Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النساء 4:30 – النساء 4:66

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. النساء 4:30
  2. النساء 4:31
  3. النساء 4:32
  4. النساء 4:33
  5. النساء 4:34
  6. النساء 4:35
  7. النساء 4:36
  8. النساء 4:37
  9. النساء 4:38
  10. النساء 4:39
  11. النساء 4:40
  12. النساء 4:41
  13. النساء 4:42
  14. النساء 4:43
  15. النساء 4:44
  16. النساء 4:45
  17. النساء 4:46
  18. النساء 4:47
  19. النساء 4:48
  20. النساء 4:49
  21. النساء 4:50
  22. النساء 4:51
  23. النساء 4:52
  24. النساء 4:53
  25. النساء 4:54
  26. النساء 4:55
  27. النساء 4:56
  28. النساء 4:57
  29. النساء 4:58
  30. النساء 4:59
  31. النساء 4:60
  32. النساء 4:61
  33. النساء 4:62
  34. النساء 4:63
  35. النساء 4:64
  36. النساء 4:65
  37. النساء 4:66

النساء 4:30

(p-٢٨٤)قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ أيْ: نِكاحُهُنَّ، وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ما يَحِلُّ وما يَحْرُمُ مِنَ النِّساءِ فَحَرَّمَ سَبْعًا مِنَ النَّسَبِ، وسِتًّا مِنَ الرَّضاعِ والصِّهْرِ، وألْحَقَتِ السُّنَّةُ المُتَواتِرَةُ تَحْرِيمَ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها، وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها، ووَقَعَ عَلَيْهِ الإجْماعُ. فالسَّبْعُ المُحَرَّماتُ مِنَ النَّسَبِ الأُمَّهاتُ والبَناتُ والأخَواتُ والعَمّاتُ والخالاتُ وبَناتُ الأخِ وبَناتُ الأُخْتِ. والمُحَرَّماتُ بِالصِّهْرِ والرَّضاعِ: الأُمَّهاتُ مِنَ الرَّضاعَةِ والأخَواتُ مِنَ الرَّضاعَةِ وأُمَّهاتُ النِّساءِ والرَّبائِبُ وحَلائِلُ الأبْناءِ والجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَهَؤُلاءِ سِتٌّ، والسّابِعَةُ مَنكُوحاتُ الآباءِ، والثّامِنَةُ الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها. قالَ الطَّحاوِيُّ: وكُلُّ هَذا مِنَ المُحْكَمِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وغَيْرُ جائِزٍ نِكاحُ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِالإجْماعِ إلّا أُمَّهاتُ النِّساءِ اللَّواتِي لَمْ يَدْخُلْ بِهِنَّ أزْواجُهُنَّ، فَإنْ جُمْهُورَ السَّلَفِ ذَهَبُوا إلى أنَّ الأُمَّ تَحْرُمُ بِالعَقْدِ عَلى الِابْنَةِ، ولا تَحْرُمُ الِابْنَةُ إلّا بِالدُّخُولِ بِالأُمِّ. وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الأُمُّ والرَّبِيبَةُ سَواءٌ لا تُحْرُمُ مِنهُما واحِدَةٌ إلّا بِالدُّخُولِ بِالأُخْرى. قالُوا: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ أيِ: اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ، وزَعَمُوا أنَّ قَيْدَ الدُّخُولِ راجِعٌ إلى الأُمَّهاتِ والرَّبائِبِ جَمِيعًا، رَواهُ خِلاسٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وجابِرٍ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وابْنِ الزُّبَيْرِ ومُجاهِدٍ، قالَ القُرْطُبِيُّ: ورِوايَةُ خِلاسٍ عَنْ عَلِيٍّ لا تَقُومُ بِها حُجَّةٌ، ولا تَصِحُّ رِوايَتُهُ عِنْدَ أهْلِ الحَدِيثِ، والصَّحِيحُ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ الجَماعَةِ. وقَدْ أُجِيبَ عَنْ قَوْلِهِمْ: إنَّ قَيْدَ الدُّخُولِ راجِعٌ إلى الأُمَّهاتِ والرَّبائِبِ بِأنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ مِن جِهَةِ الإعْرابِ، وبَيانُهُ أنَّ الخَبَرَيْنِ إذا اخْتَلَفا في العامِلِ لَمْ يَكُنْ نَعْتُهُما واحِدًا، فَلا يَجُوزُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ: مَرَرْتُ بِنِسائِكَ وهَوَيْتُ نِساءَ زَيْدٍ الظَّرِيفاتِ، عَلى أنْ يَكُونَ الظَّرِيفُ نَعْتًا لِلْجَمِيعِ، فَكَذَلِكَ في الآيَةِ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ نَعْتًا لَهم جَمِيعًا؛ لِأنَّ الخَبَرَيْنِ مُخْتَلِفانِ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: والصَّحِيحُ قَوْلُ الجُمْهُورِ لِدُخُولِ جَمِيعِ أُمَّهاتِ النِّساءِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ . ومِمّا يَدُلُّ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقَيْنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إذا نَكَحَ الرَّجُلُ المَرْأةَ فَلا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها دَخَلَ بِالِابْنَةِ أوْ لَمْ يَدْخُلْ، وإذا تَزَوَّجَ الأُمَّ فَلَمْ يَدْخُلْ بِها ثُمَّ طَلَّقَها، فَإنْ شاءَ تَزَوَّجَ الِابْنَةَ» قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ مُسْتَدِلًّا لِلْجُمْهُورِ: وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ خَبَرٌ غَيْرَ أنَّ في إسْنادِهِ نَظَرًا، فَذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ ثُمَّ قالَ: وهَذا الخَبَرُ وإنْ كانَ في إسْنادِهِ ما فِيهِ، فَإنَّ إجْماعَ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِهِ يُغْنِي عَنِ الِاسْتِشْهادِ عَلى صِحَّتِهِ بِغَيْرِهِ، قالَ في الكَشّافِ: وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ تَحْرِيمَ أُمَّهاتِ النِّساءِ مُبْهَمٌ دُونَ تَحْرِيمِ الرَّبائِبِ عَلى ما عَلَيْهِ ظاهِرُ كَلامِ اللَّهِ تَعالى انْتَهى. ودَعْوى الإجْماعِ مَدْفُوعَةٌ بِخِلافِ مَن تَقَدَّمَ. واعْلَمْ أنَّهُ يَدْخُلُ في لَفْظِ الأُمَّهاتِ أُمَّهاتُهُنَّ وجَدّاتُهُنَّ وأُمُّ الأبِ وجَدّاتُهُ وإنْ عَلَوْنَ؛ لِأنَّ كُلَّهُنَّ أُمَّهاتٌ لِمَن ولَدَهُ مِن وِلْدَتِهِ وإنْ سَفَلَ. ويَدْخُلُ في لَفْظِ البَناتِ بَناتُ الأوْلادِ وإنْ سَفَلْنَ، والأخَواتُ تَصْدُقُ عَلى الأُخْتِ لِأبَوَيْنِ أوْ لِأحَدِهِما، والعَمَّةُ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثى شارَكَتْ أباكَ أوْ جَدَّكَ في أصْلَيْهِ أوْ أحَدِهِما. وقَدْ تَكُونُ العَمَّةُ مِن جِهَةِ الأُمِّ وهي أُخْتُ أبِ الأُمِّ. والخالَةُ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثى شارَكَتْ أُمَّكَ في أصْلَيْها أوْ في أحَدِهِما، وقَدْ تَكُونُ الخالَةُ مِن جِهَةِ الأبِ وهي أُخْتُ أُمِّ أبِيكَ، وبِنْتُ الأخِ اسْمٌ لِكُلِّ أُنْثى لِأخِيكَ عَلَيْها وِلادَةٌ بِواسِطَةٍ ومُباشَرَةٍ وإنْ بَعُدَتْ، وكَذَلِكَ بِنْتُ الأُخْتِ. قَوْلُهُ:﴿وأُمَّهاتُكُمُ اللّاتِي أرْضَعْنَكُمْ﴾ هَذا مُطْلَقٌ مُقَيَّدٌ بِما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن كَوْنِ الرَّضاعِ في الحَوْلَيْنِ إلّا في مِثْلِ قِصَّةِ إرْضاعِ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضاعِ بِما يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى الرَّضاعِ لُغَةً وشَرْعًا، ولَكِنَّهُ قَدْ ورَدَ تَقْيِيدُهُ بِخَمْسِ رَضَعاتٍ في أحادِيثَ صَحِيحَةٍ، والبَحْثُ عَنْ تَقْرِيرِ ذَلِكَ وتَحْقِيقِهِ يَطُولُ، وقَدِ اسْتَوْفَيْناهُ في مُصَنَّفاتِنا وقَرَّرْنا ما هو الحَقُّ في كَثِيرٍ مِن مَباحِثِ الرَّضاعِ. قَوْلُهُ: ﴿وأخَواتُكم مِنَ الرَّضاعَةِ﴾ الأُخْتُ مِنَ الرَّضاعِ هي الَّتِي أرْضَعَتْها أُمُّكَ بِلِبانِ أبِيكَ سَواءٌ أرْضَعَتْها مَعَكَ أوْ مَعَ مَن قَبْلَكَ أوْ بَعْدَكَ مِنَ الإخْوَةِ والأخَواتِ، والأُخْتُ مِنَ الأُمِّ هي الَّتِي أرْضَعَتْها أُمُّكَ بِلِبانِ رَجُلٍ آخَرَ. قَوْلُهُ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ الكَلامَ عَلى اعْتِبارِ الدُّخُولِ وعَدَمِهِ. والمُحَرَّماتُ بِالمُصاهَرَةِ أرْبَعٌ: أُمُّ المَرْأةِ وابْنَتُها وزَوْجَةُ الأبِ وزَوْجَةُ الِابْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ورَبائِبُكُمُ﴾ الرَّبِيبَةُ بِنْتُ امْرَأةِ الرَّجُلِ مِن غَيْرِهِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يُرَبِّيها في حِجْرِهِ فَهي مَرْبُوبَةٌ فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ: واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ الرَّبِيبَةَ تَحْرُمُ عَلى زَوْجِ أُمِّها إذا دَخَلَ بِالأُمِّ وإنْ لَمْ تَكُنِ الرَّبِيبَةُ في حِجْرِهِ، وشَذَّ بَعْضُ المُتَقَدِّمِينَ وأهْلُ الظّاهِرِ، فَقالُوا: لا تَحْرُمُ الرَّبِيبَةُ إلّا أنْ تَكُونَ في حِجْرِ المُتَزَوِّجِ، فَلَوْ كانَتْ في بَلَدٍ آخَرَ وفارَقَ الأُمَّ فَلَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ بِها، وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ والطَّحاوِيُّ: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأنَّ راوِيَهُ إبْراهِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ عَنْ عَلِيٍّ، وإبْراهِيمُ هَذا لا يُعْرَفُ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ إخْراجِ هَذا عَنْ عَلِيٍّ: وهَذا إسْنادٌ قَوِيٌّ ثابِتٌ إلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. والحُجُورُ جَمْعُ حِجْرٍ. والرّاجِحُ أنَّهُنَّ في حَضانَةِ أُمَّهاتِهِنَّ تَحْتَ حِمايَةِ أزْواجِهِنَّ كَما هو الغالِبُ - وقِيلَ: المُرادُ بِالحُجُورِ البُيُوتُ؛ أيْ: في بُيُوتِكم، حَكاهُ الأثْرَمُ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُناحَ عَلَيْكم﴾ أيْ: في نِكاحِ الرَّبائِبِ، وهو تَصْرِيحٌ بِما دَلَّ عَلَيْهِ مَفْهُومُ ما قَبْلَهُ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى الدُّخُولِ المُوجِبِ لِتَحْرِيمِ الرَّبائِبِ: فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: الدُّخُولُ الجِماعُ وهو قَوْلُ طاوُسٍ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ وغَيْرِهِما. وقالَ مالِكٌ والثَّوْرِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ والزَّيْدِيَّةُ: إنَّ الزَّوْجَ إذا لَمَسَ الأُمَّ لِشَهْوَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُها وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وفي إجْماعِ الجَمِيعِ أنَّ خَلْوَةَ الرَّجُلِ بِامْرَأتِهِ لا تُحَرِّمُ ابْنَتَها عَلَيْهِ إذا طَلَّقَها قَبْلَ (p-٢٨٥)مَسِيسِها ومُباشَرَتِها وقَبْلَ النَّظَرِ إلى فَرْجِها لِشَهْوَةٍ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ مَعْنى ذَلِكَ هو الوُصُولُ إلَيْها بِالجِماعِ، انْتَهى. وهَكَذا حَكى الإجْماعَ القُرْطُبِيُّ فَقالَ: وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا تَزَوَّجَ المَرْأةَ ثُمَّ طَلَّقَها أوْ ماتَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها حَلَّ لَهُ نِكاحُ ابْنَتِها. واخْتَلَفُوا في النَّظَرِ، فَقالَ مالِكٌ: إذا نَظَرَ إلى شَعْرِها أوْ صَدْرِها أوْ شَيْءٍ مِن مَحاسِنِها لِلَذَّةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّها وابْنَتُها. وقالَ الكُوفِيُّونَ: إذا نَظَرَ إلى فَرْجِها لِلشَّهْوَةِ كانَ بِمَنزِلَةِ اللَّمْسِ لِلشَّهْوَةِ، وكَذا قالَ الثَّوْرِيُّ ولَمْ يَذْكُرِ الشَّهْوَةَ. وقالَ ابْنُ أبِي لَيْلى: لا تَحْرُمُ بِالنَّظَرِ حَتّى يَلْمِسَ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ. والَّذِي يَنْبَغِي التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ في مِثْلِ هَذا الخِلافِ هو النَّظَرُ في مَعْنى الدُّخُولِ شَرْعًا أوْ لُغَةً، فَإنْ كانَ خاصًّا بِالجِماعِ فَلا وجْهَ لِإلْحاقِ غَيْرِهِ بِهِ مِن لَمْسٍ أوْ نَظَرٍ أوْ غَيْرِهِما، وإنْ كانَ مَعْناهُ أوْسَعَ مِنَ الجِماعِ بِحَيْثُ يَصْدُقُ عَلى ما حَصَلَ فِيهِ نَوْعُ اسْتِمْتاعٍ كانَ مَناطُ التَّحْرِيمِ هو ذَلِكَ. وأمّا الرَّبِيبَةُ في مِلْكِ اليَمِينِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كَرِهَ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ ولَمْ أكُنْ لِأفْعَلَهُ. وقالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لا خِلافَ بَيْنِ العُلَماءِ أنَّهُ لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَطَأ امْرَأةً وابْنَتَها مِن مِلْكِ اليَمِينِ؛ لِأنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ في النِّكاحِ قالَ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكم مِن نِسائِكُمُ﴾ ومِلْكُ اليَمِينِ عِنْدَهم تَبَعٌ لِلنِّكاحِ إلّا ما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ عَلى ذَلِكَ أحَدٌ مِن أئِمَّةِ الفَتْوى ولا مَن تَبِعَهُمُ، انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ الحَلائِلُ: جَمْعُ حَلِيلَةٍ وهي الزَّوْجَةُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحِلُّ مَعَ الزَّوْجِ حَيْثُ حَلَّ فَهي فَعِيلَةٌ بِمَعْنى فاعِلَةٍ. وذَهَبَ الزَّجّاجُ وقَوْمٌ إلى أنَّها مِن لَفْظَةِ الحَلالِ فَهي حَلِيلَةٌ بِمَعْنى مُحَلَّلَةٍ. وقِيلَ: لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما يَحُلُّ إزارَ صاحِبِهِ. وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى تَحْرِيمِ ما عَقَدَ عَلَيْهِ الآباءُ عَلى الأبْناءِ وما عَقَدَ عَلَيْهِ الأبْناءُ عَلى الآباءِ سَواءً كانَ مَعَ العَقْدِ وطْءٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ . واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في العَقْدِ إذا كانَ فاسِدًا هَلْ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ أمْ لا ؟ كَما هو مُبَيَّنٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كُلُّ مَن يُحْفَظُ عَنْهُ العِلْمُ مِن عُلَماءِ الأمْصارِ أنَّ الرَّجُلَ إذا وطِئَ امْرَأةً بِنِكاحٍ فاسِدٍ أنَّها تَحْرُمُ عَلى أبِيهِ وابْنِهِ وعَلى أجْدادِهِ. وأجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ عَقْدَ الشِّراءِ عَلى الجارِيَةِ لا يُحَرِّمُها عَلى أبِيهِ وابْنِهِ، فَإذا اشْتَرى جارِيَةً فَلَمَسَ أوْ قَبَّلَ حُرِّمَتْ عَلى أبِيهِ وابْنِهِ لا أعْلَمُهم يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، فَوَجَبَ تَحْرِيمُ ذَلِكَ تَسْلِيمًا لَهم. ولَمّا اخْتَلَفُوا في تَحْرِيمِها بِالنَّظَرِ دُونَ اللَّمْسِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِاخْتِلافِهِمْ قالَ: لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خِلافُ ما قُلْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ وصْفٌ لِلْأبْناءِ؛ أيْ: دُونَ مَن تَبَنَّيْتُمْ مِن أوْلادِ غَيْرِكم كَما كانُوا يَفْعَلُونَهُ في الجاهِلِيَّةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكم﴾ [الأحزاب: ٤] ومِنهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ [الأحزاب: ٤] وأمّا زَوْجَةُ الِابْنِ مِنَ الرَّضاعِ فَقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّها تَحْرُمُ عَلى أبِيهِ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ إجْماعٌ مَعَ أنَّ الِابْنَ مِنَ الرَّضاعِ لَيْسَ مِن أوْلادِ الصُّلْبِ. ووَجْهُهُ ما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن قَوْلِهِ: «يَحْرُمُ مِنَ الرَّضاعِ ما يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ» ولا خِلافَ أنَّ أوْلادَ الأوْلادِ وإنْ سَفَلُوا بِمَنزِلَةِ أوْلادِ الصُّلْبِ في تَحْرِيمِ نِكاحِ نِسائِهِمْ عَلى آبائِهِمْ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في وطْءِ الزِّنا هَلْ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ أمْ لا ؟ فَقالَ أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ: إذا أصابَ رَجُلٌ امْرَأةً بِزِنًا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ نِكاحُها بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ لا تَحْرُمُ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ إذا زَنا بِأُمِّها أوْ بِابْنَتِها، وحَسْبُهُ أنْ يُقامَ عَلَيْهِ الحَدُّ، وكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ عِنْدَهم أنْ يَتَزَوَّجَ بِأُمِّ مَن زَنى بِها وبِابْنَتِها. وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ الزِّنا يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ. حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ والشَّعْبِيِّ وعَطاءٍ والحَسَنِ وسُفْيانَ الثَّوْرِيِّ وأحْمَدَ وإسْحاقَ وأصْحابِ الرَّأْيِ، وحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مالِكٍ، والصَّحِيحُ عَنْهُ كَقَوْلِ الجُمْهُورِ. احْتَجَّ الجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ وبِقَوْلِهِ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ﴾ والمَوْطُوءَةُ بِالزِّنا لا يَصْدُقُ عَلَيْها أنَّها مِن نِسائِهِمْ ولا مِن حَلائِلِ أبْنائِهِمْ. وقَدْ أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ رَجُلٍ زَنى بِامْرَأةٍ فَأرادَ أنْ يَتَزَوَّجَها أوِ ابْنَتَها، فَقالَ: لا يُحَرِّمُ الحَرامُ الحَلالَ» . واحْتَجَّ المُحَرِّمُونَ بِما رُوِيَ في قِصَّةِ جُرَيْجٍ الثّابِتَةِ في الصَّحِيحِ أنَّهُ قالَ: يا غُلامُ مَن أبُوكَ ؟ فَقالَ: فُلانٌ الرّاعِي، فَنَسَبَ الِابْنُ نَفْسَهُ إلى أبِيهِ مِنَ الزِّنا، وهَذا احْتِجاجٌ ساقِطٌ، واحْتَجُّوا أيْضًا بِقَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ نَظَرَ إلى فَرْجِ امْرَأةٍ وابْنَتِها» ولَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الحَلالِ والحَرامِ. ويُجابُ عَنْهُ بِأنَّ هَذا مُطْلَقٌ مُقَيَّدٌ بِما ورَدَ مِنَ الأدِلَّةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّ الحَرامَ لا يُحَرِّمُ الحَلالَ. واخْتَلَفُوا في اللِّواطِ هَلْ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ أمْ لا ؟ فَقالَ الثَّوْرِيُّ: إذا لاطَ بِالصَّبِيِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ، وهو قَوْلُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: إذا تَلَوَّطَ بِابْنِ امْرَأتِهِ أوْ أبِيها أوْ أخِيها حَرُمَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا لاطَ بِغُلامٍ ووُلِدَ لِلْمَفْجُورِ بِهِ بِنْتٌ لَمْ يَجُزْ لِلْفاجِرِ أنْ يَتَزَوَّجَها لِأنَّها بِنْتُ مَن قَدْ دَخَلَ بِهِ. ولا يَخْفى ما في قَوْلِ هَؤُلاءِ مِنَ الضَّعْفِ والسُّقُوطِ النّازِلِ عَنْ قَوْلِ القائِلِينَ بِأنَّ وطْءَ الحَرامِ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ بِدَرَجاتٍ لِعَدَمِ صَلاحِيَةِ ما تَمَسَّكَ بِهِ أُولَئِكَ مِنَ الشُّبَهِ عَلى ما زَعَمَهُ هَؤُلاءِ مِنِ اقْتِضاءِ اللِّواطِ لِلتَّحْرِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ أيْ: وحُرِّمَ عَلَيْكم أنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ فَهو في مَحَلِّ رَفْعٍ عَطْفًا عَلى المُحَرَّماتِ السّابِقَةِ، وهو يَشْمَلُ الجَمْعَ بَيْنَهُما بِالنِّكاحِ والوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ. وقِيلَ: إنَّ الآيَةَ خاصَّةٌ بِالجَمْعِ في النِّكاحِ لا في مِلْكِ اليَمِينِ، وأمّا في الوَطْءِ بِالمِلْكِ فَلا حَقَّ بِالنِّكاحِ، وقَدْ أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى مَنعِ جَمْعِهِما في عَقْدِ النِّكاحِ. واخْتَلَفُوا في الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ، فَذَهَبَ كافَّةُ العُلَماءِ إلى (p-٢٨٦)أنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما في الوَطْءِ بِالمِلْكِ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّهُ يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما في المِلْكِ فَقَطْ. وقَدْ تَوَقَّفَ بَعْضُ السَّلَفِ في الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِالمِلْكِ، وسَيَأْتِي بَيانُ ذَلِكَ. واخْتَلَفُوا في جَوازِ عَقْدِ النِّكاحِ عَلى أُخْتِ الجارِيَةِ الَّتِي تُوطَأُ بِالمِلْكِ. فَقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا وطِئَ جارِيَةً لَهُ بِمِلْكِ يَمِينٍ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أُخْتَها. وقالَ الشّافِعِيُّ: مِلْكُ اليَمِينِ لا يَمْنَعُ نِكاحَ الأُخْتِ. وقَدْ ذَهَبَتِ الظّاهِرِيَّةُ إلى جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ في الوَطْءِ كَما يَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَهُما في المِلْكِ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ ما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ مِن جَوازِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِالمِلْكِ: وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ عُثْمانَ عَنْ طائِفَةٍ مِنَ السَّلَفِ مِنهُمُ ابْنُ عَبّاسٍ، ولَكِنَّهُمُ اخْتُلِفَ عَلَيْهِمْ ولَمْ يَلْتَفِتْ إلى ذَلِكَ أحَدٌ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ بِالحِجازِ ولا بِالعِراقِ ولا ما وراءَها مِنَ المَشْرِقِ ولا بِالشّامِ ولا المَغْرِبِ إلّا مَن شَذَّ عَنْ جَماعَتِهِمْ بِاتِّباعِ الظّاهِرِ ونَفْيِ القِياسِ. وقَدْ تُرِكَ مَن تَعَمَّدَ ذَلِكَ. وجَماعَةُ الفُقَهاءِ مُتَّفِقُونَ عَلى أنَّهُ لا يَحِلُّ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ بِمِلْكِ اليَمِينِ في الوَطْءِ كَما لا يَحِلُّ ذَلِكَ في النِّكاحِ. وقَدْ أجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلى أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، أنَّ النِّكاحَ بِمِلْكِ اليَمِينِ في هَؤُلاءِ كُلِّهِنَّ سَواءٌ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قِياسًا ونَظَرًا الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ وأُمَّهاتِ النِّساءِ والرَّبائِبِ، وكَذا هو عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ، وهي الحُجَّةُ المَحْجُوجُ بِها مَن خالَفَها وشَذَّ عَنْها، واللَّهُ المَحْمُودُ انْتَهى. وأقُولُ: هاهُنا إشْكالٌ، وهو أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ أنَّ النِّكاحَ يُقالُ عَلى العَقْدِ فَقَطْ، وعَلى الوَطْءِ فَقَطْ، والخِلافُ في كَوْنِ أحَدِهِما حَقِيقَةً والآخَرِ مَجازًا، أوْ كَوْنِهِما حَقِيقَتَيْنِ مَعْرُوفٌ، فَإنْ حَمْلَنا هَذا التَّحْرِيمَ المَذْكُورَ في هَذِهِ الآيَةِ وهي قَوْلُهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى آخِرِها، عَلى أنَّ المُرادَ تَحْرِيمُ العَقْدِ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكُنْ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ المَمْلُوكَتَيْنِ في الوَطْءِ بِالمِلْكِ، وما وقَعَ مِن إجْماعِ المُسْلِمِينَ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكم وبَناتُكم وأخَواتُكم﴾ إلى آخِرِهِ، يَسْتَوِي فِيهِ الحَرائِرُ والإماءُ، والعَقْدُ والمِلْكُ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ مَحَلَّ الخِلافِ، وهو الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِمِلْكِ اليَمِينِ مِثْلُ مَحَلِّ الإجْماعِ، ومُجَرَّدُ القِياسِ في مِثْلِ هَذا المَوْطِنِ لا تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ لِما يَرِدُ عَلَيْهِ مِنَ النُّقُوضِ، وإنَّ حَمْلَنا التَّحْرِيمَ المَذْكُورَ في الآيَةِ عَلى الوَطْءِ فَقَطْ لَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ لِلْإجْماعِ عَلى تَحْرِيمِ عَقْدِ النِّكاحِ عَلى جَمِيعِ المَذْكُوراتِ مِن أوَّلِ الآيَةِ إلى آخِرِها، فَلَمْ يَبْقَ إلّا حَمْلُ التَّحْرِيمِ في الآيَةِ عَلى تَحْرِيمِ عَقْدِ النِّكاحِ، فَيَحْتاجُ القائِلُ بِتَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ في الوَطْءِ بِالمِلْكِ إلى دَلِيلٍ ولا يَنْفَعُهُ أنَّ ذَلِكَ قَوْلُ الجُمْهُورِ، فالحَقُّ لا يُعْرَفُ بِالرِّجالِ، فَإنْ جاءَ بِهِ خالِصًا عَنْ شَوْبِ الكَدَرِ فَبِها ونِعْمَتْ، وإلّا كانَ الأصْلُ الحِلُّ، ولا يَصِحُّ حَمْلُ النِّكاحِ في الآيَةِ عَلى مَعْنَيَيْهِ جَمِيعًا - أعْنِي العَقْدَ والوَطْءَ - لِأنَّهُ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وهو مَمْنُوعٌ، أوْ مِن بابِ الجَمْعِ بَيْنَ مَعْنَيَيِ المُشْتَرَكِ، وفِيهِ الخِلافُ المَعْرُوفُ في الأُصُولِ فَتَدَبَّرْ هَذا. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ إذا كانَ الرَّجُلُ يَطَأُ مَمْلُوكَتَهُ بِالمِلْكِ ثُمَّ أرادَ أنْ يَطَأ أُخْتَها بِالمِلْكِ، فَقالَ عَلِيٌّ وابْنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصْرِيُّ والأوْزاعِيُّ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ: لا يَجُوزُ لَهُ وطْءُ الثّانِيَةِ حَتّى يَحْرُمَ فَرْجُ الأُخْرى بِإخْراجِها مِن مِلْكِهِ بِبَيْعٍ أوْ عِتْقٍ أوْ بِأنْ يُزَوِّجَها. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: وفِيهِ قَوْلٌ ثانٍ لِقَتادَةَ، وهو أنَّهُ يَنْوِي تَحْرِيمَ الأُولى عَلى نَفْسِهِ ولا يَقْرَبُها، ثُمَّ يُمْسِكُ عَنْها حَتّى تَسْتَبْرِئَ المُحَرَّمَةُ ثُمَّ يَغْشى الثّانِيَةَ. وفِيهِ قَوْلٌ ثالِثٌ، وهو أنَّهُ لا يَقْرَبُ واحِدَةً مِنهُما، هَكَذا قالَ الحَكِيمُ وحَمّادٌ. ورُوِيَ مَعْنى ذَلِكَ عَنِ النَّخَعِيِّ. وقالَ مالِكٌ: إذا كانَ عِنْدَهُ أُخْتانِ بِمِلْكٍ فَلَهُ أنْ يَطَأ أيَّتَهُما شاءَ والكَفُّ عَنِ الأُخْرى مَوْكُولٌ إلى أمانَتِهِ، فَإنْ أرادَ وطْءَ الأُخْرى فَيَلْزَمُهُ أنْ يُحَرِّمَ عَلى نَفْسِهِ فَرَجَ الأُولى بِفِعْلٍ يَفْعَلُهُ مِن إخْراجٍ عَنِ المِلْكِ أوْ تَزْوِيجٍ أوْ بَيْعٍ أوْ عِتْقٍ أوْ كِتابَةٍ أوْ إخْدامٍ طَوِيلٍ، فَإنْ كانَ يَطَأُ إحْداهُما ثُمَّ وثَبَ عَلى الأُخْرى دُونَ أنْ يُحَرِّمَ الأُولى وقَفَ عَنْهُما ولَمْ يَجُزْ لَهُ قُرْبَ إحْداهُما حَتّى يُحَرِّمَ الأُخْرى ولَمْ يُوكَلْ ذَلِكَ إلى أمانَتِهِ؛ لِأنَّهُ مُتَّهَمٌ. قالَ القُرْطُبِيُّ: وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَقَّ زَوْجَتَهُ طَلاقًا يَمْلِكُ رَجْعَتَها أنَّهُ لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْكِحَ أُخْتَها حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ. واخْتَلَفُوا إذا طَلَّقَها طَلاقًا لا يَمْلِكُ رَجْعَتَها، فَقالَتْ طائِفَةٌ: لَيْسَ لَهُ أنْ يَنْكِحَ أُخْتَها ولا رابِعَةً حَتّى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ الَّتِي طَلَّقَ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ والنَّخَعِيِّ والثَّوْرِيِّ وأحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وأصْحابِ الرَّأْيِ. وقالَ طائِفَةٌ: لَهُ أنْ يَنْكِحَ أُخْتَها ويَنْكِحَ الرّابِعَةَ لِمَن كانَ تَحْتَهُ أرْبَعٌ وطَلَّقَ واحِدَةً مِنهُنَّ طَلاقًا بائِنًا. رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ والحَسَنِ والقاسِمِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وابْنِ أبِي لَيْلى والشّافِعِيِّ وأبِي ثَوْرٍ وأبِي عُبَيْدٍ. قالَ ابْنُ المُنْذِرِ: ولا أحْسَبُهُ إلّا قَوْلَ مالِكٍ. وهو أيْضًا إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ وعَطاءٍ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ مَعْنى ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ ويَحْتَمِلُ مَعْنًى آخَرَ، وهو جَوازُ ما سَلَفَ وأنَّهُ إذا جَرى الجَمْعُ في الجاهِلِيَّةِ كانَ النِّكاحُ صَحِيحًا، وإذا جَرى في الإسْلامِ خُيِّرَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ. والصَّوابُ الِاحْتِمالُ الأوَّلُ. قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ عَطْفٌ عَلى المُحَرَّماتِ المَذْكُوراتِ. وأصْلُ التَّحَصُّنِ التَّمَنُّعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتُحْصِنَكم مِن بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: ٨٠] أيْ لِتَمْنَعَكم، ومِنهُ الحِصانُ بِكَسْرِ الحاءِ لِلْفَرَسِ لِأنَّهُ يَمْنَعُ صاحِبَهُ مِنَ الهَلاكِ. والحَصانُ بِفَتْحِ الحاءِ: المَرْأةُ العَفِيفَةُ لِمَنعِها نَفْسَها، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ: ؎حَصانٌ رَزانٌ ما تَزِنُّ بِرِيبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثى مِن لُحُومِ الغَوافِلِ والمَصْدَرُ الحَصانَةُ بِفَتْحِ الحاءِ. والمُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا ذَواتُ الأزْواجِ. وقَدْ ورَدَ الإحْصانُ في القُرْآنِ لَمَعانٍ، هَذا أحُدُها. والثّانِي يُرادُ بِهِ الحُرَّةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ [النساء: ٢٥] وقَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم﴾ [المائدة: ٥] . (p-٢٨٧)والثّالِثُ يُرادُ بِهِ العَفِيفَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ [النساء: ٢٥]، ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ [ النِّساءِ: ٢٥، المائِدَةِ: ٥ ] . والرّابِعُ المُسْلِمَةُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ وأبُو قِلابَةَ ومَكْحُولٌ والزُّهْرِيُّ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا: المَسْبِيّاتُ ذَواتُ الأزْواجِ خاصَّةً، أيْ هُنَّ مُحَرَّماتٌ عَلَيْكم إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم بِالسَّبْيِ مِن أرْضِ الحَرْبِ، فَإنَّ تِلْكَ حَلالٌ وإنْ كانَ لَها زَوْجٌ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ؛ أيْ: إنَّ السِّباءَ يَقْطَعُ العِصْمَةَ، وبِهِ قالَ ابْنُ وهْبٍ وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ ورَوَياهُ عَنْ مالِكٍ، وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ. واخْتَلَفُوا في اسْتِبْرائِها بِماذا يَكُونُ ؟ كَما هو مُدَوَّنٌ في كُتُبِ الفُرُوعِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: المُحْصَناتُ في هَذِهِ الآيَةِ العَفائِفُ، وبِهِ قالَ أبُو العالِيَةِ وعَبِيدَةُ السَّلْمانِيُّ وطاوُسٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ، ورَواهُ عَبِيدَةُ عَنْ عُمَرَ. ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَهم: كُلُّ النِّساءِ حَرامٌ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم؛ أيْ: تَمْلِكُونَ عِصْمَتَهُنَّ بِالنِّكاحِ وتَمْلِكُونَ الرَّقَبَةَ بِالشِّراءِ. وحَكى ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ أنَّ رَجُلًا قالَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أما رَأيْتَ ابْنَ عَبّاسٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَلَمْ يَقُلْ فِيها شَيْئًا ؟ فَقالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ لا يَعْلَمُها. ورَوى ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ أعْلَمُ مَن يُفَسِّرُ لِي هَذِهِ الآيَةَ لَضَرَبْتُ إلَيْهِ أكْبادَ الإبِلِ انْتَهى. ومَعْنى الآيَةِ واللَّهُ أعْلَمُ واضِحٌ لا سُتْرَةَ بِهِ. أيْ وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ؛ أيِ: المُزَوَّجاتُ أعَمُّ مِن أنْ يَكُنَّ مُسْلِماتٍ أوْ كافِراتٍ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِنهُنَّ، إمّا بِسَبْيٍ فَإنَّها تَحِلُّ ولَوْ كانَتْ ذاتَ زَوْجٍ، أوْ بِشِراءٍ فَإنَّها تَحِلُّ ولَوْ كانَتْ مُزَوَّجَةً، ويَنْفَسِخُ النِّكاحُ الَّذِي كانَ عَلَيْها بِخُرُوجِها عَنْ مِلْكِ سَيِّدِها الَّذِي زَوَّجَها، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وقَدْ قُرِئَ ( المُحْصَناتُ ) بِفَتْحِ الصّادِ وكَسْرِها، فالفَتْحُ عَلى أنَّ الأزْواجَ أحْصَنُوهُنَّ، والكَسْرُ عَلى أنَّهُنَّ أحْصَنَّ فُرُوجَهُنَّ عَنْ غَيْرِ أزْواجِهِنَّ أوْ أحْصَنَّ أزْواجَهُنَّ. قَوْلُهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: كَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْكم كِتابًا. وقالَ الزَّجّاجُ والكُوفِيُّونَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الإغْراءِ؛ أيِ: الزَمُوا كِتابَ اللَّهِ، أوْ عَلَيْكم كِتابَ اللَّهِ، واعْتَرَضَهُ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ بِأنَّ الإغْراءَ لا يَجُوزُ فِيهِ تَقْدِيمُ المَنصُوبِ وهَذا الِاعْتِراضُ إنَّما يَتَوَجَّهُ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ مَنصُوبٌ بِعَلَيْكُمُ المَذْكُورُ في الآيَةِ، ورُوِيَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ أنَّهُ قالَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكم﴾ إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ﴾ وهو بَعِيدٌ، بَلْ هو إشارَةٌ إلى التَّحْرِيمِ المَذْكُورِ في قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. قَوْلُهُ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم﴾ قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ " وأُحِلَّ " عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، وقَرَأ الباقُونَ عَلى البِناءِ لِلْمَعْلُومِ عَطْفًا عَلى الفِعْلِ المُقَدَّرِ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ وقِيلَ: عَلى قَوْلِهِ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ﴾ ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اخْتِلافُ الفِعْلَيْنِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يَحِلُّ لَهم نِكاحُ ما سِوى المَذْكُوراتِ، وهَذا عامٌّ مَخْصُوصٌ بِما صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَحْرِيمِ الجَمْعِ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها. وقَدْ أبْعَدَ مَن قالَ: إنَّ تَحْرِيمَ الجَمْعِ بَيْنَ المَذْكُوراتِ مَأْخُوذٌ مِنَ الآيَةِ هَذِهِ؛ لِأنَّهُ حَرَّمُ الجَمْعَ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ، فَيَكُونُ ما في مَعْناهُ في حُكْمِهِ، وهو الجَمْعُ بَيْنَ المَرْأةِ وعَمَّتِها وبَيْنَ المَرْأةِ وخالَتِها، وكَذَلِكَ تَحْرِيمُ نِكاحِ الأمَةِ لِمَن يَسْتَطِيعُ نِكاحَ حُرَّةٍ كَما سَيَأْتِي، فَإنَّهُ يُخَصِّصُ هَذا العُمُومَ. قَوْلُهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى العِلَّةِ؛ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما حُرِّمَ وأُحِلَّ لَكم ما أُحِلَّ لِأجْلِ أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمُ النِّساءَ اللّاتِي أحَلَّهُنَّ اللَّهُ لَكم ولا تَبْتَغُوا بِها الحَرامَ فَتَذْهَبَ حالَ كَوْنِكم مُحْصِنِينَ أيْ مُتَعَفِّفِينَ عَنِ الزِّنا ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ أيْ غَيْرَ زانِينَ. والسِّفاحُ: الزِّنا وهو مَأْخُوذٌ مِن سَفْحِ الماءِ؛ أيْ: صَبِّهِ وسَيَلانِهِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِأنْ يَطْلُبُوا بِأمْوالِهِمُ النِّساءَ عَلى وجْهِ النِّكاحِ، لا عَلى وجْهِ السِّفاحِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ تَبْتَغُوا بِأمْوالِكُمْ﴾ بَدَلٌ مِن ما في قَوْلِهِ: ﴿ما وراءَ ذَلِكُمْ﴾ أيْ وأُحِلَّ لَكُمُ الِابْتِغاءُ بِأمْوالِكم. والأوَّلُ أوْلى، وأرادَ سُبْحانَهُ بِالأمْوالِ المَذْكُورَةِ ما يَدْفَعُونَهُ في مُهُورِ الحَرائِرِ وأثْمانِ الإماءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ " ما " مَوْصُولَةٌ فِيها مَعْنى الشَّرْطِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَآتُوهُنَّ لِتَضَمُّنِ المَوْصُولِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في مَعْنى الآيَةِ: فَقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وغَيْرُهُما: المَعْنى فَما انْتَفَعْتُمْ وتَلَذَّذْتُمْ بِالجِماعِ مِنَ النِّساءِ بِالنِّكاحِ الشَّرْعِيِّ ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أيْ مُهُورَهُنَّ. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ نِكاحُ المُتْعَةِ الَّذِي كانَ في صَدْرِ الإسْلامِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ثُمَّ نَهى عَنْها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما صَحَّ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: «نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ نِكاحِ المُتْعَةِ وعَنْ لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ» . وهو في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، وفي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ الجُهَنِيِّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّهُ «قالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: يا أيُّها النّاسُ إنِّي كُنْتُ أذِنْتُ لَكم في الِاسْتِمْتاعِ مِنَ النِّساءِ، واللَّهُ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَها ولا تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا» . وفي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ إنَّ ذَلِكَ كانَ في حَجَّةِ الوَداعِ، فَهَذا هو النّاسِخُ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَسَخَتْها آياتُ المِيراثِ؛ إذِ المُتْعَةُ لا مِيراثَ فِيها. وقالَتْ عائِشَةُ والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ: تَحْرِيمُها ونَسْخُها في القُرْآنِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ ﴿إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المعارج: ٢٩] ولَيْسَتِ المَنكُوحَةُ (p-٢٨٨)بِالمُتْعَةِ مِن أزْواجِهِمْ ولا مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُهم، فَإنَّ مِن شَأْنِ الزَّوْجَةِ أنْ تَرِثَ وتُورَثَ، ولَيْسَتِ المُسْتَمْتَعُ بِها كَذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ بِجَوازِ المُتْعَةِ وأنَّها باقِيَةٌ لَمْ تُنْسَخْ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ عِنْدَ أنْ بَلَغَهُ النّاسِخُ. وقَدْ قالَ بِجَوازِها جَماعَةٌ مِنَ الرَّوافِضِ ولا اعْتِبارَ بِأقْوالِهِمْ. وقَدْ أتْعَبَ نَفْسَهُ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ بِتَكْثِيرِ الكَلامِ عَلى هَذِهِ المَسْألَةِ وتَقْوِيَةِ ما قالَهُ المُجَوِّزُونَ لَها، ولَيْسَ هَذا المَقامُ مَقامَ بَيانِ بُطْلانِ كَلامِهِ. وقَدْ طَوَّلْنا البَحْثَ ودَفَعْنا الشُّبَهَ الباطِلَةَ الَّتِي تَمَسَّكَ بِها المُجَوِّزُونَ لَها في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿فَرِيضَةً﴾ مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ المُؤَكَّدَةِ أوْ عَلى الحالِ؛ أيْ: مَفْرُوضَةً. قَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ أيْ: مِن زِيادَةٍ أوْ نُقْصانٍ في المَهْرِ فَإنَّ ذَلِكَ سائِغٌ عِنْدَ التَّراضِي، هَذا عِنْدَ مَن قالَ بِأنَّ الآيَةَ في النِّكاحِ الشَّرْعِيِّ، وأمّا عِنْدَ الجُمْهُورِ القائِلِينَ بِأنَّها في المُتْعَةِ، فالمَعْنى التَّراضِي في زِيادَةِ مُدَّةِ المُتْعَةِ أوْ نُقْصانِها أوْ في زِيادَةِ ما دَفَعَهُ إلَيْها إلى مُقابِلِ الِاسْتِمْتاعِ بِها أوْ نُقْصانِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ﴾ الطَّوْلُ: الغِنى والسَّعَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والسُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وإسْحاقُ وأبُو ثَوْرٍ وجُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ. ومَعْنى الآيَةِ: فَمَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم غِنًى وسَعَةً في مالِهِ يَقْدِرُ بِها عَلى نِكاحِ المُحْصَناتِ المُؤْمِناتِ فَلْيَنْكِحْ مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ، يُقالُ: طالَ يَطُولُ طَوْلًا في الإفْضالِ والقُدْرَةِ، وفُلانٌ ذُو طَوْلٍ؛ أيْ: ذُو قُدْرَةٍ في مالِهِ. والطُّولُ بِالضَّمِّ: ضِدُّ القِصَرِ. وقالَ قَتادَةُ والنَّخَعِيُّ وعَطاءٌ والثَّوْرِيُّ: إنَّ الطَّوْلَ الصَّبْرُ. ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَهم أنَّ مَن كانَ يَهْوى أمَةً حَتّى صارَ لِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَها، فَإنَّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها إذا لَمْ يَمْلِكْ نَفْسَهُ وخافَ أنْ يَبْغِيَ بِها، وإنْ كانَ يَجِدُ سِعَةً في المالِ لِنِكاحِ حُرَّةٍ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وهو مَرْوِيٌّ عَنْ مالِكٍ: إنِ الطَّوْلَ المَرْأةُ الحُرَّةُ، فَمَن كانَ تَحْتَهُ حُرَّةٌ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَنْكِحَ الأمَةَ، ومَن لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ جازَ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ أمَةً ولَوْ كانَ غَنِيًّا، وبِهِ قالَ أبُو يُوسُفَ، واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ واحْتَجَّ لَهُ. والقَوْلُ الأوَّلُ هو المُطابِقُ لِمَعْنى الآيَةِ، ولا يَخْلُو ما عَداهُ عَنْ تَكَلُّفٍ، فَلا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالأمَةِ إلّا إذا كانَ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَتَزَوَّجَ بِالحُرَّةِ لِعَدَمِ وُجُودِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في نِكاحِها مِن مَهْرٍ وغَيْرِهِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ الكِتابِيَّةِ، وبِهِ قالَ أهْلُ الحِجازِ وجَوَّزَهُ أهْلُ العِراقِ، ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ لِتُضَمِّنِ المُبْتَدَأ مَعْنى الشَّرْطِ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، فَقَدْ عَرَفْتَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ الحُرِّ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالمَمْلُوكَةِ إلّا بِشَرْطِ عَدَمِ القُدْرَةِ عَلى الحُرَّةِ. والشَّرْطُ الثّانِي ما سَيَذْكُرُهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ آخِرَ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ فَلا يَحِلُّ لِلْفَقِيرِ أنْ يَتَزَوَّجَ بِالمَمْلُوكَةِ إلّا إذا كانَ يَخْشى عَلى نَفْسِهِ العَنَتَ. والمُرادُ هُنا الأمَةُ المَمْلُوكَةُ لِلْغَيْرِ، وأمّا أمَةُ الإنْسانِ نَفْسِهِ فَقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَها، وهي تَحْتَ مِلْكِهِ لِتَعارُضِ الحُقُوقِ واخْتِلافِها. والفَتَياتُ جَمْعُ فَتاةٍ، والعَرَبُ تَقُولُ لِلْمَمْلُوكِ فَتًى ولِلْمَمْلُوكَةِ فَتاةً. وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ«لا يَقُولَنَّ أحَدُكم: عَبْدِي وأمَتِي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: فَتايَ وفَتاتِي» . قَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكُمْ﴾ فِيهِ تَسْلِيَةٌ لِمَن يَنْكِحُ الأمَةَ إذا اجْتَمَعَ فِيهِ الشَّرْطانِ المَذْكُورانِ؛ أيْ: كُلُّكم بَنُو آدَمَ وأكْرَمُكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكم، فَلا تَسْتَنْكِفُوا مِنَ الزَّواجِ بِالإماءِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ، فَرُبَّما كانَ إيمانُ بَعْضِ الإماءِ أفْضَلَ مِن إيمانِ بَعْضِ الحَرائِرِ. والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ. وقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ ومَعْناهُ: أنَّهم مُتَّصِلُونَ في الأنْسابِ؛ لِأنَّهم جَمِيعًا بَنُو آدَمَ، أوْ مُتَّصِلُونَ في الدِّينِ لِأنَّهم جَمِيعًا أهْلُ مِلَّةٍ واحِدَةٍ وكِتابُهم واحِدٌ ونَبِيُّهم واحِدٌ. والمُرادُ بِهَذا تَوْطِئَةُ نُفُوسِ العَرَبِ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَهْجِنُونَ أوْلادَ الإماءِ ويَسْتَصْغِرُونَهم ويَغُضُّونَ مِنهم ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ أيْ بِإذْنِ المالِكِينَ لَهُنَّ؛ لِأنَّ مَنافِعَهُنَّ لَهم لا يَجُوزُ لِغَيْرِهِمْ أنْ يَنْتَفِعَ بِشَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِ مَن هي لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ أيْ: أدُّوا إلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ بِما هو بِالمَعْرُوفِ في الشَّرْعِ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ الأمَةَ أحَقُّ بِمَهْرِها مِن سَيِّدِها، وإلَيْهِ ذَهَبَ مالِكٌ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ المَهْرَ لِلسَّيِّدِ، وإنَّما أضافَها إلَيْهِنَّ؛ لِأنَّ التَّأْدِيَةَ إلَيْهِنَّ تَأْدِيَةٌ إلى سَيِّدِهِنَّ لِكَوْنِهِنَّ مالَهُ. قَوْلُهُ: ﴿مُحْصَناتٍ﴾ أيْ: عَفائِفَ. وقَرَأ الكِسائِيُّ ( مُحْصِناتٍ ) بِكَسْرِ الصّادِ في جَمِيعِ القُرْآنِ إلّا في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ وقَرَأ الباقُونَ بِالفَتْحِ في جَمِيعِ القُرْآنِ. قَوْلُهُ: ﴿غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ أيْ غَيْرَ مُعْلِناتٍ بِالزِّنا. والأخْدانُ: الأخِلّاءُ، والخِدْنُ والخَدِينُ المُخادِنُ؛ أيِ: المُصاحِبُ - وقِيلَ: ذاتُ الخِدْنِ: هي الَّتِي تَزْنِي سِرًّا، فَهو مُقابِلٌ لِلْمُسافِحَةِ، وهي الَّتِي تُجاهِرُ بِالزِّنا، وقِيلَ: المُسافِحَةُ: المَبْذُولَةُ. وذاتُ الخِدْنِ: الَّتِي تَزْنِي بِواحِدٍ. وكانَتِ العَرَبُ تَعِيبُ الإعْلانَ بِالزِّنا ولا تَعِيبُ اتِّخاذَ الأخْدانِ، ثُمَّ رَفَعَ الإسْلامُ جَمِيعَ ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] . قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّها، والمُرادُ بِالإحْصانِ هُنا الإسْلامُ. رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وأنَسٍ والأسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ والسُّدِّيِّ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِإسْنادٍ مُنْقَطِعٍ وهو الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشّافِعِيُّ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الدَّرْداءِ ومُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ وطاوُسٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ وغَيْرُهم: إنَّهُ التَّزْوِيجُ. ورُوِيَ عَنِ الشّافِعِيِّ فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ لا حَدَّ عَلى الأمَةِ الكافِرَةِ. وعَلى القَوْلِ الثّانِي لا حَدَّ عَلى الأمَةِ الَّتِي لَمْ تَتَزَوَّجْ. وقالَ القاسِمُ وسالِمٌ: إحْصانُها إسْلامُها وعَفافُها. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ مَعْنى القِراءَتَيْنِ مُخْتَلِفٌ، فَمَن قَرَأ ( أُحْصِنَّ ) بِضَمِّ الهَمْزَةِ فَمَعْناهُ التَّزْوِيجُ، ومَن قَرَأ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَمَعْناهُ (p-٢٨٩)الإسْلامُ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الإحْصانَ المَذْكُورَ في الآيَةِ هو التَّزْوِيجُ، ولَكِنَّ الحَدَّ واجِبٌ عَلى الأمَةِ المُسْلِمَةِ إذا زَنَتْ قَبْلَ أنْ تَتَزَوَّجَ بِالسُّنَّةِ، وبِهِ قالَ الزُّهْرِيُّ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: ظاهِرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَدَّ عَلى الأمَةِ وإنْ كانَتْ مُسْلِمَةً إلّا بَعْدَ التَّزْوِيجِ، ثُمَّ جاءَتِ السُّنَّةُ بِجَلْدِها وإنْ لَمْ تُحْصَنْ، وكانَ ذَلِكَ زِيادَةَ بَيانٍ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ظَهْرُ المُسْلِمِ حِمًى لا يُسْتَباحُ إلّا بِيَقِينٍ، ولا يَقِينَ مَعَ الِاخْتِلافِ لَوْلا ما جاءَ في صَحِيحِ السُّنَّةِ مِنَ الجَلْدِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: والأظْهَرُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ المُرادَ بِالإحْصانِ هُنا التَّزْوِيجُ؛ لِأنَّ سِياقَ الآيَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ سُبْحانَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ فالسِّياقُ كُلُّهُ في الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ، فَتَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ أيْ: تَزَوَّجْنَ كَما فَسَّرَهُ بِهِ ابْنُ عَبّاسٍ ومَن تَبِعَهُ، قالَ: وعَلى كُلٍّ مِنَ القَوْلَيْنِ إشْكالٌ عَلى مَذْهَبِ الجُمْهُورِ؛ لِأنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الأمَةَ إذا زَنَتْ فَعَلَيْها خَمْسُونَ جَلْدَةً سَواءٌ كانَتْ مُسْلِمَةً أوْ كافِرَةً مُزَوَّجَةً أوْ بِكْرًا، مَعَ أنَّ مَفْهُومَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّهُ لا حَدَّ عَلى غَيْرِ المُحْصَنَةِ مِنَ الإماءِ. وقَدِ اخْتَلَفَتْ أجْوِبَتُهم عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ مِنهم مَن أجابَ وهُمُ الجُمْهُورَ بِتَقْدِيمِ مَنطُوقِ الأحادِيثِ عَلى هَذا المَفْهُومِ، ومِنهم مَن عَمِلَ عَلى مَفْهُومِ الآيَةِ، وقالَ: إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ فَلا حَدَّ عَلَيْها وإنَّما تُضْرَبُ تَأْدِيبًا. قالَ: وهو المَحْكِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وإلَيْهِ ذَهَبَ طاوُسٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو عُبَيْدٍ وداوُدُ الظّاهِرِيُّ في رِوايَةٍ عَنْهُ، فَهَؤُلاءِ قَدَّمُوا مَفْهُومَ الآيَةِ عَلى العُمُومِ، وأجابُوا عَنْ مَثَلِ حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ وزَيْدِ بْنِ خالِدٍ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ عَنِ الأمَةِ: إذا زَنَتْ ولَمْ تُحْصَنْ، قالَ: إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فاجْلِدُوها ثُمَّ بِيعُوها ولَوْ بِضَفِيرٍ» بِأنَّ المُرادَ بِالجَلْدِ هُنا التَّأْدِيبُ وهو تَعَسُّفٌ، وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إذا زَنَتْ أمَةُ أحَدِكم فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ ولا يُثَرِّبَ عَلَيْها، ثُمَّ إنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْها الحَدَّ» الحَدِيثَ. ولِمُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ قالَ: ( «يا أيُّها النّاسُ أقِيمُوا عَلى أرِقّائِكُمُ الحَدَّ مَن أُحْصِنَ ومَن لَمْ يُحْصَنْ، فَإنَّ أمَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ زَنَتْ فَأمَرَنِي أنْ أجْلِدَها» ) الحَدِيثَ. وأمّا ما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لَيْسَ عَلى الأمَةِ حَدٌّ حَتّى تُحْصَنَ بِزَوْجٍ، فَإذا أُحْصِنَتْ بِزَوْجٍ فَعَلَيْها نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ» فَقَدْ قالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ والبَيْهَقِيُّ: إنَّ رَفْعَهُ خَطَأٌ، والصَّوابُ وقْفُهُ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ أتَيْنَ بِفاحِشَةٍ﴾ الفاحِشَةُ هُنا الزِّنا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ﴾ أيِ الحَرائِرِ الأبْكارِ؛ لِأنَّ الثَّيِّبَ عَلَيْها الرَّجْمُ وهو لا يَتَبَعَّضُ، وقِيلَ: المُرادُ بِالمُحْصَناتِ هُنا المُزَوَّجاتُ؛ لِأنَّ عَلَيْهِنَّ الجَلْدَ والرَّجْمَ، والرَّجْمُ لا يَتَبَعَّضُ، فَصارَ عَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلَيْهِنَّ مِنَ الجَلْدِ. والمُرادُ بِالعَذابِ هُنا الجَلْدُ، وإنَّما نَقَصَ حَدُّ الإماءِ عَنْ حَدِّ الحَرائِرِ لِأنَّهُنَّ أضْعَفُ، وقِيلَ: لِأنَّهُنَّ لا يَصِلْنَ إلى مُرادِهِنَّ كَما تَصِلُ الحَرائِرُ، وقِيلَ: لِأنَّ العُقُوبَةَ تَجِبُ عَلى قَدْرِ النِّعْمَةِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ العَبِيدَ وهم لاحِقُونَ بِالإماءِ بِطَرِيقِ القِياسِ، وكَما يَكُونُ عَلى الإماءِ والعَبِيدِ نِصْفُ الحَدِّ في الزِّنا، كَذَلِكَ يَكُونُ عَلَيْهِمْ نِصْفُ الحَدِّ في القَذْفِ والشُّرْبِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ إلى نِكاحِ الإماءِ. والعَنَتُ: الوُقُوعُ في الإثْمِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ انْكِسارُ العَظْمِ بَعْدَ الجَبْرِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَشَقَّةٍ ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾ عَنْ نِكاحِ الإماءِ خَيْرٌ لَكم مِن نِكاحِهِنَّ؛ أيْ: صَبْرُكم خَيْرٌ لَكم؛ لِأنَّ نِكاحَهُنَّ يُفْضِي إلى إرْقاقِ الوَلَدِ والغَضِّ مِنَ النَّفْسِ. قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اللّامُ هُنا هي لامُ كَيِ الَّتِي تُعاقِبُ أنْ. قالَ الفَرّاءُ: العَرَبُ تُعاقِبُ بَيْنَ لامِ كَيْ وأنْ، فَتَأْتِي بِاللّامِ الَّتِي عَلى مَعْنى كَيْ في مَوْضِعِ أنْ في أرَدْتُ وأمَرْتُ، فَيَقُولُونَ: أرَدْتُ أنْ تَفْعَلَ وأرَدْتُ لِتَفْعَلَ، ومِنهُ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأفْواهِهِمْ﴾ [الصف: ٨] ﴿وأُمِرْتُ لِأعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] ٣٠ ﴿وأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٧١] ومِنهُ: ؎أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما ∗∗∗ تُمَثَّلُ لِي لَيْلى بِكُلِّ سَبِيلِ وحَكى الزَّجّاجُ هَذا القَوْلَ وقالَ: لَوْ كانَتِ اللّامُ بِمَعْنى أنْ لَدَخَلَتْ عَلَيْها لامٌ أُخْرى كَما تَقُولُ: جِئْتُ كَيْ تُكْرِمَنِي، ثُمَّ تَقُولُ: جِئْتُ لِكَيْ تُكْرِمَنِي، وأنْشَدَ: ؎أرَدْتُ لِكَيْما يَعْلَمَ النّاسُ أنَّها ∗∗∗ سَراوِيلُ قَيْسٍ والوُفُودُ شُهُودُ وقِيلَ: اللّامُ زائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى الِاسْتِقْبالِ، أوْ لِتَأْكِيدِ إرادَةِ التَّبْيِينِ، ومَفْعُولُ ( يُبَيِّنَ ) مَحْذُوفٌ؛ أيْ: لِيُبَيِّنَ لَكم ما خَفِيَ عَلَيْكم مِنَ الخَيْرِ، وقِيلَ: مَفْعُولُ يُرِيدُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: يُرِيدُ اللَّهُ هَذا لِيُبَيِّنَ لَكم، وبِهِ قالَ البَصْرِيُّونَ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ سِيبَوَيْهِ، وقِيلَ: اللّامُ بِنَفْسِها ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ مِن غَيْرِ إضْمارِ أنْ، وهي وما بَعْدَها مَفْعُولٌ لِلْفِعْلِ المُتَقَدِّمِ، وهو مِثْلُ قَوْلِ الفَرّاءِ السّابِقِ، وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: إنَّ قَوْلَهُ: ( يُرِيدُ ) مُئَوَّلٌ بِالمَصْدَرِ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِداءِ مِثْلَ: تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِن أنْ تَراهُ. ومَعْنى الآيَةِ: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم مَصالِحَ دِينِكم وما يَحِلُّ لَكم وما يَحْرُمُ عَلَيْكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم أيْ: طُرُقَهم، وهُمُ الأنْبِياءُ وأتْباعُهم لِتَقْتَدُوا بِهِمْ ويَتُوبَ عَلَيْكم أيْ: ويُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم فَتُوبُوا إلَيْهِ وتَلافَوْا ما فُرِّطَ مِنكم بِالتَّوْبَةِ يَغْفِرْ لَكم ذُنُوبَكم. واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم هَذا تَأْكِيدٌ لِما قَدْ فُهِمْ مِن قَوْلِهِ: ويَتُوبَ عَلَيْكم المُتَقَدِّمِ، وقِيلَ: الأوَّلُ مَعْناهُ لِلْإرْشادِ إلى الطّاعاتِ، والثّانِي فِعْلُ أسْبابِها، وقِيلَ: إنَّ الثّانِيَ لِبَيانِ كَمالِ مَنفَعَةِ إرادَتِهِ سُبْحانَهُ وكَمالِ ضَرَرِ ما يُرِيدُهُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ مُجَرَّدَ إرادَةِ التَّوْبَةِ حَتّى يَكُونَ مِن بابِ التَّكْرِيرِ لِلتَّأْكِيدِ، قِيلَ: هَذِهِ الإرادَةُ مِنهُ سُبْحانَهُ في جَمِيعِ أحْكامِ الشَّرْعِ، وقِيلَ: في نِكاحِ الأمَةِ فَقَطْ. واخْتُلِفَ في تَعْيِينِ المُتَّبِعِينَ لِلشَّهَواتِ، فَقِيلَ: هُمُ الزُّناةُ، وقِيلَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وقِيلَ: اليَهُودُ خاصَّةً، وقِيلَ: هُمُ (p-٢٩٠)المَجُوسُ لِأنَّهم أرادُوا أنْ يَتَّبِعَهُمُ المُسْلِمُونَ في نِكاحِ الأخَواتِ مِنَ الأبِ. والأوَّلُ أوْلى. والمَيْلُ: العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِواءِ. والمُرادُ بِالشَّهَواتِ هُنا ما حَرَّمَهُ الشَّرْعُ ودُونَ ما أحَلَّهُ، ووَصَفَ المَيْلَ بِالعِظَمِ بِالنِّسْبَةِ إلى مَيْلِ مَنِ اقْتَرَفَ خَطِيئَةً نادِرًا. قَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ بِما مَرَّ مِنَ التَّرْخِيصِ لَكم، أوْ بِكُلِّ ما فِيهِ تَخْفِيفٌ عَلَيْكم ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ عاجِزًا غَيْرَ قادِرٍ عَلى مَلْكِ نَفْسِهِ ودَفْعِها عَنْ شَهَواتِها وفاءً بِحَقِّ التَّكْلِيفِ، فَهو مُحْتاجٌ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ إلى التَّخْفِيفِ. فَلِهَذا أرادَ اللَّهُ سُبْحانَهُ التَّخْفِيفَ عَنْهُ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حُرِّمَ مِنَ النَّسَبِ سَبْعٌ ومِنَ الصِّهْرِ سَبْعٌ، ثُمَّ قَرَأ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَناتُ الأُخْتِ﴾ هَذا مِنَ النَّسَبِ، وباقِي الآيَةِ مِنَ الصِّهْرِ، والسّابِعَةُ ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكُمْ﴾ قالَ: هي مُبْهَمَةٌ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هي مُبْهَمَةٌ إذا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها أوْ ماتَتْ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أُمُّها. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ إلّا البَيْهَقِيَّ عَنْ عَلِيٍّ في الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ ثُمَّ يُطَلِّقُها، أوْ ماتَتْ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها هَلْ تَحِلُّ لَهُ أُمُّها ؟ قالَ: هي بِمَنزِلَةِ الرَّبِيبَةِ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا ماتَتْ عِنْدَهُ فَأخَذَ مِيراثَها كُرِهَ أنْ يَخْلُفَ عَلى أُمِّها، وإذا طَلَّقَها قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ بِها فَلا بَأْسَ أنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿وأُمَّهاتُ نِسائِكم ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾: أُرِيدَ بِهِما الدُّخُولُ جَمِيعًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: الرَّبِيبَةُ والأُمُّ سَواءٌ لا بَأْسَ بِهِما إذا لَمْ يَدْخُلْ بِالمَرْأةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أوْسِ بْنِ الحَدَثانِ قالَ: كانَتْ عِنْدِي امْرَأةٌ فَتُوُفِّيَتْ وقَدْ ولَدَتْ لِي فَوَجَدْتُ عَلَيْها، فَلَقِيَنِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقالَ: ما لَكَ ؟ فَقُلْتُ: تُوُفِّيَتِ المَرْأةُ، فَقالَ عَلِيٌّ: لَها ابْنَةٌ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ وهي بِالطّائِفِ، قالَ: كانَتْ في حِجْرِكَ ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: فانْكِحْها. قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُ اللَّهِ ﴿ورَبائِبُكُمُ اللّاتِي في حُجُورِكُمْ﴾ ؟ قالَ: إنَّها لَمْ تَكُنْ في حِجْرِكَ. وقَدْ قَدَّمْنا قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ إسْنادٌ ثابِتٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الدُّخُولُ الجِماعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا نَكَحَ امْرَأةَ زَيْدٍ قالَ المُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وحَلائِلُ أبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِن أصْلابِكُمْ﴾ ونَزَلَتْ ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤] ونَزَلَتْ ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم﴾ [الأحزاب: ٤٠] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾ قالَ: يَعْنِي في النِّكاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ في الحَرائِرِ، فَأمّا المَمالِيكُ فَلا بَأْسَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ نَحْوَهُ مِن طَرِيقٍ أُخْرى. وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وعَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنِ الأُخْتَيْنِ في مِلْكِ اليَمِينِ هَلْ يَجْمَعُ بَيْنَهُما ؟ قالَ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ، وما كُنْتُ لِأصْنَعَ ذَلِكَ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ، فَلَقِيَ رَجُلًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أراهُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: لَوْ كانَ لِي مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ثُمَّ وجَدْتُ أحَدًا فَعَلَ ذَلِكَ لَجَعَلْتُهُ نَكالًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ: أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ لَهُ أمَتانِ أُخْتانِ، وطِئَ إحْداهُما وأرادَ أنْ يَطَأ الأُخْرى، فَقالَ: لا؛ حَتّى يُخْرِجَها مِن مِلْكِهِ، وقِيلَ: فَإنْ زَوَّجَها عَبْدَهُ ؟ قالَ: لا؛ حَتّى يُخْرِجَها مِن مِلْكِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ الأمَتَيْنِ فَكَرِهَهُ، فَقِيلَ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ فَقالَ: وبَعِيرُكَ أيْضًا مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ في الأُخْتَيْنِ المَمْلُوكَتَيْنِ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ ولا آمُرُ ولا أُنْهِي، ولا أُحِلُّ ولا أُحَرِّمُ، ولا أفْعَلُ أنا وأهْلَ بَيْتِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ قَيْسٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: أيَقَعُ الرَّجُلُ عَلى المَرْأةِ وابْنَتِها مَمْلُوكَتَيْنِ لَهُ ؟ فَقالَ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ، ولَمْ أكُنْ لِأفْعَلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الأُخْتَيْنِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ: أحَلَّتْهُما آيَةٌ وحَرَّمَتْهُما آيَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إذا كانَ لِلرَّجُلِ جارِيَتانِ أُخْتانِ فَغَشِيَ إحْداهُما فَلا يَقْرَبُ الأُخْرى حَتّى يُخْرِجَ الَّتِي غَشِيَ مِن مِلْكِهِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ قالَ: إنَّما قالَ اللَّهُ في نِساءِ الآباءِ: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ لِأنَّ العَرَبَ كانُوا يَنْكِحُونَ نِساءَ الآباءِ، ثُمَّ حُرِّمَ النَّسَبُ والصِّهْرُ فَلَمْ يَقُلْ إلّا ما قَدْ سَلَفَ؛ لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ لا تَنْكِحُ النَّسَبَ والصِّهْرَ. وقالَ في الأُخْتَيْنِ: ﴿إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾؛ لِأنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَهُما فَحَرَّمَ جَمْعَهُما جَمِيعًا إلّا ما قَدْ سَلَفَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ لِما كانَ مِن جِماعِ الأُخْتَيْنِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعَثَ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَيْشًا إلى أوْطاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا فَقاتَلُوهم، فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وأصابُوا لَهم سَبايا، فَكَأنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَحَرَّجُوا مِن غِشْيانِهِنَّ مِن أجْلِ أزْواجِهِنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ يَقُولُ: إلّا ما أفاءَ اللَّهُ عَلَيْكم» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٢٩١)﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: كُلُّ ذاتِ زَوْجٍ إتْيانُها زِنًا إلّا ما سُبِيَتَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ إلّا ما مَلَكَتْ أيْمانُكم قالَ: عَلى المُشْرِكاتِ إذا سُبِينَ حَلَّتْ لَهُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُشْرِكاتُ والمُسْلِماتُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا بِيعَتِ الأمَةُ ولَها زَوْجٌ فَسَيِّدُها أحَقُّ بِبُضْعِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: ذَواتُ الأزْواجِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ﴾ قالَ: العَفِيفَةُ العاقِلَةُ مِن مُسْلِمَةٍ أوْ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: لا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ فَوْقَ الأرْبَعِ، فَما زادَ فَهو عَلَيْهِ حَرامٌ كَأُمِّهِ وأُخْتِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَقُولُ انْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ، ثُمَّ حَرَّمَ ما حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ والصِّهْرِ، ثُمَّ قالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ النِّساءِ﴾ فَرَجَعَ إلى أوَّلِ السُّورَةِ فَقالَ: هُنَّ حَرامٌ أيْضًا، إلّا لِمَن نَكَحَ بِصَداقٍ وسُنَّةٍ وشُهُودٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبِيدَةَ قالَ: أحَلَّ اللَّهُ لَكَ أرْبَعًا في أوَّلِ السُّورَةِ، وحَرَّمَ نِكاحَ كُلِّ مُحْصَنَةٍ بَعْدَ الأرْبَعِ إلّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «الإحْصانُ إحْصانانِ: إحْصانُ نِكاحٍ، وإحْصانُ عَفافٍ؛ فَمَن قَرَأها والمُحْصِناتُ بِكَسْرِ الصّادِ فَهُنَّ العَفائِفُ، ومَن قَرَأها والمُحْصَناتُ بِالفَتْحِ فَهُنَّ المُتَزَوِّجاتُ». قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: قالَ أبِي: هَذا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم﴾ قالَ: ما وراءَ هَذا النَّسَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ما دُونَ الأرْبَعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما وراءَ ذاتِ القَرابَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحِلَّ لَكم ما وراءَ ذَلِكم﴾ قالَ: ما مَلَكَتْ أيْمانُكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ قالَ: غَيْرَ زانِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَقُولُ: إذا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنكُمُ المَرْأةَ ثُمَّ نَكَحَها مَرَّةً واحِدَةً فَقَدْ وجَبَ صَداقُها كُلُّهُ والِاسْتِمْتاعُ هو النِّكاحُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ﴾ [النساء: ٤] . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ المُتْعَةُ في أوَّلِ الإسْلامِ، وكانُوا يَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ( فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ) الآيَةَ، فَكانَ الرَّجُلُ يَقْدَمُ البَلْدَةَ لَيْسَ لَهُ بِها مَعْرِفَةٌ فَيَتَزَوَّجُ بِقَدْرِ ما يَرى أنَّهُ يَفْرَغُ مِن حاجَتِهِ لِيَحْفَظَ مَتاعَهُ ويُصْلِحَ شَأْنَهُ. حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكم أُمَّهاتُكُمْ﴾ فَنَسَخَتِ الأُولى فَحُرِّمَتِ المُتْعَةُ وتَصْدِيقُها مِنَ القُرْآنِ إلّا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم [المؤمنون: ٦] وما سِوى هَذا الفَرْجِ فَهو حَرامٌ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَرَأ فَما اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنهُنَّ إلى أجَلٍ مُسَمًّى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في نِكاحِ المُتْعَةِ، وكَذَلِكَ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ والأحادِيثُ في تَحْلِيلِ المُتْعَةِ ثُمَّ تَحْرِيمِها، وهَلْ كانَ نَسْخُها مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ؟ مَذْكُورَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ في تَهْذِيبِهِ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: ماذا صَنَعْتَ ؟ ذَهَبَتِ الرِّكابُ بِفُتْياكَ، وقالَتْ فِيها الشُّعَراءُ، قالَ: وما قالُوا ؟ قُلْتُ: قالُوا: ؎أقُولُ لِلشَّيْخِ لَمّا طالَ مَجْلِسُهُ ∗∗∗ يا صاحِ هَلْ لَكَ في فُتْيا ابْنِ عَبّاسِ ؎هَلْ لَكَ في رَحْضَةِ الأعْطافِ آنِسَةً ∗∗∗ تَكُونُ مَثْواكَ حَتّى مَصْدَرِ النّاسِ فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، لا واللَّهِ ما بِهَذا أفْتَيْتُ ولا هَذا أرَدْتُ ولا أحْلَلْتُها إلّا لِلْمُضْطَرِّ، وفي لَفْظٍ ولا أحْلَلْتُ مِنها إلّا ما أحَلَّ اللَّهُ مِنَ المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَضْرَمِيٍّ أنَّ رِجالًا كانُوا يَفْرِضُونَ المَهْرَ ثُمَّ عَسى أنْ تُدْرِكَ أحَدَهُمُ العُسْرَةُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ مِن بَعْدِ الفَرِيضَةِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم فِيما تَراضَيْتُمْ بِهِ﴾ قالَ: الرّاضِي أنْ يُوَفِّيَ لَها صَداقَها ثُمَّ يُخَيِّرُها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: إنْ وضَعَتْ لَكَ مِنهُ شَيْئًا فَهو سائِغٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ يَقُولُ: مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ سَعَةٌ ﴿أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ﴾ يَقُولُ: الحَرائِرُ ﴿فَمِن ما مَلَكَتْ أيْمانُكم مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ فَلْيَنْكِحْ مِن إماءِ المُؤْمِنِينَ ﴿مُحْصَناتٍ غَيْرَ مُسافِحاتٍ﴾ يَعْنِي عَفائِفَ غَيْرَ زَوانِي في سِرٍّ ولا عَلانِيَةٍ ﴿ولا مُتَّخِذاتِ أخْدانٍ﴾ يَعْنِي أخِلّاءَ ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ ثُمَّ إذا تَزَوَّجَتْ حُرًّا ثُمَّ زَنَتْ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ ما عَلى المُحْصَناتِ مِنَ العَذابِ﴾ قالَ: مِنَ الجَلْدِ ﴿ذَلِكَ لِمَن خَشِيَ العَنَتَ مِنكُمْ﴾ هو الزِّنا، فَلَيْسَ لِأحَدٍ مِنَ الأحْرارِ أنْ يَنْكِحَ الأمَةَ إلّا أنْ لا يَقْدِرَ عَلى حُرَّةٍ وهو يَخْشى العَنَتَ ﴿وأنْ تَصْبِرُوا﴾ عَنْ نِكاحِ الإماءِ ( فَهو خَيْرٌ لَكم ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ مِنكم طَوْلًا﴾ يَعْنِي: مَن لا يَجِدْ مِنكم غِنًى أنْ يَنْكِحَ المُحْصَناتِ يَعْنِي الحَرائِرَ فَلْيَنْكِحِ الأمَةَ المُؤْمِنَةَ وأنْ تَصْبِرُوا عَنْ نِكاحِ الإماءِ خَيْرٌ لَكم وهو حَلالٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: مِمّا وسَّعَ اللَّهُ بِهِ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ نِكاحُ الأمَةِ النَّصْرانِيَّةِ (p-٢٩٢)واليَهُودِيَّةِ وإنْ كانَ مُوسِرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: لا يَصْلُحُ نِكاحُ إماءِ أهْلِ الكِتابِ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿مِن فَتَياتِكُمُ المُؤْمِناتِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَهى أنْ تُنْكَحَ الأمَةُ عَلى الحُرَّةِ، والحُرَّةُ عَلى الأمَةِ، ومَن وجَدَ طَوْلًا لِحُرَّةٍ فَلا يَنْكِحْ أمَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا يَتَزَوَّجُ الحُرُّ مِنَ الإماءِ إلّا واحِدَةً وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِإيمانِكم بَعْضُكم مِن بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: أنْتُمْ إخْوَةٌ بَعْضُكم مِن بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿فانْكِحُوهُنَّ بِإذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ قالَ: بِإذْنِ مُوالِيهِنَّ وآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ قالَ: مُهُورُهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المُسافِحاتُ المُعْلِناتُ بِالزِّنا، والمُتَّخِذاتُ أخْدانٍ: ذاتُ الخَلِيلِ الواحِدِ. قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ ما ظَهَرَ مِنَ الزِّنا ويَسْتَحِلُّونَ ما خَفِيَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولا تَقْرَبُوا الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿فَإذا أُحْصِنَّ﴾ قالَ: إحْصانُها إسْلامُها» . وقالَ عَلِيٌّ: اجْلِدُوهُنَّ. قالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: في إسْنادِهِ ضَعِيفٌ ومُبْهَمٌ لَمْ يُسَمَّ، ومِثْلُهُ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَدُّ العَبْدِ يَفْتَرِي عَلى الحُرِّ أرْبَعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: العَنَتُ الزِّنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ﴾ قالَ: الزِّنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ يَقُولُ: في نِكاحِ الأمَةِ وفي كُلِّ شَيْءٍ فِيهِ يُسْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم﴾ قالَ: رَخَّصَ لَكم في نِكاحِ الإماءِ ﴿وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ قالَ: لَوْ لَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثَمانُ آياتٍ نَزَلَتْ في سُورَةِ النِّساءِ هُنَّ خَيْرٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِمّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وغَرَبَتْ: أوَّلُهُنَّ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكم ويَهْدِيَكم سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ويَتُوبَ عَلَيْكم واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: ٢٦]، والثّانِيَةُ ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]، والثّالِثَةُ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكم وخُلِقَ الإنْسانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٢٨]، والرّابِعَةُ ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]، والخامِسَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠]، والسّادِسَةُ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٠]، والسّابِعَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ٤٨، ١١٦] الآيَةَ، والثّامِنَةُ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورُسُلِهِ ولَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أحَدٍ مِنهم أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهم﴾ وكانَ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَمِلُوا مِنَ الذُّنُوبِ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٥٢] .

النساء 4:31

الباطِلُ: ما لَيْسَ بِحَقٍّ، ووُجُوهُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ، ومِنَ الباطِلِ البُيُوعاتُ الَّتِي نَهى عَنْها الشَّرْعُ. والتِّجارَةُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ المُعارَضَةِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ؛ أيْ: لَكِنَّ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكم جائِزَةٌ بَيْنَكم، أوْ لَكِنَّ كَوْنَ تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ مِنكم حَلالًا لَكم. وقَوْلُهُ: ﴿عَنْ تَراضٍ﴾ صِفَةٌ لِ ( تِجارَةً )؛ أيْ: كائِنَةً عَنْ تَراضٍ، وإنَّما نَصَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ عَلى التِّجارَةِ دُونَ سائِرِ أنْواعِ المُعاوَضاتِ لِكَوْنِها أكْثَرَها وأغْلَبَها، وتُطْلَقُ التِّجارَةُ عَلى جَزاءِ الأعْمالِ مِنَ اللَّهِ عَلى وجْهِ المَجازِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ أدُلُّكم عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكم مِن عَذابٍ ألِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] . وقَوْلُهُ: ﴿يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر: ٢٩] . واخْتَلَفَ العُلَماءُ في التَّراضِي، فَقالَتْ طائِفَةٌ: تَمامُهُ وُجُوبُهُ بِافْتِراقِ الأبْدانِ بَعْدَ عَقْدِ البَيْعِ، أوْ بِأنْ يَقُولَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ. كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «البَيِّعانِ بِالخِيارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقا، أوْ يَقُولَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: اخْتَرْ» . وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ والثَّوْرِيُّ والأوْزاعِيُّ واللَّيْثُ وابْنُ عُيَيْنَةَ وإسْحاقُ وغَيْرُهم. وقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ: تَمامُ البَيْعِ هو أنْ يُعْقَدَ البَيْعُ بِالألْسِنَةِ فَيَرْتَفِعَ بِذَلِكَ الخِيارُ، وأجابُوا عَنِ الحَدِيثِ بِما لا طائِلَ تَحْتَهُ. وقَدْ قُرِئَ ( تِجارَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ كانَ تامَّةٌ، ( وتِجارَةً ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّها ناقِصَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: لا يَقْتُلْ بَعْضُكم أيُّها المُسْلِمُونَ بَعْضًا إلّا بِسَبَبٍ أثْبَتَهُ الشَّرْعُ، أوْ لا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم بِاقْتِرافِ المَعاصِي، أوِ المُرادُ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَقْتُلَ الإنْسانُ نَفْسَهُ حَقِيقَةً. ولا مانِعَ مِن حَمْلِ الآيَةِ عَلى جَمِيعِ المَعانِي. ومِمّا يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ احْتِجاجُ عَمْرِو بْنِ العاصِ بِها حِينَ لَمْ يَغْتَسِلْ بِالماءِ البارِدِ حِينَ أجْنَبَ في غَزاةِ ذاتِ السُّلاسِلِ، فَقَرَّرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ احْتِجاجَهُ وهو في مُسْنَدِ أحْمَدَ وسُنَنِ أبِي داوُدَ وغَيْرِهِما. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أيِ: القَتْلَ خاصَّةً أوْ أكْلَ أمْوالِ النّاسِ ظُلْمًا والقَتْلَ عُدْوانًا وظُلْمًا، وقِيلَ: هو إشارَةٌ إلى كُلِّ ما نُهِيَ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ، وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّهُ عائِدٌ عَلى ما نَهى عَنْهُ مِن آخِرِ وعِيدٍ وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكم أنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا﴾ [النساء: ١٩]؛ لِأنَّ كُلَّ ما نُهِيَ عَنْهُ مِن أوَّلِ السُّورَةِ قُرِنَ بِهِ وعِيدٌ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ﴾ فَإنَّهُ لا وعِيدَ بَعْدَهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ والعُدْوانُ: تَجاوُزُ الحَدِّ. والظُّلْمُ: وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى العُدْوانِ والظُّلْمِ واحِدٌ، وتَكْرِيرُهُ لِقَصْدِ التَّأْكِيدِ كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:(p-٢٩٣) ؎وأُلْفِي قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنا وخَرَجَ بِقَيْدِ العُدْوانِ والظُّلْمِ ما كانَ مِنَ القَتْلِ بِحَقٍّ كالقِصاصِ وقَتْلِ المُرْتَدِّ وسائِرِ الحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ وكَذَلِكَ قَتْلُ الخَطَأِ. قَوْلُهُ: ﴿فَسَوْفَ نُصْلِيهِ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ؛ أيْ: نُدْخِلُهُ نارًا عَظِيمَةً وكانَ ذَلِكَ أيْ: إصْلاؤُهُ النّارَ ﴿عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾؛ لِأنَّهُ لا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ. وقُرِئَ: " نَصْلِيهِ " بِفَتْحِ النُّونِ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الأعْمَشِ والنَّخَعِيِّ، وهو عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَنقُولٌ مِن صَلى، ومِنهُ شاةٌ مَصْلِيَّةٌ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ أيْ: إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ الذُّنُوبِ الَّتِي نَهاكُمُ اللَّهُ عَنْها ﴿نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾ أيْ: ذُنُوبَكُمُ الَّتِي هي صَغائِرُ، وحَمْلُ السَّيِّئاتِ عَلى الصَّغائِرِ هُنا مُتَعَيِّنٌ لِذِكْرِ الكَبائِرِ قَبْلَها، وجَعْلِ اجْتِنابِها شَرْطًا لِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ الأُصُولِ في تَحْقِيقِ مَعْنى الكَبائِرِ ثُمَّ في عَدَدِها، فَأمّا في تَحْقِيقِها فَقِيلَ: إنَّ الذُّنُوبَ كُلَّها كَبائِرُ، وإنَّما يُقالُ لِبَعْضِها صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى ما هو أكْبَرُ مِنها، كَما يُقالُ: الزِّنا صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى الكُفْرِ، والقُبْلَةُ المُحَرَّمَةُ صَغِيرَةٌ بِالإضافَةِ إلى الزِّنا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ الِاسْفَرايِينِيِّ والجُوَيْنِيِّ والقُشَيْرِيِّ وغَيْرِهِمْ قالُوا: والمُرادُ بِالكَبائِرِ الَّتِي يَكُونُ اجْتِنابُها سَبَبًا لِتَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ هي الشِّرْكُ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِقِراءَةِ مَن قَرَأ ( إنْ تَجْتَنِبُوا كَبِيرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ ) وعَلى قِراءَةِ الجَمْعِ، فالمُرادُ أجْناسُ الكُفْرِ، واسْتَدَلُّوا عَلى ما قالُوهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قالُوا: فَهَذِهِ الآيَةُ مُقَيِّدَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الكَبِيرَةُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنارٍ أوْ غَضَبٍ أوْ لَعْنَةٍ أوْ عَذابٍ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الكَبائِرُ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ في هَذِهِ السُّورَةِ إلى ثَلاثٍ وثَلاثِينَ آيَةً. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كُلُّ ذَنْبٍ نَسَبَهُ اللَّهُ إلى النّارِ فَهو كَبِيرَةٌ. وقالَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ الأُصُولِ: الكَبائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ رَتَّبَ اللَّهُ عَلَيْهِ الحَدَّ أوْ صَرَّحَ بِالوَعِيدِ فِيهِ. وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا لا فائِدَةَ في التَّطْوِيلِ بِذِكْرِهِ. وأمّا الِاخْتِلافُ في عَدَدِها فَقِيلَ: إنَّها سَبْعٌ، وقِيلَ: سَبْعُونَ، وقِيلَ: سَبْعُمِائَةٍ، وقِيلَ: غَيْرُ مُنْحَصِرَةٍ، ولَكِنَّ بَعْضَها أكْبَرُ مِن بَعْضٍ، وسَيَأْتِي ما ورَدَ في ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ. قَوْلُهُ: ﴿ونُدْخِلْكم مُدْخَلًا﴾ أيْ: مَكانَ دُخُولٍ وهو الجَنَّةُ كَرِيمًا أيْ: حَسَنًا مَرْضِيًّا، وقَدْ قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ والكُوفِيُّونَ مُدْخَلًا بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ بِفَتْحِ المِيمِ، وكِلاهُما اسْمُ مَكانٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ قالَ: إنَّها مُحْكَمَةٌ ما نُسِخَتْ ولا تُنْسَخُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ مِنَ النّاسِ بَعْدَ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَنَسَخَ ذَلِكَ الآيَةُ الَّتِي في النُّورِ ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم﴾ [النور: ٦١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّما البَيْعُ عَنْ تَراضٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ وعِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ قالا: نَهاهم عَنْ قَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ قالَ: أهْلُ دِينِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا﴾ يَعْنِي: مُتَعَمِّدًا اعْتِداءً بِغَيْرِ حَقٍّ ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: كانَ عَذابُهُ عَلى اللَّهِ هَيِّنًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوانًا وظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا﴾ في كُلِّ ذَلِكَ أمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ ؟ قالَ: بَلْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: هانَ ما سَألَكم رَبُّكم ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ ما نَهى عَنْهُ فَهو كَبِيرَةٌ، وقَدْ ذُكِرَتِ الطَّرْفَةُ: يَعْنِي النَّظْرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ عُصِيَ اللَّهُ فِيهِ فَهو كَبِيرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كُلُّ ما وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ كَبِيرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ قالَ: الكَبائِرُ كُلُّ ذَنْبٍ خَتَمَهُ اللَّهُ بِنارٍ أوْ غَضَبٍ أوْ لَعْنَةٍ أوْ عَذابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الكَبائِرِ أسَبْعٌ هي ؟ قالَ: هي إلى السَبْعِينَ أقْرَبُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: أنَّ رَجُلًا سَألَهُ كَمِ الكَبائِرُ أسَبْعٌ هي ؟ قالَ: هي إلى سَبْعِمِائَةٍ أقْرَبُ مِنها إلى سَبْعٍ، غَيْرَ أنَّهُ لا كَبِيرَةَ مَعَ اسْتِغْفارٍ، ولا صَغِيرَةَ مَعَ إصْرارٍ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ: كُلُّ ذَنْبٍ أصَرَّ عَلَيْهِ العَبْدُ كَبِيرَةٌ، ولَيْسَ بِكَبِيرَةٍ ما تابَ عَنْهُ العَبْدُ. وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ، قالُوا: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الرِّبا، وأكْلُ مالِ اليَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وقَذْفُ المُحْصَناتِ الغافِلاتِ المُؤْمِناتِ» وثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن حَدِيثِ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ألا أُنَبِّئُكم بِأكْبَرِ الكَبائِرِ ؟ قُلْنا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ، وكانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقالَ: ألا وقَوْلُ الزُّورِ وشَهادَةُ الزُّورِ، فَما زالَ يُكَرِّرُها حَتّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «الكَبائِرُ: الإشْراكُ بِاللَّهِ، وعُقُوقُ الوالِدَيْنِ وقَتْلُ النَّفْسِ - شَكَّ شُعْبَةُ - واليَمِينُ الغَمُوسُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ (p-٢٩٤)وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ أنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ، قالُوا: وكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ ؟ قالَ: يَسُبُّ أبا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أباهُ ويَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» . والأحادِيثُ في تَعْدادِ الكَبائِرِ وتَعْيِينِها كَثِيرَةٌ جِدًّا، فَمَن رامَ الوُقُوفَ عَلى ما ورَدَ في ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ بِكِتابِ الزَّواجِرِ في الكَبائِرِ، فَإنَّهُ قَدْ جَمَعَ فَأوْعى. واعْلَمْ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ ما في هَذِهِ الآيَةِ مِن تَكْفِيرِ السَّيِّئاتِ بِمُجَرَّدِ اجْتِنابِ الكَبائِرِ بِما أخْرَجَهُ النَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ خُزَيْمَةَ وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وأبِي سَعِيدٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ جَلَسَ عَلى المِنبَرِ ثُمَّ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما مِن عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخَمْسَ ويَصُومُ رَمَضانَ ويُؤَدِّي الزَّكاةَ ويَجْتَنِبُ الكَبائِرَ السَّبْعَ إلّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى إنَّها لَتَصْفِقُ، ثُمَّ تَلا ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في فَضائِلِهِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في سُورَةِ النِّساءِ خَمْسَ آياتٍ ما يَسُرُّنِي أنَّ لِي بِها الدُّنْيا وما فِيها، ولَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ العُلَماءَ إذا مَرُّوا بِها يَعْرِفُونَها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ٣١]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٠]، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ [النساء: ٤٨، ١١٦]، وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٦٤]، وقَوْلُهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ [النساء: ١١٠] .

النساء 4:32

قَوْلُهُ: ولا تَتَمَنَّوْا التَّمَنِّي نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، كالتَّلَهُّفِ نَوْعٌ مِنها يَتَعَلَّقُ بِالماضِي، وفِيهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ النّاسِ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِن عَدَمِ الرِّضا بِالقِسْمَةِ الَّتِي قَسَمَها اللَّهُ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، وفِيهِ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الحَسَدِ المَنهِيِّ عَنْهُ إذا صَحِبَهُ إرادَةُ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنِ الغَيْرِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الغِبْطَةِ هَلْ تَجُوزُ أمْ لا ؟ وهي أنْ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ بِهِ حالٌ مِثْلُ حالِ صاحِبِهِ مِن دُونِ أنْ يَتَمَنّى زَوالَ ذَلِكَ الحالِ عَنْ صاحِبِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى جَوازِ ذَلِكَ، واسْتَدَلُّوا بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهو يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَهو يُنْفِقُهُ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ» وقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ البُخارِيُّ بابَ الِاغْتِباطِ في العِلْمِ والحُكْمِ، وعُمُومُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَمَنِّي ما وقَعَ بِهِ التَّفْضِيلُ سَواءٌ كانَ مَصْحُوبًا بِما يَصِيرُ بِهِ مِن جِنْسِ الحَسَدِ أمْ لا، وما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن جَوازِ ذَلِكَ في أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِهَذا العُمُومِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ، فِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، ورُجُوعٌ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ مِن أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو ولا نُقاتِلُ فَنَسْتَشْهِدُ، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ فَنَزَلَتْ. أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا السَّبَبِ مِن طُرُقٍ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. والمَعْنى في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ نَصِيبًا عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ إرادَتُهُ وحِكْمَتُهُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ المَجْعُولِ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِن فَرِيقَيِ النِّساءِ والرِّجالِ بِالنَّصِيبِ مِمّا اكْتَسَبُوا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، شَبَّهَ اقْتِضاءَ حالِ كُلِّ فَرِيقٍ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ. قالَ قَتادَةُ: لِلرِّجالِ نُصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِذَلِكَ المِيراثِ والِاكْتِسابِ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى ما ذَكَرْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ولا تَتَمَنَّوْا وتَوْسِيطُ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ. بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ ما تَضَمَّنَهُ النَّهْيُ، وهَذا الأمْرُ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سُؤالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن فَضْلِهِ كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قَوْلُهُ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا لِكُلِّ إنْسانٍ ورَثَةً مَوالِيَ يَلُونَ مِيراثَهُ، فَلِكُلٍّ: مَفْعُولٌ ثانٍ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنَ المِيراثِ، ولا يَتَمَنَّ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ - وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وقِيلَ العَكْسُ كَما رَوى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ النّاسِخَ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] والمَوالِي جَمْعُ مَوْلًى، وهو يُطْلَقُ عَلى المُعْتَقِ والمُعْتِقِ والنّاصِرِ وابْنِ العَمِّ والجارِ، قِيلَ: والمُرادُ هُنا العَصَبَةُ؛ أيْ: ولِكُلٍّ جَعَلْنا عَصَبَةً يَرِثُونَ ما أبْقَتِ الفَرائِضُ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ المُرادُ بِهِمْ مَوالِي المُوالاةِ: كانَ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ؛ أيْ: يُحالِفُهُ فَيَسْتَحِقُّ مِن مِيراثِهِ نَصِيبًا، ثُمَّ ثَبَتَ في صَدْرِ (p-٢٩٥)الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . وقِراءَةُ الجُمْهُورِ " عاقَدَتْ "، ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ قَرَأ " عَقَّدَتْ " بِتَشْدِيدِ القافِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ أيْ: والَّذِينَ عَقَّدَتْ لَهم أيْمانُكُمُ الحِلْفَ، أوْ عَقَّدَتْ عُهُودَهم أيْمانُكم، والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: والَّذِينَ عاقَدَتْهم أيْمانُكم فَآتَوْهم نَصِيبَهم؛ أيْ: ما جَعَلْتُمُوهُ لَهم بِعَقْدِ الحِلْفِ. قَوْلُهُ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ العِلَّةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِها الرِّجالُ الزِّيادَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَحَقَّ الرِّجالُ ما اسْتَحَقُّوا مِمّا لَمْ تُشارِكْهم فِيهِ النِّساءُ، فَقالَ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾ إلَخْ، والمُرادُ أنَّهم يُقَوِّمُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُنَّ كَما تُقَوِّمُ الحُكّامُ والأُمَراءُ بِالذَّبِّ عَنِ الرَّعايَةِ، وهم أيْضًا يُقَوِّمُونَ ما يَحْتَجْنَ إلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والمَسْكَنِ، وجاءَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ: قَوّامُونَ لِيَدُلَّ عَلى أصالَتِهِمْ في هَذا الأمْرِ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ أيْ: إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذِهِ المَزِيَّةَ لِتَفْضِيلِ اللَّهِ لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَهم بِهِ مِن كَوْنِ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والسَّلاطِينُ والحُكّامُ والأُمَراءُ والغُزاةُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ. قَوْلُهُ: ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾ أيْ: وبِسَبَبِ ما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ ما أنْفَقُوهُ في الإنْفاقِ عَلى النِّساءِ، وبِما دَفَعُوهُ في مُهُورِهِنَّ مِن أمْوالِهِمْ، وكَذَلِكَ ما يُنْفِقُونَهُ في الجِهادِ وما يَلْزَمُهم في العَقْلِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ فَسْخِ النِّكاحِ إذا عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وكُسْوَتِها، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما. قَوْلُهُ: فالصّالِحاتُ أيْ مِنَ النِّساءِ قانِتاتٌ أيْ: مُطِيعاتٌ لِلَّهِ قائِماتٌ بِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ أزْواجِهِنَّ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: لِما يُجِبُ حِفْظُهُ عِنْدَ غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ عَنْهُنَّ مِن حِفْظِ نُفُوسِهِنَّ وحِفْظِ أمْوالِهِمْ، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِحِفْظِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهُنَّ حافِظاتٌ لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُنَّ ومَعُونَتِهِ وتَسْدِيدِهِ، أوْ حافِظاتٌ لَهُ بِما اسْتَحْفَظَهُنَّ مِن أداءِ الأمانَةِ إلى أزْواجِهِنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، أوْ حافِظاتٌ لَهُ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُنَّ بِما أوْصى بِهِ الأزْواجَ في شَأْنِهِنَّ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( بِما حَفِظَ اللَّهَ ) بِنَصْبِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى بِما حَفِظْنَ اللَّهَ؛ أيْ: حَفِظْنَ أمْرَهُ، أوْ حَفِظْنَ دِينَهُ، فَحُذِفَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْهِنَّ لِلْعِلْمِ بِهِ، و" ما " عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، كالقِراءَةِ الأُولى؛ أيْ: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ، أوْ بِالَّذِي حَفِظْنَ اللَّهَ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْأزْواجِ، قِيلَ: الخَوْفُ هُنا عَلى بابِهِ، وهو حالَةٌ تَحْدُثُ في القَلْبِ عِنْدَ حُدُوثِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ، أوْ عِنْدَ ظَنِّ حُدُوثِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَوْفِ هُنا العِلْمُ. والنُّشُوزُ: العِصْيانُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ في اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: نَشَزَتِ المَرْأةُ: اسْتَعْصَتْ عَلى بَعْلِها، ونَشَزَ بَعْلُها عَلَيْها: إذا ضَرَبَها وجَفاها. فَعِظُوهُنَّ أيْ: ذَكِّرُوهُنَّ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الطّاعَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ، ورَغِّبُوهُنَّ ورَهِّبُوهُنَّ ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ يُقالُ هَجَرَهُ؛ أيْ: تَباعَدَ مِنهُ. والمَضاجِعُ: جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مَحَلُّ الِاضْطِجاعِ؛ أيْ: تَباعَدُوا عَنْ مُضاجَعَتِهِنَّ ولا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ ما تَجْعَلُونَهُ عَلَيْكم حالَ الِاضْطِجاعِ مِنَ الثِّيابِ، وقِيلَ: هو أنْ يُوَلِّيَها ظَهْرَهُ عِنْدَ الِاضْطِجاعِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ جِماعِها، وقِيلَ: لا تَبِيتُ مَعَهُ في البَيْتِ الَّذِي يَضْطَجِعُ فِيهِ واضْرِبُوهُنَّ أيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أنَّ يَفْعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ عِنْدَ مَخافَةِ النُّشُوزِ، وقِيلَ: إنَّهُ لا يَهْجُرُها إلّا بَعْدَ عَدَمِ تَأْثِيرِ الوَعْظِ، فَإنْ أثَّرَ الوَعْظُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الهَجْرِ، وإنْ كَفاهُ الهَجْرُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الضَّرْبِ ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ كَما يَجِبُ وتَرَكْنَ النُّشُوزَ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَهُنَّ بِشَيْءٍ مِمّا يَكْرَهْنَ لا بِقَوْلٍ ولا بِفِعْلٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُكَلِّفُوهُنَّ الحُبَّ لَكم فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِيارِهِنَّ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ إشارَةً إلى الأزْواجِ بِخَفْضِ الجَناحِ ولِينِ الجانِبِ؛ أيْ: وإنْ كُنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِنَّ فاذْكُرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكم فَإنَّها فَوْقَ كُلِّ قُدْرَةٍ، واللَّهُ بِالمِرْصادِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: لا يَتَمَنّى الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَيْتَ أنَّ لِي مالَ فُلانٍ وأهْلَهُ، فَنَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَكِنْ يَسْألُ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ يَعْنِي: مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ النِّساءَ قُلْنَ: لَوْ جُعِلَ أنْصِباؤُنا في المِيراثِ كَأنْصِباءِ الرِّجالِ ؟ وقالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا في الآخِرَةِ كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ النُّزُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: لَيْسَ بِعَرَضِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: العِبادَةُ، لَيْسَ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «سَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ يُسْألَ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: كَذا رَواهُ حَمّادُ بْنُ واقِدٍ ولَيْسَ بِالحافِظِ، ورَواهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وحَدِيثُ أبِي نُعَيْمٍ أشْبَهَ أنْ يَكُونَ أصَحَّ وكَذا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ورَواهُ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ قالَ: ورَثَةً ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم﴾ قالَ: كانَ المُهاجِرُونَ (p-٢٩٦)لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرِيُّ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَهم، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ قالَ: عَصَبَةٌ ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلانِ أيُّهُما ماتَ ورِثَهُ الآخَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يَقُولُ: إلّا أنْ يُوصُوا لِأوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ عاقَدُوا وصِيَّةً فَهو لَهم جائِزٌ مِن ثُلُثِ مالِ المَيِّتِ وهو المَعْرُوفُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الإسْلامِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ: تَرِثُنِي وأرِثُكَ، وكانَ الأحْياءُ يَتَحالَفُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: كُلُّ حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ أوْ عَقْدٍ أدْرَكَهُ الإسْلامُ فَلا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا عَقْدَ ولا حِلْفَ في الإسْلامِ - فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾» [الأنفال: ٧٥] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُما نَسَبٌ فَيَرِثُ أحَدُهُما الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ في الأنْفالِ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ لَطَمَ امْرَأتَهُ فَجاءَتْ تَلْتَمِسُ القِصاصَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما القِصاصَ، فَنَزَلَ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَزَلَ القُرْآنُ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ يَعْنِي: أُمَراءَ، عَلَيْهِنَّ أنْ تُطِيعَهُ فِيما أمَرَها اللَّهُ بِهِ مِن طاعَتِهِ، وطاعَتُهُ أنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إلى أهْلِهِ حافِظَةً لِمالِهِ ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ فَضَّلَهُ عَلَيْها بِنَفَقَتِهِ وسَعْيِهِ ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ قالَ: مُطِيعاتٌ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يَعْنِي إذا كُنَّ كَذا فَأحْسِنُوا إلَيْهِنَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قالَ: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما اسْتَوْدَعَهُنَّ اللَّهُ مِن حَقِّهِ، وحافِظاتٌ لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ لِلْأزْواجِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: تَحْفَظُ عَلى زَوْجِها مالَهُ وفَرْجَها حَتّى يَرْجِعَ كَما أمَرَها اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَنْشُزُ وتَسْتَخِفُّ بِحَقِّ زَوْجِها ولا تُطِيعُ أمْرَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعِظَها ويُذَكِّرَها بِاللَّهِ ويُعَظِّمَ حَقَّهُ عَلَيْها، فَإنْ قَبِلَتْ وإلّا هَجَرَها في المَضْجَعِ ولا يُكَلِّمُها مِن غَيْرِ أنْ يَذَرَ نِكاحَها، وذَلِكَ عَلَيْها تَشْدِيدٌ، فَإنْ رَجَعَتْ وإلّا ضَرَبَها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ولا يَكْسِرُ لَها عَظْمًا ولا يَجْرَحُ بِها جُرْحًا ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: إذا أطاعَتْكَ فَلا تَتَجَنّى عَلَيْها العِلَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ قالَ: لا يُجامِعُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: يَهْجُرُها بِلِسانِهِ ويُغَلِّطُ لَها بِالقَوْلِ ولا يَدَعُ الجِماعَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ: أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الضَّرْبِ غَيْرِ المُبَرِّحِ، فَقالَ: بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ: أنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وفِيها أنَّهُ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ألا واسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا،، فَإنَّما هُنَّ عَوانٌ عِنْدَكم لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فاهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أيَضْرِبُ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ كَما يَضْرِبُ العَبْدَ ؟ ثُمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليَوْمِ» .

النساء 4:33

قَوْلُهُ: ولا تَتَمَنَّوْا التَّمَنِّي نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، كالتَّلَهُّفِ نَوْعٌ مِنها يَتَعَلَّقُ بِالماضِي، وفِيهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ النّاسِ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِن عَدَمِ الرِّضا بِالقِسْمَةِ الَّتِي قَسَمَها اللَّهُ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، وفِيهِ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الحَسَدِ المَنهِيِّ عَنْهُ إذا صَحِبَهُ إرادَةُ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنِ الغَيْرِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الغِبْطَةِ هَلْ تَجُوزُ أمْ لا ؟ وهي أنْ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ بِهِ حالٌ مِثْلُ حالِ صاحِبِهِ مِن دُونِ أنْ يَتَمَنّى زَوالَ ذَلِكَ الحالِ عَنْ صاحِبِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى جَوازِ ذَلِكَ، واسْتَدَلُّوا بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهو يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَهو يُنْفِقُهُ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ» وقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ البُخارِيُّ بابَ الِاغْتِباطِ في العِلْمِ والحُكْمِ، وعُمُومُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَمَنِّي ما وقَعَ بِهِ التَّفْضِيلُ سَواءٌ كانَ مَصْحُوبًا بِما يَصِيرُ بِهِ مِن جِنْسِ الحَسَدِ أمْ لا، وما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن جَوازِ ذَلِكَ في أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِهَذا العُمُومِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ، فِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، ورُجُوعٌ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ مِن أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو ولا نُقاتِلُ فَنَسْتَشْهِدُ، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ فَنَزَلَتْ. أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا السَّبَبِ مِن طُرُقٍ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. والمَعْنى في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ نَصِيبًا عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ إرادَتُهُ وحِكْمَتُهُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ المَجْعُولِ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِن فَرِيقَيِ النِّساءِ والرِّجالِ بِالنَّصِيبِ مِمّا اكْتَسَبُوا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، شَبَّهَ اقْتِضاءَ حالِ كُلِّ فَرِيقٍ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ. قالَ قَتادَةُ: لِلرِّجالِ نُصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِذَلِكَ المِيراثِ والِاكْتِسابِ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى ما ذَكَرْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ولا تَتَمَنَّوْا وتَوْسِيطُ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ. بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ ما تَضَمَّنَهُ النَّهْيُ، وهَذا الأمْرُ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سُؤالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن فَضْلِهِ كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قَوْلُهُ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا لِكُلِّ إنْسانٍ ورَثَةً مَوالِيَ يَلُونَ مِيراثَهُ، فَلِكُلٍّ: مَفْعُولٌ ثانٍ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنَ المِيراثِ، ولا يَتَمَنَّ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ - وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وقِيلَ العَكْسُ كَما رَوى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ النّاسِخَ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] والمَوالِي جَمْعُ مَوْلًى، وهو يُطْلَقُ عَلى المُعْتَقِ والمُعْتِقِ والنّاصِرِ وابْنِ العَمِّ والجارِ، قِيلَ: والمُرادُ هُنا العَصَبَةُ؛ أيْ: ولِكُلٍّ جَعَلْنا عَصَبَةً يَرِثُونَ ما أبْقَتِ الفَرائِضُ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ المُرادُ بِهِمْ مَوالِي المُوالاةِ: كانَ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ؛ أيْ: يُحالِفُهُ فَيَسْتَحِقُّ مِن مِيراثِهِ نَصِيبًا، ثُمَّ ثَبَتَ في صَدْرِ (p-٢٩٥)الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . وقِراءَةُ الجُمْهُورِ " عاقَدَتْ "، ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ قَرَأ " عَقَّدَتْ " بِتَشْدِيدِ القافِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ أيْ: والَّذِينَ عَقَّدَتْ لَهم أيْمانُكُمُ الحِلْفَ، أوْ عَقَّدَتْ عُهُودَهم أيْمانُكم، والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: والَّذِينَ عاقَدَتْهم أيْمانُكم فَآتَوْهم نَصِيبَهم؛ أيْ: ما جَعَلْتُمُوهُ لَهم بِعَقْدِ الحِلْفِ. قَوْلُهُ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ العِلَّةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِها الرِّجالُ الزِّيادَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَحَقَّ الرِّجالُ ما اسْتَحَقُّوا مِمّا لَمْ تُشارِكْهم فِيهِ النِّساءُ، فَقالَ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾ إلَخْ، والمُرادُ أنَّهم يُقَوِّمُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُنَّ كَما تُقَوِّمُ الحُكّامُ والأُمَراءُ بِالذَّبِّ عَنِ الرَّعايَةِ، وهم أيْضًا يُقَوِّمُونَ ما يَحْتَجْنَ إلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والمَسْكَنِ، وجاءَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ: قَوّامُونَ لِيَدُلَّ عَلى أصالَتِهِمْ في هَذا الأمْرِ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ أيْ: إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذِهِ المَزِيَّةَ لِتَفْضِيلِ اللَّهِ لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَهم بِهِ مِن كَوْنِ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والسَّلاطِينُ والحُكّامُ والأُمَراءُ والغُزاةُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ. قَوْلُهُ: ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾ أيْ: وبِسَبَبِ ما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ ما أنْفَقُوهُ في الإنْفاقِ عَلى النِّساءِ، وبِما دَفَعُوهُ في مُهُورِهِنَّ مِن أمْوالِهِمْ، وكَذَلِكَ ما يُنْفِقُونَهُ في الجِهادِ وما يَلْزَمُهم في العَقْلِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ فَسْخِ النِّكاحِ إذا عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وكُسْوَتِها، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما. قَوْلُهُ: فالصّالِحاتُ أيْ مِنَ النِّساءِ قانِتاتٌ أيْ: مُطِيعاتٌ لِلَّهِ قائِماتٌ بِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ أزْواجِهِنَّ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: لِما يُجِبُ حِفْظُهُ عِنْدَ غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ عَنْهُنَّ مِن حِفْظِ نُفُوسِهِنَّ وحِفْظِ أمْوالِهِمْ، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِحِفْظِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهُنَّ حافِظاتٌ لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُنَّ ومَعُونَتِهِ وتَسْدِيدِهِ، أوْ حافِظاتٌ لَهُ بِما اسْتَحْفَظَهُنَّ مِن أداءِ الأمانَةِ إلى أزْواجِهِنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، أوْ حافِظاتٌ لَهُ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُنَّ بِما أوْصى بِهِ الأزْواجَ في شَأْنِهِنَّ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( بِما حَفِظَ اللَّهَ ) بِنَصْبِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى بِما حَفِظْنَ اللَّهَ؛ أيْ: حَفِظْنَ أمْرَهُ، أوْ حَفِظْنَ دِينَهُ، فَحُذِفَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْهِنَّ لِلْعِلْمِ بِهِ، و" ما " عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، كالقِراءَةِ الأُولى؛ أيْ: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ، أوْ بِالَّذِي حَفِظْنَ اللَّهَ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْأزْواجِ، قِيلَ: الخَوْفُ هُنا عَلى بابِهِ، وهو حالَةٌ تَحْدُثُ في القَلْبِ عِنْدَ حُدُوثِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ، أوْ عِنْدَ ظَنِّ حُدُوثِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَوْفِ هُنا العِلْمُ. والنُّشُوزُ: العِصْيانُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ في اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: نَشَزَتِ المَرْأةُ: اسْتَعْصَتْ عَلى بَعْلِها، ونَشَزَ بَعْلُها عَلَيْها: إذا ضَرَبَها وجَفاها. فَعِظُوهُنَّ أيْ: ذَكِّرُوهُنَّ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الطّاعَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ، ورَغِّبُوهُنَّ ورَهِّبُوهُنَّ ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ يُقالُ هَجَرَهُ؛ أيْ: تَباعَدَ مِنهُ. والمَضاجِعُ: جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مَحَلُّ الِاضْطِجاعِ؛ أيْ: تَباعَدُوا عَنْ مُضاجَعَتِهِنَّ ولا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ ما تَجْعَلُونَهُ عَلَيْكم حالَ الِاضْطِجاعِ مِنَ الثِّيابِ، وقِيلَ: هو أنْ يُوَلِّيَها ظَهْرَهُ عِنْدَ الِاضْطِجاعِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ جِماعِها، وقِيلَ: لا تَبِيتُ مَعَهُ في البَيْتِ الَّذِي يَضْطَجِعُ فِيهِ واضْرِبُوهُنَّ أيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أنَّ يَفْعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ عِنْدَ مَخافَةِ النُّشُوزِ، وقِيلَ: إنَّهُ لا يَهْجُرُها إلّا بَعْدَ عَدَمِ تَأْثِيرِ الوَعْظِ، فَإنْ أثَّرَ الوَعْظُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الهَجْرِ، وإنْ كَفاهُ الهَجْرُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الضَّرْبِ ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ كَما يَجِبُ وتَرَكْنَ النُّشُوزَ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَهُنَّ بِشَيْءٍ مِمّا يَكْرَهْنَ لا بِقَوْلٍ ولا بِفِعْلٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُكَلِّفُوهُنَّ الحُبَّ لَكم فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِيارِهِنَّ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ إشارَةً إلى الأزْواجِ بِخَفْضِ الجَناحِ ولِينِ الجانِبِ؛ أيْ: وإنْ كُنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِنَّ فاذْكُرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكم فَإنَّها فَوْقَ كُلِّ قُدْرَةٍ، واللَّهُ بِالمِرْصادِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: لا يَتَمَنّى الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَيْتَ أنَّ لِي مالَ فُلانٍ وأهْلَهُ، فَنَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَكِنْ يَسْألُ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ يَعْنِي: مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ النِّساءَ قُلْنَ: لَوْ جُعِلَ أنْصِباؤُنا في المِيراثِ كَأنْصِباءِ الرِّجالِ ؟ وقالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا في الآخِرَةِ كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ النُّزُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: لَيْسَ بِعَرَضِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: العِبادَةُ، لَيْسَ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «سَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ يُسْألَ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: كَذا رَواهُ حَمّادُ بْنُ واقِدٍ ولَيْسَ بِالحافِظِ، ورَواهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وحَدِيثُ أبِي نُعَيْمٍ أشْبَهَ أنْ يَكُونَ أصَحَّ وكَذا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ورَواهُ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ قالَ: ورَثَةً ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم﴾ قالَ: كانَ المُهاجِرُونَ (p-٢٩٦)لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرِيُّ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَهم، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ قالَ: عَصَبَةٌ ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلانِ أيُّهُما ماتَ ورِثَهُ الآخَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يَقُولُ: إلّا أنْ يُوصُوا لِأوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ عاقَدُوا وصِيَّةً فَهو لَهم جائِزٌ مِن ثُلُثِ مالِ المَيِّتِ وهو المَعْرُوفُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الإسْلامِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ: تَرِثُنِي وأرِثُكَ، وكانَ الأحْياءُ يَتَحالَفُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: كُلُّ حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ أوْ عَقْدٍ أدْرَكَهُ الإسْلامُ فَلا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا عَقْدَ ولا حِلْفَ في الإسْلامِ - فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾» [الأنفال: ٧٥] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُما نَسَبٌ فَيَرِثُ أحَدُهُما الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ في الأنْفالِ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ لَطَمَ امْرَأتَهُ فَجاءَتْ تَلْتَمِسُ القِصاصَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما القِصاصَ، فَنَزَلَ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَزَلَ القُرْآنُ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ يَعْنِي: أُمَراءَ، عَلَيْهِنَّ أنْ تُطِيعَهُ فِيما أمَرَها اللَّهُ بِهِ مِن طاعَتِهِ، وطاعَتُهُ أنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إلى أهْلِهِ حافِظَةً لِمالِهِ ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ فَضَّلَهُ عَلَيْها بِنَفَقَتِهِ وسَعْيِهِ ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ قالَ: مُطِيعاتٌ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يَعْنِي إذا كُنَّ كَذا فَأحْسِنُوا إلَيْهِنَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قالَ: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما اسْتَوْدَعَهُنَّ اللَّهُ مِن حَقِّهِ، وحافِظاتٌ لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ لِلْأزْواجِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: تَحْفَظُ عَلى زَوْجِها مالَهُ وفَرْجَها حَتّى يَرْجِعَ كَما أمَرَها اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَنْشُزُ وتَسْتَخِفُّ بِحَقِّ زَوْجِها ولا تُطِيعُ أمْرَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعِظَها ويُذَكِّرَها بِاللَّهِ ويُعَظِّمَ حَقَّهُ عَلَيْها، فَإنْ قَبِلَتْ وإلّا هَجَرَها في المَضْجَعِ ولا يُكَلِّمُها مِن غَيْرِ أنْ يَذَرَ نِكاحَها، وذَلِكَ عَلَيْها تَشْدِيدٌ، فَإنْ رَجَعَتْ وإلّا ضَرَبَها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ولا يَكْسِرُ لَها عَظْمًا ولا يَجْرَحُ بِها جُرْحًا ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: إذا أطاعَتْكَ فَلا تَتَجَنّى عَلَيْها العِلَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ قالَ: لا يُجامِعُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: يَهْجُرُها بِلِسانِهِ ويُغَلِّطُ لَها بِالقَوْلِ ولا يَدَعُ الجِماعَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ: أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الضَّرْبِ غَيْرِ المُبَرِّحِ، فَقالَ: بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ: أنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وفِيها أنَّهُ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ألا واسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا،، فَإنَّما هُنَّ عَوانٌ عِنْدَكم لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فاهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أيَضْرِبُ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ كَما يَضْرِبُ العَبْدَ ؟ ثُمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليَوْمِ» .

النساء 4:34

قَوْلُهُ: ولا تَتَمَنَّوْا التَّمَنِّي نَوْعٌ مِنَ الإرادَةِ يَتَعَلَّقُ بِالمُسْتَقْبَلِ، كالتَّلَهُّفِ نَوْعٌ مِنها يَتَعَلَّقُ بِالماضِي، وفِيهِ النَّهْيُ عَنْ أنْ يَتَمَنّى الإنْسانُ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ مِنَ النّاسِ عَلَيْهِ، فَإنَّ ذَلِكَ نَوْعٌ مِن عَدَمِ الرِّضا بِالقِسْمَةِ الَّتِي قَسَمَها اللَّهُ بَيْنَ عِبادِهِ عَلى مُقْتَضى إرادَتِهِ وحِكْمَتِهِ البالِغَةِ، وفِيهِ أيْضًا نَوْعٌ مِنَ الحَسَدِ المَنهِيِّ عَنْهُ إذا صَحِبَهُ إرادَةُ زَوالِ تِلْكَ النِّعْمَةِ عَنِ الغَيْرِ. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في الغِبْطَةِ هَلْ تَجُوزُ أمْ لا ؟ وهي أنْ يَتَمَنّى أنْ يَكُونَ بِهِ حالٌ مِثْلُ حالِ صاحِبِهِ مِن دُونِ أنْ يَتَمَنّى زَوالَ ذَلِكَ الحالِ عَنْ صاحِبِهِ، فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى جَوازِ ذَلِكَ، واسْتَدَلُّوا بِالحَدِيثِ الصَّحِيحِ «لا حَسَدَ إلّا في اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ القُرْآنَ فَهو يَقُومُ بِهِ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ، ورَجُلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فَهو يُنْفِقُهُ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ» وقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ البُخارِيُّ بابَ الِاغْتِباطِ في العِلْمِ والحُكْمِ، وعُمُومُ لَفْظِ الآيَةِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ تَمَنِّي ما وقَعَ بِهِ التَّفْضِيلُ سَواءٌ كانَ مَصْحُوبًا بِما يَصِيرُ بِهِ مِن جِنْسِ الحَسَدِ أمْ لا، وما ورَدَ في السُّنَّةِ مِن جَوازِ ذَلِكَ في أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ يَكُونُ مُخَصِّصًا لِهَذا العُمُومِ، وسَيَأْتِي ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، ولَكِنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ، فِيهِ تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، ورُجُوعٌ إلى ما يَتَضَمَّنُهُ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ مِن أنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ يَغْزُو الرِّجالُ ولا نَغْزُو ولا نُقاتِلُ فَنَسْتَشْهِدُ، وإنَّما لَنا نِصْفُ المِيراثِ فَنَزَلَتْ. أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا السَّبَبِ مِن طُرُقٍ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ. والمَعْنى في الآيَةِ أنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ نَصِيبًا عَلى حَسَبِ ما تَقْتَضِيهِ إرادَتُهُ وحِكْمَتُهُ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ المَجْعُولِ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِن فَرِيقَيِ النِّساءِ والرِّجالِ بِالنَّصِيبِ مِمّا اكْتَسَبُوا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعارَةِ التَّبَعِيَّةِ، شَبَّهَ اقْتِضاءَ حالِ كُلِّ فَرِيقٍ لِنَصِيبِهِ بِاكْتِسابِهِ إيّاهُ. قالَ قَتادَةُ: لِلرِّجالِ نُصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا مِنَ الثَّوابِ والعِقابِ ولِلنِّساءِ كَذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ بِذَلِكَ المِيراثِ والِاكْتِسابِ عَلى هَذا القَوْلِ بِمَعْنى ما ذَكَرْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ولا تَتَمَنَّوْا وتَوْسِيطُ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِ: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ﴾ إلَخْ. بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِتَقْرِيرِ ما تَضَمَّنَهُ النَّهْيُ، وهَذا الأمْرُ يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ سُؤالِ اللَّهِ سُبْحانَهُ مِن فَضْلِهِ كَما قالَهُ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ. قَوْلُهُ: ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ أيْ: جَعَلْنا لِكُلِّ إنْسانٍ ورَثَةً مَوالِيَ يَلُونَ مِيراثَهُ، فَلِكُلٍّ: مَفْعُولٌ ثانٍ قُدِّمَ عَلى الفِعْلِ لِتَأْكِيدِ الشُّمُولِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُقَرَّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَها؛ أيْ: لِيَتْبَعَ كُلُّ أحَدٍ ما قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنَ المِيراثِ، ولا يَتَمَنَّ ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَهُ عَلَيْهِ - وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ بَعْدَها: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وقِيلَ العَكْسُ كَما رَوى ذَلِكَ ابْنُ جَرِيرٍ. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ النّاسِخَ لِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] والمَوالِي جَمْعُ مَوْلًى، وهو يُطْلَقُ عَلى المُعْتَقِ والمُعْتِقِ والنّاصِرِ وابْنِ العَمِّ والجارِ، قِيلَ: والمُرادُ هُنا العَصَبَةُ؛ أيْ: ولِكُلٍّ جَعَلْنا عَصَبَةً يَرِثُونَ ما أبْقَتِ الفَرائِضُ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ المُرادُ بِهِمْ مَوالِي المُوالاةِ: كانَ الرَّجُلُ مِن أهْلِ الجاهِلِيَّةِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ؛ أيْ: يُحالِفُهُ فَيَسْتَحِقُّ مِن مِيراثِهِ نَصِيبًا، ثُمَّ ثَبَتَ في صَدْرِ (p-٢٩٥)الإسْلامِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾ . وقِراءَةُ الجُمْهُورِ " عاقَدَتْ "، ورُوِيَ عَنْ حَمْزَةَ أنَّهُ قَرَأ " عَقَّدَتْ " بِتَشْدِيدِ القافِ عَلى التَّكْثِيرِ؛ أيْ: والَّذِينَ عَقَّدَتْ لَهم أيْمانُكُمُ الحِلْفَ، أوْ عَقَّدَتْ عُهُودَهم أيْمانُكم، والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ: والَّذِينَ عاقَدَتْهم أيْمانُكم فَآتَوْهم نَصِيبَهم؛ أيْ: ما جَعَلْتُمُوهُ لَهم بِعَقْدِ الحِلْفِ. قَوْلُهُ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى بَيانِ العِلَّةِ الَّتِي اسْتَحَقَّ بِها الرِّجالُ الزِّيادَةَ، كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ اسْتَحَقَّ الرِّجالُ ما اسْتَحَقُّوا مِمّا لَمْ تُشارِكْهم فِيهِ النِّساءُ، فَقالَ: ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ﴾ إلَخْ، والمُرادُ أنَّهم يُقَوِّمُونَ بِالذَّبِّ عَنْهُنَّ كَما تُقَوِّمُ الحُكّامُ والأُمَراءُ بِالذَّبِّ عَنِ الرَّعايَةِ، وهم أيْضًا يُقَوِّمُونَ ما يَحْتَجْنَ إلَيْهِ مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والمَسْكَنِ، وجاءَ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في قَوْلِهِ: قَوّامُونَ لِيَدُلَّ عَلى أصالَتِهِمْ في هَذا الأمْرِ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ لِلرِّجالِ والنِّساءِ؛ أيْ: إنَّما اسْتَحَقُّوا هَذِهِ المَزِيَّةَ لِتَفْضِيلِ اللَّهِ لِلرِّجالِ عَلى النِّساءِ بِما فَضَّلَهم بِهِ مِن كَوْنِ فِيهِمُ الخُلَفاءُ والسَّلاطِينُ والحُكّامُ والأُمَراءُ والغُزاةُ وغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ. قَوْلُهُ: ﴿وبِما أنْفَقُوا﴾ أيْ: وبِسَبَبِ ما أنْفَقُوا مِن أمْوالِهِمْ، وما مَصْدَرِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وكَذَلِكَ هي في قَوْلِهِ: ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ ما أنْفَقُوهُ في الإنْفاقِ عَلى النِّساءِ، وبِما دَفَعُوهُ في مُهُورِهِنَّ مِن أمْوالِهِمْ، وكَذَلِكَ ما يُنْفِقُونَهُ في الجِهادِ وما يَلْزَمُهم في العَقْلِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى جَوازِ فَسْخِ النِّكاحِ إذا عَجَزَ الزَّوْجُ عَنْ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وكُسْوَتِها، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وغَيْرُهُما. قَوْلُهُ: فالصّالِحاتُ أيْ مِنَ النِّساءِ قانِتاتٌ أيْ: مُطِيعاتٌ لِلَّهِ قائِماتٌ بِما يَجِبُ عَلَيْهِنَّ مِن حُقُوقِ اللَّهِ وحُقُوقِ أزْواجِهِنَّ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ أيْ: لِما يُجِبُ حِفْظُهُ عِنْدَ غَيْبَةِ أزْواجِهِنَّ عَنْهُنَّ مِن حِفْظِ نُفُوسِهِنَّ وحِفْظِ أمْوالِهِمْ، و" ما " في قَوْلِهِ: ﴿بِما حَفِظَ اللَّهُ﴾ مَصْدَرِيَّةٌ؛ أيْ: بِحِفْظِ اللَّهِ. والمَعْنى: أنَّهُنَّ حافِظاتٌ لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُنَّ ومَعُونَتِهِ وتَسْدِيدِهِ، أوْ حافِظاتٌ لَهُ بِما اسْتَحْفَظَهُنَّ مِن أداءِ الأمانَةِ إلى أزْواجِهِنَّ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ بِهِ، أوْ حافِظاتٌ لَهُ بِحِفْظِ اللَّهِ لَهُنَّ بِما أوْصى بِهِ الأزْواجَ في شَأْنِهِنَّ مِن حُسْنِ العِشْرَةِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما مَوْصُولَةً، والعائِدُ مَحْذُوفٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( بِما حَفِظَ اللَّهَ ) بِنَصْبِ الِاسْمِ الشَّرِيفِ. والمَعْنى بِما حَفِظْنَ اللَّهَ؛ أيْ: حَفِظْنَ أمْرَهُ، أوْ حَفِظْنَ دِينَهُ، فَحُذِفَ الضَّمِيرُ الرّاجِعُ إلَيْهِنَّ لِلْعِلْمِ بِهِ، و" ما " عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ مَوْصُولَةٌ، كالقِراءَةِ الأُولى؛ أيْ: بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ، أوْ بِالَّذِي حَفِظْنَ اللَّهَ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ هَذا خِطابٌ لِلْأزْواجِ، قِيلَ: الخَوْفُ هُنا عَلى بابِهِ، وهو حالَةٌ تَحْدُثُ في القَلْبِ عِنْدَ حُدُوثِ أمْرٍ مَكْرُوهٍ، أوْ عِنْدَ ظَنِّ حُدُوثِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالخَوْفِ هُنا العِلْمُ. والنُّشُوزُ: العِصْيانُ. وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ أصْلِ مَعْناهُ في اللُّغَةِ. قالَ ابْنُ فارِسٍ: يُقالُ: نَشَزَتِ المَرْأةُ: اسْتَعْصَتْ عَلى بَعْلِها، ونَشَزَ بَعْلُها عَلَيْها: إذا ضَرَبَها وجَفاها. فَعِظُوهُنَّ أيْ: ذَكِّرُوهُنَّ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الطّاعَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ، ورَغِّبُوهُنَّ ورَهِّبُوهُنَّ ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ يُقالُ هَجَرَهُ؛ أيْ: تَباعَدَ مِنهُ. والمَضاجِعُ: جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مَحَلُّ الِاضْطِجاعِ؛ أيْ: تَباعَدُوا عَنْ مُضاجَعَتِهِنَّ ولا تُدْخِلُوهُنَّ تَحْتَ ما تَجْعَلُونَهُ عَلَيْكم حالَ الِاضْطِجاعِ مِنَ الثِّيابِ، وقِيلَ: هو أنْ يُوَلِّيَها ظَهْرَهُ عِنْدَ الِاضْطِجاعِ، وقِيلَ: هو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِ جِماعِها، وقِيلَ: لا تَبِيتُ مَعَهُ في البَيْتِ الَّذِي يَضْطَجِعُ فِيهِ واضْرِبُوهُنَّ أيْ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ. وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّهُ يَجُوزُ لِلزَّوْجِ أنَّ يَفْعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الأُمُورِ عِنْدَ مَخافَةِ النُّشُوزِ، وقِيلَ: إنَّهُ لا يَهْجُرُها إلّا بَعْدَ عَدَمِ تَأْثِيرِ الوَعْظِ، فَإنْ أثَّرَ الوَعْظُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الهَجْرِ، وإنْ كَفاهُ الهَجْرُ لَمْ يَنْتَقِلْ إلى الضَّرْبِ ﴿فَإنْ أطَعْنَكُمْ﴾ كَما يَجِبُ وتَرَكْنَ النُّشُوزَ ﴿فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ أيْ: لا تَتَعَرَّضُوا لَهُنَّ بِشَيْءٍ مِمّا يَكْرَهْنَ لا بِقَوْلٍ ولا بِفِعْلٍ، وقِيلَ: المَعْنى: لا تُكَلِّفُوهُنَّ الحُبَّ لَكم فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ تَحْتَ اخْتِيارِهِنَّ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ إشارَةً إلى الأزْواجِ بِخَفْضِ الجَناحِ ولِينِ الجانِبِ؛ أيْ: وإنْ كُنْتُمْ تَقْدِرُونَ عَلَيْهِنَّ فاذْكُرُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَيْكم فَإنَّها فَوْقَ كُلِّ قُدْرَةٍ، واللَّهُ بِالمِرْصادِ لَكم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: لا يَتَمَنّى الرَّجُلُ فَيَقُولُ: لَيْتَ أنَّ لِي مالَ فُلانٍ وأهْلَهُ، فَنَهى اللَّهُ سُبْحانَهُ عَنْ ذَلِكَ، ولَكِنْ يَسْألُ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا اكْتَسَبُوا﴾ يَعْنِي: مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ النِّساءَ قُلْنَ: لَوْ جُعِلَ أنْصِباؤُنا في المِيراثِ كَأنْصِباءِ الرِّجالِ ؟ وقالَ الرِّجالُ: إنّا لَنَرْجُو أنْ نُفَضَّلَ عَلى النِّساءِ بِحَسَناتِنا في الآخِرَةِ كَما فُضِّلْنا عَلَيْهِنَّ في المِيراثِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ سَبَبِ النُّزُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: لَيْسَ بِعَرَضِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿واسْألُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: العِبادَةُ، لَيْسَ مِن أمْرِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «سَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ، فَإنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أنْ يُسْألَ» . قالَ التِّرْمِذِيُّ: كَذا رَواهُ حَمّادُ بْنُ واقِدٍ ولَيْسَ بِالحافِظِ، ورَواهُ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ إسْرائِيلَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وحَدِيثُ أبِي نُعَيْمٍ أشْبَهَ أنْ يَكُونَ أصَحَّ وكَذا رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، ورَواهُ أيْضًا ابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ قالَ: ورَثَةً ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم﴾ قالَ: كانَ المُهاجِرُونَ (p-٢٩٦)لَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهاجِرِيُّ الأنْصارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَهم، فَلَمّا نَزَلَتْ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ نُسِخَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكم فَآتُوهم نَصِيبَهم﴾ مِنَ النَّصْرِ والرِّفادَةِ والنَّصِيحَةِ، وقَدْ ذَهَبَ المِيراثُ ويُوصى لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ ﴿ولِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ﴾ قالَ: عَصَبَةٌ ﴿والَّذِينَ عَقَدَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلانِ أيُّهُما ماتَ ورِثَهُ الآخَرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ إلّا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] يَقُولُ: إلّا أنْ يُوصُوا لِأوْلِيائِهِمُ الَّذِينَ عاقَدُوا وصِيَّةً فَهو لَهم جائِزٌ مِن ثُلُثِ مالِ المَيِّتِ وهو المَعْرُوفُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الإسْلامِ يُعاقِدُ الرَّجُلَ يَقُولُ: تَرِثُنِي وأرِثُكَ، وكانَ الأحْياءُ يَتَحالَفُونَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: كُلُّ حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ أوْ عَقْدٍ أدْرَكَهُ الإسْلامُ فَلا يَزِيدُهُ الإسْلامُ إلّا شِدَّةً، ولا عَقْدَ ولا حِلْفَ في الإسْلامِ - فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾» [الأنفال: ٧٥] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «كانَ الرَّجُلُ يُحالِفُ الرَّجُلَ لَيْسَ بَيْنَهُما نَسَبٌ فَيَرِثُ أحَدُهُما الآخَرَ، فَنَسَخَ ذَلِكَ في الأنْفالِ ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ لَطَمَ امْرَأتَهُ فَجاءَتْ تَلْتَمِسُ القِصاصَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَهُما القِصاصَ، فَنَزَلَ ﴿ولا تَعْجَلْ بِالقُرْآنِ مِن قَبْلِ أنْ يُقْضى إلَيْكَ وحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤] فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَزَلَ القُرْآنُ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أرَدْنا أمْرًا وأرادَ اللَّهُ غَيْرَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلى النِّساءِ﴾ يَعْنِي: أُمَراءَ، عَلَيْهِنَّ أنْ تُطِيعَهُ فِيما أمَرَها اللَّهُ بِهِ مِن طاعَتِهِ، وطاعَتُهُ أنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إلى أهْلِهِ حافِظَةً لِمالِهِ ﴿بِما فَضَّلَ اللَّهُ﴾ فَضَّلَهُ عَلَيْها بِنَفَقَتِهِ وسَعْيِهِ ﴿فالصّالِحاتُ قانِتاتٌ﴾ قالَ: مُطِيعاتٌ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ يَعْنِي إذا كُنَّ كَذا فَأحْسِنُوا إلَيْهِنَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ قالَ: حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ بِما اسْتَوْدَعَهُنَّ اللَّهُ مِن حَقِّهِ، وحافِظاتٌ لِغَيْبِ أزْواجِهِنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿حافِظاتٌ لِلْغَيْبِ﴾ لِلْأزْواجِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: تَحْفَظُ عَلى زَوْجِها مالَهُ وفَرْجَها حَتّى يَرْجِعَ كَما أمَرَها اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَنْشُزُ وتَسْتَخِفُّ بِحَقِّ زَوْجِها ولا تُطِيعُ أمْرَهُ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعِظَها ويُذَكِّرَها بِاللَّهِ ويُعَظِّمَ حَقَّهُ عَلَيْها، فَإنْ قَبِلَتْ وإلّا هَجَرَها في المَضْجَعِ ولا يُكَلِّمُها مِن غَيْرِ أنْ يَذَرَ نِكاحَها، وذَلِكَ عَلَيْها تَشْدِيدٌ، فَإنْ رَجَعَتْ وإلّا ضَرَبَها ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ولا يَكْسِرُ لَها عَظْمًا ولا يَجْرَحُ بِها جُرْحًا ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ يَقُولُ: إذا أطاعَتْكَ فَلا تَتَجَنّى عَلَيْها العِلَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ﴾ قالَ: لا يُجامِعُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: يَهْجُرُها بِلِسانِهِ ويُغَلِّطُ لَها بِالقَوْلِ ولا يَدَعُ الجِماعَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ: أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الضَّرْبِ غَيْرِ المُبَرِّحِ، فَقالَ: بِالسِّواكِ ونَحْوِهِ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ الأحْوَصِ: أنَّهُ شَهِدَ خُطْبَةَ الوَداعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وفِيها أنَّهُ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ألا واسْتَوْصُوا بِالنِّساءِ خَيْرًا،، فَإنَّما هُنَّ عَوانٌ عِنْدَكم لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَأْتِينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإنْ فَعَلْنَ فاهْجُرُوهُنَّ في المَضاجِعِ واضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ﴿فَإنْ أطَعْنَكم فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أيَضْرِبُ أحَدُكُمُ امْرَأتَهُ كَما يَضْرِبُ العَبْدَ ؟ ثُمَّ يُجامِعُها في آخِرِ اليَوْمِ» .

النساء 4:35

قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى الشِّقاقِ في البَقَرَةِ، وأصْلُهُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم يَأْخُذُ شِقًّا غَيْرَ شِقِّ صاحِبِهِ؛ أيْ: ناحِيَةً غَيْرَ ناحِيَتِهِ، وأُضِيفَ الشِّقاقُ إلى الظَّرْفِ لِإجْرائِهِ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] وقَوْلِهِ: يا سارِقَ اللَّيْلَةِ أهْلَ الدّارِ. والخِطابُ لِلْأُمَراءِ والحُكّامِ، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: بَيْنِهِما لِلزَّوْجَيْنِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ما يَدُلُّ عَلَيْهِما، وهو ذِكْرُ الرِّجالِ والنِّساءِ فابْعَثُوا إلى الزَّوْجَيْنِ حَكَمًا يَحْكُمُ بَيْنَهُما مِمَّنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ عَقْلًا ودِينًا وإنْصافًا وإنَّما نَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلى أنَّ الحَكَمَيْنِ يَكُونانِ مِن أهْلِ الزَّوْجَيْنِ؛ لِأنَّهُما أقْعَدُ بِمَعْرِفَةِ أحْوالِهِما، وإذا لَمْ يُوجَدْ مِن أهْلِ الزَّوْجَيْنِ مَن يَصْلُحُ لِلْحُكْمِ بَيْنَهُما كانَ الحَكَمانِ مِن غَيْرِهِمْ، وهَذا إذا أشْكَلَ أمْرُهُما ولَمْ يَتَبَيَّنْ مَن هو المُسِيءُ مِنهُما، فَأمّا إذا عُرِفَ المُسِيءُ فَإنَّهُ يُؤْخَذُ لِصاحِبِهِ الحَقُّ مِنهُ، وعَلى الحَكَمَيْنِ أنْ يَسْعَيا في إصْلاحِ ذاتِ البَيْنِ جُهْدَهُما، فَإنْ قَدَرا عَلى ذَلِكَ عَمِلا عَلَيْهِ، وإنْ أعْياهُما إصْلاحُ حالِهِما ورَأيا التَّفْرِيقَ بَيْنَهُما جازَ لَهُما ذَلِكَ مِن دُونِ أمْرٍ مِنَ الحاكِمِ في البَلَدِ ولا تَوْكِيلٍ بِالفُرْقَةِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ. وبِهِ قالَ مالِكٌ والأوْزاعِيُّ وإسْحاقُ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمانَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ والشَّعْبِيِّ والنَّخَعِيِّ والشّافِعِيِّ، وحَكاهُ ابْنُ كَثِيرٍ عَنِ الجُمْهُورِ، قالُوا: لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿فابْعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها﴾ وهَذا نَصٌّ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ أنَّهُما قاضِيانِ لا وكِيلانِ ولا شاهِدانِ. وقالَ الكُوفِيُّونَ وعَطاءٌ وابْنُ زَيْدٍ والحَسَنُ وهو (p-٢٩٧)أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ: إنَّ التَّفْرِيقَ هو إلى الإمامِ أوِ الحاكِمِ في البَلَدِ لا إلَيْهِما، ما لَمْ يُوَكِّلْهُما الزَّوْجانِ أوْ يَأْمُرْهُما الإمامُ والحاكِمُ؛ لِأنَّهُما رَسُولانِ شاهِدانِ فَلَيْسَ إلَيْهِما التَّفْرِيقُ، ويُرْشِدُ إلى هَذا قَوْلُهُ: إنْ يُرِيدا أيِ الحَكَمانِ إصْلاحًا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ لِاقْتِصارِهِ عَلى ذِكْرِ الإصْلاحِ دُونَ التَّفْرِيقِ. ومَعْنى: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ أيْ: يُوقِعِ المُوافَقَةَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ حَتّى يَعُودا إلى الأُلْفَةِ وحُسْنِ العِشْرَةِ. ومَعْنى الإرادَةِ: خُلُوصُ نِيَّتِهِما لِصَلاحِ الحالِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في قَوْلِهِ: ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ لِلْحَكَمَيْنِ كَما في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا﴾ أيْ: يُوَفِّقِ بَيْنَ الحَكَمَيْنِ في اتِّحادِ كَلِمَتِهِما وحُصُولِ مَقْصُودِهِما، وقِيلَ: كِلا الضَّمِيرَيْنِ لِلزَّوْجَيْنِ؛ أيْ: إنْ يُرِيدا إصْلاحَ ما بَيْنَهُما مِنَ الشِّقاقِ أوْقَعَ اللَّهُ بَيْنَهُما الأُلْفَةَ والوِفاقَ، وإذا اخْتَلَفَ الحَكَمانِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُما، ولا يَلْزَمُ قَبُولُ قَوْلِهِما بِلا خِلافٍ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما﴾ قالَ: هَذا الرَّجُلُ والمَرْأةُ إذا تَفاسَدَ الَّذِي بَيْنَهُما أمَرَ اللَّهُ أنْ تَبْعَثُوا رَجُلًا صالِحًا مِن أهْلِ الرَّجُلِ ورَجُلًا مِثْلَهُ مِن أهْلِ المَرْأةِ فَيَنْظُرانِ أيَّهُما المُسِيءُ، فَإنْ كانَ الرَّجُلُ هو المُسِيءُ حَجَبُوا امْرَأتَهُ عَنْهُ وقَسَرُوهُ عَلى النَّفَقَةِ، وإنْ كانَتِ المَرْأةُ هي المُسِيئَةُ قَسَرُوها عَلى زَوْجِها ومَنَعُوها النَّفَقَةَ، فَإنِ اجْتَمَعَ رَأْيُهُما عَلى أنْ يُفَرِّقا أوْ يَجْمَعا فَأمْرُهُما جائِزٌ، فَإنْ رَأيا أنْ يَجْمَعا فَرَضِيَ أحَدُ الزَّوْجَيْنِ وكَرِهَ الآخَرُ ذَلِكَ ثُمَّ ماتَ أحَدُهُما فَإنَّ الَّذِي رَضِيَ يَرِثُ الَّذِي كَرِهَ ولا يَرِثُ الكارِهُ الرّاضِيَ ﴿إنْ يُرِيدا إصْلاحًا﴾ قالَ: هُما الحَكَمانِ ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما﴾ وكَذَلِكَ كَلُّ مُصْلِحٍ يُوَفِّقُهُ لِلْحَقِّ والصَّوابِ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في الأُمِّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ وامْرَأةٌ إلى عَلِيٍّ ومَعَهُما فِئامٌ مِنَ النّاسِ فَأمَرَهم عَلِيٌّ فَبَعَثُوا حَكَمًا مِن أهْلِهِ وحَكَمًا مِن أهْلِها، ثُمَّ قالَ لِلْحَكَمَيْنِ: تَدْرِيانِ ما عَلَيْكُما ؟ عَلَيْكُما إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا أنْ تَجْمَعا، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا أنْ تُفَرِّقا، قالَتِ المَرْأةُ: رَضِيتُ بِكِتابِ اللَّهِ بِما عَلَيَّ فِيهِ ولِي، وقالَ الرَّجُلُ: أمّا الفُرْقَةُ فَلا، فَقالَ: كَذَبْتَ واللَّهِ حَتّى تُقِرَّ مِثْلَ الَّذِي أقَرَّتْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بُعِثْتُ أنا ومُعاوِيَةُ حَكَمَيْنِ، فَقِيلَ لَنا: إنْ رَأيْتُما أنْ تَجْمَعا جَمَعْتُما، وإنْ رَأيْتُما أنْ تُفَرِّقا فَرَّقْتُما، والَّذِي بَعَثَهُما عُثْمانُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّما يُبْعَثُ الحَكَمانِ لِيُصْلِحا ويَشْهَدا عَلى الظّالِمِ بِظُلْمِهِ، فَأمّا الفُرْقَةُ فَلَيْسَتْ بِأيْدِيهِما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إذا حَكَمَ أحَدُ الحَكَمَيْنِ ولَمْ يَحْكُمِ الآخَرُ فَلَيْسَ حُكْمُهُ بِشَيْءٍ حَتّى يَجْتَمِعا.

النساء 4:36

قَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ مَعْنى العِبادَةِ. وشَيْئًا إمّا مَفْعُولٌ بِهِ؛ أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ حَيٍّ ومَيِّتٍ وجَمادٍ وحَيَوانٍ، وإمّا مَصْدَرٌ؛ أيْ: لا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا مِنَ الإشْراكِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الشِّرْكِ الأكْبَرِ والأصْغَرِ والواضِحِ والخَفِيِّ. وقَوْلُهُ: إحْسانًا مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أحْسِنُوا بِالوالِدَيْنِ إحْسانًا. وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِالرَّفْعِ، وقَدْ دَلَّ ذِكْرُ الإحْسانِ إلى الوالِدَيْنِ بَعْدَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ والنَّهْيِ عَنِ الإشْراكِ بِهِ عَلى عِظَمِ حَقِّهِما، ومِثْلُهُ ﴿أنِ اشْكُرْ لِي ولِوالِدَيْكَ﴾ [لقمان: ١٤] فَأمَرَ سُبْحانَهُ بِأنْ يُشْكَرا مَعَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وبِذِي القُرْبى﴾ أيْ صاحِبِ القَرابَةِ، وهو مَن يَصِحُّ إطْلاقُ اسْمِ القُرْبى عَلَيْهِ وإنْ كانَ بَعِيدًا. ﴿واليَتامى والمَساكِينِ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهم، والمَعْنى: وأحْسِنُوا بِذِي القُرْبى إلى آخِرِ ما هو مَذْكُورٌ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ أيِ: القَرِيبُ جِوارُهُ، وقِيلَ: هو مَن لَهُ مَعَ الجِوارِ في الدّارِ قُرْبٌ في النَّسَبِ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ المُجانِبِ وهو مُقابِلٌ لِلْجارِّ ذِي القُرْبى، والمُرادُ مَن يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى الجِوارِ مَعَ كَوْنِ دارِهِ بَعِيدَةً، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَعْمِيمِ الجِيرانِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ سَواءٌ كانَتِ الدِّيارُ مُتَقارِبَةً أوْ مُتَباعِدَةً، وعَلى أنَّ الجِوارَ حُرْمَةٌ مَرْعِيَّةٌ مَأْمُورٌ بِها. وفِيهِ رَدٌّ عَلى مَن يَظُنُّ أنَّ الجارَ مُخْتَصٌّ بِالمُلاصِقِ دُونَ مَن بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ، أوْ مُخْتَصٌّ بِالقَرِيبِ دُونَ البَعِيدِ، وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالجارِ الجُنُبِ هُنا هو الغَرِيبُ، وقِيلَ: هو الأجْنَبِيُّ الَّذِي لا قَرابَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ المُجاوِرِ لَهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ والمُفَضَّلُ ( والجارِ الجَنْبِ ) بِفَتْحِ الجِيمِ وسُكُونِ النُّونِ؛ أيْ: ذِي الجَنْبِ، وهو النّاحِيَةُ، وأنْشَدَ الأخْفَشُ: ؎النّاسُ جَنْبٌ والأمِيرُ جَنْبُ وقِيلَ: المُرادُ بِالجارِ ذِي القُرْبى: المُسْلِمُ، وبِالجارِ الجُنُبِ: اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المِقْدارِ الَّذِي يَصْدُقُ عَلَيْهِ مُسَمّى الجِوارِ ويَثْبُتُ لِصاحِبِهِ الحَقُّ، فَرُوِيَ عَنِ الأوْزاعِيِّ والحَسَنِ أنَّهُ إلى حَدِّ أرْبَعِينَ دارًا مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، ورُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ نَحْوُهُ، وقِيلَ: مَن سَمِعَ إقامَةَ الصَّلاةِ، وقِيلَ: إذا جَمَعَتْهُما مَحَلَّةٌ، وقِيلَ: مَن سَمِعَ النِّداءَ. والأوْلى أنْ يُرْجَعَ في مَعْنى الجارِ إلى الشَّرْعِ، فَإنْ وُجِدَ فِيهِ ما يَقْتَضِي بَيانَهُ وأنَّهُ يَكُونُ جارًا إلى حَدِّ كَذا مِنَ الدُّورِ، أوْ مِن مَسافَةِ الأرْضِ، كانَ العَمَلُ عَلَيْهِ مُتَعَيِّنًا، وإنْ لَمْ يُوجَدْ رُجِعَ إلى مَعْناهُ لُغَةً أوْ عُرْفًا. ولَمْ يَأْتِ في الشَّرْعِ ما يُفِيدُ أنَّ الجارَ هو الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ جارِهِ مِقْدارُ كَذا، ولا ورَدَ في لُغَةِ العَرَبِ أيْضًا ما يُفِيدُ ذَلِكَ، بَلِ المُرادُ بِالجارِ في اللُّغَةِ: المُجاوِرُ، ويُطْلِقُ عَلى مَعانٍ. (p-٢٩٨)قالَ في القامُوسِ: والجارُ: المُجاوِرُ، والَّذِي أجَرْتَهُ مِن أنْ يُظْلَمَ، والمُجِيرُ، والمُسْتَجِيرُ، والشَّرِيكُ في التِّجارَةِ، وزَوْجُ المَرْأةِ وهي جارَتُهُ، وفَرْجُ المَرْأةِ، وما قَرُبَ مِنَ المَنازِلِ، والِاسْتُ كالجارَةِ، والقاسِمُ والحَلِيفُ، والنّاصِرُ انْتَهى. قالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِهِ: ورُوِيَ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنِّي نَزَلْتُ مَحَلَّةَ قَوْمٍ، وإنَّ أقْرَبَهم إلَيَّ جِوارًا أشَدُّهم لِي أذًى فَبَعَثَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيًّا يَصِيحُونَ عَلى أبْوابِ المَساجِدِ: ألا إنَّ أرْبَعِينَ دارًا جارٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُهُ بَوائِقَهُ» انْتَهى. ولَوْ ثَبَتَ هَذا لَكانَ مُغْنِيًا عَنْ غَيْرِهِ، ولَكِنَّهُ رَواهُ كَما تَرى مِن غَيْرِ عَزْوٍ لَهُ إلى أحَدِ كُتُبِ الحَدِيثِ المَعْرُوفَةِ، وهو وإنْ كانَ إمامًا في عِلْمِ الرِّوايَةِ، فَلا تَقُومُ الحُجَّةُ بِما يَرْوِيهِ بِغَيْرِ سَنَدٍ مَذْكُورٍ ولا نَقْلٍ عَنْ كِتابٍ مَشْهُورٍ، ولاسِيَّما وهو يَذْكُرُ الواهِياتِ كَثِيرًا كَما يَفْعَلُ في تَذْكِرَتِهِ، وقَدْ ورَدَ في القُرْآنِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُساكَنَةَ في مَدِينَةٍ مُجاوِرَةٍ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنافِقُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إلّا قَلِيلًا﴾ فَجَعَلَ اجْتِماعَهم في المَدِينَةِ جِوارًا. وأمّا الأعْرافُ في مُسَمّى الجِوارِ فَهي تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ أهْلِها، ولا يَصِحُّ حَمْلُ القُرْآنِ عَلى أعْرافٍ مُتَعارَفَةٍ واصْطِلاحاتٍ مُتَواضِعَةٍ. قَوْلُهُ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ قِيلَ: هو الرَّفِيقُ في السَّفَرِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ أبِي لَيْلى: هو الزَّوْجَةُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هو الَّذِي يَصْحَبُكَ ويَلْزَمُكَ رَجاءَ نَفْعِكَ. ولا يَبْعُدُ أنْ تَتَناوَلَ الآيَةُ جَمِيعَ ما في هَذِهِ الأقْوالِ مَعَ زِيادَةٍ عَلَيْها. وهو كُلُّ مَن صَدَقَ عَلَيْهِ أنَّهُ صاحِبٌ بِالجَنْبِ؛ أيْ: بِجَنْبِكَ كَمَن يَقِفُ بِجَنْبِكَ في تَحْصِيلِ عِلْمٍ أوْ تَعَلُّمِ صِناعَةٍ أوْ مُباشَرَةِ تِجارَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿وابْنِ السَّبِيلِ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: هو الَّذِي يَجْتازُ بِكَ مارًّا، والسَّبِيلُ الطَّرِيقُ، فَنُسِبَ المُسافِرُ إلَيْهِ لِمُرُورِهِ عَلَيْهِ ولُزُومِهِ إيّاهُ، فالأوْلى تَفْسِيرُهُ بِمَن هو عَلى سَفَرٍ فَإنَّ عَلى المُقِيمِ أنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ، وقِيلَ: هو المُنْقَطِعُ بِهِ، وقِيلَ: هو الضَّيْفُ. قَوْلُهُ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أيْ: وأحْسِنُوا إلى ما مَلَكَتْ أيْمانُكم إحْسانًا، وهُمُ العَبِيدُ والإماءُ، وقَدْ أمَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِأنَّهم يَطْعَمُونَ مِمّا يَطْعَمُ مالِكُهم ويَلْبَسُونَ مِمّا يَلْبَسُ. والمُخْتالُ ذُو الخُيَلاءِ وهو الكِبْرُ والتِّيهُ؛ أيْ: لا يُحِبُّ مَن كانَ مُتَكَبِّرًا تائِهًا عَلى النّاسِ مُفْتَخِرًا عَلَيْهِمْ. والفَخْرُ: المَدْحُ لِلنَّفْسِ والتَّطاوُلُ وتَعْدِيدُ المَناقِبِ، وخَصَّ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ لِأنَّهُما يَحْمِلانِ صاحِبَهُما عَلى الأنَفَةِ مِمّا نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهِ في هَذِهِ الآيَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والجارِ ذِي القُرْبى﴾ يَعْنِي: الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ ﴿والجارِ الجُنُبِ﴾ يَعْنِي: الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ قَرابَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ نَوْفٍ البِكالِيِّ قالَ: الجارُ ذِي القُرْبى: المُسْلِمُ، والجارُ الجُنُبِ: اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ قالَ: الرَّفِيقُ في السَّفَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿والصّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ قالَ: هو جَلِيسُكَ في الحَضَرِ ورَفِيقُكَ في السَّفَرِ وامْرَأتُكَ الَّتِي تُضاجِعُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: هو المَرْأةُ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما مَلَكَتْ أيْمانُكم﴾ قالَ: مِمّا خَوَّلَكَ اللَّهُ فَأحْسِنْ صُحْبَتَهُ: كُلُّ هَذا أوْصى اللَّهُ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ نَحْوَهُ وقَدْ ورَدَ مَرْفُوعًا إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في بِرِّ الوالِدَيْنِ وفي صِلَةِ القَرابَةِ، وفي الإحْسانِ إلى اليَتامى، وفي الإحْسانِ إلى الجارِ، وفي القِيامِ بِما يَحْتاجُهُ المَمالِيكُ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ قَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَيْها كُتُبُ السُّنَّةِ لا حاجَةَ بِنا إلى بَسْطِها هُنا، وهَكَذا ورَدَ في ذَمِّ الكِبْرِ والِاخْتِيالِ والفَخْرِ ما هو مَعْرُوفٌ.

النساء 4:37

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ. والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ (p-٢٩٩)غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا. ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ النَّمْلَةِ، وقِيلَ: الذَّرَّةُ الخَرْدَلَةُ، وقِيلَ: كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما يَدْخُلُ مِنَ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ أوْ غَيْرِها ذَرَّةٌ. والأوَّلُ هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ كَثِيرًا ولا قَلِيلًا؛ أيْ: لا يَبْخَسُهم مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ ولا يَزِيدُ في عِقابِ ذُنُوبِهِمْ وزَنَ ذَرَّةٍ فَضْلًا عَمّا فَوْقَها. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ ( حَسَنَةٌ ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مَن عَداهم بِالنَّصْبِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ لا النّاقِصَةُ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: إنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكُ مِثْقالُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً، وأنَّثَ ضَمِيرَ المِثْقالِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى المُؤَنَّثِ والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ الحَسَنُ ( نُضاعِفْها ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وهي الأرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُضاعَفَةِ، والمُرادُ مُضاعَفَةُ ثَوابِ الحَسَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ كَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ كَما هو رَأْيُ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَؤُلاءِ إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ خاصَّةً. والمَعْنى: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إذا جِئْنا مَن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( تَسَّوّى ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والثّانِيَةِ: أنَّ الأرْضَ هي الَّتِي تُسَوّى بِهِمْ؛ أيْ: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها، وقِيلَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِهِمُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: تُسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضُ. وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: لَوْ سَوّى اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ فَيَجْعَلُهم والأرْضَ سَواءً حَتّى لا يُبْعَثُوا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى يَوَدُّ أيْ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِأنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ. والمَعْنى: يَوَدُّونَ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ كَرْدَمُ بْنُ يَزِيدَ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ: رَأسَ نَمْلَةٍ حَمْراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ وزْنَ ذَرَّةٍ زادَتْ عَلى سَيِّئاتِهِ يُضاعِفْها فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفِّفُ بِهِ عَنْهُ العَذابَ ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: نَعَمْ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ: حَسْبُكَ الآنَ. فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ يَعْنِي: أنْ تُسَوّى الأرْضُ بِالجِبالِ والأرْضِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: ودُّوا لَوِ (p-٣٠٠)انْخَرَقَتْ بِهِمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قالَ: بِجَوارِحِهِمْ.

النساء 4:38

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ. والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ (p-٢٩٩)غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا. ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ النَّمْلَةِ، وقِيلَ: الذَّرَّةُ الخَرْدَلَةُ، وقِيلَ: كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما يَدْخُلُ مِنَ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ أوْ غَيْرِها ذَرَّةٌ. والأوَّلُ هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ كَثِيرًا ولا قَلِيلًا؛ أيْ: لا يَبْخَسُهم مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ ولا يَزِيدُ في عِقابِ ذُنُوبِهِمْ وزَنَ ذَرَّةٍ فَضْلًا عَمّا فَوْقَها. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ ( حَسَنَةٌ ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مَن عَداهم بِالنَّصْبِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ لا النّاقِصَةُ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: إنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكُ مِثْقالُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً، وأنَّثَ ضَمِيرَ المِثْقالِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى المُؤَنَّثِ والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ الحَسَنُ ( نُضاعِفْها ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وهي الأرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُضاعَفَةِ، والمُرادُ مُضاعَفَةُ ثَوابِ الحَسَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ كَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ كَما هو رَأْيُ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَؤُلاءِ إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ خاصَّةً. والمَعْنى: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إذا جِئْنا مَن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( تَسَّوّى ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والثّانِيَةِ: أنَّ الأرْضَ هي الَّتِي تُسَوّى بِهِمْ؛ أيْ: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها، وقِيلَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِهِمُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: تُسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضُ. وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: لَوْ سَوّى اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ فَيَجْعَلُهم والأرْضَ سَواءً حَتّى لا يُبْعَثُوا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى يَوَدُّ أيْ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِأنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ. والمَعْنى: يَوَدُّونَ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ كَرْدَمُ بْنُ يَزِيدَ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ: رَأسَ نَمْلَةٍ حَمْراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ وزْنَ ذَرَّةٍ زادَتْ عَلى سَيِّئاتِهِ يُضاعِفْها فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفِّفُ بِهِ عَنْهُ العَذابَ ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: نَعَمْ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ: حَسْبُكَ الآنَ. فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ يَعْنِي: أنْ تُسَوّى الأرْضُ بِالجِبالِ والأرْضِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: ودُّوا لَوِ (p-٣٠٠)انْخَرَقَتْ بِهِمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قالَ: بِجَوارِحِهِمْ.

النساء 4:39

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ. والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ (p-٢٩٩)غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا. ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ النَّمْلَةِ، وقِيلَ: الذَّرَّةُ الخَرْدَلَةُ، وقِيلَ: كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما يَدْخُلُ مِنَ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ أوْ غَيْرِها ذَرَّةٌ. والأوَّلُ هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ كَثِيرًا ولا قَلِيلًا؛ أيْ: لا يَبْخَسُهم مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ ولا يَزِيدُ في عِقابِ ذُنُوبِهِمْ وزَنَ ذَرَّةٍ فَضْلًا عَمّا فَوْقَها. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ ( حَسَنَةٌ ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مَن عَداهم بِالنَّصْبِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ لا النّاقِصَةُ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: إنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكُ مِثْقالُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً، وأنَّثَ ضَمِيرَ المِثْقالِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى المُؤَنَّثِ والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ الحَسَنُ ( نُضاعِفْها ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وهي الأرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُضاعَفَةِ، والمُرادُ مُضاعَفَةُ ثَوابِ الحَسَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ كَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ كَما هو رَأْيُ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَؤُلاءِ إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ خاصَّةً. والمَعْنى: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إذا جِئْنا مَن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( تَسَّوّى ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والثّانِيَةِ: أنَّ الأرْضَ هي الَّتِي تُسَوّى بِهِمْ؛ أيْ: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها، وقِيلَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِهِمُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: تُسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضُ. وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: لَوْ سَوّى اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ فَيَجْعَلُهم والأرْضَ سَواءً حَتّى لا يُبْعَثُوا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى يَوَدُّ أيْ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِأنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ. والمَعْنى: يَوَدُّونَ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ كَرْدَمُ بْنُ يَزِيدَ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ: رَأسَ نَمْلَةٍ حَمْراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ وزْنَ ذَرَّةٍ زادَتْ عَلى سَيِّئاتِهِ يُضاعِفْها فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفِّفُ بِهِ عَنْهُ العَذابَ ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: نَعَمْ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ: حَسْبُكَ الآنَ. فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ يَعْنِي: أنْ تُسَوّى الأرْضُ بِالجِبالِ والأرْضِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: ودُّوا لَوِ (p-٣٠٠)انْخَرَقَتْ بِهِمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قالَ: بِجَوارِحِهِمْ.

النساء 4:40

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ. والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ (p-٢٩٩)غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا. ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ النَّمْلَةِ، وقِيلَ: الذَّرَّةُ الخَرْدَلَةُ، وقِيلَ: كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما يَدْخُلُ مِنَ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ أوْ غَيْرِها ذَرَّةٌ. والأوَّلُ هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ كَثِيرًا ولا قَلِيلًا؛ أيْ: لا يَبْخَسُهم مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ ولا يَزِيدُ في عِقابِ ذُنُوبِهِمْ وزَنَ ذَرَّةٍ فَضْلًا عَمّا فَوْقَها. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ ( حَسَنَةٌ ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مَن عَداهم بِالنَّصْبِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ لا النّاقِصَةُ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: إنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكُ مِثْقالُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً، وأنَّثَ ضَمِيرَ المِثْقالِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى المُؤَنَّثِ والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ الحَسَنُ ( نُضاعِفْها ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وهي الأرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُضاعَفَةِ، والمُرادُ مُضاعَفَةُ ثَوابِ الحَسَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ كَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ كَما هو رَأْيُ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَؤُلاءِ إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ خاصَّةً. والمَعْنى: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إذا جِئْنا مَن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( تَسَّوّى ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والثّانِيَةِ: أنَّ الأرْضَ هي الَّتِي تُسَوّى بِهِمْ؛ أيْ: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها، وقِيلَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِهِمُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: تُسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضُ. وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: لَوْ سَوّى اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ فَيَجْعَلُهم والأرْضَ سَواءً حَتّى لا يُبْعَثُوا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى يَوَدُّ أيْ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِأنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ. والمَعْنى: يَوَدُّونَ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ كَرْدَمُ بْنُ يَزِيدَ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ: رَأسَ نَمْلَةٍ حَمْراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ وزْنَ ذَرَّةٍ زادَتْ عَلى سَيِّئاتِهِ يُضاعِفْها فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفِّفُ بِهِ عَنْهُ العَذابَ ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: نَعَمْ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ: حَسْبُكَ الآنَ. فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ يَعْنِي: أنْ تُسَوّى الأرْضُ بِالجِبالِ والأرْضِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: ودُّوا لَوِ (p-٣٠٠)انْخَرَقَتْ بِهِمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قالَ: بِجَوارِحِهِمْ.

النساء 4:41

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ. والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ (p-٢٩٩)غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا. ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ النَّمْلَةِ، وقِيلَ: الذَّرَّةُ الخَرْدَلَةُ، وقِيلَ: كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما يَدْخُلُ مِنَ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ أوْ غَيْرِها ذَرَّةٌ. والأوَّلُ هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ كَثِيرًا ولا قَلِيلًا؛ أيْ: لا يَبْخَسُهم مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ ولا يَزِيدُ في عِقابِ ذُنُوبِهِمْ وزَنَ ذَرَّةٍ فَضْلًا عَمّا فَوْقَها. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ ( حَسَنَةٌ ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مَن عَداهم بِالنَّصْبِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ لا النّاقِصَةُ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: إنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكُ مِثْقالُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً، وأنَّثَ ضَمِيرَ المِثْقالِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى المُؤَنَّثِ والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ الحَسَنُ ( نُضاعِفْها ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وهي الأرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُضاعَفَةِ، والمُرادُ مُضاعَفَةُ ثَوابِ الحَسَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ كَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ كَما هو رَأْيُ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَؤُلاءِ إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ خاصَّةً. والمَعْنى: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إذا جِئْنا مَن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( تَسَّوّى ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والثّانِيَةِ: أنَّ الأرْضَ هي الَّتِي تُسَوّى بِهِمْ؛ أيْ: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها، وقِيلَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِهِمُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: تُسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضُ. وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: لَوْ سَوّى اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ فَيَجْعَلُهم والأرْضَ سَواءً حَتّى لا يُبْعَثُوا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى يَوَدُّ أيْ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِأنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ. والمَعْنى: يَوَدُّونَ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ كَرْدَمُ بْنُ يَزِيدَ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ: رَأسَ نَمْلَةٍ حَمْراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ وزْنَ ذَرَّةٍ زادَتْ عَلى سَيِّئاتِهِ يُضاعِفْها فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفِّفُ بِهِ عَنْهُ العَذابَ ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: نَعَمْ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ: حَسْبُكَ الآنَ. فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ يَعْنِي: أنْ تُسَوّى الأرْضُ بِالجِبالِ والأرْضِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: ودُّوا لَوِ (p-٣٠٠)انْخَرَقَتْ بِهِمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قالَ: بِجَوارِحِهِمْ.

النساء 4:42

قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ هم في مَحَلِّ نَصْبٍ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ مُخْتالًا﴾ أوْ عَلى الذَّمِ، أوْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مُقَدَّمٌ؛ أيْ: لَهم كَذا وكَذا مِنَ العَذابِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بَدَلًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَتِرِ في قَوْلِهِ: ﴿مُخْتالًا فَخُورًا﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى تَقْدِيرِ أعْنِي، أوْ مَرْفُوعًا عَلى الخَبَرِ والمُبْتَدَأُ مُقَدَّرٌ؛ أيْ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ. والبُخْلُ المَذْمُومُ في الشَّرْعِ هو الِامْتِناعُ مِن أداءِ ما أوْجَبَ اللَّهُ، وهَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ في هَذِهِ الآيَةِ ضَمُّوا إلى ما وقَعُوا فِيهِ مِنَ البُخْلِ الَّذِي هو أشَرُّ خِصالِ الشَّرِّ ما هو أقْبَحُ مِنهُ وأدَلُّ عَلى سُقُوطِ نَفْسِ فاعِلِهِ، وبُلُوغِهِ في الرَّذالَةِ إلى غايَتِها، وهو أنَّهم مَعَ بُخْلِهِمْ بِأمْوالِهِمْ وكَتْمِهِمْ لِما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ مِن فَضْلِهِ ﴿ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ كَأنَّهم يَجِدُونَ في صُدُورِهِمْ مِن جُودِ غَيْرِهِمْ بِمالِهِ حَرَجًا ومَضاضَةً، فَلا كَثَّرَ في عِبادِهِ مِن أمْثالِكم، هَذِهِ أمْوالُكم قَدْ بَخِلْتُمْ بِها لِكَوْنِكم تَظُنُّونَ انْتِقاصَها بِإخْراجِ بَعْضِها في مَواضِعِهِ، فَما بالُكم بَخِلْتُمْ بِأمْوالِ (p-٢٩٩)غَيْرِكم ؟ مَعَ أنَّهُ لا يَلْحَقُكم في ذَلِكَ ضَرَرٌ، وهَلْ هَذا إلّا غايَةُ اللَّوْمِ ونِهايَةُ الحُمْقِ والرَّقاعَةِ وقُبْحِ الطِّباعِ وسُوءِ الِاخْتِيارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلافُ القِراءاتِ في البُخْلِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ المُرادَ بِهَذِهِ الآيَةِ اليَهُودُ فَإنَّهم جَمَعُوا بَيْنَ الِاخْتِيالِ والفَخْرِ والبُخْلِ بِالمالِ وكِتْمانِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِها المُنافِقُونَ، ولا يَخْفى أنَّ اللَّفْظَ أوْسَعُ مِن ذَلِكَ وأكْثَرُ شُمُولًا وأعَمُّ فائِدَةً. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم رِئاءَ النّاسِ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الأوَّلِينَ قَدْ فَرَّطُوا بِالبُخْلِ وبِأمْرِ النّاسِ بِهِ وبِكَتْمِ ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، وهَؤُلاءِ أفْرَطُوا بِبَذْلِ أمْوالِهِمْ في غَيْرِ مَواضِعِها لِمُجَرَّدِ الرِّياءِ والسُّمْعَةِ كَما يَفْعَلُهُ مَن يُرِيدُ أنْ يَتَسامَعَ النّاسُ بِأنَّهُ كَرِيمٌ، ويَتَطاوَلَ عَلى غَيْرِهِ بِذَلِكَ ويَشْمَخَ بِأنْفِهِ عَلَيْهِ، مَعَ ما ضُمَّ إلى هَذا الإنْفاقِ الَّذِي يَعُودُ عَلَيْهِ بِالضَّرَرِ مِن عَدَمِ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، والتَّقْدِيرُ: ولا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ فَقَرِينُهُمُ الشَّيْطانُ ﴿ومَن يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا﴾ والقَرِينُ المُقارِنُ، وهو الصّاحِبُ والخَلِيلُ. والمَعْنى: مَن قَبِلَ الشَّيْطانَ في الدُّنْيا فَقَدْ قارَنَهُ فِيها، أوْ فَهو قَرِينُهُ في النّارِ فَساءَ الشَّيْطانُ قَرِينًا. ﴿وماذا عَلَيْهِمْ﴾ أيْ: عَلى هَذِهِ الطَّوائِفِ ﴿لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وأنْفَقُوا مِمّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ ابْتِغاءً لِوَجْهِهِ وامْتِثالًا لِأمْرِهِ؛ أيْ: وماذا يَكُونُ عَلَيْهِمْ مِن ضَرَرٍ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ المِثْقالُ مِفْعالٌ مِنَ الثِّقَلِ كالمِقْدارِ مِنَ القَدْرِ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَفْعُولٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: لا يَظْلِمُ شَيْئًا مِثْقالَ ذَرَّةٍ. والذَّرَّةُ واحِدَةُ الذَّرِّ. وهي النَّمْلُ الصِّغارُ، وقِيلَ: رَأْسُ النَّمْلَةِ، وقِيلَ: الذَّرَّةُ الخَرْدَلَةُ، وقِيلَ: كُلُّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الهَباءِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيما يَدْخُلُ مِنَ الشَّمْسِ مِن كُوَّةٍ أوْ غَيْرِها ذَرَّةٌ. والأوَّلُ هو المَعْنى اللُّغَوِيُّ الَّذِي يَجِبُ حَمْلُ القُرْآنِ عَلَيْهِ. والمُرادُ مِنَ الكَلامِ أنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ كَثِيرًا ولا قَلِيلًا؛ أيْ: لا يَبْخَسُهم مِن ثَوابِ أعْمالِهِمْ ولا يَزِيدُ في عِقابِ ذُنُوبِهِمْ وزَنَ ذَرَّةٍ فَضْلًا عَمّا فَوْقَها. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها﴾ قَرَأ أهْلُ الحِجازِ ( حَسَنَةٌ ) بِالرَّفْعِ. وقَرَأ مَن عَداهم بِالنَّصْبِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى: إنْ تُوجَدْ حَسَنَةٌ، عَلى أنَّ كانَ هي التّامَّةُ لا النّاقِصَةُ، وعَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ: إنْ تَكُ فِعْلَتُهُ حَسَنَةً يُضاعِفْها، وقِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ: إنْ تَكُ مِثْقالُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً، وأنَّثَ ضَمِيرَ المِثْقالِ لِكَوْنِهِ مُضافًا إلى المُؤَنَّثِ والأوَّلُ أوْلى. وقَرَأ الحَسَنُ ( نُضاعِفْها ) بِالنُّونِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ، وهي الأرْجَحُ لِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتِ مِن لَدُنْهُ أجْرًا عَظِيمًا﴾ وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في المُضاعَفَةِ، والمُرادُ مُضاعَفَةُ ثَوابِ الحَسَنَةِ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ كَيْفَ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ كَما هو رَأْيُ سِيبَوَيْهِ، أوْ مَحَلُّها رَفْعٌ عَلى الِابْتِداءِ كَما هو رَأْيُ غَيْرِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: هَؤُلاءِ إلى الكُفّارِ، وقِيلَ: إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ خاصَّةً. والمَعْنى: فَكَيْفَ يَكُونُ حالُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ إذا جِئْنا مَن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ؟ وهَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ التَّوْبِيخُ والتَّقْرِيعُ. ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ ( تَسَّوّى ) بِفَتْحِ التّاءِ وتَشْدِيدِ السِّينِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِفَتْحِ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، وقَرَأ الباقُونَ بِضَمِّ التّاءِ وتَخْفِيفِ السِّينِ، والمَعْنى عَلى القِراءَةِ الأُولى والثّانِيَةِ: أنَّ الأرْضَ هي الَّتِي تُسَوّى بِهِمْ؛ أيْ: أنَّهم تَمَنَّوْا لَوِ انْفَتَحَتْ لَهُمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها، وقِيلَ الباءُ في قَوْلِهِ: بِهِمُ بِمَعْنى عَلى؛ أيْ: تُسَوّى عَلَيْهِمُ الأرْضُ. وعَلى القِراءَةِ الثّالِثَةِ الفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: لَوْ سَوّى اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ فَيَجْعَلُهم والأرْضَ سَواءً حَتّى لا يُبْعَثُوا. قَوْلُهُ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ عَطْفٌ عَلى يَوَدُّ أيْ: يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَوْمَئِذٍ لا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: قالَ بَعْضُهم: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ مُسْتَأْنَفٌ لِأنَّ ما عَمِلُوهُ ظاهِرٌ عِنْدَ اللَّهِ لا يَقْدِرُونَ عَلى كِتْمانِهِ. وقالَ بَعْضُهم: هو مَعْطُوفٌ. والمَعْنى: يَوَدُّونَ أنَّ الأرْضَ سُوِّيَتْ بِهِمْ وأنَّهم لَمْ يَكْتُمُوا اللَّهَ حَدِيثًا؛ لِأنَّهُ ظَهَرَ كَذِبُهم. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ كَرْدَمُ بْنُ يَزِيدَ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، وأُسامَةُ بْنُ حَبِيبٍ ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو وحُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ يَأْتُونَ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ يَنْتَصِحُونَ لَهم فَيَقُولُونَ: لا تُنْفِقُوا أمْوالَكم فَإنّا نَخْشى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ في ذَهابِها، ولا تُسارِعُوا في النَّفَقَةِ فَإنَّكم لا تَدْرُونَ ما يَكُونُ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمُ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ . وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. وأخْرَجَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ﴾ قالَ: رَأسَ نَمْلَةٍ حَمْراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ وزْنَ ذَرَّةٍ زادَتْ عَلى سَيِّئاتِهِ يُضاعِفْها فَأمّا المُشْرِكُ فَيُخَفِّفُ بِهِ عَنْهُ العَذابَ ولا يَخْرُجُ مِنَ النّارِ أبَدًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اقْرَأْ عَلَيَّ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ وعَلَيْكَ أُنْزِلَ ؟ قالَ: نَعَمْ إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِن غَيْرِي. فَقَرَأْتُ سُورَةَ النِّساءِ حَتّى أتَيْتُ إلى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِئْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وجِئْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قالَ: حَسْبُكَ الآنَ. فَإذا عَيْناهُ تَذْرِفانِ» . وأخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ مِنَ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ تُسَوّى بِهِمُ الأرْضُ﴾ يَعْنِي: أنْ تُسَوّى الأرْضُ بِالجِبالِ والأرْضِ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: ودُّوا لَوِ (p-٣٠٠)انْخَرَقَتْ بِهِمُ الأرْضُ فَساخُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ قالَ: بِجَوارِحِهِمْ.

النساء 4:43

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ جَعَلَ الخِطابَ خاصًّا بِالمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّهم كانُوا يَقْرَبُونَ الصَّلاةَ حالَ السُّكْرِ، وأمّا الكُفّارُ فَهم لا يَقْرَبُونَها سُكارى ولا غَيْرَ سُكارى. قَوْلُهُ: لا تَقْرَبُوا قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: إذا قِيلَ: لا تَقْرَبْ بِفَتْحِ الرّاءِ مَعْناهُ لا تَتَلَبَّسْ بِالفِعْلِ، وإذا كانَ بِضَمِّ الرّاءِ كانَ مَعْناهُ: لا تَدْنُ مِنهُ. والمُرادُ هُنا: النَّهْيُ عَنِ التَّلَبُّسِ بِالصَّلاةِ وغِشْيانِها. وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وإلَيْهِ ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ. وقالَ آخَرُونَ: المُرادُ مَواضِعُ الصَّلاةِ، وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ: وعَلى هَذا فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مُضافٍ، ويُقَوِّي هَذا قَوْلُهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وقالَتْ طائِفَةٌ: المُرادُ الصَّلاةُ ومَواضِعُها مَعًا؛ لِأنَّهم كانُوا حِينَئِذٍ لا يَأْتُونَ المَسْجِدَ إلّا لِلصَّلاةِ، ولا يُصَلُّونَ إلّا مُجْتَمِعِينَ، فَكانا مُتَلازِمَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، وسُكارى جَمْعُ سَكْرانَ، مِثْلُ كُسالى جَمْعُ كَسْلانَ. وقَرَأ النَّخَعِيُّ " سَكْرى " بِفَتْحِ السِّينِ، وهو تَكْسِيرُ سَكْرانَ. وقَرَأ الأعْمَشُ " سُكْرى " كَحُبْلى، صِفَةٌ مُفْرَدَةٌ. وقَدْ ذَهَبَ العُلَماءُ كافَّةً إلى أنَّ المُرادَ بِالسُّكْرِ هُنا سُكْرُ الخَمْرِ، إلّا الضَّحّاكُ فَإنَّهُ قالَ: المُرادُ سُكْرُ النَّوْمِ. وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَنْدَفِعُ ما يُخالِفُ الصَّوابَ مِن هَذِهِ الأقْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ هَذا غايَةُ النَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ في حالِ السُّكْرِ؛ أيْ: حَتّى يَزُولَ عَنْكم أثَرُ السُّكْرِ وتَعْلَمُوا ما تَقُولُونَهُ، فَإنَّ السَّكْرانَ لا يَعْلَمُ ما يَقُولُهُ وقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذا مَن قالَ: إنَّ طَلاقَ السَّكْرانِ لا يَقَعُ؛ لِأنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمْ ما يَقُولُهُ انْتَفى القَصْدُ. وبِهِ قالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ وابْنُ عَبّاسٍ وطاوُسٌ وعَطاءٌ والقاسِمُ ورَبِيعَةُ، وهو قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وإسْحاقَ وأبِي ثَوْرٍ والمُزَنِيِّ، واخْتارَهُ الطَّحاوِيُّ وقالَ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ طَلاقَ المَعْتُوهِ لا يَجُوزُ، والسَّكْرانُ مَعْتُوهٌ كالمُوَسْوِسِ. وأجازَتْ طائِفَةٌ وُقُوعَ طَلاقِهِ وهو مَحْكِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ومُعاوِيَةَ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ والثَّوْرِيِّ والأوْزاعِيِّ. واخْتَلَفَ قَوْلُ الشّافِعِيِّ في ذَلِكَ. وقالَ مالِكٌ: يَلْزَمُهُ الطَّلاقُ والقَوَدُ في الجِراحِ والقَتْلِ ولا يَلْزَمُهُ النِّكاحُ والبَيْعُ. قَوْلُهُ: ولا جُنُبًا عَطْفٌ عَلى مَحَلِّ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ والجُنُبُ لا يُؤَنَّثُ ولا يُثَنّى ولا يُجْمَعُ؛ لِأنَّهُ مُلْحَقٌ بِالمَصْدَرِ كالبُعْدِ والقُرْبِ. قالَ الفَرّاءُ: يُقالُ: جَنُبَ الرَّجُلُ وأجْنَبَ مِنَ الجَنابَةِ، وقِيلَ: يُجْمَعُ الجُنُبُ في لُغَةٍ عَلى أجَنابٍ، مِثْلُ عُنُقٍ وأعْناقٍ، وطُنُبٍ وأطْنابٍ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ اسْتِثْناءٌ مُفَرَّغٌ، أيْ: لا تَقْرَبُوها في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ عُبُورِ السَّبِيلِ. والمُرادُ بِهِ هُنا السَّفَرُ، ويَكُونُ مَحَلُّ هَذا الِاسْتِثْناءِ المُفْرَّغِ النَّصْبَ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ لا تَقْرَبُوا بَعْدَ تَقْيِيدِهِ بِالحالِ الثّانِيَةِ، وهي قَوْلُهُ: ولا جُنُبًا لا بِالحالِ الأُولى، وهي قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ فَيَصِيرُ المَعْنى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ حالَ كَوْنِكم جُنُبًا إلّا حالَ السَّفَرِ، فَإنَّهُ يَجُوزُ لَكم أنْ تُصَلُّوا بِالتَّيَمُّمِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ جُبَيْرٍ والحَكَمِ وغَيْرِهِمْ، قالُوا: لا يَصِحُّ لِأحَدٍ أنْ يَقْرَبَ الصَّلاةَ وهو جُنُبٌ إلّا بَعْدَ الِاغْتِسالِ إلّا المُسافِرَ فَإنَّهُ يَتَيَمَّمُ؛ لِأنَّ الماءَ قَدْ يُعْدَمُ في السَّفَرِ لا في الحَضَرِ، فَإنَّ الغالِبَ أنَّهُ لا يُعْدَمُ. وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةُ والنَّخَعِيُّ وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: عابِرُ السَّبِيلِ هو المُجْتازُ في المَسْجِدِ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، فَيَكُونُ مَعْنى الآيَةِ عَلى هَذا لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ: وهي المَساجِدُ في حالِ الجَنابَةِ إلّا أنْ تَكُونُوا مُجْتازِينَ فِيها مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وفي القَوْلِ الأوَّلِ قُوَّةٌ مِن جِهَةِ كَوْنِ الصَّلاةِ فِيهِ باقِيَةً عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ، وضَعْفٌ مِن جِهَةِ ما في حَمْلِ عابِرِ السَّبِيلِ عَلى المُسافِرِ، وإنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ يَقْرَبُ الصَّلاةَ عِنْدَ عَدَمِ الماءِ بِالتَّيَمُّمِ، فَإنَّ هَذا الحُكْمَ يَكُونُ في الحاضِرِ إذا عُدِمَ الماءُ، كَما يَكُونُ في المُسافِرِ، وفي القَوْلِ الثّانِي قُوَّةٌ مِن جِهَةِ عَدَمِ التَّكَلُّفِ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ وضَعْفٌ مِن جِهَةِ حَمْلِ الصَّلاةِ عَلى مَواضِعِها، وبِالجُمْلَةِ فالحالُ الأُولى، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ تُقَوِّي بَقاءَ الصَّلاةِ عَلى مَعْناها الحَقِيقِيِّ مِن دُونِ تَقْدِيرِ مُضافٍ، وكَذَلِكَ ما سَيَأْتِي مِن سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ يُقَوِّي ذَلِكَ. وقَوْلُهُ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ يُقَوِّي تَقْدِيرَ المُضافِ؛ أيْ: لا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ بَعْضَ قُيُودِ النَّهْيِ أعْنِي لا تَقْرَبُوا وهو قَوْلُهُ: وأنْتُمْ سُكارى يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالصَّلاةِ مَعْناها الحَقِيقِيُّ، وبَعْضُ قُيُودِ النَّهْيِ وهو قَوْلُهُ: ﴿إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ المُرادُ مَواضِعُ الصَّلاةِ، ولا مانِعَ مِنِ اعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مَعَ قَيْدِهِ الدّالِّ عَلَيْهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِمَنزِلَةِ نَهْيَيْنِ مُقَيَّدٌ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما بِقَيْدٍ، وهُما لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ الَّتِي هي ذاتُ الأذْكارِ والأرْكانِ وأنْتُمْ سُكارى، ولا تَقْرَبُوا مَواضِعَ الصَّلاةِ حالَ كَوْنِكم جُنُبًا إلّا حالَ عُبُورِكم في المَسْجِدِ مِن جانِبٍ إلى جانِبٍ، وغايَةُ ما يُقالُ في هَذا أنَّهُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ وهو جائِزٌ بِتَأْوِيلٍ مَشْهُورٍ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ بَعْدَ حِكايَتِهِ لِلْقَوْلَيْنِ: الأوْلى قَوْلُ مَن قالَ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ إلّا مُجْتازِي طَرِيقٍ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ بُيِّنَ حُكْمُ المُسافِرِ إذا عُدِمَ الماءُ وهو جُنُبٌ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فَكانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ؛ أيْ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ لَوْ كانَ مَعْنِيًّا بِهِ المُسافِرُ لَمْ يَكُنْ لِإعادَةِ ذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: (p-٣٠١)﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ مَعْنًى مَفْهُومٌ. وقَدْ مَضى ذِكْرُ حُكْمِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإنْ كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ الآيَةِ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا المَساجِدَ لِلصَّلاةِ مُصَلِّينَ فِيها وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ، ولا تَقْرَبُوها أيْضًا جُنُبًا حَتّى تَغْتَسِلُوا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ. قالَ: والعابِرُ السَّبِيلِ: المُجْتازُ مَرًّا وقَطْعًا، يُقالُ مِنهُ: عَبَرْتُ هَذا الطَّرِيقَ فَأنا أعْبُرُهُ عَبْرًا وعُبُورًا، ومِنهُ قِيلَ: عَبَرَ فُلانٌ النَّهَرَ إذا قَطَعَهُ وجاوَزَهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلنّاقَةِ القَوِيَّةِ: هي عَبْرُ أسْفارٍ لِقُوَّتِها عَلى قَطْعِ الأسْفارِ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا الَّذِي نَصَرَهُ - يَعْنِي ابْنَ جَرِيرٍ - هو قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ انْتَهى. قَوْلُهُ: ﴿حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ غايَةٌ لِلنَّهْيِ عَنْ قُرْبانِ الصَّلاةِ أوْ مَواضِعِها حالَ الجَنابَةِ. والمَعْنى: لا تَقْرَبُوها حالَ الجَنابَةِ حَتّى تَغْتَسِلُوا إلّا حالَ عُبُورِكُمُ السَّبِيلَ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ المَرَضُ عِبارَةٌ عَنْ خُرُوجِ البَدَنِ عَنْ حَدِّ الِاعْتِدالِ والِاعْتِيادِ إلى الِاعْوِجاجِ والشُّذُوذِ، وهو عَلى ضَرْبَيْنِ كَثِيرٍ ويَسِيرٍ. والمُرادُ هُنا: أنْ يَخافَ عَلى نَفْسِهِ التَّلَفَ أوِ الضَّرَرَ بِاسْتِعْمالِ الماءِ، أوْ كانَ ضَعِيفًا في بَدَنِهِ لا يَقْدِرُ عَلى الوُصُولِ إلى مَوْضِعِ الماءِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ يَتَطَهَّرُ وإنْ ماتَ، وهَذا باطِلٌ يَدْفَعُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] . قَوْلُهُ: ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ فِيهِ جَوازُ التَّيَمُّمِ لِمَن صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المُسافِرِ، والخِلافُ مَبْسُوطٌ في كُتُبِ الفِقْهِ، وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لا يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ سَفَرَ قَصْرٍ، وقالَ قَوْمٌ: لا بُدَّ مِن ذَلِكَ. وقَدْ أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى جَوازِ التَّيَمُّمِ لِلْمُسافِرِ. واخْتَلَفُوا في الحاضِرِ، فَذَهَبَ مالِكٌ وأصْحابُهُ وأبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ إلى أنَّهُ يَجُوزُ في الحَضَرِ والسَّفَرِ. وقالَ الشّافِعِيُّ: لا يَجُوزُ لِلْحاضِرِ الصَّحِيحِ أنْ يَتَيَمَّمَ إلّا أنْ يَخافَ التَّلَفَ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ﴾ هو المَكانُ المُنْخَفِضُ والمَجِيءُ مِنهُ كِنايَةٌ عَنِ الحَدَثِ، والجَمْعُ الغِيطانُ والأغْواطُ، وكانَتِ العَرَبُ تَقْصِدُ هَذا الصِّنْفَ مِنَ المَواضِعِ لِقَضاءِ الحاجَةِ تَسَتُّرًا عَنْ أعْيُنِ النّاسِ، ثُمَّ سُمِّيَ الحَدَثُ الخارِجُ مِنَ الإنْسانِ غائِطًا تَوَسُّعًا، ويَدْخُلُ في الغائِطِ جَمِيعُ الأحْداثِ النّاقِضَةِ لِلْوُضُوءِ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ وابْنُ عامِرٍ ( لامَسْتُمْ ) وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( لَمَسْتُمْ ) قِيلَ: المُرادُ بِها بِما في القِراءَتَيْنِ الجِماعُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ مُطْلَقُ المُباشَرَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَجْمَعُ الأمْرَيْنِ جَمِيعًا. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: الأوْلى في اللُّغَةِ أنْ يَكُونَ لامَسْتُمْ بِمَعْنى قَبَّلْتُمْ ونَحْوِهِ، ولَمَسْتُمْ بِمَعْنى: غَشِيتُمْ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى ذَلِكَ عَلى أقْوالٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: المُلامَسَةُ هُنا مُخْتَصَّةٌ بِاليَدِ دُونَ الجِماعِ، قالُوا: والجُنُبُ لا سَبِيلَ لَهُ إلى التَّيَمُّمِ، بَلْ يَغْتَسِلُ أوْ يَدَعُ الصَّلاةَ حَتّى يَجِدَ الماءَ. وقَدْ رُوِيَ هَذا عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وابْنِ مَسْعُودٍ. قالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: لَمْ يَقُلْ بِقَوْلِهِما في هَذِهِ المَسْألَةِ أحَدٌ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ مِن أهْلِ الرَّأْيِ وحَمَلَةِ الآثارِ، انْتَهى. وأيْضًا الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ تَدْفَعُهُ وتُبْطِلُهُ كَحَدِيثِ عَمّارٍ وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ وأبِي ذَرٍّ في تَيَمُّمِ الجُنُبِ. وقالَتْ طائِفَةٌ: هو الجِماعُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وهو مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ والحَسَنِ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ ومُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ وأبِي حَنِيفَةَ. وقالَ مالِكٌ: المُلامِسُ بِالجِماعِ يَتَيَمَّمُ، والمُلامِسُ بِاليَدِ يَتَيَمَّمُ إذا التَذَّ، فَإنْ لَمَسَها بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلا وُضُوءَ، وبِهِ قالَ أحْمَدُ وإسْحاقُ. وقالَ الشّافِعِيُّ: إذا أفْضى الرَّجُلُ بِشَيْءٍ مِن بَدَنِهِ إلى بَدَنِ المَرْأةِ سَواءً كانَ بِاليَدِ أوْ غَيْرِها مِن أعْضاءِ الجَسَدِ انْتَقَضَتْ بِهِ الطَّهارَةُ وإلّا فَلا. وحَكاهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ والزُّهْرِيِّ ورَبِيعَةَ. وقالَ الأوْزاعِيُّ: إذا كانَ اللَّمْسُ بِاليَدِ نَقَضَ الطُّهْرَ، وإنْ كانَ بِغَيْرِ اليَدِ لَمْ يَنْقُضْهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَمَسُوهُ بِأيْدِيهِمْ﴾ وقَدِ احْتَجُّوا بِحُجَجٍ تَزْعُمُ كُلُّ طائِفَةٍ أنَّ حُجَّتَها تَدُلُّ عَلى أنَّ المُلامَسَةَ المَذْكُورَةَ في الآيَةِ هي ما ذَهَبَتْ إلَيْهِ، ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الصَّحابَةُ ومَن بَعْدَهم في مَعْنى المُلامَسَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، وعَلى فَرْضِ أنَّها ظاهِرَةٌ في الجِماعِ، فَقَدْ ثَبَتَتِ القِراءَةُ المَرْوِيَّةُ عَنْ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ بِلَفْظِ ( أوْ لَمَسْتُمْ ) وهي مُحْتَمَلَةٌ بِلا شَكٍّ ولا شُبْهَةٍ. ومَعَ الِاحْتِمالِ فَلا تَقُومُ الحُجَّةُ بِالمُحْتَمَلِ. وهَذا الحُكْمُ تَعُمُّ بِهِ البَلْوى ويُثْبِتُ بِهِ التَّكْلِيفُ العامُّ، فَلا يَحِلُّ إثْباتُهُ بِمُحْتَمَلٍ قَدْ، وقَدْ وقَعَ النِّزاعُ في مَفْهُومِهِ. وإذا عَرَفْتَ هَذا فَقَدْ ثَبَتَتِ السُّنَّةُ الصَّحِيحَةُ بِوُجُوبِ التَّيَمُّمِ عَلى مَنِ اجْتَنَبَ ولَمْ يَجِدِ الماءَ، فَكانَ الجُنُبُ داخِلًا في الآيَةِ بِهَذا الدَّلِيلِ، وعَلى فَرْضِ عَدَمِ دُخُولِهِ فالسُّنَّةُ تَكْفِي في ذَلِكَ. وأمّا وُجُوبُ الوُضُوءِ أوِ التَّيَمُّمِ عَلى مَن لَمَسَ المَرْأةَ بِيَدِهِ أوْ بِشَيْءٍ مِن بَدَنِهِ فَلا يَصِحُّ القَوْلُ بِهِ اسْتِدْلالًا بِهَذِهِ الآيَةِ لِما عَرَفْتَ مِنَ الِاحْتِمالِ. وأمّا ما اسْتَدَلُّوا بِهِ مِن «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما تَقُولُ في رَجُلٍ لَقِيَ امْرَأةً لا يَعْرِفُها ؟ ولَيْسَ يَأْتِي الرَّجُلُ مِنِ امْرَأتِهِ شَيْئًا إلّا قَدْ أتاهُ مِنها غَيْرَ أنَّهُ لَمْ يُجامِعْها فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾» [هود: ١١٤] . أخْرَجَهُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ مُعاذٍ، قالُوا: فَأمَرَهُ بِالوُضُوءِ؛ لِأنَّهُ لَمَسَ المَرْأةَ ولَمْ يُجامِعْها، ولا يَخْفاكَ أنَّهُ لا دَلالَةَ بِهَذا الحَدِيثِ عَلى مَحَلِّ النِّزاعِ، فَإنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إنَّما أمَرَهُ بِالوُضُوءِ لِيَأْتِيَ بِالصَّلاةِ الَّتِي ذَكَرَها اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، إذْ لا صَلاةَ إلّا بِوُضُوءٍ. وأيْضًا فالحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ؛ لِأنَّهُ مِن رِوايَةِ ابْنِ أبِي لَيْلى عَنْ مُعاذٍ ولَمْ يَلْقَهُ، وإذا عَرَفْتَ هَذا فالأصْلُ البَراءَةُ عَنْ هَذا الحُكْمِ، فَلا يَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ خالِصٍ عَنِ الشَّوائِبِ المُوجِبَةِ؛ لِقُصُورِهِ عَنِ الحُجَّةِ. وأيْضًا قَدْ ثَبَتَ عَنْ عائِشَةَ مِن طُرُقٍ أنَّها قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُقَبِّلُ، ثُمَّ يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ» . وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ بِألْفاظٍ مُخْتَلِفَةٍ، رَواهُ أحْمَدُ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ، وما قِيلَ (p-٣٠٢)مِن أنَّهُ مِن رِوايَةِ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ ولَمْ يَسْمَعْ مِن عُرْوَةَ فَقَدْ رَواهُ أحْمَدُ في مَسْنَدِهِ مِن حَدِيثِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ، ورَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ لَيْثٍ عَنْ عَطاءٍ عَنْ عائِشَةَ، ورَواهُ أحْمَدُ أيْضًا وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي رَوْقٍ الهَمْدانِيِّ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ عائِشَةَ، ورَواهُ أيْضًا ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، ورَواهُ أيْضًا مِن حَدِيثِ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ. ولَفْظُ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُقَبِّلُها وهو صائِمٌ ولا يُفْطِرُ ولا يُحْدِثُ وُضُوءًا» . ولَفْظُ حَدِيثِ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ: «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُقَبِّلُ ثُمَّ يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ» . ورَواهُ أحْمَدُ عَنْ زَيْنَبَ السَّهْمِيَّةِ عَنْ عائِشَةَ. قَوْلُهُ: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا ماءً﴾ هَذا القَيْدُ إنْ كانَ راجِعًا إلى جَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِمّا هو مَذْكُورٌ بَعْدَ الشَّرْطِ، وهو المَرَضُ والسَّفَرُ والمَجِيءُ مِنَ الغائِطِ ومُلامَسَةُ النِّساءِ كانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَرَضَ والسَّفَرَ بِمُجَرَّدِهِما لا يُسَوِّغانِ التَّيَمُّمَ، بَلْ لا بُدَّ مَعَ وُجُودِ أحَدِ السَّبَبَيْنِ مِن عَدَمِ الماءِ، فَلا يَجُوزُ لِلْمَرِيضِ أنْ يَتَيَمَّمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدْ ماءً، ولا يَجُوزُ لِلْمُسافِرِ أنَّ يَتَيَمَّمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدْ ماءً، ولَكِنَّهُ يُشْكِلُ عَلى هَذا أنَّ الصَّحِيحَ كالمَرِيضِ إذا لَمْ يَجِدِ الماءَ تَيَمَّمَ، وكَذَلِكَ المُسافِرُ عَدَمُ الماءِ في حَقِّهِ غالِبٌ، وإنْ كانَ راجِعًا إلى الصُّورَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ: أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أوْ جاءَ أحَدٌ مِنكم مِنَ الغائِطِ أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ كَما قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ كانَ فِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ مَن صَدَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَرِيضِ أوِ المُسافِرِ جازَ لَهُ التَّيَمُّمُ، وإنْ كانَ واجِدًا لِلْماءِ قادِرًا عَلى اسْتِعْمالِهِ وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ رَجَعَ هَذا القَيْدُ إلى الآخَرَيْنِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْتَبَرًا في الأوَّلَيْنِ لِنُدْرَةِ وُقُوعِهِ فِيهِما. وأنْتَ خَبِيرٌ بِأنَّ هَذا كَلامٌ ساقِطٌ وتَوْجِيهٌ بارِدٌ. وقالَ مالِكٌ ومَن تابَعَهُ: ذَكَرَ اللَّهُ المَرَضَ والسَّفَرَ في شَرْطِ التَّيَمُّمِ اعْتِبارًا بِالأغْلَبِ في مَن لَمْ يَجِدِ الماءَ بِخِلافِ الحاضِرِ، فَإنَّ الغالِبَ وجُودُهُ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَنُصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِ انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ المَرَضَ بِمُجَرَّدِهِ مُسَوِّغٌ لِلتَّيَمُّمِ، وإنْ كانَ الماءُ مَوْجُودًا إذا كانَ يَتَضَرَّرُ بِاسْتِعْمالِهِ في الحالِ أوْ في المَآلِ، ولا تُعْتَبَرُ خَشْيَةُ التَّلَفِ، فاللَّهُ سُبْحانَهُ يَقُولُ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ويَقُولُ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، والنَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «الدِّينُ يُسْرٌ» . ويَقُولُ: «يَسُرُّوا ولا تُعَسِّرُوا»، وقالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ»، ويَقُولُ: «أُمِرْتُ بِالشَّرِيعَةِ السَّمْحَةِ» فَإذا قُلْنا: إنَّ قَيْدَ عَدَمِ وُجُودِ الماءِ راجِعٌ إلى الجَمِيعِ كانَ وجْهُ التَّنْصِيصِ عَلى المَرَضِ هو أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ والماءُ حاضِرٌ مَوْجُودٌ إذا كانَ اسْتِعْمالُهُ يَضُرُّهُ، فَيَكُونُ اعْتِبارُ ذَلِكَ القَيْدِ في حَقِّهِ إذا كانَ اسْتِعْمالُهُ لا يَضُرُّهُ، فَإنَّ في مُجَرَّدِ المَرَضِ مَعَ عَدَمِ الضَّرَرِ بِاسْتِعْمالِ الماءِ ما يَكُونُ مَظِنَّةً لِعَجْزِهِ عَنِ الطَّلَبِ؛ لِأنَّهُ يَلْحَقُهُ بِالمَرَضِ نَوْعُ ضَعْفٍ. وأمّا وجْهُ التَّنْصِيصِ عَلى المُسافِرِ فَلا شَكَّ أنَّ الضَّرْبَ في الأرْضِ مَظِنَّةٌ لِإعْوازِ الماءِ في بَعْضِ البِقاعِ دُونَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: فَتَيَمَّمُوا التَّيَمُّمُ لُغَةً: القَصْدُ، يُقالُ: تَيَمَّمْتُ الشَّيْءَ: قَصَدْتُهُ، وتَيَمَّمْتُ الصَّعِيدَ: تَعَمَّدْتُهُ، وتَيَمَّمْتُهُ بِسَهْمِي ورُمْحِي: قَصَدْتُهُ دُونَ مَن سِواهُ، وأنْشَدَ الخَلِيلُ: ؎يَمَّمْتُهُ الرُّمْحَ شَزْرًا ثُمَّ قُلْتُ لَهُ هَذِي البَسالَةُ لا لِعْبُ الزَّحالِيقِ وقالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎تَيَمَّمْتُها مِن أذَرِعاتٍ وأهْلُها ∗∗∗ بِيَثْرِبَ أدْنى دارِها نَظَرٌ عالِي وقالَ: ؎تَيَمَّمَتِ العَيْنُ الَّتِي عِنْدَ ضارِجِ ∗∗∗ يَفِيءُ عَلَيْها الظِّلُّ عَرْمَضُها ظامِي قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: قَوْلُهُ: فَتَيَمَّمُوا أيِ: اقْصِدُوا، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمالُ هَذِهِ الكَلِمَةِ حَتّى صارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الوَجْهِ واليَدَيْنِ بِالتُّرابِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في قَوْلِهِمْ: قَدْ تَيَمَّمَ الرَّجُلُ؛ مَعْناهُ: قَدْ مَسَحَ التُّرابَ عَلى وجْهِهِ. وهَذا خَلْطٌ مِنهُما لِلْمَعْنى اللُّغَوِيِّ بِالمَعْنى الشَّرْعِيِّ، فَإنَّ العَرَبَ لا تَعْرِفُ التَّيَمُّمَ بِمَعْنى مَسْحِ الوَجْهِ واليَدَيْنِ، وإنَّما هو مَعْنًى شَرْعِيٌّ فَقَطْ، وظاهِرُ الأمْرِ الوُجُوبُ، وهو مُجْمَعٌ عَلى ذَلِكَ. والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، قَوْلُهُ: صَعِيدًا الصَّعِيدُ: وجْهُ الأرْضِ سَواءً كانَ عَلَيْهِ تُرابٌ أوْ لَمْ يَكُنْ، قالَهُ الخَلِيلُ وابْنُ الأعْرابِيِّ والزَّجّاجُ. قالَ الزَّجّاجُ: لا أعْلَمُ فِيهِ خِلافًا بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿وإنّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: ٨] أيْ: أرْضًا غَلِيظَةً لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وقالَ تَعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] وقالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎كَأنَّهُ بِالضُّحى يَرْمِي الصَّعِيدَ بِهِ ∗∗∗ ونابُهُ في عِظامِ الرَّأْسِ خُرْطُومُ وإنَّما سُمِّيَ صَعِيدًا لِأنَّهُ نِهايَةُ ما يُصْعَدُ إلَيْهِ مِنَ الأرْضِ، وجَمْعُ الصَّعِيدِ صُعَداتٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ فِيما يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ بِهِ، فَقالَ مالِكٌ وأبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ والطَّبَرِيُّ: إنَّهُ يُجْزِئُ بِوَجْهِ الأرْضِ كُلِّهِ تُرابًا كانَ أوْ رَمْلًا أوْ حِجارَةً، وحَمَلُوا قَوْلَهُ: طَيِّبًا عَلى الطّاهِرِ الَّذِي لَيْسَ بِنَجِسٍ. وقالَ الشّافِعِيُّ وأحْمَدُ وأصْحابُهُما: إنَّهُ لا يُجْزِئُ التَّيَمُّمُ إلّا بِالتُّرابِ فَقَطْ، واسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ [الكهف: ٤٠] أيْ: تُرابًا أمْلَسَ طَيِّبًا، وكَذَلِكَ اسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ: طَيِّبًا قالُوا: والطَّيِّبُ التُّرابُ الَّذِي يُنْبِتُ. وقَدْ تُنُوزِعَ في مَعْنى الطَّيِّبِ، فَقِيلَ: الطّاهِرُ كَما تَقَدَّمَ، وقِيلَ: المُنْبِتُ كَما هُنا، وقِيلَ: الحَلالُ. والمُحْتَمَلُ لا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، ولَوْ لَمْ يُوجَدْ في الشَّيْءِ الَّذِي يُتَيَمَّمُ بِهِ إلّا ما في الكِتابِ العَزِيزِ؛ لَكانَ الحَقُّ ما قالَهُ الأوَّلُونَ، لَكِنْ ثَبَتَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «فُضِّلْنا عَلى النّاسِ بِثَلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كَصُفُوفِ المَلائِكَةِ، وجُعِلَتْ لَنا الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لَنا طَهُورًا إذا لَمْ نَجِدِ الماءَ» وفي لَفْظٍ «وجُعِلَ تُرابُها لَنا طَهُورًا» فَهَذا مُبَيِّنٌ لِمَعْنى الصَّعِيدِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، أوْ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِهِ، أوْ مُقَيِّدٌ لِإطْلاقِهِ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما حَكاهُ ابْنُ فارِسٍ عَنْ كِتابِ الخَلِيلِ: تَيَمَّمَ الصَّعِيدَ؛ أيْ: أخَذَ مِن غُبارِهِ انْتَهى، والحَجَرُ الصَّلْدُ لا غُبارَ لَهُ. قَوْلُهُ: ﴿فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكُمْ﴾ (p-٣٠٣)هَذا المَسْحُ مُطْلَقٌ يَتَناوَلُ المَسْحَ بِضَرْبَةٍ أوْ ضَرْبَتَيْنِ، ويَتَناوَلُ المَسْحَ إلى المِرْفَقَيْنِ أوْ إلى الرُّسْغَيْنِ، وقَدْ بَيَّنَتْهُ السُّنَّةُ بَيانًا شافِيًا، وقَدْ جَمَعْنا بَيْنَ ما ورَدَ في المَسْحِ بِضَرْبَةٍ وبِضَرْبَتَيْنِ، وما ورَدَ في المَسْحِ إلى الرُّسْغِ وإلى المِرْفَقَيْنِ، في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى وغَيْرِهِ مِن مُؤَلَّفاتِنا بِما لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ أيْ: عَفا عَنْكم وغَفَرَ لَكم تَقْصِيرَكم ورَحِمَكم بِالتَّرْخِيصِ لَكم والتَّوْسِعَةِ عَلَيْكم. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: صَنَعَ لَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعانا وسَقانا مِنَ الخَمْرِ فَأخَذَتِ الخَمْرُ مِنّا، وحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْتُ: ( ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ ) [الكافرون: ١] ونَحْنُ نَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ: أنَّ الَّذِي صَلّى بِهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعَلِيٍّ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وسَعْدٍ، صَنَعَ لَهم عَلِيٌّ طَعامًا وشَرابًا فَأكَلُوا وشَرِبُوا، ثُمَّ صَلّى بِهِمُ المَغْرِبَ فَقَرَأ ﴿قُلْ ياأيُّها الكافِرُونَ﴾ حَتّى خَتَمَها فَقالَ: لَيْسَ لِي دِينٌ ولَيْسَ لَكم دِينٌ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: لَمْ يَعْنِ بِها الخَمْرَ إنَّما عَنِيَ بِها سُكْرَ النَّوْمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وأنْتُمْ سُكارى﴾ قالَ: النُّعاسُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ. قَوْلُهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُسافِرِ تُصِيبُهُ الجَنابَةُ فَيَتَيَمَّمُ ويُصَلِّي. وفي لَفْظٍ قالَ: لا يَقْرَبُ الصَّلاةَ إلّا أنْ يَكُونَ مُسافِرًا تُصِيبُهُ الجَنابَةُ فَلا يَجِدُ الماءَ فَيَتَيَمَّمُ ويُصَلِّي حَتّى يَجِدَ الماءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ جُنُبٌ إذا وجَدْتُمُ الماءَ، فَإنْ لَمْ تَجِدُوا الماءَ فَقَدْ أحْلَلْتُ أنْ تَمْسَحُوا بِالأرْضِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَمُرُّ الجُنُبُ ولا الحائِضُ في المَسْجِدِ، إنَّما أُنْزِلَتْ ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ لِلْمُسافِرِ يَتَيَمَّمُ ثُمَّ يُصَلِّي. وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ «عَنِ الأسْلَعِ بْنِ شَرِيكٍ قالَ: كُنْتُ أُرَحِّلُ ناقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَأصابَتْنِي جَنابَةٌ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ، وأرادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الرِّحْلَةَ، فَكَرِهْتُ أنْ أُرَحِّلَ ناقَتَهُ وأنا جُنُبٌ، وخَشِيتُ أنْ أغْتَسِلَ بِالماءِ البارِدِ فَأمُوتَ أوْ أمْرَضَ، فَأمَرْتُ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَرَحَّلَها، ثُمَّ رَضَفْتُ أحْجارًا فَأسْخَنْتُ بِها ماءً فاغْتَسَلْتُ، ثُمَّ لَحِقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابَهُ، فَقالَ: يا أسْلَعُ، ما لِي أراكَ راحِلَتَكَ تَغَيَّرَتْ ؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَمْ أُرَحِّلْها، رَحَّلَها رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، قالَ: ولِمَ ؟ قُلْتُ: إنِّي أصابَنِي جَنابَةٌ فَخَشِيتُ القَرَّ عَلى نَفْسِي، فَأمَرْتُهُ أنْ يُرَحِّلَها ورَضَفْتُ أحْجارًا فَأسْخَنْتُ بِها ماءً فاغْتَسَلْتُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ «عَنْ أسْلَعَ قالَ: كُنْتُ أخْدِمُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأُرَحِّلُ لَهُ، فَقالَ لِي ذاتَ لَيْلَةٍ: يا أسْلَعُ قُمْ فَأرْحِلْ لِي. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أصابَتْنِي جَنابَةٌ، فَسَكَتَ عَنِّي ساعَةً حَتّى جاءَ جِبْرِيلُ بِآيَةِ الصَّعِيدِ، فَقالَ: قُمْ يا أسْلَعُ فَتَيَمَّمْ» الحَدِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: المَساجِدَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ عَنْهُ ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ قالَ: لا تَدْخُلُوا المَسْجِدَ وأنْتُمْ جُنُبٌ إلّا عابِرِي سَبِيلٍ، قالَ: تَمُرُّ بِهِ مَرًّا ولا تَجْلِسُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ أنَّهُ كانَ يُرَخِّصُ لِلْجُنُبِ أنْ يَمُرَّ في المَسْجِدِ ولا يَجْلِسَ فِيهِ، ثُمَّ قَرَأ قَوْلَهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلّا عابِرِي سَبِيلٍ﴾ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جابِرٍ قالَ: كانَ أحَدُنا يَمُرُّ في المَسْجِدِ وهو جُنُبٌ مُجْتازًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ كانَ مَرِيضًا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَقُومَ فَيَتَوَضَّأ ولَمْ يَكُنْ لَهُ خادِمٌ فَيُناوِلُهُ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ المَجْدُورُ أوْ بِهِ الجِراحُ أوِ القُرْحُ يُجْنِبُ فَيُخافُ إنِ اغْتَسَلَ أنْ يَمُوتَ فَيَتَيَمَّمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، قالَ: نالَ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ جِراحٌ فَفَشَتْ فِيهِمْ، ثُمَّ ابْتُلُوا بِالجَنابَةِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قالَ: اللَّمْسُ ما دُونَ الجِماعِ، والقُبْلَةُ مِنهُ، وفِيهِ الوُضُوءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَتَوَضَّأُ مِن قُبْلَةِ المَرْأةِ، ويَقُولُ: هي اللِّماسِ. وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ والبَيْهَقِيُّ والحاكِمُ عَنْ عُمَرَ قالَ: إنِ القُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ فَتَوَضَّأْ مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: اللَّمْسُ هو الجِماعُ ولَكِنَّ اللَّهَ كَنى عَنْهُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ (p-٣٠٤)وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُنّا في حُجْرَةِ ابْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ ونَفَرٌ مِنَ المَوالِي، وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ونَفَرٌ مِنَ العَرَبِ فَتَذاكَرْنا لِلْماسِّ، فَقُلْتُ أنا وعَطاءٌ والمَوالِي: اللَّمْسُ بِاليَدِ، وقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والعَرَبُ: هو الجِماعُ، فَدَخَلْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: غُلِبَتِ المَوالِي، وأصابَتِ العَرَبُ، ثُمَّ قالَ: إنَّ اللَّمْسَ والمَسَّ والمُباشَرَةَ إلى الجِماعِ ما هو، ولَكِنَّ اللَّهَ يَكْنِي ما شاءَ بِما شاءَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أطْيَبَ الصَّعِيدِ أرْضُ الحَرْثِ.

النساء 4:44

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ أيْ: يَطْعَنُونَ في الدِّينِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَعَلِمَ أنّا نَسُبُّهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ وأطَعْنا أمْرَكَ واسْمَعْ ما نَقُولُ وانْظُرْنا أيْ: لَوْ قالُوا هَذا مَكانَ قَوْلِهِمْ راعِنا ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا قالُوهُ وأقْوَمَ أيْ: أعْدَلَ وأوْلى مِن قَوْلِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا﴾ لِما في هَذا مِنَ المُخالَفَةِ وسُوءِ الأدَبِ، واحْتِمالِ الذَّمِّ في راعِنا ولَكِنْ لَمْ يَسْلُكُوا المَسْلَكَ الحَسَنَ ويَأْتُوا بِما هو خَيْرٌ لَهم وأقُومُ، ولِهَذا ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الكُتُبِ دُونَ بَعْضٍ وبِبَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وهُنا ذَكَرَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ. والمُرادُ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيهِ، بَلْ حَرَّفُوا وبَدَّلُوا. وقَوْلُهُ: مُصَدِّقًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. والطَّمْسُ: اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] يُقالُ: نَطْمِسُ بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ في المُسْتَقْبَلِ ويُقالُ: طَمَسَ الأثَرَ أيْ مَحاهُ كُلَّهُ، ومِنهُ ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ: أهْلِكْها ويُقالُ: هو مَطْمُوسُ البَصَرِ، ومِنهُ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أيْ أعْمَيْناهم. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَعْنى المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هو حَقِيقَةٌ ؟ فَيَجْعَلُ الوَجْهَ كالقَفا، فَيَذْهَبُ بِالأنْفِ والفَمِ والحاجِبِ والعَيْنِ، أوْ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّلالَةِ في قُلُوبِهِمْ وسَلْبِهِمُ التَّوْفِيقَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ، وذَهَبَ إلى الآخَرِ آخَرُونَ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ نَجْعَلُها قَفًا؛ أيْ: نَذْهَبُ بِآثارِ الوَجْهِ وتَخْطِيطِهِ (p-٣٠٥)حَتّى يَصِيرَ عَلى هَيْئَةِ القَفا، وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ الطَّمْسِ يَرُدُّها إلى مَوْضِعِ القَفا، والقَفا إلى مَواضِعِها، وهَذا هو ألْصَقُ بِالمَعْنى الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ . قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُهَدِّدَهم بِطَمْسِ الوُجُوهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ لَمّا آمَنَ هَؤُلاءِ ومَنِ اتَّبَعَهم رُفِعَ الوَعِيدُ عَنِ الباقِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ: الوَعِيدُ باقٍ مُنْتَظَرٌ وقالَ: لا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ، ونَسْخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ، قِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنِ هُنا المَسْخُ لِأجْلِ تَشْبِيهِهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ، وكانَ لَعْنُ أصْحابِ السَّبْتِ مَسْخَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ اللَّعْنَةِ وهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ. والمُرادُ وُقُوعُ أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الطَّمْسُ، أوِ اللَّعْنُ. وقَدْ وقَعَ اللَّعْنُ، ولَكِنَّهُ يُقَوِّي الأوَّلَ تَشْبِيهُ هَذا اللَّعْنِ بِلَعْنِ أهْلِ السَّبْتِ. قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كائِنًا مَوْجُودًا لا مَحالَةَ، أوْ يُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ. والمَعْنى: أنَّهُ مَتى أرادَهُ كانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ هَذا الحُكْمُ يَشْمَلُ جَمِيعَ طَوائِفِ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، ولا يَخْتَصُّ بِكُفّارِ أهْلِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالُوا: ثالِثُ ثَلاثَةٍ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ المُشْرِكَ إذا ماتَ عَلى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ الَّتِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِها عَلى غَيْرِ أهْلِ الشِّرْكِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وأمّا غَيْرُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَداخِلُونَ تَحْتَ المَشِيئَةِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ أبانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ كُلَّ صاحِبِ كَبِيرَةٍ في مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ ما لَمْ تَكُنْ كَبِيرَتُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وظاهِرُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ مِنهُ سُبْحانَهُ تَكُونُ لِمَنِ اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ مِن ذَلِكَ المُذْنِبِ تَوْبَةٌ، وقَيَّدَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِالتَّوْبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ [النساء: ٣١] وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ سَيِّئاتِ مَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ فَيَكُونُ مُجْتَنِبُ الكَبائِرِ مِمَّنْ قَدْ شاءَ اللَّهُ غُفْرانَ سَيِّئاتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِن عُظَماءِ اليَهُودِ، وإذا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوى لِسانَهُ وقالَ: أرْعِنا سَمْعَكَ يا مُحَمَّدُ حَتّى نَفْهَمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ في الإسْلامِ وعابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي: يُحَرِّفُونَ حُدُودَ اللَّهِ في التَّوْراةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ قالَ: تَبْدِيلُ اليَهُودِ التَّوْراةَ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالُوا: سَمِعْنا ما تَقُولُ ولا نُطِيعُكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ: خِلافًا يَلْوُونَ بِهِ ألْسِنَتَهم ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ قالَ: أفْهِمْنا لا تَعْجَلْ عَلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: يَقُولُونَ اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رُؤَساءُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهم: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ. فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ قالَ: طَمْسُها أنْ تَعْمى ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ يَقُولُ: نَجْعَلُ وُجُوهَهم مِن قِبَلِ أقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ القَهْقَرى، ونَجْعَلُ لِأحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ في قَفاهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ لِيَ ابْنَ أخٍ لا يَنْتَهِي عَنِ الحَرامِ، قالَ: وما دِينُهُ ؟ قالَ: يُصَلِّي ويُوَحِّدُ اللَّهَ، قالَ: اسْتَوْهِبْ مِنهُ دِينَهُ فَإنْ أبى فابْتَعْهُ مِنهُ، فَطَلَبَ الرَّجُلُ مِنهُ ذَلِكَ فَأبى عَلَيْهِ، فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: وجَدْتُهُ شَحِيحًا عَلى دِينِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ. قامَ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ سُؤالَ هَذا الرَّجُلِ هو سَبَبُ نُزُولِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى مَن ماتَ وهو كافِرٌ، وأرْجَأ أهْلَ التَّوْحِيدِ إلى مَشِيئَتِهِ فَلَمْ يُؤَيِّسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

النساء 4:45

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ أيْ: يَطْعَنُونَ في الدِّينِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَعَلِمَ أنّا نَسُبُّهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ وأطَعْنا أمْرَكَ واسْمَعْ ما نَقُولُ وانْظُرْنا أيْ: لَوْ قالُوا هَذا مَكانَ قَوْلِهِمْ راعِنا ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا قالُوهُ وأقْوَمَ أيْ: أعْدَلَ وأوْلى مِن قَوْلِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا﴾ لِما في هَذا مِنَ المُخالَفَةِ وسُوءِ الأدَبِ، واحْتِمالِ الذَّمِّ في راعِنا ولَكِنْ لَمْ يَسْلُكُوا المَسْلَكَ الحَسَنَ ويَأْتُوا بِما هو خَيْرٌ لَهم وأقُومُ، ولِهَذا ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الكُتُبِ دُونَ بَعْضٍ وبِبَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وهُنا ذَكَرَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ. والمُرادُ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيهِ، بَلْ حَرَّفُوا وبَدَّلُوا. وقَوْلُهُ: مُصَدِّقًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. والطَّمْسُ: اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] يُقالُ: نَطْمِسُ بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ في المُسْتَقْبَلِ ويُقالُ: طَمَسَ الأثَرَ أيْ مَحاهُ كُلَّهُ، ومِنهُ ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ: أهْلِكْها ويُقالُ: هو مَطْمُوسُ البَصَرِ، ومِنهُ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أيْ أعْمَيْناهم. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَعْنى المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هو حَقِيقَةٌ ؟ فَيَجْعَلُ الوَجْهَ كالقَفا، فَيَذْهَبُ بِالأنْفِ والفَمِ والحاجِبِ والعَيْنِ، أوْ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّلالَةِ في قُلُوبِهِمْ وسَلْبِهِمُ التَّوْفِيقَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ، وذَهَبَ إلى الآخَرِ آخَرُونَ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ نَجْعَلُها قَفًا؛ أيْ: نَذْهَبُ بِآثارِ الوَجْهِ وتَخْطِيطِهِ (p-٣٠٥)حَتّى يَصِيرَ عَلى هَيْئَةِ القَفا، وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ الطَّمْسِ يَرُدُّها إلى مَوْضِعِ القَفا، والقَفا إلى مَواضِعِها، وهَذا هو ألْصَقُ بِالمَعْنى الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ . قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُهَدِّدَهم بِطَمْسِ الوُجُوهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ لَمّا آمَنَ هَؤُلاءِ ومَنِ اتَّبَعَهم رُفِعَ الوَعِيدُ عَنِ الباقِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ: الوَعِيدُ باقٍ مُنْتَظَرٌ وقالَ: لا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ، ونَسْخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ، قِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنِ هُنا المَسْخُ لِأجْلِ تَشْبِيهِهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ، وكانَ لَعْنُ أصْحابِ السَّبْتِ مَسْخَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ اللَّعْنَةِ وهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ. والمُرادُ وُقُوعُ أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الطَّمْسُ، أوِ اللَّعْنُ. وقَدْ وقَعَ اللَّعْنُ، ولَكِنَّهُ يُقَوِّي الأوَّلَ تَشْبِيهُ هَذا اللَّعْنِ بِلَعْنِ أهْلِ السَّبْتِ. قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كائِنًا مَوْجُودًا لا مَحالَةَ، أوْ يُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ. والمَعْنى: أنَّهُ مَتى أرادَهُ كانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ هَذا الحُكْمُ يَشْمَلُ جَمِيعَ طَوائِفِ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، ولا يَخْتَصُّ بِكُفّارِ أهْلِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالُوا: ثالِثُ ثَلاثَةٍ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ المُشْرِكَ إذا ماتَ عَلى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ الَّتِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِها عَلى غَيْرِ أهْلِ الشِّرْكِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وأمّا غَيْرُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَداخِلُونَ تَحْتَ المَشِيئَةِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ أبانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ كُلَّ صاحِبِ كَبِيرَةٍ في مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ ما لَمْ تَكُنْ كَبِيرَتُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وظاهِرُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ مِنهُ سُبْحانَهُ تَكُونُ لِمَنِ اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ مِن ذَلِكَ المُذْنِبِ تَوْبَةٌ، وقَيَّدَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِالتَّوْبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ [النساء: ٣١] وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ سَيِّئاتِ مَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ فَيَكُونُ مُجْتَنِبُ الكَبائِرِ مِمَّنْ قَدْ شاءَ اللَّهُ غُفْرانَ سَيِّئاتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِن عُظَماءِ اليَهُودِ، وإذا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوى لِسانَهُ وقالَ: أرْعِنا سَمْعَكَ يا مُحَمَّدُ حَتّى نَفْهَمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ في الإسْلامِ وعابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي: يُحَرِّفُونَ حُدُودَ اللَّهِ في التَّوْراةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ قالَ: تَبْدِيلُ اليَهُودِ التَّوْراةَ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالُوا: سَمِعْنا ما تَقُولُ ولا نُطِيعُكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ: خِلافًا يَلْوُونَ بِهِ ألْسِنَتَهم ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ قالَ: أفْهِمْنا لا تَعْجَلْ عَلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: يَقُولُونَ اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رُؤَساءُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهم: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ. فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ قالَ: طَمْسُها أنْ تَعْمى ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ يَقُولُ: نَجْعَلُ وُجُوهَهم مِن قِبَلِ أقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ القَهْقَرى، ونَجْعَلُ لِأحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ في قَفاهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ لِيَ ابْنَ أخٍ لا يَنْتَهِي عَنِ الحَرامِ، قالَ: وما دِينُهُ ؟ قالَ: يُصَلِّي ويُوَحِّدُ اللَّهَ، قالَ: اسْتَوْهِبْ مِنهُ دِينَهُ فَإنْ أبى فابْتَعْهُ مِنهُ، فَطَلَبَ الرَّجُلُ مِنهُ ذَلِكَ فَأبى عَلَيْهِ، فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: وجَدْتُهُ شَحِيحًا عَلى دِينِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ. قامَ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ سُؤالَ هَذا الرَّجُلِ هو سَبَبُ نُزُولِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى مَن ماتَ وهو كافِرٌ، وأرْجَأ أهْلَ التَّوْحِيدِ إلى مَشِيئَتِهِ فَلَمْ يُؤَيِّسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

النساء 4:46

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ أيْ: يَطْعَنُونَ في الدِّينِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَعَلِمَ أنّا نَسُبُّهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ وأطَعْنا أمْرَكَ واسْمَعْ ما نَقُولُ وانْظُرْنا أيْ: لَوْ قالُوا هَذا مَكانَ قَوْلِهِمْ راعِنا ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا قالُوهُ وأقْوَمَ أيْ: أعْدَلَ وأوْلى مِن قَوْلِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا﴾ لِما في هَذا مِنَ المُخالَفَةِ وسُوءِ الأدَبِ، واحْتِمالِ الذَّمِّ في راعِنا ولَكِنْ لَمْ يَسْلُكُوا المَسْلَكَ الحَسَنَ ويَأْتُوا بِما هو خَيْرٌ لَهم وأقُومُ، ولِهَذا ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الكُتُبِ دُونَ بَعْضٍ وبِبَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وهُنا ذَكَرَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ. والمُرادُ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيهِ، بَلْ حَرَّفُوا وبَدَّلُوا. وقَوْلُهُ: مُصَدِّقًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. والطَّمْسُ: اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] يُقالُ: نَطْمِسُ بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ في المُسْتَقْبَلِ ويُقالُ: طَمَسَ الأثَرَ أيْ مَحاهُ كُلَّهُ، ومِنهُ ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ: أهْلِكْها ويُقالُ: هو مَطْمُوسُ البَصَرِ، ومِنهُ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أيْ أعْمَيْناهم. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَعْنى المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هو حَقِيقَةٌ ؟ فَيَجْعَلُ الوَجْهَ كالقَفا، فَيَذْهَبُ بِالأنْفِ والفَمِ والحاجِبِ والعَيْنِ، أوْ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّلالَةِ في قُلُوبِهِمْ وسَلْبِهِمُ التَّوْفِيقَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ، وذَهَبَ إلى الآخَرِ آخَرُونَ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ نَجْعَلُها قَفًا؛ أيْ: نَذْهَبُ بِآثارِ الوَجْهِ وتَخْطِيطِهِ (p-٣٠٥)حَتّى يَصِيرَ عَلى هَيْئَةِ القَفا، وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ الطَّمْسِ يَرُدُّها إلى مَوْضِعِ القَفا، والقَفا إلى مَواضِعِها، وهَذا هو ألْصَقُ بِالمَعْنى الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ . قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُهَدِّدَهم بِطَمْسِ الوُجُوهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ لَمّا آمَنَ هَؤُلاءِ ومَنِ اتَّبَعَهم رُفِعَ الوَعِيدُ عَنِ الباقِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ: الوَعِيدُ باقٍ مُنْتَظَرٌ وقالَ: لا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ، ونَسْخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ، قِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنِ هُنا المَسْخُ لِأجْلِ تَشْبِيهِهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ، وكانَ لَعْنُ أصْحابِ السَّبْتِ مَسْخَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ اللَّعْنَةِ وهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ. والمُرادُ وُقُوعُ أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الطَّمْسُ، أوِ اللَّعْنُ. وقَدْ وقَعَ اللَّعْنُ، ولَكِنَّهُ يُقَوِّي الأوَّلَ تَشْبِيهُ هَذا اللَّعْنِ بِلَعْنِ أهْلِ السَّبْتِ. قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كائِنًا مَوْجُودًا لا مَحالَةَ، أوْ يُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ. والمَعْنى: أنَّهُ مَتى أرادَهُ كانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ هَذا الحُكْمُ يَشْمَلُ جَمِيعَ طَوائِفِ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، ولا يَخْتَصُّ بِكُفّارِ أهْلِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالُوا: ثالِثُ ثَلاثَةٍ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ المُشْرِكَ إذا ماتَ عَلى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ الَّتِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِها عَلى غَيْرِ أهْلِ الشِّرْكِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وأمّا غَيْرُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَداخِلُونَ تَحْتَ المَشِيئَةِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ أبانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ كُلَّ صاحِبِ كَبِيرَةٍ في مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ ما لَمْ تَكُنْ كَبِيرَتُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وظاهِرُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ مِنهُ سُبْحانَهُ تَكُونُ لِمَنِ اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ مِن ذَلِكَ المُذْنِبِ تَوْبَةٌ، وقَيَّدَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِالتَّوْبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ [النساء: ٣١] وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ سَيِّئاتِ مَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ فَيَكُونُ مُجْتَنِبُ الكَبائِرِ مِمَّنْ قَدْ شاءَ اللَّهُ غُفْرانَ سَيِّئاتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِن عُظَماءِ اليَهُودِ، وإذا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوى لِسانَهُ وقالَ: أرْعِنا سَمْعَكَ يا مُحَمَّدُ حَتّى نَفْهَمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ في الإسْلامِ وعابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي: يُحَرِّفُونَ حُدُودَ اللَّهِ في التَّوْراةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ قالَ: تَبْدِيلُ اليَهُودِ التَّوْراةَ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالُوا: سَمِعْنا ما تَقُولُ ولا نُطِيعُكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ: خِلافًا يَلْوُونَ بِهِ ألْسِنَتَهم ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ قالَ: أفْهِمْنا لا تَعْجَلْ عَلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: يَقُولُونَ اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رُؤَساءُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهم: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ. فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ قالَ: طَمْسُها أنْ تَعْمى ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ يَقُولُ: نَجْعَلُ وُجُوهَهم مِن قِبَلِ أقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ القَهْقَرى، ونَجْعَلُ لِأحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ في قَفاهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ لِيَ ابْنَ أخٍ لا يَنْتَهِي عَنِ الحَرامِ، قالَ: وما دِينُهُ ؟ قالَ: يُصَلِّي ويُوَحِّدُ اللَّهَ، قالَ: اسْتَوْهِبْ مِنهُ دِينَهُ فَإنْ أبى فابْتَعْهُ مِنهُ، فَطَلَبَ الرَّجُلُ مِنهُ ذَلِكَ فَأبى عَلَيْهِ، فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: وجَدْتُهُ شَحِيحًا عَلى دِينِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ. قامَ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ سُؤالَ هَذا الرَّجُلِ هو سَبَبُ نُزُولِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى مَن ماتَ وهو كافِرٌ، وأرْجَأ أهْلَ التَّوْحِيدِ إلى مَشِيئَتِهِ فَلَمْ يُؤَيِّسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

النساء 4:47

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ أيْ: يَطْعَنُونَ في الدِّينِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَعَلِمَ أنّا نَسُبُّهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ وأطَعْنا أمْرَكَ واسْمَعْ ما نَقُولُ وانْظُرْنا أيْ: لَوْ قالُوا هَذا مَكانَ قَوْلِهِمْ راعِنا ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا قالُوهُ وأقْوَمَ أيْ: أعْدَلَ وأوْلى مِن قَوْلِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا﴾ لِما في هَذا مِنَ المُخالَفَةِ وسُوءِ الأدَبِ، واحْتِمالِ الذَّمِّ في راعِنا ولَكِنْ لَمْ يَسْلُكُوا المَسْلَكَ الحَسَنَ ويَأْتُوا بِما هو خَيْرٌ لَهم وأقُومُ، ولِهَذا ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الكُتُبِ دُونَ بَعْضٍ وبِبَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وهُنا ذَكَرَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ. والمُرادُ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيهِ، بَلْ حَرَّفُوا وبَدَّلُوا. وقَوْلُهُ: مُصَدِّقًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. والطَّمْسُ: اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] يُقالُ: نَطْمِسُ بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ في المُسْتَقْبَلِ ويُقالُ: طَمَسَ الأثَرَ أيْ مَحاهُ كُلَّهُ، ومِنهُ ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ: أهْلِكْها ويُقالُ: هو مَطْمُوسُ البَصَرِ، ومِنهُ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أيْ أعْمَيْناهم. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَعْنى المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هو حَقِيقَةٌ ؟ فَيَجْعَلُ الوَجْهَ كالقَفا، فَيَذْهَبُ بِالأنْفِ والفَمِ والحاجِبِ والعَيْنِ، أوْ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّلالَةِ في قُلُوبِهِمْ وسَلْبِهِمُ التَّوْفِيقَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ، وذَهَبَ إلى الآخَرِ آخَرُونَ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ نَجْعَلُها قَفًا؛ أيْ: نَذْهَبُ بِآثارِ الوَجْهِ وتَخْطِيطِهِ (p-٣٠٥)حَتّى يَصِيرَ عَلى هَيْئَةِ القَفا، وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ الطَّمْسِ يَرُدُّها إلى مَوْضِعِ القَفا، والقَفا إلى مَواضِعِها، وهَذا هو ألْصَقُ بِالمَعْنى الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ . قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُهَدِّدَهم بِطَمْسِ الوُجُوهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ لَمّا آمَنَ هَؤُلاءِ ومَنِ اتَّبَعَهم رُفِعَ الوَعِيدُ عَنِ الباقِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ: الوَعِيدُ باقٍ مُنْتَظَرٌ وقالَ: لا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ، ونَسْخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ، قِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنِ هُنا المَسْخُ لِأجْلِ تَشْبِيهِهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ، وكانَ لَعْنُ أصْحابِ السَّبْتِ مَسْخَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ اللَّعْنَةِ وهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ. والمُرادُ وُقُوعُ أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الطَّمْسُ، أوِ اللَّعْنُ. وقَدْ وقَعَ اللَّعْنُ، ولَكِنَّهُ يُقَوِّي الأوَّلَ تَشْبِيهُ هَذا اللَّعْنِ بِلَعْنِ أهْلِ السَّبْتِ. قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كائِنًا مَوْجُودًا لا مَحالَةَ، أوْ يُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ. والمَعْنى: أنَّهُ مَتى أرادَهُ كانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ هَذا الحُكْمُ يَشْمَلُ جَمِيعَ طَوائِفِ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، ولا يَخْتَصُّ بِكُفّارِ أهْلِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالُوا: ثالِثُ ثَلاثَةٍ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ المُشْرِكَ إذا ماتَ عَلى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ الَّتِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِها عَلى غَيْرِ أهْلِ الشِّرْكِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وأمّا غَيْرُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَداخِلُونَ تَحْتَ المَشِيئَةِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ أبانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ كُلَّ صاحِبِ كَبِيرَةٍ في مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ ما لَمْ تَكُنْ كَبِيرَتُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وظاهِرُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ مِنهُ سُبْحانَهُ تَكُونُ لِمَنِ اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ مِن ذَلِكَ المُذْنِبِ تَوْبَةٌ، وقَيَّدَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِالتَّوْبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ [النساء: ٣١] وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ سَيِّئاتِ مَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ فَيَكُونُ مُجْتَنِبُ الكَبائِرِ مِمَّنْ قَدْ شاءَ اللَّهُ غُفْرانَ سَيِّئاتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِن عُظَماءِ اليَهُودِ، وإذا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوى لِسانَهُ وقالَ: أرْعِنا سَمْعَكَ يا مُحَمَّدُ حَتّى نَفْهَمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ في الإسْلامِ وعابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي: يُحَرِّفُونَ حُدُودَ اللَّهِ في التَّوْراةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ قالَ: تَبْدِيلُ اليَهُودِ التَّوْراةَ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالُوا: سَمِعْنا ما تَقُولُ ولا نُطِيعُكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ: خِلافًا يَلْوُونَ بِهِ ألْسِنَتَهم ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ قالَ: أفْهِمْنا لا تَعْجَلْ عَلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: يَقُولُونَ اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رُؤَساءُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهم: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ. فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ قالَ: طَمْسُها أنْ تَعْمى ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ يَقُولُ: نَجْعَلُ وُجُوهَهم مِن قِبَلِ أقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ القَهْقَرى، ونَجْعَلُ لِأحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ في قَفاهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ لِيَ ابْنَ أخٍ لا يَنْتَهِي عَنِ الحَرامِ، قالَ: وما دِينُهُ ؟ قالَ: يُصَلِّي ويُوَحِّدُ اللَّهَ، قالَ: اسْتَوْهِبْ مِنهُ دِينَهُ فَإنْ أبى فابْتَعْهُ مِنهُ، فَطَلَبَ الرَّجُلُ مِنهُ ذَلِكَ فَأبى عَلَيْهِ، فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: وجَدْتُهُ شَحِيحًا عَلى دِينِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ. قامَ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ سُؤالَ هَذا الرَّجُلِ هو سَبَبُ نُزُولِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى مَن ماتَ وهو كافِرٌ، وأرْجَأ أهْلَ التَّوْحِيدِ إلى مَشِيئَتِهِ فَلَمْ يُؤَيِّسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

النساء 4:48

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ الرُّؤْيَةُ مِنَ المُسْلِمِينَ. والنَّصِيبُ: الحَظُّ، والمُرادُ اليَهُودُ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ التَّوْراةِ. وقَوْلُهُ: يَشْتَرُونَ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والمُرادُ بِالِاشْتِراءِ الِاسْتِبْدالُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّ اليَهُودَ اسْتَبْدَلُوا الضَّلالَةَ، وهي البَقاءُ عَلى اليَهُودِيَّةِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ عَلى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُونَ أنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: يَشْتَرُونَ مُشارِكٌ لَهُ في بَيانِ سُوءِ صَنِيعِهِمْ وضِعْفِ اخْتِيارِهِمْ؛ أيْ: لَمْ يَكْتَفُوا بِما جَنَوْهُ عَلى أنْفُسِهِمْ مِنِ اسْتِبْدالِ الضَّلالَةِ بِالهُدى، بَلْ أرادُوا مَعَ ضَلالِهِمْ أنْ يَتَوَصَّلُوا بِكَتْمِهِمْ وجَحْدِهِمْ إلى أنْ تَضِلُّوا أنْتُمْ أيُّها المُؤْمِنُونَ السَّبِيلَ المُسْتَقِيمَ الَّذِي هو سَبِيلُ الحَقِّ. ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِأعْدائِكُمْ﴾ أيُّها المُؤْمِنُونَ وما يُرِيدُونَهُ بِكم مِنَ الإضْلالِ، والجُمْلَةُ اعْتِراضِيَّةٌ ﴿وكَفى بِاللَّهِ ولِيًّا﴾ لَكم ﴿وكَفى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ يَنْصُرُكم في مُواطِنِ الحَرْبِ، فاكْتَفُوا بِوِلايَتِهِ ونَصْرِهِ ولا تَتَوَلَّوْا غَيْرَهُ ولا تَسْتَنْصِرُوهُ، والباءُ في قَوْلِهِ: بِاللَّهِ في المَوْضِعَيْنِ زائِدَةٌ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنْ جُعِلَتْ مُتَعَلِّقَةً بِما قَبْلُ فَلا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: نَصِيرًا وإنْ جُعِلَتْ مُنْقَطِعَةً، فَيَجُوزُ الوَقْفُ عَلى نَصِيرًا والتَّقْدِيرُ: مِنَ الَّذِينَ هادُوا قَوْمٌ يُحَرِّفُونَ، ثُمَّ حُذِفَ، وهَذا مَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها لَمْ أيْثَمِ يَفْضُلُها في حَسَبٍ ومِيسَمِ قالُوا: المَعْنى: لَوْ قُلْتَ ما في قَوْمِها أحَدٌ يَفْضُلُها، ثُمَّ حُذِفَ. وقالَ الفَرّاءُ: المَحْذُوفُ لَفْظُ مَن؛ أيْ: مِنَ الَّذِينَ هادَوْا مَن يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ كَقَوْلِهِ: ﴿وما مِنّا إلّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ﴾ أيْ مَن لَهُ، ومِنهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ: ؎فَظَلُّوا ومِنهم دَمْعُهُ سابِقٌ لَهُ أيْ: مَن دَمْعُهُ، وأنْكَرَهُ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ؛ لِأنَّ حَذْفَ المَوْصُولِ كَحَذْفِ بَعْضِ الكَلِمَةِ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ بَيانٌ لِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ . والتَّحْرِيفُ: الإمالَةُ والإزالَةُ؛ أيْ: يُمِيلُونَهُ ويُزِيلُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ ويَجْعَلُونَ مَكانَهُ غَيْرَهُ، أوِ المُرادُ أنَّهم يَتَأوَّلُونَهُ عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وذَمَّهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَفْعَلُونَهُ عِنادًا وبَغْيًا، وتَأْثِيرًا لِغَرَضِ الدُّنْيا. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ أيْ: سَمِعْنا قَوْلَكَ وعَصَيْنا أمْرَكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ أيِ: اسْمَعْ حالَ كَوْنِكَ غَيْرَ مُسْمَعٍ. وهو يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمَعْنى: اسْمَعْ لا سَمِعْتَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ مَكْرُوهًا، أوِ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ جَوابًا. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في راعِنا. ومَعْنى ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ أنَّهم يَلْوُونَها عَنِ الحَقِّ؛ أيْ: يُمِيلُونَها إلى ما في قُلُوبِهِمْ، وأصْلُ اللَّيِّ: الفَتْلُ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى المَصْدَرِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِأجْلِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وطَعْنًا في الدِّينِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لَيًّا؛ أيْ: يَطْعَنُونَ في الدِّينِ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ كانَ نَبِيًّا لَعَلِمَ أنّا نَسُبُّهُ، فَأطْلَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ ﴿ولَوْ أنَّهم قالُوا سَمِعْنا﴾ قَوْلَكَ وأطَعْنا أمْرَكَ واسْمَعْ ما نَقُولُ وانْظُرْنا أيْ: لَوْ قالُوا هَذا مَكانَ قَوْلِهِمْ راعِنا ﴿لَكانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ مِمّا قالُوهُ وأقْوَمَ أيْ: أعْدَلَ وأوْلى مِن قَوْلِهِمُ الأوَّلِ وهو قَوْلُهم ﴿سَمِعْنا وعَصَيْنا واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وراعِنا﴾ لِما في هَذا مِنَ المُخالَفَةِ وسُوءِ الأدَبِ، واحْتِمالِ الذَّمِّ في راعِنا ولَكِنْ لَمْ يَسْلُكُوا المَسْلَكَ الحَسَنَ ويَأْتُوا بِما هو خَيْرٌ لَهم وأقُومُ، ولِهَذا ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: إلّا إيمانًا قَلِيلًا، وهو الإيمانُ بِبَعْضِ الكُتُبِ دُونَ بَعْضٍ وبِبَعْضِ الرُّسُلِ دُونَ بَعْضٍ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أوَّلًا أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ، وهُنا ذَكَرَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ. والمُرادُ أنَّهم أُوتُوا نَصِيبًا مِنهُ؛ لِأنَّهم لَمْ يَعْمَلُوا بِجَمِيعِ ما فِيهِ، بَلْ حَرَّفُوا وبَدَّلُوا. وقَوْلُهُ: مُصَدِّقًا مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ. والطَّمْسُ: اسْتِئْصالُ أثَرِ الشَّيْءِ، ومِنهُ ﴿فَإذا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ [المرسلات: ٨] يُقالُ: نَطْمِسُ بِكَسْرِ المِيمِ وضَمِّها لُغَتانِ في المُسْتَقْبَلِ ويُقالُ: طَمَسَ الأثَرَ أيْ مَحاهُ كُلَّهُ، ومِنهُ ﴿رَبَّنا اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨] أيْ: أهْلِكْها ويُقالُ: هو مَطْمُوسُ البَصَرِ، ومِنهُ ﴿ولَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أعْيُنِهِمْ﴾ [يس: ٦٦] أيْ أعْمَيْناهم. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في المَعْنى المُرادِ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هو حَقِيقَةٌ ؟ فَيَجْعَلُ الوَجْهَ كالقَفا، فَيَذْهَبُ بِالأنْفِ والفَمِ والحاجِبِ والعَيْنِ، أوْ ذَلِكَ عِبارَةٌ عَنِ الضَّلالَةِ في قُلُوبِهِمْ وسَلْبِهِمُ التَّوْفِيقَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ طائِفَةٌ، وذَهَبَ إلى الآخَرِ آخَرُونَ، وعَلى الأوَّلِ فالمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ نَجْعَلُها قَفًا؛ أيْ: نَذْهَبُ بِآثارِ الوَجْهِ وتَخْطِيطِهِ (p-٣٠٥)حَتّى يَصِيرَ عَلى هَيْئَةِ القَفا، وقِيلَ: إنَّهُ بَعْدَ الطَّمْسِ يَرُدُّها إلى مَوْضِعِ القَفا، والقَفا إلى مَواضِعِها، وهَذا هو ألْصَقُ بِالمَعْنى الَّذِي يُفِيدُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ . قِيلَ: كَيْفَ جازَ أنْ يُهَدِّدَهم بِطَمْسِ الوُجُوهِ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا ولَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ لَمّا آمَنَ هَؤُلاءِ ومَنِ اتَّبَعَهم رُفِعَ الوَعِيدُ عَنِ الباقِينَ. وقالَ المُبَرِّدُ: الوَعِيدُ باقٍ مُنْتَظَرٌ وقالَ: لا بُدَّ مِن طَمْسٍ في اليَهُودِ، ونَسْخٍ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ نَلْعَنَهم كَما لَعَنّا أصْحابَ السَّبْتِ﴾ الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى أصْحابِ الوُجُوهِ، قِيلَ: المُرادُ بِاللَّعْنِ هُنا المَسْخُ لِأجْلِ تَشْبِيهِهِ بِلَعْنِ أصْحابِ السَّبْتِ، وكانَ لَعْنُ أصْحابِ السَّبْتِ مَسْخَهم قِرَدَةً وخَنازِيرَ، وقِيلَ: المُرادُ نَفْسُ اللَّعْنَةِ وهم مَلْعُونُونَ بِكُلِّ لِسانٍ. والمُرادُ وُقُوعُ أحَدِ الأمْرَيْنِ: إمّا الطَّمْسُ، أوِ اللَّعْنُ. وقَدْ وقَعَ اللَّعْنُ، ولَكِنَّهُ يُقَوِّي الأوَّلَ تَشْبِيهُ هَذا اللَّعْنِ بِلَعْنِ أهْلِ السَّبْتِ. قَوْلُهُ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ أيْ: كائِنًا مَوْجُودًا لا مَحالَةَ، أوْ يُرادُ بِالأمْرِ المَأْمُورُ. والمَعْنى: أنَّهُ مَتى أرادَهُ كانَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شَيْئًا أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ هَذا الحُكْمُ يَشْمَلُ جَمِيعَ طَوائِفِ الكُفّارِ مِن أهْلِ الكِتابِ وغَيْرِهِمْ، ولا يَخْتَصُّ بِكُفّارِ أهْلِ الحَرْبِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وقالَتِ النَّصارى: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وقالُوا: ثالِثُ ثَلاثَةٍ. ولا خِلافَ بَيْنِ المُسْلِمِينَ أنَّ المُشْرِكَ إذا ماتَ عَلى شِرْكِهِ لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ المَغْفِرَةِ الَّتِي تَفَضَّلَ اللَّهُ بِها عَلى غَيْرِ أهْلِ الشِّرْكِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، وأمّا غَيْرُ أهْلِ الشِّرْكِ مِن عُصاةِ المُسْلِمِينَ فَداخِلُونَ تَحْتَ المَشِيئَةِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَدْ أبانَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ كُلَّ صاحِبِ كَبِيرَةٍ في مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ ما لَمْ تَكُنْ كَبِيرَتُهُ شِرْكًا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وظاهِرُهُ أنَّ المَغْفِرَةَ مِنهُ سُبْحانَهُ تَكُونُ لِمَنِ اقْتَضَتْهُ مَشِيئَتُهُ تَفَضُّلًا مِنهُ ورَحْمَةً وإنْ لَمْ يَقَعْ مِن ذَلِكَ المُذْنِبِ تَوْبَةٌ، وقَيَّدَ ذَلِكَ المُعْتَزِلَةُ بِالتَّوْبَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكم﴾ [النساء: ٣١] وهي تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ يَغْفِرُ سَيِّئاتِ مَنِ اجْتَنَبَ الكَبائِرَ فَيَكُونُ مُجْتَنِبُ الكَبائِرِ مِمَّنْ قَدْ شاءَ اللَّهُ غُفْرانَ سَيِّئاتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ مِن عُظَماءِ اليَهُودِ، وإذا كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَوى لِسانَهُ وقالَ: أرْعِنا سَمْعَكَ يا مُحَمَّدُ حَتّى نَفْهَمَكَ، ثُمَّ طَعَنَ في الإسْلامِ وعابَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي: يُحَرِّفُونَ حُدُودَ اللَّهِ في التَّوْراةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ قالَ: تَبْدِيلُ اليَهُودِ التَّوْراةَ ﴿ويَقُولُونَ سَمِعْنا وعَصَيْنا﴾ قالُوا: سَمِعْنا ما تَقُولُ ولا نُطِيعُكَ ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: غَيْرَ مَقْبُولٍ ما تَقُولُ: ﴿لَيًّا بِألْسِنَتِهِمْ﴾ قالَ: خِلافًا يَلْوُونَ بِهِ ألْسِنَتَهم ﴿واسْمَعْ وانْظُرْنا﴾ قالَ: أفْهِمْنا لا تَعْجَلْ عَلَيْنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ قالَ: يَقُولُونَ اسْمَعْ لا سَمِعْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رُؤَساءُ مِن أحْبارِ اليَهُودِ: مِنهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، فَقالَ لَهم: يا مَعْشَرَ اليَهُودِ اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّ الَّذِي جِئْتُكم بِهِ الحَقُّ. فَقالُوا: ما نَعْرِفُ ذَلِكَ يا مُحَمَّدُ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ قالَ: طَمْسُها أنْ تَعْمى ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ يَقُولُ: نَجْعَلُ وُجُوهَهم مِن قِبَلِ أقْفِيَتِهِمْ فَيَمْشُونَ القَهْقَرى، ونَجْعَلُ لِأحَدِهِمْ عَيْنَيْنِ في قَفاهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ أنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ يَقُولُ: عَنْ صِراطِ الحَقِّ ﴿فَنَرُدَّها عَلى أدْبارِها﴾ قالَ: في الضَّلالَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: إنَّ لِيَ ابْنَ أخٍ لا يَنْتَهِي عَنِ الحَرامِ، قالَ: وما دِينُهُ ؟ قالَ: يُصَلِّي ويُوَحِّدُ اللَّهَ، قالَ: اسْتَوْهِبْ مِنهُ دِينَهُ فَإنْ أبى فابْتَعْهُ مِنهُ، فَطَلَبَ الرَّجُلُ مِنهُ ذَلِكَ فَأبى عَلَيْهِ، فَأتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: وجَدْتُهُ شَحِيحًا عَلى دِينِهِ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ وأبُو يَعْلى وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا نُمْسِكُ عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأهْلِ الكَبائِرِ حَتّى سَمِعْنا مِن نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ وقالَ: إنِّي ادَّخَرْتُ دَعْوَتِي وشَفاعَتِي لِأهْلِ الكَبائِرِ مِن أُمَّتِي فَأمْسَكْنا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا كانَ في أنْفُسِنا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿ياعِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ. قامَ رَجُلٌ فَقالَ: والشِّرْكُ يا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّ سُؤالَ هَذا الرَّجُلِ هو سَبَبُ نُزُولِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المَغْفِرَةَ عَلى مَن ماتَ وهو كافِرٌ، وأرْجَأ أهْلَ التَّوْحِيدِ إلى مَشِيئَتِهِ فَلَمْ يُؤَيِّسْهم مِنَ المَغْفِرَةِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: أحَبُّ آيَةٍ إلَيَّ في القُرْآنِ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآيَةَ.

النساء 4:49

(p-٣٠٦)قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُطاعٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأصْلُ الجِبْتِ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا سَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ السِّينِ قالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: الجِبْتُ: إبْلِيسُ، والطّاغُوتُ: أوْلِياؤُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أيْ: يَقُولُ اليَهُودُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ سَبِيلًا؛ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقًا. وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ عَلى أنَّ مَعْنى ( أمْ ) الإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِئْنافِ لِلثّانِي، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أهم أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أرْسَلْتُهُ، أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ؟ والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ: ما نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَما يَنْقُرُ الأرْضَ. والنَّقِيرُ أيْضًا: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيها. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّقِيرِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، والنَّقِيرُ: الأصْلُ، يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ؛ أيْ: كَرِيمُ الأصْلِ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ، والمَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في الحَقارَةِ كالقِطْمِيرِ والفَتِيلِ. وإذَنْ هُنا مُلْغاةٌ غَيْرُ عامِلَةٍ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ولَوْ نَصَبَ لَجازَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذَنْ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ أظُنُّ في عَوامِلِ الأسْماءِ الَّتِي تُلْغى إذْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، فَإنْ كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ وكانَ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِأمْرٍ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِآخَرَ؛ أيْ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، يَعْنِي اليَهُودَ يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَطْ، أوْ يَحْسُدُونَهُ هو وأصْحابُهُ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّصْرِ وقَهْرِ الأعْداءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ هَذا إلْزامٌ لِلْيَهُودِ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما آتَيْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِن فَضْلِنا بِبِدْعٍ حَتّى يَحْسُدَهُمُ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ، فَهم يَعْلَمُونَ بِما آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ، وهم أسْلافُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكِتابِ والحِكْمَةِ، والمُلْكِ العَظِيمِ، قِيلَ: هو مُلْكُ سُلَيْمانَ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَمِنهم أيِ: اليَهُودِ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. (p-٣٠٧)والمَعْنى: فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ آباءَنا قَدْ تُوُفُّوا وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وسَيَشْفَعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُظْهِرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ التَّزْكِيَةَ قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: هو أنْ تُدَلِّكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: النَّقِيرُ: النَّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنها النَّخْلَةُ. والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: قالَ: الفَتِيلُ الَّذِي في الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ فَخالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ وأهْلُ الكِتابِ فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ ؟ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَصِلُ الأرْحامَ. قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ؛ أيْ: فَرْدٌ ضَعِيفٌ، قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ. فَقالُوا: لا، بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ في تَفْسِيرِ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ولَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلّا النِّكاحَ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ.

النساء 4:50

(p-٣٠٦)قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُطاعٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأصْلُ الجِبْتِ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا سَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ السِّينِ قالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: الجِبْتُ: إبْلِيسُ، والطّاغُوتُ: أوْلِياؤُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أيْ: يَقُولُ اليَهُودُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ سَبِيلًا؛ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقًا. وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ عَلى أنَّ مَعْنى ( أمْ ) الإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِئْنافِ لِلثّانِي، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أهم أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أرْسَلْتُهُ، أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ؟ والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ: ما نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَما يَنْقُرُ الأرْضَ. والنَّقِيرُ أيْضًا: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيها. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّقِيرِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، والنَّقِيرُ: الأصْلُ، يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ؛ أيْ: كَرِيمُ الأصْلِ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ، والمَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في الحَقارَةِ كالقِطْمِيرِ والفَتِيلِ. وإذَنْ هُنا مُلْغاةٌ غَيْرُ عامِلَةٍ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ولَوْ نَصَبَ لَجازَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذَنْ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ أظُنُّ في عَوامِلِ الأسْماءِ الَّتِي تُلْغى إذْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، فَإنْ كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ وكانَ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِأمْرٍ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِآخَرَ؛ أيْ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، يَعْنِي اليَهُودَ يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَطْ، أوْ يَحْسُدُونَهُ هو وأصْحابُهُ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّصْرِ وقَهْرِ الأعْداءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ هَذا إلْزامٌ لِلْيَهُودِ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما آتَيْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِن فَضْلِنا بِبِدْعٍ حَتّى يَحْسُدَهُمُ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ، فَهم يَعْلَمُونَ بِما آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ، وهم أسْلافُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكِتابِ والحِكْمَةِ، والمُلْكِ العَظِيمِ، قِيلَ: هو مُلْكُ سُلَيْمانَ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَمِنهم أيِ: اليَهُودِ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. (p-٣٠٧)والمَعْنى: فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ آباءَنا قَدْ تُوُفُّوا وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وسَيَشْفَعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُظْهِرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ التَّزْكِيَةَ قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: هو أنْ تُدَلِّكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: النَّقِيرُ: النَّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنها النَّخْلَةُ. والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: قالَ: الفَتِيلُ الَّذِي في الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ فَخالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ وأهْلُ الكِتابِ فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ ؟ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَصِلُ الأرْحامَ. قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ؛ أيْ: فَرْدٌ ضَعِيفٌ، قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ. فَقالُوا: لا، بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ في تَفْسِيرِ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ولَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلّا النِّكاحَ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ.

النساء 4:51

(p-٣٠٦)قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُطاعٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأصْلُ الجِبْتِ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا سَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ السِّينِ قالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: الجِبْتُ: إبْلِيسُ، والطّاغُوتُ: أوْلِياؤُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أيْ: يَقُولُ اليَهُودُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ سَبِيلًا؛ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقًا. وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ عَلى أنَّ مَعْنى ( أمْ ) الإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِئْنافِ لِلثّانِي، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أهم أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أرْسَلْتُهُ، أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ؟ والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ: ما نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَما يَنْقُرُ الأرْضَ. والنَّقِيرُ أيْضًا: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيها. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّقِيرِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، والنَّقِيرُ: الأصْلُ، يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ؛ أيْ: كَرِيمُ الأصْلِ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ، والمَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في الحَقارَةِ كالقِطْمِيرِ والفَتِيلِ. وإذَنْ هُنا مُلْغاةٌ غَيْرُ عامِلَةٍ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ولَوْ نَصَبَ لَجازَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذَنْ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ أظُنُّ في عَوامِلِ الأسْماءِ الَّتِي تُلْغى إذْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، فَإنْ كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ وكانَ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِأمْرٍ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِآخَرَ؛ أيْ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، يَعْنِي اليَهُودَ يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَطْ، أوْ يَحْسُدُونَهُ هو وأصْحابُهُ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّصْرِ وقَهْرِ الأعْداءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ هَذا إلْزامٌ لِلْيَهُودِ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما آتَيْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِن فَضْلِنا بِبِدْعٍ حَتّى يَحْسُدَهُمُ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ، فَهم يَعْلَمُونَ بِما آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ، وهم أسْلافُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكِتابِ والحِكْمَةِ، والمُلْكِ العَظِيمِ، قِيلَ: هو مُلْكُ سُلَيْمانَ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَمِنهم أيِ: اليَهُودِ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. (p-٣٠٧)والمَعْنى: فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ آباءَنا قَدْ تُوُفُّوا وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وسَيَشْفَعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُظْهِرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ التَّزْكِيَةَ قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: هو أنْ تُدَلِّكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: النَّقِيرُ: النَّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنها النَّخْلَةُ. والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: قالَ: الفَتِيلُ الَّذِي في الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ فَخالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ وأهْلُ الكِتابِ فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ ؟ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَصِلُ الأرْحامَ. قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ؛ أيْ: فَرْدٌ ضَعِيفٌ، قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ. فَقالُوا: لا، بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ في تَفْسِيرِ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ولَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلّا النِّكاحَ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ.

النساء 4:52

(p-٣٠٦)قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُطاعٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأصْلُ الجِبْتِ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا سَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ السِّينِ قالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: الجِبْتُ: إبْلِيسُ، والطّاغُوتُ: أوْلِياؤُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أيْ: يَقُولُ اليَهُودُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ سَبِيلًا؛ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقًا. وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ عَلى أنَّ مَعْنى ( أمْ ) الإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِئْنافِ لِلثّانِي، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أهم أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أرْسَلْتُهُ، أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ؟ والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ: ما نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَما يَنْقُرُ الأرْضَ. والنَّقِيرُ أيْضًا: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيها. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّقِيرِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، والنَّقِيرُ: الأصْلُ، يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ؛ أيْ: كَرِيمُ الأصْلِ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ، والمَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في الحَقارَةِ كالقِطْمِيرِ والفَتِيلِ. وإذَنْ هُنا مُلْغاةٌ غَيْرُ عامِلَةٍ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ولَوْ نَصَبَ لَجازَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذَنْ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ أظُنُّ في عَوامِلِ الأسْماءِ الَّتِي تُلْغى إذْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، فَإنْ كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ وكانَ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِأمْرٍ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِآخَرَ؛ أيْ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، يَعْنِي اليَهُودَ يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَطْ، أوْ يَحْسُدُونَهُ هو وأصْحابُهُ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّصْرِ وقَهْرِ الأعْداءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ هَذا إلْزامٌ لِلْيَهُودِ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما آتَيْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِن فَضْلِنا بِبِدْعٍ حَتّى يَحْسُدَهُمُ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ، فَهم يَعْلَمُونَ بِما آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ، وهم أسْلافُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكِتابِ والحِكْمَةِ، والمُلْكِ العَظِيمِ، قِيلَ: هو مُلْكُ سُلَيْمانَ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَمِنهم أيِ: اليَهُودِ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. (p-٣٠٧)والمَعْنى: فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ آباءَنا قَدْ تُوُفُّوا وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وسَيَشْفَعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُظْهِرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ التَّزْكِيَةَ قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: هو أنْ تُدَلِّكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: النَّقِيرُ: النَّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنها النَّخْلَةُ. والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: قالَ: الفَتِيلُ الَّذِي في الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ فَخالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ وأهْلُ الكِتابِ فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ ؟ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَصِلُ الأرْحامَ. قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ؛ أيْ: فَرْدٌ ضَعِيفٌ، قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ. فَقالُوا: لا، بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ في تَفْسِيرِ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ولَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلّا النِّكاحَ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ.

النساء 4:53

(p-٣٠٦)قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُطاعٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأصْلُ الجِبْتِ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا سَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ السِّينِ قالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: الجِبْتُ: إبْلِيسُ، والطّاغُوتُ: أوْلِياؤُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أيْ: يَقُولُ اليَهُودُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ سَبِيلًا؛ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقًا. وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ عَلى أنَّ مَعْنى ( أمْ ) الإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِئْنافِ لِلثّانِي، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أهم أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أرْسَلْتُهُ، أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ؟ والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ: ما نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَما يَنْقُرُ الأرْضَ. والنَّقِيرُ أيْضًا: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيها. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّقِيرِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، والنَّقِيرُ: الأصْلُ، يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ؛ أيْ: كَرِيمُ الأصْلِ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ، والمَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في الحَقارَةِ كالقِطْمِيرِ والفَتِيلِ. وإذَنْ هُنا مُلْغاةٌ غَيْرُ عامِلَةٍ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ولَوْ نَصَبَ لَجازَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذَنْ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ أظُنُّ في عَوامِلِ الأسْماءِ الَّتِي تُلْغى إذْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، فَإنْ كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ وكانَ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِأمْرٍ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِآخَرَ؛ أيْ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، يَعْنِي اليَهُودَ يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَطْ، أوْ يَحْسُدُونَهُ هو وأصْحابُهُ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّصْرِ وقَهْرِ الأعْداءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ هَذا إلْزامٌ لِلْيَهُودِ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما آتَيْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِن فَضْلِنا بِبِدْعٍ حَتّى يَحْسُدَهُمُ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ، فَهم يَعْلَمُونَ بِما آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ، وهم أسْلافُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكِتابِ والحِكْمَةِ، والمُلْكِ العَظِيمِ، قِيلَ: هو مُلْكُ سُلَيْمانَ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَمِنهم أيِ: اليَهُودِ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. (p-٣٠٧)والمَعْنى: فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ آباءَنا قَدْ تُوُفُّوا وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وسَيَشْفَعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُظْهِرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ التَّزْكِيَةَ قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: هو أنْ تُدَلِّكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: النَّقِيرُ: النَّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنها النَّخْلَةُ. والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: قالَ: الفَتِيلُ الَّذِي في الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ فَخالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ وأهْلُ الكِتابِ فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ ؟ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَصِلُ الأرْحامَ. قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ؛ أيْ: فَرْدٌ ضَعِيفٌ، قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ. فَقالُوا: لا، بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ في تَفْسِيرِ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ولَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلّا النِّكاحَ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ.

النساء 4:54

(p-٣٠٦)قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُطاعٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأصْلُ الجِبْتِ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا سَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ السِّينِ قالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: الجِبْتُ: إبْلِيسُ، والطّاغُوتُ: أوْلِياؤُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أيْ: يَقُولُ اليَهُودُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ سَبِيلًا؛ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقًا. وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ عَلى أنَّ مَعْنى ( أمْ ) الإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِئْنافِ لِلثّانِي، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أهم أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أرْسَلْتُهُ، أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ؟ والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ: ما نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَما يَنْقُرُ الأرْضَ. والنَّقِيرُ أيْضًا: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيها. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّقِيرِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، والنَّقِيرُ: الأصْلُ، يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ؛ أيْ: كَرِيمُ الأصْلِ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ، والمَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في الحَقارَةِ كالقِطْمِيرِ والفَتِيلِ. وإذَنْ هُنا مُلْغاةٌ غَيْرُ عامِلَةٍ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ولَوْ نَصَبَ لَجازَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذَنْ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ أظُنُّ في عَوامِلِ الأسْماءِ الَّتِي تُلْغى إذْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، فَإنْ كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ وكانَ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِأمْرٍ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِآخَرَ؛ أيْ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، يَعْنِي اليَهُودَ يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَطْ، أوْ يَحْسُدُونَهُ هو وأصْحابُهُ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّصْرِ وقَهْرِ الأعْداءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ هَذا إلْزامٌ لِلْيَهُودِ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما آتَيْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِن فَضْلِنا بِبِدْعٍ حَتّى يَحْسُدَهُمُ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ، فَهم يَعْلَمُونَ بِما آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ، وهم أسْلافُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكِتابِ والحِكْمَةِ، والمُلْكِ العَظِيمِ، قِيلَ: هو مُلْكُ سُلَيْمانَ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَمِنهم أيِ: اليَهُودِ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. (p-٣٠٧)والمَعْنى: فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ آباءَنا قَدْ تُوُفُّوا وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وسَيَشْفَعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُظْهِرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ التَّزْكِيَةَ قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: هو أنْ تُدَلِّكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: النَّقِيرُ: النَّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنها النَّخْلَةُ. والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: قالَ: الفَتِيلُ الَّذِي في الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ فَخالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ وأهْلُ الكِتابِ فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ ؟ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَصِلُ الأرْحامَ. قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ؛ أيْ: فَرْدٌ ضَعِيفٌ، قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ. فَقالُوا: لا، بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ في تَفْسِيرِ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ولَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلّا النِّكاحَ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ.

النساء 4:55

(p-٣٠٦)قَوْلُهُ: ( ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم﴾ ) تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ. وقَدِ اتَّفَقَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ اليَهُودُ. واخْتَلَفُوا في المَعْنى الَّذِي زَكَّوْا بِهِ أنْفُسَهم، فَقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: هو قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقَوْلُهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] وقالَ الضَّحّاكُ: هو قَوْلُهم لا ذُنُوبَ لَنا ونَحْنُ كالأطْفالِ، وقِيلَ: قَوْلُهم: إنَّ آباءَهم يَشْفَعُونَ لَهم، وقِيلَ: ثَناءُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ. ومَعْنى التَّزْكِيَةِ: التَّطْهِيرُ والتَّنْزِيهُ، فَلا يَبْعُدُ صِدْقُها عَلى جَمِيعِ هَذِهِ التَّفاسِيرِ وعَلى غَيْرِها، واللَّفْظُ يَتَناوَلُ كُلَّ مَن زَكّى نَفْسَهُ بِحَقٍّ أوْ بِباطِلٍ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ، ويَدْخُلُ في هَذا التَّلَقُّبُ بِالألْقابِ المُتَضَمِّنَةِ لِلتَّزْكِيَةِ كَمُحْيِي الدِّينِ وعِزِّ الدِّينِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشاءُ﴾ أيْ: ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ، فَهو العالِمُ بِمَن يَسْتَحِقُّ التَّزْكِيَةَ مِن عِبادِهِ ومَن لا يَسْتَحِقُّها، فَلْيَدَعِ العِبادُ تَزْكِيَةَ أنْفُسِهِمْ ويُفَوِّضُوا أمْرَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ، فَإنَّ تَزْكِيَتَهم لِأنْفُسِهِمْ مُجَرَّدُ دَعاوى فاسِدَةٍ تُحْمَلُ عَلَيْها مَحَبَّةُ النَّفْسِ وطَلَبُ العُلُوِّ والتَّرَفُّعِ والتَّفاخُرِ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أنْفُسَكم هو أعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ [النجم: ٣٢] . قَوْلُهُ: ولا تُظْلَمُونَ أيْ هَؤُلاءِ المُزَكُّونَ لِأنْفُسِهِمْ فَتِيلًا وهو الخَيْطُ الَّذِي في نَواةِ التَّمْرِ، وقِيلَ: القِشْرَةُ الَّتِي حَوْلَ النَّواةِ، وقِيلَ: هو ما يَخْرُجُ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ أوْ كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخِ إذا فَتَلْتَهُما، فَهو فَتِيلٌ بِمَعْنى مَفْتُولٍ، والمُرادُ هُنا: الكِنايَةُ عَنِ الشَّيْءِ الحَقِيرِ، ومِثْلُهُ ﴿ولا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤] وهو النُّكْتَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. والمَعْنى: أنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهم يُعاقَبُونَ عَلى تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ بِقَدْرِ هَذا الذَّنْبِ ولا يُظْلَمُونَ بِالزِّيادَةِ عَلى ما يَسْتَحِقُّونَ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ إلى مَن يَشاءُ أيْ: لا يُظْلَمُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُزَكِّيهِمُ اللَّهُ فَتِيلًا مِمّا يَسْتَحِقُّونَهُ مِنَ الثَّوابِ. ثُمَّ عَجِبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن تَزْكِيَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ. والِافْتِراءُ: الِاخْتِلاقُ، ومِنهُ افْتَرى فُلانٌ عَلى فُلانٍ؛ أيْ: رَماهُ بِما لَيْسَ فِيهِ، وفَرَيْتُ الشَّيْءَ: قَطَعْتُهُ، وفي قَوْلِهِ:﴿وكَفى بِهِ إثْمًا مُبِينًا﴾ مِن تَعْظِيمِ الذَّنْبِ وتَهْوِيلِهِ ما لا يَخْفى. قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ﴾ هَذا تَعْجِيبٌ مِن حالِهِمْ بَعْدَ التَّعْجِيبِ الأوَّلِ وهُمُ اليَهُودُ. واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في مَعْنى الجِبْتِ: فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ: الجِبْتُ: السّاحِرُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّ الجِبْتَ: السِّحْرُ، والطّاغُوتَ الشَّيْطانُ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ الجِبْتَ والطّاغُوتَ هاهُنا كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وقالَ قَتادَةُ: الجِبْتُ: الشَّيْطانُ، والطّاغُوتُ: الكاهِنُ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ الطّاغُوتَ: ما عُبِدَ مِن دُونِ اللَّهِ، والجِبْتُ: الشَّيْطانُ، وقِيلَ: هُما كَلُّ مَعْبُودٍ مِن دُونِ اللَّهِ أوْ مُطاعٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأصْلُ الجِبْتِ الجِبْسُ، وهو الَّذِي لا سَيْرَ فِيهِ، فَأُبْدِلَتِ التّاءُ مِنَ السِّينِ قالَهُ قُطْرُبٌ، وقِيلَ: الجِبْتُ: إبْلِيسُ، والطّاغُوتُ: أوْلِياؤُهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ أيْ: يَقُولُ اليَهُودُ لِكُفّارِ قُرَيْشٍ: أنْتُمْ أهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُحَمَّدٍ سَبِيلًا؛ أيْ: أقْوَمُ دِينًا، وأرْشَدُ طَرِيقًا. وقَوْلُهُ: أُولَئِكَ إشارَةٌ إلى القائِلِينَ ﴿الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾ أيْ: طَرَدَهم وأبْعَدَهم مِن رَحْمَتِهِ ﴿ومَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ يَدْفَعُ عَنْهُ ما نَزَلَ بِهِ مِن عَذابِ اللَّهِ وسُخْطِهِ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ، يَعْنِي لَيْسَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ ﴿فَإذًا لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ الجَزائِيَّةِ لِشَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إنْ جُعِلَ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ عَلى أنَّ مَعْنى ( أمْ ) الإضْرابُ عَنِ الأوَّلِ والِاسْتِئْنافِ لِلثّانِي، وقِيلَ: هي عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، والتَّقْدِيرُ: أهم أوْلى بِالنُّبُوَّةِ مِمَّنْ أرْسَلْتُهُ، أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ، فَإذَنْ لا يُؤْتُونَ النّاسَ نَقِيرًا ؟ والنَّقِيرُ: النَّقْرَةُ في ظَهْرِ النَّواةِ، وقِيلَ: ما نَقَرَ الرَّجُلُ بِأُصْبُعِهِ كَما يَنْقُرُ الأرْضَ. والنَّقِيرُ أيْضًا: خَشَبَةٌ تُنْقَرُ ويُنْبَذُ فِيها. وقَدْ نَهى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ النَّقِيرِ كَما ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، والنَّقِيرُ: الأصْلُ، يُقالُ: فُلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ؛ أيْ: كَرِيمُ الأصْلِ. والمُرادُ هُنا: المَعْنى الأوَّلُ، والمَقْصُودُ بِهِ المُبالَغَةُ في الحَقارَةِ كالقِطْمِيرِ والفَتِيلِ. وإذَنْ هُنا مُلْغاةٌ غَيْرُ عامِلَةٍ لِدُخُولِ فاءِ العَطْفِ عَلَيْها، ولَوْ نَصَبَ لَجازَ. قالَ سِيبَوَيْهِ: إذَنْ في عَوامِلِ الأفْعالِ بِمَنزِلَةِ أظُنُّ في عَوامِلِ الأسْماءِ الَّتِي تُلْغى إذْ لَمْ يَكُنِ الكَلامُ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، فَإنْ كانَتْ في أوَّلِ الكَلامِ وكانَ الَّذِي بَعْدَها مُسْتَقْبَلًا نَصَبَتْ. قَوْلُهُ: ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أمْ مُنْقَطِعَةٌ مُفِيدَةٌ لِلِانْتِقالِ عَنْ تَوْبِيخِهِمْ بِأمْرٍ إلى تَوْبِيخِهِمْ بِآخَرَ؛ أيْ: بَلْ يَحْسُدُونَ النّاسَ، يَعْنِي اليَهُودَ يَحْسُدُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقَطْ، أوْ يَحْسُدُونَهُ هو وأصْحابُهُ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ والنَّصْرِ وقَهْرِ الأعْداءِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ﴾ هَذا إلْزامٌ لِلْيَهُودِ بِما يَعْتَرِفُونَ بِهِ ولا يُنْكِرُونَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما آتَيْنا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مِن فَضْلِنا بِبِدْعٍ حَتّى يَحْسُدَهُمُ اليَهُودُ عَلى ذَلِكَ، فَهم يَعْلَمُونَ بِما آتَيْنا آلَ إبْراهِيمَ، وهم أسْلافُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الكِتابِ والحِكْمَةِ، والمُلْكِ العَظِيمِ، قِيلَ: هو مُلْكُ سُلَيْمانَ. واخْتارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ فَمِنهم أيِ: اليَهُودِ ﴿مَن آمَنَ بِهِ﴾ أيْ: بِالنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ﴾ أيْ: أعْرَضَ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في بِهِ راجِعٌ إلى ما ذُكِرَ مِن حَدِيثِ آلِ إبْراهِيمَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى إبْراهِيمَ. (p-٣٠٧)والمَعْنى: فَمِن آلِ إبْراهِيمَ مَن آمَنَ بِإبْراهِيمَ ومِنهم مَن صَدَّ عَنْهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الكِتابِ، والأوَّلُ أوْلى ﴿وكَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ أيْ: نارًا مُسَعَّرَةً. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ قالُوا: إنْ آباءَنا قَدْ تُوُفُّوا وهم لَنا قُرْبَةٌ عِنْدَ اللَّهِ وسَيَشْفَعُونَ لَنا ويُزَكُّونَنا، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ يُقَدِّمُونَ صِبْيانَهم يُصَلُّونَ بِهِمْ ويُقَرِّبُونَ قُرْبانَهم ويَزْعُمُونَ أنَّهم لا خَطايا لَهم ولا ذُنُوبَ، وكَذَبُوا، قالَ اللَّهُ: إنِّي لا أُظْهِرُ ذا ذَنْبٍ بِآخَرَ لا ذَنْبَ لَهُ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أنْفُسَهُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّ التَّزْكِيَةَ قَوْلُهم: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] وقالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قالَ: الفَتِيلُ: ما خَرَجَ مِن بَيْنِ الأُصْبُعَيْنِ. وفي لَفْظٍ آخَرَ عَنْهُ: هو أنْ تُدَلِّكَ بَيْنَ أُصْبُعَيْكَ فَما خَرَجَ مِنهُما فَهو ذَلِكَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: النَّقِيرُ: النَّقْرَةُ تَكُونُ في النَّواةُ الَّتِي نَبَتَتْ مِنها النَّخْلَةُ. والفَتِيلُ: الَّذِي يَكُونُ عَلى شِقِّ النَّواةِ. والقِطْمِيرُ: القِشْرُ الَّذِي يَكُونُ عَلى النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ: قالَ: الفَتِيلُ الَّذِي في الشِّقِّ الَّذِي في بَطْنِ النَّواةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْهُ قالَ: «قَدِمَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ مَكَّةَ عَلى قُرَيْشٍ فَخالَفُوهم عَلى قِتالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقالُوا لَهم: أنْتُمْ أهْلُ العِلْمِ القَدِيمِ وأهْلُ الكِتابِ فَأخْبِرُونا عَنّا وعَنْ مُحَمَّدٍ. قالُوا: ما أنْتُمْ ؟ وما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: نَنْحَرُ الكَوْماءَ ونَسْقِي اللَّبَنَ عَلى الماءِ، ونَفُكُّ العُناةَ ونَسْقِي الحَجِيجَ ونَصِلُ الأرْحامَ. قالُوا: فَما مُحَمَّدٌ ؟ قالُوا: صُنْبُورٌ؛ أيْ: فَرْدٌ ضَعِيفٌ، قَطَعَ أرْحامَنا، واتَّبَعَهُ سُرّاقُ الحَجِيجِ بَنُو غِفارٍ. فَقالُوا: لا، بَلْ أنْتُمْ خَيْرٌ مِنهُ وأهْدى سَبِيلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ والطّاغُوتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ عِكْرِمَةَ بِلَفْظٍ آخَرَ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ أيْضًا البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ في تارِيخِهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجِبْتُ والطّاغُوتُ صَنَمانِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ في تَفْسِيرِ الجِبْتِ والطّاغُوتِ ما قَدَّمْناهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جُبَيْرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، والطّاغُوتُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: الأصْنامُ، والطّاغُوتُ: الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الأصْنامِ يُعَبِّرُونَ عَنْها الكَذِبَ لِيُضِلُّوا النّاسَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجِبْتُ: اسْمُ الشَّيْطانِ بِالحَبَشِيَّةِ، والطّاغُوتُ: كُهّانُ العَرَبِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ لَهم نَصِيبٌ مِنَ المُلْكِ﴾ قالَ: فَلَيْسَ لَهم نَصِيبٌ، ولَوْ كانَ لَهم نَصِيبٌ لَمْ يُؤْتُوا النّاسَ نَقِيرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّقِيرُ: النُّقْطَةُ الَّتِي في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الكِتابِ: زَعَمَ مُحَمَّدٌ أنَّهُ أُوتِيَ ما أُوتِيَ في تَواضُعٍ ولَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ولَيْسَ لَهُ هِمَّةٌ إلّا النِّكاحَ، فَأيُّ مُلْكٍ أفْضَلُ مِن هَذا ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿أمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: مُلْكَ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: النّاسُ في هَذا المَوْضِعِ النَّبِيُّ خاصَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هم هَذا الحَيُّ مِنَ العَرَبِ.

النساء 4:56

قَوْلُهُ: بِآياتِنا الظّاهِرُ عَدَمُ تَخْصِيصِ بَعْضِ الآياتِ دُونَ بَعْضٍ، وسَوْفَ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. ويَنُوبُ عَنْها السِّينُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى نُصْلِي في أوَّلِ السُّورَةِ. والمُرادُ: سَوْفَ نُدْخِلُهم نارًا عَظِيمَةً. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ( نَصْلِيهِمْ ) بِفَتْحِ النُّونِ. قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم﴾ يُقالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ نُضْجًا ونِضاجًا، ونَضِجَ اللَّحْمُ، وفُلانٌ نَضِجُ الرَّأْيِ؛ أيْ: مُحْكَمُهُ. والمَعْنى: أنَّها كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بَدَّلَهُمُ اللَّهُ جُلُودًا غَيْرَها؛ أيْ: أعْطاهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ جِلْدًا آخَرَ غَيْرَ مُحْتَرِقٍ، فَإنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في العَذابِ لِلشَّخْصِ؛ لِأنَّ إحْساسَهُ لِعَمَلِ النّارِ في الجِلْدِ الَّذِي لَمْ يَحْتَرِقْ أبْلَغُ مِن إحْساسِهِ لِعَمَلِها في الجِلْدِ المُحْتَرِقِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالجُلُودِ: السَّرابِيلُ الَّتِي ذَكَرَها في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ولا مُوجِبَ لِتَرْكِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ هاهُنا، وإنْ جازَ إطْلاقُ الجُلُودِ عَلى السَّرابِيلِ مَجازًا كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎كَسا اللُّؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً في جُلُودِها فَوَيْلٌ لِتَيْمٍ مِن سَرابِيلِها الخُضْرِ وقِيلَ: المَعْنى: أعَدْنا الجِلْدَ الأوَّلَ جَدِيدًا، ويَأْبى ذَلِكَ مَعْنى التَّبْدِيلِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ: لِيَحْصُلَ لَهُمُ الذَّوْقُ الكامِلُ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ، وقِيلَ مَعْناهُ: لِيَدُومَ لَهُمُ العَذابُ ولا يَنْقَطِعَ، ثُمَّ أتْبَعَ وصْفَ حالِ الكُفّارِ بِوَصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجَنّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ. قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الأدْناسِ الَّتِي تَكُونُ في نِساءِ الدُّنْيا. والظِّلُّ الظَّلِيلُ: الكَثِيفُ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ ما يَدْخُلُ ظِلَّ الدُّنْيا مِنَ الحَرِّ والسَّمُومِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو مَجْمُوعُ ظِلِّ الأشْجارِ والقُصُورِ، وقِيلَ: الظِّلُّ الظَّلِيلُ: هو الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ، واشْتِقاقُ الصِّفَةِ مِن لَفْظِ المَوْصُوفِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألِيلٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: (p-٣٠٨)﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قالَ: إذا احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا بَيْضاءَ أمْثالَ القَراطِيسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قالَ: «قُرِئَ عِنْدَ عُمَرَ ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ مُعاذٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُها: تُبَدَّلُ في ساعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، فَقالَ عُمَرُ: هَكَذا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» . وأخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ أنَّ القائِلَ كَعْبٌ وأنَّهُ قالَ: تُبَدَّلُ في السّاعَةِ الواحِدَةِ عِشْرِينَ ومِائَةَ مَرَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ غِلَظَ جِلْدِ الكافِرِ اثْنانِ وأرْبَعُونَ ذِراعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قالَ: هو ظِلُّ العَرْشِ الَّذِي لا يَزُولُ.

النساء 4:57

قَوْلُهُ: بِآياتِنا الظّاهِرُ عَدَمُ تَخْصِيصِ بَعْضِ الآياتِ دُونَ بَعْضٍ، وسَوْفَ كَلِمَةٌ تُذْكَرُ لِلتَّهْدِيدِ، قالَهُ سِيبَوَيْهِ. ويَنُوبُ عَنْها السِّينُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى نُصْلِي في أوَّلِ السُّورَةِ. والمُرادُ: سَوْفَ نُدْخِلُهم نارًا عَظِيمَةً. وقَرَأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ ( نَصْلِيهِمْ ) بِفَتْحِ النُّونِ. قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهم﴾ يُقالُ: نَضِجَ الشَّيْءُ نُضْجًا ونِضاجًا، ونَضِجَ اللَّحْمُ، وفُلانٌ نَضِجُ الرَّأْيِ؛ أيْ: مُحْكَمُهُ. والمَعْنى: أنَّها كُلَّما احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بَدَّلَهُمُ اللَّهُ جُلُودًا غَيْرَها؛ أيْ: أعْطاهم مَكانَ كُلِّ جِلْدٍ مُحْتَرِقٍ جِلْدًا آخَرَ غَيْرَ مُحْتَرِقٍ، فَإنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ في العَذابِ لِلشَّخْصِ؛ لِأنَّ إحْساسَهُ لِعَمَلِ النّارِ في الجِلْدِ الَّذِي لَمْ يَحْتَرِقْ أبْلَغُ مِن إحْساسِهِ لِعَمَلِها في الجِلْدِ المُحْتَرِقِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالجُلُودِ: السَّرابِيلُ الَّتِي ذَكَرَها في قَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلُهم مِن قَطِرانٍ﴾ [إبراهيم: ٥٠] ولا مُوجِبَ لِتَرْكِ المَعْنى الحَقِيقِيِّ هاهُنا، وإنْ جازَ إطْلاقُ الجُلُودِ عَلى السَّرابِيلِ مَجازًا كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎كَسا اللُّؤْمُ تَيْمًا خُضْرَةً في جُلُودِها فَوَيْلٌ لِتَيْمٍ مِن سَرابِيلِها الخُضْرِ وقِيلَ: المَعْنى: أعَدْنا الجِلْدَ الأوَّلَ جَدِيدًا، ويَأْبى ذَلِكَ مَعْنى التَّبْدِيلِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَذُوقُوا العَذابَ﴾ أيْ: لِيَحْصُلَ لَهُمُ الذَّوْقُ الكامِلُ بِذَلِكَ التَّبْدِيلِ، وقِيلَ مَعْناهُ: لِيَدُومَ لَهُمُ العَذابُ ولا يَنْقَطِعَ، ثُمَّ أتْبَعَ وصْفَ حالِ الكُفّارِ بِوَصْفِ حالِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجَنّاتِ الَّتِي تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ. قَوْلُهُ: ﴿لَهم فِيها أزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أيْ: مِنَ الأدْناسِ الَّتِي تَكُونُ في نِساءِ الدُّنْيا. والظِّلُّ الظَّلِيلُ: الكَثِيفُ الَّذِي لا يَدْخُلُهُ ما يَدْخُلُ ظِلَّ الدُّنْيا مِنَ الحَرِّ والسَّمُومِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وقِيلَ: هو مَجْمُوعُ ظِلِّ الأشْجارِ والقُصُورِ، وقِيلَ: الظِّلُّ الظَّلِيلُ: هو الدّائِمُ الَّذِي لا يَزُولُ، واشْتِقاقُ الصِّفَةِ مِن لَفْظِ المَوْصُوفِ لِلْمُبالَغَةِ كَما يُقالُ: لَيْلٌ ألِيلٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: (p-٣٠٨)﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ قالَ: إذا احْتَرَقَتْ جُلُودُهم بَدَّلْناهم جُلُودًا بَيْضاءَ أمْثالَ القَراطِيسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْهُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ قالَ: «قُرِئَ عِنْدَ عُمَرَ ﴿كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ مُعاذٌ: عِنْدِي تَفْسِيرُها: تُبَدَّلُ في ساعَةٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، فَقالَ عُمَرُ: هَكَذا سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ» . وأخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ أنَّ القائِلَ كَعْبٌ وأنَّهُ قالَ: تُبَدَّلُ في السّاعَةِ الواحِدَةِ عِشْرِينَ ومِائَةَ مَرَّةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ غِلَظَ جِلْدِ الكافِرِ اثْنانِ وأرْبَعُونَ ذِراعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قالَ: هو ظِلُّ العَرْشِ الَّذِي لا يَزُولُ.

النساء 4:58

هَذِهِ الآيَةُ مِن أُمَّهاتِ الآياتِ المُشْتَمِلَةِ عَلى كَثِيرٍ مِن أحْكامِ الشَّرْعِ؛ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الخِطابَ يَشْمَلُ جَمِيعَ النّاسِ في جَمِيعِ الأماناتِ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّها خِطابٌ لِوُلاةِ المُسْلِمِينَ، والأوَّلُ أظْهَرُ، ووُرُودُها عَلى سَبَبٍ كَما سَيَأْتِي لا يُنافِي ما فِيها مِنَ العُمُومِ، فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما تَقَرَّرَ في الأُصُولِ، وتَدْخُلُ الوُلاةُ في هَذا الخِطابِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ تَأْدِيَةُ ما لَدَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ ورَدُّ الظُّلاماتِ وتَحَرِّي العَدْلِ في أحْكامِهِمْ، ويَدْخُلُ غَيْرُهم مِنَ النّاسِ في الخِطابِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ رَدٌّ ما لَدَيْهِمْ مِنَ الأماناتِ والتَّحَرِّي في الشَّهاداتِ والأخْبارِ. ومِمَّنْ قالَ بِعُمُومِ هَذا الخِطابِ: البَراءُ بْنُ عازِبٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، واخْتارَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُمُ ابْنُ جَرِيرٍ، وأجْمَعُوا عَلى أنَّ الأماناتِ مَرْدُودَةٌ إلى أرْبابِها: الأبْرارُ مِنهم والفُجّارُ، كَما قالَ ابْنُ المُنْذِرِ. والأماناتُ جَمْعُ أمانَةٍ، وهي مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ﴾ أيْ: وإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم إذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّاسِ أنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ. والعَدْلُ: هو فَصْلُ الحُكُومَةِ عَلى ما في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، لا الحُكْمُ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ، فَإنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الحَقِّ في شَيْءٍ إلّا إذا لَمْ يُوجَدْ دَلِيلُ تِلْكَ الحُكُومَةِ في كِتابِ اللَّهِ ولا في سُنَّةِ رَسُولِهِ، فَلا بَأْسَ بِاجْتِهادِ الرَّأْيِ مِنَ الحاكِمِ الَّذِي يَعْلَمُ بِحُكْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وبِما هو أقْرَبُ إلى الحَقِّ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ النَّصِّ، وأمّا الحاكِمُ الَّذِي لا يَدْرِي بِحُكْمِ اللَّهِ ورَسُولِهِ ولا بِما هو أقْرَبُ إلَيْهِما فَهو لا يَدْرِي ما هو العَدْلُ؛ لِأنَّهُ لا يَعْقِلُ الحُجَّةَ إذا جاءَتْهُ فَضْلًا عَنْ أنْ يَحْكُمَ بِها بَيْنَ عِبادِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: نِعِمّا ما مَوْصُوفَةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، وقَدْ قَدَّمْنا البَحْثَ في مِثْلِ ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَمّا فَتَحَ مَكَّةَ وقَبَضَ مَفاتِحَ الكَعْبَةِ مِن عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِرَدِّ المِفْتاحِ، فَدَعا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عُثْمانَ بْنَ طَلْحَةَ ورَدَّهُ إلَيْهِ، وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ طَلْحَةَ لَمّا قَبَضَ مِنهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِفْتاحَ الكَعْبَةِ فَدَعاهُ ودَفَعَهُ إلَيْهِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: حَقٌّ عَلى الإمامِ أنْ يَحْكُمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ، وأنْ يُؤَدِّيَ الأمانَةَ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ فَحَقٌّ عَلى النّاسِ أنْ يَسْمَعُوا لَهُ وأنْ يُطِيعُوا وأنْ يُجِيبُوا إذا دُعُوا. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «أدِّ الأمانَةَ لِمَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَن خانَكَ» وقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحِ «أنَّ مَن خانَ إذا اؤْتُمِنَ فَفِيهِ خَصْلَةٌ مِن خِصالِ النِّفاقِ» .

النساء 4:59

لَمّا أمَرَ سُبْحانَهُ القُضاةَ والوُلاةَ إذا حَكَمُوا بَيْنَ النّاسِ أنْ يَحْكُمُوا بِالحَقِّ، أمْرَ النّاسَ بِطاعَتِهِمْ هاهُنا، وطاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ هي امْتِثالُ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ، وطاعَةُ رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هي فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ. وأُولِي الأمْرِ: هُمُ الأئِمَّةُ والسَّلاطِينُ والقُضاةُ وكُلُّ مَن كانَتْ لَهُ وِلايَةٌ شَرْعِيَّةٌ لا وِلايَةٌ طاغُوتِيَّةٌ، والمُرادُ طاعَتُهم فِيما يَأْمُرُونَ بِهِ ويَنْهَوْنَ عَنْهُ ما لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً، فَلا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَما ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومُجاهِدٌ: إنَّ أُولِي الأمْرِ: هم أهْلُ القُرْآنِ والعِلْمِ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والضَّحّاكُ. ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: هم أهْلُ العَقْلِ والرَّأْيِ، والرّاجِحُ القَوْلُ الأوَّلُ. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ المُنازَعَةُ: المُجاذَبَةُ، والنَّزْعُ: الجَذْبُ، كَأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَنْتَزِعُ حُجَّةَ الآخَرِ ويَجْذِبُها، والمُرادُ الِاخْتِلافُ والمُجادَلَةُ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: في شَيْءٍ يَتَناوَلُ أُمُورَ الدِّينِ والدُّنْيا، ولَكِنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ تَبَيَّنَ بِهِ أنَّ الشَّيْءَ المُتَنازَعَ فِيهِ يَخْتَصُّ بِأُمُورِ الدِّينِ دُونَ أُمُورِ الدُّنْيا، والرَّدُّ إلى اللَّهِ: هو الرَّدُّ إلى كِتابِهِ العَزِيزِ، والرَّدُّ إلى الرَّسُولِ: هو الرَّدُّ إلى سُنَّتِهِ المُطَهَّرَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وأمّا في حَياتِهِ فالرَّدُّ إلَيْهِ سُؤالُهُ، هَذا مَعْنى الرَّدِّ إلَيْهِما، وقِيلَ: مَعْنى الرَّدِّ أنْ يَقُولُوا: اللَّهُ أعْلَمُ، وهو قَوْلٌ ساقِطٌ وتَفْسِيرٌ بارِدٌ، ولَيْسَ الرَّدُّ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الرَّدَّ المَذْكُورَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم﴾ [النساء: ٨٣] قَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ هَذا الرَّدَّ مُتَحَتِّمٌ عَلى المُتَنازِعِينَ، وإنَّهُ شَأْنُ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى الرَّدِّ المَأْمُورِ بِهِ خَيْرٌ لَكم ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أيْ: مَرْجِعًا، مِنَ الأوْلِ آلَ يَئُولُ إلى كَذا؛ أيْ: صارَ إلَيْهِ، والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ الرَّدَّ خَيْرٌ لَكم وأحْسَنُ مَرْجِعًا تَرْجِعُونَ إلَيْهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى أنَّ الرَّدَّ أحْسَنُ تَأْوِيلًا مِن تَأْوِيلِكُمُ الَّذِي صِرْتُمْ إلَيْهِ عِنْدَ التَّنازُعِ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ (p-٣٠٩)قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيٍّ إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في سَرِيَّةٍ، وقِصَّتُهُ مَعْرُوفَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: طاعَةُ اللَّهِ والرَّسُولِ اتِّباعُ الكِتابِ والسُّنَّةِ وأُولِي الأمْرِ قالَ: أُولِي الفِقْهِ والعِلْمِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ. قالَ ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكم﴾ هُمُ الأُمَراءُ، وفي لَفْظٍ هم أُمَراءُ السَّرايا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ قالَ: أهْلُ العِلْمِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ في شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ قالَ: إلى كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ رَسُولِهِ. ثُمَّ قَرَأ ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم﴾ [النساء: ٨٣] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في الآيَةِ قالَ: الرَّدُّ إلى اللَّهِ الرَّدُّ إلى كِتابِهِ، والرَّدُّ إلى رَسُولِهِ ما دامَ حَيًّا، فَإذا قُبِضَ فَإلى سُنَّتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْسَنُ ثَوابًا وخَيْرٌ عاقِبَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قالَ: وأحْسَنُ جَزاءً. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في طاعَةِ الأُمَراءِ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مُقَيَّدَةٌ بِأنْ يَكُونَ ذَلِكَ في المَعْرُوفِ، وأنَّهُ لا طاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ.

النساء 4:60

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَجاءُوا بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى ويُبْطِلُها مِن أصْلِها ويُوَضِّحُ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهو إرادَتُهُمُ التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا فِيما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى مَن قَبْلَهُ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْناها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ والِاخْتِلافُ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ والجُمْلَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذا، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ كَذا. وقَوْلُهُ: ضَلالًا مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم فَيَضِلُّونَ ضَلالًا. ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وهو الصَّدُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّهُما مَصْدَرانِ؛ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًا. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما صارَ إلَيْهِ حالُهم؛ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ وقْتَ إصابَتِهِمْ، فَإنَّهم يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ. والمُرادُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ ثُمَّ جاءُوكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى أصابَتْهم وقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حالٌ؛ أيْ: جاءُوكَ حالَ كَوْنِهِمْ حالِفِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الإحْسانَ لا الإساءَةَ، والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ لا المُخالَفَةَ لَكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ ما أرَدْنا إلّا عَدْلًا وحَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ [التوبة: ١٠٧] . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والعَداوَةِ لِلْحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذارِهِمْ وعِظْهم أيْ: خَوِّفْهم مِنَ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم قَوْلًا بَلِيغًا أيْ: بالِغًا في " وعْظِهِمْ " إلى المَقْصُودِ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِأنْ تَوَعَّدَهم بِسَفْكِ دِمائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَلْبِ أمْوالِهِمْ. ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ " مِن " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إلّا لِيُطاعَ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ جاءُوكَ مُتَوَسِّلِينَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِناياتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ حَتّى قُمْتَ شَفِيعًا لَهم فاسْتَغْفَرْتَ لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: فَلا ورَبِّكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ: فَلا رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، تَقْدِيرُهُ فَلَيْسَ الأمْرُ كَما (p-٣١٠)يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّمَ ( لا ) عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ القَسَمِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] . ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: جَعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهم في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ لا يُحَكِّمُونَ أحَدًا غَيْرَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَتَحاكَمُونَ إلَيْكَ، ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيِ اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلافِ أغْصانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ؎وهُمُ الحُكّامُ أرْبابُ الهُدى وسُعاةُ النّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ أيِ: المُخْتَلِفِ، ومِنهُ تَشاجُرُ الرِّماحِ؛ أيْ: اخْتِلافُها ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَتَقْضِيَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا. والحَرَجُ: الضِّيقُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، ومِنهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ: حَرَجٌ وحَرِجَةٌ، وجَمْعُها حِراجٌ، وقِيلَ: الحَرَجُ: الإثْمُ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ إثْمًا بِإنْكارِهِمْ ما قَضَيْتَ ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ وقَضائِكَ انْقِيادًا لا يُخالِفُونَهُ في شَيْءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: تَسْلِيمًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: ويُسَلَّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لا يُدْخِلُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ شَكًّا ولا شُبْهَةً فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا شامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ في كُلِّ حُكْمٍ كَما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحْكِيمُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَحْكِيمُ الحاكِمِ بِما فِيهِما مِنَ الأئِمَّةِ والقُضاةِ إذا كانَ لا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ في أحَدِهِما، وكانَ يَعْقِلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِن حُجَجِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نَحْوٍ وتَصْرِيفٍ ومَعانٍ وبَيانٍ، عارِفًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الأُصُولِ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وما يَلْحَقُ بِهِ، والضَّعِيفِ وما يَلْحَقُ بِهِ، مُنْصِفًا غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ ولا لِنِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ، ورِعًا لا يَحِيفُ ولا يَمِيلُ في حُكْمِهِ، فَمَن كانَ هَكَذا فَهو قائِمٌ في مَقامِ النُّبُوَّةِ مُتَرْجَمٌ عَنْها حاكِمٌ بِأحْكامِها. وفي هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ لَهُ الأفْئِدَةُ، فَإنَّهُ أوَّلًا أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ مُؤَكِّدًا لِهَذا القَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَنَفى عَنْهُمُ الإيمانَ الَّذِي هو رَأْسُ مالِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم غايَةٌ هي تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ حَتّى قالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ فَضَمَّ إلى التَّحْكِيمِ أمْرًا آخَرَ، هو عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ؛ أيْ: حَرَجٍ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ والإذْعانِ كافِيًا حَتّى يَكُونَ مِن صَمِيمِ القَلْبِ عَنْ رِضًا واطْمِئْنانٍ وانْثِلاجِ قَلْبٍ وطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ويُسَلِّمُوا أيْ: يُذْعِنُوا ويَنْقادُوا ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ فَقالَ: تَسْلِيمًا فَلا يَثْبُتُ الإيمانُ لِعَبْدٍ حَتّى يَقَعَ مِنهُ هَذا التَّحْكِيمُ ولا يَجِدَ الحَرَجَ في صَدْرِهِ بِما قُضِيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لا يُخالِطُهُ رَدٌّ ولا تَشُوبُهُ مُخالَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ بَرْزَةُ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ومُعَقِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ كانُوا يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ قالَ: الطّاغُوتُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ كانَ يُقالُ لَهُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا إذا ما دُعُوا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم قالُوا: بَلْ نُحاكِمُكم إلى كَعْبٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أنَّ الزُّبَيْرَ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ، وكانا يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ. فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الأسْوَدِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَجُلانِ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنا إلىعُمَرَ، فَرَدَّهُما، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قالَ: رُدَّنا، ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَأهْدَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَمَ المَقْتُولِ» . وأخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كانَ مُنافِقًا، وهُما مُرْسَلانِ، والقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ ضَعْفٌ.

النساء 4:61

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَجاءُوا بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى ويُبْطِلُها مِن أصْلِها ويُوَضِّحُ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهو إرادَتُهُمُ التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا فِيما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى مَن قَبْلَهُ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْناها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ والِاخْتِلافُ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ والجُمْلَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذا، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ كَذا. وقَوْلُهُ: ضَلالًا مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم فَيَضِلُّونَ ضَلالًا. ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وهو الصَّدُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّهُما مَصْدَرانِ؛ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًا. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما صارَ إلَيْهِ حالُهم؛ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ وقْتَ إصابَتِهِمْ، فَإنَّهم يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ. والمُرادُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ ثُمَّ جاءُوكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى أصابَتْهم وقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حالٌ؛ أيْ: جاءُوكَ حالَ كَوْنِهِمْ حالِفِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الإحْسانَ لا الإساءَةَ، والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ لا المُخالَفَةَ لَكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ ما أرَدْنا إلّا عَدْلًا وحَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ [التوبة: ١٠٧] . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والعَداوَةِ لِلْحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذارِهِمْ وعِظْهم أيْ: خَوِّفْهم مِنَ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم قَوْلًا بَلِيغًا أيْ: بالِغًا في " وعْظِهِمْ " إلى المَقْصُودِ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِأنْ تَوَعَّدَهم بِسَفْكِ دِمائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَلْبِ أمْوالِهِمْ. ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ " مِن " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إلّا لِيُطاعَ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ جاءُوكَ مُتَوَسِّلِينَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِناياتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ حَتّى قُمْتَ شَفِيعًا لَهم فاسْتَغْفَرْتَ لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: فَلا ورَبِّكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ: فَلا رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، تَقْدِيرُهُ فَلَيْسَ الأمْرُ كَما (p-٣١٠)يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّمَ ( لا ) عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ القَسَمِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] . ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: جَعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهم في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ لا يُحَكِّمُونَ أحَدًا غَيْرَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَتَحاكَمُونَ إلَيْكَ، ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيِ اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلافِ أغْصانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ؎وهُمُ الحُكّامُ أرْبابُ الهُدى وسُعاةُ النّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ أيِ: المُخْتَلِفِ، ومِنهُ تَشاجُرُ الرِّماحِ؛ أيْ: اخْتِلافُها ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَتَقْضِيَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا. والحَرَجُ: الضِّيقُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، ومِنهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ: حَرَجٌ وحَرِجَةٌ، وجَمْعُها حِراجٌ، وقِيلَ: الحَرَجُ: الإثْمُ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ إثْمًا بِإنْكارِهِمْ ما قَضَيْتَ ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ وقَضائِكَ انْقِيادًا لا يُخالِفُونَهُ في شَيْءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: تَسْلِيمًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: ويُسَلَّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لا يُدْخِلُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ شَكًّا ولا شُبْهَةً فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا شامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ في كُلِّ حُكْمٍ كَما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحْكِيمُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَحْكِيمُ الحاكِمِ بِما فِيهِما مِنَ الأئِمَّةِ والقُضاةِ إذا كانَ لا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ في أحَدِهِما، وكانَ يَعْقِلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِن حُجَجِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نَحْوٍ وتَصْرِيفٍ ومَعانٍ وبَيانٍ، عارِفًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الأُصُولِ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وما يَلْحَقُ بِهِ، والضَّعِيفِ وما يَلْحَقُ بِهِ، مُنْصِفًا غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ ولا لِنِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ، ورِعًا لا يَحِيفُ ولا يَمِيلُ في حُكْمِهِ، فَمَن كانَ هَكَذا فَهو قائِمٌ في مَقامِ النُّبُوَّةِ مُتَرْجَمٌ عَنْها حاكِمٌ بِأحْكامِها. وفي هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ لَهُ الأفْئِدَةُ، فَإنَّهُ أوَّلًا أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ مُؤَكِّدًا لِهَذا القَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَنَفى عَنْهُمُ الإيمانَ الَّذِي هو رَأْسُ مالِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم غايَةٌ هي تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ حَتّى قالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ فَضَمَّ إلى التَّحْكِيمِ أمْرًا آخَرَ، هو عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ؛ أيْ: حَرَجٍ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ والإذْعانِ كافِيًا حَتّى يَكُونَ مِن صَمِيمِ القَلْبِ عَنْ رِضًا واطْمِئْنانٍ وانْثِلاجِ قَلْبٍ وطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ويُسَلِّمُوا أيْ: يُذْعِنُوا ويَنْقادُوا ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ فَقالَ: تَسْلِيمًا فَلا يَثْبُتُ الإيمانُ لِعَبْدٍ حَتّى يَقَعَ مِنهُ هَذا التَّحْكِيمُ ولا يَجِدَ الحَرَجَ في صَدْرِهِ بِما قُضِيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لا يُخالِطُهُ رَدٌّ ولا تَشُوبُهُ مُخالَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ بَرْزَةُ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ومُعَقِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ كانُوا يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ قالَ: الطّاغُوتُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ كانَ يُقالُ لَهُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا إذا ما دُعُوا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم قالُوا: بَلْ نُحاكِمُكم إلى كَعْبٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أنَّ الزُّبَيْرَ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ، وكانا يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ. فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الأسْوَدِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَجُلانِ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنا إلىعُمَرَ، فَرَدَّهُما، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قالَ: رُدَّنا، ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَأهْدَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَمَ المَقْتُولِ» . وأخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كانَ مُنافِقًا، وهُما مُرْسَلانِ، والقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ ضَعْفٌ.

النساء 4:62

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَجاءُوا بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى ويُبْطِلُها مِن أصْلِها ويُوَضِّحُ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهو إرادَتُهُمُ التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا فِيما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى مَن قَبْلَهُ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْناها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ والِاخْتِلافُ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ والجُمْلَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذا، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ كَذا. وقَوْلُهُ: ضَلالًا مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم فَيَضِلُّونَ ضَلالًا. ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وهو الصَّدُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّهُما مَصْدَرانِ؛ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًا. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما صارَ إلَيْهِ حالُهم؛ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ وقْتَ إصابَتِهِمْ، فَإنَّهم يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ. والمُرادُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ ثُمَّ جاءُوكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى أصابَتْهم وقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حالٌ؛ أيْ: جاءُوكَ حالَ كَوْنِهِمْ حالِفِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الإحْسانَ لا الإساءَةَ، والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ لا المُخالَفَةَ لَكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ ما أرَدْنا إلّا عَدْلًا وحَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ [التوبة: ١٠٧] . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والعَداوَةِ لِلْحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذارِهِمْ وعِظْهم أيْ: خَوِّفْهم مِنَ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم قَوْلًا بَلِيغًا أيْ: بالِغًا في " وعْظِهِمْ " إلى المَقْصُودِ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِأنْ تَوَعَّدَهم بِسَفْكِ دِمائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَلْبِ أمْوالِهِمْ. ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ " مِن " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إلّا لِيُطاعَ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ جاءُوكَ مُتَوَسِّلِينَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِناياتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ حَتّى قُمْتَ شَفِيعًا لَهم فاسْتَغْفَرْتَ لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: فَلا ورَبِّكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ: فَلا رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، تَقْدِيرُهُ فَلَيْسَ الأمْرُ كَما (p-٣١٠)يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّمَ ( لا ) عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ القَسَمِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] . ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: جَعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهم في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ لا يُحَكِّمُونَ أحَدًا غَيْرَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَتَحاكَمُونَ إلَيْكَ، ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيِ اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلافِ أغْصانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ؎وهُمُ الحُكّامُ أرْبابُ الهُدى وسُعاةُ النّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ أيِ: المُخْتَلِفِ، ومِنهُ تَشاجُرُ الرِّماحِ؛ أيْ: اخْتِلافُها ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَتَقْضِيَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا. والحَرَجُ: الضِّيقُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، ومِنهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ: حَرَجٌ وحَرِجَةٌ، وجَمْعُها حِراجٌ، وقِيلَ: الحَرَجُ: الإثْمُ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ إثْمًا بِإنْكارِهِمْ ما قَضَيْتَ ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ وقَضائِكَ انْقِيادًا لا يُخالِفُونَهُ في شَيْءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: تَسْلِيمًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: ويُسَلَّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لا يُدْخِلُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ شَكًّا ولا شُبْهَةً فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا شامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ في كُلِّ حُكْمٍ كَما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحْكِيمُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَحْكِيمُ الحاكِمِ بِما فِيهِما مِنَ الأئِمَّةِ والقُضاةِ إذا كانَ لا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ في أحَدِهِما، وكانَ يَعْقِلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِن حُجَجِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نَحْوٍ وتَصْرِيفٍ ومَعانٍ وبَيانٍ، عارِفًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الأُصُولِ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وما يَلْحَقُ بِهِ، والضَّعِيفِ وما يَلْحَقُ بِهِ، مُنْصِفًا غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ ولا لِنِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ، ورِعًا لا يَحِيفُ ولا يَمِيلُ في حُكْمِهِ، فَمَن كانَ هَكَذا فَهو قائِمٌ في مَقامِ النُّبُوَّةِ مُتَرْجَمٌ عَنْها حاكِمٌ بِأحْكامِها. وفي هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ لَهُ الأفْئِدَةُ، فَإنَّهُ أوَّلًا أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ مُؤَكِّدًا لِهَذا القَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَنَفى عَنْهُمُ الإيمانَ الَّذِي هو رَأْسُ مالِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم غايَةٌ هي تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ حَتّى قالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ فَضَمَّ إلى التَّحْكِيمِ أمْرًا آخَرَ، هو عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ؛ أيْ: حَرَجٍ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ والإذْعانِ كافِيًا حَتّى يَكُونَ مِن صَمِيمِ القَلْبِ عَنْ رِضًا واطْمِئْنانٍ وانْثِلاجِ قَلْبٍ وطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ويُسَلِّمُوا أيْ: يُذْعِنُوا ويَنْقادُوا ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ فَقالَ: تَسْلِيمًا فَلا يَثْبُتُ الإيمانُ لِعَبْدٍ حَتّى يَقَعَ مِنهُ هَذا التَّحْكِيمُ ولا يَجِدَ الحَرَجَ في صَدْرِهِ بِما قُضِيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لا يُخالِطُهُ رَدٌّ ولا تَشُوبُهُ مُخالَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ بَرْزَةُ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ومُعَقِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ كانُوا يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ قالَ: الطّاغُوتُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ كانَ يُقالُ لَهُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا إذا ما دُعُوا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم قالُوا: بَلْ نُحاكِمُكم إلى كَعْبٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أنَّ الزُّبَيْرَ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ، وكانا يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ. فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الأسْوَدِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَجُلانِ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنا إلىعُمَرَ، فَرَدَّهُما، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قالَ: رُدَّنا، ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَأهْدَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَمَ المَقْتُولِ» . وأخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كانَ مُنافِقًا، وهُما مُرْسَلانِ، والقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ ضَعْفٌ.

النساء 4:63

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَجاءُوا بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى ويُبْطِلُها مِن أصْلِها ويُوَضِّحُ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهو إرادَتُهُمُ التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا فِيما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى مَن قَبْلَهُ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْناها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ والِاخْتِلافُ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ والجُمْلَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذا، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ كَذا. وقَوْلُهُ: ضَلالًا مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم فَيَضِلُّونَ ضَلالًا. ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وهو الصَّدُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّهُما مَصْدَرانِ؛ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًا. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما صارَ إلَيْهِ حالُهم؛ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ وقْتَ إصابَتِهِمْ، فَإنَّهم يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ. والمُرادُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ ثُمَّ جاءُوكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى أصابَتْهم وقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حالٌ؛ أيْ: جاءُوكَ حالَ كَوْنِهِمْ حالِفِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الإحْسانَ لا الإساءَةَ، والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ لا المُخالَفَةَ لَكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ ما أرَدْنا إلّا عَدْلًا وحَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ [التوبة: ١٠٧] . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والعَداوَةِ لِلْحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذارِهِمْ وعِظْهم أيْ: خَوِّفْهم مِنَ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم قَوْلًا بَلِيغًا أيْ: بالِغًا في " وعْظِهِمْ " إلى المَقْصُودِ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِأنْ تَوَعَّدَهم بِسَفْكِ دِمائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَلْبِ أمْوالِهِمْ. ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ " مِن " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إلّا لِيُطاعَ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ جاءُوكَ مُتَوَسِّلِينَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِناياتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ حَتّى قُمْتَ شَفِيعًا لَهم فاسْتَغْفَرْتَ لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: فَلا ورَبِّكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ: فَلا رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، تَقْدِيرُهُ فَلَيْسَ الأمْرُ كَما (p-٣١٠)يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّمَ ( لا ) عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ القَسَمِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] . ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: جَعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهم في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ لا يُحَكِّمُونَ أحَدًا غَيْرَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَتَحاكَمُونَ إلَيْكَ، ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيِ اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلافِ أغْصانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ؎وهُمُ الحُكّامُ أرْبابُ الهُدى وسُعاةُ النّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ أيِ: المُخْتَلِفِ، ومِنهُ تَشاجُرُ الرِّماحِ؛ أيْ: اخْتِلافُها ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَتَقْضِيَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا. والحَرَجُ: الضِّيقُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، ومِنهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ: حَرَجٌ وحَرِجَةٌ، وجَمْعُها حِراجٌ، وقِيلَ: الحَرَجُ: الإثْمُ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ إثْمًا بِإنْكارِهِمْ ما قَضَيْتَ ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ وقَضائِكَ انْقِيادًا لا يُخالِفُونَهُ في شَيْءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: تَسْلِيمًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: ويُسَلَّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لا يُدْخِلُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ شَكًّا ولا شُبْهَةً فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا شامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ في كُلِّ حُكْمٍ كَما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحْكِيمُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَحْكِيمُ الحاكِمِ بِما فِيهِما مِنَ الأئِمَّةِ والقُضاةِ إذا كانَ لا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ في أحَدِهِما، وكانَ يَعْقِلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِن حُجَجِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نَحْوٍ وتَصْرِيفٍ ومَعانٍ وبَيانٍ، عارِفًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الأُصُولِ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وما يَلْحَقُ بِهِ، والضَّعِيفِ وما يَلْحَقُ بِهِ، مُنْصِفًا غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ ولا لِنِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ، ورِعًا لا يَحِيفُ ولا يَمِيلُ في حُكْمِهِ، فَمَن كانَ هَكَذا فَهو قائِمٌ في مَقامِ النُّبُوَّةِ مُتَرْجَمٌ عَنْها حاكِمٌ بِأحْكامِها. وفي هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ لَهُ الأفْئِدَةُ، فَإنَّهُ أوَّلًا أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ مُؤَكِّدًا لِهَذا القَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَنَفى عَنْهُمُ الإيمانَ الَّذِي هو رَأْسُ مالِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم غايَةٌ هي تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ حَتّى قالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ فَضَمَّ إلى التَّحْكِيمِ أمْرًا آخَرَ، هو عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ؛ أيْ: حَرَجٍ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ والإذْعانِ كافِيًا حَتّى يَكُونَ مِن صَمِيمِ القَلْبِ عَنْ رِضًا واطْمِئْنانٍ وانْثِلاجِ قَلْبٍ وطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ويُسَلِّمُوا أيْ: يُذْعِنُوا ويَنْقادُوا ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ فَقالَ: تَسْلِيمًا فَلا يَثْبُتُ الإيمانُ لِعَبْدٍ حَتّى يَقَعَ مِنهُ هَذا التَّحْكِيمُ ولا يَجِدَ الحَرَجَ في صَدْرِهِ بِما قُضِيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لا يُخالِطُهُ رَدٌّ ولا تَشُوبُهُ مُخالَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ بَرْزَةُ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ومُعَقِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ كانُوا يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ قالَ: الطّاغُوتُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ كانَ يُقالُ لَهُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا إذا ما دُعُوا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم قالُوا: بَلْ نُحاكِمُكم إلى كَعْبٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أنَّ الزُّبَيْرَ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ، وكانا يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ. فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الأسْوَدِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَجُلانِ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنا إلىعُمَرَ، فَرَدَّهُما، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قالَ: رُدَّنا، ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَأهْدَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَمَ المَقْتُولِ» . وأخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كانَ مُنافِقًا، وهُما مُرْسَلانِ، والقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ ضَعْفٌ.

النساء 4:64

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَجاءُوا بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى ويُبْطِلُها مِن أصْلِها ويُوَضِّحُ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهو إرادَتُهُمُ التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا فِيما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى مَن قَبْلَهُ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْناها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ والِاخْتِلافُ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ والجُمْلَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذا، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ كَذا. وقَوْلُهُ: ضَلالًا مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم فَيَضِلُّونَ ضَلالًا. ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وهو الصَّدُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّهُما مَصْدَرانِ؛ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًا. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما صارَ إلَيْهِ حالُهم؛ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ وقْتَ إصابَتِهِمْ، فَإنَّهم يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ. والمُرادُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ ثُمَّ جاءُوكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى أصابَتْهم وقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حالٌ؛ أيْ: جاءُوكَ حالَ كَوْنِهِمْ حالِفِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الإحْسانَ لا الإساءَةَ، والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ لا المُخالَفَةَ لَكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ ما أرَدْنا إلّا عَدْلًا وحَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ [التوبة: ١٠٧] . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والعَداوَةِ لِلْحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذارِهِمْ وعِظْهم أيْ: خَوِّفْهم مِنَ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم قَوْلًا بَلِيغًا أيْ: بالِغًا في " وعْظِهِمْ " إلى المَقْصُودِ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِأنْ تَوَعَّدَهم بِسَفْكِ دِمائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَلْبِ أمْوالِهِمْ. ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ " مِن " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إلّا لِيُطاعَ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ جاءُوكَ مُتَوَسِّلِينَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِناياتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ حَتّى قُمْتَ شَفِيعًا لَهم فاسْتَغْفَرْتَ لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: فَلا ورَبِّكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ: فَلا رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، تَقْدِيرُهُ فَلَيْسَ الأمْرُ كَما (p-٣١٠)يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّمَ ( لا ) عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ القَسَمِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] . ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: جَعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهم في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ لا يُحَكِّمُونَ أحَدًا غَيْرَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَتَحاكَمُونَ إلَيْكَ، ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيِ اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلافِ أغْصانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ؎وهُمُ الحُكّامُ أرْبابُ الهُدى وسُعاةُ النّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ أيِ: المُخْتَلِفِ، ومِنهُ تَشاجُرُ الرِّماحِ؛ أيْ: اخْتِلافُها ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَتَقْضِيَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا. والحَرَجُ: الضِّيقُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، ومِنهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ: حَرَجٌ وحَرِجَةٌ، وجَمْعُها حِراجٌ، وقِيلَ: الحَرَجُ: الإثْمُ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ إثْمًا بِإنْكارِهِمْ ما قَضَيْتَ ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ وقَضائِكَ انْقِيادًا لا يُخالِفُونَهُ في شَيْءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: تَسْلِيمًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: ويُسَلَّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لا يُدْخِلُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ شَكًّا ولا شُبْهَةً فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا شامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ في كُلِّ حُكْمٍ كَما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحْكِيمُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَحْكِيمُ الحاكِمِ بِما فِيهِما مِنَ الأئِمَّةِ والقُضاةِ إذا كانَ لا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ في أحَدِهِما، وكانَ يَعْقِلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِن حُجَجِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نَحْوٍ وتَصْرِيفٍ ومَعانٍ وبَيانٍ، عارِفًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الأُصُولِ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وما يَلْحَقُ بِهِ، والضَّعِيفِ وما يَلْحَقُ بِهِ، مُنْصِفًا غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ ولا لِنِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ، ورِعًا لا يَحِيفُ ولا يَمِيلُ في حُكْمِهِ، فَمَن كانَ هَكَذا فَهو قائِمٌ في مَقامِ النُّبُوَّةِ مُتَرْجَمٌ عَنْها حاكِمٌ بِأحْكامِها. وفي هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ لَهُ الأفْئِدَةُ، فَإنَّهُ أوَّلًا أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ مُؤَكِّدًا لِهَذا القَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَنَفى عَنْهُمُ الإيمانَ الَّذِي هو رَأْسُ مالِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم غايَةٌ هي تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ حَتّى قالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ فَضَمَّ إلى التَّحْكِيمِ أمْرًا آخَرَ، هو عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ؛ أيْ: حَرَجٍ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ والإذْعانِ كافِيًا حَتّى يَكُونَ مِن صَمِيمِ القَلْبِ عَنْ رِضًا واطْمِئْنانٍ وانْثِلاجِ قَلْبٍ وطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ويُسَلِّمُوا أيْ: يُذْعِنُوا ويَنْقادُوا ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ فَقالَ: تَسْلِيمًا فَلا يَثْبُتُ الإيمانُ لِعَبْدٍ حَتّى يَقَعَ مِنهُ هَذا التَّحْكِيمُ ولا يَجِدَ الحَرَجَ في صَدْرِهِ بِما قُضِيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لا يُخالِطُهُ رَدٌّ ولا تَشُوبُهُ مُخالَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ بَرْزَةُ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ومُعَقِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ كانُوا يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ قالَ: الطّاغُوتُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ كانَ يُقالُ لَهُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا إذا ما دُعُوا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم قالُوا: بَلْ نُحاكِمُكم إلى كَعْبٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أنَّ الزُّبَيْرَ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ، وكانا يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ. فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الأسْوَدِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَجُلانِ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنا إلىعُمَرَ، فَرَدَّهُما، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قالَ: رُدَّنا، ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَأهْدَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَمَ المَقْتُولِ» . وأخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كانَ مُنافِقًا، وهُما مُرْسَلانِ، والقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ ضَعْفٌ.

النساء 4:65

قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فِيهِ تَعْجِيبٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ادَّعَوْا لِأنْفُسِهِمْ أنَّهم قَدْ جَمَعُوا بَيْنَ الإيمانِ بِما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وهو القُرْآنُ، وما أُنْزِلَ عَلى مَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَجاءُوا بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى ويُبْطِلُها مِن أصْلِها ويُوَضِّحُ أنَّهم لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهو إرادَتُهُمُ التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ وقَدْ أُمِرُوا فِيما أُنْزِلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ وعَلى مَن قَبْلَهُ أنْ يَكْفُرُوا بِهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وبِهِ يَتَّضِحُ مَعْناها. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الطّاغُوتِ والِاخْتِلافُ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: ﴿ويُرِيدُ الشَّيْطانُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: يُرِيدُونَ والجُمْلَتانِ مَسُوقَتانِ لِبَيانِ مَحَلِّ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يَفْعَلُونَ ؟ فَقِيلَ: يُرِيدُونَ كَذا، ويُرِيدُ الشَّيْطانُ كَذا. وقَوْلُهُ: ضَلالًا مَصْدَرٌ لِلْفِعْلِ المَذْكُورِ بِحَذْفِ الزَّوائِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ أوْ مَصْدَرٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الفِعْلُ المَذْكُورُ، والتَّقْدِيرُ: ويُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُضِلَّهم فَيَضِلُّونَ ضَلالًا. ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ رَأيْتَ المُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصُّدُودُ: اسْمٌ لِلْمَصْدَرِ، وهو الصَّدُّ عِنْدَ الخَلِيلِ، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ أنَّهُما مَصْدَرانِ؛ أيْ: يُعْرِضُونَ عَنْكَ إعْراضًا. قَوْلُهُ: ﴿فَكَيْفَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ بَيانٌ لِعاقِبَةِ أمْرِهِمْ وما صارَ إلَيْهِ حالُهم؛ أيْ: كَيْفَ يَكُونُ حالُهم ﴿إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ أيْ وقْتَ إصابَتِهِمْ، فَإنَّهم يَعْجِزُونَ عِنْدَ ذَلِكَ ولا يَقْدِرُونَ عَلى الدَّفْعِ. والمُرادُ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ ما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها التَّحاكُمُ إلى الطّاغُوتِ ثُمَّ جاءُوكَ يَعْتَذِرُونَ عَنْ فِعْلِهِمْ، وهو عَطْفٌ عَلى أصابَتْهم وقَوْلُهُ: يَحْلِفُونَ حالٌ؛ أيْ: جاءُوكَ حالَ كَوْنِهِمْ حالِفِينَ ﴿إنْ أرَدْنا إلّا إحْسانًا وتَوْفِيقًا﴾ أيْ: ما أرَدْنا بِتَحاكُمِنا إلى غَيْرِكَ إلّا الإحْسانَ لا الإساءَةَ، والتَّوْفِيقَ بَيْنَ الخَصْمَيْنِ لا المُخالَفَةَ لَكَ. وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ ما أرَدْنا إلّا عَدْلًا وحَقًّا مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلّا الحُسْنى﴾ [التوبة: ١٠٧] . فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما في قُلُوبِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ والعَداوَةِ لِلْحَقِّ. قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم مُنافِقُونَ ﴿فَأعْرِضْ عَنْهم﴾ أيْ: عَنْ عِقابِهِمْ، وقِيلَ: عَنْ قَبُولِ اعْتِذارِهِمْ وعِظْهم أيْ: خَوِّفْهم مِنَ النِّفاقِ ﴿وقُلْ لَهم في أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ: في حَقِّ أنْفُسِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: قُلْ لَهم خالِيًا بِهِمْ لَيْسَ مَعَهم غَيْرُهم قَوْلًا بَلِيغًا أيْ: بالِغًا في " وعْظِهِمْ " إلى المَقْصُودِ مُؤَثِّرًا فِيهِمْ، وذَلِكَ بِأنْ تَوَعَّدَهم بِسَفْكِ دِمائِهِمْ وسَبْيِ نِسائِهِمْ وسَلْبِ أمْوالِهِمْ. ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ﴾ " مِن " زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ إلّا لِيُطاعَ فِيما أمَرَ بِهِ ونَهى عَنْهُ بِإذْنِ اللَّهِ بِعِلْمِهِ، وقِيلَ: بِتَوْفِيقِهِ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ بِتَرْكِ طاعَتِكَ والتَّحاكُمِ إلى غَيْرِكَ جاءُوكَ مُتَوَسِّلِينَ إلَيْكَ مُتَنَصِّلِينَ عَنْ جِناياتِهِمْ ومُخالَفَتِهِمْ ﴿فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لِذُنُوبِهِمْ وتَضَرَّعُوا إلَيْكَ حَتّى قُمْتَ شَفِيعًا لَهم فاسْتَغْفَرْتَ لَهم، وإنَّما قالَ: ﴿واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ عَلى طَرِيقَةِ الِالتِفاتِ لِقَصْدِ التَّفْخِيمِ لِشَأْنِ الرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوّابًا رَحِيمًا﴾ أيْ: كَثِيرَ التَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ والرَّحْمَةِ لَهم. قَوْلُهُ: فَلا ورَبِّكَ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: قَوْلُهُ: فَلا رَدٌّ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ، تَقْدِيرُهُ فَلَيْسَ الأمْرُ كَما (p-٣١٠)يَزْعُمُونَ أنَّهم آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ القَسَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّمَ ( لا ) عَلى القَسَمِ اهْتِمامًا بِالنَّفْيِ، وإظْهارًا لِقُوَّتِهِ ثُمَّ كَرَّرَهُ بَعْدَ القَسَمِ تَأْكِيدًا، وقِيلَ: " لا " مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ مَعْنى القَسَمِ لا لِتَأْكِيدِ مَعْنى النَّفْيِ، والتَّقْدِيرُ: فَوَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ كَما في قَوْلِهِ: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: ٧٥] . ﴿حَتّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أيْ: جَعَلُوكَ حَكَمًا بَيْنَهم في جَمِيعِ أُمُورِهِمْ لا يُحَكِّمُونَ أحَدًا غَيْرَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ يَتَحاكَمُونَ إلَيْكَ، ولا مُلْجِئَ لِذَلِكَ ﴿فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أيِ اخْتَلَفَ بَيْنَهم واخْتَلَطَ، ومِنهُ الشَّجَرُ لِاخْتِلافِ أغْصانِهِ، ومِنهُ قَوْلُ طُرْفَةَ: ؎وهُمُ الحُكّامُ أرْبابُ الهُدى وسُعاةُ النّاسِ في الأمْرِ الشَّجَرْ أيِ: المُخْتَلِفِ، ومِنهُ تَشاجُرُ الرِّماحِ؛ أيْ: اخْتِلافُها ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ قِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ يَنْساقُ إلَيْهِ الكَلامُ؛ أيْ: فَتَقْضِيَ بَيْنَهم ثُمَّ لا يَجِدُوا. والحَرَجُ: الضِّيقُ، وقِيلَ: الشَّكُّ، ومِنهُ قِيلَ لِلشَّجَرِ المُلْتَفِّ: حَرَجٌ وحَرِجَةٌ، وجَمْعُها حِراجٌ، وقِيلَ: الحَرَجُ: الإثْمُ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ في أنْفُسِهِمْ إثْمًا بِإنْكارِهِمْ ما قَضَيْتَ ﴿ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أيْ: يَنْقادُوا لِأمْرِكَ وقَضائِكَ انْقِيادًا لا يُخالِفُونَهُ في شَيْءٍ. قالَ الزَّجّاجُ: تَسْلِيمًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ؛ أيْ: ويُسَلَّمُونَ لِحُكْمِكَ تَسْلِيمًا لا يُدْخِلُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ شَكًّا ولا شُبْهَةً فِيهِ. والظّاهِرُ أنَّ هَذا شامِلٌ لِكُلِّ فَرْدٍ في كُلِّ حُكْمٍ كَما يُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن رَسُولٍ إلّا لِيُطاعَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾، وأمّا بَعْدَ مَوْتِهِ فَتَحْكِيمُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، وتَحْكِيمُ الحاكِمِ بِما فِيهِما مِنَ الأئِمَّةِ والقُضاةِ إذا كانَ لا يَحْكُمُ بِالرَّأْيِ المُجَرَّدِ مَعَ وُجُودِ الدَّلِيلِ في الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْ في أحَدِهِما، وكانَ يَعْقِلُ ما يَرِدُ عَلَيْهِ مِن حُجَجِ الكِتابِ والسُّنَّةِ، بِأنْ يَكُونَ عالِمًا بِاللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وما يَتَعَلَّقُ بِها مِن نَحْوٍ وتَصْرِيفٍ ومَعانٍ وبَيانٍ، عارِفًا بِما يَحْتاجُ إلَيْهِ مِن عِلْمِ الأُصُولِ، بَصِيرًا بِالسُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ، مُمَيِّزًا بَيْنَ الصَّحِيحِ وما يَلْحَقُ بِهِ، والضَّعِيفِ وما يَلْحَقُ بِهِ، مُنْصِفًا غَيْرَ مُتَعَصِّبٍ لِمَذْهَبٍ مِنَ المَذاهِبِ ولا لِنِحْلَةٍ مِنَ النِّحَلِ، ورِعًا لا يَحِيفُ ولا يَمِيلُ في حُكْمِهِ، فَمَن كانَ هَكَذا فَهو قائِمٌ في مَقامِ النُّبُوَّةِ مُتَرْجَمٌ عَنْها حاكِمٌ بِأحْكامِها. وفي هَذا الوَعِيدِ الشَّدِيدِ ما تَقْشَعِرُّ لَهُ الجُلُودُ وتَرْجُفُ لَهُ الأفْئِدَةُ، فَإنَّهُ أوَّلًا أقْسَمَ سُبْحانَهُ بِنَفْسِهِ مُؤَكِّدًا لِهَذا القَسَمِ بِحَرْفِ النَّفْيِ بِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ، فَنَفى عَنْهُمُ الإيمانَ الَّذِي هو رَأْسُ مالِ صالِحِي عِبادِ اللَّهِ حَتّى تَحْصُلَ لَهم غايَةٌ هي تَحْكِيمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ حَتّى قالَ: ﴿ثُمَّ لا يَجِدُوا في أنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمّا قَضَيْتَ﴾ فَضَمَّ إلى التَّحْكِيمِ أمْرًا آخَرَ، هو عَدَمُ وُجُودِ حَرَجٍ؛ أيْ: حَرَجٍ في صُدُورِهِمْ، فَلا يَكُونُ مُجَرَّدُ التَّحْكِيمِ والإذْعانِ كافِيًا حَتّى يَكُونَ مِن صَمِيمِ القَلْبِ عَنْ رِضًا واطْمِئْنانٍ وانْثِلاجِ قَلْبٍ وطِيبِ نَفْسٍ، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِهَذا كُلِّهِ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ قَوْلَهُ: ويُسَلِّمُوا أيْ: يُذْعِنُوا ويَنْقادُوا ظاهِرًا وباطِنًا، ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ، بَلْ ضَمَّ إلَيْهِ المَصْدَرَ المُؤَكِّدَ فَقالَ: تَسْلِيمًا فَلا يَثْبُتُ الإيمانُ لِعَبْدٍ حَتّى يَقَعَ مِنهُ هَذا التَّحْكِيمُ ولا يَجِدَ الحَرَجَ في صَدْرِهِ بِما قُضِيَ عَلَيْهِ ويُسَلِّمُ لِحُكْمِ اللَّهِ وشَرْعِهِ، تَسْلِيمًا لا يُخالِطُهُ رَدٌّ ولا تَشُوبُهُ مُخالَفَةٌ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ قالَ السُّيُوطِيُّ: صَحِيحٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ بَرْزَةُ الأسْلَمِيُّ كاهِنًا يَقْضِي بَيْنَ اليَهُودِ فِيما يَتَنافَرُونَ فِيهِ، فَتَنافَرَ إلَيْهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: كانَ الجُلاسُ بْنُ الصّامِتِ قَبْلَ تَوْبَتِهِ ومُعَقِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ورافِعُ بْنُ زَيْدٍ كانُوا يَدَّعُونَ الإسْلامَ، فَدَعاهم رِجالٌ مِن قَوْمِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ في خُصُومَةٍ كانَتْ بَيْنَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَدَعَوْهم إلى الكُهّانِ حُكّامِ الجاهِلِيَّةِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ المَذْكُورَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَتَحاكَمُوا إلى الطّاغُوتِ﴾ قالَ: الطّاغُوتُ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ كانَ يُقالُ لَهُ: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانُوا إذا ما دُعُوا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهم قالُوا: بَلْ نُحاكِمُكم إلى كَعْبٍ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ وغَيْرُهم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: «أنَّ الزُّبَيْرَ خاصَمَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شِراجٍ مِنَ الحَرَّةِ، وكانا يَسْقِيانِ بِهِ كِلاهُما النَّخْلَ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: سَرِّحِ الماءَ يَمُرُّ. فَأبى عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ. فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أنْ كانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ؟ فَتَلَوَّنَ وجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ قالَ: اسْقِ يا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حَتّى يَرْجِعَ إلى الجَدْرِ، ثُمَّ أرْسِلِ الماءَ إلى جارِكَ واسْتَوْعى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَبْلَ ذَلِكَ أشارَ عَلى الزُّبَيْرِ بِرَأْيٍ أرادَ فِيهِ سَعَةً لَهُ ولِلْأنْصارِيِّ، فَلَمّا أحْفَظَ رَسُولَ اللَّهِ الأنْصارِيُّ اسْتَوْعى لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ في صَرِيحِ الحُكْمِ، فَقالَ الزُّبَيْرُ: ما أحْسَبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ إلّا في ذَلِكَ ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهم﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنِ الأسْوَدِ: أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ «أنَّهُ اخْتَصَمَ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَجُلانِ فَقَضى بَيْنَهُما، فَقالَ المَقْضِيُّ عَلَيْهِ: رُدَّنا إلىعُمَرَ، فَرَدَّهُما، فَقَتَلَ عُمَرُ الَّذِي قالَ: رُدَّنا، ونَزَلَتِ الآيَةُ، فَأهْدَرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَمَ المَقْتُولِ» . وأخْرَجَهُ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ مَكْحُولٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وبَيَّنَ أنَّ الَّذِي قَتَلَهُ عُمَرُ كانَ مُنافِقًا، وهُما مُرْسَلانِ، والقِصَّةُ غَرِيبَةٌ، وابْنُ لَهِيعَةَ فِيهِ ضَعْفٌ.

النساء 4:66

(p-٣١١)( لَوْ ) حَرْفُ امْتِناعٍ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لَأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ كَتَبَ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ عَلى هَؤُلاءِ المَوْجُودِينَ مِنَ اليَهُودِ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، أوْ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَعَلُوهُ راجِعٌ إلى المَكْتُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( كَتَبْنا )، أوْ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِالفِعْلَيْنِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في مِثْلِ هَذا قَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ. قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلٌ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( إلّا قَلِيلًا ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والرَّفْعُ أجْوَدُ عِنْدَ النُّحاةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنِ اتِّباعِ الشَّرْعِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لِأقْدامِهِمْ عَلى الحَقِّ فَلا يَضْطَرِبُونَ في أمْرِ دِينِهِمْ. وإذَنْ أيْ: وقْتَ فِعْلِهِمْ لِما يُوعَظُونَ بِهِ. ﴿لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ لِيَصِلُوا إلى الخَيْرِ الَّذِي يَنالُهُ مَنِ امْتَثَلَ ما أُمِرَ بِهِ وانْقادَ لِمَن يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ فَضْلِ طاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُطِيعِينَ كَما تُفِيدُهُ مِن ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، والوُصُولِ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم. والصِّدِّيقُ: المُبالِغُ في الصِّدْقِ كَما تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ، وقِيلَ: هم فُضَلاءُ أتْباعِ الأنْبِياءِ. ( والشُّهَداءِ ): مَن ثَبَتَتْ لَهُمُ الشَّهادَةُ، ( والصّالِحِينَ ): أهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. والرَّفِيقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، والمُرادُ بِهِ المُصاحِبُ لِارْتِفاقِكَ بِصُحْبَتِهِ، ومِنهُ الرُّفْقَةُ لِارْتِفاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ كَما قالَ الأخْفَشُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ هم يَهُودُ كَما أمَرَ أصْحابَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا. أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ الجَنَّةِ وحَسَّنَهُ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتِي ومَوْتَكَ وعَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.