Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — المائدة 5:56 – المائدة 5:91

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. المائدة 5:56
  2. المائدة 5:57
  3. المائدة 5:58
  4. المائدة 5:59
  5. المائدة 5:60
  6. المائدة 5:61
  7. المائدة 5:62
  8. المائدة 5:63
  9. المائدة 5:64
  10. المائدة 5:65
  11. المائدة 5:66
  12. المائدة 5:67
  13. المائدة 5:68
  14. المائدة 5:69
  15. المائدة 5:70
  16. المائدة 5:71
  17. المائدة 5:72
  18. المائدة 5:73
  19. المائدة 5:74
  20. المائدة 5:75
  21. المائدة 5:76
  22. المائدة 5:77
  23. المائدة 5:78
  24. المائدة 5:79
  25. المائدة 5:80
  26. المائدة 5:81
  27. المائدة 5:82
  28. المائدة 5:83
  29. المائدة 5:84
  30. المائدة 5:85
  31. المائدة 5:86
  32. المائدة 5:87
  33. المائدة 5:88
  34. المائدة 5:89
  35. المائدة 5:90
  36. المائدة 5:91

المائدة 5:56

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِلْمُؤْمِنِينَ حَقِيقَةً، وقِيلَ: المُرادُ بِهِمُ المُنافِقُونَ، ووَصَفَهم بِالإيمانِ بِاعْتِبارِ ما كانُوا يُظْهِرُونَهُ. وقَدْ كانَ يُوالُونَ اليَهُودَ والنَّصارى فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، والأوْلى أنْ يَكُونَ خِطابًا لِكُلِّ مَن يَتَّصِفُ بِالإيمانِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ ظاهِرًا (p-٣٧٨)وباطِنًا أوْ ظاهِرًا فَقَطْ، فَيَدْخُلُ المُسْلِمُ والمُنافِقُ، ويُؤَيِّدُ هَذا قَوْلُهُ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ والِاعْتِبارُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ، وسَيَأْتِي في بَيانِ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ ما يَتَّضِحُ بِهِ المُرادُ، والمُرادُ مِنَ النَّهْيِ عَنِ اتِّخاذِهِمْ أوْلِياءَ أنْ يُعامَلُوا مُعامَلَةَ الأوْلِياءِ في المُصادَفَةِ والمُعاشَرَةِ والمُناصَرَةِ، وقَوْلُهُ: ﴿بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ تَعْلِيلٌ لِلنَّهْيِ، والمَعْنى: أنَّ بَعْضَ اليَهُودِ أوْلِياءُ البَعْضِ الآخَرِ مِنهم، وبَعْضَ النَّصارى أوْلِياءُ البَعْضِ الآخَرِ مِنهم، ولَيْسَ المُرادُ بِالبَعْضِ إحْدى طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى، وبِالبَعْضِ الآخَرِ الطّائِفَةَ الأُخْرى لِلْقَطْعِ بِأنَّهم في غايَةٍ مِنَ العَداوَةِ والشِّقاقِ ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ [البقرة: ١١٣] وقِيلَ: المُرادُ أنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ تُوالِي الأُخْرى وتُعاضِدُها وتُناصِرُها عَلى عَداوَةِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وعَداوَةِ ما جاءَ بِهِ، وإنْ كانُوا في ذاتِ بَيْنِهِمْ مُتَعادَّيْنِ مُتَضادَّيْنِ. ووَجْهُ تَعْلِيلِ النَّهْيِ بِهَذِهِ الجُمْلَةِ أنَّها تَقْتَضِي أنَّ هَذِهِ المُوالاةَ هي شَأْنُ هَؤُلاءِ الكُفّارِ لا شَأْنُكم، فَلا تَفْعَلُوا ما هو مِن فِعْلِهِمْ فَتَكُونُوا مِثْلَهم، ولِهَذا عَقَّبَ هَذِهِ الجُمْلَةَ التَّعْلِيلِيَّةَ بِما هو كالنَّتِيجَةِ لَها فَقالَ: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ أيْ: فَإنَّهُ مِن جُمْلَتِهِمْ وفي عِدادِهِمْ، وهو وعِيدٌ شَدِيدٌ؛ فَإنَّ المَعْصِيَةَ المُوجِبَةَ لِلْكُفْرِ هي الَّتِي قَدْ بَلَغَتْ إلى غايَةٍ لَيْسَ وراءَها غايَةٌ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها؛ أيْ: أنَّ وُقُوعَهم في الكُفْرِ هو بِسَبَبِ عَدَمِ هِدايَتِهِ سُبْحانَهُ لِمَن ظَلَمَ نَفْسَهُ بِما يُوجِبُ الكُفْرَ كَمَن يُوالِي الكافِرِينَ. قَوْلُهُ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ الفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، والخِطابُ إمّا لِلرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ؛ أيْ: ما ارْتَكَبُوهُ مِنَ المُوالاةِ ووَقَعُوا فِيهِ مِنَ الكُفْرِ هو بِسَبَبِ ما في قُلُوبِهِمْ مِن مَرَضِ النِّفاقِ، وقَوْلُهُ: ( يُسارِعُونَ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ إمّا عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إذا كانَتِ الرُّؤْيَةُ قَلْبِيَّةً أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ إذا كانَتْ بَصَرِيَّةً، وجَعَلَ المُسارَعَةَ في مُوالاتِهِمْ مُسارَعَةً فِيهِمْ؛ لِلْمُبالَغَةِ في بَيانِ رُغُوبِهِمْ في ذَلِكَ حَتّى كَأنَّهم مُسْتَقِرُّونَ فِيهِمْ داخِلُونَ في عِدادِهِمْ. وقَدْ قُرِئَ ( فَسَيَرى ) بِالتَّحْتِيَّةِ، واخْتُلِفَ في فاعِلِهِ ما هو ؟ فَقِيلَ: هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقِيلَ: هو كُلُّ مَن تَصِحُّ مِنهُ الرُّؤْيا، وقِيلَ: هو المَوْصُولُ ومَفْعُولُهُ ( يُسارِعُونَ فِيهِمْ ) عَلى حَذْفِ أنِ المَصْدَرِيَّةِ؛ أيْ: فَيَرى القَوْمَ الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضُ أنْ يُسارِعُوا فِيهِمْ، فَلَمّا حُذِفَتِ ارْتَفَعَ الفِعْلُ كَقَوْلِهِ: ؎ألا أيُّهَذا اللّائِمِيُّ أحْضُرَ الوَغا والمَرَضُ في القُلُوبِ: هو النِّفاقُ والشَّكُّ في الدِّينِ، وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مُشْتَمِلَةٌ عَلى تَعْلِيلِ المُسارَعَةِ في المُوالاةِ؛ أيْ: أنَّ هَذِهِ الخَشْيَةَ هي الحامِلَةُ لَهم عَلى المُسارَعَةِ، وقِيلَ: إنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن ضَمِيرِ ( يُسارِعُونَ ) والدّائِرَةُ: ما تَدُورُ مِن مَكارِهَ الدَّهْرِ؛ أيْ: نَخْشى أنْ تَظْفَرَ الكُفّارُ بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَتَكُونُ الدَّوْلَةُ لَهم وتَبْطُلُ دَوْلَتُهُ فَيُصِيبُنا مِنهم مَكْرُوهٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎يَرُدُّ عَنْكَ القَدْرَ المَقْدُورا ∗∗∗ ودائِراتِ الدَّهْرِ أنْ تَدُورا أيْ: دُولاتِ الدَّهْرِ الدّائِرَةِ مِن قَوْمٍ إلى قَوْمٍ، وقَوْلُهُ: ( ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ ) رَدٌّ عَلَيْهِمْ ودَفْعٌ لِما وقَعَ لَهم مِنَ الخَشْيَةِ، وعَسى في كَلامِ اللَّهِ وعْدٌ صادِقٌ لا يَتَخَلَّفُ. والفَتْحُ: ظُهُورُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى الكافِرِينَ، ومِنهُ ما وقَعَ مِن قَتْلِ مُقاتَلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ وسَبْيِ ذَرارِيِّهِمْ، وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ، وقِيلَ: هو فَتْحُ بِلادِ المُشْرِكِينَ عَلى المُسْلِمِينَ، وقِيلَ: فَتْحُ مَكَّةَ، والمُرادُ بِالأمْرِ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ هو كُلُّ ما تَنْدَفِعُ بِهِ صَوْلَةُ اليَهُودِ ومَن مَعَهم وتَنْكَسِرُ بِهِ شَوْكَتُهم، وقِيلَ: هو إظْهارُ أمْرِ المُنافِقِينَ وإخْبارُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ وأمْرُهُ بِقَتْلِهِمْ، وقِيلَ: هو الجِزْيَةُ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: الخِصْبُ والسِّعَةُ لِلْمُسْلِمِينَ فَيُصْبِحُ المُنافِقُونَ ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ﴾ مِنَ النِّفاقِ الحامِلِ لَهم عَلى المُوالاةِ ( نّادِمِينَ ) عَلى ذَلِكَ لِبُطْلانِ الأسْبابِ الَّتِي تَخَيَّلُوها وانْكِشافِ خِلافِها. قَوْلُهُ: ( يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأهْلُ الكُوفَةِ بِإثْباتِ الواوِ، وقَرَأ الباقُونَ بِحَذْفِها، فَعَلى القِراءَةِ الأُولى مَعَ رَفْعِ ( يَقُولُ ) يَكُونُ كَلامًا مُبْتَدَأً مَسُوقًا لِبَيانِ ما وقَعَ مِن هَذِهِ الطّائِفَةِ، وعَلى قِراءَةِ النَّصْبِ يَكُونُ عَطْفًا عَلى ( فَيُصْبِحُوا ) وقِيلَ عَلى ( يَأْتِي ) والأُولى أوْلى؛ لِأنَّ هَذا القَوْلَ إنَّما يَصْدُرُ عَنِ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ ظُهُورِ نَدامَةِ الكافِرِينَ لا عِنْدَ إتْيانِ الفَتْحِ، وقِيلَ هو مَعْطُوفٌ عَلى الفَتْحِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎لَلُبْسُ عَباءَةٍ وتَقَرَّ عَيْنِي وأمّا عَلى قِراءَةِ حَذْفِ الواوِ فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( أهَؤُلاءِ ) إلى المُنافِقِينَ؛ أيْ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا مُخاطِبِينَ لِلْيَهُودِ مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ ﴿أهَؤُلاءِ الَّذِينَ أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ إنَّهم لَمَعَكم﴾ بِالمُناصَرَةِ والمُعاضَدَةِ في القِتالِ، أوْ يَقُولُ بَعْضُ المُؤْمِنِينَ لِبَعْضٍ مُشِيرِينَ إلى المُنافِقِينَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مُفَسِّرَةٌ لِلْقَوْلِ، وجَهْدُ الأيْمانِ: أغْلَظُها، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَصْدَرِ أوْ عَلى الحالِ؛ أيْ: أقْسَمُوا بِاللَّهِ جاهِدِينَ. قَوْلُهُ: ( حَبِطَتْ أعْمالُهم ) أيْ: بَطَلَتْ، وهو مِن تَمامِ قَوْلِ المُؤْمِنِينَ أوْ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، والقائِلُ اللَّهُ سُبْحانَهُ، والأعْمالُ هي الَّتِي عَمِلُوها في المُوالاةِ أوْ كُلُّ عَمَلٍ يَعْمَلُونَهُ. قَوْلُهُ: ( يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدِدْ مِنكم ) قَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ والشّامِ ( يَرْتَدِدْ ) بِدالَيْنِ بِفَكِّ الإدْغامِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وقَرَأ غَيْرُهم بِالإدْغامِ. وهَذا شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامِ المُرْتَدِّينَ بَعْدَ بَيانِ أنَّ مُوالاةَ الكافِرِينَ مِنَ المُسْلِمِ كُفْرٌ، وذَلِكَ نَوْعٌ مِن أنْواعِ الرِّدَّةِ، والمُرادُ بِالقَوْمِ الَّذِينَ وعَدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالإتْيانِ بِهِمْ هم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وجَيْشُهُ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ الَّذِينَ قاتَلَ بِهِمْ أهْلَ الرِّدَّةِ، ثُمَّ كُلُّ مَن جاءَ بِعْدَهم مِنَ المُقاتِلِينَ لِلْمُرْتَدِّينَ في جَمِيعِ الزَّمَنِ، ثُمَّ وصَفَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ القَوْمِ بِهَذِهِ الأوْصافِ العَظِيمَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلى غايَةِ المَدْحِ ونِهايَةِ الثَّناءِ مِن كَوْنِهِمْ يُحِبُّونَ اللَّهَ وهو يُحِبُّهم، ومِن كَوْنِهِمْ ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ (p-٣٧٩)والأذِلَّةُ: جَمْعُ ذَلِيلٍ لا ذَلُولٍ، والأعِزَّةُ: جَمْعُ عَزِيزٍ؛ أيْ: يُظْهِرُونَ العَطْفَ والحُنُوُّ والتَّواضُعَ لِلْمُؤْمِنِينَ ويُظْهِرُونَ الشِّدَّةَ والغِلْظَةَ والتَّرَفُّعَ عَلى الكافِرِينَ، ويَجْمَعُونَ بَيْنَ المُجاهِدَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ وعَدَمِ خَوْفِ المَلامَةِ في الدِّينِ، بَلْ هم مُتَصَلِّبُونَ لا يُبالُونَ بِما يَفْعَلُهُ أعْداءُ الحَقِّ وحِزْبُ الشَّيْطانِ مِنَ الإزْراءِ بِأهْلِ الدِّينِ وقَلْبِ مَحاسِنِهِمْ مَساوِئَ ومَناقِبِهِمْ مَثالِبَ حَسَدًا وبُغْضًا وكَراهَةً لِلْحَقِّ وأهْلِهِ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ( ذَلِكَ ) إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الصِّفاتِ الَّتِي اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ بِها. والفَضْلُ: اللُّطْفُ والإحْسانُ، قَوْلُهُ: ( إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ) لَمّا فَرَغَ سُبْحانَهُ مِن بَيانِ مَن لا تَحِلُّ مُوالاتُهُ بَيَّنَ مَن هو الوَلِيُّ الَّذِي تَجِبُ مُوالاتُهُ، ومَحَلُّ ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ الرَّفْعُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلَّذِينِ آمَنُوا أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوِ النَّصْبُ عَلى المَدْحِ، وقَوْلُهُ: ( وهم راكِعُونَ ) جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن فاعِلِ الفِعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَبْلَهُ، والمُرادُ بِالرُّكُوعِ: الخُشُوعُ والخُضُوعُ؛ أيْ: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم خاشِعُونَ خاضِعُونَ لا يَتَكَبَّرُونَ، وقِيلَ هو حالٌ مِن فاعِلِ الزَّكاةِ. والمُرادُ بِالرُّكُوعِ هو المَعْنى المَذْكُورُ؛ أيْ: يَضَعُونَ الزَّكاةَ في مَواضِعِها غَيْرُ مُتَكَبِّرِينَ عَلى الفُقَراءِ ولا مُتَرَفِّعِينَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ المُرادُ بِالرُّكُوعِ عَلى المَعْنى الثّانِي: رُكُوعُ الصَّلاةِ، ويَدْفَعُهُ عَدَمُ جَوازِ إخْراجِ الزَّكاةِ في تِلْكَ الحالِ. ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ ثُمَّ وعَدَ سُبْحانَهُ مَن يَتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا بِأنَّهُمُ الغالِبُونَ لِعَدُوِّهِمْ، وهو مِن وضْعِ الظّاهِرِ مَوْضِعُ المُضْمَرِ، ووَضْعِ حِزْبِ اللَّهِ مَوْضِعَ ضَمِيرِ المُوالِينَ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِلْمُؤْمِنِينَ، والحِزْبُ: الصِّنْفُ مِنَ النّاسِ، مِن قَوْلِهِمْ حَزَبَهُ كَذا؛ أيْ: نابَهُ، فَكَأنَّ المُتَحَزِّبِينَ مُجْتَمِعُونَ كاجْتِماعِ أهْلِ النّائِبَةِ الَّتِي تَنُوبُ، وحِزْبُ الرَّجُلِ: أصْحابُهُ، والحِزْبُ: الوِرْدُ، وفي الحَدِيثِ: ( فَمَن فاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ ) وتَحَزَّبُوا: اجْتَمَعُوا، والأحْزابُ: الطَّوائِفُ، وقَدْ وقَعَ ولِلَّهِ الحَمْدُ ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ أوْلِياءَهُ وأوْلِياءَ رُسُلِهِ وأوْلِياءَ عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ مِنَ الغَلَبِ لِعَدُوِّهِمْ، فَإنَّهم غَلَبُوا اليَهُودَ بِالسَّبْيِ والقَتْلِ والإجْلاءِ وضَرْبِ الجِزْيَةِ، حَتّى صارُوا لَعَنَهُمُ اللَّهُ أذَلَّ الطَّوائِفِ الكُفْرِيَّةِ وأقَلَّهم شَوْكَةً، وما زالُوا تَحْتَ كَلْكَلِ المُؤْمِنِينَ يَطْحَنُونَهم كَيْفَ شاءُوا، ويَمْتَهِنُونَهم كَما يُرِيدُونَ مِن بَعْدِ البِعْثَةِ الشَّرِيفَةِ المُحَمَّدِيَّةِ إلى هَذِهِ الغايَةِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: " لَمّا حارَبَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَشَبَّثَ بِأمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ وقامَ دُونَهم، ومَشى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وتَبَرَّأ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ مِن خَلْفِهِمْ، وكانَ أحَدَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الخَزْرَجِ، ولَهُ مِن حِلْفِهِمْ مِثْلَ الَّذِي كانَ لَهم مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، فَخَلَعَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وقالَ: أتَبْرَأُ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ مِن حَلِفِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ ووِلايَتِهِمْ، وفِيهِ وفي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتِ الآياتُ في المائِدَةِ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ حِلْفًا وإنِّي أخافُ الدَّوائِرَ، فارْتَدَّ كافِرًا، وقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: أتَبَرَّأُ إلى اللَّهِ مِن حِلْفِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ وأتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَنَزَلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ أيْضًا مِن طَرِيقِ عُبادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةِ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَحْوَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: جاءَ عُبادَةُ فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: لَمّا انْهَزَمَ أهْلُ بَدْرٍ قالَ المُسْلِمُونَ لِأوْلِيائِهِمْ مِن يَهُودَ: آمِنُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِيَوْمٍ مِثْلِ يَوْمِ بَدْرٍ، فَقالَ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: غَرَّكم أنْ أصَبْتُمْ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ لا عِلْمَ لَهم بِالقِتالِ، أمّا لَوْ أصْرَرْنا العَزِيمَةَ أنْ نَسْتَجْمِعَ عَلَيْكم لَمْ يَكُنْ لَكم يَدانُ بِقِتالِنا، فَقالَ عُبادَةُ وذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ عَنْهُ وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: إنَّها في الذَّبائِحِ مَن دَخَلَ في دِينِ قَوْمٍ فَهو مِنهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا وهو لا يَشْعُرُ، وتَلا ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ( يُسارِعُونَ فِيهِمْ ) في وِلايَتِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم﴾ وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ سَيَرْتَدُّ مُرْتَدُّونَ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ارْتَدَّ عامَّةُ العَرَبِ عَنِ الإسْلامِ إلّا ثَلاثَةَ مَساجِدَ: أهْلُ المَدِينَةِ، وأهْلُ مَكَّةَ، وأهْلُ الجَواثِيِّ مِن عَبْدِ القَيْسِ، وقالَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا: نُصْلِي الصَّلاةَ ولا نُزَكِّي، واللَّهِ لا تُغْصَبُ أمْوالُنا، فَكُلِّمَ أبا بَكْرٍ في ذَلِكَ لِيَتَجاوَزَ عَنْهم، وقِيلَ لَهُ: إنَّهم لَوْ قَدْ فَقِهُوا أدُّوا الزَّكاةَ، فَقالَ: واللَّهِ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَهُ اللَّهُ ولَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا فَرَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَقاتَلْتُهم عَلَيْهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَصائِبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ فَقاتَلُوا حَتّى أقَرُّوا بِالماعُونِ وهو الزَّكاةُ، قالَ قَتادَةُ: فَكُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وأصْحابِهِ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنِ الحَسَنِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ عُمَرُ: أنا وقَوْمِي يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: لا بَلْ هَذا وقَوْمُهُ، يَعْنِي أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ عَيّاضٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ (p-٣٨٠)﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: هم قَوْمُ هَذا، وأشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والحاكِمُ في جَمْعِهِ لِحَدِيثِ شُعْبَةَ والبَيْهَقِيِّ وابْنِ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «تُلِيَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قَوْمُكَ يا أبا مُوسى أهْلُ اليَمَنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ في الكُنى والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ ثُمَّ كِنْدَةَ ثُمَّ السَّكُونِ ثُمَّ تُجِيبَ» وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ ثُمَّ مِن كِنْدَةَ ثُمَّ مِنَ السَّكُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْهُ قالَ: هم أهْلُ القادِسِيَّةِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ قالَ: أتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فَرَحَّبَ بِي، ثُمَّ تَلا ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلى مَنكِبَيْ وقالَ: أحْلِفُ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم أهْلَ اليَمَنِ، ثَلاثًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾: إنَّها نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في المُتَّفَقِ والمُفْتَرَقِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخاتَمٍ وهو راكِعٌ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلسّائِلِ: مَن أعْطاكَ هَذا الخاتَمَ ؟ قالَ: ذاكَ الرّاكِعُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنْ عَمّارٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ عَنْهُ نَحْوَهُ.

المائدة 5:57

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ. قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ آمَنّا ) هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا لِأنْ آمَنّا، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ؛ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: الواوُ في قَوْلِهِ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) هي الَّتِي بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ؛ أيْ: ولا (p-٣٨١)تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ بِكَسْرِ ( إنَّ ) مِن قَوْلِهِ: ( وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ أنَّ فِيهِمْ مِنَ العَيْبِ ما هو أوْلى بِالعَيْبِ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ومَسْخِهِ، والمَعْنى: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن نَقَمِكم عَلَيْنا أوْ بِشَرٍّ مِمّا تُرِيدُونَ لَنا مِنَ المَكْرُوهِ أوْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ بِشَرٍّ مِن دِينِهِمْ، وقَوْلُهُ: ( مَثُوبَةً ) أيْ: جَزاءً ثابِتًا، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. ووَضُعِتْ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) وهي مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقَوْلُهُ: ( مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو لَعْنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِن شَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهُمُ اليَهُودُ، فَإنَّ اللَّهَ مَسَخَ أصْحابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وكُفّارَ مائِدَةِ عِيسى مِنهم خَنازِيرَ. قَوْلُهُ: ( وعَبَدَ الطّاغُوتَ ) قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وكَسْرِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) أيْ: جَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ بِإضافَةِ عَبُدِ إلى الطّاغُوتِ. والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم مَن يُبالِغُ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِأنَّ فَعِلَ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ كَحَذِرَ وفَطِنَ؛ لِلتَّبْلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وفَتْحِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ ماضٍ وهو غَضِبَ ولَعَنَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ؛ أيْ: جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وجَعَلَ مِنهم عَبَدَ الطّاغُوتَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مِن ) وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ) حَمْلًا عَلى مَعْناها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وعُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ كَأنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَما يُقالُ: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، أوْ جَمْعُ عابِدٍ كَبازِلٍ وبُزُلٍ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ لِلْمُبالَغَةِ، كَعامِلٍ وعُمّالٍ. وقَرَأ البَصْرِيُّونَ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ أيْضًا، كَقائِمٍ وقِيامٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرَّقاشِيُّ ( وعُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ، وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ بُرَيْدَةَ ( وعابِدَ الطّاغُوتِ ) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ ( وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( وأعْبُدَ الطّاغُوتِ ) مِثْلَ كَلْبٍ وأكْلُبٍ. وقُرِئَ ( وعَبْدَ الطّاغُوتِ ) عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ أوِ الكَهَنَةُ أوْ غَيْرُهُما مِمّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ) الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُعِلَتِ الشَّرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا. قَوْلُهُ: ( وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) مَعْطُوفٌ عَلى شَرٍّ، أيْ: هم أضَلُّ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والتَّفْضِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا أوْ لِكَوْنِهِمْ أشَرُّ وأضَلُّ مِمّا يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ؛ أيْ: جاءُوكم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ وخَرَجُوا مِن عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، بَلْ خَرَجُوا كَما دَخَلُوا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ عِنْدَكَ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والضَّمِيرُ في ( مِنهم ) عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ أوْ إلى الطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا ( يُسارِعُونَ في الإثْمِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ عَلى أنَّ الرِّوايَةَ بَصَرِيَّةٌ أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى عَلى أنَّها قَلْبِيَّةٌ، والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، والإثْمُ: الكَذِبُ أوِ الشِّرْكُ أوِ الحَرامُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الذُّنُوبِ. والسُّحْتُ: الحَرامُ، فَعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الإثْمَ بِالحَرامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبالِغَةِ، والرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ، وقِيلَ: الكُلُّ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيهِمْ، ثُمَّ وبَّخَ عُلَماءَهم في تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا فِيهِ زِيادَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صاحِبُهُ، ولِهَذا تَقُولُ العَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ إذا جَوَّدَ عامِلُهُ عَمَلَهُ، فالصُّنْعُ هو العَمَلُ الجَيِّدُ لا مُطْلَقُ العَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحانَهُ الخاصَّةَ، وهُمُ العُلَماءُ التّارِكُونَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِما هو أغْلَظُ وأشَدُّ مِن تَوْبِيخِ فاعِلِ المَعاصِي، فَلْيَفْتَحِ العُلَماءُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَسامِعَهم ويُفْرِجُوا لَها عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها قَدْ جاءَتْ بِما فِيهِ البَيانُ الشّافِي لَهم بِأنَّ كَفَّهم عَنِ المَعاصِي مَعَ تَرْكِ إنْكارِهِمْ عَلى أهْلِها لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، بَلْ هم أشَدُّ حالًا وأعْظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عالِمًا قامَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن فَرِيضَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو أعْظَمُ ما افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأوْجَبُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الصّالِحِينَ الآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ النّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِينَ لا يَخافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأعِنّا عَلى ذَلِكَ وقَوِّنا عَلَيْهِ ويَسِّرْهُ لَنا وانْصُرْنا عَلى مَن تَعَدّى حُدُودَكَ وظَلَمَ عِبادَكَ إنَّهُ لا ناصِرَ لَنا سِواكَ، ولا مُسْتَعانَ غَيْرُكَ، يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وسَيِّدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وأخْرَجَ (p-٣٨٢)البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رَكَعُوا وسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم. قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرًا إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الرَّجُلِ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ( فاسِقُونَ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ هُما مِمّا مَسَخَ اللَّهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ قالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ وبِالكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودًا، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) قالَ: يَصْنَعُونَ ويَعْمَلُونَ واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْتَهُوا كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَحْوَهُ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا حاجَةَ لَنا في بَسْطِها هُنا.

المائدة 5:58

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ. قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ آمَنّا ) هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا لِأنْ آمَنّا، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ؛ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: الواوُ في قَوْلِهِ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) هي الَّتِي بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ؛ أيْ: ولا (p-٣٨١)تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ بِكَسْرِ ( إنَّ ) مِن قَوْلِهِ: ( وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ أنَّ فِيهِمْ مِنَ العَيْبِ ما هو أوْلى بِالعَيْبِ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ومَسْخِهِ، والمَعْنى: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن نَقَمِكم عَلَيْنا أوْ بِشَرٍّ مِمّا تُرِيدُونَ لَنا مِنَ المَكْرُوهِ أوْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ بِشَرٍّ مِن دِينِهِمْ، وقَوْلُهُ: ( مَثُوبَةً ) أيْ: جَزاءً ثابِتًا، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. ووَضُعِتْ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) وهي مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقَوْلُهُ: ( مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو لَعْنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِن شَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهُمُ اليَهُودُ، فَإنَّ اللَّهَ مَسَخَ أصْحابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وكُفّارَ مائِدَةِ عِيسى مِنهم خَنازِيرَ. قَوْلُهُ: ( وعَبَدَ الطّاغُوتَ ) قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وكَسْرِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) أيْ: جَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ بِإضافَةِ عَبُدِ إلى الطّاغُوتِ. والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم مَن يُبالِغُ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِأنَّ فَعِلَ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ كَحَذِرَ وفَطِنَ؛ لِلتَّبْلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وفَتْحِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ ماضٍ وهو غَضِبَ ولَعَنَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ؛ أيْ: جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وجَعَلَ مِنهم عَبَدَ الطّاغُوتَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مِن ) وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ) حَمْلًا عَلى مَعْناها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وعُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ كَأنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَما يُقالُ: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، أوْ جَمْعُ عابِدٍ كَبازِلٍ وبُزُلٍ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ لِلْمُبالَغَةِ، كَعامِلٍ وعُمّالٍ. وقَرَأ البَصْرِيُّونَ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ أيْضًا، كَقائِمٍ وقِيامٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرَّقاشِيُّ ( وعُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ، وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ بُرَيْدَةَ ( وعابِدَ الطّاغُوتِ ) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ ( وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( وأعْبُدَ الطّاغُوتِ ) مِثْلَ كَلْبٍ وأكْلُبٍ. وقُرِئَ ( وعَبْدَ الطّاغُوتِ ) عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ أوِ الكَهَنَةُ أوْ غَيْرُهُما مِمّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ) الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُعِلَتِ الشَّرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا. قَوْلُهُ: ( وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) مَعْطُوفٌ عَلى شَرٍّ، أيْ: هم أضَلُّ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والتَّفْضِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا أوْ لِكَوْنِهِمْ أشَرُّ وأضَلُّ مِمّا يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ؛ أيْ: جاءُوكم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ وخَرَجُوا مِن عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، بَلْ خَرَجُوا كَما دَخَلُوا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ عِنْدَكَ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والضَّمِيرُ في ( مِنهم ) عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ أوْ إلى الطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا ( يُسارِعُونَ في الإثْمِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ عَلى أنَّ الرِّوايَةَ بَصَرِيَّةٌ أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى عَلى أنَّها قَلْبِيَّةٌ، والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، والإثْمُ: الكَذِبُ أوِ الشِّرْكُ أوِ الحَرامُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الذُّنُوبِ. والسُّحْتُ: الحَرامُ، فَعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الإثْمَ بِالحَرامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبالِغَةِ، والرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ، وقِيلَ: الكُلُّ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيهِمْ، ثُمَّ وبَّخَ عُلَماءَهم في تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا فِيهِ زِيادَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صاحِبُهُ، ولِهَذا تَقُولُ العَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ إذا جَوَّدَ عامِلُهُ عَمَلَهُ، فالصُّنْعُ هو العَمَلُ الجَيِّدُ لا مُطْلَقُ العَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحانَهُ الخاصَّةَ، وهُمُ العُلَماءُ التّارِكُونَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِما هو أغْلَظُ وأشَدُّ مِن تَوْبِيخِ فاعِلِ المَعاصِي، فَلْيَفْتَحِ العُلَماءُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَسامِعَهم ويُفْرِجُوا لَها عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها قَدْ جاءَتْ بِما فِيهِ البَيانُ الشّافِي لَهم بِأنَّ كَفَّهم عَنِ المَعاصِي مَعَ تَرْكِ إنْكارِهِمْ عَلى أهْلِها لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، بَلْ هم أشَدُّ حالًا وأعْظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عالِمًا قامَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن فَرِيضَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو أعْظَمُ ما افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأوْجَبُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الصّالِحِينَ الآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ النّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِينَ لا يَخافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأعِنّا عَلى ذَلِكَ وقَوِّنا عَلَيْهِ ويَسِّرْهُ لَنا وانْصُرْنا عَلى مَن تَعَدّى حُدُودَكَ وظَلَمَ عِبادَكَ إنَّهُ لا ناصِرَ لَنا سِواكَ، ولا مُسْتَعانَ غَيْرُكَ، يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وسَيِّدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وأخْرَجَ (p-٣٨٢)البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رَكَعُوا وسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم. قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرًا إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الرَّجُلِ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ( فاسِقُونَ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ هُما مِمّا مَسَخَ اللَّهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ قالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ وبِالكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودًا، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) قالَ: يَصْنَعُونَ ويَعْمَلُونَ واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْتَهُوا كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَحْوَهُ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا حاجَةَ لَنا في بَسْطِها هُنا.

المائدة 5:59

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ. قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ آمَنّا ) هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا لِأنْ آمَنّا، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ؛ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: الواوُ في قَوْلِهِ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) هي الَّتِي بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ؛ أيْ: ولا (p-٣٨١)تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ بِكَسْرِ ( إنَّ ) مِن قَوْلِهِ: ( وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ أنَّ فِيهِمْ مِنَ العَيْبِ ما هو أوْلى بِالعَيْبِ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ومَسْخِهِ، والمَعْنى: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن نَقَمِكم عَلَيْنا أوْ بِشَرٍّ مِمّا تُرِيدُونَ لَنا مِنَ المَكْرُوهِ أوْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ بِشَرٍّ مِن دِينِهِمْ، وقَوْلُهُ: ( مَثُوبَةً ) أيْ: جَزاءً ثابِتًا، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. ووَضُعِتْ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) وهي مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقَوْلُهُ: ( مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو لَعْنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِن شَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهُمُ اليَهُودُ، فَإنَّ اللَّهَ مَسَخَ أصْحابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وكُفّارَ مائِدَةِ عِيسى مِنهم خَنازِيرَ. قَوْلُهُ: ( وعَبَدَ الطّاغُوتَ ) قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وكَسْرِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) أيْ: جَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ بِإضافَةِ عَبُدِ إلى الطّاغُوتِ. والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم مَن يُبالِغُ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِأنَّ فَعِلَ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ كَحَذِرَ وفَطِنَ؛ لِلتَّبْلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وفَتْحِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ ماضٍ وهو غَضِبَ ولَعَنَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ؛ أيْ: جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وجَعَلَ مِنهم عَبَدَ الطّاغُوتَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مِن ) وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ) حَمْلًا عَلى مَعْناها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وعُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ كَأنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَما يُقالُ: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، أوْ جَمْعُ عابِدٍ كَبازِلٍ وبُزُلٍ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ لِلْمُبالَغَةِ، كَعامِلٍ وعُمّالٍ. وقَرَأ البَصْرِيُّونَ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ أيْضًا، كَقائِمٍ وقِيامٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرَّقاشِيُّ ( وعُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ، وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ بُرَيْدَةَ ( وعابِدَ الطّاغُوتِ ) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ ( وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( وأعْبُدَ الطّاغُوتِ ) مِثْلَ كَلْبٍ وأكْلُبٍ. وقُرِئَ ( وعَبْدَ الطّاغُوتِ ) عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ أوِ الكَهَنَةُ أوْ غَيْرُهُما مِمّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ) الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُعِلَتِ الشَّرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا. قَوْلُهُ: ( وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) مَعْطُوفٌ عَلى شَرٍّ، أيْ: هم أضَلُّ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والتَّفْضِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا أوْ لِكَوْنِهِمْ أشَرُّ وأضَلُّ مِمّا يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ؛ أيْ: جاءُوكم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ وخَرَجُوا مِن عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، بَلْ خَرَجُوا كَما دَخَلُوا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ عِنْدَكَ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والضَّمِيرُ في ( مِنهم ) عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ أوْ إلى الطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا ( يُسارِعُونَ في الإثْمِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ عَلى أنَّ الرِّوايَةَ بَصَرِيَّةٌ أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى عَلى أنَّها قَلْبِيَّةٌ، والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، والإثْمُ: الكَذِبُ أوِ الشِّرْكُ أوِ الحَرامُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الذُّنُوبِ. والسُّحْتُ: الحَرامُ، فَعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الإثْمَ بِالحَرامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبالِغَةِ، والرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ، وقِيلَ: الكُلُّ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيهِمْ، ثُمَّ وبَّخَ عُلَماءَهم في تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا فِيهِ زِيادَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صاحِبُهُ، ولِهَذا تَقُولُ العَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ إذا جَوَّدَ عامِلُهُ عَمَلَهُ، فالصُّنْعُ هو العَمَلُ الجَيِّدُ لا مُطْلَقُ العَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحانَهُ الخاصَّةَ، وهُمُ العُلَماءُ التّارِكُونَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِما هو أغْلَظُ وأشَدُّ مِن تَوْبِيخِ فاعِلِ المَعاصِي، فَلْيَفْتَحِ العُلَماءُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَسامِعَهم ويُفْرِجُوا لَها عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها قَدْ جاءَتْ بِما فِيهِ البَيانُ الشّافِي لَهم بِأنَّ كَفَّهم عَنِ المَعاصِي مَعَ تَرْكِ إنْكارِهِمْ عَلى أهْلِها لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، بَلْ هم أشَدُّ حالًا وأعْظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عالِمًا قامَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن فَرِيضَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو أعْظَمُ ما افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأوْجَبُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الصّالِحِينَ الآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ النّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِينَ لا يَخافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأعِنّا عَلى ذَلِكَ وقَوِّنا عَلَيْهِ ويَسِّرْهُ لَنا وانْصُرْنا عَلى مَن تَعَدّى حُدُودَكَ وظَلَمَ عِبادَكَ إنَّهُ لا ناصِرَ لَنا سِواكَ، ولا مُسْتَعانَ غَيْرُكَ، يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وسَيِّدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وأخْرَجَ (p-٣٨٢)البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رَكَعُوا وسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم. قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرًا إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الرَّجُلِ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ( فاسِقُونَ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ هُما مِمّا مَسَخَ اللَّهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ قالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ وبِالكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودًا، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) قالَ: يَصْنَعُونَ ويَعْمَلُونَ واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْتَهُوا كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَحْوَهُ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا حاجَةَ لَنا في بَسْطِها هُنا.

المائدة 5:60

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ. قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ آمَنّا ) هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا لِأنْ آمَنّا، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ؛ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: الواوُ في قَوْلِهِ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) هي الَّتِي بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ؛ أيْ: ولا (p-٣٨١)تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ بِكَسْرِ ( إنَّ ) مِن قَوْلِهِ: ( وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ أنَّ فِيهِمْ مِنَ العَيْبِ ما هو أوْلى بِالعَيْبِ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ومَسْخِهِ، والمَعْنى: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن نَقَمِكم عَلَيْنا أوْ بِشَرٍّ مِمّا تُرِيدُونَ لَنا مِنَ المَكْرُوهِ أوْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ بِشَرٍّ مِن دِينِهِمْ، وقَوْلُهُ: ( مَثُوبَةً ) أيْ: جَزاءً ثابِتًا، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. ووَضُعِتْ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) وهي مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقَوْلُهُ: ( مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو لَعْنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِن شَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهُمُ اليَهُودُ، فَإنَّ اللَّهَ مَسَخَ أصْحابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وكُفّارَ مائِدَةِ عِيسى مِنهم خَنازِيرَ. قَوْلُهُ: ( وعَبَدَ الطّاغُوتَ ) قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وكَسْرِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) أيْ: جَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ بِإضافَةِ عَبُدِ إلى الطّاغُوتِ. والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم مَن يُبالِغُ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِأنَّ فَعِلَ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ كَحَذِرَ وفَطِنَ؛ لِلتَّبْلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وفَتْحِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ ماضٍ وهو غَضِبَ ولَعَنَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ؛ أيْ: جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وجَعَلَ مِنهم عَبَدَ الطّاغُوتَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مِن ) وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ) حَمْلًا عَلى مَعْناها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وعُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ كَأنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَما يُقالُ: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، أوْ جَمْعُ عابِدٍ كَبازِلٍ وبُزُلٍ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ لِلْمُبالَغَةِ، كَعامِلٍ وعُمّالٍ. وقَرَأ البَصْرِيُّونَ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ أيْضًا، كَقائِمٍ وقِيامٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرَّقاشِيُّ ( وعُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ، وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ بُرَيْدَةَ ( وعابِدَ الطّاغُوتِ ) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ ( وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( وأعْبُدَ الطّاغُوتِ ) مِثْلَ كَلْبٍ وأكْلُبٍ. وقُرِئَ ( وعَبْدَ الطّاغُوتِ ) عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ أوِ الكَهَنَةُ أوْ غَيْرُهُما مِمّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ) الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُعِلَتِ الشَّرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا. قَوْلُهُ: ( وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) مَعْطُوفٌ عَلى شَرٍّ، أيْ: هم أضَلُّ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والتَّفْضِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا أوْ لِكَوْنِهِمْ أشَرُّ وأضَلُّ مِمّا يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ؛ أيْ: جاءُوكم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ وخَرَجُوا مِن عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، بَلْ خَرَجُوا كَما دَخَلُوا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ عِنْدَكَ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والضَّمِيرُ في ( مِنهم ) عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ أوْ إلى الطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا ( يُسارِعُونَ في الإثْمِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ عَلى أنَّ الرِّوايَةَ بَصَرِيَّةٌ أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى عَلى أنَّها قَلْبِيَّةٌ، والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، والإثْمُ: الكَذِبُ أوِ الشِّرْكُ أوِ الحَرامُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الذُّنُوبِ. والسُّحْتُ: الحَرامُ، فَعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الإثْمَ بِالحَرامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبالِغَةِ، والرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ، وقِيلَ: الكُلُّ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيهِمْ، ثُمَّ وبَّخَ عُلَماءَهم في تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا فِيهِ زِيادَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صاحِبُهُ، ولِهَذا تَقُولُ العَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ إذا جَوَّدَ عامِلُهُ عَمَلَهُ، فالصُّنْعُ هو العَمَلُ الجَيِّدُ لا مُطْلَقُ العَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحانَهُ الخاصَّةَ، وهُمُ العُلَماءُ التّارِكُونَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِما هو أغْلَظُ وأشَدُّ مِن تَوْبِيخِ فاعِلِ المَعاصِي، فَلْيَفْتَحِ العُلَماءُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَسامِعَهم ويُفْرِجُوا لَها عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها قَدْ جاءَتْ بِما فِيهِ البَيانُ الشّافِي لَهم بِأنَّ كَفَّهم عَنِ المَعاصِي مَعَ تَرْكِ إنْكارِهِمْ عَلى أهْلِها لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، بَلْ هم أشَدُّ حالًا وأعْظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عالِمًا قامَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن فَرِيضَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو أعْظَمُ ما افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأوْجَبُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الصّالِحِينَ الآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ النّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِينَ لا يَخافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأعِنّا عَلى ذَلِكَ وقَوِّنا عَلَيْهِ ويَسِّرْهُ لَنا وانْصُرْنا عَلى مَن تَعَدّى حُدُودَكَ وظَلَمَ عِبادَكَ إنَّهُ لا ناصِرَ لَنا سِواكَ، ولا مُسْتَعانَ غَيْرُكَ، يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وسَيِّدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وأخْرَجَ (p-٣٨٢)البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رَكَعُوا وسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم. قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرًا إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الرَّجُلِ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ( فاسِقُونَ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ هُما مِمّا مَسَخَ اللَّهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ قالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ وبِالكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودًا، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) قالَ: يَصْنَعُونَ ويَعْمَلُونَ واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْتَهُوا كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَحْوَهُ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا حاجَةَ لَنا في بَسْطِها هُنا.

المائدة 5:61

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ. قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ آمَنّا ) هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا لِأنْ آمَنّا، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ؛ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: الواوُ في قَوْلِهِ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) هي الَّتِي بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ؛ أيْ: ولا (p-٣٨١)تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ بِكَسْرِ ( إنَّ ) مِن قَوْلِهِ: ( وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ أنَّ فِيهِمْ مِنَ العَيْبِ ما هو أوْلى بِالعَيْبِ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ومَسْخِهِ، والمَعْنى: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن نَقَمِكم عَلَيْنا أوْ بِشَرٍّ مِمّا تُرِيدُونَ لَنا مِنَ المَكْرُوهِ أوْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ بِشَرٍّ مِن دِينِهِمْ، وقَوْلُهُ: ( مَثُوبَةً ) أيْ: جَزاءً ثابِتًا، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. ووَضُعِتْ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) وهي مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقَوْلُهُ: ( مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو لَعْنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِن شَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهُمُ اليَهُودُ، فَإنَّ اللَّهَ مَسَخَ أصْحابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وكُفّارَ مائِدَةِ عِيسى مِنهم خَنازِيرَ. قَوْلُهُ: ( وعَبَدَ الطّاغُوتَ ) قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وكَسْرِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) أيْ: جَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ بِإضافَةِ عَبُدِ إلى الطّاغُوتِ. والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم مَن يُبالِغُ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِأنَّ فَعِلَ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ كَحَذِرَ وفَطِنَ؛ لِلتَّبْلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وفَتْحِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ ماضٍ وهو غَضِبَ ولَعَنَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ؛ أيْ: جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وجَعَلَ مِنهم عَبَدَ الطّاغُوتَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مِن ) وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ) حَمْلًا عَلى مَعْناها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وعُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ كَأنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَما يُقالُ: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، أوْ جَمْعُ عابِدٍ كَبازِلٍ وبُزُلٍ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ لِلْمُبالَغَةِ، كَعامِلٍ وعُمّالٍ. وقَرَأ البَصْرِيُّونَ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ أيْضًا، كَقائِمٍ وقِيامٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرَّقاشِيُّ ( وعُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ، وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ بُرَيْدَةَ ( وعابِدَ الطّاغُوتِ ) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ ( وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( وأعْبُدَ الطّاغُوتِ ) مِثْلَ كَلْبٍ وأكْلُبٍ. وقُرِئَ ( وعَبْدَ الطّاغُوتِ ) عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ أوِ الكَهَنَةُ أوْ غَيْرُهُما مِمّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ) الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُعِلَتِ الشَّرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا. قَوْلُهُ: ( وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) مَعْطُوفٌ عَلى شَرٍّ، أيْ: هم أضَلُّ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والتَّفْضِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا أوْ لِكَوْنِهِمْ أشَرُّ وأضَلُّ مِمّا يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ؛ أيْ: جاءُوكم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ وخَرَجُوا مِن عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، بَلْ خَرَجُوا كَما دَخَلُوا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ عِنْدَكَ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والضَّمِيرُ في ( مِنهم ) عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ أوْ إلى الطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا ( يُسارِعُونَ في الإثْمِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ عَلى أنَّ الرِّوايَةَ بَصَرِيَّةٌ أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى عَلى أنَّها قَلْبِيَّةٌ، والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، والإثْمُ: الكَذِبُ أوِ الشِّرْكُ أوِ الحَرامُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الذُّنُوبِ. والسُّحْتُ: الحَرامُ، فَعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الإثْمَ بِالحَرامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبالِغَةِ، والرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ، وقِيلَ: الكُلُّ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيهِمْ، ثُمَّ وبَّخَ عُلَماءَهم في تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا فِيهِ زِيادَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صاحِبُهُ، ولِهَذا تَقُولُ العَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ إذا جَوَّدَ عامِلُهُ عَمَلَهُ، فالصُّنْعُ هو العَمَلُ الجَيِّدُ لا مُطْلَقُ العَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحانَهُ الخاصَّةَ، وهُمُ العُلَماءُ التّارِكُونَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِما هو أغْلَظُ وأشَدُّ مِن تَوْبِيخِ فاعِلِ المَعاصِي، فَلْيَفْتَحِ العُلَماءُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَسامِعَهم ويُفْرِجُوا لَها عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها قَدْ جاءَتْ بِما فِيهِ البَيانُ الشّافِي لَهم بِأنَّ كَفَّهم عَنِ المَعاصِي مَعَ تَرْكِ إنْكارِهِمْ عَلى أهْلِها لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، بَلْ هم أشَدُّ حالًا وأعْظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عالِمًا قامَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن فَرِيضَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو أعْظَمُ ما افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأوْجَبُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الصّالِحِينَ الآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ النّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِينَ لا يَخافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأعِنّا عَلى ذَلِكَ وقَوِّنا عَلَيْهِ ويَسِّرْهُ لَنا وانْصُرْنا عَلى مَن تَعَدّى حُدُودَكَ وظَلَمَ عِبادَكَ إنَّهُ لا ناصِرَ لَنا سِواكَ، ولا مُسْتَعانَ غَيْرُكَ، يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وسَيِّدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وأخْرَجَ (p-٣٨٢)البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رَكَعُوا وسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم. قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرًا إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الرَّجُلِ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ( فاسِقُونَ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ هُما مِمّا مَسَخَ اللَّهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ قالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ وبِالكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودًا، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) قالَ: يَصْنَعُونَ ويَعْمَلُونَ واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْتَهُوا كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَحْوَهُ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا حاجَةَ لَنا في بَسْطِها هُنا.

المائدة 5:62

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ. قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ آمَنّا ) هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا لِأنْ آمَنّا، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ؛ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: الواوُ في قَوْلِهِ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) هي الَّتِي بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ؛ أيْ: ولا (p-٣٨١)تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ بِكَسْرِ ( إنَّ ) مِن قَوْلِهِ: ( وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ أنَّ فِيهِمْ مِنَ العَيْبِ ما هو أوْلى بِالعَيْبِ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ومَسْخِهِ، والمَعْنى: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن نَقَمِكم عَلَيْنا أوْ بِشَرٍّ مِمّا تُرِيدُونَ لَنا مِنَ المَكْرُوهِ أوْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ بِشَرٍّ مِن دِينِهِمْ، وقَوْلُهُ: ( مَثُوبَةً ) أيْ: جَزاءً ثابِتًا، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. ووَضُعِتْ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) وهي مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقَوْلُهُ: ( مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو لَعْنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِن شَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهُمُ اليَهُودُ، فَإنَّ اللَّهَ مَسَخَ أصْحابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وكُفّارَ مائِدَةِ عِيسى مِنهم خَنازِيرَ. قَوْلُهُ: ( وعَبَدَ الطّاغُوتَ ) قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وكَسْرِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) أيْ: جَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ بِإضافَةِ عَبُدِ إلى الطّاغُوتِ. والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم مَن يُبالِغُ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِأنَّ فَعِلَ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ كَحَذِرَ وفَطِنَ؛ لِلتَّبْلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وفَتْحِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ ماضٍ وهو غَضِبَ ولَعَنَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ؛ أيْ: جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وجَعَلَ مِنهم عَبَدَ الطّاغُوتَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مِن ) وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ) حَمْلًا عَلى مَعْناها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وعُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ كَأنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَما يُقالُ: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، أوْ جَمْعُ عابِدٍ كَبازِلٍ وبُزُلٍ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ لِلْمُبالَغَةِ، كَعامِلٍ وعُمّالٍ. وقَرَأ البَصْرِيُّونَ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ أيْضًا، كَقائِمٍ وقِيامٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرَّقاشِيُّ ( وعُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ، وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ بُرَيْدَةَ ( وعابِدَ الطّاغُوتِ ) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ ( وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( وأعْبُدَ الطّاغُوتِ ) مِثْلَ كَلْبٍ وأكْلُبٍ. وقُرِئَ ( وعَبْدَ الطّاغُوتِ ) عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ أوِ الكَهَنَةُ أوْ غَيْرُهُما مِمّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ) الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُعِلَتِ الشَّرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا. قَوْلُهُ: ( وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) مَعْطُوفٌ عَلى شَرٍّ، أيْ: هم أضَلُّ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والتَّفْضِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا أوْ لِكَوْنِهِمْ أشَرُّ وأضَلُّ مِمّا يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ؛ أيْ: جاءُوكم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ وخَرَجُوا مِن عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، بَلْ خَرَجُوا كَما دَخَلُوا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ عِنْدَكَ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والضَّمِيرُ في ( مِنهم ) عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ أوْ إلى الطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا ( يُسارِعُونَ في الإثْمِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ عَلى أنَّ الرِّوايَةَ بَصَرِيَّةٌ أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى عَلى أنَّها قَلْبِيَّةٌ، والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، والإثْمُ: الكَذِبُ أوِ الشِّرْكُ أوِ الحَرامُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الذُّنُوبِ. والسُّحْتُ: الحَرامُ، فَعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الإثْمَ بِالحَرامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبالِغَةِ، والرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ، وقِيلَ: الكُلُّ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيهِمْ، ثُمَّ وبَّخَ عُلَماءَهم في تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا فِيهِ زِيادَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صاحِبُهُ، ولِهَذا تَقُولُ العَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ إذا جَوَّدَ عامِلُهُ عَمَلَهُ، فالصُّنْعُ هو العَمَلُ الجَيِّدُ لا مُطْلَقُ العَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحانَهُ الخاصَّةَ، وهُمُ العُلَماءُ التّارِكُونَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِما هو أغْلَظُ وأشَدُّ مِن تَوْبِيخِ فاعِلِ المَعاصِي، فَلْيَفْتَحِ العُلَماءُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَسامِعَهم ويُفْرِجُوا لَها عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها قَدْ جاءَتْ بِما فِيهِ البَيانُ الشّافِي لَهم بِأنَّ كَفَّهم عَنِ المَعاصِي مَعَ تَرْكِ إنْكارِهِمْ عَلى أهْلِها لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، بَلْ هم أشَدُّ حالًا وأعْظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عالِمًا قامَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن فَرِيضَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو أعْظَمُ ما افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأوْجَبُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الصّالِحِينَ الآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ النّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِينَ لا يَخافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأعِنّا عَلى ذَلِكَ وقَوِّنا عَلَيْهِ ويَسِّرْهُ لَنا وانْصُرْنا عَلى مَن تَعَدّى حُدُودَكَ وظَلَمَ عِبادَكَ إنَّهُ لا ناصِرَ لَنا سِواكَ، ولا مُسْتَعانَ غَيْرُكَ، يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وسَيِّدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وأخْرَجَ (p-٣٨٢)البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رَكَعُوا وسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم. قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرًا إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الرَّجُلِ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ( فاسِقُونَ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ هُما مِمّا مَسَخَ اللَّهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ قالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ وبِالكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودًا، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) قالَ: يَصْنَعُونَ ويَعْمَلُونَ واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْتَهُوا كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَحْوَهُ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا حاجَةَ لَنا في بَسْطِها هُنا.

المائدة 5:63

قَوْلُهُ: ﴿لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا﴾ هَذا النَّهْيُ عَنْ مُوالاةِ المُتَّخِذِينَ لِلدِّينِ هُزُوًا ولَعِبًا يَعُمُّ كُلَّ مَن حَصَلَ مِنهُ ذَلِكَ مِنَ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ وأهْلِ البِدَعِ المُنْتَمِينَ إلى الإسْلامِ، والبَيانُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ إلى آخِرِهِ لا يُنافِي دُخُولَ غَيْرِهِمْ تَحْتَ النَّهْيِ إذا وُجِدَتْ فِيهِ العِلَّةُ المَذْكُورَةُ الَّتِي هي الباعِثَةُ عَلى النَّهْيِ. قَوْلُهُ: ( والكُفّارَ ) قَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ بِالجَرِّ عَلى تَقْدِيرِ ( مِن ) أيْ: ومِنَ الكُفّارِ. قالَ الكِسائِيُّ: وفي حَرْفِ أُبَيٍّ ( ومِنَ الكُفّارِ ) وقَرَأ مَن عَداهُما بِالنَّصْبِ، قالَ النَّحّاسُ: وهو أوْضَحُ وأبَيْنُ، وقالَ مَكِّيٌّ: لَوْلا اتِّفاقُ الجَماعَةِ عَلى النَّصْبِ لاخْتَرْتُ الخَفْضَ لِقُوَّتِهِ في الإعْرابِ وفي المَعْنى، والمُرادُ بِالكُفّارِ هُنا المُشْرِكُونَ، وقِيلَ: المُنافِقُونَ ( واتَّقُوا اللَّهَ ) بِتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ مِن هَذا وغَيْرِهِ ( إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) فَإنَّ الإيمانَ يَقْتَضِي ذَلِكَ. والنِّداءُ الدُّعاءُ بِرَفْعِ الصَّوْتِ وناداهُ مُناداةً ونِداءً: صاحَ بِهِ، ( وتَنادَوْا ) أيْ: نادى بَعْضُهم بَعْضًا، وتَنادَوْا؛ أيْ: جَلَسُوا في النّادِي، والضَّمِيرُ في ( اتَّخَذُوها ) لِلصَّلاةِ؛ أيْ: اتَّخَذُوا صَلاتَكم هُزُؤًا ولَعِبًا، وقِيلَ الضَّمِيرُ لِلْمُناداةِ المَدْلُولُ عَلَيْها بِنادَيْتُمْ، قِيلَ: ولَيْسَ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى ذِكْرُ الأذانِ إلّا في هَذا المَوْضِعِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى في الجُمُعَةِ: ( إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ ) فَهو خاصٌّ بِنِداءِ الجُمُعَةِ، وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في كَوْنِ الأذانِ واجِبًا أوْ غَيْرَ واجِبٍ، وفي ألْفاظِهِ وهو مَبْسُوطٌ في مَواطِنِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ؛ لِأنَّ الهُزُؤَ واللَّعِبَ شَأْنُ أهْلِ السَّفَهِ والخِفَّةِ والطَّيْشِ. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ يُقالُ: نَقِمْتُ عَلى الرَّجُلِ بِالكَسْرِ فَأنا ناقِمٌ؛ إذا عِبْتَ عَلَيْهِ. قالَ الكِسائِيُّ: نَقِمْتُ بِالكَسْرِ لُغَةً، ونَقَمْتُ الأمْرَ أيْضًا ونَقِمْتُ: إذا كَرِهْتَهُ، وانْتَقَمَ اللَّهُ مِنهُ؛ أيْ: عاقَبَهُ، والِاسْمُ مِنهُ النِّقْمَةُ، والجَمْعُ نَقِماتٌ، مِثْلَ كَلِمَةٍ وكَلِماتٍ، وإنْ شِئْتَ سَكَّنْتَ القافَ ونَقَلْتَ حَرَكَتَها إلى النُّونِ، والجَمْعُ نِقَمٌ مِثْلَ نِعْمَةٍ ونِعَمٍ، وقِيلَ: المَعْنى يَسْخَطُونَ، وقِيلَ: يُنْكِرُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الرُّقَيّاتِ: ؎ما نَقَمُوا مِن بَنِي أُمَيَّةَ إلّا أنَّهم يَحْلُمُونَ إنْ غَضِبُوا وقالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ( وما نَقَمُوا مِنهم ) والمَعْنى في الآيَةِ: هَلْ تَعِيبُونَ أوْ تَسْخَطُونَ أوْ تُنْكِرُونَ أوْ تَكْرَهُونَ مِنّا إلّا إيمانَنا بِاللَّهِ وبِكُتُبِهِ المُنَزَّلَةِ، وقَدْ عَلِمْتُمْ بِأنّا عَلى الحَقِّ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) بِتَرْكِكم لِلْإيمانِ والخُرُوجِ عَنِ امْتِثالِ أوامِرِ اللَّهِ. وقَوْلُهُ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى ( أنْ آمَنّا ) أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الجَمْعَ بَيْنَ إيمانِنا وبَيْنَ تَمَرُّدِكم وخُرُوجِكم عَنِ الإيمانِ، وفِيهِ أنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَجْمَعُوا بَيْنَ الأمْرَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، فَإنَّ الإيمانَ مِن جِهَتِهِمْ والتَّمَرُّدَ والخُرُوجَ مِن جِهَةِ النّاقِمِينَ، وقِيلَ هو عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: واعْتِقادُنا أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهَ: ( أنْ آمَنّا ) هو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ والمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) مَعْطُوفًا عَلَيْهِ عَطْفَ العِلَّةِ عَلى العِلَّةِ، والتَّقْدِيرُ: وما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا لِأنْ آمَنّا، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: مَعْطُوفٌ عَلى عِلَّةٍ مَحْذُوفَةٍ، أيْ؛ لِقِلَّةِ إنْصافِكم، ولِأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: الواوُ في قَوْلِهِ: ( وأنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) هي الَّتِي بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: ما تَنْقِمُونَ مِنّا إلّا الإيمانَ مَعَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ هو مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ هَلْ تَنْقِمُونَ؛ أيْ: ولا (p-٣٨١)تَنْقِمُونَ أنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ، وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: وفِسْقُكم مَعْلُومٌ فَتَكُونُ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، وقُرِئَ بِكَسْرِ ( إنَّ ) مِن قَوْلِهِ: ( وإنَّ أكْثَرَكم فاسِقُونَ ) فَتَكُونُ جُمْلَةً مُسْتَأْنَفَةً. قَوْلُهُ: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ﴾ بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِرَسُولِهِ أنَّ فِيهِمْ مِنَ العَيْبِ ما هو أوْلى بِالعَيْبِ، وهو ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ المُوجِبِ لِلَعْنِ اللَّهِ وغَضَبِهِ ومَسْخِهِ، والمَعْنى: هَلْ أُنْبِئُكم بِشَرٍّ مِن نَقَمِكم عَلَيْنا أوْ بِشَرٍّ مِمّا تُرِيدُونَ لَنا مِنَ المَكْرُوهِ أوْ بِشَرٍّ مِن أهْلِ الكِتابِ أوْ بِشَرٍّ مِن دِينِهِمْ، وقَوْلُهُ: ( مَثُوبَةً ) أيْ: جَزاءً ثابِتًا، وهي مُخْتَصَّةٌ بِالخَيْرِ كَما أنَّ العُقُوبَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالشَّرِّ. ووَضُعِتْ هُنا مَوْضِعَ العُقُوبَةِ عَلى طَرِيقَةِ ( فَبَشِّرْهم بِعَذابٍ ألِيمٍ ) وهي مَنصُوبَةٌ عَلى التَّمْيِيزِ مِن ( بِشَرٍّ ) وقَوْلُهُ: ( مَن لَعَنَهُ اللَّهُ ) خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ مَعَ تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هو لَعْنُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ أوْ هو دِينُ مَن لَعَنَهُ اللَّهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلًا مِن شَرٍّ. قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ أيْ: مَسَخَ بَعْضَهم قِرَدَةً وبَعْضَهم خَنازِيرَ وهُمُ اليَهُودُ، فَإنَّ اللَّهَ مَسَخَ أصْحابَ السَّبْتِ قِرَدَةً، وكُفّارَ مائِدَةِ عِيسى مِنهم خَنازِيرَ. قَوْلُهُ: ( وعَبَدَ الطّاغُوتَ ) قَرَأ حَمْزَةُ بِضَمِّ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وكَسْرِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) أيْ: جَعَلَ مِنهم عَبُدَ الطّاغُوتِ بِإضافَةِ عَبُدِ إلى الطّاغُوتِ. والمَعْنى: وجَعَلَ مِنهم مَن يُبالِغُ في عِبادَةِ الطّاغُوتِ؛ لِأنَّ فَعِلَ مِن صِيَغِ المُبالَغَةِ كَحَذِرَ وفَطِنَ؛ لِلتَّبْلِيغِ في الحَذَرِ والفِطْنَةِ، وقَرَأ الباقُونَ بِفَتْحِ الباءِ مِن ( عَبَدَ ) وفَتْحِ التّاءِ مِنَ ( الطّاغُوتَ ) عَلى أنَّهُ فِعْلٌ ماضٍ مَعْطُوفٌ عَلى فِعْلٍ ماضٍ وهو غَضِبَ ولَعَنَ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن عَبَدَ الطّاغُوتَ، أوْ مَعْطُوفٌ عَلى القِرَدَةِ والخَنازِيرِ؛ أيْ: جَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ وجَعَلَ مِنهم عَبَدَ الطّاغُوتَ حَمْلًا عَلى لَفْظِ ( مِن ) وقَرَأ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ ( وعَبَدُوا الطّاغُوتَ ) حَمْلًا عَلى مَعْناها، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ( وعُبُدَ ) بِضَمِّ العَيْنِ والباءِ كَأنَّهُ جَمْعُ عَبْدٍ، كَما يُقالُ: سَقْفٌ وسُقُفٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبِيدٍ كَرَغِيفٍ ورُغُفٍ، أوْ جَمْعُ عابِدٍ كَبازِلٍ وبُزُلٍ. وقَرَأ أبُو واقِدٍ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ لِلْمُبالَغَةِ، كَعامِلٍ وعُمّالٍ. وقَرَأ البَصْرِيُّونَ ( وعُبّادَ ) جَمْعُ عابِدٍ أيْضًا، كَقائِمٍ وقِيامٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ جَمْعُ عَبْدٍ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ الرَّقاشِيُّ ( وعُبِدَ الطّاغُوتُ ) عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، والتَّقْدِيرُ وعُبِدَ الطّاغُوتُ فِيهِمْ، وقَرَأ عَوْنٌ العُقَيْلِيُّ وابْنُ بُرَيْدَةَ ( وعابِدَ الطّاغُوتِ ) عَلى التَّوْحِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ أنَّهُما قَرَآ ( وعَبَدَةَ الطّاغُوتِ ) وقَرَأ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ( وأعْبُدَ الطّاغُوتِ ) مِثْلَ كَلْبٍ وأكْلُبٍ. وقُرِئَ ( وعَبْدَ الطّاغُوتِ ) عَطْفًا عَلى المَوْصُولِ بِناءً عَلى تَقْدِيرِ مُضافٍ مَحْذُوفٍ، وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا. والطّاغُوتُ: الشَّيْطانُ أوِ الكَهَنَةُ أوْ غَيْرُهُما مِمّا قَدْ تَقَدَّمَ مُسْتَوْفًى. قَوْلُهُ: ( أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا ) الإشارَةُ إلى المَوْصُوفِينَ بِالصِّفاتِ المُتَقَدِّمَةِ، وجُعِلَتِ الشَّرارَةُ لِلْمَكانِ، وهي لِأهْلِهِ لِلْمُبالَغَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الإسْنادُ مَجازِيًّا. قَوْلُهُ: ( وأضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ) مَعْطُوفٌ عَلى شَرٍّ، أيْ: هم أضَلُّ مِن غَيْرِهِمْ عَنِ الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، والتَّفْضِيلُ في المَوْضِعَيْنِ لِلزِّيادَةِ مُطْلَقًا أوْ لِكَوْنِهِمْ أشَرُّ وأضَلُّ مِمّا يُشارِكُهم في أصْلِ الشَّرارَةِ والضَّلالِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: إذا جاءُوكم أظْهَرُوا الإسْلامَ. قَوْلُهُ: ﴿وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ جُمْلَتانِ حالِيَّتانِ؛ أيْ: جاءُوكم حالَ كَوْنِهِمْ قَدْ دَخَلُوا عِنْدَكَ مُتَلَبِّسِينَ بِالكُفْرِ وخَرَجُوا مِن عِنْدِكَ مُتَلَبِّسِينَ بِهِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِمْ ما سَمِعُوا مِنكَ، بَلْ خَرَجُوا كَما دَخَلُوا ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ عِنْدَكَ مِنَ الكُفْرِ، وفِيهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ، وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ، وقِيلَ هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ قالُوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] . قَوْلُهُ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ﴾ الخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ، والضَّمِيرُ في ( مِنهم ) عائِدٌ إلى المُنافِقِينَ أوِ اليَهُودِ أوْ إلى الطّائِفَتَيْنِ جَمِيعًا ( يُسارِعُونَ في الإثْمِ ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ عَلى أنَّ الرِّوايَةَ بَصَرِيَّةٌ أوْ هو مَفْعُولٌ ثانٍ لِتَرى عَلى أنَّها قَلْبِيَّةٌ، والمُسارَعَةُ: المُبادَرَةُ، والإثْمُ: الكَذِبُ أوِ الشِّرْكُ أوِ الحَرامُ، والعُدْوانُ: الظُّلْمُ المُتَعَدِّي إلى الغَيْرِ أوْ مُجاوَزَةُ الحَدِّ في الذُّنُوبِ. والسُّحْتُ: الحَرامُ، فَعَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ الإثْمَ بِالحَرامِ يَكُونُ تَكْرِيرُهُ لِلْمُبالِغَةِ، والرَّبّانِيُّونَ عُلَماءُ النَّصارى، والأحْبارُ: عُلَماءُ اليَهُودِ، وقِيلَ: الكُلُّ مِنَ اليَهُودِ لِأنَّ هَذِهِ الآياتِ فِيهِمْ، ثُمَّ وبَّخَ عُلَماءَهم في تَرْكِهِمْ لِنَهْيِهِمْ فَقالَ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وهَذا فِيهِ زِيادَةٌ عَلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ )؛ لِأنَّ العَمَلَ لا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الصُّنْعِ حَتّى يَتَدَرَّبَ فِيهِ صاحِبُهُ، ولِهَذا تَقُولُ العَرَبُ: سَيْفٌ صَنِيعٌ إذا جَوَّدَ عامِلُهُ عَمَلَهُ، فالصُّنْعُ هو العَمَلُ الجَيِّدُ لا مُطْلَقُ العَمَلِ، فَوَبَّخَ سُبْحانَهُ الخاصَّةَ، وهُمُ العُلَماءُ التّارِكُونَ لِلْأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ بِما هو أغْلَظُ وأشَدُّ مِن تَوْبِيخِ فاعِلِ المَعاصِي، فَلْيَفْتَحِ العُلَماءُ لِهَذِهِ الآيَةِ مَسامِعَهم ويُفْرِجُوا لَها عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها قَدْ جاءَتْ بِما فِيهِ البَيانُ الشّافِي لَهم بِأنَّ كَفَّهم عَنِ المَعاصِي مَعَ تَرْكِ إنْكارِهِمْ عَلى أهْلِها لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مَن جُوعٍ، بَلْ هم أشَدُّ حالًا وأعْظَمُ وبالًا مِنَ العُصاةِ، فَرَحِمَ اللَّهُ عالِمًا قامَ بِما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن فَرِيضَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَهو أعْظَمُ ما افْتَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وأوْجَبُ ما أوْجَبَ عَلَيْهِ النُّهُوضُ بِهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنا مِن عِبادِكَ الصّالِحِينَ الآمِرِينَ بِالمَعْرُوفِ النّاهِينَ عَنِ المُنْكَرِ الَّذِينَ لا يَخافُونَ فِيكَ لَوْمَةَ لائِمٍ، وأعِنّا عَلى ذَلِكَ وقَوِّنا عَلَيْهِ ويَسِّرْهُ لَنا وانْصُرْنا عَلى مَن تَعَدّى حُدُودَكَ وظَلَمَ عِبادَكَ إنَّهُ لا ناصِرَ لَنا سِواكَ، ولا مُسْتَعانَ غَيْرُكَ، يا مالِكَ يَوْمِ الدِّينِ، إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ وسَيِّدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ وأخْرَجَ (p-٣٨٢)البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ مُنادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رَكَعُوا وسَجَدُوا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم. قالَ: وكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرًا إذا سَمِعَ المُنادِي يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ، قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى فَذَكَرَ نَحْوَ قِصَّةِ الرَّجُلِ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ اليَهُودِ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ فَقالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى والنَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهم ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ إلى قَوْلِهِ: ( فاسِقُونَ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا ؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ هُما مِمّا مَسَخَ اللَّهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا، أوْ قالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ وبِالكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودًا، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ) إلى قَوْلِهِ: ( لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ) قالَ: يَصْنَعُونَ ويَعْمَلُونَ واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْتَهُوا كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدُّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ وأخْرَجَهُ ابْنُ المُبارَكِ في الزُّهْدِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ نَحْوَهُ، وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ لا حاجَةَ لَنا في بَسْطِها هُنا.

المائدة 5:64

قَوْلُهُ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) اليَدُ عِنْدَ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلى الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وعَلى النِّعْمَةِ، يَقُولُونَ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، وعَلى القُدْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] أوْ عَلى التَّأْيِيدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي» وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ هي عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] والعَرَبُ تُطْلَقُ غُلُّ اليَدِ عَلى البُخْلِ وبَسْطُها عَلى الجُودِ مَجازًا، ولا يُرِيدُونَ الجارِحَةَ كَما يَصِفُونَ البَخِيلَ بِأنَّهُ جَعْدُ الأنامِلِ ومَقْبُوضُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كانَتْ خُراسانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِها وكُلُّ بابٍ مِنَ الخَيْراتِ مَفْتُوحُ ؎فاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنامِلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما وجْهُهُ بِالخَلِّ مَنضُوحُ فَمُرادُ اليَهُودُ هُنا عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلَيْهِمْ مُطابِقًا لِما أرادُوهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غُلُّ أيْدِيهِمْ حَقِيقَةً بِالأسْرِ في الدُّنْيا أوْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ، ويُقَوِّي المَعْنى الأوَّلُ أنَّ البُخْلَ قَدْ لَزِمَ اليَهُودَ لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ فَلا تَرى يَهُودِيًّا، وإنْ كانَ مالُهُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، إلّا وهو مِن أبْخَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وأيْضًا المَجازُ أوْفَقُ بِالمَقامِ لِمُطابَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: ( ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والباءُ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) أيْ: بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وذَكَرَ اليَدَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلّا اليَدَ الواحِدَةَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ السَّخاءِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الجُودِ إلى اليَدَيْنِ أبْلَغُ مِن نِسْبَتِهِ إلى اليَدِ الواحِدَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) نِعْمَةُ الدُّنْيا الظّاهِرَةُ ونِعْمَتُها الباطِنَةُ، وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ، وحَكى الأخْفَشُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بَلْ يَداهُ بَسِيطَتانِ؛ أيْ: مُنْطَلِقَتانِ كَيْفَ يَشاءُ. قَوْلُهُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: (p-٣٨٣)إنْفاقُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، فَإنْ شاءَ وسَّعَ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ، فَهو الباسِطُ القابِضُ، فَإنْ قَبَضَ كانَ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ خَزائِنَ مُلْكِهِ لا تَفْنى ومَوادَّ جُودِهِ لا تَتَناهى. قَوْلُهُ: ( ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ ) إلَخْ، اللّامُ هي لامُ القَسَمِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ الحَسَنَةِ ( ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ) أيْ: طُغْيانًا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ. قَوْلُهُ: ( وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ ) أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ ( العَداوَةَ والبَغْضاءَ ) أوْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى. قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ أيْ: كُلَّما جَمَعُوا لِلْحَرْبِ جَمْعًا وأعْدُّوا لَهُ عُدَّةً شَتَّتَ اللَّهُ جَمْعَهم، وذَهَبَ بِرِيحِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِطائِلٍ ولا عادُوا بِفائِدَةٍ، بَلْ لا يَحْصُلُونَ مِن ذَلِكَ إلّا عَلى الغَلَبِ لَهم، وهَكَذا لا يَزالُونَ يُهَيِّجُونَ الحُرُوبَ ويَجْمَعُونَ عَلَيْها، ثُمَّ يُبْطِلُ اللَّهُ ذَلِكَ، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ بَلِيغَةٍ، وأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ، ( ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ) أيْ: يَجْتَهِدُونَ في فِعْلِ ما فِيهِ فَسادٌ، ومِن أعْظَمِهِ ما يُرِيدُونَهُ مِن إبْطالِ الإسْلامِ وكَيْدِ أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّارِ هُنا الغَضَبُ؛ أيْ: كُلَّما أثارُوا في أنْفُسِهِمْ غَضَبًا أطْفَأهُ اللَّهُ بِما جَعَلَهُ مِنَ الرُّعْبِ في صُدُورِهِمْ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ المَضْرُوبَتَيْنِ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ( ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ) إنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فَهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإنْ كانَتْ لِلْعَهْدِ فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِبَيانِ شِدَّةِ فَسادِهِمْ وكَوْنِهِمْ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ المُتَمَسِّكِينَ بِالكِتابِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْجِنْسِ ( آمَنُوا ) الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم، ومِن أهَمِّ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أُمِرُوا بِذَلِكَ في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ ( واتَّقَوْا ) المَعاصِيَ الَّتِي مِن أعْظَمِها ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والجُحُودِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ( ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ) الَّتِي اقْتَرَفُوها، وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً مُتَنَوِّعَةً، وقِيلَ المَعْنى: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ في أرْزاقِهِمْ. ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: أقامُوا ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ ) مِن سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُرْآنُ فَإنَّها كُلَّها وإنْ نَزَلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ فَهي في حُكْمِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُتَعَبِّدِينَ بِما فِيها ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) ذَكَرَ فَوْقَ وتَحْتَ لِلْمُبالَغَةِ في تَيَسُّرِ أسْبابِ الرِّزْقِ لَهم وكَثْرَتِها وتَعَدُّدِ أنْواعِها. قَوْلُهُ: ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ جَمِيعُهم مُتَّصِفُونَ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، أوِ البَعْضُ دُونَ البَعْضِ، والمُقْتَصِدُونَ مِنهم هُمُ المُؤْمِنُونَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن تَبِعَهُ وطائِفَةٍ مِنَ النَّصارى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمَرِّدُونَ عَنْ إجابَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ النَّبّاشُ بْنُ قَيْسٍ: إنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لا يُنْفِقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: وقالَتِ اليَهُودُ ( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أيْ: بَخِيلَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ قالَ: حَمَلَهم حَسَدُ مُحَمَّدٍ والعَرَبِ عَلى أنْ تَرَكُوا القُرْآنَ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ودِينِهِ وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ﴾ قالَ: حَرْبُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: كُلَّما أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ وأطْفَأ حَدَّهم ونارَهم وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ قالَ: آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ واتَّقَوْا ما حَرَّمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ قالَ: العَمَلَ بِهِما، وأمّا ( ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ) فَمُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وأمّا ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ) فَأرْسَلْتُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، وأمّا ( مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ) يَقُولُ: أُنْبِتُ لَهم مِنَ الأرْضِ مِن رِزْقِي ما يُغْنِيهِمْ ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) وهم مَسْلَمَةُ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي لَأُرْسِلُ عَلَيْهِمُ السَّماءَ مِدْرارًا ( ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) قالَ: تُخْرِجُ الأرْضُ مِن بَرَكَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ: الَّذِينَ لا هم فَسَقُوا في الدِّينِ ولا هم غَلَوْا، قالَ: والغُلُوُّ الرَّغْبَةُ، والفِسْقُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ ( أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) يَقُولُ: مُؤْمِنَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا، قالَ: ثُمَّ حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، وتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، تَعْلُو أُمَّتِي عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِلَّةٌ واحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، قالُوا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعاتُ الجَماعاتُ» قالَ يَعْقُوبُ بْنُ زَيْدٍ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إذا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا فِيهِ قُرْآنًا، قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (p-٣٨٤)وتَلا أيْضًا: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذا الحَدِيثِ ما لَفْظُهُ: وحَدِيثُ افْتِراقِ الأُمَمِ إلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ قَدْ ذَكَرْناها في مَوْضِعٍ آخَرَ انْتَهى. قُلْتُ: أمّا زِيادَةُ كَوْنِها في النّارِ إلّا واحِدَةً، فَقَدْ ضَعَّفَها جَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، بَلْ قالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّها مَوْضُوعَةٌ.

المائدة 5:65

قَوْلُهُ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) اليَدُ عِنْدَ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلى الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وعَلى النِّعْمَةِ، يَقُولُونَ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، وعَلى القُدْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] أوْ عَلى التَّأْيِيدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي» وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ هي عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] والعَرَبُ تُطْلَقُ غُلُّ اليَدِ عَلى البُخْلِ وبَسْطُها عَلى الجُودِ مَجازًا، ولا يُرِيدُونَ الجارِحَةَ كَما يَصِفُونَ البَخِيلَ بِأنَّهُ جَعْدُ الأنامِلِ ومَقْبُوضُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كانَتْ خُراسانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِها وكُلُّ بابٍ مِنَ الخَيْراتِ مَفْتُوحُ ؎فاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنامِلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما وجْهُهُ بِالخَلِّ مَنضُوحُ فَمُرادُ اليَهُودُ هُنا عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلَيْهِمْ مُطابِقًا لِما أرادُوهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غُلُّ أيْدِيهِمْ حَقِيقَةً بِالأسْرِ في الدُّنْيا أوْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ، ويُقَوِّي المَعْنى الأوَّلُ أنَّ البُخْلَ قَدْ لَزِمَ اليَهُودَ لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ فَلا تَرى يَهُودِيًّا، وإنْ كانَ مالُهُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، إلّا وهو مِن أبْخَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وأيْضًا المَجازُ أوْفَقُ بِالمَقامِ لِمُطابَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: ( ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والباءُ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) أيْ: بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وذَكَرَ اليَدَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلّا اليَدَ الواحِدَةَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ السَّخاءِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الجُودِ إلى اليَدَيْنِ أبْلَغُ مِن نِسْبَتِهِ إلى اليَدِ الواحِدَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) نِعْمَةُ الدُّنْيا الظّاهِرَةُ ونِعْمَتُها الباطِنَةُ، وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ، وحَكى الأخْفَشُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بَلْ يَداهُ بَسِيطَتانِ؛ أيْ: مُنْطَلِقَتانِ كَيْفَ يَشاءُ. قَوْلُهُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: (p-٣٨٣)إنْفاقُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، فَإنْ شاءَ وسَّعَ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ، فَهو الباسِطُ القابِضُ، فَإنْ قَبَضَ كانَ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ خَزائِنَ مُلْكِهِ لا تَفْنى ومَوادَّ جُودِهِ لا تَتَناهى. قَوْلُهُ: ( ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ ) إلَخْ، اللّامُ هي لامُ القَسَمِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ الحَسَنَةِ ( ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ) أيْ: طُغْيانًا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ. قَوْلُهُ: ( وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ ) أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ ( العَداوَةَ والبَغْضاءَ ) أوْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى. قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ أيْ: كُلَّما جَمَعُوا لِلْحَرْبِ جَمْعًا وأعْدُّوا لَهُ عُدَّةً شَتَّتَ اللَّهُ جَمْعَهم، وذَهَبَ بِرِيحِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِطائِلٍ ولا عادُوا بِفائِدَةٍ، بَلْ لا يَحْصُلُونَ مِن ذَلِكَ إلّا عَلى الغَلَبِ لَهم، وهَكَذا لا يَزالُونَ يُهَيِّجُونَ الحُرُوبَ ويَجْمَعُونَ عَلَيْها، ثُمَّ يُبْطِلُ اللَّهُ ذَلِكَ، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ بَلِيغَةٍ، وأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ، ( ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ) أيْ: يَجْتَهِدُونَ في فِعْلِ ما فِيهِ فَسادٌ، ومِن أعْظَمِهِ ما يُرِيدُونَهُ مِن إبْطالِ الإسْلامِ وكَيْدِ أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّارِ هُنا الغَضَبُ؛ أيْ: كُلَّما أثارُوا في أنْفُسِهِمْ غَضَبًا أطْفَأهُ اللَّهُ بِما جَعَلَهُ مِنَ الرُّعْبِ في صُدُورِهِمْ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ المَضْرُوبَتَيْنِ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ( ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ) إنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فَهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإنْ كانَتْ لِلْعَهْدِ فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِبَيانِ شِدَّةِ فَسادِهِمْ وكَوْنِهِمْ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ المُتَمَسِّكِينَ بِالكِتابِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْجِنْسِ ( آمَنُوا ) الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم، ومِن أهَمِّ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أُمِرُوا بِذَلِكَ في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ ( واتَّقَوْا ) المَعاصِيَ الَّتِي مِن أعْظَمِها ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والجُحُودِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ( ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ) الَّتِي اقْتَرَفُوها، وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً مُتَنَوِّعَةً، وقِيلَ المَعْنى: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ في أرْزاقِهِمْ. ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: أقامُوا ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ ) مِن سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُرْآنُ فَإنَّها كُلَّها وإنْ نَزَلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ فَهي في حُكْمِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُتَعَبِّدِينَ بِما فِيها ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) ذَكَرَ فَوْقَ وتَحْتَ لِلْمُبالَغَةِ في تَيَسُّرِ أسْبابِ الرِّزْقِ لَهم وكَثْرَتِها وتَعَدُّدِ أنْواعِها. قَوْلُهُ: ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ جَمِيعُهم مُتَّصِفُونَ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، أوِ البَعْضُ دُونَ البَعْضِ، والمُقْتَصِدُونَ مِنهم هُمُ المُؤْمِنُونَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن تَبِعَهُ وطائِفَةٍ مِنَ النَّصارى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمَرِّدُونَ عَنْ إجابَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ النَّبّاشُ بْنُ قَيْسٍ: إنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لا يُنْفِقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: وقالَتِ اليَهُودُ ( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أيْ: بَخِيلَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ قالَ: حَمَلَهم حَسَدُ مُحَمَّدٍ والعَرَبِ عَلى أنْ تَرَكُوا القُرْآنَ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ودِينِهِ وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ﴾ قالَ: حَرْبُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: كُلَّما أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ وأطْفَأ حَدَّهم ونارَهم وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ قالَ: آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ واتَّقَوْا ما حَرَّمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ قالَ: العَمَلَ بِهِما، وأمّا ( ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ) فَمُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وأمّا ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ) فَأرْسَلْتُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، وأمّا ( مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ) يَقُولُ: أُنْبِتُ لَهم مِنَ الأرْضِ مِن رِزْقِي ما يُغْنِيهِمْ ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) وهم مَسْلَمَةُ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي لَأُرْسِلُ عَلَيْهِمُ السَّماءَ مِدْرارًا ( ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) قالَ: تُخْرِجُ الأرْضُ مِن بَرَكَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ: الَّذِينَ لا هم فَسَقُوا في الدِّينِ ولا هم غَلَوْا، قالَ: والغُلُوُّ الرَّغْبَةُ، والفِسْقُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ ( أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) يَقُولُ: مُؤْمِنَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا، قالَ: ثُمَّ حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، وتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، تَعْلُو أُمَّتِي عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِلَّةٌ واحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، قالُوا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعاتُ الجَماعاتُ» قالَ يَعْقُوبُ بْنُ زَيْدٍ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إذا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا فِيهِ قُرْآنًا، قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (p-٣٨٤)وتَلا أيْضًا: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذا الحَدِيثِ ما لَفْظُهُ: وحَدِيثُ افْتِراقِ الأُمَمِ إلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ قَدْ ذَكَرْناها في مَوْضِعٍ آخَرَ انْتَهى. قُلْتُ: أمّا زِيادَةُ كَوْنِها في النّارِ إلّا واحِدَةً، فَقَدْ ضَعَّفَها جَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، بَلْ قالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّها مَوْضُوعَةٌ.

المائدة 5:66

قَوْلُهُ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) اليَدُ عِنْدَ العَرَبِ تُطْلَقُ عَلى الجارِحَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا﴾ وعَلى النِّعْمَةِ، يَقُولُونَ: كَمْ يَدٌ لِي عِنْدَ فُلانٍ، وعَلى القُدْرَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنَّ الفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٧٣] أوْ عَلى التَّأْيِيدِ، ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «يَدُ اللَّهِ مَعَ القاضِي حِينَ يَقْضِي» وتُطْلَقُ عَلى مَعانٍ أُخَرَ، وهَذِهِ الآيَةُ هي عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] والعَرَبُ تُطْلَقُ غُلُّ اليَدِ عَلى البُخْلِ وبَسْطُها عَلى الجُودِ مَجازًا، ولا يُرِيدُونَ الجارِحَةَ كَما يَصِفُونَ البَخِيلَ بِأنَّهُ جَعْدُ الأنامِلِ ومَقْبُوضُ الكَفِّ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎كانَتْ خُراسانُ أرْضًا إذْ يَزِيدُ بِها وكُلُّ بابٍ مِنَ الخَيْراتِ مَفْتُوحُ ؎فاسْتُبْدِلَتْ بَعْدَهُ جَعْدًا أنامِلُهُ ∗∗∗ كَأنَّما وجْهُهُ بِالخَلِّ مَنضُوحُ فَمُرادُ اليَهُودُ هُنا عَلَيْهِمْ لِعائِنُ اللَّهِ أنَّ اللَّهَ بَخِيلٌ، فَأجابَ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ( ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ ) دُعاءً عَلَيْهِمْ بِالبُخْلِ، فَيَكُونُ الجَوابُ عَلَيْهِمْ مُطابِقًا لِما أرادُوهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ويَجُوزُ أنْ يُرادَ غُلُّ أيْدِيهِمْ حَقِيقَةً بِالأسْرِ في الدُّنْيا أوْ بِالعَذابِ في الآخِرَةِ، ويُقَوِّي المَعْنى الأوَّلُ أنَّ البُخْلَ قَدْ لَزِمَ اليَهُودَ لُزُومَ الظِّلِّ لِلشَّمْسِ فَلا تَرى يَهُودِيًّا، وإنْ كانَ مالُهُ في غايَةِ الكَثْرَةِ، إلّا وهو مِن أبْخَلِ خَلْقِ اللَّهِ، وأيْضًا المَجازُ أوْفَقُ بِالمَقامِ لِمُطابَقَتِهِ لِما قَبْلَهُ. قَوْلُهُ: ( ﴿ولُعِنُوا بِما قالُوا﴾ ) مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ والباءُ سَبَبِيَّةٌ؛ أيْ: أُبْعِدُوا مِن رَحْمَةِ اللَّهِ بِسَبَبِ قَوْلِهِمْ: ( ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ) ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) أيْ: بَلْ هو في غايَةِ ما يَكُونُ مِنَ الجُودِ، وذَكَرَ اليَدَيْنِ مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا إلّا اليَدَ الواحِدَةَ مُبالَغَةً في الرَّدِّ عَلَيْهِمْ بِإثْباتِ ما يَدُلُّ عَلى غايَةِ السَّخاءِ، فَإنَّ نِسْبَةَ الجُودِ إلى اليَدَيْنِ أبْلَغُ مِن نِسْبَتِهِ إلى اليَدِ الواحِدَةِ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ الإضْرابِيَّةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ يَقْتَضِيها المَقامُ؛ أيْ: كَلّا لَيْسَ الأمْرُ كَذَلِكَ ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) وقِيلَ: المُرادُ بِقَوْلِهِ: ( ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ ) نِعْمَةُ الدُّنْيا الظّاهِرَةُ ونِعْمَتُها الباطِنَةُ، وقِيلَ: نِعْمَةُ المَطَرِ والنَّباتِ، وقِيلَ: الثَّوابُ والعِقابُ، وحَكى الأخْفَشُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ بَلْ يَداهُ بَسِيطَتانِ؛ أيْ: مُنْطَلِقَتانِ كَيْفَ يَشاءُ. قَوْلُهُ: يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِكَمالِ جُودِهِ سُبْحانَهُ؛ أيْ: (p-٣٨٣)إنْفاقُهُ عَلى ما تَقْتَضِيهِ مَشِيئَتُهُ، فَإنْ شاءَ وسَّعَ، وإنْ شاءَ قَتَّرَ، فَهو الباسِطُ القابِضُ، فَإنْ قَبَضَ كانَ ذَلِكَ لِما تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ الباهِرَةُ لا لِشَيْءٍ آخَرَ، فَإنَّ خَزائِنَ مُلْكِهِ لا تَفْنى ومَوادَّ جُودِهِ لا تَتَناهى. قَوْلُهُ: ( ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ ) إلَخْ، اللّامُ هي لامُ القَسَمِ؛ أيْ: لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِنَ القُرْآنِ المُشْتَمِلِ عَلى هَذِهِ الأحْكامِ الحَسَنَةِ ( ﴿طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ ) أيْ: طُغْيانًا إلى طُغْيانِهِمْ وكُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ. قَوْلُهُ: ( وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ ) أيْ: بَيْنَ اليَهُودِ ( العَداوَةَ والبَغْضاءَ ) أوْ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى. قَوْلُهُ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ أيْ: كُلَّما جَمَعُوا لِلْحَرْبِ جَمْعًا وأعْدُّوا لَهُ عُدَّةً شَتَّتَ اللَّهُ جَمْعَهم، وذَهَبَ بِرِيحِهِمْ فَلَمْ يَظْفَرُوا بِطائِلٍ ولا عادُوا بِفائِدَةٍ، بَلْ لا يَحْصُلُونَ مِن ذَلِكَ إلّا عَلى الغَلَبِ لَهم، وهَكَذا لا يَزالُونَ يُهَيِّجُونَ الحُرُوبَ ويَجْمَعُونَ عَلَيْها، ثُمَّ يُبْطِلُ اللَّهُ ذَلِكَ، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى اسْتِعارَةٍ بَلِيغَةٍ، وأُسْلُوبٍ بَدِيعٍ، ( ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ ) أيْ: يَجْتَهِدُونَ في فِعْلِ ما فِيهِ فَسادٌ، ومِن أعْظَمِهِ ما يُرِيدُونَهُ مِن إبْطالِ الإسْلامِ وكَيْدِ أهْلِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالنّارِ هُنا الغَضَبُ؛ أيْ: كُلَّما أثارُوا في أنْفُسِهِمْ غَضَبًا أطْفَأهُ اللَّهُ بِما جَعَلَهُ مِنَ الرُّعْبِ في صُدُورِهِمْ والذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ المَضْرُوبَتَيْنِ عَلَيْهِمْ. قَوْلُهُ: ( ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ﴾ ) إنْ كانَتِ اللّامُ لِلْجِنْسِ فَهم داخِلُونَ في ذَلِكَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، وإنْ كانَتْ لِلْعَهْدِ فَوَضْعُ الظّاهِرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِبَيانِ شِدَّةِ فَسادِهِمْ وكَوْنِهِمْ لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ أيْ: لَوْ أنَّ المُتَمَسِّكِينَ بِالكِتابِ، وهُمُ اليَهُودُ والنَّصارى، عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ لِلْجِنْسِ ( آمَنُوا ) الإيمانَ الَّذِي طَلَبَهُ اللَّهُ مِنهم، ومِن أهَمِّ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَما أُمِرُوا بِذَلِكَ في كُتُبِ اللَّهِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ ( واتَّقَوْا ) المَعاصِيَ الَّتِي مِن أعْظَمِها ما هم عَلَيْهِ مِنَ الشِّرْكِ بِاللَّهِ والجُحُودِ لِما جاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ( ﴿لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ ) الَّتِي اقْتَرَفُوها، وإنْ كانَتْ كَثِيرَةً مُتَنَوِّعَةً، وقِيلَ المَعْنى: لَوَسَّعْنا عَلَيْهِمْ في أرْزاقِهِمْ. ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ: أقامُوا ما فِيهِما مِنَ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها الإيمانُ بِما جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ ) مِن سائِرِ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها القُرْآنُ فَإنَّها كُلَّها وإنْ نَزَلَتْ عَلى غَيْرِهِمْ فَهي في حُكْمِ المُنَزَّلَةِ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِمْ مُتَعَبِّدِينَ بِما فِيها ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) ذَكَرَ فَوْقَ وتَحْتَ لِلْمُبالَغَةِ في تَيَسُّرِ أسْبابِ الرِّزْقِ لَهم وكَثْرَتِها وتَعَدُّدِ أنْواعِها. قَوْلُهُ: ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) جَوابُ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ جَمِيعُهم مُتَّصِفُونَ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، أوِ البَعْضُ دُونَ البَعْضِ، والمُقْتَصِدُونَ مِنهم هُمُ المُؤْمِنُونَ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ ومَن تَبِعَهُ وطائِفَةٍ مِنَ النَّصارى ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وهُمُ المُصِرُّونَ عَلى الكُفْرِ المُتَمَرِّدُونَ عَنْ إجابَةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ والإيمانِ بِما جاءَ بِهِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرانِيُّ في الكَبِيرِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ النَّبّاشُ بْنُ قَيْسٍ: إنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لا يُنْفِقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: وقالَتِ اليَهُودُ ( يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ) الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ أنَّها نَزَلَتْ في فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ. وأخْرَجَ مِثْلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أيْ: بَخِيلَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ قالَ: حَمَلَهم حَسَدُ مُحَمَّدٍ والعَرَبِ عَلى أنْ تَرَكُوا القُرْآنَ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ودِينِهِ وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ﴾ قالَ: حَرْبُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: كُلَّما أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ وأطْفَأ حَدَّهم ونارَهم وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ قالَ: آمَنُوا بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ واتَّقَوْا ما حَرَّمَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ قالَ: العَمَلَ بِهِما، وأمّا ( ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ ) فَمُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وأمّا ( ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ ) فَأرْسَلْتُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، وأمّا ( مِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ ) يَقُولُ: أُنْبِتُ لَهم مِنَ الأرْضِ مِن رِزْقِي ما يُغْنِيهِمْ ( ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ ) وهم مَسْلَمَةُ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿لَأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي لَأُرْسِلُ عَلَيْهِمُ السَّماءَ مِدْرارًا ( ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ ) قالَ: تُخْرِجُ الأرْضُ مِن بَرَكَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ: الَّذِينَ لا هم فَسَقُوا في الدِّينِ ولا هم غَلَوْا، قالَ: والغُلُوُّ الرَّغْبَةُ، والفِسْقُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ ( أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ) يَقُولُ: مُؤْمِنَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ الضَّبِّيُّ، حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنا أبُو مَعْشَرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا، قالَ: ثُمَّ حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، وتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، تَعْلُو أُمَّتِي عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِلَّةٌ واحِدَةٌ في الجَنَّةِ وثِنْتانِ وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، قالُوا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ: الجَماعاتُ الجَماعاتُ» قالَ يَعْقُوبُ بْنُ زَيْدٍ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إذا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ تَلا فِيهِ قُرْآنًا، قالَ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهم سَيِّئاتِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ (p-٣٨٤)وتَلا أيْضًا: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ لِهَذا الحَدِيثِ ما لَفْظُهُ: وحَدِيثُ افْتِراقِ الأُمَمِ إلى بِضْعٍ وسَبْعِينَ مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ عَدِيدَةٍ قَدْ ذَكَرْناها في مَوْضِعٍ آخَرَ انْتَهى. قُلْتُ: أمّا زِيادَةُ كَوْنِها في النّارِ إلّا واحِدَةً، فَقَدْ ضَعَّفَها جَماعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ، بَلْ قالَ ابْنُ حَزْمٍ: إنَّها مَوْضُوعَةٌ.

المائدة 5:67

العُمُومُ الكائِنُ في ( ما أُنْزِلَ ) يُفِيدُ أنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُبَلِّغَ جَمِيعَ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ لا يَكْتُمُ مِنهُ شَيْئًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسِرَّ إلى أحَدٍ مِمّا يَتَعَلَّقُ بِما أنْزَلَهُ اللَّهُ إلَيْهِ شَيْئًا، ولِهَذا ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها أنَّها قالَتْ: «مَن زَعَمَ أنَّ مُحَمَّدًا صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ فَقَدْ كَذَبَ» . وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ مِن حَدِيثِ أبِي جُحَيْفَةَ وهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ السِّوائِيِّ قالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هَلْ عِنْدَكم شَيْءٌ مِنَ الوَحْيِ مِمّا لَيْسَ في القُرْآنِ ؟ فَقالَ: لا والَّذِي فَلَقَ الحَبَّةَ وبَرَأ النَّسَمَةَ، إلّا فَهْمًا يُعْطِيهِ اللَّهُ رَجُلًا في القُرْآنِ وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ، قُلْتُ: وما في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ؟ قالَ: العَقْلُ، وفِكاكُ الأسِيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكافِرٍ. ( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ﴾ ) ما أُمِرْتَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ الجَمِيعِ بَلْ كَتَمْتَ ولَوْ بَعْضًا مِن ذَلِكَ ( ﴿فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ) . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وأهْلُ الكُوفَةِ إلّا شُعْبَةَ ( رِسالَتَهُ ) عَلى التَّوْحِيدِ، وقَرَأ أهْلُ المَدِينَةِ وأهْلُ الشّامِ ( رِسالاتِهِ ) عَلى الجَمْعِ، قالَ النَّحّاسُ: والجَمْعُ أبْيَنُ؛ لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ شَيْئًا فَشَيْئًا، ثُمَّ يُبَيِّنُهُ انْتَهى. وفِيهِ نَظَرٌ، فَإنَّ نَفْيَ التَّبْلِيغِ عَنِ الرِّسالَةِ الواحِدَةِ أبْلَغُ مِن نَفْيِهِ عَنِ الرِّسالاتِ، كَما ذَكَرَهُ عُلَماءُ البَيانِ عَلى خِلافٍ في ذَلِكَ، وقَدْ بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ، وقالَ لَهم في غَيْرِ مَوْطِنٍ: هَلْ بَلَّغْتُ ؟ فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالبَيانِ، فَجَزاهُ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِهِ خَيْرًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ وعَدَهُ بِالعِصْمَةِ مِنَ النّاسِ دَفْعًا لِما يُظَنُّ أنَّهُ حامِلٌ عَلى كَتْمِ البَيانِ، وهو خَوْفُ لِحُوقِ الضَّرَرِ مِنَ النّاسِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ بِحَمْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ بَيَّنَ لِعِبادِ اللَّهِ ما نَزَلَ إلَيْهِمْ عَلى وجْهِ التَّمامِ، ثُمَّ حَمَلَ مَن أبى مِنَ الدُّخُولِ في الدِّينِ عَلى الدُّخُولِ فِيهِ طَوْعًا أوْ كُرْهًا وقَتَلَ صَنادِيدَ الشِّرْكِ وفَرَّقَ جُمُوعَهم وبَدَّدَ شَمْلَهم، وكانَتْ كَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا، فَأسْلَمَ كُلُّ مَن نازَعَهُ مِمَّنْ لَمْ يَسْبِقْ فِيهِ السَّيْفُ العَذَلَ حَتّى قالَ يَوْمَ الفَتْحِ لِصَنادِيدِ قُرَيْشٍ وأكابِرِهِمْ: «ما تَظُنُّونَ أنِّي فاعِلٌ بِكم ؟ فَقالُوا: أخٌ كَرِيمٌ وابْنُ أخٍ كَرِيمٍ فَقالَ: اذْهَبُوا فَأنْتُمُ الطُّلَقاءُ،» وهَكَذا مَن سَبَقَتْ لَهُ العِنايَةُ مِن عُلَماءِ هَذِهِ الأُمَّةِ يَعْصِمُهُ اللَّهُ مِنَ النّاسِ، إنْ قامَ بِبَيانِ حُجَجِ اللَّهِ وإيضاحِ بَراهِينِهِ، وصَرَخَ بَيْنَ ظَهَرانَيْ مَن ضادَّ اللَّهَ وعانَدَهُ ولَمْ يَمْتَثِلْ لِشَرْعِهِ كَطَوائِفِ المُبْتَدَعَةِ، وقَدْ رَأيْنا مِن هَذا في أنْفُسِنا وسَمِعْناهُ في غَيْرِنا ما يَزِيدُ المُؤْمِنَ إيمانًا وصَلابَةً في دِينِ اللَّهِ وشِدَّةَ شَكِيمَةٍ في القِيامِ بِحُجَّةِ اللَّهِ، وكُلُّ ما يَظُنُّهُ مُتَزَلْزِلُو الأقْدامِ ومُضْطَرِبُو القُلُوبِ مِن نُزُولِ الضَّرَرِ بِهِمْ وحُصُولِ المِحَنِ عَلَيْهِمْ فَهو خَيالاتٌ مُخْتَلَّةٌ وتَوَهُّماتٌ باطِلَةٌ، فَإنَّ كُلَّ مِحْنَةٍ في الظّاهِرِ هي مِحْنَةٌ في الحَقِيقَةِ؛ لِأنَّها لا تَأْتِي إلّا بِخَيْرٍ في الأُولى والأُخْرى: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ جُمْلَةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِتَعْلِيلِ ما سَبَقَ مِنَ العِصْمَةِ؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ لا يَجْعَلُ لَهم سَبِيلًا إلى الإضْرارِ بِكَ، فَلا تَخَفْ وبَلِّغْ ما أُمِرْتَ بِتَبْلِيغِهِ. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ ( ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ) قالَ: يا رَبِّ إنَّما أنا واحِدٌ كَيْفَ أصْنَعُ ؟ يَجْتَمِعُ عَلَيَّ النّاسُ، فَنَزَلَتْ ( ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ ) . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِرِسالَتِهِ فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا وعَرَفْتُ أنَّ النّاسَ مُكَذِّبِيَّ، فَوَعَدَنِي لَأُبَلِّغَنَّ أوْ لَيُعَذِّبَنِّي، فَأُنْزِلَتْ ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ يَعْنِي إنْ كَتَمْتَ آيَةً مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ ) عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ( يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ إنَّ عَلِيًّا مَوْلى المُؤْمِنِينَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ ) وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونَنا فَيُخْبِرُونَنا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِلنّاسِ، فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قالَ: ( ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ) واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سَوْداءَ في بَيْضاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ سُئِلَ: أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ ؟ قالَ: كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسَمٍ، فاجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ يا أيُّها النّاسُ مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالَةَ رَبِّي ولَهُ الجَنَّةُ، أيُّها النّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم، تَفْلَحُوا وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ، قالَ: فَما بَقِيَ رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ ويَبْزُقُونَ في وجْهِي ويَقُولُونَ: كَذّابٌ صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهم وطَرَدَهم عَنْهُ» . قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ يَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ ( ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ ) [القصص: ٥٦] هَوى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ. (p-٣٨٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في الدَّلائِلِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتّى نَزَلَتْ ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ فَقالَ: أيُّها النّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ». قالَ الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ: صَحِيحُ الإسْنادِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن حَدِيثِ أبِي سَعِيدٍ. وقَدْ رُوِيَ في هَذا المَعْنى أحادِيثُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا غَزا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَنِي أنْمارٍ نَزَلَ ذاتَ الرَّقِيعِ بِأعْلى نَخْلٍ، فَبَيْنَما هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ بِئْرٍ قَدْ دَلّى رِجْلَيْهِ، فَقالَ الوارِثُ مِن بَنِي النَّجّارِ: لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: كَيْفَ تَقْتُلُهُ ؟ قالَ: أقُولُ لَهُ: أعْطِنِي سَيْفَكَ فَإذا أعْطانِيهِ قَتَلْتُهُ بِهِ، فَأتاهُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أعْطِنِي سَيْفَكَ أشُمُّهُ، فَأعْطاهُ إيّاهُ، فَرَعَدَتْ يَدُهُ حَتّى سَقَطَ مِن يَدِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: حالَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ياأيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهَذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِن هَذا الوَجْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَ هَذِهِ القِصَّةِ ولَمْ يُسَمِّ الرَّجُلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ نَحْوَهُ، وفي البابِ رِواياتٌ. وقِصَّةُ غَوْرَثِ بْنِ الحارِثِ ثابِتَةٌ في الصَّحِيحِ، وهي مَعْرُوفَةٌ ومَشْهُورَةٌ.

المائدة 5:68

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:69

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:70

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:71

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:72

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:73

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:74

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:75

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:76

قَوْلُهُ: ( ﴿عَلى شَيْءٍ﴾ ) فِيهِ تَحْقِيرٌ وتَقْلِيلٌ لِما هم عَلَيْهِ؛ أيْ: لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ: أيْ تَعْمَلُوا بِما فِيهِما مِن أوامِرِ اللَّهِ ونَواهِيهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أمْرُكم بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونَهْيُكم عَنْ مُخالَفَتِهِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّسْخِ لَهُما. قَوْلُهُ: وما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكم قِيلَ: هو القُرْآنُ، فَإنَّ إقامَةَ الكِتابَيْنِ لا تَصِحُّ بِغَيْرِ إقامَتِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ عَلى لِسانِ الأنْبِياءِ مِن غَيْرِ الكِتابَيْنِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ أيْ: كُفْرًا إلى كُفْرِهِمْ وطُغْيانًا عَلى طُغْيانِهِمْ، والمُرادُ بِالكَثِيرِ مِنهم مَن لَمْ يُسْلِمْ، واسْتَمَرَّ عَلى المُعانَدَةِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ العُلَماءُ مِنهم، وتَصْدِيرُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالقَسَمِ لِتَأْكِيدِ مَضْمُونِها، قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ أيْ: دَعْ عَنْكَ التَّأسُّفَ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّ ضَرَرَ ذَلِكَ راجِعٌ إلَيْهِمْ ونازِلٌ بِهِمْ، وفي المُتَّبِعِينَ لَكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غِنًى لَكَ عَنْهم. قَوْلُهُ: ( ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ) إلَخْ، جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِتَرْغِيبِ مَن عَداهم مِنَ المُؤْمِنِينَ. والمُرادُ بِالمُؤْمِنِينَ هُنا الَّذِينَ آمَنُوا بِألْسِنَتِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ ( ﴿والَّذِينَ هادُوا﴾ ) أيْ دَخَلُوا في دِينِ اليَهُودِ ( والصّابِئُونَ ) مُرْتَفِعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ. قالَ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ: الرَّفْعُ مَحْمُولٌ عَلى التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، والتَّقْدِيرُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وعَمِلَ صالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ والصّابِئُونَ والنَّصارى كَذَلِكَ، وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ، قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وإلّا فاعْلَمُوا أنّا وأنْتُمْ بُغاةٌ ما بَقِينا في شِقاقِ أيْ وإلّا فاعْلَمُوا أنّا بُغاةٌ وأنْتُمْ كَذَلِكَ، ومِثْلُهُ قَوْلُ ضابِي البُرْجُمِيِّ: ؎فَمَن يَكُ أمْسى بِالمَدِينَةِ رَحْلُهُ ∗∗∗ فَإنِّي وقَيّارٌ بِها لَغَرِيبُ أيْ فَإنِّي لَغَرِيبٌ وقَيّارٌ كَذَلِكَ. وقالَ الكِسائِيُّ والأخْفَشُ: إنَّ ( الصّابِئُونَ ) مَعْطُوفٌ عَلى المُضْمَرِ في ( هادُوا ) قالَ النَّحّاسُ: سَمِعْتُ الزَّجّاجَ يَقُولُ وقَدْ ذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الكِسائِيِّ والأخْفَشِ: هَذا خَطَأٌ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ المُضْمَرَ المَرْفُوعَ لا يُعْطَفُ عَلَيْهِ حَتّى يُؤَكَّدَ. وثانِيهُما أنَّ المَعْطُوفَ شَرِيكُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَصِيرُ المَعْنى: إنَّ الصّابِئِينَ قَدْ دَخَلُوا في اليَهُودِيَّةِ، وهَذا مُحالٌ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما جازَ الرَّفْعُ؛ لِأنَّ " إنَّ " ضَعِيفَةٌ فَلا تُؤَثِّرُ إلّا في الِاسْمِ دُونَ الخَبَرِ، فَعَلى هَذا هو عِنْدَهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلِّ اسْمِ إنَّ، أوْ عَلى مَجْمُوعِ إنَّ واسْمِها، وقِيلَ: إنَّ خَبَرَ إنَّ مُقَدَّرٌ، والجُمْلَةَ الآتِيَةَ خَبَرٌ الصّابِئُونَ والنَّصارى، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎نَحْنُ بِما عِنْدَنا وأنْتَ بِما ∗∗∗ عِنْدَكَ راضٍ والرَّأْيُ مُخْتَلِفُ وقِيلَ: إنَّ " إنَّ " هُنا بِمَعْنى نَعَمْ: فالصّابِئُونَ مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ قَيْسِ بْنِ الرُّقَيّاتِ: ؎بَكَرَ العَواذِلُ في الصَّبا ∗∗∗ حِ يَلُمْنَنِي وألُومُهُنَّهْ ؎ويَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلا ∗∗∗ كَ وقَدْ كَبِرْتَ فَقُلْتُ إنَّهْ قالَ الأخْفَشُ: " إنَّهْ " بِمَعْنى نَعَمْ والهاءُ لِلسَّكْتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الصّابِئِينَ والنَّصارى في البَقَرَةِ، وقُرِئَ الصّابِيُونَ بِياءٍ صَرِيحَةٍ تَخْفِيفًا لِلْهَمْزَةِ، وقُرِئَ الصّابُونَ بِدُونِ ياءٍ، وهو مِن صَبا يَصْبُو؛ لِأنَّهم صَبَوْا إلى اتِّباعِ الهَوى، (p-٣٨٦)وقُرِئَ والصّابِئِينَ عَطْفًا عَلى اسْمِ إنَّ. قَوْلُهُ: ( مَن آمَنَ بِاللَّهِ ) مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ ﴿فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ والمُبْتَدَأُ وخَبَرُهُ خَبَرٌ لِإنَّ، ودُخُولُ الفاءِ لِتَضَمُّنِ المُبْتَدَأِ مَعْنى الشَّرْطِ، والعائِدُ إلى اسْمِ إنَّ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: مَن آمَنَ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَن آمَنَ بَدَلًا مِنِ اسْمِ إنَّ وما عُطِفَ عَلَيْهِ، ويَكُونَ خَبَرُ إنَّ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ. والمَعْنى عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا المُنافِقِينَ كَما قَدَّمْنا: أنَّ مَن آمَنَ مِن هَذِهِ الطَّوائِفِ إيمانًا خالِصًا عَلى الوَجْهِ المَطْلُوبِ وعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا، فَهو الَّذِي لا خَوْفٌ عَلَيْهِ ولا حُزْنٌ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِ المُرادِ بِالَّذِينَ آمَنُوا جَمِيعَ أهْلِ الإسْلامِ: المُخْلِصَ والمُنافِقَ، فالمُرادُ بِمَن آمَنَ مَنِ اتَّصَفَ بِالإيمانِ الخالِصِ واسْتَمَرَّ عَلَيْهِ، ومَن أحْدَثَ إيمانًا خالِصًا بَعْدَ نِفاقِهِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ كَلامٌ مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ أفْعالِهِمُ الخَبِيثَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في البَقَرَةِ بَيانُ مَعْنى المِيثاقِ ( ﴿وأرْسَلْنا إلَيْهِمْ رُسُلًا﴾ ) لِيُعَرِّفُوهم بِالشَّرائِعِ ويُنْذِرُوهم ﴿كُلَّما جاءَهم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُهم﴾ جُمْلَةٌ شَرْطِيَّةٌ وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالِ ناسٍ مِنَ الأحْبارِ بِإرْسالِ الرُّسُلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ماذا فَعَلُوا بِالرُّسُلِ ؟ وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: عَصَوْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ أيْضًا جَوابٌ عَنْ سُؤالِ ناسٍ عَنِ الجَوابِ الأوَّلِ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ فَعَلُوا بِهِمْ ؟ فَقِيلَ: فَرِيقًا مِنهم كَذَّبُوهم ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهم بِضَرَرٍ، وفَرِيقًا آخَرَ مِنهم قَتَلُوهم، وإنَّما قالَ: ( ﴿وفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ ) لِمُراعاةِ رُءُوسِ الآيِ، فَمَن كَذَّبُوهُ عِيسى وأمْثالُهُ مِنَ الأنْبِياءِ، ومِمَّنْ قَتَلُوهُ زَكَرِيّا ويَحْيى. قَوْلُهُ ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أيْ: حَسِبَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المِيثاقَ أنْ لا يَقَعَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ابْتِلاءٌ واخْتِبارٌ بِالشَّدائِدِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] . قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( تَكُونُ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّ " أنْ " هي المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، وحَسِبَ بِمَعْنى عَلِمَ؛ لِأنَّ " أنْ " مَعْناها التَّحْقِيقُ. وقَرَأ الباقُونَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّ " أنْ " ناصِبَةٌ لِلْفِعْلِ، وحَسِبَ بِمَعْنى الظَّنِّ، قالَ النَّحّاسُ: والرَّفْعُ عِنْدَ النَّحْوِيِّينَ في حَسِبَتْ وأخَواتِها أجْوَدُ، ومِثْلُهُ: ؎ألا زَعَمَتْ بَسْباسَةُ اليَوْمَ أنَّنِي ∗∗∗ كَبِرْتُ وأنْ لا يَشْهَدَ اللَّهْوَ أمْثالِي قَوْلُهُ: ( ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ ) أيْ: عَمُوا عَنْ إبْصارِ الهُدى، وصَمُّوا عَنِ اسْتِماعِ الحَقِّ، وهَذِهِ إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في الِابْتِداءِ مِن مُخالَفَةِ أحْكامِ التَّوْراةِ، وقَتْلِ شِعْيا، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِينَ تابُوا، فَكَشَفَ عَنْهُمُ القَحْطَ ﴿ثُمَّ عَمُوا وصَمُّوا كَثِيرٌ مِنهُمْ﴾ وهَذا إشارَةٌ إلى ما وقَعَ مِنهم بَعْدَ التَّوْبَةِ مِن قَتْلِ يَحْيى بْنِ زَكَرِيّا وقَصْدِهِمْ لِقَتْلِ عِيسى، وارْتِفاعُ ( كَثِيرٌ ) عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في الفِعْلَيْنِ. قالَ الأخْفَشُ: كَما تَقُولُ رَأيْتُ قَوْمَكَ ثَلاثَتَهم، وإنْ شِئْتَ كانَ عَلى إضْمارِ مُبْتَدَأٍ؛ أيِ: العُمْيُ والصُّمُّ كَثِيرٌ مِنهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ كَثِيرٌ مُرْتَفِعًا عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى لُغَةِ مَن قالَ: أكَلُونِي البَراغِيثُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ولَكِنْ دَفافِيٌّ أبُوهُ وأُمُّهُ ؎بِحَوْرانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقارِبُهُ وقُرِئَ ( عُمُوا وصُمُّوا ) بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ أيْ: أعْماهُمُ اللَّهُ وأصَمَّهم. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ بَعْضِ فَضائِحِ أهْلِ الكِتابِ، والقائِلُونَ بِهَذِهِ المَقالَةِ هم فِرْقَةٌ مِنهم: يُقالُ لَهُمُ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقِيلَ: هُمُ المِلْكانِيَّةُ، قالُوا: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَلَّ في ذاتِ عِيسى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿وقالَ المَسِيحُ يابَنِي إسْرائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ قَدْ قالَ المَسِيحُ هَذِهِ المَقالَةَ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِمَن يَعْتَرِفُ عَلى نَفْسِهِ بِأنَّهُ عَبْدٌ مِثْلُهم ؟ قَوْلُهُ: ﴿إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ﴾ الضَّمِيرُ لِلشَّأْنِ، وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ بَيانَ أنَّ الشِّرْكَ يُوجِبُ تَحْرِيمَ دُخُولِ الجَنَّةِ، وقِيلَ هو مِن قَوْلِ عِيسى: ﴿وما لِلظّالِمِينَ مِن أنْصارٍ﴾ يَنْصُرُونَهم فَيُدْخِلُونَهُمُ الجَنَّةَ أوْ يُخَلِّصُونَهم مِنَ النّارِ. قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وهَذا كَلامٌ أيْضًا مُبْتَدَأٌ لِبَيانِ بَعْضِ مَخازِيهِمْ، والمُرادُ بِثالِثِ ثَلاثَةٍ واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ، ولِهَذا يُضافُ إلى ما بَعْدَهُ، ولا يَجُوزُ التَّنْوِينُ كَما قالَ الزَّجّاجُ وغَيْرُهُ، وإنَّما يُنَوَّنُ ويُنْصَبُ ما بَعْدَهُ إذا كانَ ما بَعْدَهُ دُونَهُ بِمَرْتَبَةٍ نَحْوَ ثالِثُ اثْنَيْنِ ورابِعُ ثَلاثَةٍ، والقائِلُ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ثالِثُ ثَلاثَةٍ هُمُ النَّصارى، والمُرادُ بِالثَّلاثَةِ: اللَّهُ سُبْحانَهُ، وعِيسى، ومَرْيَمُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ﴾ [المائدة: ١١٦] وهَذا هو المُرادُ بِقَوْلِهِ: ثَلاثَةُ أقانِيمَ: إقْنِيمُ الأبِ وإقْنِيمُ الِابْنِ، وإقْنِيمُ رُوحِ القُدُسِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ النِّساءِ كَلامٌ في هَذا، ثُمَّ رَدَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الدَّعْوى الباطِلَةَ فَقالَ: وما مِن إلَهٍ إلّا اللَّهُ الواحِدُ أيْ: لَيْسَ في الوُجُودِ إلّا اللَّهُ سُبْحانَهُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ حالِيَّةٌ، والمَعْنى: قالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، والحالُ أنَّهُ لا مَوْجُودَ إلّا اللَّهُ، ومِن في قَوْلِهِ: ( مِن إلَهٍ ) لِتَأْكِيدِ الِاسْتِغْراقِ المُسْتَفادِ مِنَ النَّفْيِ ﴿وإنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمّا يَقُولُونَ﴾ مِنَ الكُفْرِ ﴿لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ سادٌّ مَسَدَّ جَوابِ الشَّرْطِ، ومِن في ( مِنهم ) بَيانِيَّةٌ أوْ تَبْعِيضِيَّةٌ. ﴿أفَلا يَتُوبُونَ إلى اللَّهِ ويَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ الفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ. قَوْلُهُ: ﴿ما المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أيْ هو مَقْصُورٌ عَلى الرِّسالَةِ، لا يُجاوِزُها كَما زَعَمْتُمْ. وجُمْلَةُ ( ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ) صِفَةٌ لِرَسُولٍ؛ أيْ: ما هو إلّا رَسُولٌ مِن جِنْسِ الرُّسُلِ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِهِ، وما وقَعَ مِنهُ مِنَ المُعْجِزاتِ لا يُوجِبُ كَوْنَهُ إلَهًا، فَقَدْ كانَ لِمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ مِثْلُها، فَإنَّ اللَّهَ أحْيا العَصا في يَدِ مُوسى وخَلَقَ آدَمَ مِن غَيْرِ أبٍ، فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ إحْياءَ عِيسى لِلْمَوْتى ووُجُودَهُ مِن غَيْرِ أبٍ يُوجِبانِ كَوْنَهُ إلَهًا، فَإنْ كانَ كَما تَزْعُمُونَ إلَهًا لِذَلِكَ فَمَن قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِمِثْلِ ما جاءَ بِهِ آلِهَةٌ، وأنْتُمْ لا تَقُولُونَ بِذَلِكَ. قَوْلُهُ: ( ﴿وأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ ) عَطْفٌ عَلى المَسِيحِ؛ أيْ: وما أُمُّهُ إلّا صِدِّيقَةٌ؛ أيْ: صادِقَةٌ فِيما تَقُولُهُ أوْ مُصَدِّقَةٌ لِما جاءَ بِهِ ولَدُها مِنَ الرِّسالَةِ، وذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الإلَهِيَّةَ لَها، بَلْ هي كَسائِرِ مَن يَتَّصِفُ بِهَذا الوَصْفِ مِنَ النِّساءِ. قَوْلُهُ: (p-٣٨٧)﴿كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ﴾ اسْتِئْنافٌ يَتَضَمَّنُ التَّقْرِيرَ لِما أُشِيرَ إلَيْهِ مِن أنَّهُما كَسائِرِ أفْرادِ البَشَرِ؛ أيْ: مَن كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ كَسائِرِ المَخْلُوقِينَ فَلَيْسَ بِرَبٍّ، بَلْ هو عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ولَدَتْهُ النِّساءُ، فَمَتى يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ رَبًّا ؟ ! وأمّا قَوْلُكم إنَّهُ كانَ يَأْكُلُ الطَّعامَ بِناسُوتِهِ لا بِلاهُوتِهِ، فَهو كَلامٌ باطِلٌ يَسْتَلْزِمُ اخْتِلاطَ الإلَهِ بِغَيْرِ الإلَهِ واجْتِماعَ النّاسُوتِ واللّاهُوتِ، ولَوْ جازَ اخْتِلاطُ القَدِيمِ بِالحادِثِ لَجازَ أنْ يَكُونَ القَدِيمُ حادِثًا، ولَوْ صَحَّ هَذا في حَقِّ عِيسى لَصَحَّ في حَقِّ غَيْرِهِ مِنَ العِبادِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآياتِ﴾ أيِ: الدَّلالاتِ، وفِيهِ تَعْجِيبٌ مِن حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ تِلْكَ الأوْصافَ مُسْتَلْزَمَةً لِلْإلَهِيَّةِ ويَغْفُلُونَ عَنْ كَوْنِها مَوْجُودَةً في زَمَنٍ لا يَقُولُونَ بِأنَّهُ إلَهٌ ( ﴿ثُمَّ انْظُرْ أنّى يُؤْفَكُونَ﴾ ) أيْ: كَيْفَ يُصْرَفُونَ عَنِ الحَقِّ بَعْدَ هَذا البَيانِ ؟ يُقالُ: أفَكَهُ يَأْفِكُهُ إذا صَرَفَهُ، وكَرَّرَ الأمْرَ بِالنَّظَرِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّعْجِيبِ، وجاءَ بِثُمَّ لِإظْهارِ ما بَيْنَ العَجَبَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ نافِعُ بْنُ حارِثَةَ وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورافِعُ بْنُ حَرْمَلَةَ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: بَلى ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ وكَفَرْتُمْ مِنها بِما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن أحْداثِكم، قالُوا: فَإنّا نُؤْخَذُ بِما في أيْدِينا وإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وكَذَبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْهُ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.

المائدة 5:77

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم. قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ. ( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى. قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يَنْهَوْنَ العاصِيَ عَنْ مُعاوَدَةِ مَعْصِيَةٍ قَدْ فَعَلَها، أوْ تَهَيَّأ لِفِعْلِها ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٣٨٨)يَكُونَ وصْفُهم بِأنَّهم قَدْ فَعَلُوا المُنْكَرَ بِاعْتِبارِ حالَةِ النُّزُولِ لا حالَةِ تَرْكِ الإنْكارِ، وبَيانُ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِتَرْكِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لِأنَّ مَن أخَلَّ بِواجِبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعَدّى حُدُودَهُ. والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ مِن أهَمِّ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ وأجَلِّ الفَرائِضِ الشَّرْعِيَّةِ، ولِهَذا كانَ تارِكُهُ شَرِيكًا لِفاعِلِ المَعْصِيَةِ ومُسْتَحِقًّا لِغَضَبِ اللَّهِ وانْتِقامِهِ كَما وقَعَ لِأهْلِ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَسَخَ مَن لَمْ يُشارِكْهم في الفِعْلِ ولَكِنْ تَرَكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، كَما مَسَخَ المُعْتَدِينَ فَصارُوا جَمِيعًا قِرَدَةً وخَنازِيرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ مُقَبِّحًا لِعَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أيْ مِن تَرْكِهِمْ لِإنْكارِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْكارُهُ. ( تَرى كَثِيرًا مِنهم ) أيْ مِنَ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أيِ المُشْرِكِينَ ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وزَيَّنَتْ، أوْ ما قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ لِيُرَدُّوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو ( أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أيْ: مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ هو سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ، وقِيلَ هو؛ أيْ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَدَلٌ مِن ما. ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ: نَبِيِّهم ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ ) مِنَ الكِتابِ ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ورَسُولَهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ وكِتابَهُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ قَدْ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ وبِكِتابِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لا تَغْلُوا في دِينِكم يَقُولُ: لا تَبْتَدِعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانُوا مِمّا غَلَوْا فِيهِ أنْ دَعَوْا لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: يَهُودُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ إلى قَوْلِهِ: فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا» . وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ يَعْنِي في الزَّبُورِ ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يَعْنِي في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في الآيَةِ قالَ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَجُعِلُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى فَجُعِلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ مَرْفُوعًا: «قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِهِمْ فَأمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾» الآياتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم﴾ قالَ: ما أمَرْتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ: ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا: فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ: فَسَخَطُ اللَّهِ، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: هَذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ قالَ: المُنافِقُونَ.

المائدة 5:78

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم. قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ. ( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى. قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يَنْهَوْنَ العاصِيَ عَنْ مُعاوَدَةِ مَعْصِيَةٍ قَدْ فَعَلَها، أوْ تَهَيَّأ لِفِعْلِها ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٣٨٨)يَكُونَ وصْفُهم بِأنَّهم قَدْ فَعَلُوا المُنْكَرَ بِاعْتِبارِ حالَةِ النُّزُولِ لا حالَةِ تَرْكِ الإنْكارِ، وبَيانُ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِتَرْكِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لِأنَّ مَن أخَلَّ بِواجِبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعَدّى حُدُودَهُ. والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ مِن أهَمِّ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ وأجَلِّ الفَرائِضِ الشَّرْعِيَّةِ، ولِهَذا كانَ تارِكُهُ شَرِيكًا لِفاعِلِ المَعْصِيَةِ ومُسْتَحِقًّا لِغَضَبِ اللَّهِ وانْتِقامِهِ كَما وقَعَ لِأهْلِ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَسَخَ مَن لَمْ يُشارِكْهم في الفِعْلِ ولَكِنْ تَرَكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، كَما مَسَخَ المُعْتَدِينَ فَصارُوا جَمِيعًا قِرَدَةً وخَنازِيرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ مُقَبِّحًا لِعَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أيْ مِن تَرْكِهِمْ لِإنْكارِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْكارُهُ. ( تَرى كَثِيرًا مِنهم ) أيْ مِنَ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أيِ المُشْرِكِينَ ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وزَيَّنَتْ، أوْ ما قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ لِيُرَدُّوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو ( أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أيْ: مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ هو سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ، وقِيلَ هو؛ أيْ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَدَلٌ مِن ما. ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ: نَبِيِّهم ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ ) مِنَ الكِتابِ ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ورَسُولَهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ وكِتابَهُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ قَدْ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ وبِكِتابِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لا تَغْلُوا في دِينِكم يَقُولُ: لا تَبْتَدِعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانُوا مِمّا غَلَوْا فِيهِ أنْ دَعَوْا لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: يَهُودُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ إلى قَوْلِهِ: فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا» . وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ يَعْنِي في الزَّبُورِ ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يَعْنِي في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في الآيَةِ قالَ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَجُعِلُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى فَجُعِلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ مَرْفُوعًا: «قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِهِمْ فَأمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾» الآياتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم﴾ قالَ: ما أمَرْتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ: ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا: فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ: فَسَخَطُ اللَّهِ، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: هَذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ قالَ: المُنافِقُونَ.

المائدة 5:79

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم. قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ. ( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى. قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يَنْهَوْنَ العاصِيَ عَنْ مُعاوَدَةِ مَعْصِيَةٍ قَدْ فَعَلَها، أوْ تَهَيَّأ لِفِعْلِها ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٣٨٨)يَكُونَ وصْفُهم بِأنَّهم قَدْ فَعَلُوا المُنْكَرَ بِاعْتِبارِ حالَةِ النُّزُولِ لا حالَةِ تَرْكِ الإنْكارِ، وبَيانُ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِتَرْكِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لِأنَّ مَن أخَلَّ بِواجِبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعَدّى حُدُودَهُ. والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ مِن أهَمِّ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ وأجَلِّ الفَرائِضِ الشَّرْعِيَّةِ، ولِهَذا كانَ تارِكُهُ شَرِيكًا لِفاعِلِ المَعْصِيَةِ ومُسْتَحِقًّا لِغَضَبِ اللَّهِ وانْتِقامِهِ كَما وقَعَ لِأهْلِ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَسَخَ مَن لَمْ يُشارِكْهم في الفِعْلِ ولَكِنْ تَرَكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، كَما مَسَخَ المُعْتَدِينَ فَصارُوا جَمِيعًا قِرَدَةً وخَنازِيرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ مُقَبِّحًا لِعَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أيْ مِن تَرْكِهِمْ لِإنْكارِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْكارُهُ. ( تَرى كَثِيرًا مِنهم ) أيْ مِنَ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أيِ المُشْرِكِينَ ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وزَيَّنَتْ، أوْ ما قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ لِيُرَدُّوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو ( أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أيْ: مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ هو سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ، وقِيلَ هو؛ أيْ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَدَلٌ مِن ما. ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ: نَبِيِّهم ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ ) مِنَ الكِتابِ ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ورَسُولَهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ وكِتابَهُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ قَدْ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ وبِكِتابِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لا تَغْلُوا في دِينِكم يَقُولُ: لا تَبْتَدِعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانُوا مِمّا غَلَوْا فِيهِ أنْ دَعَوْا لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: يَهُودُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ إلى قَوْلِهِ: فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا» . وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ يَعْنِي في الزَّبُورِ ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يَعْنِي في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في الآيَةِ قالَ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَجُعِلُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى فَجُعِلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ مَرْفُوعًا: «قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِهِمْ فَأمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾» الآياتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم﴾ قالَ: ما أمَرْتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ: ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا: فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ: فَسَخَطُ اللَّهِ، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: هَذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ قالَ: المُنافِقُونَ.

المائدة 5:80

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم. قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ. ( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى. قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يَنْهَوْنَ العاصِيَ عَنْ مُعاوَدَةِ مَعْصِيَةٍ قَدْ فَعَلَها، أوْ تَهَيَّأ لِفِعْلِها ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٣٨٨)يَكُونَ وصْفُهم بِأنَّهم قَدْ فَعَلُوا المُنْكَرَ بِاعْتِبارِ حالَةِ النُّزُولِ لا حالَةِ تَرْكِ الإنْكارِ، وبَيانُ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِتَرْكِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لِأنَّ مَن أخَلَّ بِواجِبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعَدّى حُدُودَهُ. والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ مِن أهَمِّ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ وأجَلِّ الفَرائِضِ الشَّرْعِيَّةِ، ولِهَذا كانَ تارِكُهُ شَرِيكًا لِفاعِلِ المَعْصِيَةِ ومُسْتَحِقًّا لِغَضَبِ اللَّهِ وانْتِقامِهِ كَما وقَعَ لِأهْلِ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَسَخَ مَن لَمْ يُشارِكْهم في الفِعْلِ ولَكِنْ تَرَكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، كَما مَسَخَ المُعْتَدِينَ فَصارُوا جَمِيعًا قِرَدَةً وخَنازِيرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ مُقَبِّحًا لِعَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أيْ مِن تَرْكِهِمْ لِإنْكارِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْكارُهُ. ( تَرى كَثِيرًا مِنهم ) أيْ مِنَ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أيِ المُشْرِكِينَ ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وزَيَّنَتْ، أوْ ما قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ لِيُرَدُّوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو ( أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أيْ: مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ هو سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ، وقِيلَ هو؛ أيْ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَدَلٌ مِن ما. ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ: نَبِيِّهم ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ ) مِنَ الكِتابِ ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ورَسُولَهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ وكِتابَهُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ قَدْ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ وبِكِتابِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لا تَغْلُوا في دِينِكم يَقُولُ: لا تَبْتَدِعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانُوا مِمّا غَلَوْا فِيهِ أنْ دَعَوْا لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: يَهُودُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ إلى قَوْلِهِ: فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا» . وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ يَعْنِي في الزَّبُورِ ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يَعْنِي في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في الآيَةِ قالَ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَجُعِلُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى فَجُعِلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ مَرْفُوعًا: «قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِهِمْ فَأمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾» الآياتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم﴾ قالَ: ما أمَرْتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ: ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا: فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ: فَسَخَطُ اللَّهِ، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: هَذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ قالَ: المُنافِقُونَ.

المائدة 5:81

أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ رَسُولَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنْ يَقُولَ لَهم هَذا القَوْلَ إلْزامًا لَهم وقَطْعًا لَشُبْهَتِهِمْ؛ أيْ: أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مُتَجاوِزِينَ إيّاهُ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا ؟ بَلْ هو عَبْدٌ مَأْمُورٌ، وما جَرى عَلى يَدِهِ مِنَ النَّفْعِ، أوْ دَفْعٍ مِنَ الضُّرِّ فَهو بِإقْدارِ اللَّهِ لَهُ وتَمْكِينِهِ مِنهُ، وأمّا هو فَهو يَعْجِزُ عَنْ أنْ يَمْلِكَ لِنَفْسِهِ شَيْئًا مِن ذَلِكَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَمْلِكَهُ لِغَيْرِهِ، ومَن كانَ لا يَنْفَعُ ولا يَضُرُّ فَكَيْفَ تَتَّخِذُونَهُ إلَهًا وتَعْبُدُونَهُ، وأيُّ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ؟ والمُرادُ هُنا المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدَّمَ سُبْحانَهُ الضُّرَّ عَلى النَّفْعِ؛ لِأنَّ دَفْعَ المَفاسِدِ أهَمُّ مِن جَلْبِ المَصالِحِ ( ﴿واللَّهُ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ ) أيْ كَيْفَ تَعْبُدُونَ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا، والحالُ أنَّ اللَّهَ هو السَّمِيعُ العَلِيمُ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَهو القادِرُ عَلى الضُّرِّ والنَّفْعِ لِإحاطَتِهِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ ومَعْلُومٍ، ومِن جُمْلَةِ ذَلِكَ مَضارُّكم ومَنافِعُكم. قَوْلُهُ: ( ﴿تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ ) لَمّا أبْطَلَ سُبْحانَهُ جَمِيعَ ما تَعَلَّقُوا بِهِ مِنَ الشُّبَهِ الباطِلَةِ نَهاهم عَنِ الغُلُوِّ في دِينِهِمْ وهو المُجاوَزَةُ لِلْحَدِّ كَإثْباتِ الإلَهِيَّةِ لِعِيسى، كَما يَقُولُهُ النَّصارى، أوْ حَطِّهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ العَلِيَّةِ كَما يَقُولُهُ اليَهُودُ فَإنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنَ الغُلُوِّ المَذْمُومِ وسُلُوكِ طَرِيقَةِ الإفْراطِ أوِ التَّفْرِيطِ واخْتِيارِهِما عَلى طَرِيقِ الصَّوابِ. ( وغَيْرَ ) مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: غُلُوًّا غَيْرَ غُلُوِّ الحَقِّ، وأمّا الغُلُوُّ في الحَقِّ بِإبْلاغِ كُلِّيَّةِ الجُهْدِ في البَحْثِ عَنْهُ واسْتِخْراجِ حَقائِقِهِ فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ، وقِيلَ إنَّ النَّصْبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، وقِيلَ عَلى المُنْقَطِعِ ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ﴾ وهم أسْلافُ أهْلِ الكِتابِ مِن طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى؛ أيْ: قَبْلَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ عَلى صاحِبِها أفْضَلُ الصَّلاةِ والتَّسْلِيمِ ( ﴿وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ ) مِنَ النّاسِ ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ أيْ عَنْ قَصْدِهِمْ طَرِيقَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَعْدَ البَعْثَةِ، والمُرادُ أنَّ أسْلافَهم ضَلُّوا مِن قَبْلِ البَعْثَةِ وأضَلُّوا كَثِيرًا مِنَ النّاسِ إذْ ذاكَ، وضَلُّوا مِن بَعْدِ البَعْثَةِ، إمّا بِأنْفُسِهِمْ، أوْ جَعَلَ ضَلالَ مَن أضَلُّوهُ ضَلالًا لَهم لِكَوْنِهِمْ سَنُّوا لَهم ذَلِكَ ونَهَجُوهُ لَهم، وقِيلَ: المُرادُ بِالأوَّلِ: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ، وبِالثّانِي: كُفْرُهم بِما يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ. قَوْلُهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ أيْ في الزَّبُورِ والإنْجِيلِ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى بِما فَعَلُوهُ مِنَ المَعاصِي كاعْتِدائِهِمْ في السَّبْتِ وكُفْرِهِمْ بِعِيسى. قَوْلُهُ: ذَلِكَ بِما عَصَوْا جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى اللَّعْنِ؛ أيْ: ذَلِكَ اللَّعْنُ بِسَبَبِ المَعْصِيَةِ والِاعْتِداءِ لا بِسَبَبٍ آخَرَ. ثُمَّ بَيَّنَ سُبْحانَهُ المَعْصِيَةَ والِاعْتِداءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلَيْهِمْ لِكَوْنِ فاعِلِهِ مِن جُمْلَتِهِمْ وإنْ لَمْ يَفْعَلُوهُ جَمِيعًا. والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يَنْهَوْنَ العاصِيَ عَنْ مُعاوَدَةِ مَعْصِيَةٍ قَدْ فَعَلَها، أوْ تَهَيَّأ لِفِعْلِها ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٣٨٨)يَكُونَ وصْفُهم بِأنَّهم قَدْ فَعَلُوا المُنْكَرَ بِاعْتِبارِ حالَةِ النُّزُولِ لا حالَةِ تَرْكِ الإنْكارِ، وبَيانُ العِصْيانِ والِاعْتِداءِ بِتَرْكِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لِأنَّ مَن أخَلَّ بِواجِبِ النَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ سُبْحانَهُ وتَعَدّى حُدُودَهُ. والأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ مِن أهَمِّ القَواعِدِ الإسْلامِيَّةِ وأجَلِّ الفَرائِضِ الشَّرْعِيَّةِ، ولِهَذا كانَ تارِكُهُ شَرِيكًا لِفاعِلِ المَعْصِيَةِ ومُسْتَحِقًّا لِغَضَبِ اللَّهِ وانْتِقامِهِ كَما وقَعَ لِأهْلِ السَّبْتِ، فَإنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ مَسَخَ مَن لَمْ يُشارِكْهم في الفِعْلِ ولَكِنْ تَرَكَ الإنْكارَ عَلَيْهِمْ، كَما مَسَخَ المُعْتَدِينَ فَصارُوا جَمِيعًا قِرَدَةً وخَنازِيرَ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرى لِمَن كانَ لَهُ قَلْبٌ أوْ ألْقى السَّمْعَ وهو شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] ثُمَّ إنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ قالَ مُقَبِّحًا لِعَدَمِ التَّناهِي عَنِ المُنْكَرِ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ أيْ مِن تَرْكِهِمْ لِإنْكارِ ما يَجِبُ عَلَيْهِمْ إنْكارُهُ. ( تَرى كَثِيرًا مِنهم ) أيْ مِنَ اليَهُودِ مِثْلَ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أيِ المُشْرِكِينَ ولَيْسُوا عَلى دِينِهِمْ ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ أيْ سَوَّلَتْ وزَيَّنَتْ، أوْ ما قَدَّمُوهُ لِأنْفُسِهِمْ لِيُرَدُّوا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ هو ( أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ) أيْ: مُوجِبٌ سُخْطَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أوْ هو سُخْطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَلى حَذْفِ مُبْتَدَأٍ، وقِيلَ هو؛ أيْ: أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَدَلٌ مِن ما. ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ﴾ أيْ: نَبِيِّهم ( ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِ﴾ ) مِنَ الكِتابِ ﴿ما اتَّخَذُوهُمْ﴾ أيِ: المُشْرِكِينَ أوْلِياءَ؛ لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ ورَسُولَهُ المُرْسَلُ إلَيْهِمْ وكِتابَهُ المُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ قَدْ نَهَوْهم عَنْ ذَلِكَ ﴿ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ أيْ خارِجُونَ عَنْ وِلايَةِ اللَّهِ وعَنِ الإيمانِ بِهِ وبِرَسُولِهِ وبِكِتابِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: لا تَغْلُوا في دِينِكم يَقُولُ: لا تَبْتَدِعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانُوا مِمّا غَلَوْا فِيهِ أنْ دَعَوْا لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: يَهُودُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ إلى قَوْلِهِ: فاسِقُونَ ثُمَّ قالَ: كَلّا واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا» . وقَدْ رُوِيَ هَذا الحَدِيثُ مِن طُرُقٍ كَثِيرَةٍ، والأحادِيثُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ جِدًّا فَلا نُطَوِّلُ بِذِكْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ يَعْنِي في الزَّبُورِ ﴿وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ يَعْنِي في الإنْجِيلِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في الآيَةِ قالَ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ فَجُعِلُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى فَجُعِلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ مَرْفُوعًا: «قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِن عُبّادِهِمْ فَأمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾» الآياتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم﴾ قالَ: ما أمَرْتُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والخَرائِطِيُّ في مَساوِي الأخْلاقِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ وضَعَّفَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ: ثَلاثٌ في الدُّنْيا وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا: فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ: فَسَخَطُ اللَّهِ، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِهِ: هَذا الحَدِيثُ ضَعِيفٌ عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ قالَ: المُنافِقُونَ.

المائدة 5:82

قَوْلُهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ إلَخْ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما فِيها مِن تَعْدادِ مَساوِئِ اليَهُودِ وهَناتِهِمْ، ودُخُولُ لامِ القَسَمِ عَلَيْها يَزِيدُها تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أشَدَّ جَمِيعِ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وأصْلَبَهم في ذَلِكَ، وأنَّ النَّصارى أقْرَبُ النّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى كَوْنِهِمْ أقْرَبَ مَوَدَّةً، والباءُ في ﴿بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ، وهو (p-٣٨٩)جَمَعُ قِسٍّ وقِسِّيسٍ قالَهُ قُطْرُبٌ. والقِسِّيسُ: العالِمُ، وأصْلُهُ مِن قَسَّ: إذا تَتَبَّعَ الشَّيْءَ وطَلَبَهُ. قالَ الرّاجِزُ: ؎يُصْبِحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا وتَقَسَّسَتْ أصْواتُهم بِاللَّيْلِ تَسْمِعْتُها والقَسُّ: النَّمِيمَةُ. والقَسُّ أيْضًا: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ، وجَمْعُهُ قُسُوسٌ أيْضًا، وكَذَلِكَ القِسِّيسُ: مِثْلَ الشَّرِّ والشِّرِّيرِ، ويُقالُ في جَمْعِ قِسِّيسٍ تَكْسِيرًا قَساوِسَةٌ بِإبْدالِ إحْدى السِّينَيْنِ واوًا، والأصْلُ قَسّاسَةٍ، فالمُرادُ بِالقِسِّيسِينَ في الآيَةِ: المُتَّبِعُونَ لِلْعُلَماءِ والعُبّادِ، وهو إمّا عَجَمِيٌّ خَلَطَتْهُ العَرَبُ بِكَلامِها، أوْ عَرَبِيٌّ. والرُّهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ كَرُكْبانٍ وراكِبٍ، والفِعْلُ رَهِبَ اللَّهَ يَرْهَبُهُ؛ أيْ: خافَهُ. والرَّهْبانِيَّةُ والتَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ في الصَّوامِعِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وقَدْ يَكُونُ رُهْبانٌ لِلْواحِدِ والجَمْعِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُجْمَعُ رُهْبانٌ إذا كانَ لِلْمُفْرَدِ رُهْبانٌ ورَهابِينُ كَقُرْبانٍ وقَرابِينَ. وقَدْ قالَ جَرِيرٌ في الجَمْعِ: ؎رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوْكَ تَرَهَّبُوا وقالَ الشّاعِرُ في اسْتِعْمالِ رُهْبانٍ مُفْرَدًا: ؎لَوْ أبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلِ ∗∗∗ لانْحَدَرَ الرُّهْبانُ يَسْعى ونَزَلَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ، بَلْ هم مُتَواضِعُونَ، بِخِلافِ اليَهُودِ فَإنَّهم عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ: تَمْتَلِئُ فَتَفِيضُ؛ لِأنَّ الفَيْضَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الِامْتِلاءِ، جَعَلَ الأعْيُنَ تَفِيضُ، والفائِضُ: إنَّما هو الدَّمْعُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَمَعَتْ عَيْنُهُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً ∗∗∗ عَلى النَّحْرِ حَتّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ " مِن " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: كانَ ابْتِداءُ الفَيْضِ ناشِئًا مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةً، وقُرِئَ ( تُرى أعْيُنُهم ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ فَما حالُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ آمَنّا بِهَذا الكِتابِ النّازِلِ مِن عِنْدِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وبِمَن أنْزَلْتَهُ عَلَيْهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ وأنَّهُ رَسُولُكَ إلى النّاسِ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِبْعادِ ولَنا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولا نُؤْمِنُ في مَحَلِّ نَصْبٍ في الحالِ، والتَّقْدِيرُ؛ أيْ: شَيْءٌ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا انْتِفاءَ الإيمانِ مِنهم مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ، وهو الطَّمَعُ في إنْعامِ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهانِ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، والواوَ في ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ لِلْحالِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ ؟ فالحالُ الأُولى والثّانِيَةُ صاحِبُهُما الضَّمِيرُ في لَنا وعامِلُهُما الفِعْلُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: حَصَلَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ الثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ في نُؤْمِنُ والتَّقْدِيرُ: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ إلَخْ أثابَهم عَلى هَذا القَوْلِ مُخْلِصِينَ لَهُ مُعْتَقِدِينِ لِمَضْمُونِهِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ كُفْرٌ، فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. والجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ، ويُقالُ جَحَمَ فُلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ إيقادَها، ويُقالُ أيْضًا لِعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ اتِّقادِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎والحَرْبُ لا تُبْقِي لِجاحِمِها التَّحَيُّلَ والمِزاحَ وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ» وفي لَفْظٍ: «إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ آمَنُوا إذا جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ لَهم. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهم، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا يَخْتارُهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ في الفِقْهِ والسُّنَنِ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: (p-٣٩٠)﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِدُونِ ذِكْرِ العَدَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةً قِسِّيسِينَ وخَمْسَةً رُهْبانًا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ فَلَمّا لَقُوهُ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي، فَلَيْسَ المُرادُ إلّا بَيانَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: هم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

المائدة 5:83

قَوْلُهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ إلَخْ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما فِيها مِن تَعْدادِ مَساوِئِ اليَهُودِ وهَناتِهِمْ، ودُخُولُ لامِ القَسَمِ عَلَيْها يَزِيدُها تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أشَدَّ جَمِيعِ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وأصْلَبَهم في ذَلِكَ، وأنَّ النَّصارى أقْرَبُ النّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى كَوْنِهِمْ أقْرَبَ مَوَدَّةً، والباءُ في ﴿بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ، وهو (p-٣٨٩)جَمَعُ قِسٍّ وقِسِّيسٍ قالَهُ قُطْرُبٌ. والقِسِّيسُ: العالِمُ، وأصْلُهُ مِن قَسَّ: إذا تَتَبَّعَ الشَّيْءَ وطَلَبَهُ. قالَ الرّاجِزُ: ؎يُصْبِحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا وتَقَسَّسَتْ أصْواتُهم بِاللَّيْلِ تَسْمِعْتُها والقَسُّ: النَّمِيمَةُ. والقَسُّ أيْضًا: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ، وجَمْعُهُ قُسُوسٌ أيْضًا، وكَذَلِكَ القِسِّيسُ: مِثْلَ الشَّرِّ والشِّرِّيرِ، ويُقالُ في جَمْعِ قِسِّيسٍ تَكْسِيرًا قَساوِسَةٌ بِإبْدالِ إحْدى السِّينَيْنِ واوًا، والأصْلُ قَسّاسَةٍ، فالمُرادُ بِالقِسِّيسِينَ في الآيَةِ: المُتَّبِعُونَ لِلْعُلَماءِ والعُبّادِ، وهو إمّا عَجَمِيٌّ خَلَطَتْهُ العَرَبُ بِكَلامِها، أوْ عَرَبِيٌّ. والرُّهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ كَرُكْبانٍ وراكِبٍ، والفِعْلُ رَهِبَ اللَّهَ يَرْهَبُهُ؛ أيْ: خافَهُ. والرَّهْبانِيَّةُ والتَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ في الصَّوامِعِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وقَدْ يَكُونُ رُهْبانٌ لِلْواحِدِ والجَمْعِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُجْمَعُ رُهْبانٌ إذا كانَ لِلْمُفْرَدِ رُهْبانٌ ورَهابِينُ كَقُرْبانٍ وقَرابِينَ. وقَدْ قالَ جَرِيرٌ في الجَمْعِ: ؎رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوْكَ تَرَهَّبُوا وقالَ الشّاعِرُ في اسْتِعْمالِ رُهْبانٍ مُفْرَدًا: ؎لَوْ أبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلِ ∗∗∗ لانْحَدَرَ الرُّهْبانُ يَسْعى ونَزَلَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ، بَلْ هم مُتَواضِعُونَ، بِخِلافِ اليَهُودِ فَإنَّهم عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ: تَمْتَلِئُ فَتَفِيضُ؛ لِأنَّ الفَيْضَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الِامْتِلاءِ، جَعَلَ الأعْيُنَ تَفِيضُ، والفائِضُ: إنَّما هو الدَّمْعُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَمَعَتْ عَيْنُهُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً ∗∗∗ عَلى النَّحْرِ حَتّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ " مِن " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: كانَ ابْتِداءُ الفَيْضِ ناشِئًا مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةً، وقُرِئَ ( تُرى أعْيُنُهم ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ فَما حالُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ آمَنّا بِهَذا الكِتابِ النّازِلِ مِن عِنْدِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وبِمَن أنْزَلْتَهُ عَلَيْهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ وأنَّهُ رَسُولُكَ إلى النّاسِ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِبْعادِ ولَنا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولا نُؤْمِنُ في مَحَلِّ نَصْبٍ في الحالِ، والتَّقْدِيرُ؛ أيْ: شَيْءٌ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا انْتِفاءَ الإيمانِ مِنهم مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ، وهو الطَّمَعُ في إنْعامِ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهانِ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، والواوَ في ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ لِلْحالِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ ؟ فالحالُ الأُولى والثّانِيَةُ صاحِبُهُما الضَّمِيرُ في لَنا وعامِلُهُما الفِعْلُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: حَصَلَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ الثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ في نُؤْمِنُ والتَّقْدِيرُ: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ إلَخْ أثابَهم عَلى هَذا القَوْلِ مُخْلِصِينَ لَهُ مُعْتَقِدِينِ لِمَضْمُونِهِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ كُفْرٌ، فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. والجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ، ويُقالُ جَحَمَ فُلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ إيقادَها، ويُقالُ أيْضًا لِعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ اتِّقادِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎والحَرْبُ لا تُبْقِي لِجاحِمِها التَّحَيُّلَ والمِزاحَ وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ» وفي لَفْظٍ: «إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ آمَنُوا إذا جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ لَهم. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهم، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا يَخْتارُهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ في الفِقْهِ والسُّنَنِ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: (p-٣٩٠)﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِدُونِ ذِكْرِ العَدَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةً قِسِّيسِينَ وخَمْسَةً رُهْبانًا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ فَلَمّا لَقُوهُ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي، فَلَيْسَ المُرادُ إلّا بَيانَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: هم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

المائدة 5:84

قَوْلُهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ إلَخْ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما فِيها مِن تَعْدادِ مَساوِئِ اليَهُودِ وهَناتِهِمْ، ودُخُولُ لامِ القَسَمِ عَلَيْها يَزِيدُها تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أشَدَّ جَمِيعِ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وأصْلَبَهم في ذَلِكَ، وأنَّ النَّصارى أقْرَبُ النّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى كَوْنِهِمْ أقْرَبَ مَوَدَّةً، والباءُ في ﴿بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ، وهو (p-٣٨٩)جَمَعُ قِسٍّ وقِسِّيسٍ قالَهُ قُطْرُبٌ. والقِسِّيسُ: العالِمُ، وأصْلُهُ مِن قَسَّ: إذا تَتَبَّعَ الشَّيْءَ وطَلَبَهُ. قالَ الرّاجِزُ: ؎يُصْبِحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا وتَقَسَّسَتْ أصْواتُهم بِاللَّيْلِ تَسْمِعْتُها والقَسُّ: النَّمِيمَةُ. والقَسُّ أيْضًا: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ، وجَمْعُهُ قُسُوسٌ أيْضًا، وكَذَلِكَ القِسِّيسُ: مِثْلَ الشَّرِّ والشِّرِّيرِ، ويُقالُ في جَمْعِ قِسِّيسٍ تَكْسِيرًا قَساوِسَةٌ بِإبْدالِ إحْدى السِّينَيْنِ واوًا، والأصْلُ قَسّاسَةٍ، فالمُرادُ بِالقِسِّيسِينَ في الآيَةِ: المُتَّبِعُونَ لِلْعُلَماءِ والعُبّادِ، وهو إمّا عَجَمِيٌّ خَلَطَتْهُ العَرَبُ بِكَلامِها، أوْ عَرَبِيٌّ. والرُّهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ كَرُكْبانٍ وراكِبٍ، والفِعْلُ رَهِبَ اللَّهَ يَرْهَبُهُ؛ أيْ: خافَهُ. والرَّهْبانِيَّةُ والتَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ في الصَّوامِعِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وقَدْ يَكُونُ رُهْبانٌ لِلْواحِدِ والجَمْعِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُجْمَعُ رُهْبانٌ إذا كانَ لِلْمُفْرَدِ رُهْبانٌ ورَهابِينُ كَقُرْبانٍ وقَرابِينَ. وقَدْ قالَ جَرِيرٌ في الجَمْعِ: ؎رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوْكَ تَرَهَّبُوا وقالَ الشّاعِرُ في اسْتِعْمالِ رُهْبانٍ مُفْرَدًا: ؎لَوْ أبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلِ ∗∗∗ لانْحَدَرَ الرُّهْبانُ يَسْعى ونَزَلَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ، بَلْ هم مُتَواضِعُونَ، بِخِلافِ اليَهُودِ فَإنَّهم عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ: تَمْتَلِئُ فَتَفِيضُ؛ لِأنَّ الفَيْضَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الِامْتِلاءِ، جَعَلَ الأعْيُنَ تَفِيضُ، والفائِضُ: إنَّما هو الدَّمْعُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَمَعَتْ عَيْنُهُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً ∗∗∗ عَلى النَّحْرِ حَتّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ " مِن " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: كانَ ابْتِداءُ الفَيْضِ ناشِئًا مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةً، وقُرِئَ ( تُرى أعْيُنُهم ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ فَما حالُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ آمَنّا بِهَذا الكِتابِ النّازِلِ مِن عِنْدِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وبِمَن أنْزَلْتَهُ عَلَيْهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ وأنَّهُ رَسُولُكَ إلى النّاسِ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِبْعادِ ولَنا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولا نُؤْمِنُ في مَحَلِّ نَصْبٍ في الحالِ، والتَّقْدِيرُ؛ أيْ: شَيْءٌ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا انْتِفاءَ الإيمانِ مِنهم مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ، وهو الطَّمَعُ في إنْعامِ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهانِ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، والواوَ في ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ لِلْحالِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ ؟ فالحالُ الأُولى والثّانِيَةُ صاحِبُهُما الضَّمِيرُ في لَنا وعامِلُهُما الفِعْلُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: حَصَلَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ الثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ في نُؤْمِنُ والتَّقْدِيرُ: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ إلَخْ أثابَهم عَلى هَذا القَوْلِ مُخْلِصِينَ لَهُ مُعْتَقِدِينِ لِمَضْمُونِهِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ كُفْرٌ، فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. والجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ، ويُقالُ جَحَمَ فُلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ إيقادَها، ويُقالُ أيْضًا لِعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ اتِّقادِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎والحَرْبُ لا تُبْقِي لِجاحِمِها التَّحَيُّلَ والمِزاحَ وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ» وفي لَفْظٍ: «إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ آمَنُوا إذا جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ لَهم. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهم، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا يَخْتارُهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ في الفِقْهِ والسُّنَنِ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: (p-٣٩٠)﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِدُونِ ذِكْرِ العَدَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةً قِسِّيسِينَ وخَمْسَةً رُهْبانًا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ فَلَمّا لَقُوهُ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي، فَلَيْسَ المُرادُ إلّا بَيانَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: هم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

المائدة 5:85

قَوْلُهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ إلَخْ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما فِيها مِن تَعْدادِ مَساوِئِ اليَهُودِ وهَناتِهِمْ، ودُخُولُ لامِ القَسَمِ عَلَيْها يَزِيدُها تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أشَدَّ جَمِيعِ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وأصْلَبَهم في ذَلِكَ، وأنَّ النَّصارى أقْرَبُ النّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى كَوْنِهِمْ أقْرَبَ مَوَدَّةً، والباءُ في ﴿بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ، وهو (p-٣٨٩)جَمَعُ قِسٍّ وقِسِّيسٍ قالَهُ قُطْرُبٌ. والقِسِّيسُ: العالِمُ، وأصْلُهُ مِن قَسَّ: إذا تَتَبَّعَ الشَّيْءَ وطَلَبَهُ. قالَ الرّاجِزُ: ؎يُصْبِحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا وتَقَسَّسَتْ أصْواتُهم بِاللَّيْلِ تَسْمِعْتُها والقَسُّ: النَّمِيمَةُ. والقَسُّ أيْضًا: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ، وجَمْعُهُ قُسُوسٌ أيْضًا، وكَذَلِكَ القِسِّيسُ: مِثْلَ الشَّرِّ والشِّرِّيرِ، ويُقالُ في جَمْعِ قِسِّيسٍ تَكْسِيرًا قَساوِسَةٌ بِإبْدالِ إحْدى السِّينَيْنِ واوًا، والأصْلُ قَسّاسَةٍ، فالمُرادُ بِالقِسِّيسِينَ في الآيَةِ: المُتَّبِعُونَ لِلْعُلَماءِ والعُبّادِ، وهو إمّا عَجَمِيٌّ خَلَطَتْهُ العَرَبُ بِكَلامِها، أوْ عَرَبِيٌّ. والرُّهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ كَرُكْبانٍ وراكِبٍ، والفِعْلُ رَهِبَ اللَّهَ يَرْهَبُهُ؛ أيْ: خافَهُ. والرَّهْبانِيَّةُ والتَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ في الصَّوامِعِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وقَدْ يَكُونُ رُهْبانٌ لِلْواحِدِ والجَمْعِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُجْمَعُ رُهْبانٌ إذا كانَ لِلْمُفْرَدِ رُهْبانٌ ورَهابِينُ كَقُرْبانٍ وقَرابِينَ. وقَدْ قالَ جَرِيرٌ في الجَمْعِ: ؎رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوْكَ تَرَهَّبُوا وقالَ الشّاعِرُ في اسْتِعْمالِ رُهْبانٍ مُفْرَدًا: ؎لَوْ أبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلِ ∗∗∗ لانْحَدَرَ الرُّهْبانُ يَسْعى ونَزَلَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ، بَلْ هم مُتَواضِعُونَ، بِخِلافِ اليَهُودِ فَإنَّهم عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ: تَمْتَلِئُ فَتَفِيضُ؛ لِأنَّ الفَيْضَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الِامْتِلاءِ، جَعَلَ الأعْيُنَ تَفِيضُ، والفائِضُ: إنَّما هو الدَّمْعُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَمَعَتْ عَيْنُهُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً ∗∗∗ عَلى النَّحْرِ حَتّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ " مِن " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: كانَ ابْتِداءُ الفَيْضِ ناشِئًا مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةً، وقُرِئَ ( تُرى أعْيُنُهم ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ فَما حالُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ آمَنّا بِهَذا الكِتابِ النّازِلِ مِن عِنْدِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وبِمَن أنْزَلْتَهُ عَلَيْهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ وأنَّهُ رَسُولُكَ إلى النّاسِ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِبْعادِ ولَنا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولا نُؤْمِنُ في مَحَلِّ نَصْبٍ في الحالِ، والتَّقْدِيرُ؛ أيْ: شَيْءٌ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا انْتِفاءَ الإيمانِ مِنهم مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ، وهو الطَّمَعُ في إنْعامِ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهانِ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، والواوَ في ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ لِلْحالِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ ؟ فالحالُ الأُولى والثّانِيَةُ صاحِبُهُما الضَّمِيرُ في لَنا وعامِلُهُما الفِعْلُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: حَصَلَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ الثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ في نُؤْمِنُ والتَّقْدِيرُ: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ إلَخْ أثابَهم عَلى هَذا القَوْلِ مُخْلِصِينَ لَهُ مُعْتَقِدِينِ لِمَضْمُونِهِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ كُفْرٌ، فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. والجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ، ويُقالُ جَحَمَ فُلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ إيقادَها، ويُقالُ أيْضًا لِعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ اتِّقادِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎والحَرْبُ لا تُبْقِي لِجاحِمِها التَّحَيُّلَ والمِزاحَ وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ» وفي لَفْظٍ: «إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ آمَنُوا إذا جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ لَهم. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهم، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا يَخْتارُهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ في الفِقْهِ والسُّنَنِ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: (p-٣٩٠)﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِدُونِ ذِكْرِ العَدَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةً قِسِّيسِينَ وخَمْسَةً رُهْبانًا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ فَلَمّا لَقُوهُ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي، فَلَيْسَ المُرادُ إلّا بَيانَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: هم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

المائدة 5:86

قَوْلُهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ﴾ إلَخْ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِما فِيها مِن تَعْدادِ مَساوِئِ اليَهُودِ وهَناتِهِمْ، ودُخُولُ لامِ القَسَمِ عَلَيْها يَزِيدُها تَأْكِيدًا وتَقْرِيرًا، والخِطابُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ. والمَعْنى في الآيَةِ: أنَّ اليَهُودَ والمُشْرِكِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ أشَدَّ جَمِيعِ النّاسِ عَداوَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وأصْلَبَهم في ذَلِكَ، وأنَّ النَّصارى أقْرَبُ النّاسِ مَوَدَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ، واللّامُ في ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ في المَوْضِعَيْنِ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، وقِيلَ هو مُتَعَلِّقٌ بِعَداوَةٍ ومَوَدَّةٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ إلى كَوْنِهِمْ أقْرَبَ مَوَدَّةً، والباءُ في ﴿بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ لِلسَّبَبِيَّةِ؛ أيْ: ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ، وهو (p-٣٨٩)جَمَعُ قِسٍّ وقِسِّيسٍ قالَهُ قُطْرُبٌ. والقِسِّيسُ: العالِمُ، وأصْلُهُ مِن قَسَّ: إذا تَتَبَّعَ الشَّيْءَ وطَلَبَهُ. قالَ الرّاجِزُ: ؎يُصْبِحْنَ عَنْ قَسِّ الأذى غَوافِلا وتَقَسَّسَتْ أصْواتُهم بِاللَّيْلِ تَسْمِعْتُها والقَسُّ: النَّمِيمَةُ. والقَسُّ أيْضًا: رَئِيسُ النَّصارى في الدِّينِ والعِلْمِ، وجَمْعُهُ قُسُوسٌ أيْضًا، وكَذَلِكَ القِسِّيسُ: مِثْلَ الشَّرِّ والشِّرِّيرِ، ويُقالُ في جَمْعِ قِسِّيسٍ تَكْسِيرًا قَساوِسَةٌ بِإبْدالِ إحْدى السِّينَيْنِ واوًا، والأصْلُ قَسّاسَةٍ، فالمُرادُ بِالقِسِّيسِينَ في الآيَةِ: المُتَّبِعُونَ لِلْعُلَماءِ والعُبّادِ، وهو إمّا عَجَمِيٌّ خَلَطَتْهُ العَرَبُ بِكَلامِها، أوْ عَرَبِيٌّ. والرُّهْبانُ: جَمْعُ راهِبٍ كَرُكْبانٍ وراكِبٍ، والفِعْلُ رَهِبَ اللَّهَ يَرْهَبُهُ؛ أيْ: خافَهُ. والرَّهْبانِيَّةُ والتَّرَهُّبُ: التَّعَبُّدُ في الصَّوامِعِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وقَدْ يَكُونُ رُهْبانٌ لِلْواحِدِ والجَمْعِ. قالَ الفَرّاءُ: ويُجْمَعُ رُهْبانٌ إذا كانَ لِلْمُفْرَدِ رُهْبانٌ ورَهابِينُ كَقُرْبانٍ وقَرابِينَ. وقَدْ قالَ جَرِيرٌ في الجَمْعِ: ؎رُهْبانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأوْكَ تَرَهَّبُوا وقالَ الشّاعِرُ في اسْتِعْمالِ رُهْبانٍ مُفْرَدًا: ؎لَوْ أبْصَرَتْ رُهْبانَ دَيْرٍ في الجَبَلِ ∗∗∗ لانْحَدَرَ الرُّهْبانُ يَسْعى ونَزَلَ ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَوْلِ الحَقِّ، بَلْ هم مُتَواضِعُونَ، بِخِلافِ اليَهُودِ فَإنَّهم عَلى ضِدِّ ذَلِكَ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ . ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ أيْ: تَمْتَلِئُ فَتَفِيضُ؛ لِأنَّ الفَيْضَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ الِامْتِلاءِ، جَعَلَ الأعْيُنَ تَفِيضُ، والفائِضُ: إنَّما هو الدَّمْعُ قَصْدًا لِلْمُبالَغَةِ كَقَوْلِهِمْ: دَمَعَتْ عَيْنُهُ. قالَ امْرُؤُ القَيْسِ: ؎فَفاضَتْ دُمُوعُ العَيْنِ مِنِّي صَبابَةً ∗∗∗ عَلى النَّحْرِ حَتّى بَلَّ دَمْعِيَ مِحْمَلِي قَوْلُهُ: ﴿مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ " مِن " الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةُ بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: كانَ ابْتِداءُ الفَيْضِ ناشِئًا مِن مَعْرِفَةِ الحَقِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الثّانِيَةُ تَبْعِيضِيَّةً، وقُرِئَ ( تُرى أعْيُنُهم ) عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ. وقَوْلُهُ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا﴾ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ فَما حالُهم عِنْدَ سَماعِ القُرْآنِ ؟ فَقالَ: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنا آمَنّا فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ أيْ آمَنّا بِهَذا الكِتابِ النّازِلِ مِن عِنْدِكَ عَلى مُحَمَّدٍ وبِمَن أنْزَلْتَهُ عَلَيْهِ فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِأنَّهُ حَقٌّ، أوْ مَعَ الشّاهِدِينَ بِصِدْقِ مُحَمَّدٍ وأنَّهُ رَسُولُكَ إلى النّاسِ. قَوْلُهُ: ﴿وما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ، والِاسْتِفْهامُ لِلِاسْتِبْعادِ ولَنا مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، ولا نُؤْمِنُ في مَحَلِّ نَصْبٍ في الحالِ، والتَّقْدِيرُ؛ أيْ: شَيْءٌ حَصَلَ لَنا حالَ كَوْنِنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وبِما جاءَنا مِنَ الحَقِّ ؟ والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَبْعَدُوا انْتِفاءَ الإيمانِ مِنهم مَعَ وُجُودِ المُقْتَضِي لَهُ، وهو الطَّمَعُ في إنْعامِ اللَّهِ، فالِاسْتِفْهامُ والنَّفْيُ مُتَوَجِّهانِ إلى القَيْدِ والمُقَيَّدِ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَكم لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وقارًا﴾ [نوح: ١٣]، والواوَ في ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ لِلْحالِ أيْضًا بِتَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ حَصَلَ لَنا غَيْرُ مُؤْمِنِينَ ونَحْنُ نَطْمَعُ في الدُّخُولِ مَعَ الصّالِحِينَ ؟ فالحالُ الأُولى والثّانِيَةُ صاحِبُهُما الضَّمِيرُ في لَنا وعامِلُهُما الفِعْلُ المُقَدَّرُ؛ أيْ: حَصَلَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الحالُ الثّانِيَةُ مِنَ الضَّمِيرِ في نُؤْمِنُ والتَّقْدِيرُ: وما لَنا نَجْمَعُ بَيْنَ تَرْكِ الإيمانِ وبَيْنَ الطَّمَعِ في صُحْبَةِ الصّالِحِينَ. قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا﴾ إلَخْ أثابَهم عَلى هَذا القَوْلِ مُخْلِصِينَ لَهُ مُعْتَقِدِينِ لِمَضْمُونِهِ. قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا وكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولَئِكَ أصْحابُ الجَحِيمِ﴾ التَّكْذِيبُ بِالآياتِ كُفْرٌ، فَهو مِن بابِ عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ. والجَحِيمُ: النّارُ الشَّدِيدَةُ الإيقادِ، ويُقالُ جَحَمَ فُلانٌ النّارَ: إذا شَدَّدَ إيقادَها، ويُقالُ أيْضًا لِعَيْنِ الأسَدِ: جُحْمَةٌ لِشِدَّةِ اتِّقادِها. قالَ الشّاعِرُ: ؎والحَرْبُ لا تُبْقِي لِجاحِمِها التَّحَيُّلَ والمِزاحَ وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ» وفي لَفْظٍ: «إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ» . قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وهو غَرِيبٌ جِدًّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ آمَنُوا إذا جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ لَهم. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو نُعَيْمٍ في الحِلْيَةِ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهم، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الشّاهِدِينَ﴾» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا يَخْتارُهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ في الفِقْهِ والسُّنَنِ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: (p-٣٩٠)﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ بِدُونِ ذِكْرِ العَدَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا سَبْعَةً قِسِّيسِينَ وخَمْسَةً رُهْبانًا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ فَلَمّا لَقُوهُ فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وهَذا المِقْدارُ يَكْفِي، فَلَيْسَ المُرادُ إلّا بَيانَ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: هم عُلَماؤُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ.

المائدة 5:87

الطَّيِّباتُ: هي المُسْتَلَذّاتُ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، نَهى الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِنها، إمّا لِظَنِّهِمْ أنَّ في ذَلِكَ طاعَةً لِلَّهِ وتَقَرُّبًا إلَيْهِ، وأنَّهُ مِنَ الزُّهْدِ في الدُّنْيا لِرَفْعِ النَّفْسِ عَنْ شَهَواتِها، أوْ لِقَصْدِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِمّا أحَلَّهُ لَهم كَما يَقَعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ العَوامِّ مِن قَوْلِهِمْ: حَرامٌ عَلَيَّ وحَرَّمْتُهُ عَلى نَفْسِي ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تَدْخُلُ تَحْتَ هَذا النَّهْيِ القُرْآنِيِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ عَلى نَفْسِهِ مِن طَيِّباتِ المَطاعِمِ والمَلابِسِ والمَناكَحِ، ولِذَلِكَ رَدَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ التَّبَتُّلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا فَضْلَ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وأنَّ الفَضْلَ والبِرَّ إنَّما هو في فِعْلِ ما نَدَبَ اللَّهُ عِبادَهُ إلَيْهِ، وعَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ، واتَّبَعَهُ عَلى مِنهاجِهِ الأئِمَّةُ الرّاشِدُونَ، إذْ كانَ خَيْرُ الهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ خَطَأُ مَن آثَرَ لِباسَ الشَّعْرِ والصُّوفِ عَلى لِباسِ القُطْنِ والكَتّانِ إذا قَدَرَ عَلى لِباسِ ذَلِكَ مِن حِلِّهِ، وآثَرَ أكْلَ الخَشِنِ مِنَ الطَّعامِ وتَرَكَ اللَّحْمَ وغَيْرَهُ حَذَرًا مِن عارِضِ الحاجَةِ إلى النِّساءِ. قالَ: فَإنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ الفَضْلَ في غَيْرِ الَّذِي قُلْنا لِما في لِباسِ الخَشِنِ وأكْلِهِ مِنَ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ وصَرْفِ ما فَضَلَ بَيْنَهُما مِنَ القِيمَةِ إلى أهْلِ الحاجَةِ. فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً، وذَلِكَ أنَّ الأوْلى بِالإنْسانِ صَلاحُ نَفْسِهِ وعَوْنُهُ لَها عَلى طاعَةِ رَبِّها، ولا شَيْءَ أضَرَّ لِلْجِسْمِ مِنَ المَطاعِمِ الرَّدِيَّةِ؛ لِأنَّها مُفْسِدَةٌ لِعَقْلِهِ ومُضْعِفَةٌ لِأدَواتِهِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا إلى طاعَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: لا تَعْتَدُوا عَلى اللَّهِ بِتَحْرِيمِ طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم، أوْ لا تَعْتَدُوا فَتُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ أيْ: تَتَرَخَّصُوا فَتُحَلِّلُوا حَرامًا كَما نُهِيتُمْ عَنِ التَّشْدِيدِ عَلى أنْفُسِكم بِتَحْرِيمِ الحَلالِ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُهُ كَفّارَةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ ومَن تابَعَهُما: إنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا صارَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وإذا تَناوَلَهُ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ، وهو خِلافُ ما في هَذِهِ الآيَةِ وخِلافُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي في سُورَةِ التَّحْرِيمِ ما هو أبْسَطُ مِن هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وظاهِرُهُ أنَّ تَحْرِيمَ كُلِّ اعْتِداءٍ؛ أيْ: مُجاوَزَةٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا طَيِّبًا أيْ: غَيْرَ مُحَرَّمٍ ولا مُسْتَقْذَرٍ، أوْ أكْلًا حَلالًا طَيِّبًا، أوْ كُلُوا حَلالًا طَيِّبًا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، ثُمَّ وصّاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذا أكَلْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّساءِ وأخَذَتْنِي شَهْوَةٌ، وإنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم﴾» وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا، ورُوِيَ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: نَقْطَعُ مَذاكِيرَنا ونَتْرُكُ شَهَواتِ الدُّنْيا ونَسِيحُ في الأرْضِ كَما يَفْعَلُ الرُّهْبانُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالُوا: نَعَمْ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ولَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ وأُصَلِّي وأنامُ وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَن أخَذَ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وقَدْ ثَبَتَ نَحْوُ هَذا في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن دُونِ ذِكْرِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في المَراسِيلِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ: هم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وأصْحابُهُ، وفي البابِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ بِهَذا المَعْنى، وكَثِيرٌ مِنها مُصَرِّحٌ بِأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ ضافَهُ ضَيْفٌ مِن أهْلِهِ وهو عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ إلى أهْلِهِ، فَوَجَدَهم لَمْ يُطْعِمُوا ضَيْفَهُمُ انْتِظارًا لَهُ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي هو حَرامٌ عَلَيَّ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: هو حَرامٌ عَلَيَّ فَقالَ الضَّيْفُ: هو حَرامٌ عَلَيَّ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ وقالَ: كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قَدْ أصَبْتَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم﴾» وهَذا أثَرٌ مُنْقَطِعٌ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في قِصَّةِ الصِّدِّيقِ مَعَ أضْيافِهِ ما هو شَبِيهٌ بِهَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَجِيءَ بِضَرْعٍ، فَتَنَحّى رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ، فَقالَ: إنِّي حَرَّمْتُ أنْ آكُلَهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ أيْضًا الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ، وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ.

المائدة 5:88

الطَّيِّباتُ: هي المُسْتَلَذّاتُ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، نَهى الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِنها، إمّا لِظَنِّهِمْ أنَّ في ذَلِكَ طاعَةً لِلَّهِ وتَقَرُّبًا إلَيْهِ، وأنَّهُ مِنَ الزُّهْدِ في الدُّنْيا لِرَفْعِ النَّفْسِ عَنْ شَهَواتِها، أوْ لِقَصْدِ أنْ يُحَرِّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَيْئًا مِمّا أحَلَّهُ لَهم كَما يَقَعُ مِن كَثِيرٍ مِنَ العَوامِّ مِن قَوْلِهِمْ: حَرامٌ عَلَيَّ وحَرَّمْتُهُ عَلى نَفْسِي ونَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ الَّتِي تَدْخُلُ تَحْتَ هَذا النَّهْيِ القُرْآنِيِّ. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: لا يَجُوزُ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ لِعِبادِهِ المُؤْمِنِينَ عَلى نَفْسِهِ مِن طَيِّباتِ المَطاعِمِ والمَلابِسِ والمَناكَحِ، ولِذَلِكَ رَدَّ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ التَّبَتُّلَ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ. فَثَبَتَ أنَّهُ لا فَضْلَ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لِعِبادِهِ، وأنَّ الفَضْلَ والبِرَّ إنَّما هو في فِعْلِ ما نَدَبَ اللَّهُ عِبادَهُ إلَيْهِ، وعَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وسَنَّهُ لِأُمَّتِهِ، واتَّبَعَهُ عَلى مِنهاجِهِ الأئِمَّةُ الرّاشِدُونَ، إذْ كانَ خَيْرُ الهَدْيِ هَدْيُ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ تَبَيَّنَ خَطَأُ مَن آثَرَ لِباسَ الشَّعْرِ والصُّوفِ عَلى لِباسِ القُطْنِ والكَتّانِ إذا قَدَرَ عَلى لِباسِ ذَلِكَ مِن حِلِّهِ، وآثَرَ أكْلَ الخَشِنِ مِنَ الطَّعامِ وتَرَكَ اللَّحْمَ وغَيْرَهُ حَذَرًا مِن عارِضِ الحاجَةِ إلى النِّساءِ. قالَ: فَإنْ ظَنَّ ظانٌّ أنَّ الفَضْلَ في غَيْرِ الَّذِي قُلْنا لِما في لِباسِ الخَشِنِ وأكْلِهِ مِنَ المَشَقَّةِ عَلى النَّفْسِ وصَرْفِ ما فَضَلَ بَيْنَهُما مِنَ القِيمَةِ إلى أهْلِ الحاجَةِ. فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً، وذَلِكَ أنَّ الأوْلى بِالإنْسانِ صَلاحُ نَفْسِهِ وعَوْنُهُ لَها عَلى طاعَةِ رَبِّها، ولا شَيْءَ أضَرَّ لِلْجِسْمِ مِنَ المَطاعِمِ الرَّدِيَّةِ؛ لِأنَّها مُفْسِدَةٌ لِعَقْلِهِ ومُضْعِفَةٌ لِأدَواتِهِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ سَبَبًا إلى طاعَتِهِ. قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْتَدُوا﴾ أيْ: لا تَعْتَدُوا عَلى اللَّهِ بِتَحْرِيمِ طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم، أوْ لا تَعْتَدُوا فَتُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ؛ أيْ: تَتَرَخَّصُوا فَتُحَلِّلُوا حَرامًا كَما نُهِيتُمْ عَنِ التَّشْدِيدِ عَلى أنْفُسِكم بِتَحْرِيمِ الحَلالِ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ العُلَماءِ إلى أنَّ مَن حَرَّمَ عَلى نَفْسِهِ شَيْئًا مِمّا أحَلَّهُ اللَّهُ لَهُ فَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِ ولا يَلْزَمُهُ كَفّارَةٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ ومَن تابَعَهُما: إنَّ مَن حَرَّمَ شَيْئًا صارَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ، وإذا تَناوَلَهُ لَزِمَتْهُ الكَفّارَةُ، وهو خِلافُ ما في هَذِهِ الآيَةِ وخِلافُ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ، ولَعَلَّهُ يَأْتِي في سُورَةِ التَّحْرِيمِ ما هو أبْسَطُ مِن هَذا إنْ شاءَ اللَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ تَعْلِيلٌ لِما قَبْلَهُ، وظاهِرُهُ أنَّ تَحْرِيمَ كُلِّ اعْتِداءٍ؛ أيْ: مُجاوَزَةٌ لِما شَرَعَهُ اللَّهُ في كُلِّ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ. ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ حالَ كَوْنِهِ حَلالًا طَيِّبًا أيْ: غَيْرَ مُحَرَّمٍ ولا مُسْتَقْذَرٍ، أوْ أكْلًا حَلالًا طَيِّبًا، أوْ كُلُوا حَلالًا طَيِّبًا مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ، ثُمَّ وصّاهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالتَّقْوى فَقالَ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ . وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ عَدِيٍّ في الكامِلِ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي إذا أكَلْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّساءِ وأخَذَتْنِي شَهْوَةٌ، وإنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم﴾» وقَدْ رُوِيَ مِن وجْهٍ آخَرَ مُرْسَلًا، ورُوِيَ مَوْقُوفًا عَلى ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: «نَزَلَتْ في رَهْطٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: نَقْطَعُ مَذاكِيرَنا ونَتْرُكُ شَهَواتِ الدُّنْيا ونَسِيحُ في الأرْضِ كَما يَفْعَلُ الرُّهْبانُ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالُوا: نَعَمْ، فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ولَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ وأُصَلِّي وأنامُ وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَن أخَذَ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» . وقَدْ ثَبَتَ نَحْوُ هَذا في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما مِن دُونِ ذِكْرِ أنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في المَراسِيلِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي مالِكٍ أنَّ هَؤُلاءِ الرَّهْطَ: هم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ وأصْحابُهُ، وفي البابِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ بِهَذا المَعْنى، وكَثِيرٌ مِنها مُصَرِّحٌ بِأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ ضافَهُ ضَيْفٌ مِن أهْلِهِ وهو عِنْدَ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعَ إلى أهْلِهِ، فَوَجَدَهم لَمْ يُطْعِمُوا ضَيْفَهُمُ انْتِظارًا لَهُ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي هو حَرامٌ عَلَيَّ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: هو حَرامٌ عَلَيَّ فَقالَ الضَّيْفُ: هو حَرامٌ عَلَيَّ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ وضَعَ يَدَهُ وقالَ: كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: قَدْ أصَبْتَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم﴾» وهَذا أثَرٌ مُنْقَطِعٌ، ولَكِنْ في صَحِيحِ البُخارِيِّ في قِصَّةِ الصِّدِّيقِ مَعَ أضْيافِهِ ما هو شَبِيهٌ بِهَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كُنّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ فَجِيءَ بِضَرْعٍ، فَتَنَحّى رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ، فَقالَ: إنِّي حَرَّمْتُ أنْ آكُلَهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ادْنُ فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَهُ أيْضًا الحاكِمُ في مُسْتَدْرَكِهِ، وقالَ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ولَمْ يُخَرِّجاهُ.

المائدة 5:89

(p-٣٩١)قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ اللَّغْوِ، والخِلافُ فِيهِ، في سُورَةِ البَقَرَةِ، و﴿فِي أيْمانِكُمْ﴾ صِلَةُ يُؤاخِذُكم، قِيلَ: و" في " بِمَعْنى مِن والأيْمانُ جَمْعُ يَمِينٍ. وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أيْمانَ اللَّغْوِ لا يُؤاخِذُ اللَّهُ الحالِفَ بِها ولا تَجِبُ بِها الكَفّارَةُ. وقَدْ ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنَ الصَّحابَةِ ومَن بَعْدَهم إلى أنَّها قَوْلُ الرَّجُلِ: لا واللَّهِ وبَلى واللَّهِ في كَلامِهِ غَيْرُ مُعْتَقِدٍ لِلْيَمِينِ، وبِهِ فَسَّرَ الصَّحابَةُ الآيَةَ وهم أعْرَفُ بِمَعانِي القُرْآنِ. قالَ الشّافِعِيُّ: وذَلِكَ عِنْدَ اللَّجاجِ والغَضَبِ والعَجَلَةِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ قُرِئَ بِتَشْدِيدِ ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ وبِتَخْفِيفِهِ، وقُرِئَ ( عاقَدْتُمْ ) . والعَقْدُ عَلى ضَرْبَيْنِ: حِسِّيٌّ كَعَقْدِ الحَبْلِ، وحُكْمِيٌّ كَعَقْدِ البَيْعِ، واليَمِينِ والعَهْدِ. قالَ الشّاعِرُ: ؎قَوْمٌ إذا عَقَدُوا عَقْدًا لِجارِهِمُ شَدُّوا العِناجَ وشَدُّوا فَوْقَهُ الكَرَبا فاليَمِينُ المُعَقَّدَةٌ مِن عَقَّدَ القَلْبَ لَيَفْعَلَنَّ أوْ لا يَفْعَلَنَّ في المُسْتَقْبَلِ؛ أيْ: ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِأيْمانِكُمُ المُعَقَّدَةِ المُوَثَّقَةِ بِالقَصْدِ والنِّيَّةِ إذا حَنِثْتُمْ فِيها. وأمّا اليَمِينُ الغَمُوسُ: فَهي يَمِينُ مَكْرٍ وخَدِيعَةٍ وكَذِبٍ قَدْ باءَ الحالِفُ بِإثْمِها، ولَيْسَتْ بِمَعْقُودَةٍ ولا كَفارَّةَ فِيها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ، وقالَ الشّافِعِيُّ: هي يَمِينٌ مَعْقُودَةٌ لِأنَّها مُكْتَسَبَةٌ بِالقَلْبِ مَعْقُودَةٌ بِخَبَرٍ مَقْرُونَةٌ بِاسْمِ اللَّهِ، والرّاجِحُ الأوَّلُ وجَمِيعُ الأحادِيثِ الوارِدَةِ في تَكْفِيرِ اليَمِينِ مُتَوَجِّهَةٌ إلى المَعْقُودَةِ ولا يَدُلُّ شَيْءٌ مِنها عَلى الغَمُوسِ، بَلْ ما ورَدَ في الغَمُوسِ إلّا الوَعِيدُ والتَّرْهِيبُ، وإنَّها مِنَ الكَبائِرِ، بَلْ مِن أكْبَرِ الكَبائِرِ، وفِيها نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ. قَوْلُهُ: ﴿فَكَفّارَتُهُ﴾ الكَفّارَةُ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَّكْفِيرِ وهو التَّسْتِيرُ، وكَذَلِكَ الكُفْرُ هو السَّتْرُ، والكافِرُ هو السّاتِرُ؛ لِأنَّها تَسْتُرُ الذَّنْبَ وتُغَطِّيهِ، والضَّمِيرُ في كَفّارَتِهِ راجِعٌ إلى " ما " في قَوْلِهِ: ﴿بِما عَقَّدْتُمُ﴾ . ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم﴾ المُرادُ بِالوَسَطِ هُنا المُتَوَسِّطُ بَيْنَ طَرَفَيِ الإسْرافِ والتَّقْتِيرِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ الأعْلى كَما في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ؛ أيْ: أطْعِمُوهم مِنَ المُتَوَسِّطِ مِمّا تَعْتادُونَ إطْعامَ أهْلِيكم مِنهُ، ولا يَجِبُ عَلَيْكم أنْ تُطْعِمُوهم مِن أعْلاهُ، ولا يَجُوزُ لَكم أنْ تُطْعِمُوهم مِن أدْناهُ، وظاهِرَهُ أنَّهُ يُجْزِئُ إطْعامُ عَشْرَةٍ حَتّى يَشْبَعُوا. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّهُ قالَ: لا يُجْزِئُ إطْعامُ العَشَرَةِ غَداءً دُونَ عَشاءٍ حَتّى يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ. قالَ أبُو عُمَرَ: هو قَوْلُ أئِمَّةِ الفَتْوى بِالأمْصارِ. وقالَ الحَسَنُ البَصْرِيُّ وابْنُ سِيرِينَ: يَكْفِيهِ أنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَساكِينَ أكْلَةً واحِدَةً خُبْزًا وسَمْنًا أوْ خُبْزًا ولَحْمًا. وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ وعائِشَةُ ومُجاهِدٌ والشَّعْبِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ ومَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ وأبُو مالِكٍ والضَّحّاكُ والحَكَمُ ومَكْحُولٌ وأبُو قِلابَةَ ومُقاتِلٌ: يَدْفَعُ إلى كُلِّ واحِدٍ مِنَ العَشْرَةِ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ أوْ تَمْرٍ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ نِصْفُ صاعٍ بُرٍّ وصاعٍ مِمّا عَداهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ وكَفَّرَ النّاسُ بِهِ، ومَن لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ،» وفي إسْنادِهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلى الثَّقَفِيُّ وهو مُجْمِعٌ عَلى ضَعْفِهِ. وقالَ الدّارَقُطْنِيُّ: مَتْرُوكٌ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عَطْفٌ عَلى إطْعامٍ. قُرِئَ بِضَمِّ الكافِ وكَسْرِها وهُما لُغَتانِ مِثْلَ أُسْوَةٍ وإسْوَةٍ. وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُحَمَّدُ بْنُ السَّمَيْفَعِ اليَمانِيُّ أوْ كَأُسْوَتِهِمْ: يَعْنِي كَأُسْوَةِ أهْلِيكم والكُسْوَةِ في الرِّجالِ تَصْدُقُ عَلى ما يَكْسُو البَدَنَ ولَوْ كانَ ثَوْبًا واحِدًا، وهَكَذا في كُسْوَةِ النِّساءِ، وقِيلَ: الكُسْوَةُ لِلنِّساءِ دِرْعٌ وخِمارٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِالكِسْوَةِ ما تُجْزِئُ بِهِ الصَّلاةُ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ أيْ: إعْتاقُ مَمْلُوكٍ، والتَّحْرِيرُ: الإخْراجُ مِنَ الرِّقِّ، ويُسْتَعْمَلُ التَّحْرِيرُ في فَكِّ الأسِيرِ وإعْفاءِ المَجْهُودِ بِعَمَلٍ عَنْ عَمَلِهِ وتَرْكِ إنْزالِ الضَّرَرِ بِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: ؎أبَنِي غُدانَةَ إنَّنِي حَرَّرْتُكم ∗∗∗ فَوَهَبْتُكم لِعَطِيَّةَ بْنِ جِعالِ أيْ: حَرَّرْتُكم مِنَ الهِجاءِ الَّذِي كانَ سَيَضَعُ مِنكم ويَضُرُّ بَأحْسابِكم. ولِأهْلِ العِلْمِ أبْحاثٌ في الرَّقَبَةِ الَّتِي تُجْزِئُ في الكَفّارَةِ، وظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّها تُجْزِئُ كُلُّ رَقَبَةٍ عَلى أيِّ صِفَةٍ كانَتْ. وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنهُمُ الشّافِعِيُّ إلى اشْتِراطِ الإيمانِ فِيها قِياسًا عَلى كَفّارَةِ القَتْلِ ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾ أيْ فَمَن لَمْ يَجِدْ شَيْئًا مِنَ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ فَكَفّارَتُهُ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وقُرِئَ مُتَتابِعاتٍ حُكِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وأُبَيٍّ، فَتَكُونُ هَذِهِ القِراءَةُ مُقَيِّدَةً لِمُطْلَقِ الصَّوْمِ. وبِهِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ والثَّوْرِيُّ وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ في قَوْلِهِ الآخَرِ: يُجْزِئُ التَّفْرِيقُ ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ وحَنِثْتُمْ، ثُمَّ أمَرَهم بِحِفْظِ الأيْمانِ وعَدَمِ المُسارَعَةِ إلَيْها أوْ إلى الحِنْثِ بِها، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: " كَذَلِكَ " إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَهُ، أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ البَيانِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم وقَدْ تَكَرَّرَ هَذا في مَواضِعَ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ ما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْكم مِن بَيانِ شَرائِعِهِ وإيضاحِ أحْكامِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم﴾ في القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمُ النِّساءَ واللَّحْمَ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في اللَّغْوِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الحَلالِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هُما الرَّجُلانِ يَتَبايَعانِ، يَقُولُ أحَدُهُما: واللَّهِ لا أبِيعُكَ بِكَذا، ويَقُولُ الآخَرُ: واللَّهِ لا أشْتَرِيهِ بِكَذا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: اللَّغْوُ أنْ يَصِلَ كَلامَهُ بِالحَلِفِ: واللَّهِ لَتَأْكُلَنَّ، واللَّهِ لَتَشْرَبَنَّ، ونَحْوَ هَذا لا يُرِيدُ بِهِ يَمِينًا ولا يَتَعَمَّدُ حَلِفًا، فَهو لَغْوُ اليَمِينِ لَيْسَ عَلَيْهِ كَفّارَةٌ، وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ في (p-٣٩٢)البَقَرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ قالَ: بِما تَعَبَّدْتُمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ كانَ يُقَيِّمُ كَفّارَةَ اليَمِينِ مُدًّا مِن حِنْطَةٍ،» وفي إسْنادِهِ النَّضْرُ بْنُ زُرارَةَ بْنِ عَبْدِ الكَرِيمِ الذُّهْلِيُّ الكُوفِيُّ. قالَ أبُو حاتِمٍ: مَجْهُولٌ، وذَكَرَهُ ابْنُ حِبّانَ في الثِّقاتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ وتَضْعِيفُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: كُنّا نُعْطِي في كَفّارَةِ اليَمِينِ بِالمُدِّ الَّذِي نَقْتاتُ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنِّي أحْلِفُ لا أُعْطِي أقْوامًا، ثُمَّ يَبْدُو لِي فَأُعْطِيهِمْ، فَأُطْعِمُ عَشَرَةَ مَساكِينَ كُلُّ مِسْكِينٍ صاعًا مِن شَعِيرٍ أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ أوْ نِصْفَ صاعٍ مِن قَمْحٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: في كَفّارَةِ اليَمِينِ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن حِنْطَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طُرُقٍ قالَ: في كَفّارَةِ اليَمِينِ مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ إلّا ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ هَؤُلاءِ أيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: تُغَدِّيهِمْ وتُعَشِّيهِمْ إنْ شِئْتَ خُبْزًا ولَحْمًا أوْ خُبْزًا وزَيْتًا أوْ خُبْزًا وسَمْنًا أوْ خُبْزًا وتَمْرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكم﴾ قالَ: مِن عُسْرِكم ويُسْرِكم. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْهُ قالَ: الرَّجُلُ يَقُوتُ أهْلَهُ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ وكانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أهْلَهُ قُوتًا فِيهِ شِدَّةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: عَباءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ»، قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أوْ كِسْوَتُهم ما هو ؟ قالَ: عَباءَةٌ عَباءَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: عَباءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ أوْ شَمْلَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الكُسْوَةُ ثَوْبٌ أوْ إزارٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في كَفّارَةِ اليَمِينِ هو بِالخِيارِ في هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ الأوَّلَ فالأوَّلَ فَإنْ لَمْ يَجِدْ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْهُ نَحْوَهُ.

المائدة 5:90

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَيْسِرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿والأنْصابُ﴾ هي الأصْنامُ المَنصُوبَةُ لِلْعِبادَةِ ﴿والأزْلامُ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والرِّجْسُ يُطْلَقُ عَلى العُذْرَةِ والأقْذارِ. وهو خَبَرٌ لِلْخَمْرِ، وخَبَرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ صِفَةٌ لِرِجْسٍ؛ أيْ: كائِنٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، بِسَبَبِ تَحْسِينِهِ لِذَلِكَ وتَزْيِينِهِ لَهُ وقِيلَ: هو الَّذِي كانَ عَمِلَ هَذِهِ الأُمُورَ بِنَفْسِهِ فاقْتَدى بِهِ بَنُو آدَمَ والضَّمِيرُ في ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ راجِعٌ إلى الرِّجْسِ أوْ إلى المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ عِلَّةٌ لِما قَبْلَهُ. قالَ في الكَشّافِ: أُكِّدَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وُجُوهًا مِنَ التَّأْكِيدِ، مِنها تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما، ومِنها أنَّهُ قَرْنَهُما بِعِبادَةِ الأصْنامِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما رِجْسًا، كَما قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ، ومِنها أنَّهُ أمْرٌ بِالِاجْتِنابِ، ومِنها أنَّهُ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَيْبَةً ومُحْقَةً، ومِنها أنَّهُ ذَكَرَ ما يَنْتُجُ مِنهُما مِنَ الوَبالِ، وهو وُقُوعُ التَّعادِي والتَّباغُضِ بَيْنَ أصْحابِ الخَمْرِ والقَمْرِ، وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنْ مُراعاةِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ انْتَهى. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ لِما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِالِاجْتِنابِ مِنَ الوُجُوبِ وتَحْرِيمِ الصَّدِّ، ولِما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِن تَحْرِيمِ قُرْبانِ الرِّجْسِ فَضْلًا عَنْ جَعْلِهِ شَرابًا يُشْرَبُ. قالَ أهْلُ العِلْمِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرُهم: كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بِتَدْرِيجٍ ونَوازِلَ كَثِيرَةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ألِفُوا شُرْبَها وحَبَّبَها الشَّيْطانُ إلى قُلُوبِهِمْ، فَأوَّلُ ما نَزَلْ في أمْرِها ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَتَرَكَ عِنْدَ ذَلِكَ بَعْضٌ مِنَ المُسْلِمِينَ شُرْبَها ولَمْ يَتْرُكْهُ آخَرُونَ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَتَرَكَها البَعْضُ أيْضًا، وقالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيما يَشْغَلُنا عَنِ الصَّلاةِ، وشَرِبَها البَعْضُ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ فَصارَتْ حَرامًا عَلَيْهِمْ، حَتّى كانَ يَقُولُ بَعْضُهم: ما حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا أشَدَّ مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ لِما فَهِمُوهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الزَّواجِرِ، وفِيما جاءَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنَ الوَعِيدِ لِشارِبِها، وأنَّها مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ. وقَدْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ المُسْلِمُونَ إجْماعًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وأجْمَعُوا أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ بَيْعِها والِانْتِفاعِ بِها ما (p-٣٩٣)دامَتْ خَمْرًا، وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ دَلَّتْ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ المَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ. وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ ومِنَ المَفاسِدِ الدِّينِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فِيهِ زَجْرٌ بَلِيغٌ يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الدّالُّ عَلى التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ. ولِهَذا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَمِعَ هَذا: انْتَهَيْنا. ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا التَّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ أيْ: مُخالَفَتَهُما؛ أيْ: مُخالَفَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّ هَذا وإنْ كانَ أمْرًا مُطْلَقًا فالمَجِيءُ بِهِ في هَذا المَوْضِعِ يُفِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّأْكِيدِ، وهَكَذا ما أفادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ الِامْتِثالِ، فَقَدْ فَعَلَ الرَّسُولُ ما هو الواجِبُ عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ الَّذِي فِيهِ رَشادُكم وصَلاحُكم، ولَمْ تَضُرُّوا بِالمُخالَفَةِ إلّا أنْفُسَكم، وفي هَذا مِنَ الزَّجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ: مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي يَشْتَهُونَها، والطَّعْمُ وإنْ كانَ اسْتِعْمالُهُ في الأكْلِ أكْثَرَ لَكِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في الشُّرْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] أباحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ ما طَعِمُوا كائِنًا ما كانَ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوْا ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ كالخَمْرِ وغَيْرِهِ مِنَ الكَبائِرِ، وجَمِيعِ المَعاصِي وآمَنُوا بِاللَّهِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَهُمْ؛ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوُا الأوَّلِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كانَ مُباحًا فِيما سَبَقَ وآمَنُوا بِتَحْرِيمِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّحْرِيمِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ وأحْسَنُوا أيِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ، هَذا مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ: المَبْدَأُ، والوَسَطُ، والمُنْتَهى، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرارَ بِاعْتِبارِ ما يَتَّقِيهِ الإنْسانُ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العَذابِ، والشُّبْهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضِ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤] هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ إمّا مَعَ النَّظَرِ إلى سَبَبِ نُزُولِها، وهو أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها ويَأْكُلُ المَيْسِرَ ؟ فَنَزَلَتْ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى اتَّقَوْا الشِّرْكَ وآمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الكَبائِرَ وآمَنُوا أيِ: ازْدادُوا إيمانًا ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الصَّغائِرَ وأحْسَنُوا أيْ تَنَفَّلُوا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو الِاتِّقاءُ بِتَلَقِّي أمْرِ اللَّهِ بِالقَبُولِ والتَّصْدِيقِ والدَّيْنُونَةِ بِهِ والعَمَلِ، والِاتِّقاءُ الثّانِي: الِاتِّقاءُ بِالثَّباتِ عَلى التَّصْدِيقِ، والثّالِثُ: الِاتِّقاءُ بِالإحْسانِ والتَّقَرُّبِ بِالنَّوافِلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ فَأوَّلُ شَيْءٍ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقِيلَ: يا رَسُولُ اللَّهِ دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ» " . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ النّاسُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وماتُوا عَلى فِراشِهِمْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، وقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعا ناسًا فَأتَوْهُ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِالأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، وقالَ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ شَرِبُوا، فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٍ وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وفُلانٌ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ. وقَدْ رُوِيَتْ في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ مُوافِقَةٌ لِما قَدْ ذَكَرْناهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرٍ مَتى حُرِّمَتِ الخَمْرُ ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبُ (p-٣٩٤)الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها النَّرْدَشِيرُ، واللَّهُ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ يَلْعَبُ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِي مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ سَألَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ فَلا تَلْعَبُوا بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الخَطْمِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِثْلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ ودَمِ الخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: قُلُوبٌ لاهِيَةٌ وأيْدِي عَلِيلَةٌ وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ: القِمارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ عَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانُ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: القِمارُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِها الأُمُورَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في الأزْلامِ قالَ: هي كَعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في ذَمِّ الخَمْرِ وشارِبِها والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ وأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وهي مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ فَلا نُطَوِّلُ المَقامَ بِذِكْرِها فَلَسْنا بِصَدَدِ ذَلِكَ، بَلْ نَحْنُ بِصَدَدِ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِالتَّفْسِيرِ.

المائدة 5:91

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَيْسِرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿والأنْصابُ﴾ هي الأصْنامُ المَنصُوبَةُ لِلْعِبادَةِ ﴿والأزْلامُ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والرِّجْسُ يُطْلَقُ عَلى العُذْرَةِ والأقْذارِ. وهو خَبَرٌ لِلْخَمْرِ، وخَبَرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ صِفَةٌ لِرِجْسٍ؛ أيْ: كائِنٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، بِسَبَبِ تَحْسِينِهِ لِذَلِكَ وتَزْيِينِهِ لَهُ وقِيلَ: هو الَّذِي كانَ عَمِلَ هَذِهِ الأُمُورَ بِنَفْسِهِ فاقْتَدى بِهِ بَنُو آدَمَ والضَّمِيرُ في ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ راجِعٌ إلى الرِّجْسِ أوْ إلى المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ عِلَّةٌ لِما قَبْلَهُ. قالَ في الكَشّافِ: أُكِّدَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وُجُوهًا مِنَ التَّأْكِيدِ، مِنها تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما، ومِنها أنَّهُ قَرْنَهُما بِعِبادَةِ الأصْنامِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما رِجْسًا، كَما قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ، ومِنها أنَّهُ أمْرٌ بِالِاجْتِنابِ، ومِنها أنَّهُ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَيْبَةً ومُحْقَةً، ومِنها أنَّهُ ذَكَرَ ما يَنْتُجُ مِنهُما مِنَ الوَبالِ، وهو وُقُوعُ التَّعادِي والتَّباغُضِ بَيْنَ أصْحابِ الخَمْرِ والقَمْرِ، وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنْ مُراعاةِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ انْتَهى. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ لِما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِالِاجْتِنابِ مِنَ الوُجُوبِ وتَحْرِيمِ الصَّدِّ، ولِما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِن تَحْرِيمِ قُرْبانِ الرِّجْسِ فَضْلًا عَنْ جَعْلِهِ شَرابًا يُشْرَبُ. قالَ أهْلُ العِلْمِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرُهم: كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بِتَدْرِيجٍ ونَوازِلَ كَثِيرَةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ألِفُوا شُرْبَها وحَبَّبَها الشَّيْطانُ إلى قُلُوبِهِمْ، فَأوَّلُ ما نَزَلْ في أمْرِها ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَتَرَكَ عِنْدَ ذَلِكَ بَعْضٌ مِنَ المُسْلِمِينَ شُرْبَها ولَمْ يَتْرُكْهُ آخَرُونَ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَتَرَكَها البَعْضُ أيْضًا، وقالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيما يَشْغَلُنا عَنِ الصَّلاةِ، وشَرِبَها البَعْضُ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ فَصارَتْ حَرامًا عَلَيْهِمْ، حَتّى كانَ يَقُولُ بَعْضُهم: ما حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا أشَدَّ مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ لِما فَهِمُوهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الزَّواجِرِ، وفِيما جاءَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنَ الوَعِيدِ لِشارِبِها، وأنَّها مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ. وقَدْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ المُسْلِمُونَ إجْماعًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وأجْمَعُوا أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ بَيْعِها والِانْتِفاعِ بِها ما (p-٣٩٣)دامَتْ خَمْرًا، وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ دَلَّتْ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ المَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ. وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ ومِنَ المَفاسِدِ الدِّينِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فِيهِ زَجْرٌ بَلِيغٌ يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الدّالُّ عَلى التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ. ولِهَذا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَمِعَ هَذا: انْتَهَيْنا. ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا التَّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ أيْ: مُخالَفَتَهُما؛ أيْ: مُخالَفَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّ هَذا وإنْ كانَ أمْرًا مُطْلَقًا فالمَجِيءُ بِهِ في هَذا المَوْضِعِ يُفِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّأْكِيدِ، وهَكَذا ما أفادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ الِامْتِثالِ، فَقَدْ فَعَلَ الرَّسُولُ ما هو الواجِبُ عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ الَّذِي فِيهِ رَشادُكم وصَلاحُكم، ولَمْ تَضُرُّوا بِالمُخالَفَةِ إلّا أنْفُسَكم، وفي هَذا مِنَ الزَّجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ: مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي يَشْتَهُونَها، والطَّعْمُ وإنْ كانَ اسْتِعْمالُهُ في الأكْلِ أكْثَرَ لَكِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في الشُّرْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] أباحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ ما طَعِمُوا كائِنًا ما كانَ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوْا ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ كالخَمْرِ وغَيْرِهِ مِنَ الكَبائِرِ، وجَمِيعِ المَعاصِي وآمَنُوا بِاللَّهِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَهُمْ؛ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوُا الأوَّلِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كانَ مُباحًا فِيما سَبَقَ وآمَنُوا بِتَحْرِيمِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّحْرِيمِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ وأحْسَنُوا أيِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ، هَذا مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ: المَبْدَأُ، والوَسَطُ، والمُنْتَهى، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرارَ بِاعْتِبارِ ما يَتَّقِيهِ الإنْسانُ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العَذابِ، والشُّبْهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضِ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤] هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ إمّا مَعَ النَّظَرِ إلى سَبَبِ نُزُولِها، وهو أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها ويَأْكُلُ المَيْسِرَ ؟ فَنَزَلَتْ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى اتَّقَوْا الشِّرْكَ وآمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الكَبائِرَ وآمَنُوا أيِ: ازْدادُوا إيمانًا ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الصَّغائِرَ وأحْسَنُوا أيْ تَنَفَّلُوا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو الِاتِّقاءُ بِتَلَقِّي أمْرِ اللَّهِ بِالقَبُولِ والتَّصْدِيقِ والدَّيْنُونَةِ بِهِ والعَمَلِ، والِاتِّقاءُ الثّانِي: الِاتِّقاءُ بِالثَّباتِ عَلى التَّصْدِيقِ، والثّالِثُ: الِاتِّقاءُ بِالإحْسانِ والتَّقَرُّبِ بِالنَّوافِلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ فَأوَّلُ شَيْءٍ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقِيلَ: يا رَسُولُ اللَّهِ دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ» " . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ النّاسُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وماتُوا عَلى فِراشِهِمْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، وقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعا ناسًا فَأتَوْهُ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِالأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، وقالَ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ شَرِبُوا، فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٍ وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وفُلانٌ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ. وقَدْ رُوِيَتْ في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ مُوافِقَةٌ لِما قَدْ ذَكَرْناهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرٍ مَتى حُرِّمَتِ الخَمْرُ ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبُ (p-٣٩٤)الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها النَّرْدَشِيرُ، واللَّهُ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ يَلْعَبُ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِي مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ سَألَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ فَلا تَلْعَبُوا بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الخَطْمِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِثْلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ ودَمِ الخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: قُلُوبٌ لاهِيَةٌ وأيْدِي عَلِيلَةٌ وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ: القِمارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ عَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانُ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: القِمارُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِها الأُمُورَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في الأزْلامِ قالَ: هي كَعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في ذَمِّ الخَمْرِ وشارِبِها والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ وأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وهي مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ فَلا نُطَوِّلُ المَقامَ بِذِكْرِها فَلَسْنا بِصَدَدِ ذَلِكَ، بَلْ نَحْنُ بِصَدَدِ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِالتَّفْسِيرِ.