Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — النساء 4:67 – النساء 4:117

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. النساء 4:67
  2. النساء 4:68
  3. النساء 4:69
  4. النساء 4:70
  5. النساء 4:71
  6. النساء 4:72
  7. النساء 4:73
  8. النساء 4:74
  9. النساء 4:75
  10. النساء 4:76
  11. النساء 4:77
  12. النساء 4:78
  13. النساء 4:79
  14. النساء 4:80
  15. النساء 4:81
  16. النساء 4:82
  17. النساء 4:83
  18. النساء 4:84
  19. النساء 4:85
  20. النساء 4:86
  21. النساء 4:87
  22. النساء 4:88
  23. النساء 4:89
  24. النساء 4:90
  25. النساء 4:91
  26. النساء 4:92
  27. النساء 4:93
  28. النساء 4:94
  29. النساء 4:95
  30. النساء 4:96
  31. النساء 4:97
  32. النساء 4:98
  33. النساء 4:99
  34. النساء 4:100
  35. النساء 4:101
  36. النساء 4:102
  37. النساء 4:103
  38. النساء 4:104
  39. النساء 4:105
  40. النساء 4:106
  41. النساء 4:107
  42. النساء 4:108
  43. النساء 4:109
  44. النساء 4:110
  45. النساء 4:111
  46. النساء 4:112
  47. النساء 4:113
  48. النساء 4:114
  49. النساء 4:115
  50. النساء 4:116
  51. النساء 4:117

النساء 4:67

(p-٣١١)( لَوْ ) حَرْفُ امْتِناعٍ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لَأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ كَتَبَ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ عَلى هَؤُلاءِ المَوْجُودِينَ مِنَ اليَهُودِ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، أوْ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَعَلُوهُ راجِعٌ إلى المَكْتُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( كَتَبْنا )، أوْ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِالفِعْلَيْنِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في مِثْلِ هَذا قَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ. قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلٌ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( إلّا قَلِيلًا ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والرَّفْعُ أجْوَدُ عِنْدَ النُّحاةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنِ اتِّباعِ الشَّرْعِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لِأقْدامِهِمْ عَلى الحَقِّ فَلا يَضْطَرِبُونَ في أمْرِ دِينِهِمْ. وإذَنْ أيْ: وقْتَ فِعْلِهِمْ لِما يُوعَظُونَ بِهِ. ﴿لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ لِيَصِلُوا إلى الخَيْرِ الَّذِي يَنالُهُ مَنِ امْتَثَلَ ما أُمِرَ بِهِ وانْقادَ لِمَن يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ فَضْلِ طاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُطِيعِينَ كَما تُفِيدُهُ مِن ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، والوُصُولِ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم. والصِّدِّيقُ: المُبالِغُ في الصِّدْقِ كَما تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ، وقِيلَ: هم فُضَلاءُ أتْباعِ الأنْبِياءِ. ( والشُّهَداءِ ): مَن ثَبَتَتْ لَهُمُ الشَّهادَةُ، ( والصّالِحِينَ ): أهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. والرَّفِيقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، والمُرادُ بِهِ المُصاحِبُ لِارْتِفاقِكَ بِصُحْبَتِهِ، ومِنهُ الرُّفْقَةُ لِارْتِفاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ كَما قالَ الأخْفَشُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ هم يَهُودُ كَما أمَرَ أصْحابَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا. أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ الجَنَّةِ وحَسَّنَهُ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتِي ومَوْتَكَ وعَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.

النساء 4:68

(p-٣١١)( لَوْ ) حَرْفُ امْتِناعٍ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لَأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ كَتَبَ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ عَلى هَؤُلاءِ المَوْجُودِينَ مِنَ اليَهُودِ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، أوْ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَعَلُوهُ راجِعٌ إلى المَكْتُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( كَتَبْنا )، أوْ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِالفِعْلَيْنِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في مِثْلِ هَذا قَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ. قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلٌ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( إلّا قَلِيلًا ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والرَّفْعُ أجْوَدُ عِنْدَ النُّحاةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنِ اتِّباعِ الشَّرْعِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لِأقْدامِهِمْ عَلى الحَقِّ فَلا يَضْطَرِبُونَ في أمْرِ دِينِهِمْ. وإذَنْ أيْ: وقْتَ فِعْلِهِمْ لِما يُوعَظُونَ بِهِ. ﴿لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ لِيَصِلُوا إلى الخَيْرِ الَّذِي يَنالُهُ مَنِ امْتَثَلَ ما أُمِرَ بِهِ وانْقادَ لِمَن يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ فَضْلِ طاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُطِيعِينَ كَما تُفِيدُهُ مِن ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، والوُصُولِ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم. والصِّدِّيقُ: المُبالِغُ في الصِّدْقِ كَما تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ، وقِيلَ: هم فُضَلاءُ أتْباعِ الأنْبِياءِ. ( والشُّهَداءِ ): مَن ثَبَتَتْ لَهُمُ الشَّهادَةُ، ( والصّالِحِينَ ): أهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. والرَّفِيقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، والمُرادُ بِهِ المُصاحِبُ لِارْتِفاقِكَ بِصُحْبَتِهِ، ومِنهُ الرُّفْقَةُ لِارْتِفاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ كَما قالَ الأخْفَشُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ هم يَهُودُ كَما أمَرَ أصْحابَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا. أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ الجَنَّةِ وحَسَّنَهُ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتِي ومَوْتَكَ وعَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.

النساء 4:69

(p-٣١١)( لَوْ ) حَرْفُ امْتِناعٍ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لَأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ كَتَبَ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ عَلى هَؤُلاءِ المَوْجُودِينَ مِنَ اليَهُودِ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، أوْ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَعَلُوهُ راجِعٌ إلى المَكْتُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( كَتَبْنا )، أوْ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِالفِعْلَيْنِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في مِثْلِ هَذا قَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ. قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلٌ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( إلّا قَلِيلًا ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والرَّفْعُ أجْوَدُ عِنْدَ النُّحاةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنِ اتِّباعِ الشَّرْعِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لِأقْدامِهِمْ عَلى الحَقِّ فَلا يَضْطَرِبُونَ في أمْرِ دِينِهِمْ. وإذَنْ أيْ: وقْتَ فِعْلِهِمْ لِما يُوعَظُونَ بِهِ. ﴿لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ لِيَصِلُوا إلى الخَيْرِ الَّذِي يَنالُهُ مَنِ امْتَثَلَ ما أُمِرَ بِهِ وانْقادَ لِمَن يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ فَضْلِ طاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُطِيعِينَ كَما تُفِيدُهُ مِن ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، والوُصُولِ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم. والصِّدِّيقُ: المُبالِغُ في الصِّدْقِ كَما تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ، وقِيلَ: هم فُضَلاءُ أتْباعِ الأنْبِياءِ. ( والشُّهَداءِ ): مَن ثَبَتَتْ لَهُمُ الشَّهادَةُ، ( والصّالِحِينَ ): أهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. والرَّفِيقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، والمُرادُ بِهِ المُصاحِبُ لِارْتِفاقِكَ بِصُحْبَتِهِ، ومِنهُ الرُّفْقَةُ لِارْتِفاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ كَما قالَ الأخْفَشُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ هم يَهُودُ كَما أمَرَ أصْحابَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا. أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ الجَنَّةِ وحَسَّنَهُ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتِي ومَوْتَكَ وعَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.

النساء 4:70

(p-٣١١)( لَوْ ) حَرْفُ امْتِناعٍ، وأنْ مَصْدَرِيَّةٌ، أوْ تَفْسِيرِيَّةٌ؛ لَأنَّ كَتَبْنا في مَعْنى أمَرْنا. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ لَوْ كَتَبَ القَتْلَ والخُرُوجَ مِنَ الدِّيارِ عَلى هَؤُلاءِ المَوْجُودِينَ مِنَ اليَهُودِ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، أوْ لَوْ كَتَبَ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ ما فَعَلَهُ إلّا القَلِيلُ مِنهم، والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: فَعَلُوهُ راجِعٌ إلى المَكْتُوبِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ ( كَتَبْنا )، أوْ إلى القَتْلِ والخُرُوجِ المَدْلُولِ عَلَيْهِما بِالفِعْلَيْنِ، وتَوْحِيدُ الضَّمِيرِ في مِثْلِ هَذا قَدْ قَدَّمْنا وجْهَهُ. قَوْلُهُ: إلّا قَلِيلٌ قَرَأهُ الجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ عَلى البَدَلِ. وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عامِرٍ وعِيسى بْنُ عُمَرَ ( إلّا قَلِيلًا ) بِالنَّصْبِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، وكَذا هو في مَصاحِفِ أهْلِ الشّامِ، والرَّفْعُ أجْوَدُ عِنْدَ النُّحاةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّهم فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ﴾ مِنِ اتِّباعِ الشَّرْعِ والِانْقِيادِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لَكانَ ذَلِكَ خَيْرًا لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿وأشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لِأقْدامِهِمْ عَلى الحَقِّ فَلا يَضْطَرِبُونَ في أمْرِ دِينِهِمْ. وإذَنْ أيْ: وقْتَ فِعْلِهِمْ لِما يُوعَظُونَ بِهِ. ﴿لَآتَيْناهم مِن لَدُنّا أجْرًا عَظِيمًا ولَهَدَيْناهم صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ لا عِوَجَ فِيهِ لِيَصِلُوا إلى الخَيْرِ الَّذِي يَنالُهُ مَنِ امْتَثَلَ ما أُمِرَ بِهِ وانْقادَ لِمَن يَدْعُوهُ إلى الحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لِبَيانِ فَضْلِ طاعَةِ اللَّهِ والرَّسُولِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: فَأُولَئِكَ إلى المُطِيعِينَ كَما تُفِيدُهُ مِن ﴿مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، والوُصُولِ إلى ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم. والصِّدِّيقُ: المُبالِغُ في الصِّدْقِ كَما تُفِيدُهُ الصِّيغَةُ، وقِيلَ: هم فُضَلاءُ أتْباعِ الأنْبِياءِ. ( والشُّهَداءِ ): مَن ثَبَتَتْ لَهُمُ الشَّهادَةُ، ( والصّالِحِينَ ): أهْلِ الأعْمالِ الصّالِحَةِ. والرَّفِيقُ مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّفْقِ، وهو لِينُ الجانِبِ، والمُرادُ بِهِ المُصاحِبُ لِارْتِفاقِكَ بِصُحْبَتِهِ، ومِنهُ الرُّفْقَةُ لِارْتِفاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وهو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ الحالِ كَما قالَ الأخْفَشُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم﴾ هم يَهُودُ كَما أمَرَ أصْحابَ مُوسى أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ أنَّها نَزَلَتْ في ثابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ أنَّ جَماعَةً مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا لَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ: لَوْ فَعَلَ رَبُّنا لَفَعَلْنا. أخْرَجَهُ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ. وأخْرَجَهُ أيْضًا عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في صِفَةِ الجَنَّةِ وحَسَّنَهُ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن نَفْسِي، وإنَّكَ لَأحَبُّ إلَيَّ مِن ولَدِي، وإنِّي لَأكُونُ في البَيْتِ فَأذْكُرُكَ فَما أصْبِرُ حَتّى آتِيَ فَأنْظُرَ إلَيْكَ، وإذا ذَكَرْتُ مَوْتِي ومَوْتَكَ وعَرَفْتُ أنَّكَ إذا دَخَلْتَ الجَنَّةَ رُفِعْتَ مَعَ النَّبِيِّينَ، وإنِّي إذا دَخَلْتُ الجَنَّةَ خَشِيتُ أنْ لا أراكَ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ ﴿ومَن يُطِعِ اللَّهَ والرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ.

النساء 4:71

قَوْلُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَذا خِطابٌ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والحَذَرُ والحِذْرُ لُغَتانِ كالمَثَلِ والمِثْلِ. قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ الكَلامِ الحِذْرُ. والحَذَرُ مَسْمُوعٌ أيْضًا، يُقالُ: خُذْ حَذَرَكَ؛ أيِ: احْذَرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأخْذِ السِّلاحِ حِذْرًا؛ لِأنَّ بِهِ الحِذْرَ. قَوْلُهُ: فانْفِرُوا نَفَرَ يَنْفِرُ بِكَسْرِ الفاءِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا. والمَعْنى: انْهَضُوا لِقِتالِ العَدُوِّ. أوِ النَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، وأصْلُهُ مِنَ النِّفارِ والنُّفُورِ، وهو الفَزَعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] أيْ: نافِرِينَ. قَوْلُهُ: ثُباتٍ جَمْعُ ثُبَةٍ؛ أيْ: جَماعَةٍ، والمَعْنى: انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَيْشًا واحِدًا. ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَنْفِرُوا عَلى أحَدِ الوَصْفَيْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلى عَدُوِّهِمْ ولِيَأْمَنُوا مِن أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الأعْداءُ إذا نَفَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم وحْدَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وبِقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] والصَّحِيحُ أنَّ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتانِ: إحْداهُما في الوَقْتِ الَّذِي يُحْتاجُ فِيهِ إلى نُفُورِ الجَمِيعِ، والأُخْرى عِنْدَ الِاكْتِفاءِ بِنُفُورِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ التَّبْطِئَةُ والإبْطاءُ التَّأخُّرُ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ كانُوا يَقْعُدُونَ عَنِ الخُرُوجِ ويُقْعِدُونَ غَيْرَهم. والمَعْنى: أنَّ مِن دُخَلائِكم وجِنْسِكم ومَن أظْهَرَ إيمانَهُ لَكم نِفاقًا مَن يُبَطِّئُ المُؤْمِنِينَ ويُثَبِّطُهم، واللّامُ في قَوْلِهِ: لَمَن لامُ تَوْكِيدٍ. وفي قَوْلِهِ: لَيُبَطِّئَنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ وصِلَتُها الجُمْلَةُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والكَلْبِيُّ ( لَيُبْطِئَنَّ ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ أوْ ذَهابِ مالٍ. قالَ هَذا المُنافِقُ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم. ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ غَنِيمَةٌ أوْ فَتْحٌ (p-٣١٢)لَيَقُولَنَّ هَذا المُنافِقُ قَوْلَ نادِمٍ حاسِدٍ ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو " لَيَقُولُنَّ " وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو يا لَيْتَنِي وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وقِيلَ المَعْنى: لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: أيْ: كَأنْ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( لَيَقُولُنَّ ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى مَعْنى مَن. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ عَلى لَفْظِ المَوَدَّةِ. قَوْلُهُ: فَأفُوزَ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ الحَسَنُ ( فَأفُوزُ ) بِالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ مَعْناهُ يَبِيعُونَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيُقاتِلْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ لَمْ يُقاتِلْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا المَوْصُوفُونَ بِأنَّ مِنهم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهُمُ البائِعُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، ثُمَّ وعَدَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا قُتِلَ فازَ بِالشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْلى دَرَجاتِ الأُجُورِ، وإنْ غَلَبَ وظَفِرَ كانَ لَهُ أجْرُ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ ما قَدْ نالَهُ مِنَ العُلُوِّ في الدُّنْيا والغَنِيمَةِ، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَن قُتِلَ شَهِيدًا أوِ انْقَلَبَ غانِمًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما إنَّما هي في إيتاءِ الأجْرِ العَظِيمِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أجْرُهُما مُسْتَوِيًا، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ عَظِيمًا هو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو دُونَهُ، وحَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو فَوْقَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قَوْلُهُ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ أيْ: ما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ حَتّى تُخَلِّصُوهم مِنَ الأسْرِ وتُرِيحُوهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ الجَهْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: وأخُصُّ المُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ اللَّهِ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْتارُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وفي المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ هُنا مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ الكُفّارِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ يَدْعُو لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ لَفْظَ الآيَةِ أوْسَعُ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَوْلا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الكائِنِينَ في مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَنْشِيطٌ لَهم بِأنَّ قِتالَهم لِهَذا المَقْصِدِ لا لِغَيْرِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الشَّيْطانِ أوِ الكُهّانِ أوِ الأصْنامِ، وتَفْسِيرُ الطّاغُوتِ هُنا بِالشَّيْطانِ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: مَكْرَهَ ومَكْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ قالَ: عُصُبًا، يَعْنِي سَرايا مُتَفَرِّقِينَ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: كُلَّكم. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ثُباتٍ أيْ: فِرَقًا قَلِيلًا. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: إذا نَفَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ما بَيْنَ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: هو فِيما بَلَغَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلْيُقاتِلْ يَعْنِي يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي: يَقْتُلْهُ العَدُوُّ أوْ يَغْلِبْ يَعْنِي: يَغْلِبُ العَدُوَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: جَزاءً وافِرًا في الجَنَّةِ، فَجَعَلَ القاتِلَ والمَقْتُولَ مِنَ المُسْلِمِينَ في جِهادِ المُشْرِكِينَ شَرِيكَيْنِ في الأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ قالَ: المُسْتَضْعَفُونَ أُناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: «أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: القَرْيَةُ الظّالِمُ أهْلُها مَكَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتُمُ الشَّيْطانَ فَلا تَخافُوهُ واحْمِلُوا عَلَيْهِ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الشَّيْطانُ يَتَراءى لِي في الصَّلاةِ فَكُنْتُ أذْكُرُ قَوْلَ ابْنَ عَبّاسٍ فَأحْمِلُ عَلَيْهِ فَيَذْهَبُ عَنِّي.

النساء 4:72

قَوْلُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَذا خِطابٌ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والحَذَرُ والحِذْرُ لُغَتانِ كالمَثَلِ والمِثْلِ. قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ الكَلامِ الحِذْرُ. والحَذَرُ مَسْمُوعٌ أيْضًا، يُقالُ: خُذْ حَذَرَكَ؛ أيِ: احْذَرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأخْذِ السِّلاحِ حِذْرًا؛ لِأنَّ بِهِ الحِذْرَ. قَوْلُهُ: فانْفِرُوا نَفَرَ يَنْفِرُ بِكَسْرِ الفاءِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا. والمَعْنى: انْهَضُوا لِقِتالِ العَدُوِّ. أوِ النَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، وأصْلُهُ مِنَ النِّفارِ والنُّفُورِ، وهو الفَزَعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] أيْ: نافِرِينَ. قَوْلُهُ: ثُباتٍ جَمْعُ ثُبَةٍ؛ أيْ: جَماعَةٍ، والمَعْنى: انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَيْشًا واحِدًا. ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَنْفِرُوا عَلى أحَدِ الوَصْفَيْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلى عَدُوِّهِمْ ولِيَأْمَنُوا مِن أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الأعْداءُ إذا نَفَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم وحْدَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وبِقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] والصَّحِيحُ أنَّ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتانِ: إحْداهُما في الوَقْتِ الَّذِي يُحْتاجُ فِيهِ إلى نُفُورِ الجَمِيعِ، والأُخْرى عِنْدَ الِاكْتِفاءِ بِنُفُورِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ التَّبْطِئَةُ والإبْطاءُ التَّأخُّرُ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ كانُوا يَقْعُدُونَ عَنِ الخُرُوجِ ويُقْعِدُونَ غَيْرَهم. والمَعْنى: أنَّ مِن دُخَلائِكم وجِنْسِكم ومَن أظْهَرَ إيمانَهُ لَكم نِفاقًا مَن يُبَطِّئُ المُؤْمِنِينَ ويُثَبِّطُهم، واللّامُ في قَوْلِهِ: لَمَن لامُ تَوْكِيدٍ. وفي قَوْلِهِ: لَيُبَطِّئَنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ وصِلَتُها الجُمْلَةُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والكَلْبِيُّ ( لَيُبْطِئَنَّ ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ أوْ ذَهابِ مالٍ. قالَ هَذا المُنافِقُ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم. ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ غَنِيمَةٌ أوْ فَتْحٌ (p-٣١٢)لَيَقُولَنَّ هَذا المُنافِقُ قَوْلَ نادِمٍ حاسِدٍ ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو " لَيَقُولُنَّ " وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو يا لَيْتَنِي وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وقِيلَ المَعْنى: لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: أيْ: كَأنْ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( لَيَقُولُنَّ ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى مَعْنى مَن. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ عَلى لَفْظِ المَوَدَّةِ. قَوْلُهُ: فَأفُوزَ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ الحَسَنُ ( فَأفُوزُ ) بِالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ مَعْناهُ يَبِيعُونَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيُقاتِلْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ لَمْ يُقاتِلْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا المَوْصُوفُونَ بِأنَّ مِنهم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهُمُ البائِعُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، ثُمَّ وعَدَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا قُتِلَ فازَ بِالشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْلى دَرَجاتِ الأُجُورِ، وإنْ غَلَبَ وظَفِرَ كانَ لَهُ أجْرُ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ ما قَدْ نالَهُ مِنَ العُلُوِّ في الدُّنْيا والغَنِيمَةِ، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَن قُتِلَ شَهِيدًا أوِ انْقَلَبَ غانِمًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما إنَّما هي في إيتاءِ الأجْرِ العَظِيمِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أجْرُهُما مُسْتَوِيًا، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ عَظِيمًا هو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو دُونَهُ، وحَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو فَوْقَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قَوْلُهُ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ أيْ: ما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ حَتّى تُخَلِّصُوهم مِنَ الأسْرِ وتُرِيحُوهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ الجَهْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: وأخُصُّ المُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ اللَّهِ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْتارُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وفي المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ هُنا مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ الكُفّارِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ يَدْعُو لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ لَفْظَ الآيَةِ أوْسَعُ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَوْلا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الكائِنِينَ في مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَنْشِيطٌ لَهم بِأنَّ قِتالَهم لِهَذا المَقْصِدِ لا لِغَيْرِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الشَّيْطانِ أوِ الكُهّانِ أوِ الأصْنامِ، وتَفْسِيرُ الطّاغُوتِ هُنا بِالشَّيْطانِ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: مَكْرَهَ ومَكْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ قالَ: عُصُبًا، يَعْنِي سَرايا مُتَفَرِّقِينَ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: كُلَّكم. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ثُباتٍ أيْ: فِرَقًا قَلِيلًا. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: إذا نَفَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ما بَيْنَ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: هو فِيما بَلَغَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلْيُقاتِلْ يَعْنِي يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي: يَقْتُلْهُ العَدُوُّ أوْ يَغْلِبْ يَعْنِي: يَغْلِبُ العَدُوَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: جَزاءً وافِرًا في الجَنَّةِ، فَجَعَلَ القاتِلَ والمَقْتُولَ مِنَ المُسْلِمِينَ في جِهادِ المُشْرِكِينَ شَرِيكَيْنِ في الأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ قالَ: المُسْتَضْعَفُونَ أُناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: «أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: القَرْيَةُ الظّالِمُ أهْلُها مَكَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتُمُ الشَّيْطانَ فَلا تَخافُوهُ واحْمِلُوا عَلَيْهِ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الشَّيْطانُ يَتَراءى لِي في الصَّلاةِ فَكُنْتُ أذْكُرُ قَوْلَ ابْنَ عَبّاسٍ فَأحْمِلُ عَلَيْهِ فَيَذْهَبُ عَنِّي.

النساء 4:73

قَوْلُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَذا خِطابٌ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والحَذَرُ والحِذْرُ لُغَتانِ كالمَثَلِ والمِثْلِ. قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ الكَلامِ الحِذْرُ. والحَذَرُ مَسْمُوعٌ أيْضًا، يُقالُ: خُذْ حَذَرَكَ؛ أيِ: احْذَرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأخْذِ السِّلاحِ حِذْرًا؛ لِأنَّ بِهِ الحِذْرَ. قَوْلُهُ: فانْفِرُوا نَفَرَ يَنْفِرُ بِكَسْرِ الفاءِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا. والمَعْنى: انْهَضُوا لِقِتالِ العَدُوِّ. أوِ النَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، وأصْلُهُ مِنَ النِّفارِ والنُّفُورِ، وهو الفَزَعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] أيْ: نافِرِينَ. قَوْلُهُ: ثُباتٍ جَمْعُ ثُبَةٍ؛ أيْ: جَماعَةٍ، والمَعْنى: انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَيْشًا واحِدًا. ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَنْفِرُوا عَلى أحَدِ الوَصْفَيْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلى عَدُوِّهِمْ ولِيَأْمَنُوا مِن أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الأعْداءُ إذا نَفَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم وحْدَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وبِقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] والصَّحِيحُ أنَّ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتانِ: إحْداهُما في الوَقْتِ الَّذِي يُحْتاجُ فِيهِ إلى نُفُورِ الجَمِيعِ، والأُخْرى عِنْدَ الِاكْتِفاءِ بِنُفُورِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ التَّبْطِئَةُ والإبْطاءُ التَّأخُّرُ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ كانُوا يَقْعُدُونَ عَنِ الخُرُوجِ ويُقْعِدُونَ غَيْرَهم. والمَعْنى: أنَّ مِن دُخَلائِكم وجِنْسِكم ومَن أظْهَرَ إيمانَهُ لَكم نِفاقًا مَن يُبَطِّئُ المُؤْمِنِينَ ويُثَبِّطُهم، واللّامُ في قَوْلِهِ: لَمَن لامُ تَوْكِيدٍ. وفي قَوْلِهِ: لَيُبَطِّئَنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ وصِلَتُها الجُمْلَةُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والكَلْبِيُّ ( لَيُبْطِئَنَّ ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ أوْ ذَهابِ مالٍ. قالَ هَذا المُنافِقُ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم. ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ غَنِيمَةٌ أوْ فَتْحٌ (p-٣١٢)لَيَقُولَنَّ هَذا المُنافِقُ قَوْلَ نادِمٍ حاسِدٍ ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو " لَيَقُولُنَّ " وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو يا لَيْتَنِي وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وقِيلَ المَعْنى: لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: أيْ: كَأنْ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( لَيَقُولُنَّ ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى مَعْنى مَن. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ عَلى لَفْظِ المَوَدَّةِ. قَوْلُهُ: فَأفُوزَ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ الحَسَنُ ( فَأفُوزُ ) بِالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ مَعْناهُ يَبِيعُونَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيُقاتِلْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ لَمْ يُقاتِلْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا المَوْصُوفُونَ بِأنَّ مِنهم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهُمُ البائِعُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، ثُمَّ وعَدَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا قُتِلَ فازَ بِالشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْلى دَرَجاتِ الأُجُورِ، وإنْ غَلَبَ وظَفِرَ كانَ لَهُ أجْرُ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ ما قَدْ نالَهُ مِنَ العُلُوِّ في الدُّنْيا والغَنِيمَةِ، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَن قُتِلَ شَهِيدًا أوِ انْقَلَبَ غانِمًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما إنَّما هي في إيتاءِ الأجْرِ العَظِيمِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أجْرُهُما مُسْتَوِيًا، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ عَظِيمًا هو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو دُونَهُ، وحَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو فَوْقَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قَوْلُهُ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ أيْ: ما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ حَتّى تُخَلِّصُوهم مِنَ الأسْرِ وتُرِيحُوهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ الجَهْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: وأخُصُّ المُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ اللَّهِ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْتارُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وفي المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ هُنا مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ الكُفّارِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ يَدْعُو لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ لَفْظَ الآيَةِ أوْسَعُ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَوْلا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الكائِنِينَ في مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَنْشِيطٌ لَهم بِأنَّ قِتالَهم لِهَذا المَقْصِدِ لا لِغَيْرِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الشَّيْطانِ أوِ الكُهّانِ أوِ الأصْنامِ، وتَفْسِيرُ الطّاغُوتِ هُنا بِالشَّيْطانِ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: مَكْرَهَ ومَكْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ قالَ: عُصُبًا، يَعْنِي سَرايا مُتَفَرِّقِينَ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: كُلَّكم. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ثُباتٍ أيْ: فِرَقًا قَلِيلًا. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: إذا نَفَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ما بَيْنَ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: هو فِيما بَلَغَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلْيُقاتِلْ يَعْنِي يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي: يَقْتُلْهُ العَدُوُّ أوْ يَغْلِبْ يَعْنِي: يَغْلِبُ العَدُوَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: جَزاءً وافِرًا في الجَنَّةِ، فَجَعَلَ القاتِلَ والمَقْتُولَ مِنَ المُسْلِمِينَ في جِهادِ المُشْرِكِينَ شَرِيكَيْنِ في الأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ قالَ: المُسْتَضْعَفُونَ أُناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: «أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: القَرْيَةُ الظّالِمُ أهْلُها مَكَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتُمُ الشَّيْطانَ فَلا تَخافُوهُ واحْمِلُوا عَلَيْهِ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الشَّيْطانُ يَتَراءى لِي في الصَّلاةِ فَكُنْتُ أذْكُرُ قَوْلَ ابْنَ عَبّاسٍ فَأحْمِلُ عَلَيْهِ فَيَذْهَبُ عَنِّي.

النساء 4:74

قَوْلُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَذا خِطابٌ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والحَذَرُ والحِذْرُ لُغَتانِ كالمَثَلِ والمِثْلِ. قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ الكَلامِ الحِذْرُ. والحَذَرُ مَسْمُوعٌ أيْضًا، يُقالُ: خُذْ حَذَرَكَ؛ أيِ: احْذَرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأخْذِ السِّلاحِ حِذْرًا؛ لِأنَّ بِهِ الحِذْرَ. قَوْلُهُ: فانْفِرُوا نَفَرَ يَنْفِرُ بِكَسْرِ الفاءِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا. والمَعْنى: انْهَضُوا لِقِتالِ العَدُوِّ. أوِ النَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، وأصْلُهُ مِنَ النِّفارِ والنُّفُورِ، وهو الفَزَعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] أيْ: نافِرِينَ. قَوْلُهُ: ثُباتٍ جَمْعُ ثُبَةٍ؛ أيْ: جَماعَةٍ، والمَعْنى: انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَيْشًا واحِدًا. ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَنْفِرُوا عَلى أحَدِ الوَصْفَيْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلى عَدُوِّهِمْ ولِيَأْمَنُوا مِن أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الأعْداءُ إذا نَفَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم وحْدَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وبِقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] والصَّحِيحُ أنَّ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتانِ: إحْداهُما في الوَقْتِ الَّذِي يُحْتاجُ فِيهِ إلى نُفُورِ الجَمِيعِ، والأُخْرى عِنْدَ الِاكْتِفاءِ بِنُفُورِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ التَّبْطِئَةُ والإبْطاءُ التَّأخُّرُ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ كانُوا يَقْعُدُونَ عَنِ الخُرُوجِ ويُقْعِدُونَ غَيْرَهم. والمَعْنى: أنَّ مِن دُخَلائِكم وجِنْسِكم ومَن أظْهَرَ إيمانَهُ لَكم نِفاقًا مَن يُبَطِّئُ المُؤْمِنِينَ ويُثَبِّطُهم، واللّامُ في قَوْلِهِ: لَمَن لامُ تَوْكِيدٍ. وفي قَوْلِهِ: لَيُبَطِّئَنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ وصِلَتُها الجُمْلَةُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والكَلْبِيُّ ( لَيُبْطِئَنَّ ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ أوْ ذَهابِ مالٍ. قالَ هَذا المُنافِقُ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم. ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ غَنِيمَةٌ أوْ فَتْحٌ (p-٣١٢)لَيَقُولَنَّ هَذا المُنافِقُ قَوْلَ نادِمٍ حاسِدٍ ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو " لَيَقُولُنَّ " وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو يا لَيْتَنِي وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وقِيلَ المَعْنى: لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: أيْ: كَأنْ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( لَيَقُولُنَّ ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى مَعْنى مَن. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ عَلى لَفْظِ المَوَدَّةِ. قَوْلُهُ: فَأفُوزَ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ الحَسَنُ ( فَأفُوزُ ) بِالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ مَعْناهُ يَبِيعُونَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيُقاتِلْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ لَمْ يُقاتِلْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا المَوْصُوفُونَ بِأنَّ مِنهم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهُمُ البائِعُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، ثُمَّ وعَدَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا قُتِلَ فازَ بِالشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْلى دَرَجاتِ الأُجُورِ، وإنْ غَلَبَ وظَفِرَ كانَ لَهُ أجْرُ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ ما قَدْ نالَهُ مِنَ العُلُوِّ في الدُّنْيا والغَنِيمَةِ، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَن قُتِلَ شَهِيدًا أوِ انْقَلَبَ غانِمًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما إنَّما هي في إيتاءِ الأجْرِ العَظِيمِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أجْرُهُما مُسْتَوِيًا، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ عَظِيمًا هو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو دُونَهُ، وحَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو فَوْقَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قَوْلُهُ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ أيْ: ما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ حَتّى تُخَلِّصُوهم مِنَ الأسْرِ وتُرِيحُوهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ الجَهْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: وأخُصُّ المُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ اللَّهِ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْتارُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وفي المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ هُنا مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ الكُفّارِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ يَدْعُو لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ لَفْظَ الآيَةِ أوْسَعُ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَوْلا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الكائِنِينَ في مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَنْشِيطٌ لَهم بِأنَّ قِتالَهم لِهَذا المَقْصِدِ لا لِغَيْرِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الشَّيْطانِ أوِ الكُهّانِ أوِ الأصْنامِ، وتَفْسِيرُ الطّاغُوتِ هُنا بِالشَّيْطانِ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: مَكْرَهَ ومَكْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ قالَ: عُصُبًا، يَعْنِي سَرايا مُتَفَرِّقِينَ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: كُلَّكم. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ثُباتٍ أيْ: فِرَقًا قَلِيلًا. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: إذا نَفَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ما بَيْنَ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: هو فِيما بَلَغَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلْيُقاتِلْ يَعْنِي يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي: يَقْتُلْهُ العَدُوُّ أوْ يَغْلِبْ يَعْنِي: يَغْلِبُ العَدُوَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: جَزاءً وافِرًا في الجَنَّةِ، فَجَعَلَ القاتِلَ والمَقْتُولَ مِنَ المُسْلِمِينَ في جِهادِ المُشْرِكِينَ شَرِيكَيْنِ في الأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ قالَ: المُسْتَضْعَفُونَ أُناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: «أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: القَرْيَةُ الظّالِمُ أهْلُها مَكَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتُمُ الشَّيْطانَ فَلا تَخافُوهُ واحْمِلُوا عَلَيْهِ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الشَّيْطانُ يَتَراءى لِي في الصَّلاةِ فَكُنْتُ أذْكُرُ قَوْلَ ابْنَ عَبّاسٍ فَأحْمِلُ عَلَيْهِ فَيَذْهَبُ عَنِّي.

النساء 4:75

قَوْلُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَذا خِطابٌ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والحَذَرُ والحِذْرُ لُغَتانِ كالمَثَلِ والمِثْلِ. قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ الكَلامِ الحِذْرُ. والحَذَرُ مَسْمُوعٌ أيْضًا، يُقالُ: خُذْ حَذَرَكَ؛ أيِ: احْذَرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأخْذِ السِّلاحِ حِذْرًا؛ لِأنَّ بِهِ الحِذْرَ. قَوْلُهُ: فانْفِرُوا نَفَرَ يَنْفِرُ بِكَسْرِ الفاءِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا. والمَعْنى: انْهَضُوا لِقِتالِ العَدُوِّ. أوِ النَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، وأصْلُهُ مِنَ النِّفارِ والنُّفُورِ، وهو الفَزَعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] أيْ: نافِرِينَ. قَوْلُهُ: ثُباتٍ جَمْعُ ثُبَةٍ؛ أيْ: جَماعَةٍ، والمَعْنى: انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَيْشًا واحِدًا. ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَنْفِرُوا عَلى أحَدِ الوَصْفَيْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلى عَدُوِّهِمْ ولِيَأْمَنُوا مِن أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الأعْداءُ إذا نَفَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم وحْدَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وبِقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] والصَّحِيحُ أنَّ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتانِ: إحْداهُما في الوَقْتِ الَّذِي يُحْتاجُ فِيهِ إلى نُفُورِ الجَمِيعِ، والأُخْرى عِنْدَ الِاكْتِفاءِ بِنُفُورِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ التَّبْطِئَةُ والإبْطاءُ التَّأخُّرُ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ كانُوا يَقْعُدُونَ عَنِ الخُرُوجِ ويُقْعِدُونَ غَيْرَهم. والمَعْنى: أنَّ مِن دُخَلائِكم وجِنْسِكم ومَن أظْهَرَ إيمانَهُ لَكم نِفاقًا مَن يُبَطِّئُ المُؤْمِنِينَ ويُثَبِّطُهم، واللّامُ في قَوْلِهِ: لَمَن لامُ تَوْكِيدٍ. وفي قَوْلِهِ: لَيُبَطِّئَنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ وصِلَتُها الجُمْلَةُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والكَلْبِيُّ ( لَيُبْطِئَنَّ ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ أوْ ذَهابِ مالٍ. قالَ هَذا المُنافِقُ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم. ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ غَنِيمَةٌ أوْ فَتْحٌ (p-٣١٢)لَيَقُولَنَّ هَذا المُنافِقُ قَوْلَ نادِمٍ حاسِدٍ ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو " لَيَقُولُنَّ " وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو يا لَيْتَنِي وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وقِيلَ المَعْنى: لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: أيْ: كَأنْ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( لَيَقُولُنَّ ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى مَعْنى مَن. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ عَلى لَفْظِ المَوَدَّةِ. قَوْلُهُ: فَأفُوزَ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ الحَسَنُ ( فَأفُوزُ ) بِالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ مَعْناهُ يَبِيعُونَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيُقاتِلْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ لَمْ يُقاتِلْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا المَوْصُوفُونَ بِأنَّ مِنهم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهُمُ البائِعُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، ثُمَّ وعَدَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا قُتِلَ فازَ بِالشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْلى دَرَجاتِ الأُجُورِ، وإنْ غَلَبَ وظَفِرَ كانَ لَهُ أجْرُ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ ما قَدْ نالَهُ مِنَ العُلُوِّ في الدُّنْيا والغَنِيمَةِ، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَن قُتِلَ شَهِيدًا أوِ انْقَلَبَ غانِمًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما إنَّما هي في إيتاءِ الأجْرِ العَظِيمِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أجْرُهُما مُسْتَوِيًا، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ عَظِيمًا هو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو دُونَهُ، وحَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو فَوْقَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قَوْلُهُ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ أيْ: ما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ حَتّى تُخَلِّصُوهم مِنَ الأسْرِ وتُرِيحُوهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ الجَهْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: وأخُصُّ المُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ اللَّهِ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْتارُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وفي المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ هُنا مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ الكُفّارِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ يَدْعُو لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ لَفْظَ الآيَةِ أوْسَعُ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَوْلا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الكائِنِينَ في مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَنْشِيطٌ لَهم بِأنَّ قِتالَهم لِهَذا المَقْصِدِ لا لِغَيْرِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الشَّيْطانِ أوِ الكُهّانِ أوِ الأصْنامِ، وتَفْسِيرُ الطّاغُوتِ هُنا بِالشَّيْطانِ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: مَكْرَهَ ومَكْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ قالَ: عُصُبًا، يَعْنِي سَرايا مُتَفَرِّقِينَ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: كُلَّكم. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ثُباتٍ أيْ: فِرَقًا قَلِيلًا. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: إذا نَفَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ما بَيْنَ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: هو فِيما بَلَغَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلْيُقاتِلْ يَعْنِي يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي: يَقْتُلْهُ العَدُوُّ أوْ يَغْلِبْ يَعْنِي: يَغْلِبُ العَدُوَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: جَزاءً وافِرًا في الجَنَّةِ، فَجَعَلَ القاتِلَ والمَقْتُولَ مِنَ المُسْلِمِينَ في جِهادِ المُشْرِكِينَ شَرِيكَيْنِ في الأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ قالَ: المُسْتَضْعَفُونَ أُناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: «أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: القَرْيَةُ الظّالِمُ أهْلُها مَكَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتُمُ الشَّيْطانَ فَلا تَخافُوهُ واحْمِلُوا عَلَيْهِ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الشَّيْطانُ يَتَراءى لِي في الصَّلاةِ فَكُنْتُ أذْكُرُ قَوْلَ ابْنَ عَبّاسٍ فَأحْمِلُ عَلَيْهِ فَيَذْهَبُ عَنِّي.

النساء 4:76

قَوْلُهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا هَذا خِطابٌ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ، وأمْرٌ لَهم بِجِهادِ الكُفّارِ والخُرُوجِ في سَبِيلِ اللَّهِ، والحَذَرُ والحِذْرُ لُغَتانِ كالمَثَلِ والمِثْلِ. قالَ الفَرّاءُ: أكْثَرُ الكَلامِ الحِذْرُ. والحَذَرُ مَسْمُوعٌ أيْضًا، يُقالُ: خُذْ حَذَرَكَ؛ أيِ: احْذَرْ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأخْذِ السِّلاحِ حِذْرًا؛ لِأنَّ بِهِ الحِذْرَ. قَوْلُهُ: فانْفِرُوا نَفَرَ يَنْفِرُ بِكَسْرِ الفاءِ نَفِيرًا، ونَفَرَتِ الدّابَّةُ تَنْفُرُ بِضَمِّ الفاءِ نُفُورًا. والمَعْنى: انْهَضُوا لِقِتالِ العَدُوِّ. أوِ النَّفِيرُ اسْمٌ لِلْقَوْمِ الَّذِينَ يَنْفِرُونَ، وأصْلُهُ مِنَ النِّفارِ والنُّفُورِ، وهو الفَزَعُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] أيْ: نافِرِينَ. قَوْلُهُ: ثُباتٍ جَمْعُ ثُبَةٍ؛ أيْ: جَماعَةٍ، والمَعْنى: انْفِرُوا جَماعاتٍ مُتَفَرِّقاتٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ جَيْشًا واحِدًا. ومَعْنى الآيَةِ: الأمْرُ لَهم بِأنْ يَنْفِرُوا عَلى أحَدِ الوَصْفَيْنِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أشَدَّ عَلى عَدُوِّهِمْ ولِيَأْمَنُوا مِن أنْ يَتَخَطَّفَهُمُ الأعْداءُ إذا نَفَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم وحْدَهُ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا﴾ [التوبة: ٤١] وبِقَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم﴾ [التوبة: ٣٩] والصَّحِيحُ أنَّ الآيَتَيْنِ جَمِيعًا مُحْكَمَتانِ: إحْداهُما في الوَقْتِ الَّذِي يُحْتاجُ فِيهِ إلى نُفُورِ الجَمِيعِ، والأُخْرى عِنْدَ الِاكْتِفاءِ بِنُفُورِ البَعْضِ دُونَ البَعْضِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ التَّبْطِئَةُ والإبْطاءُ التَّأخُّرُ، والمُرادُ: المُنافِقُونَ كانُوا يَقْعُدُونَ عَنِ الخُرُوجِ ويُقْعِدُونَ غَيْرَهم. والمَعْنى: أنَّ مِن دُخَلائِكم وجِنْسِكم ومَن أظْهَرَ إيمانَهُ لَكم نِفاقًا مَن يُبَطِّئُ المُؤْمِنِينَ ويُثَبِّطُهم، واللّامُ في قَوْلِهِ: لَمَن لامُ تَوْكِيدٍ. وفي قَوْلِهِ: لَيُبَطِّئَنَّ لامُ جَوابِ القَسَمِ، ومَن في مَوْضِعِ نَصْبٍ وصِلَتُها الجُمْلَةُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ والنَّخَعِيُّ والكَلْبِيُّ ( لَيُبْطِئَنَّ ) بِالتَّخْفِيفِ ﴿فَإنْ أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ مِن قَتْلٍ أوْ هَزِيمَةٍ أوْ ذَهابِ مالٍ. قالَ هَذا المُنافِقُ: قَدْ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أكُنْ مَعَهم حَتّى يُصِيبَنِي ما أصابَهم. ولَئِنْ أصابَكم فَضْلٌ مِنَ غَنِيمَةٌ أوْ فَتْحٌ (p-٣١٢)لَيَقُولَنَّ هَذا المُنافِقُ قَوْلَ نادِمٍ حاسِدٍ ﴿يالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهم فَأفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الفِعْلِ الَّذِي هو " لَيَقُولُنَّ " وبَيْنَ مَفْعُولِهِ، وهو يا لَيْتَنِي وقِيلَ: إنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا. وقِيلَ المَعْنى: لَيَقُولَنَّ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكم وبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ: أيْ: كَأنْ لَمْ يُعاقِدْكم عَلى الجِهادِ، وقِيلَ: هو في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ. وقَرَأ الحَسَنُ ( لَيَقُولُنَّ ) بِضَمِّ اللّامِ عَلى مَعْنى مَن. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ كَأنْ لَمْ تَكُنْ بِالتّاءِ عَلى لَفْظِ المَوَدَّةِ. قَوْلُهُ: فَأفُوزَ بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ الحَسَنُ ( فَأفُوزُ ) بِالرَّفْعِ. قَوْلُهُ: ﴿فَلْيُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا أمْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقَدَّمَ الظَّرْفَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ مَعْناهُ يَبِيعُونَ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فَلْيُقاتِلْ جَوابٌ لِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ؛ أيْ: إنْ لَمْ يُقاتِلْ هَؤُلاءِ المَذْكُورُونَ سابِقًا المَوْصُوفُونَ بِأنَّ مِنهم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ، فَلْيُقاتِلِ المُخْلِصُونَ الباذِلُونَ أنْفُسَهُمُ البائِعُونَ لِلْحَياةِ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ، ثُمَّ وعَدَ المُقاتِلِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِأنَّهُ سَيُؤْتِيهِمْ أجْرًا عَظِيمًا لا يُقادَرُ قَدْرُهُ، وذَلِكَ أنَّهُ إذا قُتِلَ فازَ بِالشَّهادَةِ الَّتِي هي أعْلى دَرَجاتِ الأُجُورِ، وإنْ غَلَبَ وظَفِرَ كانَ لَهُ أجْرُ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ ما قَدْ نالَهُ مِنَ العُلُوِّ في الدُّنْيا والغَنِيمَةِ، وظاهِرُ هَذا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ بَيْنَ مَن قُتِلَ شَهِيدًا أوِ انْقَلَبَ غانِمًا، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُما إنَّما هي في إيتاءِ الأجْرِ العَظِيمِ، ولا يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ أجْرُهُما مُسْتَوِيًا، فَإنَّ كَوْنَ الشَّيْءِ عَظِيمًا هو مِنَ الأُمُورِ النِّسْبِيَّةِ الَّتِي يَكُونُ بَعْضُها عَظِيمًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو دُونَهُ، وحَقِيرًا بِالنِّسْبَةِ إلى ما هو فَوْقَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ المَأْمُورِينَ بِالقِتالِ عَلى طَرِيقِ الِالتِفاتِ. قَوْلُهُ: والمُسْتَضْعَفِينَ مَجْرُورٌ عَطْفًا عَلى الِاسْمِ الشَّرِيفِ أيْ: ما لَكَمَ لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ حَتّى تُخَلِّصُوهم مِنَ الأسْرِ وتُرِيحُوهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ الجَهْدِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاخْتِصاصِ؛ أيْ: وأخُصُّ المُسْتَضْعَفِينَ فَإنَّهم مِن أعْظَمِ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ سَبِيلُ اللَّهِ، واخْتارَ الأوَّلَ الزَّجّاجُ والأزْهَرِيُّ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: أخْتارُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: وفي المُسْتَضْعَفِينَ؛ فَيَكُونَ عَطْفًا عَلى السَّبِيلِ، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ هُنا مَن كانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَحْتَ إذْلالِ الكُفّارِ، وهُمُ الَّذِينَ كانَ يَدْعُو لَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ» كَما في الصَّحِيحِ. ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ: إنَّ لَفْظَ الآيَةِ أوْسَعُ، والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَوْلا تَقْيِيدُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ فَإنَّهُ يُشْعِرُ بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ الكائِنِينَ في مَكَّةَ؛ لِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ المُفَسِّرُونَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها مَكَّةُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ بَيانٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ. قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هَذا تَرْغِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَنْشِيطٌ لَهم بِأنَّ قِتالَهم لِهَذا المَقْصِدِ لا لِغَيْرِهِ ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ الطّاغُوتِ﴾ أيْ: سَبِيلِ الشَّيْطانِ أوِ الكُهّانِ أوِ الأصْنامِ، وتَفْسِيرُ الطّاغُوتِ هُنا بِالشَّيْطانِ أوْلى لِقَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلُوا أوْلِياءَ الشَّيْطانِ إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ أيْ: مَكْرَهَ ومَكْرَ مَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ الكُفّارِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْفِرُوا ثُباتٍ﴾ قالَ: عُصُبًا، يَعْنِي سَرايا مُتَفَرِّقِينَ ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يَعْنِي: كُلَّكم. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ في سُورَةِ النِّساءِ: ﴿خُذُوا حِذْرَكم فانْفِرُوا ثُباتٍ أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ نَسَخَتْها ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ثُباتٍ أيْ: فِرَقًا قَلِيلًا. وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أيْ: إذا نَفَرَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ ما بَيْنَ ذَلِكَ في المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: هو فِيما بَلَغَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِيٍّ ابْنُ سَلُولَ رَأْسُ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَلْيُقاتِلْ يَعْنِي يُقاتِلُ المُشْرِكِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ في طاعَةِ اللَّهِ ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ يَعْنِي: يَقْتُلْهُ العَدُوُّ أوْ يَغْلِبْ يَعْنِي: يَغْلِبُ العَدُوَّ مِنَ المُشْرِكِينَ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يَعْنِي: جَزاءً وافِرًا في الجَنَّةِ، فَجَعَلَ القاتِلَ والمَقْتُولَ مِنَ المُسْلِمِينَ في جِهادِ المُشْرِكِينَ شَرِيكَيْنِ في الأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ والمُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: وفي المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: وسَبِيلِ المُسْتَضْعَفِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ قالَ: المُسْتَضْعَفُونَ أُناسٌ مُسْلِمُونَ كانُوا بِمَكَّةَ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنها. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْهُ قالَ: «أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: القَرْيَةُ الظّالِمُ أهْلُها مَكَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا رَأيْتُمُ الشَّيْطانَ فَلا تَخافُوهُ واحْمِلُوا عَلَيْهِ ﴿إنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفًا﴾ . قالَ مُجاهِدٌ: كانَ الشَّيْطانُ يَتَراءى لِي في الصَّلاةِ فَكُنْتُ أذْكُرُ قَوْلَ ابْنَ عَبّاسٍ فَأحْمِلُ عَلَيْهِ فَيَذْهَبُ عَنِّي.

النساء 4:77

(p-٣١٣)قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم﴾ الآيَةَ، قِيلَ: هم جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِتَرْكِ القِتالِ في مَكَّةَ بَعْدَ أنْ تَسَرَّعُوا إلَيْهِ. فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ تَثَبَّطُوا عَنِ القِتالِ مِن غَيْرِ شَكٍّ في الدِّينِ بَلْ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وفَرَقًا مِن هَوْلِ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، فَلَمّا فُرِضَ كَرِهُوهُ، وهَذا أشْبَهُ بِالسِّياقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ. ويَبْعُدُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا مِنَ الصَّحابَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: خَشْيَةٌ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أوْ حالٌ: أيْ: تَخْشَوْنَهم مُشْبِهِينَ أهْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَخَشْيَةِ اللَّهِ في مَحَلِّ جَرٍّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ جَمِيعًا فَيَكُونُ في مَحَلِّ الحالِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةُ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها. قَوْلُهُ: وقالُوا عَطْفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إذا فَرِيقٌ مِنهم أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم خَشْيَةَ النّاسِ ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ أيْ: هَلّا أخَّرْتَنا، يُرِيدُونَ المُهْلَةَ إلى وقْتٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِيهِ القِتالُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ الفَناءِ لا يَدُومُ لِصاحِبِهِ، وثَوابُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ لِمَنِ اتَّقى مِنكم ورَغِبَ في الثَّوابِ الدّائِمِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا يَسِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الفَتِيلِ قَرِيبًا، وإذا كُنْتُمْ تُوَفَّرُونَ أُجُورَكم ولا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنها، فَكَيْفَ تَرْغَبُونَ عَنْ ذَلِكَ وتَشْتَغِلُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن قَعَدَ عَنِ القِتالِ خَشْيَةَ المَوْتِ، وبَيانٌ لِفَسادِ ما خالَطَهُ مِنَ الجِنِّ وخامَرَهُ مِنَ الخَشْيَةِ، فَإنَّ المَوْتَ إذا كانَ كائِنًا لا مَحالَةَ فَ ؎مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ: وهو البِناءُ المُرْتَفِعُ، والمُشَيَّدَةُ: المُرَفَّعَةُ مِن شادَ القَصْرَ: إذا رَفَعَهُ وطَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ البُرُوجِ ما هي ؟ فَقِيلَ: الحُصُونُ الَّتِي في الأرْضِ، وقِيلَ: هي القُصُورُ. قالَ الزَّجّاجُ والقُتَيْبِيُّ: ومَعْنى مُشَيَّدَةٍ: مُطَوَّلَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَطْلِيَّةٌ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ، حَكاهُ مَكِّيٌّ عَنْ مالِكٍ، وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦] وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ المُشَيَّدَةِ هُنا قُصُورٌ مِن حَدِيدٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: ؎وقالَ رائِدُهم أرْسُوا نُزاوِلُها قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ؛ أيْ: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ ونِقْمَةٌ نَسَبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجَهْلِ وعَدَمِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ: ما بالُهم هَكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هَذا الخِطابُ إمّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ النّاسِ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ: أيْ: ما أصابَكَ مِن خَصْبٍ ورَخاءٍ وصِحَّةٍ وسَلامَةٍ فَمِنَ اللَّهِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وما أصابَكَ مِن جَهْدٍ وبَلاءٍ وشِدَّةٍ فَمِن نَفْسِكَ بِذَنْبٍ أتَيْتَهُ فَعُوقِبْتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؛ أيْ: فَيَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ ألْفَ الِاسْتِفْهامِ مُضْمَرَةٌ؛ أيْ: أفَمِن نَفْسِكَ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] والمَعْنى: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ أيْ: أهُمُ هُمُ ؟ وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يُفِيدُ مُفادَ هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] . وقَدْ يُظَنُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ مُنافٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالجَمْعُ مُمْكِنٌ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فِيهِ البَيانُ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الجَمِيعِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ والعُمُومِ في النّاسِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) [الفتح: ٢٨] عَلى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فِيهِ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةٌ لِلَّهِ، وفي هَذا مِنَ النِّداءِ بِشَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعُلُوِّ شانِهِ وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا (p-٣١٤)يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَن تَوَلّى أيْ: أعْرَضَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ حافِظًا لِأعْمالِهِمْ، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ نُسِخَ هَذا بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: نُطِيعُ طاعَةً وهَذِهِ في المُنافِقِينَ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا كانُوا عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم﴾ أيْ: زَوَّرَتْ طائِفَةٌ مِن هَؤُلاءِ القائِلِينَ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ وتَأْمُرُهم بِهِ، أوْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَكَ هي مِنَ الطّاعَةِ لَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وحَرَّفُوا قَوْلَكَ فِيما عَهِدْتَ إلَيْهِمْ، والتَّبْيِيتُ: التَّبْدِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا ∗∗∗ وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ يُقالُ: بَيَّتَ الرَّجُلُ الأمْرَ: إذا تَدَبَّرَهُ لَيْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يُنْزِلُهُ عَلَيْكَ في الكِتابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: دَعْهم وشَأْنَهم حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِقامُ مِنهم، وقِيلَ مَعْناهُ: لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُعاقِبْهم. ثُمَّ أمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: «يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزَّةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً ؟ فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَهى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ أنْ يَصْنَعُوا صَنِيعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قالَ: هو المَوْتُ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ قالَ: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَقُولُ: نِعْمَةٌ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ قالَ: مُصِيبَةٌ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ: النِّعَمُ والمَصائِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ قالَ: هَذِهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ قالَ: هَذِهِ في الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمّا الحَسَنَةُ فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ فابْتَلاكَ بِها، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ قالَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ أُحُدٍ يَقُولُ: ما كانَتْ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ ( وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبْتُها عَلَيْكَ ) قالَ مُجاهِدٌ: وكَذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ نَحْوَ قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ قالَ: هم أُناسٌ كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ آمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَقُولُ: خالَفُوا إلى غَيْرِ ما قالُوا عِنْدَهُ فَعابَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: غَيَّرَ أُولَئِكَ ما قالَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

النساء 4:78

(p-٣١٣)قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم﴾ الآيَةَ، قِيلَ: هم جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِتَرْكِ القِتالِ في مَكَّةَ بَعْدَ أنْ تَسَرَّعُوا إلَيْهِ. فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ تَثَبَّطُوا عَنِ القِتالِ مِن غَيْرِ شَكٍّ في الدِّينِ بَلْ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وفَرَقًا مِن هَوْلِ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، فَلَمّا فُرِضَ كَرِهُوهُ، وهَذا أشْبَهُ بِالسِّياقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ. ويَبْعُدُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا مِنَ الصَّحابَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: خَشْيَةٌ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أوْ حالٌ: أيْ: تَخْشَوْنَهم مُشْبِهِينَ أهْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَخَشْيَةِ اللَّهِ في مَحَلِّ جَرٍّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ جَمِيعًا فَيَكُونُ في مَحَلِّ الحالِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةُ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها. قَوْلُهُ: وقالُوا عَطْفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إذا فَرِيقٌ مِنهم أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم خَشْيَةَ النّاسِ ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ أيْ: هَلّا أخَّرْتَنا، يُرِيدُونَ المُهْلَةَ إلى وقْتٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِيهِ القِتالُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ الفَناءِ لا يَدُومُ لِصاحِبِهِ، وثَوابُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ لِمَنِ اتَّقى مِنكم ورَغِبَ في الثَّوابِ الدّائِمِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا يَسِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الفَتِيلِ قَرِيبًا، وإذا كُنْتُمْ تُوَفَّرُونَ أُجُورَكم ولا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنها، فَكَيْفَ تَرْغَبُونَ عَنْ ذَلِكَ وتَشْتَغِلُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن قَعَدَ عَنِ القِتالِ خَشْيَةَ المَوْتِ، وبَيانٌ لِفَسادِ ما خالَطَهُ مِنَ الجِنِّ وخامَرَهُ مِنَ الخَشْيَةِ، فَإنَّ المَوْتَ إذا كانَ كائِنًا لا مَحالَةَ فَ ؎مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ: وهو البِناءُ المُرْتَفِعُ، والمُشَيَّدَةُ: المُرَفَّعَةُ مِن شادَ القَصْرَ: إذا رَفَعَهُ وطَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ البُرُوجِ ما هي ؟ فَقِيلَ: الحُصُونُ الَّتِي في الأرْضِ، وقِيلَ: هي القُصُورُ. قالَ الزَّجّاجُ والقُتَيْبِيُّ: ومَعْنى مُشَيَّدَةٍ: مُطَوَّلَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَطْلِيَّةٌ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ، حَكاهُ مَكِّيٌّ عَنْ مالِكٍ، وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦] وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ المُشَيَّدَةِ هُنا قُصُورٌ مِن حَدِيدٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: ؎وقالَ رائِدُهم أرْسُوا نُزاوِلُها قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ؛ أيْ: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ ونِقْمَةٌ نَسَبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجَهْلِ وعَدَمِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ: ما بالُهم هَكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هَذا الخِطابُ إمّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ النّاسِ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ: أيْ: ما أصابَكَ مِن خَصْبٍ ورَخاءٍ وصِحَّةٍ وسَلامَةٍ فَمِنَ اللَّهِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وما أصابَكَ مِن جَهْدٍ وبَلاءٍ وشِدَّةٍ فَمِن نَفْسِكَ بِذَنْبٍ أتَيْتَهُ فَعُوقِبْتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؛ أيْ: فَيَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ ألْفَ الِاسْتِفْهامِ مُضْمَرَةٌ؛ أيْ: أفَمِن نَفْسِكَ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] والمَعْنى: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ أيْ: أهُمُ هُمُ ؟ وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يُفِيدُ مُفادَ هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] . وقَدْ يُظَنُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ مُنافٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالجَمْعُ مُمْكِنٌ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فِيهِ البَيانُ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الجَمِيعِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ والعُمُومِ في النّاسِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) [الفتح: ٢٨] عَلى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فِيهِ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةٌ لِلَّهِ، وفي هَذا مِنَ النِّداءِ بِشَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعُلُوِّ شانِهِ وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا (p-٣١٤)يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَن تَوَلّى أيْ: أعْرَضَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ حافِظًا لِأعْمالِهِمْ، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ نُسِخَ هَذا بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: نُطِيعُ طاعَةً وهَذِهِ في المُنافِقِينَ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا كانُوا عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم﴾ أيْ: زَوَّرَتْ طائِفَةٌ مِن هَؤُلاءِ القائِلِينَ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ وتَأْمُرُهم بِهِ، أوْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَكَ هي مِنَ الطّاعَةِ لَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وحَرَّفُوا قَوْلَكَ فِيما عَهِدْتَ إلَيْهِمْ، والتَّبْيِيتُ: التَّبْدِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا ∗∗∗ وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ يُقالُ: بَيَّتَ الرَّجُلُ الأمْرَ: إذا تَدَبَّرَهُ لَيْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يُنْزِلُهُ عَلَيْكَ في الكِتابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: دَعْهم وشَأْنَهم حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِقامُ مِنهم، وقِيلَ مَعْناهُ: لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُعاقِبْهم. ثُمَّ أمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: «يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزَّةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً ؟ فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَهى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ أنْ يَصْنَعُوا صَنِيعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قالَ: هو المَوْتُ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ قالَ: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَقُولُ: نِعْمَةٌ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ قالَ: مُصِيبَةٌ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ: النِّعَمُ والمَصائِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ قالَ: هَذِهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ قالَ: هَذِهِ في الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمّا الحَسَنَةُ فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ فابْتَلاكَ بِها، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ قالَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ أُحُدٍ يَقُولُ: ما كانَتْ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ ( وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبْتُها عَلَيْكَ ) قالَ مُجاهِدٌ: وكَذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ نَحْوَ قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ قالَ: هم أُناسٌ كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ آمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَقُولُ: خالَفُوا إلى غَيْرِ ما قالُوا عِنْدَهُ فَعابَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: غَيَّرَ أُولَئِكَ ما قالَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

النساء 4:79

(p-٣١٣)قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم﴾ الآيَةَ، قِيلَ: هم جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِتَرْكِ القِتالِ في مَكَّةَ بَعْدَ أنْ تَسَرَّعُوا إلَيْهِ. فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ تَثَبَّطُوا عَنِ القِتالِ مِن غَيْرِ شَكٍّ في الدِّينِ بَلْ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وفَرَقًا مِن هَوْلِ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، فَلَمّا فُرِضَ كَرِهُوهُ، وهَذا أشْبَهُ بِالسِّياقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ. ويَبْعُدُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا مِنَ الصَّحابَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: خَشْيَةٌ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أوْ حالٌ: أيْ: تَخْشَوْنَهم مُشْبِهِينَ أهْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَخَشْيَةِ اللَّهِ في مَحَلِّ جَرٍّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ جَمِيعًا فَيَكُونُ في مَحَلِّ الحالِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةُ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها. قَوْلُهُ: وقالُوا عَطْفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إذا فَرِيقٌ مِنهم أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم خَشْيَةَ النّاسِ ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ أيْ: هَلّا أخَّرْتَنا، يُرِيدُونَ المُهْلَةَ إلى وقْتٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِيهِ القِتالُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ الفَناءِ لا يَدُومُ لِصاحِبِهِ، وثَوابُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ لِمَنِ اتَّقى مِنكم ورَغِبَ في الثَّوابِ الدّائِمِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا يَسِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الفَتِيلِ قَرِيبًا، وإذا كُنْتُمْ تُوَفَّرُونَ أُجُورَكم ولا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنها، فَكَيْفَ تَرْغَبُونَ عَنْ ذَلِكَ وتَشْتَغِلُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن قَعَدَ عَنِ القِتالِ خَشْيَةَ المَوْتِ، وبَيانٌ لِفَسادِ ما خالَطَهُ مِنَ الجِنِّ وخامَرَهُ مِنَ الخَشْيَةِ، فَإنَّ المَوْتَ إذا كانَ كائِنًا لا مَحالَةَ فَ ؎مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ: وهو البِناءُ المُرْتَفِعُ، والمُشَيَّدَةُ: المُرَفَّعَةُ مِن شادَ القَصْرَ: إذا رَفَعَهُ وطَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ البُرُوجِ ما هي ؟ فَقِيلَ: الحُصُونُ الَّتِي في الأرْضِ، وقِيلَ: هي القُصُورُ. قالَ الزَّجّاجُ والقُتَيْبِيُّ: ومَعْنى مُشَيَّدَةٍ: مُطَوَّلَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَطْلِيَّةٌ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ، حَكاهُ مَكِّيٌّ عَنْ مالِكٍ، وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦] وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ المُشَيَّدَةِ هُنا قُصُورٌ مِن حَدِيدٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: ؎وقالَ رائِدُهم أرْسُوا نُزاوِلُها قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ؛ أيْ: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ ونِقْمَةٌ نَسَبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجَهْلِ وعَدَمِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ: ما بالُهم هَكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هَذا الخِطابُ إمّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ النّاسِ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ: أيْ: ما أصابَكَ مِن خَصْبٍ ورَخاءٍ وصِحَّةٍ وسَلامَةٍ فَمِنَ اللَّهِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وما أصابَكَ مِن جَهْدٍ وبَلاءٍ وشِدَّةٍ فَمِن نَفْسِكَ بِذَنْبٍ أتَيْتَهُ فَعُوقِبْتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؛ أيْ: فَيَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ ألْفَ الِاسْتِفْهامِ مُضْمَرَةٌ؛ أيْ: أفَمِن نَفْسِكَ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] والمَعْنى: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ أيْ: أهُمُ هُمُ ؟ وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يُفِيدُ مُفادَ هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] . وقَدْ يُظَنُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ مُنافٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالجَمْعُ مُمْكِنٌ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فِيهِ البَيانُ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الجَمِيعِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ والعُمُومِ في النّاسِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) [الفتح: ٢٨] عَلى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فِيهِ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةٌ لِلَّهِ، وفي هَذا مِنَ النِّداءِ بِشَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعُلُوِّ شانِهِ وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا (p-٣١٤)يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَن تَوَلّى أيْ: أعْرَضَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ حافِظًا لِأعْمالِهِمْ، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ نُسِخَ هَذا بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: نُطِيعُ طاعَةً وهَذِهِ في المُنافِقِينَ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا كانُوا عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم﴾ أيْ: زَوَّرَتْ طائِفَةٌ مِن هَؤُلاءِ القائِلِينَ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ وتَأْمُرُهم بِهِ، أوْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَكَ هي مِنَ الطّاعَةِ لَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وحَرَّفُوا قَوْلَكَ فِيما عَهِدْتَ إلَيْهِمْ، والتَّبْيِيتُ: التَّبْدِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا ∗∗∗ وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ يُقالُ: بَيَّتَ الرَّجُلُ الأمْرَ: إذا تَدَبَّرَهُ لَيْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يُنْزِلُهُ عَلَيْكَ في الكِتابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: دَعْهم وشَأْنَهم حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِقامُ مِنهم، وقِيلَ مَعْناهُ: لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُعاقِبْهم. ثُمَّ أمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: «يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزَّةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً ؟ فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَهى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ أنْ يَصْنَعُوا صَنِيعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قالَ: هو المَوْتُ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ قالَ: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَقُولُ: نِعْمَةٌ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ قالَ: مُصِيبَةٌ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ: النِّعَمُ والمَصائِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ قالَ: هَذِهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ قالَ: هَذِهِ في الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمّا الحَسَنَةُ فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ فابْتَلاكَ بِها، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ قالَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ أُحُدٍ يَقُولُ: ما كانَتْ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ ( وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبْتُها عَلَيْكَ ) قالَ مُجاهِدٌ: وكَذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ نَحْوَ قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ قالَ: هم أُناسٌ كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ آمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَقُولُ: خالَفُوا إلى غَيْرِ ما قالُوا عِنْدَهُ فَعابَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: غَيَّرَ أُولَئِكَ ما قالَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

النساء 4:80

(p-٣١٣)قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم﴾ الآيَةَ، قِيلَ: هم جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِتَرْكِ القِتالِ في مَكَّةَ بَعْدَ أنْ تَسَرَّعُوا إلَيْهِ. فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ تَثَبَّطُوا عَنِ القِتالِ مِن غَيْرِ شَكٍّ في الدِّينِ بَلْ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وفَرَقًا مِن هَوْلِ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، فَلَمّا فُرِضَ كَرِهُوهُ، وهَذا أشْبَهُ بِالسِّياقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ. ويَبْعُدُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا مِنَ الصَّحابَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: خَشْيَةٌ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أوْ حالٌ: أيْ: تَخْشَوْنَهم مُشْبِهِينَ أهْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَخَشْيَةِ اللَّهِ في مَحَلِّ جَرٍّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ جَمِيعًا فَيَكُونُ في مَحَلِّ الحالِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةُ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها. قَوْلُهُ: وقالُوا عَطْفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إذا فَرِيقٌ مِنهم أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم خَشْيَةَ النّاسِ ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ أيْ: هَلّا أخَّرْتَنا، يُرِيدُونَ المُهْلَةَ إلى وقْتٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِيهِ القِتالُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ الفَناءِ لا يَدُومُ لِصاحِبِهِ، وثَوابُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ لِمَنِ اتَّقى مِنكم ورَغِبَ في الثَّوابِ الدّائِمِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا يَسِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الفَتِيلِ قَرِيبًا، وإذا كُنْتُمْ تُوَفَّرُونَ أُجُورَكم ولا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنها، فَكَيْفَ تَرْغَبُونَ عَنْ ذَلِكَ وتَشْتَغِلُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن قَعَدَ عَنِ القِتالِ خَشْيَةَ المَوْتِ، وبَيانٌ لِفَسادِ ما خالَطَهُ مِنَ الجِنِّ وخامَرَهُ مِنَ الخَشْيَةِ، فَإنَّ المَوْتَ إذا كانَ كائِنًا لا مَحالَةَ فَ ؎مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ: وهو البِناءُ المُرْتَفِعُ، والمُشَيَّدَةُ: المُرَفَّعَةُ مِن شادَ القَصْرَ: إذا رَفَعَهُ وطَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ البُرُوجِ ما هي ؟ فَقِيلَ: الحُصُونُ الَّتِي في الأرْضِ، وقِيلَ: هي القُصُورُ. قالَ الزَّجّاجُ والقُتَيْبِيُّ: ومَعْنى مُشَيَّدَةٍ: مُطَوَّلَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَطْلِيَّةٌ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ، حَكاهُ مَكِّيٌّ عَنْ مالِكٍ، وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦] وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ المُشَيَّدَةِ هُنا قُصُورٌ مِن حَدِيدٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: ؎وقالَ رائِدُهم أرْسُوا نُزاوِلُها قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ؛ أيْ: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ ونِقْمَةٌ نَسَبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجَهْلِ وعَدَمِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ: ما بالُهم هَكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هَذا الخِطابُ إمّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ النّاسِ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ: أيْ: ما أصابَكَ مِن خَصْبٍ ورَخاءٍ وصِحَّةٍ وسَلامَةٍ فَمِنَ اللَّهِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وما أصابَكَ مِن جَهْدٍ وبَلاءٍ وشِدَّةٍ فَمِن نَفْسِكَ بِذَنْبٍ أتَيْتَهُ فَعُوقِبْتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؛ أيْ: فَيَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ ألْفَ الِاسْتِفْهامِ مُضْمَرَةٌ؛ أيْ: أفَمِن نَفْسِكَ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] والمَعْنى: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ أيْ: أهُمُ هُمُ ؟ وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يُفِيدُ مُفادَ هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] . وقَدْ يُظَنُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ مُنافٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالجَمْعُ مُمْكِنٌ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فِيهِ البَيانُ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الجَمِيعِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ والعُمُومِ في النّاسِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) [الفتح: ٢٨] عَلى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فِيهِ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةٌ لِلَّهِ، وفي هَذا مِنَ النِّداءِ بِشَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعُلُوِّ شانِهِ وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا (p-٣١٤)يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَن تَوَلّى أيْ: أعْرَضَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ حافِظًا لِأعْمالِهِمْ، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ نُسِخَ هَذا بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: نُطِيعُ طاعَةً وهَذِهِ في المُنافِقِينَ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا كانُوا عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم﴾ أيْ: زَوَّرَتْ طائِفَةٌ مِن هَؤُلاءِ القائِلِينَ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ وتَأْمُرُهم بِهِ، أوْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَكَ هي مِنَ الطّاعَةِ لَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وحَرَّفُوا قَوْلَكَ فِيما عَهِدْتَ إلَيْهِمْ، والتَّبْيِيتُ: التَّبْدِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا ∗∗∗ وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ يُقالُ: بَيَّتَ الرَّجُلُ الأمْرَ: إذا تَدَبَّرَهُ لَيْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يُنْزِلُهُ عَلَيْكَ في الكِتابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: دَعْهم وشَأْنَهم حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِقامُ مِنهم، وقِيلَ مَعْناهُ: لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُعاقِبْهم. ثُمَّ أمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: «يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزَّةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً ؟ فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَهى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ أنْ يَصْنَعُوا صَنِيعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قالَ: هو المَوْتُ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ قالَ: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَقُولُ: نِعْمَةٌ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ قالَ: مُصِيبَةٌ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ: النِّعَمُ والمَصائِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ قالَ: هَذِهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ قالَ: هَذِهِ في الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمّا الحَسَنَةُ فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ فابْتَلاكَ بِها، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ قالَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ أُحُدٍ يَقُولُ: ما كانَتْ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ ( وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبْتُها عَلَيْكَ ) قالَ مُجاهِدٌ: وكَذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ نَحْوَ قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ قالَ: هم أُناسٌ كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ آمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَقُولُ: خالَفُوا إلى غَيْرِ ما قالُوا عِنْدَهُ فَعابَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: غَيَّرَ أُولَئِكَ ما قالَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

النساء 4:81

(p-٣١٣)قَوْلُهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم﴾ الآيَةَ، قِيلَ: هم جَماعَةٌ مِنَ الصَّحابَةِ أُمِرُوا بِتَرْكِ القِتالِ في مَكَّةَ بَعْدَ أنْ تَسَرَّعُوا إلَيْهِ. فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ بِالمَدِينَةِ تَثَبَّطُوا عَنِ القِتالِ مِن غَيْرِ شَكٍّ في الدِّينِ بَلْ خَوْفًا مِنَ المَوْتِ وفَرَقًا مِن هَوْلِ القَتْلِ، وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وقِيلَ: في المُنافِقِينَ أسْلَمُوا قَبْلَ فَرْضِ القِتالِ، فَلَمّا فُرِضَ كَرِهُوهُ، وهَذا أشْبَهُ بِالسِّياقِ لِقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ الآيَةَ. ويَبْعُدُ صُدُورُ مِثْلِ هَذا مِنَ الصَّحابَةِ. قَوْلُهُ: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: خَشْيَةٌ كَخَشْيَةِ اللَّهِ، أوْ حالٌ: أيْ: تَخْشَوْنَهم مُشْبِهِينَ أهْلَ خَشْيَةِ اللَّهِ، والمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ؛ أيْ: كَخَشْيَتِهِمُ اللَّهَ. وقَوْلُهُ: ﴿أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ مَعْطُوفٌ عَلى كَخَشْيَةِ اللَّهِ في مَحَلِّ جَرٍّ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى الجارِّ والمَجْرُورِ جَمِيعًا فَيَكُونُ في مَحَلِّ الحالِ كالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ عَلى مَعْنى أنَّ خَشْيَةَ بَعْضِهِمْ كَخَشْيَةِ اللَّهِ وخَشْيَةُ بَعْضِهِمْ أشَدُّ مِنها. قَوْلُهُ: وقالُوا عَطْفٌ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إذا فَرِيقٌ مِنهم أيْ: فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ فاجَأ فَرِيقٌ مِنهم خَشْيَةَ النّاسِ ﴿وقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنا القِتالَ لَوْلا أخَّرْتَنا﴾ أيْ: هَلّا أخَّرْتَنا، يُرِيدُونَ المُهْلَةَ إلى وقْتٍ آخَرَ قَرِيبٍ مِنَ الوَقْتِ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فِيهِ القِتالُ، فَأمَرَهُ سُبْحانَهُ بِأنْ يُجِيبَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ﴾ سَرِيعُ الفَناءِ لا يَدُومُ لِصاحِبِهِ، وثَوابُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لَكم مِنَ المَتاعِ القَلِيلِ لِمَنِ اتَّقى مِنكم ورَغِبَ في الثَّوابِ الدّائِمِ ﴿ولا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أيْ: شَيْئًا حَقِيرًا يَسِيرًا، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الفَتِيلِ قَرِيبًا، وإذا كُنْتُمْ تُوَفَّرُونَ أُجُورَكم ولا تُنْقَصُونَ شَيْئًا مِنها، فَكَيْفَ تَرْغَبُونَ عَنْ ذَلِكَ وتَشْتَغِلُونَ بِمَتاعِ الدُّنْيا مَعَ قِلَّتِهِ وانْقِطاعِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ، وفِيهِ حَثٌّ لِمَن قَعَدَ عَنِ القِتالِ خَشْيَةَ المَوْتِ، وبَيانٌ لِفَسادِ ما خالَطَهُ مِنَ الجِنِّ وخامَرَهُ مِنَ الخَشْيَةِ، فَإنَّ المَوْتَ إذا كانَ كائِنًا لا مَحالَةَ فَ ؎مَن لَمْ يَمُتْ بِالسَّيْفِ ماتَ بِغَيْرِهِ والبُرُوجُ جَمْعُ بُرْجٍ: وهو البِناءُ المُرْتَفِعُ، والمُشَيَّدَةُ: المُرَفَّعَةُ مِن شادَ القَصْرَ: إذا رَفَعَهُ وطَلاهُ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وجَوابُ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَذِهِ البُرُوجِ ما هي ؟ فَقِيلَ: الحُصُونُ الَّتِي في الأرْضِ، وقِيلَ: هي القُصُورُ. قالَ الزَّجّاجُ والقُتَيْبِيُّ: ومَعْنى مُشَيَّدَةٍ: مُطَوَّلَةٌ، وقِيلَ: مَعْناهُ مَطْلِيَّةٌ بِالشَّيْدِ وهو الجِصُّ، وقِيلَ: المُرادُ بِالبُرُوجِ بُرُوجٌ في سَماءِ الدُّنْيا مَبْنِيَّةٌ، حَكاهُ مَكِّيٌّ عَنْ مالِكٍ، وقالَ: ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿والسَّماءِ ذاتِ البُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١]، ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ [الحجر: ١٦] وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بِالبُرُوجِ المُشَيَّدَةِ هُنا قُصُورٌ مِن حَدِيدٍ. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ ( يُدْرِكُكُمُ المَوْتُ ) بِالرَّفْعِ عَلى تَقْدِيرِ الفاءِ كَما في قَوْلِهِ: ؎وقالَ رائِدُهم أرْسُوا نُزاوِلُها قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ مُخْتَصٌّ بِالمُنافِقِينَ؛ أيْ: إنْ تُصِبْهم نِعْمَةٌ نَسَبُوها إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ تُصِبْهم بَلِيَّةٌ ونِقْمَةٌ نَسَبُوها إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَرَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ لَيْسَ كَما تَزْعُمُونَ، ثُمَّ نَسَبَهم إلى الجَهْلِ وعَدَمِ الفَهْمِ فَقالَ: ﴿فَمالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أيْ: ما بالُهم هَكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هَذا الخِطابُ إمّا لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ مِنَ النّاسِ، أوْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَعْرِيضًا لِأُمَّتِهِ: أيْ: ما أصابَكَ مِن خَصْبٍ ورَخاءٍ وصِحَّةٍ وسَلامَةٍ فَمِنَ اللَّهِ بِفَضْلِهِ ورَحْمَتِهِ، وما أصابَكَ مِن جَهْدٍ وبَلاءٍ وشِدَّةٍ فَمِن نَفْسِكَ بِذَنْبٍ أتَيْتَهُ فَعُوقِبْتَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ هَذا مِن كَلامِ الَّذِينَ لا يَفْقَهُونَ حَدِيثًا؛ أيْ: فَيَقُولُونَ: ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّ ألْفَ الِاسْتِفْهامِ مُضْمَرَةٌ؛ أيْ: أفَمِن نَفْسِكَ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ [الشعراء: ٢٢] والمَعْنى: أوَتِلْكَ نِعْمَةٌ ؟ ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا رَأى القَمَرَ بازِغًا قالَ هَذا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٧] أيْ: أهَذا رَبِّي ؟ ومِنهُ قَوْلُ أبِي خِراشٍ الهُذَلِيِّ: ؎رَمَوْنِي وقالُوا يا خُوَيْلِدُ لَمْ تُرَعْ ∗∗∗ فَقُلْتُ وأنْكَرْتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ أيْ: أهُمُ هُمُ ؟ وهَذا خِلافُ الظّاهِرِ، وقَدْ ورَدَ في الكِتابِ العَزِيزِ ما يُفِيدُ مُفادَ هَذِهِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكم ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: ٣٠]، وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] . وقَدْ يُظَنُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ مُنافٍ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولِقَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، وقَوْلِهِ: ﴿ونَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وما لَهم مِن دُونِهِ مِن والٍ﴾ [الرعد: ١١] ولَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ. فالجَمْعُ مُمْكِنٌ كَما هو مُقَرَّرٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وأرْسَلْناكَ لِلنّاسِ رَسُولًا﴾ فِيهِ البَيانُ لِعُمُومِ رِسالَتِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى الجَمِيعِ كَما يُفِيدُهُ التَّأْكِيدُ بِالمَصْدَرِ والعُمُومِ في النّاسِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨]، وقَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ( ﴿وكَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ) [الفتح: ٢٨] عَلى ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ فِيهِ أنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ طاعَةٌ لِلَّهِ، وفي هَذا مِنَ النِّداءِ بِشَرَفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعُلُوِّ شانِهِ وارْتِفاعِ مَرْتَبَتِهِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ، ووَجْهُهُ أنَّ الرَّسُولَ لا يَأْمُرُ إلّا بِما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ولا (p-٣١٤)يَنْهى إلّا عَمّا نَهى اللَّهُ عَنْهُ ومَن تَوَلّى أيْ: أعْرَضَ ﴿فَما أرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أيْ حافِظًا لِأعْمالِهِمْ، إنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ. وقَدْ نُسِخَ هَذا بِآيَةِ السَّيْفِ، ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أمْرُنا طاعَةٌ، أوْ شَأْنُنا طاعَةٌ. وقَرَأ الحَسَنُ والجَحْدَرِيُّ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ بِالنَّصْبِ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: نُطِيعُ طاعَةً وهَذِهِ في المُنافِقِينَ في قَوْلِ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ؛ أيْ: يَقُولُونَ إذا كانُوا عِنْدَكَ ﴿طاعَةٌ فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِكَ﴾ أيْ: خَرَجُوا مِن عِنْدِكَ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهم﴾ أيْ: زَوَّرَتْ طائِفَةٌ مِن هَؤُلاءِ القائِلِينَ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَهم أنْتَ وتَأْمُرُهم بِهِ، أوْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ لَكَ هي مِنَ الطّاعَةِ لَكَ، وقِيلَ: مَعْناهُ: غَيَّرُوا وبَدَّلُوا وحَرَّفُوا قَوْلَكَ فِيما عَهِدْتَ إلَيْهِمْ، والتَّبْيِيتُ: التَّبْدِيلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أتَوْنِي فَلَمْ أرْضَ ما بَيَّتُوا ∗∗∗ وكانُوا أتَوْنِي بِأمْرٍ نُكُرْ يُقالُ: بَيَّتَ الرَّجُلُ الأمْرَ: إذا تَدَبَّرَهُ لَيْلًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨] . ﴿واللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ﴾ أيْ: يُثْبِتُهُ في صَحائِفِ أعْمالِهِمْ لِيُجازِيَهم عَلَيْهِ. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى يُنْزِلُهُ عَلَيْكَ في الكِتابِ. قَوْلُهُ: ﴿فَأعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيْ: دَعْهم وشَأْنَهم حَتّى يُمْكِنَ الِانْتِقامُ مِنهم، وقِيلَ مَعْناهُ: لا تُخْبِرْ بِأسْمائِهِمْ، وقِيلَ: مَعْناهُ: لا تُعاقِبْهم. ثُمَّ أمَرَهُ بِالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ والثِّقَةِ بِهِ في النَّصْرِ عَلى عَدُوِّهِ قِيلَ: وهَذا مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ. وقَدْ أخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ أتَوُا النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: «يا نَبِيَّ اللَّهِ كُنّا في عِزَّةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلَّةً ؟ فَقالَ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ، فَلَمّا حَوَّلَهُ اللَّهُ إلى المَدِينَةِ أمَرَهُ بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في تَفْسِيرِ الآيَةِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَهى اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ أنْ يَصْنَعُوا صَنِيعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: إلى أجَلٍ قَرِيبٍ قالَ: هو المَوْتُ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ قالَ: في قُصُورٍ مُحَصَّنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي قُصُورٌ في السَّماءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ يَقُولُ: نِعْمَةٌ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ قالَ: مُصِيبَةٌ ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ: النِّعَمُ والمَصائِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم حَسَنَةٌ﴾ قالَ: هَذِهِ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ما أصابَكَ مِن حَسَنَةٍ﴾ قالَ: هَذِهِ في الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الحَسَنَةُ والسَّيِّئَةُ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمّا الحَسَنَةُ فَأنْعَمَ بِها عَلَيْكَ، وأمّا السَّيِّئَةُ فابْتَلاكَ بِها، وفي قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ قالَ: ما أصابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ أنْ شُجَّ وجْهُهُ وكُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ أُحُدٍ يَقُولُ: ما كانَتْ مِن نَكْبَةٍ فَبِذَنْبِكَ وأنا قَدَّرْتُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ ( وما أصابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ وأنا كَتَبْتُها عَلَيْكَ ) قالَ مُجاهِدٌ: وكَذَلِكَ قِراءَةُ أُبَيٍّ وابْنِ مَسْعُودٍ. وأخْرَجَ نَحْوَ قَوْلِ مُجاهِدٍ هَذا ابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ طاعَةٌ﴾ قالَ: هم أُناسٌ كانُوا يَقُولُونَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ آمَنّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَأْمَنُوا عَلى دِمائِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَإذا بَرَزُوا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ يَقُولُ: خالَفُوا إلى غَيْرِ ما قالُوا عِنْدَهُ فَعابَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: غَيَّرَ أُولَئِكَ ما قالَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

النساء 4:82

الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَدَبَّرُونَهُ، يُقالُ تَدَبَّرْتُ الشَّيْءَ: تَفَكَّرْتُ في عاقِبَتِهِ وتَأمَّلْتُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، والتَّدْبِيرُ: أنْ يُدَبِّرَ الإنْسانُ أمْرَهُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما تَصِيرُ إلَيْهِ عاقِبَتُهُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] عَلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ لِيُعْرَفَ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ لَوَجَدُوهُ مُؤْتَلِفًا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، صَحِيحَ المَعانِي، قَوِيَّ المَبانِي، بالِغًا في البَلاغَةِ إلى أعْلى دَرَجاتِها ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: تَفاوُتًا وتَناقُضًا، ولا يَدْخُلُ في هَذا اخْتِلافُ مَقادِيرِ الآياتِ والسُّوَرِ؛ لِأنَّ المُرادَ اخْتِلافُ التَّناقُضِ والتَّفاوُتِ وعَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ، وهَذا شَأْنُ كَلامِ البَشَرِ، لاسِيَّما إذا طالَ وتَعَرَّضَ قائِلُهُ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مِنهُ صَحِيحًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ إلّا القَلِيلُ النّادِرُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ يُقالُ: أذاعَ الشَّيْءَ وأذاعَ بِهِ: إذا أفْشاهُ وأظْهَرَهُ، وهَؤُلاءِ هم جَماعَةٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أمْرِ المُسْلِمِينَ فِيهِ أمْنٌ نَحْوَ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِ عَدُوِّهِمْ، أوْ فِيهِ خَوْفٌ نَحْوَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِهِمْ؛ أفْشَوْهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم﴾ (p-٣١٥)وهم أهْلُ العِلْمِ والعُقُولِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ في أُمُورِهِمْ أوْ هُمُ الوُلاةُ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِتَدَبُّرِهِمْ وصِحَّةِ عُقُولِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَرَكُوا الإذاعَةَ لِلْأخْبارِ حَتّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي يُذِيعُها أوْ يَكُونَ أُولُو الأمْرِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَنْبَغِي أنْ يُفْشى وما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَمَ. والِاسْتِنْباطُ مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتَنْبَطْتُ الماءَ: إذا اسْتَخْرَجْتَهُ. والنَّبَطُ: الماءُ المُسْتَنْبَطُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ مِن ماءِ البِئْرِ عِنْدَ حَفْرِها، وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ الضَّعَفَةَ كانُوا يَسْمَعُونَ إرْجافاتِ المُنافِقِينَ عَلى المُسْلِمِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَحْصُلُ بِذَلِكَ المَفْسَدَةُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لَوْلا ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِن إرْسالِ رَسُولِهِ وإنْزالِ كِتابِهِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم إلّا قَلِيلًا مِنكم، أوْ إلّا أتْباعًا قَلِيلًا مِنكم، وقِيلَ: المَعْنى: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ لَمْ يُذِعْ ولَمْ يُفْشِ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لا يَخْتَلِفُ وهو حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ، وإنَّ قَوْلَ النّاسِ يَخْتَلِفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَمّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَوَجَدْتُ النّاسَ يَنْكُتُونَ بِالحَصا ويَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ، فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم﴾ فَكُنْتُ أنا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأمْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: هَذا في الإخْبارِ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أخْبَرَ النّاسُ عَنْها، فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو يُخْبِرُهم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وإذا جاءَهم قالَ: هم أهْلُ النِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مُعاذٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ قالَ: فانْقَطَعَ الكَلامُ. وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا فَهو في أوَّلِ الآيَةِ يُخْبِرُ عَنِ المُنافِقِينَ: قالَ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ يَعْنِي: بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ.

النساء 4:83

الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَدَبَّرُونَهُ، يُقالُ تَدَبَّرْتُ الشَّيْءَ: تَفَكَّرْتُ في عاقِبَتِهِ وتَأمَّلْتُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، والتَّدْبِيرُ: أنْ يُدَبِّرَ الإنْسانُ أمْرَهُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما تَصِيرُ إلَيْهِ عاقِبَتُهُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] عَلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ لِيُعْرَفَ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ لَوَجَدُوهُ مُؤْتَلِفًا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، صَحِيحَ المَعانِي، قَوِيَّ المَبانِي، بالِغًا في البَلاغَةِ إلى أعْلى دَرَجاتِها ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: تَفاوُتًا وتَناقُضًا، ولا يَدْخُلُ في هَذا اخْتِلافُ مَقادِيرِ الآياتِ والسُّوَرِ؛ لِأنَّ المُرادَ اخْتِلافُ التَّناقُضِ والتَّفاوُتِ وعَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ، وهَذا شَأْنُ كَلامِ البَشَرِ، لاسِيَّما إذا طالَ وتَعَرَّضَ قائِلُهُ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مِنهُ صَحِيحًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ إلّا القَلِيلُ النّادِرُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ يُقالُ: أذاعَ الشَّيْءَ وأذاعَ بِهِ: إذا أفْشاهُ وأظْهَرَهُ، وهَؤُلاءِ هم جَماعَةٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أمْرِ المُسْلِمِينَ فِيهِ أمْنٌ نَحْوَ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِ عَدُوِّهِمْ، أوْ فِيهِ خَوْفٌ نَحْوَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِهِمْ؛ أفْشَوْهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم﴾ (p-٣١٥)وهم أهْلُ العِلْمِ والعُقُولِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ في أُمُورِهِمْ أوْ هُمُ الوُلاةُ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِتَدَبُّرِهِمْ وصِحَّةِ عُقُولِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَرَكُوا الإذاعَةَ لِلْأخْبارِ حَتّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي يُذِيعُها أوْ يَكُونَ أُولُو الأمْرِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَنْبَغِي أنْ يُفْشى وما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَمَ. والِاسْتِنْباطُ مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتَنْبَطْتُ الماءَ: إذا اسْتَخْرَجْتَهُ. والنَّبَطُ: الماءُ المُسْتَنْبَطُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ مِن ماءِ البِئْرِ عِنْدَ حَفْرِها، وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ الضَّعَفَةَ كانُوا يَسْمَعُونَ إرْجافاتِ المُنافِقِينَ عَلى المُسْلِمِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَحْصُلُ بِذَلِكَ المَفْسَدَةُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لَوْلا ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِن إرْسالِ رَسُولِهِ وإنْزالِ كِتابِهِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم إلّا قَلِيلًا مِنكم، أوْ إلّا أتْباعًا قَلِيلًا مِنكم، وقِيلَ: المَعْنى: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ لَمْ يُذِعْ ولَمْ يُفْشِ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لا يَخْتَلِفُ وهو حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ، وإنَّ قَوْلَ النّاسِ يَخْتَلِفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَمّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَوَجَدْتُ النّاسَ يَنْكُتُونَ بِالحَصا ويَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ، فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم﴾ فَكُنْتُ أنا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأمْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: هَذا في الإخْبارِ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أخْبَرَ النّاسُ عَنْها، فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو يُخْبِرُهم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وإذا جاءَهم قالَ: هم أهْلُ النِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مُعاذٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ قالَ: فانْقَطَعَ الكَلامُ. وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا فَهو في أوَّلِ الآيَةِ يُخْبِرُ عَنِ المُنافِقِينَ: قالَ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ يَعْنِي: بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ.

النساء 4:84

الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَدَبَّرُونَهُ، يُقالُ تَدَبَّرْتُ الشَّيْءَ: تَفَكَّرْتُ في عاقِبَتِهِ وتَأمَّلْتُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، والتَّدْبِيرُ: أنْ يُدَبِّرَ الإنْسانُ أمْرَهُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما تَصِيرُ إلَيْهِ عاقِبَتُهُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] عَلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ لِيُعْرَفَ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ لَوَجَدُوهُ مُؤْتَلِفًا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، صَحِيحَ المَعانِي، قَوِيَّ المَبانِي، بالِغًا في البَلاغَةِ إلى أعْلى دَرَجاتِها ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: تَفاوُتًا وتَناقُضًا، ولا يَدْخُلُ في هَذا اخْتِلافُ مَقادِيرِ الآياتِ والسُّوَرِ؛ لِأنَّ المُرادَ اخْتِلافُ التَّناقُضِ والتَّفاوُتِ وعَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ، وهَذا شَأْنُ كَلامِ البَشَرِ، لاسِيَّما إذا طالَ وتَعَرَّضَ قائِلُهُ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مِنهُ صَحِيحًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ إلّا القَلِيلُ النّادِرُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ يُقالُ: أذاعَ الشَّيْءَ وأذاعَ بِهِ: إذا أفْشاهُ وأظْهَرَهُ، وهَؤُلاءِ هم جَماعَةٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أمْرِ المُسْلِمِينَ فِيهِ أمْنٌ نَحْوَ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِ عَدُوِّهِمْ، أوْ فِيهِ خَوْفٌ نَحْوَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِهِمْ؛ أفْشَوْهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم﴾ (p-٣١٥)وهم أهْلُ العِلْمِ والعُقُولِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ في أُمُورِهِمْ أوْ هُمُ الوُلاةُ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِتَدَبُّرِهِمْ وصِحَّةِ عُقُولِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَرَكُوا الإذاعَةَ لِلْأخْبارِ حَتّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي يُذِيعُها أوْ يَكُونَ أُولُو الأمْرِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَنْبَغِي أنْ يُفْشى وما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَمَ. والِاسْتِنْباطُ مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتَنْبَطْتُ الماءَ: إذا اسْتَخْرَجْتَهُ. والنَّبَطُ: الماءُ المُسْتَنْبَطُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ مِن ماءِ البِئْرِ عِنْدَ حَفْرِها، وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ الضَّعَفَةَ كانُوا يَسْمَعُونَ إرْجافاتِ المُنافِقِينَ عَلى المُسْلِمِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَحْصُلُ بِذَلِكَ المَفْسَدَةُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لَوْلا ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِن إرْسالِ رَسُولِهِ وإنْزالِ كِتابِهِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم إلّا قَلِيلًا مِنكم، أوْ إلّا أتْباعًا قَلِيلًا مِنكم، وقِيلَ: المَعْنى: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ لَمْ يُذِعْ ولَمْ يُفْشِ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لا يَخْتَلِفُ وهو حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ، وإنَّ قَوْلَ النّاسِ يَخْتَلِفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَمّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَوَجَدْتُ النّاسَ يَنْكُتُونَ بِالحَصا ويَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ، فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم﴾ فَكُنْتُ أنا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأمْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: هَذا في الإخْبارِ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أخْبَرَ النّاسُ عَنْها، فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو يُخْبِرُهم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وإذا جاءَهم قالَ: هم أهْلُ النِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مُعاذٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ قالَ: فانْقَطَعَ الكَلامُ. وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا فَهو في أوَّلِ الآيَةِ يُخْبِرُ عَنِ المُنافِقِينَ: قالَ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ يَعْنِي: بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ.

النساء 4:85

الهَمْزَةُ في قَوْلِهِ: أفَلا يَتَدَبَّرُونَ لِلْإنْكارِ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: أيُعْرِضُونَ عَنِ القُرْآنِ فَلا يَتَدَبَّرُونَهُ، يُقالُ تَدَبَّرْتُ الشَّيْءَ: تَفَكَّرْتُ في عاقِبَتِهِ وتَأمَّلْتُهُ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ في كُلِّ تَأمُّلٍ، والتَّدْبِيرُ: أنْ يُدَبِّرَ الإنْسانُ أمْرَهُ كَأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما تَصِيرُ إلَيْهِ عاقِبَتُهُ، ودَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَلا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أمْ عَلى قُلُوبٍ أقْفالُها﴾ [محمد: ٢٤] عَلى وُجُوبِ التَّدَبُّرِ لِلْقُرْآنِ لِيُعْرَفَ مَعْناهُ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَدَبَّرُوهُ حَقَّ تَدَبُّرِهِ لَوَجَدُوهُ مُؤْتَلِفًا غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، صَحِيحَ المَعانِي، قَوِيَّ المَبانِي، بالِغًا في البَلاغَةِ إلى أعْلى دَرَجاتِها ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ أيْ: تَفاوُتًا وتَناقُضًا، ولا يَدْخُلُ في هَذا اخْتِلافُ مَقادِيرِ الآياتِ والسُّوَرِ؛ لِأنَّ المُرادَ اخْتِلافُ التَّناقُضِ والتَّفاوُتِ وعَدَمُ المُطابَقَةِ لِلْواقِعِ، وهَذا شَأْنُ كَلامِ البَشَرِ، لاسِيَّما إذا طالَ وتَعَرَّضَ قائِلُهُ لِلْإخْبارِ بِالغَيْبِ، فَإنَّهُ لا يُوجَدُ مِنهُ صَحِيحًا مُطابِقًا لِلْواقِعِ إلّا القَلِيلُ النّادِرُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ﴾ يُقالُ: أذاعَ الشَّيْءَ وأذاعَ بِهِ: إذا أفْشاهُ وأظْهَرَهُ، وهَؤُلاءِ هم جَماعَةٌ مِن ضَعَفَةِ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا سَمِعُوا شَيْئًا مِن أمْرِ المُسْلِمِينَ فِيهِ أمْنٌ نَحْوَ ظَفَرِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِ عَدُوِّهِمْ، أوْ فِيهِ خَوْفٌ نَحْوَ هَزِيمَةِ المُسْلِمِينَ وقَتْلِهِمْ؛ أفْشَوْهُ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم﴾ (p-٣١٥)وهم أهْلُ العِلْمِ والعُقُولِ الرّاجِحَةِ الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ في أُمُورِهِمْ أوْ هُمُ الوُلاةُ عَلَيْهِمْ ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: يَسْتَخْرِجُونَهُ بِتَدَبُّرِهِمْ وصِحَّةِ عُقُولِهِمْ. والمَعْنى: أنَّهم لَوْ تَرَكُوا الإذاعَةَ لِلْأخْبارِ حَتّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو الَّذِي يُذِيعُها أوْ يَكُونَ أُولُو الأمْرِ مِنهم هُمُ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما يَنْبَغِي أنْ يُفْشى وما يَنْبَغِي أنْ يُكْتَمَ. والِاسْتِنْباطُ مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتَنْبَطْتُ الماءَ: إذا اسْتَخْرَجْتَهُ. والنَّبَطُ: الماءُ المُسْتَنْبَطُ أوَّلَ ما يَخْرُجُ مِن ماءِ البِئْرِ عِنْدَ حَفْرِها، وقِيلَ: إنَّ هَؤُلاءِ الضَّعَفَةَ كانُوا يَسْمَعُونَ إرْجافاتِ المُنافِقِينَ عَلى المُسْلِمِينَ فَيُذِيعُونَها فَتَحْصُلُ بِذَلِكَ المَفْسَدَةُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إلّا قَلِيلًا﴾ أيْ: لَوْلا ما تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْكم مِن إرْسالِ رَسُولِهِ وإنْزالِ كِتابِهِ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ فَبَقِيتُمْ عَلى كُفْرِكم إلّا قَلِيلًا مِنكم، أوْ إلّا أتْباعًا قَلِيلًا مِنكم، وقِيلَ: المَعْنى: أذاعُوا بِهِ إلّا قَلِيلًا مِنهم فَإنَّهُ لَمْ يُذِعْ ولَمْ يُفْشِ، قالَهُ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدَةَ وأبُو حاتِمٍ وابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ المَعْنى: لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم، قالَهُ الزَّجّاجُ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿ولَوْ كانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا﴾ يَقُولُ: إنَّ قَوْلَ اللَّهِ لا يَخْتَلِفُ وهو حَقٌّ لَيْسَ فِيهِ باطِلٌ، وإنَّ قَوْلَ النّاسِ يَخْتَلِفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ ومُسْلِمٌ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَمّا اعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَوَجَدْتُ النّاسَ يَنْكُتُونَ بِالحَصا ويَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نِساءَهُ، فَقُمْتُ عَلى بابِ المَسْجِدِ فَنادَيْتُ بِأعْلى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ نِساءَهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ ولَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمْرِ مِنهم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنهم﴾ فَكُنْتُ أنا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأمْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ، قالَ: هَذا في الإخْبارِ إذا غَزَتْ سَرِيَّةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أخْبَرَ النّاسُ عَنْها، فَقالُوا: أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ كَذا وكَذا، وأصابَ العَدُوُّ مِنَ المُسْلِمِينَ كَذا وكَذا، فَأفْشَوْهُ بَيْنَهم مِن غَيْرِ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هو يُخْبِرُهم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ وإذا جاءَهم قالَ: هم أهْلُ النِّفاقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مُعاذٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ﴾ قالَ: فانْقَطَعَ الكَلامُ. وقَوْلُهُ: إلّا قَلِيلًا فَهو في أوَّلِ الآيَةِ يُخْبِرُ عَنِ المُنافِقِينَ: قالَ: وإذا جاءَهم أمْرٌ مِنَ الأمْنِ أوِ الخَوْفِ أذاعُوا بِهِ يَعْنِي: بِالقَلِيلِ المُؤْمِنِينَ.

النساء 4:86

الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلْ﴾ قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤] إلَخْ؛ أيْ: مِن أجْلِ هَذا فَقاتِلْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] فَقاتِلْ، وقِيلَ: هي جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: إذا كانَ الأمْرُ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ فَقاتِلْ، أوْ إذا أفْرَدُوكَ وتَرَكُوكَ فَقاتِلْ. قالَ الزَّجّاجُ: أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالجِهادِ وإنْ قاتَلَ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ظاهِرُ اللَّفْظِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في خَبَرٍ قَطُّ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلَيْهِ دُونَ الأُمَّةِ، فالمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: أنَّهُ خِطابٌ لَهُ في اللَّفْظِ، وفي المَعْنى لَهُ ولِأُمَّتِهِ؛ أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ يُقالُ لَهُ ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾ أيْ: لا تُكَلَّفُ غَيْرَ نَفْسِكَ ولا تُلْزَمُ فِعْلَ غَيْرِكَ، وهو اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ اخْتِصاصَ تَكْلِيفِهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ مِن مُوجِباتِ مُباشَرَتِهِ لِلْقِتالِ وحْدَهُ، وقُرِئَ ( لا تُكَلَّفْ ) بِالجَزْمِ عَلى النَّهْيِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: حُضَّهم عَلى القِتالِ والجِهادِ، يُقالُ: حَرَّضْتُ فُلانًا عَلى كَذا: إذا أمَرْتَهُ بِهِ، وحارَضَ فُلانٌ عَلى الأمْرِ وأكَبَّ عَلَيْهِ وواظَبَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ إطْماعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَفِّ بَأْسِ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنْهم، والإطْماعُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واجِبٌ، فَهو وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ أيْ: أشَدُّ صَوْلَةً وأعْظَمُ سُلْطانًا ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أيْ: عُقُوبَةً، يُقالُ: نَكَّلْتُ بِالرَّجُلِ تَنْكِيلًا مِنَ النَّكالِ وهو العَذابُ. والمُنَكِّلُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُنَكِّلُ بِالإنْسانِ. ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ أصْلُ الشَّفاعَةِ والشُّفْعَةِ ونَحْوِهِما مِنَ الشَّفْعِ وهو الزَّوْجُ، ومِنهُ الشَّفِيعُ لِأنَّهُ يَصِيرُ مَعَ صاحِبِ الحاجَةِ شَفْعًا، ومِنهُ ناقَةٌ شَفُوعٌ: إذا جَمَعَتْ بَيْنَ مِحْلَبَيْنِ في حَلْبَةٍ واحِدَةٍ، وناقَةٌ شَفِيعٌ: إذا اجْتَمَعَ لَها حَمْلٌ ووَلَدٌ يَتْبَعُها. والشَّفْعُ: ضَمُّ واحِدٍ إلى واحِدٍ. والشُّفْعَةُ: ضَمُّ مِلْكِ الشَّرِيكِ إلى مِلْكِهِ، فالشَّفاعَةُ: ضَمُّ غَيْرِكَ إلى جاهِكَ ووَسِيلَتِكَ، فَهي عَلى التَّحْقِيقِ إظْهارٌ لِمَنزِلَةِ الشَّفِيعِ عِنْدَ المُشَفَّعِ، واتِّصالُ مَنفَعَةٍ إلى المَشْفُوعِ لَهُ. والشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطّاعَةِ. والشَّفاعَةُ السَّيِّئَةُ في المَعاصِي، فَمَن شَفَعَ في الخَيْرِ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ مِنها، أيْ: مِن أجْرِها، ومَن شَفَعَ في الشَّرِّ كَمَن يَسْعى بِالنَّمِيمَةِ والغِيبَةِ كانَ لَهُ كِفْلٌ مِنها، أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها. والكِفْلُ: الوِزْرُ والإثْمُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الكِساءِ الَّذِي يَجْعَلُهُ الرّاكِبُ عَلى سَنامِ البَعِيرِ لِئَلّا يَسْقُطَ، يُقالُ: اكْتَفَلْتُ البَعِيرَ، إذا أدْرَكْتَ عَلى سَنامِهِ كِساءً ورَكِبْتَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلِ الظَّهْرَ كُلَّهُ بَلِ اسْتَعْمَلَ نَصِيبًا مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَّصِيبِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (p-٣١٦)أيْ: مُقْتَدِرًا، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: المَقِيتُ الَّذِي يُعْطِي كُلَّ إنْسانٍ قُوتَهُ، يُقالُ: قُتُّهُ أقُوتُهُ قُوتًا، وأقَتُّهُ أُقِيتُهُ إقاتَةً، فَأنا قائِتٌ ومُقِيتٌ، وحَكى الكِسائِيُّ أقاتَ يُقِيتُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُقِيتُ الحافِظُ. قالَ النَّحّاسُ: وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، والقُوتُ مَعْناهُ: مِقْدارُ ما يَحْفَظُ الإنْسانَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: المُقِيتُ: المُقْتَدِرُ. والمَقِيتُ: الحافِظُ والشّاهِدُ. وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى. قَوْلُهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِن حَيَيْتُ، والأصْلُ تَحْيِيَةٌ مِثْلَ تَرْضِيَةٍ وتَسْمِيَةٍ فَأدْغَمُوا الياءَ في الياءِ، وأصْلُها الدُّعاءُ بِالحَياةِ. والتَّحِيَّةُ: السَّلامُ، وهَذا المَعْنى هو المُرادُ هُنا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِالتَّحِيَّةِ هُنا تَشْمِيتُ العاطِسِ. وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ، التَّحْتِيَّةُ هُنا الهَدِيَّةُ لِقَوْلِهِ: أوْ " رُدُّوها " ولا يُمْكِنُ رَدُّ السَّلامِ بِعَيْنِهِ، وهَذا فاسِدٌ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ أنْ يَزِيدَ في الجَوابِ عَلى ما قالَهُ المُبْتَدِئُ بِالتَّحْتِيَّةِ، فَإذا قالَ المُبْتَدِئُ: السَّلامُ عَلَيْكم، قالَ المُجِيبُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، وإذا زادَ المُبْتَدِئُ لَفْظًا زادَ المُجِيبُ عَلى جُمْلَةِ ما جاءَ بِهِ المُبْتَدِئُ لَفْظًا أوْ ألْفاظًا نَحْوَ: وبَرَكاتُهُ ومَرْضاتُهُ وتَحِيّاتُهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَّلامِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيها، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ واخْتَلَفُوا إذا رَدَّ واحِدٌ مِن جَماعَةٍ هَلْ يُجْزِئُ أوْ لا ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ إلى الإجْزاءِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ لا يُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يُجْزِئُ مِنَ الجَماعَةِ إذا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهم، ويُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهم» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، وفي إسْنادِهِ سَعِيدُ بْنُ خالِدٍ الخُزاعِيُّ المَدَنِيُّ ولَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهم. وقَدْ حَسَّنَ الحَدِيثَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ومَعْنى قَوْلِهِ: أوْ رَدُّوها الِاقْتِصارُ عَلى مِثْلِ اللَّفْظِ الَّذِي جاءَ بِهِ المُبْتَدِئُ، فَإذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم، قالَ المُجِيبُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ. وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ في تَعْيِينِ مَن يَبْتَدِئُ بِالسَّلامِ ومَن يَسْتَحِقُّ التَّحِيَّةَ ومَن لا يَسْتَحِقُّها ما يُغْنِي عَنِ البَسْطِ هاهُنا. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يُحاسِبُكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ حَفِيظًا، وقِيلَ: كافِيًا مِن قَوْلِهِمْ أحْسَبَنِي كَذا؛ أيْ: كَفانِي، ومِثْلُهُ ( ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ) [الأنفال: ٦٤] . قَوْلُهُ: " اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو " مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ: " لَيَجْمَعَنَّكم " جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكُمُ اللَّهُ بِالحَشْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ أيْ: إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: إلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ. والمَعْنى: لَيَجْمَعَنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ، ويَوْمُ القِيامَةِ يَوْمُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ في الجَمْعِ؛ أيْ: جَمْعًا لا رَيْبَ فِيهِ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنهُ سُبْحانَهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ومَن أزْدَقُ بِالزّايِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالصّادِ، والصّادُ الأصْلُ. وقَدْ تُبْدَلُ زايًا لِقُرْبِ مَخْرَجِها مِنها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي سِنانٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: عِظْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: شَفاعَةُ النّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ قالَ: حَظٌّ مِنها. وقَوْلِهِ: ﴿كِفْلٌ مِنها﴾ قالَ: الكِفْلُ هو الإثْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الكِفْلُ الحَظُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قالَ: يُقِيتُ كُلَّ إنْسانٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ. وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقِيتًا﴾ قالَ: شَهِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿مُقِيتًا﴾ قالَ: شَهِيدًا حَسِيبًا حَفِيظًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقِيتًا﴾ قالَ: قادِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المَقِيتُ القَدِيرُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: المُقِيتُ: الرَّزّاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فارْدُدْ عَلَيْهِ وإنْ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا أوْ مَجُوسِيًّا، ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: وعَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ أتى آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ: وعَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ لَهُ: وعَلَيْكَ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي أتاكَ فُلانٌ وفُلانٌ فَسَلَّما عَلَيْكَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِما أكْثَرَ مِمّا رَدَدْتَ عَلَيَّ ؟ فَقالَ: إنَّكَ لَمْ تَدَعْ لَنا شَيْئًا، قالَ اللَّهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ فَرَدَدْناها عَلَيْكَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو في مَجْلِسٍ فَقالَ: سَلامٌ عَلَيْكم، فَقالَ: عَشْرُ حَسَناتٍ، فَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ: عِشْرُونَ حَسَنَةً، فَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ: ثَلاثُونَ حَسَنَةً» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ (p-٣١٧)البَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وزادَ بَعْدَ كُلِّ مَرَّةٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: عَشْرٌ إلى آخِرِهِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ وبَرَكاتُهُ: ومَغْفِرَتَهُ، فَقالَ: أرْبَعُونَ، يَعْنِي حَسَنَةً.

النساء 4:87

الفاءُ في قَوْلِهِ: ﴿فَقاتِلْ﴾ قِيلَ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يُقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٤] إلَخْ؛ أيْ: مِن أجْلِ هَذا فَقاتِلْ، وقِيلَ: مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وما لَكم لا تُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٥] فَقاتِلْ، وقِيلَ: هي جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ تَقْدِيرُهُ: إذا كانَ الأمْرُ ما ذُكِرَ مِن عَدَمِ طاعَةِ المُنافِقِينَ فَقاتِلْ، أوْ إذا أفْرَدُوكَ وتَرَكُوكَ فَقاتِلْ. قالَ الزَّجّاجُ: أمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالجِهادِ وإنْ قاتَلَ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ النَّصْرَ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا ظاهِرُ اللَّفْظِ، إلّا أنَّهُ لَمْ يَجِئْ في خَبَرٍ قَطُّ أنَّ القِتالَ فُرِضَ عَلَيْهِ دُونَ الأُمَّةِ، فالمَعْنى واللَّهُ أعْلَمُ: أنَّهُ خِطابٌ لَهُ في اللَّفْظِ، وفي المَعْنى لَهُ ولِأُمَّتِهِ؛ أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ وكُلُّ واحِدٍ مِن أُمَّتِكَ يُقالُ لَهُ ﴿فَقاتِلْ في سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إلّا نَفْسَكَ﴾ أيْ: لا تُكَلَّفُ غَيْرَ نَفْسِكَ ولا تُلْزَمُ فِعْلَ غَيْرِكَ، وهو اسْتِئْنافٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ؛ لِأنَّ اخْتِصاصَ تَكْلِيفِهِ بِفِعْلِ نَفْسِهِ مِن مُوجِباتِ مُباشَرَتِهِ لِلْقِتالِ وحْدَهُ، وقُرِئَ ( لا تُكَلَّفْ ) بِالجَزْمِ عَلى النَّهْيِ، وقُرِئَ بِالنُّونِ. قَوْلُهُ: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: حُضَّهم عَلى القِتالِ والجِهادِ، يُقالُ: حَرَّضْتُ فُلانًا عَلى كَذا: إذا أمَرْتَهُ بِهِ، وحارَضَ فُلانٌ عَلى الأمْرِ وأكَبَّ عَلَيْهِ وواظَبَ عَلَيْهِ بِمَعْنًى واحِدٍ. قَوْلُهُ: ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فِيهِ إطْماعٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَفِّ بَأْسِ الَّذِينَ كَفَّرُوا عَنْهم، والإطْماعُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ واجِبٌ، فَهو وعْدٌ مِنهُ سُبْحانَهُ، ووَعْدُهُ كائِنٌ لا مَحالَةَ ﴿واللَّهُ أشَدُّ بَأْسًا﴾ أيْ: أشَدُّ صَوْلَةً وأعْظَمُ سُلْطانًا ﴿وأشَدُّ تَنْكِيلًا﴾ أيْ: عُقُوبَةً، يُقالُ: نَكَّلْتُ بِالرَّجُلِ تَنْكِيلًا مِنَ النَّكالِ وهو العَذابُ. والمُنَكِّلُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُنَكِّلُ بِالإنْسانِ. ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ أصْلُ الشَّفاعَةِ والشُّفْعَةِ ونَحْوِهِما مِنَ الشَّفْعِ وهو الزَّوْجُ، ومِنهُ الشَّفِيعُ لِأنَّهُ يَصِيرُ مَعَ صاحِبِ الحاجَةِ شَفْعًا، ومِنهُ ناقَةٌ شَفُوعٌ: إذا جَمَعَتْ بَيْنَ مِحْلَبَيْنِ في حَلْبَةٍ واحِدَةٍ، وناقَةٌ شَفِيعٌ: إذا اجْتَمَعَ لَها حَمْلٌ ووَلَدٌ يَتْبَعُها. والشَّفْعُ: ضَمُّ واحِدٍ إلى واحِدٍ. والشُّفْعَةُ: ضَمُّ مِلْكِ الشَّرِيكِ إلى مِلْكِهِ، فالشَّفاعَةُ: ضَمُّ غَيْرِكَ إلى جاهِكَ ووَسِيلَتِكَ، فَهي عَلى التَّحْقِيقِ إظْهارٌ لِمَنزِلَةِ الشَّفِيعِ عِنْدَ المُشَفَّعِ، واتِّصالُ مَنفَعَةٍ إلى المَشْفُوعِ لَهُ. والشَّفاعَةُ الحَسَنَةُ هي في البِرِّ والطّاعَةِ. والشَّفاعَةُ السَّيِّئَةُ في المَعاصِي، فَمَن شَفَعَ في الخَيْرِ لِيَنْفَعَ فَلَهُ نَصِيبٌ مِنها، أيْ: مِن أجْرِها، ومَن شَفَعَ في الشَّرِّ كَمَن يَسْعى بِالنَّمِيمَةِ والغِيبَةِ كانَ لَهُ كِفْلٌ مِنها، أيْ: نَصِيبٌ مِن وِزْرِها. والكِفْلُ: الوِزْرُ والإثْمُ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الكِساءِ الَّذِي يَجْعَلُهُ الرّاكِبُ عَلى سَنامِ البَعِيرِ لِئَلّا يَسْقُطَ، يُقالُ: اكْتَفَلْتُ البَعِيرَ، إذا أدْرَكْتَ عَلى سَنامِهِ كِساءً ورَكِبْتَ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْتَعْمِلِ الظَّهْرَ كُلَّهُ بَلِ اسْتَعْمَلَ نَصِيبًا مِنهُ، ويُسْتَعْمَلُ في النَّصِيبِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ. ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في الخَيْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُؤْتِكم كِفْلَيْنِ مِن رَحْمَتِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ (p-٣١٦)أيْ: مُقْتَدِرًا، قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: المَقِيتُ الَّذِي يُعْطِي كُلَّ إنْسانٍ قُوتَهُ، يُقالُ: قُتُّهُ أقُوتُهُ قُوتًا، وأقَتُّهُ أُقِيتُهُ إقاتَةً، فَأنا قائِتٌ ومُقِيتٌ، وحَكى الكِسائِيُّ أقاتَ يُقِيتُ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: المُقِيتُ الحافِظُ. قالَ النَّحّاسُ: وقَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ أوْلى؛ لِأنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ القُوتِ، والقُوتُ مَعْناهُ: مِقْدارُ ما يَحْفَظُ الإنْسانَ. وقالَ ابْنُ فارِسٍ في المُجْمَلِ: المُقِيتُ: المُقْتَدِرُ. والمَقِيتُ: الحافِظُ والشّاهِدُ. وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ألِيَ الفَضْلُ أمْ عَلَيَّ إذا حُو سِبْتُ إنِّي عَلى الحِسابِ مُقِيتُ فَقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: إنَّهُ مِن غَيْرِ هَذا المَعْنى. قَوْلُهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِن حَيَيْتُ، والأصْلُ تَحْيِيَةٌ مِثْلَ تَرْضِيَةٍ وتَسْمِيَةٍ فَأدْغَمُوا الياءَ في الياءِ، وأصْلُها الدُّعاءُ بِالحَياةِ. والتَّحِيَّةُ: السَّلامُ، وهَذا المَعْنى هو المُرادُ هُنا، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ [المجادلة: ٨] وإلى هَذا ذَهَبَ جَماعَةُ المُفَسِّرِينَ، ورُوِيَ عَنْ مالِكٍ أنَّ المُرادَ بِالتَّحِيَّةِ هُنا تَشْمِيتُ العاطِسِ. وقالَ أصْحابُ أبِي حَنِيفَةَ، التَّحْتِيَّةُ هُنا الهَدِيَّةُ لِقَوْلِهِ: أوْ " رُدُّوها " ولا يُمْكِنُ رَدُّ السَّلامِ بِعَيْنِهِ، وهَذا فاسِدٌ لا يَنْبَغِي الِالتِفاتُ إلَيْهِ. والمُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ أنْ يَزِيدَ في الجَوابِ عَلى ما قالَهُ المُبْتَدِئُ بِالتَّحْتِيَّةِ، فَإذا قالَ المُبْتَدِئُ: السَّلامُ عَلَيْكم، قالَ المُجِيبُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ، وإذا زادَ المُبْتَدِئُ لَفْظًا زادَ المُجِيبُ عَلى جُمْلَةِ ما جاءَ بِهِ المُبْتَدِئُ لَفْظًا أوْ ألْفاظًا نَحْوَ: وبَرَكاتُهُ ومَرْضاتُهُ وتَحِيّاتُهُ. قالَ القُرْطُبِيُّ: أجْمَعَ العُلَماءُ عَلى أنَّ الِابْتِداءَ بِالسَّلامِ سُنَّةٌ مُرَغَّبٌ فِيها، ورَدَّهُ فَرِيضَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ واخْتَلَفُوا إذا رَدَّ واحِدٌ مِن جَماعَةٍ هَلْ يُجْزِئُ أوْ لا ؟ فَذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ إلى الإجْزاءِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّهُ لا يُجْزِئُ عَنْ غَيْرِهِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ حَدِيثُ عَلِيٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يُجْزِئُ مِنَ الجَماعَةِ إذا مَرُّوا أنْ يُسَلِّمَ أحَدُهم، ويُجْزِئُ عَنِ الجُلُوسِ أنْ يَرُدَّ أحَدُهم» أخْرَجَهُ أبُو داوُدَ، وفي إسْنادِهِ سَعِيدُ بْنُ خالِدٍ الخُزاعِيُّ المَدَنِيُّ ولَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وقَدْ ضَعَّفَهُ بَعْضُهم. وقَدْ حَسَّنَ الحَدِيثَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ. ومَعْنى قَوْلِهِ: أوْ رَدُّوها الِاقْتِصارُ عَلى مِثْلِ اللَّفْظِ الَّذِي جاءَ بِهِ المُبْتَدِئُ، فَإذا قالَ: السَّلامُ عَلَيْكم، قالَ المُجِيبُ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ. وقَدْ ورَدَ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ في تَعْيِينِ مَن يَبْتَدِئُ بِالسَّلامِ ومَن يَسْتَحِقُّ التَّحِيَّةَ ومَن لا يَسْتَحِقُّها ما يُغْنِي عَنِ البَسْطِ هاهُنا. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا﴾ يُحاسِبُكم عَلى كُلِّ شَيْءٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ حَفِيظًا، وقِيلَ: كافِيًا مِن قَوْلِهِمْ أحْسَبَنِي كَذا؛ أيْ: كَفانِي، ومِثْلُهُ ( ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ) [الأنفال: ٦٤] . قَوْلُهُ: " اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو " مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ: " لَيَجْمَعَنَّكم " جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واللَّهِ لَيَجْمَعَنَّكُمُ اللَّهُ بِالحَشْرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؛ أيْ: إلى حِسابِ يَوْمِ القِيامَةِ، وقِيلَ: إلى بِمَعْنى في، وقِيلَ: إنَّها زائِدَةٌ. والمَعْنى: لَيَجْمَعَنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ، ويَوْمُ القِيامَةِ يَوْمُ القِيامِ مِنَ القُبُورِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أيْ: في يَوْمِ القِيامَةِ، أوْ في الجَمْعِ؛ أيْ: جَمْعًا لا رَيْبَ فِيهِ ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ إنْكارٌ لِأنْ يَكُونَ أحَدٌ أصْدَقَ مِنهُ سُبْحانَهُ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ومَن أزْدَقُ بِالزّايِ. وقَرَأ الباقُونَ بِالصّادِ، والصّادُ الأصْلُ. وقَدْ تُبْدَلُ زايًا لِقُرْبِ مَخْرَجِها مِنها. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي سِنانٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: عِظْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: شَفاعَةُ النّاسِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنها﴾ قالَ: حَظٌّ مِنها. وقَوْلِهِ: ﴿كِفْلٌ مِنها﴾ قالَ: الكِفْلُ هو الإثْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الكِفْلُ الحَظُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا﴾ قالَ: يُقِيتُ كُلَّ إنْسانٍ بِقَدْرِ عَمَلِهِ. وفي إسْنادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقِيتًا﴾ قالَ: شَهِيدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ ﴿مُقِيتًا﴾ قالَ: شَهِيدًا حَسِيبًا حَفِيظًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقِيتًا﴾ قالَ: قادِرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: المَقِيتُ القَدِيرُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ زَيْدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: المُقِيتُ: الرَّزّاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن سَلَّمَ عَلَيْكَ مِن خَلْقِ اللَّهِ فارْدُدْ عَلَيْهِ وإنْ كانَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا أوْ مَجُوسِيًّا، ذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في الزُّهْدِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: وعَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ، ثُمَّ أتى آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ: وعَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ لَهُ: وعَلَيْكَ، فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي أتاكَ فُلانٌ وفُلانٌ فَسَلَّما عَلَيْكَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِما أكْثَرَ مِمّا رَدَدْتَ عَلَيَّ ؟ فَقالَ: إنَّكَ لَمْ تَدَعْ لَنا شَيْئًا، قالَ اللَّهُ: ﴿وإذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها أوْ رُدُّوها﴾ فَرَدَدْناها عَلَيْكَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَجُلًا مَرَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو في مَجْلِسٍ فَقالَ: سَلامٌ عَلَيْكم، فَقالَ: عَشْرُ حَسَناتٍ، فَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَقالَ: عِشْرُونَ حَسَنَةً، فَمَرَّ رَجُلٌ آخَرُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَقالَ: ثَلاثُونَ حَسَنَةً» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. وأخْرَجَ (p-٣١٧)البَيْهَقِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والدّارِمِيُّ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ أيْضًا، وزادَ بَعْدَ كُلِّ مَرَّةٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ رَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: عَشْرٌ إلى آخِرِهِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيِّ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ، وزادَ بَعْدَ قَوْلِهِ وبَرَكاتُهُ: ومَغْفِرَتَهُ، فَقالَ: أرْبَعُونَ، يَعْنِي حَسَنَةً.

النساء 4:88

الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( ما لَكم ) لِلْإنْكارِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. والمَعْنى؛ أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم في المُنافِقِينَ أيْ: في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ حالَ كَوْنِكم فِئَتَيْنِ في ذَلِكَ. وحاصِلُهُ الإنْكارُ عَلى المُخاطَبِينَ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يُوجِبُ اخْتِلافَهم في شَأْنِ المُنافِقِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ فِئَتَيْنِ، فَقالَ الأخْفَشُ والبَصْرِيُّونَ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا. وقالَ الكُوفِيُّونَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ، وهي مُضْمَرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما لَكَمْ في المُنافِقِينَ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما سَيَأْتِي وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ بِما كَسَبُوا، وحَكى الفَرّاءُ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسائِيُّ أرْكَسَهم ورَكَسَهم؛ أيْ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ ونَكَسَهم، فالرَّكْسُ والنَّكْسُ: قَلْبُ الشَّيْءِ عَلى رَأْسِهِ، أوْ رَدُّ أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، والمَنكُوسُ المَرْكُوسُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ( واللَّهُ رَكَسَهم ) ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ؎: أُرْكِسُوا في فِئَةٍ مُظْلِمَةٍ كَسَوادِ اللَّيْلِ يَتْلُوها فِتَنْ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أرْكَسَهم بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وهو لُحُوقُهم بِدارِ الكُفْرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا تُنْجِعُ فِيهِ هِدايَةُ البِشْرِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وإيضاحَ أنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَكْفُرَ المُؤْمِنُونَ كَما كَفَرُوا، ويَتَمَنَّوْا ذَلِكَ عِنادًا وغُلُوًّا في الكُفْرِ وتَمادِيًا في الضَّلالِ، فالكافُ في قَوْلِهِ: ( كَما ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: كُفْرًا مِثْلَ كَفْرِهِمْ، أوْ حالٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ: ( ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: تَكْفُرُونَ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: ودُّوا كُفْرَكم كَكُفْرِهِمْ، ووَدُّوا مُساواتَكم لَهم. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُؤْمِنُوا ويُحَقِّقُوا إيمانَهم بِالهِجْرَةِ، فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ فَخُذُوهم إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحِلِّ والحَرَمِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا﴾ تُوالُونَهُ ولا نَصِيرًا تَسْتَنْصِرُونَ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ هو مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: فَخُذُوهم واقْتُلُوهم أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ بِالجِوارِ والحِلْفِ فَلا تَقْتُلُوهم لِما بَيْنَهم وبَيْنَ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ ومِيثاقٌ، فَإنَّ العَهْدَ يَشْمَلُهم. هَذا أصَحُّ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: الِاتِّصالُ هُنا هو اتِّصالُ النَّسَبِ. والمَعْنى: إلّا الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ لا يَمْنَعُ مِنَ القِتالِ بِالإجْماعِ، فَقَدْ كانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ أنْسابٌ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ القِتالِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ، فَقِيلَ: هم قُرَيْشٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قُرَيْشٍ هم بَنُو مُدْلِجٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَهْدٌ، وقِيلَ: خُزاعَةُ، وقِيلَ: بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " يَصِلُونَ " داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ والَّذِينَ جاءُوكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِفَةِ قَوْمٍ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم؛ أيْ: ضاقَتْ صُدُورُهم عَنِ القِتالِ فَأمْسَكُوا عَنْهُ، والحَصْرُ: الضِّيقُ والِانْقِباضُ. قالَ الفَرّاءُ: وهو - أيْ حَصِرَتْ صُدُورُهم - حالٌ مِنَ المُضْمَرِ المَرْفُوعِ في جاءُوكم كَما تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ: قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ جاءُوكم، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: حَصِرَتْ صُدُورُهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ حَصِرَتْ بَدَلًا مِن جاءُوكم، وقِيلَ: حَصِرَتْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى النَّعْتِ لِقَوْمٍ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: أوْ جاءُوكم رِجالٌ أوْ قَوْمٌ حَصِرَتْ صُدُورُهم. وقَرَأ الحَسَنُ ( أوْ جاءُوكم حَصِرَةً صُدُورُهم ) نَصْبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ حَصِراتٍ وحاصِراتٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: حَصِرَتْ صُدُورُهم هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ كَما تَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ الكافِرَ، وضَعَّفَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: حَصِرَتْ صُدُورُهم أيْ: حَصِرَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِكم والقِتالِ مَعَكم (p-٣١٨)لِقَوْمِهِمْ، فَضاقَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِ الطّائِفَتَيْنِ وكَرِهُوا ذَلِكَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ ابْتِلاءً مِنهُ لَكم واخْتِبارًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكم﴾ [محمد: ٣١] أوْ تَمْحِيصًا لَكم أوْ عُقُوبَةً بِذُنُوبِكم، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: فَلَقاتَلُوكم جَوابُ لَوْ عَلى تَكْرِيرِ الجَوابِ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم ولَقاتَلُوكم، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِقِتالِكم ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيِ: اسْتَسْلَمُوا لَكم وانْقادُوا ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا، فَلا يَحِلُّ لَكم قَتْلُهم ولا أسْرُهم ولا نَهْبُ أمْوالِهِمْ، فَهَذا الِاسْتِسْلامُ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ ويُحَرِّمُهُ. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم﴾ فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ ويُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ الكُفْرَ لِيَأْمَنُوا مِن كِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ تِهامَةَ طَلَبُوا الأمانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِيَأْمَنُوا عِنْدَهُ وعِنْدَ قَوْمِهِمْ، وقِيلَ: هي في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كانَ يَأْمَنُ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: في أسَدٍ وغَطَفانَ ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ دَعاهم قَوْمُهم إلَيْها وطَلَبُوا مِنهم قِتالَ المُسْلِمِينَ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ: قُلِبُوا فِيها فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقاتَلُوا المُسْلِمِينَ، ومَعْنى الِارْتِكاسِ الِانْتِكاسُ، ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ يَعْنِي: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: يَسْتَسْلِمُونَ لَكم ويَدْخُلُونَ في عَهْدِكم وصُلْحِكم ويَنْسَلِخُونَ عَنْ قَوْمِهِمْ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنْ قِتالِكم ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وتَمَكَّنْتُمْ مِنهم ﴿وأُولَئِكُمْ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً تَتَسَلَّطُونَ بِها عَلَيْهِمْ وتَقْهَرُونَهم بِها بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ وما في صُدُورِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ، وارْتِكاسِهِمْ في الفِتْنَةِ بِأيْسَرِ عَمَلٍ وأقَلِّ سَعْيٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَرَجَ إلى أُحُدٍ، فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ نَقْتُلُهم وفِرْقَةٌ تَقُولُ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيَةَ كُلَّها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّها طَيِّبَةٌ وإنَّها تَنْفِي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ» . هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم﴾ يَقُولُ: أوْقَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: رَدَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وفي بَنِي خُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهم﴾ يَقُولُ: ضاقَتْ صُدُورُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ قالَ: الصُّلْحَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُسَلِّمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا هاهُنا وهاهُنا، فَأُمِرَ بِقِتالِهِمْ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا ويُصالِحُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم ناسٌ كانُوا بِتِهامَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ.

النساء 4:89

الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( ما لَكم ) لِلْإنْكارِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. والمَعْنى؛ أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم في المُنافِقِينَ أيْ: في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ حالَ كَوْنِكم فِئَتَيْنِ في ذَلِكَ. وحاصِلُهُ الإنْكارُ عَلى المُخاطَبِينَ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يُوجِبُ اخْتِلافَهم في شَأْنِ المُنافِقِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ فِئَتَيْنِ، فَقالَ الأخْفَشُ والبَصْرِيُّونَ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا. وقالَ الكُوفِيُّونَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ، وهي مُضْمَرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما لَكَمْ في المُنافِقِينَ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما سَيَأْتِي وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ بِما كَسَبُوا، وحَكى الفَرّاءُ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسائِيُّ أرْكَسَهم ورَكَسَهم؛ أيْ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ ونَكَسَهم، فالرَّكْسُ والنَّكْسُ: قَلْبُ الشَّيْءِ عَلى رَأْسِهِ، أوْ رَدُّ أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، والمَنكُوسُ المَرْكُوسُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ( واللَّهُ رَكَسَهم ) ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ؎: أُرْكِسُوا في فِئَةٍ مُظْلِمَةٍ كَسَوادِ اللَّيْلِ يَتْلُوها فِتَنْ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أرْكَسَهم بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وهو لُحُوقُهم بِدارِ الكُفْرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا تُنْجِعُ فِيهِ هِدايَةُ البِشْرِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وإيضاحَ أنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَكْفُرَ المُؤْمِنُونَ كَما كَفَرُوا، ويَتَمَنَّوْا ذَلِكَ عِنادًا وغُلُوًّا في الكُفْرِ وتَمادِيًا في الضَّلالِ، فالكافُ في قَوْلِهِ: ( كَما ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: كُفْرًا مِثْلَ كَفْرِهِمْ، أوْ حالٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ: ( ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: تَكْفُرُونَ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: ودُّوا كُفْرَكم كَكُفْرِهِمْ، ووَدُّوا مُساواتَكم لَهم. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُؤْمِنُوا ويُحَقِّقُوا إيمانَهم بِالهِجْرَةِ، فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ فَخُذُوهم إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحِلِّ والحَرَمِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا﴾ تُوالُونَهُ ولا نَصِيرًا تَسْتَنْصِرُونَ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ هو مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: فَخُذُوهم واقْتُلُوهم أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ بِالجِوارِ والحِلْفِ فَلا تَقْتُلُوهم لِما بَيْنَهم وبَيْنَ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ ومِيثاقٌ، فَإنَّ العَهْدَ يَشْمَلُهم. هَذا أصَحُّ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: الِاتِّصالُ هُنا هو اتِّصالُ النَّسَبِ. والمَعْنى: إلّا الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ لا يَمْنَعُ مِنَ القِتالِ بِالإجْماعِ، فَقَدْ كانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ أنْسابٌ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ القِتالِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ، فَقِيلَ: هم قُرَيْشٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قُرَيْشٍ هم بَنُو مُدْلِجٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَهْدٌ، وقِيلَ: خُزاعَةُ، وقِيلَ: بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " يَصِلُونَ " داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ والَّذِينَ جاءُوكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِفَةِ قَوْمٍ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم؛ أيْ: ضاقَتْ صُدُورُهم عَنِ القِتالِ فَأمْسَكُوا عَنْهُ، والحَصْرُ: الضِّيقُ والِانْقِباضُ. قالَ الفَرّاءُ: وهو - أيْ حَصِرَتْ صُدُورُهم - حالٌ مِنَ المُضْمَرِ المَرْفُوعِ في جاءُوكم كَما تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ: قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ جاءُوكم، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: حَصِرَتْ صُدُورُهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ حَصِرَتْ بَدَلًا مِن جاءُوكم، وقِيلَ: حَصِرَتْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى النَّعْتِ لِقَوْمٍ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: أوْ جاءُوكم رِجالٌ أوْ قَوْمٌ حَصِرَتْ صُدُورُهم. وقَرَأ الحَسَنُ ( أوْ جاءُوكم حَصِرَةً صُدُورُهم ) نَصْبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ حَصِراتٍ وحاصِراتٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: حَصِرَتْ صُدُورُهم هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ كَما تَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ الكافِرَ، وضَعَّفَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: حَصِرَتْ صُدُورُهم أيْ: حَصِرَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِكم والقِتالِ مَعَكم (p-٣١٨)لِقَوْمِهِمْ، فَضاقَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِ الطّائِفَتَيْنِ وكَرِهُوا ذَلِكَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ ابْتِلاءً مِنهُ لَكم واخْتِبارًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكم﴾ [محمد: ٣١] أوْ تَمْحِيصًا لَكم أوْ عُقُوبَةً بِذُنُوبِكم، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: فَلَقاتَلُوكم جَوابُ لَوْ عَلى تَكْرِيرِ الجَوابِ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم ولَقاتَلُوكم، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِقِتالِكم ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيِ: اسْتَسْلَمُوا لَكم وانْقادُوا ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا، فَلا يَحِلُّ لَكم قَتْلُهم ولا أسْرُهم ولا نَهْبُ أمْوالِهِمْ، فَهَذا الِاسْتِسْلامُ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ ويُحَرِّمُهُ. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم﴾ فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ ويُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ الكُفْرَ لِيَأْمَنُوا مِن كِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ تِهامَةَ طَلَبُوا الأمانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِيَأْمَنُوا عِنْدَهُ وعِنْدَ قَوْمِهِمْ، وقِيلَ: هي في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كانَ يَأْمَنُ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: في أسَدٍ وغَطَفانَ ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ دَعاهم قَوْمُهم إلَيْها وطَلَبُوا مِنهم قِتالَ المُسْلِمِينَ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ: قُلِبُوا فِيها فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقاتَلُوا المُسْلِمِينَ، ومَعْنى الِارْتِكاسِ الِانْتِكاسُ، ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ يَعْنِي: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: يَسْتَسْلِمُونَ لَكم ويَدْخُلُونَ في عَهْدِكم وصُلْحِكم ويَنْسَلِخُونَ عَنْ قَوْمِهِمْ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنْ قِتالِكم ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وتَمَكَّنْتُمْ مِنهم ﴿وأُولَئِكُمْ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً تَتَسَلَّطُونَ بِها عَلَيْهِمْ وتَقْهَرُونَهم بِها بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ وما في صُدُورِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ، وارْتِكاسِهِمْ في الفِتْنَةِ بِأيْسَرِ عَمَلٍ وأقَلِّ سَعْيٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَرَجَ إلى أُحُدٍ، فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ نَقْتُلُهم وفِرْقَةٌ تَقُولُ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيَةَ كُلَّها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّها طَيِّبَةٌ وإنَّها تَنْفِي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ» . هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم﴾ يَقُولُ: أوْقَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: رَدَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وفي بَنِي خُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهم﴾ يَقُولُ: ضاقَتْ صُدُورُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ قالَ: الصُّلْحَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُسَلِّمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا هاهُنا وهاهُنا، فَأُمِرَ بِقِتالِهِمْ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا ويُصالِحُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم ناسٌ كانُوا بِتِهامَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ.

النساء 4:90

الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( ما لَكم ) لِلْإنْكارِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. والمَعْنى؛ أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم في المُنافِقِينَ أيْ: في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ حالَ كَوْنِكم فِئَتَيْنِ في ذَلِكَ. وحاصِلُهُ الإنْكارُ عَلى المُخاطَبِينَ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يُوجِبُ اخْتِلافَهم في شَأْنِ المُنافِقِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ فِئَتَيْنِ، فَقالَ الأخْفَشُ والبَصْرِيُّونَ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا. وقالَ الكُوفِيُّونَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ، وهي مُضْمَرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما لَكَمْ في المُنافِقِينَ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما سَيَأْتِي وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ بِما كَسَبُوا، وحَكى الفَرّاءُ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسائِيُّ أرْكَسَهم ورَكَسَهم؛ أيْ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ ونَكَسَهم، فالرَّكْسُ والنَّكْسُ: قَلْبُ الشَّيْءِ عَلى رَأْسِهِ، أوْ رَدُّ أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، والمَنكُوسُ المَرْكُوسُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ( واللَّهُ رَكَسَهم ) ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ؎: أُرْكِسُوا في فِئَةٍ مُظْلِمَةٍ كَسَوادِ اللَّيْلِ يَتْلُوها فِتَنْ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أرْكَسَهم بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وهو لُحُوقُهم بِدارِ الكُفْرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا تُنْجِعُ فِيهِ هِدايَةُ البِشْرِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وإيضاحَ أنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَكْفُرَ المُؤْمِنُونَ كَما كَفَرُوا، ويَتَمَنَّوْا ذَلِكَ عِنادًا وغُلُوًّا في الكُفْرِ وتَمادِيًا في الضَّلالِ، فالكافُ في قَوْلِهِ: ( كَما ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: كُفْرًا مِثْلَ كَفْرِهِمْ، أوْ حالٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ: ( ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: تَكْفُرُونَ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: ودُّوا كُفْرَكم كَكُفْرِهِمْ، ووَدُّوا مُساواتَكم لَهم. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُؤْمِنُوا ويُحَقِّقُوا إيمانَهم بِالهِجْرَةِ، فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ فَخُذُوهم إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحِلِّ والحَرَمِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا﴾ تُوالُونَهُ ولا نَصِيرًا تَسْتَنْصِرُونَ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ هو مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: فَخُذُوهم واقْتُلُوهم أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ بِالجِوارِ والحِلْفِ فَلا تَقْتُلُوهم لِما بَيْنَهم وبَيْنَ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ ومِيثاقٌ، فَإنَّ العَهْدَ يَشْمَلُهم. هَذا أصَحُّ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: الِاتِّصالُ هُنا هو اتِّصالُ النَّسَبِ. والمَعْنى: إلّا الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ لا يَمْنَعُ مِنَ القِتالِ بِالإجْماعِ، فَقَدْ كانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ أنْسابٌ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ القِتالِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ، فَقِيلَ: هم قُرَيْشٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قُرَيْشٍ هم بَنُو مُدْلِجٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَهْدٌ، وقِيلَ: خُزاعَةُ، وقِيلَ: بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " يَصِلُونَ " داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ والَّذِينَ جاءُوكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِفَةِ قَوْمٍ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم؛ أيْ: ضاقَتْ صُدُورُهم عَنِ القِتالِ فَأمْسَكُوا عَنْهُ، والحَصْرُ: الضِّيقُ والِانْقِباضُ. قالَ الفَرّاءُ: وهو - أيْ حَصِرَتْ صُدُورُهم - حالٌ مِنَ المُضْمَرِ المَرْفُوعِ في جاءُوكم كَما تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ: قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ جاءُوكم، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: حَصِرَتْ صُدُورُهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ حَصِرَتْ بَدَلًا مِن جاءُوكم، وقِيلَ: حَصِرَتْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى النَّعْتِ لِقَوْمٍ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: أوْ جاءُوكم رِجالٌ أوْ قَوْمٌ حَصِرَتْ صُدُورُهم. وقَرَأ الحَسَنُ ( أوْ جاءُوكم حَصِرَةً صُدُورُهم ) نَصْبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ حَصِراتٍ وحاصِراتٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: حَصِرَتْ صُدُورُهم هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ كَما تَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ الكافِرَ، وضَعَّفَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: حَصِرَتْ صُدُورُهم أيْ: حَصِرَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِكم والقِتالِ مَعَكم (p-٣١٨)لِقَوْمِهِمْ، فَضاقَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِ الطّائِفَتَيْنِ وكَرِهُوا ذَلِكَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ ابْتِلاءً مِنهُ لَكم واخْتِبارًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكم﴾ [محمد: ٣١] أوْ تَمْحِيصًا لَكم أوْ عُقُوبَةً بِذُنُوبِكم، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: فَلَقاتَلُوكم جَوابُ لَوْ عَلى تَكْرِيرِ الجَوابِ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم ولَقاتَلُوكم، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِقِتالِكم ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيِ: اسْتَسْلَمُوا لَكم وانْقادُوا ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا، فَلا يَحِلُّ لَكم قَتْلُهم ولا أسْرُهم ولا نَهْبُ أمْوالِهِمْ، فَهَذا الِاسْتِسْلامُ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ ويُحَرِّمُهُ. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم﴾ فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ ويُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ الكُفْرَ لِيَأْمَنُوا مِن كِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ تِهامَةَ طَلَبُوا الأمانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِيَأْمَنُوا عِنْدَهُ وعِنْدَ قَوْمِهِمْ، وقِيلَ: هي في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كانَ يَأْمَنُ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: في أسَدٍ وغَطَفانَ ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ دَعاهم قَوْمُهم إلَيْها وطَلَبُوا مِنهم قِتالَ المُسْلِمِينَ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ: قُلِبُوا فِيها فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقاتَلُوا المُسْلِمِينَ، ومَعْنى الِارْتِكاسِ الِانْتِكاسُ، ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ يَعْنِي: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: يَسْتَسْلِمُونَ لَكم ويَدْخُلُونَ في عَهْدِكم وصُلْحِكم ويَنْسَلِخُونَ عَنْ قَوْمِهِمْ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنْ قِتالِكم ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وتَمَكَّنْتُمْ مِنهم ﴿وأُولَئِكُمْ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً تَتَسَلَّطُونَ بِها عَلَيْهِمْ وتَقْهَرُونَهم بِها بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ وما في صُدُورِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ، وارْتِكاسِهِمْ في الفِتْنَةِ بِأيْسَرِ عَمَلٍ وأقَلِّ سَعْيٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَرَجَ إلى أُحُدٍ، فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ نَقْتُلُهم وفِرْقَةٌ تَقُولُ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيَةَ كُلَّها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّها طَيِّبَةٌ وإنَّها تَنْفِي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ» . هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم﴾ يَقُولُ: أوْقَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: رَدَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وفي بَنِي خُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهم﴾ يَقُولُ: ضاقَتْ صُدُورُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ قالَ: الصُّلْحَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُسَلِّمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا هاهُنا وهاهُنا، فَأُمِرَ بِقِتالِهِمْ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا ويُصالِحُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم ناسٌ كانُوا بِتِهامَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ.

النساء 4:91

الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ( ما لَكم ) لِلْإنْكارِ، واسْمُ الِاسْتِفْهامِ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ. والمَعْنى؛ أيُّ شَيْءٍ كائِنٌ لَكم في المُنافِقِينَ أيْ: في أمْرِهِمْ وشَأْنِهِمْ حالَ كَوْنِكم فِئَتَيْنِ في ذَلِكَ. وحاصِلُهُ الإنْكارُ عَلى المُخاطَبِينَ أنْ يَكُونَ لَهم شَيْءٌ يُوجِبُ اخْتِلافَهم في شَأْنِ المُنافِقِينَ. وقَدِ اخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ في انْتِصابِ فِئَتَيْنِ، فَقالَ الأخْفَشُ والبَصْرِيُّونَ عَلى الحالِ كَقَوْلِكَ: ما لَكَ قائِمًا. وقالَ الكُوفِيُّونَ انْتِصابُهُ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِكانَ، وهي مُضْمَرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: فَما لَكَمْ في المُنافِقِينَ كُنْتُمْ فِئَتَيْنِ. وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ ما سَيَأْتِي وبِهِ يَتَّضِحُ المَعْنى. وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ أرْكَسَهُمْ﴾ مَعْناهُ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ بِما كَسَبُوا، وحَكى الفَرّاءُ والنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ والكِسائِيُّ أرْكَسَهم ورَكَسَهم؛ أيْ: رَدَّهم إلى الكُفْرِ ونَكَسَهم، فالرَّكْسُ والنَّكْسُ: قَلْبُ الشَّيْءِ عَلى رَأْسِهِ، أوْ رَدُّ أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، والمَنكُوسُ المَرْكُوسُ، وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ ( واللَّهُ رَكَسَهم ) ومِنهُ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ ؎: أُرْكِسُوا في فِئَةٍ مُظْلِمَةٍ كَسَوادِ اللَّيْلِ يَتْلُوها فِتَنْ والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿بِما كَسَبُوا﴾ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أرْكَسَهم بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ، وهو لُحُوقُهم بِدارِ الكُفْرِ، والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَهْدُوا مَن أضَلَّ اللَّهُ﴾ لِلتَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ مَن أضَلَّهُ اللَّهُ لا تُنْجِعُ فِيهِ هِدايَةُ البِشْرِ ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] . قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا إلى الهِدايَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ودُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ هَذا كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ حالِ هَؤُلاءِ المُنافِقِينَ، وإيضاحَ أنَّهم يَوَدُّونَ أنْ يَكْفُرَ المُؤْمِنُونَ كَما كَفَرُوا، ويَتَمَنَّوْا ذَلِكَ عِنادًا وغُلُوًّا في الكُفْرِ وتَمادِيًا في الضَّلالِ، فالكافُ في قَوْلِهِ: ( كَما ) نَعْتُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: كُفْرًا مِثْلَ كَفْرِهِمْ، أوْ حالٌ كَما رُوِيَ عَنْ سِيبَوَيْهِ. قَوْلُهُ: ( ﴿فَتَكُونُونَ سَواءً﴾ ) عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: تَكْفُرُونَ داخِلٌ في حُكْمِهِ؛ أيْ: ودُّوا كُفْرَكم كَكُفْرِهِمْ، ووَدُّوا مُساواتَكم لَهم. قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ﴾ جَوابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: إذا كانَ حالُهم ما ذُكِرَ فَلا تَتَّخِذُوا مِنهم أوْلِياءَ حَتّى يُؤْمِنُوا ويُحَقِّقُوا إيمانَهم بِالهِجْرَةِ، فَإنْ تَوَلَّوْا عَنْ ذَلِكَ فَخُذُوهم إذا قَدَرْتُمْ عَلَيْهِمْ ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ في الحِلِّ والحَرَمِ ﴿ولا تَتَّخِذُوا مِنهم ولِيًّا﴾ تُوالُونَهُ ولا نَصِيرًا تَسْتَنْصِرُونَ بِهِ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ هو مُسْتَثْنًى مِن قَوْلِهِ: فَخُذُوهم واقْتُلُوهم أيْ: إلّا الَّذِينَ يَتَّصِلُونَ ويَدْخُلُونَ في قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ بِالجِوارِ والحِلْفِ فَلا تَقْتُلُوهم لِما بَيْنَهم وبَيْنَ مَن بَيْنَكم وبَيْنَهم عَهْدٌ ومِيثاقٌ، فَإنَّ العَهْدَ يَشْمَلُهم. هَذا أصَحُّ ما قِيلَ في مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: الِاتِّصالُ هُنا هو اتِّصالُ النَّسَبِ. والمَعْنى: إلّا الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وقَدْ أنْكَرَ ذَلِكَ أهْلُ العِلْمِ عَلَيْهِ؛ لِأنَّ النَّسَبَ لا يَمْنَعُ مِنَ القِتالِ بِالإجْماعِ، فَقَدْ كانَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ المُشْرِكِينَ أنْسابٌ ولَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ القِتالِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في هَؤُلاءِ القَوْمِ الَّذِينَ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ، فَقِيلَ: هم قُرَيْشٌ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِيثاقٌ والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قُرَيْشٍ هم بَنُو مُدْلِجٍ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ وخُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَهْدٌ، وقِيلَ: خُزاعَةُ، وقِيلَ: بَنُو بَكْرِ بْنِ زَيْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: " يَصِلُونَ " داخِلٌ في حُكْمِ الِاسْتِثْناءِ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ والَّذِينَ جاءُوكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى صِفَةِ قَوْمٍ؛ أيْ: إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ، والَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ جاءُوكم حَصِرَتْ صُدُورُهم؛ أيْ: ضاقَتْ صُدُورُهم عَنِ القِتالِ فَأمْسَكُوا عَنْهُ، والحَصْرُ: الضِّيقُ والِانْقِباضُ. قالَ الفَرّاءُ: وهو - أيْ حَصِرَتْ صُدُورُهم - حالٌ مِنَ المُضْمَرِ المَرْفُوعِ في جاءُوكم كَما تَقُولُ: جاءَ فُلانٌ ذَهَبَ عَقْلُهُ، أيْ: قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ. وقالَ الزَّجّاجُ: هو خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ جاءُوكم، ثُمَّ أخْبَرَ فَقالَ: حَصِرَتْ صُدُورُهم، فَعَلى هَذا يَكُونُ حَصِرَتْ بَدَلًا مِن جاءُوكم، وقِيلَ: حَصِرَتْ في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى النَّعْتِ لِقَوْمٍ، وقِيلَ التَّقْدِيرُ: أوْ جاءُوكم رِجالٌ أوْ قَوْمٌ حَصِرَتْ صُدُورُهم. وقَرَأ الحَسَنُ ( أوْ جاءُوكم حَصِرَةً صُدُورُهم ) نَصْبًا عَلى الحالِ. وقُرِئَ حَصِراتٍ وحاصِراتٍ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ المُبَرِّدُ: حَصِرَتْ صُدُورُهم هو دُعاءٌ عَلَيْهِمْ كَما تَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ الكافِرَ، وضَعَّفَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ: أوْ بِمَعْنى الواوِ. وقَوْلُهُ: ﴿أنْ يُقاتِلُوكم أوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ هو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: حَصِرَتْ صُدُورُهم أيْ: حَصِرَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِكم والقِتالِ مَعَكم (p-٣١٨)لِقَوْمِهِمْ، فَضاقَتْ صُدُورُهم عَنْ قِتالِ الطّائِفَتَيْنِ وكَرِهُوا ذَلِكَ ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم عَلَيْكُمْ﴾ ابْتِلاءً مِنهُ لَكم واخْتِبارًا كَما قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم حَتّى نَعْلَمَ المُجاهِدِينَ مِنكم والصّابِرِينَ ونَبْلُوَ أخْبارَكم﴾ [محمد: ٣١] أوْ تَمْحِيصًا لَكم أوْ عُقُوبَةً بِذُنُوبِكم، ولَكِنَّهُ سُبْحانَهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، واللّامُ في قَوْلِهِ: فَلَقاتَلُوكم جَوابُ لَوْ عَلى تَكْرِيرِ الجَوابِ؛ أيْ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهم ولَقاتَلُوكم، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكُمْ﴾ ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِقِتالِكم ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيِ: اسْتَسْلَمُوا لَكم وانْقادُوا ﴿فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكم عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ أيْ: طَرِيقًا، فَلا يَحِلُّ لَكم قَتْلُهم ولا أسْرُهم ولا نَهْبُ أمْوالِهِمْ، فَهَذا الِاسْتِسْلامُ يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ ويُحَرِّمُهُ. ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم﴾ فَيُظْهِرُونَ لَكُمُ الإسْلامَ ويُظْهِرُونَ لِقَوْمِهِمُ الكُفْرَ لِيَأْمَنُوا مِن كِلا الطّائِفَتَيْنِ، وهم قَوْمٌ مِن أهْلِ تِهامَةَ طَلَبُوا الأمانَ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِيَأْمَنُوا عِنْدَهُ وعِنْدَ قَوْمِهِمْ، وقِيلَ: هي في قَوْمٍ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وقِيلَ: في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ فَإنَّهُ كانَ يَأْمَنُ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ، وقِيلَ: في قَوْمٍ مِنَ المُنافِقِينَ، وقِيلَ: في أسَدٍ وغَطَفانَ ﴿كُلَّما رُدُّوا إلى الفِتْنَةِ﴾ أيْ دَعاهم قَوْمُهم إلَيْها وطَلَبُوا مِنهم قِتالَ المُسْلِمِينَ ﴿أُرْكِسُوا فِيها﴾ أيْ: قُلِبُوا فِيها فَرَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ وقاتَلُوا المُسْلِمِينَ، ومَعْنى الِارْتِكاسِ الِانْتِكاسُ، ﴿فَإنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ﴾ يَعْنِي: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ أنْ يَأْمَنُوكم ويَأْمَنُوا قَوْمَهم ﴿ويُلْقُوا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ أيْ: يَسْتَسْلِمُونَ لَكم ويَدْخُلُونَ في عَهْدِكم وصُلْحِكم ويَنْسَلِخُونَ عَنْ قَوْمِهِمْ ويَكُفُّوا أيْدِيَهم عَنْ قِتالِكم ﴿فَخُذُوهم واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ أيْ: ﴿حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ وتَمَكَّنْتُمْ مِنهم ﴿وأُولَئِكُمْ﴾ المَوْصُوفُونَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ ﴿جَعَلْنا لَكم عَلَيْهِمْ سُلْطانًا مُبِينًا﴾ أيْ: حُجَّةً واضِحَةً تَتَسَلَّطُونَ بِها عَلَيْهِمْ وتَقْهَرُونَهم بِها بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ المَرَضِ وما في صُدُورِهِمْ مِنَ الدَّغَلِ، وارْتِكاسِهِمْ في الفِتْنَةِ بِأيْسَرِ عَمَلٍ وأقَلِّ سَعْيٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما مِن حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَرَجَ إلى أُحُدٍ، فَرَجَعَ ناسٌ خَرَجُوا مَعَهُ، فَكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ: فِرْقَةٌ تَقُولُ نَقْتُلُهم وفِرْقَةٌ تَقُولُ لا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَما لَكم في المُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ الآيَةَ كُلَّها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّها طَيِّبَةٌ وإنَّها تَنْفِي الخَبَثَ كَما تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الفِضَّةِ» . هَذا أصَحُّ ما رُوِيَ في سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ، وقَدْ رُوِيَتْ أسْبابٌ غَيْرُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿واللَّهُ أرْكَسَهم﴾ يَقُولُ: أوْقَعَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: رَدَّهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلى قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في هِلالِ بْنِ عُوَيْمِرٍ وسُراقَةَ بْنِ مالِكٍ المُدْلِجِيِّ، وفي بَنِي خُزَيْمَةَ بْنِ عامِرِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ناسِخِهِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ يَصِلُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ [التوبة: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿حَصِرَتْ صُدُورُهم﴾ يَقُولُ: ضاقَتْ صُدُورُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ ﴿وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ قالَ: الصُّلْحَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم﴾ الآيَةَ، قالَ: نَسَخَتْها ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: نَسَخَتْها " بَراءَةٌ " . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ كانُوا يَأْتُونَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُسَلِّمُونَ رِياءً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى قَوْمِهِمْ فَيَرْتَكِسُونَ في الأوْثانِ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ أنْ يَأْمَنُوا هاهُنا وهاهُنا، فَأُمِرَ بِقِتالِهِمْ إنْ لَمْ يَعْتَزِلُوا ويُصالِحُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ أنَّهم ناسٌ كانُوا بِتِهامَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّها نَزَلَتْ في نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ.

النساء 4:92

قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ هَذا النَّفْيُ هو بِمَعْنى النَّهْيِ المُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولَوْ كانَ هَذا النَّفْيُ عَلى مَعْناهُ لَكانَ خَبَرًا وهو يَسْتَلْزِمُ صِدْقَهُ، فَلا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا قَطُّ، وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ لَهُ ذَلِكَ في عَهْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما كانَ لَهُ ذَلِكَ فِيما سَلَفَ كَما لَيْسَ لَهُ الآنَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا فَقالَ: ﴿إلّا خَطَأً﴾، أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ ألْبَتَّةَ، لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ كَذا، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: وما ثَبُتَ ولا وُجِدَ ولا ساغَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً إذْ هو مَغْلُوبٌ حِينَئِذٍ، وقِيلَ المَعْنى: ولا خَطَأً. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا يَصِحُّ في المَعْنى لِأنَّ الخَطَأ لا يُحْظَرُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ما يَنْبَغِي أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ وحْدَهُ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: خَطَأً مُنْتَصِبًا بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: إلّا قَتْلًا خَطَأً، ووُجُوهُ الخَطَأِ كَثِيرَةٌ ويَضْبُطُها عَدَمُ القَصْدِ، والخَطَأُ الِاسْمُ مِن أخْطَأ إذا لَمْ يُتَعَمَّدْ. قَوْلُهُ: (p-٣١٩)﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يُعْتِقُها كَفّارَةً عَنْ قَتْلِ الخَطَأِ، وعَبَّرَ بِالرَّقَبَةِ عَنْ جَمِيعِ الذّاتِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ الرَّقَبَةِ المُؤْمِنَةِ، فَقِيلَ: هي الَّتِي صَلَّتْ وعَقَلَتِ الإيمانَ فَلا تُجْزِئُ الصَّغِيرَةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهم. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّها تُجْزِئُ الصَّغِيرَةُ المَوْلُودَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ جَماعَةٌ مِنهم مالِكٌ والشّافِعِيُّ: يُجْزِئُ كُلُّ مَن حُكِمَ لَهُ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ إنْ ماتَ، ولا يُجْزِئُ في قَوْلِ جُمْهُورِ العُلَماءِ أعْمى ولا مُقْعَدٌ ولا أشَلُّ، ويُجْزِئُ عِنْدَ الأكْثَرِ الأعْرَجُ والأعْوَرُ. قالَ مالِكٌ: إلّا أنْ يَكُونَ عَرَجًا شَدِيدًا. ولا يُجْزِئُ عِنْدَ أكْثَرِهِمُ المَجْنُونُ، وفي المَقامِ تَفاصِيلُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الفُرُوعِ. قَوْلُهُ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ الدِّيَةُ: ما تُعْطى عِوَضًا عَنْ دَمِ المَقْتُولِ إلى ورَثَتِهِ، والمُسَلَّمَةُ: المَدْفُوعَةُ المُؤَدّاةُ، والأهْلُ المُرادُ بِهِمُ الوَرَثَةُ، وأجْناسُ الدِّيَةِ وتَفاصِيلُها قَدْ بَيَّنَتْها السُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أيْ: إلّا أنْ يَتَصَدَّقَ أهْلُ المَقْتُولِ عَلى القاتِلِ بِالدِّيَةِ، سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً تَرْغِيبًا فِيهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: إلّا يَتَصَدَّقُوا. وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُسْتَثْناةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: فِدْيَةٌ مُسَلَّمَةٌ أيْ: فَعَلَيْهِ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلّا أنْ يَقَعَ العَفْوُ مِنَ الوَرَثَةِ عَنْها. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهُمُ الكُفّارُ الحَرْبِيُّونَ، وهَذِهِ مَسْألَةُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْتُلُهُ المُسْلِمُونَ في بِلادِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانَ مِنهم، ثُمَّ أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ وأنَّهُ باقٍ عَلى دِينِ قَوْمِهِ فَلا دِيَةَ عَلى قاتِلِهِ، بَلْ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ سُقُوطِ الدِّيَةِ، فَقِيلَ: وجْهُهُ أنَّ أوْلِياءَ القَتِيلِ كُفّارٌ لا حَقَّ لَهم في الدِّيَةِ، وقِيلَ: وجْهُهُ أنَّ هَذا الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ حُرْمَتُهُ قَلِيلَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ دِيَتَهُ واجِبَةٌ لِبَيْتِ المالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: مُؤَقَّتٌ أوْ مُؤَبَّدٌ. وقَرَأ الحَسَنُ ( وهو مُؤْمِنٌ فِدْيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ) أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ دِيَةٌ مُؤَدّاةٌ إلى أهْلِهِ مِن أهْلِ الإسْلامِ وهم ورَثَتُهُ ﴿وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كَما تَقَدَّمَ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ: الرَّقَبَةَ، ولا اتَّسَعَ مالُهُ لِشِرائِها ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ يَوْمَيْنِ مِن أيّامِ صَوْمِهِما إفْطارٌ في نَهارٍ، فَلَوْ أفْطَرَ اسْتَأْنَفَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وأمّا الإفْطارُ لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ كالحَيْضِ ونَحْوِهِ فَلا يُوجِبُ الِاسْتِئْنافَ. واخْتُلِفَ في الإفْطارِ لِعَرَضِ المَرَضِ. قَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: شَرَعَ ذَلِكَ لَكم تَوْبَةً، أيْ: قَبُولًا لِتَوْبَتِكم، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: تابَ عَلَيْكم تَوْبَةً، وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ ذا تَوْبَةٍ كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حُكْمَ القاتِلِ خَطَأً بَيَّنَ حُكْمَ القاتِلِ عَمْدًا. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى العَمْدِ، فَقالَ عَطاءٌ والنَّخَعِيُّ وغَيْرُهُما: هو القَتْلُ بِحَدِيدَةٍ كالسَّيْفِ والخِنْجَرِ وسِنانِ الرُّمْحِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُحَدَّدِ، أوْ بِما يُعْلَمُ أنَّ فِيهِ المَوْتَ مِن ثِقالِ الحِجارَةِ ونَحْوِها. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كُلُّ قَتْلٍ مِن قاتِلٍ قاصِدٍ لِلْفِعْلِ بِحَدِيدَةٍ أوْ بِحَجَرٍ أوْ بِعَصًى أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقَيَّدَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِأنْ يَكُونَ بِما يَقْتُلُ مِثْلُهُ في العادَةِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ القَتْلَ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: عَمْدٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، وخَطَأٌ. واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأدِلَّةٍ لَيْسَ هَذا مَقامُ بَسْطِها. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: عَمْدٌ، وخَطَأٌ، ولا ثالِثَ لَهُما. واسْتَدَلُّوا بِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا القِسْمانِ. ويُجابُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ اقْتِصارَ القُرْآنِ عَلى القِسْمَيْنِ لا يَنْفِي ثُبُوتَ قِسْمٍ ثالِثٍ بِالسُّنَّةِ، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ في السُّنَّةِ. وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِتَغْلِيظِ عُقُوبَةِ القاتِلِ عَمْدًا، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ فِيها بَيْنَ كَوْنِ جَهَنَّمَ جَزاءً لَهُ؛ أيْ: يَسْتَحِقُّها بِسَبَبِ هَذا الذَّنْبِ، وبَيْنَ كَوْنِهِ خالِدًا فِيها، وبَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ ولَعْنَتِهِ لَهُ وإعْدادِهِ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا. ولَيْسَ وراءَ هَذا التَّشْدِيدِ تَشْدِيدٌ، ولا مِثْلَ هَذا الوَعِيدِ وعِيدٌ. وانْتِصابُ خالِدًا عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ أيْ: جَعَلَ جَزاءَهُ جَهَنَّمَ أوْ حَكَمَ عَلَيْهِ أوْ جازاهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ ﴿وأعَدَّ لَهُ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ لِقاتِلِ العَمْدِ مِن تَوْبَةٍ أمْ لا تَوْبَةَ لَهُ ؟ فَرَوى البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ أهْلِ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيها إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألْتُهُ عَنْها فَقالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ وهي آخِرُ ما نَزَلَ وما نَسَخَتْها شَيْءٌ، وقَدْ رَوى النَّسائِيُّ عَنْهُ نَحْوَ هَذا. ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ نَحْوَهُ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ مِنَ السَّلَفِ أبُو هُرَيْرَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وأبُو سَلَمَةَ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، نَقَلَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهم. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنهُ مَقْبُولَةٌ، واسْتَدَلُّوا بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] . وقَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قالُوا أيْضًا: والجَمْعُ مُمْكِنٌ بَيْنَ آيَةِ النِّساءِ هَذِهِ وآيَةِ الفُرْقانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُما: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ إلّا مَن تابَ، لاسِيَّما وقَدِ اتَّحَدَ السَّبَبُ وهو القَتْلُ، والمُوجَبُ وهو التَّوَعُّدُ بِالعِقابِ. واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قالَ «بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، ثُمَّ قالَ: فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهو إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ عَفا عَنْهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ» وبِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ - في صَحِيحِهِ - وغَيْرُهُ في الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والشّافِعِيُّ إلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا داخِلٌ تَحْتَ المَشِيئَةِ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ. وقَدْ أوْضَحْتُ في شَرْحِي عَلى المُنْتَقى مُتَمَسَّكَ كُلِّ فَرِيقٍ. والحَقُّ أنَّ بابَ التَّوْبَةِ لَمْ يُغْلَقْ دُونَ كُلِّ عاصٍ، بَلْ هو (p-٣٢٠)مَفْتُوحٌ لِكُلِّ مَن قَصَدَهُ ورامَ الدُّخُولَ مِنهُ، وإذا كانَ الشِّرْكُ وهو أعْظَمُ الذُّنُوبِ وأشَدُّها تَمْحُوهُ التَّوْبَةُ إلى اللَّهِ، ويُقْبَلُ مَن صاحِبِهِ الخُرُوجُ مِنهُ والدُّخُولُ في بابِ التَّوْبَةِ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَتْلُ عَمْدًا، لَكِنْ لا بُدَّ في تَوْبَةِ قاتِلِ العَمْدِ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالقَتْلِ وتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْقِصاصِ إنْ كانَ واجِبًا، أوْ تَسْلِيمِ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَكُنِ القِصاصُ واجِبًا وكانَ القاتِلُ غَنِيًّا مُتَمَكِّنًا مِن تَسْلِيمِها أوْ بَعْضِها، وأمّا مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنَ القاتِلِ عَمْدًا وعَزْمُهُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى قَتْلِ أحَدٍ مِن دُونِ اعْتِرافٍ ولا تَسْلِيمِ نَفْسٍ فَنَحْنُ لا نَقْطَعُ بِقَبُولِها، واللَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، هو الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِهِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ يَقُولُ: ما كانَ لَهُ ذَلِكَ فِيما أتاهُ مِن رَبِّهِ مِن عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ قَتَلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا كانَ يُعَذِّبُهُ هو وأبُو جَهْلٍ وهو أخُوهُ لِأُمِّهِ في اتِّباعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَيّاشٌ يَحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كافِرٌ. وأوْضَحُ مِن هَذا السِّياقِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ يُعَذِّبُ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ مَعَ أبِي جَهْلٍ، «ثُمَّ خَرَجَ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، يَعْنِي الحارِثَ، فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِالحَرَّةِ فَعَلاهُ بِالسَّيْفِ وهو يَحْسَبُ أنَّهُ كافِرٌ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَنَزَلَتْ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ الآيَةَ، فَقَرَأها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: قُمْ فَحَرِّرْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ غَيْرِ هَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ كانَ في سَرِيَّةٍ، فَعَدَلَ أبُو الدَّرْداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجَةً لَهُ، فَوَجَدَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ في غَنَمٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَضَرَبَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَ ذَلِكَ ولَكِنْ فِيهِ: أنَّ الَّذِي قَتَلَ المُتَعَوِّذَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ هو بَكْرُ بْنُ حارِثَةَ الجُهَنِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمُؤْمِنَةِ مَن قَدْ عَقَلَ الإيمانَ وصَلّى. وكُلُّ رَقَبَةٍ في القُرْآنِ لَمْ تُسَمَّ مُؤْمِنَةٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ المَوْلُودُ فَما فَوْقَهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِهِ زَمانَةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ قالَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ مُسَلَّمَةً إلّا أنْ يُتَصَدَّقَ بِها عَلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يُجْزِئُ فِيها صَبِيٌّ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِجارِيَةٍ سَوْداءَ فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَقالَ لَها: أيْنَ اللَّهُ ؟ فَأشارَتْ إلى السَّماءِ بِأُصْبُعِها، فَقالَ لَها: فَمَن أنا ؟ فَأشارَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإلى السَّماءِ؛ أيْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» . وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في تَقْدِيرِ الدِّيَةِ، وفي الفَرْقِ بَيْنَ دِيَةِ الخَطَأِ وِدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ، ودِيَةِ المُسْلِمِ ودِيَةِ الكافِرِ، وهي مَعْرُوفَةٌ، فَلا حاجَةَ لَنا في ذِكْرِها في هَذا المَوْضِعِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ قالَ: هَذا المُسْلِمُ الَّذِي ورَثَتُهُ مُسْلِمُونَ ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ﴾ قالَ: هَذا الرَّجُلُ المُسْلِمُ وقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ ولَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَقْدٌ ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ: هَذا الرَّجُلُ المُسْلِمُ وقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ وبَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَقْدٌ فَيُقْتَلُ فَيَكُونُ مِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وتَكُونُ دِيَتُهُ لِقَوْمِهِ؛ لِأنَّهم يَعْقِلُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ﴾ يَقُولُ: فَإنْ كانَ في أهْلِ الحَرْبِ وهو مُؤْمِنٌ فَقَتَلَهُ خَطَأً فَعَلى قاتِلِهِ أنْ يُكَفِّرَ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، أوْ صِيامِ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ولا دِيَةَ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ يَقُولُ: إذا كانَ كافِرًا في ذِمَّتِكم فَقُتِلَ فَعَلى قاتِلِهِ الدِّيَةُ مُسَلَّمَةً إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي عَيّاشٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيُسْلِمُ. ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ وهم مُشْرِكُونَ فَيُقِيمُ فِيهِمْ فَتَعْزُوهم جُيُوشُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُقْتَلُ الرَّجُلُ فِيمَن يُقْتَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولَيْسَ لَهُ دِيَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي يَحْيى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: تَجاوُزًا مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ حَيْثُ جَعَلَ في قَتْلِ الخَطَّأِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَتَلَ أخا مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ. فَأعْطاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الدِّيَةَ فَقَبِلَها، ثُمَّ وثَبَ عَلى قاتِلِ أخِيهِ، وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ أنَّ مِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ لَحِقَ بِمَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ الفُرْقانِ بِثَمانِ سِنِينَ وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: غَفُورًا رَحِيمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦] بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، (p-٣٢١)والحَقُّ ما عَرَّفْناكَ.

النساء 4:93

قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ هَذا النَّفْيُ هو بِمَعْنى النَّهْيِ المُقْتَضِي لِلتَّحْرِيمِ كَقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] ولَوْ كانَ هَذا النَّفْيُ عَلى مَعْناهُ لَكانَ خَبَرًا وهو يَسْتَلْزِمُ صِدْقَهُ، فَلا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا قَطُّ، وقِيلَ: المَعْنى ما كانَ لَهُ ذَلِكَ في عَهْدِ اللَّهِ، وقِيلَ: ما كانَ لَهُ ذَلِكَ فِيما سَلَفَ كَما لَيْسَ لَهُ الآنَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا فَقالَ: ﴿إلّا خَطَأً﴾، أيْ ما كانَ لَهُ أنْ يَقْتُلَهُ ألْبَتَّةَ، لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً فَعَلَيْهِ كَذا، هَذا قَوْلُ سِيبَوَيْهِ والزَّجّاجِ، وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ، والمَعْنى: وما ثَبُتَ ولا وُجِدَ ولا ساغَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً إذْ هو مَغْلُوبٌ حِينَئِذٍ، وقِيلَ المَعْنى: ولا خَطَأً. قالَ النَّحّاسُ: ولا يُعْرَفُ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، ولا يَصِحُّ في المَعْنى لِأنَّ الخَطَأ لا يُحْظَرُ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: ما يَنْبَغِي أنْ يَقْتُلَهُ لِعِلَّةٍ مِنَ العِلَلِ إلّا لِلْخَطَأِ وحْدَهُ. فَيَكُونُ قَوْلُهُ: خَطَأً مُنْتَصِبًا بِأنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ: أيْ: إلّا قَتْلًا خَطَأً، ووُجُوهُ الخَطَأِ كَثِيرَةٌ ويَضْبُطُها عَدَمُ القَصْدِ، والخَطَأُ الِاسْمُ مِن أخْطَأ إذا لَمْ يُتَعَمَّدْ. قَوْلُهُ: (p-٣١٩)﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ يُعْتِقُها كَفّارَةً عَنْ قَتْلِ الخَطَأِ، وعَبَّرَ بِالرَّقَبَةِ عَنْ جَمِيعِ الذّاتِ. واخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَفْسِيرِ الرَّقَبَةِ المُؤْمِنَةِ، فَقِيلَ: هي الَّتِي صَلَّتْ وعَقَلَتِ الإيمانَ فَلا تُجْزِئُ الصَّغِيرَةُ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ وقَتادَةُ وغَيْرُهم. وقالَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ: إنَّها تُجْزِئُ الصَّغِيرَةُ المَوْلُودَةُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. وقالَ جَماعَةٌ مِنهم مالِكٌ والشّافِعِيُّ: يُجْزِئُ كُلُّ مَن حُكِمَ لَهُ بِوُجُوبِ الصَّلاةِ عَلَيْهِ إنْ ماتَ، ولا يُجْزِئُ في قَوْلِ جُمْهُورِ العُلَماءِ أعْمى ولا مُقْعَدٌ ولا أشَلُّ، ويُجْزِئُ عِنْدَ الأكْثَرِ الأعْرَجُ والأعْوَرُ. قالَ مالِكٌ: إلّا أنْ يَكُونَ عَرَجًا شَدِيدًا. ولا يُجْزِئُ عِنْدَ أكْثَرِهِمُ المَجْنُونُ، وفي المَقامِ تَفاصِيلُ طَوِيلَةٌ مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ الفُرُوعِ. قَوْلُهُ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ الدِّيَةُ: ما تُعْطى عِوَضًا عَنْ دَمِ المَقْتُولِ إلى ورَثَتِهِ، والمُسَلَّمَةُ: المَدْفُوعَةُ المُؤَدّاةُ، والأهْلُ المُرادُ بِهِمُ الوَرَثَةُ، وأجْناسُ الدِّيَةِ وتَفاصِيلُها قَدْ بَيَّنَتْها السُّنَّةُ المُطَهَّرَةُ. قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ أيْ: إلّا أنْ يَتَصَدَّقَ أهْلُ المَقْتُولِ عَلى القاتِلِ بِالدِّيَةِ، سُمِّيَ العَفْوُ عَنْها صَدَقَةً تَرْغِيبًا فِيهِ. وقَرَأ أُبَيٌّ: إلّا يَتَصَدَّقُوا. وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُسْتَثْناةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: فِدْيَةٌ مُسَلَّمَةٌ أيْ: فَعَلَيْهِ دِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلّا أنْ يَقَعَ العَفْوُ مِنَ الوَرَثَةِ عَنْها. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ المَقْتُولُ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهُمُ الكُفّارُ الحَرْبِيُّونَ، وهَذِهِ مَسْألَةُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْتُلُهُ المُسْلِمُونَ في بِلادِ الكُفّارِ الَّذِينَ كانَ مِنهم، ثُمَّ أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ وهم يَظُنُّونَ أنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ وأنَّهُ باقٍ عَلى دِينِ قَوْمِهِ فَلا دِيَةَ عَلى قاتِلِهِ، بَلْ عَلَيْهِ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ. واخْتَلَفُوا في وجْهِ سُقُوطِ الدِّيَةِ، فَقِيلَ: وجْهُهُ أنَّ أوْلِياءَ القَتِيلِ كُفّارٌ لا حَقَّ لَهم في الدِّيَةِ، وقِيلَ: وجْهُهُ أنَّ هَذا الَّذِي آمَنَ ولَمْ يُهاجِرْ حُرْمَتُهُ قَلِيلَةٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يُهاجِرُوا ما لَكم مِن ولايَتِهِمْ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢] وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: إنَّ دِيَتَهُ واجِبَةٌ لِبَيْتِ المالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ أيْ: مُؤَقَّتٌ أوْ مُؤَبَّدٌ. وقَرَأ الحَسَنُ ( وهو مُؤْمِنٌ فِدْيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ ) أيْ: فَعَلى قاتِلِهِ دِيَةٌ مُؤَدّاةٌ إلى أهْلِهِ مِن أهْلِ الإسْلامِ وهم ورَثَتُهُ ﴿وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ كَما تَقَدَّمَ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ﴾ أيِ: الرَّقَبَةَ، ولا اتَّسَعَ مالُهُ لِشِرائِها ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ صِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ، لَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ يَوْمَيْنِ مِن أيّامِ صَوْمِهِما إفْطارٌ في نَهارٍ، فَلَوْ أفْطَرَ اسْتَأْنَفَ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وأمّا الإفْطارُ لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ كالحَيْضِ ونَحْوِهِ فَلا يُوجِبُ الِاسْتِئْنافَ. واخْتُلِفَ في الإفْطارِ لِعَرَضِ المَرَضِ. قَوْلُهُ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ أيْ: شَرَعَ ذَلِكَ لَكم تَوْبَةً، أيْ: قَبُولًا لِتَوْبَتِكم، أوْ مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: تابَ عَلَيْكم تَوْبَةً، وقِيلَ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ ذا تَوْبَةٍ كائِنَةٍ مِنَ اللَّهِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ لَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ حُكْمَ القاتِلِ خَطَأً بَيَّنَ حُكْمَ القاتِلِ عَمْدًا. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى العَمْدِ، فَقالَ عَطاءٌ والنَّخَعِيُّ وغَيْرُهُما: هو القَتْلُ بِحَدِيدَةٍ كالسَّيْفِ والخِنْجَرِ وسِنانِ الرُّمْحِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِنَ المُحَدَّدِ، أوْ بِما يُعْلَمُ أنَّ فِيهِ المَوْتَ مِن ثِقالِ الحِجارَةِ ونَحْوِها. وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّهُ كُلُّ قَتْلٍ مِن قاتِلٍ قاصِدٍ لِلْفِعْلِ بِحَدِيدَةٍ أوْ بِحَجَرٍ أوْ بِعَصًى أوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وقَيَّدَهُ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِأنْ يَكُونَ بِما يَقْتُلُ مِثْلُهُ في العادَةِ. وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ القَتْلَ يَنْقَسِمُ إلى ثَلاثَةِ أقْسامٍ: عَمْدٌ، وشِبْهُ عَمْدٍ، وخَطَأٌ. واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِأدِلَّةٍ لَيْسَ هَذا مَقامُ بَسْطِها. وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّهُ يَنْقَسِمُ إلى قِسْمَيْنِ: عَمْدٌ، وخَطَأٌ، ولا ثالِثَ لَهُما. واسْتَدَلُّوا بِأنَّهُ لَيْسَ في القُرْآنِ إلّا القِسْمانِ. ويُجابُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ اقْتِصارَ القُرْآنِ عَلى القِسْمَيْنِ لا يَنْفِي ثُبُوتَ قِسْمٍ ثالِثٍ بِالسُّنَّةِ، وقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ في السُّنَّةِ. وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الآيَةُ بِتَغْلِيظِ عُقُوبَةِ القاتِلِ عَمْدًا، فَجَمَعَ اللَّهُ لَهُ فِيها بَيْنَ كَوْنِ جَهَنَّمَ جَزاءً لَهُ؛ أيْ: يَسْتَحِقُّها بِسَبَبِ هَذا الذَّنْبِ، وبَيْنَ كَوْنِهِ خالِدًا فِيها، وبَيْنَ غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِ ولَعْنَتِهِ لَهُ وإعْدادِهِ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا. ولَيْسَ وراءَ هَذا التَّشْدِيدِ تَشْدِيدٌ، ولا مِثْلَ هَذا الوَعِيدِ وعِيدٌ. وانْتِصابُ خالِدًا عَلى الحالِ. وقَوْلُهُ: ﴿وغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ، يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ؛ أيْ: جَعَلَ جَزاءَهُ جَهَنَّمَ أوْ حَكَمَ عَلَيْهِ أوْ جازاهُ وغَضِبَ عَلَيْهِ ﴿وأعَدَّ لَهُ﴾ . وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ هَلْ لِقاتِلِ العَمْدِ مِن تَوْبَةٍ أمْ لا تَوْبَةَ لَهُ ؟ فَرَوى البُخارِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: اخْتَلَفَ فِيها عُلَماءُ أهْلِ الكُوفَةِ، فَرَحَلْتُ فِيها إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَألْتُهُ عَنْها فَقالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ وهي آخِرُ ما نَزَلَ وما نَسَخَتْها شَيْءٌ، وقَدْ رَوى النَّسائِيُّ عَنْهُ نَحْوَ هَذا. ورَوى النَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ نَحْوَهُ، ومِمَّنْ ذَهَبَ إلى أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ مِنَ السَّلَفِ أبُو هُرَيْرَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وأبُو سَلَمَةَ وعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ والحَسَنُ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، نَقَلَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهم. وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّ التَّوْبَةَ مِنهُ مَقْبُولَةٌ، واسْتَدَلُّوا بِمِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ﴾ [هود: ١١٤] وقَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥] . وقَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قالُوا أيْضًا: والجَمْعُ مُمْكِنٌ بَيْنَ آيَةِ النِّساءِ هَذِهِ وآيَةِ الفُرْقانِ، فَيَكُونُ مَعْناهُما: فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ إلّا مَن تابَ، لاسِيَّما وقَدِ اتَّحَدَ السَّبَبُ وهو القَتْلُ، والمُوجَبُ وهو التَّوَعُّدُ بِالعِقابِ. واسْتَدَلُّوا أيْضًا بِالحَدِيثِ المَذْكُورِ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قالَ «بايِعُونِي عَلى أنْ لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، ثُمَّ قالَ: فَمَن أصابَ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَسَتَرَهُ اللَّهُ فَهو إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ اللَّهُ عَفا عَنْهُ، وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ» وبِحَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ - في صَحِيحِهِ - وغَيْرُهُ في الَّذِي قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهم أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ والشّافِعِيُّ إلى أنَّ القاتِلَ عَمْدًا داخِلٌ تَحْتَ المَشِيئَةِ تابَ أوْ لَمْ يَتُبْ. وقَدْ أوْضَحْتُ في شَرْحِي عَلى المُنْتَقى مُتَمَسَّكَ كُلِّ فَرِيقٍ. والحَقُّ أنَّ بابَ التَّوْبَةِ لَمْ يُغْلَقْ دُونَ كُلِّ عاصٍ، بَلْ هو (p-٣٢٠)مَفْتُوحٌ لِكُلِّ مَن قَصَدَهُ ورامَ الدُّخُولَ مِنهُ، وإذا كانَ الشِّرْكُ وهو أعْظَمُ الذُّنُوبِ وأشَدُّها تَمْحُوهُ التَّوْبَةُ إلى اللَّهِ، ويُقْبَلُ مَن صاحِبِهِ الخُرُوجُ مِنهُ والدُّخُولُ في بابِ التَّوْبَةِ، فَكَيْفَ بِما دُونَهُ مِنَ المَعاصِي الَّتِي مِن جُمْلَتِها القَتْلُ عَمْدًا، لَكِنْ لا بُدَّ في تَوْبَةِ قاتِلِ العَمْدِ مِنَ الِاعْتِرافِ بِالقَتْلِ وتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لِلْقِصاصِ إنْ كانَ واجِبًا، أوْ تَسْلِيمِ الدِّيَةِ إنْ لَمْ يَكُنِ القِصاصُ واجِبًا وكانَ القاتِلُ غَنِيًّا مُتَمَكِّنًا مِن تَسْلِيمِها أوْ بَعْضِها، وأمّا مُجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِنَ القاتِلِ عَمْدًا وعَزْمُهُ عَلى أنْ لا يَعُودَ إلى قَتْلِ أحَدٍ مِن دُونِ اعْتِرافٍ ولا تَسْلِيمِ نَفْسٍ فَنَحْنُ لا نَقْطَعُ بِقَبُولِها، واللَّهُ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، هو الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِهِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ يَقُولُ: ما كانَ لَهُ ذَلِكَ فِيما أتاهُ مِن رَبِّهِ مِن عَهْدِ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ قَتَلَ رَجُلًا مُؤْمِنًا كانَ يُعَذِّبُهُ هو وأبُو جَهْلٍ وهو أخُوهُ لِأُمِّهِ في اتِّباعِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَيّاشٌ يَحْسَبُ أنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ كافِرٌ. وأوْضَحُ مِن هَذا السِّياقِ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ الحارِثُ بْنُ يَزِيدَ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ يُعَذِّبُ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ مَعَ أبِي جَهْلٍ، «ثُمَّ خَرَجَ مُهاجِرًا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، يَعْنِي الحارِثَ، فَلَقِيَهُ عَيّاشٌ بِالحَرَّةِ فَعَلاهُ بِالسَّيْفِ وهو يَحْسَبُ أنَّهُ كافِرٌ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَنَزَلَتْ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلّا خَطَأً﴾ الآيَةَ، فَقَرَأها النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: قُمْ فَحَرِّرْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ بِأطْوَلَ مِن هَذا. وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ غَيْرِ هَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ قَتَلَهُ أبُو الدَّرْداءِ كانَ في سَرِيَّةٍ، فَعَدَلَ أبُو الدَّرْداءِ إلى شِعْبٍ يُرِيدُ حاجَةً لَهُ، فَوَجَدَ رَجُلًا مِنَ القَوْمِ في غَنَمٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، فَضَرَبَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ وأبُو نُعَيْمٍ نَحْوَ ذَلِكَ ولَكِنْ فِيهِ: أنَّ الَّذِي قَتَلَ المُتَعَوِّذَ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ هو بَكْرُ بْنُ حارِثَةَ الجُهَنِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمُؤْمِنَةِ مَن قَدْ عَقَلَ الإيمانَ وصَلّى. وكُلُّ رَقَبَةٍ في القُرْآنِ لَمْ تُسَمَّ مُؤْمِنَةٌ، فَإنَّهُ يَجُوزُ المَوْلُودُ فَما فَوْقَهُ مِمَّنْ لَيْسَ بِهِ زَمانَةٌ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ إلّا أنْ يَصَّدَّقُوا﴾ قالَ: عَلَيْهِ الدِّيَةُ مُسَلَّمَةً إلّا أنْ يُتَصَدَّقَ بِها عَلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ ( فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ لا يُجْزِئُ فِيها صَبِيٌّ ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِجارِيَةٍ سَوْداءَ فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عَلَيَّ عِتْقَ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، فَقالَ لَها: أيْنَ اللَّهُ ؟ فَأشارَتْ إلى السَّماءِ بِأُصْبُعِها، فَقالَ لَها: فَمَن أنا ؟ فَأشارَتْ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإلى السَّماءِ؛ أيْ: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ أعْتِقْها فَإنَّها مُؤْمِنَةٌ» . وقَدْ رُوِيَ مِن طُرُقٍ، وهو في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ مُعاوِيَةَ بْنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ في تَقْدِيرِ الدِّيَةِ، وفي الفَرْقِ بَيْنَ دِيَةِ الخَطَأِ وِدِيَةِ شِبْهِ العَمْدِ، ودِيَةِ المُسْلِمِ ودِيَةِ الكافِرِ، وهي مَعْرُوفَةٌ، فَلا حاجَةَ لَنا في ذِكْرِها في هَذا المَوْضِعِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ودِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهْلِهِ﴾ قالَ: هَذا المُسْلِمُ الَّذِي ورَثَتُهُ مُسْلِمُونَ ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ﴾ قالَ: هَذا الرَّجُلُ المُسْلِمُ وقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ ولَيْسَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ عَقْدٌ ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ قالَ: هَذا الرَّجُلُ المُسْلِمُ وقَوْمُهُ مُشْرِكُونَ وبَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَقْدٌ فَيُقْتَلُ فَيَكُونُ مِيراثُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وتَكُونُ دِيَتُهُ لِقَوْمِهِ؛ لِأنَّهم يَعْقِلُونَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ﴾ يَقُولُ: فَإنْ كانَ في أهْلِ الحَرْبِ وهو مُؤْمِنٌ فَقَتَلَهُ خَطَأً فَعَلى قاتِلِهِ أنْ يُكَفِّرَ بِتَحْرِيرِ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ، أوْ صِيامِ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ ولا دِيَةَ عَلَيْهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكم وبَيْنَهم مِيثاقٌ﴾ يَقُولُ: إذا كانَ كافِرًا في ذِمَّتِكم فَقُتِلَ فَعَلى قاتِلِهِ الدِّيَةُ مُسَلَّمَةً إلى أهْلِهِ وتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي عَيّاشٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ فَيُسْلِمُ. ثُمَّ يَأْتِي قَوْمَهُ وهم مُشْرِكُونَ فَيُقِيمُ فِيهِمْ فَتَعْزُوهم جُيُوشُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُقْتَلُ الرَّجُلُ فِيمَن يُقْتَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكم وهو مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولَيْسَ لَهُ دِيَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي يَحْيى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: تَجاوُزًا مِنَ اللَّهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ حَيْثُ جَعَلَ في قَتْلِ الخَطَّأِ الكَفّارَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ: أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ قَتَلَ أخا مِقْيَسِ بْنِ صُبابَةَ. فَأعْطاهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الدِّيَةَ فَقَبِلَها، ثُمَّ وثَبَ عَلى قاتِلِ أخِيهِ، وفِيهِ نَزَلَتِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوَهُ، وفِيهِ أنَّ مِقْيَسَ بْنَ صُبابَةَ لَحِقَ بِمَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ وارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ بَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ الفُرْقانِ بِثَمانِ سِنِينَ وهي قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: غَفُورًا رَحِيمًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ١١٦] بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ، والآثارُ عَنِ الصَّحابَةِ في هَذا كَثِيرَةٌ جِدًّا، (p-٣٢١)والحَقُّ ما عَرَّفْناكَ.

النساء 4:94

هَذا مُتَّصِلٌ بِذِكْرِ الجِهادِ والقِتالِ، والضَّرْبُ: السَّيْرُ في الأرْضِ، تَقُولُ العَرَبُ: ضَرَبْتُ في الأرْضِ؛ إذا سِرْتَ لِتِجارَةٍ أوْ غَزْوٍ أوْ غَيْرِهِما، وتَقُولُ: ضَرَبْتُ الأرْضَ بِدُونِ " في " إذا قَصَدْتَ قَضاءَ حاجَةِ الإنْسانِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَخْرُجُ رَجُلانِ يَضْرِبانِ الغائِطَ» . قَوْلُهُ: ( فَتَبَيَّنُوا ) مِنَ التَّبَيُّنِ وهو التَّأمُّلُ، وهي قِراءَةُ الجَماعَةِ إلّا حَمْزَةَ فَإنَّهُ قَرَأ ( فَتَثَبَّتُوا ) مِنَ التَّثَبُّتِ. واخْتارَ القِراءَةَ الأُولى أبُو عُبَيْدَةَ، وأبُو حاتِمٍ قالا: لِأنَّ مَن أُمِرَ بِالتَّبَيُّنِ فَقَدْ أُمِرَ بِالتَّثَبُّتِ، وإنَّما خَصَّ السَّفَرَ بِالأمْرِ بِالتَّبَيُّنِ، مَعَ أنَّ التَّبَيُّنَ والتَّثَبُّتَ في أمْرِ القَتْلِ واجِبانِ حَضَرًا وسَفَرًا بِلا خِلافٍ؛ لِأنَّ الحادِثَةَ الَّتِي هي سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ كانَتْ في السَّفَرِ كَما سَيَأْتِي. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ وقُرِئَ ( السَّلامَ ) ومَعْناهُما واحِدٌ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدَةَ السَّلامَ، وخالَفَهُ أهْلُ النَّظَرِ فَقالُوا، السَّلَمُ هُنا أشْبَهُ؛ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِانْقِيادِ والتَّسْلِيمِ، والمُرادُ هُنا: لا تَقُولُوا لِمَن ألْقى بِيَدِهِ إلَيْكم واسْتَسْلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، فالسَّلَمُ والسَّلامُ كِلاهُما بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى الإسْلامِ؛ أيْ: لا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ الإسْلامَ؛ أيْ: كِلَمَتَهُ وهي الشَّهادَةُ لَسْتَ مُؤْمِنًا، وقِيلَ: هُما بِمَعْنى التَّسْلِيمِ الَّذِي هو تَحِيَّةُ أهْلِ الإسْلامِ؛ أيْ: لا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ التَّسْلِيمَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم: لَسْتَ مُؤْمِنًا. والمُرادُ نَهْيُ المُسْلِمِينَ عَنْ أنْ يُهْمِلُوا ما جاءَ بِهِ الكافِرُ مِمّا يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلى إسْلامِهِ، ويَقُولُوا: إنَّهُ إنَّما جاءَ بِذَلِكَ تَعَوُّذًا وتَقِيَّةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ( لَسْتَ مُؤَمَّنًا ) مِن أمَّنَهُ: إذا أجَرْتَهُ فَهو مُؤَمَّنٌ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ مَن قَتَلَ كافِرًا بَعْدَ أنْ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قُتِلَ بِهِ؛ لِأنَّهُ قَدْ عَصَمَ بِهَذِهِ الكَلِمَةِ دَمَهُ ومالَهُ وأهْلَهُ، وإنَّما سَقَطَ القَتْلُ عَمَّنْ وقَعَ مِنهُ ذَلِكَ في زَمَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّهم تَأوَّلُوا، وظَنُّوا أنَّ مَن قالَها خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ لا يَكُونُ مُسْلِمًا ولا يَصِيرُ بِها دَمُهُ مَعْصُومًا، وأنَّهُ لا بُدَّ مِن أنْ يَقُولَ هَذِهِ الكَلِمَةَ وهو مُطَمْئِنٌ غَيْرُ خائِفٍ، وفي حُكْمِ التَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإسْلامِ إظْهارُ الِانْقِيادِ بِأنْ يَقُولَ: أنا مُسْلِمٌ أوْ أنا عَلى دِينِكم، لِما عَرَفْتَ مِن أنَّ مَعْنى الآيَةِ الِاسْتِسْلامُ والِانْقِيادُ، وهو يَحْصُلُ بِكُلِّ ما يُشْعِرُ بِالإسْلامِ مِن قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ كَلِمَةُ الشَّهادَةِ وكَلِمَةُ التَّسْلِيمِ، فالقَوْلانِ الآخَرانِ في مَعْنى الآيَةِ داخِلانِ تَحْتَ القَوْلِ الأوَّلِ. قَوْلُهُ: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: لا تَقُولُوا تِلْكَ المَقالَةَ طالِبِينَ الغَنِيمَةَ، عَلى أنْ يَكُونَ النَّهْيُ راجِعًا إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ لا إلى القَيْدِ فَقَطْ، وسُمِّيَ مَتاعُ الدُّنْيا عَرَضًا؛ لِأنَّهُ عارِضٌ زائِلٌ غَيْرُ ثابِتٍ، قالَ، أبُو عُبَيْدَةَ،: يُقالُ: جَمِيعُ مَتاعِ الدُّنْيا عَرَضٌ - بِفَتْحِ الرّاءِ - وأمّا العَرْضُ بِسُكُونِ الرّاءِ فَهو ما سِوى الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ، فَكُلُّ عَرْضٍ - بِالسُّكُونِ - عَرَضٌ - بِالفَتْحِ - ولَيْسَ كُلُّ عَرَضٍ - بِالفَتْحِ - عَرْضًا - بِالسُّكُونِ - . وفِي كِتابِ العَيْنِ: العَرَضُ ما نِيلَ مِنَ الدُّنْيا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ [الأنفال: ٦٧] وجَمْعُهُ عُرُوضٌ، وفي المُجْمَلِ لِابْنِ فارِسٍ: والعَرَضُ ما يُعْتَرَضُ لِلْإنْسانِ مِن مَرَضٍ ونَحْوِهِ، وعَرَضُ الدُّنْيا ما كانَ فِيها مِن مالٍ قَلَّ أوْ أكْثَرَ، والعَرْضُ مِنَ الأثاثِ ما كانَ غَيْرَ نَقْدٍ. قَوْلُهُ: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ هو تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ؛ أيْ: عِنْدَ اللَّهِ مِمّا هو حَلالٌ لَكم مِن دُونِ ارْتِكابِ مَحْظُورٍ، مَغانِمُ كَثِيرَةٌ تَغْتَنِمُونَها وتَسْتَغْنُونَ بِها عَنْ قَتْلِ مَن قَدِ اسْتَسْلَمَ وانْقادَ، واغْتِنامِ مالِهِ ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ أيْ: كُنْتُمْ كُفّارًا، فَحُقِنَتْ دِماؤُكم لَمّا تَكَلَّمْتُمْ بِكَلِمَةِ الشَّهادَةِ، أوْ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ، تُخْفُونَ إيمانَكم عَنْ قَوْمِكم خَوْفًا عَلى أنْفُسِكم حَتّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِإعْزازِ دِينِهِ فَأظْهَرْتُمُ الإيمانَ وأعْلَنْتُمْ بِهِ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالتَّبَيُّنِ لِلتَّأكُّدِ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ واجِبًا لا فُسْحَةَ فِيهِ ولا رُخْصَةَ، وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَحِقَ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رَجُلًا مَعَهُ غَنِيمَةٌ لَهُ فَقالَ السَّلامُ عَلَيْكم، فَقَتَلُوهُ وأخَذُوا غَنِيمَتَهُ، فَنَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ بِنَفَرٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وهو يَسُوقُ غَنَمًا لَهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ فَقالُوا: ما سَلَّمَ عَلَيْنا إلّا لِيَتَعَوَّذَ مِنّا، فَعَدَوْا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وأتَوْا بِغَنَمِهِ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي حَدْرَدٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إلى إضَمَ، فَخَرَجْتُ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ الحَرْثُ بْنُ رِبْعِيٍّ، ومُحَلَّمُ بْنُ جَثّامَةَ بْنِ قَيْسٍ اللَّيْثِيُّ، فَخَرَجْنا حَتّى إذا كُنّا بِبَطْنِ إضَمَ مَرَّ بِنا عامِرُ بْنُ الأضْبَطِ الأشْجَعِيُّ عَلى قَعُودٍ لَهُ مَعَهُ مُتَيْعٌ ووَطْبٌ مِن لَبَنٍ، فَلَمّا مَرَّ بِنا سَلَّمَ عَلَيْنا بِتَحِيَّةِ الإسْلامِ، فَأمْسَكْنا عَنْهُ وحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلَّمُ بْنُ جَثّامَةَ لِشَيْءٍ كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ فَقَتَلَهُ وأخَذَ بَعِيرَهُ ومُتَيْعَهُ، فَلَمّا قَدِمْنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأخْبَرْناهُ الخَبَرَ نَزَلَ فِينا القُرْآنُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآيَةَ» . وفِي لَفْظٍ عِنْدَ ابْنِ إسْحاقَ، وعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ، وابْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ المُنْذِرِ، وابْنِ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ أبِي حَدْرَدٍ هَذا «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ لِمُحَلَّمٍ: أقَتَلْتَهُ بَعْدَما قالَ آمَنتُ بِاللَّهِ» ؟ فَنَزَلَ القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ مُحَلَّمًا جَلَسَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ لَهُ، فَقالَ: لا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ، فَقامَ وهو يَتَلَقّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَيْهِ، فَما مَضَتْ بِهِ ساعَةٌ حَتّى ماتَ ودَفَنُوهُ فَلَفَظَتْهُ الأرْضُ، فَجاءُوا إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: (p-٣٢٢)إنَّ الأرْضَ تَقْبَلُ مَن هو شَرٌّ مِن صاحِبِكم، ولَكِنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَعِظَكم، ثُمَّ طَرَحُوهُ في جَبَلٍ وألْقَوْا عَلَيْهِ الحِجارَةَ، فَنَزَلَتْ ( يا ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ضَرَبْتُمْ﴾ )» الآيَةَ، وأخْرَجَ البَزّارُ، والدّارَقُطْنِيُّ في الأفْرادِ والطَّبَرانِيُّ، والضِّياءُ في المُخْتارَةِ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ: أنَّ المِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ قَتَلَ رَجُلًا بَعْدَ ما قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ»، وفي سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْناهُ أحْسَنُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ ) قالَ: تَسْتَخْفُونَ بِإيمانِكم كَما اسْتَخْفى هَذا الرّاعِي بِإيمانِهِ؛ يَعْنِي الَّذِينَ قَتَلُوهُ بَعْدَ أنْ ألْقى إلَيْهِمُ السَّلامَ، وفي لَفْظٍ: تَكْتُمُونَ إيمانَكم مِنَ المُشْرِكِينَ ( ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ ) فَأظْهَرَ الإسْلامَ فَأعْلَنْتُمْ إيمانَكم فَتَبَيَّنُوا، قالَ: وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ ثانٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ﴾ ) قالَ: كُنْتُمْ كُفّارًا حَتّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالإسْلامِ وهَداكم لَهُ.

النساء 4:95

التَّفاوُتُ بَيْنَ دَرَجاتِ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، ودَرَجاتِ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ وإنْ كانَ مَعْلُومًا، لَكِنْ أرادَ سُبْحانَهُ بِهَذا الإخْبارِ تَنْشِيطَ المُجاهِدِينَ لِيَرْغَبُوا وتَبْكِيتَ القاعِدِينَ لِيَأْنَفُوا، قَوْلُهُ: ( ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ) قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ وأبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْقاعِدِينَ كَما قالَ الأخْفَشُ؛ لِأنَّهم لا يُقْصَدُ بِهِمْ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ فَصارُوا كالنَّكِرَةِ فَجازَ وصْفُهم بِغَيْرٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ القاعِدِينَ أوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: إلّا أُولِي الضَّرَرِ فَإنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ المُجاهِدِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ القاعِدِينَ؛ أيْ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ الأصِحّاءُ في حالِ صِحَّتِهِمْ، وجازَتِ الحالُ مِنهم؛ لَأنَّ لَفْظَهم لَفْظُ المَعْرِفَةِ، قالَ العُلَماءُ: أهْلُ الضَّرَرِ هم أهْلُ الأعْذارِ لِأنَّها أضَرَّتْ بِهِمْ حَتّى مَنَعَتْهم عَنِ الجِهادِ، وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ صاحِبَ العُذْرِ يُعْطى مِثْلَ أجْرِ المُجاهِدِ - وقِيلَ: يُعْطى أجْرَهُ مِن غَيْرِ تَضْعِيفٍ، فَيَفْضُلُهُ المُجاهِدُ بِالتَّضْعِيفِ لِأجْلِ المُباشَرَةِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ إنْ شاءَ اللَّهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ «إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما قَطَعْتُمْ وادِيًا ولا سِرْتُمْ مَسِيرًا إلّا كانُوا مَعَكم أُولَئِكَ قَوْمٌ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» قالَ: وفي هَذا المَعْنى ما ورَدَ في الخَبَرِ ( «إذا مَرِضَ العَبْدُ قالَ اللَّهُ تَعالى: اكْتُبُوا لِعَبْدِي ما كانَ يَعْمَلُهُ في الصِّحَّةِ إلى أنْ يَبْرَأ أوْ أقْبِضَهُ إلَيَّ» ) . قَوْلُهُ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ هَذا بَيانٌ لِما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاضُلِ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إجْمالًا، والمُرادُ هُنا غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وقالَ هُنا: ( دَرَجَةً ) وقالَ فِيما بَعْدُ ( دَرَجاتٍ ) فَقالَ قَوْمٌ: التَّفْضِيلُ بِالدَّرَجَةِ ثُمَّ بِالدَّرَجاتِ إنَّما هو مُبالَغَةٌ وبَيانٌ وتَأْكِيدٌ، وقالَ آخَرُونَ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ مِن أُولِي الضَّرَرِ بِدَرَجَةٍ واحِدَةٍ ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ مِن غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ بِدَرَجاتٍ، قالَهُ، ابْنُ جُرَيْجٍ،، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ( دَرَجَةً ) عُلُوًّا؛ أيْ: أعْلى ذِكْرَهم ورَفَعَهم بِالثَّناءِ والمَدْحِ، و( دَرَجَةً ) مُنْتَصِبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ المَصْدَرِيَّةِ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنَ التَّفْضِيلِ؛ أيْ: فَضَّلَ اللَّهُ تَفْضِيلَهُ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُجاهِدِينَ؛ أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ. قَوْلُهُ: و( كُلًّا ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ اللَّهُ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَتِهِ القَصْرَ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ وعَدَهُ اللَّهُ الحُسْنى؛ أيْ: المَثُوبَةَ وهي الجَنَّةُ، قَوْلُهُ: ( أجْرًا ) هو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ ( فَضَّلَ ) بِمَعْنى آجَرَ، فالتَّقْدِيرُ: آجَرَهم أجْرًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِ ( فَضَّلَ ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْطاءِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ مِن ( دَرَجاتٍ ) مُقَدَّمٌ عَلَيْها. ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وأمّا انْتِصابُ ( دَرَجاتٍ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً ) فَهي بَدَلٌ مِن ( أجْرًا )، وقِيلَ: إنَّ ( مَغْفِرَةً ورَحْمَةً ) ناصِبُهُما أفْعالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً ورَحِمَهم رَحْمَةً. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمْلى عَلَيْهِ: ( لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ) فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو يُمْلِيها عَلَيَّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، وكانَ أعْمى، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي ( ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ )» . وقَدْ أخْرَجَ هَذا المَعْنى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ وأخْرَجَهُ أيْضًا، سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ،، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عَنْ أبِيهِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ عَنْ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلى بَدْرٍ. وأخْرَجَهُ عَنْهُ أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَتْ تَشْغَلُهم أمْراضٌ وأوْجاعٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، ولَقَدْ رَأيْتُهُ في بَعْضِ مَشاهِدِ المُسْلِمِينَ مَعَهُ اللِّواءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ قالَ: عَلى أهْلِ الضَّرَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ يُقالُ (p-٣٢٣)الإسْلامُ دَرَجَةٌ، والهِجْرَةُ دَرَجَةٌ في الإسْلامِ، والجِهادُ في الهِجْرَةِ دَرَجَةٌ، والقَتْلُ في الجِهادِ دَرَجَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ في قَوْلِهِ: ( دَرَجاتٍ ) قالَ: الدَّرَجاتُ سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ عَدْوُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .

النساء 4:96

التَّفاوُتُ بَيْنَ دَرَجاتِ مَن قَعَدَ عَنِ الجِهادِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، ودَرَجاتِ مَن جاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ بِمالِهِ ونَفْسِهِ وإنْ كانَ مَعْلُومًا، لَكِنْ أرادَ سُبْحانَهُ بِهَذا الإخْبارِ تَنْشِيطَ المُجاهِدِينَ لِيَرْغَبُوا وتَبْكِيتَ القاعِدِينَ لِيَأْنَفُوا، قَوْلُهُ: ( ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ) قَرَأ أهْلُ الكُوفَةِ وأبُو عَمْرٍو بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْقاعِدِينَ كَما قالَ الأخْفَشُ؛ لِأنَّهم لا يُقْصَدُ بِهِمْ قَوْمٌ بِأعْيانِهِمْ فَصارُوا كالنَّكِرَةِ فَجازَ وصْفُهم بِغَيْرٍ. وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ بِكَسْرِ الرّاءِ عَلى أنَّهُ وصْفٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، وقَرَأ أهْلُ الحَرَمَيْنِ بِفَتْحِ الرّاءِ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ القاعِدِينَ أوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ؛ أيْ: إلّا أُولِي الضَّرَرِ فَإنَّهم يَسْتَوُونَ مَعَ المُجاهِدِينَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُنْتَصِبًا عَلى الحالِ مِنَ القاعِدِينَ؛ أيْ: لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ الأصِحّاءُ في حالِ صِحَّتِهِمْ، وجازَتِ الحالُ مِنهم؛ لَأنَّ لَفْظَهم لَفْظُ المَعْرِفَةِ، قالَ العُلَماءُ: أهْلُ الضَّرَرِ هم أهْلُ الأعْذارِ لِأنَّها أضَرَّتْ بِهِمْ حَتّى مَنَعَتْهم عَنِ الجِهادِ، وظاهِرُ النَّظْمِ القُرْآنِيِّ أنَّ صاحِبَ العُذْرِ يُعْطى مِثْلَ أجْرِ المُجاهِدِ - وقِيلَ: يُعْطى أجْرَهُ مِن غَيْرِ تَضْعِيفٍ، فَيَفْضُلُهُ المُجاهِدُ بِالتَّضْعِيفِ لِأجْلِ المُباشَرَةِ، قالَ القُرْطُبِيُّ: والأوَّلُ أصَحُّ إنْ شاءَ اللَّهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ في ذَلِكَ «إنَّ بِالمَدِينَةِ رِجالًا ما قَطَعْتُمْ وادِيًا ولا سِرْتُمْ مَسِيرًا إلّا كانُوا مَعَكم أُولَئِكَ قَوْمٌ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» قالَ: وفي هَذا المَعْنى ما ورَدَ في الخَبَرِ ( «إذا مَرِضَ العَبْدُ قالَ اللَّهُ تَعالى: اكْتُبُوا لِعَبْدِي ما كانَ يَعْمَلُهُ في الصِّحَّةِ إلى أنْ يَبْرَأ أوْ أقْبِضَهُ إلَيَّ» ) . قَوْلُهُ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ هَذا بَيانٌ لِما بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ مِنَ التَّفاضُلِ المَفْهُومِ مِن ذِكْرِ عَدَمِ الِاسْتِواءِ إجْمالًا، والمُرادُ هُنا غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ عَلى المُقَيَّدِ، وقالَ هُنا: ( دَرَجَةً ) وقالَ فِيما بَعْدُ ( دَرَجاتٍ ) فَقالَ قَوْمٌ: التَّفْضِيلُ بِالدَّرَجَةِ ثُمَّ بِالدَّرَجاتِ إنَّما هو مُبالَغَةٌ وبَيانٌ وتَأْكِيدٌ، وقالَ آخَرُونَ: فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ مِن أُولِي الضَّرَرِ بِدَرَجَةٍ واحِدَةٍ ﴿وفَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ﴾ مِن غَيْرِ أُولِي الضَّرَرِ بِدَرَجاتٍ، قالَهُ، ابْنُ جُرَيْجٍ،، والسُّدِّيُّ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى ( دَرَجَةً ) عُلُوًّا؛ أيْ: أعْلى ذِكْرَهم ورَفَعَهم بِالثَّناءِ والمَدْحِ، و( دَرَجَةً ) مُنْتَصِبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ أوِ المَصْدَرِيَّةِ لِوُقُوعِها مَوْقِعَ المَرَّةِ مِنَ التَّفْضِيلِ؛ أيْ: فَضَّلَ اللَّهُ تَفْضِيلَهُ أوْ عَلى نَزْعِ الخافِضِ أوْ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُجاهِدِينَ؛ أيْ: ذَوِي دَرَجَةٍ. قَوْلُهُ: و( كُلًّا ) مَفْعُولٌ أوَّلُ لِقَوْلِهِ: ( وعَدَ اللَّهُ ) قُدِّمَ عَلَيْهِ لِإفادَتِهِ القَصْرَ؛ أيْ: كُلُّ واحِدٍ مِنَ المُجاهِدِينَ والقاعِدِينَ وعَدَهُ اللَّهُ الحُسْنى؛ أيْ: المَثُوبَةَ وهي الجَنَّةُ، قَوْلُهُ: ( أجْرًا ) هو مُنْتَصِبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقِيلَ: عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِأنَّ ( فَضَّلَ ) بِمَعْنى آجَرَ، فالتَّقْدِيرُ: آجَرَهم أجْرًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ لِ ( فَضَّلَ ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْطاءِ، وقِيلَ: مَنصُوبٌ بِنَزْعِ الخافِضِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ مِن ( دَرَجاتٍ ) مُقَدَّمٌ عَلَيْها. ﴿دَرَجاتٍ مِنهُ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ وأمّا انْتِصابُ ( دَرَجاتٍ ومَغْفِرَةً ورَحْمَةً ) فَهي بَدَلٌ مِن ( أجْرًا )، وقِيلَ: إنَّ ( مَغْفِرَةً ورَحْمَةً ) ناصِبُهُما أفْعالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: غَفَرَ لَهم مَغْفِرَةً ورَحِمَهم رَحْمَةً. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وغَيْرُهم، «عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمْلى عَلَيْهِ: ( لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ) فَجاءَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وهو يُمْلِيها عَلَيَّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أسْتَطِيعُ الجِهادَ لَجاهَدْتُ، وكانَ أعْمى، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وفَخِذُهُ عَلى فَخِذِي ( ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ )» . وقَدْ أخْرَجَ هَذا المَعْنى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن حَدِيثِ البَراءِ وأخْرَجَهُ أيْضًا، سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ،، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ مِن حَدِيثِ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ عَنْ أبِيهِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ عَنْ بَدْرٍ والخارِجُونَ إلى بَدْرٍ. وأخْرَجَهُ عَنْهُ أيْضًا عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانَتْ تَشْغَلُهم أمْراضٌ وأوْجاعٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، ولَقَدْ رَأيْتُهُ في بَعْضِ مَشاهِدِ المُسْلِمِينَ مَعَهُ اللِّواءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ المُجاهِدِينَ بِأمْوالِهِمْ وأنْفُسِهِمْ عَلى القاعِدِينَ دَرَجَةً﴾ قالَ: عَلى أهْلِ الضَّرَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلًّا وعَدَ اللَّهُ الحُسْنى﴾ قالَ: الجَنَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ يُقالُ (p-٣٢٣)الإسْلامُ دَرَجَةٌ، والهِجْرَةُ دَرَجَةٌ في الإسْلامِ، والجِهادُ في الهِجْرَةِ دَرَجَةٌ، والقَتْلُ في الجِهادِ دَرَجَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ في قَوْلِهِ: ( دَرَجاتٍ ) قالَ: الدَّرَجاتُ سَبْعُونَ دَرَجَةً ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ عَدْوُ الفَرَسِ الجَوادِ المُضَمَّرِ سَبْعِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّها اللَّهُ لِلْمُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ ما بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَإذا سَألْتُمُ اللَّهَ فَسَلُوهُ الفِرْدَوْسَ، فَإنَّهُ أوْسَطُ الجَنَّةِ وأعْلى الجَنَّةِ، وفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ومِنهُ تَفَجَّرُ أنْهارُ الجَنَّةِ» .

النساء 4:97

قَوْلُهُ: ( تَوَفّاهُمُ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا وحُذِفَتْ مِنهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا، والأصْلُ تَتَوَفّاهُمُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى تَحْشُرُهم إلى النّارِ، وقِيلَ: تَقْبِضُ أرْواحَهم وهو الأظْهَرُ. والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ مَلائِكَةُ المَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ [السجدة: ١١]، وقَوْلُهُ: ( ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ) حالٌ؛ أيْ: في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وقَوْلُ المَلائِكَةِ: فِيمَ كُنْتُمْ سُؤالُ تَوْبِيخٍ؛ أيْ: في شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكم ؟ وقِيلَ: المَعْنى أكُنْتُمْ في أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى السُّؤالِ التَّقْرِيعُ لَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وقَوْلُهم: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ؛ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مَن أسْلَمَ بِها ولَمْ يُهاجِرْ كَما سَيَأْتِي، ثُمَّ أوْقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى دِينِهِمْ وألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وقَطَعَتْ مَعْذِرَتَهم فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ المَدِينَةُ، والأوْلى العُمُومُ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو الحَقُّ، فَيُرادُ بِالأرْضِ كُلُّ بُقْعَةٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ تَصْلُحُ الهِجْرَةُ إلَيْها، ويُرادُ بِالأرْضِ الأُولى كُلُّ أرْضٍ يَنْبَغِي الهِجْرَةُ مِنها. قَوْلُهُ: ( ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ) هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ والجُمْلَةُ خَبَرُ ( إنَّ ) في قَوْلِهِ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ ) ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ اسْمِ ( إنَّ ) مَعْنى الشَّرْطِ و( ساءَتْ ) أيْ: جَهَنَّمَ ( مَصِيرًا ) أيْ: مَكانًا يَصِيرُونَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ( إلّا المُسْتَضْعَفِينَ ) هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مَأْواهم )، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِ المُسْتَضْعَفِينَ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: كائِنِينَ مِنهم، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ الزَّمْنى ونَحْوُهم، والوِلْدانُ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وإنَّما ذَكَرَ الوِلْدانَ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَهم لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في أمْرِ الهِجْرَةِ، وإيهامِ أنَّها تَجِبُ لَوِ اسْتَطاعَها غَيْرُ المُكَلَّفِ، فَكَيْفَ مَن كانَ مُكَلَّفًا، وقِيلَ: أرادَ بِالوِلْدانِ المُراهِقِينَ والمَمالِيكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: الحِيلَةُ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ حِيلَةً ولا طَرِيقًا إلى ذَلِكَ، وقِيلَ السَّبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ. فَأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُسْتَضْعَفِينَ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وجِيءَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ لِتَأْكِيدِ أمْرِ الهِجْرَةِ، حَتّى يَظُنَّ أنَّ تَرْكَها مِمَّنْ لا تَجِبُ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَنْبًا يَجِبُ طَلَبُ العَفْوِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّرْغِيبِ في الهِجْرَةِ والتَّنْشِيطِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: في سَبِيلِ اللَّهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهِجْرَةَ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ ونِيَّةٍ خالِصَةٍ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» . وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا﴾ ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم: المُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: فَهَذِهِ الأقْوالُ مُتَّفِقَةُ المَعانِي، فالمُراغَمُ: المَذْهَبُ والمُتَحَوَّلُ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُراغَمُ فِيهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّغامِ وهو التُّرابُ، ورَغِمَ أنْفُ فُلانٍ؛ أيْ: لَصِقَ بِالتُّرابِ، وراغَمْتُ فُلانًا: هَجَرْتُهُ وعادَيْتُهُ ولَمْ أُبالِ أنَّ رَغِمَ أنْفُهُ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ مُهاجِرًا ومُراغِمًا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ عادى قَوْمَهُ وهَجَرَهم، فَسُمِّيَ خُرُوجُهُ مُراغِمًا، وسُمِّي مَسِيرُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هِجْرَةً، والحاصِلُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُهاجِرَ يَجِدُ في الأرْضِ مَكانًا يَسْكُنُ فِيهِ عَلى رَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهم؛ أيْ: عَلى ذُلِّهِمْ وهَوانِهِمْ، قَوْلُهُ: ( وسَعَةً ) أيْ: في البِلادِ، وقِيلَ: في الرِّزْقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ السَّعَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ قُرِئَ: ( يُدْرِكْهُ ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، والمَعْنى: أنَّ مَن أدْرَكَهُ المَوْتُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ، وهو المَكانُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ إلَيْهِ أوِ الأمْرُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ لَهُ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ثُبُوتًا لا يَتَخَلَّفُ ( ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ) أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ رَحِيمًا؛ أيْ: كَثِيرَ الرَّحْمَةِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ (p-٣٢٤)الهِجْرَةَ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مَن كانَ بِدارِ الشِّرْكِ أوْ بِدارٍ يُعْمَلُ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ جِهارًا إذا كانَ قادِرًا عَلى الهِجْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ لِما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ العُمُومِ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا كَما تَقَدَّمَ، وظاهِرُها عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ مَكانٍ ومَكانٍ وزَمانٍ وزَمانٍ، وقَدْ ورَدَ في الهِجْرَةِ أحادِيثُ، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وقَدْ أوْضَحْنا ما هو الحَقُّ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ فَأُصِيبَ بَعْضُهم وقُتِلَ البَعْضُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهم، فَنَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهم، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا وأيِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا فَخَرَجُوا فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ مُقْتَصِرًا عَلى أوَّلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وأتْباعُهم لِمَنعِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وعِيرِ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وأنْ يَطْلُبُوا ما نِيلَ مِنهم يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهم بِشَبابٍ كارِهِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفّارًا ورَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْناهم. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ فَقالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ أنا مِنَ الوِلْدانِ وأُمِّي مِنَ النِّساءِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) قالَ: قُوَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قالَ: نُهُوضًا إلى المَدِينَةِ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قالَ: طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ ) قالَ: المُراغَمُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والسَّعَةُ: الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مُراغَمًا قالَ: مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وسَعَةً﴾ ) قالَ: ورَخاءً. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مالِكٍ قالَ: سَعَةُ البِلادِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا فَقالَ لِقَوْمِهِ: احْمِلُونِي فَأخْرِجُونِي مِن أرْضِ الشِّرْكِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَماتَ في الطَّرِيقِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَ الوَحْيُ ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وأيْنَ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَخَرَّ عَنْ دابَّتِهِ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ لَدَغَتْهُ دابَّةٌ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ» - يَعْنِي: بِحَتْفِ أنْفِهِ عَلى فِراشِهِ، واللَّهِ إنَّها لَكَلِمَةٌ ما سَمِعْتُها مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - ومَن قُتِلَ قَعْصاءَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًّا في سَبِيلِ اللَّهِ فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . قالَ، ابْنُ كَثِيرٍ،: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ.

النساء 4:98

قَوْلُهُ: ( تَوَفّاهُمُ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا وحُذِفَتْ مِنهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا، والأصْلُ تَتَوَفّاهُمُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى تَحْشُرُهم إلى النّارِ، وقِيلَ: تَقْبِضُ أرْواحَهم وهو الأظْهَرُ. والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ مَلائِكَةُ المَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ [السجدة: ١١]، وقَوْلُهُ: ( ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ) حالٌ؛ أيْ: في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وقَوْلُ المَلائِكَةِ: فِيمَ كُنْتُمْ سُؤالُ تَوْبِيخٍ؛ أيْ: في شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكم ؟ وقِيلَ: المَعْنى أكُنْتُمْ في أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى السُّؤالِ التَّقْرِيعُ لَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وقَوْلُهم: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ؛ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مَن أسْلَمَ بِها ولَمْ يُهاجِرْ كَما سَيَأْتِي، ثُمَّ أوْقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى دِينِهِمْ وألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وقَطَعَتْ مَعْذِرَتَهم فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ المَدِينَةُ، والأوْلى العُمُومُ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو الحَقُّ، فَيُرادُ بِالأرْضِ كُلُّ بُقْعَةٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ تَصْلُحُ الهِجْرَةُ إلَيْها، ويُرادُ بِالأرْضِ الأُولى كُلُّ أرْضٍ يَنْبَغِي الهِجْرَةُ مِنها. قَوْلُهُ: ( ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ) هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ والجُمْلَةُ خَبَرُ ( إنَّ ) في قَوْلِهِ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ ) ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ اسْمِ ( إنَّ ) مَعْنى الشَّرْطِ و( ساءَتْ ) أيْ: جَهَنَّمَ ( مَصِيرًا ) أيْ: مَكانًا يَصِيرُونَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ( إلّا المُسْتَضْعَفِينَ ) هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مَأْواهم )، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِ المُسْتَضْعَفِينَ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: كائِنِينَ مِنهم، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ الزَّمْنى ونَحْوُهم، والوِلْدانُ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وإنَّما ذَكَرَ الوِلْدانَ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَهم لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في أمْرِ الهِجْرَةِ، وإيهامِ أنَّها تَجِبُ لَوِ اسْتَطاعَها غَيْرُ المُكَلَّفِ، فَكَيْفَ مَن كانَ مُكَلَّفًا، وقِيلَ: أرادَ بِالوِلْدانِ المُراهِقِينَ والمَمالِيكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: الحِيلَةُ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ حِيلَةً ولا طَرِيقًا إلى ذَلِكَ، وقِيلَ السَّبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ. فَأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُسْتَضْعَفِينَ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وجِيءَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ لِتَأْكِيدِ أمْرِ الهِجْرَةِ، حَتّى يَظُنَّ أنَّ تَرْكَها مِمَّنْ لا تَجِبُ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَنْبًا يَجِبُ طَلَبُ العَفْوِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّرْغِيبِ في الهِجْرَةِ والتَّنْشِيطِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: في سَبِيلِ اللَّهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهِجْرَةَ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ ونِيَّةٍ خالِصَةٍ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» . وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا﴾ ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم: المُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: فَهَذِهِ الأقْوالُ مُتَّفِقَةُ المَعانِي، فالمُراغَمُ: المَذْهَبُ والمُتَحَوَّلُ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُراغَمُ فِيهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّغامِ وهو التُّرابُ، ورَغِمَ أنْفُ فُلانٍ؛ أيْ: لَصِقَ بِالتُّرابِ، وراغَمْتُ فُلانًا: هَجَرْتُهُ وعادَيْتُهُ ولَمْ أُبالِ أنَّ رَغِمَ أنْفُهُ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ مُهاجِرًا ومُراغِمًا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ عادى قَوْمَهُ وهَجَرَهم، فَسُمِّيَ خُرُوجُهُ مُراغِمًا، وسُمِّي مَسِيرُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هِجْرَةً، والحاصِلُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُهاجِرَ يَجِدُ في الأرْضِ مَكانًا يَسْكُنُ فِيهِ عَلى رَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهم؛ أيْ: عَلى ذُلِّهِمْ وهَوانِهِمْ، قَوْلُهُ: ( وسَعَةً ) أيْ: في البِلادِ، وقِيلَ: في الرِّزْقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ السَّعَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ قُرِئَ: ( يُدْرِكْهُ ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، والمَعْنى: أنَّ مَن أدْرَكَهُ المَوْتُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ، وهو المَكانُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ إلَيْهِ أوِ الأمْرُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ لَهُ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ثُبُوتًا لا يَتَخَلَّفُ ( ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ) أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ رَحِيمًا؛ أيْ: كَثِيرَ الرَّحْمَةِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ (p-٣٢٤)الهِجْرَةَ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مَن كانَ بِدارِ الشِّرْكِ أوْ بِدارٍ يُعْمَلُ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ جِهارًا إذا كانَ قادِرًا عَلى الهِجْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ لِما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ العُمُومِ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا كَما تَقَدَّمَ، وظاهِرُها عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ مَكانٍ ومَكانٍ وزَمانٍ وزَمانٍ، وقَدْ ورَدَ في الهِجْرَةِ أحادِيثُ، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وقَدْ أوْضَحْنا ما هو الحَقُّ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ فَأُصِيبَ بَعْضُهم وقُتِلَ البَعْضُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهم، فَنَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهم، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا وأيِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا فَخَرَجُوا فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ مُقْتَصِرًا عَلى أوَّلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وأتْباعُهم لِمَنعِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وعِيرِ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وأنْ يَطْلُبُوا ما نِيلَ مِنهم يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهم بِشَبابٍ كارِهِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفّارًا ورَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْناهم. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ فَقالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ أنا مِنَ الوِلْدانِ وأُمِّي مِنَ النِّساءِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) قالَ: قُوَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قالَ: نُهُوضًا إلى المَدِينَةِ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قالَ: طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ ) قالَ: المُراغَمُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والسَّعَةُ: الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مُراغَمًا قالَ: مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وسَعَةً﴾ ) قالَ: ورَخاءً. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مالِكٍ قالَ: سَعَةُ البِلادِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا فَقالَ لِقَوْمِهِ: احْمِلُونِي فَأخْرِجُونِي مِن أرْضِ الشِّرْكِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَماتَ في الطَّرِيقِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَ الوَحْيُ ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وأيْنَ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَخَرَّ عَنْ دابَّتِهِ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ لَدَغَتْهُ دابَّةٌ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ» - يَعْنِي: بِحَتْفِ أنْفِهِ عَلى فِراشِهِ، واللَّهِ إنَّها لَكَلِمَةٌ ما سَمِعْتُها مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - ومَن قُتِلَ قَعْصاءَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًّا في سَبِيلِ اللَّهِ فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . قالَ، ابْنُ كَثِيرٍ،: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ.

النساء 4:99

قَوْلُهُ: ( تَوَفّاهُمُ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا وحُذِفَتْ مِنهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا، والأصْلُ تَتَوَفّاهُمُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى تَحْشُرُهم إلى النّارِ، وقِيلَ: تَقْبِضُ أرْواحَهم وهو الأظْهَرُ. والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ مَلائِكَةُ المَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ [السجدة: ١١]، وقَوْلُهُ: ( ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ) حالٌ؛ أيْ: في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وقَوْلُ المَلائِكَةِ: فِيمَ كُنْتُمْ سُؤالُ تَوْبِيخٍ؛ أيْ: في شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكم ؟ وقِيلَ: المَعْنى أكُنْتُمْ في أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى السُّؤالِ التَّقْرِيعُ لَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وقَوْلُهم: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ؛ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مَن أسْلَمَ بِها ولَمْ يُهاجِرْ كَما سَيَأْتِي، ثُمَّ أوْقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى دِينِهِمْ وألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وقَطَعَتْ مَعْذِرَتَهم فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ المَدِينَةُ، والأوْلى العُمُومُ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو الحَقُّ، فَيُرادُ بِالأرْضِ كُلُّ بُقْعَةٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ تَصْلُحُ الهِجْرَةُ إلَيْها، ويُرادُ بِالأرْضِ الأُولى كُلُّ أرْضٍ يَنْبَغِي الهِجْرَةُ مِنها. قَوْلُهُ: ( ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ) هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ والجُمْلَةُ خَبَرُ ( إنَّ ) في قَوْلِهِ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ ) ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ اسْمِ ( إنَّ ) مَعْنى الشَّرْطِ و( ساءَتْ ) أيْ: جَهَنَّمَ ( مَصِيرًا ) أيْ: مَكانًا يَصِيرُونَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ( إلّا المُسْتَضْعَفِينَ ) هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مَأْواهم )، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِ المُسْتَضْعَفِينَ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: كائِنِينَ مِنهم، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ الزَّمْنى ونَحْوُهم، والوِلْدانُ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وإنَّما ذَكَرَ الوِلْدانَ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَهم لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في أمْرِ الهِجْرَةِ، وإيهامِ أنَّها تَجِبُ لَوِ اسْتَطاعَها غَيْرُ المُكَلَّفِ، فَكَيْفَ مَن كانَ مُكَلَّفًا، وقِيلَ: أرادَ بِالوِلْدانِ المُراهِقِينَ والمَمالِيكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: الحِيلَةُ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ حِيلَةً ولا طَرِيقًا إلى ذَلِكَ، وقِيلَ السَّبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ. فَأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُسْتَضْعَفِينَ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وجِيءَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ لِتَأْكِيدِ أمْرِ الهِجْرَةِ، حَتّى يَظُنَّ أنَّ تَرْكَها مِمَّنْ لا تَجِبُ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَنْبًا يَجِبُ طَلَبُ العَفْوِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّرْغِيبِ في الهِجْرَةِ والتَّنْشِيطِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: في سَبِيلِ اللَّهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهِجْرَةَ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ ونِيَّةٍ خالِصَةٍ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» . وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا﴾ ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم: المُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: فَهَذِهِ الأقْوالُ مُتَّفِقَةُ المَعانِي، فالمُراغَمُ: المَذْهَبُ والمُتَحَوَّلُ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُراغَمُ فِيهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّغامِ وهو التُّرابُ، ورَغِمَ أنْفُ فُلانٍ؛ أيْ: لَصِقَ بِالتُّرابِ، وراغَمْتُ فُلانًا: هَجَرْتُهُ وعادَيْتُهُ ولَمْ أُبالِ أنَّ رَغِمَ أنْفُهُ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ مُهاجِرًا ومُراغِمًا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ عادى قَوْمَهُ وهَجَرَهم، فَسُمِّيَ خُرُوجُهُ مُراغِمًا، وسُمِّي مَسِيرُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هِجْرَةً، والحاصِلُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُهاجِرَ يَجِدُ في الأرْضِ مَكانًا يَسْكُنُ فِيهِ عَلى رَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهم؛ أيْ: عَلى ذُلِّهِمْ وهَوانِهِمْ، قَوْلُهُ: ( وسَعَةً ) أيْ: في البِلادِ، وقِيلَ: في الرِّزْقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ السَّعَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ قُرِئَ: ( يُدْرِكْهُ ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، والمَعْنى: أنَّ مَن أدْرَكَهُ المَوْتُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ، وهو المَكانُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ إلَيْهِ أوِ الأمْرُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ لَهُ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ثُبُوتًا لا يَتَخَلَّفُ ( ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ) أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ رَحِيمًا؛ أيْ: كَثِيرَ الرَّحْمَةِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ (p-٣٢٤)الهِجْرَةَ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مَن كانَ بِدارِ الشِّرْكِ أوْ بِدارٍ يُعْمَلُ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ جِهارًا إذا كانَ قادِرًا عَلى الهِجْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ لِما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ العُمُومِ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا كَما تَقَدَّمَ، وظاهِرُها عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ مَكانٍ ومَكانٍ وزَمانٍ وزَمانٍ، وقَدْ ورَدَ في الهِجْرَةِ أحادِيثُ، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وقَدْ أوْضَحْنا ما هو الحَقُّ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ فَأُصِيبَ بَعْضُهم وقُتِلَ البَعْضُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهم، فَنَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهم، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا وأيِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا فَخَرَجُوا فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ مُقْتَصِرًا عَلى أوَّلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وأتْباعُهم لِمَنعِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وعِيرِ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وأنْ يَطْلُبُوا ما نِيلَ مِنهم يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهم بِشَبابٍ كارِهِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفّارًا ورَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْناهم. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ فَقالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ أنا مِنَ الوِلْدانِ وأُمِّي مِنَ النِّساءِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) قالَ: قُوَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قالَ: نُهُوضًا إلى المَدِينَةِ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قالَ: طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ ) قالَ: المُراغَمُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والسَّعَةُ: الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مُراغَمًا قالَ: مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وسَعَةً﴾ ) قالَ: ورَخاءً. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مالِكٍ قالَ: سَعَةُ البِلادِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا فَقالَ لِقَوْمِهِ: احْمِلُونِي فَأخْرِجُونِي مِن أرْضِ الشِّرْكِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَماتَ في الطَّرِيقِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَ الوَحْيُ ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وأيْنَ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَخَرَّ عَنْ دابَّتِهِ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ لَدَغَتْهُ دابَّةٌ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ» - يَعْنِي: بِحَتْفِ أنْفِهِ عَلى فِراشِهِ، واللَّهِ إنَّها لَكَلِمَةٌ ما سَمِعْتُها مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - ومَن قُتِلَ قَعْصاءَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًّا في سَبِيلِ اللَّهِ فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . قالَ، ابْنُ كَثِيرٍ،: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ.

النساء 4:100

قَوْلُهُ: ( تَوَفّاهُمُ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا وحُذِفَتْ مِنهُ عَلامَةُ التَّأْنِيثِ؛ لِأنَّ تَأْنِيثَ المَلائِكَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلًا، والأصْلُ تَتَوَفّاهُمُ، فَحُذِفَتْ إحْدى التّاءَيْنِ، وحَكى ابْنُ فُورَكٍ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى تَحْشُرُهم إلى النّارِ، وقِيلَ: تَقْبِضُ أرْواحَهم وهو الأظْهَرُ. والمُرادُ بِالمَلائِكَةِ مَلائِكَةُ المَوْتِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفّاكم مَلَكُ المَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكم﴾ [السجدة: ١١]، وقَوْلُهُ: ( ﴿ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ ) حالٌ؛ أيْ: في حالِ ظُلْمِهِمْ أنْفُسَهم، وقَوْلُ المَلائِكَةِ: فِيمَ كُنْتُمْ سُؤالُ تَوْبِيخٍ؛ أيْ: في شَيْءٍ كُنْتُمْ مِن أُمُورِ دِينِكم ؟ وقِيلَ: المَعْنى أكُنْتُمْ في أصْحابِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أمْ كُنْتُمْ مُشْرِكِينَ، وقِيلَ: إنَّ مَعْنى السُّؤالِ التَّقْرِيعُ لَهم بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا في شَيْءٍ مِنَ الدِّينِ. وقَوْلُهم: ﴿كُنّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرْضِ﴾ يَعْنِي: مَكَّةَ؛ لِأنَّ سَبَبَ النُّزُولِ مَن أسْلَمَ بِها ولَمْ يُهاجِرْ كَما سَيَأْتِي، ثُمَّ أوْقَفَتْهُمُ المَلائِكَةُ عَلى دِينِهِمْ وألْزَمَتْهُمُ الحُجَّةَ وقَطَعَتْ مَعْذِرَتَهم فَقالُوا: ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها﴾ قِيلَ: المُرادُ بِهَذِهِ الأرْضِ المَدِينَةُ، والأوْلى العُمُومُ اعْتِبارًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ كَما هو الحَقُّ، فَيُرادُ بِالأرْضِ كُلُّ بُقْعَةٍ مِن بِقاعِ الأرْضِ تَصْلُحُ الهِجْرَةُ إلَيْها، ويُرادُ بِالأرْضِ الأُولى كُلُّ أرْضٍ يَنْبَغِي الهِجْرَةُ مِنها. قَوْلُهُ: ( ﴿مَأْواهم جَهَنَّمُ﴾ ) هَذِهِ الجُمْلَةُ خَبَرٌ لِأُولَئِكَ والجُمْلَةُ خَبَرُ ( إنَّ ) في قَوْلِهِ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ ) ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ اسْمِ ( إنَّ ) مَعْنى الشَّرْطِ و( ساءَتْ ) أيْ: جَهَنَّمَ ( مَصِيرًا ) أيْ: مَكانًا يَصِيرُونَ إلَيْهِ. قَوْلُهُ: ( إلّا المُسْتَضْعَفِينَ ) هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ( مَأْواهم )، وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِعَدَمِ دُخُولِ المُسْتَضْعَفِينَ في المَوْصُولِ وضَمِيرِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ؛ أيْ: كائِنِينَ مِنهم، والمُرادُ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ الزَّمْنى ونَحْوُهم، والوِلْدانُ كَعَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وسَلَمَةَ بْنِ هِشامٍ، وإنَّما ذَكَرَ الوِلْدانَ مَعَ عَدَمِ التَّكْلِيفِ لَهم لِقَصْدِ المُبالِغَةِ في أمْرِ الهِجْرَةِ، وإيهامِ أنَّها تَجِبُ لَوِ اسْتَطاعَها غَيْرُ المُكَلَّفِ، فَكَيْفَ مَن كانَ مُكَلَّفًا، وقِيلَ: أرادَ بِالوِلْدانِ المُراهِقِينَ والمَمالِيكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) صِفَةٌ لِلْمُسْتَضْعَفِينَ أوْ لِلرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ، أوْ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في المُسْتَضْعَفِينَ، وقِيلَ: الحِيلَةُ لَفْظٌ عامٌّ لِأنْواعِ أسْبابِ التَّخَلُّصِ؛ أيْ: لا يَجِدُونَ حِيلَةً ولا طَرِيقًا إلى ذَلِكَ، وقِيلَ السَّبِيلُ: سَبِيلُ المَدِينَةِ. فَأُولَئِكَ إشارَةٌ إلى المُسْتَضْعَفِينَ المَوْصُوفِينَ بِما ذَكَرَ ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وجِيءَ بِكَلِمَةِ الإطْماعِ لِتَأْكِيدِ أمْرِ الهِجْرَةِ، حَتّى يَظُنَّ أنَّ تَرْكَها مِمَّنْ لا تَجِبُ عَلَيْهِ يَكُونُ ذَنْبًا يَجِبُ طَلَبُ العَفْوِ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يُهاجِرْ في سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلتَّرْغِيبِ في الهِجْرَةِ والتَّنْشِيطِ إلَيْها، وقَوْلُهُ: في سَبِيلِ اللَّهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الهِجْرَةَ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ بِقَصْدٍ صَحِيحٍ ونِيَّةٍ خالِصَةٍ غَيْرَ مَشُوبَةٍ بِشَيْءٍ مِن أُمُورِ الدُّنْيا، ومِنهُ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ «فَمَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، ومَن كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها أوِ امْرَأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ» . وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( ﴿يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا﴾ ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وجَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ ومَن بَعْدَهم: المُراغَمُ: المُتَحَوَّلُ والمَذْهَبُ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُراغَمُ: المُتَزَحْزَحُ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ. قالَ النَّحّاسُ: فَهَذِهِ الأقْوالُ مُتَّفِقَةُ المَعانِي، فالمُراغَمُ: المَذْهَبُ والمُتَحَوَّلُ، وهو المَوْضِعُ الَّذِي يُراغَمُ فِيهِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّغامِ وهو التُّرابُ، ورَغِمَ أنْفُ فُلانٍ؛ أيْ: لَصِقَ بِالتُّرابِ، وراغَمْتُ فُلانًا: هَجَرْتُهُ وعادَيْتُهُ ولَمْ أُبالِ أنَّ رَغِمَ أنْفُهُ، وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ مُهاجِرًا ومُراغِمًا؛ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ إذا أسْلَمَ عادى قَوْمَهُ وهَجَرَهم، فَسُمِّيَ خُرُوجُهُ مُراغِمًا، وسُمِّي مَسِيرُهُ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ هِجْرَةً، والحاصِلُ في مَعْنى الآيَةِ أنَّ المُهاجِرَ يَجِدُ في الأرْضِ مَكانًا يَسْكُنُ فِيهِ عَلى رَغْمِ أنْفِ قَوْمِهِ الَّذِينَ هاجَرَهم؛ أيْ: عَلى ذُلِّهِمْ وهَوانِهِمْ، قَوْلُهُ: ( وسَعَةً ) أيْ: في البِلادِ، وقِيلَ: في الرِّزْقِ، ولا مانِعَ مِن حَمْلِ السَّعَةِ عَلى ما هو أعَمُّ مِن ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ قُرِئَ: ( يُدْرِكْهُ ) بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلِ الشَّرْطِ، وبِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وبِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ أنْ، والمَعْنى: أنَّ مَن أدْرَكَهُ المَوْتُ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى مَطْلُوبِهِ، وهو المَكانُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ إلَيْهِ أوِ الأمْرُ الَّذِي قَصَدَ الهِجْرَةَ لَهُ ﴿فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ أيْ: ثَبَتَ ذَلِكَ عِنْدَهُ ثُبُوتًا لا يَتَخَلَّفُ ( ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ ) أيْ: كَثِيرَ المَغْفِرَةِ رَحِيمًا؛ أيْ: كَثِيرَ الرَّحْمَةِ. وقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ (p-٣٢٤)الهِجْرَةَ واجِبَةٌ عَلى كُلِّ مَن كانَ بِدارِ الشِّرْكِ أوْ بِدارٍ يُعْمَلُ فِيها بِمَعاصِي اللَّهِ جِهارًا إذا كانَ قادِرًا عَلى الهِجْرَةِ ولَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ لِما في هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ مِنَ العُمُومِ وإنْ كانَ السَّبَبُ خاصًّا كَما تَقَدَّمَ، وظاهِرُها عَدَمُ الفَرْقِ بَيْنَ مَكانٍ ومَكانٍ وزَمانٍ وزَمانٍ، وقَدْ ورَدَ في الهِجْرَةِ أحادِيثُ، ووَرَدَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ، وقَدْ أوْضَحْنا ما هو الحَقُّ في شَرْحِنا عَلى المُنْتَقى فَلْيُرْجَعْ إلَيْهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ فَأُصِيبَ بَعْضُهم وقُتِلَ البَعْضُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهم، فَنَزَلَتْ بِهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهم، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فَحَزِنُوا وأيِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا فَخَرَجُوا فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ، وقَدْ أخْرَجَهُ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنْهُ مُقْتَصِرًا عَلى أوَّلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وأتْباعُهم لِمَنعِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وعِيرِ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابِهِ وأنْ يَطْلُبُوا ما نِيلَ مِنهم يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهم بِشَبابٍ كارِهِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفّارًا ورَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْناهم. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا مِن طُرُقٍ. وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿إلّا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ فَقالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ أنا مِنَ الوِلْدانِ وأُمِّي مِنَ النِّساءِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ ) قالَ: قُوَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قالَ: نُهُوضًا إلى المَدِينَةِ ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا قالَ: طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ ) قالَ: المُراغَمُ المُتَحَوَّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والسَّعَةُ: الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مُراغَمًا قالَ: مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وسَعَةً﴾ ) قالَ: ورَخاءً. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ مالِكٍ قالَ: سَعَةُ البِلادِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ قالَ السُّيُوطِيُّ بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا فَقالَ لِقَوْمِهِ: احْمِلُونِي فَأخْرِجُونِي مِن أرْضِ الشِّرْكِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَماتَ في الطَّرِيقِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَنَزَلَ الوَحْيُ ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ، وأيْنَ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ فَخَرَّ عَنْ دابَّتِهِ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ لَدَغَتْهُ دابَّةٌ فَماتَ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ» - يَعْنِي: بِحَتْفِ أنْفِهِ عَلى فِراشِهِ، واللَّهِ إنَّها لَكَلِمَةٌ ما سَمِعْتُها مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - ومَن قُتِلَ قَعْصاءَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًّا في سَبِيلِ اللَّهِ فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . قالَ، ابْنُ كَثِيرٍ،: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ.

النساء 4:101

قَوْلُهُ: ( ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الضَّرْبِ في الأرْضِ قَرِيبًا، قَوْلُهُ: ( ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَصْرَ لَيْسَ بِواجِبٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ الأقَلُّونَ إلى أنَّهُ واجِبٌ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والكُوفِيُّونَ والقاضِي إسْماعِيلُ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وهو مَرْوِيٌّ، عَنْ مالِكٍ، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ ( «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ في الحَضَرِ وأُقِرَّتْ في السَّفَرِ» ) ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ مُخالَفَتُها لِما رَوَتْ، فالعَمَلُ عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ومِثْلُهُ حَدِيثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: سَألْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قُلْتُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ أمِنَ النّاسُ، فَقالَ لِي، عُمَرُ،: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ (p-٣٢٥)مِنهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ «فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: «فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» أنَّ القَصْرَ واجِبٌ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظاهِرُ هَذا الشَّرْطِ أنَّ القَصْرَ لا يَجُوزُ في السَّفَرِ قَصْرُ الصَّلاةِ إلّا مَعَ خَوْفِ الفِتْنَةِ مِنَ الكافِرِينَ لا مَعَ الأمْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ بِالسُّنَّةِ أنَّ «النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَصَرَ مَعَ الأمْنِ» كَما عَرَفْتَ، فالقَصْرُ مَعَ الخَوْفِ ثابِتٌ بِالكِتابِ، والقَصْرُ مَعَ الأمْنِ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ لا يَقْوى عَلى مُعارَضَةِ ما تَواتَرَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ القَصْرِ مَعَ الأمْنِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ القَصْرُ لِلْخَوْفِ في الأسْفارِ، ولِهَذا قالَ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ ما قالَ كَما تَقَدَّمَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: ( ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ ) بِسُقُوطِ ( ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ ) والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: كَراهَةَ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما هي مُبِيحَةٌ لِلْقَصْرِ في السَّفَرِ لِلْخائِفِ مِنَ العَدُوِّ، فَمَن كانَ آمِنًا فَلا قَصْرَ لَهُ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: إنْ خِفْتُمْ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ وأنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ افْتَتَحَ فَقالَ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَأقِمْ لَهم يا مُحَمَّدُ صَلاةَ الخَوْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ مُعْتَرِضٌ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الجُرْجانِيُّ، والمَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُما، ورَدَّهُ القُشَيْرِيُّ والقاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى ما ذَكَرَهُ الجُرْجانِيُّ ومَن مَعَهُ، ومِمّا يَرُدُّ هَذا ويَدْفَعُهُ الواوُ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ) وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَقالَ: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ وإنَّ الجَوابَ لِلشَّرْطِ المَذْكُورِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ( ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ ) هو قَوْلُهُ: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذِكْرَ الخَوْفِ مَنسُوخٌ بِالسُّنَّةِ، وهي حَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، وما ورَدَ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ فَتَنْتُ الرَّجُلَ، ورَبِيعَةُ، وقَيْسٌ، وأسَدٌ وجَمِيعُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ أفْتَنْتُ الرَّجُلَ، وفَرَّقَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ بَيْنَهُما فَقالا فَتَنْتُهُ: جَعَلْتُ فِيهِ فِتْنَةً مِثْلَ كَحَلْتُهُ، وأفْتَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ مُفَتَّنًا، وزَعَمَ الأصْمَعِيُّ أنَّهُ لا يَعْرِفُ أفْتَنْتَهُ. والمُرادُ بِالفِتْنَةِ القِتالُ والتَّعَرُّضُ بِما يَكْرَهُ، قَوْلُهُ: ( عَدُوًّا ) أيْ: أعْداءً. قَوْلُهُ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولِمَن بَعْدَهُ مِن أهْلِ الأمْرِ حُكْمُهُ كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ونَحْوُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وشَذَّ أبُو يُوسُفَ، وإسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ فَقالا: لا تُصَلّى صَلاةُ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ هَذا الخِطابَ خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالا: ولا يَلْحَقُ غَيْرُهُ بِهِ لِما لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المَزِيَّةِ العُظْمى، وهَذا مَدْفُوعٌ فَقَدْ أمَرَنا اللَّهُ بِاتِّباعِ رَسُولِهِ والتَّأسِّي بِهِ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» والصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أعْرَفُ بِمَعانِي القُرْآنِ، وقَدْ صَلَّوْها بَعْدَ مَوْتِهِ في غَيْرِ مَرَّةٍ كَما ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، ومَعْنى ( ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ ) أرَدْتَ الإقامَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] قَوْلُهُ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ أنْ تَجْعَلَهم طائِفَتَيْنِ، طائِفَةٌ تَقِفُ بِإزاءِ العَدُوِّ، وطائِفَةٌ تَقُومُ مِنهم مَعَكَ في الصَّلاةِ ( ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ ) أيْ: الطّائِفَةُ الَّتِي تُصَلِّي مَعَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطّائِفَةِ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ القائِمَةَ بِإزاءِ العَدُوِّ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ قائِمَةً بِأسْلِحَتِها، وإنَّما يَحْتاجُ إلى الأمْرِ بِذَلِكَ مَن كانَ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنهُ حالَ الصَّلاةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَكُونَ آخِذًا لِسِلاحِهِ؛ أيْ: غَيْرُ واضِعٍ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ الأخْذَ بِاليَدِ، بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا حامِلِينَ لِسِلاحِهِمْ لِيَتَناوَلُوهُ مِن قُرْبٍ إذا احْتاجُوا إلَيْهِ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ أقْطَعَ لِرَجاءِ عَدُوِّهِمْ مِن إمْكانِ فُرْصَتِهِ فِيهِمْ. وقَدْ قالَ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ إلى الطّائِفَةِ القائِمَةِ بِإزاءِ العَدُوِّ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: لِأنَّ المُصَلِّيَةَ لا تُحارِبُ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المُصَلِّيَةِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ، والنَّحّاسُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا لِلطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ أرْهَبُ لِلْعَدُوِّ، وقَدْ أوْجَبَ أخْذَ السِّلاحِ في هَذِهِ الصَّلاةِ أهْلُ الظّاهِرِ حَمْلًا لِلْأمْرِ عَلى الوُجُوبِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ المُصَلِّينَ لا يَحْمِلُونَ السِّلاحَ وأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الصَّلاةَ، وهو مَدْفُوعٌ بِما في هَذِهِ الآيَةِ وبِما في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَوْلُهُ: ( ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ ) أيْ: القائِمُونَ في الصَّلاةِ فَلْيَكُونُوا أيْ: الطّائِفَةُ القائِمَةُ بِإزاءِ العَدُوِّ مِن ورائِكم أيْ مِن وراءِ المُصَلِّينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَإذا سَجَدَ المُصَلُّونَ مَعَهُ؛ أيْ: أتَمُّوا الرَّكْعَةَ تَعْبِيرًا بِالسُّجُودِ عَنْ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ أوْ عَنْ جَمِيعِ الصَّلاةِ فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم أيْ: فَلْيَنْصَرِفُوا بَعْدَ الفَراغِ إلى مُقابَلَةِ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى وهي: القائِمَةُ في مُقابَلَةِ العَدُوِّ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها الطّائِفَةُ الأُولى ( ولْيَأْخُذُوا ) أيْ: هَذِهِ الطّائِفَةُ الأُخْرى ( ﴿حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ ) زِيادَةَ التَّوْصِيَةِ لِلطّائِفَةِ الأُخْرى بِأخْذِ الحَذَرِ مَعَ أخْذِ السِّلاحِ، قِيلَ: وجْهُهُ أنَّ هَذِهِ المَرَّةَ مَظِنَّةٌ لِوُقُوفِ الكَفَرَةِ عَلى كَوْنِ الطّائِفَةِ القائِمَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شُغْلٍ شاغِلٍ. وأمّا في المَرَّةِ الأُولى فَرُبَّما يَظُنُّونَهم قائِمِينَ لِلْحَرْبِ، وقِيلَ: لِأنَّ العَدُوَّ لا يُؤَخِّرُ قَصْدَهُ عَنْ هَذا الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ آخِرُ الصَّلاةِ، والسِّلاحُ ما يَدْفَعُ بِهِ المَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ في الحَرْبِ، ولَمْ يُبَيِّنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَمْ تُصَلِّي كُلُّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ؟ وقَدْ ورَدَتْ صَلاةُ الخَوْفِ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وصِفاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وكُلُّها صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ، مَن فَعَلَ واحِدَةً مِنها فَقَدْ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ، ومَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى اخْتِيارِ صِفَةٍ دُونَ غَيْرِها فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الصَّوابِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى، وفي سائِرِ مُؤَلَّفاتِنا. قَوْلُهُ: ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي لِأجْلِها أمَرَهَمُ اللَّهُ بِالحَذَرِ وأخْذِ السِّلاحِ؛ (p-٣٢٦)أيْ: ودُّوا غَفْلَتَكم عَنْ أخْذِ السِّلاحِ وعَنِ الحَذَرِ لِيَصِلُوا إلى مَقْصُودِهِمْ ويَنالُوا فُرْصَتَهم، فَيَشُدُّونَ عَلَيْكم شَدَّةً واحِدَةً، والأمْتِعَةُ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَرْبِ، ومِنهُ الزّادُ والرّاحِلَةُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم﴾ رَخَّصَ لَهم سُبْحانَهُ في وضْعِ السِّلاحِ إذا نالَهم أذًى مِنَ المَطَرِ وفي حالِ المَرَضِ؛ لِأنَّهُ يَصْعُبُ مَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ حَمْلُ السِّلاحِ، ثُمَّ أمَرَهم بِأخْذِ الحَذَرِ لِئَلّا يَأْتِيهِمُ العَدُوُّ عَلى غِرَّةٍ وهم غافِلُونَ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي حَنْظَلَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلاةِ السَّفَرِ، فَقالَ: رَكْعَتانِ. قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونَحْنُ آمِنُونَ ؟ قالَ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ: أرَأيْتَ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفَرِ ؟ إنّا لا نَجِدُها في كِتابِ اللَّهِ، إنَّما نَجِدُ ذِكْرَ صَلاةِ الخَوْفِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: يا بْنَ أخِي إنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإنَّما نَفْعَلُ كَما رَأيْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ، وقَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ حارِثَةَ بْنِ وهْبٍ الخُزاعِيِّ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِمِنًى أكْثَرَ ما كانَ النّاسُ وآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونَحْنُ آمِنُونَ لا نَخافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ فَكَيْفَ نُصَلِّي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ ؟ فَقالَ قائِلٌ مِنهم: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في أثَرِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِعُسْفانَ فاسْتَقْبَلَنا المُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وهم بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ فَصَلّى بِنا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: قَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهم، ثُمَّ قالُوا: تَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾» ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ الصَّلاةِ الَّتِي صَلَّوْها مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والأحادِيثُ في صِفَةِ صَلاةِ الخَوْفِ كَثِيرَةٌ، وهي مُسْتَوْفاةٌ في مَواطِنِها، فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها هاهُنا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كانَ جَرِيحًا.

النساء 4:102

قَوْلُهُ: ( ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ﴾ ) قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الضَّرْبِ في الأرْضِ قَرِيبًا، قَوْلُهُ: ( ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ القَصْرَ لَيْسَ بِواجِبٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ، وذَهَبَ الأقَلُّونَ إلى أنَّهُ واجِبٌ، ومِنهم عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ والكُوفِيُّونَ والقاضِي إسْماعِيلُ، وحَمّادُ بْنُ أبِي سُلَيْمانَ، وهو مَرْوِيٌّ، عَنْ مالِكٍ، واسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ عائِشَةَ الثّابِتِ في الصَّحِيحِ ( «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ في الحَضَرِ وأُقِرَّتْ في السَّفَرِ» ) ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ مُخالَفَتُها لِما رَوَتْ، فالعَمَلُ عَلى الرِّوايَةِ الثّانِيَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ومِثْلُهُ حَدِيثُ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: سَألْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قُلْتُ ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ أمِنَ النّاسُ، فَقالَ لِي، عُمَرُ،: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ (p-٣٢٥)مِنهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ «فَقالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» أخْرَجَهُ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأهْلُ السُّنَنِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: «فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ» أنَّ القَصْرَ واجِبٌ. قَوْلُهُ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ظاهِرُ هَذا الشَّرْطِ أنَّ القَصْرَ لا يَجُوزُ في السَّفَرِ قَصْرُ الصَّلاةِ إلّا مَعَ خَوْفِ الفِتْنَةِ مِنَ الكافِرِينَ لا مَعَ الأمْنِ، ولَكِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ بِالسُّنَّةِ أنَّ «النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَصَرَ مَعَ الأمْنِ» كَما عَرَفْتَ، فالقَصْرُ مَعَ الخَوْفِ ثابِتٌ بِالكِتابِ، والقَصْرُ مَعَ الأمْنِ ثابِتٌ بِالسُّنَّةِ، ومَفْهُومُ الشَّرْطِ لا يَقْوى عَلى مُعارَضَةِ ما تَواتَرَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ القَصْرِ مَعَ الأمْنِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا الشَّرْطَ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى المُسْلِمِينَ إذْ ذاكَ القَصْرُ لِلْخَوْفِ في الأسْفارِ، ولِهَذا قالَ يَعْلى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ ما قالَ كَما تَقَدَّمَ، وفي قِراءَةِ أُبَيٍّ: ( ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ﴾ ) بِسُقُوطِ ( ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ ) والمَعْنى عَلى هَذِهِ القِراءَةِ: كَراهَةَ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ إنَّما هي مُبِيحَةٌ لِلْقَصْرِ في السَّفَرِ لِلْخائِفِ مِنَ العَدُوِّ، فَمَن كانَ آمِنًا فَلا قَصْرَ لَهُ، وذَهَبَ آخَرُونَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: إنْ خِفْتُمْ لَيْسَ مُتَّصِلًا بِما قَبْلَهُ وأنَّ الكَلامَ تَمَّ عِنْدَ قَوْلِهِ: مِنَ الصَّلاةِ ثُمَّ افْتَتَحَ فَقالَ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فَأقِمْ لَهم يا مُحَمَّدُ صَلاةَ الخَوْفِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ مُعْتَرِضٌ، ذَكَرَ مَعْنى هَذا الجُرْجانِيُّ، والمَهْدَوِيُّ وغَيْرُهُما، ورَدَّهُ القُشَيْرِيُّ والقاضِي أبُو بَكْرِ بْنُ العَرَبِيِّ، وقَدْ حَكى القُرْطُبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَعْنى ما ذَكَرَهُ الجُرْجانِيُّ ومَن مَعَهُ، ومِمّا يَرُدُّ هَذا ويَدْفَعُهُ الواوُ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ ) وقَدْ تَكَلَّفَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَقالَ: إنَّ الواوَ زائِدَةٌ وإنَّ الجَوابَ لِلشَّرْطِ المَذْكُورِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ( ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ ) هو قَوْلُهُ: فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ ذِكْرَ الخَوْفِ مَنسُوخٌ بِالسُّنَّةِ، وهي حَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، وما ورَدَ في مَعْناهُ. قَوْلُهُ: أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ فَتَنْتُ الرَّجُلَ، ورَبِيعَةُ، وقَيْسٌ، وأسَدٌ وجَمِيعُ أهْلِ نَجْدٍ يَقُولُونَ أفْتَنْتُ الرَّجُلَ، وفَرَّقَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ بَيْنَهُما فَقالا فَتَنْتُهُ: جَعَلْتُ فِيهِ فِتْنَةً مِثْلَ كَحَلْتُهُ، وأفْتَنْتُهُ: جَعَلْتُهُ مُفَتَّنًا، وزَعَمَ الأصْمَعِيُّ أنَّهُ لا يَعْرِفُ أفْتَنْتَهُ. والمُرادُ بِالفِتْنَةِ القِتالُ والتَّعَرُّضُ بِما يَكْرَهُ، قَوْلُهُ: ( عَدُوًّا ) أيْ: أعْداءً. قَوْلُهُ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ هَذا خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ولِمَن بَعْدَهُ مِن أهْلِ الأمْرِ حُكْمُهُ كَما هو مَعْرُوفٌ في الأُصُولِ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] ونَحْوُهُ، وإلى هَذا ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ، وشَذَّ أبُو يُوسُفَ، وإسْماعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ فَقالا: لا تُصَلّى صَلاةُ الخَوْفِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؛ لِأنَّ هَذا الخِطابَ خاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، قالا: ولا يَلْحَقُ غَيْرُهُ بِهِ لِما لَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِنَ المَزِيَّةِ العُظْمى، وهَذا مَدْفُوعٌ فَقَدْ أمَرَنا اللَّهُ بِاتِّباعِ رَسُولِهِ والتَّأسِّي بِهِ، وقَدْ قالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «صَلُّوا كَما رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» والصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم أعْرَفُ بِمَعانِي القُرْآنِ، وقَدْ صَلَّوْها بَعْدَ مَوْتِهِ في غَيْرِ مَرَّةٍ كَما ذَلِكَ مَعْرُوفٌ، ومَعْنى ( ﴿فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ ) أرَدْتَ الإقامَةَ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم﴾، وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ فاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] قَوْلُهُ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ أنْ تَجْعَلَهم طائِفَتَيْنِ، طائِفَةٌ تَقِفُ بِإزاءِ العَدُوِّ، وطائِفَةٌ تَقُومُ مِنهم مَعَكَ في الصَّلاةِ ( ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ ) أيْ: الطّائِفَةُ الَّتِي تُصَلِّي مَعَهُ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى الطّائِفَةِ الَّتِي بِإزاءِ العَدُوِّ، والأوَّلُ أظْهَرُ؛ لِأنَّ الطّائِفَةَ القائِمَةَ بِإزاءِ العَدُوِّ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ قائِمَةً بِأسْلِحَتِها، وإنَّما يَحْتاجُ إلى الأمْرِ بِذَلِكَ مَن كانَ في الصَّلاةِ؛ لِأنَّهُ يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ مَمْنُوعٌ مِنهُ حالَ الصَّلاةِ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِأنْ يَكُونَ آخِذًا لِسِلاحِهِ؛ أيْ: غَيْرُ واضِعٍ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ الأخْذَ بِاليَدِ، بَلِ المُرادُ أنْ يَكُونُوا حامِلِينَ لِسِلاحِهِمْ لِيَتَناوَلُوهُ مِن قُرْبٍ إذا احْتاجُوا إلَيْهِ، ولِيَكُونَ ذَلِكَ أقْطَعَ لِرَجاءِ عَدُوِّهِمْ مِن إمْكانِ فُرْصَتِهِ فِيهِمْ. وقَدْ قالَ بِإرْجاعِ الضَّمِيرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولْيَأْخُذُوا أسْلِحَتَهُمْ﴾ إلى الطّائِفَةِ القائِمَةِ بِإزاءِ العَدُوِّ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ: لِأنَّ المُصَلِّيَةَ لا تُحارِبُ، وقالَ غَيْرُهُ: إنَّ الضَّمِيرَ راجِعٌ إلى المُصَلِّيَةِ، وجَوَّزَ الزَّجّاجُ، والنَّحّاسُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ أمْرًا لِلطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ أرْهَبُ لِلْعَدُوِّ، وقَدْ أوْجَبَ أخْذَ السِّلاحِ في هَذِهِ الصَّلاةِ أهْلُ الظّاهِرِ حَمْلًا لِلْأمْرِ عَلى الوُجُوبِ. وذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّ المُصَلِّينَ لا يَحْمِلُونَ السِّلاحَ وأنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الصَّلاةَ، وهو مَدْفُوعٌ بِما في هَذِهِ الآيَةِ وبِما في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، قَوْلُهُ: ( ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ ) أيْ: القائِمُونَ في الصَّلاةِ فَلْيَكُونُوا أيْ: الطّائِفَةُ القائِمَةُ بِإزاءِ العَدُوِّ مِن ورائِكم أيْ مِن وراءِ المُصَلِّينَ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: فَإذا سَجَدَ المُصَلُّونَ مَعَهُ؛ أيْ: أتَمُّوا الرَّكْعَةَ تَعْبِيرًا بِالسُّجُودِ عَنْ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ أوْ عَنْ جَمِيعِ الصَّلاةِ فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكم أيْ: فَلْيَنْصَرِفُوا بَعْدَ الفَراغِ إلى مُقابَلَةِ العَدُوِّ لِلْحِراسَةِ ولْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى وهي: القائِمَةُ في مُقابَلَةِ العَدُوِّ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ عَلى الصِّفَةِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها الطّائِفَةُ الأُولى ( ولْيَأْخُذُوا ) أيْ: هَذِهِ الطّائِفَةُ الأُخْرى ( ﴿حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ﴾ ) زِيادَةَ التَّوْصِيَةِ لِلطّائِفَةِ الأُخْرى بِأخْذِ الحَذَرِ مَعَ أخْذِ السِّلاحِ، قِيلَ: وجْهُهُ أنَّ هَذِهِ المَرَّةَ مَظِنَّةٌ لِوُقُوفِ الكَفَرَةِ عَلى كَوْنِ الطّائِفَةِ القائِمَةِ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في شُغْلٍ شاغِلٍ. وأمّا في المَرَّةِ الأُولى فَرُبَّما يَظُنُّونَهم قائِمِينَ لِلْحَرْبِ، وقِيلَ: لِأنَّ العَدُوَّ لا يُؤَخِّرُ قَصْدَهُ عَنْ هَذا الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ آخِرُ الصَّلاةِ، والسِّلاحُ ما يَدْفَعُ بِهِ المَرْءُ عَنْ نَفْسِهِ في الحَرْبِ، ولَمْ يُبَيِّنْ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ كَمْ تُصَلِّي كُلُّ طائِفَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ ؟ وقَدْ ورَدَتْ صَلاةُ الخَوْفِ في السُّنَّةِ المُطَهَّرَةِ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وصِفاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وكُلُّها صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ، مَن فَعَلَ واحِدَةً مِنها فَقَدْ فَعَلَ ما أُمِرَ بِهِ، ومَن ذَهَبَ مِنَ العُلَماءِ إلى اخْتِيارِ صِفَةٍ دُونَ غَيْرِها فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الصَّوابِ، وقَدْ أوْضَحْنا هَذا في شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى، وفي سائِرِ مُؤَلَّفاتِنا. قَوْلُهُ: ﴿ودَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أسْلِحَتِكم وأمْتِعَتِكم فَيَمِيلُونَ عَلَيْكم مَيْلَةً واحِدَةً﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْعِلَّةِ الَّتِي لِأجْلِها أمَرَهَمُ اللَّهُ بِالحَذَرِ وأخْذِ السِّلاحِ؛ (p-٣٢٦)أيْ: ودُّوا غَفْلَتَكم عَنْ أخْذِ السِّلاحِ وعَنِ الحَذَرِ لِيَصِلُوا إلى مَقْصُودِهِمْ ويَنالُوا فُرْصَتَهم، فَيَشُدُّونَ عَلَيْكم شَدَّةً واحِدَةً، والأمْتِعَةُ ما يُتَمَتَّعُ بِهِ في الحَرْبِ، ومِنهُ الزّادُ والرّاحِلَةُ. قَوْلُهُ: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى أنْ تَضَعُوا أسْلِحَتَكم﴾ رَخَّصَ لَهم سُبْحانَهُ في وضْعِ السِّلاحِ إذا نالَهم أذًى مِنَ المَطَرِ وفي حالِ المَرَضِ؛ لِأنَّهُ يَصْعُبُ مَعَ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ حَمْلُ السِّلاحِ، ثُمَّ أمَرَهم بِأخْذِ الحَذَرِ لِئَلّا يَأْتِيهِمُ العَدُوُّ عَلى غِرَّةٍ وهم غافِلُونَ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي حَنْظَلَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلاةِ السَّفَرِ، فَقالَ: رَكْعَتانِ. قُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونَحْنُ آمِنُونَ ؟ قالَ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدِ بْنِ أُسَيْدٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ: أرَأيْتَ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفَرِ ؟ إنّا لا نَجِدُها في كِتابِ اللَّهِ، إنَّما نَجِدُ ذِكْرَ صَلاةِ الخَوْفِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: يا بْنَ أخِي إنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ولا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإنَّما نَفْعَلُ كَما رَأيْنا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَفْعَلُ، وقَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وفي الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ حارِثَةَ بْنِ وهْبٍ الخُزاعِيِّ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِمِنًى أكْثَرَ ما كانَ النّاسُ وآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونَحْنُ آمِنُونَ لا نَخافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ فَكَيْفَ نُصَلِّي ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ غَزا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ ؟ فَقالَ قائِلٌ مِنهم: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في أثَرِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِعُسْفانَ فاسْتَقْبَلَنا المُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ وهم بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ فَصَلّى بِنا النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: قَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهم، ثُمَّ قالُوا: تَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾» ثُمَّ ذَكَرَ صِفَةَ الصَّلاةِ الَّتِي صَلَّوْها مَعَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والأحادِيثُ في صِفَةِ صَلاةِ الخَوْفِ كَثِيرَةٌ، وهي مُسْتَوْفاةٌ في مَواطِنِها، فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها هاهُنا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كانَ جَرِيحًا.

النساء 4:103

( قَضَيْتُمْ ) بِمَعْنى فَرَغْتُمْ مِن صَلاةِ الخَوْفِ، وهو أحَدُ مَعانِي القَضاءِ، ومِثْلُهُ ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم﴾ أيْ: في جَمِيعِ الأحْوالِ حَتّى في حالِ القِتالِ، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الذِّكْرَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو أثَرُ صَلاةِ الخَوْفِ؛ أيْ: إذا فَرَغْتُمْ مِنَ الصَّلاةِ فاذْكُرُوا اللَّهَ في هَذِهِ الأحْوالِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ( ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ ) إذا صَلَّيْتُمْ فَصَلُّوا قِيامًا وقُعُودًا أوْ عَلى جَنُوبِكم حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحالُ عِنْدَ مُلاحَمَةِ القِتالِ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . قَوْلُهُ: ( ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ ) أيْ: أمِنتُمْ وسَكَنَتْ قُلُوبُكم، والطُّمَأْنِينَةُ: سُكُونُ النَّفْسِ مِنَ الخَوْفِ، فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ: فائْتُوا بِالصَّلاةِ الَّتِي دَخَلَ وقْتُها عَلى الصِّفَةِ المَشْرُوعَةِ مِنَ الأذْكارِ والأرْكانِ، ولا تَفْعَلُوا ما أمْكَنَ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو في حالِ الخَوْفِ، وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّهم يَقْضُونَ ما صَلَّوْهُ في حالِ المُسايَفَةِ، لِأنَّها حالَةُ قَلَقٍ وانْزِعاجٍ وتَقْصِيرٍ في الأذْكارِ والأرْكانِ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الشّافِعِيِّ، والأوَّلُ أرْجَحُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ أيْ: مَحْدُودًا مُعَيَّنًا، يُقالُ: وقَتَهُ فَهو مَوْقُوتٌ ووَقَّتَّهُ فَهو مُوَقَّتٌ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلى عِبادِهِ الصَّلَواتِ وكَتَبَها عَلَيْهِمْ في أوْقاتِها المَحْدُودَةِ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَأْتِيَ بِها في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ مِن نَوْمٍ أوْ سَهْوٍ أوْ نَحْوِهِما، قَوْلُهُ: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أيْ: لا تَضْعَفُوا في طَلَبِهِمْ وأظْهِرُوا القُوَّةَ والجَلَدَ، قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما تَجِدُونَهُ مِن ألَمِ الجِراحِ ومُزاوَلَةِ القِتالِ مُخْتَصًّا بِكم، بَلْ هو أمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهم، فَلَيْسُوا بِأوْلى مِنكم بِالصَّبْرِ عَلى حَرِّ القِتالِ ومَرارَةِ الحَرْبِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَكم عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ لا تُوجَدُ فِيهِمْ، وهي أنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ وعَظِيمِ الجَزاءِ ما لا يَرْجُونَهُ لِكُفْرِهِمْ وجُحُودِهِمْ، فَأنْتُمْ أحَقُّ بِالصَّبْرِ مِنهم وأوْلى بِعَدَمِ الضَّعْفِ مِنهم، فَإنَّ أنْفُسَكم قَوِيَّةٌ؛ لِأنَّها تَرى المَوْتَ مَغْنَمًا، وهم يَرَوْنَهُ مَغْرَمًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ؛ لِأنَّ مَن رَجا شَيْئًا فَهو غَيْرُ قاطِعٍ بِحُصُولِهِ، فَلا يَخْلُو مِن خَوْفِ ما يَرْجُو. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: لا يُطْلَقُ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ (p-٣٢٧)إلّا مَعَ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] أيْ: لا تَخافُونَ لَهُ عَظَمَةً، وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ ( أنْ تَكُونُوا ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ أيْ: لِأنْ تَكُونُوا، وقَرَأ مَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ تِيلَمُونَ - بِكَسْرِ التّاءِ - ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ كَسْرُ التّاءِ لِثِقَلِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم﴾ قالَ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ في البَرِّ والبَحْرِ وفي السَّفَرِ والحَضَرِ والغِنى والفَقْرِ والسَّقَمِ والصِّحَّةِ والسِّرِّ والعَلانِيَةِ وعَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، فَقالَ: إنَّما هَذِهِ إذا لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا صَلّى قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ ) قالَ: إذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ قالَ: أتِمُّوها وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ يَعْنِي: مَفْرُوضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: المَوْقُوتُ الواجِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ولا تَهِنُوا ) قالَ: ولا تَضْعُفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ﴿تَأْلَمُونَ﴾ ) قالَ: تُوجَعُونَ ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قالَ: تَرْجُونَ الخَيْرَ.

النساء 4:104

( قَضَيْتُمْ ) بِمَعْنى فَرَغْتُمْ مِن صَلاةِ الخَوْفِ، وهو أحَدُ مَعانِي القَضاءِ، ومِثْلُهُ ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم﴾ أيْ: في جَمِيعِ الأحْوالِ حَتّى في حالِ القِتالِ، وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ هَذا الذِّكْرَ المَأْمُورَ بِهِ إنَّما هو أثَرُ صَلاةِ الخَوْفِ؛ أيْ: إذا فَرَغْتُمْ مِنَ الصَّلاةِ فاذْكُرُوا اللَّهَ في هَذِهِ الأحْوالِ، وقِيلَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ( ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ ) إذا صَلَّيْتُمْ فَصَلُّوا قِيامًا وقُعُودًا أوْ عَلى جَنُوبِكم حَسْبَما يَقْتَضِيهِ الحالُ عِنْدَ مُلاحَمَةِ القِتالِ، فَهي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] . قَوْلُهُ: ( ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ ) أيْ: أمِنتُمْ وسَكَنَتْ قُلُوبُكم، والطُّمَأْنِينَةُ: سُكُونُ النَّفْسِ مِنَ الخَوْفِ، فَأقِيمُوا الصَّلاةَ؛ أيْ: فائْتُوا بِالصَّلاةِ الَّتِي دَخَلَ وقْتُها عَلى الصِّفَةِ المَشْرُوعَةِ مِنَ الأذْكارِ والأرْكانِ، ولا تَفْعَلُوا ما أمْكَنَ، فَإنَّ ذَلِكَ إنَّما هو في حالِ الخَوْفِ، وقِيلَ: المَعْنى في الآيَةِ أنَّهم يَقْضُونَ ما صَلَّوْهُ في حالِ المُسايَفَةِ، لِأنَّها حالَةُ قَلَقٍ وانْزِعاجٍ وتَقْصِيرٍ في الأذْكارِ والأرْكانِ وهو مَرْوِيٌّ عَنِ الشّافِعِيِّ، والأوَّلُ أرْجَحُ ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ أيْ: مَحْدُودًا مُعَيَّنًا، يُقالُ: وقَتَهُ فَهو مَوْقُوتٌ ووَقَّتَّهُ فَهو مُوَقَّتٌ. والمَعْنى: إنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلى عِبادِهِ الصَّلَواتِ وكَتَبَها عَلَيْهِمْ في أوْقاتِها المَحْدُودَةِ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يَأْتِيَ بِها في غَيْرِ ذَلِكَ الوَقْتِ إلّا لِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ مِن نَوْمٍ أوْ سَهْوٍ أوْ نَحْوِهِما، قَوْلُهُ: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ أيْ: لا تَضْعَفُوا في طَلَبِهِمْ وأظْهِرُوا القُوَّةَ والجَلَدَ، قَوْلُهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ؛ أيْ: لَيْسَ ما تَجِدُونَهُ مِن ألَمِ الجِراحِ ومُزاوَلَةِ القِتالِ مُخْتَصًّا بِكم، بَلْ هو أمْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَكم وبَيْنَهم، فَلَيْسُوا بِأوْلى مِنكم بِالصَّبْرِ عَلى حَرِّ القِتالِ ومَرارَةِ الحَرْبِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَكم عَلَيْهِمْ مَزِيَّةٌ لا تُوجَدُ فِيهِمْ، وهي أنَّكم تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الأجْرِ وعَظِيمِ الجَزاءِ ما لا يَرْجُونَهُ لِكُفْرِهِمْ وجُحُودِهِمْ، فَأنْتُمْ أحَقُّ بِالصَّبْرِ مِنهم وأوْلى بِعَدَمِ الضَّعْفِ مِنهم، فَإنَّ أنْفُسَكم قَوِيَّةٌ؛ لِأنَّها تَرى المَوْتَ مَغْنَمًا، وهم يَرَوْنَهُ مَغْرَمًا، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ [آل عمران: ١٤٠] وقِيلَ: إنَّ الرَّجاءَ هُنا بِمَعْنى الخَوْفِ؛ لِأنَّ مَن رَجا شَيْئًا فَهو غَيْرُ قاطِعٍ بِحُصُولِهِ، فَلا يَخْلُو مِن خَوْفِ ما يَرْجُو. وقالَ الفَرّاءُ، والزَّجّاجُ: لا يُطْلَقُ الرَّجاءُ بِمَعْنى الخَوْفِ (p-٣٢٧)إلّا مَعَ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣] أيْ: لا تَخافُونَ لَهُ عَظَمَةً، وقَرَأ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الأعْرَجُ ( أنْ تَكُونُوا ) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ؛ أيْ: لِأنْ تَكُونُوا، وقَرَأ مَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ تِيلَمُونَ - بِكَسْرِ التّاءِ - ولا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ كَسْرُ التّاءِ لِثِقَلِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم﴾ قالَ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ في البَرِّ والبَحْرِ وفي السَّفَرِ والحَضَرِ والغِنى والفَقْرِ والسَّقَمِ والصِّحَّةِ والسِّرِّ والعَلانِيَةِ وعَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ، فَقالَ: إنَّما هَذِهِ إذا لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا صَلّى قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ( ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ ) قالَ: إذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ قالَ: أتِمُّوها وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ يَعْنِي: مَفْرُوضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: المَوْقُوتُ الواجِبُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ولا تَهِنُوا ) قالَ: ولا تَضْعُفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْهُ في قَوْلِهِ: ( ﴿تَأْلَمُونَ﴾ ) قالَ: تُوجَعُونَ ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قالَ: تَرْجُونَ الخَيْرَ.

النساء 4:105

قَوْلُهُ: بِما أراكَ اللَّهُ إمّا بِوَحْيٍ أوْ بِما هو جارٍ عَلى سُنَنِ ما قَدْ أوْحى اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يُرى، بَلِ المُرادُ بِما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ ) أيْ: لِأجْلِ الخائِنِينَ خَصِيمًا؛ أيْ: مُخاصِمًا عَنْهم مُجادِلًا لِلْمُحِقِّينَ بِسَبَبِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ، قَوْلُهُ: ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ الآيَةُ، وبِهِ يَتَّضِحُ المُرادُ، وقِيلَ: المَعْنى: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ والمُخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ أيْ: لا تُحاجِجْ عَنِ الَّذِينَ يَخُونُونَ أنْفُسَهم، والمُجادَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدالَةِ وهي وجْهُ الأرْضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلَيْها، وسُمِّيَ ذَلِكَ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ ضَرَرَ مَعْصِيَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، والخَوّانُ: كَثِيرُ الخِيانَةِ، والأثِيمُ: كَثِيرُ الإثْمِ، وعَدَمُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ. قَوْلُهُ: ( ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ ) أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم كَقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ ) [الرعد: ١٠] أيْ: مُسْتَتِرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ أوْ لا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ، والحالُ أنَّهُ مَعَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ عالِمٌ بِما هم فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْتَخْفُونَ مِنهُ إذْ يُبَيِّتُونَ؛ أيْ: يُدِيرُونَ الرَّأْيَ بَيْنَهم، وسَمّاهُ تَبْيِيتًا؛ لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَكُونَ إدارَةُ الرَّأْيِ بِاللَّيْلِ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ أيْ: مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي أدارُوهُ بَيْنَهم، وسَمّاهُ قَوْلًا؛ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم، قَوْلُهُ: ( ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ) يَعْنِي القَوْمَ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ صاحِبِهِمُ السّارِقِ كَما سَيَأْتِي، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ و( جادَلْتُمْ ) بِمَعْنى حاجَجْتُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ؛ أيْ: فَمَن يُخاصِمُ ويُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ تَعْذِيبِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ؟ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: مُجادِلًا ومُخاصِمًا، والوَكِيلُ في الأصْلِ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأُمُورِ. والمَعْنى: مَن ذاكَ يَقُومُ بِأمْرِهِمْ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ،، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ، وبُشَيْرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضُ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثَ، فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أصْمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ؛ أيْ: حَمُولَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، «فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ رافِعٍ حَمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ المَشْرَبَةُ، وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا بْنَ أخِي تَعَلَمُ أنْ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا فَذَهَبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، قالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا نارًا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم، قالَ: وكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ، واللَّهِ ما نُرى صاحِبُكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيَدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ ؟ فَواللَّهِ (p-٣٢٨)لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ، قالَ، قَتادَةُ،: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ ؟ قالَ قَتادَةُ: فَرَجِعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّيرِفاعَةُ فَقالَ لِي: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ»، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ( ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ) بَنِي أُبَيْرِقٍ ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) [النساء: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ) [النساء: ١١١] قَوْلُهم لِلَبِيدٍ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ وكانَ شَيْخًا قَدْ غُشِيَ في الجاهِلِيَّةِ؛ أيْ: كَبُرَ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ) [النساء: ١١٥ - ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسّانَ ما كُنْتُ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ. ورَواهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصّانِعِ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ أيُّوبَ، والحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ كِلاهُما عَنِ الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ أبِي إسْرائِيلَ، وقَدْ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، عَنْ أبِي العَبّاسِ الأصَمِّ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ العُطارِدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ أتَمَّ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: هَذا صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: غَدا بُشَيْرٌ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُخْتَصَرَةٌ ومُطَوَّلَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.

النساء 4:106

قَوْلُهُ: بِما أراكَ اللَّهُ إمّا بِوَحْيٍ أوْ بِما هو جارٍ عَلى سُنَنِ ما قَدْ أوْحى اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يُرى، بَلِ المُرادُ بِما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ ) أيْ: لِأجْلِ الخائِنِينَ خَصِيمًا؛ أيْ: مُخاصِمًا عَنْهم مُجادِلًا لِلْمُحِقِّينَ بِسَبَبِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ، قَوْلُهُ: ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ الآيَةُ، وبِهِ يَتَّضِحُ المُرادُ، وقِيلَ: المَعْنى: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ والمُخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ أيْ: لا تُحاجِجْ عَنِ الَّذِينَ يَخُونُونَ أنْفُسَهم، والمُجادَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدالَةِ وهي وجْهُ الأرْضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلَيْها، وسُمِّيَ ذَلِكَ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ ضَرَرَ مَعْصِيَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، والخَوّانُ: كَثِيرُ الخِيانَةِ، والأثِيمُ: كَثِيرُ الإثْمِ، وعَدَمُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ. قَوْلُهُ: ( ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ ) أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم كَقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ ) [الرعد: ١٠] أيْ: مُسْتَتِرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ أوْ لا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ، والحالُ أنَّهُ مَعَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ عالِمٌ بِما هم فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْتَخْفُونَ مِنهُ إذْ يُبَيِّتُونَ؛ أيْ: يُدِيرُونَ الرَّأْيَ بَيْنَهم، وسَمّاهُ تَبْيِيتًا؛ لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَكُونَ إدارَةُ الرَّأْيِ بِاللَّيْلِ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ أيْ: مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي أدارُوهُ بَيْنَهم، وسَمّاهُ قَوْلًا؛ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم، قَوْلُهُ: ( ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ) يَعْنِي القَوْمَ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ صاحِبِهِمُ السّارِقِ كَما سَيَأْتِي، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ و( جادَلْتُمْ ) بِمَعْنى حاجَجْتُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ؛ أيْ: فَمَن يُخاصِمُ ويُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ تَعْذِيبِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ؟ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: مُجادِلًا ومُخاصِمًا، والوَكِيلُ في الأصْلِ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأُمُورِ. والمَعْنى: مَن ذاكَ يَقُومُ بِأمْرِهِمْ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ،، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ، وبُشَيْرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضُ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثَ، فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أصْمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ؛ أيْ: حَمُولَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، «فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ رافِعٍ حَمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ المَشْرَبَةُ، وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا بْنَ أخِي تَعَلَمُ أنْ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا فَذَهَبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، قالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا نارًا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم، قالَ: وكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ، واللَّهِ ما نُرى صاحِبُكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيَدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ ؟ فَواللَّهِ (p-٣٢٨)لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ، قالَ، قَتادَةُ،: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ ؟ قالَ قَتادَةُ: فَرَجِعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّيرِفاعَةُ فَقالَ لِي: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ»، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ( ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ) بَنِي أُبَيْرِقٍ ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) [النساء: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ) [النساء: ١١١] قَوْلُهم لِلَبِيدٍ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ وكانَ شَيْخًا قَدْ غُشِيَ في الجاهِلِيَّةِ؛ أيْ: كَبُرَ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ) [النساء: ١١٥ - ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسّانَ ما كُنْتُ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ. ورَواهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصّانِعِ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ أيُّوبَ، والحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ كِلاهُما عَنِ الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ أبِي إسْرائِيلَ، وقَدْ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، عَنْ أبِي العَبّاسِ الأصَمِّ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ العُطارِدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ أتَمَّ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: هَذا صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: غَدا بُشَيْرٌ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُخْتَصَرَةٌ ومُطَوَّلَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.

النساء 4:107

قَوْلُهُ: بِما أراكَ اللَّهُ إمّا بِوَحْيٍ أوْ بِما هو جارٍ عَلى سُنَنِ ما قَدْ أوْحى اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يُرى، بَلِ المُرادُ بِما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ ) أيْ: لِأجْلِ الخائِنِينَ خَصِيمًا؛ أيْ: مُخاصِمًا عَنْهم مُجادِلًا لِلْمُحِقِّينَ بِسَبَبِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ، قَوْلُهُ: ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ الآيَةُ، وبِهِ يَتَّضِحُ المُرادُ، وقِيلَ: المَعْنى: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ والمُخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ أيْ: لا تُحاجِجْ عَنِ الَّذِينَ يَخُونُونَ أنْفُسَهم، والمُجادَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدالَةِ وهي وجْهُ الأرْضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلَيْها، وسُمِّيَ ذَلِكَ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ ضَرَرَ مَعْصِيَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، والخَوّانُ: كَثِيرُ الخِيانَةِ، والأثِيمُ: كَثِيرُ الإثْمِ، وعَدَمُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ. قَوْلُهُ: ( ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ ) أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم كَقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ ) [الرعد: ١٠] أيْ: مُسْتَتِرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ أوْ لا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ، والحالُ أنَّهُ مَعَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ عالِمٌ بِما هم فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْتَخْفُونَ مِنهُ إذْ يُبَيِّتُونَ؛ أيْ: يُدِيرُونَ الرَّأْيَ بَيْنَهم، وسَمّاهُ تَبْيِيتًا؛ لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَكُونَ إدارَةُ الرَّأْيِ بِاللَّيْلِ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ أيْ: مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي أدارُوهُ بَيْنَهم، وسَمّاهُ قَوْلًا؛ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم، قَوْلُهُ: ( ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ) يَعْنِي القَوْمَ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ صاحِبِهِمُ السّارِقِ كَما سَيَأْتِي، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ و( جادَلْتُمْ ) بِمَعْنى حاجَجْتُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ؛ أيْ: فَمَن يُخاصِمُ ويُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ تَعْذِيبِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ؟ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: مُجادِلًا ومُخاصِمًا، والوَكِيلُ في الأصْلِ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأُمُورِ. والمَعْنى: مَن ذاكَ يَقُومُ بِأمْرِهِمْ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ،، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ، وبُشَيْرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضُ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثَ، فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أصْمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ؛ أيْ: حَمُولَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، «فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ رافِعٍ حَمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ المَشْرَبَةُ، وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا بْنَ أخِي تَعَلَمُ أنْ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا فَذَهَبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، قالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا نارًا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم، قالَ: وكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ، واللَّهِ ما نُرى صاحِبُكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيَدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ ؟ فَواللَّهِ (p-٣٢٨)لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ، قالَ، قَتادَةُ،: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ ؟ قالَ قَتادَةُ: فَرَجِعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّيرِفاعَةُ فَقالَ لِي: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ»، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ( ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ) بَنِي أُبَيْرِقٍ ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) [النساء: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ) [النساء: ١١١] قَوْلُهم لِلَبِيدٍ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ وكانَ شَيْخًا قَدْ غُشِيَ في الجاهِلِيَّةِ؛ أيْ: كَبُرَ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ) [النساء: ١١٥ - ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسّانَ ما كُنْتُ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ. ورَواهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصّانِعِ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ أيُّوبَ، والحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ كِلاهُما عَنِ الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ أبِي إسْرائِيلَ، وقَدْ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، عَنْ أبِي العَبّاسِ الأصَمِّ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ العُطارِدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ أتَمَّ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: هَذا صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: غَدا بُشَيْرٌ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُخْتَصَرَةٌ ومُطَوَّلَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.

النساء 4:108

قَوْلُهُ: بِما أراكَ اللَّهُ إمّا بِوَحْيٍ أوْ بِما هو جارٍ عَلى سُنَنِ ما قَدْ أوْحى اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يُرى، بَلِ المُرادُ بِما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ ) أيْ: لِأجْلِ الخائِنِينَ خَصِيمًا؛ أيْ: مُخاصِمًا عَنْهم مُجادِلًا لِلْمُحِقِّينَ بِسَبَبِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ، قَوْلُهُ: ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ الآيَةُ، وبِهِ يَتَّضِحُ المُرادُ، وقِيلَ: المَعْنى: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ والمُخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ أيْ: لا تُحاجِجْ عَنِ الَّذِينَ يَخُونُونَ أنْفُسَهم، والمُجادَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدالَةِ وهي وجْهُ الأرْضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلَيْها، وسُمِّيَ ذَلِكَ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ ضَرَرَ مَعْصِيَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، والخَوّانُ: كَثِيرُ الخِيانَةِ، والأثِيمُ: كَثِيرُ الإثْمِ، وعَدَمُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ. قَوْلُهُ: ( ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ ) أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم كَقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ ) [الرعد: ١٠] أيْ: مُسْتَتِرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ أوْ لا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ، والحالُ أنَّهُ مَعَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ عالِمٌ بِما هم فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْتَخْفُونَ مِنهُ إذْ يُبَيِّتُونَ؛ أيْ: يُدِيرُونَ الرَّأْيَ بَيْنَهم، وسَمّاهُ تَبْيِيتًا؛ لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَكُونَ إدارَةُ الرَّأْيِ بِاللَّيْلِ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ أيْ: مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي أدارُوهُ بَيْنَهم، وسَمّاهُ قَوْلًا؛ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم، قَوْلُهُ: ( ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ) يَعْنِي القَوْمَ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ صاحِبِهِمُ السّارِقِ كَما سَيَأْتِي، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ و( جادَلْتُمْ ) بِمَعْنى حاجَجْتُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ؛ أيْ: فَمَن يُخاصِمُ ويُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ تَعْذِيبِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ؟ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: مُجادِلًا ومُخاصِمًا، والوَكِيلُ في الأصْلِ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأُمُورِ. والمَعْنى: مَن ذاكَ يَقُومُ بِأمْرِهِمْ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ،، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ، وبُشَيْرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضُ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثَ، فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أصْمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ؛ أيْ: حَمُولَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، «فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ رافِعٍ حَمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ المَشْرَبَةُ، وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا بْنَ أخِي تَعَلَمُ أنْ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا فَذَهَبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، قالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا نارًا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم، قالَ: وكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ، واللَّهِ ما نُرى صاحِبُكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيَدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ ؟ فَواللَّهِ (p-٣٢٨)لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ، قالَ، قَتادَةُ،: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ ؟ قالَ قَتادَةُ: فَرَجِعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّيرِفاعَةُ فَقالَ لِي: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ»، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ( ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ) بَنِي أُبَيْرِقٍ ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) [النساء: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ) [النساء: ١١١] قَوْلُهم لِلَبِيدٍ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ وكانَ شَيْخًا قَدْ غُشِيَ في الجاهِلِيَّةِ؛ أيْ: كَبُرَ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ) [النساء: ١١٥ - ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسّانَ ما كُنْتُ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ. ورَواهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصّانِعِ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ أيُّوبَ، والحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ كِلاهُما عَنِ الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ أبِي إسْرائِيلَ، وقَدْ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، عَنْ أبِي العَبّاسِ الأصَمِّ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ العُطارِدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ أتَمَّ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: هَذا صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: غَدا بُشَيْرٌ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُخْتَصَرَةٌ ومُطَوَّلَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.

النساء 4:109

قَوْلُهُ: بِما أراكَ اللَّهُ إمّا بِوَحْيٍ أوْ بِما هو جارٍ عَلى سُنَنِ ما قَدْ أوْحى اللَّهُ بِهِ، ولَيْسَ المُرادُ هُنا رُؤْيَةُ العَيْنِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ لا يُرى، بَلِ المُرادُ بِما عَرَّفَهُ اللَّهُ بِهِ وأرْشَدَهُ إلَيْهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ﴾ ) أيْ: لِأجْلِ الخائِنِينَ خَصِيمًا؛ أيْ: مُخاصِمًا عَنْهم مُجادِلًا لِلْمُحِقِّينَ بِسَبَبِهِمْ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ لِأحَدٍ أنْ يُخاصِمَ عَنْ أحَدٍ إلّا بَعْدَ أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ مُحِقٌّ، قَوْلُهُ: ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أمْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالِاسْتِغْفارِ، قالَ ابْنُ جَرِيرٍ: إنَّ المَعْنى اسْتَغْفِرِ اللَّهَ مِن ذَنْبِكَ في خِصامِكَ لِلْخائِنِينَ، وسَيَأْتِي بَيانُ السَّبَبِ الَّذِي نَزَلَتْ لِأجْلِهِ الآيَةُ، وبِهِ يَتَّضِحُ المُرادُ، وقِيلَ: المَعْنى: واسْتَغْفِرِ اللَّهَ لِلْمُذْنِبِينَ مِن أُمَّتِكَ والمُخاصِمِينَ بِالباطِلِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ أيْ: لا تُحاجِجْ عَنِ الَّذِينَ يَخُونُونَ أنْفُسَهم، والمُجادَلَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، وقِيلَ: مَأْخُوذَةٌ مِنَ الجَدالَةِ وهي وجْهُ الأرْضِ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ الخَصْمَيْنِ يُرِيدُ أنْ يُلْقِيَ صاحِبَهُ عَلَيْها، وسُمِّيَ ذَلِكَ خِيانَةً لِأنْفُسِهِمْ؛ لِأنَّ ضَرَرَ مَعْصِيَتِهِمْ راجِعٌ إلَيْهِمْ، والخَوّانُ: كَثِيرُ الخِيانَةِ، والأثِيمُ: كَثِيرُ الإثْمِ، وعَدَمُ المَحَبَّةِ كِنايَةٌ عَنِ البُغْضِ. قَوْلُهُ: ( ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ﴾ ) أيْ: يَسْتَتِرُونَ مِنهم كَقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن هو مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ﴾ ) [الرعد: ١٠] أيْ: مُسْتَتِرٍ، وقِيلَ: مَعْناهُ: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ: لا يَسْتَتِرُونَ مِنهُ أوْ لا يَسْتَحْيُونَ مِنهُ، والحالُ أنَّهُ مَعَهم في جَمِيعِ أحْوالِهِمْ عالِمٌ بِما هم فِيهِ، فَكَيْفَ يَسْتَخْفُونَ مِنهُ إذْ يُبَيِّتُونَ؛ أيْ: يُدِيرُونَ الرَّأْيَ بَيْنَهم، وسَمّاهُ تَبْيِيتًا؛ لِأنَّ الغالِبَ أنْ تَكُونَ إدارَةُ الرَّأْيِ بِاللَّيْلِ ما لا يَرْضى مِنَ القَوْلِ أيْ: مِنَ الرَّأْيِ الَّذِي أدارُوهُ بَيْنَهم، وسَمّاهُ قَوْلًا؛ لِأنَّهُ لا يَحْصُلُ إلّا بَعْدَ المُقاوَلَةِ بَيْنَهم، قَوْلُهُ: ( ها أنْتُمْ هَؤُلاءِ ) يَعْنِي القَوْمَ الَّذِينَ جادَلُوا عَنْ صاحِبِهِمُ السّارِقِ كَما سَيَأْتِي، والجُمْلَةُ مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. قالَ الزَّجّاجُ: ( أُولاءِ ) بِمَعْنى الَّذِينَ و( جادَلْتُمْ ) بِمَعْنى حاجَجْتُمْ في الحَياةِ الدُّنْيا ﴿فَمَن يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ الِاسْتِفْهامُ لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ؛ أيْ: فَمَن يُخاصِمُ ويُجادِلُ اللَّهَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ تَعْذِيبِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ ؟ ﴿أمْ مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وكِيلًا﴾ أيْ: مُجادِلًا ومُخاصِمًا، والوَكِيلُ في الأصْلِ: القائِمُ بِتَدْبِيرِ الأُمُورِ. والمَعْنى: مَن ذاكَ يَقُومُ بِأمْرِهِمْ إذا أخَذَهُمُ اللَّهُ بِعَذابِهِ، وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ،، وابْنُ أبِي حاتِمٍ،، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ بِشْرٌ، وبُشَيْرٌ، ومُبَشِّرٌ، وكانَ بِشْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضُ العَرَبِ ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، فَإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثَ، فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أصْمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها قالَ: وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ؛ أيْ: حَمُولَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، «فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رِفاعَةُ بْنُ رافِعٍ حَمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ، فَجَعَلَهُ في مَشْرَبَةٍ، وفي المَشْرَبَةِ سِلاحٌ لَهُ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعُدِيَ عَلَيْهِ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنُقِبَتِ المَشْرَبَةُ، وأُخِذَ الطَّعامُ والسِّلاحُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رِفاعَةُ فَقالَ: يا بْنَ أخِي تَعَلَمُ أنْ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرَبَتُنا فَذَهَبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا، قالَ: فَتَحَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ اسْتَوْقَدُوا نارًا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكم، قالَ: وكانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ، واللَّهِ ما نُرى صاحِبُكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيَدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ ؟ فَواللَّهِ (p-٣٢٨)لَيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها، فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ، قالَ، قَتادَةُ،: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهْلَ جَفاءٍ عَمَدُوا إلى عَمِّي رِفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرَبَةً لَهُ، وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، وأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: سَأنْظُرُ في ذَلِكَ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ: أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَكَلَّمْتُهُ فَقالَ: عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتٍ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ عَلى غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ ؟ قالَ قَتادَةُ: فَرَجِعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّيرِفاعَةُ فَقالَ لِي: يا ابْنَ أخِي ما صَنَعْتَ ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ»، فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ ( ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ ) بَنِي أُبَيْرِقٍ ( ﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) أيْ: مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهم﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] أيْ: لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) [النساء: ١١١] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ ) [النساء: ١١١] قَوْلُهم لِلَبِيدٍ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ [النساء: ١١٣] يَعْنِي: أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أتى رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ وكانَ شَيْخًا قَدْ غُشِيَ في الجاهِلِيَّةِ؛ أيْ: كَبُرَ، وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي هو في سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ( ﴿ضَلالًا بَعِيدًا﴾ ) [النساء: ١١٥ - ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها، ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطُحِ، ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شِعْرَ حَسّانَ ما كُنْتُ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لا نَعْلَمُ أحَدًا أسْنَدَهُ غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ الحَرّانِيِّ. ورَواهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ وغَيْرُ واحِدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ مُرْسَلًا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، ورَواهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ هاشِمِ بْنِ القاسِمِ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الصّانِعِ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيُّ، حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ فَذَكَرَهُ بِطُولِهِ، ورَواهُ أبُو الشَّيْخِ الأصْبَهانِيُّ في تَفْسِيرِهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ العَبّاسِ بْنِ أيُّوبَ، والحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ كِلاهُما عَنِ الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ أبِي شُعَيْبٍ الحَرّانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ بِهِ، ثُمَّ قالَ في آخِرِهِ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ: سَمِعَ مِنِّي هَذا الحَدِيثَ يَحْيى بْنُ مَعِينٍ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وإسْحاقُ بْنُ أبِي إسْرائِيلَ، وقَدْ رَواهُ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، عَنْ أبِي العَبّاسِ الأصَمِّ، عَنْ أحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الجَبّارِ العُطارِدِيِّ، عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ بِمَعْناهُ أتَمَّ مِنهُ، ثُمَّ قالَ: هَذا صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وقَدْ أخْرَجَهُ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: غَدا بُشَيْرٌ فَذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا، وقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُخْتَصَرَةٌ ومُطَوَّلَةٌ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ.

النساء 4:110

هَذا مِن تَمامِ القِصَّةِ السّابِقَةِ، والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي أوْ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ( ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما قارَفَهُ مِنَ الذَّنْبِ ( ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ ) لِذَنْبِهِ ( رَحِيمًا ) بِهِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ السَّرَقَ مِن بَنِي أُبَيْرِقٍ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرَهُ، وأنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ رَحِيمٌ بِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، أشْرَكَ بِاللَّهِ وقَتَلَ حَمْزَةَ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَهي لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) مِنَ الآثامِ بِذَنْبٍ يَذْنِبُهُ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: عاقِبَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، والكَسْبُ ما يَجُرُّ بِهِ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، ولِهَذا لا يُسَمّى فِعْلُ الرَّبِّ كَسْبًا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، والإثْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ، والإثْمُ: الكَبِيرَةُ، قَوْلُهُ: ( ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِكَوْنِ العَطْفِ بِـ ( أوْ ) أوْ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الكَسْبِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ لَمّا كانَتِ الذُّنُوبُ لازِمَةً لِفاعِلِها كانَتْ كالثِّقْلِ الَّذِي يُحْمَلُ، ومِثْلُهُ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] والبُهْتانُ مَأْخُوذٌ (p-٣٢٩)مِنَ البُهْتِ، وهو الكَذِبُ عَلى البَرِيءِ بِما يَنْبَهِتُ لَهُ ويَتَحَيَّرُ مِنهُ، يُقالُ: بَهَتَهُ بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، ويُقالُ: بَهِتَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ وبَهُتَ بِالضَّمِّ، ومِنهُ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والإثْمُ المُبِينُ: الواضِحُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ نُبِّهَ عَلى الحَقِّ في قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ ( ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ ) أيْ: مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ عَضَّدُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ، كَما تَقَدَّمَ أنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم؛ لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّكَ عَمِلْتَ بِالظّاهِرِ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الحُكْمِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ حالَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، أوْ مَعَ إنْزالِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْزَلَ ) أيْ: عَلَّمَكَ بِالوَحْيِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِن قَبْلُ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذْ لا فَضْلَ أعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ ونُزُولِ الوَحْيِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ عِبادَهُ بِحِلْمِهِ وعَفْوِهِ وكَرَمِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، فَمَن أذْنَبَ ذَنَبًا صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ولَوْ كانَتْ ذُنُوبُهُ أعْظَمَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن سُورَةِ النِّساءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اللَّهُ بَيانَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيَّنَ حَلالَهُ وحَرامَهُ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلى خَلْقِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: عَلَّمَهُ الخَيْرَ والشَّرَّ، وقَدْ ورَدَ في قَبُولِ الِاسْتِغْفارِ، وأنَّهُ يَمْحُو الذَّنْبَ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ.

النساء 4:111

هَذا مِن تَمامِ القِصَّةِ السّابِقَةِ، والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي أوْ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ( ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما قارَفَهُ مِنَ الذَّنْبِ ( ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ ) لِذَنْبِهِ ( رَحِيمًا ) بِهِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ السَّرَقَ مِن بَنِي أُبَيْرِقٍ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرَهُ، وأنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ رَحِيمٌ بِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، أشْرَكَ بِاللَّهِ وقَتَلَ حَمْزَةَ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَهي لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) مِنَ الآثامِ بِذَنْبٍ يَذْنِبُهُ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: عاقِبَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، والكَسْبُ ما يَجُرُّ بِهِ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، ولِهَذا لا يُسَمّى فِعْلُ الرَّبِّ كَسْبًا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، والإثْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ، والإثْمُ: الكَبِيرَةُ، قَوْلُهُ: ( ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِكَوْنِ العَطْفِ بِـ ( أوْ ) أوْ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الكَسْبِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ لَمّا كانَتِ الذُّنُوبُ لازِمَةً لِفاعِلِها كانَتْ كالثِّقْلِ الَّذِي يُحْمَلُ، ومِثْلُهُ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] والبُهْتانُ مَأْخُوذٌ (p-٣٢٩)مِنَ البُهْتِ، وهو الكَذِبُ عَلى البَرِيءِ بِما يَنْبَهِتُ لَهُ ويَتَحَيَّرُ مِنهُ، يُقالُ: بَهَتَهُ بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، ويُقالُ: بَهِتَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ وبَهُتَ بِالضَّمِّ، ومِنهُ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والإثْمُ المُبِينُ: الواضِحُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ نُبِّهَ عَلى الحَقِّ في قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ ( ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ ) أيْ: مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ عَضَّدُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ، كَما تَقَدَّمَ أنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم؛ لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّكَ عَمِلْتَ بِالظّاهِرِ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الحُكْمِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ حالَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، أوْ مَعَ إنْزالِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْزَلَ ) أيْ: عَلَّمَكَ بِالوَحْيِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِن قَبْلُ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذْ لا فَضْلَ أعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ ونُزُولِ الوَحْيِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ عِبادَهُ بِحِلْمِهِ وعَفْوِهِ وكَرَمِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، فَمَن أذْنَبَ ذَنَبًا صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ولَوْ كانَتْ ذُنُوبُهُ أعْظَمَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن سُورَةِ النِّساءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اللَّهُ بَيانَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيَّنَ حَلالَهُ وحَرامَهُ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلى خَلْقِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: عَلَّمَهُ الخَيْرَ والشَّرَّ، وقَدْ ورَدَ في قَبُولِ الِاسْتِغْفارِ، وأنَّهُ يَمْحُو الذَّنْبَ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ.

النساء 4:112

هَذا مِن تَمامِ القِصَّةِ السّابِقَةِ، والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي أوْ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ( ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما قارَفَهُ مِنَ الذَّنْبِ ( ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ ) لِذَنْبِهِ ( رَحِيمًا ) بِهِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ السَّرَقَ مِن بَنِي أُبَيْرِقٍ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرَهُ، وأنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ رَحِيمٌ بِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، أشْرَكَ بِاللَّهِ وقَتَلَ حَمْزَةَ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَهي لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) مِنَ الآثامِ بِذَنْبٍ يَذْنِبُهُ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: عاقِبَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، والكَسْبُ ما يَجُرُّ بِهِ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، ولِهَذا لا يُسَمّى فِعْلُ الرَّبِّ كَسْبًا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، والإثْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ، والإثْمُ: الكَبِيرَةُ، قَوْلُهُ: ( ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِكَوْنِ العَطْفِ بِـ ( أوْ ) أوْ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الكَسْبِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ لَمّا كانَتِ الذُّنُوبُ لازِمَةً لِفاعِلِها كانَتْ كالثِّقْلِ الَّذِي يُحْمَلُ، ومِثْلُهُ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] والبُهْتانُ مَأْخُوذٌ (p-٣٢٩)مِنَ البُهْتِ، وهو الكَذِبُ عَلى البَرِيءِ بِما يَنْبَهِتُ لَهُ ويَتَحَيَّرُ مِنهُ، يُقالُ: بَهَتَهُ بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، ويُقالُ: بَهِتَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ وبَهُتَ بِالضَّمِّ، ومِنهُ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والإثْمُ المُبِينُ: الواضِحُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ نُبِّهَ عَلى الحَقِّ في قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ ( ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ ) أيْ: مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ عَضَّدُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ، كَما تَقَدَّمَ أنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم؛ لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّكَ عَمِلْتَ بِالظّاهِرِ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الحُكْمِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ حالَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، أوْ مَعَ إنْزالِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْزَلَ ) أيْ: عَلَّمَكَ بِالوَحْيِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِن قَبْلُ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذْ لا فَضْلَ أعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ ونُزُولِ الوَحْيِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ عِبادَهُ بِحِلْمِهِ وعَفْوِهِ وكَرَمِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، فَمَن أذْنَبَ ذَنَبًا صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ولَوْ كانَتْ ذُنُوبُهُ أعْظَمَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن سُورَةِ النِّساءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اللَّهُ بَيانَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيَّنَ حَلالَهُ وحَرامَهُ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلى خَلْقِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: عَلَّمَهُ الخَيْرَ والشَّرَّ، وقَدْ ورَدَ في قَبُولِ الِاسْتِغْفارِ، وأنَّهُ يَمْحُو الذَّنْبَ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ.

النساء 4:113

هَذا مِن تَمامِ القِصَّةِ السّابِقَةِ، والمُرادُ بِالسُّوءِ: القَبِيحُ الَّذِي يَسُوءُ بِهِ، أوْ يَظْلِمُ نَفْسَهُ بِفِعْلِ مَعْصِيَةٍ مِنَ المَعاصِي أوْ ذَنْبٍ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لا تَتَعَدّى إلى غَيْرِهِ ( ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ ) يَطْلُبُ مِنهُ أنْ يَغْفِرَ لَهُ ما قارَفَهُ مِنَ الذَّنْبِ ( ﴿يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا﴾ ) لِذَنْبِهِ ( رَحِيمًا ) بِهِ، وفِيهِ تَرْغِيبٌ لِمَن وقَعَ مِنهُ السَّرَقَ مِن بَنِي أُبَيْرِقٍ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرَهُ، وأنَّهُ غَفُورٌ لِمَن يَسْتَغْفِرُهُ رَحِيمٌ بِهِ. وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ وحْشِيٍّ قاتِلِ حَمْزَةَ، أشْرَكَ بِاللَّهِ وقَتَلَ حَمْزَةَ، ثُمَّ جاءَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ ؟ فَنَزَلَتْ، وعَلى كُلِّ حالٍ فالِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لا بِخُصُوصِ السَّبَبِ، فَهي لِكُلِّ عَبْدٍ مِن عِبادِ اللَّهِ أذْنَبَ ذَنْبًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ ) مِنَ الآثامِ بِذَنْبٍ يَذْنِبُهُ ﴿فَإنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ﴾ أيْ: عاقِبَتُهُ عائِدَةٌ عَلَيْهِ، والكَسْبُ ما يَجُرُّ بِهِ الإنْسانُ إلى نَفْسِهِ نَفْعًا أوْ يَدْفَعُ بِهِ ضَرَرًا، ولِهَذا لا يُسَمّى فِعْلُ الرَّبِّ كَسْبًا، قالَهُ القُرْطُبِيُّ. ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا﴾ قِيلَ: هُما بِمَعْنًى واحِدٍ كُرِّرَ لِلتَّأْكِيدِ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: إنَّ الخَطِيئَةَ تَكُونُ عَنْ عَمْدٍ وعَنْ غَيْرِ عَمْدٍ، والإثْمُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ عَمْدٍ، وقِيلَ: الخَطِيئَةُ الصَّغِيرَةُ، والإثْمُ: الكَبِيرَةُ، قَوْلُهُ: ( ﴿ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ ) تَوْحِيدُ الضَّمِيرِ لِكَوْنِ العَطْفِ بِـ ( أوْ ) أوْ لِتَغْلِيبِ الإثْمِ عَلى الخَطِيئَةِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَرْجِعُ إلى الكَسْبِ. قَوْلُهُ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ لَمّا كانَتِ الذُّنُوبُ لازِمَةً لِفاعِلِها كانَتْ كالثِّقْلِ الَّذِي يُحْمَلُ، ومِثْلُهُ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ أثْقالَهم وأثْقالًا مَعَ أثْقالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] والبُهْتانُ مَأْخُوذٌ (p-٣٢٩)مِنَ البُهْتِ، وهو الكَذِبُ عَلى البَرِيءِ بِما يَنْبَهِتُ لَهُ ويَتَحَيَّرُ مِنهُ، يُقالُ: بَهَتَهُ بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا قالَ عَلَيْهِ ما لَمْ يَقُلْ، ويُقالُ: بَهِتَ الرَّجُلُ - بِالكَسْرِ - إذا دَهِشَ وتَحَيَّرَ وبَهُتَ بِالضَّمِّ، ومِنهُ ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨] والإثْمُ المُبِينُ: الواضِحُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ﴾ خِطابٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، والمُرادُ بِهَذا الفَضْلِ والرَّحْمَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ أنَّهُ نُبِّهَ عَلى الحَقِّ في قِصَّةِ بَنِي أُبَيْرِقٍ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما النُّبُوَّةُ والعِصْمَةُ ( ﴿لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ ) أيْ: مِنَ الجَماعَةِ الَّذِينَ عَضَّدُوا بَنِي أُبَيْرِقٍ، كَما تَقَدَّمَ أنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الحَقِّ وما يُضِلُّونَ إلّا أنْفُسَهم؛ لِأنَّ وبالَ ذَلِكَ عائِدٌ عَلَيْهِمْ وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ هو عاصِمُكَ مِنَ النّاسِ، ولِأنَّكَ عَمِلْتَ بِالظّاهِرِ ولا ضَرَرَ عَلَيْكَ في الحُكْمِ بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الوَحْيِ، والجارُّ والمَجْرُورُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ. قَوْلُهُ: ﴿وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الكِتابَ﴾ قِيلَ: هَذا ابْتِداءُ كَلامٍ، وقِيلَ الواوُ لِلْحالِ؛ أيْ: وما يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ حالَ إنْزالِ اللَّهِ عَلَيْكَ الكِتابَ والحِكْمَةَ، أوْ مَعَ إنْزالِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْكَ، قَوْلُهُ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْزَلَ ) أيْ: عَلَّمَكَ بِالوَحْيِ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِن قَبْلُ ﴿وكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ إذْ لا فَضْلَ أعْظَمُ مِنَ النُّبُوَّةِ ونُزُولِ الوَحْيِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ عِبادَهُ بِحِلْمِهِ وعَفْوِهِ وكَرَمِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ ومَغْفِرَتِهِ، فَمَن أذْنَبَ ذَنَبًا صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ولَوْ كانَتْ ذُنُوبُهُ أعْظَمَ مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن قَرَأ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن سُورَةِ النِّساءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولَوْ أنَّهم إذْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم جاءُوكَ فاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ [النساء: ٦٤] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ قالَ: عَلَّمَهُ اللَّهُ بَيانَ الدُّنْيا والآخِرَةِ بَيَّنَ حَلالَهُ وحَرامَهُ لِيَحْتَجَّ بِذَلِكَ عَلى خَلْقِهِ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: عَلَّمَهُ الخَيْرَ والشَّرَّ، وقَدْ ورَدَ في قَبُولِ الِاسْتِغْفارِ، وأنَّهُ يَمْحُو الذَّنْبَ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ السُّنَّةِ.

النساء 4:114

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ. والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها. قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا تَصْدُقُ عَلى عالِمٍ مِن عُلَماءِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ اجْتَهَدَ في بَعْضِ مَسائِلِ دِينِ الإسْلامِ فَأدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى مُخالَفَةِ مَن بِعَصْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، فَإنَّهُ إنَّما رامَ السُّلُوكَ في سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ والمِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ ولَمْ يَتْبَعْ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ إلّا أمْرًا بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أوْ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: هَذا في كِتابِ اللَّهِ (p-٣٣٠)﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّمْتِ والتَّحْذِيرِ مِن آفاتِ اللِّسانِ والتَّرْغِيبِ في حِفْظِهِ، وفي الحَثِّ عَلى الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) تَصَدَّقَ أوْ أقْرَضَ أوْ أصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السَّجَزِيُّ في الإبانَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيَّ القُرْآنَ يا أعْرابِيُّ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يا أعْرابِيُّ الأجْرُ العَظِيمُ الجَنَّةُ، قالَ الأعْرابِيُّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى الضَّلالَةِ أبَدًا، ويَدُ اللَّهِ عَلى الجَماعَةِ، فَمَن شَذَّ شَذَّ في النّارِ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.

النساء 4:115

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ. والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها. قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا تَصْدُقُ عَلى عالِمٍ مِن عُلَماءِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ اجْتَهَدَ في بَعْضِ مَسائِلِ دِينِ الإسْلامِ فَأدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى مُخالَفَةِ مَن بِعَصْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، فَإنَّهُ إنَّما رامَ السُّلُوكَ في سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ والمِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ ولَمْ يَتْبَعْ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ إلّا أمْرًا بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أوْ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: هَذا في كِتابِ اللَّهِ (p-٣٣٠)﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّمْتِ والتَّحْذِيرِ مِن آفاتِ اللِّسانِ والتَّرْغِيبِ في حِفْظِهِ، وفي الحَثِّ عَلى الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) تَصَدَّقَ أوْ أقْرَضَ أوْ أصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السَّجَزِيُّ في الإبانَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيَّ القُرْآنَ يا أعْرابِيُّ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يا أعْرابِيُّ الأجْرُ العَظِيمُ الجَنَّةُ، قالَ الأعْرابِيُّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى الضَّلالَةِ أبَدًا، ويَدُ اللَّهِ عَلى الجَماعَةِ، فَمَن شَذَّ شَذَّ في النّارِ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.

النساء 4:116

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ. والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها. قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا تَصْدُقُ عَلى عالِمٍ مِن عُلَماءِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ اجْتَهَدَ في بَعْضِ مَسائِلِ دِينِ الإسْلامِ فَأدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى مُخالَفَةِ مَن بِعَصْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، فَإنَّهُ إنَّما رامَ السُّلُوكَ في سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ والمِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ ولَمْ يَتْبَعْ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ إلّا أمْرًا بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أوْ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: هَذا في كِتابِ اللَّهِ (p-٣٣٠)﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّمْتِ والتَّحْذِيرِ مِن آفاتِ اللِّسانِ والتَّرْغِيبِ في حِفْظِهِ، وفي الحَثِّ عَلى الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) تَصَدَّقَ أوْ أقْرَضَ أوْ أصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السَّجَزِيُّ في الإبانَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيَّ القُرْآنَ يا أعْرابِيُّ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يا أعْرابِيُّ الأجْرُ العَظِيمُ الجَنَّةُ، قالَ الأعْرابِيُّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى الضَّلالَةِ أبَدًا، ويَدُ اللَّهِ عَلى الجَماعَةِ، فَمَن شَذَّ شَذَّ في النّارِ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.

النساء 4:117

النَّجْوى: السِّرُّ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ أوِ الجَماعَةٍ، تَقُولُ: ناجَيْتُ فُلانًا مُناجاةً ونِجاءً، وهم يَنْتِجُونَ ويَتَناجَوْنَ، ونَجَوْتُ فُلانًا أنْجُوهُ نَجْوًى؛ أيْ: ناجَيْتُهُ، فَنَجْوى مُشْتَقَّةٌ مَن نَجَوْتُ الشَّيْءَ أنْجُوهُ؛ أيْ: خَلَّصْتُهُ وأفْرَدْتُهُ، والنَّجْوَةُ مِنَ الأرْضِ: المُرْتَفِعُ؛ لِانْفِرادِهِ بِارْتِفاعِهِ عَمّا حَوْلَهُ، فالنَّجْوى: المُسارَّةُ مَصْدَرٌ. وقَدْ تُسَمّى بِهِ الجَماعَةُ كَما يُقالُ: قَوْمٌ عَدْلٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ( ﴿وإذْ هم نَجْوى﴾ ) [الإسراء: ٤٧] فَعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا؛ أيْ: لِكُلِّ مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، أوْ مُتَّصِلًا عَلى تَقْدِيرِ إلّا نَجْوى مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وعَلى الثّانِي يَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلًا في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلى البَدَلِ مِن كَثِيرٍ؛ أيْ: لا خَيْرَ في كَثِيرٍ إلّا فِيمَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ، وقَدْ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: إنَّ النَّجْوى كَلامُ الجَماعَةِ المُنْفَرِدَةِ أوِ الِاثْنَيْنِ، سَواءً كانَ ذَلِكَ سِرًّا أوْ جَهْرًا، وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، قَوْلُهُ: ( بِصَدَقَةٍ ) الظّاهِرُ أنَّها صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، وقِيلَ: إنَّها صَدَقَةُ الفَرْضِ، والمَعْرُوفُ صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ، والأوَّلُ أوْلى، والمَعْرُوفُ لَفْظٌ عامٌّ يَشْمَلُ جَمِيعَ أنْواعِ البِرِّ. وقالَ مُقاتِلٌ: المَعْرُوفُ هُنا القَرْضُ، والأوَّلُ أوْلى، ومِنهُ قَوْلُ الحُطَيْئَةِ: ؎مَن يَفْعَلِ الخَيْرَ لا يَعْدَمْ جَوازَيْهِ لا يَذْهَبُ العُرْفَ بَيْنَ اللَّهِ والنّاسِ ومِنهُ الحَدِيثُ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وإنَّ مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقى أخاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ»، وقِيلَ: المَعْرُوفُ إغاثَةُ المَلْهُوفِ. والإصْلاحُ بَيْنَ النّاسِ عامٌّ في الدِّماءِ والأعْراضِ والأمْوالِ، وفي كُلِّ شَيْءٍ يَقَعُ التَّداعِي فِيهِ، قَوْلُهُ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) إشارَةٌ إلى الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، جَعَلَ مُجَرَّدَ الأمْرِ بِها خَيْرًا، ثُمَّ رَغَّبَ في فِعْلِها بِقَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) لِأنَّ فِعْلَها أقْرَبُ إلى اللَّهِ مِن مُجَرَّدِ الأمْرِ بِها؛ إذْ خَيْرِيَّةُ الأمْرِ بِها إنَّما هي لِكَوْنِهِ وسِيلَةً إلى فِعْلِها. قَوْلُهُ: ( ﴿ابْتِغاءَ مَرْضاةِ اللَّهِ﴾ ) عِلَّةٌ لِلْفِعْلِ؛ لِأنَّ مَن فَعَلَها لِغَيْرِ ذَلِكَ فَهو غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِهَذا المَدْحِ والجَزاءِ، بَلْ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ ناجٍ مِنَ الوِزْرِ، والأعْمالُ بِالنِّيّاتِ. ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى﴾ المُشاقَقَةُ: المُعاداةُ والمُخالَفَةُ، وتَبَيُّنُ الهُدى ظُهُورُهُ، بِأنْ يَعْلَمَ صِحَّةَ الرِّسالَةِ بِالبَراهِينِ الدّالَّةِ عَلى ذَلِكَ ثُمَّ يَفْعَلُ المُشاقَقَةُ ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) أيْ: غَيْرَ طَرِيقِهِمْ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِن دِينِ الإسْلامِ والتَّمَسُّكِ بِأحْكامِهِ ( ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ ) أيْ: نَجْعَلْهُ والِيًا لِما تَوَلّاهُ مِنَ الضَّلالِ ( ﴿ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾ ) قَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ وأبُو عَمْرٍو ( نُوَلِّهْ ) ( ونُصْلِهْ ) بِسُكُونِ الهاءِ في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ الباقُونَ بِكَسْرِهِما وهُما لُغَتانِ، وقُرِئَ ( ونَصْلِهِ ) بِفَتْحِ النُّونِ مِن صَلاهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ. وقَدِ اسْتَدَلَّ جَماعَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ لِقَوْلِهِ: ( ﴿ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ ) ولا حُجَّةَ في ذَلِكَ عِنْدِي؛ لَأنَّ المُرادَ بِغَيْرِ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ هُنا هو الخُرُوجُ مِن دِينِ الإسْلامِ إلى غَيْرِهِ كَما يُفِيدُهُ اللَّفْظُ ويَشْهَدُ بِهِ السَّبَبُ، فَلا تَصْدُقُ عَلى عالِمٍ مِن عُلَماءِ هَذِهِ المِلَّةِ الإسْلامِيَّةِ اجْتَهَدَ في بَعْضِ مَسائِلِ دِينِ الإسْلامِ فَأدّاهُ اجْتِهادُهُ إلى مُخالَفَةِ مَن بِعَصْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، فَإنَّهُ إنَّما رامَ السُّلُوكَ في سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، وهو الدِّينُ القَوِيمُ والمِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ ولَمْ يَتْبَعْ غَيْرَ سَبِيلِهِمْ، وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهم، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ إلّا أمْرًا بِمَعْرُوفٍ أوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ أوْ ذِكْرًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ» . قالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: هَذا في كِتابِ اللَّهِ (p-٣٣٠)﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبأ: ٣٨]، وقَوْلُهُ: ﴿والعَصْرِ﴾ ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ ﴿إلّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣] وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ صَحِيحَةٌ في الصَّمْتِ والتَّحْذِيرِ مِن آفاتِ اللِّسانِ والتَّرْغِيبِ في حِفْظِهِ، وفي الحَثِّ عَلى الإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ( ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ ) تَصَدَّقَ أوْ أقْرَضَ أوْ أصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السَّجَزِيُّ في الإبانَةِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيَّ القُرْآنَ يا أعْرابِيُّ ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يا أعْرابِيُّ الأجْرُ العَظِيمُ الجَنَّةُ، قالَ الأعْرابِيُّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «لا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى الضَّلالَةِ أبَدًا، ويَدُ اللَّهِ عَلى الجَماعَةِ، فَمَن شَذَّ شَذَّ في النّارِ» . وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ أيْضًا، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا.