Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — البقرة 2:270 – آل عمران 3:16

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. البقرة 2:270
  2. البقرة 2:271
  3. البقرة 2:272
  4. البقرة 2:273
  5. البقرة 2:274
  6. البقرة 2:275
  7. البقرة 2:276
  8. البقرة 2:277
  9. البقرة 2:278
  10. البقرة 2:279
  11. البقرة 2:280
  12. البقرة 2:281
  13. البقرة 2:282
  14. البقرة 2:283
  15. البقرة 2:284
  16. البقرة 2:285
  17. البقرة 2:286
  18. آل عمران 3:1
  19. آل عمران 3:2
  20. آل عمران 3:3
  21. آل عمران 3:4
  22. آل عمران 3:5
  23. آل عمران 3:6
  24. آل عمران 3:7
  25. آل عمران 3:8
  26. آل عمران 3:9
  27. آل عمران 3:10
  28. آل عمران 3:11
  29. آل عمران 3:12
  30. آل عمران 3:13
  31. آل عمران 3:14
  32. آل عمران 3:15
  33. آل عمران 3:16

البقرة 2:270

قَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: مِن جَيِّدِ ما كَسَبْتُمْ ومُخْتارِهِ، كَذا قالَ الجُمْهُورُ. وقالَ جَماعَةٌ: إنَّ مَعْنى الطَّيِّباتِ هُنا الحَلالُ. ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ جَيِّدَ الكَسْبِ ومُخْتارَهُ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الحَلالِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ، وإنْ أطْلَقَهُ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى ما هو جَيِّدٌ في نَفْسِهِ حَلالًا كانَ أوْ حَرامًا، فالحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى اللُّغَوِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وهي النَّباتاتُ والمَعادِنُ والرِّكازُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا المالَ الرَّدِيءَ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ولا تَأْمَمُوا " وهي لُغَةٌ. وقَرَأ أبُو مُسْلِمِ بْنُ خَبّابٍ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ " تَئْمَمُوا " بِهَمْزَةٍ بَعْدَ المَضْمُومَةِ. وفِي الآيَةِ الأمْرُ بِإنْفاقِ الطَّيِّبِ والنَّهْيُ عَنْ إنْفاقِ الخَبِيثِ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ الآيَةَ في الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها تَعُمُّ صَدَقَةَ الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ، وهو الظّاهِرُ، وسَيَأْتِي مِنَ الأدِلَّةِ ما يُؤَيِّدُ هَذا، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: مِنهُ تُنْفِقُونَ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ أيْ لا تَخُصُّوا الخَبِيثَ بِالإنْفاقِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ لا تَقْصِدُوا المالَ الخَبِيثَ مُخَصِّصِينَ الإنْفاقَ بِهِ قاصِرِينَ لَهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في مُعامَلاتِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ هَكَذا بَيَّنَ مَعْناهُ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ وجَدْتُمُوهُ في السُّوقِ يُباعُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ هو مِن أغْمَضَ الرَّجُلُ في أمْرِ كَذا: إذا تَساهَلَ ورَضِيَ بِبَعْضِ حَقِّهِ وتَجاوَزَ وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إلى كَمْ وكَمْ أشْياءُ مِنكِ تُرِيبُنِي أُغْمِضُ عَنْها لَسْتُ عَنْها بِذِي عَمى وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ مُخَفَّفًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ مُشَدِّدَةً وكَذَلِكَ قَرَأ قَتادَةُ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى مِن هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ: إلّا أنْ تَهْضِمُوا سَوْمَها مِنَ البائِعِ مِنكم، وعَلى الثّانِيَةِ: إلّا أنْ تَأْخُذُوا بِنُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ الجُمْهُورِ تَخْرُجُ عَلى التَّجاوُزِ أوْ عَلى تَغْمِيضِ العَيْنِ؛ لِأنَّ أغْمَضَ بِمَنزِلَةِ غَمَّضَ، وعَلى أنَّها بِمَعْنى حَتّى: أيْ حَتّى تَأْتُوا غامِضًا مِنَ التَّأْوِيلِ والنَّظَرِ في أخْذِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشَّيْطانِ واشْتِقاقُهُ. ويَعِدُكم مَعْناهُ يُخَوِّفُكُمُ الفَقْرَ: أيْ بِالفَقْرِ لِئَلّا تُنْفِقُوا، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها. وقُرِئَ " الفُقْرَ " بِضَمِّ الفاءِ وهي لُغَةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والفُقْرُ لُغَةٌ في الفَقْرِ، مِثْلُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ. والفَحْشاءُ (p-١٨٦)الخَصْلَةُ الفَحْشاءُ، وهي المَعاصِي والإنْفاقُ فِيها والبُخْلُ عَنِ الإنْفاقِ في الطّاعاتِ. قالَ في الكَشّافِ: والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ انْتَهى. ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ ولَكِنَّ العَرَبَ وإنْ أطْلَقَتْهُ عَلى البَخِيلِ فَذَلِكَ لا يُنافِي إطْلاقَهم لَهُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي، وقَدْ وقَعَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ الوَعْدُ في كَلامِ العَرَبِ إذا أُطْلِقَ فَهو في الخَيْرِ، وإذا قُيِّدَ فَقَدْ يُقَيَّدُ تارَةً بِالخَيْرِ وتارَةً بِالشَّرِّ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] ومِنهُ أيْضًا ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَقْيِيدِ وعْدِ الشَّيْطانِ بِالفَقْرِ، وتَقْيِيدِ وعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالمَغْفِرَةِ، والفَضْلِ. والمَغْفِرَةُ: السَّتْرُ عَلى عِبادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِذُنُوبِهِمْ وكَفّارَتِها، والفَضْلُ أنْ يُخْلِفَ عَلَيْهِمْ أفْضَلَ مِمّا أنْفَقُوا فَيُوَسِّعَ لَهم في أرْزاقِهِمْ ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِما هو أفْضَلُ وأكْثَرُ وأجَلُّ وأجْمَلُ. قَوْلُهُ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ هي العِلْمُ، وقِيلَ: الفَهْمُ، وقِيلَ: الإصابَةُ في القَوْلِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ شُمُولًا أوْ بَدَلًا، وقِيلَ: إنَّها النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: العَقْلُ، وقِيلَ: الخَشْيَةُ، وقِيلَ: الوَرَعُ، وأصْلُ الحِكْمَةِ ما يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ، وهو كُلُّ قَبِيحٍ. والمَعْنى: أنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَقَدْ أعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا: أيْ عَظِيمًا قَدْرُهُ جَلِيلًا خَطَرُهُ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ويَعْقُوبُ " ومَن يُؤْتِي " الحِكْمَةَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والألْبابُ: العُقُولُ، واحِدُها لُبٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ " ما " شَرْطِيَّةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِي أنْفَقْتُمُوهُ، وهَذا بَيانٌ لِحُكْمٍ عامٍّ يَشْمَلُ كُلَّ صَدَقَةٍ مَقْبُولَةٍ وغَيْرِ مَقْبُولَةٍ وكُلَّ نَذْرٍ مَقْبُولٍ أوْ غَيْرِ مَقْبُولٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فِيهِ مَعْنى الوَعْدِ لِمَن أنْفَقَ ونَذَرَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، والوَعِيدُ لِمَن جاءَ بِعَكْسِ ذَلِكَ. ووَحَّدَ الضَّمِيرَ مَعَ كَوْنِ مَرْجِعِهِ شَيْئَيْنِ، هُما النَّفَقَةُ والنَّذْرُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ أحَدُهُما اسْتِغْناءً بِالآخَرِ، قالَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ: إنَّ ما كانَ العَطْفُ فِيهِ بِكَلِمَةِ " أوْ " كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَإنَّهُ يُقالُ: أكْرَمْتُهُ ولا يُقالُ: أكْرَمْتُهُما، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ العَطْفَ بِـ " أوْ " يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ: تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وتَثْنِيَتُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] ومِنَ الأوَّلِ في العَطْفِ بِالواوِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَتُوضِحَ فالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها ∗∗∗ لِما نَسَجَتْهُ مِن جَنُوبٍ وشَمْألِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ ومِنهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ١٣٤] وقِيلَ: إنَّهُ إذا وُجِدَ الضَّمِيرُ بَعْدَ ذِكْرِ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ فَهو بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أيْ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ المَذْكُورَ، وبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ ورَجَّحَهُ القُرْطُبِيُّ وذَكَرَ مَعْناهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ في مُؤَلَّفاتِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ ما لِلظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الإثْمِ لِمُخالَفَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ مِن أنْصارٍ يَنْصُرُونَهم يَمْنَعُونَهم مِن عِقابِ اللَّهِ بِما ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِما يُفِيدُهُ السِّياقُ: أيْ ما الظّالِمِينَ بِأيِّ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مِن أنْصارٍ. قَوْلُهُ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وبِكَسْرِهِما وبِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ وبِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ. وقَدْ حَكى النَّحْوِيُّونَ في " نِعِمَّ " أرْبَعَ لُغاتٍ، وهي هَذِهِ الَّتِي قُرِئَ بِها، وفي هَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في الشَّرْطِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ: أيْ إنْ تُظْهِرُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّ شَيْئًا إظْهارُها، وإنْ تُخْفُوها تُصِيبُوا بِها مَصارِفَها مِنَ الفُقَراءِ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لا في صَدَقَةِ الفَرْضِ فَلا فَضِيلَةَ لِلْإخْفاءِ فِيها، بَلْ قَدْ قِيلَ: إنَّ الإظْهارَ فِيها أفْضَلُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ الإخْفاءَ أفْضَلُ في الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ. قَوْلُهُ: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ الأعْمَشُ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالنُّونِ والجَزْمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ الفاءِ والجَزْمِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ بِالنُّونِ ونَصْبِ الرّاءِ. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا بَعْدَ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ومَن قَرَأ بِالجَزْمِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الفاءِ وما بَعْدَها. ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَعَلى تَقْدِيرِ " أنْ " . قالَ سِيبَوَيْهِ: والرَّفْعُ هاهُنا الوَجْهُ الجَيِّدُ، وأجازَ الجَزْمَ بِتَأْوِيلِ وإنْ تُخْفُوها يَكُنِ الإخْفاءُ خَيْرًا لَكم ويُكَفِّرْ، وبِمِثْلِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ قالَ الخَلِيلُ. ومَن في قَوْلِهِ: ﴿مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ شَيْئًا مِن سَيِّئاتِكم. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّها زائِدَةٌ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ وكُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكاةٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ التِّجارَةِ ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ الثِّمارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ فِينا مَعْشَرَ (p-١٨٧)الأنْصارِ، كُنّا أصْحابَ نَخْلٍ وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِن نَخْلِهِ عَلى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وقِلَّتِهِ، وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالقِنْوِ والقِنْوَيْنِ فَيُعَلِّقُهُ في المَسْجِدِ، وكانَ أهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهم طَعامٌ، فَكانَ أحَدُهم إذا جاعَ أتى القِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ فَيَسْقُطُ البُسْرُ والتَّمْرُ فَيَأْكُلُ، وكانَ ناسٌ مِمَّنْ لا يَرْغَبُ في الخَيْرِ يَأْتِي الرَّجُلُ بِالقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ والحَشَفُ وبِالقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ أحَدَكم أُهْدِيَ إلَيْهِ مِثْلُ ما أعْطى لَمْ يَأْخُذْهُ إلّا عَلى إغْماضٍ وحَياءٍ، قالَ: فَكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي أحَدُنا بِصالِحِ ما عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ لَهُ الحائِطانِ فَيَنْظُرُ إلى أرْدَئِهِما تَمْرًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ويَخْلِطُ بِهِ الحَشَفَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَعابَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ونَهاهم عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِيهِ قالَ: «لَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ فَجاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ رَدِيءٍ، فَأمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الَّذِي يَخْرُصُ النَّخْلَ أنْ لا يُجِيزَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ هَذِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن جاءَ بِهَذا ؟ وكانَ كُلُّ مَن جاءَ بِشَيْءٍ نُسِبَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ الآيَةَ. «ونَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ لَوْنَيْنِ مِنَ التَّمْرِ أنْ يُوجَدُوا في الصَّدَقَةِ، الجُعْرُورُ ولَوْنُ الحُبَيْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَشْتَرُونَ الطَّعامَ الرَّخِيصَ ويَتَصَدَّقُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾ الآيَةَ، فَقالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، كانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إلى التَّمْرِ، فَيَصْرِمُهُ، فَيَعْزِلُ الجَيِّدَ ناحِيَةً، فَإذا جاءَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ أعْطاهُ مِنَ الرَّدِيءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ ناسِخِهِ ومَنسُوخِهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، ومُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ، وحَلالِهِ وحَرامِهِ وأمْثالِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ: أنَّها القُرْآنُ يَعْنِي تَفْسِيرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّها النُّبُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّها الفِقْهُ في القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ قالَ: قِراءَةَ القُرْآنِ والفِكْرَةَ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي الكِتابُ والفَهْمُ بِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الكِتابُ يُؤْتِي إصابَتَهُ مَن يَشاءُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: هي الإصابَةُ في القَوْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي الخَشْيَةُ لِلَّهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ قالَ: يُحْصِيهِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في نَذْرِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ ما هو مَعْرُوفٌ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وقَوْلِهِ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» وقَوْلِهِ: «النَّذْرُ ما ابْتُغِي بِهِ وجْهُ اللَّهِ» وثَبَتَ عَنْهُ في كَفّارَةِ النَّذْرِ ما هو مَعْرُوفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي﴾ الآيَةَ، قالَ: فَجَعَلَ السِّرَّ في التَّطَوُّعِ يَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا. وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا يُعْمَلُ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ بَراءَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِفَرائِضِ الصَّدَقاتِ وتَفْصِيلَها انْتَهَتِ الصَّدَقاتُ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا مَنسُوخٌ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ قالَ: مَنسُوخٌ، نَسَخَ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ - الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ مَرْفُوعَةٌ.

البقرة 2:271

قَوْلُهُ: ﴿مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ أيْ: مِن جَيِّدِ ما كَسَبْتُمْ ومُخْتارِهِ، كَذا قالَ الجُمْهُورُ. وقالَ جَماعَةٌ: إنَّ مَعْنى الطَّيِّباتِ هُنا الحَلالُ. ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ جَيِّدَ الكَسْبِ ومُخْتارَهُ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الحَلالِ عِنْدَ أهْلِ الشَّرْعِ، وإنْ أطْلَقَهُ أهْلُ اللُّغَةِ عَلى ما هو جَيِّدٌ في نَفْسِهِ حَلالًا كانَ أوْ حَرامًا، فالحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى اللُّغَوِيَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ أيْ: ومِن طَيِّباتِ ما أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ، وحُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وهي النَّباتاتُ والمَعادِنُ والرِّكازُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ أيْ: لا تَقْصِدُوا المالَ الرَّدِيءَ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ حَرْفِ المُضارَعَةِ وتَخْفِيفِ الياءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ " ولا تَأْمَمُوا " وهي لُغَةٌ. وقَرَأ أبُو مُسْلِمِ بْنُ خَبّابٍ بِضَمِّ الفَوْقِيَّةِ وكَسْرِ المِيمِ. وحَكى أبُو عَمْرٍو أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ " تَئْمَمُوا " بِهَمْزَةٍ بَعْدَ المَضْمُومَةِ. وفِي الآيَةِ الأمْرُ بِإنْفاقِ الطَّيِّبِ والنَّهْيُ عَنْ إنْفاقِ الخَبِيثِ. وقَدْ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّ الآيَةَ في الصَّدَقَةِ المَفْرُوضَةِ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّها تَعُمُّ صَدَقَةَ الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ، وهو الظّاهِرُ، وسَيَأْتِي مِنَ الأدِلَّةِ ما يُؤَيِّدُ هَذا، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ في قَوْلِهِ: مِنهُ تُنْفِقُونَ يُفِيدُ التَّخْصِيصَ أيْ لا تَخُصُّوا الخَبِيثَ بِالإنْفاقِ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ لا تَقْصِدُوا المالَ الخَبِيثَ مُخَصِّصِينَ الإنْفاقَ بِهِ قاصِرِينَ لَهُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ﴾ أيْ: والحالُ أنَّكم لا تَأْخُذُونَهُ في مُعامَلاتِكم في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ هَكَذا بَيَّنَ مَعْناهُ الجُمْهُورُ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ لَوْ وجَدْتُمُوهُ في السُّوقِ يُباعُ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ هو مِن أغْمَضَ الرَّجُلُ في أمْرِ كَذا: إذا تَساهَلَ ورَضِيَ بِبَعْضِ حَقِّهِ وتَجاوَزَ وغَضَّ بَصَرَهُ عَنْهُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إلى كَمْ وكَمْ أشْياءُ مِنكِ تُرِيبُنِي أُغْمِضُ عَنْها لَسْتُ عَنْها بِذِي عَمى وقَرَأ الزُّهْرِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ مُخَفَّفًا. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قَرَأ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الغَيْنِ وكَسْرِ المِيمِ مُشَدِّدَةً وكَذَلِكَ قَرَأ قَتادَةُ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى مِن هاتَيْنِ القِراءَتَيْنِ: إلّا أنْ تَهْضِمُوا سَوْمَها مِنَ البائِعِ مِنكم، وعَلى الثّانِيَةِ: إلّا أنْ تَأْخُذُوا بِنُقْصانٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقِراءَةُ الجُمْهُورِ تَخْرُجُ عَلى التَّجاوُزِ أوْ عَلى تَغْمِيضِ العَيْنِ؛ لِأنَّ أغْمَضَ بِمَنزِلَةِ غَمَّضَ، وعَلى أنَّها بِمَعْنى حَتّى: أيْ حَتّى تَأْتُوا غامِضًا مِنَ التَّأْوِيلِ والنَّظَرِ في أخْذِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الفَقْرَ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشَّيْطانِ واشْتِقاقُهُ. ويَعِدُكم مَعْناهُ يُخَوِّفُكُمُ الفَقْرَ: أيْ بِالفَقْرِ لِئَلّا تُنْفِقُوا، فَهَذِهِ الآيَةُ مُتَّصِلَةٌ بِما قَبْلَها. وقُرِئَ " الفُقْرَ " بِضَمِّ الفاءِ وهي لُغَةٌ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والفُقْرُ لُغَةٌ في الفَقْرِ، مِثْلُ الضَّعْفِ والضُّعْفِ. والفَحْشاءُ (p-١٨٦)الخَصْلَةُ الفَحْشاءُ، وهي المَعاصِي والإنْفاقُ فِيها والبُخْلُ عَنِ الإنْفاقِ في الطّاعاتِ. قالَ في الكَشّافِ: والفاحِشُ عِنْدَ العَرَبِ البَخِيلُ انْتَهى. ومِنهُ قَوْلُ طَرَفَةَ بْنِ العَبْدِ: ؎أرى المَوْتَ يَعْتامُ الكِرامَ ويَصْطَفِي ∗∗∗ عَقِيلَةَ مالِ الفاحِشِ المُتَشَدِّدِ ولَكِنَّ العَرَبَ وإنْ أطْلَقَتْهُ عَلى البَخِيلِ فَذَلِكَ لا يُنافِي إطْلاقَهم لَهُ عَلى غَيْرِهِ مِنَ المَعاصِي، وقَدْ وقَعَ كَثِيرًا في كَلامِهِمْ. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ يَعِدُكم مَغْفِرَةً مِنهُ وفَضْلًا﴾ الوَعْدُ في كَلامِ العَرَبِ إذا أُطْلِقَ فَهو في الخَيْرِ، وإذا قُيِّدَ فَقَدْ يُقَيَّدُ تارَةً بِالخَيْرِ وتارَةً بِالشَّرِّ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ وعَدَها اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحج: ٧٢] ومِنهُ أيْضًا ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَقْيِيدِ وعْدِ الشَّيْطانِ بِالفَقْرِ، وتَقْيِيدِ وعْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِالمَغْفِرَةِ، والفَضْلِ. والمَغْفِرَةُ: السَّتْرُ عَلى عِبادِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ لِذُنُوبِهِمْ وكَفّارَتِها، والفَضْلُ أنْ يُخْلِفَ عَلَيْهِمْ أفْضَلَ مِمّا أنْفَقُوا فَيُوَسِّعَ لَهم في أرْزاقِهِمْ ويُنْعِمَ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بِما هو أفْضَلُ وأكْثَرُ وأجَلُّ وأجْمَلُ. قَوْلُهُ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ هي العِلْمُ، وقِيلَ: الفَهْمُ، وقِيلَ: الإصابَةُ في القَوْلِ، ولا مانِعَ مِنَ الحَمْلِ عَلى الجَمِيعِ شُمُولًا أوْ بَدَلًا، وقِيلَ: إنَّها النُّبُوَّةُ، وقِيلَ: العَقْلُ، وقِيلَ: الخَشْيَةُ، وقِيلَ: الوَرَعُ، وأصْلُ الحِكْمَةِ ما يَمْنَعُ مِنَ السَّفَهِ، وهو كُلُّ قَبِيحٍ. والمَعْنى: أنَّ مَن أعْطاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ فَقَدْ أعْطاهُ خَيْرًا كَثِيرًا: أيْ عَظِيمًا قَدْرُهُ جَلِيلًا خَطَرُهُ. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ ويَعْقُوبُ " ومَن يُؤْتِي " الحِكْمَةَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأهُ الجُمْهُورُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والألْبابُ: العُقُولُ، واحِدُها لُبٌّ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ فِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ﴾ " ما " شَرْطِيَّةٌ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، والعائِدُ مَحْذُوفٌ: أيِ الَّذِي أنْفَقْتُمُوهُ، وهَذا بَيانٌ لِحُكْمٍ عامٍّ يَشْمَلُ كُلَّ صَدَقَةٍ مَقْبُولَةٍ وغَيْرِ مَقْبُولَةٍ وكُلَّ نَذْرٍ مَقْبُولٍ أوْ غَيْرِ مَقْبُولٍ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فِيهِ مَعْنى الوَعْدِ لِمَن أنْفَقَ ونَذَرَ عَلى الوَجْهِ المَقْبُولِ، والوَعِيدُ لِمَن جاءَ بِعَكْسِ ذَلِكَ. ووَحَّدَ الضَّمِيرَ مَعَ كَوْنِ مَرْجِعِهِ شَيْئَيْنِ، هُما النَّفَقَةُ والنَّذْرُ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: وما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُها، أوْ نَذَرْتُمْ مِن نَذْرٍ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، ثُمَّ حُذِفَ أحَدُهُما اسْتِغْناءً بِالآخَرِ، قالَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ: إنَّ ما كانَ العَطْفُ فِيهِ بِكَلِمَةِ " أوْ " كَما في قَوْلِكَ: زَيْدٌ أوْ عَمْرٌو، فَإنَّهُ يُقالُ: أكْرَمْتُهُ ولا يُقالُ: أكْرَمْتُهُما، والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ العَطْفَ بِـ " أوْ " يَجُوزُ فِيهِ الأمْرانِ: تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَأوْا تِجارَةً أوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إلَيْها﴾ [الجمعة: ١١] وقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ [النساء: ١١٢]، وتَثْنِيَتُهُ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ [النساء: ١٣٥] ومِنَ الأوَّلِ في العَطْفِ بِالواوِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎فَتُوضِحَ فالمِقْراةِ لَمْ يَعْفُ رَسْمُها ∗∗∗ لِما نَسَجَتْهُ مِن جَنُوبٍ وشَمْألِ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ ومِنهُ: ﴿والَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ولا يُنْفِقُونَها﴾ [التوبة: ١٣٤] وقِيلَ: إنَّهُ إذا وُجِدَ الضَّمِيرُ بَعْدَ ذِكْرِ شَيْئَيْنِ أوْ أشْياءَ فَهو بِتَأْوِيلِ المَذْكُورِ، أيْ فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ المَذْكُورَ، وبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ ورَجَّحَهُ القُرْطُبِيُّ وذَكَرَ مَعْناهُ كَثِيرٌ مِنَ النُّحاةِ في مُؤَلَّفاتِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ أيْ ما لِلظّالِمِينَ أنْفُسَهم بِما وقَعُوا فِيهِ مِنَ الإثْمِ لِمُخالَفَةِ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنَ الإنْفاقِ في وُجُوهِ الخَيْرِ مِن أنْصارٍ يَنْصُرُونَهم يَمْنَعُونَهم مِن عِقابِ اللَّهِ بِما ظَلَمُوا بِهِ أنْفُسَهم والأوْلى الحَمْلُ عَلى العُمُومِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ لِما يُفِيدُهُ السِّياقُ: أيْ ما الظّالِمِينَ بِأيِّ مَظْلَمَةٍ كانَتْ مِن أنْصارٍ. قَوْلُهُ ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي﴾ قُرِئَ بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ العَيْنِ وبِكَسْرِهِما وبِكَسْرِ النُّونِ وسُكُونِ العَيْنِ وبِكَسْرِ النُّونِ وإخْفاءِ حَرَكَةِ العَيْنِ. وقَدْ حَكى النَّحْوِيُّونَ في " نِعِمَّ " أرْبَعَ لُغاتٍ، وهي هَذِهِ الَّتِي قُرِئَ بِها، وفي هَذا نَوْعُ تَفْصِيلٍ لِما أُجْمِلَ في الشَّرْطِيَّةِ المُتَقَدِّمَةِ: أيْ إنْ تُظْهِرُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّ شَيْئًا إظْهارُها، وإنْ تُخْفُوها تُصِيبُوا بِها مَصارِفَها مِنَ الفُقَراءِ فالإخْفاءُ خَيْرٌ لَكم. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لا في صَدَقَةِ الفَرْضِ فَلا فَضِيلَةَ لِلْإخْفاءِ فِيها، بَلْ قَدْ قِيلَ: إنَّ الإظْهارَ فِيها أفْضَلُ، وقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ الإخْفاءَ أفْضَلُ في الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ. قَوْلُهُ: ﴿ويُكَفِّرُ عَنْكم مِن سَيِّئاتِكم﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ بِالياءِ والرَّفْعِ. وقَرَأ الأعْمَشُ ونافِعٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالنُّونِ والجَزْمِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ وفَتْحِ الفاءِ والجَزْمِ. وقَرَأ الحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الجُعْفِيُّ بِالنُّونِ ونَصْبِ الرّاءِ. فَمَن قَرَأ بِالرَّفْعِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ جَوابًا بَعْدَ الفاءِ، أوْ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ. ومَن قَرَأ بِالجَزْمِ فَهو مَعْطُوفٌ عَلى الفاءِ وما بَعْدَها. ومَن قَرَأ بِالنَّصْبِ فَعَلى تَقْدِيرِ " أنْ " . قالَ سِيبَوَيْهِ: والرَّفْعُ هاهُنا الوَجْهُ الجَيِّدُ، وأجازَ الجَزْمَ بِتَأْوِيلِ وإنْ تُخْفُوها يَكُنِ الإخْفاءُ خَيْرًا لَكم ويُكَفِّرْ، وبِمِثْلِ قَوْلِ سِيبَوَيْهِ قالَ الخَلِيلُ. ومَن في قَوْلِهِ: ﴿مِن سَيِّئاتِكُمْ﴾ لِلتَّبْعِيضِ: أيْ شَيْئًا مِن سَيِّئاتِكم. وحَكى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ أنَّها زائِدَةٌ، وذَلِكَ عَلى رَأْيِ الأخْفَشِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ مِنهم خَطَأٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي مِنَ الحَبِّ والثَّمَرِ وكُلِّ شَيْءٍ عَلَيْهِ زَكاةٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: مِنَ التِّجارَةِ ﴿ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: مِنَ الثِّمارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ فِينا مَعْشَرَ (p-١٨٧)الأنْصارِ، كُنّا أصْحابَ نَخْلٍ وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي مِن نَخْلِهِ عَلى قَدْرِ كَثْرَتِهِ وقِلَّتِهِ، وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِالقِنْوِ والقِنْوَيْنِ فَيُعَلِّقُهُ في المَسْجِدِ، وكانَ أهْلُ الصُّفَّةِ لَيْسَ لَهم طَعامٌ، فَكانَ أحَدُهم إذا جاعَ أتى القِنْوَ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ فَيَسْقُطُ البُسْرُ والتَّمْرُ فَيَأْكُلُ، وكانَ ناسٌ مِمَّنْ لا يَرْغَبُ في الخَيْرِ يَأْتِي الرَّجُلُ بِالقِنْوِ فِيهِ الشِّيصُ والحَشَفُ وبِالقِنْوِ قَدِ انْكَسَرَ فَيُعَلِّقُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِن طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ ومِمّا أخْرَجْنا لَكم مِنَ الأرْضِ ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ مِنهُ تُنْفِقُونَ ولَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إلّا أنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ أحَدَكم أُهْدِيَ إلَيْهِ مِثْلُ ما أعْطى لَمْ يَأْخُذْهُ إلّا عَلى إغْماضٍ وحَياءٍ، قالَ: فَكُنّا بَعْدَ ذَلِكَ يَأْتِي أحَدُنا بِصالِحِ ما عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ لَهُ الحائِطانِ فَيَنْظُرُ إلى أرْدَئِهِما تَمْرًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ ويَخْلِطُ بِهِ الحَشَفَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ، فَعابَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ونَهاهم عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبِيهِ قالَ: «لَمّا أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصَدَقَةِ الفِطْرِ فَجاءَ رَجُلٌ بِتَمْرٍ رَدِيءٍ، فَأمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الَّذِي يَخْرُصُ النَّخْلَ أنْ لا يُجِيزَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى الآيَةَ هَذِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: مَن جاءَ بِهَذا ؟ وكانَ كُلُّ مَن جاءَ بِشَيْءٍ نُسِبَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَيَمَّمُوا الخَبِيثَ﴾ الآيَةَ. «ونَهى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ لَوْنَيْنِ مِنَ التَّمْرِ أنْ يُوجَدُوا في الصَّدَقَةِ، الجُعْرُورُ ولَوْنُ الحُبَيْقِ» وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَشْتَرُونَ الطَّعامَ الرَّخِيصَ ويَتَصَدَّقُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: سَألْتُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا﴾ الآيَةَ، فَقالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ، كانَ الرَّجُلُ يَعْمِدُ إلى التَّمْرِ، فَيَصْرِمُهُ، فَيَعْزِلُ الجَيِّدَ ناحِيَةً، فَإذا جاءَ صاحِبُ الصَّدَقَةِ أعْطاهُ مِنَ الرَّدِيءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: المَعْرِفَةُ بِالقُرْآنِ ناسِخِهِ ومَنسُوخِهِ، مُحْكَمِهِ ومُتَشابِهِهِ، ومُقَدَّمِهِ ومُؤَخَّرِهِ، وحَلالِهِ وحَرامِهِ وأمْثالِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ: أنَّها القُرْآنُ يَعْنِي تَفْسِيرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ أنَّها النُّبُوَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: إنَّها الفِقْهُ في القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ ﴿يُؤْتِي الحِكْمَةَ﴾ قالَ: قِراءَةَ القُرْآنِ والفِكْرَةَ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي الكِتابُ والفَهْمُ بِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ النَّخَعِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي الكِتابُ يُؤْتِي إصابَتَهُ مَن يَشاءُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: هي الإصابَةُ في القَوْلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي الخَشْيَةُ لِلَّهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ قالَ: يُحْصِيهِ. وقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في نَذْرِ الطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ في الصَّحِيحِ وغَيْرِهِ ما هو مَعْرُوفٌ كَقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا نَذْرَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» وقَوْلِهِ: «مَن نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، ومَن نَذَرَ أنْ يَعْصِيَهُ فَلا يَعْصِهِ» وقَوْلِهِ: «النَّذْرُ ما ابْتُغِي بِهِ وجْهُ اللَّهِ» وثَبَتَ عَنْهُ في كَفّارَةِ النَّذْرِ ما هو مَعْرُوفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمّا هي﴾ الآيَةَ، قالَ: فَجَعَلَ السِّرَّ في التَّطَوُّعِ يَفْضُلُ عَلانِيَتَها سَبْعِينَ ضِعْفًا، وجَعَلَ صَدَقَةَ الفَرِيضَةِ عَلانِيَتَها أفْضَلَ مِن سِرِّها بِخَمْسَةٍ وعِشْرِينَ ضِعْفًا. وكَذَلِكَ جَمِيعُ الفَرائِضِ والنَّوافِلِ في الأشْياءِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا يُعْمَلُ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ بَراءَةٌ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِفَرائِضِ الصَّدَقاتِ وتَفْصِيلَها انْتَهَتِ الصَّدَقاتُ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا مَنسُوخٌ. وقَوْلُهُ: ﴿فِي أمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ والمَحْرُومِ﴾ قالَ: مَنسُوخٌ، نَسَخَ كُلَّ صَدَقَةٍ في القُرْآنِ - الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ التَّوْبَةِ ﴿إنَّما الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ﴾ وقَدْ ورَدَ في فَضْلِ صَدَقَةِ السِّرِّ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ مَرْفُوعَةٌ.

البقرة 2:272

قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ أيْ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ قابِلِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَةً تُوصِلُهُ إلى المَطْلُوبِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ وفِيها الِالتِفاتُ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الخَيْرِ كائِنًا ما كانَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَ كائِنًا مِن خَيْرٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ النَّفَقَةَ المُعْتَدَّ بِها المَقْبُولَةَ إنَّما هي ما كانَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: يُوَفَّ إلَيْكم أيْ: أجْرُهُ وثَوابُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّضْعِيفِ. قَوْلُهُ: لِلْفُقَراءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اجْعَلُوا ذَلِكَ لِلْفُقَراءِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إنْفاقُكم لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ (p-١٨٨)أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِالغَزْوِ أوِ الجِهادِ، وقِيلَ: مُنِعُوا عَنِ التَّكَسُّبِ لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ لِلتَّكَسُّبِ بِالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ بِسَبَبِ ضَعْفِهِمْ، قِيلَ: هم فُقَراءُ الصُّفَّةِ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِالفَقْرِ وما ذُكِرَ مَعَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن أحْوالِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عَلَيْهِمْ والشَّفَقَةَ بِهِمْ، وهو كَوْنُهم مُتَعَفِّفِينَ عَنِ المَسْألَةِ وإظْهارِ المَسْكَنَةِ بِحَيْثُ يَظُنُّهُمُ الجاهِلُ بِهِمْ أغْنِياءَ. والتَّعَفُّفُ تَفَعُّلٌ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ: إذا أمْسَكَ عَنْهُ وتَنَزَّهَ عَنْ طَلَبِهِ، وفي يَحْسَبُهم لُغَتانِ: فَتْحُ السِّينِ، وكَسْرُها. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والفَتْحُ أقْيَسُ؛ لِأنَّ العَيْنَ مِنَ الماضِي مَكْسُورَةٌ، فَبابُها أنْ تَأْتِيَ في المُضارِعِ مَفْتُوحَةً. فالقِراءَةُ بِالكَسْرِ عَلى هَذا حَسَنَةٌ وإنْ كانَتْ شاذَّةً. و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ التَّعَفُّفِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ بِرَثاثَةِ ثِيابِهِمْ وضَعْفِ أبْدانِهِمْ وكُلِّ ما يُشْعِرُ بِالفَقْرِ والحاجَةِ. والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ، والسِّيما مَقْصُورَةً: العَلامَةُ، وقَدْ تُمَدُّ. والإلْحافُ: الإلْحاحُ في المَسْألَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّحافِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى وُجُوهِ الطَّلَبِ في المَسْألَةِ كاشْتِمالِ اللِّحافِ عَلى التَّغْطِيَةِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ أنَّهم لا يَسْألُونَهم ألْبَتَّةَ، لا سُؤالَ إلْحاحٍ، ولا سُؤالَ غَيْرِ إلْحاحٍ. وبِهِ قالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ووَجْهُهُ أنَّ التَّعَفُّفَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ يُنافِيها، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم إذا سَألُوا سَألُوا بِتَلَطُّفٍ ولا يُلْحِفُونَ في سُؤالِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ هو الظّاهِرُ مِن تَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى القَيْدِ دُونَ المُقَيَّدِ، لَكِنَّ صِفَةَ التَّعَفُّفِ تُنافِيهِ، وأيْضًا كَوْنُ الجاهِلِ بِهِمْ يَحْسَبُهم أغْنِياءَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ عَدَمِ السُّؤالِ ألْبَتَّةَ. وقَوْلُهُ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ يُفِيدُ زِيادَةَ رَغْبَتِهِمْ في الإنْفاقِ وشِدَّةَ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ حَتّى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ لَيْلًا ولا نَهارًا، ويَفْعَلُونَهُ سِرًّا وجَهْرًا عِنْدَ أنْ تَنْزِلَ بِهِمْ حاجَةُ المُحْتاجِينَ، ويَظْهَرَ لَدَيْهِمْ فاقَةُ المُفْتاقِينَ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ. ودُخُولُ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ أعْنِي قَوْلَهُ: فَلَهم أجْرُهم لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، وقِيلَ: هي لِلْعَطْفِ، والخَبَرُ لِلْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ: أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَرْضَخُوا لِأنْسابِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ فَرَخَّصَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ عَنْهُ قالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَأْمُرُنا أنْ لا نَتَصَدَّقَ إلّا عَلى أهْلِ الإسْلامِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَ بِالصَّدَقَةِ بَعْدَها عَلى كُلِّ مَن سَألَكَ مِن كُلِّ دِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم نَسَبٌ وقَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وكانَ يَتَّقُونَ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ ويُرِيدُونَهم أنْ يُسْلِمُوا، فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرٍو الهِلالِيِّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنَتَصَدَّقُ عَلى فُقَراءِ أهْلِ الكِتابِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ قالَ: إذا أعْطَيْتَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَلا عَلَيْكَ ما كانَ عَمَلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ الصُّفَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم مُهاجِرُو قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: حَصَرُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ لِلْغَزْوِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تِجارَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هم قَوْمٌ أصابَتْهُمُ الجِراحاتُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَصارُوا زَمْنى، فَجَعَلَ لَهم في أمْوالِ المُسْلِمِينَ حَقًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ قالَ: لا يَسْتَطِيعُونَ تِجارَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ قالَ: دَلَّ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ نَفَقاتِهِمْ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَضَعُوا نَفَقاتِهِمْ فِيهِمْ ورَضِيَ عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهم﴾ قالَ: التَّجَشُّعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ مَعْناهُ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمُ الجُهْدَ مِنَ الحاجَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ قالَ: رَثاثَةُ ثِيابِهِمْ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، واللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، إنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾» وقَدْ ورَدَ في تَحْرِيمِ المَسْألَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ إلّا لِذِي سُلْطانٍ أوْ في أمْرٍ لا يَجِدُ مِنهُ بُدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَرِيبٍ المُلَيْكِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ في أصْحابِ الخَيْلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ نَحْوَهُ قالَ: فِيمَن لا يَرْبُطُها خُيَلاءَ ولا رِياءً ولا سُمْعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ (p-١٨٩)حَنَشٍ الصَّنْعانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ الَّذِينَ يَعْلِفُونَ الخَيْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَ بِاللَّيْلِ دِرْهَمًا، وبِالنَّهارِ دِرْهَمًا، ودِرْهَمًا سِرًّا، ودِرْهَمًا عَلانِيَةً. وعَبْدُ الوَهّابِ ضَعِيفٌ ولَكِنْ قَدْ رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ أنْفَقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ ولا تَبْذِيرٍ ولا فَسادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ في نَفَقَتِهِمْ في جَيْشِ العُسْرَةِ.

البقرة 2:273

قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ أيْ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ قابِلِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَةً تُوصِلُهُ إلى المَطْلُوبِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ وفِيها الِالتِفاتُ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الخَيْرِ كائِنًا ما كانَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَ كائِنًا مِن خَيْرٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ النَّفَقَةَ المُعْتَدَّ بِها المَقْبُولَةَ إنَّما هي ما كانَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: يُوَفَّ إلَيْكم أيْ: أجْرُهُ وثَوابُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّضْعِيفِ. قَوْلُهُ: لِلْفُقَراءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اجْعَلُوا ذَلِكَ لِلْفُقَراءِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إنْفاقُكم لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ (p-١٨٨)أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِالغَزْوِ أوِ الجِهادِ، وقِيلَ: مُنِعُوا عَنِ التَّكَسُّبِ لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ لِلتَّكَسُّبِ بِالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ بِسَبَبِ ضَعْفِهِمْ، قِيلَ: هم فُقَراءُ الصُّفَّةِ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِالفَقْرِ وما ذُكِرَ مَعَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن أحْوالِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عَلَيْهِمْ والشَّفَقَةَ بِهِمْ، وهو كَوْنُهم مُتَعَفِّفِينَ عَنِ المَسْألَةِ وإظْهارِ المَسْكَنَةِ بِحَيْثُ يَظُنُّهُمُ الجاهِلُ بِهِمْ أغْنِياءَ. والتَّعَفُّفُ تَفَعُّلٌ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ: إذا أمْسَكَ عَنْهُ وتَنَزَّهَ عَنْ طَلَبِهِ، وفي يَحْسَبُهم لُغَتانِ: فَتْحُ السِّينِ، وكَسْرُها. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والفَتْحُ أقْيَسُ؛ لِأنَّ العَيْنَ مِنَ الماضِي مَكْسُورَةٌ، فَبابُها أنْ تَأْتِيَ في المُضارِعِ مَفْتُوحَةً. فالقِراءَةُ بِالكَسْرِ عَلى هَذا حَسَنَةٌ وإنْ كانَتْ شاذَّةً. و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ التَّعَفُّفِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ بِرَثاثَةِ ثِيابِهِمْ وضَعْفِ أبْدانِهِمْ وكُلِّ ما يُشْعِرُ بِالفَقْرِ والحاجَةِ. والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ، والسِّيما مَقْصُورَةً: العَلامَةُ، وقَدْ تُمَدُّ. والإلْحافُ: الإلْحاحُ في المَسْألَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّحافِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى وُجُوهِ الطَّلَبِ في المَسْألَةِ كاشْتِمالِ اللِّحافِ عَلى التَّغْطِيَةِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ أنَّهم لا يَسْألُونَهم ألْبَتَّةَ، لا سُؤالَ إلْحاحٍ، ولا سُؤالَ غَيْرِ إلْحاحٍ. وبِهِ قالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ووَجْهُهُ أنَّ التَّعَفُّفَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ يُنافِيها، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم إذا سَألُوا سَألُوا بِتَلَطُّفٍ ولا يُلْحِفُونَ في سُؤالِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ هو الظّاهِرُ مِن تَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى القَيْدِ دُونَ المُقَيَّدِ، لَكِنَّ صِفَةَ التَّعَفُّفِ تُنافِيهِ، وأيْضًا كَوْنُ الجاهِلِ بِهِمْ يَحْسَبُهم أغْنِياءَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ عَدَمِ السُّؤالِ ألْبَتَّةَ. وقَوْلُهُ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ يُفِيدُ زِيادَةَ رَغْبَتِهِمْ في الإنْفاقِ وشِدَّةَ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ حَتّى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ لَيْلًا ولا نَهارًا، ويَفْعَلُونَهُ سِرًّا وجَهْرًا عِنْدَ أنْ تَنْزِلَ بِهِمْ حاجَةُ المُحْتاجِينَ، ويَظْهَرَ لَدَيْهِمْ فاقَةُ المُفْتاقِينَ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ. ودُخُولُ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ أعْنِي قَوْلَهُ: فَلَهم أجْرُهم لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، وقِيلَ: هي لِلْعَطْفِ، والخَبَرُ لِلْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ: أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَرْضَخُوا لِأنْسابِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ فَرَخَّصَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ عَنْهُ قالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَأْمُرُنا أنْ لا نَتَصَدَّقَ إلّا عَلى أهْلِ الإسْلامِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَ بِالصَّدَقَةِ بَعْدَها عَلى كُلِّ مَن سَألَكَ مِن كُلِّ دِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم نَسَبٌ وقَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وكانَ يَتَّقُونَ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ ويُرِيدُونَهم أنْ يُسْلِمُوا، فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرٍو الهِلالِيِّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنَتَصَدَّقُ عَلى فُقَراءِ أهْلِ الكِتابِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ قالَ: إذا أعْطَيْتَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَلا عَلَيْكَ ما كانَ عَمَلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ الصُّفَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم مُهاجِرُو قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: حَصَرُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ لِلْغَزْوِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تِجارَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هم قَوْمٌ أصابَتْهُمُ الجِراحاتُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَصارُوا زَمْنى، فَجَعَلَ لَهم في أمْوالِ المُسْلِمِينَ حَقًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ قالَ: لا يَسْتَطِيعُونَ تِجارَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ قالَ: دَلَّ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ نَفَقاتِهِمْ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَضَعُوا نَفَقاتِهِمْ فِيهِمْ ورَضِيَ عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهم﴾ قالَ: التَّجَشُّعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ مَعْناهُ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمُ الجُهْدَ مِنَ الحاجَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ قالَ: رَثاثَةُ ثِيابِهِمْ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، واللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، إنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾» وقَدْ ورَدَ في تَحْرِيمِ المَسْألَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ إلّا لِذِي سُلْطانٍ أوْ في أمْرٍ لا يَجِدُ مِنهُ بُدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَرِيبٍ المُلَيْكِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ في أصْحابِ الخَيْلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ نَحْوَهُ قالَ: فِيمَن لا يَرْبُطُها خُيَلاءَ ولا رِياءً ولا سُمْعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ (p-١٨٩)حَنَشٍ الصَّنْعانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ الَّذِينَ يَعْلِفُونَ الخَيْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَ بِاللَّيْلِ دِرْهَمًا، وبِالنَّهارِ دِرْهَمًا، ودِرْهَمًا سِرًّا، ودِرْهَمًا عَلانِيَةً. وعَبْدُ الوَهّابِ ضَعِيفٌ ولَكِنْ قَدْ رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ أنْفَقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ ولا تَبْذِيرٍ ولا فَسادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ في نَفَقَتِهِمْ في جَيْشِ العُسْرَةِ.

البقرة 2:274

قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ أيْ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْكَ أنْ تَجْعَلَهم مَهْدِيِّينَ قابِلِينَ لِما أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ هِدايَةً تُوصِلُهُ إلى المَطْلُوبِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ وفِيها الِالتِفاتُ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ، والمُرادُ بِقَوْلِهِ: مِن خَيْرٍ كُلُّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ اسْمُ الخَيْرِ كائِنًا ما كانَ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ تُنْفِقُونَ كائِنًا مِن خَيْرٍ، ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ النَّفَقَةَ المُعْتَدَّ بِها المَقْبُولَةَ إنَّما هي ما كانَ ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ سُبْحانَهُ: أيْ لِابْتِغاءِ وجْهِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: يُوَفَّ إلَيْكم أيْ: أجْرُهُ وثَوابُهُ عَلى الوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ التَّضْعِيفِ. قَوْلُهُ: لِلْفُقَراءِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُوا مِن خَيْرٍ﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ: أيِ اجْعَلُوا ذَلِكَ لِلْفُقَراءِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ إنْفاقُكم لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ (p-١٨٨)أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ بِالغَزْوِ أوِ الجِهادِ، وقِيلَ: مُنِعُوا عَنِ التَّكَسُّبِ لِما هم فِيهِ مِنَ الضَّعْفِ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ لِلتَّكَسُّبِ بِالتِّجارَةِ والزِّراعَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ بِسَبَبِ ضَعْفِهِمْ، قِيلَ: هم فُقَراءُ الصُّفَّةِ، وقِيلَ: كُلُّ مَن يَتَّصِفُ بِالفَقْرِ وما ذُكِرَ مَعَهُ. ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ مِن أحْوالِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ ما يُوجِبُ الحُنُوَّ عَلَيْهِمْ والشَّفَقَةَ بِهِمْ، وهو كَوْنُهم مُتَعَفِّفِينَ عَنِ المَسْألَةِ وإظْهارِ المَسْكَنَةِ بِحَيْثُ يَظُنُّهُمُ الجاهِلُ بِهِمْ أغْنِياءَ. والتَّعَفُّفُ تَفَعُّلٌ، وهو بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن عَفَّ عَنِ الشَّيْءِ: إذا أمْسَكَ عَنْهُ وتَنَزَّهَ عَنْ طَلَبِهِ، وفي يَحْسَبُهم لُغَتانِ: فَتْحُ السِّينِ، وكَسْرُها. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: والفَتْحُ أقْيَسُ؛ لِأنَّ العَيْنَ مِنَ الماضِي مَكْسُورَةٌ، فَبابُها أنْ تَأْتِيَ في المُضارِعِ مَفْتُوحَةً. فالقِراءَةُ بِالكَسْرِ عَلى هَذا حَسَنَةٌ وإنْ كانَتْ شاذَّةً. و" مِن " في قَوْلِهِ: مِنَ التَّعَفُّفِ لِابْتِداءِ الغايَةِ، وقِيلَ: لِبَيانِ الجِنْسِ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ أيْ بِرَثاثَةِ ثِيابِهِمْ وضَعْفِ أبْدانِهِمْ وكُلِّ ما يُشْعِرُ بِالفَقْرِ والحاجَةِ. والخِطابُ إمّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِلْمُخاطَبَةِ، والسِّيما مَقْصُورَةً: العَلامَةُ، وقَدْ تُمَدُّ. والإلْحافُ: الإلْحاحُ في المَسْألَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اللِّحافِ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِاشْتِمالِهِ عَلى وُجُوهِ الطَّلَبِ في المَسْألَةِ كاشْتِمالِ اللِّحافِ عَلى التَّغْطِيَةِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾ أنَّهم لا يَسْألُونَهم ألْبَتَّةَ، لا سُؤالَ إلْحاحٍ، ولا سُؤالَ غَيْرِ إلْحاحٍ. وبِهِ قالَ الطَّبَرِيُّ والزَّجّاجُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ووَجْهُهُ أنَّ التَّعَفُّفَ صِفَةٌ ثابِتَةٌ لَهم لا تُفارِقُهم، ومُجَرَّدُ السُّؤالِ يُنافِيها، وقِيلَ: المُرادُ أنَّهم إذا سَألُوا سَألُوا بِتَلَطُّفٍ ولا يُلْحِفُونَ في سُؤالِهِمْ، وهَذا وإنْ كانَ هو الظّاهِرُ مِن تَوَجُّهِ النَّفْيِ إلى القَيْدِ دُونَ المُقَيَّدِ، لَكِنَّ صِفَةَ التَّعَفُّفِ تُنافِيهِ، وأيْضًا كَوْنُ الجاهِلِ بِهِمْ يَحْسَبُهم أغْنِياءَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ عَدَمِ السُّؤالِ ألْبَتَّةَ. وقَوْلُهُ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ يُفِيدُ زِيادَةَ رَغْبَتِهِمْ في الإنْفاقِ وشِدَّةَ حِرْصِهِمْ عَلَيْهِ حَتّى أنَّهم لا يَتْرُكُونَ ذَلِكَ لَيْلًا ولا نَهارًا، ويَفْعَلُونَهُ سِرًّا وجَهْرًا عِنْدَ أنْ تَنْزِلَ بِهِمْ حاجَةُ المُحْتاجِينَ، ويَظْهَرَ لَدَيْهِمْ فاقَةُ المُفْتاقِينَ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ عَلى جَمِيعِ الأحْوالِ. ودُخُولُ الفاءِ في خَبَرِ المَوْصُولِ أعْنِي قَوْلَهُ: فَلَهم أجْرُهم لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها لِما بَعْدَها، وقِيلَ: هي لِلْعَطْفِ، والخَبَرُ لِلْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ: أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ والبَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَرْضَخُوا لِأنْسابِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ فَرَخَّصَ لَهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ عَنْهُ قالَ: إنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَأْمُرُنا أنْ لا نَتَصَدَّقَ إلّا عَلى أهْلِ الإسْلامِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَأمَرَ بِالصَّدَقَةِ بَعْدَها عَلى كُلِّ مَن سَألَكَ مِن كُلِّ دِينٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ لَهم نَسَبٌ وقَرابَةٌ مِن قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وكانَ يَتَّقُونَ أنْ لا يَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ ويُرِيدُونَهم أنْ يُسْلِمُوا، فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرٍو الهِلالِيِّ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أنَتَصَدَّقُ عَلى فُقَراءِ أهْلِ الكِتابِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُنْفِقُونَ إلّا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ﴾ قالَ: إذا أعْطَيْتَ لِوَجْهِ اللَّهِ فَلا عَلَيْكَ ما كانَ عَمَلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ الصُّفَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هم مُهاجِرُو قُرَيْشٍ بِالمَدِينَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أُمِرُوا بِالصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: حَصَرُوا أنْفُسَهم في سَبِيلِ اللَّهِ لِلْغَزْوِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تِجارَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هم قَوْمٌ أصابَتْهُمُ الجِراحاتُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَصارُوا زَمْنى، فَجَعَلَ لَهم في أمْوالِ المُسْلِمِينَ حَقًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ﴾ قالَ: لا يَسْتَطِيعُونَ تِجارَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ﴾ قالَ: دَلَّ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ وجَعَلَ نَفَقاتِهِمْ لَهم، وأمَرَهم أنْ يَضَعُوا نَفَقاتِهِمْ فِيهِمْ ورَضِيَ عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهم﴾ قالَ: التَّجَشُّعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ أنَّ مَعْناهُ تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمُ الجُهْدَ مِنَ الحاجَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ﴾ قالَ: رَثاثَةُ ثِيابِهِمْ، وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ والتَّمْرَتانِ، واللُّقْمَةُ واللُّقْمَتانِ، إنَّما المِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ، واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا﴾» وقَدْ ورَدَ في تَحْرِيمِ المَسْألَةِ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ إلّا لِذِي سُلْطانٍ أوْ في أمْرٍ لا يَجِدُ مِنهُ بُدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَرِيبٍ المُلَيْكِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ في أصْحابِ الخَيْلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ نَحْوَهُ قالَ: فِيمَن لا يَرْبُطُها خُيَلاءَ ولا رِياءً ولا سُمْعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ (p-١٨٩)حَنَشٍ الصَّنْعانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ الَّذِينَ يَعْلِفُونَ الخَيْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ مُجاهِدٍ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَ بِاللَّيْلِ دِرْهَمًا، وبِالنَّهارِ دِرْهَمًا، ودِرْهَمًا سِرًّا، ودِرْهَمًا عَلانِيَةً. وعَبْدُ الوَهّابِ ضَعِيفٌ ولَكِنْ قَدْ رَواهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ أنْفَقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ في غَيْرِ سَرَفٍ ولا إمْلاقٍ ولا تَبْذِيرٍ ولا فَسادٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وعُثْمانَ بْنِ عَفّانَ في نَفَقَتِهِمْ في جَيْشِ العُسْرَةِ.

البقرة 2:275

الرِّبا في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ، وفي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلى رِبا الفَضْلِ، ورِبا النَّسِيئَةِ حَسْبَما هو مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وغالِبُ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ أنَّهُ إذا حَلَّ أجْلُ الدَّيْنِ قالَ مَن هو لَهُ لِمَن هو عَلَيْهِ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي ؟ فَإذا لَمْ يَقْضِ زادَ مِقْدارًا في المالِ الَّذِي عَلَيْهِ وأخَّرَ لَهُ الأجَلَ إلى حِينٍ. وهَذا حَرامٌ بِالِاتِّفاقِ، وقِياسُ كِتابَةِ الرِّبا بِالياءِ لِلْكَسْرَةِ في أوَّلِهِ. وقَدْ كَتَبُوهُ في المُصْحَفِ بِالواوِ. قالَ في الكَشّافِ: عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ كَما كُتِبَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ انْتَهى. قُلْتُ: وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ لا يَلْزَمُ المَشْيُ عَلَيْهِ، فَإنَّ هَذِهِ النُّقُوشَ الكِتابِيَّةَ أُمُورٌ اصْطِلاحِيَّةٌ لا يُشاحَحُ في مِثْلِها إلّا فِيما كانَ يَدُلُّ بِهِ مِنها عَلى الحَرْفِ الَّذِي كانَ في أصْلِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَباحِثِ الخَطِّ مِن عِلْمِ الصَّرْفِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَرَسْمُ الكَلِمَةِ وجَعْلُ نَقْشِها الكِتابِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ بِها هو الأوْلى، فَما كانَ في النُّطْقِ ألِفًا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ ونَحْوِهِما كانَ الأوْلى في رَسْمِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وكَوْنُ أصْلِ هَذا الألِفِ واوًا أوْ ياءً لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ عِلْمَ الصَّرْفِ، وهَذِهِ النُّقُوشُ لَيْسَتْ إلّا لِفَهْمِ اللَّفْظِ الَّذِي يُدَلُّ بِها عَلَيْهِ كَيْفَ هو في نُطْقِ مَن يَنْطِقُ بِهِ لا لِتَفْهِيمِ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ كَذا مِمّا لا يَجْرِي بِهِ النُّطْقُ، فاعْرِفْ هَذا ولا تَشْتَغِلْ بِما يَعْتَبِرُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ النُّقُوشِ ويُلْزِمُونَ بِهِ أنْفُسَهم ويَعِيبُونَ مَن خالَفَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُشاحَحَةِ في الأُمُورِ الِاصْطِلاحِيَّةِ الَّتِي لا تُلْزِمُ أحَدًا أنْ يَتَقَيَّدَ بِها، فَعَلَيْكَ بِأنْ تَرْسُمَ هَذِهِ النُّقُوشَ عَلى ما يَلْفِظُ بِهِ اللّافِظُ عِنْدَ قِراءَتِها، فَإنَّهُ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِن وضْعِها والتَّواضُعِ عَلَيْها، ولَيْسَ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِنها أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى ما هو أصْلُ الكَلِمَةِ الَّتِي يَتَلَفَّظُ بِها المُتَلَفِّظُ مِمّا لا يَجْرِي في لَفْظِهِ الآنَ، فَلا تَغْتَرَّ بِما يُرْوى عَنْ سِيبَوَيْهِ ونُحاةِ البَصْرَةِ أنْ يُكْتَبَ الرِّبا بِالواوِ، لِأنَّهُ يَقُولُ في تَثْنِيَتِهِ رِبَوانِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: يُكْتَبُ بِالياءِ، وتَثْنِيَتُهُ رِبَيانِ. قالَ الزَّجّاجُ: ما رَأيْتُ خَطَأً أقْبَحَ مِن هَذا ولا أشْنَعَ، لا يَكْفِيهِمُ الخَطَأُ في الخَطِّ حَتّى يُخْطِئُوا في التَّثْنِيَةِ وهم يَقْرَءُونَ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩] ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ اخْتِصاصَ هَذا الوَعِيدِ بِمَن يَأْكُلُهُ، بَلْ هو عامٌّ لِكُلِّ مَن يُعامِلُ بِالرِّبا فَيَأْخُذُهُ ويُعْطِيهِ، وإنَّما خُصَّ الأكْلُ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى فاعِلِهِ، ولِكَوْنِهِ هو الغَرَضُ الأهَمُّ فَإنَّ آخِذَ الرِّبا إنَّما أخَذَهُ لِلْأكْلِ. قَوْلُهُ: لا يَقُومُونَ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ يَوْمَ القِيامَةِ " . أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وبِهَذا فَسَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهُ يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عُقُوبَةً لَهُ وتَمْقِيتًا عِنْدَ أهْلِ المَحْشَرِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مَن يَحْرِصُ في تِجارَتِهِ فَيَجْمَعُ مالَهُ مِنَ الرِّبا بِقِيامِ المَجْنُونِ؛ لِأنَّ الحِرْصَ والطَّمَعَ والرَّغْبَةَ في الجَمْعِ قَدِ اسْتَفَزَّتْهُ حَتّى صارَ شَبِيهًا في حَرَكَتِهِ بِالمَجْنُونِ، كَما يُقالُ لِمَن يُسْرِعُ في مَشْيِهِ ويَضْطَرِبُ في حَرَكاتِهِ: إنَّهُ قَدْ جُنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى في ناقَتِهِ: ؎وتُصْبِحُ مِن غَبِّ السُّرى وكَأنَّها ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ فَجَعَلَها بِسُرْعَةِ مَشْيِها ونَشاطِها كالمَجْنُونِ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ أيْ إلّا قِيامًا كَقِيامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ، والخَبْطُ: الضَّرْبُ بِغَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ وهو المَصْرُوعُ. والمَسُّ: الجُنُونُ، والأمَسُّ: المَجْنُونُ، وكَذَلِكَ الأوْلَقُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُومُونَ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقُومُ " . وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الصَّرَعَ لا يَكُونُ مِن جِهَةِ الجِنِّ، وزَعَمَ أنَّهُ مِن فِعْلِ الطَّبائِعِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ خارِجَةٌ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُهُ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَصْرَعُ الإنْسانَ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّ الشَّيْطانَ لا يَسْلُكُ في الإنْسانِ ولا يَكُونُ مِنهُ مَسٌّ. وقَدِ «اسْتَعاذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أنْ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطانُ»، كَما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّهم جَعَلُوا البَيْعَ والرِّبا شَيْئًا واحِدًا، وإنَّما شَبَّهُوا البَيْعَ بِالرِّبا مُبالَغَةً بِجَعْلِهِمُ الرِّبا أصْلًا والبَيْعَ فَرْعًا، أيْ: إنَّما البَيْعُ بِلا (p-١٩٠)زِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ كالبَيْعِ بِزِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَعْرِفُ رِبًا إلّا ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ أحَلَّ البَيْعَ وحَرَّمَ نَوْعًا مِن أنْواعِهِ، وهو البَيْعُ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّبا. والبَيْعُ مَصْدَرُ باعَ يَبِيعُ: أيْ دَفَعَ عِوَضًا وأخَذَ مُعَوَّضًا، والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ مَن بَلَغَتْهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنَ المَواعِظِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها الأوامِرُ والنَّواهِي، ومِنها ما وقَعَ هُنا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا فانْتَهى أيْ فامْتَثَلَ النَّهْيَ الَّذِي جاءَهُ والزَّجْرَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ وهو مَعْطُوفٌ، أيْ قَوْلُهُ: فانْتَهى عَلى قَوْلِهِ: جاءَهُ. وقَوْلُهُ: مِن رَبِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جاءَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ " مَوْعِظَةٌ ": أيْ كائِنَةٌ مِن ﴿مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ مِنهُ مِنَ الرِّبا لا يُؤاخَذُ بِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الرِّبا أوْ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ آيَةُ تَحْرِيمِ الرِّبا. وقَوْلُهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " ما سَلَفَ ": أيْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ في العَفْوِ عَنْهُ وإسْقاطِ التَّبِعَةِ فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المُرْبِي: أيْ أمْرُ مَن عامَلَ بِالرِّبا إلى اللَّهِ في تَثْبِيتِهِ عَلى الِانْتِهاءِ أوِ الرُّجُوعِ إلى المَعْصِيَةِ ومَن عادَ إلى أكْلِ الرِّبا والمُعامَلَةِ بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والإشارَةُ إلى مَن عادَ، وجَمْعُ " أصْحابُ " بِاعْتِبارِ مَعْنى " مَن "، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى " مَن عادَ ": هو أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ: بِـ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وأنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَحِقُّ الخُلُودَ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الخُلُودُ مُسْتَعارًا عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ مُلْكٌ خالِدٌ: أيْ طَوِيلُ البَقاءِ، والمَصِيرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ واجِبٌ لِلْأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ القاضِيَةِ بِخُرُوجِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ: يُذْهِبُ بَرَكَتَهُ في الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا فَلا يَبْقى بِيَدِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحَقُ بَرَكَتَهُ في الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ يَزِيدُ في المالِ الَّذِي أُخْرِجَتْ صَدَقَتُهُ، وقِيلَ: يُبارِكُ في ثَوابِ الصَّدَقَةِ ويُضاعِفُهُ ويَزِيدُ في أجْرِ المُتَصَدِّقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ أيْ لا يَرْضى؛ لِأنَّ الحُبَّ مُخْتَصٌّ بِالتَّوّابِينَ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ عَظِيمٌ عَلى مَن أرْبى حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ، ووَصَفَهُ بِأثِيمٍ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ، إذْ قَدْ يَقَعُ عَلى الزُّرّاعِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: كُلَّ كَفّارٍ مَن صَدَرَتْ مِنهُ خَصْلَةٌ تُوجِبُ الكُفْرَ، ووَجْهُ التِصاقِهِ بِالمَقامِ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: " ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ " كُفّارٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ قالَ: يُعْرَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ القِيامَ إلّا كَما يَقُومُ المُتَخَبِّطُ المُنْخَنِقُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ومَن عادَ فَأكَلَ الرِّبا ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: آكِلُ الرِّبا يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا يُخْنَقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَقُومُونَ قالَ: ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِن قَبْرِهِ. وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في تَرْغِيبِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَأْتِي آكِلُ الرِّبا يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَبِلًا يَجُرُّ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في تَعْظِيمِ ذَنْبِ الرِّبا، مِنها مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الرِّبا ثَلاثَةٌ وسَبْعُونَ بابًا، أيْسَرُها مِثْلُ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وإنَّ أرْبى الرِّبا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ» . ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ والبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ سَبْعُونَ بابًا ووَرَدَ هَذا المَعْنى مَعَ اخْتِلافِ العَدَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطانِ وهي في بَعْضِ القِراءاتِ: " لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ " . يَعْنِي قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُها. وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في الرِّبا " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى المَسْجِدِ فَقَرَأهُنَّ عَلى النّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ "» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ خَطَبَ فَقالَ: إنَّ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا آيَةَ الرِّبا، وإنَّهُ قَدْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا فَدَعُوا ما يُرِيبُكم إلى ما لا يُرِيبُكم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أنْزَلَها عَلى رَسُولِهِ آيَةُ الرِّبا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الرِّبا الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيَقُولُ: لَكَ كَذا وكَذا وتُؤَخِّرُ عَنِّي فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ أيْضًا وزادَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالَ: يَعْنِي البَيانُ الَّذِي في القُرْآنِ في تَحْرِيمِ الرِّبا فانْتَهى عَنْهُ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ يَعْنِي فَلَهُ ما كانَ أكَلَ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي بَعْدَ التَّحْرِيمِ وبَعْدَ تَرْكِهِ إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنهُ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ ومَن عادَ يَعْنِي في الرِّبا بَعْدَ التَّحْرِيمِ فاسْتَحَلَّهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَعْنِي لا يَمُوتُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ قالَ: يُنْقِصُ الرِّبا ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قالَ: يَزِيدُ فِيها، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . (p-١٩١)وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ بَعْدَ أنْ ساقَ الحَدِيثَ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَصَدَّقُ بِالكِسْرَةِ تَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ» وهَذِهِ الأحادِيثُ تُبَيِّنُ مَعْنى الآيَةِ.

البقرة 2:276

الرِّبا في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ، وفي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلى رِبا الفَضْلِ، ورِبا النَّسِيئَةِ حَسْبَما هو مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وغالِبُ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ أنَّهُ إذا حَلَّ أجْلُ الدَّيْنِ قالَ مَن هو لَهُ لِمَن هو عَلَيْهِ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي ؟ فَإذا لَمْ يَقْضِ زادَ مِقْدارًا في المالِ الَّذِي عَلَيْهِ وأخَّرَ لَهُ الأجَلَ إلى حِينٍ. وهَذا حَرامٌ بِالِاتِّفاقِ، وقِياسُ كِتابَةِ الرِّبا بِالياءِ لِلْكَسْرَةِ في أوَّلِهِ. وقَدْ كَتَبُوهُ في المُصْحَفِ بِالواوِ. قالَ في الكَشّافِ: عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ كَما كُتِبَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ انْتَهى. قُلْتُ: وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ لا يَلْزَمُ المَشْيُ عَلَيْهِ، فَإنَّ هَذِهِ النُّقُوشَ الكِتابِيَّةَ أُمُورٌ اصْطِلاحِيَّةٌ لا يُشاحَحُ في مِثْلِها إلّا فِيما كانَ يَدُلُّ بِهِ مِنها عَلى الحَرْفِ الَّذِي كانَ في أصْلِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَباحِثِ الخَطِّ مِن عِلْمِ الصَّرْفِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَرَسْمُ الكَلِمَةِ وجَعْلُ نَقْشِها الكِتابِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ بِها هو الأوْلى، فَما كانَ في النُّطْقِ ألِفًا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ ونَحْوِهِما كانَ الأوْلى في رَسْمِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وكَوْنُ أصْلِ هَذا الألِفِ واوًا أوْ ياءً لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ عِلْمَ الصَّرْفِ، وهَذِهِ النُّقُوشُ لَيْسَتْ إلّا لِفَهْمِ اللَّفْظِ الَّذِي يُدَلُّ بِها عَلَيْهِ كَيْفَ هو في نُطْقِ مَن يَنْطِقُ بِهِ لا لِتَفْهِيمِ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ كَذا مِمّا لا يَجْرِي بِهِ النُّطْقُ، فاعْرِفْ هَذا ولا تَشْتَغِلْ بِما يَعْتَبِرُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ النُّقُوشِ ويُلْزِمُونَ بِهِ أنْفُسَهم ويَعِيبُونَ مَن خالَفَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُشاحَحَةِ في الأُمُورِ الِاصْطِلاحِيَّةِ الَّتِي لا تُلْزِمُ أحَدًا أنْ يَتَقَيَّدَ بِها، فَعَلَيْكَ بِأنْ تَرْسُمَ هَذِهِ النُّقُوشَ عَلى ما يَلْفِظُ بِهِ اللّافِظُ عِنْدَ قِراءَتِها، فَإنَّهُ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِن وضْعِها والتَّواضُعِ عَلَيْها، ولَيْسَ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِنها أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى ما هو أصْلُ الكَلِمَةِ الَّتِي يَتَلَفَّظُ بِها المُتَلَفِّظُ مِمّا لا يَجْرِي في لَفْظِهِ الآنَ، فَلا تَغْتَرَّ بِما يُرْوى عَنْ سِيبَوَيْهِ ونُحاةِ البَصْرَةِ أنْ يُكْتَبَ الرِّبا بِالواوِ، لِأنَّهُ يَقُولُ في تَثْنِيَتِهِ رِبَوانِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: يُكْتَبُ بِالياءِ، وتَثْنِيَتُهُ رِبَيانِ. قالَ الزَّجّاجُ: ما رَأيْتُ خَطَأً أقْبَحَ مِن هَذا ولا أشْنَعَ، لا يَكْفِيهِمُ الخَطَأُ في الخَطِّ حَتّى يُخْطِئُوا في التَّثْنِيَةِ وهم يَقْرَءُونَ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩] ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ اخْتِصاصَ هَذا الوَعِيدِ بِمَن يَأْكُلُهُ، بَلْ هو عامٌّ لِكُلِّ مَن يُعامِلُ بِالرِّبا فَيَأْخُذُهُ ويُعْطِيهِ، وإنَّما خُصَّ الأكْلُ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى فاعِلِهِ، ولِكَوْنِهِ هو الغَرَضُ الأهَمُّ فَإنَّ آخِذَ الرِّبا إنَّما أخَذَهُ لِلْأكْلِ. قَوْلُهُ: لا يَقُومُونَ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ يَوْمَ القِيامَةِ " . أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وبِهَذا فَسَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهُ يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عُقُوبَةً لَهُ وتَمْقِيتًا عِنْدَ أهْلِ المَحْشَرِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مَن يَحْرِصُ في تِجارَتِهِ فَيَجْمَعُ مالَهُ مِنَ الرِّبا بِقِيامِ المَجْنُونِ؛ لِأنَّ الحِرْصَ والطَّمَعَ والرَّغْبَةَ في الجَمْعِ قَدِ اسْتَفَزَّتْهُ حَتّى صارَ شَبِيهًا في حَرَكَتِهِ بِالمَجْنُونِ، كَما يُقالُ لِمَن يُسْرِعُ في مَشْيِهِ ويَضْطَرِبُ في حَرَكاتِهِ: إنَّهُ قَدْ جُنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى في ناقَتِهِ: ؎وتُصْبِحُ مِن غَبِّ السُّرى وكَأنَّها ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ فَجَعَلَها بِسُرْعَةِ مَشْيِها ونَشاطِها كالمَجْنُونِ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ أيْ إلّا قِيامًا كَقِيامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ، والخَبْطُ: الضَّرْبُ بِغَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ وهو المَصْرُوعُ. والمَسُّ: الجُنُونُ، والأمَسُّ: المَجْنُونُ، وكَذَلِكَ الأوْلَقُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُومُونَ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقُومُ " . وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الصَّرَعَ لا يَكُونُ مِن جِهَةِ الجِنِّ، وزَعَمَ أنَّهُ مِن فِعْلِ الطَّبائِعِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ خارِجَةٌ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُهُ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَصْرَعُ الإنْسانَ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّ الشَّيْطانَ لا يَسْلُكُ في الإنْسانِ ولا يَكُونُ مِنهُ مَسٌّ. وقَدِ «اسْتَعاذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أنْ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطانُ»، كَما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّهم جَعَلُوا البَيْعَ والرِّبا شَيْئًا واحِدًا، وإنَّما شَبَّهُوا البَيْعَ بِالرِّبا مُبالَغَةً بِجَعْلِهِمُ الرِّبا أصْلًا والبَيْعَ فَرْعًا، أيْ: إنَّما البَيْعُ بِلا (p-١٩٠)زِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ كالبَيْعِ بِزِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَعْرِفُ رِبًا إلّا ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ أحَلَّ البَيْعَ وحَرَّمَ نَوْعًا مِن أنْواعِهِ، وهو البَيْعُ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّبا. والبَيْعُ مَصْدَرُ باعَ يَبِيعُ: أيْ دَفَعَ عِوَضًا وأخَذَ مُعَوَّضًا، والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ مَن بَلَغَتْهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنَ المَواعِظِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها الأوامِرُ والنَّواهِي، ومِنها ما وقَعَ هُنا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا فانْتَهى أيْ فامْتَثَلَ النَّهْيَ الَّذِي جاءَهُ والزَّجْرَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ وهو مَعْطُوفٌ، أيْ قَوْلُهُ: فانْتَهى عَلى قَوْلِهِ: جاءَهُ. وقَوْلُهُ: مِن رَبِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جاءَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ " مَوْعِظَةٌ ": أيْ كائِنَةٌ مِن ﴿مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ مِنهُ مِنَ الرِّبا لا يُؤاخَذُ بِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الرِّبا أوْ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ آيَةُ تَحْرِيمِ الرِّبا. وقَوْلُهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " ما سَلَفَ ": أيْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ في العَفْوِ عَنْهُ وإسْقاطِ التَّبِعَةِ فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المُرْبِي: أيْ أمْرُ مَن عامَلَ بِالرِّبا إلى اللَّهِ في تَثْبِيتِهِ عَلى الِانْتِهاءِ أوِ الرُّجُوعِ إلى المَعْصِيَةِ ومَن عادَ إلى أكْلِ الرِّبا والمُعامَلَةِ بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والإشارَةُ إلى مَن عادَ، وجَمْعُ " أصْحابُ " بِاعْتِبارِ مَعْنى " مَن "، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى " مَن عادَ ": هو أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ: بِـ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وأنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَحِقُّ الخُلُودَ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الخُلُودُ مُسْتَعارًا عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ مُلْكٌ خالِدٌ: أيْ طَوِيلُ البَقاءِ، والمَصِيرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ واجِبٌ لِلْأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ القاضِيَةِ بِخُرُوجِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ: يُذْهِبُ بَرَكَتَهُ في الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا فَلا يَبْقى بِيَدِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحَقُ بَرَكَتَهُ في الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ يَزِيدُ في المالِ الَّذِي أُخْرِجَتْ صَدَقَتُهُ، وقِيلَ: يُبارِكُ في ثَوابِ الصَّدَقَةِ ويُضاعِفُهُ ويَزِيدُ في أجْرِ المُتَصَدِّقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ أيْ لا يَرْضى؛ لِأنَّ الحُبَّ مُخْتَصٌّ بِالتَّوّابِينَ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ عَظِيمٌ عَلى مَن أرْبى حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ، ووَصَفَهُ بِأثِيمٍ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ، إذْ قَدْ يَقَعُ عَلى الزُّرّاعِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: كُلَّ كَفّارٍ مَن صَدَرَتْ مِنهُ خَصْلَةٌ تُوجِبُ الكُفْرَ، ووَجْهُ التِصاقِهِ بِالمَقامِ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: " ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ " كُفّارٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ قالَ: يُعْرَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ القِيامَ إلّا كَما يَقُومُ المُتَخَبِّطُ المُنْخَنِقُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ومَن عادَ فَأكَلَ الرِّبا ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: آكِلُ الرِّبا يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا يُخْنَقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَقُومُونَ قالَ: ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِن قَبْرِهِ. وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في تَرْغِيبِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَأْتِي آكِلُ الرِّبا يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَبِلًا يَجُرُّ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في تَعْظِيمِ ذَنْبِ الرِّبا، مِنها مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الرِّبا ثَلاثَةٌ وسَبْعُونَ بابًا، أيْسَرُها مِثْلُ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وإنَّ أرْبى الرِّبا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ» . ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ والبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ سَبْعُونَ بابًا ووَرَدَ هَذا المَعْنى مَعَ اخْتِلافِ العَدَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطانِ وهي في بَعْضِ القِراءاتِ: " لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ " . يَعْنِي قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُها. وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في الرِّبا " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى المَسْجِدِ فَقَرَأهُنَّ عَلى النّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ "» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ خَطَبَ فَقالَ: إنَّ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا آيَةَ الرِّبا، وإنَّهُ قَدْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا فَدَعُوا ما يُرِيبُكم إلى ما لا يُرِيبُكم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أنْزَلَها عَلى رَسُولِهِ آيَةُ الرِّبا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الرِّبا الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيَقُولُ: لَكَ كَذا وكَذا وتُؤَخِّرُ عَنِّي فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ أيْضًا وزادَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالَ: يَعْنِي البَيانُ الَّذِي في القُرْآنِ في تَحْرِيمِ الرِّبا فانْتَهى عَنْهُ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ يَعْنِي فَلَهُ ما كانَ أكَلَ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي بَعْدَ التَّحْرِيمِ وبَعْدَ تَرْكِهِ إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنهُ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ ومَن عادَ يَعْنِي في الرِّبا بَعْدَ التَّحْرِيمِ فاسْتَحَلَّهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَعْنِي لا يَمُوتُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ قالَ: يُنْقِصُ الرِّبا ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قالَ: يَزِيدُ فِيها، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . (p-١٩١)وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ بَعْدَ أنْ ساقَ الحَدِيثَ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَصَدَّقُ بِالكِسْرَةِ تَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ» وهَذِهِ الأحادِيثُ تُبَيِّنُ مَعْنى الآيَةِ.

البقرة 2:277

الرِّبا في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ مُطْلَقًا، يُقالُ رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو: إذا زادَ، وفي الشَّرْعِ يُطْلَقُ عَلى شَيْئَيْنِ: عَلى رِبا الفَضْلِ، ورِبا النَّسِيئَةِ حَسْبَما هو مُفَصَّلٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ، وغالِبُ ما كانَتْ تَفْعَلُهُ الجاهِلِيَّةُ أنَّهُ إذا حَلَّ أجْلُ الدَّيْنِ قالَ مَن هو لَهُ لِمَن هو عَلَيْهِ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي ؟ فَإذا لَمْ يَقْضِ زادَ مِقْدارًا في المالِ الَّذِي عَلَيْهِ وأخَّرَ لَهُ الأجَلَ إلى حِينٍ. وهَذا حَرامٌ بِالِاتِّفاقِ، وقِياسُ كِتابَةِ الرِّبا بِالياءِ لِلْكَسْرَةِ في أوَّلِهِ. وقَدْ كَتَبُوهُ في المُصْحَفِ بِالواوِ. قالَ في الكَشّافِ: عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ كَما كُتِبَتِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ، وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ انْتَهى. قُلْتُ: وهَذا مُجَرَّدُ اصْطِلاحٍ لا يَلْزَمُ المَشْيُ عَلَيْهِ، فَإنَّ هَذِهِ النُّقُوشَ الكِتابِيَّةَ أُمُورٌ اصْطِلاحِيَّةٌ لا يُشاحَحُ في مِثْلِها إلّا فِيما كانَ يَدُلُّ بِهِ مِنها عَلى الحَرْفِ الَّذِي كانَ في أصْلِ الكَلِمَةِ ونَحْوِهِ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَباحِثِ الخَطِّ مِن عِلْمِ الصَّرْفِ، وعَلى كُلِّ حالٍ فَرَسْمُ الكَلِمَةِ وجَعْلُ نَقْشِها الكِتابِيِّ عَلى ما يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ بِها هو الأوْلى، فَما كانَ في النُّطْقِ ألِفًا كالصَّلاةِ والزَّكاةِ ونَحْوِهِما كانَ الأوْلى في رَسْمِهِ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ، وكَوْنُ أصْلِ هَذا الألِفِ واوًا أوْ ياءً لا يَخْفى عَلى مَن يَعْرِفُ عِلْمَ الصَّرْفِ، وهَذِهِ النُّقُوشُ لَيْسَتْ إلّا لِفَهْمِ اللَّفْظِ الَّذِي يُدَلُّ بِها عَلَيْهِ كَيْفَ هو في نُطْقِ مَن يَنْطِقُ بِهِ لا لِتَفْهِيمِ أنَّ أصْلَ الكَلِمَةِ كَذا مِمّا لا يَجْرِي بِهِ النُّطْقُ، فاعْرِفْ هَذا ولا تَشْتَغِلْ بِما يَعْتَبِرُهُ كَثِيرٌ مِن أهْلِ العِلْمِ في هَذِهِ النُّقُوشِ ويُلْزِمُونَ بِهِ أنْفُسَهم ويَعِيبُونَ مَن خالَفَهُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُشاحَحَةِ في الأُمُورِ الِاصْطِلاحِيَّةِ الَّتِي لا تُلْزِمُ أحَدًا أنْ يَتَقَيَّدَ بِها، فَعَلَيْكَ بِأنْ تَرْسُمَ هَذِهِ النُّقُوشَ عَلى ما يَلْفِظُ بِهِ اللّافِظُ عِنْدَ قِراءَتِها، فَإنَّهُ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِن وضْعِها والتَّواضُعِ عَلَيْها، ولَيْسَ الأمْرُ المَطْلُوبُ مِنها أنْ تَكُونَ دالَّةً عَلى ما هو أصْلُ الكَلِمَةِ الَّتِي يَتَلَفَّظُ بِها المُتَلَفِّظُ مِمّا لا يَجْرِي في لَفْظِهِ الآنَ، فَلا تَغْتَرَّ بِما يُرْوى عَنْ سِيبَوَيْهِ ونُحاةِ البَصْرَةِ أنْ يُكْتَبَ الرِّبا بِالواوِ، لِأنَّهُ يَقُولُ في تَثْنِيَتِهِ رِبَوانِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ: يُكْتَبُ بِالياءِ، وتَثْنِيَتُهُ رِبَيانِ. قالَ الزَّجّاجُ: ما رَأيْتُ خَطَأً أقْبَحَ مِن هَذا ولا أشْنَعَ، لا يَكْفِيهِمُ الخَطَأُ في الخَطِّ حَتّى يُخْطِئُوا في التَّثْنِيَةِ وهم يَقْرَءُونَ ﴿وما آتَيْتُمْ مِن رِبًا لِيَرْبُوَ في أمْوالِ النّاسِ فَلا يَرْبُو﴾ [الروم: ٣٩] ولَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ هُنا: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ اخْتِصاصَ هَذا الوَعِيدِ بِمَن يَأْكُلُهُ، بَلْ هو عامٌّ لِكُلِّ مَن يُعامِلُ بِالرِّبا فَيَأْخُذُهُ ويُعْطِيهِ، وإنَّما خُصَّ الأكْلُ لِزِيادَةِ التَّشْنِيعِ عَلى فاعِلِهِ، ولِكَوْنِهِ هو الغَرَضُ الأهَمُّ فَإنَّ آخِذَ الرِّبا إنَّما أخَذَهُ لِلْأكْلِ. قَوْلُهُ: لا يَقُومُونَ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ " لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ يَوْمَ القِيامَةِ " . أخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وبِهَذا فَسَّرَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ قالُوا: إنَّهُ يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عُقُوبَةً لَهُ وتَمْقِيتًا عِنْدَ أهْلِ المَحْشَرِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ مَن يَحْرِصُ في تِجارَتِهِ فَيَجْمَعُ مالَهُ مِنَ الرِّبا بِقِيامِ المَجْنُونِ؛ لِأنَّ الحِرْصَ والطَّمَعَ والرَّغْبَةَ في الجَمْعِ قَدِ اسْتَفَزَّتْهُ حَتّى صارَ شَبِيهًا في حَرَكَتِهِ بِالمَجْنُونِ، كَما يُقالُ لِمَن يُسْرِعُ في مَشْيِهِ ويَضْطَرِبُ في حَرَكاتِهِ: إنَّهُ قَدْ جُنَّ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى في ناقَتِهِ: ؎وتُصْبِحُ مِن غَبِّ السُّرى وكَأنَّها ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أوْلَقُ فَجَعَلَها بِسُرْعَةِ مَشْيِها ونَشاطِها كالمَجْنُونِ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ أيْ إلّا قِيامًا كَقِيامِ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ، والخَبْطُ: الضَّرْبُ بِغَيْرِ اسْتِواءٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ وهو المَصْرُوعُ. والمَسُّ: الجُنُونُ، والأمَسُّ: المَجْنُونُ، وكَذَلِكَ الأوْلَقُ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: يَقُومُونَ أيْ: لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أوْ مُتَعَلِّقٌ بِـ " يَقُومُ " . وفِي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى فَسادِ قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ الصَّرَعَ لا يَكُونُ مِن جِهَةِ الجِنِّ، وزَعَمَ أنَّهُ مِن فِعْلِ الطَّبائِعِ، وقالَ: إنَّ الآيَةَ خارِجَةٌ عَلى ما كانَتِ العَرَبُ تَزْعُمُهُ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَصْرَعُ الإنْسانَ، ولَيْسَ بِصَحِيحٍ، وإنَّ الشَّيْطانَ لا يَسْلُكُ في الإنْسانِ ولا يَكُونُ مِنهُ مَسٌّ. وقَدِ «اسْتَعاذَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن أنْ يَتَخَبَّطَهُ الشَّيْطانُ»، كَما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وغَيْرُهُ. قَوْلُهُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حالِهِمْ وعُقُوبَتِهِمْ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّهم جَعَلُوا البَيْعَ والرِّبا شَيْئًا واحِدًا، وإنَّما شَبَّهُوا البَيْعَ بِالرِّبا مُبالَغَةً بِجَعْلِهِمُ الرِّبا أصْلًا والبَيْعَ فَرْعًا، أيْ: إنَّما البَيْعُ بِلا (p-١٩٠)زِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ كالبَيْعِ بِزِيادَةٍ عِنْدَ حُلُولِهِ، فَإنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَعْرِفُ رِبًا إلّا ذَلِكَ، فَرَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ أيْ: أنَّ اللَّهَ أحَلَّ البَيْعَ وحَرَّمَ نَوْعًا مِن أنْواعِهِ، وهو البَيْعُ المُشْتَمِلُ عَلى الرِّبا. والبَيْعُ مَصْدَرُ باعَ يَبِيعُ: أيْ دَفَعَ عِوَضًا وأخَذَ مُعَوَّضًا، والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ مَن بَلَغَتْهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ اللَّهِ مِنَ المَواعِظِ الَّتِي تَشْتَمِلُ عَلَيْها الأوامِرُ والنَّواهِي، ومِنها ما وقَعَ هُنا مِنَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبا فانْتَهى أيْ فامْتَثَلَ النَّهْيَ الَّذِي جاءَهُ والزَّجْرَ عَنِ المَنهِيِّ عَنْهُ وهو مَعْطُوفٌ، أيْ قَوْلُهُ: فانْتَهى عَلى قَوْلِهِ: جاءَهُ. وقَوْلُهُ: مِن رَبِّهِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: جاءَهُ أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ " مَوْعِظَةٌ ": أيْ كائِنَةٌ مِن ﴿مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ مِنهُ مِنَ الرِّبا لا يُؤاخَذُ بِهِ، لِأنَّهُ فَعَلَهُ قَبْلَ أنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ الرِّبا أوْ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ آيَةُ تَحْرِيمِ الرِّبا. وقَوْلُهُ: ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ قِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " ما سَلَفَ ": أيْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ في العَفْوِ عَنْهُ وإسْقاطِ التَّبِعَةِ فِيهِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المُرْبِي: أيْ أمْرُ مَن عامَلَ بِالرِّبا إلى اللَّهِ في تَثْبِيتِهِ عَلى الِانْتِهاءِ أوِ الرُّجُوعِ إلى المَعْصِيَةِ ومَن عادَ إلى أكْلِ الرِّبا والمُعامَلَةِ بِهِ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ والإشارَةُ إلى مَن عادَ، وجَمْعُ " أصْحابُ " بِاعْتِبارِ مَعْنى " مَن "، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى " مَن عادَ ": هو أنْ يَعُودَ إلى القَوْلِ: بِـ ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وأنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ فَيَسْتَحِقُّ الخُلُودَ، وعَلى التَّقْدِيرِ الأوَّلِ يَكُونُ الخُلُودُ مُسْتَعارًا عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ مُلْكٌ خالِدٌ: أيْ طَوِيلُ البَقاءِ، والمَصِيرُ إلى هَذا التَّأْوِيلِ واجِبٌ لِلْأحادِيثِ المُتَواتِرَةِ القاضِيَةِ بِخُرُوجِ المُوَحِّدِينَ مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ أيْ: يُذْهِبُ بَرَكَتَهُ في الدُّنْيا وإنْ كانَ كَثِيرًا فَلا يَبْقى بِيَدِ صاحِبِهِ، وقِيلَ: يَمْحَقُ بَرَكَتَهُ في الآخِرَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ أيْ يَزِيدُ في المالِ الَّذِي أُخْرِجَتْ صَدَقَتُهُ، وقِيلَ: يُبارِكُ في ثَوابِ الصَّدَقَةِ ويُضاعِفُهُ ويَزِيدُ في أجْرِ المُتَصَدِّقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ ذَلِكَ عَلى الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفّارٍ أثِيمٍ﴾ أيْ لا يَرْضى؛ لِأنَّ الحُبَّ مُخْتَصٌّ بِالتَّوّابِينَ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ وتَغْلِيظٌ عَظِيمٌ عَلى مَن أرْبى حَيْثُ حَكَمَ عَلَيْهِ بِالكُفْرِ، ووَصَفَهُ بِأثِيمٍ لِلْمُبالَغَةِ، وقِيلَ: لِإزالَةِ الِاشْتِراكِ، إذْ قَدْ يَقَعُ عَلى الزُّرّاعِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: كُلَّ كَفّارٍ مَن صَدَرَتْ مِنهُ خَصْلَةٌ تُوجِبُ الكُفْرَ، ووَجْهُ التِصاقِهِ بِالمَقامِ أنَّ الَّذِينَ قالُوا: " ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ " كُفّارٌ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وقَدْ أخْرَجَ أبُو يَعْلى مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ قالَ: يُعْرَفُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ القِيامَ إلّا كَما يَقُومُ المُتَخَبِّطُ المُنْخَنِقُ ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ وكَذَبُوا عَلى اللَّهِ ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ ومَن عادَ فَأكَلَ الرِّبا ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: آكِلُ الرِّبا يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا يُخْنَقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أيْضًا في قَوْلِهِ: لا يَقُومُونَ قالَ: ذَلِكَ حِينَ يُبْعَثُ مِن قَبْرِهِ. وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في تَرْغِيبِهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَأْتِي آكِلُ الرِّبا يَوْمَ القِيامَةِ مُخْتَبِلًا يَجُرُّ شَفَتَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿لا يَقُومُونَ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾» وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في تَعْظِيمِ ذَنْبِ الرِّبا، مِنها مِن حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الحاكِمِ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الرِّبا ثَلاثَةٌ وسَبْعُونَ بابًا، أيْسَرُها مِثْلُ أنْ يَنْكِحَ الرَّجُلُ أُمَّهُ، وإنَّ أرْبى الرِّبا عِرْضُ الرَّجُلِ المُسْلِمِ» . ومِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا عِنْدَ ابْنِ ماجَهْ والبَيْهَقِيِّ بِلَفْظِ سَبْعُونَ بابًا ووَرَدَ هَذا المَعْنى مَعَ اخْتِلافِ العَدَدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وكَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وأنَسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهِمْ خَبَلٌ مِنَ الشَّيْطانِ وهي في بَعْضِ القِراءاتِ: " لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ " . يَعْنِي قِراءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ المُتَقَدِّمَ ذِكْرُها. وفِي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن «حَدِيثِ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتِ الآياتُ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في الرِّبا " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى المَسْجِدِ فَقَرَأهُنَّ عَلى النّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجارَةَ في الخَمْرِ "» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ خَطَبَ فَقالَ: إنَّ مِن آخِرِ القُرْآنِ نُزُولًا آيَةَ الرِّبا، وإنَّهُ قَدْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا فَدَعُوا ما يُرِيبُكم إلى ما لا يُرِيبُكم. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أنْزَلَها عَلى رَسُولِهِ آيَةُ الرِّبا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُمَرَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الرِّبا الَّذِي نَهى اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَكُونُ لِلرَّجُلِ عَلى الرَّجُلِ الدَّيْنُ فَيَقُولُ: لَكَ كَذا وكَذا وتُؤَخِّرُ عَنِّي فَيُؤَخِّرُ عَنْهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ أيْضًا وزادَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ قالَ: يَعْنِي البَيانُ الَّذِي في القُرْآنِ في تَحْرِيمِ الرِّبا فانْتَهى عَنْهُ ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ يَعْنِي فَلَهُ ما كانَ أكَلَ مِنَ الرِّبا قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿وأمْرُهُ إلى اللَّهِ﴾ يَعْنِي بَعْدَ التَّحْرِيمِ وبَعْدَ تَرْكِهِ إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنهُ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ ومَن عادَ يَعْنِي في الرِّبا بَعْدَ التَّحْرِيمِ فاسْتَحَلَّهُ بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ يَعْنِي لا يَمُوتُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾ قالَ: يُنْقِصُ الرِّبا ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ قالَ: يَزِيدُ فِيها، وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَن تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طَيِّبًا، فَإنَّ اللَّهَ يَقْبَلُها بِيَمِينِهِ ثُمَّ يُرَبِّيها لِصاحِبِها كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ» . (p-١٩١)وأخْرَجَ البَزّارُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ عائِشَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وفِي حَدِيثِ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَرَأ بَعْدَ أنْ ساقَ الحَدِيثَ ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَتَصَدَّقُ بِالكِسْرَةِ تَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ» وهَذِهِ الأحادِيثُ تُبَيِّنُ مَعْنى الآيَةِ.

البقرة 2:278

قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ واتْرُكُوا البَقايا الَّتِي بَقِيَتْ لَكم مِنَ الرِّبا، وظاهِرُهُ أنَّهُ أبْطَلَ مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ " إنْ " في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى " إذْ " . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ امْتِثالَ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أُذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عُلِمَ بِهِ، قِيلَ: هو مِنَ الإذْنِ بِالشَّيْءِ وهو الِاسْتِماعُ لِأنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ " فَآذِنُوا " عَلى مَعْنى فَأعْلِمُوا غَيْرَكم أنَّكم عَلى حَرْبِهِمْ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ عَلى أنَّ أكْلَ الرِّبا والعَمَلَ بِهِ مِنَ الكَبائِرِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وتَنْكِيرُ الحَرْبِ لِلتَّعْظِيمِ، وزادَها تَعْظِيمًا نِسْبَتُها إلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ وإلى رَسُولِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ خَلِيقَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها ﴿لا تُظْلَمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ والنَّقْصِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْوالَهم مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ حَلالٌ لِمَن أخَذَها مِنَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَنُوبُ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ لَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الرِّبا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الواجِدِينَ لِلْمالِ حَكَمَ في ذَوِي العُسْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى يَسارٍ، والعُسْرَةُ: ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ جَيْشُ العُسْرَةِ. والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اليُسْرِ، وارْتَفَعَ " ذُو " بَكانِ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى وُجِدَ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وغَيْرِهِما. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ يا فَتى إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: " وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ " عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ المَطْلُوبُ ذا عُسْرَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ " وإنْ كانَ مُعْسِرًا " قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى: وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ورَوى المُعْتَمِرُ عَنْ حَجّاجٍ الوَرّاقِ قالَ: في مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ النَّحّاسُ ومَكِّيٌّ والنَّقّاشُ: وعَلى هَذا يَخْتَصُّ لَفْظُ الآيَةِ بِأهْلِ الرِّبا، وعَلى مَن قَرَأ " ذُو " فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الجَماعَةُ فَنَظِرَةٌ بِكَسْرِ الظّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ بِسُكُونِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ " مَيْسُرَةٍ " بِضَمِّ السِّينِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي اليَسارُ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ: أيْ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ خَيْرٌ لَكم، وفِيهِ التَّرْغِيبُ لَهم بِأنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى مَن أعْسَرَ وجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن إنْظارِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ خَيْرٌ لَكم. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ولَيْسَ في الآيَةِ مَدْخَلٌ لِلْغَنِيِّ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمْ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ وصْفٌ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا اليَوْمَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ المَوْتِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: " إلى اللَّهِ " فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ كَما أنَّ الإفْرادَ أنْسَبُ بِحالِ الكَسْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ لِجَمِيعِ النّاسِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ في الرِّبا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «كانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صالَحَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ ما لَهم مِن رِبًا عَلى النّاسِ، وما كانَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ مِن رِبًا فَهو مَوْضُوعٌ، فَلَمّا كانَ الفَتْحُ اسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، وكانَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَأْخُذُونَ الرِّبا مِن بَنِي المُغِيرَةِ، وكانَ بَنُو المُغِيرَةِ يَرْبُونَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهم عَلَيْهِمْ مالٌ كَثِيرٌ فَأتاهم بَنُو عَمْرٍو يَطْلُبُونَ رِباهم، فَأبى بَنُو المُغِيرَةِ أنْ يُعْطُوهم في الإسْلامِ، ورَفَعُوا ذَلِكَ إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ، فَكَتَبَ عَتّابٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى عَتّابٍ وقالَ: إنْ رَضُوا وإلّا فَأْذَنْهم بِحَرْبٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: مَن كانَ مُقِيمًا (p-١٩٢)عَلى الرِّبا لا يَنْزِعُ مِنهُ فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضَرَبَ عُنُقَهُ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنْهُ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: اسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «ألا إنَّ كُلَّ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ، وأوَّلُ رِبًا مَوْضُوعٌ رِبا العَبّاسِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وأصْحابِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الرِّبا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شُرَيْحٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: وكَذَلِكَ كَلُّ دَيْنٍ عَلى مُسْلِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في التَّرْغِيبِ لِمَن لَهُ دَيْنٌ عَلى مُعْسِرٍ أنْ يُنْظِرَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ السُّدِّيِّ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِها وبَيْنَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إحْدى وثَمانُونَ يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّهُ عاشَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِها تِسْعَ لَيالٍ ثُمَّ ماتَ.

البقرة 2:279

قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ واتْرُكُوا البَقايا الَّتِي بَقِيَتْ لَكم مِنَ الرِّبا، وظاهِرُهُ أنَّهُ أبْطَلَ مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ " إنْ " في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى " إذْ " . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ امْتِثالَ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أُذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عُلِمَ بِهِ، قِيلَ: هو مِنَ الإذْنِ بِالشَّيْءِ وهو الِاسْتِماعُ لِأنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ " فَآذِنُوا " عَلى مَعْنى فَأعْلِمُوا غَيْرَكم أنَّكم عَلى حَرْبِهِمْ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ عَلى أنَّ أكْلَ الرِّبا والعَمَلَ بِهِ مِنَ الكَبائِرِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وتَنْكِيرُ الحَرْبِ لِلتَّعْظِيمِ، وزادَها تَعْظِيمًا نِسْبَتُها إلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ وإلى رَسُولِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ خَلِيقَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها ﴿لا تُظْلَمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ والنَّقْصِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْوالَهم مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ حَلالٌ لِمَن أخَذَها مِنَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَنُوبُ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ لَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الرِّبا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الواجِدِينَ لِلْمالِ حَكَمَ في ذَوِي العُسْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى يَسارٍ، والعُسْرَةُ: ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ جَيْشُ العُسْرَةِ. والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اليُسْرِ، وارْتَفَعَ " ذُو " بَكانِ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى وُجِدَ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وغَيْرِهِما. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ يا فَتى إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: " وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ " عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ المَطْلُوبُ ذا عُسْرَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ " وإنْ كانَ مُعْسِرًا " قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى: وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ورَوى المُعْتَمِرُ عَنْ حَجّاجٍ الوَرّاقِ قالَ: في مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ النَّحّاسُ ومَكِّيٌّ والنَّقّاشُ: وعَلى هَذا يَخْتَصُّ لَفْظُ الآيَةِ بِأهْلِ الرِّبا، وعَلى مَن قَرَأ " ذُو " فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الجَماعَةُ فَنَظِرَةٌ بِكَسْرِ الظّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ بِسُكُونِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ " مَيْسُرَةٍ " بِضَمِّ السِّينِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي اليَسارُ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ: أيْ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ خَيْرٌ لَكم، وفِيهِ التَّرْغِيبُ لَهم بِأنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى مَن أعْسَرَ وجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن إنْظارِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ خَيْرٌ لَكم. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ولَيْسَ في الآيَةِ مَدْخَلٌ لِلْغَنِيِّ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمْ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ وصْفٌ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا اليَوْمَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ المَوْتِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: " إلى اللَّهِ " فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ كَما أنَّ الإفْرادَ أنْسَبُ بِحالِ الكَسْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ لِجَمِيعِ النّاسِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ في الرِّبا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «كانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صالَحَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ ما لَهم مِن رِبًا عَلى النّاسِ، وما كانَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ مِن رِبًا فَهو مَوْضُوعٌ، فَلَمّا كانَ الفَتْحُ اسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، وكانَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَأْخُذُونَ الرِّبا مِن بَنِي المُغِيرَةِ، وكانَ بَنُو المُغِيرَةِ يَرْبُونَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهم عَلَيْهِمْ مالٌ كَثِيرٌ فَأتاهم بَنُو عَمْرٍو يَطْلُبُونَ رِباهم، فَأبى بَنُو المُغِيرَةِ أنْ يُعْطُوهم في الإسْلامِ، ورَفَعُوا ذَلِكَ إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ، فَكَتَبَ عَتّابٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى عَتّابٍ وقالَ: إنْ رَضُوا وإلّا فَأْذَنْهم بِحَرْبٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: مَن كانَ مُقِيمًا (p-١٩٢)عَلى الرِّبا لا يَنْزِعُ مِنهُ فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضَرَبَ عُنُقَهُ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنْهُ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: اسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «ألا إنَّ كُلَّ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ، وأوَّلُ رِبًا مَوْضُوعٌ رِبا العَبّاسِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وأصْحابِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الرِّبا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شُرَيْحٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: وكَذَلِكَ كَلُّ دَيْنٍ عَلى مُسْلِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في التَّرْغِيبِ لِمَن لَهُ دَيْنٌ عَلى مُعْسِرٍ أنْ يُنْظِرَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ السُّدِّيِّ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِها وبَيْنَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إحْدى وثَمانُونَ يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّهُ عاشَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِها تِسْعَ لَيالٍ ثُمَّ ماتَ.

البقرة 2:280

قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ واتْرُكُوا البَقايا الَّتِي بَقِيَتْ لَكم مِنَ الرِّبا، وظاهِرُهُ أنَّهُ أبْطَلَ مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ " إنْ " في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى " إذْ " . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ امْتِثالَ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أُذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عُلِمَ بِهِ، قِيلَ: هو مِنَ الإذْنِ بِالشَّيْءِ وهو الِاسْتِماعُ لِأنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ " فَآذِنُوا " عَلى مَعْنى فَأعْلِمُوا غَيْرَكم أنَّكم عَلى حَرْبِهِمْ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ عَلى أنَّ أكْلَ الرِّبا والعَمَلَ بِهِ مِنَ الكَبائِرِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وتَنْكِيرُ الحَرْبِ لِلتَّعْظِيمِ، وزادَها تَعْظِيمًا نِسْبَتُها إلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ وإلى رَسُولِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ خَلِيقَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها ﴿لا تُظْلَمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ والنَّقْصِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْوالَهم مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ حَلالٌ لِمَن أخَذَها مِنَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَنُوبُ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ لَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الرِّبا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الواجِدِينَ لِلْمالِ حَكَمَ في ذَوِي العُسْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى يَسارٍ، والعُسْرَةُ: ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ جَيْشُ العُسْرَةِ. والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اليُسْرِ، وارْتَفَعَ " ذُو " بَكانِ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى وُجِدَ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وغَيْرِهِما. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ يا فَتى إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: " وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ " عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ المَطْلُوبُ ذا عُسْرَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ " وإنْ كانَ مُعْسِرًا " قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى: وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ورَوى المُعْتَمِرُ عَنْ حَجّاجٍ الوَرّاقِ قالَ: في مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ النَّحّاسُ ومَكِّيٌّ والنَّقّاشُ: وعَلى هَذا يَخْتَصُّ لَفْظُ الآيَةِ بِأهْلِ الرِّبا، وعَلى مَن قَرَأ " ذُو " فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الجَماعَةُ فَنَظِرَةٌ بِكَسْرِ الظّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ بِسُكُونِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ " مَيْسُرَةٍ " بِضَمِّ السِّينِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي اليَسارُ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ: أيْ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ خَيْرٌ لَكم، وفِيهِ التَّرْغِيبُ لَهم بِأنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى مَن أعْسَرَ وجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن إنْظارِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ خَيْرٌ لَكم. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ولَيْسَ في الآيَةِ مَدْخَلٌ لِلْغَنِيِّ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمْ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ وصْفٌ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا اليَوْمَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ المَوْتِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: " إلى اللَّهِ " فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ كَما أنَّ الإفْرادَ أنْسَبُ بِحالِ الكَسْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ لِجَمِيعِ النّاسِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ في الرِّبا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «كانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صالَحَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ ما لَهم مِن رِبًا عَلى النّاسِ، وما كانَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ مِن رِبًا فَهو مَوْضُوعٌ، فَلَمّا كانَ الفَتْحُ اسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، وكانَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَأْخُذُونَ الرِّبا مِن بَنِي المُغِيرَةِ، وكانَ بَنُو المُغِيرَةِ يَرْبُونَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهم عَلَيْهِمْ مالٌ كَثِيرٌ فَأتاهم بَنُو عَمْرٍو يَطْلُبُونَ رِباهم، فَأبى بَنُو المُغِيرَةِ أنْ يُعْطُوهم في الإسْلامِ، ورَفَعُوا ذَلِكَ إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ، فَكَتَبَ عَتّابٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى عَتّابٍ وقالَ: إنْ رَضُوا وإلّا فَأْذَنْهم بِحَرْبٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: مَن كانَ مُقِيمًا (p-١٩٢)عَلى الرِّبا لا يَنْزِعُ مِنهُ فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضَرَبَ عُنُقَهُ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنْهُ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: اسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «ألا إنَّ كُلَّ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ، وأوَّلُ رِبًا مَوْضُوعٌ رِبا العَبّاسِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وأصْحابِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الرِّبا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شُرَيْحٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: وكَذَلِكَ كَلُّ دَيْنٍ عَلى مُسْلِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في التَّرْغِيبِ لِمَن لَهُ دَيْنٌ عَلى مُعْسِرٍ أنْ يُنْظِرَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ السُّدِّيِّ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِها وبَيْنَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إحْدى وثَمانُونَ يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّهُ عاشَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِها تِسْعَ لَيالٍ ثُمَّ ماتَ.

البقرة 2:281

قَوْلُهُ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيْ قُوا أنْفُسَكم مِن عِقابِهِ واتْرُكُوا البَقايا الَّتِي بَقِيَتْ لَكم مِنَ الرِّبا، وظاهِرُهُ أنَّهُ أبْطَلَ مِنَ الرِّبا ما لَمْ يَكُنْ مَقْبُوضًا. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ قِيلَ: هو شَرْطٌ مَجازِيٌّ عَلى جِهَةِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: إنَّ " إنْ " في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى " إذْ " . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو مَرْدُودٌ لا يُعْرَفُ في اللُّغَةِ، والظّاهِرُ أنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَإنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ امْتِثالَ أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ يَعْنِي ما أُمِرْتُمْ بِهِ مِنَ الِاتِّقاءِ وتَرْكِ ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ أيْ فاعْلَمُوا بِها، مِن أُذِنَ بِالشَّيْءِ إذا عُلِمَ بِهِ، قِيلَ: هو مِنَ الإذْنِ بِالشَّيْءِ وهو الِاسْتِماعُ لِأنَّهُ مِن طُرُقِ العِلْمِ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وحَمْزَةُ " فَآذِنُوا " عَلى مَعْنى فَأعْلِمُوا غَيْرَكم أنَّكم عَلى حَرْبِهِمْ. وقَدْ دَلَّتْ هَذِهِ عَلى أنَّ أكْلَ الرِّبا والعَمَلَ بِهِ مِنَ الكَبائِرِ، ولا خِلافَ في ذَلِكَ، وتَنْكِيرُ الحَرْبِ لِلتَّعْظِيمِ، وزادَها تَعْظِيمًا نِسْبَتُها إلى اسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ وإلى رَسُولِهِ الَّذِي هو أشْرَفُ خَلِيقَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تُبْتُمْ﴾ أيْ مِنَ الرِّبا ﴿فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكُمْ﴾ تَأْخُذُونَها ﴿لا تُظْلَمُونَ﴾ غُرَماءَكم بِأخْذِ الزِّيادَةِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ أنْتُمْ مِن قِبَلِهِمْ بِالمَطْلِ والنَّقْصِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ. وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ أمْوالَهم مَعَ عَدَمِ التَّوْبَةِ حَلالٌ لِمَن أخَذَها مِنَ الأئِمَّةِ ونَحْوِهِمْ مِمَّنْ يَنُوبُ عَنْهم. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ لَمّا حَكَمَ سُبْحانَهُ لِأهْلِ الرِّبا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عِنْدَ الواجِدِينَ لِلْمالِ حَكَمَ في ذَوِي العُسْرَةِ بِالنَّظَرِ إلى يَسارٍ، والعُسْرَةُ: ضِيقُ الحالِ مِن جِهَةِ عَدَمِ المالِ، ومِنهُ جَيْشُ العُسْرَةِ. والنَّظِرَةُ: التَّأْخِيرُ، والمَيْسَرَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اليُسْرِ، وارْتَفَعَ " ذُو " بَكانِ التّامَّةِ الَّتِي بِمَعْنى وُجِدَ، وهَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ وغَيْرِهِما. وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: ؎فِدًى لِبَنِي ذُهْلِ بْنِ شَيْبانَ يا فَتى إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كَواكِبَ أشْهَبُ وفِي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: " وإنْ كانَ ذا عُسْرَةٍ " عَلى مَعْنى: وإنْ كانَ المَطْلُوبُ ذا عُسْرَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ " وإنْ كانَ مُعْسِرًا " قالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ عَنْ أحْمَدَ بْنِ مُوسى: وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. ورَوى المُعْتَمِرُ عَنْ حَجّاجٍ الوَرّاقِ قالَ: في مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ النَّحّاسُ ومَكِّيٌّ والنَّقّاشُ: وعَلى هَذا يَخْتَصُّ لَفْظُ الآيَةِ بِأهْلِ الرِّبا، وعَلى مَن قَرَأ " ذُو " فَهي عامَّةٌ في جَمِيعِ مَن عَلَيْهِ دَيْنٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ. وقَرَأ الجَماعَةُ فَنَظِرَةٌ بِكَسْرِ الظّاءِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو رَجاءٍ والحَسَنُ بِسُكُونِها وهي لُغَةُ تَمِيمٍ. وقَرَأ نافِعٌ وحْدَهُ " مَيْسُرَةٍ " بِضَمِّ السِّينِ والجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي اليَسارُ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بِحَذْفِ إحْدى التّاءَيْنِ، وقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الصّادِ: أيْ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى مُعْسِرِي غُرَمائِكم بِالإبْراءِ خَيْرٌ لَكم، وفِيهِ التَّرْغِيبُ لَهم بِأنْ يَتَصَدَّقُوا بِرُءُوسِ أمْوالِهِمْ عَلى مَن أعْسَرَ وجَعَلَ ذَلِكَ خَيْرًا مِن إنْظارِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ والضَّحّاكُ. قالَ الطَّبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ: مَعْنى الآيَةِ وأنْ تَصَدَّقُوا عَلى الغَنِيِّ والفَقِيرِ خَيْرٌ لَكم. والصَّحِيحُ الأوَّلُ، ولَيْسَ في الآيَةِ مَدْخَلٌ لِلْغَنِيِّ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ: أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ خَيْرٌ لَكم عَمِلْتُمْ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ هو يَوْمُ القِيامَةِ وتَنْكِيرُهُ لِلتَّهْوِيلِ وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لا ظَرْفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ وصْفٌ لَهُ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ الجِيمِ، والباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ هَذا اليَوْمَ المَذْكُورَ هو يَوْمُ المَوْتِ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ كَما تَقَدَّمَ. وقَوْلُهُ: " إلى اللَّهِ " فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ إلى حُكْمِ اللَّهِ ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ مِنَ النُّفُوسِ المُكَلَّفَةِ ما كَسَبَتْ أيْ جَزاءَ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ، وجُمْلَةُ ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ حالِيَّةٌ، وجُمِعَ الضَّمِيرُ لِأنَّهُ أنْسَبُ بِحالِ الجَزاءِ كَما أنَّ الإفْرادَ أنْسَبُ بِحالِ الكَسْبِ، وهَذِهِ الآيَةُ فِيها المَوْعِظَةُ الحَسَنَةُ لِجَمِيعِ النّاسِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ورَجُلٍ مِن بَنِي المُغِيرَةِ كانا شَرِيكَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ يُسْلِفانِ الرِّبا إلى ناسٍ مِن ثَقِيفٍ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهُما أمْوالٌ عَظِيمَةٌ في الرِّبا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «كانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ صالَحَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى أنَّ ما لَهم مِن رِبًا عَلى النّاسِ، وما كانَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ مِن رِبًا فَهو مَوْضُوعٌ، فَلَمّا كانَ الفَتْحُ اسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أسِيدٍ عَلى مَكَّةَ، وكانَتْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ يَأْخُذُونَ الرِّبا مِن بَنِي المُغِيرَةِ، وكانَ بَنُو المُغِيرَةِ يَرْبُونَ لَهم في الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَ الإسْلامُ ولَهم عَلَيْهِمْ مالٌ كَثِيرٌ فَأتاهم بَنُو عَمْرٍو يَطْلُبُونَ رِباهم، فَأبى بَنُو المُغِيرَةِ أنْ يُعْطُوهم في الإسْلامِ، ورَفَعُوا ذَلِكَ إلى عَتّابِ بْنِ أسِيدٍ، فَكَتَبَ عَتّابٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا﴾ فَكَتَبَ بِها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى عَتّابٍ وقالَ: إنْ رَضُوا وإلّا فَأْذَنْهم بِحَرْبٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: مَن كانَ مُقِيمًا (p-١٩٢)عَلى الرِّبا لا يَنْزِعُ مِنهُ فَحَقٌّ عَلى إمامِ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَتِيبَهُ، فَإنْ نَزَعَ وإلّا ضَرَبَ عُنُقَهُ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنْهُ في قَوْلِهِ: " فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ " قالَ: اسْتَيْقِنُوا بِحَرْبٍ. وأخْرَجَ أهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ أنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «ألا إنَّ كُلَّ رِبًا في الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، لَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ ولا تُظْلَمُونَ، وأوَّلُ رِبًا مَوْضُوعٌ رِبا العَبّاسِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو وأصْحابِهِ ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الرِّبا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شُرَيْحٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: وكَذَلِكَ كَلُّ دَيْنٍ عَلى مُسْلِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما في التَّرْغِيبِ لِمَن لَهُ دَيْنٌ عَلى مُعْسِرٍ أنْ يُنْظِرَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ السُّدِّيِّ وعَطِيَّةَ العَوْفِيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ، وكانَ بَيْنَ نُزُولِها وبَيْنَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إحْدى وثَمانُونَ يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أنَّهُ عاشَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ نُزُولِها تِسْعَ لَيالٍ ثُمَّ ماتَ.

البقرة 2:282

هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُدايَنَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْدَ بَيانِ حالِ الرِّبا: أيْ إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا وعامَلَهُ بِذَلِكَ، وذَكَرَ الدَّيْنَ بَعْدَ ذِكْرِ ما يُغْنِي عَنْهُ مِنَ المُدايَنَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقِيلَ: إنَّهُ ذُكِرَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: فاكْتُبُوهُ ولَوْ قالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الحُسْنِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، والدَّيْنُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُعامَلَةٍ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ فِيها نَقْدًا، والآخَرُ في الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإنَّ العَيْنَ عِنْدَ العَرَبِ ما كانَ حاضِرًا، والدَّيْنَ ما كانَ غائِبًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎وعَدَتْنا بِدِرْهَمَيْنا طِلاءً وشِواءً مُعَجَّلًا غَيْرَ دَيْنِ وقالَ الآخَرُ: ؎إذا ما أوْقَدُوا نارًا وحَطَبًا ∗∗∗ فَذاكَ المَوْتُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنِ وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأجَلَ المَجْهُولَ لا يَجُوزُ وخُصُوصًا أجْلُ السَّلَمِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أسْلَفَ في تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» وقَدْ قالَ بِذَلِكَ الجُمْهُورُ، واشْتَرَطُوا تَوْقِيتَهُ بِالأيّامِ أوِ الأشْهُرِ أوِ السِّنِينَ، قالُوا: ولا يَجُوزُ إلى الحَصادِ أوِ الدِّياسِ أوْ رُجُوعِ القافِلَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وجَوَّزَهُ مالِكٌ. قَوْلُهُ: فاكْتُبُوهُ أيِ الدَّيْنَ بِأجَلِهِ لِأنَّهُ أدْفَعُ لِلنِّزاعِ وأقْطَعُ لِلْخِلافِ. قَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ﴾ هو بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُما، فَأوْجَبُوا عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ إذا طُلِبَ مِنهُ ذَلِكَ، ولَمْ يُوجَدْ كاتِبٌ سِواهُ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقَوْلُهُ: بِالعَدْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِ " كاتِبٌ "، أيْ كاتِبٌ كائِنٌ بِالعَدْلِ: أيْ يَكْتُبُ بِالسَّوِيَّةِ لا يَزِيدُ ولا يُنْقِصُ ولا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَكُونُ في قَلْبِهِ ولا قَلَمِهِ هَوادَةٌ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، بَلْ يَتَحَرّى الحَقَّ بَيْنَهم والمَعْدَلَةَ فِيهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مُشْعِرَةٌ بِالعُمُومِ: أيْ لا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ أنْ يَكْتُبَ كِتابَ التَّدايُنِ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ: أيْ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الكِتابَةِ، أوْ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: بِالعَدْلِ. قَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ الإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ: الأُولى لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَلى اللُّغَةِ الأُولى، وجاءَ عَلى اللُّغَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] و﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ هو مَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالإمْلاءِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما تَكُونُ عَلى إقْرارِهِ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ في ذِمَّتِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ بِالتَّقْوى فِيما يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ، بالَغَ في ذَلِكَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمِ والوَصْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ ونَهاهُ عَنِ البَخْسِ وهو النَّقْصُ، وقِيلَ: إنَّهُ نَهْيٌ لِلْكاتِبِ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ هو الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ النَّقْصُ، ولَوْ كانَ نَهْيًا لِلْكاتِبِ لَمْ يَقْتَصِرْ في نَهْيِهِ عَلى النَّقْصِ، لِأنَّهُ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ كَما يُتَوَقَّعُ مِنهُ النَّقْصُ. والسَّفِيهُ هو الَّذِي لا رَأْيَ لَهُ في حُسْنِ التَّصَرُّفِ فَلا يُحْسِنُ الأخْذَ ولا الإعْطاءَ، شُبِّهَ بِالثَّوْبِ السَّفِيهِ وهو (p-١٩٣)الخَفِيفُ النَّسْجِ، والعَرَبُ تُطْلِقُ السَّفَهَ عَلى ضَعْفِ العَقْلِ تارَةً، وعَلى ضَعْفِ البَدَنِ أُخْرى، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَخافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلامُنا ∗∗∗ ونَجْهَلَ الدَّهْرَ مَعَ الجاهِلِ ومِنَ الثّانِي قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ أيِ اسْتَضْعَفَها واسْتَلانَها بِحَرَكَتِها، وبِالجُمْلَةِ فالسَّفِيهُ هو المُبَذِّرُ إمّا لِجَهْلِهِ بِالصَّرْفِ أوْ لِتَلاعُبِهِ بِالمالِ عَبَثًا مَعَ كَوْنِهِ لا يَجْهَلُ الصَّوابَ. والضَّعِيفُ: هو الشَّيْخُ الكَبِيرُ، أوِ الصَّبِيُّ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الضَّعْفُ بِضَمِّ الضّادِ في البَدَنِ، وبِفَتْحِها في الرَّأْيِ. والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو الأخْرَسُ أوِ العَيِيُّ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى التَّعْبِيرِ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: إنَّ الضَّعِيفَ هو المَذْهُولُ العَقْلِ النّاقِصُ الفِطْنَةِ العاجِزُ عَنِ الإمْلاءِ، والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو الصَّغِيرُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾، فَيُمِلُّ عَنِ السَّفِيهِ ولِيُّهُ المَنصُوبُ عَنْهُ بَعْدَ حَجْرِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ في مالِهِ، ويُمِلُّ عَنِ الصَّبِيِّ وصِّيُهُ أوْ ولِيُّهُ، وكَذَلِكَ يُمِلُّ عَنِ العاجِزِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الإمْلالَ لِضَعْفِ ولِيِّهِ لِأنَّهُ في حُكْمِ الصَّبِيِّ أوِ المَنصُوبِ عَنْهُ مِنَ الإمامِ أوِ القاضِي، ويُمِلُّ عَنِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ وكِيلُهُ إذا كانَ صَحِيحَ العَقْلِ وعَرَضَتْ لَهُ آفَةٌ في لِسانِهِ أوْ لَمْ تَعْرِضْ، ولَكِنَّهُ جاهِلٌ لا يَقْدِرُ عَلى التَّعْبِيرِ كَما يَنْبَغِي. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ولِيُّهُ يَعُودُ إلى " الحَقُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وتَصَرُّفُ السَّفِيهِ المَحْجُورِ عَلَيْهِ دُونَ ولِيِّهِ فاسِدٌ إجْماعًا مَفْسُوخٌ أبَدًا لا يُوجِبُ حُكْمًا ولا يُؤَثِّرُ شَيْئًا، فَإنْ تَصَرَّفَ سَفِيهٌ ولا حَجْرَ عَلَيْهِ فَفِيهِ خِلافٌ انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم﴾ الِاسْتِشْهادُ: طَلَبُ الشَّهادَةِ، وسَمّاهُما شَهِيدَيْنِ قَبْلَ الشَّهادَةِ مِن مَجازِ الأوَّلِ أيْ بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما مِنَ الشَّهادَةِ، ومِن رِجالِكم مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِشَهِيدَيْنِ: أيْ كائِنَيْنِ مِن رِجالِكم: أيْ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَخْرُجُ الكُفّارُ، ولا وجْهَ لِخُرُوجِ العَبِيدِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَهم إذا كانُوا مُسْلِمِينَ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ، وبِهِ قالَ شُرَيْحٌ وعُثْمانُ البَتِّيُّ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأبُو ثَوْرٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ لِما يَلْحَقُهُ مِن نَقْصِ الرِّقِّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ: يَصِحُّ في الشَّيْءِ اليَسِيرِ دُونَ الكَثِيرِ. واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ جَوازِ شَهادَةِ العَبْدِ بِأنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّذِينَ يَتَعامَلُونَ بِالمُدايَنَةِ، والعَبِيدُ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا تَجْرِي فِيهِ المُعامَلَةُ. ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وأيْضًا العَبْدُ تَصِحُّ مِنهُ المُدايَنَةُ وسائِرُ المُعامَلاتِ إذا أذِنَ لَهُ مالِكُهُ بِذَلِكَ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ: هَلِ الإشْهادُ واجِبٌ أوْ مَندُوبٌ ؟ فَقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكُ وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظّاهِرِيُّ وابْنُهُ: إنَّهُ واجِبٌ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّهُ مَندُوبٌ، وهَذا الخِلافُ بَيْنَ هَؤُلاءِ هو في وُجُوبِ الإشْهادِ عَلى البَيْعِ. واسْتَدَلَّ المُوجِبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا الأمْرِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: واسْتَشْهِدُوا، فَيَلْزَمُ القائِلِينَ بِوُجُوبِ الإشْهادِ في البَيْعِ أنْ يَقُولُوا بِوُجُوبِهِ في المُدايَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ أيِ الشَّهِيدانِ ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ أيْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ أوْ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَكْفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ " رَجُلٌ وامْرَأتانِ ": أيْ كائِنُونَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ. والمُرادُ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دِينَهم وعَدالَتَهم، أيْ كائِنُونَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ. والمُرادُ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دِينَهم وعَدالَتَهم، وفِيهِ أنَّ المَرْأتَيْنِ في الشَّهادَةِ بِرَجُلٍ، وأنَّها لا تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ إلّا مَعَ الرَّجُلِ لا وحْدَهُنَّ إلّا فِيما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ لِلضَّرُورَةِ. واخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ الحُكْمُ بِشَهادَةِ امْرَأتَيْنِ مَعَ يَمِينِ المُدَّعِي كَما جازَ الحُكْمُ بِرَجُلٍ مَعَ يَمِينِ المُدَّعِي ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَ المَرْأتَيْنِ كالرَّجُلِ في هَذِهِ الآيَةِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الخِلافِ في الحُكْمِ بِشاهِدٍ مَعَ يَمِينِ المُدَّعِي، والحَقُّ أنَّهُ جائِزٌ لِوُرُودِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهو زِيادَةٌ لَمْ تُخالِفْ ما في الكِتابِ العَزِيزِ فَيَتَعَيَّنُ قَبُولُها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى وغَيْرِهِ مِن مُؤَلَّفاتِنا، ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن يَفْهَمُ أنَّهُ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُرَدُّ بِهِ قَضاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ، ولَمْ يَدْفَعُوا هَذا إلّا بِقاعِدَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ هي قَوْلُهُ: إنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، وهَذِهِ دَعْوى باطِلَةٌ، بَلِ الزِّيادَةُ عَلى النَّصِّ شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ جاءَنا بِها مَن جاءَنا بِالنَّصِّ المُتَقَدِّمِ عَلَيْها، وأيْضًا كانَ يَلْزَمُهم أنْ لا يَحْكُمُوا بِنُكُولِ المَطْلُوبِ ولا بِيَمِينِ الرَّدِّ عَلى الطّالِبِ. وقَدْ حَكَمُوا بِهِما، والجَوابُ الجَوابُ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ( تَضِلَّ ) تَنْسى، والضَّلالُ عَنِ الشَّهادَةِ إنَّما هو نِسْيانُ جُزْءٍ مِنها وذِكْرُ جُزْءٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ " إنْ تَضِلَّ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَوْلُهُ: فَتُذَكِّرَ جَوابُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى " تَضِلَّ، ومَن رَفَعَهُ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " فَتُذْكِرَ " بِتَخْفِيفِ الذّالِ والكافِ، ومَعْناهُ: تَزِيدُها ذِكْرًا. وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ تَنْبِيهًا إذا غَفَلَتْ ونَسِيَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْلِيلٌ لِاعْتِبارِ العَدَدِ في النِّساءِ: أيْ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وتَشْهَدِ امْرَأتانِ عِوَضًا عَنِ الرَّجُلِ الآخَرِ لِأجْلِ تَذْكِيرِ إحْداهُما لِلْأُخْرى إذا ضَلَّتْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو سُؤالُ سائِلٍ عَنْ وجْهِ اعْتِبارِ امْرَأتَيْنِ عِوَضًا عَنِ الرَّجُلِ الواحِدِ، فَقِيلَ: وجْهُهُ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ هي التَّذْكِيرُ، ولَكِنَّ الضَّلالَ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ نَزَلَ مَنزِلَتَهُ، وأُبْهِمَ الفاعِلُ في " تَضِلَّ " وتُذَكِّرَ "؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَجُوزُ عَلَيْهِ الوَصْفانِ، فالمَعْنى: إنْ ضَلَّتْ هَذِهِ ذَكَّرَتْها هَذِهِ، وإنْ ضَلَّتْ هَذِهِ ذَكَّرَتْها هَذِهِ، لا عَلى التَّعْيِينِ، أيْ: إنْ ضَلَّتْ إحْدى المَرْأتَيْنِ ذَكَّرَتْها المَرْأةُ (p-١٩٤)الأُخْرى، وإنَّما اعْتُبِرَ فِيهِما هَذا التَّذْكِيرُ لِما يَلْحَقُهُما مِن ضَعْفِ النِّساءِ بِخِلافِ الرِّجالِ. وقَدْ يَكُونُ الوَجْهُ في الإبْهامِ أنَّ ذَلِكَ - يَعْنِي الضَّلالَ والتَّذْكِيرَ - يَقَعُ بَيْنَهُما مُتَناوِبًا حَتّى رُبَّما ضَلَّتْ هَذِهِ عَنْ وجْهٍ وضَلَّتْ تِلْكَ عَنْ وجْهٍ آخَرَ، فَذَكَّرَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما صاحِبَتَها. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ تُصَيِّرَها ذَكَرًا، يَعْنِي أنَّ مَجْمُوعَ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مِثْلُ شَهادَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا باطِلٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ شَرْعٌ ولا لُغَةٌ ولا عَقْلٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ أيْ لِأداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي قَدْ تَحَمَّلُوها مِن قَبْلُ، وقِيلَ: إذا ما دُعُوا لِتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ، وتَسْمِيَتُهم شُهَداءَ مَجازٌ كَما تَقَدَّمَ، وحَمَلَها الحَسَنُ عَلى المَعْنَيَيْنِ. وظاهِرُ هَذا النَّهْيِ أنَّ الِامْتِناعَ مِن أداءِ الشَّهادَةِ حَرامٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ مَعْنى تَسْأمُوا: تَمَلُّوا. قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سَئِمْتُ أسْأمُ سَآمَةً وسِئامًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ∗∗∗ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأمِ أيْ لا تَمَلُّوا أنْ تَكْتُبُوهُ: أيِ الدَّيْنَ الَّذِي تَدايَنْتُمْ بِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ، وقِيلَ: الشّاهِدُ، وقِيلَ: الكِتابُ، نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهم رُبَّما مَلُّوا مِن كَثْرَةِ المُدايَنَةِ أنْ يَكْتُبُوا، ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا: أيْ لا تَمَلُّوا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ سَواءٌ كانَ الدَّيْنُ كَثِيرًا أوْ قَلِيلًا، وقِيلَ: إنَّهُ كَنّى بِالسَّآمَةِ عَنِ الكَسَلِ. والأوَّلُ أوْلى. وقَدَّمَ الصَّغِيرَ هُنا عَلى الكَبِيرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِدَفْعِ ما عَساهُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا مالٌ صَغِيرٌ: أيْ قَلِيلٌ لا احْتِياجَ إلى كَتْبِهِ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ذَلِكم إلى المَكْتُوبِ المَذْكُورِ في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: أنْ تَكْتُبُوهُ، وأقْسَطُ مَعْناهُ أعْدَلُ: أيْ أصَحُّ وأحْفَظُ ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أيْ أعْوَنُ عَلى إقامَةِ الشَّهادَةِ وأثْبَتُ لَها وهو مَبْنِيٌّ مِن أقامَ، وكَذَلِكَ أقْسَطُ مَبْنِيٌّ مِن فِعْلِهِ: أيْ أقْسَطَ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ بِأنَّهُ قِياسِيٌّ: أيْ بُنِيَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ أقْرَبُ لِنَفْيِ الرَّيْبِ في مُعامَلاتِكم: أيِ الشَّكِّ، ولِذَلِكَ أنَّ الكُتّابَ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ يَدْفَعُ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ الرَّيْبِ كائِنًا ما كانَ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم﴾ " أنْ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَهُ الأخْفَشُ، و" كانَ " تامَّةٌ، أيْ إلّا أنْ تَقَعَ أوْ تُوجَدَ تِجارَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ وقْتَ تَبايُعِكم، وتِجارَتُكم حاضِرَةٌ بِحُضُورِ البَدَلَيْنِ ﴿تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ تَتَعاطَوْنَها يَدًا بِيَدٍ، فالإدارَةُ: التَّعاطِي والتَّقابُضُ، فالمُرادُ التَّبايُعُ النّاجِزُ يَدًا بِيَدٍ فَلا حَرَجَ عَلَيْكم إنْ تَرَكْتُمْ كِتابَهُ. وقُرِئَ بِنَصْبِ " تِجارَةً " عَلى أنَّ " كانَ " ناقِصَةً: أيْ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً. قَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ هَذا التَّبايُعَ المَذْكُورَ هَذا، وهو التِّجارَةُ الحاضِرَةُ عَلى أنَّ الإشْهادَ فِيها يَكْفِي، وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا تَبايَعْتُمْ، أيَّ تَبايُعٍ كانَ حاضِرًا أوْ كالِئًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أدْفَعُ لِمادَّةِ الخِلافِ وأقْطَعُ لِمَنشَأِ الشِّجارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا ذِكْرُ الخِلافِ في كَوْنِ هَذا الإشْهادِ واجِبًا أوْ مَندُوبًا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أوْ لِلْمَفْعُولِ، فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: لا يُضارِرْ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ مِن طَلَبِ ذَلِكَ مِنهُما، إمّا بِعَدَمِ الإجابَةِ، أوْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في كِتابَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ أبِي إسْحاقَ " ولا يُضارِرْ " بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، وعَلى الثّانِي: لا يُضارَرْ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ بِأنْ يُدْعَيا إلى ذَلِكَ وهُما مَشْغُولانِ بِمُهِمٍّ لَهُما ويُضَيَّقَ عَلَيْهِما في الإجابَةِ ويُؤْذَيا إنْ حَصَلَ مِنهُما التَّراخِي، أوْ يُطْلَبَ مِنهُما الحُضُورُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " ولا يُضارَرْ " بِفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ [البقرة: ٢٣٣] ما إذا راجَعْتَهُ زادَكَ بَصِيرَةً إنْ شاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: وإنْ تَفْعَلُوا أيْ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ المُضارَّةِ فَإنَّهُ أيْ فِعْلُكم هَذا ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أيْ خُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ مُلْتَبِسٌ بِكم ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في فِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ الوَعْدُ لِمَنِ اتَّقاهُ أنْ يُعَلِّمَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَشْرُوعِيَّةَ الكِتابَةِ والإشْهادِ لِحِفْظِ الأمْوالِ ودَفْعِ الرَّيْبِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ العُذْرِ عَنْ وُجُودِ الكاتِبِ ونَصَّ عَلى حالَةِ السَّفَرِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ أحْوالِ العُذْرِ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ كُلُّ عُذْرٍ يَقُومُ مَقامَ السَّفَرِ، وجَعَلَ الرِّهانَ المَقْبُوضَةَ قائِمَةً مَقامَ الكِتابَةِ، أيْ فَإنْ كُنْتُمْ مُسافِرِينَ ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾ في سَفَرِكم ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ قالَ أهْلُ العِلْمِ: الرَّهْنُ في السَّفَرِ ثابِتٌ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، وفي الحَضَرِ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «" أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ مِن يَهُودِيٍّ» " . وقَرَأ الجُمْهُورُ كاتِبًا أيْ رَجُلًا يَكْتُبُ لَكم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيٌّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ " كِتابًا " قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ فَقالَ: مَعْناهُ: فَإنْ لَمْ تَجِدُوا مِدادًا: يَعْنِي في الأسْفارِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ " " فَرُهُنٌ " بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ. ورُوِيَ عَنْهُما تَخْفِيفُ الهاءِ جَمْعُ رِهانٍ. قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ " فَرَهْنٌ " بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ رِهانٌ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ في الرَّهْنِ رَهَنْتُ أوْ أرْهَنْتُ، وكَذا قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ والأخْفَشُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يُقالُ أرْهَنْتُ في المُعامَلاتِ، وأمّا في القَرْضِ والبَيْعِ فَرَهَنْتُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الرُّواةُ كُلُّهم في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكًا عَلى أرْهَنْتُهم، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ رَهَنْتُهُ وأرْهَنْتُهُ إلّا الأصْمَعِيَّ فَإنَّهُ رَواهُ: وأرْهَنُهم، عَلى أنَّهُ عَطْفٌ لِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ عَلى فِعْلٍ ماضٍ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ: قُمْتُ، وأصُكُّ وجْهَهُ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أرْهَنْتُ فِيهِما بِمَعْنى أسْلَفْتُ، والمُرْتَهِنُ الَّذِي يَأْخُذُ الرَّهْنَ، والشَّيْءُ مَرْهُونٌ ورَهِينٌ، (p-١٩٥)وراهَنْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُراهَنَةً خاطَرْتُهُ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى اعْتِبارِ القَبْضِ كَما صَرَّحَ بِهِ القُرْآنُ، وذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّهُ يَصِحُّ الِارْتِهانُ بِالإيجابِ والقَبُولِ مِن دُونِ قَبْضٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ أيْ إنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ أمِينًا عِنْدَ صاحِبِ الحَقِّ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ وأمانَتِهِ لَدَيْهِ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنِ الِارْتِهانِ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ وهو المَدْيُونُ أمانَتَهُ أيِ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ، والأمانَةُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الَّذِي في الذِّمَّةِ، وأضافَها إلى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِن حَيْثُ إنَّ لَها إلَيْهِ نِسْبَةً، وقُرِئَ " ايتَمَنَ " بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وقُرِئَ بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ مِنَ الهَمْزَةِ لا تُدْغَمُ؛ لِأنَّها في حُكْمِها ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في أنْ لا يَكْتُمَ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ نَهْيٌ لِلشُّهُودِ أنْ يَكْتُمُوا ما تَحَمَّلُوهُ مِنَ الشَّهادَةِ، وهو في حُكْمِ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ﴾ أيْ لا يُضارِرْ بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ خَصَّ القَلْبَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الكَتْمَ مِن أفْعالِهِ، ولِكَوْنِهِ رَئِيسَ الأعْضاءِ، وهو المُضْغَةُ الَّتِي إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ كُلُّهُ، وارْتِفاعُ القَلْبِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ و" آثِمٌ " خَبَرُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ بَدَلًا مِن آثِمٌ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في آثِمٌ الرّاجِعِ إلى " مَن "، وقُرِئَ " قَلْبَهُ " بِالنَّصْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] . وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في السَّلَمِ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وغَيْرُهم عَنْهُ قالَ: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أنَّ اللَّهَ أجَّلَهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ بِالشَّهادَةِ عِنْدَ المُدايَنَةِ لِكَيْلا يَدْخُلَ في ذَلِكَ جُحُودٌ ولا نِسْيانٌ، فَمَن لَمْ يَشْهَدْ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ عَصى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ يَعْنِي مَنِ احْتِيجَ إلَيْهِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَشْهَدَ عَلى شَهادَةٍ أوْ كانَتْ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْبى إذا ما دُعِيَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ والضِّرارُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ وهو عَنْهُ غَنِيٌّ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَكَ أنْ لا تَأْبى إذا دُعِيتَ، فَيُضارُّهُ بِذَلِكَ وهو مُكْتَفٍ بِغَيْرِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وقالَ: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم﴾ يَعْنِي مَعْصِيَةً. قالَ: ومِنَ الكَبائِرِ كِتْمانُ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ قالَ: واجِبٌ عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتِ الكِتابَةُ عَزِيمَةً فَنَسَخَها: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ قالَ: هو الجاهِلُ أوْ ضَعِيفًا قالَ: هو الأحْمَقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: سَفِيهًا قالا: هو الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ قالَ: صاحِبُ الدَّيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ولِيُّ اليَتِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ولِيُّ السَّفِيهِ أوِ الضَّعِيفِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الأحْرارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ قالَ: عُدُولٌ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: عَدْلانِ حُرّانِ مُسْلِمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ يَقُولُ: أنْ تَنْسى إحْدى المَرْأتَيْنِ الشَّهادَةَ ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ يَعْنِي تُذَكِّرُها الَّتِي حَبِطَتْ شَهادَتُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ قالَ: إذا كانَتْ عِنْدَهم شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ في القَوْمِ الكَثِيرِ يَدْعُوهم يَشْهَدُونَ فَلا يَتْبَعُهُ أحَدٌ مِنهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَتْ: أعْدَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ قالَ: يَأْتِي الرَّجُلُ الرَّجُلَيْنِ فَيَدْعُوهُما إلى الكِتابَةِ والشَّهادَةِ فَيَقُولانِ: إنّا عَلى حاجَةٍ، فَيَقُولُ: إنَّكُما قَدْ أُمِرْتُما أنْ تُجِيبا، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُضارَّهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طاوُسٍ ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ﴾، فَيَكْتُبُ ما لَمْ يُمِلَّ عَلَيْهِ ولا شَهِيدٌ فَيَشْهَدُ بِما لَمْ يَسْتَشْهِدْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَن كانَ عَلى سَفَرٍ فَبايَعَ بَيْعًا إلى أجَلٍ فَلَمْ يَجِدْ كاتِبًا فَرَخَّصَ لَهُ في الرِّهانِ المَقْبُوضَةِ، ولَيْسَ لَهُ إنْ وجَدَ كاتِبًا أنْ يَرْتَهِنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَكُونُ الرَّهْنُ إلّا في السَّفَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لا يَكُونُ الرَّهْنُ إلّا مَقْبُوضًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ ماجَهْ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ قالَ: هَذِهِ نَسَخَتْ ما قَبْلَها. وأقُولُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْ هَذا الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ، لَيْسَ هَذا مِن بابِ النَّسْخِ، فَهَذا مُقَيَّدٌ بِالِائْتِمانِ، وما قَبْلَهُ ثابِتٌ مُحْكَمٌ لَمْ (p-١٩٦)يُنْسَخْ وهو مَعَ عَدَمِ الِائْتِمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: آثِمٌ قَلْبُهُ قالَ: فاجِرٌ قَلْبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أحْدَثَ القُرْآنِ بِالعَرْشِ آيَةُ الدَّيْنِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: آخِرُ القُرْآنِ عَهْدًا بِالعَرْشِ آيَةُ الرِّبا وآيَةُ الدَّيْنِ.

البقرة 2:283

هَذا شُرُوعٌ في بَيانِ حالِ المُدايَنَةِ الواقِعَةِ بَيْنَ النّاسِ بَعْدَ بَيانِ حالِ الرِّبا: أيْ إذا دايَنَ بَعْضُكم بَعْضًا وعامَلَهُ بِذَلِكَ، وذَكَرَ الدَّيْنَ بَعْدَ ذِكْرِ ما يُغْنِي عَنْهُ مِنَ المُدايَنَةِ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨] وقِيلَ: إنَّهُ ذُكِرَ لِيَرْجِعَ إلَيْهِ الضَّمِيرُ مِن قَوْلِهِ: فاكْتُبُوهُ ولَوْ قالَ: فاكْتُبُوا الدَّيْنَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنَ الحُسْنِ ما في قَوْلِهِ: ﴿إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾، والدَّيْنُ عِبارَةٌ عَنْ كُلِّ مُعامَلَةٍ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ فِيها نَقْدًا، والآخَرُ في الذِّمَّةِ نَسِيئَةً، فَإنَّ العَيْنَ عِنْدَ العَرَبِ ما كانَ حاضِرًا، والدَّيْنَ ما كانَ غائِبًا، قالَ الشّاعِرُ: ؎وعَدَتْنا بِدِرْهَمَيْنا طِلاءً وشِواءً مُعَجَّلًا غَيْرَ دَيْنِ وقالَ الآخَرُ: ؎إذا ما أوْقَدُوا نارًا وحَطَبًا ∗∗∗ فَذاكَ المَوْتُ نَقْدًا غَيْرَ دَيْنِ وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا المَعْنى بِقَوْلِهِ: ﴿إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأجَلَ المَجْهُولَ لا يَجُوزُ وخُصُوصًا أجْلُ السَّلَمِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن أسْلَفَ في تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ» وقَدْ قالَ بِذَلِكَ الجُمْهُورُ، واشْتَرَطُوا تَوْقِيتَهُ بِالأيّامِ أوِ الأشْهُرِ أوِ السِّنِينَ، قالُوا: ولا يَجُوزُ إلى الحَصادِ أوِ الدِّياسِ أوْ رُجُوعِ القافِلَةِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. وجَوَّزَهُ مالِكٌ. قَوْلُهُ: فاكْتُبُوهُ أيِ الدَّيْنَ بِأجَلِهِ لِأنَّهُ أدْفَعُ لِلنِّزاعِ وأقْطَعُ لِلْخِلافِ. قَوْلُهُ: ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ﴾ هو بَيانٌ لِكَيْفِيَّةِ الكِتابَةِ المَأْمُورِ بِها، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وبِهِ قالَ عَطاءٌ والشَّعْبِيُّ وغَيْرُهُما، فَأوْجَبُوا عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ إذا طُلِبَ مِنهُ ذَلِكَ، ولَمْ يُوجَدْ كاتِبٌ سِواهُ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلنَّدْبِ. وقَوْلُهُ: بِالعَدْلِ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ صِفَةٌ لِ " كاتِبٌ "، أيْ كاتِبٌ كائِنٌ بِالعَدْلِ: أيْ يَكْتُبُ بِالسَّوِيَّةِ لا يَزِيدُ ولا يُنْقِصُ ولا يَمِيلُ إلى أحَدِ الجانِبَيْنِ، وهو أمْرٌ لِلْمُتَدايِنَيْنِ بِاخْتِيارِ كاتِبٍ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لا يَكُونُ في قَلْبِهِ ولا قَلَمِهِ هَوادَةٌ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ، بَلْ يَتَحَرّى الحَقَّ بَيْنَهم والمَعْدَلَةَ فِيهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ النَّكِرَةُ في سِياقِ النَّفْيِ مُشْعِرَةٌ بِالعُمُومِ: أيْ لا يَمْتَنِعُ أحَدٌ مِنَ الكُتّابِ أنْ يَكْتُبَ كِتابَ التَّدايُنِ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ: أيْ عَلى الطَّرِيقَةِ الَّتِي عَلَّمَهُ اللَّهُ مِنَ الكِتابَةِ، أوْ كَما عَلَّمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: بِالعَدْلِ. قَوْلُهُ: ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ الإمْلالُ والإمْلاءُ لُغَتانِ: الأُولى لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وبَنِي أسَدٍ، والثّانِيَةُ لُغَةُ بَنِي تَمِيمٍ، فَهَذِهِ الآيَةُ جاءَتْ عَلى اللُّغَةِ الأُولى، وجاءَ عَلى اللُّغَةِ الثّانِيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأصِيلًا﴾ [الفرقان: ٥] و﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾ هو مَن عَلَيْهِ الدَّيْنُ، أمَرَهُ اللَّهُ تَعالى بِالإمْلاءِ؛ لِأنَّ الشَّهادَةَ إنَّما تَكُونُ عَلى إقْرارِهِ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ في ذِمَّتِهِ، وأمَرَهُ اللَّهُ بِالتَّقْوى فِيما يُمْلِيهِ عَلى الكاتِبِ، بالَغَ في ذَلِكَ بِالجَمْعِ بَيْنَ الِاسْمِ والوَصْفِ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ ونَهاهُ عَنِ البَخْسِ وهو النَّقْصُ، وقِيلَ: إنَّهُ نَهْيٌ لِلْكاتِبِ. والأوَّلُ أوْلى لِأنَّ مَن عَلَيْهِ الحَقُّ هو الَّذِي يُتَوَقَّعُ مِنهُ النَّقْصُ، ولَوْ كانَ نَهْيًا لِلْكاتِبِ لَمْ يَقْتَصِرْ في نَهْيِهِ عَلى النَّقْصِ، لِأنَّهُ يُتَوَقَّعُ مِنهُ الزِّيادَةُ كَما يُتَوَقَّعُ مِنهُ النَّقْصُ. والسَّفِيهُ هو الَّذِي لا رَأْيَ لَهُ في حُسْنِ التَّصَرُّفِ فَلا يُحْسِنُ الأخْذَ ولا الإعْطاءَ، شُبِّهَ بِالثَّوْبِ السَّفِيهِ وهو (p-١٩٣)الخَفِيفُ النَّسْجِ، والعَرَبُ تُطْلِقُ السَّفَهَ عَلى ضَعْفِ العَقْلِ تارَةً، وعَلى ضَعْفِ البَدَنِ أُخْرى، فَمِنَ الأوَّلِ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎نَخافُ أنْ تَسْفَهَ أحْلامُنا ∗∗∗ ونَجْهَلَ الدَّهْرَ مَعَ الجاهِلِ ومِنَ الثّانِي قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎مَشَيْنَ كَما اهْتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ ∗∗∗ أعالِيَها مَرُّ الرِّياحِ النَّواسِمِ أيِ اسْتَضْعَفَها واسْتَلانَها بِحَرَكَتِها، وبِالجُمْلَةِ فالسَّفِيهُ هو المُبَذِّرُ إمّا لِجَهْلِهِ بِالصَّرْفِ أوْ لِتَلاعُبِهِ بِالمالِ عَبَثًا مَعَ كَوْنِهِ لا يَجْهَلُ الصَّوابَ. والضَّعِيفُ: هو الشَّيْخُ الكَبِيرُ، أوِ الصَّبِيُّ. قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الضَّعْفُ بِضَمِّ الضّادِ في البَدَنِ، وبِفَتْحِها في الرَّأْيِ. والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو الأخْرَسُ أوِ العَيِيُّ الَّذِي لا يَقْدِرُ عَلى التَّعْبِيرِ كَما يَنْبَغِي، وقِيلَ: إنَّ الضَّعِيفَ هو المَذْهُولُ العَقْلِ النّاقِصُ الفِطْنَةِ العاجِزُ عَنِ الإمْلاءِ، والَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هو الصَّغِيرُ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ بِالعَدْلِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى " ﴿الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾، فَيُمِلُّ عَنِ السَّفِيهِ ولِيُّهُ المَنصُوبُ عَنْهُ بَعْدَ حَجْرِهِ عَنِ التَّصَرُّفِ في مالِهِ، ويُمِلُّ عَنِ الصَّبِيِّ وصِّيُهُ أوْ ولِيُّهُ، وكَذَلِكَ يُمِلُّ عَنِ العاجِزِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الإمْلالَ لِضَعْفِ ولِيِّهِ لِأنَّهُ في حُكْمِ الصَّبِيِّ أوِ المَنصُوبِ عَنْهُ مِنَ الإمامِ أوِ القاضِي، ويُمِلُّ عَنِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ وكِيلُهُ إذا كانَ صَحِيحَ العَقْلِ وعَرَضَتْ لَهُ آفَةٌ في لِسانِهِ أوْ لَمْ تَعْرِضْ، ولَكِنَّهُ جاهِلٌ لا يَقْدِرُ عَلى التَّعْبِيرِ كَما يَنْبَغِي. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ولِيُّهُ يَعُودُ إلى " الحَقُّ، وهو ضَعِيفٌ جِدًّا. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وتَصَرُّفُ السَّفِيهِ المَحْجُورِ عَلَيْهِ دُونَ ولِيِّهِ فاسِدٌ إجْماعًا مَفْسُوخٌ أبَدًا لا يُوجِبُ حُكْمًا ولا يُؤَثِّرُ شَيْئًا، فَإنْ تَصَرَّفَ سَفِيهٌ ولا حَجْرَ عَلَيْهِ فَفِيهِ خِلافٌ انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجالِكم﴾ الِاسْتِشْهادُ: طَلَبُ الشَّهادَةِ، وسَمّاهُما شَهِيدَيْنِ قَبْلَ الشَّهادَةِ مِن مَجازِ الأوَّلِ أيْ بِاعْتِبارِ ما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُما مِنَ الشَّهادَةِ، ومِن رِجالِكم مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واسْتَشْهِدُوا﴾ أوْ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِشَهِيدَيْنِ: أيْ كائِنَيْنِ مِن رِجالِكم: أيْ مِنَ المُسْلِمِينَ فَيَخْرُجُ الكُفّارُ، ولا وجْهَ لِخُرُوجِ العَبِيدِ مِن هَذِهِ الآيَةِ، فَهم إذا كانُوا مُسْلِمِينَ مِن رِجالِ المُسْلِمِينَ، وبِهِ قالَ شُرَيْحٌ وعُثْمانُ البَتِّيُّ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ وأبُو ثَوْرٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وجُمْهُورُ العُلَماءِ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ العَبْدِ لِما يَلْحَقُهُ مِن نَقْصِ الرِّقِّ. وقالَ الشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ: يَصِحُّ في الشَّيْءِ اليَسِيرِ دُونَ الكَثِيرِ. واسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ عَلى عَدَمِ جَوازِ شَهادَةِ العَبْدِ بِأنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ مَعَ الَّذِينَ يَتَعامَلُونَ بِالمُدايَنَةِ، والعَبِيدُ لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا تَجْرِي فِيهِ المُعامَلَةُ. ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، وأيْضًا العَبْدُ تَصِحُّ مِنهُ المُدايَنَةُ وسائِرُ المُعامَلاتِ إذا أذِنَ لَهُ مالِكُهُ بِذَلِكَ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ: هَلِ الإشْهادُ واجِبٌ أوْ مَندُوبٌ ؟ فَقالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وابْنُ عُمَرَ والضَّحّاكُ وعَطاءٌ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ ومُجاهِدٌ وداوُدُ بْنُ عَلِيٍّ الظّاهِرِيُّ وابْنُهُ: إنَّهُ واجِبٌ، ورَجَّحَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ، وذَهَبَ الشَّعْبِيُّ والحَسَنُ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّهُ مَندُوبٌ، وهَذا الخِلافُ بَيْنَ هَؤُلاءِ هو في وُجُوبِ الإشْهادِ عَلى البَيْعِ. واسْتَدَلَّ المُوجِبُونَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ ولا فَرْقَ بَيْنَ هَذا الأمْرِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: واسْتَشْهِدُوا، فَيَلْزَمُ القائِلِينَ بِوُجُوبِ الإشْهادِ في البَيْعِ أنْ يَقُولُوا بِوُجُوبِهِ في المُدايَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا﴾ أيِ الشَّهِيدانِ ﴿رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ أيْ: فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وامْرَأتانِ أوْ فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ يَكْفُونَ. وقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِ " رَجُلٌ وامْرَأتانِ ": أيْ كائِنُونَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ. والمُرادُ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دِينَهم وعَدالَتَهم، أيْ كائِنُونَ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ حالَ كَوْنِهِمْ مِنَ الشُّهَداءِ. والمُرادُ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ دِينَهم وعَدالَتَهم، وفِيهِ أنَّ المَرْأتَيْنِ في الشَّهادَةِ بِرَجُلٍ، وأنَّها لا تَجُوزُ شَهادَةُ النِّساءِ إلّا مَعَ الرَّجُلِ لا وحْدَهُنَّ إلّا فِيما لا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ غَيْرُهُنَّ لِلضَّرُورَةِ. واخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ الحُكْمُ بِشَهادَةِ امْرَأتَيْنِ مَعَ يَمِينِ المُدَّعِي كَما جازَ الحُكْمُ بِرَجُلٍ مَعَ يَمِينِ المُدَّعِي ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قَدْ جَعَلَ المَرْأتَيْنِ كالرَّجُلِ في هَذِهِ الآيَةِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ إلى أنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، وهَذا يَرْجِعُ إلى الخِلافِ في الحُكْمِ بِشاهِدٍ مَعَ يَمِينِ المُدَّعِي، والحَقُّ أنَّهُ جائِزٌ لِوُرُودِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وهو زِيادَةٌ لَمْ تُخالِفْ ما في الكِتابِ العَزِيزِ فَيَتَعَيَّنُ قَبُولُها. وقَدْ أوْضَحْنا ذَلِكَ في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى وغَيْرِهِ مِن مُؤَلَّفاتِنا، ومَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ مَن يَفْهَمُ أنَّهُ لَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُرَدُّ بِهِ قَضاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالشّاهِدِ واليَمِينِ، ولَمْ يَدْفَعُوا هَذا إلّا بِقاعِدَةٍ مَبْنِيَّةٍ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ هي قَوْلُهُ: إنَّ الزِّيادَةَ عَلى النَّصِّ نَسْخٌ، وهَذِهِ دَعْوى باطِلَةٌ، بَلِ الزِّيادَةُ عَلى النَّصِّ شَرِيعَةٌ ثابِتَةٌ جاءَنا بِها مَن جاءَنا بِالنَّصِّ المُتَقَدِّمِ عَلَيْها، وأيْضًا كانَ يَلْزَمُهم أنْ لا يَحْكُمُوا بِنُكُولِ المَطْلُوبِ ولا بِيَمِينِ الرَّدِّ عَلى الطّالِبِ. وقَدْ حَكَمُوا بِهِما، والجَوابُ الجَوابُ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: مَعْنى ( تَضِلَّ ) تَنْسى، والضَّلالُ عَنِ الشَّهادَةِ إنَّما هو نِسْيانُ جُزْءٍ مِنها وذِكْرُ جُزْءٍ. وقَرَأ حَمْزَةُ " إنْ تَضِلَّ " بِكَسْرِ الهَمْزَةِ. وقَوْلُهُ: فَتُذَكِّرَ جَوابُهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ، وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ هو مَنصُوبٌ بِالعَطْفِ عَلى " تَضِلَّ، ومَن رَفَعَهُ فَعَلى الِاسْتِئْنافِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو " فَتُذْكِرَ " بِتَخْفِيفِ الذّالِ والكافِ، ومَعْناهُ: تَزِيدُها ذِكْرًا. وقِراءَةُ الجَماعَةِ بِالتَّشْدِيدِ، أيْ تَنْبِيهًا إذا غَفَلَتْ ونَسِيَتْ، وهَذِهِ الآيَةُ تَعْلِيلٌ لِاعْتِبارِ العَدَدِ في النِّساءِ: أيْ فَلْيَشْهَدْ رَجُلٌ وتَشْهَدِ امْرَأتانِ عِوَضًا عَنِ الرَّجُلِ الآخَرِ لِأجْلِ تَذْكِيرِ إحْداهُما لِلْأُخْرى إذا ضَلَّتْ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ وهو سُؤالُ سائِلٍ عَنْ وجْهِ اعْتِبارِ امْرَأتَيْنِ عِوَضًا عَنِ الرَّجُلِ الواحِدِ، فَقِيلَ: وجْهُهُ أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى، والعِلَّةُ في الحَقِيقَةِ هي التَّذْكِيرُ، ولَكِنَّ الضَّلالَ لَمّا كانَ سَبَبًا لَهُ نَزَلَ مَنزِلَتَهُ، وأُبْهِمَ الفاعِلُ في " تَضِلَّ " وتُذَكِّرَ "؛ لِأنَّ كُلًّا مِنهُما يَجُوزُ عَلَيْهِ الوَصْفانِ، فالمَعْنى: إنْ ضَلَّتْ هَذِهِ ذَكَّرَتْها هَذِهِ، وإنْ ضَلَّتْ هَذِهِ ذَكَّرَتْها هَذِهِ، لا عَلى التَّعْيِينِ، أيْ: إنْ ضَلَّتْ إحْدى المَرْأتَيْنِ ذَكَّرَتْها المَرْأةُ (p-١٩٤)الأُخْرى، وإنَّما اعْتُبِرَ فِيهِما هَذا التَّذْكِيرُ لِما يَلْحَقُهُما مِن ضَعْفِ النِّساءِ بِخِلافِ الرِّجالِ. وقَدْ يَكُونُ الوَجْهُ في الإبْهامِ أنَّ ذَلِكَ - يَعْنِي الضَّلالَ والتَّذْكِيرَ - يَقَعُ بَيْنَهُما مُتَناوِبًا حَتّى رُبَّما ضَلَّتْ هَذِهِ عَنْ وجْهٍ وضَلَّتْ تِلْكَ عَنْ وجْهٍ آخَرَ، فَذَكَّرَتْ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما صاحِبَتَها. وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ تُصَيِّرَها ذَكَرًا، يَعْنِي أنَّ مَجْمُوعَ شَهادَةِ المَرْأتَيْنِ مِثْلُ شَهادَةِ الرَّجُلِ الواحِدِ. ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ العَلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا باطِلٌ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ شَرْعٌ ولا لُغَةٌ ولا عَقْلٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ أيْ لِأداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي قَدْ تَحَمَّلُوها مِن قَبْلُ، وقِيلَ: إذا ما دُعُوا لِتَحَمُّلِ الشَّهادَةِ، وتَسْمِيَتُهم شُهَداءَ مَجازٌ كَما تَقَدَّمَ، وحَمَلَها الحَسَنُ عَلى المَعْنَيَيْنِ. وظاهِرُ هَذا النَّهْيِ أنَّ الِامْتِناعَ مِن أداءِ الشَّهادَةِ حَرامٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ مَعْنى تَسْأمُوا: تَمَلُّوا. قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ: سَئِمْتُ أسْأمُ سَآمَةً وسِئامًا، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎سَئِمْتُ تَكالِيفَ الحَياةِ ومَن يَعِشْ ∗∗∗ ثَمانِينَ حَوْلًا لا أبا لَكَ يَسْأمِ أيْ لا تَمَلُّوا أنْ تَكْتُبُوهُ: أيِ الدَّيْنَ الَّذِي تَدايَنْتُمْ بِهِ، وقِيلَ: الحَقُّ، وقِيلَ: الشّاهِدُ، وقِيلَ: الكِتابُ، نَهاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ لِأنَّهم رُبَّما مَلُّوا مِن كَثْرَةِ المُدايَنَةِ أنْ يَكْتُبُوا، ثُمَّ بالَغَ في ذَلِكَ فَقالَ: ﴿صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا﴾ أيْ حالَ كَوْنِ ذَلِكَ المَكْتُوبِ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا: أيْ لا تَمَلُّوا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ سَواءٌ كانَ الدَّيْنُ كَثِيرًا أوْ قَلِيلًا، وقِيلَ: إنَّهُ كَنّى بِالسَّآمَةِ عَنِ الكَسَلِ. والأوَّلُ أوْلى. وقَدَّمَ الصَّغِيرَ هُنا عَلى الكَبِيرِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ لِدَفْعِ ما عَساهُ أنْ يُقالَ: إنَّ هَذا مالٌ صَغِيرٌ: أيْ قَلِيلٌ لا احْتِياجَ إلى كَتْبِهِ، والإشارَةُ في قَوْلِهِ: ذَلِكم إلى المَكْتُوبِ المَذْكُورِ في ضَمِيرِ قَوْلِهِ: أنْ تَكْتُبُوهُ، وأقْسَطُ مَعْناهُ أعْدَلُ: أيْ أصَحُّ وأحْفَظُ ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾ أيْ أعْوَنُ عَلى إقامَةِ الشَّهادَةِ وأثْبَتُ لَها وهو مَبْنِيٌّ مِن أقامَ، وكَذَلِكَ أقْسَطُ مَبْنِيٌّ مِن فِعْلِهِ: أيْ أقْسَطَ. وقَدْ صَرَّحَ سِيبَوَيْهِ بِأنَّهُ قِياسِيٌّ: أيْ بُنِيَ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ أقْرَبُ لِنَفْيِ الرَّيْبِ في مُعامَلاتِكم: أيِ الشَّكِّ، ولِذَلِكَ أنَّ الكُتّابَ الَّذِي يَكْتُبُونَهُ يَدْفَعُ ما يَعْرِضُ لَهم مِنَ الرَّيْبِ كائِنًا ما كانَ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم﴾ " أنْ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الِاسْتِثْناءِ، قالَهُ الأخْفَشُ، و" كانَ " تامَّةٌ، أيْ إلّا أنْ تَقَعَ أوْ تُوجَدَ تِجارَةٌ، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ، أيْ: لَكِنَّ وقْتَ تَبايُعِكم، وتِجارَتُكم حاضِرَةٌ بِحُضُورِ البَدَلَيْنِ ﴿تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ﴾ تَتَعاطَوْنَها يَدًا بِيَدٍ، فالإدارَةُ: التَّعاطِي والتَّقابُضُ، فالمُرادُ التَّبايُعُ النّاجِزُ يَدًا بِيَدٍ فَلا حَرَجَ عَلَيْكم إنْ تَرَكْتُمْ كِتابَهُ. وقُرِئَ بِنَصْبِ " تِجارَةً " عَلى أنَّ " كانَ " ناقِصَةً: أيْ إلّا أنْ تَكُونَ التِّجارَةُ تِجارَةً حاضِرَةً. قَوْلُهُ: ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ قِيلَ: مَعْناهُ: وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ هَذا التَّبايُعَ المَذْكُورَ هَذا، وهو التِّجارَةُ الحاضِرَةُ عَلى أنَّ الإشْهادَ فِيها يَكْفِي، وقِيلَ: مَعْناهُ: إذا تَبايَعْتُمْ، أيَّ تَبايُعٍ كانَ حاضِرًا أوْ كالِئًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ أدْفَعُ لِمادَّةِ الخِلافِ وأقْطَعُ لِمَنشَأِ الشِّجارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا ذِكْرُ الخِلافِ في كَوْنِ هَذا الإشْهادِ واجِبًا أوْ مَندُوبًا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أوْ لِلْمَفْعُولِ، فَعَلى الأوَّلِ مَعْناهُ: لا يُضارِرْ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ مِن طَلَبِ ذَلِكَ مِنهُما، إمّا بِعَدَمِ الإجابَةِ، أوْ بِالتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ والزِّيادَةِ والنُّقْصانِ في كِتابَتِهِ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قِراءَةُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ أبِي إسْحاقَ " ولا يُضارِرْ " بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى، وعَلى الثّانِي: لا يُضارَرْ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ بِأنْ يُدْعَيا إلى ذَلِكَ وهُما مَشْغُولانِ بِمُهِمٍّ لَهُما ويُضَيَّقَ عَلَيْهِما في الإجابَةِ ويُؤْذَيا إنْ حَصَلَ مِنهُما التَّراخِي، أوْ يُطْلَبَ مِنهُما الحُضُورُ مِن مَكانٍ بَعِيدٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ " ولا يُضارَرْ " بِفَتْحِ الرّاءِ الأُولى، وصِيغَةُ المُفاعَلَةِ تَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. وقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تُضارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها﴾ [البقرة: ٢٣٣] ما إذا راجَعْتَهُ زادَكَ بَصِيرَةً إنْ شاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: وإنْ تَفْعَلُوا أيْ ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِنَ المُضارَّةِ فَإنَّهُ أيْ فِعْلُكم هَذا ﴿فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أيْ خُرُوجٌ عَنِ الطّاعَةِ إلى المَعْصِيَةِ مُلْتَبِسٌ بِكم ﴿واتَّقُوا اللَّهَ﴾ في فِعْلِ ما أمَرَكم بِهِ وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ الوَعْدُ لِمَنِ اتَّقاهُ أنْ يُعَلِّمَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾ [الأنفال: ٢٩] . قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ لَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ مَشْرُوعِيَّةَ الكِتابَةِ والإشْهادِ لِحِفْظِ الأمْوالِ ودَفْعِ الرَّيْبِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ حالَةِ العُذْرِ عَنْ وُجُودِ الكاتِبِ ونَصَّ عَلى حالَةِ السَّفَرِ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ أحْوالِ العُذْرِ، ويَلْحَقُ بِذَلِكَ كُلُّ عُذْرٍ يَقُومُ مَقامَ السَّفَرِ، وجَعَلَ الرِّهانَ المَقْبُوضَةَ قائِمَةً مَقامَ الكِتابَةِ، أيْ فَإنْ كُنْتُمْ مُسافِرِينَ ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾ في سَفَرِكم ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ قالَ أهْلُ العِلْمِ: الرَّهْنُ في السَّفَرِ ثابِتٌ بِنَصِّ التَّنْزِيلِ، وفي الحَضَرِ بِفِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ «" أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَهَنَ دِرْعًا لَهُ مِن يَهُودِيٍّ» " . وقَرَأ الجُمْهُورُ كاتِبًا أيْ رَجُلًا يَكْتُبُ لَكم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيٌّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وعِكْرِمَةُ وأبُو العالِيَةِ " كِتابًا " قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ فَقالَ: مَعْناهُ: فَإنْ لَمْ تَجِدُوا مِدادًا: يَعْنِي في الأسْفارِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ " " فَرُهُنٌ " بِضَمِّ الرّاءِ والهاءِ. ورُوِيَ عَنْهُما تَخْفِيفُ الهاءِ جَمْعُ رِهانٍ. قالَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ وابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وقَرَأ عاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ " فَرَهْنٌ " بِفَتْحِ الرّاءِ وإسْكانِ الهاءِ. وقِراءَةُ الجُمْهُورِ رِهانٌ قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ في الرَّهْنِ رَهَنْتُ أوْ أرْهَنْتُ، وكَذا قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ والأخْفَشُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: يُقالُ أرْهَنْتُ في المُعامَلاتِ، وأمّا في القَرْضِ والبَيْعِ فَرَهَنْتُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الرُّواةُ كُلُّهم في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَلَمّا خَشِيتُ أظافِيرَهم ∗∗∗ نَجَوْتُ وأرْهَنْتُهم مالِكًا عَلى أرْهَنْتُهم، عَلى أنَّهُ يَجُوزُ رَهَنْتُهُ وأرْهَنْتُهُ إلّا الأصْمَعِيَّ فَإنَّهُ رَواهُ: وأرْهَنُهم، عَلى أنَّهُ عَطْفٌ لِفِعْلٍ مُسْتَقْبَلٍ عَلى فِعْلٍ ماضٍ، وشَبَّهَهُ بِقَوْلِهِ: قُمْتُ، وأصُكُّ وجْهَهُ. وقالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: أرْهَنْتُ فِيهِما بِمَعْنى أسْلَفْتُ، والمُرْتَهِنُ الَّذِي يَأْخُذُ الرَّهْنَ، والشَّيْءُ مَرْهُونٌ ورَهِينٌ، (p-١٩٥)وراهَنْتُ فُلانًا عَلى كَذا مُراهَنَةً خاطَرْتُهُ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى اعْتِبارِ القَبْضِ كَما صَرَّحَ بِهِ القُرْآنُ، وذَهَبَ مالِكٌ إلى أنَّهُ يَصِحُّ الِارْتِهانُ بِالإيجابِ والقَبُولِ مِن دُونِ قَبْضٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ أيْ إنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ أمِينًا عِنْدَ صاحِبِ الحَقِّ لِحُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ وأمانَتِهِ لَدَيْهِ واسْتَغْنى بِأمانَتِهِ عَنِ الِارْتِهانِ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ﴾ وهو المَدْيُونُ أمانَتَهُ أيِ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ، والأمانَةُ مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ الَّذِي في الذِّمَّةِ، وأضافَها إلى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ مِن حَيْثُ إنَّ لَها إلَيْهِ نِسْبَةً، وقُرِئَ " ايتَمَنَ " بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وقُرِئَ بِإدْغامِ الياءِ في التّاءِ وهو خَطَأٌ؛ لِأنَّ المُنْقَلِبَةَ مِنَ الهَمْزَةِ لا تُدْغَمُ؛ لِأنَّها في حُكْمِها ﴿ولْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ في أنْ لا يَكْتُمَ مِنَ الحَقِّ شَيْئًا. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ﴾ نَهْيٌ لِلشُّهُودِ أنْ يَكْتُمُوا ما تَحَمَّلُوهُ مِنَ الشَّهادَةِ، وهو في حُكْمِ التَّفْسِيرِ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ﴾ أيْ لا يُضارِرْ بِكَسْرِ الرّاءِ الأُولى عَلى أحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ خَصَّ القَلْبَ بِالذِّكْرِ لِأنَّ الكَتْمَ مِن أفْعالِهِ، ولِكَوْنِهِ رَئِيسَ الأعْضاءِ، وهو المُضْغَةُ الَّتِي إنْ صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وإنْ فَسَدَتْ فَسَدَ كُلُّهُ، وارْتِفاعُ القَلْبِ عَلى أنَّهُ فاعِلٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ و" آثِمٌ " خَبَرُهُ عَلى ما تَقَرَّرَ في عِلْمِ النَّحْوِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَلْبُهُ بَدَلًا مِن آثِمٌ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في آثِمٌ الرّاجِعِ إلى " مَن "، وقُرِئَ " قَلْبَهُ " بِالنَّصْبِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إلّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: ١٣٠] . وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في السَّلَمِ في كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أجَلٍ مَعْلُومٍ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ وغَيْرُهم عَنْهُ قالَ: أشْهَدُ أنَّ السَّلَفَ المَضْمُونَ إلى أجَلٍ مُسَمًّى أنَّ اللَّهَ أجَّلَهُ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ بِالشَّهادَةِ عِنْدَ المُدايَنَةِ لِكَيْلا يَدْخُلَ في ذَلِكَ جُحُودٌ ولا نِسْيانٌ، فَمَن لَمْ يَشْهَدْ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ عَصى ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ يَعْنِي مَنِ احْتِيجَ إلَيْهِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَشْهَدَ عَلى شَهادَةٍ أوْ كانَتْ عِنْدَهُ شَهادَةٌ، فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَأْبى إذا ما دُعِيَ، ثُمَّ قالَ بَعْدَ هَذا: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ والضِّرارُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ وهو عَنْهُ غَنِيٌّ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَكَ أنْ لا تَأْبى إذا دُعِيتَ، فَيُضارُّهُ بِذَلِكَ وهو مُكْتَفٍ بِغَيْرِهِ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وقالَ: ﴿وإنْ تَفْعَلُوا فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكم﴾ يَعْنِي مَعْصِيَةً. قالَ: ومِنَ الكَبائِرِ كِتْمانُ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ﴾ قالَ: واجِبٌ عَلى الكاتِبِ أنْ يَكْتُبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتِ الكِتابَةُ عَزِيمَةً فَنَسَخَها: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾ قالَ: هو الجاهِلُ أوْ ضَعِيفًا قالَ: هو الأحْمَقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ والسُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: سَفِيهًا قالا: هو الصَّبِيُّ الصَّغِيرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾ قالَ: صاحِبُ الدَّيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ولِيُّ اليَتِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ولِيُّ السَّفِيهِ أوِ الضَّعِيفِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الأحْرارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ قالَ: عُدُولٌ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: عَدْلانِ حُرّانِ مُسْلِمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما﴾ يَقُولُ: أنْ تَنْسى إحْدى المَرْأتَيْنِ الشَّهادَةَ ﴿فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ يَعْنِي تُذَكِّرُها الَّتِي حَبِطَتْ شَهادَتُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ قالَ: إذا كانَتْ عِنْدَهم شَهادَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَطُوفُ في القَوْمِ الكَثِيرِ يَدْعُوهم يَشْهَدُونَ فَلا يَتْبَعُهُ أحَدٌ مِنهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَتْ: أعْدَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ قالَ: يَأْتِي الرَّجُلُ الرَّجُلَيْنِ فَيَدْعُوهُما إلى الكِتابَةِ والشَّهادَةِ فَيَقُولانِ: إنّا عَلى حاجَةٍ، فَيَقُولُ: إنَّكُما قَدْ أُمِرْتُما أنْ تُجِيبا، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يُضارَّهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ طاوُسٍ ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ﴾، فَيَكْتُبُ ما لَمْ يُمِلَّ عَلَيْهِ ولا شَهِيدٌ فَيَشْهَدُ بِما لَمْ يَسْتَشْهِدْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَن كانَ عَلى سَفَرٍ فَبايَعَ بَيْعًا إلى أجَلٍ فَلَمْ يَجِدْ كاتِبًا فَرَخَّصَ لَهُ في الرِّهانِ المَقْبُوضَةِ، ولَيْسَ لَهُ إنْ وجَدَ كاتِبًا أنْ يَرْتَهِنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَكُونُ الرَّهْنُ إلّا في السَّفَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لا يَكُونُ الرَّهْنُ إلّا مَقْبُوضًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وأبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ ماجَهْ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكم بَعْضًا﴾ قالَ: هَذِهِ نَسَخَتْ ما قَبْلَها. وأقُولُ: رَضِيَ اللَّهُ عَنْ هَذا الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ، لَيْسَ هَذا مِن بابِ النَّسْخِ، فَهَذا مُقَيَّدٌ بِالِائْتِمانِ، وما قَبْلَهُ ثابِتٌ مُحْكَمٌ لَمْ (p-١٩٦)يُنْسَخْ وهو مَعَ عَدَمِ الِائْتِمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: آثِمٌ قَلْبُهُ قالَ: فاجِرٌ قَلْبُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ أحْدَثَ القُرْآنِ بِالعَرْشِ آيَةُ الدَّيْنِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: آخِرُ القُرْآنِ عَهْدًا بِالعَرْشِ آيَةُ الرِّبا وآيَةُ الدَّيْنِ.

البقرة 2:284

قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ظاهِرُهُ أنَّ اللَّهَ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى ما أضْمَرَتْهُ أنْفُسُهم أوْ أظْهَرَتْهُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُحاسَبُ عَلَيْها، فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ مِنهم ما يَغْفِرُهُ مِنها، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ مِنهم بِما أسَرَّ أوْ أظْهَرَ مِنها، هَذا مَعْنى الآيَةِ عَلى مُقْتَضى اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى أقْوالٍ: الأوَّلُ: أنَّها وإنْ كانَتْ عامَّةً، فَهي مَخْصُوصَةٌ بِكِتْمانِ الشَّهادَةِ، وأنَّ الكاتِمَ لِلشَّهادَةِ يُحاسَبُ عَلى كَتْمِهِ سَواءً أظَهَرَ لِلنّاسِ أنَّهُ كاتِمٌ لِلشَّهادَةِ أوْ لَمْ يُظْهِرْ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والشَّعْبِيِّ ومُجاهِدٍ، وهو مَرْدُودٌ بِما في الآيَةِ مِن عُمُومِ اللَّفْظِ، ولا يَصْلُحُ ما تَقَدَّمَ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ مِنَ النَّهْيِ عَنْ كَتْمِ الشَّهادَةِ أنْ تَكُونَ مُخْتَصَّةً بِهِ. والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ ما في الآيَةِ مُخْتَصٌّ بِما يَطْرَأُ عَلى النُّفُوسِ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي هي بَيْنَ الشَّكِّ واليَقِينِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وهو أيْضًا تَخْصِيصٌ بِلا مُخَصَّصٍ. والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها مُحْكَمَةٌ عامَّةٌ، ولَكِنَّ العَذابَ عَلى ما في النَّفْسِ يَخْتَصُّ بِالكُفّارِ والمُنافِقِينَ. حَكاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ قَوْمٍ، وهو أيْضًا تَخْصِيصٌ بِلا مُخَصَّصٍ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ لا يَخْتَصُّ بِبَعْضٍ مُعَيَّنٍ إلّا بِدَلِيلٍ. والقَوْلُ الرّابِعُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وعائِشَةُ وأبُو هُرَيْرَةَ والشَّعْبِيُّ وعَطاءٌ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ ومُوسى بْنُ عُبَيْدَةَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وهَذا هو الحَقُّ لِما سَيَأْتِي مِنَ التَّصْرِيحِ بِنَسْخِها، ولِما ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ غَفَرَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها» . قَوْلُهُ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ قَدَّمَ الجارَّ والمَجْرُورَ عَلى الفاعِلِ لِإظْهارِ العِنايَةِ بِهِ، وقَدَّمَ الإبْداءَ عَلى الإخْفاءِ؛ لِأنَّ الأصْلَ في الأُمُورِ الَّتِي يُحاسَبُ عَلَيْها هو الأعْمالُ البادِيَةُ، وأمّا تَقْدِيمُ الإخْفاءِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٩] فَلِكَوْنِ العِلْمِ يَتَعَلَّقُ بِالأعْمالِ الخافِيَةِ والبادِيَةِ عَلى السَّوِيَّةِ، وقَدَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى التَّعْذِيبِ لِكَوْنِ رَحْمَتِهِ سَبَقَتْ غَضَبَهُ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ، أيْ فَهو يَغْفِرُ، وهي مُتَضَمِّنَةٌ لِتَفْصِيلِ ما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ وهَذا عَلى قِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ. وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ ونافِعٍ وأبِي عَمْرٍو وحَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِجَزْمِ الرّاءِ والباءِ، فالفاءُ عاطِفَةٌ لِما بَعْدَها عَلى المَجْزُومِ قَبْلَها، وهو جَوابُ الشَّرْطِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ﴾ . وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والأعْرَجُ وأبُو العالِيَةِ وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ بِنَصْبِ الرّاءِ والباءِ في قَوْلِهِ: " فَيَغْفِرَ " " ويُعَذِّبَ " عَلى إضْمارِ " أنْ " عَطْفًا عَلى المَعْنى. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ " يَغْفِرُ " بِغَيْرِ فاءٍ عَلى البَدَلِ، وبِهِ قَرَأ الجُعْفِيُّ وخَلّادٌ. وقَدْ أخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم﴾ الآيَةَ، اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ جَثَوْا عَلى الرُّكَبِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ، الصَّلاةُ والصِّيامُ والجِهادُ والصَّدَقَةُ، وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ولا نُطِيقُها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكم: سَمِعْنا وعَصَيْنا، بَلْ قُولُوا: ﴿سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فَلَمّا اقْتَرَأها القَوْمُ وذَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم أنْزَلَ اللَّهُ في أثَرِها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآيَةَ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ فَأنْزَلَ ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخِرِها» . وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وزادَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ. ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ. ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] قالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا﴾ [البقرة: ٢٨٦] الآيَةَ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ. وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَن طُرُقٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مَرْوانَ الأصْفَرِ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أحْسَبُهُ ابْنَ عُمَرَ ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ﴾ قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ أيْضًا. وبِمَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ يَظْهَرُ لَكَ ضَعْفُ ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ قالَ: نَزَلَتْ في كِتْمانِ الشَّهادَةِ فَإنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يَشْتَدَّ الأمْرُ عَلى الصَّحابَةِ. وعَلى كُلِّ حالٍ فَبَعْدَ هَذِهِ الأحادِيثِ المُصَرِّحَةِ بِالنَّسْخِ والنّاسِخِ لَمْ يَبْقَ مَجالٌ لِمُخالَفَتِها، ومِمّا يُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ والسُّنَنِ الأرْبَعِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَتَكَلَّمْ أوْ تَعْمَلْ بِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كُلُّ عَبْدٍ هَمَّ بِسُوءٍ ومَعْصِيَةٍ وحَدَّثَ نَفْسَهُ بِهِ حاسَبَهُ اللَّهُ في (p-١٩٧)الدُّنْيا يَخافُ ويَحْزَنُ ويَشْتَدُّ هَمُّهُ لا يَنالُهُ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ كَما هَمَّ بِالسُّوءِ ولَمْ يَعْمَلْ مِنهُ بِشَيْءٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْها نَحْوَهُ، والأحادِيثُ المُتَقَدِّمَةُ المُصَرِّحَةُ بِالنَّسْخِ تَدْفَعُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنَّ كُتّابِي لَمْ يَكْتُبُوا مِن أعْمالِكم إلّا ما ظَهَرَ مِنها، فَأمّا ما أسْرَرْتُمْ في أنْفُسِكم فَأنا أُحاسِبُكم بِهِ اليَوْمَ فَأغْفِرُ لِمَن شِئْتَ وأُعَذِّبُ مَن شِئْتَ، وهو مَدْفُوعٌ بِما تَقَدَّمَ.

البقرة 2:285

قَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ بِجَمِيعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ عَطْفٌ عَلى الرَّسُولِ، وقَوْلُهُ: كُلٌّ أيْ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ آمَنَ بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: والمُؤْمِنُونَ مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ: كُلٌّ مُبْتَدَأٌ ثانٍ. وقَوْلُهُ: آمَنَ بِاللَّهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: آمَنَ بِاللَّهِ مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ، لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدِ مِنهم مَن غَيْرِ اعْتِبارِ الِاجْتِماعِ كَما اعْتَبَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] . قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وبَيَّنَ أحْكامَ الحَجِّ، وحُكْمَ الحَيْضِ، والطَّلاقِ والإيلاءِ، وأقاصِيصَ الأنْبِياءِ، وبَيَّنَ حُكْمَ الرِّبا، ذَكَرَ تَعْظِيمَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ صَدَّقَ الرَّسُولُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم صَدَّقُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ومَلائِكَتِهِ أيْ: مِن حَيْثُ كَوْنِهِمْ عِبادَهُ المُكْرَمِينَ المُتَوَسِّطِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ في إنْزالِ كُتُبِهِ، وقَوْلُهُ: وكُتُبِهِ لِأنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي تَعَبَّدَ بِها عِبادُهُ. وقَوْلُهُ: ورُسُلِهِ لِأنَّهُمُ المُبَلِّغُونَ لِعِبادِهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ " وكُتُبِهِ " بِالجَمْعِ. وقَرَءُوا في التَّحْرِيمِ " وكِتابِهِ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ هُنا " وكِتابِهِ " وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ. وبَيَّنَهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ: لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالواحِدِ الجِنْسُ والجِنْسِيَّةُ قائِمَةٌ في وحْدانِ الجِنْسِ كُلِّها لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وأمّا الجَمْعُ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَهُ إلّا ما فِيهِ الجِنْسِيَّةُ مِنَ الجُمُوعِ انْتَهى. ومَن أرادَ تَحْقِيقَ المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى شَرْحِ التَّلْخِيصِ المُطَوَّلِ عِنْدَ قَوْلِ صاحِبِ التَّلْخِيصِ واسْتِغْراقُ المُفْرَدِ أشْمَلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ورُسُلِهِ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لا نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. والمَعْنى: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ جَرِيرٍ ويَعْقُوبُ " لا يُفَرِّقُ " بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وقَوْلُهُ: بَيْنَ أحَدٍ ولَمْ يَقُلْ بَيْنَ آحادٍ؛ لِأنَّ الأحَدَ يَتَناوَلُ الواحِدَ والجَمْعَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: حاجِزِينَ لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِقَوْلِهِ: كُلٌّ. وقَوْلُهُ: مِن رُسُلِهِ أظْهَرَ في مَحَلِّ الإضْمارِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ انْدِراجِ المَلائِكَةِ في الحُكْمِ، أوِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهم. وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: آمَنَ وهو وإنْ كانَ لِلْمُفْرَدِ وهَذا لِلْجَماعَةِ فَهو جائِزٌ نَظَرًا إلى جانِبِ المَعْنى، أيْ أدْرَكْناهُ بِأسْماعِنا وفَهْمِناهُ وأطَعْنا ما فِيهِ، وقِيلَ: مَعْنى سَمِعْنا: أجَبْنا دَعْوَتَكَ. قَوْلُهُ: غُفْرانَكَ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ اغْفِرْ غُفْرانَكَ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقَدَّمَ السَّمْعَ والطّاعَةَ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِكَوْنِ الوَسِيلَةِ تَتَقَدَّمُ عَلى المُتَوَسِّلِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ التَّكْلِيفُ هو الأمْرُ بِما فِيهِ مَشَقَّةٌ وكُلْفَةٌ، والوُسْعُ: الطّاقَةُ، والوُسْعُ: ما يَسَعُ الإنْسانَ ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ جاءَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةَ لِكَشْفِ كُرْبَةِ المُسْلِمِينَ، ودَفْعِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ في التَّكْلِيفِ بِما في الأنْفُسِ وهي كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . قَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ فِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، أيْ لَها ثَوابُ ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ، وعَلَيْها وِزْرُ ما اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ، وتَقَدَّمَ " لَها " و" عَلَيْها " عَلى الفِعْلَيْنِ لِيُفِيدَ أنَّ ذَلِكَ لَها لا لِغَيْرِها، وعَلَيْها لا عَلى غَيْرِها، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ كَسَبَ لِلْخَيْرِ فَقَطْ، واكْتَسَبَ لِلشَّرِّ فَقَطْ، كَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ يَصْدُقُ عَلى الأمْرَيْنِ، وإنَّما كَرَّرَ الفِعْلَ وخالَفَ بَيْنَ التَّصْرِيفَيْنِ تَحْسِينًا لِلنَّظْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] . قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ أيْ: لا تُؤاخِذْنا بِإثْمِ ما يَصْدُرُ مِنّا مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذا الدُّعاءُ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ قائِلِينَ إنَّ الخَطَأ والنِّسْيانَ مَغْفُورانِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِما، فَما مَعْنى الدُّعاءِ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ طَلَبُ المُؤاخَذَةِ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأسْبابِ المُؤَدِّيَةِ إلى النِّسْيانِ والخَطَأِ، مِنَ التَّفْرِيطِ وعَدَمِ المُبالاةِ، لا مِن نَفْسِ النِّسْيانِ والخَطَأِ، فَإنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ بِهِما كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ» وسَيَأْتِي مَخْرَجُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَدْعُوَ بِحُصُولِ ما هو حاصِلٌ لَهُ قَبْلَ الدُّعاءِ لِقَصْدِ اسْتَدامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ وإنْ ثَبَتَ شَرْعًا أنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ بِهِما، فَلا (p-١٩٨)امْتِناعَ في المُؤاخَذَةِ بِهِما عَقْلًا، وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ التَّقْوى بِحَيْثُ لا يَصْدُرُ عَنْهُمُ الذَّنْبُ تَعَمُّدًا، وإنَّما يَصْدُرُ عَنْهم خَطَأً أوْ نِسْيانًا، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِالدُّعاءِ بِذَلِكَ إيذانًا بِنَزاهَةِ ساحَتِهِمْ عَمّا يُؤاخَذُونَ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ النِّسْيانُ والخَطَأُ مِمّا يُؤاخَذُ بِهِ، فَما مِنهم سَبَبُ مُؤاخَذَةٍ إلّا الخَطَأُ والنِّسْيانُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ أنَّ الإثْمَ مَرْفُوعٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ فِيما يَتَعَلَّقُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ هَلْ ذَلِكَ مَرْفُوعٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ شَيْءٌ، أوْ يَلْزَمُ أحْكامُ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الوَقائِعِ، فَقِسْمٌ لا يَسْقُطُ بِاتِّفاقٍ كالغَراماتِ والدِّياناتِ والصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ. وقِسْمٌ يَسْقُطُ بِاتِّفاقٍ كالقِصاصِ والنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، وقِسْمٌ ثالِثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَن أكَلَ ناسِيًا في رَمَضانَ أوْ حَنَثَ ساهِيًا، وما كانَ مِثْلُهُ مِمّا يَقَعُ خَطَأً ونِسْيانًا، ويُعْرَفُ ذَلِكَ في الفُرُوعِ انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ واللُّجُوءِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. والإصْرُ: العِبْءُ الثَّقِيلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ مَكانَهُ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ لِثِقَلِهِ. والمُرادُ بِهِ هُنا التَّكْلِيفُ الشّاقُّ، والأمْرُ الغَلِيظُ الصَّعْبُ، وقِيلَ: الإصْرُ شِدَّةُ العَمَلِ وما غَلُظَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎يا مانِعَ الضَّيْمِ أنْ تَغْشى سَراتَهُمُ والحامِلَ الإصْرِ عَنْهم بَعْدَما غَرِقُوا وقِيلَ: الإصْرُ المَسْخُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: العَهْدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] وهَذا الخِلافُ يَرْجِعُ إلى بَيانِ ما هو الإصْرُ الَّذِي كانَ عَلى مَن قَبْلَنا، لا إلى مَعْنى الإصْرِ في لُغَةِ العَرَبِ، فَإنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِلا نِزاعٍ، والإصارُ: الحَبَلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ الأحْمالُ ونَحْوُها، يُقالُ: أصَرَ يَأْصِرُ إصْرًا: حَبَسَ، والإصْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن ذَلِكَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَوْضِعُ مَأْصِرٌ، والجُمَعُ مَآصِرُ، والعامَّةُ تَقُولُ مَعاصِرُ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ لا يَحْمِلَهم مِن ثِقَلِ التَّكالِيفِ ما حَمَلَ الأُمَمَ قَبْلَهم. وقَوْلُهُ: كَما حَمَلْتَهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا، أوْ صِفَةٌ لِ " إصْرًا ": أيْ إصْرًا مِثْلَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلَتْهُ عَلى مَن قَبْلَنا. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ هو أيْضًا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذا. والمَعْنى لا تُحَمِّلْنا مِنَ الأعْمالِ ما لا نُطِيقُ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِ العُقُوباتِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُنْزِلْ عَلَيْنا العُقُوباتِ بِتَفْرِيطِنا في المُحافَظَةِ عَلى تِلْكَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي كَلَّفْتَ بِها مَن قَبْلَنا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الشّاقُّ الَّذِي لا يَكادُ يُسْتَطاعُ مِنَ التَّكالِيفِ. قالَ في الكَشّافِ: وهَذا تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ . قَوْلُهُ: واعْفُ عَنّا أيْ عَنْ ذُنُوبِنا، يُقالُ عَفَوْتُ عَنْ ذَنْبِهِ: إذا تَرَكْتَهُ ولَمْ تُعاقِبْهُ عَلَيْهِ واغْفِرْ لَنا أيِ اسْتُرْ عَلى ذُنُوبِنا، والغَفْرُ: السَّتْرُ وارْحَمْنا أيْ تَفَضَّلْ بِرَحْمَةٍ مِنكَ عَلَيْنا أنْتَ مَوْلانا أيْ ولِيُّنا وناصِرُنا، وخَرَجَ هَذا مَخْرَجَ التَّعْلِيمِ كَيْفَ يَدْعُونَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنْتَ سَيِّدُنا ونَحْنُ عَبِيدُكَ ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ عَبِيدَهُ، والمُرادُ عامَّةُ الكَفَرَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ في الجِهادِ في سَبِيلِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا في شَرْحِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلَخْ، أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَقِبَ كُلِّ دَعْوَةٍ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ: قَدْ فَعَلْتُ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُؤاخِذْهم بِشَيْءٍ مِنَ الخَطَأِ والنِّسْيانِ ولا حَمَلَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهم، ولا حَمَّلَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وعَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم ورَحِمَهم، ونَصَرَهم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ لا نَكْفُرُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم، ولا نُكَذِّبُ بِهِ ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ لِلْقُرْآنِ الَّذِي جاءَ مِنَ اللَّهِ وأطَعْنا، أقَرُّوا لِلَّهِ أنْ يُطِيعُوهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ قالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكم ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ قالَ: إلَيْكَ المَرْجِعُ والمَآبُ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآيَةَ، قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ الثَّناءَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ فَسَلْ تُعْطَهُ، فَقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ حَتّى خَتَمَ السُّورَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وقالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ قالَ: مِنَ العَمَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: إلّا وُسْعَها قالَ: إلّا طاقَتَها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ، ومِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، ومِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ. وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِهِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وأبُو نُعَيْمٍ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ أُمِّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ حَدِيثِ الحَسَنِ مُرْسَلًا، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا. وفِي أسانِيدِ هَذِهِ الأحادِيثِ مَقالٌ ولَكِنَّها يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا فَلا تَقْصُرُ عَنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لِغَيْرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ (p-١٩٩)إنَّ اللَّهَ قالَ قَدْ فَعَلْتُ وهو في الصَّحِيحِ وهو يَشْهَدُ لِهَذِهِ الأحادِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " إصْرًا قالَ: عَهْدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ قالَ: لا تَمْسَخْنا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ أنَّ الإصْرَ: الذَّنْبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا كَفّارَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفُضَيْلِ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا أذْنَبَ قِيلَ لَهُ: تَوْبَتُكَ أنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ فَيَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَوُضِعَتِ الآصارُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ " ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ " إلَخْ، كُلَّما قالَها جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ النَّبِيُّ: آمِينَ رَبَّ العالَمِينَ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مَيْسَرَةَ «أنَّ جِبْرِيلَ لَقَّنَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خاتِمَةَ البَقَرَةِ آمِينَ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ كانَ إذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: آمِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: آمِينَ آمِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: هي لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: سَألَها نَبِيُّ اللَّهِ رَبَّهُ فَأعْطاهُ إيّاها، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خاصَّةً. وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وأهْلِ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَأنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِها سُورَةَ البَقَرَةِ، ولا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: «أُعْطِيتُ هَذِهِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَها نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «اقْرَءُوا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ " آمَنَ الرَّسُولُ " إلى خاتِمَتِها، فَإنَّ اللَّهَ اصْطَفى بِها مُحَمَّدًا» وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى وأُعْطِيَ ثَلاثًا، أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغَفَرَ لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شَيْئًا المُقْحِماتِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أعْطانِيهِما مِن كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُما وعَلِّمُوهُما نِساءَكم وأبْناءَكم فَإنَّهُما صَلاةٌ وقُرْآنٌ ودُعاءٌ "» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اثْنانِ هُما قُرْآنٌ وهُما يَشْفِيانِ، وهُما مِمّا يُحِبُّهُما اللَّهُ الآيَتانِ مِن آخِرِ البَقَرَةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ فَأنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِما سُورَةَ البَقَرَةِ لا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ "» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ، كَتَبَهُما الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ سَنَةٍ، مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا قَرَأ آخِرَ سُورَةِ البَقَرَةِ أوْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ضَحِكَ وقالَ: إنَّهُما مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " «أُعْطِيتُ فاتِحَةَ الكِتابِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ "» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ فَقالَ: هَذا بابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّماءِ ما فُتِحَ قَطُّ، قالَ: فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأ حَرْفًا مِنهُما إلّا أُوتِيتَهُ "» . فَهَذِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا في فَضْلِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِهِما مِن غَيْرِ المَرْفُوعِ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والحَسَنِ وأبِي قِلابَةَ، وفي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ.

البقرة 2:286

قَوْلُهُ: ﴿بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ بِجَمِيعِ ما أنْزَلَ اللَّهُ والمُؤْمِنُونَ عَطْفٌ عَلى الرَّسُولِ، وقَوْلُهُ: كُلٌّ أيْ مِنَ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ آمَنَ بِاللَّهِ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: والمُؤْمِنُونَ مُبْتَدَأٌ. وقَوْلُهُ: كُلٌّ مُبْتَدَأٌ ثانٍ. وقَوْلُهُ: آمَنَ بِاللَّهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الثّانِي، وهو وخَبَرُهُ خَبَرُ المُبْتَدَأِ الأوَّلِ، وأفْرَدَ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: آمَنَ بِاللَّهِ مَعَ رُجُوعِهِ إلى كُلِّ المُؤْمِنِينَ، لِما أنَّ المُرادَ بَيانُ إيمانِ كُلِّ فَرْدِ مِنهم مَن غَيْرِ اعْتِبارِ الِاجْتِماعِ كَما اعْتَبَرَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧] . قالَ الزَّجّاجُ: لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ فَرْضَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وبَيَّنَ أحْكامَ الحَجِّ، وحُكْمَ الحَيْضِ، والطَّلاقِ والإيلاءِ، وأقاصِيصَ الأنْبِياءِ، وبَيَّنَ حُكْمَ الرِّبا، ذَكَرَ تَعْظِيمَهُ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ نَبِيِّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ تَصْدِيقَ المُؤْمِنِينَ بِجَمِيعِ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ﴾ أيْ صَدَّقَ الرَّسُولُ بِجَمِيعِ هَذِهِ الأشْياءِ الَّتِي جَرى ذِكْرُها، وكَذَلِكَ المُؤْمِنُونَ كُلُّهم صَدَّقُوا بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ، وقِيلَ: سَبَبُ نُزُولِها الآيَةُ الَّتِي قَبْلَها. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ومَلائِكَتِهِ أيْ: مِن حَيْثُ كَوْنِهِمْ عِبادَهُ المُكْرَمِينَ المُتَوَسِّطِينَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْبِيائِهِ في إنْزالِ كُتُبِهِ، وقَوْلُهُ: وكُتُبِهِ لِأنَّها المُشْتَمِلَةُ عَلى الشَّرائِعِ الَّتِي تَعَبَّدَ بِها عِبادُهُ. وقَوْلُهُ: ورُسُلِهِ لِأنَّهُمُ المُبَلِّغُونَ لِعِبادِهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ. وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وعاصِمٌ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وابْنِ عامِرٍ " وكُتُبِهِ " بِالجَمْعِ. وقَرَءُوا في التَّحْرِيمِ " وكِتابِهِ " وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ هُنا " وكِتابِهِ " وكَذَلِكَ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: الكِتابُ أكْثَرُ مِنَ الكُتُبِ. وبَيَّنَهُ صاحِبُ الكَشّافِ فَقالَ: لِأنَّهُ إذا أُرِيدَ بِالواحِدِ الجِنْسُ والجِنْسِيَّةُ قائِمَةٌ في وحْدانِ الجِنْسِ كُلِّها لَمْ يَخْرُجْ مِنهُ شَيْءٌ، وأمّا الجَمْعُ فَلا يَدْخُلُ تَحْتَهُ إلّا ما فِيهِ الجِنْسِيَّةُ مِنَ الجُمُوعِ انْتَهى. ومَن أرادَ تَحْقِيقَ المَقامِ فَلْيَرْجِعْ إلى شَرْحِ التَّلْخِيصِ المُطَوَّلِ عِنْدَ قَوْلِ صاحِبِ التَّلْخِيصِ واسْتِغْراقُ المُفْرَدِ أشْمَلُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ورُسُلِهِ بِضَمِّ السِّينِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بِتَخْفِيفِ السِّينِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ لا نُفَرِّقُ بِالنُّونِ. والمَعْنى: يَقُولُونَ: لا نُفَرِّقُ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ وأبُو زُرْعَةَ وابْنُ عُمَرَ وابْنُ جَرِيرٍ ويَعْقُوبُ " لا يُفَرِّقُ " بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ. وقَوْلُهُ: بَيْنَ أحَدٍ ولَمْ يَقُلْ بَيْنَ آحادٍ؛ لِأنَّ الأحَدَ يَتَناوَلُ الواحِدَ والجَمْعَ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَما مِنكم مِن أحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ﴾ فَوَصَفَهُ بِقَوْلِهِ: حاجِزِينَ لِكَوْنِهِ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ وأنْ تَكُونَ خَبَرًا آخَرَ لِقَوْلِهِ: كُلٌّ. وقَوْلُهُ: مِن رُسُلِهِ أظْهَرَ في مَحَلِّ الإضْمارِ لِلِاحْتِرازِ عَنْ تَوَهُّمِ انْدِراجِ المَلائِكَةِ في الحُكْمِ، أوِ الإشْعارِ بِعِلَّةِ عَدَمِ التَّفْرِيقِ بَيْنَهم. وقَوْلُهُ: ﴿وقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: آمَنَ وهو وإنْ كانَ لِلْمُفْرَدِ وهَذا لِلْجَماعَةِ فَهو جائِزٌ نَظَرًا إلى جانِبِ المَعْنى، أيْ أدْرَكْناهُ بِأسْماعِنا وفَهْمِناهُ وأطَعْنا ما فِيهِ، وقِيلَ: مَعْنى سَمِعْنا: أجَبْنا دَعْوَتَكَ. قَوْلُهُ: غُفْرانَكَ مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، أيِ اغْفِرْ غُفْرانَكَ. قالَهُ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وقَدَّمَ السَّمْعَ والطّاعَةَ عَلى طَلَبِ المَغْفِرَةِ لِكَوْنِ الوَسِيلَةِ تَتَقَدَّمُ عَلى المُتَوَسِّلِ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ التَّكْلِيفُ هو الأمْرُ بِما فِيهِ مَشَقَّةٌ وكُلْفَةٌ، والوُسْعُ: الطّاقَةُ، والوُسْعُ: ما يَسَعُ الإنْسانَ ولا يُضَيِّقُ عَلَيْهِ، وهَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ جاءَتْ عَقِبَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآيَةَ لِكَشْفِ كُرْبَةِ المُسْلِمِينَ، ودَفْعِ المَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ في التَّكْلِيفِ بِما في الأنْفُسِ وهي كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . قَوْلُهُ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ فِيهِ تَرْغِيبٌ وتَرْهِيبٌ، أيْ لَها ثَوابُ ما كَسَبَتْ مِنَ الخَيْرِ، وعَلَيْها وِزْرُ ما اكْتَسَبَتْ مِنَ الشَّرِّ، وتَقَدَّمَ " لَها " و" عَلَيْها " عَلى الفِعْلَيْنِ لِيُفِيدَ أنَّ ذَلِكَ لَها لا لِغَيْرِها، وعَلَيْها لا عَلى غَيْرِها، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ كَسَبَ لِلْخَيْرِ فَقَطْ، واكْتَسَبَ لِلشَّرِّ فَقَطْ، كَما قالَهُ صاحِبُ الكَشّافِ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ يَصْدُقُ عَلى الأمْرَيْنِ، وإنَّما كَرَّرَ الفِعْلَ وخالَفَ بَيْنَ التَّصْرِيفَيْنِ تَحْسِينًا لِلنَّظْمِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَمَهِّلِ الكافِرِينَ أمْهِلْهم رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٧] . قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ أيْ: لا تُؤاخِذْنا بِإثْمِ ما يَصْدُرُ مِنّا مِن هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ. وقَدِ اسْتَشْكَلَ هَذا الدُّعاءُ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرِهِمْ قائِلِينَ إنَّ الخَطَأ والنِّسْيانَ مَغْفُورانِ غَيْرُ مُؤاخَذٍ بِهِما، فَما مَعْنى الدُّعاءِ بِذَلِكَ، فَإنَّهُ مِن تَحْصِيلِ الحاصِلِ. وأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُرادَ طَلَبُ المُؤاخَذَةِ بِما صَدَرَ عَنْهم مِنَ الأسْبابِ المُؤَدِّيَةِ إلى النِّسْيانِ والخَطَأِ، مِنَ التَّفْرِيطِ وعَدَمِ المُبالاةِ، لا مِن نَفْسِ النِّسْيانِ والخَطَأِ، فَإنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ بِهِما كَما يُفِيدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ والنِّسْيانُ» وسَيَأْتِي مَخْرَجُهُ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجُوزُ لِلْإنْسانِ أنْ يَدْعُوَ بِحُصُولِ ما هو حاصِلٌ لَهُ قَبْلَ الدُّعاءِ لِقَصْدِ اسْتَدامَتِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ وإنْ ثَبَتَ شَرْعًا أنَّهُ لا مُؤاخَذَةَ بِهِما، فَلا (p-١٩٨)امْتِناعَ في المُؤاخَذَةِ بِهِما عَقْلًا، وقِيلَ: لِأنَّهم كانُوا عَلى جانِبٍ عَظِيمٍ مِنَ التَّقْوى بِحَيْثُ لا يَصْدُرُ عَنْهُمُ الذَّنْبُ تَعَمُّدًا، وإنَّما يَصْدُرُ عَنْهم خَطَأً أوْ نِسْيانًا، فَكَأنَّهُ وصَفَهم بِالدُّعاءِ بِذَلِكَ إيذانًا بِنَزاهَةِ ساحَتِهِمْ عَمّا يُؤاخَذُونَ بِهِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كانَ النِّسْيانُ والخَطَأُ مِمّا يُؤاخَذُ بِهِ، فَما مِنهم سَبَبُ مُؤاخَذَةٍ إلّا الخَطَأُ والنِّسْيانُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وهَذا لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ أنَّ الإثْمَ مَرْفُوعٌ، وإنَّما اخْتُلِفَ فِيما يَتَعَلَّقُ عَلى ذَلِكَ مِنَ الأحْكامِ هَلْ ذَلِكَ مَرْفُوعٌ ولا يَلْزَمُ مِنهُ شَيْءٌ، أوْ يَلْزَمُ أحْكامُ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ اخْتُلِفَ فِيهِ، والصَّحِيحُ أنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسْبِ الوَقائِعِ، فَقِسْمٌ لا يَسْقُطُ بِاتِّفاقٍ كالغَراماتِ والدِّياناتِ والصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ. وقِسْمٌ يَسْقُطُ بِاتِّفاقٍ كالقِصاصِ والنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الكُفْرِ، وقِسْمٌ ثالِثٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَن أكَلَ ناسِيًا في رَمَضانَ أوْ حَنَثَ ساهِيًا، وما كانَ مِثْلُهُ مِمّا يَقَعُ خَطَأً ونِسْيانًا، ويُعْرَفُ ذَلِكَ في الفُرُوعِ انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا﴾ عَطْفٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلْإيذانِ بِمَزِيدِ التَّضَرُّعِ واللُّجُوءِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. والإصْرُ: العِبْءُ الثَّقِيلُ الَّذِي يَأْصِرُ صاحِبَهُ، أيْ يَحْبِسُهُ مَكانَهُ لا يَسْتَقِلُّ بِهِ لِثِقَلِهِ. والمُرادُ بِهِ هُنا التَّكْلِيفُ الشّاقُّ، والأمْرُ الغَلِيظُ الصَّعْبُ، وقِيلَ: الإصْرُ شِدَّةُ العَمَلِ وما غَلُظَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ مِن قَتْلِ الأنْفُسِ وقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: ؎يا مانِعَ الضَّيْمِ أنْ تَغْشى سَراتَهُمُ والحامِلَ الإصْرِ عَنْهم بَعْدَما غَرِقُوا وقِيلَ: الإصْرُ المَسْخُ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: العَهْدُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخَذْتُمْ عَلى ذَلِكم إصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] وهَذا الخِلافُ يَرْجِعُ إلى بَيانِ ما هو الإصْرُ الَّذِي كانَ عَلى مَن قَبْلَنا، لا إلى مَعْنى الإصْرِ في لُغَةِ العَرَبِ، فَإنَّهُ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بِلا نِزاعٍ، والإصارُ: الحَبَلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ الأحْمالُ ونَحْوُها، يُقالُ: أصَرَ يَأْصِرُ إصْرًا: حَبَسَ، والإصْرُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ مِن ذَلِكَ. قالَ الجَوْهَرِيُّ: والمَوْضِعُ مَأْصِرٌ، والجُمَعُ مَآصِرُ، والعامَّةُ تَقُولُ مَعاصِرُ. ومَعْنى الآيَةِ أنَّهم طَلَبُوا مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنْ لا يَحْمِلَهم مِن ثِقَلِ التَّكالِيفِ ما حَمَلَ الأُمَمَ قَبْلَهم. وقَوْلُهُ: كَما حَمَلْتَهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ حَمْلًا مِثْلَ حَمْلِكَ إيّاهُ عَلى مَن قَبْلَنا، أوْ صِفَةٌ لِ " إصْرًا ": أيْ إصْرًا مِثْلَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلَتْهُ عَلى مَن قَبْلَنا. قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾ هو أيْضًا عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِلنُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ قَبْلَ هَذا. والمَعْنى لا تُحَمِّلْنا مِنَ الأعْمالِ ما لا نُطِيقُ، وقِيلَ: هو عِبارَةٌ عَنْ إنْزالِ العُقُوباتِ، كَأنَّهُ قالَ: لا تُنْزِلْ عَلَيْنا العُقُوباتِ بِتَفْرِيطِنا في المُحافَظَةِ عَلى تِلْكَ التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ الَّتِي كَلَّفْتَ بِها مَن قَبْلَنا، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الشّاقُّ الَّذِي لا يَكادُ يُسْتَطاعُ مِنَ التَّكالِيفِ. قالَ في الكَشّافِ: وهَذا تَقْرِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ . قَوْلُهُ: واعْفُ عَنّا أيْ عَنْ ذُنُوبِنا، يُقالُ عَفَوْتُ عَنْ ذَنْبِهِ: إذا تَرَكْتَهُ ولَمْ تُعاقِبْهُ عَلَيْهِ واغْفِرْ لَنا أيِ اسْتُرْ عَلى ذُنُوبِنا، والغَفْرُ: السَّتْرُ وارْحَمْنا أيْ تَفَضَّلْ بِرَحْمَةٍ مِنكَ عَلَيْنا أنْتَ مَوْلانا أيْ ولِيُّنا وناصِرُنا، وخَرَجَ هَذا مَخْرَجَ التَّعْلِيمِ كَيْفَ يَدْعُونَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: أنْتَ سَيِّدُنا ونَحْنُ عَبِيدُكَ ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ فَإنَّ مِن حَقِّ المَوْلى أنْ يَنْصُرَ عَبِيدَهُ، والمُرادُ عامَّةُ الكَفَرَةِ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى إعْلاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ في الجِهادِ في سَبِيلِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا في شَرْحِ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٤] إلَخْ، أنَّهُ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ عَقِبَ كُلِّ دَعْوَةٍ مِن هَذِهِ الدَّعَواتِ: قَدْ فَعَلْتُ، فَكانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يُؤاخِذْهم بِشَيْءٍ مِنَ الخَطَأِ والنِّسْيانِ ولا حَمَلَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنَ الإصْرِ الَّذِي حَمَلَهُ عَلى مَن قَبْلَهم، ولا حَمَّلَهم ما لا طاقَةَ لَهم بِهِ، وعَفا عَنْهم وغَفَرَ لَهم ورَحِمَهم، ونَصَرَهم عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ، والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حِبّانَ ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ لا نَكْفُرُ بِما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ، ولا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم، ولا نُكَذِّبُ بِهِ ﴿وقالُوا سَمِعْنا﴾ لِلْقُرْآنِ الَّذِي جاءَ مِنَ اللَّهِ وأطَعْنا، أقَرُّوا لِلَّهِ أنْ يُطِيعُوهُ في أمْرِهِ ونَهْيِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا﴾ قالَ: قَدْ غَفَرْتُ لَكم ﴿وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾ قالَ: إلَيْكَ المَرْجِعُ والمَآبُ يَوْمَ يَقُومُ الحِسابُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جابِرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآيَةَ، قالَ جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ الثَّناءَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ فَسَلْ تُعْطَهُ، فَقالَ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ حَتّى خَتَمَ السُّورَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ وسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أمْرَ دِينِهِمْ فَقالَ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وقالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . وقالَ: ﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿لَها ما كَسَبَتْ وعَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ﴾ قالَ: مِنَ العَمَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: إلّا وُسْعَها قالَ: إلّا طاقَتَها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ نَحْوَهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ والطَّبَرانِيُّ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأ والنِّسْيانَ وما اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» . وأخْرَجَهُ ابْنُ ماجَهْ مِن حَدِيثِ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ثَوْبانَ، ومِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، ومِن حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ. وأخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ أيْضًا مِن حَدِيثِهِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ وأبُو نُعَيْمٍ مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ أُمِّ الدَّرْداءِ. وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ حَدِيثِ الحَسَنِ مُرْسَلًا، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن حَدِيثِ الشَّعْبِيِّ مُرْسَلًا. وفِي أسانِيدِ هَذِهِ الأحادِيثِ مَقالٌ ولَكِنَّها يُقَوِّي بَعْضُها بَعْضًا فَلا تَقْصُرُ عَنْ رُتْبَةِ الحَسَنِ لِغَيْرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ (p-١٩٩)إنَّ اللَّهَ قالَ قَدْ فَعَلْتُ وهو في الصَّحِيحِ وهو يَشْهَدُ لِهَذِهِ الأحادِيثِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: " إصْرًا قالَ: عَهْدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾ قالَ: لا تَمْسَخْنا قِرَدَةً وخَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ أنَّ الإصْرَ: الذَّنْبُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَوْبَةٌ ولا كَفّارَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفُضَيْلِ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا أذْنَبَ قِيلَ لَهُ: تَوْبَتُكَ أنْ تَقْتُلَ نَفْسَكَ فَيَقْتُلُ نَفْسَهُ، فَوُضِعَتِ الآصارُ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ " ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا﴾ " إلَخْ، كُلَّما قالَها جِبْرِيلُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ النَّبِيُّ: آمِينَ رَبَّ العالَمِينَ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ مَيْسَرَةَ «أنَّ جِبْرِيلَ لَقَّنَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خاتِمَةَ البَقَرَةِ آمِينَ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ كانَ إذا فَرَغَ مِن قِراءَةِ هَذِهِ السُّورَةِ قالَ: آمِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: آمِينَ آمِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: هي لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: سَألَها نَبِيُّ اللَّهِ رَبَّهُ فَأعْطاهُ إيّاها، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خاصَّةً. وقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وأهْلِ السُّنَنِ وغَيْرِهِمْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «مَن قَرَأ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كَفَتاهُ» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ والدّارِمِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَأنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِها سُورَةَ البَقَرَةِ، ولا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ "» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: «أُعْطِيتُ هَذِهِ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ يُعْطَها نَبِيٌّ قَبْلِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «اقْرَءُوا هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ " آمَنَ الرَّسُولُ " إلى خاتِمَتِها، فَإنَّ اللَّهَ اصْطَفى بِها مُحَمَّدًا» وإسْنادُهُ حَسَنٌ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ انْتَهى إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى وأُعْطِيَ ثَلاثًا، أُعْطِيَ الصَّلَواتِ الخَمْسَ، وأُعْطِيَ خَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغَفَرَ لِمَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ مِن أُمَّتِهِ شَيْئًا المُقْحِماتِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: " «إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ البَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أعْطانِيهِما مِن كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ العَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُما وعَلِّمُوهُما نِساءَكم وأبْناءَكم فَإنَّهُما صَلاةٌ وقُرْآنٌ ودُعاءٌ "» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اثْنانِ هُما قُرْآنٌ وهُما يَشْفِيانِ، وهُما مِمّا يُحِبُّهُما اللَّهُ الآيَتانِ مِن آخِرِ البَقَرَةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " «إنَّ اللَّهَ كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ فَأنْزَلَ مِنهُ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِما سُورَةَ البَقَرَةِ لا يُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها شَيْطانٌ "» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ آيَتَيْنِ مِن كُنُوزِ الجَنَّةِ، كَتَبَهُما الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ سَنَةٍ، مَن قَرَأهُما بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ أجْزَأتاهُ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا قَرَأ آخِرَ سُورَةِ البَقَرَةِ أوْ آيَةَ الكُرْسِيِّ ضَحِكَ وقالَ: إنَّهُما مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: " «أُعْطِيتُ فاتِحَةَ الكِتابِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ مِن تَحْتِ العَرْشِ "» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعِنْدَهُ جِبْرِيلُ إذْ سَمِعَ نَقِيضًا فَرَفَعَ جِبْرِيلُ بَصَرَهُ فَقالَ: هَذا بابٌ قَدْ فُتِحَ مِنَ السَّماءِ ما فُتِحَ قَطُّ، قالَ: فَنَزَلَ مِنهُ مَلَكٌ فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: أبْشِرْ بِنُورَيْنِ قَدْ أُوتِيتَهُما لَمْ يُؤْتَهُما نَبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتِحَةُ الكِتابِ، وخَواتِيمُ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأ حَرْفًا مِنهُما إلّا أُوتِيتَهُ "» . فَهَذِهِ ثَلاثَةَ عَشَرَ حَدِيثًا في فَضْلِ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَرْفُوعَةٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ رُوِيَ في فَضْلِهِما مِن غَيْرِ المَرْفُوعِ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ وأبِي مَسْعُودٍ وكَعْبِ الأحْبارِ والحَسَنِ وأبِي قِلابَةَ، وفي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ما يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ.

آل عمران 3:1

تَفْسِيرُ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ هي مَدَنِيَّةٌ، قالَ القُرْطُبِيُّ: بِالإجْماعِ، ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ صَدْرَها إلى ثَلاثٍ وثَمانِينَ آيَةً نَزَلَ في وفْدِ نَجْرانَ، وكانَ قُدُومُهم في سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ. وقَدْ أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ آلِ عِمْرانَ بِالمَدِينَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما هو مُشْتَرَكٌ بَيْنَها وبَيْنَ هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأحادِيثِ الدّالَّةِ عَلى فَضْلِهِما، وكَذَلِكَ تَقَدَّمَ ما ورَدَ في السَّبْعِ الطِّوالِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن قَرَأ السُّورَةَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ ومَلائِكَتُهُ حَتّى تَغِيبَ الشَّمْسُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: مَن قَرَأ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ والنِّساءَ كُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الحُكَماءِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: مَن قَرَأ آلَ عِمْرانَ فَهو غَنِيٌّ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نِعْمَ كَنْزُ الصُّعْلُوكِ آلُ عِمْرانَ يَقُومُ بِها الرَّجُلُ مِن آخِرِ اللَّيْلِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ أبِي عاطِفٍ قالَ: اسْمُ آلِ عِمْرانَ في التَّوْراةِ طَيْبَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قَرَأ رَجُلٌ البَقَرَةَ وآلَ عِمْرانَ، فَقالَ كَعْبٌ: قَدْ قَرَأ السُّورَتَيْنِ إنَّ (p-٢٠٠)فِيهِما الِاسْمَ الَّذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ.

آل عمران 3:2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ وأبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( الم أللَّهُ ) بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى الم كَما يُقَدِّرُونَ الوَقْفَ عَلى أسْماءِ الأعْدادِ نَحْوَ واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ مَعَ وصْلِهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ الم اللَّهُ ٣٠ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ ولا تَقُولُهُ العَرَبُ لِثِقَلِهِ. وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُوازَنَةً لِمُفْرَدٍ طَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتَ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأُ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ الحَسَنُ ومَن مَعَهُ في قِراءَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا. وأمّا فَتْحُ المِيمِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَوَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ المِيمَ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُرُوفُ التَّهَجِّي إذا لَقِيَتْها ألِفُ وصْلٍ، فَحُذِفَتِ الألِفُ وحُرِّكَتِ المِيمُ بِحَرَكَةِ الألِفِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وهَذِهِ الفَواتِحُ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها أخْبارٌ لِمُبْتَدَآتٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها، أوِ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أفْعالٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كاذْكُرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ. والحَيُّ القَيُّومُ: خَبَرانِ آخَرانِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ أوْ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ، وقِيلَ: إنَّهُما صِفَتانِ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أوْ بَدَلانِ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحَيِّ والقَيُّومِ. وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ " القَيّامُ " عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُنَزَّلِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهي إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ. قَوْلُهُ: بِالحَقِّ أيْ بِالصِّدْقِ - وقِيلَ: بِالحُجَّةِ الغالِبَةِ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: " ﴿مُصَدِّقًا﴾ " حالٌ آخَرُ مِنَ الكِتابِ مُؤَكَّدَةً، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا، فَلا تَكُونُ الحالُ مُنْتَقِلَةً أصْلًا، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الِانْتِقالَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصَدِّقًا، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ البَيانِ لِقَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. وإنَّما قالَ هُنا: أنْزَلَ وفِيما تَقَدَّمَ نَزَّلَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، والكِتابانِ نَزَلا دُفْعَةً واحِدَةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الكِتابَيْنِ مَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكِتابَ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ القَصْدَ هُنا لَيْسَ إلّا إلى ذِكْرِ الكِتابَيْنِ لا ذِكْرِ مَن نَزَلا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: مِن قَبْلِ أيْ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ: هُدًى لِلنّاسِ إمّا حالٌ مِنَ الكِتابَيْنِ أوْ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ ما هو أعَمُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُتَعَبِّدَةٌ لِما لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الشَّرائِعِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُدًى لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، كَما قالَ في البَقَرَةِ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، قَوْلُهُ: وأنْزَلَ الفُرْقانَ أيِ: الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وهو القُرْآنُ، وكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَشْرِيفًا لَهُ مَعَ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ الآخَرُ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَكَرَ التَّنْزِيلَ أوَّلًا والإنْزالَ ثانِيًا لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ أُنْزِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً ثُمَّ نَزَلَ مِنها إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ كَما سَبَقَ. وقِيلَ: أرادَ بِالفُرْقانِ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى رُسُلِهِ، وقِيلَ: أرادَ الزَّبُورَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَواعِظِ الحَسَنَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ آيَةٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها، أوْ بِما في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ المَذْكُورَةِ عَلى وضْعِ آياتِ اللَّهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها، وفِيهِ بَيانُ الأمْرِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الكُفْرَ لَهم بِسَبَبِ هَذا الكُفْرِ عَذابٌ شَدِيدٌ أيْ عَظِيمٌ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ذُو انْتِقامٍ عَظِيمٍ، والنِّقْمَةُ السَّطْوَةُ، يُقالُ انْتَقَمَ مِنهُ: إذا عاقَبَهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ بِالمَعْلُوماتِ وعَبَّرَ عَنْ مَعْلُوماتِهِ بِما في الأرْضِ والسَّماءِ مَعَ كَوْنِها أوْسَعَ مِن ذَلِكَ، لِقُصُورِ عِبادِهِ عَنِ العِلْمِ بِما سِواهُما مِن أمْكِنَةِ مَخْلُوقاتِهِ وسائِرِ مَعْلُوماتِهِ، ومِن جُمْلَةِ ما لا يَخْفى عَلَيْهِ إيمانُ مَن آمَنَ مِن خَلْقِهِ وكُفْرُ مَن كَفَرَ. قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أصْلُ اشْتِقاقِ الصُّورَةِ مِن صارَهُ إلى كَذا أيْ أمالَهُ إلَيْهِ، فالصُّورَةُ مائِلَةٌ عَلى بَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وهو تَصْوِيرُ عِبادِهِ في أرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ مِن نُطَفِ آبائِهِمْ كَيْفَ يَشاءُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ وأسْوَدَ وأبْيَضَ وطَوِيلٍ وقَصِيرٍ. وكَيْفَ مَعْمُولُ يَشاءُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ( قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والسَّيِّدُ، وهو الأيْهَمُ، ثُمَّ ذَكَرُوا القِصَّةَ في الكَلامِ الَّذِي دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأنَّ (p-٢٠١)اللَّهَ أنْزَلَ في ذَلِكَ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ، فَذَكَرَ وفْدَ نَجْرانَ ومُخاصَمَتَهم لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ " قالَ: لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ هو القُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ فِيهِ حَرامَهُ، وشَرَعَ فِيهِ شَرائِعَهُ، وحَدَّ فِيهِ حُدُودَهُ، وفَرَضَ فِيهِ فَرائِضَهُ: وبَيَّنَ فِيهِ بَيانَهُ، وأمَرَ بِطاعَتِهِ، ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ: الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى وغَيْرِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ كَفَرَ بِآياتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِها ومَعْرِفَتِهِ بِما جاءَ مِنهُ فِيها. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَ ما يُرِيدُونَ وما يَكِيدُونَ وما يُضاهُونَ بِقَوْلِهِمْ في عِيسى إذْ جَعَلُوهُ رَبًّا وإلَهًا، وعِنْدَهم مِن عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ غِرَّةً بِاللَّهِ وكُفْرًا بِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾، قَدْ كانَ عِيسى مِمَّنْ صُوِّرَ في الأرْحامِ لا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ كَما صُوِّرَ غَيْرُهُ مَن بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وقَدْ كانَ بِذَلِكَ المَنزِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: ذُكُورًا وإناثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: إذا وقَعَتِ النُّطْفَةُ في الأرْحامِ طارَتْ في الجَسَدِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإذا بَلَغَ أنْ يُخْلَقَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُها، فَيَأْتِي المَلَكُ بِتُرابٍ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَيَخْلِطُ مِنهُ المُضْغَةَ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِها، ثُمَّ يُصَوِّرُ كَما يُؤْمَرُ فَيَقُولُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ وما رِزْقُهُ ؟ وما عُمُرُهُ ؟ وما أثَرُهُ ؟ وما مَصائِبُهُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الجَسَدُ دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرابُ. وأخْرَجَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وأحْمَرَ وأسْوَدَ، وتامِّ الخَلْقِ وغَيْرِ تامِّ الخَلْقِ.

آل عمران 3:3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ وأبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( الم أللَّهُ ) بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى الم كَما يُقَدِّرُونَ الوَقْفَ عَلى أسْماءِ الأعْدادِ نَحْوَ واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ مَعَ وصْلِهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ الم اللَّهُ ٣٠ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ ولا تَقُولُهُ العَرَبُ لِثِقَلِهِ. وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُوازَنَةً لِمُفْرَدٍ طَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتَ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأُ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ الحَسَنُ ومَن مَعَهُ في قِراءَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا. وأمّا فَتْحُ المِيمِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَوَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ المِيمَ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُرُوفُ التَّهَجِّي إذا لَقِيَتْها ألِفُ وصْلٍ، فَحُذِفَتِ الألِفُ وحُرِّكَتِ المِيمُ بِحَرَكَةِ الألِفِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وهَذِهِ الفَواتِحُ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها أخْبارٌ لِمُبْتَدَآتٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها، أوِ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أفْعالٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كاذْكُرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ. والحَيُّ القَيُّومُ: خَبَرانِ آخَرانِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ أوْ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ، وقِيلَ: إنَّهُما صِفَتانِ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أوْ بَدَلانِ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحَيِّ والقَيُّومِ. وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ " القَيّامُ " عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُنَزَّلِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهي إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ. قَوْلُهُ: بِالحَقِّ أيْ بِالصِّدْقِ - وقِيلَ: بِالحُجَّةِ الغالِبَةِ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: " ﴿مُصَدِّقًا﴾ " حالٌ آخَرُ مِنَ الكِتابِ مُؤَكَّدَةً، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا، فَلا تَكُونُ الحالُ مُنْتَقِلَةً أصْلًا، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الِانْتِقالَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصَدِّقًا، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ البَيانِ لِقَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. وإنَّما قالَ هُنا: أنْزَلَ وفِيما تَقَدَّمَ نَزَّلَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، والكِتابانِ نَزَلا دُفْعَةً واحِدَةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الكِتابَيْنِ مَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكِتابَ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ القَصْدَ هُنا لَيْسَ إلّا إلى ذِكْرِ الكِتابَيْنِ لا ذِكْرِ مَن نَزَلا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: مِن قَبْلِ أيْ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ: هُدًى لِلنّاسِ إمّا حالٌ مِنَ الكِتابَيْنِ أوْ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ ما هو أعَمُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُتَعَبِّدَةٌ لِما لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الشَّرائِعِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُدًى لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، كَما قالَ في البَقَرَةِ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، قَوْلُهُ: وأنْزَلَ الفُرْقانَ أيِ: الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وهو القُرْآنُ، وكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَشْرِيفًا لَهُ مَعَ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ الآخَرُ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَكَرَ التَّنْزِيلَ أوَّلًا والإنْزالَ ثانِيًا لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ أُنْزِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً ثُمَّ نَزَلَ مِنها إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ كَما سَبَقَ. وقِيلَ: أرادَ بِالفُرْقانِ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى رُسُلِهِ، وقِيلَ: أرادَ الزَّبُورَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَواعِظِ الحَسَنَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ آيَةٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها، أوْ بِما في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ المَذْكُورَةِ عَلى وضْعِ آياتِ اللَّهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها، وفِيهِ بَيانُ الأمْرِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الكُفْرَ لَهم بِسَبَبِ هَذا الكُفْرِ عَذابٌ شَدِيدٌ أيْ عَظِيمٌ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ذُو انْتِقامٍ عَظِيمٍ، والنِّقْمَةُ السَّطْوَةُ، يُقالُ انْتَقَمَ مِنهُ: إذا عاقَبَهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ بِالمَعْلُوماتِ وعَبَّرَ عَنْ مَعْلُوماتِهِ بِما في الأرْضِ والسَّماءِ مَعَ كَوْنِها أوْسَعَ مِن ذَلِكَ، لِقُصُورِ عِبادِهِ عَنِ العِلْمِ بِما سِواهُما مِن أمْكِنَةِ مَخْلُوقاتِهِ وسائِرِ مَعْلُوماتِهِ، ومِن جُمْلَةِ ما لا يَخْفى عَلَيْهِ إيمانُ مَن آمَنَ مِن خَلْقِهِ وكُفْرُ مَن كَفَرَ. قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أصْلُ اشْتِقاقِ الصُّورَةِ مِن صارَهُ إلى كَذا أيْ أمالَهُ إلَيْهِ، فالصُّورَةُ مائِلَةٌ عَلى بَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وهو تَصْوِيرُ عِبادِهِ في أرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ مِن نُطَفِ آبائِهِمْ كَيْفَ يَشاءُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ وأسْوَدَ وأبْيَضَ وطَوِيلٍ وقَصِيرٍ. وكَيْفَ مَعْمُولُ يَشاءُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ( قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والسَّيِّدُ، وهو الأيْهَمُ، ثُمَّ ذَكَرُوا القِصَّةَ في الكَلامِ الَّذِي دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأنَّ (p-٢٠١)اللَّهَ أنْزَلَ في ذَلِكَ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ، فَذَكَرَ وفْدَ نَجْرانَ ومُخاصَمَتَهم لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ " قالَ: لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ هو القُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ فِيهِ حَرامَهُ، وشَرَعَ فِيهِ شَرائِعَهُ، وحَدَّ فِيهِ حُدُودَهُ، وفَرَضَ فِيهِ فَرائِضَهُ: وبَيَّنَ فِيهِ بَيانَهُ، وأمَرَ بِطاعَتِهِ، ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ: الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى وغَيْرِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ كَفَرَ بِآياتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِها ومَعْرِفَتِهِ بِما جاءَ مِنهُ فِيها. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَ ما يُرِيدُونَ وما يَكِيدُونَ وما يُضاهُونَ بِقَوْلِهِمْ في عِيسى إذْ جَعَلُوهُ رَبًّا وإلَهًا، وعِنْدَهم مِن عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ غِرَّةً بِاللَّهِ وكُفْرًا بِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾، قَدْ كانَ عِيسى مِمَّنْ صُوِّرَ في الأرْحامِ لا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ كَما صُوِّرَ غَيْرُهُ مَن بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وقَدْ كانَ بِذَلِكَ المَنزِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: ذُكُورًا وإناثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: إذا وقَعَتِ النُّطْفَةُ في الأرْحامِ طارَتْ في الجَسَدِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإذا بَلَغَ أنْ يُخْلَقَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُها، فَيَأْتِي المَلَكُ بِتُرابٍ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَيَخْلِطُ مِنهُ المُضْغَةَ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِها، ثُمَّ يُصَوِّرُ كَما يُؤْمَرُ فَيَقُولُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ وما رِزْقُهُ ؟ وما عُمُرُهُ ؟ وما أثَرُهُ ؟ وما مَصائِبُهُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الجَسَدُ دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرابُ. وأخْرَجَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وأحْمَرَ وأسْوَدَ، وتامِّ الخَلْقِ وغَيْرِ تامِّ الخَلْقِ.

آل عمران 3:4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ وأبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( الم أللَّهُ ) بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى الم كَما يُقَدِّرُونَ الوَقْفَ عَلى أسْماءِ الأعْدادِ نَحْوَ واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ مَعَ وصْلِهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ الم اللَّهُ ٣٠ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ ولا تَقُولُهُ العَرَبُ لِثِقَلِهِ. وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُوازَنَةً لِمُفْرَدٍ طَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتَ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأُ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ الحَسَنُ ومَن مَعَهُ في قِراءَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا. وأمّا فَتْحُ المِيمِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَوَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ المِيمَ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُرُوفُ التَّهَجِّي إذا لَقِيَتْها ألِفُ وصْلٍ، فَحُذِفَتِ الألِفُ وحُرِّكَتِ المِيمُ بِحَرَكَةِ الألِفِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وهَذِهِ الفَواتِحُ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها أخْبارٌ لِمُبْتَدَآتٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها، أوِ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أفْعالٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كاذْكُرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ. والحَيُّ القَيُّومُ: خَبَرانِ آخَرانِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ أوْ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ، وقِيلَ: إنَّهُما صِفَتانِ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أوْ بَدَلانِ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحَيِّ والقَيُّومِ. وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ " القَيّامُ " عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُنَزَّلِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهي إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ. قَوْلُهُ: بِالحَقِّ أيْ بِالصِّدْقِ - وقِيلَ: بِالحُجَّةِ الغالِبَةِ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: " ﴿مُصَدِّقًا﴾ " حالٌ آخَرُ مِنَ الكِتابِ مُؤَكَّدَةً، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا، فَلا تَكُونُ الحالُ مُنْتَقِلَةً أصْلًا، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الِانْتِقالَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصَدِّقًا، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ البَيانِ لِقَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. وإنَّما قالَ هُنا: أنْزَلَ وفِيما تَقَدَّمَ نَزَّلَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، والكِتابانِ نَزَلا دُفْعَةً واحِدَةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الكِتابَيْنِ مَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكِتابَ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ القَصْدَ هُنا لَيْسَ إلّا إلى ذِكْرِ الكِتابَيْنِ لا ذِكْرِ مَن نَزَلا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: مِن قَبْلِ أيْ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ: هُدًى لِلنّاسِ إمّا حالٌ مِنَ الكِتابَيْنِ أوْ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ ما هو أعَمُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُتَعَبِّدَةٌ لِما لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الشَّرائِعِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُدًى لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، كَما قالَ في البَقَرَةِ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، قَوْلُهُ: وأنْزَلَ الفُرْقانَ أيِ: الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وهو القُرْآنُ، وكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَشْرِيفًا لَهُ مَعَ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ الآخَرُ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَكَرَ التَّنْزِيلَ أوَّلًا والإنْزالَ ثانِيًا لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ أُنْزِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً ثُمَّ نَزَلَ مِنها إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ كَما سَبَقَ. وقِيلَ: أرادَ بِالفُرْقانِ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى رُسُلِهِ، وقِيلَ: أرادَ الزَّبُورَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَواعِظِ الحَسَنَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ آيَةٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها، أوْ بِما في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ المَذْكُورَةِ عَلى وضْعِ آياتِ اللَّهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها، وفِيهِ بَيانُ الأمْرِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الكُفْرَ لَهم بِسَبَبِ هَذا الكُفْرِ عَذابٌ شَدِيدٌ أيْ عَظِيمٌ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ذُو انْتِقامٍ عَظِيمٍ، والنِّقْمَةُ السَّطْوَةُ، يُقالُ انْتَقَمَ مِنهُ: إذا عاقَبَهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ بِالمَعْلُوماتِ وعَبَّرَ عَنْ مَعْلُوماتِهِ بِما في الأرْضِ والسَّماءِ مَعَ كَوْنِها أوْسَعَ مِن ذَلِكَ، لِقُصُورِ عِبادِهِ عَنِ العِلْمِ بِما سِواهُما مِن أمْكِنَةِ مَخْلُوقاتِهِ وسائِرِ مَعْلُوماتِهِ، ومِن جُمْلَةِ ما لا يَخْفى عَلَيْهِ إيمانُ مَن آمَنَ مِن خَلْقِهِ وكُفْرُ مَن كَفَرَ. قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أصْلُ اشْتِقاقِ الصُّورَةِ مِن صارَهُ إلى كَذا أيْ أمالَهُ إلَيْهِ، فالصُّورَةُ مائِلَةٌ عَلى بَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وهو تَصْوِيرُ عِبادِهِ في أرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ مِن نُطَفِ آبائِهِمْ كَيْفَ يَشاءُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ وأسْوَدَ وأبْيَضَ وطَوِيلٍ وقَصِيرٍ. وكَيْفَ مَعْمُولُ يَشاءُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ( قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والسَّيِّدُ، وهو الأيْهَمُ، ثُمَّ ذَكَرُوا القِصَّةَ في الكَلامِ الَّذِي دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأنَّ (p-٢٠١)اللَّهَ أنْزَلَ في ذَلِكَ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ، فَذَكَرَ وفْدَ نَجْرانَ ومُخاصَمَتَهم لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ " قالَ: لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ هو القُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ فِيهِ حَرامَهُ، وشَرَعَ فِيهِ شَرائِعَهُ، وحَدَّ فِيهِ حُدُودَهُ، وفَرَضَ فِيهِ فَرائِضَهُ: وبَيَّنَ فِيهِ بَيانَهُ، وأمَرَ بِطاعَتِهِ، ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ: الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى وغَيْرِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ كَفَرَ بِآياتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِها ومَعْرِفَتِهِ بِما جاءَ مِنهُ فِيها. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَ ما يُرِيدُونَ وما يَكِيدُونَ وما يُضاهُونَ بِقَوْلِهِمْ في عِيسى إذْ جَعَلُوهُ رَبًّا وإلَهًا، وعِنْدَهم مِن عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ غِرَّةً بِاللَّهِ وكُفْرًا بِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾، قَدْ كانَ عِيسى مِمَّنْ صُوِّرَ في الأرْحامِ لا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ كَما صُوِّرَ غَيْرُهُ مَن بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وقَدْ كانَ بِذَلِكَ المَنزِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: ذُكُورًا وإناثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: إذا وقَعَتِ النُّطْفَةُ في الأرْحامِ طارَتْ في الجَسَدِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإذا بَلَغَ أنْ يُخْلَقَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُها، فَيَأْتِي المَلَكُ بِتُرابٍ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَيَخْلِطُ مِنهُ المُضْغَةَ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِها، ثُمَّ يُصَوِّرُ كَما يُؤْمَرُ فَيَقُولُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ وما رِزْقُهُ ؟ وما عُمُرُهُ ؟ وما أثَرُهُ ؟ وما مَصائِبُهُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الجَسَدُ دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرابُ. وأخْرَجَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وأحْمَرَ وأسْوَدَ، وتامِّ الخَلْقِ وغَيْرِ تامِّ الخَلْقِ.

آل عمران 3:5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ وأبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( الم أللَّهُ ) بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى الم كَما يُقَدِّرُونَ الوَقْفَ عَلى أسْماءِ الأعْدادِ نَحْوَ واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ مَعَ وصْلِهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ الم اللَّهُ ٣٠ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ ولا تَقُولُهُ العَرَبُ لِثِقَلِهِ. وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُوازَنَةً لِمُفْرَدٍ طَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتَ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأُ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ الحَسَنُ ومَن مَعَهُ في قِراءَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا. وأمّا فَتْحُ المِيمِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَوَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ المِيمَ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُرُوفُ التَّهَجِّي إذا لَقِيَتْها ألِفُ وصْلٍ، فَحُذِفَتِ الألِفُ وحُرِّكَتِ المِيمُ بِحَرَكَةِ الألِفِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وهَذِهِ الفَواتِحُ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها أخْبارٌ لِمُبْتَدَآتٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها، أوِ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أفْعالٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كاذْكُرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ. والحَيُّ القَيُّومُ: خَبَرانِ آخَرانِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ أوْ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ، وقِيلَ: إنَّهُما صِفَتانِ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أوْ بَدَلانِ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحَيِّ والقَيُّومِ. وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ " القَيّامُ " عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُنَزَّلِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهي إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ. قَوْلُهُ: بِالحَقِّ أيْ بِالصِّدْقِ - وقِيلَ: بِالحُجَّةِ الغالِبَةِ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: " ﴿مُصَدِّقًا﴾ " حالٌ آخَرُ مِنَ الكِتابِ مُؤَكَّدَةً، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا، فَلا تَكُونُ الحالُ مُنْتَقِلَةً أصْلًا، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الِانْتِقالَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصَدِّقًا، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ البَيانِ لِقَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. وإنَّما قالَ هُنا: أنْزَلَ وفِيما تَقَدَّمَ نَزَّلَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، والكِتابانِ نَزَلا دُفْعَةً واحِدَةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الكِتابَيْنِ مَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكِتابَ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ القَصْدَ هُنا لَيْسَ إلّا إلى ذِكْرِ الكِتابَيْنِ لا ذِكْرِ مَن نَزَلا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: مِن قَبْلِ أيْ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ: هُدًى لِلنّاسِ إمّا حالٌ مِنَ الكِتابَيْنِ أوْ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ ما هو أعَمُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُتَعَبِّدَةٌ لِما لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الشَّرائِعِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُدًى لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، كَما قالَ في البَقَرَةِ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، قَوْلُهُ: وأنْزَلَ الفُرْقانَ أيِ: الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وهو القُرْآنُ، وكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَشْرِيفًا لَهُ مَعَ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ الآخَرُ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَكَرَ التَّنْزِيلَ أوَّلًا والإنْزالَ ثانِيًا لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ أُنْزِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً ثُمَّ نَزَلَ مِنها إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ كَما سَبَقَ. وقِيلَ: أرادَ بِالفُرْقانِ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى رُسُلِهِ، وقِيلَ: أرادَ الزَّبُورَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَواعِظِ الحَسَنَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ آيَةٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها، أوْ بِما في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ المَذْكُورَةِ عَلى وضْعِ آياتِ اللَّهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها، وفِيهِ بَيانُ الأمْرِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الكُفْرَ لَهم بِسَبَبِ هَذا الكُفْرِ عَذابٌ شَدِيدٌ أيْ عَظِيمٌ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ذُو انْتِقامٍ عَظِيمٍ، والنِّقْمَةُ السَّطْوَةُ، يُقالُ انْتَقَمَ مِنهُ: إذا عاقَبَهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ بِالمَعْلُوماتِ وعَبَّرَ عَنْ مَعْلُوماتِهِ بِما في الأرْضِ والسَّماءِ مَعَ كَوْنِها أوْسَعَ مِن ذَلِكَ، لِقُصُورِ عِبادِهِ عَنِ العِلْمِ بِما سِواهُما مِن أمْكِنَةِ مَخْلُوقاتِهِ وسائِرِ مَعْلُوماتِهِ، ومِن جُمْلَةِ ما لا يَخْفى عَلَيْهِ إيمانُ مَن آمَنَ مِن خَلْقِهِ وكُفْرُ مَن كَفَرَ. قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أصْلُ اشْتِقاقِ الصُّورَةِ مِن صارَهُ إلى كَذا أيْ أمالَهُ إلَيْهِ، فالصُّورَةُ مائِلَةٌ عَلى بَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وهو تَصْوِيرُ عِبادِهِ في أرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ مِن نُطَفِ آبائِهِمْ كَيْفَ يَشاءُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ وأسْوَدَ وأبْيَضَ وطَوِيلٍ وقَصِيرٍ. وكَيْفَ مَعْمُولُ يَشاءُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ( قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والسَّيِّدُ، وهو الأيْهَمُ، ثُمَّ ذَكَرُوا القِصَّةَ في الكَلامِ الَّذِي دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأنَّ (p-٢٠١)اللَّهَ أنْزَلَ في ذَلِكَ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ، فَذَكَرَ وفْدَ نَجْرانَ ومُخاصَمَتَهم لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ " قالَ: لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ هو القُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ فِيهِ حَرامَهُ، وشَرَعَ فِيهِ شَرائِعَهُ، وحَدَّ فِيهِ حُدُودَهُ، وفَرَضَ فِيهِ فَرائِضَهُ: وبَيَّنَ فِيهِ بَيانَهُ، وأمَرَ بِطاعَتِهِ، ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ: الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى وغَيْرِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ كَفَرَ بِآياتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِها ومَعْرِفَتِهِ بِما جاءَ مِنهُ فِيها. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَ ما يُرِيدُونَ وما يَكِيدُونَ وما يُضاهُونَ بِقَوْلِهِمْ في عِيسى إذْ جَعَلُوهُ رَبًّا وإلَهًا، وعِنْدَهم مِن عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ غِرَّةً بِاللَّهِ وكُفْرًا بِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾، قَدْ كانَ عِيسى مِمَّنْ صُوِّرَ في الأرْحامِ لا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ كَما صُوِّرَ غَيْرُهُ مَن بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وقَدْ كانَ بِذَلِكَ المَنزِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: ذُكُورًا وإناثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: إذا وقَعَتِ النُّطْفَةُ في الأرْحامِ طارَتْ في الجَسَدِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإذا بَلَغَ أنْ يُخْلَقَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُها، فَيَأْتِي المَلَكُ بِتُرابٍ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَيَخْلِطُ مِنهُ المُضْغَةَ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِها، ثُمَّ يُصَوِّرُ كَما يُؤْمَرُ فَيَقُولُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ وما رِزْقُهُ ؟ وما عُمُرُهُ ؟ وما أثَرُهُ ؟ وما مَصائِبُهُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الجَسَدُ دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرابُ. وأخْرَجَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وأحْمَرَ وأسْوَدَ، وتامِّ الخَلْقِ وغَيْرِ تامِّ الخَلْقِ.

آل عمران 3:6

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَرَأ الحَسَنُ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وعاصِمُ بْنُ أبِي النَّجُودِ وأبُو جَعْفَرٍ الرُّواسِيُّ ( الم أللَّهُ ) بِقَطْعِ ألِفِ الوَصْلِ عَلى تَقْدِيرِ الوَقْفِ عَلى الم كَما يُقَدِّرُونَ الوَقْفَ عَلى أسْماءِ الأعْدادِ نَحْوَ واحِدٌ اثْنانِ ثَلاثَةٌ أرْبَعَةٌ مَعَ وصْلِهِمْ. قالَ الأخْفَشُ: ويَجُوزُ الم اللَّهُ ٣٠ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ قالَ الزَّجّاجُ: هَذا خَطَأٌ ولا تَقُولُهُ العَرَبُ لِثِقَلِهِ. وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ أنَّ فَواتِحَ السُّوَرِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مُوازَنَةً لِمُفْرَدٍ طَرِيقُ التَّلَفُّظِ بِها الحِكايَةُ فَقَطْ ساكِنَةُ الأعْجازِ عَلى الوَقْفِ، سَواءً جُعِلَتَ أسْماءً أوْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، وإنْ لَزِمَها التِقاءُ السّاكِنَيْنِ لِما أنَّهُ مُغْتَفَرٌ في بابِ الوَقْفِ، فَحَقُّ هَذِهِ الفاتِحَةِ أنْ يُوقَفَ عَلَيْها ثُمَّ يُبْدَأُ بِما بَعْدَها كَما فَعَلَهُ الحَسَنُ ومَن مَعَهُ في قِراءَتِهِمُ المَحْكِيَّةِ سابِقًا. وأمّا فَتْحُ المِيمِ عَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فَوَجْهُهُ ما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّ المِيمَ فُتِحَتْ لِالتِقاءِ السّاكِنَيْنِ. وقالَ الكِسائِيُّ: حُرُوفُ التَّهَجِّي إذا لَقِيَتْها ألِفُ وصْلٍ، فَحُذِفَتِ الألِفُ وحُرِّكَتِ المِيمُ بِحَرَكَةِ الألِفِ، وكَذا قالَ الفَرّاءُ. وهَذِهِ الفَواتِحُ إنْ جُعِلَتْ مَسْرُودَةً عَلى نَمَطِ التَّعْدِيدِ، فَلا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وإنْ جُعِلَتْ أسْماءً لِلسُّورَةِ فَمَحَلُّها إمّا الرَّفْعُ عَلى أنَّها أخْبارٌ لِمُبْتَدَآتٍ مُقَدَّرَةٍ قَبْلَها، أوِ النَّصْبُ عَلى تَقْدِيرِ أفْعالٍ يَقْتَضِيها المَقامُ كاذْكُرْ أوِ اقْرَأْ أوْ نَحْوِهِما، وقَدْ تَقَدَّمَ في أوائِلِ سُورَةِ البَقَرَةِ ما يُغْنِي عَنِ الإعادَةِ. وقَوْلُهُ: اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، والجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ؛ أيْ: هو المُسْتَحِقُّ لِلْعُبُودِيَّةِ. والحَيُّ القَيُّومُ: خَبَرانِ آخَرانِ لِلِاسْمِ الشَّرِيفِ أوْ خَبَرانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو الحَيُّ القَيُّومُ، وقِيلَ: إنَّهُما صِفَتانِ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ أوْ بَدَلانِ مِنهُ أوْ مِنَ الخَبَرِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الحَيِّ والقَيُّومِ. وقَرَأ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ " القَيّامُ " عُمَرُ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ. قَوْلُهُ: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ أيِ القُرْآنَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى المَفْعُولِ بِهِ لِلِاعْتِناءِ بِالمُنَزَّلِ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وهي إمّا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أوْ خَبَرٌ آخَرُ لِلْمُبْتَدَأِ الأوَّلِ. قَوْلُهُ: بِالحَقِّ أيْ بِالصِّدْقِ - وقِيلَ: بِالحُجَّةِ الغالِبَةِ وهو في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: " ﴿مُصَدِّقًا﴾ " حالٌ آخَرُ مِنَ الكِتابِ مُؤَكَّدَةً، لِأنَّهُ لا يَكُونُ إلّا مُصَدِّقًا، فَلا تَكُونُ الحالُ مُنْتَقِلَةً أصْلًا، وبِهَذا قالَ الجُمْهُورُ، وجَوَّزَ بَعْضُهُمُ الِانْتِقالَ عَلى مَعْنى أنَّهُ مُصَدِّقٌ لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. وقَوْلُهُ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أيْ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ، وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: مُصَدِّقًا، واللّامُ لِلتَّقْوِيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ البَيانِ لِقَوْلِهِ: لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. وإنَّما قالَ هُنا: أنْزَلَ وفِيما تَقَدَّمَ نَزَّلَ؛ لِأنَّ القُرْآنَ نَزَلَ مُنَجَّمًا، والكِتابانِ نَزَلا دُفْعَةً واحِدَةً، ولَمْ يَذْكُرْ في الكِتابَيْنِ مَن أُنْزِلا عَلَيْهِ، وذَكَرَ فِيما تَقَدَّمَ أنَّ الكِتابَ نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ القَصْدَ هُنا لَيْسَ إلّا إلى ذِكْرِ الكِتابَيْنِ لا ذِكْرِ مَن نَزَلا عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: مِن قَبْلِ أيْ أنْزَلَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ مِن قَبْلِ تَنْزِيلِ الكِتابِ. وقَوْلُهُ: هُدًى لِلنّاسِ إمّا حالٌ مِنَ الكِتابَيْنِ أوْ عِلَّةٌ لِلْإنْزالِ. والمُرادُ بِالنّاسِ أهْلُ الكِتابَيْنِ، أوْ ما هو أعَمُّ؛ لِأنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ مُتَعَبِّدَةٌ لِما لَمْ يُنْسَخْ مِنَ الشَّرائِعِ. قالَ ابْنُ فُورَكٍ: هُدًى لِلنّاسِ المُتَّقِينَ، كَما قالَ في البَقَرَةِ: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ، قَوْلُهُ: وأنْزَلَ الفُرْقانَ أيِ: الفارِقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ وهو القُرْآنُ، وكَرَّرَ ذِكْرَهُ تَشْرِيفًا لَهُ مَعَ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ هَذا الذِّكْرُ الآخَرُ مِنَ الوَصْفِ لَهُ بِأنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وذَكَرَ التَّنْزِيلَ أوَّلًا والإنْزالَ ثانِيًا لِكَوْنِهِ جامِعًا بَيْنَ الوَصْفَيْنِ، فَإنَّهُ أُنْزِلَ إلى سَماءِ الدُّنْيا جُمْلَةً ثُمَّ نَزَلَ مِنها إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مُفَرَّقًا مُنَجَّمًا عَلى حَسَبِ الحَوادِثِ كَما سَبَقَ. وقِيلَ: أرادَ بِالفُرْقانِ جَمِيعَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَلى رُسُلِهِ، وقِيلَ: أرادَ الزَّبُورَ لِاشْتِمالِهِ عَلى المَواعِظِ الحَسَنَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ﴾ أيْ: بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ آيَةٌ مِنَ الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ وغَيْرِها، أوْ بِما في الكُتُبِ المُنَزَّلَةِ المَذْكُورَةِ عَلى وضْعِ آياتِ اللَّهِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلَيْها، وفِيهِ بَيانُ الأمْرِ الَّذِي اسْتَحَقُّوا بِهِ الكُفْرَ لَهم بِسَبَبِ هَذا الكُفْرِ عَذابٌ شَدِيدٌ أيْ عَظِيمٌ واللَّهُ عَزِيزٌ لا يُغالِبُهُ مُغالِبٌ ذُو انْتِقامٍ عَظِيمٍ، والنِّقْمَةُ السَّطْوَةُ، يُقالُ انْتَقَمَ مِنهُ: إذا عاقَبَهُ بِسَبَبِ ذَنْبٍ قَدْ تَقَدَّمَ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافِيَّةٌ لِبَيانِ سَعَةِ عِلْمِهِ وإحاطَتِهِ بِالمَعْلُوماتِ وعَبَّرَ عَنْ مَعْلُوماتِهِ بِما في الأرْضِ والسَّماءِ مَعَ كَوْنِها أوْسَعَ مِن ذَلِكَ، لِقُصُورِ عِبادِهِ عَنِ العِلْمِ بِما سِواهُما مِن أمْكِنَةِ مَخْلُوقاتِهِ وسائِرِ مَعْلُوماتِهِ، ومِن جُمْلَةِ ما لا يَخْفى عَلَيْهِ إيمانُ مَن آمَنَ مِن خَلْقِهِ وكُفْرُ مَن كَفَرَ. قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أصْلُ اشْتِقاقِ الصُّورَةِ مِن صارَهُ إلى كَذا أيْ أمالَهُ إلَيْهِ، فالصُّورَةُ مائِلَةٌ عَلى بَيانِ إحاطَةِ عِلْمِهِ، وأنَّ مِن جُمْلَةِ مَعْلُوماتِهِ ما لا يَدْخُلُ تَحْتَ الوُجُودِ، وهو تَصْوِيرُ عِبادِهِ في أرْحامِ أُمَّهاتِهِمْ مِن نُطَفِ آبائِهِمْ كَيْفَ يَشاءُ مِن حَسَنٍ وقَبِيحٍ وأسْوَدَ وأبْيَضَ وطَوِيلٍ وقَصِيرٍ. وكَيْفَ مَعْمُولُ يَشاءُ والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: ( قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفْدُ نَجْرانَ سِتُّونَ راكِبًا، فِيهِمْ أرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِن أشْرافِهِمْ، فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنهم أبُو حارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ والعاقِبُ وعَبْدُ المَسِيحِ والسَّيِّدُ، وهو الأيْهَمُ، ثُمَّ ذَكَرُوا القِصَّةَ في الكَلامِ الَّذِي دارَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وأنَّ (p-٢٠١)اللَّهَ أنْزَلَ في ذَلِكَ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ إلى بِضْعٍ وثَمانِينَ آيَةً مِنها ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ، فَذَكَرَ وفْدَ نَجْرانَ ومُخاصَمَتَهم لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وأنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الم اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو الحَيُّ القَيُّومُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: " ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ " قالَ: لِما قَبْلَهُ مِن كِتابٍ أوْ رَسُولٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ، وقالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ هو القُرْآنُ فَرَّقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فَأحَلَّ فِيهِ حَلالَهُ وحَرَّمَ فِيهِ حَرامَهُ، وشَرَعَ فِيهِ شَرائِعَهُ، وحَدَّ فِيهِ حُدُودَهُ، وفَرَضَ فِيهِ فَرائِضَهُ: وبَيَّنَ فِيهِ بَيانَهُ، وأمَرَ بِطاعَتِهِ، ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الفُرْقانَ﴾ أيِ: الفَصْلَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ فِيما اخْتَلَفَ فِيهِ الأحْزابُ مِن أمْرِ عِيسى وغَيْرِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهم عَذابٌ شَدِيدٌ واللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِمَّنْ كَفَرَ بِآياتِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِها ومَعْرِفَتِهِ بِما جاءَ مِنهُ فِيها. وفِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ﴾ أيْ: قَدْ عَلِمَ ما يُرِيدُونَ وما يَكِيدُونَ وما يُضاهُونَ بِقَوْلِهِمْ في عِيسى إذْ جَعَلُوهُ رَبًّا وإلَهًا، وعِنْدَهم مِن عِلْمِهِ غَيْرُ ذَلِكَ غِرَّةً بِاللَّهِ وكُفْرًا بِهِ ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾، قَدْ كانَ عِيسى مِمَّنْ صُوِّرَ في الأرْحامِ لا يَدْفَعُونَ ذَلِكَ ولا يُنْكِرُونَهُ كَما صُوِّرَ غَيْرُهُ مَن بَنِي آدَمَ، فَكَيْفَ يَكُونُ إلَهًا وقَدْ كانَ بِذَلِكَ المَنزِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: ذُكُورًا وإناثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: إذا وقَعَتِ النُّطْفَةُ في الأرْحامِ طارَتْ في الجَسَدِ أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَإذا بَلَغَ أنْ يُخْلَقَ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يُصَوِّرُها، فَيَأْتِي المَلَكُ بِتُرابٍ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ فَيَخْلِطُ مِنهُ المُضْغَةَ، ثُمَّ يَعْجِنُهُ بِها، ثُمَّ يُصَوِّرُ كَما يُؤْمَرُ فَيَقُولُ: أذَكَرٌ أمْ أُنْثى ؟ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ ؟ وما رِزْقُهُ ؟ وما عُمُرُهُ ؟ وما أثَرُهُ ؟ وما مَصائِبُهُ ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ ويَكْتُبُ المَلَكُ، فَإذا ماتَ ذَلِكَ الجَسَدُ دُفِنَ حَيْثُ أُخِذَ ذَلِكَ التُّرابُ. وأخْرَجَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُصَوِّرُكم في الأرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ قالَ: مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى، وأحْمَرَ وأسْوَدَ، وتامِّ الخَلْقِ وغَيْرِ تامِّ الخَلْقِ.

آل عمران 3:7

الكِتابُ هو القُرْآنُ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ وهو عَلَيْكَ لِما يُفِيدُهُ مِنَ الِاخْتِصاصِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ المُوافِقُ لِقَواعِدِ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا مُقَدَّمًا، والأوْلى بِالمَعْنى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً تَقْدِيرُهُ مِنَ الكِتابِ آياتٌ بَيِّناتٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ وإنَّما كانَ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ انْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهُما بِأنَّهُما مِنَ الكِتابِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ إنَّ المُحْكَمَ ما عُرِفَ تَأْوِيلُهُ وفُهِمَ مَعْناهُ وتَفْسِيرُهُ والمُتَشابِهُ ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ، ومِنَ القائِلِينَ بِهَذا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والشَّعْبِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، قالُوا: وذَلِكَ نَحْوُ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، والمُتَشابِهُ ما يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَإذا رُدَّتْ إلى وجْهٍ واحِدٍ وأُبْطِلَ الباقِي صارَ المُتَشابِهُ مُحْكَمًا، وقِيلَ: إنَّ المُحْكَمَ ناسِخُهُ وحَرامُهُ وحَلالُهُ وفَرائِضُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهُ مَنسُوخُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْمَلُ بِهِ. رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: المُحْكَمُ: النّاسِخُ، والمُتَشابِهُ: المَنسُوخُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ. والمُتَشابِهُ: ما فِيهِ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيمٌ وتَأْوِيلٌ. قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المُحْكَمُ: ما كانَ قائِمًا بِنَفْسِهِ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى غَيْرِهِ، والمُتَشابِهُ: ما يَرْجِعُ فِيهِ إلى غَيْرِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ في المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ النَّحّاسُ يُبَيِّنُ ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو الجارِي عَلى وضْعِ اللِّسانِ، وذَلِكَ أنَّ المُحْكَمَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أحْكَمَ، والإحْكامُ: الإتْقانُ، ولا شَكَّ في أنَّ ما كانَ واضِحَ المَعْنى لا إشْكالَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَداتِ كَلِماتِهِ وإتْقانِ تَرْكِيبِها، ومَتى اخْتَلَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ جاءَ التَّشابُهُ والإشْكالُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: لِلْمُتَشابِهِ وُجُوهٌ ما اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ أيُّ الآيَتَيْنِ نَسَخَتِ الأُخْرى، كَما في الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَإنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن قالَ: إنَّ آيَةَ وضْعِ الحَمْلِ نَسَخَتْ آيَةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشَرِ، ومِنهم مَن قالَ العَكْسَ. وكاخْتِلافِهِمْ في الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ، وكَتَعارُضِ الأقْيِسَةِ، هَذا مَعْنى كَلامِهِ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ المُحْكَمَ هو الواضِحُ المَعْنى الظّاهِرُ الدَّلالَةِ، إمّا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ أوْ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ، والمُتَشابِهُ ما لا يَتَّضِحُ مَعْناهُ، أوْ لا تَظْهَرُ دَلالَتُهُ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ الَّذِي قَدَّمْناهُ لَيْسَ كَما يَنْبَغِي، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ كُلِّ قَوْلٍ عَرَّفُوا المُحْكَمَ بِبَعْضِ صِفاتِهِ، وعَرَّفُوا المُتَشابِهَ بِما يُقابِلُها. وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ أهْلَ القَوْلِ الأوَّلِ جَعَلُوا المُحْكَمَ ما وُجِدَ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ، (p-٢٠٢)والمُتَشابِهُ ما لا سَبِيلَ إلى عِلْمِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَفْهُومَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ أوْسَعُ دائِرَةً مِمّا ذَكَرُوهُ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَفاءِ أوْ عَدَمَ الظُّهُورِ أوِ الِاحْتِمالَ أوِ التَّرَدُّدَ يُوجِبُ التَّشابُهَ، وأهْلُ القَوْلِ الثّانِي خَصُّوا المُحْكَمَ بِما لَيْسَ فِيهِ احْتِمالٌ، والمُتَشابِهُ بِما فِيهِ احْتِمالٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا بَعْضُ أوْصافِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ لا كُلُّها، وهَكَذا أهْلُ القَوْلِ الثّالِثِ فَإنَّهم خَصُّوا كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ بِتِلْكَ الأوْصافِ المُعَيَّنَةِ دُونَ غَيْرِها، وأهْلُ القَوْلِ الرّابِعِ خَصُّوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِبَعْضِ الأوْصافِ الَّتِي ذَكَرَها أهْلُ القَوْلِ الثّالِثِ، والأمْرُ أوْسَعُ مِمّا قالُوهُ جَمِيعًا، وأهْلُ القَوْلِ الخامِسِ خَصُّوا المُحْكَمَ بِوَصْفِ عَدَمِ التَّصْرِيفِ والتَّحْرِيفِ، وجَعَلُوا المُتَشابِهَ مُقابِلَهُ، وأهْمَلُوا ما هو أهَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى عَمَلِهِ مِن دُونِ تَصْرِيفٍ وتَحْرِيفٍ كَفَواتِحِ السُّوَرِ المُقَطَّعَةِ، وأهْلُ القَوْلِ السّادِسِ خَصُّوا المُحْكَمَ بِما يَقُومُ بِنَفْسِهِ، والمُتَشابِهُ بِما لا يَقُومُ بِها، وأنَّ هَذا هو بَعْضُ أوْصافِهِما، وصاحِبُ القَوْلِ السّابِعِ وهو ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَمَدَ إلى صُورَةِ الوِفاقِ فَجَعَلَها مُحْكَمًا، وإلى صُورَةِ الخِلافِ والتَّعارُضِ فَجَعَلَها مُتَشابِهًا، فَأهْمَلَ ما هو أخَصُّ أوْصافِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن كَوْنِهِ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ مَفْهُومَ المَعْنى أوْ غَيْرَ مَفْهُومٍ. قَوْلُهُ: " ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ " أيْ: أصْلُهُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ويَرُدُّ ما خالَفَهُ إلَيْهِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: " ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ " وصْفٌ لِمَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: وآياتٌ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وهي جَمْعُ أُخْرى، وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ عُدِلَ بِها عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يَنْصَرِفْ؛ لِأنَّ واحِدَها لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ، وأنْكَرَ ذَلِكَ المُبَرِّدُ. وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ تَنْصَرِفْ؛ لِأنَّها صِفَةٌ، وأنْكَرَهُ أيْضًا المُبَرِّدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُخَرُ مَعْدُولَةً عَنِ الألِفِ واللّامِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَعْدُولَةً عَنْها لَكانَ مَعْرِفَةً، ألا تَرى أنَّ سَحَرَ مَعْرِفَةٌ في جَمِيعِ الأقاوِيلِ لَمّا كانَتْ مَعْدُولَةً. قَوْلُهُ: " ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ " الزَّيْغُ: المَيْلُ: ومِنهُ زاغَتِ الشَّمْسُ وزاغَتِ الأبْصارُ، ويُقالُ: زاغَ يَزِيغُ زَيْغًا: إذا تَرَكَ القَصْدَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ الطَّوائِفِ الخارِجَةِ عَنِ الحَقِّ. وسَبَبُ النُّزُولِ نَصارى نَجْرانَ كَما تَقَدَّمَ، وسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: " ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ " أيْ: يَتَعَلَّقُونَ بِالمُتَشابِهِ مِنَ الكِتابِ فَيُشَكِّكُونَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ويَجْعَلُونَهُ دَلِيلًا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ البِدْعَةِ المائِلَةِ عَنِ الحَقِّ، كَما تَجِدُهُ في كُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ البِدْعَةِ، فَإنَّهم يَتَلاعَبُونَ بِكِتابِ اللَّهِ تَلاعُبًا شَدِيدًا، ويُورِدُونَ مِنهُ لِتَنْفِيقِ جَهْلِهِمْ ما لَيْسَ مِنَ الدَّلالَةِ في شَيْءٍ. قَوْلُهُ: " ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ " أيْ: طَلَبًا لِتَأْوِيلِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ ويُوافِقُ مَذاهِبَهُمُ الفاسِدَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ابْتِغائِهِمْ تَأْوِيلَهُ: أنَّهم طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وإحْيائِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ ووَقْتَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والعَذابِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ تَرَكُوهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: قَدْ رَأيْنا تَأْوِيلَ ما أنْبَأتْنا بِهِ الرُّسُلُ. قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ التَّأْوِيلُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى كَذا؛ أيْ: تَفْسِيرُها، ويَكُونُ بِمَعْنى ما يَئُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، واشْتِقاقُهُ مِن آلَ الأمْرُ إلى كَذا يَئُولُ إلَيْهِ؛ أيْ: صارَ، وأوَّلْتُهُ تَأْوِيلًا؛ أيْ: صَيَّرْتُهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ أيْ: يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ لِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ، والحالُ أنَّ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ هَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فَتَكُونُ الواوُ لِلْجَمِيعِ، فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلّا اللَّهُ " هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي الشَّعْثاءِ وأبِي نُهَيْكٍ وغَيْرِهِمْ، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدٍ وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ مالِكٍ واخْتارَهُ. وحَكاهُ الخَطّابِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: وإنَّما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ نَسَّقَ الرّاسِخِينَ عَلى ما قَبْلَهُ، وزَعَمَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، قالَ: واحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ فَقالَ: مَعْناهُ: والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَهُ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ وزَعَمَ أنَّ مَوْضِعَ ( يَقُولُونَ ) نَصْبٌ عَلى الحالِ وعامَّةُ أهْلِ اللُّغَةِ يُنْكِرُونَهُ ويَسْتَبْعِدُونَهُ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تُضْمِرُ الفِعْلَ والمَفْعُولَ مَعًا، ولا تَذْكُرُ حالًا إلّا مَعَ ظُهُورِ الفِعْلِ، فَإذا لَمْ يَظْهَرْ فِعْلٌ لَمْ يَكُنْ حالًا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُقالَ: عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا، يَعْنِي: أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: عَبْدُ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، فَكانَ يُصْلِحُ حالًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: أنْشَدَنِيهِ أبُو عَمْرٍو قالَ: أنْشَدَنا أبُو العَبّاسِ ثَعْلَبٌ: ؎أرْسَلْتُ فِيها رَجُلًا لُكالِكا يَقْصُرُ يَمْشِي ويَطُولُ بارِكا فَكانَ قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ مَعَ مُساعَدَةِ مَذاهِبِ النَّحْوِيِّينَ لَهُ أوْلى مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ وحْدَهُ وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ شَيْئًا عَنِ الخَلْقِ ويَنْسُبَهُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهُ في ذَلِكَ شَرِيكٌ، ألا تَرى قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقَوْلَهُ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقَوْلَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ فَكانَ هَذا كُلُّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: والرّاسِخُونَ لِلنَّسَقِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فائِدَةٌ انْتَهى. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما حَكاهُ الخَطّابِيُّ مِن أنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجاهِدٍ غَيْرُهُ. فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الرّاسِخِينَ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ. وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وغَيْرُهم. و( ﴿يَقُولُونَ﴾ ) عَلى هَذا التَّأْوِيلِ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن (p-٢٠٣)" ﴿الرّاسِخُونَ﴾ " كَما قالَ: ؎الرِّيحُ يَبْكِي شَجْوَهُ ∗∗∗ والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمامَهْ وهَذا البَيْتُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ والبَرْقُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ يَلْمَعُ عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ فَيَكُونُ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الرِّيحِ، ويَلْمَعُ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي أيْ لامِعًا. انْتَهى. ولا يَخْفاكَ أنَّ ما قالَهُ الخَطّابِيُّ في وجْهِ امْتِناعِ كَوْنِ قَوْلِهِ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حالًا مِن أنَّ العَرَبَ لا تَذْكُرُ حالًا إلّا مَعَ ظُهُورِ الفِعْلِ إلى آخِرِ كَلامِهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى فَرْضِ أنَّهُ لا فِعْلَ هُنا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالفِعْلُ مَذْكُورٌ، وهو قَوْلُهُ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهُ جاءَ الحالُ مِنَ المَعْطُوفِ، وهو قَوْلُهُ: والرّاسِخُونَ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: إلّا اللَّهُ وذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ في الكِتابِ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أيْ: وجاءَتِ المَلائِكَةُ صَفًّا صَفًّا، ولَكِنْ هاهُنا مانِعٌ آخَرُ مِن جَعْلِ ذَلِكَ حالًا، وهو أنَّ تَقْيِيدَ عِلْمِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ بِحالِ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِصِحَّةِ العَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ يَعْلَمُونَهُ في كُلِّ حالٍ مِنَ الأحْوالِ لا في هَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، فاقْتَضى هَذا أنْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾، ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِالعَطْفِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَدَحَهم بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ، فَكَيْفَ يَمْدَحُهم وهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ تَرْكَهم لِطَلَبِ عِلْمِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ، ولا جَعَلَ لِخَلْقِهِ إلى عِلْمِهِ سَبِيلًا هو مِن رُسُوخِهِمْ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وأنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ هُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، وناهِيكَ بِهَذا مِن رُسُوخٍ. وأصْلُ الرُّسُوخِ في لُغَةِ العَرَبِ: الثُّبُوتُ في الشَّيْءِ، وكُلُّ ثابِتٍ راسِخٌ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ تَرْسَخَ الخَيْلُ أوِ الشَّجَرُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ رَسَخَتْ في الصَّدْرِ مِنِّي مَوَدَّةٌ ∗∗∗ لِلَيْلى أبَتْ آياتُها أنْ تُغَيَّرا فَهَؤُلاءِ ثَبَتُوا في امْتِثالِ ما جاءَهم عَنِ اللَّهِ مِن تَرْكِ اتِّباعِ المُتَشابِهِ، وإرْجاعِ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَ المَقامَيْنِ فَقالَ: التَّأْوِيلُ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ في القُرْآنِ شَيْئانِ: أحَدُهُما التَّأْوِيلُ بِمَعْنى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وما يَئُولُ أمْرُهُ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: حَقِيقَةُ ما أخْبَرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ هَذا فالوَقْفُ عَلى الجَلالَةِ؛ لِأنَّ حَقائِقَ الأُمُورِ وكُنْهَها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأً، و﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ خَبَرُهُ. وأمّا إنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ المَعْنى الآخَرُ وهو التَّفْسِيرُ والبَيانُ والتَّعْبِيرُ عَنِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [لقمان: ٣٤] أيْ: بِتَفْسِيرِهِ فالوَقْفُ عَلى ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ويَفْهَمُونَ ما خُوطِبُوا بِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنْ لَمْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى كُنْهِ ما هي عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حالًا مِنهم، ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الرّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ، وهَكَذا جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ رَجَّحُوا ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ شَيْخُنا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ: وهو الصَّحِيحُ فَإنَّ تَسْمِيَتَهم راسِخِينَ تَقْضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهم إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ، لَكِنَّ المُتَشابِهَ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ ألْبَتَّةَ كَأمْرِ الرَّوْحِ والسّاعَةِ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا لا يَتَعاطى عِلْمَهُ أحَدٌ، فَمَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الرّاسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ عِلْمَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادَ هَذا النَّوْعَ. وأمّا ما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى وُجُوهٍ في اللُّغَةِ فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ ويُزالُ ما فِيهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاضْطِرابَ الواقِعَ في مَقالاتِ أهْلِ العِلْمِ أعْظَمُ أسْبابِهِ اخْتِلافُ أقْوالِهِمْ في تَحْقِيقِ مَعْنى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما هو الصَّوابُ في تَحْقِيقِهِما، ونَزِيدُكَ هاهُنا إيضاحًا وبَيانًا، فَنَقُولُ: إنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ المُتَشابِهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ فَواتِحَ السُّوَرِ، فَإنَّها غَيْرُ مُتَّضِحَةِ المَعْنى، ولا ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى أنْفُسِها؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي مَن يَعْلَمُ بِلُغَةِ العَرَبِ، ويَعْرِفُ عُرْفَ الشَّرْعَ ما مَعْنى ﴿الم﴾، ﴿المر﴾، ﴿حم﴾، ﴿طس﴾، ﴿طسم﴾ ونَحْوِها؛ لِأنَّهُ لا يَجِدُ بَيانَها في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ ولا مِن كَلامِ الشَّرْعِ، فَهي غَيْرُ مُتَّضِحَةِ المَعْنى، لا بِاعْتِبارِها نَفْسِها، ولا بِاعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ يُفَسِّرُها ويُوَضِّحُها، ومِثْلُ ذَلِكَ الألْفاظُ المَنقُولَةُ عَنْ لُغَةِ العَجَمِ، والألْفاظُ الغَرِيبَةُ الَّتِي لا يُوجَدُ في لُغَةِ العَرَبِ ولا في عُرْفِ الشَّرْعِ ما يُوَضِّحُها، وهَكَذا ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كالرُّوحِ وما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخِرِ الآيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ وهَكَذا ما كانَتْ دَلالَتُهُ غَيْرَ ظاهِرَةٍ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ؛ كَوُرُودِ الشَّيْءِ مُحْتَمِلًا لِأمْرَيْنِ احْتِمالًا لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ كالألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِ ما يُبَيِّنُ المُرادُ مِن مَعْنى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ مِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ، وكَذَلِكَ وُرُودُ دَلِيلَيْنِ مُتَعارِضَيْنِ تَعارُضًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ يُرَجِّحُهُ. وأمّا ما كانَ واضِحَ المَعْنى بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ بِأنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في لُغَةِ العَرَبِ أوْ في عُرْفِ الشَّرْعِ أوْ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ وذَلِكَ كالأُمُورِ المُجْمَلَةِ الَّتِي ورَدَ بَيانُها في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ أوِ الأُمُورِ الَّتِي تَعارَضَتْ دَلالَتُها، ثُمَّ ورَدَ ما يُبَيِّنُ راجِحَها مِن مَرْجُوحِها في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ أوِ السُّنَّةِ أوْ سائِرِ (p-٢٠٤)المُرَجِّحاتِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ أهْلِ الإنْصافِ فَلا شَكَّ ولا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ مِنَ المُحْكَمِ لا مِنَ المُتَشابِهِ ومَن زَعَمَ أنَّها مِنَ المُتَشابِهِ فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الصَّوابُ، فاشْدُدْ يَدَيْكَ عَلى هَذا فَإنَّكَ تَنْجُو بِهِ مِن مَضايِقَ ومَزالِقَ وقَعَتْ لِلنّاسِ في هَذا المَقامِ حَتّى صارَتْ كُلُّ طائِفَةٍ تُسَمِّي ما دَلَّ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحْكَمًا وما دَلَّ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مَن يُخالِفُها مُتَشابِهًا: سِيَّما أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ، ومَن أنْكَرَ هَذا فَعَلَيْهِ بِمُؤَلَّفاتِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُحْكَمٌ ولَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] والمُرادُ بِالمُحْكَمِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ صَحِيحُ الألْفاظِ قَوِيمُ المَعانِي فائِقٌ في البَلاغَةِ والفَصاحَةِ عَلى كُلِّ كَلامٍ. ووَرَدَ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُتَشابِهٌ لَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] والمُرادُ بِالمُتَشابِهِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الصِّحَّةِ والفَصاحَةِ والحُسْنِ والبَلاغَةِ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِوُرُودِ المُتَشابِهِ في القُرْآنِ فَوائِدَ: مِنها أنَّهُ يَكُونُ في الوُصُولِ إلى الحَقِّ مَعَ وُجُودِها فِيهِ مَزِيدُ صُعُوبَةٍ ومَشَقَّةٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ الثَّوابِ لِلْمُسْتَخْرِجِينَ لِلْحَقِّ وهُمُ الأئِمَّةُ المُجْتَهِدُونَ، وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والرّازِيُّ وغَيْرُهُما وُجُوهًا هَذا أحْسَنُها وبَقِيَّتُها لا تَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ هاهُنا. قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ عائِدٌ عَلى قِسْمَيِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ أيْ: كُلُّهُ، أوِ المَحْذُوفُ غَيْرُ ضَمِيرٍ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وهَذا مِن تَمامِ المَقُولِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولُ الخالِصَةُ: وهُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، الواقِفُونَ عِنْدَ مُتَشابِهِهِ، العالِمُونَ بِمُحْكَمِهِ العامِلُونَ بِما أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: " ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ﴾ " إلَخْ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ الرّاسِخُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا، ويَقُولُونَ: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: سَألُوا ألّا يَزِيغُوا فَتَزِيغَ قُلُوبُهم نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] كَأنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ بِاتِّباعِ المُتَشابِهِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى الحَقِّ بِما أذِنْتَ لَنا مِنَ العَمَلِ بِالآياتِ المُحْكَماتِ، والظَّرْفُ وهو قَوْلُهُ: بَعْدَ مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: لا تُزِغْ. قَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ كائِنَةً مِن عِنْدِكَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ ولَدُنْ بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وسُكُونِ النُّونِ، وفِيهِ لُغاتٌ أُخَرُ هَذِهِ أفْصَحُها، وهو ظَرْفُ مَكانٍ وقَدْ يُضافُ إلى الزَّمانِ، وتَنْكِيرُ " رَحْمَةً " لِلتَّعْظِيمِ أيْ رَحْمَةً عَظِيمَةً واسِعَةً، وقَوْلُهُ: " ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ " تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْئُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ أيْ باعِثُهم ومُحْيِيهِمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ( لِيَوْمٍ ) هو يَوْمُ القِيامَةِ أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الرَّيْبِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ لِلتَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: أنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ شَأْنُ الإلَهِ سُبْحانَهُ وخُلْفُهُ يُخالِفُ الأُلُوهِيَّةَ كَما أنَّها تُنافِيهِ وتُبايِنُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُحْكَماتُ ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وحُدُودُهُ وفَرائِضُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِهِ، والمُتَشابِهاتُ مَنسُوخُهُ ومُقَدِّمُهُ ومُؤَخِّرُهُ، وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْمَلُ بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ قالَ: الثَّلاثُ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ مُحْكَماتٌ ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيَتانِ بَعْدَها. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: " ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ " قالَ: مِن هُنا قُلْ تَعالَوْا إلى ثَلاثِ آياتٍ، ومِن هُنا ﴿وقَضى رَبُّكَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثَلاثِ آياتٍ بَعْدَها. وأقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ عَبّاسٍ ما أقَلَّ جَدْوى هَذا الكَلامِ المَنقُولِ عَنْهُ. فَإنَّ تَعْيِينَ ثَلاثِ آياتٍ أوْ عَشْرٍ أوْ مِائَةٍ مِن جَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ ووَصْفِها بِأنَّها مُحْكَمَةٌ لَيْسَ تَحْتَهُ مِنَ الفائِدَةِ شَيْءٌ، فالمُحْكَماتُ هي أكْثَرُ القُرْآنِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ حَتّى عَلى قَوْلِهِ المَنقُولِ عَنْهُ قَرِيبًا مِن أنَّ المُحْكَماتِ ناسِخُهُ وحَلالُهُ إلَخْ، فَما مَعْنى تَعْيِينِ تِلْكَ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: المُحْكَماتُ: الحَلالُ والحَرامُ، ولِلسَّلَفِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ هي راجِعَةٌ إلى ما قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذا البَحْثِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ " يَعْنِي أهْلَ الشَّكِّ، فَيَحْمِلُونَ المُحْكَمَ عَلى المُتَشابِهِ والمُتَشابِهَ عَلى المُحْكَمِ، ويَلْبِسُونَ فَلَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ قالَ: تَأْوِيلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( زَيْغٌ ) قالَ: شَكٌّ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنى فاحْذَرُوهم» . وفِي لَفْظٍ «فَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ فاحْذَرُوهم» هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ «فَإذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ والَّذِينَ يُجادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ فَلا تُجالِسُوهم» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: «﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ (p-٢٠٥)قالَ: هُمُ الخَوارِجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ الكِتابُ الأوَّلُ يَنْزِلُ مِن بابٍ واحِدٍ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ: زاجِرٍ، وآمِرٍ، وحَلالٍ، وحَرامٍ، ومُحْكَمٍ، ومُتَشابِهٍ، وأمْثالٍ، فَأحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، وافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ، وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، واعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِ، واعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وآمِنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وقُولُوا: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «نَزَلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ والمِراءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ، ما عَرَفْتُمْ فاعْمَلُوا بِهِ، وما جَهِلْتُمْ مِنهُ فَرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وفِيهِ «واتَّبِعُوا المُحْكَمَ وآمِنُوا بِالمُتَشابِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها ( وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ قالَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وإنْ حَقِيقَةُ تَأْوِيلِهِ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ وأبِي نَهِيكٍ قالَ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وهي مَقْطُوعَةٌ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا فانْتَهى عِلْمُهم إلى قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبَدِ العَزِيزِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ أُبَيٍّ قالَ: كِتابُ اللَّهِ ما اسْتَبانَ فاعْمَلْ بِهِ، وما اشْتَبَهَ عَلَيْكَ فَآمِن بِهِ وكِلْهُ إلى عالِمِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ لِلْقُرْآنِ مَنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، فَما عَرَفْتُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ وما اشْتَبَهَ عَلَيْكم فَذَرُوهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُعاذٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ وُجُوهٍ: تَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ يُعْذَرُ النّاسُ بِجَهالَتِهِ مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ بَلُغَتِها، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، مَنِ ادَّعى عِلْمَهُ فَهو كَذّابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ حَلالٍ وحَرامٍ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِالجَهالَةِ بِهِ، وتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ العَرَبُ، وتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ العُلَماءُ، ومُتَشابِهٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، ومَنِ ادَّعى عِلْمَهُ سِوى اللَّهِ فَهو كاذِبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ نُؤْمِنُ بِالمُحْكَمِ ونَدِينُ بِهِ، ونُؤْمِنُ بِالمُتَشابِهِ ولا نَدِينُ بِهِ، وهو مِن عِنْدِ اللَّهِ كُلِّهِ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ ونَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في الحُجَّةِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ: أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ ضُبَيْعٌ قَدِمَ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ. فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرَ وقَدْ أعَدَّ لَهُ عَراجِينَ النَّخْلِ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ ضُبَيْعٌ. فَقالَ: وأنا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ. فَأخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِن تِلْكَ العَراجِينِ فَضَرَبَهُ حَتّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أجِدُ في رَأْسِي. وأخْرَجَهُ الدّارِمِيُّ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ، وفِيهِ: أنَّهُ ضَرَبَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ يَتْرُكُهُ في كُلِّ مَرَّةٍ حَتّى يَبْرَأ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ. وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ: أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلى أهْلِ البَصْرَةِ أنْ لا يُجالِسُوا ضُبَيْعًا، وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ جَماعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أنَسٍ وأبِي أُمامَةَ وواثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ وأبِي الدَّرْداءِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ؟ فَقالَ: مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسانُهُ، واسْتَقامَ قَلْبُهُ، ومَن عَفَّ بَطْنُهُ وفَرْجُهُ، فَذَلِكَ مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأزْدِيِّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الجِدالُ في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في الحُجَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومِن وراءِ حُجْرَتِهِ قَوْمٌ يَتَجادَلُونَ بِالقُرْآنِ، فَخَرَجَ مُحْمَرَّةً وجْنَتاهُ كَأنَّما يَقْطُرانِ دَمًا فَقالَ: يا قَوْمِ لا تُجادِلُوا في القُرْآنِ فَإنَّما ضَلَّ مَن كانَ قَبْلَكم بِجِدالِهِمْ، إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولَكِنْ نَزَلَ لِيُصَدِّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَما كانَ مِن مُحْكَمِهِ فاعْمَلُوا بِهِ وما كانَ مِن مُتَشابِهِهِ فَآمِنُوا بِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ، ثُمَّ قَرَأ» ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ في قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ " الآيَةَ. عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الخَلَدِيِّ قالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى شَيْءٍ ضاعَ مِنهُ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويَقُولُ بَعْدَ قِراءَتِها: يا جامِعَ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَ مالِي إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .

آل عمران 3:8

الكِتابُ هو القُرْآنُ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ وهو عَلَيْكَ لِما يُفِيدُهُ مِنَ الِاخْتِصاصِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ المُوافِقُ لِقَواعِدِ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا مُقَدَّمًا، والأوْلى بِالمَعْنى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً تَقْدِيرُهُ مِنَ الكِتابِ آياتٌ بَيِّناتٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ وإنَّما كانَ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ انْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهُما بِأنَّهُما مِنَ الكِتابِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ إنَّ المُحْكَمَ ما عُرِفَ تَأْوِيلُهُ وفُهِمَ مَعْناهُ وتَفْسِيرُهُ والمُتَشابِهُ ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ، ومِنَ القائِلِينَ بِهَذا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والشَّعْبِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، قالُوا: وذَلِكَ نَحْوُ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، والمُتَشابِهُ ما يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَإذا رُدَّتْ إلى وجْهٍ واحِدٍ وأُبْطِلَ الباقِي صارَ المُتَشابِهُ مُحْكَمًا، وقِيلَ: إنَّ المُحْكَمَ ناسِخُهُ وحَرامُهُ وحَلالُهُ وفَرائِضُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهُ مَنسُوخُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْمَلُ بِهِ. رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: المُحْكَمُ: النّاسِخُ، والمُتَشابِهُ: المَنسُوخُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ. والمُتَشابِهُ: ما فِيهِ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيمٌ وتَأْوِيلٌ. قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المُحْكَمُ: ما كانَ قائِمًا بِنَفْسِهِ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى غَيْرِهِ، والمُتَشابِهُ: ما يَرْجِعُ فِيهِ إلى غَيْرِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ في المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ النَّحّاسُ يُبَيِّنُ ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو الجارِي عَلى وضْعِ اللِّسانِ، وذَلِكَ أنَّ المُحْكَمَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أحْكَمَ، والإحْكامُ: الإتْقانُ، ولا شَكَّ في أنَّ ما كانَ واضِحَ المَعْنى لا إشْكالَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَداتِ كَلِماتِهِ وإتْقانِ تَرْكِيبِها، ومَتى اخْتَلَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ جاءَ التَّشابُهُ والإشْكالُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: لِلْمُتَشابِهِ وُجُوهٌ ما اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ أيُّ الآيَتَيْنِ نَسَخَتِ الأُخْرى، كَما في الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَإنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن قالَ: إنَّ آيَةَ وضْعِ الحَمْلِ نَسَخَتْ آيَةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشَرِ، ومِنهم مَن قالَ العَكْسَ. وكاخْتِلافِهِمْ في الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ، وكَتَعارُضِ الأقْيِسَةِ، هَذا مَعْنى كَلامِهِ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ المُحْكَمَ هو الواضِحُ المَعْنى الظّاهِرُ الدَّلالَةِ، إمّا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ أوْ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ، والمُتَشابِهُ ما لا يَتَّضِحُ مَعْناهُ، أوْ لا تَظْهَرُ دَلالَتُهُ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ الَّذِي قَدَّمْناهُ لَيْسَ كَما يَنْبَغِي، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ كُلِّ قَوْلٍ عَرَّفُوا المُحْكَمَ بِبَعْضِ صِفاتِهِ، وعَرَّفُوا المُتَشابِهَ بِما يُقابِلُها. وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ أهْلَ القَوْلِ الأوَّلِ جَعَلُوا المُحْكَمَ ما وُجِدَ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ، (p-٢٠٢)والمُتَشابِهُ ما لا سَبِيلَ إلى عِلْمِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَفْهُومَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ أوْسَعُ دائِرَةً مِمّا ذَكَرُوهُ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَفاءِ أوْ عَدَمَ الظُّهُورِ أوِ الِاحْتِمالَ أوِ التَّرَدُّدَ يُوجِبُ التَّشابُهَ، وأهْلُ القَوْلِ الثّانِي خَصُّوا المُحْكَمَ بِما لَيْسَ فِيهِ احْتِمالٌ، والمُتَشابِهُ بِما فِيهِ احْتِمالٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا بَعْضُ أوْصافِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ لا كُلُّها، وهَكَذا أهْلُ القَوْلِ الثّالِثِ فَإنَّهم خَصُّوا كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ بِتِلْكَ الأوْصافِ المُعَيَّنَةِ دُونَ غَيْرِها، وأهْلُ القَوْلِ الرّابِعِ خَصُّوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِبَعْضِ الأوْصافِ الَّتِي ذَكَرَها أهْلُ القَوْلِ الثّالِثِ، والأمْرُ أوْسَعُ مِمّا قالُوهُ جَمِيعًا، وأهْلُ القَوْلِ الخامِسِ خَصُّوا المُحْكَمَ بِوَصْفِ عَدَمِ التَّصْرِيفِ والتَّحْرِيفِ، وجَعَلُوا المُتَشابِهَ مُقابِلَهُ، وأهْمَلُوا ما هو أهَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى عَمَلِهِ مِن دُونِ تَصْرِيفٍ وتَحْرِيفٍ كَفَواتِحِ السُّوَرِ المُقَطَّعَةِ، وأهْلُ القَوْلِ السّادِسِ خَصُّوا المُحْكَمَ بِما يَقُومُ بِنَفْسِهِ، والمُتَشابِهُ بِما لا يَقُومُ بِها، وأنَّ هَذا هو بَعْضُ أوْصافِهِما، وصاحِبُ القَوْلِ السّابِعِ وهو ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَمَدَ إلى صُورَةِ الوِفاقِ فَجَعَلَها مُحْكَمًا، وإلى صُورَةِ الخِلافِ والتَّعارُضِ فَجَعَلَها مُتَشابِهًا، فَأهْمَلَ ما هو أخَصُّ أوْصافِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن كَوْنِهِ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ مَفْهُومَ المَعْنى أوْ غَيْرَ مَفْهُومٍ. قَوْلُهُ: " ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ " أيْ: أصْلُهُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ويَرُدُّ ما خالَفَهُ إلَيْهِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: " ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ " وصْفٌ لِمَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: وآياتٌ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وهي جَمْعُ أُخْرى، وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ عُدِلَ بِها عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يَنْصَرِفْ؛ لِأنَّ واحِدَها لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ، وأنْكَرَ ذَلِكَ المُبَرِّدُ. وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ تَنْصَرِفْ؛ لِأنَّها صِفَةٌ، وأنْكَرَهُ أيْضًا المُبَرِّدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُخَرُ مَعْدُولَةً عَنِ الألِفِ واللّامِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَعْدُولَةً عَنْها لَكانَ مَعْرِفَةً، ألا تَرى أنَّ سَحَرَ مَعْرِفَةٌ في جَمِيعِ الأقاوِيلِ لَمّا كانَتْ مَعْدُولَةً. قَوْلُهُ: " ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ " الزَّيْغُ: المَيْلُ: ومِنهُ زاغَتِ الشَّمْسُ وزاغَتِ الأبْصارُ، ويُقالُ: زاغَ يَزِيغُ زَيْغًا: إذا تَرَكَ القَصْدَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ الطَّوائِفِ الخارِجَةِ عَنِ الحَقِّ. وسَبَبُ النُّزُولِ نَصارى نَجْرانَ كَما تَقَدَّمَ، وسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: " ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ " أيْ: يَتَعَلَّقُونَ بِالمُتَشابِهِ مِنَ الكِتابِ فَيُشَكِّكُونَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ويَجْعَلُونَهُ دَلِيلًا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ البِدْعَةِ المائِلَةِ عَنِ الحَقِّ، كَما تَجِدُهُ في كُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ البِدْعَةِ، فَإنَّهم يَتَلاعَبُونَ بِكِتابِ اللَّهِ تَلاعُبًا شَدِيدًا، ويُورِدُونَ مِنهُ لِتَنْفِيقِ جَهْلِهِمْ ما لَيْسَ مِنَ الدَّلالَةِ في شَيْءٍ. قَوْلُهُ: " ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ " أيْ: طَلَبًا لِتَأْوِيلِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ ويُوافِقُ مَذاهِبَهُمُ الفاسِدَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ابْتِغائِهِمْ تَأْوِيلَهُ: أنَّهم طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وإحْيائِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ ووَقْتَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والعَذابِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ تَرَكُوهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: قَدْ رَأيْنا تَأْوِيلَ ما أنْبَأتْنا بِهِ الرُّسُلُ. قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ التَّأْوِيلُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى كَذا؛ أيْ: تَفْسِيرُها، ويَكُونُ بِمَعْنى ما يَئُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، واشْتِقاقُهُ مِن آلَ الأمْرُ إلى كَذا يَئُولُ إلَيْهِ؛ أيْ: صارَ، وأوَّلْتُهُ تَأْوِيلًا؛ أيْ: صَيَّرْتُهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ أيْ: يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ لِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ، والحالُ أنَّ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ هَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فَتَكُونُ الواوُ لِلْجَمِيعِ، فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلّا اللَّهُ " هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي الشَّعْثاءِ وأبِي نُهَيْكٍ وغَيْرِهِمْ، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدٍ وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ مالِكٍ واخْتارَهُ. وحَكاهُ الخَطّابِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: وإنَّما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ نَسَّقَ الرّاسِخِينَ عَلى ما قَبْلَهُ، وزَعَمَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، قالَ: واحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ فَقالَ: مَعْناهُ: والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَهُ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ وزَعَمَ أنَّ مَوْضِعَ ( يَقُولُونَ ) نَصْبٌ عَلى الحالِ وعامَّةُ أهْلِ اللُّغَةِ يُنْكِرُونَهُ ويَسْتَبْعِدُونَهُ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تُضْمِرُ الفِعْلَ والمَفْعُولَ مَعًا، ولا تَذْكُرُ حالًا إلّا مَعَ ظُهُورِ الفِعْلِ، فَإذا لَمْ يَظْهَرْ فِعْلٌ لَمْ يَكُنْ حالًا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُقالَ: عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا، يَعْنِي: أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: عَبْدُ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، فَكانَ يُصْلِحُ حالًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: أنْشَدَنِيهِ أبُو عَمْرٍو قالَ: أنْشَدَنا أبُو العَبّاسِ ثَعْلَبٌ: ؎أرْسَلْتُ فِيها رَجُلًا لُكالِكا يَقْصُرُ يَمْشِي ويَطُولُ بارِكا فَكانَ قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ مَعَ مُساعَدَةِ مَذاهِبِ النَّحْوِيِّينَ لَهُ أوْلى مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ وحْدَهُ وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ شَيْئًا عَنِ الخَلْقِ ويَنْسُبَهُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهُ في ذَلِكَ شَرِيكٌ، ألا تَرى قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقَوْلَهُ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقَوْلَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ فَكانَ هَذا كُلُّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: والرّاسِخُونَ لِلنَّسَقِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فائِدَةٌ انْتَهى. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما حَكاهُ الخَطّابِيُّ مِن أنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجاهِدٍ غَيْرُهُ. فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الرّاسِخِينَ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ. وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وغَيْرُهم. و( ﴿يَقُولُونَ﴾ ) عَلى هَذا التَّأْوِيلِ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن (p-٢٠٣)" ﴿الرّاسِخُونَ﴾ " كَما قالَ: ؎الرِّيحُ يَبْكِي شَجْوَهُ ∗∗∗ والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمامَهْ وهَذا البَيْتُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ والبَرْقُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ يَلْمَعُ عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ فَيَكُونُ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الرِّيحِ، ويَلْمَعُ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي أيْ لامِعًا. انْتَهى. ولا يَخْفاكَ أنَّ ما قالَهُ الخَطّابِيُّ في وجْهِ امْتِناعِ كَوْنِ قَوْلِهِ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حالًا مِن أنَّ العَرَبَ لا تَذْكُرُ حالًا إلّا مَعَ ظُهُورِ الفِعْلِ إلى آخِرِ كَلامِهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى فَرْضِ أنَّهُ لا فِعْلَ هُنا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالفِعْلُ مَذْكُورٌ، وهو قَوْلُهُ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهُ جاءَ الحالُ مِنَ المَعْطُوفِ، وهو قَوْلُهُ: والرّاسِخُونَ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: إلّا اللَّهُ وذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ في الكِتابِ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أيْ: وجاءَتِ المَلائِكَةُ صَفًّا صَفًّا، ولَكِنْ هاهُنا مانِعٌ آخَرُ مِن جَعْلِ ذَلِكَ حالًا، وهو أنَّ تَقْيِيدَ عِلْمِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ بِحالِ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِصِحَّةِ العَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ يَعْلَمُونَهُ في كُلِّ حالٍ مِنَ الأحْوالِ لا في هَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، فاقْتَضى هَذا أنْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾، ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِالعَطْفِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَدَحَهم بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ، فَكَيْفَ يَمْدَحُهم وهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ تَرْكَهم لِطَلَبِ عِلْمِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ، ولا جَعَلَ لِخَلْقِهِ إلى عِلْمِهِ سَبِيلًا هو مِن رُسُوخِهِمْ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وأنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ هُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، وناهِيكَ بِهَذا مِن رُسُوخٍ. وأصْلُ الرُّسُوخِ في لُغَةِ العَرَبِ: الثُّبُوتُ في الشَّيْءِ، وكُلُّ ثابِتٍ راسِخٌ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ تَرْسَخَ الخَيْلُ أوِ الشَّجَرُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ رَسَخَتْ في الصَّدْرِ مِنِّي مَوَدَّةٌ ∗∗∗ لِلَيْلى أبَتْ آياتُها أنْ تُغَيَّرا فَهَؤُلاءِ ثَبَتُوا في امْتِثالِ ما جاءَهم عَنِ اللَّهِ مِن تَرْكِ اتِّباعِ المُتَشابِهِ، وإرْجاعِ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَ المَقامَيْنِ فَقالَ: التَّأْوِيلُ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ في القُرْآنِ شَيْئانِ: أحَدُهُما التَّأْوِيلُ بِمَعْنى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وما يَئُولُ أمْرُهُ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: حَقِيقَةُ ما أخْبَرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ هَذا فالوَقْفُ عَلى الجَلالَةِ؛ لِأنَّ حَقائِقَ الأُمُورِ وكُنْهَها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأً، و﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ خَبَرُهُ. وأمّا إنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ المَعْنى الآخَرُ وهو التَّفْسِيرُ والبَيانُ والتَّعْبِيرُ عَنِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [لقمان: ٣٤] أيْ: بِتَفْسِيرِهِ فالوَقْفُ عَلى ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ويَفْهَمُونَ ما خُوطِبُوا بِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنْ لَمْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى كُنْهِ ما هي عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حالًا مِنهم، ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الرّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ، وهَكَذا جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ رَجَّحُوا ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ شَيْخُنا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ: وهو الصَّحِيحُ فَإنَّ تَسْمِيَتَهم راسِخِينَ تَقْضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهم إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ، لَكِنَّ المُتَشابِهَ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ ألْبَتَّةَ كَأمْرِ الرَّوْحِ والسّاعَةِ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا لا يَتَعاطى عِلْمَهُ أحَدٌ، فَمَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الرّاسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ عِلْمَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادَ هَذا النَّوْعَ. وأمّا ما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى وُجُوهٍ في اللُّغَةِ فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ ويُزالُ ما فِيهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاضْطِرابَ الواقِعَ في مَقالاتِ أهْلِ العِلْمِ أعْظَمُ أسْبابِهِ اخْتِلافُ أقْوالِهِمْ في تَحْقِيقِ مَعْنى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما هو الصَّوابُ في تَحْقِيقِهِما، ونَزِيدُكَ هاهُنا إيضاحًا وبَيانًا، فَنَقُولُ: إنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ المُتَشابِهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ فَواتِحَ السُّوَرِ، فَإنَّها غَيْرُ مُتَّضِحَةِ المَعْنى، ولا ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى أنْفُسِها؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي مَن يَعْلَمُ بِلُغَةِ العَرَبِ، ويَعْرِفُ عُرْفَ الشَّرْعَ ما مَعْنى ﴿الم﴾، ﴿المر﴾، ﴿حم﴾، ﴿طس﴾، ﴿طسم﴾ ونَحْوِها؛ لِأنَّهُ لا يَجِدُ بَيانَها في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ ولا مِن كَلامِ الشَّرْعِ، فَهي غَيْرُ مُتَّضِحَةِ المَعْنى، لا بِاعْتِبارِها نَفْسِها، ولا بِاعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ يُفَسِّرُها ويُوَضِّحُها، ومِثْلُ ذَلِكَ الألْفاظُ المَنقُولَةُ عَنْ لُغَةِ العَجَمِ، والألْفاظُ الغَرِيبَةُ الَّتِي لا يُوجَدُ في لُغَةِ العَرَبِ ولا في عُرْفِ الشَّرْعِ ما يُوَضِّحُها، وهَكَذا ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كالرُّوحِ وما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخِرِ الآيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ وهَكَذا ما كانَتْ دَلالَتُهُ غَيْرَ ظاهِرَةٍ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ؛ كَوُرُودِ الشَّيْءِ مُحْتَمِلًا لِأمْرَيْنِ احْتِمالًا لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ كالألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِ ما يُبَيِّنُ المُرادُ مِن مَعْنى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ مِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ، وكَذَلِكَ وُرُودُ دَلِيلَيْنِ مُتَعارِضَيْنِ تَعارُضًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ يُرَجِّحُهُ. وأمّا ما كانَ واضِحَ المَعْنى بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ بِأنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في لُغَةِ العَرَبِ أوْ في عُرْفِ الشَّرْعِ أوْ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ وذَلِكَ كالأُمُورِ المُجْمَلَةِ الَّتِي ورَدَ بَيانُها في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ أوِ الأُمُورِ الَّتِي تَعارَضَتْ دَلالَتُها، ثُمَّ ورَدَ ما يُبَيِّنُ راجِحَها مِن مَرْجُوحِها في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ أوِ السُّنَّةِ أوْ سائِرِ (p-٢٠٤)المُرَجِّحاتِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ أهْلِ الإنْصافِ فَلا شَكَّ ولا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ مِنَ المُحْكَمِ لا مِنَ المُتَشابِهِ ومَن زَعَمَ أنَّها مِنَ المُتَشابِهِ فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الصَّوابُ، فاشْدُدْ يَدَيْكَ عَلى هَذا فَإنَّكَ تَنْجُو بِهِ مِن مَضايِقَ ومَزالِقَ وقَعَتْ لِلنّاسِ في هَذا المَقامِ حَتّى صارَتْ كُلُّ طائِفَةٍ تُسَمِّي ما دَلَّ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحْكَمًا وما دَلَّ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مَن يُخالِفُها مُتَشابِهًا: سِيَّما أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ، ومَن أنْكَرَ هَذا فَعَلَيْهِ بِمُؤَلَّفاتِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُحْكَمٌ ولَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] والمُرادُ بِالمُحْكَمِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ صَحِيحُ الألْفاظِ قَوِيمُ المَعانِي فائِقٌ في البَلاغَةِ والفَصاحَةِ عَلى كُلِّ كَلامٍ. ووَرَدَ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُتَشابِهٌ لَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] والمُرادُ بِالمُتَشابِهِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الصِّحَّةِ والفَصاحَةِ والحُسْنِ والبَلاغَةِ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِوُرُودِ المُتَشابِهِ في القُرْآنِ فَوائِدَ: مِنها أنَّهُ يَكُونُ في الوُصُولِ إلى الحَقِّ مَعَ وُجُودِها فِيهِ مَزِيدُ صُعُوبَةٍ ومَشَقَّةٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ الثَّوابِ لِلْمُسْتَخْرِجِينَ لِلْحَقِّ وهُمُ الأئِمَّةُ المُجْتَهِدُونَ، وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والرّازِيُّ وغَيْرُهُما وُجُوهًا هَذا أحْسَنُها وبَقِيَّتُها لا تَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ هاهُنا. قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ عائِدٌ عَلى قِسْمَيِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ أيْ: كُلُّهُ، أوِ المَحْذُوفُ غَيْرُ ضَمِيرٍ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وهَذا مِن تَمامِ المَقُولِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولُ الخالِصَةُ: وهُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، الواقِفُونَ عِنْدَ مُتَشابِهِهِ، العالِمُونَ بِمُحْكَمِهِ العامِلُونَ بِما أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: " ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ﴾ " إلَخْ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ الرّاسِخُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا، ويَقُولُونَ: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: سَألُوا ألّا يَزِيغُوا فَتَزِيغَ قُلُوبُهم نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] كَأنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ بِاتِّباعِ المُتَشابِهِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى الحَقِّ بِما أذِنْتَ لَنا مِنَ العَمَلِ بِالآياتِ المُحْكَماتِ، والظَّرْفُ وهو قَوْلُهُ: بَعْدَ مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: لا تُزِغْ. قَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ كائِنَةً مِن عِنْدِكَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ ولَدُنْ بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وسُكُونِ النُّونِ، وفِيهِ لُغاتٌ أُخَرُ هَذِهِ أفْصَحُها، وهو ظَرْفُ مَكانٍ وقَدْ يُضافُ إلى الزَّمانِ، وتَنْكِيرُ " رَحْمَةً " لِلتَّعْظِيمِ أيْ رَحْمَةً عَظِيمَةً واسِعَةً، وقَوْلُهُ: " ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ " تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْئُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ أيْ باعِثُهم ومُحْيِيهِمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ( لِيَوْمٍ ) هو يَوْمُ القِيامَةِ أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الرَّيْبِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ لِلتَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: أنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ شَأْنُ الإلَهِ سُبْحانَهُ وخُلْفُهُ يُخالِفُ الأُلُوهِيَّةَ كَما أنَّها تُنافِيهِ وتُبايِنُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُحْكَماتُ ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وحُدُودُهُ وفَرائِضُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِهِ، والمُتَشابِهاتُ مَنسُوخُهُ ومُقَدِّمُهُ ومُؤَخِّرُهُ، وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْمَلُ بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ قالَ: الثَّلاثُ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ مُحْكَماتٌ ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيَتانِ بَعْدَها. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: " ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ " قالَ: مِن هُنا قُلْ تَعالَوْا إلى ثَلاثِ آياتٍ، ومِن هُنا ﴿وقَضى رَبُّكَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثَلاثِ آياتٍ بَعْدَها. وأقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ عَبّاسٍ ما أقَلَّ جَدْوى هَذا الكَلامِ المَنقُولِ عَنْهُ. فَإنَّ تَعْيِينَ ثَلاثِ آياتٍ أوْ عَشْرٍ أوْ مِائَةٍ مِن جَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ ووَصْفِها بِأنَّها مُحْكَمَةٌ لَيْسَ تَحْتَهُ مِنَ الفائِدَةِ شَيْءٌ، فالمُحْكَماتُ هي أكْثَرُ القُرْآنِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ حَتّى عَلى قَوْلِهِ المَنقُولِ عَنْهُ قَرِيبًا مِن أنَّ المُحْكَماتِ ناسِخُهُ وحَلالُهُ إلَخْ، فَما مَعْنى تَعْيِينِ تِلْكَ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: المُحْكَماتُ: الحَلالُ والحَرامُ، ولِلسَّلَفِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ هي راجِعَةٌ إلى ما قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذا البَحْثِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ " يَعْنِي أهْلَ الشَّكِّ، فَيَحْمِلُونَ المُحْكَمَ عَلى المُتَشابِهِ والمُتَشابِهَ عَلى المُحْكَمِ، ويَلْبِسُونَ فَلَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ قالَ: تَأْوِيلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( زَيْغٌ ) قالَ: شَكٌّ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنى فاحْذَرُوهم» . وفِي لَفْظٍ «فَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ فاحْذَرُوهم» هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ «فَإذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ والَّذِينَ يُجادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ فَلا تُجالِسُوهم» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: «﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ (p-٢٠٥)قالَ: هُمُ الخَوارِجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ الكِتابُ الأوَّلُ يَنْزِلُ مِن بابٍ واحِدٍ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ: زاجِرٍ، وآمِرٍ، وحَلالٍ، وحَرامٍ، ومُحْكَمٍ، ومُتَشابِهٍ، وأمْثالٍ، فَأحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، وافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ، وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، واعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِ، واعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وآمِنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وقُولُوا: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «نَزَلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ والمِراءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ، ما عَرَفْتُمْ فاعْمَلُوا بِهِ، وما جَهِلْتُمْ مِنهُ فَرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وفِيهِ «واتَّبِعُوا المُحْكَمَ وآمِنُوا بِالمُتَشابِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها ( وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ قالَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وإنْ حَقِيقَةُ تَأْوِيلِهِ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ وأبِي نَهِيكٍ قالَ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وهي مَقْطُوعَةٌ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا فانْتَهى عِلْمُهم إلى قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبَدِ العَزِيزِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ أُبَيٍّ قالَ: كِتابُ اللَّهِ ما اسْتَبانَ فاعْمَلْ بِهِ، وما اشْتَبَهَ عَلَيْكَ فَآمِن بِهِ وكِلْهُ إلى عالِمِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ لِلْقُرْآنِ مَنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، فَما عَرَفْتُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ وما اشْتَبَهَ عَلَيْكم فَذَرُوهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُعاذٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ وُجُوهٍ: تَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ يُعْذَرُ النّاسُ بِجَهالَتِهِ مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ بَلُغَتِها، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، مَنِ ادَّعى عِلْمَهُ فَهو كَذّابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ حَلالٍ وحَرامٍ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِالجَهالَةِ بِهِ، وتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ العَرَبُ، وتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ العُلَماءُ، ومُتَشابِهٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، ومَنِ ادَّعى عِلْمَهُ سِوى اللَّهِ فَهو كاذِبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ نُؤْمِنُ بِالمُحْكَمِ ونَدِينُ بِهِ، ونُؤْمِنُ بِالمُتَشابِهِ ولا نَدِينُ بِهِ، وهو مِن عِنْدِ اللَّهِ كُلِّهِ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ ونَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في الحُجَّةِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ: أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ ضُبَيْعٌ قَدِمَ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ. فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرَ وقَدْ أعَدَّ لَهُ عَراجِينَ النَّخْلِ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ ضُبَيْعٌ. فَقالَ: وأنا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ. فَأخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِن تِلْكَ العَراجِينِ فَضَرَبَهُ حَتّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أجِدُ في رَأْسِي. وأخْرَجَهُ الدّارِمِيُّ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ، وفِيهِ: أنَّهُ ضَرَبَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ يَتْرُكُهُ في كُلِّ مَرَّةٍ حَتّى يَبْرَأ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ. وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ: أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلى أهْلِ البَصْرَةِ أنْ لا يُجالِسُوا ضُبَيْعًا، وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ جَماعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أنَسٍ وأبِي أُمامَةَ وواثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ وأبِي الدَّرْداءِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ؟ فَقالَ: مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسانُهُ، واسْتَقامَ قَلْبُهُ، ومَن عَفَّ بَطْنُهُ وفَرْجُهُ، فَذَلِكَ مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأزْدِيِّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الجِدالُ في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في الحُجَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومِن وراءِ حُجْرَتِهِ قَوْمٌ يَتَجادَلُونَ بِالقُرْآنِ، فَخَرَجَ مُحْمَرَّةً وجْنَتاهُ كَأنَّما يَقْطُرانِ دَمًا فَقالَ: يا قَوْمِ لا تُجادِلُوا في القُرْآنِ فَإنَّما ضَلَّ مَن كانَ قَبْلَكم بِجِدالِهِمْ، إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولَكِنْ نَزَلَ لِيُصَدِّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَما كانَ مِن مُحْكَمِهِ فاعْمَلُوا بِهِ وما كانَ مِن مُتَشابِهِهِ فَآمِنُوا بِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ، ثُمَّ قَرَأ» ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ في قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ " الآيَةَ. عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الخَلَدِيِّ قالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى شَيْءٍ ضاعَ مِنهُ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويَقُولُ بَعْدَ قِراءَتِها: يا جامِعَ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَ مالِي إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .

آل عمران 3:9

الكِتابُ هو القُرْآنُ، فاللّامُ لِلْعَهْدِ، وقَدَّمَ الظَّرْفَ وهو عَلَيْكَ لِما يُفِيدُهُ مِنَ الِاخْتِصاصِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ المُوافِقُ لِقَواعِدِ العَرَبِيَّةِ أنْ يَكُونَ الظَّرْفُ خَبَرًا مُقَدَّمًا، والأوْلى بِالمَعْنى أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً تَقْدِيرُهُ مِنَ الكِتابِ آياتٌ بَيِّناتٌ عَلى نَحْوِ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ﴾ وإنَّما كانَ أوْلى؛ لِأنَّ المَقْصُودَ انْقِسامُ الكِتابِ إلى القِسْمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ لا مُجَرَّدَ الإخْبارِ عَنْهُما بِأنَّهُما مِنَ الكِتابِ، والجُمْلَةُ حالِيَّةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ أوْ مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ عَلى أقْوالٍ: فَقِيلَ إنَّ المُحْكَمَ ما عُرِفَ تَأْوِيلُهُ وفُهِمَ مَعْناهُ وتَفْسِيرُهُ والمُتَشابِهُ ما لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ، ومِنَ القائِلِينَ بِهَذا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ والشَّعْبِيُّ وسُفْيانُ الثَّوْرِيُّ، قالُوا: وذَلِكَ نَحْوُ الحُرُوفِ المُقَطَّعَةِ في أوائِلِ السُّوَرِ، وقِيلَ: المُحْكَمُ ما لا يَحْتَمِلُ إلّا وجْهًا واحِدًا، والمُتَشابِهُ ما يَحْتَمِلُ وُجُوهًا فَإذا رُدَّتْ إلى وجْهٍ واحِدٍ وأُبْطِلَ الباقِي صارَ المُتَشابِهُ مُحْكَمًا، وقِيلَ: إنَّ المُحْكَمَ ناسِخُهُ وحَرامُهُ وحَلالُهُ وفَرائِضُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ عَلَيْهِ، والمُتَشابِهُ مَنسُوخُهُ وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْمَلُ بِهِ. رُوِيَ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: المُحْكَمُ: النّاسِخُ، والمُتَشابِهُ: المَنسُوخُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَتادَةَ والرَّبِيعِ. والمُتَشابِهُ: ما فِيهِ تَصْرِيفٌ وتَحْرِيمٌ وتَأْوِيلٌ. قالَهُ مُجاهِدٌ وابْنُ إسْحاقَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا أحْسَنُ الأقْوالِ، وقِيلَ: المُحْكَمُ: ما كانَ قائِمًا بِنَفْسِهِ لا يَحْتاجُ إلى أنْ يَرْجِعَ إلى غَيْرِهِ، والمُتَشابِهُ: ما يَرْجِعُ فِيهِ إلى غَيْرِهِ. قالَ النَّحّاسُ: وهَذا أحْسَنُ ما قِيلَ في المُحْكَماتِ والمُتَشابِهاتِ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما قالَهُ النَّحّاسُ يُبَيِّنُ ما اخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وهو الجارِي عَلى وضْعِ اللِّسانِ، وذَلِكَ أنَّ المُحْكَمَ اسْمُ مَفْعُولٍ مِن أحْكَمَ، والإحْكامُ: الإتْقانُ، ولا شَكَّ في أنَّ ما كانَ واضِحَ المَعْنى لا إشْكالَ فِيهِ ولا تَرَدُّدَ، إنَّما يَكُونُ كَذَلِكَ لِوُضُوحِ مُفْرَداتِ كَلِماتِهِ وإتْقانِ تَرْكِيبِها، ومَتى اخْتَلَّ أحَدُ الأمْرَيْنِ جاءَ التَّشابُهُ والإشْكالُ. وقالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ: لِلْمُتَشابِهِ وُجُوهٌ ما اخْتَلَفَ فِيهِ العُلَماءُ أيُّ الآيَتَيْنِ نَسَخَتِ الأُخْرى، كَما في الحامِلِ المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، فَإنَّ مِنَ الصَّحابَةِ مَن قالَ: إنَّ آيَةَ وضْعِ الحَمْلِ نَسَخَتْ آيَةَ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ والعَشَرِ، ومِنهم مَن قالَ العَكْسَ. وكاخْتِلافِهِمْ في الوَصِيَّةِ لِلْوارِثِ، وكَتَعارُضِ الأقْيِسَةِ، هَذا مَعْنى كَلامِهِ. والأوْلى أنْ يُقالَ: إنَّ المُحْكَمَ هو الواضِحُ المَعْنى الظّاهِرُ الدَّلالَةِ، إمّا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ أوْ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ، والمُتَشابِهُ ما لا يَتَّضِحُ مَعْناهُ، أوْ لا تَظْهَرُ دَلالَتُهُ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا عَرَفْتَ أنَّ هَذا الِاخْتِلافَ الَّذِي قَدَّمْناهُ لَيْسَ كَما يَنْبَغِي، وذَلِكَ لِأنَّ أهْلَ كُلِّ قَوْلٍ عَرَّفُوا المُحْكَمَ بِبَعْضِ صِفاتِهِ، وعَرَّفُوا المُتَشابِهَ بِما يُقابِلُها. وبَيانُ ذَلِكَ أنَّ أهْلَ القَوْلِ الأوَّلِ جَعَلُوا المُحْكَمَ ما وُجِدَ إلى عِلْمِهِ سَبِيلٌ، (p-٢٠٢)والمُتَشابِهُ ما لا سَبِيلَ إلى عِلْمِهِ، ولا شَكَّ أنَّ مَفْهُومَ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ أوْسَعُ دائِرَةً مِمّا ذَكَرُوهُ، فَإنَّ مُجَرَّدَ الخَفاءِ أوْ عَدَمَ الظُّهُورِ أوِ الِاحْتِمالَ أوِ التَّرَدُّدَ يُوجِبُ التَّشابُهَ، وأهْلُ القَوْلِ الثّانِي خَصُّوا المُحْكَمَ بِما لَيْسَ فِيهِ احْتِمالٌ، والمُتَشابِهُ بِما فِيهِ احْتِمالٌ، ولا شَكَّ أنَّ هَذا بَعْضُ أوْصافِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ لا كُلُّها، وهَكَذا أهْلُ القَوْلِ الثّالِثِ فَإنَّهم خَصُّوا كُلَّ واحِدٍ مِنَ القِسْمَيْنِ بِتِلْكَ الأوْصافِ المُعَيَّنَةِ دُونَ غَيْرِها، وأهْلُ القَوْلِ الرّابِعِ خَصُّوا كُلَّ واحِدٍ مِنهُما بِبَعْضِ الأوْصافِ الَّتِي ذَكَرَها أهْلُ القَوْلِ الثّالِثِ، والأمْرُ أوْسَعُ مِمّا قالُوهُ جَمِيعًا، وأهْلُ القَوْلِ الخامِسِ خَصُّوا المُحْكَمَ بِوَصْفِ عَدَمِ التَّصْرِيفِ والتَّحْرِيفِ، وجَعَلُوا المُتَشابِهَ مُقابِلَهُ، وأهْمَلُوا ما هو أهَمُّ مِن ذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلى عَمَلِهِ مِن دُونِ تَصْرِيفٍ وتَحْرِيفٍ كَفَواتِحِ السُّوَرِ المُقَطَّعَةِ، وأهْلُ القَوْلِ السّادِسِ خَصُّوا المُحْكَمَ بِما يَقُومُ بِنَفْسِهِ، والمُتَشابِهُ بِما لا يَقُومُ بِها، وأنَّ هَذا هو بَعْضُ أوْصافِهِما، وصاحِبُ القَوْلِ السّابِعِ وهو ابْنُ خُوَيْزِ مَندادَ عَمَدَ إلى صُورَةِ الوِفاقِ فَجَعَلَها مُحْكَمًا، وإلى صُورَةِ الخِلافِ والتَّعارُضِ فَجَعَلَها مُتَشابِهًا، فَأهْمَلَ ما هو أخَصُّ أوْصافِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مِن كَوْنِهِ بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ مَفْهُومَ المَعْنى أوْ غَيْرَ مَفْهُومٍ. قَوْلُهُ: " ﴿هُنَّ أُمُّ الكِتابِ﴾ " أيْ: أصْلُهُ الَّذِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ، ويَرُدُّ ما خالَفَهُ إلَيْهِ وهَذِهِ الجُمْلَةُ صِفَةٌ لِما قَبْلَها. قَوْلُهُ: " ﴿وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ﴾ " وصْفٌ لِمَحْذُوفٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: وآياتٌ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ وهي جَمْعُ أُخْرى، وإنَّما لَمْ يَنْصَرِفْ لِأنَّهُ عُدِلَ بِها عَنِ الآخَرِ؛ لِأنَّ أصْلَها أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ يَنْصَرِفْ؛ لِأنَّ واحِدَها لا يَنْصَرِفُ في مَعْرِفَةٍ ولا نَكِرَةٍ، وأنْكَرَ ذَلِكَ المُبَرِّدُ. وقالَ الكِسائِيُّ: لَمْ تَنْصَرِفْ؛ لِأنَّها صِفَةٌ، وأنْكَرَهُ أيْضًا المُبَرِّدُ. وقالَ سِيبَوَيْهِ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُخَرُ مَعْدُولَةً عَنِ الألِفِ واللّامِ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَعْدُولَةً عَنْها لَكانَ مَعْرِفَةً، ألا تَرى أنَّ سَحَرَ مَعْرِفَةٌ في جَمِيعِ الأقاوِيلِ لَمّا كانَتْ مَعْدُولَةً. قَوْلُهُ: " ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ " الزَّيْغُ: المَيْلُ: ومِنهُ زاغَتِ الشَّمْسُ وزاغَتِ الأبْصارُ، ويُقالُ: زاغَ يَزِيغُ زَيْغًا: إذا تَرَكَ القَصْدَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وهَذِهِ الآيَةُ تَعُمُّ كُلَّ طائِفَةٍ مِنَ الطَّوائِفِ الخارِجَةِ عَنِ الحَقِّ. وسَبَبُ النُّزُولِ نَصارى نَجْرانَ كَما تَقَدَّمَ، وسَيَأْتِي. قَوْلُهُ: " ﴿فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ " أيْ: يَتَعَلَّقُونَ بِالمُتَشابِهِ مِنَ الكِتابِ فَيُشَكِّكُونَ بِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، ويَجْعَلُونَهُ دَلِيلًا عَلى ما هم فِيهِ مِنَ البِدْعَةِ المائِلَةِ عَنِ الحَقِّ، كَما تَجِدُهُ في كُلِّ طائِفَةٍ مِن طَوائِفِ البِدْعَةِ، فَإنَّهم يَتَلاعَبُونَ بِكِتابِ اللَّهِ تَلاعُبًا شَدِيدًا، ويُورِدُونَ مِنهُ لِتَنْفِيقِ جَهْلِهِمْ ما لَيْسَ مِنَ الدَّلالَةِ في شَيْءٍ. قَوْلُهُ: " ﴿ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ﴾ " أيْ: طَلَبًا لِتَأْوِيلِهِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي يُرِيدُونَهُ ويُوافِقُ مَذاهِبَهُمُ الفاسِدَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى ابْتِغائِهِمْ تَأْوِيلَهُ: أنَّهم طَلَبُوا تَأْوِيلَ بَعْثِهِمْ وإحْيائِهِمْ، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ ووَقْتَهُ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. قالَ: والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ مِنَ البَعْثِ والنُّشُورِ والعَذابِ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ تَرَكُوهُ ﴿قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: قَدْ رَأيْنا تَأْوِيلَ ما أنْبَأتْنا بِهِ الرُّسُلُ. قَوْلُهُ: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ التَّأْوِيلُ يَكُونُ بِمَعْنى التَّفْسِيرِ، كَقَوْلِهِمْ: تَأْوِيلُ هَذِهِ الكَلِمَةِ عَلى كَذا؛ أيْ: تَفْسِيرُها، ويَكُونُ بِمَعْنى ما يَئُولُ الأمْرُ إلَيْهِ، واشْتِقاقُهُ مِن آلَ الأمْرُ إلى كَذا يَئُولُ إلَيْهِ؛ أيْ: صارَ، وأوَّلْتُهُ تَأْوِيلًا؛ أيْ: صَيَّرْتُهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ؛ أيْ: يَتَّبِعُونَ المُتَشابِهَ لِابْتِغاءِ تَأْوِيلِهِ، والحالُ أنَّ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ هَلْ هو كَلامٌ مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ أوْ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ ؟ فَتَكُونُ الواوُ لِلْجَمِيعِ، فالَّذِي عَلَيْهِ الأكْثَرُ أنَّهُ مَقْطُوعٌ عَمّا قَبْلَهُ، وأنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " إلّا اللَّهُ " هَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وعُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ وأبِي الشَّعْثاءِ وأبِي نُهَيْكٍ وغَيْرِهِمْ، وهو مَذْهَبُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ والأخْفَشِ وأبِي عُبَيْدٍ وحَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ مالِكٍ واخْتارَهُ. وحَكاهُ الخَطّابِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: وإنَّما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ نَسَّقَ الرّاسِخِينَ عَلى ما قَبْلَهُ، وزَعَمَ أنَّهم يَعْلَمُونَهُ، قالَ: واحْتَجَّ لَهُ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ فَقالَ: مَعْناهُ: والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَعْلَمُونَهُ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ وزَعَمَ أنَّ مَوْضِعَ ( يَقُولُونَ ) نَصْبٌ عَلى الحالِ وعامَّةُ أهْلِ اللُّغَةِ يُنْكِرُونَهُ ويَسْتَبْعِدُونَهُ؛ لِأنَّ العَرَبَ لا تُضْمِرُ الفِعْلَ والمَفْعُولَ مَعًا، ولا تَذْكُرُ حالًا إلّا مَعَ ظُهُورِ الفِعْلِ، فَإذا لَمْ يَظْهَرْ فِعْلٌ لَمْ يَكُنْ حالًا، ولَوْ جازَ ذَلِكَ لَجازَ أنْ يُقالَ: عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا، يَعْنِي: أقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ راكِبًا، وإنَّما يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ الفِعْلِ كَقَوْلِهِ: عَبْدُ اللَّهِ يَتَكَلَّمُ يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ، فَكانَ يُصْلِحُ حالًا كَقَوْلِ الشّاعِرِ: أنْشَدَنِيهِ أبُو عَمْرٍو قالَ: أنْشَدَنا أبُو العَبّاسِ ثَعْلَبٌ: ؎أرْسَلْتُ فِيها رَجُلًا لُكالِكا يَقْصُرُ يَمْشِي ويَطُولُ بارِكا فَكانَ قَوْلُ عامَّةِ العُلَماءِ مَعَ مُساعَدَةِ مَذاهِبِ النَّحْوِيِّينَ لَهُ أوْلى مِن قَوْلِ مُجاهِدٍ وحْدَهُ وأيْضًا فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يَنْفِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ شَيْئًا عَنِ الخَلْقِ ويَنْسُبَهُ لِنَفْسِهِ فَيَكُونُ لَهُ في ذَلِكَ شَرِيكٌ، ألا تَرى قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقَوْلَهُ: ﴿لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إلّا هو﴾ [الأعراف: ١٨٧]، وقَوْلَهُ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ﴾ فَكانَ هَذا كُلُّهُ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِهِ لا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، ولَوْ كانَتِ الواوُ في قَوْلِهِ: والرّاسِخُونَ لِلنَّسَقِ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فائِدَةٌ انْتَهى. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما حَكاهُ الخَطّابِيُّ مِن أنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ مُجاهِدٍ غَيْرُهُ. فَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الرّاسِخِينَ مَعْطُوفٌ عَلى اسْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنَّهم داخِلُونَ في عِلْمِ المُتَشابِهِ، وأنَّهم مَعَ عِلْمِهِمْ بِهِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ. وقالَ الرَّبِيعُ ومُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وغَيْرُهم. و( ﴿يَقُولُونَ﴾ ) عَلى هَذا التَّأْوِيلِ نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن (p-٢٠٣)" ﴿الرّاسِخُونَ﴾ " كَما قالَ: ؎الرِّيحُ يَبْكِي شَجْوَهُ ∗∗∗ والبَرْقُ يَلْمَعُ في الغَمامَهْ وهَذا البَيْتُ يَحْتَمِلُ المَعْنَيَيْنِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ والبَرْقُ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ يَلْمَعُ عَلى التَّأْوِيلِ الأوَّلِ فَيَكُونُ مَقْطُوعًا مِمّا قَبْلَهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الرِّيحِ، ويَلْمَعُ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى التَّأْوِيلِ الثّانِي أيْ لامِعًا. انْتَهى. ولا يَخْفاكَ أنَّ ما قالَهُ الخَطّابِيُّ في وجْهِ امْتِناعِ كَوْنِ قَوْلِهِ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حالًا مِن أنَّ العَرَبَ لا تَذْكُرُ حالًا إلّا مَعَ ظُهُورِ الفِعْلِ إلى آخِرِ كَلامِهِ لا يَتِمُّ إلّا عَلى فَرْضِ أنَّهُ لا فِعْلَ هُنا، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فالفِعْلُ مَذْكُورٌ، وهو قَوْلُهُ: وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ ولَكِنَّهُ جاءَ الحالُ مِنَ المَعْطُوفِ، وهو قَوْلُهُ: والرّاسِخُونَ دُونَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: إلّا اللَّهُ وذَلِكَ جائِزٌ في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ. وقَدْ جاءَ مِثْلُهُ في الكِتابِ العَزِيزِ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلْفُقَراءِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ﴾ [الحشر: ٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا﴾ [الحشر: ١٠] الآيَةَ، وكَقَوْلِهِ: ﴿وجاءَ رَبُّكَ والمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢٢] أيْ: وجاءَتِ المَلائِكَةُ صَفًّا صَفًّا، ولَكِنْ هاهُنا مانِعٌ آخَرُ مِن جَعْلِ ذَلِكَ حالًا، وهو أنَّ تَقْيِيدَ عِلْمِهِمْ بِتَأْوِيلِهِ بِحالِ كَوْنِهِمْ قائِلِينَ: آمَنّا بِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ، فَإنَّ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ عَلى القَوْلِ بِصِحَّةِ العَطْفِ عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ يَعْلَمُونَهُ في كُلِّ حالٍ مِنَ الأحْوالِ لا في هَذِهِ الحالَةِ الخاصَّةِ، فاقْتَضى هَذا أنْ جَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ: ﴿يَقُولُونَ﴾، ومِن جُمْلَةِ ما اسْتَدَلَّ بِهِ القائِلُونَ بِالعَطْفِ أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَدَحَهم بِالرُّسُوخِ في العِلْمِ، فَكَيْفَ يَمْدَحُهم وهم لا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ ويُجابُ عَنْ هَذا بِأنَّ تَرْكَهم لِطَلَبِ عِلْمِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ بِهِ، ولا جَعَلَ لِخَلْقِهِ إلى عِلْمِهِ سَبِيلًا هو مِن رُسُوخِهِمْ؛ لِأنَّهم عَلِمُوا أنَّ ذَلِكَ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ وأنَّ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَهُ هُمُ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ، وناهِيكَ بِهَذا مِن رُسُوخٍ. وأصْلُ الرُّسُوخِ في لُغَةِ العَرَبِ: الثُّبُوتُ في الشَّيْءِ، وكُلُّ ثابِتٍ راسِخٌ، وأصْلُهُ في الأجْرامِ أنْ تَرْسَخَ الخَيْلُ أوِ الشَّجَرُ في الأرْضِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَقَدْ رَسَخَتْ في الصَّدْرِ مِنِّي مَوَدَّةٌ ∗∗∗ لِلَيْلى أبَتْ آياتُها أنْ تُغَيَّرا فَهَؤُلاءِ ثَبَتُوا في امْتِثالِ ما جاءَهم عَنِ اللَّهِ مِن تَرْكِ اتِّباعِ المُتَشابِهِ، وإرْجاعِ عِلْمِهِ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ. ومِن أهْلِ العِلْمِ مَن تَوَسَّطَ بَيْنَ المَقامَيْنِ فَقالَ: التَّأْوِيلُ يُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ في القُرْآنِ شَيْئانِ: أحَدُهُما التَّأْوِيلُ بِمَعْنى حَقِيقَةِ الشَّيْءِ وما يَئُولُ أمْرُهُ إلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿هَذا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ﴾ [يوسف: ١٠٠]، وقَوْلُهُ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] أيْ: حَقِيقَةُ ما أخْبَرُوا بِهِ مِن أمْرِ المَعادِ، فَإنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ هَذا فالوَقْفُ عَلى الجَلالَةِ؛ لِأنَّ حَقائِقَ الأُمُورِ وكُنْهَها لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾ مُبْتَدَأً، و﴿يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ﴾ خَبَرُهُ. وأمّا إنْ أُرِيدَ بِالتَّأْوِيلِ المَعْنى الآخَرُ وهو التَّفْسِيرُ والبَيانُ والتَّعْبِيرُ عَنِ الشَّيْءِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [لقمان: ٣٤] أيْ: بِتَفْسِيرِهِ فالوَقْفُ عَلى ﴿والرّاسِخُونَ في العِلْمِ﴾؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ويَفْهَمُونَ ما خُوطِبُوا بِهِ بِهَذا الِاعْتِبارِ، وإنْ لَمْ يُحِيطُوا عِلْمًا بِحَقائِقِ الأشْياءِ عَلى كُنْهِ ما هي عَلَيْهِ، وعَلى هَذا فَيَكُونُ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ حالًا مِنهم، ورَجَّحَ ابْنُ فُورَكٍ أنَّ الرّاسِخِينَ يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، وأطْنَبَ في ذَلِكَ، وهَكَذا جَماعَةٌ مِن مُحَقِّقِي المُفَسِّرِينَ رَجَّحُوا ذَلِكَ. قالَ القُرْطُبِيُّ: قالَ شَيْخُنا أبُو العَبّاسِ أحْمَدُ بْنُ عُمَرَ: وهو الصَّحِيحُ فَإنَّ تَسْمِيَتَهم راسِخِينَ تَقْضِي بِأنَّهم يَعْلَمُونَ أكْثَرَ مِنَ المُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي في عِلْمِهِ جَمِيعُ مَن يَفْهَمُ كَلامَ العَرَبِ، وفي أيِّ شَيْءٍ هو رُسُوخُهم إذا لَمْ يَعْلَمُوا إلّا ما يَعْلَمُ الجَمِيعُ، لَكِنَّ المُتَشابِهَ يَتَنَوَّعُ، فَمِنهُ ما لا يُعْلَمُ ألْبَتَّةَ كَأمْرِ الرَّوْحِ والسّاعَةِ مِمّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ، وهَذا لا يَتَعاطى عِلْمَهُ أحَدٌ، فَمَن قالَ مِنَ العُلَماءِ الحُذّاقِ بِأنَّ الرّاسِخِينَ لا يَعْلَمُونَ عِلْمَ المُتَشابِهِ فَإنَّما أرادَ هَذا النَّوْعَ. وأمّا ما يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى وُجُوهٍ في اللُّغَةِ فَيُتَأوَّلُ ويُعْلَمُ تَأْوِيلُهُ المُسْتَقِيمُ ويُزالُ ما فِيهِ مِن تَأْوِيلٍ غَيْرِ مُسْتَقِيمٍ انْتَهى. واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاضْطِرابَ الواقِعَ في مَقالاتِ أهْلِ العِلْمِ أعْظَمُ أسْبابِهِ اخْتِلافُ أقْوالِهِمْ في تَحْقِيقِ مَعْنى المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ. وقَدْ قَدَّمْنا لَكَ ما هو الصَّوابُ في تَحْقِيقِهِما، ونَزِيدُكَ هاهُنا إيضاحًا وبَيانًا، فَنَقُولُ: إنَّ مِن جُمْلَةِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ تَفْسِيرُ المُتَشابِهِ الَّذِي قَدَّمْناهُ فَواتِحَ السُّوَرِ، فَإنَّها غَيْرُ مُتَّضِحَةِ المَعْنى، ولا ظاهِرَةِ الدَّلالَةِ، لا بِالنِّسْبَةِ إلى أنْفُسِها؛ لِأنَّهُ لا يَدْرِي مَن يَعْلَمُ بِلُغَةِ العَرَبِ، ويَعْرِفُ عُرْفَ الشَّرْعَ ما مَعْنى ﴿الم﴾، ﴿المر﴾، ﴿حم﴾، ﴿طس﴾، ﴿طسم﴾ ونَحْوِها؛ لِأنَّهُ لا يَجِدُ بَيانَها في شَيْءٍ مِن كَلامِ العَرَبِ ولا مِن كَلامِ الشَّرْعِ، فَهي غَيْرُ مُتَّضِحَةِ المَعْنى، لا بِاعْتِبارِها نَفْسِها، ولا بِاعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ يُفَسِّرُها ويُوَضِّحُها، ومِثْلُ ذَلِكَ الألْفاظُ المَنقُولَةُ عَنْ لُغَةِ العَجَمِ، والألْفاظُ الغَرِيبَةُ الَّتِي لا يُوجَدُ في لُغَةِ العَرَبِ ولا في عُرْفِ الشَّرْعِ ما يُوَضِّحُها، وهَكَذا ما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كالرُّوحِ وما في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] إلى آخِرِ الآيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ وهَكَذا ما كانَتْ دَلالَتُهُ غَيْرَ ظاهِرَةٍ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ؛ كَوُرُودِ الشَّيْءِ مُحْتَمِلًا لِأمْرَيْنِ احْتِمالًا لا يَتَرَجَّحُ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ الشَّيْءِ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ كالألْفاظِ المُشْتَرَكَةِ مَعَ عَدَمِ وُرُودِ ما يُبَيِّنُ المُرادُ مِن مَعْنى ذَلِكَ المُشْتَرَكِ مِنَ الأُمُورِ الخارِجَةِ، وكَذَلِكَ وُرُودُ دَلِيلَيْنِ مُتَعارِضَيْنِ تَعارُضًا كُلِّيًّا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَرْجِيحُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ لا بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ ولا بِاعْتِبارِ أمْرٍ آخَرَ يُرَجِّحُهُ. وأمّا ما كانَ واضِحَ المَعْنى بِاعْتِبارِ نَفْسِهِ بِأنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا في لُغَةِ العَرَبِ أوْ في عُرْفِ الشَّرْعِ أوْ بِاعْتِبارِ غَيْرِهِ وذَلِكَ كالأُمُورِ المُجْمَلَةِ الَّتِي ورَدَ بَيانُها في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أوْ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ أوِ الأُمُورِ الَّتِي تَعارَضَتْ دَلالَتُها، ثُمَّ ورَدَ ما يُبَيِّنُ راجِحَها مِن مَرْجُوحِها في مَوْضِعٍ آخَرَ مِنَ الكِتابِ أوِ السُّنَّةِ أوْ سائِرِ (p-٢٠٤)المُرَجِّحاتِ المَعْرُوفَةِ عِنْدَ أهْلِ الأُصُولِ المَقْبُولَةِ عِنْدَ أهْلِ الإنْصافِ فَلا شَكَّ ولا رَيْبَ أنَّ هَذِهِ مِنَ المُحْكَمِ لا مِنَ المُتَشابِهِ ومَن زَعَمَ أنَّها مِنَ المُتَشابِهِ فَقَدِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الصَّوابُ، فاشْدُدْ يَدَيْكَ عَلى هَذا فَإنَّكَ تَنْجُو بِهِ مِن مَضايِقَ ومَزالِقَ وقَعَتْ لِلنّاسِ في هَذا المَقامِ حَتّى صارَتْ كُلُّ طائِفَةٍ تُسَمِّي ما دَلَّ لِما ذَهَبَ إلَيْهِ مُحْكَمًا وما دَلَّ عَلى ما يَذْهَبُ إلَيْهِ مَن يُخالِفُها مُتَشابِهًا: سِيَّما أهْلُ عِلْمِ الكَلامِ، ومَن أنْكَرَ هَذا فَعَلَيْهِ بِمُؤَلَّفاتِهِمْ. واعْلَمْ أنَّهُ قَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُحْكَمٌ ولَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ﴾ [هود: ١] وقَوْلُهُ: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١] والمُرادُ بِالمُحْكَمِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ صَحِيحُ الألْفاظِ قَوِيمُ المَعانِي فائِقٌ في البَلاغَةِ والفَصاحَةِ عَلى كُلِّ كَلامٍ. ووَرَدَ أيْضًا ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَمِيعُهُ مُتَشابِهٌ لَكِنْ لا بِهَذا المَعْنى الوارِدِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِها بَلْ بِمَعْنًى آخَرَ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِتابًا مُتَشابِهًا﴾ [الزمر: ٢٣] والمُرادُ بِالمُتَشابِهِ بِهَذا المَعْنى أنَّهُ يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا في الصِّحَّةِ والفَصاحَةِ والحُسْنِ والبَلاغَةِ. وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ العِلْمِ لِوُرُودِ المُتَشابِهِ في القُرْآنِ فَوائِدَ: مِنها أنَّهُ يَكُونُ في الوُصُولِ إلى الحَقِّ مَعَ وُجُودِها فِيهِ مَزِيدُ صُعُوبَةٍ ومَشَقَّةٍ، وذَلِكَ يُوجِبُ مَزِيدَ الثَّوابِ لِلْمُسْتَخْرِجِينَ لِلْحَقِّ وهُمُ الأئِمَّةُ المُجْتَهِدُونَ، وقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ والرّازِيُّ وغَيْرُهُما وُجُوهًا هَذا أحْسَنُها وبَقِيَّتُها لا تَسْتَحِقُّ الذِّكْرَ هاهُنا. قَوْلُهُ: ﴿كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا﴾ فِيهِ ضَمِيرٌ مُقَدَّرٌ عائِدٌ عَلى قِسْمَيِ المُحْكَمِ والمُتَشابِهِ؛ أيْ: كُلُّهُ، أوِ المَحْذُوفُ غَيْرُ ضَمِيرٍ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنهُما، وهَذا مِن تَمامِ المَقُولِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وما يَذَّكَّرُ إلّا أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ العُقُولُ الخالِصَةُ: وهُمُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ، الواقِفُونَ عِنْدَ مُتَشابِهِهِ، العالِمُونَ بِمُحْكَمِهِ العامِلُونَ بِما أرْشَدَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: " ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ﴾ " إلَخْ مِن تَمامِ ما يَقُولُهُ الرّاسِخُونَ؛ أيْ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا، ويَقُولُونَ: رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا، قالَ ابْنُ كَيْسانَ: سَألُوا ألّا يَزِيغُوا فَتَزِيغَ قُلُوبُهم نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمّا زاغُوا أزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] كَأنَّهم لَمّا سَمِعُوا قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ قالُوا: ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا﴾ بِاتِّباعِ المُتَشابِهِ بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا إلى الحَقِّ بِما أذِنْتَ لَنا مِنَ العَمَلِ بِالآياتِ المُحْكَماتِ، والظَّرْفُ وهو قَوْلُهُ: بَعْدَ مُنْتَصِبٌ بِقَوْلِهِ: لا تُزِغْ. قَوْلُهُ: ﴿وهَبْ لَنا مِن لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أيْ كائِنَةً مِن عِنْدِكَ، ومِن لِابْتِداءِ الغايَةِ ولَدُنْ بِفَتْحِ اللّامِ وضَمِّ الدّالِ وسُكُونِ النُّونِ، وفِيهِ لُغاتٌ أُخَرُ هَذِهِ أفْصَحُها، وهو ظَرْفُ مَكانٍ وقَدْ يُضافُ إلى الزَّمانِ، وتَنْكِيرُ " رَحْمَةً " لِلتَّعْظِيمِ أيْ رَحْمَةً عَظِيمَةً واسِعَةً، وقَوْلُهُ: " ﴿إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ " تَعْلِيلٌ لِلسُّؤالِ أوْ لِإعْطاءِ المَسْئُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ﴾ أيْ باعِثُهم ومُحْيِيهِمْ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ ( لِيَوْمٍ ) هو يَوْمُ القِيامَةِ أيْ لِحِسابِ يَوْمٍ أوْ لِجَزاءِ يَوْمٍ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ المُضافِ وإقامَةِ المُضافِ إلَيْهِ مَقامَهُ. قَوْلُهُ: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في وُقُوعِهِ ووُقُوعِ ما فِيهِ مِنَ الحِسابِ والجَزاءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الرَّيْبِ، وجُمْلَةُ قَوْلِهِ: إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ لِلتَّعْلِيلِ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: أنَّ الوَفاءَ بِالوَعْدِ شَأْنُ الإلَهِ سُبْحانَهُ وخُلْفُهُ يُخالِفُ الأُلُوهِيَّةَ كَما أنَّها تُنافِيهِ وتُبايِنُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُحْكَماتُ ناسِخُهُ وحَلالُهُ وحَرامُهُ وحُدُودُهُ وفَرائِضُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ونَعْمَلُ بِهِ، والمُتَشابِهاتُ مَنسُوخُهُ ومُقَدِّمُهُ ومُؤَخِّرُهُ، وأمْثالُهُ وأقْسامُهُ وما نُؤْمِنُ بِهِ ولا نَعْمَلُ بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ قالَ: الثَّلاثُ آياتٍ مِن آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ مُحْكَماتٌ ﴿قُلْ تَعالَوْا﴾ [الأنعام: ١٥١] والآيَتانِ بَعْدَها. وفِي رِوايَةٍ عَنْهُ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ في قَوْلِهِ: " ﴿آياتٌ مُحْكَماتٌ﴾ " قالَ: مِن هُنا قُلْ تَعالَوْا إلى ثَلاثِ آياتٍ، ومِن هُنا ﴿وقَضى رَبُّكَ أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى ثَلاثِ آياتٍ بَعْدَها. وأقُولُ: رَحِمَ اللَّهُ ابْنَ عَبّاسٍ ما أقَلَّ جَدْوى هَذا الكَلامِ المَنقُولِ عَنْهُ. فَإنَّ تَعْيِينَ ثَلاثِ آياتٍ أوْ عَشْرٍ أوْ مِائَةٍ مِن جَمِيعِ آياتِ القُرْآنِ ووَصْفِها بِأنَّها مُحْكَمَةٌ لَيْسَ تَحْتَهُ مِنَ الفائِدَةِ شَيْءٌ، فالمُحْكَماتُ هي أكْثَرُ القُرْآنِ عَلى جَمِيعِ الأقْوالِ حَتّى عَلى قَوْلِهِ المَنقُولِ عَنْهُ قَرِيبًا مِن أنَّ المُحْكَماتِ ناسِخُهُ وحَلالُهُ إلَخْ، فَما مَعْنى تَعْيِينِ تِلْكَ الآياتِ مِن آخِرِ سُورَةِ الأنْعامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ قالَ: المُحْكَماتُ: الحَلالُ والحَرامُ، ولِلسَّلَفِ أقْوالٌ كَثِيرَةٌ هي راجِعَةٌ إلى ما قَدَّمْنا في أوَّلِ هَذا البَحْثِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ " يَعْنِي أهْلَ الشَّكِّ، فَيَحْمِلُونَ المُحْكَمَ عَلى المُتَشابِهِ والمُتَشابِهَ عَلى المُحْكَمِ، ويَلْبِسُونَ فَلَبَسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ قالَ: تَأْوِيلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ( زَيْغٌ ) قالَ: شَكٌّ. وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنى فاحْذَرُوهم» . وفِي لَفْظٍ «فَإذا رَأيْتَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمّاهُمُ اللَّهُ فاحْذَرُوهم» هَذا لَفْظُ البُخارِيِّ ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ وغَيْرِهِ «فَإذا رَأيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ والَّذِينَ يُجادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنى اللَّهُ فَلا تُجالِسُوهم» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ: «﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ (p-٢٠٥)قالَ: هُمُ الخَوارِجُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «كانَ الكِتابُ الأوَّلُ يَنْزِلُ مِن بابٍ واحِدٍ عَلى حَرْفٍ واحِدٍ ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ: زاجِرٍ، وآمِرٍ، وحَلالٍ، وحَرامٍ، ومُحْكَمٍ، ومُتَشابِهٍ، وأمْثالٍ، فَأحِلُّوا حَلالَهُ وحَرِّمُوا حَرامَهُ، وافْعَلُوا ما أُمِرْتُمْ بِهِ، وانْتَهُوا عَمّا نُهِيتُمْ عَنْهُ، واعْتَبِرُوا بِأمْثالِهِ، واعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ، وآمِنُوا بِمُتَشابِهِهِ، وقُولُوا: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا» . وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في التّارِيخِ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا بِإسْنادٍ ضَعِيفٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو يَعْلى عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «نَزَلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ والمِراءُ في القُرْآنِ كُفْرٌ، ما عَرَفْتُمْ فاعْمَلُوا بِهِ، وما جَهِلْتُمْ مِنهُ فَرُدُّوهُ إلى عالِمِهِ» وإسْنادُهُ صَحِيحٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا، وفِيهِ «واتَّبِعُوا المُحْكَمَ وآمِنُوا بِالمُتَشابِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَؤُها ( وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ ويَقُولُ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ آمَنّا بِهِ ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ عَنِ الأعْمَشِ قالَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وإنْ حَقِيقَةُ تَأْوِيلِهِ إلّا عِنْدَ اللَّهِ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ وأبِي نَهِيكٍ قالَ: إنَّكم تَصِلُونَ هَذِهِ الآيَةَ وهي مَقْطُوعَةٌ وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ والرّاسِخُونَ في العِلْمِ يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا فانْتَهى عِلْمُهم إلى قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: الرّاسِخُونَ في العِلْمِ لا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ، ولَكِنَّهم يَقُولُونَ: آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِن عِنْدِ رَبِّنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبَدِ العَزِيزِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ أُبَيٍّ قالَ: كِتابُ اللَّهِ ما اسْتَبانَ فاعْمَلْ بِهِ، وما اشْتَبَهَ عَلَيْكَ فَآمِن بِهِ وكِلْهُ إلى عالِمِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ لِلْقُرْآنِ مَنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، فَما عَرَفْتُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ وما اشْتَبَهَ عَلَيْكم فَذَرُوهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مُعاذٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفْسِيرُ القُرْآنِ عَلى أرْبَعَةِ وُجُوهٍ: تَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ العُلَماءُ، وتَفْسِيرٌ يُعْذَرُ النّاسُ بِجَهالَتِهِ مِن حَلالٍ أوْ حَرامٍ، وتَفْسِيرٌ تَعْرِفُهُ العَرَبُ بَلُغَتِها، وتَفْسِيرٌ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلّا اللَّهُ، مَنِ ادَّعى عِلْمَهُ فَهو كَذّابٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: أُنْزِلَ القُرْآنُ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ حَلالٍ وحَرامٍ لا يُعْذَرُ أحَدٌ بِالجَهالَةِ بِهِ، وتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ العَرَبُ، وتَفْسِيرٍ تُفَسِّرُهُ العُلَماءُ، ومُتَشابِهٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، ومَنِ ادَّعى عِلْمَهُ سِوى اللَّهِ فَهو كاذِبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: أنا مِمَّنْ يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ نُؤْمِنُ بِالمُحْكَمِ ونَدِينُ بِهِ، ونُؤْمِنُ بِالمُتَشابِهِ ولا نَدِينُ بِهِ، وهو مِن عِنْدِ اللَّهِ كُلِّهِ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ في مُسْنَدِهِ ونَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في الحُجَّةِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ: أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ ضُبَيْعٌ قَدِمَ المَدِينَةَ فَجَعَلَ يَسْألُ عَنْ مُتَشابِهِ القُرْآنِ. فَأرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرَ وقَدْ أعَدَّ لَهُ عَراجِينَ النَّخْلِ، فَقالَ: مَن أنْتَ ؟ فَقالَ: أنا عَبْدُ اللَّهِ ضُبَيْعٌ. فَقالَ: وأنا عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ. فَأخَذَ عُمَرُ عُرْجُونًا مِن تِلْكَ العَراجِينِ فَضَرَبَهُ حَتّى دَمِيَ رَأْسُهُ، فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ حَسْبُكَ قَدْ ذَهَبَ الَّذِي كُنْتُ أجِدُ في رَأْسِي. وأخْرَجَهُ الدّارِمِيُّ أيْضًا مِن وجْهٍ آخَرَ، وفِيهِ: أنَّهُ ضَرَبَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ يَتْرُكُهُ في كُلِّ مَرَّةٍ حَتّى يَبْرَأ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ. وأخْرَجَ أصْلَ القِصَّةِ ابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ أنَسٍ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ وابْنُ عَساكِرَ: أنَّ عُمَرَ كَتَبَ إلى أهْلِ البَصْرَةِ أنْ لا يُجالِسُوا ضُبَيْعًا، وقَدْ أخْرَجَ هَذِهِ القِصَّةَ جَماعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أنَسٍ وأبِي أُمامَةَ وواثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ وأبِي الدَّرْداءِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ ؟ فَقالَ: مَن بَرَّتْ يَمِينُهُ، وصَدَقَ لِسانُهُ، واسْتَقامَ قَلْبُهُ، ومَن عَفَّ بَطْنُهُ وفَرْجُهُ، فَذَلِكَ مِنَ الرّاسِخِينَ في العِلْمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأزْدِيِّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الجِدالُ في القُرْآنِ كُفْرٌ» . وأخْرَجَ نَصْرٌ المَقْدِسِيُّ في الحُجَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ومِن وراءِ حُجْرَتِهِ قَوْمٌ يَتَجادَلُونَ بِالقُرْآنِ، فَخَرَجَ مُحْمَرَّةً وجْنَتاهُ كَأنَّما يَقْطُرانِ دَمًا فَقالَ: يا قَوْمِ لا تُجادِلُوا في القُرْآنِ فَإنَّما ضَلَّ مَن كانَ قَبْلَكم بِجِدالِهِمْ، إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ لِيُكَذِّبَ بَعْضُهُ بَعْضًا، ولَكِنْ نَزَلَ لِيُصَدِّقَ بَعْضُهُ بَعْضًا، فَما كانَ مِن مُحْكَمِهِ فاعْمَلُوا بِهِ وما كانَ مِن مُتَشابِهِهِ فَآمِنُوا بِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: يا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلى دِينِكَ، ثُمَّ قَرَأ» ﴿رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْها مَرْفُوعًا نَحْوَهُ بِأطْوَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وقَدْ ورَدَ نَحْوُهُ مِن طُرُقٍ أُخَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في تارِيخِهِ في قَوْلِهِ: " ﴿رَبَّنا إنَّكَ جامِعُ النّاسِ لِيَوْمٍ﴾ " الآيَةَ. عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الخَلَدِيِّ قالَ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أنَّ مَن قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ عَلى شَيْءٍ ضاعَ مِنهُ رَدَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويَقُولُ بَعْدَ قِراءَتِها: يا جامِعَ النّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ اجْمَعْ بَيْنِي وبَيْنَ مالِي إنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» .

آل عمران 3:10

(p-٢٠٦)المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسُ الكَفَرَةِ - وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، وقِيلَ: قُرَيْظَةُ، وقِيلَ: النَّضِيرُ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( لَنْ يُغْنِيَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ الياءِ الآخِرَةِ تَخْفِيفًا. قَوْلُهُ: " مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ مِن بِمَعْنى عِنْدَ؛ أيْ: لا تُغْنِي عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى بَدَلٍ. والمَعْنى بَدَلُ رَحْمَةِ اللَّهِ وهو بَعِيدٌ. قَوْلُهُ: وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ الوَقُودُ: اسْمٌ لِلْحَطَبِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. أيْ: هم حَطَبُ جَهَنَّمَ الَّذِي تُسَعَّرُ بِهِ، وهم مُبْتَدَأٌ، ووَقُودُ: خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ، أوْ هم ضَمِيرُ فَصْلٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾، الآيَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( وُقُودُ ) بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، وكَذَلِكَ الوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْحَطَبِ كَما تَقَدَّمَ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، لِأنَّهُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَأْتِي عَلى وزْنِ الفَعُولِ فَتَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ: أيْ: هم أهْلُ وقُودِ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، الدَّأْبُ: الِاجْتِهادُ، يُقالُ: دَأبَ الرَّجُلُ في عَمَلِهِ يَدْأبُ دَأْبًا ودُءُوبًا: إذا جَدَّ واجْتَهَدَ، والدّائِبانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، والدَّأْبُ: العادَةُ والشَّأْنُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ والمُرادُ هُنا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وحالِهِمْ، واخْتَلَفُوا في الكافِ، فَقِيلَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ دَأْبُهم آلُ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى كَفَرَتِ العَرَبُ كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ مُتَعَلِّقَةً بِكَفَرُوا؛ لِأنَّ كَفَرُوا داخِلَةٌ في الصِّلَةِ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِأخَذَهَمُ اللَّهُ؛ أيْ: أخَذَهم أخْذَةً كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِلَنْ تُغْنِيَ أيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهم غِناءً، كَما لَمْ تُغْنِ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ العامِلَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الإحْراقِ. قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي قالَهُ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ، ومِنهُمُ الأزْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: " ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ " أيْ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ؛ أيْ: وكَدَأْبِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَتْلُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، ويَصِحُّ إرادَةُ الجَمِيعِ. والجُمْلَةُ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عَلى إضْمارِ قَدْ؛ أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِ أُولَئِكَ قَدْ كَذَّبُوا إلَخْ. وقَوْلُهُ: بِذُنُوبِهِمْ، أيْ بِسائِرِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَكْذِيبُهم. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: سُتَغْلَبُونَ، قُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ والتَّحْتِيَّةِ، وكَذَلِكَ: تُحْشَرُونَ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى سائِرِ اليَهُودِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ. قَوْلُهُ: وبِئْسَ المِهادُ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً تَهْوِيلًا وتَفْظِيعًا. قَوْلُهُ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهي مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، ولَمْ يَقُلْ: كانَتْ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ذَكَرَ الفِعْلَ لِأجْلِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْمِ بِقَوْلِهِ: ( لَكم ) . والمُرادُ بِالفِئَتَيْنِ: المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ لَمّا التَقَوْا يَوْمَ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ فِئَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ فِئَةٍ وكافِرَةٍ بِالخَفْضِ، فالرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إحْداهُما فِئَةٌ. وقَوْلُهُ: تُقاتِلُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الصِّفَةِ، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: فِئَتَيْنِ. وقَوْلُهُ: وأُخْرى أيْ: وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ ثَعْلَبٌ: هو عَلى الحالِ؛ أيِ: التَقَتا مُخْتَلِفَتَيْنِ، مُؤْمِنَةً وكافِرَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وسُمِّيَتِ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ فِئَةٌ لِأنَّهُ يُفاءُ إلَيْها؛ أيْ: يُرْجَعُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ الفِئَةُ: الفِرْقَةُ مَأْخُوذٌ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ: إذا قَطَعْتَهُ، ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالفِئَتَيْنِ هُما المُقْتَتِلَتانِ في يَوْمِ بَدْرٍ، وإنَّما وقَعَ الخِلافُ في المُخاطَبِ بِهَذا الخِطابِ، فَقِيلَ: المُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: اليَهُودُ. وفائِدَةُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيتُ نُفُوسِهِمْ وتَشْجِيعُها، وفائِدَتُهُ إذا كانَ مَعَ اليَهُودِ عَكْسُ الفائِدَةِ المَقْصُودَةِ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرُّؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ العَيْنِ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ والمُرادُ أنَّهُ يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ. وقَوْلُهُ: مِثْلَيْهِمْ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ فاعِلَ تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ، وفِيهِ بُعْدٌ أنْ يُكْثِرَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ أخْبَرَنا أنَّهُ قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ المَعْنى تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْكم في العَدَدِ وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ فَقَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ فَأراهم إيّاهم مِثْلَيْ عُدَّتِهِمْ لِتَقْوى أنْفُسُهم. وقَدْ كانُوا أُعْلِمُوا أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في مِثْلَيْهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أيْ: تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ أنْفُسَكم مِثْلَيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ لِتَقْوى بِذَلِكَ أنْفُسُكم وقَدْ قالَ مَن ذَهَبَ إلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ: أعْنِي أنَّ فاعِلَ الرُّؤْيَةِ المُشْرِكُونَ، وأنَّهم رَأوُا المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ أنَّهُ لا يُناقِضُ هَذا ما في سُورَةِ الأنْفالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، (p-٢٠٧)بَلْ قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ لِيُلاقُوهم ويَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غَلَبُوا. قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: تَرَوْنَهم أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ أيْ يُقَوِّي مَن يَشاءُ أنْ يُقَوِّيَهُ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَأْيِيدُ أهْلِ بَدْرٍ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ إنَّ في ذَلِكَ أيْ في رُؤْيَةِ القَلِيلِ كَثِيرًا " لِعِبْرَةً " فِعْلَةً مِنَ العُبُورِ كالجِلْسَةِ مِنَ الجُلُوسِ. والمُرادُ الِاتِّعاظُ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَوْعِظَةٌ جَسِيمَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، قالَ: كَصَنِيعِ آلِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كَفِعْلِ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: كَسُنَّتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أصابَ مِن أهْلِ بَدْرٍ ما أصابَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ»، قالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِما أصابَ قُرَيْشًا. قالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا كانُوا غِمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ واللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولِي الأبْصارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ فِنْحاصُّ اليَهُودِيُّ وذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ " عِبْرَةٌ وتَفَكُّرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَدْرٍ وأُخْرى كافِرَةٌ فِئَةُ قُرَيْشٍ الكُفّارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في هَؤُلاءِ عِبْرَةٌ ومُتَفَكَّرٌ أيَّدَهُمُ اللَّهُ ونَصَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المُشْرِكُونَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ رَجُلًا، وكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أُنْزِلَتْ في التَّخْفِيفِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى المُؤْمِنِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ المُشْرِكُونَ مِثْلَيْهِمْ سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ فَأيَّدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:11

(p-٢٠٦)المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسُ الكَفَرَةِ - وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، وقِيلَ: قُرَيْظَةُ، وقِيلَ: النَّضِيرُ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( لَنْ يُغْنِيَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ الياءِ الآخِرَةِ تَخْفِيفًا. قَوْلُهُ: " مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ مِن بِمَعْنى عِنْدَ؛ أيْ: لا تُغْنِي عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى بَدَلٍ. والمَعْنى بَدَلُ رَحْمَةِ اللَّهِ وهو بَعِيدٌ. قَوْلُهُ: وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ الوَقُودُ: اسْمٌ لِلْحَطَبِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. أيْ: هم حَطَبُ جَهَنَّمَ الَّذِي تُسَعَّرُ بِهِ، وهم مُبْتَدَأٌ، ووَقُودُ: خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ، أوْ هم ضَمِيرُ فَصْلٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾، الآيَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( وُقُودُ ) بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، وكَذَلِكَ الوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْحَطَبِ كَما تَقَدَّمَ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، لِأنَّهُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَأْتِي عَلى وزْنِ الفَعُولِ فَتَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ: أيْ: هم أهْلُ وقُودِ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، الدَّأْبُ: الِاجْتِهادُ، يُقالُ: دَأبَ الرَّجُلُ في عَمَلِهِ يَدْأبُ دَأْبًا ودُءُوبًا: إذا جَدَّ واجْتَهَدَ، والدّائِبانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، والدَّأْبُ: العادَةُ والشَّأْنُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ والمُرادُ هُنا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وحالِهِمْ، واخْتَلَفُوا في الكافِ، فَقِيلَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ دَأْبُهم آلُ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى كَفَرَتِ العَرَبُ كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ مُتَعَلِّقَةً بِكَفَرُوا؛ لِأنَّ كَفَرُوا داخِلَةٌ في الصِّلَةِ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِأخَذَهَمُ اللَّهُ؛ أيْ: أخَذَهم أخْذَةً كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِلَنْ تُغْنِيَ أيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهم غِناءً، كَما لَمْ تُغْنِ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ العامِلَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الإحْراقِ. قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي قالَهُ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ، ومِنهُمُ الأزْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: " ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ " أيْ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ؛ أيْ: وكَدَأْبِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَتْلُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، ويَصِحُّ إرادَةُ الجَمِيعِ. والجُمْلَةُ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عَلى إضْمارِ قَدْ؛ أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِ أُولَئِكَ قَدْ كَذَّبُوا إلَخْ. وقَوْلُهُ: بِذُنُوبِهِمْ، أيْ بِسائِرِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَكْذِيبُهم. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: سُتَغْلَبُونَ، قُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ والتَّحْتِيَّةِ، وكَذَلِكَ: تُحْشَرُونَ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى سائِرِ اليَهُودِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ. قَوْلُهُ: وبِئْسَ المِهادُ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً تَهْوِيلًا وتَفْظِيعًا. قَوْلُهُ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهي مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، ولَمْ يَقُلْ: كانَتْ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ذَكَرَ الفِعْلَ لِأجْلِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْمِ بِقَوْلِهِ: ( لَكم ) . والمُرادُ بِالفِئَتَيْنِ: المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ لَمّا التَقَوْا يَوْمَ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ فِئَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ فِئَةٍ وكافِرَةٍ بِالخَفْضِ، فالرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إحْداهُما فِئَةٌ. وقَوْلُهُ: تُقاتِلُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الصِّفَةِ، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: فِئَتَيْنِ. وقَوْلُهُ: وأُخْرى أيْ: وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ ثَعْلَبٌ: هو عَلى الحالِ؛ أيِ: التَقَتا مُخْتَلِفَتَيْنِ، مُؤْمِنَةً وكافِرَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وسُمِّيَتِ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ فِئَةٌ لِأنَّهُ يُفاءُ إلَيْها؛ أيْ: يُرْجَعُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ الفِئَةُ: الفِرْقَةُ مَأْخُوذٌ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ: إذا قَطَعْتَهُ، ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالفِئَتَيْنِ هُما المُقْتَتِلَتانِ في يَوْمِ بَدْرٍ، وإنَّما وقَعَ الخِلافُ في المُخاطَبِ بِهَذا الخِطابِ، فَقِيلَ: المُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: اليَهُودُ. وفائِدَةُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيتُ نُفُوسِهِمْ وتَشْجِيعُها، وفائِدَتُهُ إذا كانَ مَعَ اليَهُودِ عَكْسُ الفائِدَةِ المَقْصُودَةِ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرُّؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ العَيْنِ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ والمُرادُ أنَّهُ يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ. وقَوْلُهُ: مِثْلَيْهِمْ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ فاعِلَ تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ، وفِيهِ بُعْدٌ أنْ يُكْثِرَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ أخْبَرَنا أنَّهُ قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ المَعْنى تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْكم في العَدَدِ وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ فَقَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ فَأراهم إيّاهم مِثْلَيْ عُدَّتِهِمْ لِتَقْوى أنْفُسُهم. وقَدْ كانُوا أُعْلِمُوا أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في مِثْلَيْهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أيْ: تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ أنْفُسَكم مِثْلَيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ لِتَقْوى بِذَلِكَ أنْفُسُكم وقَدْ قالَ مَن ذَهَبَ إلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ: أعْنِي أنَّ فاعِلَ الرُّؤْيَةِ المُشْرِكُونَ، وأنَّهم رَأوُا المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ أنَّهُ لا يُناقِضُ هَذا ما في سُورَةِ الأنْفالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، (p-٢٠٧)بَلْ قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ لِيُلاقُوهم ويَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غَلَبُوا. قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: تَرَوْنَهم أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ أيْ يُقَوِّي مَن يَشاءُ أنْ يُقَوِّيَهُ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَأْيِيدُ أهْلِ بَدْرٍ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ إنَّ في ذَلِكَ أيْ في رُؤْيَةِ القَلِيلِ كَثِيرًا " لِعِبْرَةً " فِعْلَةً مِنَ العُبُورِ كالجِلْسَةِ مِنَ الجُلُوسِ. والمُرادُ الِاتِّعاظُ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَوْعِظَةٌ جَسِيمَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، قالَ: كَصَنِيعِ آلِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كَفِعْلِ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: كَسُنَّتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أصابَ مِن أهْلِ بَدْرٍ ما أصابَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ»، قالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِما أصابَ قُرَيْشًا. قالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا كانُوا غِمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ واللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولِي الأبْصارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ فِنْحاصُّ اليَهُودِيُّ وذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ " عِبْرَةٌ وتَفَكُّرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَدْرٍ وأُخْرى كافِرَةٌ فِئَةُ قُرَيْشٍ الكُفّارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في هَؤُلاءِ عِبْرَةٌ ومُتَفَكَّرٌ أيَّدَهُمُ اللَّهُ ونَصَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المُشْرِكُونَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ رَجُلًا، وكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أُنْزِلَتْ في التَّخْفِيفِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى المُؤْمِنِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ المُشْرِكُونَ مِثْلَيْهِمْ سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ فَأيَّدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:12

(p-٢٠٦)المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسُ الكَفَرَةِ - وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، وقِيلَ: قُرَيْظَةُ، وقِيلَ: النَّضِيرُ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( لَنْ يُغْنِيَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ الياءِ الآخِرَةِ تَخْفِيفًا. قَوْلُهُ: " مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ مِن بِمَعْنى عِنْدَ؛ أيْ: لا تُغْنِي عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى بَدَلٍ. والمَعْنى بَدَلُ رَحْمَةِ اللَّهِ وهو بَعِيدٌ. قَوْلُهُ: وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ الوَقُودُ: اسْمٌ لِلْحَطَبِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. أيْ: هم حَطَبُ جَهَنَّمَ الَّذِي تُسَعَّرُ بِهِ، وهم مُبْتَدَأٌ، ووَقُودُ: خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ، أوْ هم ضَمِيرُ فَصْلٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾، الآيَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( وُقُودُ ) بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، وكَذَلِكَ الوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْحَطَبِ كَما تَقَدَّمَ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، لِأنَّهُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَأْتِي عَلى وزْنِ الفَعُولِ فَتَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ: أيْ: هم أهْلُ وقُودِ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، الدَّأْبُ: الِاجْتِهادُ، يُقالُ: دَأبَ الرَّجُلُ في عَمَلِهِ يَدْأبُ دَأْبًا ودُءُوبًا: إذا جَدَّ واجْتَهَدَ، والدّائِبانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، والدَّأْبُ: العادَةُ والشَّأْنُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ والمُرادُ هُنا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وحالِهِمْ، واخْتَلَفُوا في الكافِ، فَقِيلَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ دَأْبُهم آلُ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى كَفَرَتِ العَرَبُ كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ مُتَعَلِّقَةً بِكَفَرُوا؛ لِأنَّ كَفَرُوا داخِلَةٌ في الصِّلَةِ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِأخَذَهَمُ اللَّهُ؛ أيْ: أخَذَهم أخْذَةً كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِلَنْ تُغْنِيَ أيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهم غِناءً، كَما لَمْ تُغْنِ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ العامِلَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الإحْراقِ. قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي قالَهُ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ، ومِنهُمُ الأزْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: " ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ " أيْ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ؛ أيْ: وكَدَأْبِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَتْلُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، ويَصِحُّ إرادَةُ الجَمِيعِ. والجُمْلَةُ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عَلى إضْمارِ قَدْ؛ أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِ أُولَئِكَ قَدْ كَذَّبُوا إلَخْ. وقَوْلُهُ: بِذُنُوبِهِمْ، أيْ بِسائِرِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَكْذِيبُهم. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: سُتَغْلَبُونَ، قُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ والتَّحْتِيَّةِ، وكَذَلِكَ: تُحْشَرُونَ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى سائِرِ اليَهُودِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ. قَوْلُهُ: وبِئْسَ المِهادُ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً تَهْوِيلًا وتَفْظِيعًا. قَوْلُهُ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهي مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، ولَمْ يَقُلْ: كانَتْ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ذَكَرَ الفِعْلَ لِأجْلِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْمِ بِقَوْلِهِ: ( لَكم ) . والمُرادُ بِالفِئَتَيْنِ: المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ لَمّا التَقَوْا يَوْمَ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ فِئَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ فِئَةٍ وكافِرَةٍ بِالخَفْضِ، فالرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إحْداهُما فِئَةٌ. وقَوْلُهُ: تُقاتِلُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الصِّفَةِ، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: فِئَتَيْنِ. وقَوْلُهُ: وأُخْرى أيْ: وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ ثَعْلَبٌ: هو عَلى الحالِ؛ أيِ: التَقَتا مُخْتَلِفَتَيْنِ، مُؤْمِنَةً وكافِرَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وسُمِّيَتِ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ فِئَةٌ لِأنَّهُ يُفاءُ إلَيْها؛ أيْ: يُرْجَعُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ الفِئَةُ: الفِرْقَةُ مَأْخُوذٌ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ: إذا قَطَعْتَهُ، ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالفِئَتَيْنِ هُما المُقْتَتِلَتانِ في يَوْمِ بَدْرٍ، وإنَّما وقَعَ الخِلافُ في المُخاطَبِ بِهَذا الخِطابِ، فَقِيلَ: المُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: اليَهُودُ. وفائِدَةُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيتُ نُفُوسِهِمْ وتَشْجِيعُها، وفائِدَتُهُ إذا كانَ مَعَ اليَهُودِ عَكْسُ الفائِدَةِ المَقْصُودَةِ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرُّؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ العَيْنِ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ والمُرادُ أنَّهُ يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ. وقَوْلُهُ: مِثْلَيْهِمْ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ فاعِلَ تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ، وفِيهِ بُعْدٌ أنْ يُكْثِرَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ أخْبَرَنا أنَّهُ قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ المَعْنى تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْكم في العَدَدِ وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ فَقَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ فَأراهم إيّاهم مِثْلَيْ عُدَّتِهِمْ لِتَقْوى أنْفُسُهم. وقَدْ كانُوا أُعْلِمُوا أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في مِثْلَيْهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أيْ: تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ أنْفُسَكم مِثْلَيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ لِتَقْوى بِذَلِكَ أنْفُسُكم وقَدْ قالَ مَن ذَهَبَ إلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ: أعْنِي أنَّ فاعِلَ الرُّؤْيَةِ المُشْرِكُونَ، وأنَّهم رَأوُا المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ أنَّهُ لا يُناقِضُ هَذا ما في سُورَةِ الأنْفالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، (p-٢٠٧)بَلْ قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ لِيُلاقُوهم ويَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غَلَبُوا. قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: تَرَوْنَهم أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ أيْ يُقَوِّي مَن يَشاءُ أنْ يُقَوِّيَهُ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَأْيِيدُ أهْلِ بَدْرٍ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ إنَّ في ذَلِكَ أيْ في رُؤْيَةِ القَلِيلِ كَثِيرًا " لِعِبْرَةً " فِعْلَةً مِنَ العُبُورِ كالجِلْسَةِ مِنَ الجُلُوسِ. والمُرادُ الِاتِّعاظُ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَوْعِظَةٌ جَسِيمَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، قالَ: كَصَنِيعِ آلِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كَفِعْلِ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: كَسُنَّتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أصابَ مِن أهْلِ بَدْرٍ ما أصابَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ»، قالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِما أصابَ قُرَيْشًا. قالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا كانُوا غِمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ واللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولِي الأبْصارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ فِنْحاصُّ اليَهُودِيُّ وذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ " عِبْرَةٌ وتَفَكُّرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَدْرٍ وأُخْرى كافِرَةٌ فِئَةُ قُرَيْشٍ الكُفّارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في هَؤُلاءِ عِبْرَةٌ ومُتَفَكَّرٌ أيَّدَهُمُ اللَّهُ ونَصَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المُشْرِكُونَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ رَجُلًا، وكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أُنْزِلَتْ في التَّخْفِيفِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى المُؤْمِنِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ المُشْرِكُونَ مِثْلَيْهِمْ سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ فَأيَّدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:13

(p-٢٠٦)المُرادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا جِنْسُ الكَفَرَةِ - وقِيلَ: وفْدُ نَجْرانَ، وقِيلَ: قُرَيْظَةُ، وقِيلَ: النَّضِيرُ، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ ( لَنْ يُغْنِيَ ) بِالتَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ الحَسَنُ بِسُكُونِ الياءِ الآخِرَةِ تَخْفِيفًا. قَوْلُهُ: " مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " أيْ: مِن عَذابِهِ شَيْئًا مِنَ الإغْناءِ، وقِيلَ: إنَّ كَلِمَةَ مِن بِمَعْنى عِنْدَ؛ أيْ: لا تُغْنِي عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ، وقِيلَ: هي بِمَعْنى بَدَلٍ. والمَعْنى بَدَلُ رَحْمَةِ اللَّهِ وهو بَعِيدٌ. قَوْلُهُ: وأُولَئِكَ هم وقُودُ النّارِ الوَقُودُ: اسْمٌ لِلْحَطَبِ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ في سُورَةِ البَقَرَةِ. أيْ: هم حَطَبُ جَهَنَّمَ الَّذِي تُسَعَّرُ بِهِ، وهم مُبْتَدَأٌ، ووَقُودُ: خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ أُولَئِكَ، أوْ هم ضَمِيرُ فَصْلٍ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً مُقَرِّرَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهم أمْوالُهُمْ﴾، الآيَةَ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وطِلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ( وُقُودُ ) بِضَمِّ الواوِ وهو مَصْدَرٌ، وكَذَلِكَ الوَقُودُ بِفَتْحِ الواوِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْحَطَبِ كَما تَقَدَّمَ فَلا يَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، لِأنَّهُ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي تَأْتِي عَلى وزْنِ الفَعُولِ فَتَحْتاجُ إلى تَقْدِيرٍ: أيْ: هم أهْلُ وقُودِ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، الدَّأْبُ: الِاجْتِهادُ، يُقالُ: دَأبَ الرَّجُلُ في عَمَلِهِ يَدْأبُ دَأْبًا ودُءُوبًا: إذا جَدَّ واجْتَهَدَ، والدّائِبانِ اللَّيْلُ والنَّهارُ، والدَّأْبُ: العادَةُ والشَّأْنُ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: ؎كَدَأْبِكَ مِن أُمِّ الحُوَيْرِثِ قَبْلَها وجارَتِها أُمِّ الرَّبابِ بِمَأْسَلِ والمُرادُ هُنا كَعادَةِ آلِ فِرْعَوْنَ وحالِهِمْ، واخْتَلَفُوا في الكافِ، فَقِيلَ: هي في مَوْضِعِ رَفْعٍ تَقْدِيرُهُ دَأْبُهم آلُ فِرْعَوْنَ مَعَ مُوسى. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّ المَعْنى كَفَرَتِ العَرَبُ كَكُفْرِ آلِ فِرْعَوْنَ. قالَ النَّحّاسُ: لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ مُتَعَلِّقَةً بِكَفَرُوا؛ لِأنَّ كَفَرُوا داخِلَةٌ في الصِّلَةِ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِأخَذَهَمُ اللَّهُ؛ أيْ: أخَذَهم أخْذَةً كَما أخَذَ آلَ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِلَنْ تُغْنِيَ أيْ لَمْ تُغْنِ عَنْهم غِناءً، كَما لَمْ تُغْنِ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وقِيلَ: إنَّ العامِلَ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ مِن لَفْظِ الوَقُودِ، ويَكُونُ التَّشْبِيهُ في نَفْسِ الإحْراقِ. قالُوا: ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وعَشِيًّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦]، والقَوْلُ الأوَّلُ هو الَّذِي قالَهُ جُمْهُورُ المُحَقِّقِينَ، ومِنهُمُ الأزْهَرِيُّ. قَوْلُهُ: " ﴿والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ " أيْ مِن قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنَ الأُمَمِ الكافِرَةِ؛ أيْ: وكَدَأْبِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ. قَوْلُهُ: ﴿كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَتْلُوَّةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ الآياتِ المَنصُوبَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، ويَصِحُّ إرادَةُ الجَمِيعِ. والجُمْلَةُ بَيانٌ وتَفْسِيرٌ لِدَأْبِهِمْ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن آلِ فِرْعَوْنَ والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ عَلى إضْمارِ قَدْ؛ أيْ: دَأْبُ هَؤُلاءِ كَدَأْبِ أُولَئِكَ قَدْ كَذَّبُوا إلَخْ. وقَوْلُهُ: بِذُنُوبِهِمْ، أيْ بِسائِرِ ذُنُوبِهِمُ الَّتِي مِن جُمْلَتِها تَكْذِيبُهم. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قِيلَ: هُمُ اليَهُودُ، وقِيلَ: هم مُشْرِكُو مَكَّةَ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وقَوْلُهُ: سُتَغْلَبُونَ، قُرِئَ بِالفَوْقِيَّةِ والتَّحْتِيَّةِ، وكَذَلِكَ: تُحْشَرُونَ. وقَدْ صَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ بِقَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وفَتْحِ خَيْبَرَ، وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلى سائِرِ اليَهُودِ، ولِلَّهِ الحَمْدُ. قَوْلُهُ: وبِئْسَ المِهادُ، يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مِن تَمامِ القَوْلِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً تَهْوِيلًا وتَفْظِيعًا. قَوْلُهُ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ، أيْ: عَلامَةٌ عَظِيمَةٌ دالَّةٌ عَلى صِدْقِ ما أقُولُ لَكم، وهَذِهِ الجُمْلَةُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، وهي مِن تَمامِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ لِتَقْرِيرِ مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ، ولَمْ يَقُلْ: كانَتْ؛ لِأنَّ التَّأْنِيثَ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهُ ذَكَرَ الفِعْلَ لِأجْلِ الفَصْلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ الِاسْمِ بِقَوْلِهِ: ( لَكم ) . والمُرادُ بِالفِئَتَيْنِ: المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ لَمّا التَقَوْا يَوْمَ بَدْرٍ. قَوْلُهُ: ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قِراءَةُ الجُمْهُورِ بِرَفْعِ فِئَةٍ. وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ فِئَةٍ وكافِرَةٍ بِالخَفْضِ، فالرَّفْعُ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: إحْداهُما فِئَةٌ. وقَوْلُهُ: تُقاتِلُ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الصِّفَةِ، والجَرُّ عَلى البَدَلِ مِن قَوْلِهِ: فِئَتَيْنِ. وقَوْلُهُ: وأُخْرى أيْ: وفِئَةٌ أُخْرى كافِرَةٌ. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالنَّصْبِ فِيهِما. قالَ ثَعْلَبٌ: هو عَلى الحالِ؛ أيِ: التَقَتا مُخْتَلِفَتَيْنِ، مُؤْمِنَةً وكافِرَةً. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ بِتَقْدِيرِ أعْنِي، وسُمِّيَتِ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ فِئَةٌ لِأنَّهُ يُفاءُ إلَيْها؛ أيْ: يُرْجَعُ في وقْتِ الشِّدَّةِ. وقالَ الزَّجّاجُ الفِئَةُ: الفِرْقَةُ مَأْخُوذٌ مِن فَأوْتُ رَأْسَهُ بِالسَّيْفِ: إذا قَطَعْتَهُ، ولا خِلافَ أنَّ المُرادَ بِالفِئَتَيْنِ هُما المُقْتَتِلَتانِ في يَوْمِ بَدْرٍ، وإنَّما وقَعَ الخِلافُ في المُخاطَبِ بِهَذا الخِطابِ، فَقِيلَ: المُخاطَبُ بِها المُؤْمِنُونَ، وقِيلَ: اليَهُودُ. وفائِدَةُ الخِطابِ لِلْمُؤْمِنِينَ تَثْبِيتُ نُفُوسِهِمْ وتَشْجِيعُها، وفائِدَتُهُ إذا كانَ مَعَ اليَهُودِ عَكْسُ الفائِدَةِ المَقْصُودَةِ بِخِطابِ المُسْلِمِينَ. قَوْلُهُ: يَرَوْنَهم مِثْلَيْهِمْ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الرُّؤْيَةُ في هَذِهِ الآيَةِ رُؤْيَةُ العَيْنِ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ والمُرادُ أنَّهُ يَرى المُشْرِكُونَ المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِ المُشْرِكِينَ أوْ مِثْلَيْ عَدَدِ المُسْلِمِينَ، وهَذا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، وقَرَأ نافِعٌ بِالفَوْقِيَّةِ. وقَوْلُهُ: مِثْلَيْهِمْ مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ فاعِلَ تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْ ما هم عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ، وفِيهِ بُعْدٌ أنْ يُكْثِرَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ وقَدْ أخْبَرَنا أنَّهُ قَلَّلَهم في أعْيُنِ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ المَعْنى تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ المُشْرِكِينَ مِثْلَيْكم في العَدَدِ وقَدْ كانُوا ثَلاثَةَ أمْثالِهِمْ فَقَلَّلَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ في أعْيُنِ المُسْلِمِينَ فَأراهم إيّاهم مِثْلَيْ عُدَّتِهِمْ لِتَقْوى أنْفُسُهم. وقَدْ كانُوا أُعْلِمُوا أنَّ المِائَةَ مِنهم تَغْلِبُ المِائَتَيْنِ مِنَ الكُفّارِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في مِثْلَيْهِمْ لِلْمُسْلِمِينَ؛ أيْ: تَرَوْنَ أيُّها المُسْلِمُونَ أنْفُسَكم مِثْلَيْ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ العَدَدِ لِتَقْوى بِذَلِكَ أنْفُسُكم وقَدْ قالَ مَن ذَهَبَ إلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ: أعْنِي أنَّ فاعِلَ الرُّؤْيَةِ المُشْرِكُونَ، وأنَّهم رَأوُا المُسْلِمِينَ مِثْلَيْ عَدَدِهِمْ أنَّهُ لا يُناقِضُ هَذا ما في سُورَةِ الأنْفالِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ويُقَلِّلُكم في أعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، (p-٢٠٧)بَلْ قُلِّلُوا أوَّلًا في أعْيُنِهِمْ لِيُلاقُوهم ويَجْتَرِئُوا عَلَيْهِمْ، فَلَمّا لاقَوْهم كَثُرُوا في أعْيُنِهِمْ حَتّى غَلَبُوا. قَوْلُهُ: رَأْيَ العَيْنِ مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِقَوْلِهِ: تَرَوْنَهم أيْ: رُؤْيَةً ظاهِرَةً مَكْشُوفَةً لا لَبْسَ فِيها واللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشاءُ أيْ يُقَوِّي مَن يَشاءُ أنْ يُقَوِّيَهُ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ تَأْيِيدُ أهْلِ بَدْرٍ بِتِلْكَ الرُّؤْيَةِ إنَّ في ذَلِكَ أيْ في رُؤْيَةِ القَلِيلِ كَثِيرًا " لِعِبْرَةً " فِعْلَةً مِنَ العُبُورِ كالجِلْسَةِ مِنَ الجُلُوسِ. والمُرادُ الِاتِّعاظُ، والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ؛ أيْ: عِبْرَةٌ عَظِيمَةٌ، ومَوْعِظَةٌ جَسِيمَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ، قالَ: كَصَنِيعِ آلِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: كَفِعْلِ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: كَسُنَّتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا أصابَ مِن أهْلِ بَدْرٍ ما أصابَ ورَجَعَ إلى المَدِينَةِ جَمَعَ اليَهُودَ في سُوقِ بَنِي قَيْنُقاعَ»، قالَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ أسْلِمُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِما أصابَ قُرَيْشًا. قالُوا: يا مُحَمَّدُ لا يَغُرَّنَّكَ مِن نَفْسِكَ أنْ قَتَلْتَ نَفَرًا كانُوا غِمارًا لا يَعْرِفُونَ القِتالَ، إنَّكَ واللَّهِ لَوْ قاتَلْتَنا لَعَرَفْتَ أنّا نَحْنُ النّاسُ وأنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾، إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولِي الأبْصارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ إسْحاقَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ فِنْحاصُّ اليَهُودِيُّ وذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: " ﴿قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ﴾ " عِبْرَةٌ وتَفَكُّرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ في فِئَتَيْنِ التَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِبَدْرٍ وأُخْرى كافِرَةٌ فِئَةُ قُرَيْشٍ الكُفّارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: قَدْ كانَ لَكم آيَةٌ يَقُولُ: قَدْ كانَ لَكم في هَؤُلاءِ عِبْرَةٌ ومُتَفَكَّرٌ أيَّدَهُمُ اللَّهُ ونَصَرَهم عَلى عَدُوِّهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ كانَ المُشْرِكُونَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسِينَ رَجُلًا، وكانَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: هَذا يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرْنا إلى المُشْرِكِينَ فَرَأيْناهم يَضْعُفُونَ عَلَيْنا ثُمَّ نَظَرْنا إلَيْهِمْ فَما رَأيْناهم يَزِيدُونَ عَلَيْنا رَجُلًا واحِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أُنْزِلَتْ في التَّخْفِيفِ يَوْمَ بَدْرٍ عَلى المُؤْمِنِينَ كانُوا يَوْمَئِذٍ ثَلاثَمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وكانَ المُشْرِكُونَ مِثْلَيْهِمْ سِتَّمِائَةٍ وسِتَّةً وعِشْرِينَ فَأيَّدَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ.

آل عمران 3:14

قَوْلُهُ: زُيِّنَ لِلنّاسِ إلَخْ: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ حَقارَةِ ما تَسْتَلِذُّهُ الأنْفُسُ مِن هَذِهِ الدّارِ، والمُزَيِّنُ قِيلَ: هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وبِهِ قالَ عُمَرُ كَما حَكاهُ عَنْهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم﴾ [الكهف: ٧] . وقِيلَ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، حَكاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ زَيَّنَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ. والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي نُزُوعُ النَّفْسِ إلى ما تُرِيدُهُ. والمُرادُ هُنا المُشْتَهَياتُ عَبَّرَ عَنْها بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً في كَوْنِها مَرْغُوبًا فِيها أوْ تَحْقِيرًا لَها لِكَوْنِها مُسْتَرْذَلَةً عِنْدَ العُقَلاءِ مِن صِفاتِ الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، ووَجْهُ تَزْيِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَها ابْتِلاءُ عِبادِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ حالَ كَوْنِها مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ إلَخْ. وبَدَأ بِالنِّساءِ لِكَثْرَةِ النُّفُوسِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، وخَصَّ البَنِينَ دُونَ البَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في مَحَبَّتِهِنَّ. والقَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو اسْمٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ المالِ. قالَ الزَّجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ: تَقُولُ العَرَبُ قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ: إذا أحْكَمْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةُ لِإحْكامِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ عَلى أقْوالٍ لِلسَّلَفِ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. واخْتَلَفُوا في مَعْنى المُقَنْطَرَةِ، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناها المُضَعَّفَةُ، وقالَ القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: القَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ، والمُقَنْطَرَةُ جَمْعُ الجَمْعِ، فَتَكُونُ تِسْعَ قَناطِيرَ وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المَضْرُوبَةُ، وقِيلَ: المُكَمَّلَةُ كَما يُقالُ: بَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وأُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبِهِ قالَ مَكِّيٌّ وحَكاهُ الهَرَوِيُّ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن سَبْعِ قَناطِيرَ. وقَوْلُهُ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ، أوْ حالٌ، والخَيْلُ المُسَوَّمَةُ قِيلَ: هي المَرْعِيَّةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، يُقالُ: سامَتِ الدّابَّةُ والشّاةُ: إذا سَرَحَتْ، وقِيلَ: هي المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ، وقِيلَ: هي الحِسانُ، وقِيلَ: المُعَلَّمَةُ، مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ؛ أيِ: الَّتِي يُجْعَلُ عَلَيْها عَلامَةٌ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ المُسَوَّمَةُ: المُرْسَلَةُ وعَلَيْها رُكْبانُها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: البُلْقُ. والأنْعامُ هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، فَإذا قُلْتَ نَعَمٌ فَهي الإبِلُ خاصَّةً قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎وكانَتْ لا يَزالُ بِها أنِيسُ خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وشاءُ والحَرْثُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَحْرُوثُ، يَقُولُ: حَرَثَ الرَّجُلُ حَرْثًا، إذا أثارَ الأرْضَ فَيَقَعُ عَلى الأرْضِ والزَّرْعِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَرْثُ: التَّفْتِيشُ. قَوْلُهُ: ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ ولا يَبْقى، وفِيهِ تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والمَآبُ: المَرْجِعُ آبَ يَئُوبُ إيابًا: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ (p-٢٠٨)امْرِئِ القَيْسِ: ؎لَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ . قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم﴾، أيْ: هَلْ أُخْبِرُكم بِما هو خَيْرٌ لَكم مِن تِلْكَ المُسْتَلَذّاتِ، وإبْهامُ الخَيْرِ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ وعِنْدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن جَنّاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِخَيْرٍ. وجَنّاتٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: هو جَنّاتٌ، وخَصَّ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وما بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، والصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا يَكُونُ الصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ مَنصُوبَةً عَلى المَدْحِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ. قَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ هُمُ السّائِلُونَ لِلْمَغْفِرَةِ بِالأسْحارِ، وقِيلَ المُصَلُّونَ. والأسْحارُ جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن حِينِ يُدْبِرُ اللَّيْلُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، وخَصَّ الأسْحارَ؛ لِأنَّها مِن أوْقاتِ الإجابَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، لَمّا نَزَلَتْ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قالَ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِلَفْظِ خَيْرٍ انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ﴾ فَبَكى وقالَ: بَعْدَ ماذا، بَعْدَ ماذا بَعْدَ ما زَيَّنْتَها. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ» . رَواهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ عَنْ حَمّادٍ عَنْ عاصِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ. ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِهِ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا عَلى أبِي هُرَيْرَةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا أصَحُّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ فَقالَ: القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ» . ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ألْفِ دِينارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: القِنْطارُ مِلْءُ مَسْكِ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفًا، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: القِنْطارُ مِائَةُ رَطْلٍ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: القِنْطارُ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: هو المالُ الكَثِيرُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنِ الرَّبِيعِ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُقَنْطَرَةَ المَضْرُوبَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ قالَ: الرّاعِيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هي الرّاعِيَةُ والمُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي المُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: تَسْوِيمُها حُسْنُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الخَيْلُ المُسَوَّمَةُ الغِرَّةُ والتَّحْجِيلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ الصّابِرِينَ قالَ: قَوْمٌ صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَنْ مَحارِمِهِ، والصّادِقُونَ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيّاتُهم واسْتَقامَتْ قُلُوبُهم وألْسِنَتُهم وصَدَقُوا في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، والقانِتُونَ هُمُ المُطِيعُونَ والمُسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ أهْلُ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي إلّا أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حَتّى يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخَرِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ ؟» .

آل عمران 3:15

قَوْلُهُ: زُيِّنَ لِلنّاسِ إلَخْ: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ حَقارَةِ ما تَسْتَلِذُّهُ الأنْفُسُ مِن هَذِهِ الدّارِ، والمُزَيِّنُ قِيلَ: هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وبِهِ قالَ عُمَرُ كَما حَكاهُ عَنْهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم﴾ [الكهف: ٧] . وقِيلَ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، حَكاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ زَيَّنَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ. والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي نُزُوعُ النَّفْسِ إلى ما تُرِيدُهُ. والمُرادُ هُنا المُشْتَهَياتُ عَبَّرَ عَنْها بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً في كَوْنِها مَرْغُوبًا فِيها أوْ تَحْقِيرًا لَها لِكَوْنِها مُسْتَرْذَلَةً عِنْدَ العُقَلاءِ مِن صِفاتِ الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، ووَجْهُ تَزْيِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَها ابْتِلاءُ عِبادِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ حالَ كَوْنِها مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ إلَخْ. وبَدَأ بِالنِّساءِ لِكَثْرَةِ النُّفُوسِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، وخَصَّ البَنِينَ دُونَ البَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في مَحَبَّتِهِنَّ. والقَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو اسْمٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ المالِ. قالَ الزَّجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ: تَقُولُ العَرَبُ قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ: إذا أحْكَمْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةُ لِإحْكامِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ عَلى أقْوالٍ لِلسَّلَفِ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. واخْتَلَفُوا في مَعْنى المُقَنْطَرَةِ، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناها المُضَعَّفَةُ، وقالَ القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: القَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ، والمُقَنْطَرَةُ جَمْعُ الجَمْعِ، فَتَكُونُ تِسْعَ قَناطِيرَ وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المَضْرُوبَةُ، وقِيلَ: المُكَمَّلَةُ كَما يُقالُ: بَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وأُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبِهِ قالَ مَكِّيٌّ وحَكاهُ الهَرَوِيُّ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن سَبْعِ قَناطِيرَ. وقَوْلُهُ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ، أوْ حالٌ، والخَيْلُ المُسَوَّمَةُ قِيلَ: هي المَرْعِيَّةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، يُقالُ: سامَتِ الدّابَّةُ والشّاةُ: إذا سَرَحَتْ، وقِيلَ: هي المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ، وقِيلَ: هي الحِسانُ، وقِيلَ: المُعَلَّمَةُ، مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ؛ أيِ: الَّتِي يُجْعَلُ عَلَيْها عَلامَةٌ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ المُسَوَّمَةُ: المُرْسَلَةُ وعَلَيْها رُكْبانُها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: البُلْقُ. والأنْعامُ هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، فَإذا قُلْتَ نَعَمٌ فَهي الإبِلُ خاصَّةً قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎وكانَتْ لا يَزالُ بِها أنِيسُ خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وشاءُ والحَرْثُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَحْرُوثُ، يَقُولُ: حَرَثَ الرَّجُلُ حَرْثًا، إذا أثارَ الأرْضَ فَيَقَعُ عَلى الأرْضِ والزَّرْعِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَرْثُ: التَّفْتِيشُ. قَوْلُهُ: ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ ولا يَبْقى، وفِيهِ تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والمَآبُ: المَرْجِعُ آبَ يَئُوبُ إيابًا: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ (p-٢٠٨)امْرِئِ القَيْسِ: ؎لَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ . قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم﴾، أيْ: هَلْ أُخْبِرُكم بِما هو خَيْرٌ لَكم مِن تِلْكَ المُسْتَلَذّاتِ، وإبْهامُ الخَيْرِ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ وعِنْدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن جَنّاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِخَيْرٍ. وجَنّاتٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: هو جَنّاتٌ، وخَصَّ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وما بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، والصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا يَكُونُ الصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ مَنصُوبَةً عَلى المَدْحِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ. قَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ هُمُ السّائِلُونَ لِلْمَغْفِرَةِ بِالأسْحارِ، وقِيلَ المُصَلُّونَ. والأسْحارُ جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن حِينِ يُدْبِرُ اللَّيْلُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، وخَصَّ الأسْحارَ؛ لِأنَّها مِن أوْقاتِ الإجابَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، لَمّا نَزَلَتْ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قالَ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِلَفْظِ خَيْرٍ انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ﴾ فَبَكى وقالَ: بَعْدَ ماذا، بَعْدَ ماذا بَعْدَ ما زَيَّنْتَها. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ» . رَواهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ عَنْ حَمّادٍ عَنْ عاصِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ. ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِهِ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا عَلى أبِي هُرَيْرَةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا أصَحُّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ فَقالَ: القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ» . ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ألْفِ دِينارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: القِنْطارُ مِلْءُ مَسْكِ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفًا، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: القِنْطارُ مِائَةُ رَطْلٍ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: القِنْطارُ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: هو المالُ الكَثِيرُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنِ الرَّبِيعِ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُقَنْطَرَةَ المَضْرُوبَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ قالَ: الرّاعِيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هي الرّاعِيَةُ والمُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي المُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: تَسْوِيمُها حُسْنُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الخَيْلُ المُسَوَّمَةُ الغِرَّةُ والتَّحْجِيلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ الصّابِرِينَ قالَ: قَوْمٌ صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَنْ مَحارِمِهِ، والصّادِقُونَ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيّاتُهم واسْتَقامَتْ قُلُوبُهم وألْسِنَتُهم وصَدَقُوا في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، والقانِتُونَ هُمُ المُطِيعُونَ والمُسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ أهْلُ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي إلّا أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حَتّى يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخَرِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ ؟» .

آل عمران 3:16

قَوْلُهُ: زُيِّنَ لِلنّاسِ إلَخْ: كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ حَقارَةِ ما تَسْتَلِذُّهُ الأنْفُسُ مِن هَذِهِ الدّارِ، والمُزَيِّنُ قِيلَ: هو اللَّهُ سُبْحانَهُ، وبِهِ قالَ عُمَرُ كَما حَكاهُ عَنْهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، ويُؤَيِّدُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إنّا جَعَلْنا ما عَلى الأرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهم﴾ [الكهف: ٧] . وقِيلَ: المُزَيِّنُ هو الشَّيْطانُ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ، حَكاهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ. وقَرَأ الضَّحّاكُ زَيَّنَ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ. وقَرَأهُ الجُمْهُورُ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ. والمُرادُ بِالنّاسِ: الجِنْسُ. والشَّهَواتُ جَمْعُ شَهْوَةٍ، وهي نُزُوعُ النَّفْسِ إلى ما تُرِيدُهُ. والمُرادُ هُنا المُشْتَهَياتُ عَبَّرَ عَنْها بِالشَّهَواتِ مُبالَغَةً في كَوْنِها مَرْغُوبًا فِيها أوْ تَحْقِيرًا لَها لِكَوْنِها مُسْتَرْذَلَةً عِنْدَ العُقَلاءِ مِن صِفاتِ الطَّبائِعِ البَهِيمِيَّةِ، ووَجْهُ تَزْيِينِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَها ابْتِلاءُ عِبادِهِ كَما صَرَّحَ بِهِ في الآيَةِ الأُخْرى. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ﴾ في مَحَلِّ الحالِ؛ أيْ: زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ حالَ كَوْنِها مِنَ النِّساءِ والبَنِينَ إلَخْ. وبَدَأ بِالنِّساءِ لِكَثْرَةِ النُّفُوسِ إلَيْهِنَّ لِأنَّهُنَّ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، وخَصَّ البَنِينَ دُونَ البَناتِ لِعَدَمِ الِاطِّرادِ في مَحَبَّتِهِنَّ. والقَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ وهو اسْمٌ لِلْكَثِيرِ مِنَ المالِ. قالَ الزَّجّاجُ: القِنْطارُ مَأْخُوذٌ مِن عَقْدِ الشَّيْءِ وإحْكامِهِ: تَقُولُ العَرَبُ قَنْطَرْتُ الشَّيْءَ: إذا أحْكَمْتَهُ، ومِنهُ سُمِّيَتِ القَنْطَرَةُ لِإحْكامِها. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَقْدِيرِهِ عَلى أقْوالٍ لِلسَّلَفِ سَتَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ. واخْتَلَفُوا في مَعْنى المُقَنْطَرَةِ، فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: مَعْناها المُضَعَّفَةُ، وقالَ القَناطِيرُ ثَلاثَةٌ، والمُقَنْطَرَةُ تِسْعَةٌ. وقالَ الفَرّاءُ: القَناطِيرُ جَمْعُ قِنْطارٍ، والمُقَنْطَرَةُ جَمْعُ الجَمْعِ، فَتَكُونُ تِسْعَ قَناطِيرَ وقِيلَ: المُقَنْطَرَةُ المَضْرُوبَةُ، وقِيلَ: المُكَمَّلَةُ كَما يُقالُ: بَدْرَةٌ مُبَدَّرَةٌ، وأُلُوفٌ مُؤَلَّفَةٌ، وبِهِ قالَ مَكِّيٌّ وحَكاهُ الهَرَوِيُّ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: لا تَكُونُ المُقَنْطَرَةُ أقَلَّ مِن سَبْعِ قَناطِيرَ. وقَوْلُهُ: مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، بَيانٌ لِلْقَناطِيرِ، أوْ حالٌ، والخَيْلُ المُسَوَّمَةُ قِيلَ: هي المَرْعِيَّةُ في المُرُوجِ والمَسارِحِ، يُقالُ: سامَتِ الدّابَّةُ والشّاةُ: إذا سَرَحَتْ، وقِيلَ: هي المُعَدَّةُ لِلْجِهادِ، وقِيلَ: هي الحِسانُ، وقِيلَ: المُعَلَّمَةُ، مِنَ السُّومَةِ وهي العَلامَةُ؛ أيِ: الَّتِي يُجْعَلُ عَلَيْها عَلامَةٌ لِتَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ المُسَوَّمَةُ: المُرْسَلَةُ وعَلَيْها رُكْبانُها. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: البُلْقُ. والأنْعامُ هي الإبِلُ والبَقَرُ والغَنَمُ، فَإذا قُلْتَ نَعَمٌ فَهي الإبِلُ خاصَّةً قالَهُ الفَرّاءُ وابْنُ كَيْسانَ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎وكانَتْ لا يَزالُ بِها أنِيسُ خِلالَ مُرُوجِها نَعَمٌ وشاءُ والحَرْثُ: اسْمٌ لِكُلِّ ما يُحْرَثُ، وهو مَصْدَرٌ سُمِّيَ بِهِ المَحْرُوثُ، يَقُولُ: حَرَثَ الرَّجُلُ حَرْثًا، إذا أثارَ الأرْضَ فَيَقَعُ عَلى الأرْضِ والزَّرْعِ. قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الحَرْثُ: التَّفْتِيشُ. قَوْلُهُ: ذَلِكَ مَتاعُ الحَياةِ الدُّنْيا أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ ما يَتَمَتَّعُ بِهِ ثُمَّ يَذْهَبُ ولا يَبْقى، وفِيهِ تَزْهِيدٌ في الدُّنْيا وتَرْغِيبٌ في الآخِرَةِ. والمَآبُ: المَرْجِعُ آبَ يَئُوبُ إيابًا: إذا رَجَعَ، ومِنهُ قَوْلُ (p-٢٠٨)امْرِئِ القَيْسِ: ؎لَقَدْ طَوَّفْتُ في الآفاقِ حَتّى ∗∗∗ رَضِيتُ مِنَ الغَنِيمَةِ بِالإيابِ . قَوْلُهُ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكم﴾، أيْ: هَلْ أُخْبِرُكم بِما هو خَيْرٌ لَكم مِن تِلْكَ المُسْتَلَذّاتِ، وإبْهامُ الخَيْرِ لِلتَّفْخِيمِ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ﴾ وعِنْدَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِن جَنّاتٍ وهي مُبْتَدَأٌ، وخَبَرُها لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ويَجُوزُ أنْ تَتَعَلَّقَ اللّامُ بِخَيْرٍ. وجَنّاتٌ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: هو جَنّاتٌ، وخَصَّ المُتَّقِينَ؛ لِأنَّهُمُ المُنْتَفِعُونَ بِذَلِكَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ وما بَعْدَهُ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَدْحِ، والصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ نَعْتٌ لِلْمَوْصُولِ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ بَدَلًا، أوْ مَنصُوبًا عَلى المَدْحِ، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ خَبَرًا يَكُونُ الصّابِرِينَ وما بَعْدَهُ مَنصُوبَةً عَلى المَدْحِ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الصَّبْرِ والصِّدْقِ والقُنُوتِ. قَوْلُهُ: ﴿والمُسْتَغْفِرِينَ بِالأسْحارِ﴾ هُمُ السّائِلُونَ لِلْمَغْفِرَةِ بِالأسْحارِ، وقِيلَ المُصَلُّونَ. والأسْحارُ جَمْعُ سَحَرٍ بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِها. قالَ الزَّجّاجُ: هو مِن حِينِ يُدْبِرُ اللَّيْلُ إلى أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ، وخَصَّ الأسْحارَ؛ لِأنَّها مِن أوْقاتِ الإجابَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، لَمّا نَزَلَتْ ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ﴾ قالَ: الآنَ يا رَبِّ حِينَ زَيَّنْتَها لَنا، فَنَزَلَتْ ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكُمْ﴾ . وأخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ بِلَفْظِ خَيْرٍ انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أؤُنَبِّئُكم بِخَيْرٍ﴾ فَبَكى وقالَ: بَعْدَ ماذا، بَعْدَ ماذا بَعْدَ ما زَيَّنْتَها. وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ اثْنا عَشَرَ ألْفَ أُوقِيَّةٍ» . رَواهُ أحْمَدُ مِن حَدِيثِ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ عَبْدِ الوارِثِ عَنْ حَمّادٍ عَنْ عاصِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْهُ. ورَواهُ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بِهِ. وقَدْ رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مَوْقُوفًا عَلى أبِي هُرَيْرَةَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا أصَحُّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القَناطِيرِ المُقَنْطَرَةِ فَقالَ: القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ» . ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ ألْفِ دِينارٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «القِنْطارُ ألْفُ أُوقِيَّةٍ ومِائَتا أُوقِيَّةٍ» . وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ أبِي هُرَيْرَةَ، وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ مِن قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: القِنْطارُ مِلْءُ مَسْكِ جِلْدِ الثَّوْرِ ذَهَبًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: القِنْطارُ سَبْعُونَ ألْفًا، وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: القِنْطارُ ثَمانُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: القِنْطارُ مِائَةُ رَطْلٍ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: القِنْطارُ خَمْسَةَ عَشَرَ ألْفَ مِثْقالٍ، والمِثْقالُ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ قِيراطًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: هو المالُ الكَثِيرُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنِ الرَّبِيعِ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ المُقَنْطَرَةَ المَضْرُوبَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والخَيْلِ المُسَوَّمَةِ قالَ: الرّاعِيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: هي الرّاعِيَةُ والمُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هي المُطَهَّمَةُ الحِسانُ. وأخْرَجا عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: تَسْوِيمُها حُسْنُها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ قالَ: الخَيْلُ المُسَوَّمَةُ الغِرَّةُ والتَّحْجِيلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ الصّابِرِينَ قالَ: قَوْمٌ صَبَرُوا عَلى طاعَةِ اللَّهِ وصَبَرُوا عَنْ مَحارِمِهِ، والصّادِقُونَ قَوْمٌ صَدَقَتْ نِيّاتُهم واسْتَقامَتْ قُلُوبُهم وألْسِنَتُهم وصَدَقُوا في السِّرِّ والعَلانِيَةِ، والقانِتُونَ هُمُ المُطِيعُونَ والمُسْتَغْفِرُونَ بِالأسْحارِ أهْلُ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: هُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ صَلاةَ الصُّبْحِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ نَسْتَغْفِرَ بِالأسْحارِ سَبْعِينَ مَرَّةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأحْمَدُ في الزُّهْدِ عَنْ سَعِيدٍ الجَرِيرِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ سَألَ جِبْرِيلَ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ اللَّيْلِ أفْضَلُ ؟ قالَ: يا داوُدُ ما أدْرِي إلّا أنَّ العَرْشَ يَهْتَزُّ في السَّحَرِ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يَنْزِلُ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالى في كُلِّ لَيْلَةٍ إلى سَماءِ الدُّنْيا حَتّى يَبْقى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخَرِ، فَيَقُولُ: هَلْ مِن سائِلٍ فَأُعْطِيَهُ، هَلْ مِن داعٍ فَأسْتَجِيبَ لَهُ هَلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ فَأغْفِرَ لَهُ ؟» .