مُتَناصِرَةٌ مُتَعاضِدَةٌ في الدِّينِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ مِن طُرُقٍ قالَ: قالَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنّا لِنُحِبُّ رَبَّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيْ: إنْ كانَ هَذا مِن قَوْلِكم في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ وتَعْظِيمًا لَهُ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم﴾ أيْ: ما مَضى مِن كُفْرِكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَلى البِرِّ والتَّقْوى والتَّواضُعِ وذِلَّةِ النَّفْسِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ عَنْ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، وأدْناهُ أنْ يُحِبَّ عَلى شَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ ويُبْغِضَ عَلى شَيْءٍ مِنَ العَدْلِ، وهَلِ الدِّينُ إلّا الحُبُّ والبُغْضُ في اللَّهِ» قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ وآلِ ياسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ قالَ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.

آل عمران 3:33

الحُبُّ والمَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: أحَبَّهُ فَهو مُحِبٌّ، وحَبَّهُ يَحِبُّهُ بِالكَسْرِ، فَهو مَحْبُوبٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهَذا شاذٌّ، لِأنَّهُ لا يَأْتِي في المُضاعَفِ يَفْعِلُ بِالكَسْرِ. قالَ ابْنُ (p-٢١٤)الدِّهانِ: في حَبَّ لُغَتانِ حَبَّ وأحَبَّ، وأصْلُ حَبَّ في هَذا البابِ حَبَبَ كَطَرَقَ، وقَدْ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِإرادَةِ طاعَتِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ طاعَتُهُ لَهُما واتِّباعُهُ أمْرَهُما، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعِبادِ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ بِالغُفْرانِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ فاتَّبَعُونِي بِفَتْحِ الباءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ أدْغَمَ الرّاءَ مِن يَغْفِرْ في اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يُجِيزُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ إدْغامَ الرّاءِ في اللّامِ، وأبُو عَمْرٍو أجَلُّ مَن أنْ يَغْلَطَ في هَذا، ولَعَلَّهُ كانَ يُخْفِي الحَرَكَةَ كَما يَفْعَلُ أشْياءَ كَثِيرَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، أيْ: في جَمْعِ الأوامِرِ والنَّواهِي. قَوْلُهُ " فَإنْ تَوَلَّوْا " يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ماضِيًا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ نَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ. ووَجْهُ الإظْهارِ في قَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إضْمارٍ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّعْمِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ إلَخْ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ أنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ هو الإسْلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الرَّسُولُ الَّذِي لا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ اللَّهَ إلّا بِاتِّباعِهِ، وأنَّ اخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِمُجَرَّدِ البَغْيِ عَلَيْهِ والحَسَدِ لَهُ، شَرَعَ في تَقْرِيرِ رِسالَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيَّنَ أنَّهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَعْدِنِ الرِّسالَةِ. والِاصْطِفاءُ الِاخْتِيارُ. قالَ الزَّجّاجُ: اخْتارَهم بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيِ: اصْطَفى دِينَ آدَمَ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ العالَمِينَ، وتَخْصِيصُ آدَمَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ، وكَذَلِكَ نُوحٌ فَإنَّهُ آدَمُ الثّانِي، وأمّا آلُ إبْراهِيمَ فَلِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم مَعَ كَثْرَةِ الأنْبِياءِ مِنهم. وأمّا آلُ عِمْرانَ فَهم وإنْ كانُوا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم كانَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ وجْهٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ، وبِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ نَصْبُ ذَرِّيَّةً عَلى البَدَلِيَّةِ مِمّا قَبْلَهُ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ قالَهُ الأخْفَشُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الذُّرِّيَّةِ، وبَعْضُها مِن بَعْضٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى صِفَةِ الذُّرِّيَّةِ، ومَعْناهُ مُتَناسِلَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ أوْ مُتَناصِرَةٌ مُتَعاضِدَةٌ في الدِّينِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ مِن طُرُقٍ قالَ: قالَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنّا لِنُحِبُّ رَبَّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيْ: إنْ كانَ هَذا مِن قَوْلِكم في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ وتَعْظِيمًا لَهُ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم﴾ أيْ: ما مَضى مِن كُفْرِكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَلى البِرِّ والتَّقْوى والتَّواضُعِ وذِلَّةِ النَّفْسِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ عَنْ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، وأدْناهُ أنْ يُحِبَّ عَلى شَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ ويُبْغِضَ عَلى شَيْءٍ مِنَ العَدْلِ، وهَلِ الدِّينُ إلّا الحُبُّ والبُغْضُ في اللَّهِ» قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ وآلِ ياسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ قالَ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.

آل عمران 3:34

الحُبُّ والمَحَبَّةُ مَيْلُ النَّفْسِ إلى الشَّيْءِ، يُقالُ: أحَبَّهُ فَهو مُحِبٌّ، وحَبَّهُ يَحِبُّهُ بِالكَسْرِ، فَهو مَحْبُوبٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: وهَذا شاذٌّ، لِأنَّهُ لا يَأْتِي في المُضاعَفِ يَفْعِلُ بِالكَسْرِ. قالَ ابْنُ (p-٢١٤)الدِّهانِ: في حَبَّ لُغَتانِ حَبَّ وأحَبَّ، وأصْلُ حَبَّ في هَذا البابِ حَبَبَ كَطَرَقَ، وقَدْ فُسِّرَتِ المَحَبَّةُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ بِإرادَةِ طاعَتِهِ. قالَ الأزْهَرِيُّ: مَحَبَّةُ العَبْدِ لِلَّهِ ورَسُولِهِ طاعَتُهُ لَهُما واتِّباعُهُ أمْرَهُما، ومَحَبَّةُ اللَّهِ لِلْعِبادِ إنْعامُهُ عَلَيْهِمْ بِالغُفْرانِ. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ فاتَّبَعُونِي بِفَتْحِ الباءِ. ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ أنَّهُ أدْغَمَ الرّاءَ مِن يَغْفِرْ في اللّامِ. قالَ النَّحّاسُ: لا يُجِيزُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ إدْغامَ الرّاءِ في اللّامِ، وأبُو عَمْرٍو أجَلُّ مَن أنْ يَغْلَطَ في هَذا، ولَعَلَّهُ كانَ يُخْفِي الحَرَكَةَ كَما يَفْعَلُ أشْياءَ كَثِيرَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ، أيْ: في جَمْعِ الأوامِرِ والنَّواهِي. قَوْلُهُ " فَإنْ تَوَلَّوْا " يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ ماضِيًا. وقَوْلُهُ ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الكافِرِينَ﴾ نَفْيُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ والسُّخْطِ. ووَجْهُ الإظْهارِ في قَوْلِهِ: فَإنَّ اللَّهَ مَعَ كَوْنِ المَقامِ مَقامَ إضْمارٍ لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ أوِ التَّعْمِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ﴾ إلَخْ لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ أنَّ الدِّينَ المَرْضِيَّ هو الإسْلامُ، وأنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الرَّسُولُ الَّذِي لا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يُحِبَّ اللَّهَ إلّا بِاتِّباعِهِ، وأنَّ اخْتِلافَ أهْلِ الكِتابَيْنِ فِيهِ إنَّما هو لِمُجَرَّدِ البَغْيِ عَلَيْهِ والحَسَدِ لَهُ، شَرَعَ في تَقْرِيرِ رِسالَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وبَيَّنَ أنَّهُ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ومَعْدِنِ الرِّسالَةِ. والِاصْطِفاءُ الِاخْتِيارُ. قالَ الزَّجّاجُ: اخْتارَهم بِالنُّبُوَّةِ عَلى عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيِ: اصْطَفى دِينَ آدَمَ إلَخْ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى تَفْسِيرِ العالَمِينَ، وتَخْصِيصُ آدَمَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُ أبُو البَشَرِ، وكَذَلِكَ نُوحٌ فَإنَّهُ آدَمُ الثّانِي، وأمّا آلُ إبْراهِيمَ فَلِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم مَعَ كَثْرَةِ الأنْبِياءِ مِنهم. وأمّا آلُ عِمْرانَ فَهم وإنْ كانُوا مِن آلِ إبْراهِيمَ، فَلَمّا كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِنهم كانَ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ وجْهٌ. وقِيلَ: المُرادُ بِآلِ إبْراهِيمَ إبْراهِيمُ نَفْسُهُ، وبِآلِ عِمْرانَ عِمْرانُ نَفْسُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ نَصْبُ ذَرِّيَّةً عَلى البَدَلِيَّةِ مِمّا قَبْلَهُ قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ عَلى الحالِيَّةِ قالَهُ الأخْفَشُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الذُّرِّيَّةِ، وبَعْضُها مِن بَعْضٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى صِفَةِ الذُّرِّيَّةِ، ومَعْناهُ مُتَناسِلَةٌ مُتَشَعِّبَةٌ أوْ مُتَناصِرَةٌ مُتَعاضِدَةٌ في الدِّينِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ مِن طُرُقٍ قالَ: قالَ أقْوامٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنّا لِنُحِبُّ رَبَّنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ أيْ: إنْ كانَ هَذا مِن قَوْلِكم في عِيسى حُبًّا لِلَّهِ وتَعْظِيمًا لَهُ ﴿فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ ويَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم﴾ أيْ: ما مَضى مِن كُفْرِكم ﴿واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: عَلى البِرِّ والتَّقْوى والتَّواضُعِ وذِلَّةِ النَّفْسِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ والدَّيْلَمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ. أخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِثْلَهُ عَنْ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الشِّرْكُ أخْفى مِن دَبِيبِ النَّمْلِ عَلى الصَّفا في اللَّيْلَةِ الظَّلْماءِ، وأدْناهُ أنْ يُحِبَّ عَلى شَيْءٍ مِنَ الجَوْرِ ويُبْغِضَ عَلى شَيْءٍ مِنَ العَدْلِ، وهَلِ الدِّينُ إلّا الحُبُّ والبُغْضُ في اللَّهِ» قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وآلَ إبْراهِيمَ وآلَ عِمْرانَ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ مِن آلِ إبْراهِيمَ وآلِ عِمْرانَ وآلِ ياسِينَ وآلِ مُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِن بَعْضٍ﴾ قالَ: في النِّيَّةِ والعَمَلِ والإخْلاصِ والتَّوْحِيدِ.

آل عمران 3:35

قَوْلُهُ: إذْ قالَتِ قالَ أبُو عَمْرٍو: إذْ زائِدَةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ إذْ قالَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ اصْطَفى وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حَنَّةُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ، بِنْتُ فاقُودَ بْنِ قُبَيْلٍ أُمُّ مَرْيَمَ، فَهي جَدَّةُ عِيسى. وعِمْرانُ هو ابْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى. قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِكَمالِ العِنايَةِ، وهَذا النَّذْرُ كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ. ومَعْنى ( لَكَ ) أيْ لِعِبادَتِكَ. ومُحَرَّرًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ: عَتِيقًا خالِصًا لِلَّهِ خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ. والمُرادُ هُنا الحُرِّيَّةُ الَّتِي هي ضِدُّ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُحَرَّرِ هُنا الخالِصُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ عِمْرانَ وامْرَأتَهُ حُرّانِ. قَوْلُهُ ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ التَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا؛ أيْ: تَقَبَّلْ مِنِّي نَذْرِي بِما في بَطْنِي. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ التَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ ما عُلِمَ مِنَ المَقامِ أنَّ الَّذِي في بَطْنِها أُنْثى، أوْ لِكَوْنِهِ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ بِتَأْوِيلِ ما في بَطْنِها بِالنَّفْسِ أوِ النَّسَمَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ إنَّما قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقْبَلُ في النَّذْرِ إلّا الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى، فَكَأنَّها تَحَسَّرَتْ وتَحَزَّنَتْ لِما فاتَها مِن ذَلِكَ الَّذِي كانَتْ تَرْجُوهُ وتُقَدِّرُهُ، وأُنْثى حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ التّاءِ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ كَلامِها ويَكُونُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ مَعْنى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ والخُضُوعِ والتَّنْزِيهِ لَهُ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ. وقَرَأ (p-٢١٥)الجُمْهُورُ وضَعَتْ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِما وضَعَتْهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ والتَّجْلِيلِ لَها حَيْثُ وقَعَ مِنها التَّحَسُّرُ والتَّحَزُّنُ، مَعَ أنَّ هَذِهِ الأُنْثى الَّتِي وضَعَتْها سَيَجْعَلُها اللَّهُ وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، ويَخْتَصُّها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ أحَدًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِما وضَعَتْ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَها؛ أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ وما عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَقاصَرُ عَنْها الأفْهامُ وتَتَضافَرُ عِنْدَها العُقُولُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ أيْ: ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْ كالأُنْثى الَّتِي وضَعَتْ، فَإنَّ غايَةَ ما أرادَتْ مِن كَوْنِهِ ذَكَرًا أنْ يَكُونَ نَذْرًا خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وأمْرُ هَذِهِ الأُنْثى عَظِيمٌ وشَأْنُها فَخِيمٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الأُولى مِن تَعْظِيمِ المَوْضُوعِ ورَفْعِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا عَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ مِن جُمْلَةِ كَلامِها ومِن تَمامِ تَحَسُّرِها وتَحَزُّنِها؛ أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي أرَدْتُ أنْ يَكُونَ خادِمًا ويَصْلُحُ لِلنُّذُرِ كالأُنْثى الَّتِي لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، وكَأنَّها أعْذَرَتْ إلى رَبِّها مِن وُجُودِها لَها عَلى خِلافِ ما قَصَدَتْ. قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ ومَقْصُودُها مِن هَذا الإخْبارِ بِالتَّسْمِيَةِ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِمَعْنى اسْمِها، فَإنَّ مَعْنى مَرْيَمَ خادِمُ الرَّبِّ بِلُغَتِهِمْ، فَهي وإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِخِدْمَةِ الكَنِيسَةِ فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ مِنَ العابِداتِ. قَوْلُهُ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾، والرَّجِيمُ المَطْرُودُ، وأصْلُهُ المَرْمِيُّ بِالحِجارَةِ، طَلَبَتِ الإعاذَةَ لَها ولِوَلَدِها مِنَ الشَّيْطانِ وأعْوانِهِ. قَوْلُهُ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ رَضِيَ بِها في النُّذُرِ، وسَلَكَ بِها مَسْلَكَ السُّعَداءِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى التَّقَبُّلِ التَّكَفُّلُ والتَّرْبِيَةُ والقِيامُ بِشَأْنِها، والقَبُولُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ والباءُ زائِدَةٌ، والأصْلُ تَقَبُّلًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ وأصْلُهُ إنْباتًا فَحُذِفَ الحَرْفُ الزّائِدُ، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَنَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا. والمَعْنى أنَّهُ سَوّى خَلْقَها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ، وقِيلَ: هو مَجازٌ عَنِ التَّرْبِيَةِ الحَسَنَةِ العائِدَةِ عَلَيْها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها. قَوْلُهُ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أيْ: ضَمَّها إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ضَمِنَ القِيامَ بِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وكَفَّلَها بِالتَّشْدِيدِ؛ أيْ: جَعَلَهُ اللَّهُ كافِلًا لَها ومُلْتَزِمًا بِمَصالِحِها، وفي مَعْناهُ ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وأكْفَلَها. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَكَرِيّا، ومَعْناهُ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ ضَمَّها إلَيْهِ وضَمِنَ القِيامَ بِها. ورَوى عَمْرُو بْنُ مُوسى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ وكَفِلَها بِكَسْرِ الفاءِ. قالَ الأخْفَشُ: لَمْ أسْمَعْ كَفِلَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ فَتَقَبَّلْها بِإسْكانِ الّامِ عَلى المَسْاَلَةِ والطَّلَبِ ونَصَبَ رَبَّها عَلى أنَّها مُنادى مُضافٌ. وقَرَأ أيْضًا وأنْبِتْها بِإسْكانِ التّاءِ وكَفِّلْها بِتَشْدِيدِ الفاءِ المَكْسُورَةِ وإسْكانِ اللّامِ ونَصَبَ زَكَرِيّا مَعَ المَدِّ. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( زَكَرِيّا ) بِغَيْرِ مَدٍّ، ومَدَّهُ الباقُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَمُدُّونَ زَكَرِيّا ويَقْصُرُونَهُ. قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ لُغاتٌ: المَدُّ والقَصْرُ، وزَكَرِيُّ بِتَشْدِيدِ الياءِ وهو مُمْتَنِعٌ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ مَعَ ألِفِ التَّأْنِيثِ. قَوْلُهُ ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ قُدِّمَ الظَّرْفُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وكَلِمَةُ كُلَّ ظَرْفٌ، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعامِلُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ وجَدَ أيْ: كُلَّ زَمانِ دُخُولِهِ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا؛ أيْ: نَوْعًا مِن أنْواعِ الرِّزْقِ. والمِحْرابُ في اللُّغَةِ: أكْرَمُ مَوْضِعٍ في المَجْلِسِ قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو مَنصُوبٌ عَلى التَّوَسُّعِ، قِيلَ: إنَّ زَكَرِيّا جَعَلَ لَها مِحْرابًا لا يَرْتَقِي إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ يُطْلِقُ عَلَيْها حَتّى كَبِرَتْ، وكانَ إذا دَخَلَ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَقالَ ﴿يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَجِيءُ لَكَ هَذا الرِّزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُّنْيا ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَجِيبٍ ولا مُسْتَنْكَرٍ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِما قَبْلَها، وهو مِن تَمامِ كَلامِها، ومَن قالَ إنَّهُ مِن كَلامِ زَكَرِيّا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ قالَ: كانَتْ نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ في الكَنِيسَةِ يَتَعَبَّدُ بِها، وكانَتْ تَرْجُو أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ مُحَرَّرًا لِلْعِبادَةِ. ‌وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ مُحَرَّرًا قالَ: خادِمًا لِلْبَيْعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مُحَرَّرًا خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُوَلَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾» ولِلْحَدِيثِ ألْفاظٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ هَذا أحُدُها، ورُوِيَ مِن حَدِيثِ غَيْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَفَّلَها زَكَرِيّا فَدَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ فَوَجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، فَقالَ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَ: إنَّ الَّذِي يَرْزُقُكِ العِنَبَ في غَيْرِ حِينِهِ لَقادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي مِنَ العاقِرِ الكَبِيرِ العَقِيمِ ولَدًا ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ سَيِّدِهِمْ وإمامِهِمْ، فَتَشاحَّ عَلَيْها أحْبارُهم فاقْتَرَعُوا فِيها بِسِهامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها، وكانَ زَكَرِيّا زَوْجَ أُخْتِها فَكَفَلَها، وكانَتْ عِنْدَهُ وحَضَنَها. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وكَفَّلَها زَكَرِيّا (p-٢١٦)قالَ: جَعَلَها مَعَهُ في مِحْرابِهِ.

آل عمران 3:36

قَوْلُهُ: إذْ قالَتِ قالَ أبُو عَمْرٍو: إذْ زائِدَةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ إذْ قالَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ اصْطَفى وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حَنَّةُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ، بِنْتُ فاقُودَ بْنِ قُبَيْلٍ أُمُّ مَرْيَمَ، فَهي جَدَّةُ عِيسى. وعِمْرانُ هو ابْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى. قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِكَمالِ العِنايَةِ، وهَذا النَّذْرُ كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ. ومَعْنى ( لَكَ ) أيْ لِعِبادَتِكَ. ومُحَرَّرًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ: عَتِيقًا خالِصًا لِلَّهِ خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ. والمُرادُ هُنا الحُرِّيَّةُ الَّتِي هي ضِدُّ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُحَرَّرِ هُنا الخالِصُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ عِمْرانَ وامْرَأتَهُ حُرّانِ. قَوْلُهُ ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ التَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا؛ أيْ: تَقَبَّلْ مِنِّي نَذْرِي بِما في بَطْنِي. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ التَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ ما عُلِمَ مِنَ المَقامِ أنَّ الَّذِي في بَطْنِها أُنْثى، أوْ لِكَوْنِهِ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ بِتَأْوِيلِ ما في بَطْنِها بِالنَّفْسِ أوِ النَّسَمَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ إنَّما قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقْبَلُ في النَّذْرِ إلّا الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى، فَكَأنَّها تَحَسَّرَتْ وتَحَزَّنَتْ لِما فاتَها مِن ذَلِكَ الَّذِي كانَتْ تَرْجُوهُ وتُقَدِّرُهُ، وأُنْثى حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ التّاءِ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ كَلامِها ويَكُونُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ مَعْنى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ والخُضُوعِ والتَّنْزِيهِ لَهُ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ. وقَرَأ (p-٢١٥)الجُمْهُورُ وضَعَتْ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِما وضَعَتْهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ والتَّجْلِيلِ لَها حَيْثُ وقَعَ مِنها التَّحَسُّرُ والتَّحَزُّنُ، مَعَ أنَّ هَذِهِ الأُنْثى الَّتِي وضَعَتْها سَيَجْعَلُها اللَّهُ وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، ويَخْتَصُّها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ أحَدًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِما وضَعَتْ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَها؛ أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ وما عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَقاصَرُ عَنْها الأفْهامُ وتَتَضافَرُ عِنْدَها العُقُولُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ أيْ: ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْ كالأُنْثى الَّتِي وضَعَتْ، فَإنَّ غايَةَ ما أرادَتْ مِن كَوْنِهِ ذَكَرًا أنْ يَكُونَ نَذْرًا خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وأمْرُ هَذِهِ الأُنْثى عَظِيمٌ وشَأْنُها فَخِيمٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الأُولى مِن تَعْظِيمِ المَوْضُوعِ ورَفْعِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا عَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ مِن جُمْلَةِ كَلامِها ومِن تَمامِ تَحَسُّرِها وتَحَزُّنِها؛ أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي أرَدْتُ أنْ يَكُونَ خادِمًا ويَصْلُحُ لِلنُّذُرِ كالأُنْثى الَّتِي لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، وكَأنَّها أعْذَرَتْ إلى رَبِّها مِن وُجُودِها لَها عَلى خِلافِ ما قَصَدَتْ. قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ ومَقْصُودُها مِن هَذا الإخْبارِ بِالتَّسْمِيَةِ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِمَعْنى اسْمِها، فَإنَّ مَعْنى مَرْيَمَ خادِمُ الرَّبِّ بِلُغَتِهِمْ، فَهي وإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِخِدْمَةِ الكَنِيسَةِ فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ مِنَ العابِداتِ. قَوْلُهُ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾، والرَّجِيمُ المَطْرُودُ، وأصْلُهُ المَرْمِيُّ بِالحِجارَةِ، طَلَبَتِ الإعاذَةَ لَها ولِوَلَدِها مِنَ الشَّيْطانِ وأعْوانِهِ. قَوْلُهُ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ رَضِيَ بِها في النُّذُرِ، وسَلَكَ بِها مَسْلَكَ السُّعَداءِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى التَّقَبُّلِ التَّكَفُّلُ والتَّرْبِيَةُ والقِيامُ بِشَأْنِها، والقَبُولُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ والباءُ زائِدَةٌ، والأصْلُ تَقَبُّلًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ وأصْلُهُ إنْباتًا فَحُذِفَ الحَرْفُ الزّائِدُ، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَنَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا. والمَعْنى أنَّهُ سَوّى خَلْقَها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ، وقِيلَ: هو مَجازٌ عَنِ التَّرْبِيَةِ الحَسَنَةِ العائِدَةِ عَلَيْها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها. قَوْلُهُ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أيْ: ضَمَّها إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ضَمِنَ القِيامَ بِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وكَفَّلَها بِالتَّشْدِيدِ؛ أيْ: جَعَلَهُ اللَّهُ كافِلًا لَها ومُلْتَزِمًا بِمَصالِحِها، وفي مَعْناهُ ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وأكْفَلَها. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَكَرِيّا، ومَعْناهُ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ ضَمَّها إلَيْهِ وضَمِنَ القِيامَ بِها. ورَوى عَمْرُو بْنُ مُوسى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ وكَفِلَها بِكَسْرِ الفاءِ. قالَ الأخْفَشُ: لَمْ أسْمَعْ كَفِلَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ فَتَقَبَّلْها بِإسْكانِ الّامِ عَلى المَسْاَلَةِ والطَّلَبِ ونَصَبَ رَبَّها عَلى أنَّها مُنادى مُضافٌ. وقَرَأ أيْضًا وأنْبِتْها بِإسْكانِ التّاءِ وكَفِّلْها بِتَشْدِيدِ الفاءِ المَكْسُورَةِ وإسْكانِ اللّامِ ونَصَبَ زَكَرِيّا مَعَ المَدِّ. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( زَكَرِيّا ) بِغَيْرِ مَدٍّ، ومَدَّهُ الباقُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَمُدُّونَ زَكَرِيّا ويَقْصُرُونَهُ. قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ لُغاتٌ: المَدُّ والقَصْرُ، وزَكَرِيُّ بِتَشْدِيدِ الياءِ وهو مُمْتَنِعٌ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ مَعَ ألِفِ التَّأْنِيثِ. قَوْلُهُ ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ قُدِّمَ الظَّرْفُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وكَلِمَةُ كُلَّ ظَرْفٌ، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعامِلُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ وجَدَ أيْ: كُلَّ زَمانِ دُخُولِهِ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا؛ أيْ: نَوْعًا مِن أنْواعِ الرِّزْقِ. والمِحْرابُ في اللُّغَةِ: أكْرَمُ مَوْضِعٍ في المَجْلِسِ قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو مَنصُوبٌ عَلى التَّوَسُّعِ، قِيلَ: إنَّ زَكَرِيّا جَعَلَ لَها مِحْرابًا لا يَرْتَقِي إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ يُطْلِقُ عَلَيْها حَتّى كَبِرَتْ، وكانَ إذا دَخَلَ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَقالَ ﴿يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَجِيءُ لَكَ هَذا الرِّزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُّنْيا ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَجِيبٍ ولا مُسْتَنْكَرٍ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِما قَبْلَها، وهو مِن تَمامِ كَلامِها، ومَن قالَ إنَّهُ مِن كَلامِ زَكَرِيّا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ قالَ: كانَتْ نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ في الكَنِيسَةِ يَتَعَبَّدُ بِها، وكانَتْ تَرْجُو أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ مُحَرَّرًا لِلْعِبادَةِ. ‌وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ مُحَرَّرًا قالَ: خادِمًا لِلْبَيْعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مُحَرَّرًا خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُوَلَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾» ولِلْحَدِيثِ ألْفاظٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ هَذا أحُدُها، ورُوِيَ مِن حَدِيثِ غَيْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَفَّلَها زَكَرِيّا فَدَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ فَوَجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، فَقالَ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَ: إنَّ الَّذِي يَرْزُقُكِ العِنَبَ في غَيْرِ حِينِهِ لَقادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي مِنَ العاقِرِ الكَبِيرِ العَقِيمِ ولَدًا ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ سَيِّدِهِمْ وإمامِهِمْ، فَتَشاحَّ عَلَيْها أحْبارُهم فاقْتَرَعُوا فِيها بِسِهامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها، وكانَ زَكَرِيّا زَوْجَ أُخْتِها فَكَفَلَها، وكانَتْ عِنْدَهُ وحَضَنَها. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وكَفَّلَها زَكَرِيّا (p-٢١٦)قالَ: جَعَلَها مَعَهُ في مِحْرابِهِ.

آل عمران 3:37

قَوْلُهُ: إذْ قالَتِ قالَ أبُو عَمْرٍو: إذْ زائِدَةٌ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: إنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ اذْكُرْ إذْ قالَتْ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ اصْطَفى وقِيلَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وامْرَأةُ عِمْرانَ اسْمُها حَنَّةُ بِالحاءِ المُهْمَلَةِ والنُّونِ، بِنْتُ فاقُودَ بْنِ قُبَيْلٍ أُمُّ مَرْيَمَ، فَهي جَدَّةُ عِيسى. وعِمْرانُ هو ابْنُ ماثانَ جَدُّ عِيسى. قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي﴾ تَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ لِكَمالِ العِنايَةِ، وهَذا النَّذْرُ كانَ جائِزًا في شَرِيعَتِهِمْ. ومَعْنى ( لَكَ ) أيْ لِعِبادَتِكَ. ومُحَرَّرًا مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ: عَتِيقًا خالِصًا لِلَّهِ خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ. والمُرادُ هُنا الحُرِّيَّةُ الَّتِي هي ضِدُّ العُبُودِيَّةِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالمُحَرَّرِ هُنا الخالِصُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ الَّذِي لا يَشُوبُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا. ورَجَّحَ هَذا بِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ عِمْرانَ وامْرَأتَهُ حُرّانِ. قَوْلُهُ ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ التَّقَبُّلُ أخْذُ الشَّيْءِ عَلى وجْهِ الرِّضا؛ أيْ: تَقَبَّلْ مِنِّي نَذْرِي بِما في بَطْنِي. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا وضَعَتْها﴾ التَّأْنِيثُ بِاعْتِبارِ ما عُلِمَ مِنَ المَقامِ أنَّ الَّذِي في بَطْنِها أُنْثى، أوْ لِكَوْنِهِ أُنْثى في عِلْمِ اللَّهِ، أوْ بِتَأْوِيلِ ما في بَطْنِها بِالنَّفْسِ أوِ النَّسَمَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَتْ رَبِّ إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ إنَّما قالَتْ هَذِهِ المَقالَةَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُقْبَلُ في النَّذْرِ إلّا الذَّكَرُ دُونَ الأُنْثى، فَكَأنَّها تَحَسَّرَتْ وتَحَزَّنَتْ لِما فاتَها مِن ذَلِكَ الَّذِي كانَتْ تَرْجُوهُ وتُقَدِّرُهُ، وأُنْثى حالٌ مُؤَكَّدَةٌ مِنَ الضَّمِيرِ أوْ بَدَلٌ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما وضَعَتْ﴾ قَرَأ أبُو بَكْرٍ وابْنُ عامِرٍ بِضَمِّ التّاءِ فَيَكُونُ مِن جُمْلَةِ كَلامِها ويَكُونُ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ، وفِيهِ مَعْنى التَّسْلِيمِ لِلَّهِ والخُضُوعِ والتَّنْزِيهِ لَهُ أنْ يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ. وقَرَأ (p-٢١٥)الجُمْهُورُ وضَعَتْ، فَيَكُونُ مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِما وضَعَتْهُ والتَّفْخِيمِ لِشَأْنِهِ والتَّجْلِيلِ لَها حَيْثُ وقَعَ مِنها التَّحَسُّرُ والتَّحَزُّنُ، مَعَ أنَّ هَذِهِ الأُنْثى الَّتِي وضَعَتْها سَيَجْعَلُها اللَّهُ وابْنَها آيَةً لِلْعالَمِينَ وعِبْرَةً لِلْمُعْتَبِرِينَ، ويَخْتَصُّها بِما لَمْ يَخْتَصَّ بِهِ أحَدًا. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِما وضَعَتْ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى أنَّهُ خِطابٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَها؛ أيْ: إنَّكِ لا تَعْلَمِينَ قَدْرَ هَذا المَوْهُوبِ وما عَلِمَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَتَقاصَرُ عَنْها الأفْهامُ وتَتَضافَرُ عِنْدَها العُقُولُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ أيْ: ولَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي طَلَبَتْ كالأُنْثى الَّتِي وضَعَتْ، فَإنَّ غايَةَ ما أرادَتْ مِن كَوْنِهِ ذَكَرًا أنْ يَكُونَ نَذْرًا خادِمًا لِلْكَنِيسَةِ، وأمْرُ هَذِهِ الأُنْثى عَظِيمٌ وشَأْنُها فَخِيمٌ. وهَذِهِ الجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ مُبَيِّنَةٌ لِما في الجُمْلَةِ الأُولى مِن تَعْظِيمِ المَوْضُوعِ ورَفْعِ شَأْنِهِ وعُلُوِّ مَنزِلَتِهِ، واللّامُ في الذَّكَرِ والأُنْثى لِلْعَهْدِ، هَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ وعَلى قِراءَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وأمّا عَلى قِراءَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ الذَّكَرُ كالأُنْثى﴾ مِن جُمْلَةِ كَلامِها ومِن تَمامِ تَحَسُّرِها وتَحَزُّنِها؛ أيْ: لَيْسَ الذَّكَرُ الَّذِي أرَدْتُ أنْ يَكُونَ خادِمًا ويَصْلُحُ لِلنُّذُرِ كالأُنْثى الَّتِي لا تَصْلُحُ لِذَلِكَ، وكَأنَّها أعْذَرَتْ إلى رَبِّها مِن وُجُودِها لَها عَلى خِلافِ ما قَصَدَتْ. قَوْلُهُ: ﴿وإنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿إنِّي وضَعْتُها أُنْثى﴾ ومَقْصُودُها مِن هَذا الإخْبارِ بِالتَّسْمِيَةِ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنْ يَكُونَ فِعْلُها مُطابِقًا لِمَعْنى اسْمِها، فَإنَّ مَعْنى مَرْيَمَ خادِمُ الرَّبِّ بِلُغَتِهِمْ، فَهي وإنْ لَمْ تَكُنْ صالِحَةً لِخِدْمَةِ الكَنِيسَةِ فَذَلِكَ لا يَمْنَعُ أنْ تَكُونَ مِنَ العابِداتِ. قَوْلُهُ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿إنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ﴾، والرَّجِيمُ المَطْرُودُ، وأصْلُهُ المَرْمِيُّ بِالحِجارَةِ، طَلَبَتِ الإعاذَةَ لَها ولِوَلَدِها مِنَ الشَّيْطانِ وأعْوانِهِ. قَوْلُهُ ﴿فَتَقَبَّلَها رَبُّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أيْ رَضِيَ بِها في النُّذُرِ، وسَلَكَ بِها مَسْلَكَ السُّعَداءِ. وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى التَّقَبُّلِ التَّكَفُّلُ والتَّرْبِيَةُ والقِيامُ بِشَأْنِها، والقَبُولُ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِلْفِعْلِ السّابِقِ والباءُ زائِدَةٌ، والأصْلُ تَقَبُّلًا، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وأنْبَتَها نَباتًا حَسَنًا﴾ وأصْلُهُ إنْباتًا فَحُذِفَ الحَرْفُ الزّائِدُ، وقِيلَ هو مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَنَبَتَتْ نَباتًا حَسَنًا. والمَعْنى أنَّهُ سَوّى خَلْقَها مِن غَيْرِ زِيادَةٍ ولا نُقْصانٍ، قِيلَ: إنَّها كانَتْ تَنْبُتُ في اليَوْمِ ما يَنْبُتُ المَوْلُودُ في عامٍ، وقِيلَ: هو مَجازٌ عَنِ التَّرْبِيَةِ الحَسَنَةِ العائِدَةِ عَلَيْها بِما يُصْلِحُها في جَمِيعِ أحْوالِها. قَوْلُهُ: ﴿وكَفَّلَها زَكَرِيّا﴾ أيْ: ضَمَّها إلَيْهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ ضَمِنَ القِيامَ بِها. وقَرَأ الكُوفِيُّونَ وكَفَّلَها بِالتَّشْدِيدِ؛ أيْ: جَعَلَهُ اللَّهُ كافِلًا لَها ومُلْتَزِمًا بِمَصالِحِها، وفي مَعْناهُ ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وأكْفَلَها. وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّخْفِيفِ عَلى إسْنادِ الفِعْلِ إلى زَكَرِيّا، ومَعْناهُ ما تَقَدَّمَ مِن كَوْنِهِ ضَمَّها إلَيْهِ وضَمِنَ القِيامَ بِها. ورَوى عَمْرُو بْنُ مُوسى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ وكَفِلَها بِكَسْرِ الفاءِ. قالَ الأخْفَشُ: لَمْ أسْمَعْ كَفِلَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ فَتَقَبَّلْها بِإسْكانِ الّامِ عَلى المَسْاَلَةِ والطَّلَبِ ونَصَبَ رَبَّها عَلى أنَّها مُنادى مُضافٌ. وقَرَأ أيْضًا وأنْبِتْها بِإسْكانِ التّاءِ وكَفِّلْها بِتَشْدِيدِ الفاءِ المَكْسُورَةِ وإسْكانِ اللّامِ ونَصَبَ زَكَرِيّا مَعَ المَدِّ. وقَرَأ حَفْصٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( زَكَرِيّا ) بِغَيْرِ مَدٍّ، ومَدَّهُ الباقُونَ. وقالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَمُدُّونَ زَكَرِيّا ويَقْصُرُونَهُ. قالَ الأخْفَشُ: فِيهِ لُغاتٌ: المَدُّ والقَصْرُ، وزَكَرِيُّ بِتَشْدِيدِ الياءِ وهو مُمْتَنِعٌ عَلى جَمِيعِ التَّقادِيرِ لِلْعُجْمَةِ والتَّعْرِيفِ مَعَ ألِفِ التَّأْنِيثِ. قَوْلُهُ ﴿كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيّا المِحْرابَ﴾ قُدِّمَ الظَّرْفُ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، وكَلِمَةُ كُلَّ ظَرْفٌ، والزَّمانُ مَحْذُوفٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ والعامِلُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ وجَدَ أيْ: كُلَّ زَمانِ دُخُولِهِ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها رِزْقًا؛ أيْ: نَوْعًا مِن أنْواعِ الرِّزْقِ. والمِحْرابُ في اللُّغَةِ: أكْرَمُ مَوْضِعٍ في المَجْلِسِ قالَهُ القُرْطُبِيُّ، وهو مَنصُوبٌ عَلى التَّوَسُّعِ، قِيلَ: إنَّ زَكَرِيّا جَعَلَ لَها مِحْرابًا لا يَرْتَقِي إلَيْهِ إلّا بِسُلَّمٍ، وكانَ يُطْلِقُ عَلَيْها حَتّى كَبِرَتْ، وكانَ إذا دَخَلَ عَلَيْها وجَدَ عِنْدَها فاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ وفاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ، فَقالَ ﴿يامَرْيَمُ أنّى لَكِ هَذا﴾ أيْ: مِن أيْنَ يَجِيءُ لَكَ هَذا الرِّزْقُ الَّذِي لا يُشْبِهُ أرْزاقَ الدُّنْيا ﴿قالَتْ هو مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِعَجِيبٍ ولا مُسْتَنْكَرٍ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ تَعْلِيلِيَّةٌ لِما قَبْلَها، وهو مِن تَمامِ كَلامِها، ومَن قالَ إنَّهُ مِن كَلامِ زَكَرِيّا فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما في بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ قالَ: كانَتْ نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ في الكَنِيسَةِ يَتَعَبَّدُ بِها، وكانَتْ تَرْجُو أنْ يَكُونَ ذَكَرًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: نَذَرَتْ أنْ تَجْعَلَهُ مُحَرَّرًا لِلْعِبادَةِ. ‌وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ مُحَرَّرًا قالَ: خادِمًا لِلْبَيْعَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: مُحَرَّرًا خالِصًا لا يُخالِطُهُ شَيْءٌ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا والشَّيْطانُ يَمَسُّهُ حِينَ يُوَلَدُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيْطانِ إيّاهُ إلّا مَرْيَمَ وابْنَها، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ ﴿وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ﴾» ولِلْحَدِيثِ ألْفاظٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ هَذا أحُدُها، ورُوِيَ مِن حَدِيثِ غَيْرِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَفَّلَها زَكَرِيّا فَدَخَلَ عَلَيْها المِحْرابَ فَوَجَدَ عِنْدَها عِنَبًا في مِكْتَلٍ في غَيْرِ حِينِهِ، فَقالَ: أنّى لَكِ هَذا ؟ قالَتْ: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالَ: إنَّ الَّذِي يَرْزُقُكِ العِنَبَ في غَيْرِ حِينِهِ لَقادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي مِنَ العاقِرِ الكَبِيرِ العَقِيمِ ولَدًا ﴿هُنالِكَ دَعا زَكَرِيّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: ٣٨] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ سَيِّدِهِمْ وإمامِهِمْ، فَتَشاحَّ عَلَيْها أحْبارُهم فاقْتَرَعُوا فِيها بِسِهامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها، وكانَ زَكَرِيّا زَوْجَ أُخْتِها فَكَفَلَها، وكانَتْ عِنْدَهُ وحَضَنَها. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وكَفَّلَها زَكَرِيّا (p-٢١٦)قالَ: جَعَلَها مَعَهُ في مِحْرابِهِ.

آل عمران 3:38

قَوْلُهُ هُنالِكَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأصْلُهُ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلزَّمانِ خاصَّةً، وهُناكَ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ. والمَعْنى أنَّهُ دَعا في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو قائِمٌ فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ، أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، والَّذِي بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن وِلادَةِ حَنَّةَ لِمَرْيَمَ وقَدْ كانَتْ عاقِرًا، فَحَصَلَ لَهُ رَجاءُ الوَلَدِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وامْرَأتُهُ عاقِرًا أوْ بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ والصَّيْفِ في الشِّتاءِ عِنْدَ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ مَن أوْجَدَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الوَلَدِ مِنَ العاقِرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا الكَلامُ قِصَّةً مُسْتَأْنَفَةً سِيقَتْ في غُضُونِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِارْتِباطِ، والذُّرِّيَّةِ والنَّسْلِ يَكُونُ لِلْواحِدِ ويَكُونُ لِلْجَمْعِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها هُنا لِلْواحِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أوْلِياءَ، وتَأْنِيثُ طَيِّبَةٍ لِكَوْنِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ مُؤَنَّثًا. قَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( فَناداهُ ) وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: المُرادُ هُنا جِبْرِيلُ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقِيلَ: ناداهُ جَمِيعُ المَلائِكَةِ وهو الظّاهِرُ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجَمْعِ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ فَلا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: وهو قائِمٌ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ وهُوَ ‌ قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ، والتَّقْدِيرُ بِأنَّ اللَّهَ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ يُبَشِّرُكَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ المَكِّيُّ بِكَسْرِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ. قالَ الأخْفَشُ: هي ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، والقِراءَةُ الأُولى هي الَّتِي ورَدَتْ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ومِنهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١]، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١]، ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥] وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والثّانِيَةُ لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وبِها قَرَأ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثَةُ مِن أبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا. ويَحْيى مُمْتَنِعٌ إمّا لِكَوْنِهِ أعْجَمِيًّا أوْ لِكَوْنِ فِيهِ وزْنُ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ مَعَ العَلَمِيَّةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ حاكِيًا عَنِ النَّقّاشِ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَنّا انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في مَواضِعَ مِنَ الإنْجِيلِ أنَّهُ يُوحَنّا، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. والمُرادُ هُنا التَّبْشِيرُ بِوِلادَتِهِ؛ أيْ: يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: كُنْ، وقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: أنْشَدَنِي كَلِمَتَهُ؛ أيْ: قَصِيدَتَهُ، كَما رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانَ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ انْتَهى. ويَحْيى أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى وصَدَّقَ، وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. والسَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ أقْرانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ. والحَصُورُ أصْلُهُ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ، يُقالُ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي: إذا حَبَسَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ والحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ كَأنَّهُ يُحْجِمُ عَنْهُنَّ كَما يُقالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وحَصِيرٌ: إذا حَبَسَ رِفْدَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، فَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَصُورًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ؛ أيْ: مَحْصُورًا لا يَأْتِيهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، إمّا لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِكَوْنِهِ يَكُفُّ عَنْهُنَّ مَنعًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ. وقَدْ رُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى أمْرٍ مُكْتَسَبٍ يَقْدِرُ فاعِلُهُ عَلى خِلافِهِ، لا عَلى ما كانَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ وفي نَفْسِ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنَ الصّالِحِينَ، لِكَوْنِهِ مِن نَسْلِ الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهم. قَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ظاهِرُ هَذا أنَّ الخِطابَ مِنهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ الخِطابُ الواصِلُ إلَيْهِ هو بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ والجِدُّ في طَلَبِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالرَّبِّ جِبْرِيلَ؛ أيْ: يا سَيِّدِي، قِيلَ: وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سَألَ هَلْ يُرْزَقُ هَذا الوَلَدَ مِنِ امْرَأتِهِ العاقِرِ أوْ مِن غَيْرِها ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ بِأيِّ سَبَبٍ أسْتَوْجِبُ هَذا، وأنا وامْرَأتِي عَلى هَذِهِ الحالِ ؟ والحاصِلُ أنَّهُ اسْتَبْعَدَ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنهُما مَعَ كَوْنِ العادَةِ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا يَحْدُثُ مَن مِثْلِهِما؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمُ التَّبْشِيرِ كَبِيرًا، قِيلَ: في تِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ في ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ والحالُ ذَلِكَ، جَعَلَ الكِبَرَ كالطّالِبِ لَهُ لِكَوْنِهِ طَلِيعَةً مِن طَلائِعِ المَوْتِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ. والعاقِرُ: الَّتِي لا تَلِدُ، أيْ ذاتُ عُقْرٍ عَلى النَّسَبِ ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ (p-٢١٧)لَقالَ عَقِيرَةٌ، أيْ بِها عُقْرٌ يَمْنَعُها مِنَ الوَلَدِ، وإنَّما وقَعَ مِنهُ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ دُعائِهِ بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ومُشاهَدَتُهُ لِتِلْكَ الآيَةِ الكُبْرى في مَرْيَمَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِمَحْضِ الِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ دُعائِهِ إلى وقْتٍ يَشاءُ رَبُّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً فَكانَ الِاسْتِبْعادُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إيجادُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ العاقِرِ، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يَفْعَلُ أوِ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ؛ أيْ: عَلى هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لَهُ، أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ الحَبَلِ فَأتَلَقّى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، ووَجْهُ جَعْلِ الآيَةِ هَذا لِتَخْلُصَ تِلْكَ الأيّامُ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. والرَّمْزُ في اللُّغَةِ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ أوِ العَيْنَيْنِ أوِ الحاجِبَيْنِ أوِ اليَدَيْنِ، وأصْلُهُ الحَرَكَةُ وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِكَوْنِ الرَّمْزِ مِن غَيْرِ جِنْسِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى أنَّ الكَلامَ ما حَصَلَ بِهِ الإفْهامُ مِن لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ وهو بَعِيدٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ. قَوْلُهُ: وسَبِّحْ أيْ سَبِّحْهُ بِالعَشِيِّ وهو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، وقِيلَ: هو واحِدٌ وهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغِيبَ وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. والإبْكارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كالظَّرْفِ الأوَّلِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ اخْتارَكِ وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ أوْ مِنَ الدَّنَسِ عَلى عُمُومِها ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاصْطِفاءُ الآخَرُ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ هو حَيْثُ تَقَبَلَّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، والآخَرُ لِوِلادَةِ عِيسى. والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا قِيلَ: نِساءُ عالَمِ زَمانِها وهو الحَقُّ، وقِيلَ: نِساءُ جَمِيعِ العالَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الآخَرُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ والمُرادُ بِهِما جَمِيعًا واحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ أوْ أدِيمِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي القُنُوتِ، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ أوْ لِكَوْنِ صَلاتِهِمْ لا تَرْتِيبَ فِيها مَعَ كَوْنِ الواوِ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بِلا تَرْتِيبٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ رُكُوعَها يَكُونُ مَعَ رُكُوعِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وإنْ لَمْ تُصَلِّ مَعَهم. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها. والوَحْيُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ في خَفاءٍ، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَحْيُ الإشارَةُ والكِتابَةُ والرِّسالَةُ وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ حَتّى تُعْلِمَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المِحْرابُ المُصَلّى. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ يَعْنِي المَحارِيبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُوسى الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى» . وقَدْ رُوِيَتْ كَراهَةُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ. وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ هو الكَلِمَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: كانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيِ الخالَةِ، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسى سُجُودُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَ بِعِيسى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ: حَلِيمًا تَقِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ (p-٢١٨)جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّيِّدُ الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: السَّيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ قالَ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الحَصُورِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وهو أقْوى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فَأخَذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا رَمْزًا قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الرَّمْزُ الإشارَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» . وفِي المَعْنى أحادِيثُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، لا نِساءِ جَمِيعِ العالَمِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتِ نِساءِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ يَعْنِي القِيامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أخْلِصِي. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم﴾ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها. قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجَرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأقْلامَ هي الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّها القِداحُ.

آل عمران 3:39

قَوْلُهُ هُنالِكَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأصْلُهُ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلزَّمانِ خاصَّةً، وهُناكَ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ. والمَعْنى أنَّهُ دَعا في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو قائِمٌ فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ، أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، والَّذِي بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن وِلادَةِ حَنَّةَ لِمَرْيَمَ وقَدْ كانَتْ عاقِرًا، فَحَصَلَ لَهُ رَجاءُ الوَلَدِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وامْرَأتُهُ عاقِرًا أوْ بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ والصَّيْفِ في الشِّتاءِ عِنْدَ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ مَن أوْجَدَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الوَلَدِ مِنَ العاقِرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا الكَلامُ قِصَّةً مُسْتَأْنَفَةً سِيقَتْ في غُضُونِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِارْتِباطِ، والذُّرِّيَّةِ والنَّسْلِ يَكُونُ لِلْواحِدِ ويَكُونُ لِلْجَمْعِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها هُنا لِلْواحِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أوْلِياءَ، وتَأْنِيثُ طَيِّبَةٍ لِكَوْنِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ مُؤَنَّثًا. قَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( فَناداهُ ) وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: المُرادُ هُنا جِبْرِيلُ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقِيلَ: ناداهُ جَمِيعُ المَلائِكَةِ وهو الظّاهِرُ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجَمْعِ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ فَلا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: وهو قائِمٌ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ وهُوَ ‌ قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ، والتَّقْدِيرُ بِأنَّ اللَّهَ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ يُبَشِّرُكَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ المَكِّيُّ بِكَسْرِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ. قالَ الأخْفَشُ: هي ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، والقِراءَةُ الأُولى هي الَّتِي ورَدَتْ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ومِنهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١]، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١]، ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥] وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والثّانِيَةُ لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وبِها قَرَأ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثَةُ مِن أبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا. ويَحْيى مُمْتَنِعٌ إمّا لِكَوْنِهِ أعْجَمِيًّا أوْ لِكَوْنِ فِيهِ وزْنُ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ مَعَ العَلَمِيَّةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ حاكِيًا عَنِ النَّقّاشِ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَنّا انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في مَواضِعَ مِنَ الإنْجِيلِ أنَّهُ يُوحَنّا، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. والمُرادُ هُنا التَّبْشِيرُ بِوِلادَتِهِ؛ أيْ: يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: كُنْ، وقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: أنْشَدَنِي كَلِمَتَهُ؛ أيْ: قَصِيدَتَهُ، كَما رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانَ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ انْتَهى. ويَحْيى أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى وصَدَّقَ، وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. والسَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ أقْرانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ. والحَصُورُ أصْلُهُ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ، يُقالُ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي: إذا حَبَسَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ والحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ كَأنَّهُ يُحْجِمُ عَنْهُنَّ كَما يُقالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وحَصِيرٌ: إذا حَبَسَ رِفْدَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، فَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَصُورًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ؛ أيْ: مَحْصُورًا لا يَأْتِيهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، إمّا لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِكَوْنِهِ يَكُفُّ عَنْهُنَّ مَنعًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ. وقَدْ رُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى أمْرٍ مُكْتَسَبٍ يَقْدِرُ فاعِلُهُ عَلى خِلافِهِ، لا عَلى ما كانَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ وفي نَفْسِ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنَ الصّالِحِينَ، لِكَوْنِهِ مِن نَسْلِ الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهم. قَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ظاهِرُ هَذا أنَّ الخِطابَ مِنهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ الخِطابُ الواصِلُ إلَيْهِ هو بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ والجِدُّ في طَلَبِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالرَّبِّ جِبْرِيلَ؛ أيْ: يا سَيِّدِي، قِيلَ: وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سَألَ هَلْ يُرْزَقُ هَذا الوَلَدَ مِنِ امْرَأتِهِ العاقِرِ أوْ مِن غَيْرِها ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ بِأيِّ سَبَبٍ أسْتَوْجِبُ هَذا، وأنا وامْرَأتِي عَلى هَذِهِ الحالِ ؟ والحاصِلُ أنَّهُ اسْتَبْعَدَ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنهُما مَعَ كَوْنِ العادَةِ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا يَحْدُثُ مَن مِثْلِهِما؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمُ التَّبْشِيرِ كَبِيرًا، قِيلَ: في تِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ في ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ والحالُ ذَلِكَ، جَعَلَ الكِبَرَ كالطّالِبِ لَهُ لِكَوْنِهِ طَلِيعَةً مِن طَلائِعِ المَوْتِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ. والعاقِرُ: الَّتِي لا تَلِدُ، أيْ ذاتُ عُقْرٍ عَلى النَّسَبِ ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ (p-٢١٧)لَقالَ عَقِيرَةٌ، أيْ بِها عُقْرٌ يَمْنَعُها مِنَ الوَلَدِ، وإنَّما وقَعَ مِنهُ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ دُعائِهِ بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ومُشاهَدَتُهُ لِتِلْكَ الآيَةِ الكُبْرى في مَرْيَمَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِمَحْضِ الِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ دُعائِهِ إلى وقْتٍ يَشاءُ رَبُّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً فَكانَ الِاسْتِبْعادُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إيجادُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ العاقِرِ، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يَفْعَلُ أوِ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ؛ أيْ: عَلى هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لَهُ، أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ الحَبَلِ فَأتَلَقّى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، ووَجْهُ جَعْلِ الآيَةِ هَذا لِتَخْلُصَ تِلْكَ الأيّامُ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. والرَّمْزُ في اللُّغَةِ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ أوِ العَيْنَيْنِ أوِ الحاجِبَيْنِ أوِ اليَدَيْنِ، وأصْلُهُ الحَرَكَةُ وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِكَوْنِ الرَّمْزِ مِن غَيْرِ جِنْسِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى أنَّ الكَلامَ ما حَصَلَ بِهِ الإفْهامُ مِن لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ وهو بَعِيدٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ. قَوْلُهُ: وسَبِّحْ أيْ سَبِّحْهُ بِالعَشِيِّ وهو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، وقِيلَ: هو واحِدٌ وهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغِيبَ وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. والإبْكارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كالظَّرْفِ الأوَّلِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ اخْتارَكِ وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ أوْ مِنَ الدَّنَسِ عَلى عُمُومِها ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاصْطِفاءُ الآخَرُ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ هو حَيْثُ تَقَبَلَّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، والآخَرُ لِوِلادَةِ عِيسى. والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا قِيلَ: نِساءُ عالَمِ زَمانِها وهو الحَقُّ، وقِيلَ: نِساءُ جَمِيعِ العالَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الآخَرُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ والمُرادُ بِهِما جَمِيعًا واحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ أوْ أدِيمِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي القُنُوتِ، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ أوْ لِكَوْنِ صَلاتِهِمْ لا تَرْتِيبَ فِيها مَعَ كَوْنِ الواوِ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بِلا تَرْتِيبٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ رُكُوعَها يَكُونُ مَعَ رُكُوعِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وإنْ لَمْ تُصَلِّ مَعَهم. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها. والوَحْيُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ في خَفاءٍ، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَحْيُ الإشارَةُ والكِتابَةُ والرِّسالَةُ وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ حَتّى تُعْلِمَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المِحْرابُ المُصَلّى. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ يَعْنِي المَحارِيبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُوسى الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى» . وقَدْ رُوِيَتْ كَراهَةُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ. وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ هو الكَلِمَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: كانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيِ الخالَةِ، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسى سُجُودُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَ بِعِيسى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ: حَلِيمًا تَقِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ (p-٢١٨)جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّيِّدُ الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: السَّيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ قالَ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الحَصُورِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وهو أقْوى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فَأخَذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا رَمْزًا قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الرَّمْزُ الإشارَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» . وفِي المَعْنى أحادِيثُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، لا نِساءِ جَمِيعِ العالَمِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتِ نِساءِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ يَعْنِي القِيامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أخْلِصِي. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم﴾ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها. قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجَرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأقْلامَ هي الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّها القِداحُ.

آل عمران 3:40

قَوْلُهُ هُنالِكَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأصْلُهُ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلزَّمانِ خاصَّةً، وهُناكَ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ. والمَعْنى أنَّهُ دَعا في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو قائِمٌ فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ، أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، والَّذِي بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن وِلادَةِ حَنَّةَ لِمَرْيَمَ وقَدْ كانَتْ عاقِرًا، فَحَصَلَ لَهُ رَجاءُ الوَلَدِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وامْرَأتُهُ عاقِرًا أوْ بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ والصَّيْفِ في الشِّتاءِ عِنْدَ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ مَن أوْجَدَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الوَلَدِ مِنَ العاقِرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا الكَلامُ قِصَّةً مُسْتَأْنَفَةً سِيقَتْ في غُضُونِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِارْتِباطِ، والذُّرِّيَّةِ والنَّسْلِ يَكُونُ لِلْواحِدِ ويَكُونُ لِلْجَمْعِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها هُنا لِلْواحِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أوْلِياءَ، وتَأْنِيثُ طَيِّبَةٍ لِكَوْنِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ مُؤَنَّثًا. قَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( فَناداهُ ) وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: المُرادُ هُنا جِبْرِيلُ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقِيلَ: ناداهُ جَمِيعُ المَلائِكَةِ وهو الظّاهِرُ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجَمْعِ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ فَلا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: وهو قائِمٌ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ وهُوَ ‌ قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ، والتَّقْدِيرُ بِأنَّ اللَّهَ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ يُبَشِّرُكَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ المَكِّيُّ بِكَسْرِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ. قالَ الأخْفَشُ: هي ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، والقِراءَةُ الأُولى هي الَّتِي ورَدَتْ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ومِنهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١]، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١]، ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥] وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والثّانِيَةُ لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وبِها قَرَأ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثَةُ مِن أبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا. ويَحْيى مُمْتَنِعٌ إمّا لِكَوْنِهِ أعْجَمِيًّا أوْ لِكَوْنِ فِيهِ وزْنُ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ مَعَ العَلَمِيَّةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ حاكِيًا عَنِ النَّقّاشِ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَنّا انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في مَواضِعَ مِنَ الإنْجِيلِ أنَّهُ يُوحَنّا، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. والمُرادُ هُنا التَّبْشِيرُ بِوِلادَتِهِ؛ أيْ: يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: كُنْ، وقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: أنْشَدَنِي كَلِمَتَهُ؛ أيْ: قَصِيدَتَهُ، كَما رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانَ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ انْتَهى. ويَحْيى أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى وصَدَّقَ، وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. والسَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ أقْرانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ. والحَصُورُ أصْلُهُ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ، يُقالُ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي: إذا حَبَسَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ والحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ كَأنَّهُ يُحْجِمُ عَنْهُنَّ كَما يُقالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وحَصِيرٌ: إذا حَبَسَ رِفْدَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، فَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَصُورًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ؛ أيْ: مَحْصُورًا لا يَأْتِيهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، إمّا لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِكَوْنِهِ يَكُفُّ عَنْهُنَّ مَنعًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ. وقَدْ رُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى أمْرٍ مُكْتَسَبٍ يَقْدِرُ فاعِلُهُ عَلى خِلافِهِ، لا عَلى ما كانَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ وفي نَفْسِ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنَ الصّالِحِينَ، لِكَوْنِهِ مِن نَسْلِ الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهم. قَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ظاهِرُ هَذا أنَّ الخِطابَ مِنهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ الخِطابُ الواصِلُ إلَيْهِ هو بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ والجِدُّ في طَلَبِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالرَّبِّ جِبْرِيلَ؛ أيْ: يا سَيِّدِي، قِيلَ: وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سَألَ هَلْ يُرْزَقُ هَذا الوَلَدَ مِنِ امْرَأتِهِ العاقِرِ أوْ مِن غَيْرِها ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ بِأيِّ سَبَبٍ أسْتَوْجِبُ هَذا، وأنا وامْرَأتِي عَلى هَذِهِ الحالِ ؟ والحاصِلُ أنَّهُ اسْتَبْعَدَ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنهُما مَعَ كَوْنِ العادَةِ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا يَحْدُثُ مَن مِثْلِهِما؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمُ التَّبْشِيرِ كَبِيرًا، قِيلَ: في تِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ في ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ والحالُ ذَلِكَ، جَعَلَ الكِبَرَ كالطّالِبِ لَهُ لِكَوْنِهِ طَلِيعَةً مِن طَلائِعِ المَوْتِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ. والعاقِرُ: الَّتِي لا تَلِدُ، أيْ ذاتُ عُقْرٍ عَلى النَّسَبِ ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ (p-٢١٧)لَقالَ عَقِيرَةٌ، أيْ بِها عُقْرٌ يَمْنَعُها مِنَ الوَلَدِ، وإنَّما وقَعَ مِنهُ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ دُعائِهِ بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ومُشاهَدَتُهُ لِتِلْكَ الآيَةِ الكُبْرى في مَرْيَمَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِمَحْضِ الِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ دُعائِهِ إلى وقْتٍ يَشاءُ رَبُّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً فَكانَ الِاسْتِبْعادُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إيجادُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ العاقِرِ، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يَفْعَلُ أوِ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ؛ أيْ: عَلى هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لَهُ، أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ الحَبَلِ فَأتَلَقّى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، ووَجْهُ جَعْلِ الآيَةِ هَذا لِتَخْلُصَ تِلْكَ الأيّامُ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. والرَّمْزُ في اللُّغَةِ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ أوِ العَيْنَيْنِ أوِ الحاجِبَيْنِ أوِ اليَدَيْنِ، وأصْلُهُ الحَرَكَةُ وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِكَوْنِ الرَّمْزِ مِن غَيْرِ جِنْسِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى أنَّ الكَلامَ ما حَصَلَ بِهِ الإفْهامُ مِن لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ وهو بَعِيدٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ. قَوْلُهُ: وسَبِّحْ أيْ سَبِّحْهُ بِالعَشِيِّ وهو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، وقِيلَ: هو واحِدٌ وهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغِيبَ وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. والإبْكارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كالظَّرْفِ الأوَّلِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ اخْتارَكِ وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ أوْ مِنَ الدَّنَسِ عَلى عُمُومِها ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاصْطِفاءُ الآخَرُ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ هو حَيْثُ تَقَبَلَّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، والآخَرُ لِوِلادَةِ عِيسى. والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا قِيلَ: نِساءُ عالَمِ زَمانِها وهو الحَقُّ، وقِيلَ: نِساءُ جَمِيعِ العالَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الآخَرُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ والمُرادُ بِهِما جَمِيعًا واحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ أوْ أدِيمِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي القُنُوتِ، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ أوْ لِكَوْنِ صَلاتِهِمْ لا تَرْتِيبَ فِيها مَعَ كَوْنِ الواوِ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بِلا تَرْتِيبٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ رُكُوعَها يَكُونُ مَعَ رُكُوعِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وإنْ لَمْ تُصَلِّ مَعَهم. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها. والوَحْيُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ في خَفاءٍ، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَحْيُ الإشارَةُ والكِتابَةُ والرِّسالَةُ وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ حَتّى تُعْلِمَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المِحْرابُ المُصَلّى. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ يَعْنِي المَحارِيبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُوسى الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى» . وقَدْ رُوِيَتْ كَراهَةُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ. وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ هو الكَلِمَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: كانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيِ الخالَةِ، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسى سُجُودُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَ بِعِيسى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ: حَلِيمًا تَقِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ (p-٢١٨)جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّيِّدُ الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: السَّيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ قالَ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الحَصُورِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وهو أقْوى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فَأخَذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا رَمْزًا قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الرَّمْزُ الإشارَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» . وفِي المَعْنى أحادِيثُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، لا نِساءِ جَمِيعِ العالَمِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتِ نِساءِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ يَعْنِي القِيامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أخْلِصِي. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم﴾ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها. قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجَرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأقْلامَ هي الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّها القِداحُ.

آل عمران 3:41

قَوْلُهُ هُنالِكَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأصْلُهُ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلزَّمانِ خاصَّةً، وهُناكَ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ. والمَعْنى أنَّهُ دَعا في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو قائِمٌ فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ، أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، والَّذِي بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن وِلادَةِ حَنَّةَ لِمَرْيَمَ وقَدْ كانَتْ عاقِرًا، فَحَصَلَ لَهُ رَجاءُ الوَلَدِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وامْرَأتُهُ عاقِرًا أوْ بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ والصَّيْفِ في الشِّتاءِ عِنْدَ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ مَن أوْجَدَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الوَلَدِ مِنَ العاقِرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا الكَلامُ قِصَّةً مُسْتَأْنَفَةً سِيقَتْ في غُضُونِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِارْتِباطِ، والذُّرِّيَّةِ والنَّسْلِ يَكُونُ لِلْواحِدِ ويَكُونُ لِلْجَمْعِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها هُنا لِلْواحِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أوْلِياءَ، وتَأْنِيثُ طَيِّبَةٍ لِكَوْنِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ مُؤَنَّثًا. قَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( فَناداهُ ) وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: المُرادُ هُنا جِبْرِيلُ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقِيلَ: ناداهُ جَمِيعُ المَلائِكَةِ وهو الظّاهِرُ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجَمْعِ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ فَلا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: وهو قائِمٌ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ وهُوَ ‌ قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ، والتَّقْدِيرُ بِأنَّ اللَّهَ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ يُبَشِّرُكَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ المَكِّيُّ بِكَسْرِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ. قالَ الأخْفَشُ: هي ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، والقِراءَةُ الأُولى هي الَّتِي ورَدَتْ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ومِنهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١]، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١]، ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥] وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والثّانِيَةُ لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وبِها قَرَأ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثَةُ مِن أبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا. ويَحْيى مُمْتَنِعٌ إمّا لِكَوْنِهِ أعْجَمِيًّا أوْ لِكَوْنِ فِيهِ وزْنُ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ مَعَ العَلَمِيَّةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ حاكِيًا عَنِ النَّقّاشِ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَنّا انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في مَواضِعَ مِنَ الإنْجِيلِ أنَّهُ يُوحَنّا، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. والمُرادُ هُنا التَّبْشِيرُ بِوِلادَتِهِ؛ أيْ: يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: كُنْ، وقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: أنْشَدَنِي كَلِمَتَهُ؛ أيْ: قَصِيدَتَهُ، كَما رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانَ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ انْتَهى. ويَحْيى أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى وصَدَّقَ، وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. والسَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ أقْرانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ. والحَصُورُ أصْلُهُ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ، يُقالُ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي: إذا حَبَسَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ والحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ كَأنَّهُ يُحْجِمُ عَنْهُنَّ كَما يُقالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وحَصِيرٌ: إذا حَبَسَ رِفْدَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، فَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَصُورًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ؛ أيْ: مَحْصُورًا لا يَأْتِيهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، إمّا لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِكَوْنِهِ يَكُفُّ عَنْهُنَّ مَنعًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ. وقَدْ رُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى أمْرٍ مُكْتَسَبٍ يَقْدِرُ فاعِلُهُ عَلى خِلافِهِ، لا عَلى ما كانَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ وفي نَفْسِ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنَ الصّالِحِينَ، لِكَوْنِهِ مِن نَسْلِ الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهم. قَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ظاهِرُ هَذا أنَّ الخِطابَ مِنهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ الخِطابُ الواصِلُ إلَيْهِ هو بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ والجِدُّ في طَلَبِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالرَّبِّ جِبْرِيلَ؛ أيْ: يا سَيِّدِي، قِيلَ: وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سَألَ هَلْ يُرْزَقُ هَذا الوَلَدَ مِنِ امْرَأتِهِ العاقِرِ أوْ مِن غَيْرِها ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ بِأيِّ سَبَبٍ أسْتَوْجِبُ هَذا، وأنا وامْرَأتِي عَلى هَذِهِ الحالِ ؟ والحاصِلُ أنَّهُ اسْتَبْعَدَ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنهُما مَعَ كَوْنِ العادَةِ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا يَحْدُثُ مَن مِثْلِهِما؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمُ التَّبْشِيرِ كَبِيرًا، قِيلَ: في تِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ في ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ والحالُ ذَلِكَ، جَعَلَ الكِبَرَ كالطّالِبِ لَهُ لِكَوْنِهِ طَلِيعَةً مِن طَلائِعِ المَوْتِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ. والعاقِرُ: الَّتِي لا تَلِدُ، أيْ ذاتُ عُقْرٍ عَلى النَّسَبِ ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ (p-٢١٧)لَقالَ عَقِيرَةٌ، أيْ بِها عُقْرٌ يَمْنَعُها مِنَ الوَلَدِ، وإنَّما وقَعَ مِنهُ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ دُعائِهِ بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ومُشاهَدَتُهُ لِتِلْكَ الآيَةِ الكُبْرى في مَرْيَمَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِمَحْضِ الِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ دُعائِهِ إلى وقْتٍ يَشاءُ رَبُّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً فَكانَ الِاسْتِبْعادُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إيجادُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ العاقِرِ، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يَفْعَلُ أوِ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ؛ أيْ: عَلى هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لَهُ، أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ الحَبَلِ فَأتَلَقّى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، ووَجْهُ جَعْلِ الآيَةِ هَذا لِتَخْلُصَ تِلْكَ الأيّامُ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. والرَّمْزُ في اللُّغَةِ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ أوِ العَيْنَيْنِ أوِ الحاجِبَيْنِ أوِ اليَدَيْنِ، وأصْلُهُ الحَرَكَةُ وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِكَوْنِ الرَّمْزِ مِن غَيْرِ جِنْسِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى أنَّ الكَلامَ ما حَصَلَ بِهِ الإفْهامُ مِن لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ وهو بَعِيدٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ. قَوْلُهُ: وسَبِّحْ أيْ سَبِّحْهُ بِالعَشِيِّ وهو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، وقِيلَ: هو واحِدٌ وهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغِيبَ وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. والإبْكارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كالظَّرْفِ الأوَّلِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ اخْتارَكِ وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ أوْ مِنَ الدَّنَسِ عَلى عُمُومِها ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاصْطِفاءُ الآخَرُ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ هو حَيْثُ تَقَبَلَّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، والآخَرُ لِوِلادَةِ عِيسى. والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا قِيلَ: نِساءُ عالَمِ زَمانِها وهو الحَقُّ، وقِيلَ: نِساءُ جَمِيعِ العالَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الآخَرُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ والمُرادُ بِهِما جَمِيعًا واحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ أوْ أدِيمِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي القُنُوتِ، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ أوْ لِكَوْنِ صَلاتِهِمْ لا تَرْتِيبَ فِيها مَعَ كَوْنِ الواوِ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بِلا تَرْتِيبٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ رُكُوعَها يَكُونُ مَعَ رُكُوعِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وإنْ لَمْ تُصَلِّ مَعَهم. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها. والوَحْيُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ في خَفاءٍ، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَحْيُ الإشارَةُ والكِتابَةُ والرِّسالَةُ وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ حَتّى تُعْلِمَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المِحْرابُ المُصَلّى. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ يَعْنِي المَحارِيبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُوسى الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى» . وقَدْ رُوِيَتْ كَراهَةُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ. وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ هو الكَلِمَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: كانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيِ الخالَةِ، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسى سُجُودُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَ بِعِيسى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ: حَلِيمًا تَقِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ (p-٢١٨)جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّيِّدُ الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: السَّيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ قالَ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الحَصُورِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وهو أقْوى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فَأخَذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا رَمْزًا قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الرَّمْزُ الإشارَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» . وفِي المَعْنى أحادِيثُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، لا نِساءِ جَمِيعِ العالَمِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتِ نِساءِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ يَعْنِي القِيامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أخْلِصِي. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم﴾ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها. قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجَرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأقْلامَ هي الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّها القِداحُ.

آل عمران 3:42

قَوْلُهُ هُنالِكَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأصْلُهُ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلزَّمانِ خاصَّةً، وهُناكَ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ. والمَعْنى أنَّهُ دَعا في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو قائِمٌ فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ، أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، والَّذِي بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن وِلادَةِ حَنَّةَ لِمَرْيَمَ وقَدْ كانَتْ عاقِرًا، فَحَصَلَ لَهُ رَجاءُ الوَلَدِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وامْرَأتُهُ عاقِرًا أوْ بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ والصَّيْفِ في الشِّتاءِ عِنْدَ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ مَن أوْجَدَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الوَلَدِ مِنَ العاقِرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا الكَلامُ قِصَّةً مُسْتَأْنَفَةً سِيقَتْ في غُضُونِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِارْتِباطِ، والذُّرِّيَّةِ والنَّسْلِ يَكُونُ لِلْواحِدِ ويَكُونُ لِلْجَمْعِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها هُنا لِلْواحِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أوْلِياءَ، وتَأْنِيثُ طَيِّبَةٍ لِكَوْنِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ مُؤَنَّثًا. قَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( فَناداهُ ) وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: المُرادُ هُنا جِبْرِيلُ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقِيلَ: ناداهُ جَمِيعُ المَلائِكَةِ وهو الظّاهِرُ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجَمْعِ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ فَلا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: وهو قائِمٌ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ وهُوَ ‌ قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ، والتَّقْدِيرُ بِأنَّ اللَّهَ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ يُبَشِّرُكَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ المَكِّيُّ بِكَسْرِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ. قالَ الأخْفَشُ: هي ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، والقِراءَةُ الأُولى هي الَّتِي ورَدَتْ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ومِنهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١]، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١]، ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥] وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والثّانِيَةُ لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وبِها قَرَأ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثَةُ مِن أبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا. ويَحْيى مُمْتَنِعٌ إمّا لِكَوْنِهِ أعْجَمِيًّا أوْ لِكَوْنِ فِيهِ وزْنُ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ مَعَ العَلَمِيَّةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ حاكِيًا عَنِ النَّقّاشِ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَنّا انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في مَواضِعَ مِنَ الإنْجِيلِ أنَّهُ يُوحَنّا، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. والمُرادُ هُنا التَّبْشِيرُ بِوِلادَتِهِ؛ أيْ: يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: كُنْ، وقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: أنْشَدَنِي كَلِمَتَهُ؛ أيْ: قَصِيدَتَهُ، كَما رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانَ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ انْتَهى. ويَحْيى أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى وصَدَّقَ، وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. والسَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ أقْرانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ. والحَصُورُ أصْلُهُ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ، يُقالُ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي: إذا حَبَسَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ والحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ كَأنَّهُ يُحْجِمُ عَنْهُنَّ كَما يُقالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وحَصِيرٌ: إذا حَبَسَ رِفْدَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، فَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَصُورًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ؛ أيْ: مَحْصُورًا لا يَأْتِيهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، إمّا لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِكَوْنِهِ يَكُفُّ عَنْهُنَّ مَنعًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ. وقَدْ رُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى أمْرٍ مُكْتَسَبٍ يَقْدِرُ فاعِلُهُ عَلى خِلافِهِ، لا عَلى ما كانَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ وفي نَفْسِ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنَ الصّالِحِينَ، لِكَوْنِهِ مِن نَسْلِ الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهم. قَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ظاهِرُ هَذا أنَّ الخِطابَ مِنهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ الخِطابُ الواصِلُ إلَيْهِ هو بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ والجِدُّ في طَلَبِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالرَّبِّ جِبْرِيلَ؛ أيْ: يا سَيِّدِي، قِيلَ: وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سَألَ هَلْ يُرْزَقُ هَذا الوَلَدَ مِنِ امْرَأتِهِ العاقِرِ أوْ مِن غَيْرِها ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ بِأيِّ سَبَبٍ أسْتَوْجِبُ هَذا، وأنا وامْرَأتِي عَلى هَذِهِ الحالِ ؟ والحاصِلُ أنَّهُ اسْتَبْعَدَ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنهُما مَعَ كَوْنِ العادَةِ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا يَحْدُثُ مَن مِثْلِهِما؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمُ التَّبْشِيرِ كَبِيرًا، قِيلَ: في تِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ في ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ والحالُ ذَلِكَ، جَعَلَ الكِبَرَ كالطّالِبِ لَهُ لِكَوْنِهِ طَلِيعَةً مِن طَلائِعِ المَوْتِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ. والعاقِرُ: الَّتِي لا تَلِدُ، أيْ ذاتُ عُقْرٍ عَلى النَّسَبِ ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ (p-٢١٧)لَقالَ عَقِيرَةٌ، أيْ بِها عُقْرٌ يَمْنَعُها مِنَ الوَلَدِ، وإنَّما وقَعَ مِنهُ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ دُعائِهِ بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ومُشاهَدَتُهُ لِتِلْكَ الآيَةِ الكُبْرى في مَرْيَمَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِمَحْضِ الِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ دُعائِهِ إلى وقْتٍ يَشاءُ رَبُّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً فَكانَ الِاسْتِبْعادُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إيجادُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ العاقِرِ، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يَفْعَلُ أوِ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ؛ أيْ: عَلى هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لَهُ، أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ الحَبَلِ فَأتَلَقّى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، ووَجْهُ جَعْلِ الآيَةِ هَذا لِتَخْلُصَ تِلْكَ الأيّامُ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. والرَّمْزُ في اللُّغَةِ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ أوِ العَيْنَيْنِ أوِ الحاجِبَيْنِ أوِ اليَدَيْنِ، وأصْلُهُ الحَرَكَةُ وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِكَوْنِ الرَّمْزِ مِن غَيْرِ جِنْسِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى أنَّ الكَلامَ ما حَصَلَ بِهِ الإفْهامُ مِن لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ وهو بَعِيدٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ. قَوْلُهُ: وسَبِّحْ أيْ سَبِّحْهُ بِالعَشِيِّ وهو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، وقِيلَ: هو واحِدٌ وهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغِيبَ وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. والإبْكارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كالظَّرْفِ الأوَّلِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ اخْتارَكِ وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ أوْ مِنَ الدَّنَسِ عَلى عُمُومِها ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاصْطِفاءُ الآخَرُ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ هو حَيْثُ تَقَبَلَّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، والآخَرُ لِوِلادَةِ عِيسى. والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا قِيلَ: نِساءُ عالَمِ زَمانِها وهو الحَقُّ، وقِيلَ: نِساءُ جَمِيعِ العالَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الآخَرُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ والمُرادُ بِهِما جَمِيعًا واحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ أوْ أدِيمِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي القُنُوتِ، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ أوْ لِكَوْنِ صَلاتِهِمْ لا تَرْتِيبَ فِيها مَعَ كَوْنِ الواوِ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بِلا تَرْتِيبٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ رُكُوعَها يَكُونُ مَعَ رُكُوعِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وإنْ لَمْ تُصَلِّ مَعَهم. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها. والوَحْيُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ في خَفاءٍ، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَحْيُ الإشارَةُ والكِتابَةُ والرِّسالَةُ وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ حَتّى تُعْلِمَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المِحْرابُ المُصَلّى. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ يَعْنِي المَحارِيبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُوسى الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى» . وقَدْ رُوِيَتْ كَراهَةُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ. وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ هو الكَلِمَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: كانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيِ الخالَةِ، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسى سُجُودُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَ بِعِيسى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ: حَلِيمًا تَقِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ (p-٢١٨)جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّيِّدُ الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: السَّيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ قالَ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الحَصُورِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وهو أقْوى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فَأخَذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا رَمْزًا قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الرَّمْزُ الإشارَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» . وفِي المَعْنى أحادِيثُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، لا نِساءِ جَمِيعِ العالَمِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتِ نِساءِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ يَعْنِي القِيامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أخْلِصِي. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم﴾ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها. قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجَرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأقْلامَ هي الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّها القِداحُ.

آل عمران 3:43

قَوْلُهُ هُنالِكَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأصْلُهُ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلزَّمانِ خاصَّةً، وهُناكَ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ. والمَعْنى أنَّهُ دَعا في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو قائِمٌ فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ، أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، والَّذِي بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن وِلادَةِ حَنَّةَ لِمَرْيَمَ وقَدْ كانَتْ عاقِرًا، فَحَصَلَ لَهُ رَجاءُ الوَلَدِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وامْرَأتُهُ عاقِرًا أوْ بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ والصَّيْفِ في الشِّتاءِ عِنْدَ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ مَن أوْجَدَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الوَلَدِ مِنَ العاقِرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا الكَلامُ قِصَّةً مُسْتَأْنَفَةً سِيقَتْ في غُضُونِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِارْتِباطِ، والذُّرِّيَّةِ والنَّسْلِ يَكُونُ لِلْواحِدِ ويَكُونُ لِلْجَمْعِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها هُنا لِلْواحِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أوْلِياءَ، وتَأْنِيثُ طَيِّبَةٍ لِكَوْنِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ مُؤَنَّثًا. قَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( فَناداهُ ) وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: المُرادُ هُنا جِبْرِيلُ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقِيلَ: ناداهُ جَمِيعُ المَلائِكَةِ وهو الظّاهِرُ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجَمْعِ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ فَلا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: وهو قائِمٌ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ وهُوَ ‌ قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ، والتَّقْدِيرُ بِأنَّ اللَّهَ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ يُبَشِّرُكَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ المَكِّيُّ بِكَسْرِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ. قالَ الأخْفَشُ: هي ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، والقِراءَةُ الأُولى هي الَّتِي ورَدَتْ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ومِنهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١]، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١]، ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥] وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والثّانِيَةُ لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وبِها قَرَأ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثَةُ مِن أبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا. ويَحْيى مُمْتَنِعٌ إمّا لِكَوْنِهِ أعْجَمِيًّا أوْ لِكَوْنِ فِيهِ وزْنُ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ مَعَ العَلَمِيَّةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ حاكِيًا عَنِ النَّقّاشِ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَنّا انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في مَواضِعَ مِنَ الإنْجِيلِ أنَّهُ يُوحَنّا، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. والمُرادُ هُنا التَّبْشِيرُ بِوِلادَتِهِ؛ أيْ: يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: كُنْ، وقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: أنْشَدَنِي كَلِمَتَهُ؛ أيْ: قَصِيدَتَهُ، كَما رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانَ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ انْتَهى. ويَحْيى أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى وصَدَّقَ، وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. والسَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ أقْرانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ. والحَصُورُ أصْلُهُ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ، يُقالُ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي: إذا حَبَسَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ والحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ كَأنَّهُ يُحْجِمُ عَنْهُنَّ كَما يُقالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وحَصِيرٌ: إذا حَبَسَ رِفْدَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، فَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَصُورًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ؛ أيْ: مَحْصُورًا لا يَأْتِيهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، إمّا لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِكَوْنِهِ يَكُفُّ عَنْهُنَّ مَنعًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ. وقَدْ رُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى أمْرٍ مُكْتَسَبٍ يَقْدِرُ فاعِلُهُ عَلى خِلافِهِ، لا عَلى ما كانَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ وفي نَفْسِ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنَ الصّالِحِينَ، لِكَوْنِهِ مِن نَسْلِ الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهم. قَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ظاهِرُ هَذا أنَّ الخِطابَ مِنهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ الخِطابُ الواصِلُ إلَيْهِ هو بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ والجِدُّ في طَلَبِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالرَّبِّ جِبْرِيلَ؛ أيْ: يا سَيِّدِي، قِيلَ: وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سَألَ هَلْ يُرْزَقُ هَذا الوَلَدَ مِنِ امْرَأتِهِ العاقِرِ أوْ مِن غَيْرِها ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ بِأيِّ سَبَبٍ أسْتَوْجِبُ هَذا، وأنا وامْرَأتِي عَلى هَذِهِ الحالِ ؟ والحاصِلُ أنَّهُ اسْتَبْعَدَ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنهُما مَعَ كَوْنِ العادَةِ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا يَحْدُثُ مَن مِثْلِهِما؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمُ التَّبْشِيرِ كَبِيرًا، قِيلَ: في تِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ في ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ والحالُ ذَلِكَ، جَعَلَ الكِبَرَ كالطّالِبِ لَهُ لِكَوْنِهِ طَلِيعَةً مِن طَلائِعِ المَوْتِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ. والعاقِرُ: الَّتِي لا تَلِدُ، أيْ ذاتُ عُقْرٍ عَلى النَّسَبِ ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ (p-٢١٧)لَقالَ عَقِيرَةٌ، أيْ بِها عُقْرٌ يَمْنَعُها مِنَ الوَلَدِ، وإنَّما وقَعَ مِنهُ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ دُعائِهِ بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ومُشاهَدَتُهُ لِتِلْكَ الآيَةِ الكُبْرى في مَرْيَمَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِمَحْضِ الِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ دُعائِهِ إلى وقْتٍ يَشاءُ رَبُّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً فَكانَ الِاسْتِبْعادُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إيجادُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ العاقِرِ، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يَفْعَلُ أوِ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ؛ أيْ: عَلى هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لَهُ، أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ الحَبَلِ فَأتَلَقّى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، ووَجْهُ جَعْلِ الآيَةِ هَذا لِتَخْلُصَ تِلْكَ الأيّامُ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. والرَّمْزُ في اللُّغَةِ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ أوِ العَيْنَيْنِ أوِ الحاجِبَيْنِ أوِ اليَدَيْنِ، وأصْلُهُ الحَرَكَةُ وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِكَوْنِ الرَّمْزِ مِن غَيْرِ جِنْسِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى أنَّ الكَلامَ ما حَصَلَ بِهِ الإفْهامُ مِن لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ وهو بَعِيدٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ. قَوْلُهُ: وسَبِّحْ أيْ سَبِّحْهُ بِالعَشِيِّ وهو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، وقِيلَ: هو واحِدٌ وهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغِيبَ وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. والإبْكارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كالظَّرْفِ الأوَّلِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ اخْتارَكِ وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ أوْ مِنَ الدَّنَسِ عَلى عُمُومِها ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاصْطِفاءُ الآخَرُ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ هو حَيْثُ تَقَبَلَّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، والآخَرُ لِوِلادَةِ عِيسى. والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا قِيلَ: نِساءُ عالَمِ زَمانِها وهو الحَقُّ، وقِيلَ: نِساءُ جَمِيعِ العالَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الآخَرُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ والمُرادُ بِهِما جَمِيعًا واحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ أوْ أدِيمِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي القُنُوتِ، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ أوْ لِكَوْنِ صَلاتِهِمْ لا تَرْتِيبَ فِيها مَعَ كَوْنِ الواوِ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بِلا تَرْتِيبٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ رُكُوعَها يَكُونُ مَعَ رُكُوعِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وإنْ لَمْ تُصَلِّ مَعَهم. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها. والوَحْيُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ في خَفاءٍ، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَحْيُ الإشارَةُ والكِتابَةُ والرِّسالَةُ وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ حَتّى تُعْلِمَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المِحْرابُ المُصَلّى. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ يَعْنِي المَحارِيبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُوسى الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى» . وقَدْ رُوِيَتْ كَراهَةُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ. وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ هو الكَلِمَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: كانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيِ الخالَةِ، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسى سُجُودُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَ بِعِيسى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ: حَلِيمًا تَقِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ (p-٢١٨)جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّيِّدُ الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: السَّيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ قالَ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الحَصُورِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وهو أقْوى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فَأخَذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا رَمْزًا قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الرَّمْزُ الإشارَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» . وفِي المَعْنى أحادِيثُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، لا نِساءِ جَمِيعِ العالَمِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتِ نِساءِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ يَعْنِي القِيامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أخْلِصِي. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم﴾ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها. قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجَرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأقْلامَ هي الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّها القِداحُ.

آل عمران 3:44

قَوْلُهُ هُنالِكَ ظَرْفٌ يُسْتَعْمَلُ لِلزَّمانِ والمَكانِ، وأصْلُهُ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِلزَّمانِ خاصَّةً، وهُناكَ لِلْمَكانِ، وقِيلَ: يَجُوزُ اسْتِعْمالُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، واللّامُ لِلدَّلالَةِ عَلى البُعْدِ، والكافُ لِلْخِطابِ. والمَعْنى أنَّهُ دَعا في ذَلِكَ المَكانِ الَّذِي هو قائِمٌ فِيهِ عِنْدَ مَرْيَمَ، أوْ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذَرِّيَّةً طَيِّبَةً، والَّذِي بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن وِلادَةِ حَنَّةَ لِمَرْيَمَ وقَدْ كانَتْ عاقِرًا، فَحَصَلَ لَهُ رَجاءُ الوَلَدِ وإنْ كانَ كَبِيرًا وامْرَأتُهُ عاقِرًا أوْ بَعَثَهُ عَلى ذَلِكَ ما رَآهُ مِن فاكِهَةِ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ والصَّيْفِ في الشِّتاءِ عِنْدَ مَرْيَمَ؛ لِأنَّ مَن أوْجَدَ ذَلِكَ في غَيْرِ وقْتِهِ يَقْدِرُ عَلى إيجادِ الوَلَدِ مِنَ العاقِرِ، وعَلى هَذا يَكُونُ هَذا الكَلامُ قِصَّةً مُسْتَأْنَفَةً سِيقَتْ في غُضُونِ قِصَّةِ مَرْيَمَ لِما بَيْنَهُما مِنَ الِارْتِباطِ، والذُّرِّيَّةِ والنَّسْلِ يَكُونُ لِلْواحِدِ ويَكُونُ لِلْجَمْعِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّها هُنا لِلْواحِدِ. قَوْلُهُ ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ ولَمْ يَقُلْ: أوْلِياءَ، وتَأْنِيثُ طَيِّبَةٍ لِكَوْنِ لَفْظِ الذُّرِّيَّةِ مُؤَنَّثًا. قَوْلُهُ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾، قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( فَناداهُ ) وبِذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. وقَرَأ الباقُونَ ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ قِيلَ: المُرادُ هُنا جِبْرِيلُ، والتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ الجَمْعِ عَنِ الواحِدِ جائِزٌ في العَرَبِيَّةِ، ومِنهُ ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وقِيلَ: ناداهُ جَمِيعُ المَلائِكَةِ وهو الظّاهِرُ مِن إسْنادِ الفِعْلِ إلى الجَمْعِ والمَعْنى الحَقِيقِيُّ مُقَدَّمٌ فَلا يُصارُ إلى المَجازِ إلّا لِقَرِينَةٍ. قَوْلُهُ: وهو قائِمٌ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، و﴿يُصَلِّي في المِحْرابِ﴾ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ قائِمٌ أوْ خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ وهُوَ ‌ قَوْلُهُ ﴿أنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ قُرِئَ بِفَتْحٍ أنَّ، والتَّقْدِيرُ بِأنَّ اللَّهَ، وقُرِئَ بِكَسْرِها عَلى تَقْدِيرِ القَوْلِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ يُبَشِّرُكَ بِالتَّشْدِيدِ. وقَرَأ حَمْزَةُ بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ المَكِّيُّ بِكَسْرِ وضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ. قالَ الأخْفَشُ: هي ثَلاثُ لُغاتٍ بِمَعْنًى واحِدٍ، والقِراءَةُ الأُولى هي الَّتِي ورَدَتْ كَثِيرًا في القُرْآنِ، ومِنهُ ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧]، ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ [يس: ١١]، ﴿فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ﴾ [هود: ٧١]، ﴿قالُوا بَشَّرْناكَ بِالحَقِّ﴾ [الحجر: ٥٥] وهي قِراءَةُ الجُمْهُورِ. والثّانِيَةُ لُغَةُ أهْلِ تِهامَةَ، وبِها قَرَأ أيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ. والثّالِثَةُ مِن أبْشَرَ يُبْشِرُ إبْشارًا. ويَحْيى مُمْتَنِعٌ إمّا لِكَوْنِهِ أعْجَمِيًّا أوْ لِكَوْنِ فِيهِ وزْنُ الفِعْلِ كَيَعْمَرَ مَعَ العَلَمِيَّةِ. قالَ القُرْطُبِيُّ حاكِيًا عَنِ النَّقّاشِ: كانَ اسْمُهُ في الكِتابِ الأوَّلِ حَنّا انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في مَواضِعَ مِنَ الإنْجِيلِ أنَّهُ يُوحَنّا، قِيلَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ والنُّبُوَّةِ، وقِيلَ: لِأنَّ اللَّهَ أحْيا بِهِ النّاسَ بِالهُدى. والمُرادُ هُنا التَّبْشِيرُ بِوِلادَتِهِ؛ أيْ: يُبَشِّرُكَ بِوِلادَةِ يَحْيى. وقَوْلُهُ: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: بِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وسُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّهُ كانَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: كُنْ، وقِيلَ: سُمِّيَ كَلِمَةَ اللَّهِ؛ لِأنَّ النّاسَ يَهْتَدُونَ بِهِ كَما يَهْتَدُونَ بِكَلامِ اللَّهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ بِكِتابٍ مِنَ اللَّهِ، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ: أنْشَدَنِي كَلِمَتَهُ؛ أيْ: قَصِيدَتَهُ، كَما رُوِيَ أنَّ الحُوَيْدِرَةَ ذُكِرَ لِحَسّانَ فَقالَ: لَعَنَ اللَّهُ كَلِمَتَهُ، يَعْنِي قَصِيدَتَهُ انْتَهى. ويَحْيى أوَّلُ مَن آمَنَ بِعِيسى وصَدَّقَ، وكانَ أكْبَرَ مِن عِيسى بِثَلاثِ سِنِينَ، وقِيلَ: بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. والسَّيِّدُ: الَّذِي يَسُودُ قَوْمَهُ، قالَ الزَّجّاجُ: السَّيِّدُ الَّذِي يَفُوقُ أقْرانَهُ في كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ. والحَصُورُ أصْلُهُ مِنَ الحَصْرِ وهو الحَبْسُ، يُقالُ: حَصَرَنِي الشَّيْءُ وأحْصَرَنِي: إذا حَبَسَنِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎وما هَجْرُ لَيْلى أنْ تَكُونَ تَباعَدَتْ عَلَيْكَ ولا أنْ أحْصَرَتْكَ شُغُولُ والحَصُورُ: الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ كَأنَّهُ يُحْجِمُ عَنْهُنَّ كَما يُقالُ: رَجُلٌ حَصُورٌ وحَصِيرٌ: إذا حَبَسَ رِفْدَهُ ولَمْ يُخْرِجْهُ، فَيَحْيى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ حَصُورًا عَنْ إتْيانِ النِّساءِ؛ أيْ: مَحْصُورًا لا يَأْتِيهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنَ الرِّجالِ، إمّا لِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ، أوْ لِكَوْنِهِ يَكُفُّ عَنْهُنَّ مَنعًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّهْوَةِ مَعَ القُدْرَةِ. وقَدْ رُجِّحَ الثّانِي بِأنَّ المَقامَ مَقامُ مَدْحٍ وهو لا يَكُونُ إلّا عَلى أمْرٍ مُكْتَسَبٍ يَقْدِرُ فاعِلُهُ عَلى خِلافِهِ، لا عَلى ما كانَ مِن أصْلِ الخِلْقَةِ وفي نَفْسِ الجِبِلَّةِ. وقَوْلُهُ ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ أيْ: ناشِئًا مِنَ الصّالِحِينَ، لِكَوْنِهِ مِن نَسْلِ الأنْبِياءِ، أوْ كائِنًا مِن جُمْلَةِ الصّالِحِينَ، كَما في قَوْلِهِ ﴿وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ [البقرة: ١٣٠] . قالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ الَّذِي يُؤَدِّي لِلَّهِ ما افْتَرَضَ عَلَيْهِ، وإلى النّاسِ حُقُوقَهم. قَوْلُهُ ﴿قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ﴾ ظاهِرُ هَذا أنَّ الخِطابَ مِنهُ لِلَّهِ سُبْحانَهُ وإنْ كانَ الخِطابُ الواصِلُ إلَيْهِ هو بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ، وذَلِكَ لِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ والجِدُّ في طَلَبِ الجَوابِ عَنْ سُؤالِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ أرادَ بِالرَّبِّ جِبْرِيلَ؛ أيْ: يا سَيِّدِي، قِيلَ: وفي مَعْنى هَذا الِاسْتِفْهامِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّهُ سَألَ هَلْ يُرْزَقُ هَذا الوَلَدَ مِنِ امْرَأتِهِ العاقِرِ أوْ مِن غَيْرِها ؟ وقِيلَ: مَعْناهُ بِأيِّ سَبَبٍ أسْتَوْجِبُ هَذا، وأنا وامْرَأتِي عَلى هَذِهِ الحالِ ؟ والحاصِلُ أنَّهُ اسْتَبْعَدَ حُدُوثَ الوَلَدِ مِنهُما مَعَ كَوْنِ العادَةِ قاضِيَةً بِأنَّهُ لا يَحْدُثُ مَن مِثْلِهِما؛ لِأنَّهُ كانَ يَوْمُ التَّبْشِيرِ كَبِيرًا، قِيلَ: في تِسْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وكانَتِ امْرَأتُهُ في ثَمانٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وقَدْ بَلَغَنِيَ الكِبَرُ﴾ أيْ والحالُ ذَلِكَ، جَعَلَ الكِبَرَ كالطّالِبِ لَهُ لِكَوْنِهِ طَلِيعَةً مِن طَلائِعِ المَوْتِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِ. والعاقِرُ: الَّتِي لا تَلِدُ، أيْ ذاتُ عُقْرٍ عَلى النَّسَبِ ولَوْ كانَ عَلى الفِعْلِ (p-٢١٧)لَقالَ عَقِيرَةٌ، أيْ بِها عُقْرٌ يَمْنَعُها مِنَ الوَلَدِ، وإنَّما وقَعَ مِنهُ هَذا الِاسْتِفْهامُ بَعْدَ دُعائِهِ بِأنْ يَهَبَ اللَّهُ لَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ومُشاهَدَتُهُ لِتِلْكَ الآيَةِ الكُبْرى في مَرْيَمَ اسْتِعْظامًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لا لِمَحْضِ الِاسْتِبْعادِ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدْ مَرَّ بَعْدَ دُعائِهِ إلى وقْتٍ يَشاءُ رَبُّهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: عِشْرُونَ سَنَةً فَكانَ الِاسْتِبْعادُ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ أيْ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنَ الأفْعالِ العَجِيبَةِ مِثْلَ ذَلِكَ الفِعْلِ، وهو إيجادُ الوَلَدِ مِنَ الشَّيْخِ الكَبِيرِ والمَرْأةِ العاقِرِ، والكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، والإشارَةُ إلى مَصْدَرِ يَفْعَلُ أوِ الكافُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّها خَبَرٌ؛ أيْ: عَلى هَذا الشَّأْنِ العَجِيبِ شَأْنِ اللَّهِ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ بَيانًا لَهُ، أوِ الكافُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: يَفْعَلُ اللَّهُ الفِعْلَ كائِنًا مِثْلَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أيْ عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ الحَبَلِ فَأتَلَقّى هَذِهِ النِّعْمَةَ بِالشُّكْرِ ﴿آيَةً قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلّا رَمْزًا﴾ أيْ: عَلامَتُكَ أنْ تَحْبِسَ لِسانَكَ عَنْ تَكْلِيمِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لا عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الأذْكارِ، ووَجْهُ جَعْلِ الآيَةِ هَذا لِتَخْلُصَ تِلْكَ الأيّامُ لِذِكْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ شُكْرًا عَلى ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بِأنَّ ذَلِكَ عُقُوبَةٌ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَهُ بِسَبَبِ سُؤالِهِ الآيَةَ بَعْدَ مُشافَهَةِ المَلائِكَةِ إيّاهُ، حَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنْ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ. والرَّمْزُ في اللُّغَةِ: الإيماءُ بِالشَّفَتَيْنِ أوِ العَيْنَيْنِ أوِ الحاجِبَيْنِ أوِ اليَدَيْنِ، وأصْلُهُ الحَرَكَةُ وهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، لِكَوْنِ الرَّمْزِ مِن غَيْرِ جِنْسِ الكَلامِ، وقِيلَ: هو مُتَّصِلٌ عَلى مَعْنى أنَّ الكَلامَ ما حَصَلَ بِهِ الإفْهامُ مِن لَفْظٍ أوْ إشارَةٍ أوْ كِتابَةٍ وهو بَعِيدٌ. والصَّوابُ الأوَّلُ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ والكِسائِيُّ. قَوْلُهُ: وسَبِّحْ أيْ سَبِّحْهُ بِالعَشِيِّ وهو جَمْعُ عَشِيَّةٍ، وقِيلَ: هو واحِدٌ وهو مِن حِينِ تَزُولُ الشَّمْسُ إلى أنْ تَغِيبَ وقِيلَ: مِنَ العَصْرِ إلى ذَهابِ صَدْرِ اللَّيْلِ وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. والإبْكارُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى وقْتِ الضُّحى، وقِيلَ: المُرادُ بِالتَّسْبِيحِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَتِ المَلائِكَةُ يامَرْيَمُ﴾ الظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ كالظَّرْفِ الأوَّلِ ﴿إنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ﴾ اخْتارَكِ وطَهَّرَكِ مِنَ الكُفْرِ أوْ مِنَ الدَّنَسِ عَلى عُمُومِها ﴿واصْطَفاكِ عَلى نِساءِ العالَمِينَ﴾ قِيلَ: هَذا الِاصْطِفاءُ الآخَرُ غَيْرُ الِاصْطِفاءِ الأوَّلِ، فالأوَّلُ هو حَيْثُ تَقَبَلَّها بِقَبُولٍ حَسَنٍ، والآخَرُ لِوِلادَةِ عِيسى. والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا قِيلَ: نِساءُ عالَمِ زَمانِها وهو الحَقُّ، وقِيلَ: نِساءُ جَمِيعِ العالَمِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ، وقِيلَ: الِاصْطِفاءُ الآخَرُ تَأْكِيدٌ لِلِاصْطِفاءِ الأوَّلِ والمُرادُ بِهِما جَمِيعًا واحِدٌ. قَوْلُهُ: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ أيْ أطِيلِي القِيامَ في الصَّلاةِ أوْ أدِيمِي. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعانِي القُنُوتِ، وقَدَّمَ السُّجُودَ عَلى الرُّكُوعِ لِكَوْنِهِ أفْضَلَ أوْ لِكَوْنِ صَلاتِهِمْ لا تَرْتِيبَ فِيها مَعَ كَوْنِ الواوِ لِمُجَرَّدِ الجَمْعِ بِلا تَرْتِيبٍ. وقَوْلُهُ: ﴿وارْكَعِي مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ ظاهِرُهُ أنَّ رُكُوعَها يَكُونُ مَعَ رُكُوعِهِمْ فَيَدُلُّ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ صَلاةِ الجَماعَةِ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّها تَفْعَلُ مِثْلَ فِعْلِهِمْ وإنْ لَمْ تُصَلِّ مَعَهم. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ إلى ما سَبَقَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أخْبَرَ اللَّهُ بِها. والوَحْيُ في اللُّغَةِ: الإعْلامُ في خَفاءٍ، يُقالُ: وحى وأوْحى بِمَعْنى. قالَ ابْنُ فارِسٍ: الوَحْيُ الإشارَةُ والكِتابَةُ والرِّسالَةُ وكُلُّ ما ألْقَيْتَهُ إلى غَيْرِكَ حَتّى تُعْلِمَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ أيْ تَحْضُرُهم يَعْنِي المُتَنازِعِينَ في تَرْبِيَةِ مَرْيَمَ، وإنَّما نَفى حُضُورَهُ عِنْدَهم مَعَ كَوْنِهِ مَعْلُومًا؛ لِأنَّهم أنْكَرُوا الوَحْيَ، فَلَوْ كانَ ذَلِكَ الإنْكارُ صَحِيحًا لَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ لِلْعِلْمِ بِهِ إلّا المُشاهَدَةُ والحُضُورُ، وهم لا يَدَّعُونَ ذَلِكَ فَثَبَتَ كَوْنُهُ وحْيًا مَعَ تَسْلِيمِهِمْ أنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يَقْرَأُ التَّوْراةَ ولا مِمَّنْ يُلابِسُ أهْلَها. والأقْلامُ جَمْعُ قَلَمٍ، مِن قَلَمَهُ إذا قَطَعَهُ؛ أيْ: أقْلامٌ يَكْتُبُونَ بِها، وقِيلَ: قُدّاحُهم ﴿أيُّهم يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ أيْ يَحْضُنُها، أيْ: يُلْقُونَ أقْلامَهم لِيَعْلَمُوا أيُّهم يَكْفُلُها، وذَلِكَ عِنْدَ اخْتِصامِهِمْ في كَفالَتِها، فَقالَ زَكَرِيّا: هو أحَقُّ بِها لَكَوْنِ خالَتِها عِنْدَهُ وهي أشْيَعُ أُخْتُ حَنَّةَ أُمِّ مَرْيَمَ، وقالَ بَنُو إسْرائِيلَ: نَحْنُ أحَقُّ بِها لِكَوْنِها بِنْتَ عالِمِنا، فاقْتَرَعُوا وجَعَلُوا أقْلامَهم في الماءِ الجارِي عَلى أنَّ مَن وقَفَ قَلَمُهُ ولَمْ يَجْرِ مَعَ الماءِ فَهو صاحِبُها، فَجَرَتْ أقْلامُهم ووَقَفَ قَلَمُ زَكَرِيّا، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن أثْبَتَ القُرْعَةَ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، وقَدْ ثَبَتَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في اعْتِبارِها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا رَأى زَكَرِيّا ذَلِكَ، يَعْنِي فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشِّتاءِ وفاكِهَةَ الشِّتاءِ في الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ قالَ: إنَّ الَّذِي أتى بِهَذا مَرْيَمَ في غَيْرِ زَمانِهِ قادِرٌ أنْ يَرْزُقَنِي ولَدًا، فَذَلِكَ حِينَ دَعا رَبَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ يَقُولُ: مُبارَكَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: فَناداهُ جِبْرِيلُ وهو قائِمٌ يُصَلِّي في المِحْرابِ، ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿فَنادَتْهُ المَلائِكَةُ﴾ أيْ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المِحْرابُ المُصَلّى. وقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: اتَّقُوا هَذِهِ المَذابِحَ يَعْنِي المَحارِيبَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُوسى الجُهَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَساجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارى» . وقَدْ رُوِيَتْ كَراهَةُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ يَحْيى؛ لِأنَّ اللَّهَ أحْياهُ بِالإيمانِ. وأخْرَجُوا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: عِيسى بْنُ مَرْيَمَ هو الكَلِمَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ قالَ: كانَ يَحْيى وعِيسى ابْنَيِ الخالَةِ، وكانَتْ أُمُّ يَحْيى تَقُولُ لِمَرْيَمَ: إنِّي أجِدُ الَّذِي في بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي في بَطْنِكِ، فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسى سُجُودُهُ في بَطْنِ أُمِّهِ، وهو أوَّلُ مَن صَدَّقَ بِعِيسى. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وسَيِّدًا﴾ قالَ: حَلِيمًا تَقِيًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ (p-٢١٨)جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: السَّيِّدُ الكَرِيمُ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: السَّيِّدُ الفَقِيهُ العالِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وسَيِّدًا وحَصُورًا﴾ قالَ: السَّيِّدُ الحَلِيمُ، والحَصُورُ الَّذِي لا يَأْتِي النِّساءَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الحَصُورِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَصُورُ الَّذِي لا يُنْزِلُ الماءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ ذَكَرُهُ مِثْلَ هُدْبَةِ الثَّوْبِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَوْقُوفًا وهو أقْوى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شُعَيْبٍ الجُبّائِيِّ قالَ: اسْمُ أُمِّ يَحْيى أشْيَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قالَ: بِالحَمْلِ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿قالَ آيَتُكَ ألّا تُكَلِّمَ النّاسَ ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ قالَ: إنَّما عُوقِبَ بِذَلِكَ لِأنَّ المَلائِكَةَ شافَهَتْهُ بِذَلِكَ مُشافَهَةً فَبَشَّرَتْهُ بِيَحْيى، فَسَألَ الآيَةَ بَعْدَ كَلامِ المَلائِكَةِ إيّاهُ فَأخَذَ عَلَيْهِ بِلِسانِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: إلّا رَمْزًا قالَ: الرَّمْزُ بِالشَّفَتَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الرَّمْزُ الإشارَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحْ بِالعَشِيِّ والإبْكارِ﴾ قالَ: العَشِيُّ مَيْلُ الشَّمْسِ إلى أنْ تَغِيبَ، والإبْكارُ أوَّلُ الفَجْرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «خَيْرُ نِسائِها مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وخَيْرُ نِسائِها خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أفْضَلُ نِساءِ العالَمِينَ خَدِيجَةُ وفاطِمَةُ ومَرْيَمُ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ مِن حَدِيثِهِ مَرْفُوعًا، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَمُلَ مِنَ الرِّجالِ كَثِيرٌ ولَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّساءِ إلّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ وآسِيَةُ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ، وفَضْلُ عائِشَةَ عَلى النِّساءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلى الطَّعامِ» . وفِي المَعْنى أحادِيثُ كَثِيرَةٌ وكُلُّها تُفِيدُ أنَّ مَرْيَمَ عَلَيْها السَّلامُ سَيِّدَةُ نِساءِ عالَمِها، لا نِساءِ جَمِيعِ العالَمِ. ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُقاتِلٍ عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أرْبَعُ نِسْوَةٍ ساداتِ نِساءِ عالَمِهِنَّ: مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزاحِمَ، وخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وأفْضَلُهُنَّ عالَمًا فاطِمَةُ»، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أطِيلِي الرُّكُودَ يَعْنِي القِيامَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قالَ: أخْلِصِي. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: أطِيعِي رَبَّكِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إذْ يُلْقُونَ أقْلامَهم﴾ قالَ: إنَّ مَرْيَمَ لَمّا وُضِعَتْ في المَسْجِدِ اقْتَرَعَ عَلَيْها أهْلُ المُصَلّى وهم يَكْتُبُونَ الوَحْيَ فاقْتَرَعُوا بِأقْلامِهِمْ أيُّهم يَكْفُلُها. قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ألْقَوْا أقْلامَهم في الماءِ فَذَهَبَتْ مَعَ الجَرْيَةِ وصَعِدَ قَلَمُ زَكَرِيّا فَكَفَلَها زَكَرِيّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ أنَّ الأقْلامَ هي الَّتِي يَكْتُبُونَ بِها التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ أنَّها القِداحُ.

آل عمران 3:45

قَوْلُهُ إذْ قالَتْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. والمَسِيحُ اخْتُلِفَ فِيهِ مِمّاذا أُخِذَ ؟ فَقِيلَ: مِنَ المَسْحِ؛ لِأنَّهُ مَسَحَ الأرْضَ؛ أيْ: ذَهَبَ فِيها فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكُنٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا، فَهو عَلى هَذَيْنِ فَعَيْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ الَّذِي كانَتِ الأنْبِياءُ تَمْسَحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحَ الأخْمَصَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ مَسَحَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأقْوالِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: المَسِيحُ ضِدُّ المَسِيخِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيخًا بِالمُعْجَمَتَيْنِ فَعُرِّبَ كَما عُرِّبَ مُوشى بِمُوسى. وأمّا الدَّجّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَمْسُوحُ إحْدى العَيْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَطُوفُ بُلْدانَها إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ. وقَوْلُهُ عِيسى عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن عاسَهُ يَعُوسُهُ إذا ساسَهُ. قالَ في الكَشّافِ: هو مُعَرَّبٌ مِن أيْشُوعَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في الإنْجِيلِ في مَواضِعَ أنَّ اسْمَهُ يَشُوعُ بِدُونِ هَمْزَةٍ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مَعَها (p-٢١٩)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُوَلَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَنُسِبَ إلى أُمِّهِ. والوَجِيهُ ذُو الوَجاهَةِ: وهي القُوَّةُ والمَنَعَةُ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن كَلِمَةٍ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَهي مَوْصُوفَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى " وجِيهًا " . والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ، ومَهَّدْتُ الأمْرَ: هَيَّأْتُهُ ووَطَّأْتُهُ. والكَهْلُ هو مَن كانَ بَيْنَ سِنِّ الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ؛ أيْ: يُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِهِ رَضِيعًا في المَهْدِ وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: إنَّ كَهْلًا مَعْطُوفٌ عَلى وجِيهًا. قالَ الأخْفَشُ: " ومِنَ الصّالِحِينَ " عَطْفٌ عَلى وجِيهًا؛ أيْ: هو مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ مِن كَوْنِ لَهُ أبٌ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأصْلُ القَضاءِ الأحْكامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو هُنا الإرادَةُ؛ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ولا مُزاوَلَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ. قَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى يُبَشِّرُكِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ وإنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ، وقِيلَ عَلى " يَخْلُقُ " أيْ: وكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها. والكِتابُ الكِتابَةُ. والحِكْمَةُ العِلْمُ، وقِيلَ تَهْذِيبُ الأخْلاقِ، وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى تَقْدِيرِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ ويُكَلِّمُهم رَسُولًا، أوْ وأرْسَلْتُ رَسُولًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا فَيَكُونُ حالًا لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ أيْ: وناطِقًا، قالَ الأخْفَشُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا مُقْحَمَةً، والرَّسُولَ حالًا. /٠٥٠ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِرَسُولٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما مَرَّ، وقِيلَ أصْلُهُ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم فَحُذِفَ الجارُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ تَقُولُ أنِّي قَدْ جِئْتُكم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ بِآيَةٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعَلامَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم. وقَوْلُهُ: أنِّي أخْلُقُ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ ﴿لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن آيَةٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أنِّي، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِالتَّشْدِيدِ، والكافُ في قَوْلِهِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أخْلُقُ لَكم خَلْقًا أوْ شَيْئًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَوْلُهُ: فَأنْفُخُ فِيهِ أيْ في ذَلِكَ الخَلْقِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكافِ في قَوْلِهِ: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطَّيْرِ؛ أيِ: الواحِدُ مِنهُ، وقِيلَ إلى الطِّينِ، وقُرِئَ: فَيَكُونُ طائِرًا وطَيْرًا، مِثْلَ تاجِرٍ وتَجْرٍ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الصَّنْعَةِ. فَإنَّ لَهُ ثَدْيًا وأسْنانًا وأُذُنًا ويَحِيضُ ويَطْهُرُ، وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ المَذْكُورَةِ، ولِكَوْنِهِ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويَلِدُ كَما يَلِدُ سائِرُ الحَيَواناتِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الطَّيْرِ، ولا يَبِيضُ كَما يَبِيضُ سائِرُ الطُّيُورِ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً، وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً، وهو يَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، وقِيلَ إنَّ سُؤالَهم لَهُ كانَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، قِيلَ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ اللَّهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ وقَوْلُهُ " بِإذْنِ اللَّهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْلا الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كانَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ: كانَتْ تَسْوِيَةُ الطِّينِ والنَّفْخِ مِن عِيسى، والخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَمَهُ العَمى يُوَلَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمِهَ يَكْمَهُ كَمَهًا: إذا عَمِيَ، وكَمِهْتُ عَيْنَهُ: إذا أعْمَيْتَها، وقِيلَ الأكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ. والبَرَصُ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في الجِلْدِ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْرِئُ مِن أمْراضٍ عِدَّةٍ كَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما لا يَبْرَآنِ في الغالِبِ بِالمُداواةِ، وكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى قَدِ اشْتَمَلَ الإنْجِيلُ عَلى قَصَصٍ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ أخْبِرُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وبِالَّذِي تَدَّخِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ومُصَدِّقًا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ورَسُولًا وقِيلَ: المَعْنى وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. قَوْلُهُ: ولِأُحِلَّ أيْ ولِأجْلِ أنْ أُحِلَّ؛ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم مِنَ الأطْعِمَةِ في التَّوْراةِ كالشُّحُومِ وكُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وقِيلَ: إنَّما أحَلَّ لَهم ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ الأحْبارُ ولَمْ تُحَرِّمْهُ التَّوْراةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " بَعْضَ " بِمَعْنى " كُلَّ "، وأنْشَدَ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها . قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَلَطٌ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ البَعْضَ والجُزْءَ لا يَكُونانِ بِمَعْنى الكُلِّ، ولِأنَّ عِيسى لَمْ يُحَلِّلْ لَهم جَمِيعَ ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَلِّلِ القَتْلَ ولا السَّرَقَ ولا الفاحِشَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ في الإنْجِيلِ مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً في التَّوْراةِ، وهي كَثِيرَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَعْرِفُ الكِتابَيْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ البَعْضُ مَوْقِعَ الكُلِّ مَعَ القَرِينَةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ. قَوْلُهُ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَمَجِيئُهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ فَتَكُونُ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ (p-٢٢٠)اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى، وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي، فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقالَ: أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِساتِ، وكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَةٍ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكَلَّمَتْهُ فَأبى، فَأتَتْ راعِيًا فَأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فَأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأ وصَلّى ثُمَّ أتى الغُلامَ فَقالَ: مَن أبُوكَ يا غُلامُ ؟ قالَ: الرّاعِي. قالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ ؟ قالَ: لا إلّا مِن طِينٍ. وكانَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُرْضِعُ ابْنًا لَها، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها وأقْبَلَ عَلى الرّاكِبِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّ بِأمَةٍ تُجَرْجَرُ ويُلْعَبُ بِها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ: لِمَ ذاكَ ؟ فَقالَ: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهَذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ لَها: زَنَيْتِ، وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. ويَقُولُونَ: سَرَقْتِ. وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا عِيسى، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ قالَ: يُكَلِّمُهم صَغِيرًا وكَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَهْلُ هو مَن في سِنِّ الكُهُولَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الكَهْلُ الحَلِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قالَ: الخَطُّ بِالقَلَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما خَلَقَ عِيسى طائِرًا واحِدًا وهو الخُفّاشُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الأكْمَهُ الأعْمى المَمْسُوحُ العَيْنَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجُوا عَنْ عِكْرِمَةَ قالُوا: الأكْمَهُ الأعْمَشُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ قالَ: كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ إذا سَرَّحَ رُسُلَهُ يُحْيُونَ المَوْتى يَقُولُ لَهم قُولُوا كَذا، فَإذا وجَدْتُمْ قَشْعَرِيرَةً ودَمْعَةً فادْعُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ قالَ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ مِن طَعامٍ وما خَبَّأْتُمْ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ أُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَأكَلُوا وادَّخَرُوا وخانُوا، فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ أنَّ عِيسى كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، وكانَ يُسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خِلافِ حَرْفٍ مِمّا في التَّوْراةِ إلّا لِأحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وأضَعَ عَنْكم مِنَ الآصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ: قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألَيْنُ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيما جاءَ بِهِ مُوسى لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ، فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَهم عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم﴾ قالَ: ما بَيَّنَ لَهم عِيسى مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وما أعْطاهُ رَبُّهُ.

آل عمران 3:46

قَوْلُهُ إذْ قالَتْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. والمَسِيحُ اخْتُلِفَ فِيهِ مِمّاذا أُخِذَ ؟ فَقِيلَ: مِنَ المَسْحِ؛ لِأنَّهُ مَسَحَ الأرْضَ؛ أيْ: ذَهَبَ فِيها فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكُنٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا، فَهو عَلى هَذَيْنِ فَعَيْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ الَّذِي كانَتِ الأنْبِياءُ تَمْسَحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحَ الأخْمَصَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ مَسَحَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأقْوالِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: المَسِيحُ ضِدُّ المَسِيخِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيخًا بِالمُعْجَمَتَيْنِ فَعُرِّبَ كَما عُرِّبَ مُوشى بِمُوسى. وأمّا الدَّجّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَمْسُوحُ إحْدى العَيْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَطُوفُ بُلْدانَها إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ. وقَوْلُهُ عِيسى عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن عاسَهُ يَعُوسُهُ إذا ساسَهُ. قالَ في الكَشّافِ: هو مُعَرَّبٌ مِن أيْشُوعَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في الإنْجِيلِ في مَواضِعَ أنَّ اسْمَهُ يَشُوعُ بِدُونِ هَمْزَةٍ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مَعَها (p-٢١٩)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُوَلَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَنُسِبَ إلى أُمِّهِ. والوَجِيهُ ذُو الوَجاهَةِ: وهي القُوَّةُ والمَنَعَةُ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن كَلِمَةٍ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَهي مَوْصُوفَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى " وجِيهًا " . والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ، ومَهَّدْتُ الأمْرَ: هَيَّأْتُهُ ووَطَّأْتُهُ. والكَهْلُ هو مَن كانَ بَيْنَ سِنِّ الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ؛ أيْ: يُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِهِ رَضِيعًا في المَهْدِ وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: إنَّ كَهْلًا مَعْطُوفٌ عَلى وجِيهًا. قالَ الأخْفَشُ: " ومِنَ الصّالِحِينَ " عَطْفٌ عَلى وجِيهًا؛ أيْ: هو مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ مِن كَوْنِ لَهُ أبٌ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأصْلُ القَضاءِ الأحْكامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو هُنا الإرادَةُ؛ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ولا مُزاوَلَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ. قَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى يُبَشِّرُكِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ وإنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ، وقِيلَ عَلى " يَخْلُقُ " أيْ: وكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها. والكِتابُ الكِتابَةُ. والحِكْمَةُ العِلْمُ، وقِيلَ تَهْذِيبُ الأخْلاقِ، وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى تَقْدِيرِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ ويُكَلِّمُهم رَسُولًا، أوْ وأرْسَلْتُ رَسُولًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا فَيَكُونُ حالًا لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ أيْ: وناطِقًا، قالَ الأخْفَشُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا مُقْحَمَةً، والرَّسُولَ حالًا. /٠٥٠ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِرَسُولٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما مَرَّ، وقِيلَ أصْلُهُ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم فَحُذِفَ الجارُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ تَقُولُ أنِّي قَدْ جِئْتُكم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ بِآيَةٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعَلامَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم. وقَوْلُهُ: أنِّي أخْلُقُ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ ﴿لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن آيَةٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أنِّي، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِالتَّشْدِيدِ، والكافُ في قَوْلِهِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أخْلُقُ لَكم خَلْقًا أوْ شَيْئًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَوْلُهُ: فَأنْفُخُ فِيهِ أيْ في ذَلِكَ الخَلْقِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكافِ في قَوْلِهِ: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطَّيْرِ؛ أيِ: الواحِدُ مِنهُ، وقِيلَ إلى الطِّينِ، وقُرِئَ: فَيَكُونُ طائِرًا وطَيْرًا، مِثْلَ تاجِرٍ وتَجْرٍ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الصَّنْعَةِ. فَإنَّ لَهُ ثَدْيًا وأسْنانًا وأُذُنًا ويَحِيضُ ويَطْهُرُ، وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ المَذْكُورَةِ، ولِكَوْنِهِ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويَلِدُ كَما يَلِدُ سائِرُ الحَيَواناتِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الطَّيْرِ، ولا يَبِيضُ كَما يَبِيضُ سائِرُ الطُّيُورِ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً، وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً، وهو يَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، وقِيلَ إنَّ سُؤالَهم لَهُ كانَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، قِيلَ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ اللَّهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ وقَوْلُهُ " بِإذْنِ اللَّهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْلا الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كانَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ: كانَتْ تَسْوِيَةُ الطِّينِ والنَّفْخِ مِن عِيسى، والخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَمَهُ العَمى يُوَلَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمِهَ يَكْمَهُ كَمَهًا: إذا عَمِيَ، وكَمِهْتُ عَيْنَهُ: إذا أعْمَيْتَها، وقِيلَ الأكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ. والبَرَصُ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في الجِلْدِ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْرِئُ مِن أمْراضٍ عِدَّةٍ كَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما لا يَبْرَآنِ في الغالِبِ بِالمُداواةِ، وكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى قَدِ اشْتَمَلَ الإنْجِيلُ عَلى قَصَصٍ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ أخْبِرُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وبِالَّذِي تَدَّخِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ومُصَدِّقًا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ورَسُولًا وقِيلَ: المَعْنى وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. قَوْلُهُ: ولِأُحِلَّ أيْ ولِأجْلِ أنْ أُحِلَّ؛ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم مِنَ الأطْعِمَةِ في التَّوْراةِ كالشُّحُومِ وكُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وقِيلَ: إنَّما أحَلَّ لَهم ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ الأحْبارُ ولَمْ تُحَرِّمْهُ التَّوْراةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " بَعْضَ " بِمَعْنى " كُلَّ "، وأنْشَدَ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها . قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَلَطٌ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ البَعْضَ والجُزْءَ لا يَكُونانِ بِمَعْنى الكُلِّ، ولِأنَّ عِيسى لَمْ يُحَلِّلْ لَهم جَمِيعَ ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَلِّلِ القَتْلَ ولا السَّرَقَ ولا الفاحِشَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ في الإنْجِيلِ مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً في التَّوْراةِ، وهي كَثِيرَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَعْرِفُ الكِتابَيْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ البَعْضُ مَوْقِعَ الكُلِّ مَعَ القَرِينَةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ. قَوْلُهُ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَمَجِيئُهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ فَتَكُونُ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ (p-٢٢٠)اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى، وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي، فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقالَ: أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِساتِ، وكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَةٍ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكَلَّمَتْهُ فَأبى، فَأتَتْ راعِيًا فَأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فَأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأ وصَلّى ثُمَّ أتى الغُلامَ فَقالَ: مَن أبُوكَ يا غُلامُ ؟ قالَ: الرّاعِي. قالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ ؟ قالَ: لا إلّا مِن طِينٍ. وكانَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُرْضِعُ ابْنًا لَها، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها وأقْبَلَ عَلى الرّاكِبِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّ بِأمَةٍ تُجَرْجَرُ ويُلْعَبُ بِها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ: لِمَ ذاكَ ؟ فَقالَ: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهَذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ لَها: زَنَيْتِ، وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. ويَقُولُونَ: سَرَقْتِ. وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا عِيسى، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ قالَ: يُكَلِّمُهم صَغِيرًا وكَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَهْلُ هو مَن في سِنِّ الكُهُولَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الكَهْلُ الحَلِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قالَ: الخَطُّ بِالقَلَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما خَلَقَ عِيسى طائِرًا واحِدًا وهو الخُفّاشُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الأكْمَهُ الأعْمى المَمْسُوحُ العَيْنَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجُوا عَنْ عِكْرِمَةَ قالُوا: الأكْمَهُ الأعْمَشُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ قالَ: كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ إذا سَرَّحَ رُسُلَهُ يُحْيُونَ المَوْتى يَقُولُ لَهم قُولُوا كَذا، فَإذا وجَدْتُمْ قَشْعَرِيرَةً ودَمْعَةً فادْعُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ قالَ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ مِن طَعامٍ وما خَبَّأْتُمْ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ أُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَأكَلُوا وادَّخَرُوا وخانُوا، فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ أنَّ عِيسى كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، وكانَ يُسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خِلافِ حَرْفٍ مِمّا في التَّوْراةِ إلّا لِأحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وأضَعَ عَنْكم مِنَ الآصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ: قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألَيْنُ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيما جاءَ بِهِ مُوسى لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ، فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَهم عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم﴾ قالَ: ما بَيَّنَ لَهم عِيسى مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وما أعْطاهُ رَبُّهُ.

آل عمران 3:47

قَوْلُهُ إذْ قالَتْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. والمَسِيحُ اخْتُلِفَ فِيهِ مِمّاذا أُخِذَ ؟ فَقِيلَ: مِنَ المَسْحِ؛ لِأنَّهُ مَسَحَ الأرْضَ؛ أيْ: ذَهَبَ فِيها فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكُنٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا، فَهو عَلى هَذَيْنِ فَعَيْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ الَّذِي كانَتِ الأنْبِياءُ تَمْسَحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحَ الأخْمَصَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ مَسَحَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأقْوالِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: المَسِيحُ ضِدُّ المَسِيخِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيخًا بِالمُعْجَمَتَيْنِ فَعُرِّبَ كَما عُرِّبَ مُوشى بِمُوسى. وأمّا الدَّجّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَمْسُوحُ إحْدى العَيْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَطُوفُ بُلْدانَها إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ. وقَوْلُهُ عِيسى عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن عاسَهُ يَعُوسُهُ إذا ساسَهُ. قالَ في الكَشّافِ: هو مُعَرَّبٌ مِن أيْشُوعَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في الإنْجِيلِ في مَواضِعَ أنَّ اسْمَهُ يَشُوعُ بِدُونِ هَمْزَةٍ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مَعَها (p-٢١٩)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُوَلَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَنُسِبَ إلى أُمِّهِ. والوَجِيهُ ذُو الوَجاهَةِ: وهي القُوَّةُ والمَنَعَةُ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن كَلِمَةٍ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَهي مَوْصُوفَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى " وجِيهًا " . والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ، ومَهَّدْتُ الأمْرَ: هَيَّأْتُهُ ووَطَّأْتُهُ. والكَهْلُ هو مَن كانَ بَيْنَ سِنِّ الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ؛ أيْ: يُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِهِ رَضِيعًا في المَهْدِ وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: إنَّ كَهْلًا مَعْطُوفٌ عَلى وجِيهًا. قالَ الأخْفَشُ: " ومِنَ الصّالِحِينَ " عَطْفٌ عَلى وجِيهًا؛ أيْ: هو مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ مِن كَوْنِ لَهُ أبٌ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأصْلُ القَضاءِ الأحْكامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو هُنا الإرادَةُ؛ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ولا مُزاوَلَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ. قَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى يُبَشِّرُكِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ وإنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ، وقِيلَ عَلى " يَخْلُقُ " أيْ: وكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها. والكِتابُ الكِتابَةُ. والحِكْمَةُ العِلْمُ، وقِيلَ تَهْذِيبُ الأخْلاقِ، وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى تَقْدِيرِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ ويُكَلِّمُهم رَسُولًا، أوْ وأرْسَلْتُ رَسُولًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا فَيَكُونُ حالًا لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ أيْ: وناطِقًا، قالَ الأخْفَشُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا مُقْحَمَةً، والرَّسُولَ حالًا. /٠٥٠ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِرَسُولٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما مَرَّ، وقِيلَ أصْلُهُ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم فَحُذِفَ الجارُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ تَقُولُ أنِّي قَدْ جِئْتُكم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ بِآيَةٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعَلامَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم. وقَوْلُهُ: أنِّي أخْلُقُ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ ﴿لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن آيَةٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أنِّي، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِالتَّشْدِيدِ، والكافُ في قَوْلِهِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أخْلُقُ لَكم خَلْقًا أوْ شَيْئًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَوْلُهُ: فَأنْفُخُ فِيهِ أيْ في ذَلِكَ الخَلْقِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكافِ في قَوْلِهِ: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطَّيْرِ؛ أيِ: الواحِدُ مِنهُ، وقِيلَ إلى الطِّينِ، وقُرِئَ: فَيَكُونُ طائِرًا وطَيْرًا، مِثْلَ تاجِرٍ وتَجْرٍ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الصَّنْعَةِ. فَإنَّ لَهُ ثَدْيًا وأسْنانًا وأُذُنًا ويَحِيضُ ويَطْهُرُ، وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ المَذْكُورَةِ، ولِكَوْنِهِ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويَلِدُ كَما يَلِدُ سائِرُ الحَيَواناتِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الطَّيْرِ، ولا يَبِيضُ كَما يَبِيضُ سائِرُ الطُّيُورِ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً، وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً، وهو يَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، وقِيلَ إنَّ سُؤالَهم لَهُ كانَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، قِيلَ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ اللَّهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ وقَوْلُهُ " بِإذْنِ اللَّهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْلا الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كانَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ: كانَتْ تَسْوِيَةُ الطِّينِ والنَّفْخِ مِن عِيسى، والخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَمَهُ العَمى يُوَلَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمِهَ يَكْمَهُ كَمَهًا: إذا عَمِيَ، وكَمِهْتُ عَيْنَهُ: إذا أعْمَيْتَها، وقِيلَ الأكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ. والبَرَصُ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في الجِلْدِ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْرِئُ مِن أمْراضٍ عِدَّةٍ كَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما لا يَبْرَآنِ في الغالِبِ بِالمُداواةِ، وكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى قَدِ اشْتَمَلَ الإنْجِيلُ عَلى قَصَصٍ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ أخْبِرُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وبِالَّذِي تَدَّخِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ومُصَدِّقًا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ورَسُولًا وقِيلَ: المَعْنى وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. قَوْلُهُ: ولِأُحِلَّ أيْ ولِأجْلِ أنْ أُحِلَّ؛ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم مِنَ الأطْعِمَةِ في التَّوْراةِ كالشُّحُومِ وكُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وقِيلَ: إنَّما أحَلَّ لَهم ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ الأحْبارُ ولَمْ تُحَرِّمْهُ التَّوْراةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " بَعْضَ " بِمَعْنى " كُلَّ "، وأنْشَدَ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها . قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَلَطٌ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ البَعْضَ والجُزْءَ لا يَكُونانِ بِمَعْنى الكُلِّ، ولِأنَّ عِيسى لَمْ يُحَلِّلْ لَهم جَمِيعَ ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَلِّلِ القَتْلَ ولا السَّرَقَ ولا الفاحِشَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ في الإنْجِيلِ مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً في التَّوْراةِ، وهي كَثِيرَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَعْرِفُ الكِتابَيْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ البَعْضُ مَوْقِعَ الكُلِّ مَعَ القَرِينَةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ. قَوْلُهُ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَمَجِيئُهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ فَتَكُونُ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ (p-٢٢٠)اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى، وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي، فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقالَ: أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِساتِ، وكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَةٍ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكَلَّمَتْهُ فَأبى، فَأتَتْ راعِيًا فَأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فَأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأ وصَلّى ثُمَّ أتى الغُلامَ فَقالَ: مَن أبُوكَ يا غُلامُ ؟ قالَ: الرّاعِي. قالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ ؟ قالَ: لا إلّا مِن طِينٍ. وكانَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُرْضِعُ ابْنًا لَها، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها وأقْبَلَ عَلى الرّاكِبِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّ بِأمَةٍ تُجَرْجَرُ ويُلْعَبُ بِها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ: لِمَ ذاكَ ؟ فَقالَ: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهَذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ لَها: زَنَيْتِ، وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. ويَقُولُونَ: سَرَقْتِ. وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا عِيسى، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ قالَ: يُكَلِّمُهم صَغِيرًا وكَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَهْلُ هو مَن في سِنِّ الكُهُولَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الكَهْلُ الحَلِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قالَ: الخَطُّ بِالقَلَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما خَلَقَ عِيسى طائِرًا واحِدًا وهو الخُفّاشُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الأكْمَهُ الأعْمى المَمْسُوحُ العَيْنَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجُوا عَنْ عِكْرِمَةَ قالُوا: الأكْمَهُ الأعْمَشُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ قالَ: كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ إذا سَرَّحَ رُسُلَهُ يُحْيُونَ المَوْتى يَقُولُ لَهم قُولُوا كَذا، فَإذا وجَدْتُمْ قَشْعَرِيرَةً ودَمْعَةً فادْعُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ قالَ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ مِن طَعامٍ وما خَبَّأْتُمْ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ أُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَأكَلُوا وادَّخَرُوا وخانُوا، فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ أنَّ عِيسى كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، وكانَ يُسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خِلافِ حَرْفٍ مِمّا في التَّوْراةِ إلّا لِأحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وأضَعَ عَنْكم مِنَ الآصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ: قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألَيْنُ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيما جاءَ بِهِ مُوسى لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ، فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَهم عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم﴾ قالَ: ما بَيَّنَ لَهم عِيسى مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وما أعْطاهُ رَبُّهُ.

آل عمران 3:48

قَوْلُهُ إذْ قالَتْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. والمَسِيحُ اخْتُلِفَ فِيهِ مِمّاذا أُخِذَ ؟ فَقِيلَ: مِنَ المَسْحِ؛ لِأنَّهُ مَسَحَ الأرْضَ؛ أيْ: ذَهَبَ فِيها فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكُنٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا، فَهو عَلى هَذَيْنِ فَعَيْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ الَّذِي كانَتِ الأنْبِياءُ تَمْسَحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحَ الأخْمَصَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ مَسَحَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأقْوالِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: المَسِيحُ ضِدُّ المَسِيخِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيخًا بِالمُعْجَمَتَيْنِ فَعُرِّبَ كَما عُرِّبَ مُوشى بِمُوسى. وأمّا الدَّجّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَمْسُوحُ إحْدى العَيْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَطُوفُ بُلْدانَها إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ. وقَوْلُهُ عِيسى عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن عاسَهُ يَعُوسُهُ إذا ساسَهُ. قالَ في الكَشّافِ: هو مُعَرَّبٌ مِن أيْشُوعَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في الإنْجِيلِ في مَواضِعَ أنَّ اسْمَهُ يَشُوعُ بِدُونِ هَمْزَةٍ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مَعَها (p-٢١٩)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُوَلَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَنُسِبَ إلى أُمِّهِ. والوَجِيهُ ذُو الوَجاهَةِ: وهي القُوَّةُ والمَنَعَةُ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن كَلِمَةٍ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَهي مَوْصُوفَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى " وجِيهًا " . والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ، ومَهَّدْتُ الأمْرَ: هَيَّأْتُهُ ووَطَّأْتُهُ. والكَهْلُ هو مَن كانَ بَيْنَ سِنِّ الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ؛ أيْ: يُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِهِ رَضِيعًا في المَهْدِ وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: إنَّ كَهْلًا مَعْطُوفٌ عَلى وجِيهًا. قالَ الأخْفَشُ: " ومِنَ الصّالِحِينَ " عَطْفٌ عَلى وجِيهًا؛ أيْ: هو مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ مِن كَوْنِ لَهُ أبٌ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأصْلُ القَضاءِ الأحْكامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو هُنا الإرادَةُ؛ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ولا مُزاوَلَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ. قَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى يُبَشِّرُكِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ وإنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ، وقِيلَ عَلى " يَخْلُقُ " أيْ: وكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها. والكِتابُ الكِتابَةُ. والحِكْمَةُ العِلْمُ، وقِيلَ تَهْذِيبُ الأخْلاقِ، وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى تَقْدِيرِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ ويُكَلِّمُهم رَسُولًا، أوْ وأرْسَلْتُ رَسُولًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا فَيَكُونُ حالًا لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ أيْ: وناطِقًا، قالَ الأخْفَشُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا مُقْحَمَةً، والرَّسُولَ حالًا. /٠٥٠ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِرَسُولٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما مَرَّ، وقِيلَ أصْلُهُ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم فَحُذِفَ الجارُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ تَقُولُ أنِّي قَدْ جِئْتُكم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ بِآيَةٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعَلامَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم. وقَوْلُهُ: أنِّي أخْلُقُ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ ﴿لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن آيَةٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أنِّي، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِالتَّشْدِيدِ، والكافُ في قَوْلِهِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أخْلُقُ لَكم خَلْقًا أوْ شَيْئًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَوْلُهُ: فَأنْفُخُ فِيهِ أيْ في ذَلِكَ الخَلْقِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكافِ في قَوْلِهِ: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطَّيْرِ؛ أيِ: الواحِدُ مِنهُ، وقِيلَ إلى الطِّينِ، وقُرِئَ: فَيَكُونُ طائِرًا وطَيْرًا، مِثْلَ تاجِرٍ وتَجْرٍ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الصَّنْعَةِ. فَإنَّ لَهُ ثَدْيًا وأسْنانًا وأُذُنًا ويَحِيضُ ويَطْهُرُ، وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ المَذْكُورَةِ، ولِكَوْنِهِ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويَلِدُ كَما يَلِدُ سائِرُ الحَيَواناتِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الطَّيْرِ، ولا يَبِيضُ كَما يَبِيضُ سائِرُ الطُّيُورِ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً، وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً، وهو يَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، وقِيلَ إنَّ سُؤالَهم لَهُ كانَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، قِيلَ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ اللَّهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ وقَوْلُهُ " بِإذْنِ اللَّهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْلا الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كانَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ: كانَتْ تَسْوِيَةُ الطِّينِ والنَّفْخِ مِن عِيسى، والخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَمَهُ العَمى يُوَلَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمِهَ يَكْمَهُ كَمَهًا: إذا عَمِيَ، وكَمِهْتُ عَيْنَهُ: إذا أعْمَيْتَها، وقِيلَ الأكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ. والبَرَصُ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في الجِلْدِ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْرِئُ مِن أمْراضٍ عِدَّةٍ كَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما لا يَبْرَآنِ في الغالِبِ بِالمُداواةِ، وكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى قَدِ اشْتَمَلَ الإنْجِيلُ عَلى قَصَصٍ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ أخْبِرُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وبِالَّذِي تَدَّخِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ومُصَدِّقًا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ورَسُولًا وقِيلَ: المَعْنى وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. قَوْلُهُ: ولِأُحِلَّ أيْ ولِأجْلِ أنْ أُحِلَّ؛ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم مِنَ الأطْعِمَةِ في التَّوْراةِ كالشُّحُومِ وكُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وقِيلَ: إنَّما أحَلَّ لَهم ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ الأحْبارُ ولَمْ تُحَرِّمْهُ التَّوْراةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " بَعْضَ " بِمَعْنى " كُلَّ "، وأنْشَدَ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها . قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَلَطٌ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ البَعْضَ والجُزْءَ لا يَكُونانِ بِمَعْنى الكُلِّ، ولِأنَّ عِيسى لَمْ يُحَلِّلْ لَهم جَمِيعَ ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَلِّلِ القَتْلَ ولا السَّرَقَ ولا الفاحِشَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ في الإنْجِيلِ مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً في التَّوْراةِ، وهي كَثِيرَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَعْرِفُ الكِتابَيْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ البَعْضُ مَوْقِعَ الكُلِّ مَعَ القَرِينَةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ. قَوْلُهُ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَمَجِيئُهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ فَتَكُونُ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ (p-٢٢٠)اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى، وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي، فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقالَ: أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِساتِ، وكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَةٍ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكَلَّمَتْهُ فَأبى، فَأتَتْ راعِيًا فَأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فَأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأ وصَلّى ثُمَّ أتى الغُلامَ فَقالَ: مَن أبُوكَ يا غُلامُ ؟ قالَ: الرّاعِي. قالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ ؟ قالَ: لا إلّا مِن طِينٍ. وكانَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُرْضِعُ ابْنًا لَها، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها وأقْبَلَ عَلى الرّاكِبِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّ بِأمَةٍ تُجَرْجَرُ ويُلْعَبُ بِها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ: لِمَ ذاكَ ؟ فَقالَ: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهَذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ لَها: زَنَيْتِ، وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. ويَقُولُونَ: سَرَقْتِ. وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا عِيسى، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ قالَ: يُكَلِّمُهم صَغِيرًا وكَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَهْلُ هو مَن في سِنِّ الكُهُولَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الكَهْلُ الحَلِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قالَ: الخَطُّ بِالقَلَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما خَلَقَ عِيسى طائِرًا واحِدًا وهو الخُفّاشُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الأكْمَهُ الأعْمى المَمْسُوحُ العَيْنَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجُوا عَنْ عِكْرِمَةَ قالُوا: الأكْمَهُ الأعْمَشُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ قالَ: كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ إذا سَرَّحَ رُسُلَهُ يُحْيُونَ المَوْتى يَقُولُ لَهم قُولُوا كَذا، فَإذا وجَدْتُمْ قَشْعَرِيرَةً ودَمْعَةً فادْعُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ قالَ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ مِن طَعامٍ وما خَبَّأْتُمْ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ أُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَأكَلُوا وادَّخَرُوا وخانُوا، فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ أنَّ عِيسى كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، وكانَ يُسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خِلافِ حَرْفٍ مِمّا في التَّوْراةِ إلّا لِأحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وأضَعَ عَنْكم مِنَ الآصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ: قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألَيْنُ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيما جاءَ بِهِ مُوسى لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ، فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَهم عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم﴾ قالَ: ما بَيَّنَ لَهم عِيسى مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وما أعْطاهُ رَبُّهُ.

آل عمران 3:49

قَوْلُهُ إذْ قالَتْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. والمَسِيحُ اخْتُلِفَ فِيهِ مِمّاذا أُخِذَ ؟ فَقِيلَ: مِنَ المَسْحِ؛ لِأنَّهُ مَسَحَ الأرْضَ؛ أيْ: ذَهَبَ فِيها فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكُنٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا، فَهو عَلى هَذَيْنِ فَعَيْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ الَّذِي كانَتِ الأنْبِياءُ تَمْسَحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحَ الأخْمَصَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ مَسَحَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأقْوالِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: المَسِيحُ ضِدُّ المَسِيخِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيخًا بِالمُعْجَمَتَيْنِ فَعُرِّبَ كَما عُرِّبَ مُوشى بِمُوسى. وأمّا الدَّجّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَمْسُوحُ إحْدى العَيْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَطُوفُ بُلْدانَها إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ. وقَوْلُهُ عِيسى عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن عاسَهُ يَعُوسُهُ إذا ساسَهُ. قالَ في الكَشّافِ: هو مُعَرَّبٌ مِن أيْشُوعَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في الإنْجِيلِ في مَواضِعَ أنَّ اسْمَهُ يَشُوعُ بِدُونِ هَمْزَةٍ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مَعَها (p-٢١٩)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُوَلَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَنُسِبَ إلى أُمِّهِ. والوَجِيهُ ذُو الوَجاهَةِ: وهي القُوَّةُ والمَنَعَةُ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن كَلِمَةٍ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَهي مَوْصُوفَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى " وجِيهًا " . والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ، ومَهَّدْتُ الأمْرَ: هَيَّأْتُهُ ووَطَّأْتُهُ. والكَهْلُ هو مَن كانَ بَيْنَ سِنِّ الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ؛ أيْ: يُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِهِ رَضِيعًا في المَهْدِ وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: إنَّ كَهْلًا مَعْطُوفٌ عَلى وجِيهًا. قالَ الأخْفَشُ: " ومِنَ الصّالِحِينَ " عَطْفٌ عَلى وجِيهًا؛ أيْ: هو مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ مِن كَوْنِ لَهُ أبٌ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأصْلُ القَضاءِ الأحْكامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو هُنا الإرادَةُ؛ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ولا مُزاوَلَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ. قَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى يُبَشِّرُكِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ وإنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ، وقِيلَ عَلى " يَخْلُقُ " أيْ: وكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها. والكِتابُ الكِتابَةُ. والحِكْمَةُ العِلْمُ، وقِيلَ تَهْذِيبُ الأخْلاقِ، وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى تَقْدِيرِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ ويُكَلِّمُهم رَسُولًا، أوْ وأرْسَلْتُ رَسُولًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا فَيَكُونُ حالًا لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ أيْ: وناطِقًا، قالَ الأخْفَشُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا مُقْحَمَةً، والرَّسُولَ حالًا. /٠٥٠ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِرَسُولٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما مَرَّ، وقِيلَ أصْلُهُ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم فَحُذِفَ الجارُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ تَقُولُ أنِّي قَدْ جِئْتُكم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ بِآيَةٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعَلامَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم. وقَوْلُهُ: أنِّي أخْلُقُ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ ﴿لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن آيَةٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أنِّي، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِالتَّشْدِيدِ، والكافُ في قَوْلِهِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أخْلُقُ لَكم خَلْقًا أوْ شَيْئًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَوْلُهُ: فَأنْفُخُ فِيهِ أيْ في ذَلِكَ الخَلْقِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكافِ في قَوْلِهِ: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطَّيْرِ؛ أيِ: الواحِدُ مِنهُ، وقِيلَ إلى الطِّينِ، وقُرِئَ: فَيَكُونُ طائِرًا وطَيْرًا، مِثْلَ تاجِرٍ وتَجْرٍ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الصَّنْعَةِ. فَإنَّ لَهُ ثَدْيًا وأسْنانًا وأُذُنًا ويَحِيضُ ويَطْهُرُ، وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ المَذْكُورَةِ، ولِكَوْنِهِ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويَلِدُ كَما يَلِدُ سائِرُ الحَيَواناتِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الطَّيْرِ، ولا يَبِيضُ كَما يَبِيضُ سائِرُ الطُّيُورِ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً، وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً، وهو يَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، وقِيلَ إنَّ سُؤالَهم لَهُ كانَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، قِيلَ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ اللَّهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ وقَوْلُهُ " بِإذْنِ اللَّهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْلا الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كانَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ: كانَتْ تَسْوِيَةُ الطِّينِ والنَّفْخِ مِن عِيسى، والخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَمَهُ العَمى يُوَلَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمِهَ يَكْمَهُ كَمَهًا: إذا عَمِيَ، وكَمِهْتُ عَيْنَهُ: إذا أعْمَيْتَها، وقِيلَ الأكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ. والبَرَصُ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في الجِلْدِ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْرِئُ مِن أمْراضٍ عِدَّةٍ كَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما لا يَبْرَآنِ في الغالِبِ بِالمُداواةِ، وكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى قَدِ اشْتَمَلَ الإنْجِيلُ عَلى قَصَصٍ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ أخْبِرُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وبِالَّذِي تَدَّخِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ومُصَدِّقًا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ورَسُولًا وقِيلَ: المَعْنى وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. قَوْلُهُ: ولِأُحِلَّ أيْ ولِأجْلِ أنْ أُحِلَّ؛ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم مِنَ الأطْعِمَةِ في التَّوْراةِ كالشُّحُومِ وكُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وقِيلَ: إنَّما أحَلَّ لَهم ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ الأحْبارُ ولَمْ تُحَرِّمْهُ التَّوْراةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " بَعْضَ " بِمَعْنى " كُلَّ "، وأنْشَدَ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها . قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَلَطٌ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ البَعْضَ والجُزْءَ لا يَكُونانِ بِمَعْنى الكُلِّ، ولِأنَّ عِيسى لَمْ يُحَلِّلْ لَهم جَمِيعَ ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَلِّلِ القَتْلَ ولا السَّرَقَ ولا الفاحِشَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ في الإنْجِيلِ مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً في التَّوْراةِ، وهي كَثِيرَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَعْرِفُ الكِتابَيْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ البَعْضُ مَوْقِعَ الكُلِّ مَعَ القَرِينَةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ. قَوْلُهُ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَمَجِيئُهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ فَتَكُونُ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ (p-٢٢٠)اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى، وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي، فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقالَ: أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِساتِ، وكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَةٍ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكَلَّمَتْهُ فَأبى، فَأتَتْ راعِيًا فَأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فَأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأ وصَلّى ثُمَّ أتى الغُلامَ فَقالَ: مَن أبُوكَ يا غُلامُ ؟ قالَ: الرّاعِي. قالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ ؟ قالَ: لا إلّا مِن طِينٍ. وكانَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُرْضِعُ ابْنًا لَها، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها وأقْبَلَ عَلى الرّاكِبِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّ بِأمَةٍ تُجَرْجَرُ ويُلْعَبُ بِها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ: لِمَ ذاكَ ؟ فَقالَ: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهَذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ لَها: زَنَيْتِ، وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. ويَقُولُونَ: سَرَقْتِ. وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا عِيسى، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ قالَ: يُكَلِّمُهم صَغِيرًا وكَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَهْلُ هو مَن في سِنِّ الكُهُولَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الكَهْلُ الحَلِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قالَ: الخَطُّ بِالقَلَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما خَلَقَ عِيسى طائِرًا واحِدًا وهو الخُفّاشُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الأكْمَهُ الأعْمى المَمْسُوحُ العَيْنَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجُوا عَنْ عِكْرِمَةَ قالُوا: الأكْمَهُ الأعْمَشُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ قالَ: كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ إذا سَرَّحَ رُسُلَهُ يُحْيُونَ المَوْتى يَقُولُ لَهم قُولُوا كَذا، فَإذا وجَدْتُمْ قَشْعَرِيرَةً ودَمْعَةً فادْعُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ قالَ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ مِن طَعامٍ وما خَبَّأْتُمْ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ أُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَأكَلُوا وادَّخَرُوا وخانُوا، فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ أنَّ عِيسى كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، وكانَ يُسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خِلافِ حَرْفٍ مِمّا في التَّوْراةِ إلّا لِأحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وأضَعَ عَنْكم مِنَ الآصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ: قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألَيْنُ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيما جاءَ بِهِ مُوسى لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ، فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَهم عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم﴾ قالَ: ما بَيَّنَ لَهم عِيسى مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وما أعْطاهُ رَبُّهُ.

آل عمران 3:50

قَوْلُهُ إذْ قالَتْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. والمَسِيحُ اخْتُلِفَ فِيهِ مِمّاذا أُخِذَ ؟ فَقِيلَ: مِنَ المَسْحِ؛ لِأنَّهُ مَسَحَ الأرْضَ؛ أيْ: ذَهَبَ فِيها فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكُنٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا، فَهو عَلى هَذَيْنِ فَعَيْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ الَّذِي كانَتِ الأنْبِياءُ تَمْسَحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحَ الأخْمَصَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ مَسَحَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأقْوالِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: المَسِيحُ ضِدُّ المَسِيخِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيخًا بِالمُعْجَمَتَيْنِ فَعُرِّبَ كَما عُرِّبَ مُوشى بِمُوسى. وأمّا الدَّجّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَمْسُوحُ إحْدى العَيْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَطُوفُ بُلْدانَها إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ. وقَوْلُهُ عِيسى عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن عاسَهُ يَعُوسُهُ إذا ساسَهُ. قالَ في الكَشّافِ: هو مُعَرَّبٌ مِن أيْشُوعَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في الإنْجِيلِ في مَواضِعَ أنَّ اسْمَهُ يَشُوعُ بِدُونِ هَمْزَةٍ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مَعَها (p-٢١٩)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُوَلَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَنُسِبَ إلى أُمِّهِ. والوَجِيهُ ذُو الوَجاهَةِ: وهي القُوَّةُ والمَنَعَةُ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن كَلِمَةٍ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَهي مَوْصُوفَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى " وجِيهًا " . والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ، ومَهَّدْتُ الأمْرَ: هَيَّأْتُهُ ووَطَّأْتُهُ. والكَهْلُ هو مَن كانَ بَيْنَ سِنِّ الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ؛ أيْ: يُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِهِ رَضِيعًا في المَهْدِ وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: إنَّ كَهْلًا مَعْطُوفٌ عَلى وجِيهًا. قالَ الأخْفَشُ: " ومِنَ الصّالِحِينَ " عَطْفٌ عَلى وجِيهًا؛ أيْ: هو مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ مِن كَوْنِ لَهُ أبٌ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأصْلُ القَضاءِ الأحْكامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو هُنا الإرادَةُ؛ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ولا مُزاوَلَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ. قَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى يُبَشِّرُكِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ وإنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ، وقِيلَ عَلى " يَخْلُقُ " أيْ: وكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها. والكِتابُ الكِتابَةُ. والحِكْمَةُ العِلْمُ، وقِيلَ تَهْذِيبُ الأخْلاقِ، وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى تَقْدِيرِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ ويُكَلِّمُهم رَسُولًا، أوْ وأرْسَلْتُ رَسُولًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا فَيَكُونُ حالًا لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ أيْ: وناطِقًا، قالَ الأخْفَشُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا مُقْحَمَةً، والرَّسُولَ حالًا. /٠٥٠ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِرَسُولٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما مَرَّ، وقِيلَ أصْلُهُ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم فَحُذِفَ الجارُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ تَقُولُ أنِّي قَدْ جِئْتُكم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ بِآيَةٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعَلامَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم. وقَوْلُهُ: أنِّي أخْلُقُ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ ﴿لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن آيَةٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أنِّي، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِالتَّشْدِيدِ، والكافُ في قَوْلِهِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أخْلُقُ لَكم خَلْقًا أوْ شَيْئًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَوْلُهُ: فَأنْفُخُ فِيهِ أيْ في ذَلِكَ الخَلْقِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكافِ في قَوْلِهِ: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطَّيْرِ؛ أيِ: الواحِدُ مِنهُ، وقِيلَ إلى الطِّينِ، وقُرِئَ: فَيَكُونُ طائِرًا وطَيْرًا، مِثْلَ تاجِرٍ وتَجْرٍ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الصَّنْعَةِ. فَإنَّ لَهُ ثَدْيًا وأسْنانًا وأُذُنًا ويَحِيضُ ويَطْهُرُ، وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ المَذْكُورَةِ، ولِكَوْنِهِ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويَلِدُ كَما يَلِدُ سائِرُ الحَيَواناتِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الطَّيْرِ، ولا يَبِيضُ كَما يَبِيضُ سائِرُ الطُّيُورِ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً، وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً، وهو يَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، وقِيلَ إنَّ سُؤالَهم لَهُ كانَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، قِيلَ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ اللَّهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ وقَوْلُهُ " بِإذْنِ اللَّهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْلا الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كانَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ: كانَتْ تَسْوِيَةُ الطِّينِ والنَّفْخِ مِن عِيسى، والخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَمَهُ العَمى يُوَلَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمِهَ يَكْمَهُ كَمَهًا: إذا عَمِيَ، وكَمِهْتُ عَيْنَهُ: إذا أعْمَيْتَها، وقِيلَ الأكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ. والبَرَصُ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في الجِلْدِ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْرِئُ مِن أمْراضٍ عِدَّةٍ كَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما لا يَبْرَآنِ في الغالِبِ بِالمُداواةِ، وكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى قَدِ اشْتَمَلَ الإنْجِيلُ عَلى قَصَصٍ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ أخْبِرُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وبِالَّذِي تَدَّخِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ومُصَدِّقًا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ورَسُولًا وقِيلَ: المَعْنى وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. قَوْلُهُ: ولِأُحِلَّ أيْ ولِأجْلِ أنْ أُحِلَّ؛ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم مِنَ الأطْعِمَةِ في التَّوْراةِ كالشُّحُومِ وكُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وقِيلَ: إنَّما أحَلَّ لَهم ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ الأحْبارُ ولَمْ تُحَرِّمْهُ التَّوْراةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " بَعْضَ " بِمَعْنى " كُلَّ "، وأنْشَدَ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها . قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَلَطٌ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ البَعْضَ والجُزْءَ لا يَكُونانِ بِمَعْنى الكُلِّ، ولِأنَّ عِيسى لَمْ يُحَلِّلْ لَهم جَمِيعَ ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَلِّلِ القَتْلَ ولا السَّرَقَ ولا الفاحِشَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ في الإنْجِيلِ مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً في التَّوْراةِ، وهي كَثِيرَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَعْرِفُ الكِتابَيْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ البَعْضُ مَوْقِعَ الكُلِّ مَعَ القَرِينَةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ. قَوْلُهُ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَمَجِيئُهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ فَتَكُونُ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ (p-٢٢٠)اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى، وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي، فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقالَ: أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِساتِ، وكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَةٍ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكَلَّمَتْهُ فَأبى، فَأتَتْ راعِيًا فَأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فَأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأ وصَلّى ثُمَّ أتى الغُلامَ فَقالَ: مَن أبُوكَ يا غُلامُ ؟ قالَ: الرّاعِي. قالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ ؟ قالَ: لا إلّا مِن طِينٍ. وكانَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُرْضِعُ ابْنًا لَها، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها وأقْبَلَ عَلى الرّاكِبِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّ بِأمَةٍ تُجَرْجَرُ ويُلْعَبُ بِها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ: لِمَ ذاكَ ؟ فَقالَ: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهَذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ لَها: زَنَيْتِ، وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. ويَقُولُونَ: سَرَقْتِ. وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا عِيسى، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ قالَ: يُكَلِّمُهم صَغِيرًا وكَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَهْلُ هو مَن في سِنِّ الكُهُولَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الكَهْلُ الحَلِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قالَ: الخَطُّ بِالقَلَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما خَلَقَ عِيسى طائِرًا واحِدًا وهو الخُفّاشُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الأكْمَهُ الأعْمى المَمْسُوحُ العَيْنَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجُوا عَنْ عِكْرِمَةَ قالُوا: الأكْمَهُ الأعْمَشُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ قالَ: كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ إذا سَرَّحَ رُسُلَهُ يُحْيُونَ المَوْتى يَقُولُ لَهم قُولُوا كَذا، فَإذا وجَدْتُمْ قَشْعَرِيرَةً ودَمْعَةً فادْعُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ قالَ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ مِن طَعامٍ وما خَبَّأْتُمْ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ أُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَأكَلُوا وادَّخَرُوا وخانُوا، فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ أنَّ عِيسى كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، وكانَ يُسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خِلافِ حَرْفٍ مِمّا في التَّوْراةِ إلّا لِأحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وأضَعَ عَنْكم مِنَ الآصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ: قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألَيْنُ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيما جاءَ بِهِ مُوسى لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ، فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَهم عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم﴾ قالَ: ما بَيَّنَ لَهم عِيسى مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وما أعْطاهُ رَبُّهُ.

آل عمران 3:51

قَوْلُهُ إذْ قالَتْ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ وإذْ قالَتِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ وما بَيْنَهُما اعْتِراضٌ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن إذْ يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: يَخْتَصِمُونَ وقِيلَ: بِقَوْلِهِ: وما كُنْتَ لَدَيْهِمْ. والمَسِيحُ اخْتُلِفَ فِيهِ مِمّاذا أُخِذَ ؟ فَقِيلَ: مِنَ المَسْحِ؛ لِأنَّهُ مَسَحَ الأرْضَ؛ أيْ: ذَهَبَ فِيها فَلَمْ يَسْتَكِنَّ بِكُنٍّ، وقِيلَ: إنَّهُ كانَ لا يَمْسَحُ ذا عاهَةٍ إلّا بَرِئَ، فَسُمِّيَ مَسِيحًا، فَهو عَلى هَذَيْنِ فَعَيْلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ يَمْسَحُ بِالدُّهْنِ الَّذِي كانَتِ الأنْبِياءُ تَمْسَحُ بِهِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ كانَ مَمْسُوحَ الأخْمَصَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّ الجَمالَ مَسَحَهُ، وقِيلَ: لِأنَّهُ مُسِحَ بِالتَّطْهِيرِ مِنَ الذُّنُوبِ، وهو عَلى هَذِهِ الأرْبَعَةِ الأقْوالِ فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: المَسِيحُ ضِدُّ المَسِيخِ بِالخاءِ المُعْجَمَةِ. وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ المَسِيحُ الصِّدِّيقُ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ مَشِيخًا بِالمُعْجَمَتَيْنِ فَعُرِّبَ كَما عُرِّبَ مُوشى بِمُوسى. وأمّا الدَّجّالُ فَسُمِّيَ مَسِيحًا؛ لِأنَّهُ مَمْسُوحُ إحْدى العَيْنَيْنِ، وقِيلَ: لِأنَّهُ يَمْسَحُ الأرْضَ أيْ يَطُوفُ بُلْدانَها إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ وبَيْتَ المَقْدِسِ. وقَوْلُهُ عِيسى عَطْفُ بَيانٍ أوْ بَدَلٌ وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مَن عاسَهُ يَعُوسُهُ إذا ساسَهُ. قالَ في الكَشّافِ: هو مُعَرَّبٌ مِن أيْشُوعَ انْتَهى. والَّذِي رَأيْناهُ في الإنْجِيلِ في مَواضِعَ أنَّ اسْمَهُ يَشُوعُ بِدُونِ هَمْزَةٍ، وإنَّما قِيلَ ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ كَوْنِ الخِطابِ مَعَها (p-٢١٩)تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ يُوَلَدُ مِن غَيْرِ أبٍ فَنُسِبَ إلى أُمِّهِ. والوَجِيهُ ذُو الوَجاهَةِ: وهي القُوَّةُ والمَنَعَةُ، ووَجاهَتُهُ في الدُّنْيا النُّبُوَّةُ، وفي الآخِرَةِ الشَّفاعَةُ وعُلُوُّ الدَّرَجَةِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ مِن كَلِمَةٍ، وإنْ كانَتْ نَكِرَةً فَهي مَوْصُوفَةٌ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومِنَ المُقَرَّبِينَ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. قالَ الأخْفَشُ: هو مَعْطُوفٌ عَلى " وجِيهًا " . والمَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ، ومَهَّدْتُ الأمْرَ: هَيَّأْتُهُ ووَطَّأْتُهُ. والكَهْلُ هو مَن كانَ بَيْنَ سِنِّ الشَّبابِ والشَّيْخُوخَةِ؛ أيْ: يُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِهِ رَضِيعًا في المَهْدِ وحالَ كَوْنِهِ كَهْلًا بِالوَحْيِ والرِّسالَةِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ الأخْفَشُ والفَرّاءُ: إنَّ كَهْلًا مَعْطُوفٌ عَلى وجِيهًا. قالَ الأخْفَشُ: " ومِنَ الصّالِحِينَ " عَطْفٌ عَلى وجِيهًا؛ أيْ: هو مِنَ العِبادِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿أنّى يَكُونُ لِي ولَدٌ﴾ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِبْعادِ العادِيِّ ﴿ولَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ؛ أيْ: والحالُ أنَّهُ عَلى حالَةٍ مُنافِيَةٍ لِلْحالَةِ المُعْتادَةِ مِن كَوْنِ لَهُ أبٌ ﴿قالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ﴾ هو مِن كَلامِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. وأصْلُ القَضاءِ الأحْكامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ، وهو هُنا الإرادَةُ؛ أيْ: إذا أرادَ أمْرًا مِنَ الأُمُورِ ﴿فَإنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ مِن غَيْرِ عَمَلٍ ولا مُزاوَلَةٍ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ قُدْرَتِهِ. قَوْلُهُ ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى يُبَشِّرُكِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ وإنَّ اللَّهَ يُعَلِّمُهُ، وقِيلَ عَلى " يَخْلُقُ " أيْ: وكَذَلِكَ يُعَلِّمُهُ اللَّهُ، أوْ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ سِيقَ تَطْيِيبًا لِقَلْبِها. والكِتابُ الكِتابَةُ. والحِكْمَةُ العِلْمُ، وقِيلَ تَهْذِيبُ الأخْلاقِ، وانْتِصابُ رَسُولًا عَلى تَقْدِيرِ ويَجْعَلُهُ رَسُولًا، أوْ ويُكَلِّمُهم رَسُولًا، أوْ وأرْسَلْتُ رَسُولًا، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: وجِيهًا فَيَكُونُ حالًا لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ أيْ: وناطِقًا، قالَ الأخْفَشُ: وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الواوَ في قَوْلِهِ: ورَسُولًا مُقْحَمَةً، والرَّسُولَ حالًا. /٠٥٠ قَوْلُهُ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ مَعْمُولٌ لِرَسُولٍ؛ لِأنَّ فِيهِ مَعْنى النُّطْقِ كَما مَرَّ، وقِيلَ أصْلُهُ بِأنِّي قَدْ جِئْتُكم فَحُذِفَ الجارُ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِمُضْمَرٍ أيْ تَقُولُ أنِّي قَدْ جِئْتُكم، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى الأحْوالِ السّابِقَةِ. وقَوْلُهُ بِآيَةٍ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: مُتَلَبِّسًا بِعَلامَةٍ كائِنَةٍ مِن رَبِّكم. وقَوْلُهُ: أنِّي أخْلُقُ أيْ أُصَوِّرُ وأُقَدِّرُ ﴿لَكم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ وهَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلٌ مِنَ الجُمْلَةِ الأُولى، وهي ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾ أوْ بَدَلٌ مِن آيَةٍ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هي أنِّي، وقُرِئَ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ الأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِالتَّشْدِيدِ، والكافُ في قَوْلِهِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أخْلُقُ لَكم خَلْقًا أوْ شَيْئًا مِثْلَ هَيْئَةِ الطَّيْرِ. وقَوْلُهُ: فَأنْفُخُ فِيهِ أيْ في ذَلِكَ الخَلْقِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ فالضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الكافِ في قَوْلِهِ: كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطَّيْرِ؛ أيِ: الواحِدُ مِنهُ، وقِيلَ إلى الطِّينِ، وقُرِئَ: فَيَكُونُ طائِرًا وطَيْرًا، مِثْلَ تاجِرٍ وتَجْرٍ، وقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَخْلُقْ غَيْرَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِن عَجائِبِ الصَّنْعَةِ. فَإنَّ لَهُ ثَدْيًا وأسْنانًا وأُذُنًا ويَحِيضُ ويَطْهُرُ، وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا خَلْقَ الخُفّاشِ لِما فِيهِ مِنَ العَجائِبِ المَذْكُورَةِ، ولِكَوْنِهِ يَطِيرُ بِغَيْرِ رِيشٍ، ويَلِدُ كَما يَلِدُ سائِرُ الحَيَواناتِ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الطَّيْرِ، ولا يَبِيضُ كَما يَبِيضُ سائِرُ الطُّيُورِ، ولا يُبْصِرُ في ضَوْءِ النَّهارِ ولا في ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وإنَّما يَرى في ساعَتَيْنِ: بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ساعَةً، وبَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ساعَةً، وهو يَضْحَكُ كَما يَضْحَكُ الإنْسانُ، وقِيلَ إنَّ سُؤالَهم لَهُ كانَ عَلى وجْهِ التَّعَنُّتِ، قِيلَ كانَ يَطِيرُ ما دامَ النّاسُ يَنْظُرُونَهُ، فَإذا غابَ عَنْ أعْيُنِهِمْ سَقَطَ مَيِّتًا لِيَتَمَيَّزَ فِعْلُ اللَّهِ مِن فِعْلِ غَيْرِهِ وقَوْلُهُ " بِإذْنِ اللَّهِ " فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَوْلا الإذْنُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ لَمْ يَقْدِرْ عَلى ذَلِكَ، وأنَّ خَلْقَ ذَلِكَ كانَ بِفِعْلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ أجْراهُ عَلى يَدِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، قِيلَ: كانَتْ تَسْوِيَةُ الطِّينِ والنَّفْخِ مِن عِيسى، والخَلْقُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. قَوْلُهُ: ﴿وأُبْرِئُ الأكْمَهَ﴾ الأكْمَهُ: الَّذِي يُولَدُ أعْمى، كَذا قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الكَمَهُ العَمى يُوَلَدُ بِهِ الإنْسانُ وقَدْ يَعْرِضُ، يُقالُ: كَمِهَ يَكْمَهُ كَمَهًا: إذا عَمِيَ، وكَمِهْتُ عَيْنَهُ: إذا أعْمَيْتَها، وقِيلَ الأكْمَهُ: الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ، وقِيلَ: هو المَمْسُوحُ العَيْنِ. والبَرَصُ مَعْرُوفٌ وهو بَياضٌ يَظْهَرُ في الجِلْدِ. وقَدْ كانَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يُبْرِئُ مِن أمْراضٍ عِدَّةٍ كَما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلُ، وإنَّما خَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذَيْنِ المَرَضَيْنِ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّهُما لا يَبْرَآنِ في الغالِبِ بِالمُداواةِ، وكَذَلِكَ إحْياءُ المَوْتى قَدِ اشْتَمَلَ الإنْجِيلُ عَلى قَصَصٍ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ أيْ أخْبِرُكم بِالَّذِي تَأْكُلُونَهُ وبِالَّذِي تَدَّخِرُونَهُ. قَوْلُهُ: ومُصَدِّقًا عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ورَسُولًا وقِيلَ: المَعْنى وجِئْتُكم مُصَدِّقًا. قَوْلُهُ: ولِأُحِلَّ أيْ ولِأجْلِ أنْ أُحِلَّ؛ أيْ: جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم وجِئْتُكم لِأُحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم مِنَ الأطْعِمَةِ في التَّوْراةِ كالشُّحُومِ وكُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وقِيلَ: إنَّما أحَلَّ لَهم ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ الأحْبارُ ولَمْ تُحَرِّمْهُ التَّوْراةُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ " بَعْضَ " بِمَعْنى " كُلَّ "، وأنْشَدَ: ؎تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذا لَمْ أرْضَها أوْ يَرْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمامُها . قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا القَوْلُ غَلَطٌ عِنْدَ أهْلِ النَّظَرِ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ لِأنَّ البَعْضَ والجُزْءَ لا يَكُونانِ بِمَعْنى الكُلِّ، ولِأنَّ عِيسى لَمْ يُحَلِّلْ لَهم جَمِيعَ ما حَرَّمَتْهُ عَلَيْهِمُ التَّوْراةُ، فَإنَّهُ لَمْ يُحَلِّلِ القَتْلَ ولا السَّرَقَ ولا الفاحِشَةَ وغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ الثّابِتَةِ في الإنْجِيلِ مَعَ كَوْنِها ثابِتَةً في التَّوْراةِ، وهي كَثِيرَةٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مِن يَعْرِفُ الكِتابَيْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ يَقَعُ البَعْضُ مَوْقِعَ الكُلِّ مَعَ القَرِينَةِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎أبا مُنْذِرٍ أفْنَيْتَ فاسْتَبْقِ بَعْضَنا ∗∗∗ حَنانَيْكَ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن بَعْضِ أيْ بَعْضُ الشَّرِّ أهْوَنُ مِن كُلِّهِ. قَوْلُهُ: ﴿بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ هي قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ رَبِّي ورَبُّكُمْ﴾ وإنَّما كانَ ذَلِكَ آيَةً؛ لِأنَّ مَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ، فَمَجِيئُهُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ يَكُونُ عَلامَةً عَلى نُبُوَّتِهِ. ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةَ المُتَقَدِّمَةَ فَتَكُونُ تَكْرِيرًا لِقَوْلِهِ: ﴿أنِّي قَدْ جِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم أنِّي أخْلُقُ لَكم مِنَ الطِّينِ﴾ الآيَةَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: بِكَلِمَةٍ قالَ: عِيسى هو الكَلِمَةُ مِنَ (p-٢٢٠)اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَهْدُ: مَضْجَعُ الصَّبِيِّ في رَضاعِهِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ أنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ: عِيسى، وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ جُرَيْجٌ كانَ يُصَلِّي، فَجاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ فَقالَ: أُجِيبُها أوْ أُصَلِّي ؟ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِساتِ، وكانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَةٍ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ وكَلَّمَتْهُ فَأبى، فَأتَتْ راعِيًا فَأمْكَنَتْهُ مِن نَفْسِها فَوَلَدَتْ غُلامًا فَقالَتْ: مِن جُرَيْجٍ، فَأتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ وأنْزَلُوهُ وسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأ وصَلّى ثُمَّ أتى الغُلامَ فَقالَ: مَن أبُوكَ يا غُلامُ ؟ قالَ: الرّاعِي. قالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِن ذَهَبٍ ؟ قالَ: لا إلّا مِن طِينٍ. وكانَتِ امْرَأةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تُرْضِعُ ابْنًا لَها، فَمَرَّ بِها رَجُلٌ راكِبٌ ذُو شارَةٍ فَقالَتْ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ، فَتَرَكَ ثَدْيَها وأقْبَلَ عَلى الرّاكِبِ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ثَدْيِها يَمُصُّهُ، ثُمَّ مَرَّ بِأمَةٍ تُجَرْجَرُ ويُلْعَبُ بِها فَقالَتْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَها فَقالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَها، فَقالَتْ: لِمَ ذاكَ ؟ فَقالَ: الرّاكِبُ جَبّارٌ مِنَ الجَبابِرَةِ، وهَذِهِ الأمَةُ يَقُولُونَ لَها: زَنَيْتِ، وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. ويَقُولُونَ: سَرَقْتِ. وتَقُولُ: حَسْبِيَ اللَّهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا عِيسى، وشاهِدُ يُوسُفَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ، وابْنُ ماشِطَةِ فِرْعَوْنَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلًا﴾ قالَ: يُكَلِّمُهم صَغِيرًا وكَبِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَهْلُ هو مَن في سِنِّ الكُهُولَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الكَهْلُ الحَلِيمُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُ الكِتابَ﴾ قالَ: الخَطُّ بِالقَلَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما خَلَقَ عِيسى طائِرًا واحِدًا وهو الخُفّاشُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُولَدُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: الأكْمَهُ الأعْمى المَمْسُوحُ العَيْنَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأكْمَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِالنَّهارِ ولا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجُوا عَنْ عِكْرِمَةَ قالُوا: الأكْمَهُ الأعْمَشُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ خالِدٍ الحَذّاءِ قالَ: كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ إذا سَرَّحَ رُسُلَهُ يُحْيُونَ المَوْتى يَقُولُ لَهم قُولُوا كَذا، فَإذا وجَدْتُمْ قَشْعَرِيرَةً ودَمْعَةً فادْعُوا عِنْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ﴾ قالَ: بِما أكَلْتُمُ البارِحَةَ مِن طَعامٍ وما خَبَّأْتُمْ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ أُنَبِّئُكم بِما تَأْكُلُونَ مِنَ المائِدَةِ وما تَدَّخِرُونَ مِنها، وكانَ أخَذَ عَلَيْهِمْ في المائِدَةِ حِينَ نَزَلَتْ أنْ يَأْكُلُوا ولا يَدَّخِرُوا، فَأكَلُوا وادَّخَرُوا وخانُوا، فَجُعِلُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبٍ أنَّ عِيسى كانَ عَلى شَرِيعَةِ مُوسى، وكانَ يُسْبِتُ ويَسْتَقْبِلُ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: إنِّي لَمْ أدْعُكم إلى خِلافِ حَرْفٍ مِمّا في التَّوْراةِ إلّا لِأحِلَّ لَكم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكم وأضَعَ عَنْكم مِنَ الآصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ: قالَ: كانَ الَّذِي جاءَ بِهِ عِيسى ألَيْنُ مِمّا جاءَ بِهِ مُوسى، وكانَ قَدْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ فِيما جاءَ بِهِ مُوسى لُحُومُ الإبِلِ والثُّرُوبِ، فَأحَلَّها لَهم عَلى لِسانِ عِيسى، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ فَأُحِلَّتْ لَهم فِيما جاءَ بِهِ عِيسى، وفي أشْياءَ مِنَ السَّمَكِ، وفي أشْياءَ مِنَ الطَّيْرِ، وفي أشْياءَ أُخَرَ حَرَّمَها عَلَيْهِمْ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِيها، فَجاءَهم عِيسى بِالتَّخْفِيفِ مِنهُ في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجِئْتُكم بِآيَةٍ مِن رَبِّكم﴾ قالَ: ما بَيَّنَ لَهم عِيسى مِنَ الأشْياءِ كُلِّها وما أعْطاهُ رَبُّهُ.

آل عمران 3:52

قَوْلُهُ: فَلَمّا أحَسَّ أيْ عَلِمَ ووَجَدَ: قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْنى أحَسَّ عَرَفَ، وأصْلُ ذَلِكَ وُجُودُ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ، والإحْساسُ: العِلْمُ بِالشَّيْءِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] . والمُرادُ بِالإحْساسِ هُنا الإدْراكُ القَوِيُّ الجارِي مَجْرى المُشاهَدَةِ. وبِالكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ: سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: أرادُوا قَتْلَهُ. وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَمّا أدْرَكَ مِنهم عِيسى إرادَةَ قَتْلِهِ الَّتِي هي كُفْرٌ قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ . الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ. وقَوْلُهُ: إلى اللَّهِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: مُتَوَجِّهًا إلى اللَّهِ ومُلْتَجِئًا إلَيْهِ أوْ ذاهِبًا إلَيْهِ وقِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وقِيلَ: المَعْنى: مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: مَن يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ. والحَوارِيُّونَ جَمْعُ حَوارِيٍّ، وحَوارِيُّ الرَّجُلِ: صَفْوَتُهُ وخُلاصَتُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، حَوَّرْتُ الثِّيابَ بَيَّضْتُها والحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ: ما حُوِّرَ؛ أيْ: بُيِّضَ، والحَوارِيُّ أيْضًا النّاصِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوارِيٌّ وحَوارِيِّي الزُّبَيْرُ» وهو في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ (p-٢٢١)تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ: لِخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، ومَعْنى أنْصارِ اللَّهِ: أنْصارُ دِينِهِ ورُسُلِهِ. وقَوْلُهُ: آمَنّا بِاللَّهِ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى العِلَّةِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ الإيمانَ يَبْعَثُ عَلى النُّصْرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيِ: اشْهَدْ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ بِأنّا مُخْلِصُونَ لِإيمانِنا مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُ مِنّا. ومَعْنى بِما أنْزَلْتَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كُتُبِهِ. والرَّسُولُ عِيسى، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ؛ أيِ: اتَّبَعْناهُ في كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ ولِرَسُولِكَ بِالرِّسالَةِ. أوِ اكْتُبْنا مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ومَكَرُوا أيِ الَّذِينَ أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ، وهم كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْراجُهُ لِلْعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَكْرُ اللَّهِ مُجازاتُهم عَلى مَكْرِهِمْ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ بِاسْمِ الِابْتِداءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وأصْلُ المَكْرِ في اللُّغَةِ: الِاغْتِيالُ والخَدْعُ: حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ، وعَلى هَذا فَلا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا إلْقاءُ شِبْهِ عِيسى عَلى غَيْرِهِ، ورَفْعُ عِيسى إلَيْهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ: أقْواهم مَكْرًا وأنْفَذُهم كَيْدًا وأقْواهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ بِمَن يُرِيدُ إيصالَهُ بِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ العامِلُ في إذْ: مَكَرُوا، أوْ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أوْ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وقَعَ ذَلِكَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ إنِّي رافِعُكَ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إنْزالِكَ مِنَ السَّماءِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: مُتَوَفِّيكَ قابِضُكَ. وقالَ في الكَشّافِ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ: إنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرٌ أجَلَكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ. وإنَّما احْتاجَ المُفَسِّرُونَ إلى تَأْوِيلِ الوَفاةِ بِما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ مِن غَيْرِ وفاةٍ، كَما رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ في الأخْبارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نُزُولُهُ وقَتْلُهُ الدَّجّالَ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ ثَلاثَ ساعاتٍ مِن نَهارٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمُ ومِثْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِهِ قالَ كَثِيرُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن حَيْثُ جَوازُهم بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ وبُعْدِهِ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما جِئْتَ بِهِ وهم خُلَّصُ أصْحابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا في الغُلُوِّ فِيهِ إلى ما بَلَغَ مِن جَعْلِهِ إلَهًا، ومِنهُمُ المُسْلِمُونَ، فَإنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما جاءَ بِهِ، عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن دُونِ غُلُوٍّ، فَلَمْ يُفَرِّطُوا في وصْفِهِ كَما فَرَّطَتِ اليَهُودُ ولا أفْرَطُوا كَما أفْرَطَتِ النَّصارى. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ النَّصارى الَّذِينَ هم أتْباعُ عِيسى لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى اليَهُودِ غالِبِينَ لَهم قاهِرِينَ لِمَن وُجِدَ مِنهم، فَيَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، وقِيلَ: هُمُ الرُّومُ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن خالَفَهم مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ: هُمُ الحَوارِيُّونَ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن كَفَرَ بِالمَسِيحِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَغَلَبَةُ النَّصارى لِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ أوْ لِكُلِّ طَوائِفِ الكُفّارِ لا يُنافِي كَوْنَهم مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ بِطَوائِفِ المُسْلِمِينَ كَما تُفِيدُهُ الآياتُ الكَثِيرَةُ، بِأنَّ هَذِهِ المِلَّةَ الإسْلامِيَّةَ ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّ المِلَلِ، قاهِرَةٌ لَها مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْها. وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ الآيَةَ بِمُؤَلَّفٍ سَمَّيْتُهُ ( وابِلُ الغَمامَةِ في تَفْسِيرِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ) فَمَن رامَ اسْتِيفاءَ ما في المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى ذَلِكَ. والفَوْقِيَّةُ هُنا هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ أوْ بِالحُجَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَحْكُمُ بَيْنَ العِبادِ بِالشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويَكُونُ المُسْلِمُونَ أنْصارَهُ وأتْباعَهُ إذْ ذاكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحالَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكم، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ. قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَأُعَذِّبُهم، أمّا تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ والسَّبْيِ والجِزْيَةِ والصَّغارِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِعَذابِ النّارِ. قَوْلُهُ: " فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " أيْ: نُعْطِيهِمْ إيّاها كامِلَةً مُوَفَّرَةً، قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ وبِالنُّونِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ بُغْضِهِمْ، وهي جُمْلَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، و" مِنَ الآياتِ " حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. والحَكِيمُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُكْمِ أوِ المُحْكَمُ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ قالَ: كَفَرُوا وأرادُوا قَتْلَهُ، فَذَلِكَ حِينَ اسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمُّوا الحَوارِيِّينَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ كانُوا صَيّادِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَوارِيُّونَ قَصّارُونَ مَرَّ بِهِمْ عِيسى فَآمَنُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم أصْفِياءُ الأنْبِياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّ الوَزِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: الحَوارِيُّ النّاصِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ أنَّهم شَهِدُوا لَهُ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أنَّهم (p-٢٢٢)قَدْ بَلَّغُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ مَعَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ حَصَرُوا عِيسى وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَأْخُذُ صُورَتِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ، فَأخَذَها رَجُلٌ مِنهم وصَعِدَ عِيسى إلى السَّماءِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يَقُولُ: مُمِيتُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الأرْضِ. وأخْرَجَ الآخَرانِ عَنْهُ قالَ: وفاةُ المَنامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ؛ أيْ: رافِعُكَ إلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الدُّنْيا ولَيْسَ بِوَفاةِ مَوْتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبٍ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى ثَلاثَ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ حَتّى رَفَعَهُ إلَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: أماتَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ورَفَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْهُ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى سَبْعَ ساعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحاكِمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: رُفِعَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: طَهَّرَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ ومِن كُفّارِ قَوْمِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: هم أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى فِطْرَتِهِ ومِلَّتِهِ وسُنَّتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ لا يُبالُونَ بِمَن خالَفَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» . قالَ النُّعْمانُ: مَن قالَ: إنِّي أقُولُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْ فَإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ ثُمَّ قَرَأ مُعاوِيَةُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: النَّصارى فَوْقَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ بَلَدٌ فِيهِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا وهم فَوْقَ اليَهُودِ في شَرْقٍ ولا غَرْبٍ، هم في البُلْدانِ كُلِّها مُسْتَذَلُّونَ.

آل عمران 3:53

قَوْلُهُ: فَلَمّا أحَسَّ أيْ عَلِمَ ووَجَدَ: قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْنى أحَسَّ عَرَفَ، وأصْلُ ذَلِكَ وُجُودُ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ، والإحْساسُ: العِلْمُ بِالشَّيْءِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] . والمُرادُ بِالإحْساسِ هُنا الإدْراكُ القَوِيُّ الجارِي مَجْرى المُشاهَدَةِ. وبِالكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ: سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: أرادُوا قَتْلَهُ. وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَمّا أدْرَكَ مِنهم عِيسى إرادَةَ قَتْلِهِ الَّتِي هي كُفْرٌ قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ . الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ. وقَوْلُهُ: إلى اللَّهِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: مُتَوَجِّهًا إلى اللَّهِ ومُلْتَجِئًا إلَيْهِ أوْ ذاهِبًا إلَيْهِ وقِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وقِيلَ: المَعْنى: مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: مَن يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ. والحَوارِيُّونَ جَمْعُ حَوارِيٍّ، وحَوارِيُّ الرَّجُلِ: صَفْوَتُهُ وخُلاصَتُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، حَوَّرْتُ الثِّيابَ بَيَّضْتُها والحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ: ما حُوِّرَ؛ أيْ: بُيِّضَ، والحَوارِيُّ أيْضًا النّاصِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوارِيٌّ وحَوارِيِّي الزُّبَيْرُ» وهو في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ (p-٢٢١)تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ: لِخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، ومَعْنى أنْصارِ اللَّهِ: أنْصارُ دِينِهِ ورُسُلِهِ. وقَوْلُهُ: آمَنّا بِاللَّهِ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى العِلَّةِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ الإيمانَ يَبْعَثُ عَلى النُّصْرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيِ: اشْهَدْ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ بِأنّا مُخْلِصُونَ لِإيمانِنا مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُ مِنّا. ومَعْنى بِما أنْزَلْتَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كُتُبِهِ. والرَّسُولُ عِيسى، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ؛ أيِ: اتَّبَعْناهُ في كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ ولِرَسُولِكَ بِالرِّسالَةِ. أوِ اكْتُبْنا مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ومَكَرُوا أيِ الَّذِينَ أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ، وهم كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْراجُهُ لِلْعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَكْرُ اللَّهِ مُجازاتُهم عَلى مَكْرِهِمْ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ بِاسْمِ الِابْتِداءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وأصْلُ المَكْرِ في اللُّغَةِ: الِاغْتِيالُ والخَدْعُ: حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ، وعَلى هَذا فَلا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا إلْقاءُ شِبْهِ عِيسى عَلى غَيْرِهِ، ورَفْعُ عِيسى إلَيْهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ: أقْواهم مَكْرًا وأنْفَذُهم كَيْدًا وأقْواهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ بِمَن يُرِيدُ إيصالَهُ بِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ العامِلُ في إذْ: مَكَرُوا، أوْ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أوْ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وقَعَ ذَلِكَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ إنِّي رافِعُكَ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إنْزالِكَ مِنَ السَّماءِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: مُتَوَفِّيكَ قابِضُكَ. وقالَ في الكَشّافِ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ: إنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرٌ أجَلَكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ. وإنَّما احْتاجَ المُفَسِّرُونَ إلى تَأْوِيلِ الوَفاةِ بِما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ مِن غَيْرِ وفاةٍ، كَما رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ في الأخْبارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نُزُولُهُ وقَتْلُهُ الدَّجّالَ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ ثَلاثَ ساعاتٍ مِن نَهارٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمُ ومِثْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِهِ قالَ كَثِيرُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن حَيْثُ جَوازُهم بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ وبُعْدِهِ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما جِئْتَ بِهِ وهم خُلَّصُ أصْحابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا في الغُلُوِّ فِيهِ إلى ما بَلَغَ مِن جَعْلِهِ إلَهًا، ومِنهُمُ المُسْلِمُونَ، فَإنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما جاءَ بِهِ، عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن دُونِ غُلُوٍّ، فَلَمْ يُفَرِّطُوا في وصْفِهِ كَما فَرَّطَتِ اليَهُودُ ولا أفْرَطُوا كَما أفْرَطَتِ النَّصارى. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ النَّصارى الَّذِينَ هم أتْباعُ عِيسى لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى اليَهُودِ غالِبِينَ لَهم قاهِرِينَ لِمَن وُجِدَ مِنهم، فَيَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، وقِيلَ: هُمُ الرُّومُ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن خالَفَهم مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ: هُمُ الحَوارِيُّونَ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن كَفَرَ بِالمَسِيحِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَغَلَبَةُ النَّصارى لِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ أوْ لِكُلِّ طَوائِفِ الكُفّارِ لا يُنافِي كَوْنَهم مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ بِطَوائِفِ المُسْلِمِينَ كَما تُفِيدُهُ الآياتُ الكَثِيرَةُ، بِأنَّ هَذِهِ المِلَّةَ الإسْلامِيَّةَ ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّ المِلَلِ، قاهِرَةٌ لَها مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْها. وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ الآيَةَ بِمُؤَلَّفٍ سَمَّيْتُهُ ( وابِلُ الغَمامَةِ في تَفْسِيرِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ) فَمَن رامَ اسْتِيفاءَ ما في المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى ذَلِكَ. والفَوْقِيَّةُ هُنا هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ أوْ بِالحُجَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَحْكُمُ بَيْنَ العِبادِ بِالشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويَكُونُ المُسْلِمُونَ أنْصارَهُ وأتْباعَهُ إذْ ذاكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحالَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكم، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ. قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَأُعَذِّبُهم، أمّا تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ والسَّبْيِ والجِزْيَةِ والصَّغارِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِعَذابِ النّارِ. قَوْلُهُ: " فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " أيْ: نُعْطِيهِمْ إيّاها كامِلَةً مُوَفَّرَةً، قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ وبِالنُّونِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ بُغْضِهِمْ، وهي جُمْلَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، و" مِنَ الآياتِ " حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. والحَكِيمُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُكْمِ أوِ المُحْكَمُ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ قالَ: كَفَرُوا وأرادُوا قَتْلَهُ، فَذَلِكَ حِينَ اسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمُّوا الحَوارِيِّينَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ كانُوا صَيّادِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَوارِيُّونَ قَصّارُونَ مَرَّ بِهِمْ عِيسى فَآمَنُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم أصْفِياءُ الأنْبِياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّ الوَزِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: الحَوارِيُّ النّاصِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ أنَّهم شَهِدُوا لَهُ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أنَّهم (p-٢٢٢)قَدْ بَلَّغُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ مَعَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ حَصَرُوا عِيسى وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَأْخُذُ صُورَتِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ، فَأخَذَها رَجُلٌ مِنهم وصَعِدَ عِيسى إلى السَّماءِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يَقُولُ: مُمِيتُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الأرْضِ. وأخْرَجَ الآخَرانِ عَنْهُ قالَ: وفاةُ المَنامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ؛ أيْ: رافِعُكَ إلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الدُّنْيا ولَيْسَ بِوَفاةِ مَوْتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبٍ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى ثَلاثَ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ حَتّى رَفَعَهُ إلَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: أماتَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ورَفَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْهُ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى سَبْعَ ساعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحاكِمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: رُفِعَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: طَهَّرَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ ومِن كُفّارِ قَوْمِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: هم أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى فِطْرَتِهِ ومِلَّتِهِ وسُنَّتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ لا يُبالُونَ بِمَن خالَفَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» . قالَ النُّعْمانُ: مَن قالَ: إنِّي أقُولُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْ فَإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ ثُمَّ قَرَأ مُعاوِيَةُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: النَّصارى فَوْقَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ بَلَدٌ فِيهِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا وهم فَوْقَ اليَهُودِ في شَرْقٍ ولا غَرْبٍ، هم في البُلْدانِ كُلِّها مُسْتَذَلُّونَ.

آل عمران 3:54

قَوْلُهُ: فَلَمّا أحَسَّ أيْ عَلِمَ ووَجَدَ: قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْنى أحَسَّ عَرَفَ، وأصْلُ ذَلِكَ وُجُودُ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ، والإحْساسُ: العِلْمُ بِالشَّيْءِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] . والمُرادُ بِالإحْساسِ هُنا الإدْراكُ القَوِيُّ الجارِي مَجْرى المُشاهَدَةِ. وبِالكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ: سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: أرادُوا قَتْلَهُ. وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَمّا أدْرَكَ مِنهم عِيسى إرادَةَ قَتْلِهِ الَّتِي هي كُفْرٌ قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ . الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ. وقَوْلُهُ: إلى اللَّهِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: مُتَوَجِّهًا إلى اللَّهِ ومُلْتَجِئًا إلَيْهِ أوْ ذاهِبًا إلَيْهِ وقِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وقِيلَ: المَعْنى: مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: مَن يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ. والحَوارِيُّونَ جَمْعُ حَوارِيٍّ، وحَوارِيُّ الرَّجُلِ: صَفْوَتُهُ وخُلاصَتُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، حَوَّرْتُ الثِّيابَ بَيَّضْتُها والحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ: ما حُوِّرَ؛ أيْ: بُيِّضَ، والحَوارِيُّ أيْضًا النّاصِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوارِيٌّ وحَوارِيِّي الزُّبَيْرُ» وهو في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ (p-٢٢١)تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ: لِخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، ومَعْنى أنْصارِ اللَّهِ: أنْصارُ دِينِهِ ورُسُلِهِ. وقَوْلُهُ: آمَنّا بِاللَّهِ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى العِلَّةِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ الإيمانَ يَبْعَثُ عَلى النُّصْرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيِ: اشْهَدْ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ بِأنّا مُخْلِصُونَ لِإيمانِنا مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُ مِنّا. ومَعْنى بِما أنْزَلْتَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كُتُبِهِ. والرَّسُولُ عِيسى، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ؛ أيِ: اتَّبَعْناهُ في كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ ولِرَسُولِكَ بِالرِّسالَةِ. أوِ اكْتُبْنا مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ومَكَرُوا أيِ الَّذِينَ أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ، وهم كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْراجُهُ لِلْعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَكْرُ اللَّهِ مُجازاتُهم عَلى مَكْرِهِمْ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ بِاسْمِ الِابْتِداءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وأصْلُ المَكْرِ في اللُّغَةِ: الِاغْتِيالُ والخَدْعُ: حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ، وعَلى هَذا فَلا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا إلْقاءُ شِبْهِ عِيسى عَلى غَيْرِهِ، ورَفْعُ عِيسى إلَيْهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ: أقْواهم مَكْرًا وأنْفَذُهم كَيْدًا وأقْواهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ بِمَن يُرِيدُ إيصالَهُ بِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ العامِلُ في إذْ: مَكَرُوا، أوْ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أوْ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وقَعَ ذَلِكَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ إنِّي رافِعُكَ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إنْزالِكَ مِنَ السَّماءِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: مُتَوَفِّيكَ قابِضُكَ. وقالَ في الكَشّافِ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ: إنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرٌ أجَلَكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ. وإنَّما احْتاجَ المُفَسِّرُونَ إلى تَأْوِيلِ الوَفاةِ بِما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ مِن غَيْرِ وفاةٍ، كَما رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ في الأخْبارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نُزُولُهُ وقَتْلُهُ الدَّجّالَ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ ثَلاثَ ساعاتٍ مِن نَهارٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمُ ومِثْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِهِ قالَ كَثِيرُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن حَيْثُ جَوازُهم بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ وبُعْدِهِ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما جِئْتَ بِهِ وهم خُلَّصُ أصْحابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا في الغُلُوِّ فِيهِ إلى ما بَلَغَ مِن جَعْلِهِ إلَهًا، ومِنهُمُ المُسْلِمُونَ، فَإنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما جاءَ بِهِ، عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن دُونِ غُلُوٍّ، فَلَمْ يُفَرِّطُوا في وصْفِهِ كَما فَرَّطَتِ اليَهُودُ ولا أفْرَطُوا كَما أفْرَطَتِ النَّصارى. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ النَّصارى الَّذِينَ هم أتْباعُ عِيسى لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى اليَهُودِ غالِبِينَ لَهم قاهِرِينَ لِمَن وُجِدَ مِنهم، فَيَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، وقِيلَ: هُمُ الرُّومُ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن خالَفَهم مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ: هُمُ الحَوارِيُّونَ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن كَفَرَ بِالمَسِيحِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَغَلَبَةُ النَّصارى لِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ أوْ لِكُلِّ طَوائِفِ الكُفّارِ لا يُنافِي كَوْنَهم مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ بِطَوائِفِ المُسْلِمِينَ كَما تُفِيدُهُ الآياتُ الكَثِيرَةُ، بِأنَّ هَذِهِ المِلَّةَ الإسْلامِيَّةَ ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّ المِلَلِ، قاهِرَةٌ لَها مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْها. وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ الآيَةَ بِمُؤَلَّفٍ سَمَّيْتُهُ ( وابِلُ الغَمامَةِ في تَفْسِيرِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ) فَمَن رامَ اسْتِيفاءَ ما في المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى ذَلِكَ. والفَوْقِيَّةُ هُنا هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ أوْ بِالحُجَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَحْكُمُ بَيْنَ العِبادِ بِالشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويَكُونُ المُسْلِمُونَ أنْصارَهُ وأتْباعَهُ إذْ ذاكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحالَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكم، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ. قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَأُعَذِّبُهم، أمّا تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ والسَّبْيِ والجِزْيَةِ والصَّغارِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِعَذابِ النّارِ. قَوْلُهُ: " فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " أيْ: نُعْطِيهِمْ إيّاها كامِلَةً مُوَفَّرَةً، قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ وبِالنُّونِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ بُغْضِهِمْ، وهي جُمْلَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، و" مِنَ الآياتِ " حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. والحَكِيمُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُكْمِ أوِ المُحْكَمُ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ قالَ: كَفَرُوا وأرادُوا قَتْلَهُ، فَذَلِكَ حِينَ اسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمُّوا الحَوارِيِّينَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ كانُوا صَيّادِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَوارِيُّونَ قَصّارُونَ مَرَّ بِهِمْ عِيسى فَآمَنُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم أصْفِياءُ الأنْبِياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّ الوَزِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: الحَوارِيُّ النّاصِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ أنَّهم شَهِدُوا لَهُ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أنَّهم (p-٢٢٢)قَدْ بَلَّغُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ مَعَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ حَصَرُوا عِيسى وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَأْخُذُ صُورَتِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ، فَأخَذَها رَجُلٌ مِنهم وصَعِدَ عِيسى إلى السَّماءِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يَقُولُ: مُمِيتُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الأرْضِ. وأخْرَجَ الآخَرانِ عَنْهُ قالَ: وفاةُ المَنامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ؛ أيْ: رافِعُكَ إلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الدُّنْيا ولَيْسَ بِوَفاةِ مَوْتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبٍ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى ثَلاثَ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ حَتّى رَفَعَهُ إلَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: أماتَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ورَفَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْهُ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى سَبْعَ ساعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحاكِمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: رُفِعَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: طَهَّرَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ ومِن كُفّارِ قَوْمِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: هم أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى فِطْرَتِهِ ومِلَّتِهِ وسُنَّتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ لا يُبالُونَ بِمَن خالَفَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» . قالَ النُّعْمانُ: مَن قالَ: إنِّي أقُولُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْ فَإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ ثُمَّ قَرَأ مُعاوِيَةُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: النَّصارى فَوْقَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ بَلَدٌ فِيهِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا وهم فَوْقَ اليَهُودِ في شَرْقٍ ولا غَرْبٍ، هم في البُلْدانِ كُلِّها مُسْتَذَلُّونَ.

آل عمران 3:55

قَوْلُهُ: فَلَمّا أحَسَّ أيْ عَلِمَ ووَجَدَ: قالَهُ الزَّجّاجُ: وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْنى أحَسَّ عَرَفَ، وأصْلُ ذَلِكَ وُجُودُ الشَّيْءِ بِالحاسَّةِ، والإحْساسُ: العِلْمُ بِالشَّيْءِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨] . والمُرادُ بِالإحْساسِ هُنا الإدْراكُ القَوِيُّ الجارِي مَجْرى المُشاهَدَةِ. وبِالكُفْرِ إصْرارُهم عَلَيْهِ، وقِيلَ: سَمِعَ مِنهم كَلِمَةَ الكُفْرِ. وقالَ الفَرّاءُ: أرادُوا قَتْلَهُ. وعَلى هَذا فَمَعْنى الآيَةِ: فَلَمّا أدْرَكَ مِنهم عِيسى إرادَةَ قَتْلِهِ الَّتِي هي كُفْرٌ قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ﴾ . الأنْصارُ جَمْعُ نَصِيرٍ. وقَوْلُهُ: إلى اللَّهِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا؛ أيْ: مُتَوَجِّهًا إلى اللَّهِ ومُلْتَجِئًا إلَيْهِ أوْ ذاهِبًا إلَيْهِ وقِيلَ: إلى بِمَعْنى مَعَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهم إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وقِيلَ: المَعْنى: مَن أنْصارِي في السَّبِيلِ إلى اللَّهِ، وقِيلَ: المَعْنى: مَن يَضُمُّ نُصْرَتَهُ إلى نُصْرَةِ اللَّهِ. والحَوارِيُّونَ جَمْعُ حَوارِيٍّ، وحَوارِيُّ الرَّجُلِ: صَفْوَتُهُ وخُلاصَتُهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَوَرِ وهو البَياضُ عِنْدَ أهْلِ اللُّغَةِ، حَوَّرْتُ الثِّيابَ بَيَّضْتُها والحَوارِيُّ مِنَ الطَّعامِ: ما حُوِّرَ؛ أيْ: بُيِّضَ، والحَوارِيُّ أيْضًا النّاصِرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوارِيٌّ وحَوارِيِّي الزُّبَيْرُ» وهو في البُخارِيِّ وغَيْرِهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في سَبَبِ (p-٢٢١)تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِكَ، فَقِيلَ: لِبَياضِ ثِيابِهِمْ، وقِيلَ: لِخُلُوصِ نِيّاتِهِمْ، وقِيلَ: لِأنَّهم خاصَّةُ الأنْبِياءِ، وكانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، ومَعْنى أنْصارِ اللَّهِ: أنْصارُ دِينِهِ ورُسُلِهِ. وقَوْلُهُ: آمَنّا بِاللَّهِ اسْتِئْنافٌ جارٍ مَجْرى العِلَّةِ لِما قَبْلَهُ، فَإنَّ الإيمانَ يَبْعَثُ عَلى النُّصْرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ أيِ: اشْهَدْ لَنا يَوْمَ القِيامَةِ بِأنّا مُخْلِصُونَ لِإيمانِنا مُنْقادُونَ لِما تُرِيدُ مِنّا. ومَعْنى بِما أنْزَلْتَ ما أنْزَلَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في كُتُبِهِ. والرَّسُولُ عِيسى، وحَذْفُ المُتَعَلِّقِ مُشْعِرٌ بِالتَّعْمِيمِ؛ أيِ: اتَّبَعْناهُ في كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ لَكَ بِالوَحْدانِيَّةِ ولِرَسُولِكَ بِالرِّسالَةِ. أوِ اكْتُبْنا مَعَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأُمَمِهِمْ، وقِيلَ: مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ومَكَرُوا أيِ الَّذِينَ أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ، وهم كُفّارُ بَنِي إسْرائِيلَ. ومَكْرُ اللَّهِ اسْتِدْراجُهُ لِلْعِبادِ مِن حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ. قالَهُ الفَرّاءُ وغَيْرُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَكْرُ اللَّهِ مُجازاتُهم عَلى مَكْرِهِمْ، فَسُمِّيَ الجَزاءُ بِاسْمِ الِابْتِداءِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وأصْلُ المَكْرِ في اللُّغَةِ: الِاغْتِيالُ والخَدْعُ: حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ، وعَلى هَذا فَلا يُسْنَدُ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ إلّا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ، وقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ هُنا إلْقاءُ شِبْهِ عِيسى عَلى غَيْرِهِ، ورَفْعُ عِيسى إلَيْهِ ﴿واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أيْ: أقْواهم مَكْرًا وأنْفَذُهم كَيْدًا وأقْواهم عَلى إيصالِ الضَّرَرِ بِمَن يُرِيدُ إيصالَهُ بِهِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى﴾ العامِلُ في إذْ: مَكَرُوا، أوْ قَوْلُهُ: ﴿خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ أوْ فِعْلٌ مُضْمَرٌ تَقْدِيرُهُ وقَعَ ذَلِكَ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا تَقْدِيرُهُ إنِّي رافِعُكَ ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ومُتَوَفِّيكَ بَعْدَ إنْزالِكَ مِنَ السَّماءِ. وقالَ أبُو زَيْدٍ: مُتَوَفِّيكَ قابِضُكَ. وقالَ في الكَشّافِ: مُسْتَوْفِي أجَلَكَ، ومَعْناهُ: إنِّي عاصِمُكَ مِن أنْ يَقْتُلَكَ الكُفّارُ، ومُؤَخِّرٌ أجَلَكَ إلى أجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، ومُمِيتُكَ حَتْفَ أنْفِكَ لا قَتْلًا بِأيْدِيهِمْ. وإنَّما احْتاجَ المُفَسِّرُونَ إلى تَأْوِيلِ الوَفاةِ بِما ذُكِرَ؛ لِأنَّ الصَّحِيحَ أنَّ اللَّهَ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ مِن غَيْرِ وفاةٍ، كَما رَجَّحَهُ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّهُ قَدْ صَحَّ في الأخْبارِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نُزُولُهُ وقَتْلُهُ الدَّجّالَ، وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ ثَلاثَ ساعاتٍ مِن نَهارٍ ثُمَّ رَفَعَهُ إلى السَّماءِ، وفِيهِ ضَعْفٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالوَفاةِ هُنا النَّوْمُ ومِثْلُهُ ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِهِ قالَ كَثِيرُونَ. قَوْلُهُ: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ مِن حَيْثُ جَوازُهم بِرَفْعِهِ إلى السَّماءِ وبُعْدِهِ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ أيِ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ما جِئْتَ بِهِ وهم خُلَّصُ أصْحابِهِ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا في الغُلُوِّ فِيهِ إلى ما بَلَغَ مِن جَعْلِهِ إلَهًا، ومِنهُمُ المُسْلِمُونَ، فَإنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما جاءَ بِهِ، عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ووَصَفُوهُ بِما يَسْتَحِقُّهُ مِن دُونِ غُلُوٍّ، فَلَمْ يُفَرِّطُوا في وصْفِهِ كَما فَرَّطَتِ اليَهُودُ ولا أفْرَطُوا كَما أفْرَطَتِ النَّصارى. وقَدْ ذَهَبَ إلى هَذا كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالآيَةِ أنَّ النَّصارى الَّذِينَ هم أتْباعُ عِيسى لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى اليَهُودِ غالِبِينَ لَهم قاهِرِينَ لِمَن وُجِدَ مِنهم، فَيَكُونُ المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ اليَهُودُ خاصَّةً، وقِيلَ: هُمُ الرُّومُ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن خالَفَهم مِنَ الكافِرِينَ، وقِيلَ: هُمُ الحَوارِيُّونَ لا يَزالُونَ ظاهِرِينَ عَلى مَن كَفَرَ بِالمَسِيحِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَغَلَبَةُ النَّصارى لِطائِفَةٍ مِنَ الكُفّارِ أوْ لِكُلِّ طَوائِفِ الكُفّارِ لا يُنافِي كَوْنَهم مَقْهُورِينَ مَغْلُوبِينَ بِطَوائِفِ المُسْلِمِينَ كَما تُفِيدُهُ الآياتُ الكَثِيرَةُ، بِأنَّ هَذِهِ المِلَّةَ الإسْلامِيَّةَ ظاهِرَةٌ عَلى كُلِّ المِلَلِ، قاهِرَةٌ لَها مُسْتَعْلِيَةٌ عَلَيْها. وقَدْ أفْرَدْتُ هَذِهِ الآيَةَ بِمُؤَلَّفٍ سَمَّيْتُهُ ( وابِلُ الغَمامَةِ في تَفْسِيرِ ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ ) فَمَن رامَ اسْتِيفاءَ ما في المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى ذَلِكَ. والفَوْقِيَّةُ هُنا هي أعَمُّ مِن أنْ تَكُونَ بِالسَّيْفِ أوْ بِالحُجَّةِ. وقَدْ ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في آخِرِ الزَّمانِ فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَحْكُمُ بَيْنَ العِبادِ بِالشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، ويَكُونُ المُسْلِمُونَ أنْصارَهُ وأتْباعَهُ إذْ ذاكَ، فَلا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ في هَذِهِ الآيَةِ إشارَةٌ إلى هَذِهِ الحالَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ إلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أيْ رُجُوعُكم، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ لِلْقَصْرِ ﴿فَأحْكُمُ بَيْنَكم﴾ يَوْمَئِذٍ ﴿فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ مِن أُمُورِ الدِّينِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ تَفْسِيرٌ لِلْحُكْمِ. قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: فَأُعَذِّبُهم، أمّا تَعْذِيبُهم في الدُّنْيا فَبِالقَتْلِ والسَّبْيِ والجِزْيَةِ والصَّغارِ، وأمّا في الآخِرَةِ فَبِعَذابِ النّارِ. قَوْلُهُ: " فَنُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم " أيْ: نُعْطِيهِمْ إيّاها كامِلَةً مُوَفَّرَةً، قُرِئَ بِالتَّحْتِيَّةِ وبِالنُّونِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ كِنايَةٌ عَنْ بُغْضِهِمْ، وهي جُمْلَةٌ تَذْيِيلِيَّةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: " ذَلِكَ " إشارَةٌ إلى ما سَلَفَ مِن نَبَأِ عِيسى وغَيْرِهِ وهو مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، و" مِنَ الآياتِ " حالٌ أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ. والحَكِيمُ المُشْتَمِلُ عَلى الحُكْمِ أوِ المُحْكَمُ الَّذِي لا خَلَلَ فِيهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا أحَسَّ عِيسى مِنهُمُ الكُفْرَ﴾ قالَ: كَفَرُوا وأرادُوا قَتْلَهُ، فَذَلِكَ حِينَ اسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمُّوا الحَوارِيِّينَ لِبَياضِ ثِيابِهِمْ كانُوا صَيّادِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الحَوارِيُّونَ قَصّارُونَ مَرَّ بِهِمْ عِيسى فَآمَنُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّونَ هُمُ الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الخِلافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هم أصْفِياءُ الأنْبِياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الحَوارِيُّ الوَزِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: الحَوارِيُّ النّاصِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ وأُمَّتِهِ أنَّهم شَهِدُوا لَهُ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ، وشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أنَّهم (p-٢٢٢)قَدْ بَلَّغُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ قالَ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ مَعَ أصْحابِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ حَصَرُوا عِيسى وتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَأْخُذُ صُورَتِي فَيُقْتَلُ ولَهُ الجَنَّةُ، فَأخَذَها رَجُلٌ مِنهم وصَعِدَ عِيسى إلى السَّماءِ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ يَقُولُ: مُمِيتُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الأرْضِ. وأخْرَجَ الآخَرانِ عَنْهُ قالَ: وفاةُ المَنامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ؛ أيْ: رافِعُكَ إلَيَّ ومُتَوَفِّيكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ قالَ: مُتَوَفِّيكَ مِنَ الدُّنْيا ولَيْسَ بِوَفاةِ مَوْتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبٍ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى ثَلاثَ ساعاتٍ مِنَ النَّهارِ حَتّى رَفَعَهُ إلَيْهِ، وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْهُ قالَ: أماتَهُ ثَلاثَةَ أيّامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ ورَفَعَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْهُ قالَ: تَوَفّى اللَّهُ عِيسى سَبْعَ ساعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ والحاكِمُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: رُفِعَ عِيسى وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ وهْبٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: طَهَّرَهُ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ ومِن كُفّارِ قَوْمِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: هم أهْلُ الإسْلامِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ عَلى فِطْرَتِهِ ومِلَّتِهِ وسُنَّتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ لا يُبالُونَ بِمَن خالَفَهم حَتّى يَأْتِيَ أمْرُ اللَّهِ» . قالَ النُّعْمانُ: مَن قالَ: إنِّي أقُولُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ما لَمْ يَقُلْ فَإنَّ تَصْدِيقَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ، قالَ اللَّهُ: ﴿وجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُعاوِيَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ ثُمَّ قَرَأ مُعاوِيَةُ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: النَّصارى فَوْقَ اليَهُودِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولَيْسَ بَلَدٌ فِيهِ أحَدٌ مِنَ النَّصارى إلّا وهم فَوْقَ اليَهُودِ في شَرْقٍ ولا غَرْبٍ، هم في البُلْدانِ كُلِّها مُسْتَذَلُّونَ.