Lafzullah

Fath Al-Qadir Al-Shawkani — المائدة 5:92 – المائدة 5:120

المؤلف / المصدر: Fath Al-Qadir Al-Shawkani

المحتويات
  1. المائدة 5:92
  2. المائدة 5:93
  3. المائدة 5:94
  4. المائدة 5:95
  5. المائدة 5:96
  6. المائدة 5:97
  7. المائدة 5:98
  8. المائدة 5:99
  9. المائدة 5:100
  10. المائدة 5:101
  11. المائدة 5:102
  12. المائدة 5:103
  13. المائدة 5:104
  14. المائدة 5:105
  15. المائدة 5:106
  16. المائدة 5:107
  17. المائدة 5:108
  18. المائدة 5:109
  19. المائدة 5:110
  20. المائدة 5:111
  21. المائدة 5:112
  22. المائدة 5:113
  23. المائدة 5:114
  24. المائدة 5:115
  25. المائدة 5:116
  26. المائدة 5:117
  27. المائدة 5:118
  28. المائدة 5:119
  29. المائدة 5:120

المائدة 5:92

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَيْسِرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿والأنْصابُ﴾ هي الأصْنامُ المَنصُوبَةُ لِلْعِبادَةِ ﴿والأزْلامُ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والرِّجْسُ يُطْلَقُ عَلى العُذْرَةِ والأقْذارِ. وهو خَبَرٌ لِلْخَمْرِ، وخَبَرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ صِفَةٌ لِرِجْسٍ؛ أيْ: كائِنٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، بِسَبَبِ تَحْسِينِهِ لِذَلِكَ وتَزْيِينِهِ لَهُ وقِيلَ: هو الَّذِي كانَ عَمِلَ هَذِهِ الأُمُورَ بِنَفْسِهِ فاقْتَدى بِهِ بَنُو آدَمَ والضَّمِيرُ في ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ راجِعٌ إلى الرِّجْسِ أوْ إلى المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ عِلَّةٌ لِما قَبْلَهُ. قالَ في الكَشّافِ: أُكِّدَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وُجُوهًا مِنَ التَّأْكِيدِ، مِنها تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما، ومِنها أنَّهُ قَرْنَهُما بِعِبادَةِ الأصْنامِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما رِجْسًا، كَما قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ، ومِنها أنَّهُ أمْرٌ بِالِاجْتِنابِ، ومِنها أنَّهُ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَيْبَةً ومُحْقَةً، ومِنها أنَّهُ ذَكَرَ ما يَنْتُجُ مِنهُما مِنَ الوَبالِ، وهو وُقُوعُ التَّعادِي والتَّباغُضِ بَيْنَ أصْحابِ الخَمْرِ والقَمْرِ، وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنْ مُراعاةِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ انْتَهى. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ لِما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِالِاجْتِنابِ مِنَ الوُجُوبِ وتَحْرِيمِ الصَّدِّ، ولِما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِن تَحْرِيمِ قُرْبانِ الرِّجْسِ فَضْلًا عَنْ جَعْلِهِ شَرابًا يُشْرَبُ. قالَ أهْلُ العِلْمِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرُهم: كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بِتَدْرِيجٍ ونَوازِلَ كَثِيرَةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ألِفُوا شُرْبَها وحَبَّبَها الشَّيْطانُ إلى قُلُوبِهِمْ، فَأوَّلُ ما نَزَلْ في أمْرِها ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَتَرَكَ عِنْدَ ذَلِكَ بَعْضٌ مِنَ المُسْلِمِينَ شُرْبَها ولَمْ يَتْرُكْهُ آخَرُونَ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَتَرَكَها البَعْضُ أيْضًا، وقالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيما يَشْغَلُنا عَنِ الصَّلاةِ، وشَرِبَها البَعْضُ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ فَصارَتْ حَرامًا عَلَيْهِمْ، حَتّى كانَ يَقُولُ بَعْضُهم: ما حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا أشَدَّ مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ لِما فَهِمُوهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الزَّواجِرِ، وفِيما جاءَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنَ الوَعِيدِ لِشارِبِها، وأنَّها مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ. وقَدْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ المُسْلِمُونَ إجْماعًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وأجْمَعُوا أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ بَيْعِها والِانْتِفاعِ بِها ما (p-٣٩٣)دامَتْ خَمْرًا، وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ دَلَّتْ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ المَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ. وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ ومِنَ المَفاسِدِ الدِّينِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فِيهِ زَجْرٌ بَلِيغٌ يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الدّالُّ عَلى التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ. ولِهَذا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَمِعَ هَذا: انْتَهَيْنا. ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا التَّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ أيْ: مُخالَفَتَهُما؛ أيْ: مُخالَفَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّ هَذا وإنْ كانَ أمْرًا مُطْلَقًا فالمَجِيءُ بِهِ في هَذا المَوْضِعِ يُفِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّأْكِيدِ، وهَكَذا ما أفادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ الِامْتِثالِ، فَقَدْ فَعَلَ الرَّسُولُ ما هو الواجِبُ عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ الَّذِي فِيهِ رَشادُكم وصَلاحُكم، ولَمْ تَضُرُّوا بِالمُخالَفَةِ إلّا أنْفُسَكم، وفي هَذا مِنَ الزَّجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ: مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي يَشْتَهُونَها، والطَّعْمُ وإنْ كانَ اسْتِعْمالُهُ في الأكْلِ أكْثَرَ لَكِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في الشُّرْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] أباحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ ما طَعِمُوا كائِنًا ما كانَ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوْا ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ كالخَمْرِ وغَيْرِهِ مِنَ الكَبائِرِ، وجَمِيعِ المَعاصِي وآمَنُوا بِاللَّهِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَهُمْ؛ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوُا الأوَّلِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كانَ مُباحًا فِيما سَبَقَ وآمَنُوا بِتَحْرِيمِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّحْرِيمِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ وأحْسَنُوا أيِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ، هَذا مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ: المَبْدَأُ، والوَسَطُ، والمُنْتَهى، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرارَ بِاعْتِبارِ ما يَتَّقِيهِ الإنْسانُ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العَذابِ، والشُّبْهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضِ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤] هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ إمّا مَعَ النَّظَرِ إلى سَبَبِ نُزُولِها، وهو أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها ويَأْكُلُ المَيْسِرَ ؟ فَنَزَلَتْ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى اتَّقَوْا الشِّرْكَ وآمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الكَبائِرَ وآمَنُوا أيِ: ازْدادُوا إيمانًا ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الصَّغائِرَ وأحْسَنُوا أيْ تَنَفَّلُوا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو الِاتِّقاءُ بِتَلَقِّي أمْرِ اللَّهِ بِالقَبُولِ والتَّصْدِيقِ والدَّيْنُونَةِ بِهِ والعَمَلِ، والِاتِّقاءُ الثّانِي: الِاتِّقاءُ بِالثَّباتِ عَلى التَّصْدِيقِ، والثّالِثُ: الِاتِّقاءُ بِالإحْسانِ والتَّقَرُّبِ بِالنَّوافِلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ فَأوَّلُ شَيْءٍ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقِيلَ: يا رَسُولُ اللَّهِ دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ» " . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ النّاسُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وماتُوا عَلى فِراشِهِمْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، وقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعا ناسًا فَأتَوْهُ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِالأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، وقالَ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ شَرِبُوا، فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٍ وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وفُلانٌ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ. وقَدْ رُوِيَتْ في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ مُوافِقَةٌ لِما قَدْ ذَكَرْناهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرٍ مَتى حُرِّمَتِ الخَمْرُ ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبُ (p-٣٩٤)الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها النَّرْدَشِيرُ، واللَّهُ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ يَلْعَبُ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِي مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ سَألَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ فَلا تَلْعَبُوا بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الخَطْمِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِثْلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ ودَمِ الخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: قُلُوبٌ لاهِيَةٌ وأيْدِي عَلِيلَةٌ وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ: القِمارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ عَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانُ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: القِمارُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِها الأُمُورَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في الأزْلامِ قالَ: هي كَعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في ذَمِّ الخَمْرِ وشارِبِها والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ وأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وهي مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ فَلا نُطَوِّلُ المَقامَ بِذِكْرِها فَلَسْنا بِصَدَدِ ذَلِكَ، بَلْ نَحْنُ بِصَدَدِ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِالتَّفْسِيرِ.

المائدة 5:93

قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ خِطابٌ لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ المَيْسِرِ في سُورَةِ البَقَرَةِ ﴿والأنْصابُ﴾ هي الأصْنامُ المَنصُوبَةُ لِلْعِبادَةِ ﴿والأزْلامُ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُها في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، والرِّجْسُ يُطْلَقُ عَلى العُذْرَةِ والأقْذارِ. وهو خَبَرٌ لِلْخَمْرِ، وخَبَرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ مَحْذُوفٌ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ صِفَةٌ لِرِجْسٍ؛ أيْ: كائِنٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، بِسَبَبِ تَحْسِينِهِ لِذَلِكَ وتَزْيِينِهِ لَهُ وقِيلَ: هو الَّذِي كانَ عَمِلَ هَذِهِ الأُمُورَ بِنَفْسِهِ فاقْتَدى بِهِ بَنُو آدَمَ والضَّمِيرُ في ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ راجِعٌ إلى الرِّجْسِ أوْ إلى المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ: ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ عِلَّةٌ لِما قَبْلَهُ. قالَ في الكَشّافِ: أُكِّدَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ والمَيْسِرِ وُجُوهًا مِنَ التَّأْكِيدِ، مِنها تَصْدِيرُ الجُمْلَةِ بِإنَّما، ومِنها أنَّهُ قَرْنَهُما بِعِبادَةِ الأصْنامِ ومِنهُ قَوْلُهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ» ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما رِجْسًا، كَما قالَ: ﴿فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ومِنها أنَّهُ جَعَلَهُما مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ والشَّيْطانُ لا يَأْتِي مِنهُ إلّا الشَّرُّ البَحْتُ، ومِنها أنَّهُ أمْرٌ بِالِاجْتِنابِ، ومِنها أنَّهُ جَعَلَ الِاجْتِنابَ مِنَ الفَلاحِ، وإذا كانَ الِاجْتِنابُ فَلاحًا كانَ الِارْتِكابُ خَيْبَةً ومُحْقَةً، ومِنها أنَّهُ ذَكَرَ ما يَنْتُجُ مِنهُما مِنَ الوَبالِ، وهو وُقُوعُ التَّعادِي والتَّباغُضِ بَيْنَ أصْحابِ الخَمْرِ والقَمْرِ، وما يُؤَدِّيانِ إلَيْهِ مِنَ الصَّدِّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنْ مُراعاةِ أوْقاتِ الصَّلَواتِ انْتَهى. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ لِما تَضَمَّنَهُ الأمْرُ بِالِاجْتِنابِ مِنَ الوُجُوبِ وتَحْرِيمِ الصَّدِّ، ولِما تَقَرَّرَ في الشَّرِيعَةِ مِن تَحْرِيمِ قُرْبانِ الرِّجْسِ فَضْلًا عَنْ جَعْلِهِ شَرابًا يُشْرَبُ. قالَ أهْلُ العِلْمِ مِنَ المُفَسِّرِينَ وغَيْرُهم: كانَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بِتَدْرِيجٍ ونَوازِلَ كَثِيرَةٍ؛ لِأنَّهم كانُوا قَدْ ألِفُوا شُرْبَها وحَبَّبَها الشَّيْطانُ إلى قُلُوبِهِمْ، فَأوَّلُ ما نَزَلْ في أمْرِها ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَتَرَكَ عِنْدَ ذَلِكَ بَعْضٌ مِنَ المُسْلِمِينَ شُرْبَها ولَمْ يَتْرُكْهُ آخَرُونَ، ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَتَرَكَها البَعْضُ أيْضًا، وقالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيما يَشْغَلُنا عَنِ الصَّلاةِ، وشَرِبَها البَعْضُ في غَيْرِ أوْقاتِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ فَصارَتْ حَرامًا عَلَيْهِمْ، حَتّى كانَ يَقُولُ بَعْضُهم: ما حَرَّمَ اللَّهُ شَيْئًا أشَدَّ مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ لِما فَهِمُوهُ مِنَ التَّشْدِيدِ فِيما تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الزَّواجِرِ، وفِيما جاءَتْ بِهِ الأحادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِنَ الوَعِيدِ لِشارِبِها، وأنَّها مِن كَبائِرِ الذُّنُوبِ. وقَدْ أجْمَعَ عَلى ذَلِكَ المُسْلِمُونَ إجْماعًا لا شَكَّ فِيهِ ولا شُبْهَةَ، وأجْمَعُوا أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ بَيْعِها والِانْتِفاعِ بِها ما (p-٣٩٣)دامَتْ خَمْرًا، وكَما دَلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى تَحْرِيمِ الخَمْرِ دَلَّتْ أيْضًا عَلى تَحْرِيمِ المَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ. وقَدْ أشارَتْ هَذِهِ الآيَةُ إلى ما في الخَمْرِ والمَيْسِرِ مِنَ المَفاسِدِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ﴾ ومِنَ المَفاسِدِ الدِّينِيَّةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ﴾ . قَوْلُهُ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فِيهِ زَجْرٌ بَلِيغٌ يُفِيدُهُ الِاسْتِفْهامُ الدّالُّ عَلى التَّقْرِيعِ والتَّوْبِيخِ. ولِهَذا قالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمّا سَمِعَ هَذا: انْتَهَيْنا. ثُمَّ أكَّدَ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذا التَّحْرِيمَ بِقَوْلِهِ: ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾ أيْ: مُخالَفَتَهُما؛ أيْ: مُخالَفَةُ اللَّهِ ورَسُولِهِ، فَإنَّ هَذا وإنْ كانَ أمْرًا مُطْلَقًا فالمَجِيءُ بِهِ في هَذا المَوْضِعِ يُفِيدُ ما ذَكَرْناهُ مِنَ التَّأْكِيدِ، وهَكَذا ما أفادَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ أيْ: إنْ أعْرَضْتُمْ عَنْ الِامْتِثالِ، فَقَدْ فَعَلَ الرَّسُولُ ما هو الواجِبُ عَلَيْهِ مِنَ البَلاغِ الَّذِي فِيهِ رَشادُكم وصَلاحُكم، ولَمْ تَضُرُّوا بِالمُخالَفَةِ إلّا أنْفُسَكم، وفي هَذا مِنَ الزَّجْرِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ ولا يُبْلَغُ مَداهُ. قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ أيْ: مِنَ المَطاعِمِ الَّتِي يَشْتَهُونَها، والطَّعْمُ وإنْ كانَ اسْتِعْمالُهُ في الأكْلِ أكْثَرَ لَكِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمالُهُ في الشُّرْبِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] أباحَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهم في هَذِهِ الآيَةِ جَمِيعَ ما طَعِمُوا كائِنًا ما كانَ مُقَيَّدًا بِقَوْلِهِ: ﴿إذا ما اتَّقَوْا﴾ أيِ اتَّقَوْا ما هو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِمْ كالخَمْرِ وغَيْرِهِ مِنَ الكَبائِرِ، وجَمِيعِ المَعاصِي وآمَنُوا بِاللَّهِ وعَمِلُوا الصّالِحاتِ مِنَ الأعْمالِ الَّتِي شَرَعَها اللَّهُ لَهُمْ؛ أيِ: اسْتَمَرُّوا عَلى عَمَلِها. قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ عَطْفٌ عَلى اتَّقَوُا الأوَّلِ؛ أيِ: اتَّقَوْا ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كانَ مُباحًا فِيما سَبَقَ وآمَنُوا بِتَحْرِيمِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّحْرِيمِ المَذْكُورِ قَبْلَهُ مِمّا كانَ مُباحًا مِن قَبْلُ وأحْسَنُوا أيِ عَمِلُوا الأعْمالَ الحَسَنَةَ، هَذا مَعْنى الآيَةِ، وقِيلَ: التَّكْرِيرُ بِاعْتِبارِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرِيرَ بِاعْتِبارِ المَراتِبِ الثَّلاثِ: المَبْدَأُ، والوَسَطُ، والمُنْتَهى، وقِيلَ: إنَّ التَّكْرارَ بِاعْتِبارِ ما يَتَّقِيهِ الإنْسانُ، فَإنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَتْرُكَ المُحَرَّماتِ تَوَقِّيًا مِنَ العَذابِ، والشُّبْهاتِ تَوَقِّيًا مِنَ الوُقُوعِ في الحَرامِ، وبَعْضِ المُباحاتِ حِفْظًا لِلنَّفْسِ عَنِ الخِسَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ﴿ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣، ٤] هَذِهِ الوُجُوهُ كُلُّها مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ إمّا مَعَ النَّظَرِ إلى سَبَبِ نُزُولِها، وهو أنَّهُ لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، قالَ قَوْمٌ مِنَ الصَّحابَةِ: كَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها ويَأْكُلُ المَيْسِرَ ؟ فَنَزَلَتْ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّ المَعْنى اتَّقَوْا الشِّرْكَ وآمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الكَبائِرَ وآمَنُوا أيِ: ازْدادُوا إيمانًا ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ الصَّغائِرَ وأحْسَنُوا أيْ تَنَفَّلُوا. قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: الِاتِّقاءُ الأوَّلُ هو الِاتِّقاءُ بِتَلَقِّي أمْرِ اللَّهِ بِالقَبُولِ والتَّصْدِيقِ والدَّيْنُونَةِ بِهِ والعَمَلِ، والِاتِّقاءُ الثّانِي: الِاتِّقاءُ بِالثَّباتِ عَلى التَّصْدِيقِ، والثّالِثُ: الِاتِّقاءُ بِالإحْسانِ والتَّقَرُّبِ بِالنَّوافِلِ، وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ فَأوَّلُ شَيْءٍ ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقِيلَ: يا رَسُولُ اللَّهِ دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهم، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ» " . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ وذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ النّاسُ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ وماتُوا عَلى فِراشِهِمْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، وقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في ناسِخِهِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعا ناسًا فَأتَوْهُ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِالأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، وقالَ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي، فَأتَيْتُ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الأنْصارِ شَرِبُوا، فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٍ وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وفُلانٌ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ. وقَدْ رُوِيَتْ في سَبَبِ النُّزُولِ رِواياتٌ كَثِيرَةٌ مُوافِقَةٌ لِما قَدْ ذَكَرْناهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرٍ مَتى حُرِّمَتِ الخَمْرُ ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبُ (p-٣٩٤)الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ذَمِّ المَلاهِي والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْهُ أيْضًا أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجُوا أيْضًا عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها النَّرْدَشِيرُ، واللَّهُ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ يَلْعَبُ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِي مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي جَعْفَرٍ أنَّهُ سَألَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ فَلا تَلْعَبُوا بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ الخَطْمِيِّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي مِثْلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ ودَمِ الخِنْزِيرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ يَحْيى بْنِ كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: قُلُوبٌ لاهِيَةٌ وأيْدِي عَلِيلَةٌ وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ: القِمارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ عَنْ عَطاءٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ حَتّى لَعِبِ الصِّبْيانُ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: القِمارُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِها الأُمُورَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في الأزْلامِ قالَ: هي كَعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ. وقَدْ ورَدَتْ أحادِيثُ كَثِيرَةٌ في ذَمِّ الخَمْرِ وشارِبِها والوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ وأنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ وهي مُدَوَّنَةٌ في كُتُبِ الحَدِيثِ فَلا نُطَوِّلُ المَقامَ بِذِكْرِها فَلَسْنا بِصَدَدِ ذَلِكَ، بَلْ نَحْنُ بِصَدَدِ ما هو مُتَعَلِّقٌ بِالتَّفْسِيرِ.

المائدة 5:94

قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أيْ: لَيَخْتَبِرَنَّكم، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، كانَ الصَّيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مَعَ الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَعْتَدُوا في السَّبْتِ، وكانَ نُزُولُ الآيَةِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، أحْرَمَ بَعْضُهم وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَكانَ إذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ المُحِلُّونَ أوِ المُحْرِمُونَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ وإلى الثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ، والرّاجِحُ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمِيعِ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ومِن في مِنَ الصَّيْدِ لِلتَّبْعِيضِ وهو صَيْدُ البَرِّ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ حَقِيرٌ مِنَ الصَّيْدِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( يَنالُهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الصَّيْدِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ بِاليَدِ وهو ما لا يُطِيقُ الفِرارَ كالصِّغارِ والبَيْضِ، وبَيْنَ ما تَنالُهُ الرِّماحُ: وهو ما يُطِيقُ الفِرارَ وخَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ الصّائِدُ في أخْذِ الصَّيْدِ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ الآلاتِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ مَن يَخافُهُ مِنكم بِسَبَبِ عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّهُ غائِبٌ عَنْكم غَيْرُ حاضِرٍ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي امْتَحَنَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ مُعانَدَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٣٩٥)وتَجْرِئَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهاهم عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ، وفي مَعْناهُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وهَذا النَّهْيُ شامِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِن ذُكُورِ المُسْلِمِينَ وإناثِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ وامْرَأةٌ حَرامٌ والجَمْعُ حُرُمٌ، وأحْرَمَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في الحَرَمِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ المُتَعَمِّدُ: هو القاصِدُ لِلشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالإحْرامِ، والمُخْطِئُ: هو الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا، والنّاسِي: هو الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ ولا يَذْكُرُ إحْرامَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وداوُدُ عَنْهُ بِاقْتِصارِهِ سُبْحانَهُ عَلى العامِدِ بِأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ لا تَجِبُ إلّا عَلَيْهِ وحْدَهُ. وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وأبُو ثَوْرٍ. وقِيلَ: إنَّها تَلْزَمُ الكَفّارَةُ المُخْطِئَ والنّاسِيَ كَما تَلْزَمُ المُتَعَمِّدَ، وجَعَلُوا قَيْدَ التَّعَمُّدِ خارِجًا مَخْرَجَ الغالِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَلى العامِدِ النّاسِي لِإحْرامِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ فَقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ، فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانٌ لِلْجَزاءِ المُماثِلِ. قِيلَ: المُرادُ المُماثَلَةُ في القِيمَةِ، وقِيلَ: في الخِلْقَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أبُو حَنِيفَةَ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والجُمْهُورُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ لِلْمُماثِلِ بِالنِّعَمِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُفِيدُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ. ورُوِيَ عَنْأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ ولَوْ وُجِدَ المِثْلُ، وأنَّ المُحْرِمَ مُخَيَّرٌ. وقُرِئَ ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وقُرِئَ ( فَجَزاءُ مِثْلِ ) عَلى إضافَةِ جَزاءٍ إلى مِثْلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ ( النَّعْمِ ) بِسُكُونِ العَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ بِالجَزاءِ أوْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أيْ: رَجُلانِ مَعْرُوفانِ بِالعَدالَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا حَكَما بِشَيْءٍ لَزِمَ، وإنِ اخْتَلَفا رُجِعَ إلى غَيْرِهِما، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجانِي أحَدَ الحَكَمَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ، وبِالأوَّلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حَكَمَيْنِ غَيْرَ الجانِي. قَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ نُصِبَ " هَدَيًا " عَلى الحالِ أوِ البَدَلِ مِن " مِثْلِ "، و﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، والمَعْنى أنَّهُما إذا حَكَما بِالجَزاءِ فَإنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالهَدْيِ مِنَ الإرْسالِ إلى مَكَّةَ والنَّحْرِ هُنالِكَ، والإشْعارِ والتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُرِدِ الكَعْبَةَ بِعَيْنِها فَإنَّ الهَدْيَ لا يَبْلُغُها، وإنَّما أرادَ الحَرَمَ، ولا خِلافَ في هَذا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ: وهو الرَّفْعُ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى طَعامٍ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَزاءٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فالجانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وعَدْلُ الشَّيْءِ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، و﴿صِيامًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ عَدْلَ كُلِّ صَيْدٍ مِنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ الجانِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يُجْزِئُ المُحْرِمُ الإطْعامَ والصَّوْمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها لُغَتانِ وهُما المَيْلُ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِمِثْلِ قَوْلِ الكِسائِيِّ قالَ البَصْرِيُّونَ. قَوْلَهُ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ عَلَيْهِ لِإيجابِ الجَزاءِ؛ أيْ: أوْجَبْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِإدْراكِ المَشَقَّةِ، ومِثْلُهُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ، والمَرْعى الوَبِيلُ: الَّذِي يَتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ، وطَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ ثَقِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَعْنِي في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكم لِلصَّيْدِ، وقِيلَ عَمّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الكَفّارَةِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. قِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ فَيُعَذِّبُهُ بِذَنْبِهِ، وقِيلَ: يَنْتَقِمُ مِنهُ بِالكَفّارَةِ. قالَ شُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإذا عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بَلْ يُقالُ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ أيْ: ذَنْبُكَ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفَّرَ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أوْ لِلْمُحْرِمِينَ خاصَّةً، وصَيْدُ البَحْرِ ما يُصادُ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا كُلُّ ماءٍ يُوجَدُ فِيهِ صَيْدٌ بَحْرِيٌّ وإنْ كانَ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا. قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الطَّعامُ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا فَقِيلَ: هو ما قَذَفَ بِهِ البَحْرُ وطَفا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: طَعامُهُ ما مُلِّحَ مِنهُ وبَقِيَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَعامُهُ مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، وبِهِ قالَ قَوْمٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يُطْعَمُ مِنَ الصَّيْدِ؛ أيْ: ما يَحِلُّ أكْلُهُ وهو السَّمَكُ فَقَطْ، وبِهِ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ. والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلُّ لَكُمُ المَأْكُولُ مِنهُ وهو السَّمَكُ، فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وهو تَكَلُّفٌ لا وجْهَ لَهُ، ونُصِبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ: مُتِّعْتُمْ بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ مَتاعًا، وهو تَكَلُّفٌ جاءَ بِهِ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأخِيرِ، بَلْ إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ كانَ مِنَ الجَمِيعِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم مَصِيدُ البَحْرِ وطَعامُهُ تَمْتِيعًا لَكُمْ؛ أيْ: لِمَن كانَ مُقِيمًا مِنكم يَأْكُلُهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ أيِ المُسافِرِينَ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ قَدِيدًا، وقِيلَ: السَّيّارَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ خاصَّةً. قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما يُصادُ في البَرِّ ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ، وظاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلى المُحْرِمِ ولَوْ كانَ الصّائِدُ حَلالًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إنْ كانَ الحَلالُ صادَهُ لِلْمُحْرِمِ لا إذا لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، وهو القَوْلُ الرّاجِحُ، وبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأحادِيثِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ: وقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ آخَرُونَ، وقَدْ بَسَطْنا هَذا (p-٣٩٦)فِي شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما نَهاكم عَنْهُ الَّذِي إلَيْهِ تَحْشَرُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ ومُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وقُرِئَ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقُرِئَ ( ما دِمْتُمْ ) بِكَسْرِ الدّالِ. قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ، وأكْثَرُ بُيُوتِ العَرَبِ مُدَوَّرَةً لا مُرَبَّعَةً، وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِها وبُرُوزِها، وكُلُّ بارِزٍ كَعْبٌ مُسْتَدِيرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، ومِنهُ كَعْبُ القَدَمِ، وكُعُوبُ القَنا، وكَعْبٌ: ثَدْيُ المَرْأةِ، و﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ ولا وجْهَ لَهُ، وسُمِّي بَيْتًا؛ لِأنَّ لَهُ سُقُوفًا وجُدُرًا وهي حَقِيقَةُ البَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ساكِنٌ، وسُمِّيَ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( قَيِّمًا ) وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ جَعَلَ هو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما تَقَدَّمَ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا: أنَّهُ مَدارٌ لِمَعاشِهِمْ ودِينِهِمْ؛ أيْ: يَقُومُونَ فِيهِ بِما يُصْلِحُ دِينَهم ودُنْياهم: يَأْمَنُ فِيهِ خائِفُهم، ويُنْصَرُ فِيهِ ضَعِيفُهم، ويَرْبَحُ فِيهِ تُجّارُهم، ويَتَعَبَّدُ فِيهِ مُتَعَبِّدُهم. قَوْلُهُ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، وهو ذُو الحِجَّةِ، وخَصَّهُ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِكَوْنِهِ زَمانَ تَأْدِيَةِ الحَجِّ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ. والمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَطْلُبُونَ فِيها دَمًا، ولا يُقاتِلُونَ بِها عَدُوًّا، ولا يَهْتِكُونَ فِيها حُرْمَةً، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ قِيامًا لِلنّاسِ ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْ وجَعَلَ اللَّهُ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَلائِدِ أنْفُسُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الجَعْلِ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلُ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ مَصالِحَكُمُ الدِّينِيَّةَ والدُّنْيَوِيَّةَ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما، فَكُلُّ ما شَرَعَهُ لَكم فَهو جَلْبٌ لِمَصالِحِكم، ودَفْعٌ لِما يَضُرُّكم ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولَمْ يَتُبْ عَنْ ذَلِكَ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لِمَن تابَ وأنابَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ ما عَلى رَسُولِهِ إلّا البَلاغُ لَهم، فَإنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا ويُطِيعُوا فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وما جَنَوْا إلّا عَلَيْها، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ فَعَلَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وقامَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ أيْلًا ونَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَأِ والعَمْدِ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعاتٍ مِنَ السَّلَفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والخاطِئِ والنّاسِي، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالعامِدِ. ولِلسَّلَفِ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ المُماثِلِ وتَقْدِيرِ القِيمَةِ أقْوالٌ مَبْسُوطَةٌ في مَواطِنِها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ في بَيْضَةِ النَّعامِ: صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ» . وقَدِ اسْتَثْنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَيَواناتِ الحَرَمِ الخَمْسِ الفَواسِقِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَها ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم﴾ ما لَفِظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: كُلُّ ما فِيهِ. وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ العَنْبَرَةِ الَّتِي ألْقاها البَحْرُ فَأكَلَ الصَّحابَةُ مِنها وقَرَّرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. وحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدِيثُ: «أُحِلَّ لَكم مَيْتَتانِ ودَمانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ حَجِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حِينِ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ أوْ في الحَرَمِ أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، (p-٣٩٧)وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصْبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَحَمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرٌ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَتَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ حَواجِزٌ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا.

المائدة 5:95

قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أيْ: لَيَخْتَبِرَنَّكم، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، كانَ الصَّيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مَعَ الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَعْتَدُوا في السَّبْتِ، وكانَ نُزُولُ الآيَةِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، أحْرَمَ بَعْضُهم وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَكانَ إذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ المُحِلُّونَ أوِ المُحْرِمُونَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ وإلى الثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ، والرّاجِحُ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمِيعِ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ومِن في مِنَ الصَّيْدِ لِلتَّبْعِيضِ وهو صَيْدُ البَرِّ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ حَقِيرٌ مِنَ الصَّيْدِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( يَنالُهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الصَّيْدِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ بِاليَدِ وهو ما لا يُطِيقُ الفِرارَ كالصِّغارِ والبَيْضِ، وبَيْنَ ما تَنالُهُ الرِّماحُ: وهو ما يُطِيقُ الفِرارَ وخَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ الصّائِدُ في أخْذِ الصَّيْدِ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ الآلاتِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ مَن يَخافُهُ مِنكم بِسَبَبِ عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّهُ غائِبٌ عَنْكم غَيْرُ حاضِرٍ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي امْتَحَنَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ مُعانَدَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٣٩٥)وتَجْرِئَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهاهم عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ، وفي مَعْناهُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وهَذا النَّهْيُ شامِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِن ذُكُورِ المُسْلِمِينَ وإناثِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ وامْرَأةٌ حَرامٌ والجَمْعُ حُرُمٌ، وأحْرَمَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في الحَرَمِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ المُتَعَمِّدُ: هو القاصِدُ لِلشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالإحْرامِ، والمُخْطِئُ: هو الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا، والنّاسِي: هو الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ ولا يَذْكُرُ إحْرامَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وداوُدُ عَنْهُ بِاقْتِصارِهِ سُبْحانَهُ عَلى العامِدِ بِأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ لا تَجِبُ إلّا عَلَيْهِ وحْدَهُ. وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وأبُو ثَوْرٍ. وقِيلَ: إنَّها تَلْزَمُ الكَفّارَةُ المُخْطِئَ والنّاسِيَ كَما تَلْزَمُ المُتَعَمِّدَ، وجَعَلُوا قَيْدَ التَّعَمُّدِ خارِجًا مَخْرَجَ الغالِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَلى العامِدِ النّاسِي لِإحْرامِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ فَقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ، فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانٌ لِلْجَزاءِ المُماثِلِ. قِيلَ: المُرادُ المُماثَلَةُ في القِيمَةِ، وقِيلَ: في الخِلْقَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أبُو حَنِيفَةَ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والجُمْهُورُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ لِلْمُماثِلِ بِالنِّعَمِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُفِيدُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ. ورُوِيَ عَنْأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ ولَوْ وُجِدَ المِثْلُ، وأنَّ المُحْرِمَ مُخَيَّرٌ. وقُرِئَ ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وقُرِئَ ( فَجَزاءُ مِثْلِ ) عَلى إضافَةِ جَزاءٍ إلى مِثْلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ ( النَّعْمِ ) بِسُكُونِ العَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ بِالجَزاءِ أوْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أيْ: رَجُلانِ مَعْرُوفانِ بِالعَدالَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا حَكَما بِشَيْءٍ لَزِمَ، وإنِ اخْتَلَفا رُجِعَ إلى غَيْرِهِما، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجانِي أحَدَ الحَكَمَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ، وبِالأوَّلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حَكَمَيْنِ غَيْرَ الجانِي. قَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ نُصِبَ " هَدَيًا " عَلى الحالِ أوِ البَدَلِ مِن " مِثْلِ "، و﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، والمَعْنى أنَّهُما إذا حَكَما بِالجَزاءِ فَإنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالهَدْيِ مِنَ الإرْسالِ إلى مَكَّةَ والنَّحْرِ هُنالِكَ، والإشْعارِ والتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُرِدِ الكَعْبَةَ بِعَيْنِها فَإنَّ الهَدْيَ لا يَبْلُغُها، وإنَّما أرادَ الحَرَمَ، ولا خِلافَ في هَذا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ: وهو الرَّفْعُ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى طَعامٍ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَزاءٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فالجانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وعَدْلُ الشَّيْءِ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، و﴿صِيامًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ عَدْلَ كُلِّ صَيْدٍ مِنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ الجانِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يُجْزِئُ المُحْرِمُ الإطْعامَ والصَّوْمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها لُغَتانِ وهُما المَيْلُ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِمِثْلِ قَوْلِ الكِسائِيِّ قالَ البَصْرِيُّونَ. قَوْلَهُ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ عَلَيْهِ لِإيجابِ الجَزاءِ؛ أيْ: أوْجَبْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِإدْراكِ المَشَقَّةِ، ومِثْلُهُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ، والمَرْعى الوَبِيلُ: الَّذِي يَتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ، وطَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ ثَقِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَعْنِي في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكم لِلصَّيْدِ، وقِيلَ عَمّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الكَفّارَةِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. قِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ فَيُعَذِّبُهُ بِذَنْبِهِ، وقِيلَ: يَنْتَقِمُ مِنهُ بِالكَفّارَةِ. قالَ شُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإذا عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بَلْ يُقالُ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ أيْ: ذَنْبُكَ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفَّرَ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أوْ لِلْمُحْرِمِينَ خاصَّةً، وصَيْدُ البَحْرِ ما يُصادُ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا كُلُّ ماءٍ يُوجَدُ فِيهِ صَيْدٌ بَحْرِيٌّ وإنْ كانَ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا. قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الطَّعامُ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا فَقِيلَ: هو ما قَذَفَ بِهِ البَحْرُ وطَفا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: طَعامُهُ ما مُلِّحَ مِنهُ وبَقِيَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَعامُهُ مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، وبِهِ قالَ قَوْمٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يُطْعَمُ مِنَ الصَّيْدِ؛ أيْ: ما يَحِلُّ أكْلُهُ وهو السَّمَكُ فَقَطْ، وبِهِ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ. والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلُّ لَكُمُ المَأْكُولُ مِنهُ وهو السَّمَكُ، فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وهو تَكَلُّفٌ لا وجْهَ لَهُ، ونُصِبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ: مُتِّعْتُمْ بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ مَتاعًا، وهو تَكَلُّفٌ جاءَ بِهِ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأخِيرِ، بَلْ إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ كانَ مِنَ الجَمِيعِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم مَصِيدُ البَحْرِ وطَعامُهُ تَمْتِيعًا لَكُمْ؛ أيْ: لِمَن كانَ مُقِيمًا مِنكم يَأْكُلُهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ أيِ المُسافِرِينَ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ قَدِيدًا، وقِيلَ: السَّيّارَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ خاصَّةً. قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما يُصادُ في البَرِّ ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ، وظاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلى المُحْرِمِ ولَوْ كانَ الصّائِدُ حَلالًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إنْ كانَ الحَلالُ صادَهُ لِلْمُحْرِمِ لا إذا لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، وهو القَوْلُ الرّاجِحُ، وبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأحادِيثِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ: وقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ آخَرُونَ، وقَدْ بَسَطْنا هَذا (p-٣٩٦)فِي شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما نَهاكم عَنْهُ الَّذِي إلَيْهِ تَحْشَرُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ ومُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وقُرِئَ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقُرِئَ ( ما دِمْتُمْ ) بِكَسْرِ الدّالِ. قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ، وأكْثَرُ بُيُوتِ العَرَبِ مُدَوَّرَةً لا مُرَبَّعَةً، وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِها وبُرُوزِها، وكُلُّ بارِزٍ كَعْبٌ مُسْتَدِيرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، ومِنهُ كَعْبُ القَدَمِ، وكُعُوبُ القَنا، وكَعْبٌ: ثَدْيُ المَرْأةِ، و﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ ولا وجْهَ لَهُ، وسُمِّي بَيْتًا؛ لِأنَّ لَهُ سُقُوفًا وجُدُرًا وهي حَقِيقَةُ البَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ساكِنٌ، وسُمِّيَ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( قَيِّمًا ) وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ جَعَلَ هو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما تَقَدَّمَ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا: أنَّهُ مَدارٌ لِمَعاشِهِمْ ودِينِهِمْ؛ أيْ: يَقُومُونَ فِيهِ بِما يُصْلِحُ دِينَهم ودُنْياهم: يَأْمَنُ فِيهِ خائِفُهم، ويُنْصَرُ فِيهِ ضَعِيفُهم، ويَرْبَحُ فِيهِ تُجّارُهم، ويَتَعَبَّدُ فِيهِ مُتَعَبِّدُهم. قَوْلُهُ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، وهو ذُو الحِجَّةِ، وخَصَّهُ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِكَوْنِهِ زَمانَ تَأْدِيَةِ الحَجِّ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ. والمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَطْلُبُونَ فِيها دَمًا، ولا يُقاتِلُونَ بِها عَدُوًّا، ولا يَهْتِكُونَ فِيها حُرْمَةً، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ قِيامًا لِلنّاسِ ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْ وجَعَلَ اللَّهُ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَلائِدِ أنْفُسُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الجَعْلِ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلُ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ مَصالِحَكُمُ الدِّينِيَّةَ والدُّنْيَوِيَّةَ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما، فَكُلُّ ما شَرَعَهُ لَكم فَهو جَلْبٌ لِمَصالِحِكم، ودَفْعٌ لِما يَضُرُّكم ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولَمْ يَتُبْ عَنْ ذَلِكَ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لِمَن تابَ وأنابَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ ما عَلى رَسُولِهِ إلّا البَلاغُ لَهم، فَإنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا ويُطِيعُوا فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وما جَنَوْا إلّا عَلَيْها، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ فَعَلَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وقامَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ أيْلًا ونَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَأِ والعَمْدِ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعاتٍ مِنَ السَّلَفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والخاطِئِ والنّاسِي، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالعامِدِ. ولِلسَّلَفِ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ المُماثِلِ وتَقْدِيرِ القِيمَةِ أقْوالٌ مَبْسُوطَةٌ في مَواطِنِها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ في بَيْضَةِ النَّعامِ: صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ» . وقَدِ اسْتَثْنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَيَواناتِ الحَرَمِ الخَمْسِ الفَواسِقِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَها ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم﴾ ما لَفِظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: كُلُّ ما فِيهِ. وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ العَنْبَرَةِ الَّتِي ألْقاها البَحْرُ فَأكَلَ الصَّحابَةُ مِنها وقَرَّرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. وحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدِيثُ: «أُحِلَّ لَكم مَيْتَتانِ ودَمانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ حَجِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حِينِ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ أوْ في الحَرَمِ أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، (p-٣٩٧)وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصْبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَحَمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرٌ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَتَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ حَواجِزٌ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا.

المائدة 5:96

قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أيْ: لَيَخْتَبِرَنَّكم، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، كانَ الصَّيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مَعَ الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَعْتَدُوا في السَّبْتِ، وكانَ نُزُولُ الآيَةِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، أحْرَمَ بَعْضُهم وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَكانَ إذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ المُحِلُّونَ أوِ المُحْرِمُونَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ وإلى الثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ، والرّاجِحُ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمِيعِ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ومِن في مِنَ الصَّيْدِ لِلتَّبْعِيضِ وهو صَيْدُ البَرِّ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ حَقِيرٌ مِنَ الصَّيْدِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( يَنالُهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الصَّيْدِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ بِاليَدِ وهو ما لا يُطِيقُ الفِرارَ كالصِّغارِ والبَيْضِ، وبَيْنَ ما تَنالُهُ الرِّماحُ: وهو ما يُطِيقُ الفِرارَ وخَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ الصّائِدُ في أخْذِ الصَّيْدِ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ الآلاتِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ مَن يَخافُهُ مِنكم بِسَبَبِ عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّهُ غائِبٌ عَنْكم غَيْرُ حاضِرٍ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي امْتَحَنَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ مُعانَدَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٣٩٥)وتَجْرِئَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهاهم عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ، وفي مَعْناهُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وهَذا النَّهْيُ شامِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِن ذُكُورِ المُسْلِمِينَ وإناثِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ وامْرَأةٌ حَرامٌ والجَمْعُ حُرُمٌ، وأحْرَمَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في الحَرَمِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ المُتَعَمِّدُ: هو القاصِدُ لِلشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالإحْرامِ، والمُخْطِئُ: هو الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا، والنّاسِي: هو الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ ولا يَذْكُرُ إحْرامَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وداوُدُ عَنْهُ بِاقْتِصارِهِ سُبْحانَهُ عَلى العامِدِ بِأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ لا تَجِبُ إلّا عَلَيْهِ وحْدَهُ. وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وأبُو ثَوْرٍ. وقِيلَ: إنَّها تَلْزَمُ الكَفّارَةُ المُخْطِئَ والنّاسِيَ كَما تَلْزَمُ المُتَعَمِّدَ، وجَعَلُوا قَيْدَ التَّعَمُّدِ خارِجًا مَخْرَجَ الغالِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَلى العامِدِ النّاسِي لِإحْرامِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ فَقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ، فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانٌ لِلْجَزاءِ المُماثِلِ. قِيلَ: المُرادُ المُماثَلَةُ في القِيمَةِ، وقِيلَ: في الخِلْقَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أبُو حَنِيفَةَ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والجُمْهُورُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ لِلْمُماثِلِ بِالنِّعَمِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُفِيدُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ. ورُوِيَ عَنْأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ ولَوْ وُجِدَ المِثْلُ، وأنَّ المُحْرِمَ مُخَيَّرٌ. وقُرِئَ ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وقُرِئَ ( فَجَزاءُ مِثْلِ ) عَلى إضافَةِ جَزاءٍ إلى مِثْلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ ( النَّعْمِ ) بِسُكُونِ العَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ بِالجَزاءِ أوْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أيْ: رَجُلانِ مَعْرُوفانِ بِالعَدالَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا حَكَما بِشَيْءٍ لَزِمَ، وإنِ اخْتَلَفا رُجِعَ إلى غَيْرِهِما، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجانِي أحَدَ الحَكَمَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ، وبِالأوَّلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حَكَمَيْنِ غَيْرَ الجانِي. قَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ نُصِبَ " هَدَيًا " عَلى الحالِ أوِ البَدَلِ مِن " مِثْلِ "، و﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، والمَعْنى أنَّهُما إذا حَكَما بِالجَزاءِ فَإنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالهَدْيِ مِنَ الإرْسالِ إلى مَكَّةَ والنَّحْرِ هُنالِكَ، والإشْعارِ والتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُرِدِ الكَعْبَةَ بِعَيْنِها فَإنَّ الهَدْيَ لا يَبْلُغُها، وإنَّما أرادَ الحَرَمَ، ولا خِلافَ في هَذا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ: وهو الرَّفْعُ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى طَعامٍ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَزاءٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فالجانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وعَدْلُ الشَّيْءِ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، و﴿صِيامًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ عَدْلَ كُلِّ صَيْدٍ مِنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ الجانِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يُجْزِئُ المُحْرِمُ الإطْعامَ والصَّوْمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها لُغَتانِ وهُما المَيْلُ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِمِثْلِ قَوْلِ الكِسائِيِّ قالَ البَصْرِيُّونَ. قَوْلَهُ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ عَلَيْهِ لِإيجابِ الجَزاءِ؛ أيْ: أوْجَبْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِإدْراكِ المَشَقَّةِ، ومِثْلُهُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ، والمَرْعى الوَبِيلُ: الَّذِي يَتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ، وطَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ ثَقِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَعْنِي في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكم لِلصَّيْدِ، وقِيلَ عَمّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الكَفّارَةِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. قِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ فَيُعَذِّبُهُ بِذَنْبِهِ، وقِيلَ: يَنْتَقِمُ مِنهُ بِالكَفّارَةِ. قالَ شُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإذا عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بَلْ يُقالُ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ أيْ: ذَنْبُكَ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفَّرَ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أوْ لِلْمُحْرِمِينَ خاصَّةً، وصَيْدُ البَحْرِ ما يُصادُ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا كُلُّ ماءٍ يُوجَدُ فِيهِ صَيْدٌ بَحْرِيٌّ وإنْ كانَ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا. قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الطَّعامُ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا فَقِيلَ: هو ما قَذَفَ بِهِ البَحْرُ وطَفا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: طَعامُهُ ما مُلِّحَ مِنهُ وبَقِيَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَعامُهُ مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، وبِهِ قالَ قَوْمٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يُطْعَمُ مِنَ الصَّيْدِ؛ أيْ: ما يَحِلُّ أكْلُهُ وهو السَّمَكُ فَقَطْ، وبِهِ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ. والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلُّ لَكُمُ المَأْكُولُ مِنهُ وهو السَّمَكُ، فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وهو تَكَلُّفٌ لا وجْهَ لَهُ، ونُصِبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ: مُتِّعْتُمْ بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ مَتاعًا، وهو تَكَلُّفٌ جاءَ بِهِ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأخِيرِ، بَلْ إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ كانَ مِنَ الجَمِيعِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم مَصِيدُ البَحْرِ وطَعامُهُ تَمْتِيعًا لَكُمْ؛ أيْ: لِمَن كانَ مُقِيمًا مِنكم يَأْكُلُهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ أيِ المُسافِرِينَ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ قَدِيدًا، وقِيلَ: السَّيّارَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ خاصَّةً. قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما يُصادُ في البَرِّ ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ، وظاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلى المُحْرِمِ ولَوْ كانَ الصّائِدُ حَلالًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إنْ كانَ الحَلالُ صادَهُ لِلْمُحْرِمِ لا إذا لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، وهو القَوْلُ الرّاجِحُ، وبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأحادِيثِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ: وقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ آخَرُونَ، وقَدْ بَسَطْنا هَذا (p-٣٩٦)فِي شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما نَهاكم عَنْهُ الَّذِي إلَيْهِ تَحْشَرُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ ومُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وقُرِئَ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقُرِئَ ( ما دِمْتُمْ ) بِكَسْرِ الدّالِ. قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ، وأكْثَرُ بُيُوتِ العَرَبِ مُدَوَّرَةً لا مُرَبَّعَةً، وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِها وبُرُوزِها، وكُلُّ بارِزٍ كَعْبٌ مُسْتَدِيرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، ومِنهُ كَعْبُ القَدَمِ، وكُعُوبُ القَنا، وكَعْبٌ: ثَدْيُ المَرْأةِ، و﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ ولا وجْهَ لَهُ، وسُمِّي بَيْتًا؛ لِأنَّ لَهُ سُقُوفًا وجُدُرًا وهي حَقِيقَةُ البَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ساكِنٌ، وسُمِّيَ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( قَيِّمًا ) وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ جَعَلَ هو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما تَقَدَّمَ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا: أنَّهُ مَدارٌ لِمَعاشِهِمْ ودِينِهِمْ؛ أيْ: يَقُومُونَ فِيهِ بِما يُصْلِحُ دِينَهم ودُنْياهم: يَأْمَنُ فِيهِ خائِفُهم، ويُنْصَرُ فِيهِ ضَعِيفُهم، ويَرْبَحُ فِيهِ تُجّارُهم، ويَتَعَبَّدُ فِيهِ مُتَعَبِّدُهم. قَوْلُهُ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، وهو ذُو الحِجَّةِ، وخَصَّهُ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِكَوْنِهِ زَمانَ تَأْدِيَةِ الحَجِّ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ. والمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَطْلُبُونَ فِيها دَمًا، ولا يُقاتِلُونَ بِها عَدُوًّا، ولا يَهْتِكُونَ فِيها حُرْمَةً، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ قِيامًا لِلنّاسِ ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْ وجَعَلَ اللَّهُ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَلائِدِ أنْفُسُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الجَعْلِ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلُ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ مَصالِحَكُمُ الدِّينِيَّةَ والدُّنْيَوِيَّةَ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما، فَكُلُّ ما شَرَعَهُ لَكم فَهو جَلْبٌ لِمَصالِحِكم، ودَفْعٌ لِما يَضُرُّكم ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولَمْ يَتُبْ عَنْ ذَلِكَ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لِمَن تابَ وأنابَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ ما عَلى رَسُولِهِ إلّا البَلاغُ لَهم، فَإنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا ويُطِيعُوا فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وما جَنَوْا إلّا عَلَيْها، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ فَعَلَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وقامَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ أيْلًا ونَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَأِ والعَمْدِ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعاتٍ مِنَ السَّلَفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والخاطِئِ والنّاسِي، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالعامِدِ. ولِلسَّلَفِ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ المُماثِلِ وتَقْدِيرِ القِيمَةِ أقْوالٌ مَبْسُوطَةٌ في مَواطِنِها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ في بَيْضَةِ النَّعامِ: صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ» . وقَدِ اسْتَثْنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَيَواناتِ الحَرَمِ الخَمْسِ الفَواسِقِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَها ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم﴾ ما لَفِظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: كُلُّ ما فِيهِ. وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ العَنْبَرَةِ الَّتِي ألْقاها البَحْرُ فَأكَلَ الصَّحابَةُ مِنها وقَرَّرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. وحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدِيثُ: «أُحِلَّ لَكم مَيْتَتانِ ودَمانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ حَجِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حِينِ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ أوْ في الحَرَمِ أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، (p-٣٩٧)وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصْبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَحَمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرٌ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَتَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ حَواجِزٌ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا.

المائدة 5:97

قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أيْ: لَيَخْتَبِرَنَّكم، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، كانَ الصَّيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مَعَ الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَعْتَدُوا في السَّبْتِ، وكانَ نُزُولُ الآيَةِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، أحْرَمَ بَعْضُهم وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَكانَ إذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ المُحِلُّونَ أوِ المُحْرِمُونَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ وإلى الثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ، والرّاجِحُ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمِيعِ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ومِن في مِنَ الصَّيْدِ لِلتَّبْعِيضِ وهو صَيْدُ البَرِّ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ حَقِيرٌ مِنَ الصَّيْدِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( يَنالُهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الصَّيْدِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ بِاليَدِ وهو ما لا يُطِيقُ الفِرارَ كالصِّغارِ والبَيْضِ، وبَيْنَ ما تَنالُهُ الرِّماحُ: وهو ما يُطِيقُ الفِرارَ وخَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ الصّائِدُ في أخْذِ الصَّيْدِ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ الآلاتِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ مَن يَخافُهُ مِنكم بِسَبَبِ عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّهُ غائِبٌ عَنْكم غَيْرُ حاضِرٍ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي امْتَحَنَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ مُعانَدَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٣٩٥)وتَجْرِئَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهاهم عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ، وفي مَعْناهُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وهَذا النَّهْيُ شامِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِن ذُكُورِ المُسْلِمِينَ وإناثِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ وامْرَأةٌ حَرامٌ والجَمْعُ حُرُمٌ، وأحْرَمَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في الحَرَمِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ المُتَعَمِّدُ: هو القاصِدُ لِلشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالإحْرامِ، والمُخْطِئُ: هو الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا، والنّاسِي: هو الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ ولا يَذْكُرُ إحْرامَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وداوُدُ عَنْهُ بِاقْتِصارِهِ سُبْحانَهُ عَلى العامِدِ بِأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ لا تَجِبُ إلّا عَلَيْهِ وحْدَهُ. وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وأبُو ثَوْرٍ. وقِيلَ: إنَّها تَلْزَمُ الكَفّارَةُ المُخْطِئَ والنّاسِيَ كَما تَلْزَمُ المُتَعَمِّدَ، وجَعَلُوا قَيْدَ التَّعَمُّدِ خارِجًا مَخْرَجَ الغالِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَلى العامِدِ النّاسِي لِإحْرامِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ فَقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ، فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانٌ لِلْجَزاءِ المُماثِلِ. قِيلَ: المُرادُ المُماثَلَةُ في القِيمَةِ، وقِيلَ: في الخِلْقَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أبُو حَنِيفَةَ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والجُمْهُورُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ لِلْمُماثِلِ بِالنِّعَمِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُفِيدُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ. ورُوِيَ عَنْأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ ولَوْ وُجِدَ المِثْلُ، وأنَّ المُحْرِمَ مُخَيَّرٌ. وقُرِئَ ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وقُرِئَ ( فَجَزاءُ مِثْلِ ) عَلى إضافَةِ جَزاءٍ إلى مِثْلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ ( النَّعْمِ ) بِسُكُونِ العَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ بِالجَزاءِ أوْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أيْ: رَجُلانِ مَعْرُوفانِ بِالعَدالَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا حَكَما بِشَيْءٍ لَزِمَ، وإنِ اخْتَلَفا رُجِعَ إلى غَيْرِهِما، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجانِي أحَدَ الحَكَمَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ، وبِالأوَّلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حَكَمَيْنِ غَيْرَ الجانِي. قَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ نُصِبَ " هَدَيًا " عَلى الحالِ أوِ البَدَلِ مِن " مِثْلِ "، و﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، والمَعْنى أنَّهُما إذا حَكَما بِالجَزاءِ فَإنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالهَدْيِ مِنَ الإرْسالِ إلى مَكَّةَ والنَّحْرِ هُنالِكَ، والإشْعارِ والتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُرِدِ الكَعْبَةَ بِعَيْنِها فَإنَّ الهَدْيَ لا يَبْلُغُها، وإنَّما أرادَ الحَرَمَ، ولا خِلافَ في هَذا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ: وهو الرَّفْعُ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى طَعامٍ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَزاءٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فالجانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وعَدْلُ الشَّيْءِ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، و﴿صِيامًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ عَدْلَ كُلِّ صَيْدٍ مِنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ الجانِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يُجْزِئُ المُحْرِمُ الإطْعامَ والصَّوْمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها لُغَتانِ وهُما المَيْلُ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِمِثْلِ قَوْلِ الكِسائِيِّ قالَ البَصْرِيُّونَ. قَوْلَهُ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ عَلَيْهِ لِإيجابِ الجَزاءِ؛ أيْ: أوْجَبْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِإدْراكِ المَشَقَّةِ، ومِثْلُهُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ، والمَرْعى الوَبِيلُ: الَّذِي يَتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ، وطَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ ثَقِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَعْنِي في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكم لِلصَّيْدِ، وقِيلَ عَمّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الكَفّارَةِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. قِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ فَيُعَذِّبُهُ بِذَنْبِهِ، وقِيلَ: يَنْتَقِمُ مِنهُ بِالكَفّارَةِ. قالَ شُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإذا عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بَلْ يُقالُ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ أيْ: ذَنْبُكَ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفَّرَ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أوْ لِلْمُحْرِمِينَ خاصَّةً، وصَيْدُ البَحْرِ ما يُصادُ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا كُلُّ ماءٍ يُوجَدُ فِيهِ صَيْدٌ بَحْرِيٌّ وإنْ كانَ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا. قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الطَّعامُ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا فَقِيلَ: هو ما قَذَفَ بِهِ البَحْرُ وطَفا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: طَعامُهُ ما مُلِّحَ مِنهُ وبَقِيَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَعامُهُ مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، وبِهِ قالَ قَوْمٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يُطْعَمُ مِنَ الصَّيْدِ؛ أيْ: ما يَحِلُّ أكْلُهُ وهو السَّمَكُ فَقَطْ، وبِهِ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ. والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلُّ لَكُمُ المَأْكُولُ مِنهُ وهو السَّمَكُ، فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وهو تَكَلُّفٌ لا وجْهَ لَهُ، ونُصِبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ: مُتِّعْتُمْ بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ مَتاعًا، وهو تَكَلُّفٌ جاءَ بِهِ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأخِيرِ، بَلْ إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ كانَ مِنَ الجَمِيعِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم مَصِيدُ البَحْرِ وطَعامُهُ تَمْتِيعًا لَكُمْ؛ أيْ: لِمَن كانَ مُقِيمًا مِنكم يَأْكُلُهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ أيِ المُسافِرِينَ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ قَدِيدًا، وقِيلَ: السَّيّارَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ خاصَّةً. قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما يُصادُ في البَرِّ ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ، وظاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلى المُحْرِمِ ولَوْ كانَ الصّائِدُ حَلالًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إنْ كانَ الحَلالُ صادَهُ لِلْمُحْرِمِ لا إذا لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، وهو القَوْلُ الرّاجِحُ، وبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأحادِيثِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ: وقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ آخَرُونَ، وقَدْ بَسَطْنا هَذا (p-٣٩٦)فِي شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما نَهاكم عَنْهُ الَّذِي إلَيْهِ تَحْشَرُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ ومُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وقُرِئَ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقُرِئَ ( ما دِمْتُمْ ) بِكَسْرِ الدّالِ. قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ، وأكْثَرُ بُيُوتِ العَرَبِ مُدَوَّرَةً لا مُرَبَّعَةً، وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِها وبُرُوزِها، وكُلُّ بارِزٍ كَعْبٌ مُسْتَدِيرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، ومِنهُ كَعْبُ القَدَمِ، وكُعُوبُ القَنا، وكَعْبٌ: ثَدْيُ المَرْأةِ، و﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ ولا وجْهَ لَهُ، وسُمِّي بَيْتًا؛ لِأنَّ لَهُ سُقُوفًا وجُدُرًا وهي حَقِيقَةُ البَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ساكِنٌ، وسُمِّيَ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( قَيِّمًا ) وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ جَعَلَ هو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما تَقَدَّمَ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا: أنَّهُ مَدارٌ لِمَعاشِهِمْ ودِينِهِمْ؛ أيْ: يَقُومُونَ فِيهِ بِما يُصْلِحُ دِينَهم ودُنْياهم: يَأْمَنُ فِيهِ خائِفُهم، ويُنْصَرُ فِيهِ ضَعِيفُهم، ويَرْبَحُ فِيهِ تُجّارُهم، ويَتَعَبَّدُ فِيهِ مُتَعَبِّدُهم. قَوْلُهُ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، وهو ذُو الحِجَّةِ، وخَصَّهُ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِكَوْنِهِ زَمانَ تَأْدِيَةِ الحَجِّ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ. والمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَطْلُبُونَ فِيها دَمًا، ولا يُقاتِلُونَ بِها عَدُوًّا، ولا يَهْتِكُونَ فِيها حُرْمَةً، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ قِيامًا لِلنّاسِ ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْ وجَعَلَ اللَّهُ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَلائِدِ أنْفُسُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الجَعْلِ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلُ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ مَصالِحَكُمُ الدِّينِيَّةَ والدُّنْيَوِيَّةَ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما، فَكُلُّ ما شَرَعَهُ لَكم فَهو جَلْبٌ لِمَصالِحِكم، ودَفْعٌ لِما يَضُرُّكم ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولَمْ يَتُبْ عَنْ ذَلِكَ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لِمَن تابَ وأنابَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ ما عَلى رَسُولِهِ إلّا البَلاغُ لَهم، فَإنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا ويُطِيعُوا فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وما جَنَوْا إلّا عَلَيْها، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ فَعَلَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وقامَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ أيْلًا ونَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَأِ والعَمْدِ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعاتٍ مِنَ السَّلَفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والخاطِئِ والنّاسِي، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالعامِدِ. ولِلسَّلَفِ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ المُماثِلِ وتَقْدِيرِ القِيمَةِ أقْوالٌ مَبْسُوطَةٌ في مَواطِنِها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ في بَيْضَةِ النَّعامِ: صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ» . وقَدِ اسْتَثْنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَيَواناتِ الحَرَمِ الخَمْسِ الفَواسِقِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَها ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم﴾ ما لَفِظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: كُلُّ ما فِيهِ. وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ العَنْبَرَةِ الَّتِي ألْقاها البَحْرُ فَأكَلَ الصَّحابَةُ مِنها وقَرَّرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. وحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدِيثُ: «أُحِلَّ لَكم مَيْتَتانِ ودَمانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ حَجِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حِينِ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ أوْ في الحَرَمِ أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، (p-٣٩٧)وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصْبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَحَمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرٌ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَتَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ حَواجِزٌ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا.

المائدة 5:98

قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أيْ: لَيَخْتَبِرَنَّكم، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، كانَ الصَّيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مَعَ الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَعْتَدُوا في السَّبْتِ، وكانَ نُزُولُ الآيَةِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، أحْرَمَ بَعْضُهم وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَكانَ إذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ المُحِلُّونَ أوِ المُحْرِمُونَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ وإلى الثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ، والرّاجِحُ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمِيعِ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ومِن في مِنَ الصَّيْدِ لِلتَّبْعِيضِ وهو صَيْدُ البَرِّ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ حَقِيرٌ مِنَ الصَّيْدِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( يَنالُهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الصَّيْدِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ بِاليَدِ وهو ما لا يُطِيقُ الفِرارَ كالصِّغارِ والبَيْضِ، وبَيْنَ ما تَنالُهُ الرِّماحُ: وهو ما يُطِيقُ الفِرارَ وخَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ الصّائِدُ في أخْذِ الصَّيْدِ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ الآلاتِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ مَن يَخافُهُ مِنكم بِسَبَبِ عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّهُ غائِبٌ عَنْكم غَيْرُ حاضِرٍ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي امْتَحَنَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ مُعانَدَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٣٩٥)وتَجْرِئَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهاهم عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ، وفي مَعْناهُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وهَذا النَّهْيُ شامِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِن ذُكُورِ المُسْلِمِينَ وإناثِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ وامْرَأةٌ حَرامٌ والجَمْعُ حُرُمٌ، وأحْرَمَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في الحَرَمِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ المُتَعَمِّدُ: هو القاصِدُ لِلشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالإحْرامِ، والمُخْطِئُ: هو الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا، والنّاسِي: هو الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ ولا يَذْكُرُ إحْرامَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وداوُدُ عَنْهُ بِاقْتِصارِهِ سُبْحانَهُ عَلى العامِدِ بِأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ لا تَجِبُ إلّا عَلَيْهِ وحْدَهُ. وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وأبُو ثَوْرٍ. وقِيلَ: إنَّها تَلْزَمُ الكَفّارَةُ المُخْطِئَ والنّاسِيَ كَما تَلْزَمُ المُتَعَمِّدَ، وجَعَلُوا قَيْدَ التَّعَمُّدِ خارِجًا مَخْرَجَ الغالِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَلى العامِدِ النّاسِي لِإحْرامِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ فَقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ، فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانٌ لِلْجَزاءِ المُماثِلِ. قِيلَ: المُرادُ المُماثَلَةُ في القِيمَةِ، وقِيلَ: في الخِلْقَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أبُو حَنِيفَةَ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والجُمْهُورُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ لِلْمُماثِلِ بِالنِّعَمِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُفِيدُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ. ورُوِيَ عَنْأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ ولَوْ وُجِدَ المِثْلُ، وأنَّ المُحْرِمَ مُخَيَّرٌ. وقُرِئَ ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وقُرِئَ ( فَجَزاءُ مِثْلِ ) عَلى إضافَةِ جَزاءٍ إلى مِثْلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ ( النَّعْمِ ) بِسُكُونِ العَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ بِالجَزاءِ أوْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أيْ: رَجُلانِ مَعْرُوفانِ بِالعَدالَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا حَكَما بِشَيْءٍ لَزِمَ، وإنِ اخْتَلَفا رُجِعَ إلى غَيْرِهِما، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجانِي أحَدَ الحَكَمَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ، وبِالأوَّلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حَكَمَيْنِ غَيْرَ الجانِي. قَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ نُصِبَ " هَدَيًا " عَلى الحالِ أوِ البَدَلِ مِن " مِثْلِ "، و﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، والمَعْنى أنَّهُما إذا حَكَما بِالجَزاءِ فَإنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالهَدْيِ مِنَ الإرْسالِ إلى مَكَّةَ والنَّحْرِ هُنالِكَ، والإشْعارِ والتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُرِدِ الكَعْبَةَ بِعَيْنِها فَإنَّ الهَدْيَ لا يَبْلُغُها، وإنَّما أرادَ الحَرَمَ، ولا خِلافَ في هَذا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ: وهو الرَّفْعُ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى طَعامٍ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَزاءٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فالجانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وعَدْلُ الشَّيْءِ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، و﴿صِيامًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ عَدْلَ كُلِّ صَيْدٍ مِنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ الجانِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يُجْزِئُ المُحْرِمُ الإطْعامَ والصَّوْمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها لُغَتانِ وهُما المَيْلُ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِمِثْلِ قَوْلِ الكِسائِيِّ قالَ البَصْرِيُّونَ. قَوْلَهُ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ عَلَيْهِ لِإيجابِ الجَزاءِ؛ أيْ: أوْجَبْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِإدْراكِ المَشَقَّةِ، ومِثْلُهُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ، والمَرْعى الوَبِيلُ: الَّذِي يَتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ، وطَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ ثَقِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَعْنِي في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكم لِلصَّيْدِ، وقِيلَ عَمّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الكَفّارَةِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. قِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ فَيُعَذِّبُهُ بِذَنْبِهِ، وقِيلَ: يَنْتَقِمُ مِنهُ بِالكَفّارَةِ. قالَ شُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإذا عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بَلْ يُقالُ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ أيْ: ذَنْبُكَ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفَّرَ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أوْ لِلْمُحْرِمِينَ خاصَّةً، وصَيْدُ البَحْرِ ما يُصادُ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا كُلُّ ماءٍ يُوجَدُ فِيهِ صَيْدٌ بَحْرِيٌّ وإنْ كانَ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا. قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الطَّعامُ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا فَقِيلَ: هو ما قَذَفَ بِهِ البَحْرُ وطَفا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: طَعامُهُ ما مُلِّحَ مِنهُ وبَقِيَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَعامُهُ مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، وبِهِ قالَ قَوْمٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يُطْعَمُ مِنَ الصَّيْدِ؛ أيْ: ما يَحِلُّ أكْلُهُ وهو السَّمَكُ فَقَطْ، وبِهِ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ. والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلُّ لَكُمُ المَأْكُولُ مِنهُ وهو السَّمَكُ، فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وهو تَكَلُّفٌ لا وجْهَ لَهُ، ونُصِبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ: مُتِّعْتُمْ بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ مَتاعًا، وهو تَكَلُّفٌ جاءَ بِهِ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأخِيرِ، بَلْ إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ كانَ مِنَ الجَمِيعِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم مَصِيدُ البَحْرِ وطَعامُهُ تَمْتِيعًا لَكُمْ؛ أيْ: لِمَن كانَ مُقِيمًا مِنكم يَأْكُلُهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ أيِ المُسافِرِينَ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ قَدِيدًا، وقِيلَ: السَّيّارَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ خاصَّةً. قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما يُصادُ في البَرِّ ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ، وظاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلى المُحْرِمِ ولَوْ كانَ الصّائِدُ حَلالًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إنْ كانَ الحَلالُ صادَهُ لِلْمُحْرِمِ لا إذا لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، وهو القَوْلُ الرّاجِحُ، وبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأحادِيثِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ: وقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ آخَرُونَ، وقَدْ بَسَطْنا هَذا (p-٣٩٦)فِي شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما نَهاكم عَنْهُ الَّذِي إلَيْهِ تَحْشَرُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ ومُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وقُرِئَ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقُرِئَ ( ما دِمْتُمْ ) بِكَسْرِ الدّالِ. قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ، وأكْثَرُ بُيُوتِ العَرَبِ مُدَوَّرَةً لا مُرَبَّعَةً، وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِها وبُرُوزِها، وكُلُّ بارِزٍ كَعْبٌ مُسْتَدِيرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، ومِنهُ كَعْبُ القَدَمِ، وكُعُوبُ القَنا، وكَعْبٌ: ثَدْيُ المَرْأةِ، و﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ ولا وجْهَ لَهُ، وسُمِّي بَيْتًا؛ لِأنَّ لَهُ سُقُوفًا وجُدُرًا وهي حَقِيقَةُ البَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ساكِنٌ، وسُمِّيَ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( قَيِّمًا ) وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ جَعَلَ هو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما تَقَدَّمَ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا: أنَّهُ مَدارٌ لِمَعاشِهِمْ ودِينِهِمْ؛ أيْ: يَقُومُونَ فِيهِ بِما يُصْلِحُ دِينَهم ودُنْياهم: يَأْمَنُ فِيهِ خائِفُهم، ويُنْصَرُ فِيهِ ضَعِيفُهم، ويَرْبَحُ فِيهِ تُجّارُهم، ويَتَعَبَّدُ فِيهِ مُتَعَبِّدُهم. قَوْلُهُ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، وهو ذُو الحِجَّةِ، وخَصَّهُ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِكَوْنِهِ زَمانَ تَأْدِيَةِ الحَجِّ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ. والمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَطْلُبُونَ فِيها دَمًا، ولا يُقاتِلُونَ بِها عَدُوًّا، ولا يَهْتِكُونَ فِيها حُرْمَةً، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ قِيامًا لِلنّاسِ ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْ وجَعَلَ اللَّهُ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَلائِدِ أنْفُسُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الجَعْلِ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلُ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ مَصالِحَكُمُ الدِّينِيَّةَ والدُّنْيَوِيَّةَ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما، فَكُلُّ ما شَرَعَهُ لَكم فَهو جَلْبٌ لِمَصالِحِكم، ودَفْعٌ لِما يَضُرُّكم ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولَمْ يَتُبْ عَنْ ذَلِكَ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لِمَن تابَ وأنابَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ ما عَلى رَسُولِهِ إلّا البَلاغُ لَهم، فَإنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا ويُطِيعُوا فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وما جَنَوْا إلّا عَلَيْها، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ فَعَلَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وقامَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ أيْلًا ونَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَأِ والعَمْدِ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعاتٍ مِنَ السَّلَفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والخاطِئِ والنّاسِي، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالعامِدِ. ولِلسَّلَفِ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ المُماثِلِ وتَقْدِيرِ القِيمَةِ أقْوالٌ مَبْسُوطَةٌ في مَواطِنِها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ في بَيْضَةِ النَّعامِ: صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ» . وقَدِ اسْتَثْنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَيَواناتِ الحَرَمِ الخَمْسِ الفَواسِقِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَها ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم﴾ ما لَفِظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: كُلُّ ما فِيهِ. وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ العَنْبَرَةِ الَّتِي ألْقاها البَحْرُ فَأكَلَ الصَّحابَةُ مِنها وقَرَّرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. وحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدِيثُ: «أُحِلَّ لَكم مَيْتَتانِ ودَمانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ حَجِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حِينِ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ أوْ في الحَرَمِ أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، (p-٣٩٧)وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصْبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَحَمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرٌ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَتَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ حَواجِزٌ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا.

المائدة 5:99

قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أيْ: لَيَخْتَبِرَنَّكم، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، كانَ الصَّيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مَعَ الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَعْتَدُوا في السَّبْتِ، وكانَ نُزُولُ الآيَةِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، أحْرَمَ بَعْضُهم وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَكانَ إذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ المُحِلُّونَ أوِ المُحْرِمُونَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ وإلى الثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ، والرّاجِحُ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمِيعِ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ومِن في مِنَ الصَّيْدِ لِلتَّبْعِيضِ وهو صَيْدُ البَرِّ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ حَقِيرٌ مِنَ الصَّيْدِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( يَنالُهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الصَّيْدِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ بِاليَدِ وهو ما لا يُطِيقُ الفِرارَ كالصِّغارِ والبَيْضِ، وبَيْنَ ما تَنالُهُ الرِّماحُ: وهو ما يُطِيقُ الفِرارَ وخَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ الصّائِدُ في أخْذِ الصَّيْدِ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ الآلاتِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ مَن يَخافُهُ مِنكم بِسَبَبِ عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّهُ غائِبٌ عَنْكم غَيْرُ حاضِرٍ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي امْتَحَنَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ مُعانَدَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٣٩٥)وتَجْرِئَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهاهم عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ، وفي مَعْناهُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وهَذا النَّهْيُ شامِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِن ذُكُورِ المُسْلِمِينَ وإناثِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ وامْرَأةٌ حَرامٌ والجَمْعُ حُرُمٌ، وأحْرَمَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في الحَرَمِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ المُتَعَمِّدُ: هو القاصِدُ لِلشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالإحْرامِ، والمُخْطِئُ: هو الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا، والنّاسِي: هو الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ ولا يَذْكُرُ إحْرامَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وداوُدُ عَنْهُ بِاقْتِصارِهِ سُبْحانَهُ عَلى العامِدِ بِأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ لا تَجِبُ إلّا عَلَيْهِ وحْدَهُ. وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وأبُو ثَوْرٍ. وقِيلَ: إنَّها تَلْزَمُ الكَفّارَةُ المُخْطِئَ والنّاسِيَ كَما تَلْزَمُ المُتَعَمِّدَ، وجَعَلُوا قَيْدَ التَّعَمُّدِ خارِجًا مَخْرَجَ الغالِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَلى العامِدِ النّاسِي لِإحْرامِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ فَقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ، فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانٌ لِلْجَزاءِ المُماثِلِ. قِيلَ: المُرادُ المُماثَلَةُ في القِيمَةِ، وقِيلَ: في الخِلْقَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أبُو حَنِيفَةَ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والجُمْهُورُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ لِلْمُماثِلِ بِالنِّعَمِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُفِيدُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ. ورُوِيَ عَنْأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ ولَوْ وُجِدَ المِثْلُ، وأنَّ المُحْرِمَ مُخَيَّرٌ. وقُرِئَ ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وقُرِئَ ( فَجَزاءُ مِثْلِ ) عَلى إضافَةِ جَزاءٍ إلى مِثْلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ ( النَّعْمِ ) بِسُكُونِ العَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ بِالجَزاءِ أوْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أيْ: رَجُلانِ مَعْرُوفانِ بِالعَدالَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا حَكَما بِشَيْءٍ لَزِمَ، وإنِ اخْتَلَفا رُجِعَ إلى غَيْرِهِما، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجانِي أحَدَ الحَكَمَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ، وبِالأوَّلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حَكَمَيْنِ غَيْرَ الجانِي. قَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ نُصِبَ " هَدَيًا " عَلى الحالِ أوِ البَدَلِ مِن " مِثْلِ "، و﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، والمَعْنى أنَّهُما إذا حَكَما بِالجَزاءِ فَإنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالهَدْيِ مِنَ الإرْسالِ إلى مَكَّةَ والنَّحْرِ هُنالِكَ، والإشْعارِ والتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُرِدِ الكَعْبَةَ بِعَيْنِها فَإنَّ الهَدْيَ لا يَبْلُغُها، وإنَّما أرادَ الحَرَمَ، ولا خِلافَ في هَذا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ: وهو الرَّفْعُ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى طَعامٍ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَزاءٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فالجانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وعَدْلُ الشَّيْءِ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، و﴿صِيامًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ عَدْلَ كُلِّ صَيْدٍ مِنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ الجانِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يُجْزِئُ المُحْرِمُ الإطْعامَ والصَّوْمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها لُغَتانِ وهُما المَيْلُ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِمِثْلِ قَوْلِ الكِسائِيِّ قالَ البَصْرِيُّونَ. قَوْلَهُ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ عَلَيْهِ لِإيجابِ الجَزاءِ؛ أيْ: أوْجَبْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِإدْراكِ المَشَقَّةِ، ومِثْلُهُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ، والمَرْعى الوَبِيلُ: الَّذِي يَتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ، وطَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ ثَقِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَعْنِي في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكم لِلصَّيْدِ، وقِيلَ عَمّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الكَفّارَةِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. قِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ فَيُعَذِّبُهُ بِذَنْبِهِ، وقِيلَ: يَنْتَقِمُ مِنهُ بِالكَفّارَةِ. قالَ شُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإذا عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بَلْ يُقالُ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ أيْ: ذَنْبُكَ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفَّرَ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أوْ لِلْمُحْرِمِينَ خاصَّةً، وصَيْدُ البَحْرِ ما يُصادُ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا كُلُّ ماءٍ يُوجَدُ فِيهِ صَيْدٌ بَحْرِيٌّ وإنْ كانَ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا. قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الطَّعامُ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا فَقِيلَ: هو ما قَذَفَ بِهِ البَحْرُ وطَفا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: طَعامُهُ ما مُلِّحَ مِنهُ وبَقِيَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَعامُهُ مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، وبِهِ قالَ قَوْمٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يُطْعَمُ مِنَ الصَّيْدِ؛ أيْ: ما يَحِلُّ أكْلُهُ وهو السَّمَكُ فَقَطْ، وبِهِ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ. والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلُّ لَكُمُ المَأْكُولُ مِنهُ وهو السَّمَكُ، فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وهو تَكَلُّفٌ لا وجْهَ لَهُ، ونُصِبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ: مُتِّعْتُمْ بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ مَتاعًا، وهو تَكَلُّفٌ جاءَ بِهِ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأخِيرِ، بَلْ إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ كانَ مِنَ الجَمِيعِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم مَصِيدُ البَحْرِ وطَعامُهُ تَمْتِيعًا لَكُمْ؛ أيْ: لِمَن كانَ مُقِيمًا مِنكم يَأْكُلُهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ أيِ المُسافِرِينَ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ قَدِيدًا، وقِيلَ: السَّيّارَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ خاصَّةً. قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما يُصادُ في البَرِّ ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ، وظاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلى المُحْرِمِ ولَوْ كانَ الصّائِدُ حَلالًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إنْ كانَ الحَلالُ صادَهُ لِلْمُحْرِمِ لا إذا لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، وهو القَوْلُ الرّاجِحُ، وبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأحادِيثِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ: وقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ آخَرُونَ، وقَدْ بَسَطْنا هَذا (p-٣٩٦)فِي شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما نَهاكم عَنْهُ الَّذِي إلَيْهِ تَحْشَرُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ ومُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وقُرِئَ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقُرِئَ ( ما دِمْتُمْ ) بِكَسْرِ الدّالِ. قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ، وأكْثَرُ بُيُوتِ العَرَبِ مُدَوَّرَةً لا مُرَبَّعَةً، وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِها وبُرُوزِها، وكُلُّ بارِزٍ كَعْبٌ مُسْتَدِيرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، ومِنهُ كَعْبُ القَدَمِ، وكُعُوبُ القَنا، وكَعْبٌ: ثَدْيُ المَرْأةِ، و﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ ولا وجْهَ لَهُ، وسُمِّي بَيْتًا؛ لِأنَّ لَهُ سُقُوفًا وجُدُرًا وهي حَقِيقَةُ البَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ساكِنٌ، وسُمِّيَ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( قَيِّمًا ) وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ جَعَلَ هو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما تَقَدَّمَ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا: أنَّهُ مَدارٌ لِمَعاشِهِمْ ودِينِهِمْ؛ أيْ: يَقُومُونَ فِيهِ بِما يُصْلِحُ دِينَهم ودُنْياهم: يَأْمَنُ فِيهِ خائِفُهم، ويُنْصَرُ فِيهِ ضَعِيفُهم، ويَرْبَحُ فِيهِ تُجّارُهم، ويَتَعَبَّدُ فِيهِ مُتَعَبِّدُهم. قَوْلُهُ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، وهو ذُو الحِجَّةِ، وخَصَّهُ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِكَوْنِهِ زَمانَ تَأْدِيَةِ الحَجِّ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ. والمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَطْلُبُونَ فِيها دَمًا، ولا يُقاتِلُونَ بِها عَدُوًّا، ولا يَهْتِكُونَ فِيها حُرْمَةً، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ قِيامًا لِلنّاسِ ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْ وجَعَلَ اللَّهُ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَلائِدِ أنْفُسُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الجَعْلِ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلُ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ مَصالِحَكُمُ الدِّينِيَّةَ والدُّنْيَوِيَّةَ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما، فَكُلُّ ما شَرَعَهُ لَكم فَهو جَلْبٌ لِمَصالِحِكم، ودَفْعٌ لِما يَضُرُّكم ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولَمْ يَتُبْ عَنْ ذَلِكَ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لِمَن تابَ وأنابَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ ما عَلى رَسُولِهِ إلّا البَلاغُ لَهم، فَإنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا ويُطِيعُوا فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وما جَنَوْا إلّا عَلَيْها، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ فَعَلَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وقامَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ أيْلًا ونَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَأِ والعَمْدِ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعاتٍ مِنَ السَّلَفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والخاطِئِ والنّاسِي، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالعامِدِ. ولِلسَّلَفِ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ المُماثِلِ وتَقْدِيرِ القِيمَةِ أقْوالٌ مَبْسُوطَةٌ في مَواطِنِها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ في بَيْضَةِ النَّعامِ: صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ» . وقَدِ اسْتَثْنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَيَواناتِ الحَرَمِ الخَمْسِ الفَواسِقِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَها ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم﴾ ما لَفِظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: كُلُّ ما فِيهِ. وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ العَنْبَرَةِ الَّتِي ألْقاها البَحْرُ فَأكَلَ الصَّحابَةُ مِنها وقَرَّرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. وحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدِيثُ: «أُحِلَّ لَكم مَيْتَتانِ ودَمانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ حَجِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حِينِ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ أوْ في الحَرَمِ أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، (p-٣٩٧)وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصْبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَحَمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرٌ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَتَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ حَواجِزٌ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا.

المائدة 5:100

قَوْلُهُ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ﴾ أيْ: لَيَخْتَبِرَنَّكم، واللّامُ جَوابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ، كانَ الصَّيْدُ أحَدَ مَعايِشِ العَرَبِ فابْتَلاهُمُ اللَّهُ بِتَحْرِيمِهِ مَعَ الإحْرامِ وفي الحَرَمِ، كَما ابْتَلى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ لا يَعْتَدُوا في السَّبْتِ، وكانَ نُزُولُ الآيَةِ في عامِ الحُدَيْبِيَةِ، أحْرَمَ بَعْضُهم وبَعْضُهم لَمْ يُحْرِمْ، فَكانَ إذا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أحْوالُهم. وقَدِ اخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُخاطَبِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ هَلْ هُمُ المُحِلُّونَ أوِ المُحْرِمُونَ ؟ فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ مالِكٌ وإلى الثّانِي ابْنُ عَبّاسٍ، والرّاجِحُ أنَّ الخِطابَ لِلْجَمِيعِ، ولا وجْهَ لِقَصْرِهِ عَلى البَعْضِ دُونَ البَعْضِ، ومِن في مِنَ الصَّيْدِ لِلتَّبْعِيضِ وهو صَيْدُ البَرِّ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرَيُّ وغَيْرُهُ، وقِيلَ: إنَّ " مِن " بَيانِيَّةٌ؛ أيْ: شَيْءٌ حَقِيرٌ مِنَ الصَّيْدِ، وتَنْكِيرُ شَيْءٍ لِلتَّحْقِيرِ. قَوْلُهُ: ﴿تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ . قَرَأ ابْنُ وثّابٍ ( يَنالُهُ ) بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ، هَذِهِ الجُمْلَةُ تَقْتَضِي تَعْمِيمَ الصَّيْدِ، وأنَّهُ لا فَرْقَ بَيْنَ ما يُؤْخَذُ بِاليَدِ وهو ما لا يُطِيقُ الفِرارَ كالصِّغارِ والبَيْضِ، وبَيْنَ ما تَنالُهُ الرِّماحُ: وهو ما يُطِيقُ الفِرارَ وخَصَّ الأيْدِي بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أكْثَرُ ما يَتَصَرَّفُ بِهِ الصّائِدُ في أخْذِ الصَّيْدِ، وخَصَّ الرِّماحَ بِالذِّكْرِ؛ لِأنَّها أعْظَمُ الآلاتِ لِلصَّيْدِ عِنْدَ العَرَبِ. قَوْلُهُ: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾، أيْ: لِيَتَمَيَّزَ عِنْدَ اللَّهِ مَن يَخافُهُ مِنكم بِسَبَبِ عِقابِهِ الأُخْرَوِيِّ فَإنَّهُ غائِبٌ عَنْكم غَيْرُ حاضِرٍ ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ: بَعْدَ هَذا البَيانِ الَّذِي امْتَحَنَكُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّ الِاعْتِداءَ بَعْدَ العِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ مُعانَدَةٌ لِلَّهِ سُبْحانَهُ (p-٣٩٥)وتَجْرِئَةٌ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ نَهاهم عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ في حالِ الإحْرامِ، وفي مَعْناهُ ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ١] وهَذا النَّهْيُ شامِلٌ لِكُلِّ أحَدٍ مِن ذُكُورِ المُسْلِمِينَ وإناثِهِمْ؛ لِأنَّهُ يُقالُ: رَجُلٌ حَرامٌ وامْرَأةٌ حَرامٌ والجَمْعُ حُرُمٌ، وأحْرَمَ الرَّجُلُ: دَخَلَ في الحَرَمِ. قَوْلُهُ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ المُتَعَمِّدُ: هو القاصِدُ لِلشَّيْءِ مَعَ العِلْمِ بِالإحْرامِ، والمُخْطِئُ: هو الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا، والنّاسِي: هو الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ ولا يَذْكُرُ إحْرامَهُ. وقَدِ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبّاسٍ وأحْمَدُ في رِوايَةٍ، وداوُدُ عَنْهُ بِاقْتِصارِهِ سُبْحانَهُ عَلى العامِدِ بِأنَّهُ لا كَفّارَةَ عَلى غَيْرِهِ، بَلْ لا تَجِبُ إلّا عَلَيْهِ وحْدَهُ. وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وطاوُسُ وأبُو ثَوْرٍ. وقِيلَ: إنَّها تَلْزَمُ الكَفّارَةُ المُخْطِئَ والنّاسِيَ كَما تَلْزَمُ المُتَعَمِّدَ، وجَعَلُوا قَيْدَ التَّعَمُّدِ خارِجًا مَخْرَجَ الغالِبِ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ والحَسَنِ والنَّخَعِيِّ والزُّهْرِيِّ، وبِهِ قالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: إنَّهُ يَجِبُ التَّكْفِيرُ عَلى العامِدِ النّاسِي لِإحْرامِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، قالَ: فَإنْ كانَ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ فَقَدْ حَلَّ ولا حَجَّ لَهُ لِارْتِكابِهِ مَحْظُورَ إحْرامِهِ، فَبَطَلَ عَلَيْهِ كَما لَوْ تَكَلَّمَ في الصَّلاةِ أوْ أحْدَثَ فِيها. قَوْلُهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أيْ فَعَلَيْهِ جَزاءٌ مُماثِلٌ لِما قَتَلَهُ، و﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بَيانٌ لِلْجَزاءِ المُماثِلِ. قِيلَ: المُرادُ المُماثَلَةُ في القِيمَةِ، وقِيلَ: في الخِلْقَةِ. وقَدْ ذَهَبَ إلى الأوَّلِ أبُو حَنِيفَةَ، وذَهَبَ إلى الثّانِي مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ والجُمْهُورُ، وهو الحَقُّ؛ لِأنَّ البَيانَ لِلْمُماثِلِ بِالنِّعَمِ يُفِيدُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يُفِيدُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ. ورُوِيَ عَنْأبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ إخْراجُ القِيمَةِ ولَوْ وُجِدَ المِثْلُ، وأنَّ المُحْرِمَ مُخَيَّرٌ. وقُرِئَ ( فَجَزاؤُهُ مِثْلُ ما قَتَلَ ) وقُرِئَ ( فَجَزاءُ مِثْلِ ) عَلى إضافَةِ جَزاءٍ إلى مِثْلِ، وقُرِئَ بِنَصْبِهِما عَلى تَقْدِيرِ فَلْيُخْرِجْ جَزاءً مِثْلَ ما قَتَلَ، وقَرَأ الحَسَنُ ( النَّعْمِ ) بِسُكُونِ العَيْنِ تَخْفِيفًا ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾ أيْ بِالجَزاءِ أوْ بِمِثْلِ ما قَتَلَ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أيْ: رَجُلانِ مَعْرُوفانِ بِالعَدالَةِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، فَإذا حَكَما بِشَيْءٍ لَزِمَ، وإنِ اخْتَلَفا رُجِعَ إلى غَيْرِهِما، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الجانِي أحَدَ الحَكَمَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ، وبِالأوَّلِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ، وبِالثّانِي قالَ الشّافِعِيُّ في أحَدِ قَوْلَيْهِ: وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي حَكَمَيْنِ غَيْرَ الجانِي. قَوْلُهُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ نُصِبَ " هَدَيًا " عَلى الحالِ أوِ البَدَلِ مِن " مِثْلِ "، و﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ صِفَةٌ لِهَدْيًا؛ لِأنَّ الإضافَةَ غَيْرُ حَقِيقِيَّةٍ، والمَعْنى أنَّهُما إذا حَكَما بِالجَزاءِ فَإنَّهُ يُفْعَلُ بِهِ ما يُفْعَلُ بِالهَدْيِ مِنَ الإرْسالِ إلى مَكَّةَ والنَّحْرِ هُنالِكَ، والإشْعارِ والتَّقْلِيدِ، ولَمْ يُرِدِ الكَعْبَةَ بِعَيْنِها فَإنَّ الهَدْيَ لا يَبْلُغُها، وإنَّما أرادَ الحَرَمَ، ولا خِلافَ في هَذا. قَوْلُهُ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى مَحَلٍّ مِنَ النَّعَمِ: وهو الرَّفْعُ لِأنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، و﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ لِكَفّارَةٍ أوْ بَدَلٌ مِنهُ أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى طَعامٍ، وقِيلَ: هو مَعْطُوفٌ عَلى جَزاءٍ، وفِيهِ ضَعْفٌ، فالجانِي مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ، وعَدْلُ الشَّيْءِ ما عادَلَهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، و﴿صِيامًا﴾ مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، وقَدْ قَرَّرَ العُلَماءُ عَدْلَ كُلِّ صَيْدٍ مِنَ الإطْعامِ والصِّيامِ، وقَدْ ذَهَبَ إلى أنَّ الجانِيَ يُخَيَّرُ بَيْنَ الأنْواعِ المَذْكُورَةِ جُمْهُورُ العُلَماءِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ لا يُجْزِئُ المُحْرِمُ الإطْعامَ والصَّوْمَ إلّا إذا لَمْ يَجِدِ الهَدْيَ، والعَدْلُ بِفَتْحِ العَيْنِ وكَسْرِها لُغَتانِ وهُما المَيْلُ قالَهُ الكِسائِيُّ. وقالَ الفَرّاءُ: عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن جِنْسِهِ، وبِفَتْحِ العَيْنِ مِثْلُهُ مِن غَيْرِ جِنْسِهِ، وبِمِثْلِ قَوْلِ الكِسائِيِّ قالَ البَصْرِيُّونَ. قَوْلَهُ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ عَلَيْهِ لِإيجابِ الجَزاءِ؛ أيْ: أوْجَبْنا ذَلِكَ عَلَيْهِ لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ، والذَّوْقُ مُسْتَعارٌ لِإدْراكِ المَشَقَّةِ، ومِثْلُهُ ﴿ذُقْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] والوَبالُ: سُوءُ العاقِبَةِ، والمَرْعى الوَبِيلُ: الَّذِي يَتَأذّى بِهِ بَعْدَ أكْلِهِ، وطَعامٌ وبِيلٌ: إذا كانَ ثَقِيلًا. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ يَعْنِي في جاهِلِيَّتِكم مِن قَتْلِكم لِلصَّيْدِ، وقِيلَ عَمّا سَلَفَ قَبْلَ نُزُولِ الكَفّارَةِ ﴿ومَن عادَ﴾ إلى ما نُهِيتُمْ عَنْهُ مِن قَتْلِ الصَّيْدِ بَعْدَ هَذا البَيانِ ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: فَهو يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ. قِيلَ: المَعْنى: إنَّ اللَّهَ يَنْتَقِمُ مِنهُ في الآخِرَةِ فَيُعَذِّبُهُ بِذَنْبِهِ، وقِيلَ: يَنْتَقِمُ مِنهُ بِالكَفّارَةِ. قالَ شُرَيْحٌ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في أوَّلِ مَرَّةٍ، فَإذا عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ بَلْ يُقالُ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ؛ أيْ: ذَنْبُكَ أعْظَمُ مِن أنْ يُكَفَّرَ. قَوْلُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الخِطابُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ أوْ لِلْمُحْرِمِينَ خاصَّةً، وصَيْدُ البَحْرِ ما يُصادُ فِيهِ، والمُرادُ بِالبَحْرِ هُنا كُلُّ ماءٍ يُوجَدُ فِيهِ صَيْدٌ بَحْرِيٌّ وإنْ كانَ نَهْرًا أوْ غَدِيرًا. قَوْلُهُ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾ الطَّعامُ لِكُلِّ ما يُطْعَمُ، وقَدْ تَقَدَّمَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ هُنا فَقِيلَ: هو ما قَذَفَ بِهِ البَحْرُ وطَفا عَلَيْهِ، وبِهِ قالَ كَثِيرٌ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وقِيلَ: طَعامُهُ ما مُلِّحَ مِنهُ وبَقِيَ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: طَعامُهُ مِلْحُهُ الَّذِي يَنْعَقِدُ مِن مائِهِ وسائِرِ ما فِيهِ مِن نَباتٍ وغَيْرِهِ، وبِهِ قالَ قَوْمٌ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ ما يُطْعَمُ مِنَ الصَّيْدِ؛ أيْ: ما يَحِلُّ أكْلُهُ وهو السَّمَكُ فَقَطْ، وبِهِ قالَتِ الحَنَفِيَّةُ. والمَعْنى: أُحِلَّ لَكم الِانْتِفاعُ بِجَمِيعِ ما يُصادُ في البَحْرِ، وأُحِلُّ لَكُمُ المَأْكُولُ مِنهُ وهو السَّمَكُ، فَيَكُونُ التَّخْصِيصُ بَعْدَ التَّعْمِيمِ، وهو تَكَلُّفٌ لا وجْهَ لَهُ، ونُصِبَ مَتاعًا عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ؛ أيْ: مُتِّعْتُمْ بِهِ مَتاعًا، وقِيلَ: مَفْعُولٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِالطَّعامِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم طَعامُ البَحْرِ مَتاعًا، وهو تَكَلُّفٌ جاءَ بِهِ مَن قالَ بِالقَوْلِ الأخِيرِ، بَلْ إذا كانَ مَفْعُولًا لَهُ كانَ مِنَ الجَمِيعِ؛ أيْ: أُحِلَّ لَكم مَصِيدُ البَحْرِ وطَعامُهُ تَمْتِيعًا لَكُمْ؛ أيْ: لِمَن كانَ مُقِيمًا مِنكم يَأْكُلُهُ طَرِيًّا ولِلسَّيّارَةِ أيِ المُسافِرِينَ مِنكم يَتَزَوَّدُونَهُ ويَجْعَلُونَهُ قَدِيدًا، وقِيلَ: السَّيّارَةُ: هُمُ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ خاصَّةً. قَوْلُهُ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أيْ: حُرِّمَ عَلَيْكم ما يُصادُ في البَرِّ ما دُمْتُمْ مُحْرِمِينَ، وظاهِرُهُ تَحْرِيمُ صَيْدِهِ عَلى المُحْرِمِ ولَوْ كانَ الصّائِدُ حَلالًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ الجُمْهُورُ إنْ كانَ الحَلالُ صادَهُ لِلْمُحْرِمِ لا إذا لَمْ يَصِدْهُ لِأجْلِهِ، وهو القَوْلُ الرّاجِحُ، وبِهِ يَجْمَعُ بَيْنَ الأحادِيثِ، وقِيلَ: إنَّهُ يَحِلُّ لَهُ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ: وقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مُطْلَقًا، وإلَيْهِ ذَهَبَ آخَرُونَ، وقَدْ بَسَطْنا هَذا (p-٣٩٦)فِي شَرْحِنا لِلْمُنْتَقى. قَوْلُهُ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيِ اتَّقَوُا اللَّهَ فِيما نَهاكم عَنْهُ الَّذِي إلَيْهِ تَحْشَرُونَ لا إلى غَيْرِهِ، وفِيهِ تَشْدِيدٌ ومُبالَغَةٌ في التَّحْذِيرِ. وقُرِئَ ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ بِالبِناءِ لِلْفاعِلِ وقُرِئَ ( ما دِمْتُمْ ) بِكَسْرِ الدّالِ. قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ جَعَلَ هُنا بِمَعْنى خَلَقَ، وسُمِّيَتِ الكَعْبَةُ كَعْبَةً لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ والتَّكْعِيبُ التَّرْبِيعُ، وأكْثَرُ بُيُوتِ العَرَبِ مُدَوَّرَةً لا مُرَبَّعَةً، وقِيلَ: سُمِّيَتْ كَعْبَةٌ لِنُتُوئِها وبُرُوزِها، وكُلُّ بارِزٍ كَعْبٌ مُسْتَدِيرًا كانَ أوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ، ومِنهُ كَعْبُ القَدَمِ، وكُعُوبُ القَنا، وكَعْبٌ: ثَدْيُ المَرْأةِ، و﴿البَيْتَ الحَرامَ﴾ عَطْفُ بَيانٍ وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ ولا وجْهَ لَهُ، وسُمِّي بَيْتًا؛ لِأنَّ لَهُ سُقُوفًا وجُدُرًا وهي حَقِيقَةُ البَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ ساكِنٌ، وسُمِّيَ حَرامًا لِتَحْرِيمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ إيّاهُ. وقَوْلُهُ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ كَذا قَرَأ الجُمْهُورُ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ( قَيِّمًا ) وهو مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ الثّانِي إنْ كانَ جَعَلَ هو المُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنْ كانَ بِمَعْنى خَلَقَ كَما تَقَدَّمَ فَهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، ومَعْنى كَوْنِهِ قِيامًا: أنَّهُ مَدارٌ لِمَعاشِهِمْ ودِينِهِمْ؛ أيْ: يَقُومُونَ فِيهِ بِما يُصْلِحُ دِينَهم ودُنْياهم: يَأْمَنُ فِيهِ خائِفُهم، ويُنْصَرُ فِيهِ ضَعِيفُهم، ويَرْبَحُ فِيهِ تُجّارُهم، ويَتَعَبَّدُ فِيهِ مُتَعَبِّدُهم. قَوْلُهُ: ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾ عَطْفٌ عَلى الكَعْبَةِ، وهو ذُو الحِجَّةِ، وخَصَّهُ مِن بَيْنِ الأشْهُرِ الحُرُمِ لِكَوْنِهِ زَمانَ تَأْدِيَةِ الحَجِّ، وقِيلَ: هو اسْمُ جِنْسٍ. والمُرادُ بِهِ الأشْهُرُ الحُرُمُ ذُو القَعْدَةِ، وذُو الحِجَّةِ، ومَحْرَمٌ، ورَجَبٌ، فَإنَّهم كانُوا لا يَطْلُبُونَ فِيها دَمًا، ولا يُقاتِلُونَ بِها عَدُوًّا، ولا يَهْتِكُونَ فِيها حُرْمَةً، فَكانَتْ مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ قِيامًا لِلنّاسِ ﴿والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ أيْ وجَعَلَ اللَّهُ الهَدْيَ والقَلائِدَ قِيامًا لِلنّاسِ. والمُرادُ بِالقَلائِدِ: ذَواتُ القَلائِدِ مِنَ الهَدْيِ، ولا مانِعَ مِن أنْ يُرادَ بِالقَلائِدِ أنْفُسُها، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الجَعْلِ؛ أيْ: ذَلِكَ الجَعْلُ ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ أيْ: لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ تَفاصِيلَ أمْرِ السَّماواتِ والأرْضِ ويَعْلَمُ مَصالِحَكُمُ الدِّينِيَّةَ والدُّنْيَوِيَّةَ فَإنَّها مِن جُمْلَةِ ما فِيهِما، فَكُلُّ ما شَرَعَهُ لَكم فَهو جَلْبٌ لِمَصالِحِكم، ودَفْعٌ لِما يَضُرُّكم ﴿وأنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هَذا تَعْمِيمٌ بَعْدَ التَّخْصِيصِ. ثُمَّ أمَرَهم بِأنْ يَعْلَمُوا بِأنَّ اللَّهَ لِمَنِ انْتَهَكَ مَحارِمَهُ ولَمْ يَتُبْ عَنْ ذَلِكَ شَدِيدُ العِقابِ، وأنَّهُ لِمَن تابَ وأنابَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ثُمَّ أخْبَرَهم أنَّ ما عَلى رَسُولِهِ إلّا البَلاغُ لَهم، فَإنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا ويُطِيعُوا فَما ضَرُّوا إلّا أنْفُسَهم وما جَنَوْا إلّا عَلَيْها، وأمّا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقَدْ فَعَلَ ما يَجِبُ عَلَيْهِ، وقامَ بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ أيْلًا ونَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَكَمِ أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَأِ والعَمْدِ. وأخْرَجا نَحْوَهُ عَنْ عَطاءٍ. وقَدْ رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ جَماعاتٍ مِنَ السَّلَفِ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ العامِدِ والخاطِئِ والنّاسِي، ورُوِيَ عَنْ آخَرِينَ اخْتِصاصُ ذَلِكَ بِالعامِدِ. ولِلسَّلَفِ في تَقْدِيرِ الجَزاءِ المُماثِلِ وتَقْدِيرِ القِيمَةِ أقْوالٌ مَبْسُوطَةٌ في مَواطِنِها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ «قالَ في بَيْضَةِ النَّعامِ: صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أيْضًا عَنْ عائِشَةَ عَنْهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ» . وقَدِ اسْتَثْنى النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ مِن حَيَواناتِ الحَرَمِ الخَمْسِ الفَواسِقِ كَما ورَدَ ذَلِكَ في الأحادِيثِ فَإنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أنْ يَقْتُلَها ولا شَيْءَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكم﴾ ما لَفِظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: كُلُّ ما فِيهِ. وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. ويُؤَيِّدُ هَذا ما في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ العَنْبَرَةِ الَّتِي ألْقاها البَحْرُ فَأكَلَ الصَّحابَةُ مِنها وقَرَّرَهم رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَلى ذَلِكَ. وحَدِيثُ «هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ والحِلُّ مَيْتَتُهُ» . وحَدِيثُ: «أُحِلَّ لَكم مَيْتَتانِ ودَمانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ حَجِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حِينِ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ أوْ في الحَرَمِ أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، (p-٣٩٧)وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا وهو يَأْكُلُ العَصْبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَحَمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرٌ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَتَمْنَعُهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ حَواجِزٌ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا.

المائدة 5:101

قِيلَ: المُرادُ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ: الحَرامُ والحَلالُ، وقِيلَ: المُؤْمِنُ والكافِرُ، وقِيلَ: العاصِي والمُطِيعُ، وقِيلَ: الرَّدِيءُ والجَيِّدُ. والأوْلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَيَشْمَلُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ وغَيْرَها مِمّا يَتَّصِفُ بِوَصْفِ الخُبْثِ والطَّيِّبِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأقْوالِ، فالخَبِيثُ لا يُساوِي الطَّيِّبَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِكُلِّ مُخاطَبٍ يَصْلُحُ لِخِطابِهِ بِهَذا. والمُرادُ نَفْيُ الِاسْتِواءِ في كُلِّ الأحْوالِ، ولَوْ في حالِ كَوْنِ الخَبِيثِ مُعْجِبًا لِلرّائِي لِلْكَثْرَةِ الَّتِي فِيهِ، فَإنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ مَعَ الخَبِيثِ في حُكْمِ العَدَمِ؛ لِأنَّ خُبْثَ الشَّيْءِ يُبْطِلُ فائِدَتَهُ، ويَمْحَقُ بَرَكَتَهُ، ويَذْهَبُ بِمَنفَعَتِهِ، والواوُ إمّا لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ لَوْ لَمْ تُعْجِبْكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ، ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ كَقَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ إلَيْكَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَلا يَسْتَوِيانِ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم﴾ أيْ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ لا حاجَةَ لَكم بِالسُّؤالِ عَنْها ولا هي مِمّا يَعْنِيكم في أمْرِ دِينِكم، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِأشْياءَ؛ أيْ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ مُتَّصِفَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن كَوْنِها إذا بَدَتْ لَكُمْ؛ أيْ: ظَهَرَتْ وكُلِّفْتُمْ بِها ساءَتْكم، نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ كَثْرَةِ مُساءَلَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ السُّؤالَ عَمّا لا يَعْنِي ولا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإيجابِهِ عَلى السّائِلِ وعَلى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن جُمْلَةِ صِفَةِ أشْياءَ. والمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ، وذَلِكَ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَ أظْهُرِكم ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ تَظْهَرُ لَكم بِما يُجِيبُ عَلَيْكم بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ يَنْزِلُ بِهِ الوَحْيُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ وإيجابُ ما لَمْ يَكُنْ واجِبًا وتَحْرِيمُ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، بِخِلافِ السُّؤالِ عَنْها بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ لا إيجابَ ولا تَحْرِيمَ يَتَسَبَّبُ عَنِ السُّؤالِ. وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ الشَّرْطِيَّةَ الثّانِيَةَ فِيها إباحَةُ السُّؤالِ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى أفادَتْ عَدَمَ جَوازِ السُّؤالِ، والثّانِيَةِ أفادَتْ جَوازَهُ، فَقالَ إنَّ المَعْنى: وإنْ تَسْألُوا عَنْ غَيْرِها مِمّا مَسَّتْ إلَيْهِ الحاجَةُ تُبْدَ لَكم بِجَوابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْها، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في " عَنْها " راجِعًا إلى أشْياءَ غَيْرِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وهو آدَمُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أيِ ابْنَ آدَمَ. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألْتُمْ عَنْها هي مِمّا عَفا عَنْهُ ولَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْكم، فَكَيْفَ تَتَسَبَّبُونَ بِالسُّؤالِ لِإيجابِ ما هو عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ لازِمٍ ؟ وضَمِيرُ " عَنْها " عائِدٌ إلى المَسْألَةِ الأُولى، وإلى أشْياءَ عَلى الثّانِي عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ " عَفا اللَّهُ عَنْها " صِفَةً ثالِثَةً لِأشْياءَ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الثّانِيَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَسْؤُولُ عَنْهُ قَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ عَفا عَنْهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ العَفْوَ بِمَعْنى التَّرْكِ؛ أيْ: تَرَكَها اللَّهُ ولَمْ يَذْكُرْها بِشَيْءٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ اللّازِمَ الباطِلَ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في كَوْنِهِ غَفُورًا حَلِيمًا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يُعاجِلُ مَن عَصاهُ بِالعُقُوبَةِ لِكَثْرَةِ مَغْفِرَتِهِ وسِعَةِ حِلْمِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المَسْألَةِ المَفْهُومَةِ مِن ﴿لا تَسْألُوا﴾ لَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ بِعَيْنِها، بَلْ مِثْلُها في كَوْنِها مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا تُوجِبُهُ الضَّرُورَةُ الدِّينِيَّةُ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، بَلْ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ؛ أيْ: ساتِرِينَ لَها تارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِها، وذَلِكَ كَسُؤالِ قَوْمِ صالِحٍ النّاقَةَ، وأصْحابِ عِيسى المائِدَةَ، ولا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ النَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ بِما لا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ كَما قَدَّمْنا، لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ في أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا قَدْ أذِنَ اللَّهُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ ألا سَألُوا فَإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» . قَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ الرَّدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما ابْتَدَعُوهُ، وجَعَلَ هَهُنا بِمَعْنى سَمّى كَما قالَ: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] . والبَحِيرَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ البَحَرِ، وهو شَقُّ الأُذُنِ. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ، قِيلَ: هي الَّتِي يُجْعَلُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ فَلا يَحْتَلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وجُعِلَ شَقُّ أُذُنِها عَلامَةً لِذَلِكَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: كانُوا إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنَ إناثًا بُحِرَتْ أُذُنُها فَحُرِّمَتْ، وقِيلَ: إنَّ النّاقَةَ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنَ، فَإنْ كانَ الخامِسُ ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ الخامِسُ أُنْثى بَحَرُوا أُذُنَها وكانَتْ حَرامًا عَلى النِّساءِ لَحْمُها ولَبَنُها، وقِيلَ: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ (p-٣٩٨)خَمْسَةَ أبْطُنَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالإناثِ شَقُّوا أُذُنَها وحَرَّمُوا رُكُوبَها ودَرَّها. والسّائِبَةُ: النّاقَةُ تَسِيبُ، أوِ البَعِيرُ يَسِيبُ نَذْرٌ عَلى الرَّجُلِ إنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ مَن مَرَضٍ أوْ بَلَّغَهُ مَنزِلَةً، فَلا يُحْبَسُ عَنْ رَعْيٍ ولا ماءٍ، ولا يَرْكَبُهُ أحَدٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وسائِبَةٌ لِلَّهِ تُنْمِي تَشَكُّرًا إنِ اللَّهُ عافى عامِرًا ومُجاشِعا وقِيلَ: هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلَّهِ فَلا قَيْدَ عَلَيْها ولا راعِيَ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَقَرْتُمْ ناقَةً كانَتْ لِرَبِّي ∗∗∗ مُسَيَّبَةً فَقُومُوا لِلْعِقابِ وقِيلَ: هي الَّتِي تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُرْكَبُ ظَهْرُها. ولا يُجَزُّ وبَرُها ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، وقِيلَ: كانُوا يُسَيِّبُونَ العَبْدَ فَيَذْهَبُ حَيْثُ يَشاءُ لا يَدَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ. والوَصِيلَةُ: قِيلَ هي النّاقَةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى بَعْدَ أُنْثى، وقِيلَ: هي الشّاةُ كانَتْ إذا ولَدَتْ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وقِيلَ كانُوا إذا ولَدَتِ الشّاةُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا، فَإنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يُذْبَحْ لِمَكانِها، وكانَ لَحْمُها حَرامًا عَلى النِّساءِ، إلّا أنْ يَمُوتَ فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ. والحامُ: الفَحْلُ الحامِي ظَهْرَهُ عَنْ أنْ يُرْكَبَ، وكانُوا إذا رَكِبَ ولَدٌ الفَحْلَ قالُوا حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَماها أبُو قابُوسَ في عِزِّ مُلْكِهِ ∗∗∗ كَما قَدْ حَمى أوْلادُ أوْلادِهِ الفَحْلُ وقِيلَ: هو الفَحْلُ إذا نَتَجَ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةً، قالُوا: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ ولا يُمْنَعُ مِن كَلَأٍ ولا ماءٍ، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا افْتِراءً عَلى اللَّهِ وكَذِبًا، لا لِشَرْعٍ شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم ولا لِعَقْلِ دَلَّهم عَلَيْهِ، وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أرَكَّ عُقُولَ هَؤُلاءِ وأضْعَفَها، يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ الَّتِي هي مَحْضُ الرَّقاعَةِ ونَفْسُ الحُمْقِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهَذِهِ أفْعالُ آبائِهِمْ وسُنَنِهِمُ الَّتِي سَنُّوها لَهم، وصَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ ولَوْ كانُوا جَهَلَةً ضالِّينَ، والواوُ لِلْحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ: أحْسَبُهم ذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. وقَدْ صارَتْ هَذِهِ المَقالَةُ الَّتِي قالَتْها الجاهِلِيَّةُ نُصْبَ أعْيُنِ المُقَلِّدَةِ وعَصاهُمُ الَّتِي يَتَوَكَّأُونَ عَلَيْها إنْ دَعاهم داعِي الحَقِّ وصَرَخَ لَهم صارِخُ الكِتابِ والسُّنَّةِ فاحْتِجاجُهم بِمَن قَلَّدُوهُ مِمَّنْ هو مِثْلَهم في التَّعَبُّدِ بِشَرْعِ اللَّهِ مَعَ مُخالَفَةِ قَوْلِهِ لِكِتابِ اللَّهِ أوْ لِسُنَّةِ رَسُولِهِ هو كَقَوْلِ هَؤُلاءِ، ولَيْسَ الفَرْقُ إلّا في مُجَرَّدِ العِبارَةِ اللَّفْظِيَّةِ، لا في المَعْنى الَّذِي عَلَيْهِ تَدُورُ الإفادَةُ والِاسْتِفادَةُ، اللَّهُمَّ غُفْرًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: قالَ الخَبِيثُ هُمُ المُشْرِكُونَ والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي ؟ فَقالَ فُلانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:» لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا السّائِلُ في رِواياتٍ أُخَرَ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ وأنَّهُ قالَ: مَن أبِي ؟ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أبُوكَ حُذافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ فَأعادَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: أعْنِي ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وكُلُّ هَؤُلاءِ صَرَّحُوا في أحادِيثِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كانُوا يَسْألُونَ عَنِ الشَّيْءِ وهو لَهم حَلالٌ، فَما زالُوا يَسْألُونَ حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِمْ، وإذا حَرُمَ عَلَيْهِمْ وقَعُوا فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَيُحَرَّمُ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وفَرَضَ لَكم فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وتَرَكَ أشْياءَ في غَيْرِ نِسْيانٍ ولَكِنْ رَحْمَةً لَكم فاقْبَلُوها ولا تَبْحَثُوا عَنْها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، والسّائِبَةُ كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ لا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ، والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى. وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، والحامِي: فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ، فَإذا قَضى ضِرابَهُ ودَّعُوهُ لِلطَّواغِيتِ وأعْفُوهُ مِنَ الحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وسَمَّوْهُ الحامِيَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَحِيرَةُ النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا (p-٣٩٩)ذَبَحُوهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى جَدَعُوا آذانَها فَقالُوا: هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وأمّا السّائِبَةُ فَكانُوا يُسَيِّبُونَ مِن أنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ لَها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، وأمّا الوَصِيلَةُ فالشّاةُ إذا نَتَجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى وهو مَيِّتٌ اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى اسْتَحْيَوْها، وإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى في بَطْنٍ اسْتَحْيَوْهُما وقالُوا: وصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنا. وأمّا الحامُ فالفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا وُلِدَ لِوَلَدِهِ قالُوا: حَمى هَذا ظَهْرَهُ فَلا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، ولا يَجُزُّونَ لَهُ وبَرًا، ولا يَمْنَعُونَهُ مِن حِمًى ولا مِن حَوْضٍ يَشْرَبُ مِنهُ، وإنْ كانَ الحَوْضُ لِغَيْرِ صاحِبِهِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ.

المائدة 5:102

قِيلَ: المُرادُ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ: الحَرامُ والحَلالُ، وقِيلَ: المُؤْمِنُ والكافِرُ، وقِيلَ: العاصِي والمُطِيعُ، وقِيلَ: الرَّدِيءُ والجَيِّدُ. والأوْلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَيَشْمَلُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ وغَيْرَها مِمّا يَتَّصِفُ بِوَصْفِ الخُبْثِ والطَّيِّبِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأقْوالِ، فالخَبِيثُ لا يُساوِي الطَّيِّبَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِكُلِّ مُخاطَبٍ يَصْلُحُ لِخِطابِهِ بِهَذا. والمُرادُ نَفْيُ الِاسْتِواءِ في كُلِّ الأحْوالِ، ولَوْ في حالِ كَوْنِ الخَبِيثِ مُعْجِبًا لِلرّائِي لِلْكَثْرَةِ الَّتِي فِيهِ، فَإنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ مَعَ الخَبِيثِ في حُكْمِ العَدَمِ؛ لِأنَّ خُبْثَ الشَّيْءِ يُبْطِلُ فائِدَتَهُ، ويَمْحَقُ بَرَكَتَهُ، ويَذْهَبُ بِمَنفَعَتِهِ، والواوُ إمّا لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ لَوْ لَمْ تُعْجِبْكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ، ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ كَقَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ إلَيْكَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَلا يَسْتَوِيانِ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم﴾ أيْ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ لا حاجَةَ لَكم بِالسُّؤالِ عَنْها ولا هي مِمّا يَعْنِيكم في أمْرِ دِينِكم، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِأشْياءَ؛ أيْ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ مُتَّصِفَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن كَوْنِها إذا بَدَتْ لَكُمْ؛ أيْ: ظَهَرَتْ وكُلِّفْتُمْ بِها ساءَتْكم، نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ كَثْرَةِ مُساءَلَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ السُّؤالَ عَمّا لا يَعْنِي ولا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإيجابِهِ عَلى السّائِلِ وعَلى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن جُمْلَةِ صِفَةِ أشْياءَ. والمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ، وذَلِكَ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَ أظْهُرِكم ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ تَظْهَرُ لَكم بِما يُجِيبُ عَلَيْكم بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ يَنْزِلُ بِهِ الوَحْيُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ وإيجابُ ما لَمْ يَكُنْ واجِبًا وتَحْرِيمُ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، بِخِلافِ السُّؤالِ عَنْها بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ لا إيجابَ ولا تَحْرِيمَ يَتَسَبَّبُ عَنِ السُّؤالِ. وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ الشَّرْطِيَّةَ الثّانِيَةَ فِيها إباحَةُ السُّؤالِ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى أفادَتْ عَدَمَ جَوازِ السُّؤالِ، والثّانِيَةِ أفادَتْ جَوازَهُ، فَقالَ إنَّ المَعْنى: وإنْ تَسْألُوا عَنْ غَيْرِها مِمّا مَسَّتْ إلَيْهِ الحاجَةُ تُبْدَ لَكم بِجَوابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْها، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في " عَنْها " راجِعًا إلى أشْياءَ غَيْرِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وهو آدَمُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أيِ ابْنَ آدَمَ. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألْتُمْ عَنْها هي مِمّا عَفا عَنْهُ ولَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْكم، فَكَيْفَ تَتَسَبَّبُونَ بِالسُّؤالِ لِإيجابِ ما هو عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ لازِمٍ ؟ وضَمِيرُ " عَنْها " عائِدٌ إلى المَسْألَةِ الأُولى، وإلى أشْياءَ عَلى الثّانِي عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ " عَفا اللَّهُ عَنْها " صِفَةً ثالِثَةً لِأشْياءَ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الثّانِيَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَسْؤُولُ عَنْهُ قَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ عَفا عَنْهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ العَفْوَ بِمَعْنى التَّرْكِ؛ أيْ: تَرَكَها اللَّهُ ولَمْ يَذْكُرْها بِشَيْءٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ اللّازِمَ الباطِلَ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في كَوْنِهِ غَفُورًا حَلِيمًا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يُعاجِلُ مَن عَصاهُ بِالعُقُوبَةِ لِكَثْرَةِ مَغْفِرَتِهِ وسِعَةِ حِلْمِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المَسْألَةِ المَفْهُومَةِ مِن ﴿لا تَسْألُوا﴾ لَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ بِعَيْنِها، بَلْ مِثْلُها في كَوْنِها مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا تُوجِبُهُ الضَّرُورَةُ الدِّينِيَّةُ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، بَلْ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ؛ أيْ: ساتِرِينَ لَها تارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِها، وذَلِكَ كَسُؤالِ قَوْمِ صالِحٍ النّاقَةَ، وأصْحابِ عِيسى المائِدَةَ، ولا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ النَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ بِما لا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ كَما قَدَّمْنا، لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ في أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا قَدْ أذِنَ اللَّهُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ ألا سَألُوا فَإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» . قَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ الرَّدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما ابْتَدَعُوهُ، وجَعَلَ هَهُنا بِمَعْنى سَمّى كَما قالَ: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] . والبَحِيرَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ البَحَرِ، وهو شَقُّ الأُذُنِ. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ، قِيلَ: هي الَّتِي يُجْعَلُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ فَلا يَحْتَلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وجُعِلَ شَقُّ أُذُنِها عَلامَةً لِذَلِكَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: كانُوا إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنَ إناثًا بُحِرَتْ أُذُنُها فَحُرِّمَتْ، وقِيلَ: إنَّ النّاقَةَ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنَ، فَإنْ كانَ الخامِسُ ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ الخامِسُ أُنْثى بَحَرُوا أُذُنَها وكانَتْ حَرامًا عَلى النِّساءِ لَحْمُها ولَبَنُها، وقِيلَ: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ (p-٣٩٨)خَمْسَةَ أبْطُنَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالإناثِ شَقُّوا أُذُنَها وحَرَّمُوا رُكُوبَها ودَرَّها. والسّائِبَةُ: النّاقَةُ تَسِيبُ، أوِ البَعِيرُ يَسِيبُ نَذْرٌ عَلى الرَّجُلِ إنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ مَن مَرَضٍ أوْ بَلَّغَهُ مَنزِلَةً، فَلا يُحْبَسُ عَنْ رَعْيٍ ولا ماءٍ، ولا يَرْكَبُهُ أحَدٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وسائِبَةٌ لِلَّهِ تُنْمِي تَشَكُّرًا إنِ اللَّهُ عافى عامِرًا ومُجاشِعا وقِيلَ: هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلَّهِ فَلا قَيْدَ عَلَيْها ولا راعِيَ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَقَرْتُمْ ناقَةً كانَتْ لِرَبِّي ∗∗∗ مُسَيَّبَةً فَقُومُوا لِلْعِقابِ وقِيلَ: هي الَّتِي تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُرْكَبُ ظَهْرُها. ولا يُجَزُّ وبَرُها ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، وقِيلَ: كانُوا يُسَيِّبُونَ العَبْدَ فَيَذْهَبُ حَيْثُ يَشاءُ لا يَدَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ. والوَصِيلَةُ: قِيلَ هي النّاقَةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى بَعْدَ أُنْثى، وقِيلَ: هي الشّاةُ كانَتْ إذا ولَدَتْ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وقِيلَ كانُوا إذا ولَدَتِ الشّاةُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا، فَإنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يُذْبَحْ لِمَكانِها، وكانَ لَحْمُها حَرامًا عَلى النِّساءِ، إلّا أنْ يَمُوتَ فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ. والحامُ: الفَحْلُ الحامِي ظَهْرَهُ عَنْ أنْ يُرْكَبَ، وكانُوا إذا رَكِبَ ولَدٌ الفَحْلَ قالُوا حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَماها أبُو قابُوسَ في عِزِّ مُلْكِهِ ∗∗∗ كَما قَدْ حَمى أوْلادُ أوْلادِهِ الفَحْلُ وقِيلَ: هو الفَحْلُ إذا نَتَجَ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةً، قالُوا: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ ولا يُمْنَعُ مِن كَلَأٍ ولا ماءٍ، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا افْتِراءً عَلى اللَّهِ وكَذِبًا، لا لِشَرْعٍ شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم ولا لِعَقْلِ دَلَّهم عَلَيْهِ، وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أرَكَّ عُقُولَ هَؤُلاءِ وأضْعَفَها، يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ الَّتِي هي مَحْضُ الرَّقاعَةِ ونَفْسُ الحُمْقِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهَذِهِ أفْعالُ آبائِهِمْ وسُنَنِهِمُ الَّتِي سَنُّوها لَهم، وصَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ ولَوْ كانُوا جَهَلَةً ضالِّينَ، والواوُ لِلْحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ: أحْسَبُهم ذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. وقَدْ صارَتْ هَذِهِ المَقالَةُ الَّتِي قالَتْها الجاهِلِيَّةُ نُصْبَ أعْيُنِ المُقَلِّدَةِ وعَصاهُمُ الَّتِي يَتَوَكَّأُونَ عَلَيْها إنْ دَعاهم داعِي الحَقِّ وصَرَخَ لَهم صارِخُ الكِتابِ والسُّنَّةِ فاحْتِجاجُهم بِمَن قَلَّدُوهُ مِمَّنْ هو مِثْلَهم في التَّعَبُّدِ بِشَرْعِ اللَّهِ مَعَ مُخالَفَةِ قَوْلِهِ لِكِتابِ اللَّهِ أوْ لِسُنَّةِ رَسُولِهِ هو كَقَوْلِ هَؤُلاءِ، ولَيْسَ الفَرْقُ إلّا في مُجَرَّدِ العِبارَةِ اللَّفْظِيَّةِ، لا في المَعْنى الَّذِي عَلَيْهِ تَدُورُ الإفادَةُ والِاسْتِفادَةُ، اللَّهُمَّ غُفْرًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: قالَ الخَبِيثُ هُمُ المُشْرِكُونَ والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي ؟ فَقالَ فُلانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:» لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا السّائِلُ في رِواياتٍ أُخَرَ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ وأنَّهُ قالَ: مَن أبِي ؟ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أبُوكَ حُذافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ فَأعادَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: أعْنِي ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وكُلُّ هَؤُلاءِ صَرَّحُوا في أحادِيثِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كانُوا يَسْألُونَ عَنِ الشَّيْءِ وهو لَهم حَلالٌ، فَما زالُوا يَسْألُونَ حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِمْ، وإذا حَرُمَ عَلَيْهِمْ وقَعُوا فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَيُحَرَّمُ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وفَرَضَ لَكم فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وتَرَكَ أشْياءَ في غَيْرِ نِسْيانٍ ولَكِنْ رَحْمَةً لَكم فاقْبَلُوها ولا تَبْحَثُوا عَنْها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، والسّائِبَةُ كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ لا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ، والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى. وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، والحامِي: فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ، فَإذا قَضى ضِرابَهُ ودَّعُوهُ لِلطَّواغِيتِ وأعْفُوهُ مِنَ الحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وسَمَّوْهُ الحامِيَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَحِيرَةُ النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا (p-٣٩٩)ذَبَحُوهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى جَدَعُوا آذانَها فَقالُوا: هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وأمّا السّائِبَةُ فَكانُوا يُسَيِّبُونَ مِن أنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ لَها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، وأمّا الوَصِيلَةُ فالشّاةُ إذا نَتَجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى وهو مَيِّتٌ اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى اسْتَحْيَوْها، وإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى في بَطْنٍ اسْتَحْيَوْهُما وقالُوا: وصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنا. وأمّا الحامُ فالفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا وُلِدَ لِوَلَدِهِ قالُوا: حَمى هَذا ظَهْرَهُ فَلا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، ولا يَجُزُّونَ لَهُ وبَرًا، ولا يَمْنَعُونَهُ مِن حِمًى ولا مِن حَوْضٍ يَشْرَبُ مِنهُ، وإنْ كانَ الحَوْضُ لِغَيْرِ صاحِبِهِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ.

المائدة 5:103

قِيلَ: المُرادُ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ: الحَرامُ والحَلالُ، وقِيلَ: المُؤْمِنُ والكافِرُ، وقِيلَ: العاصِي والمُطِيعُ، وقِيلَ: الرَّدِيءُ والجَيِّدُ. والأوْلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَيَشْمَلُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ وغَيْرَها مِمّا يَتَّصِفُ بِوَصْفِ الخُبْثِ والطَّيِّبِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأقْوالِ، فالخَبِيثُ لا يُساوِي الطَّيِّبَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِكُلِّ مُخاطَبٍ يَصْلُحُ لِخِطابِهِ بِهَذا. والمُرادُ نَفْيُ الِاسْتِواءِ في كُلِّ الأحْوالِ، ولَوْ في حالِ كَوْنِ الخَبِيثِ مُعْجِبًا لِلرّائِي لِلْكَثْرَةِ الَّتِي فِيهِ، فَإنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ مَعَ الخَبِيثِ في حُكْمِ العَدَمِ؛ لِأنَّ خُبْثَ الشَّيْءِ يُبْطِلُ فائِدَتَهُ، ويَمْحَقُ بَرَكَتَهُ، ويَذْهَبُ بِمَنفَعَتِهِ، والواوُ إمّا لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ لَوْ لَمْ تُعْجِبْكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ، ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ كَقَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ إلَيْكَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَلا يَسْتَوِيانِ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم﴾ أيْ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ لا حاجَةَ لَكم بِالسُّؤالِ عَنْها ولا هي مِمّا يَعْنِيكم في أمْرِ دِينِكم، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِأشْياءَ؛ أيْ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ مُتَّصِفَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن كَوْنِها إذا بَدَتْ لَكُمْ؛ أيْ: ظَهَرَتْ وكُلِّفْتُمْ بِها ساءَتْكم، نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ كَثْرَةِ مُساءَلَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ السُّؤالَ عَمّا لا يَعْنِي ولا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإيجابِهِ عَلى السّائِلِ وعَلى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن جُمْلَةِ صِفَةِ أشْياءَ. والمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ، وذَلِكَ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَ أظْهُرِكم ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ تَظْهَرُ لَكم بِما يُجِيبُ عَلَيْكم بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ يَنْزِلُ بِهِ الوَحْيُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ وإيجابُ ما لَمْ يَكُنْ واجِبًا وتَحْرِيمُ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، بِخِلافِ السُّؤالِ عَنْها بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ لا إيجابَ ولا تَحْرِيمَ يَتَسَبَّبُ عَنِ السُّؤالِ. وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ الشَّرْطِيَّةَ الثّانِيَةَ فِيها إباحَةُ السُّؤالِ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى أفادَتْ عَدَمَ جَوازِ السُّؤالِ، والثّانِيَةِ أفادَتْ جَوازَهُ، فَقالَ إنَّ المَعْنى: وإنْ تَسْألُوا عَنْ غَيْرِها مِمّا مَسَّتْ إلَيْهِ الحاجَةُ تُبْدَ لَكم بِجَوابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْها، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في " عَنْها " راجِعًا إلى أشْياءَ غَيْرِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وهو آدَمُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أيِ ابْنَ آدَمَ. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألْتُمْ عَنْها هي مِمّا عَفا عَنْهُ ولَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْكم، فَكَيْفَ تَتَسَبَّبُونَ بِالسُّؤالِ لِإيجابِ ما هو عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ لازِمٍ ؟ وضَمِيرُ " عَنْها " عائِدٌ إلى المَسْألَةِ الأُولى، وإلى أشْياءَ عَلى الثّانِي عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ " عَفا اللَّهُ عَنْها " صِفَةً ثالِثَةً لِأشْياءَ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الثّانِيَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَسْؤُولُ عَنْهُ قَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ عَفا عَنْهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ العَفْوَ بِمَعْنى التَّرْكِ؛ أيْ: تَرَكَها اللَّهُ ولَمْ يَذْكُرْها بِشَيْءٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ اللّازِمَ الباطِلَ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في كَوْنِهِ غَفُورًا حَلِيمًا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يُعاجِلُ مَن عَصاهُ بِالعُقُوبَةِ لِكَثْرَةِ مَغْفِرَتِهِ وسِعَةِ حِلْمِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المَسْألَةِ المَفْهُومَةِ مِن ﴿لا تَسْألُوا﴾ لَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ بِعَيْنِها، بَلْ مِثْلُها في كَوْنِها مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا تُوجِبُهُ الضَّرُورَةُ الدِّينِيَّةُ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، بَلْ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ؛ أيْ: ساتِرِينَ لَها تارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِها، وذَلِكَ كَسُؤالِ قَوْمِ صالِحٍ النّاقَةَ، وأصْحابِ عِيسى المائِدَةَ، ولا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ النَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ بِما لا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ كَما قَدَّمْنا، لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ في أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا قَدْ أذِنَ اللَّهُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ ألا سَألُوا فَإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» . قَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ الرَّدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما ابْتَدَعُوهُ، وجَعَلَ هَهُنا بِمَعْنى سَمّى كَما قالَ: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] . والبَحِيرَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ البَحَرِ، وهو شَقُّ الأُذُنِ. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ، قِيلَ: هي الَّتِي يُجْعَلُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ فَلا يَحْتَلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وجُعِلَ شَقُّ أُذُنِها عَلامَةً لِذَلِكَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: كانُوا إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنَ إناثًا بُحِرَتْ أُذُنُها فَحُرِّمَتْ، وقِيلَ: إنَّ النّاقَةَ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنَ، فَإنْ كانَ الخامِسُ ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ الخامِسُ أُنْثى بَحَرُوا أُذُنَها وكانَتْ حَرامًا عَلى النِّساءِ لَحْمُها ولَبَنُها، وقِيلَ: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ (p-٣٩٨)خَمْسَةَ أبْطُنَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالإناثِ شَقُّوا أُذُنَها وحَرَّمُوا رُكُوبَها ودَرَّها. والسّائِبَةُ: النّاقَةُ تَسِيبُ، أوِ البَعِيرُ يَسِيبُ نَذْرٌ عَلى الرَّجُلِ إنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ مَن مَرَضٍ أوْ بَلَّغَهُ مَنزِلَةً، فَلا يُحْبَسُ عَنْ رَعْيٍ ولا ماءٍ، ولا يَرْكَبُهُ أحَدٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وسائِبَةٌ لِلَّهِ تُنْمِي تَشَكُّرًا إنِ اللَّهُ عافى عامِرًا ومُجاشِعا وقِيلَ: هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلَّهِ فَلا قَيْدَ عَلَيْها ولا راعِيَ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَقَرْتُمْ ناقَةً كانَتْ لِرَبِّي ∗∗∗ مُسَيَّبَةً فَقُومُوا لِلْعِقابِ وقِيلَ: هي الَّتِي تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُرْكَبُ ظَهْرُها. ولا يُجَزُّ وبَرُها ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، وقِيلَ: كانُوا يُسَيِّبُونَ العَبْدَ فَيَذْهَبُ حَيْثُ يَشاءُ لا يَدَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ. والوَصِيلَةُ: قِيلَ هي النّاقَةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى بَعْدَ أُنْثى، وقِيلَ: هي الشّاةُ كانَتْ إذا ولَدَتْ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وقِيلَ كانُوا إذا ولَدَتِ الشّاةُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا، فَإنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يُذْبَحْ لِمَكانِها، وكانَ لَحْمُها حَرامًا عَلى النِّساءِ، إلّا أنْ يَمُوتَ فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ. والحامُ: الفَحْلُ الحامِي ظَهْرَهُ عَنْ أنْ يُرْكَبَ، وكانُوا إذا رَكِبَ ولَدٌ الفَحْلَ قالُوا حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَماها أبُو قابُوسَ في عِزِّ مُلْكِهِ ∗∗∗ كَما قَدْ حَمى أوْلادُ أوْلادِهِ الفَحْلُ وقِيلَ: هو الفَحْلُ إذا نَتَجَ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةً، قالُوا: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ ولا يُمْنَعُ مِن كَلَأٍ ولا ماءٍ، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا افْتِراءً عَلى اللَّهِ وكَذِبًا، لا لِشَرْعٍ شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم ولا لِعَقْلِ دَلَّهم عَلَيْهِ، وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أرَكَّ عُقُولَ هَؤُلاءِ وأضْعَفَها، يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ الَّتِي هي مَحْضُ الرَّقاعَةِ ونَفْسُ الحُمْقِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهَذِهِ أفْعالُ آبائِهِمْ وسُنَنِهِمُ الَّتِي سَنُّوها لَهم، وصَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ ولَوْ كانُوا جَهَلَةً ضالِّينَ، والواوُ لِلْحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ: أحْسَبُهم ذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. وقَدْ صارَتْ هَذِهِ المَقالَةُ الَّتِي قالَتْها الجاهِلِيَّةُ نُصْبَ أعْيُنِ المُقَلِّدَةِ وعَصاهُمُ الَّتِي يَتَوَكَّأُونَ عَلَيْها إنْ دَعاهم داعِي الحَقِّ وصَرَخَ لَهم صارِخُ الكِتابِ والسُّنَّةِ فاحْتِجاجُهم بِمَن قَلَّدُوهُ مِمَّنْ هو مِثْلَهم في التَّعَبُّدِ بِشَرْعِ اللَّهِ مَعَ مُخالَفَةِ قَوْلِهِ لِكِتابِ اللَّهِ أوْ لِسُنَّةِ رَسُولِهِ هو كَقَوْلِ هَؤُلاءِ، ولَيْسَ الفَرْقُ إلّا في مُجَرَّدِ العِبارَةِ اللَّفْظِيَّةِ، لا في المَعْنى الَّذِي عَلَيْهِ تَدُورُ الإفادَةُ والِاسْتِفادَةُ، اللَّهُمَّ غُفْرًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: قالَ الخَبِيثُ هُمُ المُشْرِكُونَ والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي ؟ فَقالَ فُلانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:» لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا السّائِلُ في رِواياتٍ أُخَرَ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ وأنَّهُ قالَ: مَن أبِي ؟ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أبُوكَ حُذافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ فَأعادَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: أعْنِي ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وكُلُّ هَؤُلاءِ صَرَّحُوا في أحادِيثِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كانُوا يَسْألُونَ عَنِ الشَّيْءِ وهو لَهم حَلالٌ، فَما زالُوا يَسْألُونَ حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِمْ، وإذا حَرُمَ عَلَيْهِمْ وقَعُوا فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَيُحَرَّمُ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وفَرَضَ لَكم فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وتَرَكَ أشْياءَ في غَيْرِ نِسْيانٍ ولَكِنْ رَحْمَةً لَكم فاقْبَلُوها ولا تَبْحَثُوا عَنْها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، والسّائِبَةُ كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ لا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ، والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى. وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، والحامِي: فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ، فَإذا قَضى ضِرابَهُ ودَّعُوهُ لِلطَّواغِيتِ وأعْفُوهُ مِنَ الحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وسَمَّوْهُ الحامِيَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَحِيرَةُ النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا (p-٣٩٩)ذَبَحُوهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى جَدَعُوا آذانَها فَقالُوا: هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وأمّا السّائِبَةُ فَكانُوا يُسَيِّبُونَ مِن أنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ لَها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، وأمّا الوَصِيلَةُ فالشّاةُ إذا نَتَجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى وهو مَيِّتٌ اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى اسْتَحْيَوْها، وإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى في بَطْنٍ اسْتَحْيَوْهُما وقالُوا: وصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنا. وأمّا الحامُ فالفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا وُلِدَ لِوَلَدِهِ قالُوا: حَمى هَذا ظَهْرَهُ فَلا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، ولا يَجُزُّونَ لَهُ وبَرًا، ولا يَمْنَعُونَهُ مِن حِمًى ولا مِن حَوْضٍ يَشْرَبُ مِنهُ، وإنْ كانَ الحَوْضُ لِغَيْرِ صاحِبِهِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ.

المائدة 5:104

قِيلَ: المُرادُ بِالخَبِيثِ والطَّيِّبِ: الحَرامُ والحَلالُ، وقِيلَ: المُؤْمِنُ والكافِرُ، وقِيلَ: العاصِي والمُطِيعُ، وقِيلَ: الرَّدِيءُ والجَيِّدُ. والأوْلى أنَّ الِاعْتِبارَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَيَشْمَلُ هَذِهِ المَذْكُوراتِ وغَيْرَها مِمّا يَتَّصِفُ بِوَصْفِ الخُبْثِ والطَّيِّبِ مِنَ الأشْخاصِ والأعْمالِ والأقْوالِ، فالخَبِيثُ لا يُساوِي الطَّيِّبَ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ قِيلَ: الخِطابُ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، وقِيلَ: لِكُلِّ مُخاطَبٍ يَصْلُحُ لِخِطابِهِ بِهَذا. والمُرادُ نَفْيُ الِاسْتِواءِ في كُلِّ الأحْوالِ، ولَوْ في حالِ كَوْنِ الخَبِيثِ مُعْجِبًا لِلرّائِي لِلْكَثْرَةِ الَّتِي فِيهِ، فَإنَّ هَذِهِ الكَثْرَةَ مَعَ الخَبِيثِ في حُكْمِ العَدَمِ؛ لِأنَّ خُبْثَ الشَّيْءِ يُبْطِلُ فائِدَتَهُ، ويَمْحَقُ بَرَكَتَهُ، ويَذْهَبُ بِمَنفَعَتِهِ، والواوُ إمّا لِلْحالِ أوْ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ؛ أيْ: لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ لَوْ لَمْ تُعْجِبْكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ، ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ كَقَوْلِكَ: أحْسِنْ إلى فُلانٍ وإنْ أساءَ إلَيْكَ؛ أيْ: أحْسِنْ إلَيْهِ إنْ لَمْ يُسِئْ إلَيْكَ وإنْ أساءَ إلَيْكَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ فَلا يَسْتَوِيانِ. قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكم﴾ أيْ لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ لا حاجَةَ لَكم بِالسُّؤالِ عَنْها ولا هي مِمّا يَعْنِيكم في أمْرِ دِينِكم، فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في مَحَلِّ جَرٍّ صِفَةٌ لِأشْياءَ؛ أيْ: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ مُتَّصِفَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِن كَوْنِها إذا بَدَتْ لَكُمْ؛ أيْ: ظَهَرَتْ وكُلِّفْتُمْ بِها ساءَتْكم، نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ كَثْرَةِ مُساءَلَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإنَّ السُّؤالَ عَمّا لا يَعْنِي ولا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا لِإيجابِهِ عَلى السّائِلِ وعَلى غَيْرِهِ. قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكم﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ مِن جُمْلَةِ صِفَةِ أشْياءَ. والمَعْنى: لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ، وذَلِكَ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بَيْنَ أظْهُرِكم ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ ﴿تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ تَظْهَرُ لَكم بِما يُجِيبُ عَلَيْكم بِهِ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، أوْ يَنْزِلُ بِهِ الوَحْيُ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّكالِيفِ الشّاقَّةِ وإيجابُ ما لَمْ يَكُنْ واجِبًا وتَحْرِيمُ ما لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا، بِخِلافِ السُّؤالِ عَنْها بَعْدَ انْقِطاعِ الوَحْيِ بِمَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَإنَّهُ لا إيجابَ ولا تَحْرِيمَ يَتَسَبَّبُ عَنِ السُّؤالِ. وقَدْ ظَنَّ بَعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ الشَّرْطِيَّةَ الثّانِيَةَ فِيها إباحَةُ السُّؤالِ مَعَ وُجُودِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ونُزُولِ الوَحْيِ عَلَيْهِ، فَقالَ: إنَّ الشَّرْطِيَّةَ الأُولى أفادَتْ عَدَمَ جَوازِ السُّؤالِ، والثّانِيَةِ أفادَتْ جَوازَهُ، فَقالَ إنَّ المَعْنى: وإنْ تَسْألُوا عَنْ غَيْرِها مِمّا مَسَّتْ إلَيْهِ الحاجَةُ تُبْدَ لَكم بِجَوابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ عَنْها، وجَعَلَ الضَّمِيرَ في " عَنْها " راجِعًا إلى أشْياءَ غَيْرِ الأشْياءِ المَذْكُورَةِ، وجَعَلَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا الإنْسانَ مِن سُلالَةٍ مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] وهو آدَمُ، ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون: ١٣] أيِ ابْنَ آدَمَ. قَوْلُهُ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْها﴾ أيْ عَمّا سَلَفَ مِن مَسْألَتِكم فَلا تَعُودُوا إلى ذَلِكَ. وقِيلَ: المَعْنى: إنَّ تِلْكَ الأشْياءَ الَّتِي سَألْتُمْ عَنْها هي مِمّا عَفا عَنْهُ ولَمْ يُوجِبْهُ عَلَيْكم، فَكَيْفَ تَتَسَبَّبُونَ بِالسُّؤالِ لِإيجابِ ما هو عَفْوٌ مِنَ اللَّهِ غَيْرُ لازِمٍ ؟ وضَمِيرُ " عَنْها " عائِدٌ إلى المَسْألَةِ الأُولى، وإلى أشْياءَ عَلى الثّانِي عَلى أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ " عَفا اللَّهُ عَنْها " صِفَةً ثالِثَةً لِأشْياءَ، والأوَّلُ أوْلى، لِأنَّ الثّانِيَ يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ المَسْؤُولُ عَنْهُ قَدْ شَرَعَهُ اللَّهُ ثُمَّ عَفا عَنْهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ إنَّ العَفْوَ بِمَعْنى التَّرْكِ؛ أيْ: تَرَكَها اللَّهُ ولَمْ يَذْكُرْها بِشَيْءٍ فَلا تَبْحَثُوا عَنْها، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ لا يَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ اللّازِمَ الباطِلَ، ثُمَّ جاءَ سُبْحانَهُ بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ في كَوْنِهِ غَفُورًا حَلِيمًا لِيَدُلَّ بِذَلِكَ عَلى أنَّهُ لا يُعاجِلُ مَن عَصاهُ بِالعُقُوبَةِ لِكَثْرَةِ مَغْفِرَتِهِ وسِعَةِ حِلْمِهِ. قَوْلُهُ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى المَسْألَةِ المَفْهُومَةِ مِن ﴿لا تَسْألُوا﴾ لَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ المَسْألَةُ بِعَيْنِها، بَلْ مِثْلُها في كَوْنِها مِمّا لا حاجَةَ إلَيْهِ ولا تُوجِبُهُ الضَّرُورَةُ الدِّينِيَّةُ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلُوا بِها، بَلْ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ؛ أيْ: ساتِرِينَ لَها تارِكِينَ لِلْعَمَلِ بِها، وذَلِكَ كَسُؤالِ قَوْمِ صالِحٍ النّاقَةَ، وأصْحابِ عِيسى المائِدَةَ، ولا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ النَّهْيِ في هَذِهِ الآيَةِ بِما لا تَدْعُو إلَيْهِ حاجَةٌ كَما قَدَّمْنا، لِأنَّ الأمْرَ الَّذِي تَدْعُو الحاجَةُ إلَيْهِ في أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا قَدْ أذِنَ اللَّهُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ فَقالَ: ﴿فاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وقالَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «قاتَلَهُمُ اللَّهُ ألا سَألُوا فَإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ» . قَوْلُهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ هَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ الرَّدَّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فِيما ابْتَدَعُوهُ، وجَعَلَ هَهُنا بِمَعْنى سَمّى كَما قالَ: ﴿إنّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: ٣] . والبَحِيرَةُ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كالنَّطِيحَةِ والذَّبِيحَةِ، وهي مَأْخُوذَةٌ مِنَ البَحَرِ، وهو شَقُّ الأُذُنِ. قالَ ابْنُ سِيدَهْ: البَحِيرَةُ هي الَّتِي خُلِّيَتْ بِلا راعٍ، قِيلَ: هي الَّتِي يُجْعَلُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ فَلا يَحْتَلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، وجُعِلَ شَقُّ أُذُنِها عَلامَةً لِذَلِكَ. وقالَ الشّافِعِيُّ: كانُوا إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ خَمْسَةَ أبْطُنَ إناثًا بُحِرَتْ أُذُنُها فَحُرِّمَتْ، وقِيلَ: إنَّ النّاقَةَ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنَ، فَإنْ كانَ الخامِسُ ذَكَرًا بَحَرُوا أُذُنَهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَ الخامِسُ أُنْثى بَحَرُوا أُذُنَها وكانَتْ حَرامًا عَلى النِّساءِ لَحْمُها ولَبَنُها، وقِيلَ: إذا نَتَجَتِ النّاقَةُ (p-٣٩٨)خَمْسَةَ أبْطُنَ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالإناثِ شَقُّوا أُذُنَها وحَرَّمُوا رُكُوبَها ودَرَّها. والسّائِبَةُ: النّاقَةُ تَسِيبُ، أوِ البَعِيرُ يَسِيبُ نَذْرٌ عَلى الرَّجُلِ إنْ سَلَّمَهُ اللَّهُ مَن مَرَضٍ أوْ بَلَّغَهُ مَنزِلَةً، فَلا يُحْبَسُ عَنْ رَعْيٍ ولا ماءٍ، ولا يَرْكَبُهُ أحَدٌ قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ. قالَ الشّاعِرُ: ؎وسائِبَةٌ لِلَّهِ تُنْمِي تَشَكُّرًا إنِ اللَّهُ عافى عامِرًا ومُجاشِعا وقِيلَ: هي الَّتِي تُسَيَّبُ لِلَّهِ فَلا قَيْدَ عَلَيْها ولا راعِيَ لَها، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎عَقَرْتُمْ ناقَةً كانَتْ لِرَبِّي ∗∗∗ مُسَيَّبَةً فَقُومُوا لِلْعِقابِ وقِيلَ: هي الَّتِي تابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إناثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ، فَعِنْدَ ذَلِكَ لا يُرْكَبُ ظَهْرُها. ولا يُجَزُّ وبَرُها ولا يَشْرَبُ لَبَنَها إلّا ضَيْفٌ، وقِيلَ: كانُوا يُسَيِّبُونَ العَبْدَ فَيَذْهَبُ حَيْثُ يَشاءُ لا يَدَ عَلَيْهِ لِأحَدٍ. والوَصِيلَةُ: قِيلَ هي النّاقَةُ إذا ولَدَتْ أُنْثى بَعْدَ أُنْثى، وقِيلَ: هي الشّاةُ كانَتْ إذا ولَدَتْ أُنْثى فَهي لَهم، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا فَهو لِآلِهَتِهِمْ، وإنْ ولَدَتْ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ لِآلِهَتِهِمْ، وقِيلَ كانُوا إذا ولَدَتِ الشّاةُ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا، فَإنْ كانَ السّابِعُ ذَكَرًا ذُبِحَ فَأكَلَ مِنهُ الرِّجالُ والنِّساءُ، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ في الغَنَمِ، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى قالُوا وصَلَتْ أخاها فَلَمْ يُذْبَحْ لِمَكانِها، وكانَ لَحْمُها حَرامًا عَلى النِّساءِ، إلّا أنْ يَمُوتَ فَيَأْكُلُها الرِّجالُ والنِّساءُ. والحامُ: الفَحْلُ الحامِي ظَهْرَهُ عَنْ أنْ يُرْكَبَ، وكانُوا إذا رَكِبَ ولَدٌ الفَحْلَ قالُوا حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ، قالَ الشّاعِرُ: ؎حَماها أبُو قابُوسَ في عِزِّ مُلْكِهِ ∗∗∗ كَما قَدْ حَمى أوْلادُ أوْلادِهِ الفَحْلُ وقِيلَ: هو الفَحْلُ إذا نَتَجَ مِن صُلْبِهِ عَشْرَةً، قالُوا: قَدْ حَمى ظَهْرَهُ فَلا يُرْكَبُ ولا يُمْنَعُ مِن كَلَأٍ ولا ماءٍ، ثُمَّ وصَفَهُمُ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِأنَّهم ما قالُوا ذَلِكَ إلّا افْتِراءً عَلى اللَّهِ وكَذِبًا، لا لِشَرْعٍ شَرَعَهُ اللَّهُ لَهم ولا لِعَقْلِ دَلَّهم عَلَيْهِ، وسُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ ما أرَكَّ عُقُولَ هَؤُلاءِ وأضْعَفَها، يَفْعَلُونَ هَذِهِ الأفاعِيلَ الَّتِي هي مَحْضُ الرَّقاعَةِ ونَفْسُ الحُمْقِ ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللَّهُ وإلى الرَّسُولِ قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ وهَذِهِ أفْعالُ آبائِهِمْ وسُنَنِهِمُ الَّتِي سَنُّوها لَهم، وصَدَقَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾ أيْ ولَوْ كانُوا جَهَلَةً ضالِّينَ، والواوُ لِلْحالِ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، وقِيلَ لِلْعَطْفِ عَلى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ: أحْسَبُهم ذَلِكَ ولَوْ كانَ آباؤُهم. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ في البَقَرَةِ. وقَدْ صارَتْ هَذِهِ المَقالَةُ الَّتِي قالَتْها الجاهِلِيَّةُ نُصْبَ أعْيُنِ المُقَلِّدَةِ وعَصاهُمُ الَّتِي يَتَوَكَّأُونَ عَلَيْها إنْ دَعاهم داعِي الحَقِّ وصَرَخَ لَهم صارِخُ الكِتابِ والسُّنَّةِ فاحْتِجاجُهم بِمَن قَلَّدُوهُ مِمَّنْ هو مِثْلَهم في التَّعَبُّدِ بِشَرْعِ اللَّهِ مَعَ مُخالَفَةِ قَوْلِهِ لِكِتابِ اللَّهِ أوْ لِسُنَّةِ رَسُولِهِ هو كَقَوْلِ هَؤُلاءِ، ولَيْسَ الفَرْقُ إلّا في مُجَرَّدِ العِبارَةِ اللَّفْظِيَّةِ، لا في المَعْنى الَّذِي عَلَيْهِ تَدُورُ الإفادَةُ والِاسْتِفادَةُ، اللَّهُمَّ غُفْرًا. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: قالَ الخَبِيثُ هُمُ المُشْرِكُونَ والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي ؟ فَقالَ فُلانٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:» لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ وغَيْرُهُ نَحْوَهُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ بَيَّنَ هَذا السّائِلُ في رِواياتٍ أُخَرَ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ وأنَّهُ قالَ: مَن أبِي ؟ قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أبُوكَ حُذافَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ خَطَبَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ، فَقامَ رَجُلٌ، فَقالَ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ فَأعادَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَقالَ: لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكم فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ» وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: أعْنِي ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ نَحْوَ هَذا ابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ نَحْوَهُ أيْضًا. وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ والحاكِمُ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ نَحْوَهُ، وكُلُّ هَؤُلاءِ صَرَّحُوا في أحادِيثِهِمْ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: كانُوا يَسْألُونَ عَنِ الشَّيْءِ وهو لَهم حَلالٌ، فَما زالُوا يَسْألُونَ حَتّى يَحْرُمَ عَلَيْهِمْ، وإذا حَرُمَ عَلَيْهِمْ وقَعُوا فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَيُحَرَّمُ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا فَلا تَعْتَدُوها، وفَرَضَ لَكم فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وتَرَكَ أشْياءَ في غَيْرِ نِسْيانٍ ولَكِنْ رَحْمَةً لَكم فاقْبَلُوها ولا تَبْحَثُوا عَنْها» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: البَحِيرَةُ والسّائِبَةُ والوَصِيلَةُ والحامُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها لِلطَّواغِيتِ ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، والسّائِبَةُ كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ لا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ، والوَصِيلَةُ النّاقَةُ البِكْرُ تُبَكِّرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى. وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، والحامِي: فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ، فَإذا قَضى ضِرابَهُ ودَّعُوهُ لِلطَّواغِيتِ وأعْفُوهُ مِنَ الحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وسَمَّوْهُ الحامِيَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَحِيرَةُ النّاقَةُ إذا نَتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا (p-٣٩٩)ذَبَحُوهُ فَأكَلَهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى جَدَعُوا آذانَها فَقالُوا: هَذِهِ بَحِيرَةٌ، وأمّا السّائِبَةُ فَكانُوا يُسَيِّبُونَ مِن أنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ لَها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، وأمّا الوَصِيلَةُ فالشّاةُ إذا نَتَجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى وهو مَيِّتٌ اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى اسْتَحْيَوْها، وإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى في بَطْنٍ اسْتَحْيَوْهُما وقالُوا: وصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنا. وأمّا الحامُ فالفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا وُلِدَ لِوَلَدِهِ قالُوا: حَمى هَذا ظَهْرَهُ فَلا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، ولا يَجُزُّونَ لَهُ وبَرًا، ولا يَمْنَعُونَهُ مِن حِمًى ولا مِن حَوْضٍ يَشْرَبُ مِنهُ، وإنْ كانَ الحَوْضُ لِغَيْرِ صاحِبِهِ. وأخْرَجَ نَحْوَهُ عَنْهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ.

المائدة 5:105

أيِ الزَمُوا أنْفُسَكم أوِ احْفَظُوها كَما تَقُولُ: عَلَيْكَ زَيْدًا؛ أيِ: الزَمْهُ، قُرِئَ لا يَضُرُّكم بِالجَزْمِ عَلى أنَّهُ جَوابُ الأمْرِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ اسْمُ الفِعْلِ. وقَرَأ نافِعٌ وغَيْرُهُ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ مُسْتَأْنَفٌ، كَقَوْلِ الشّاعِرِ: ؎فَقالَ رائِدُهم أرْسُوا نُزاوِلُها أوْ عَلى أنَّ ضَمَّ الرّاءِ لِلِاتِّباعِ، وقُرِئَ ( لا يَضِرُّكم ) بِكَسْرِ الضّادِ، وقُرِئَ لا يَضِيرُكم والمَعْنى: لا يَضُرُّكم ضَلالُ مَن ضَلَّ مِنَ النّاسِ إذا اهْتَدَيْتُمْ لِلْحَقِّ أنْتُمْ في أنْفُسِكم، ولَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى سُقُوطِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، فَإنَّ مَن تَرَكَهُ مَعَ كَوْنِهِ مِن أعْظَمِ الفُرُوضِ الدِّينِيَّةِ فَلَيْسَ بِمُهْتَدٍ. وقَدْ قالَ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وقَدْ دَلَّتِ الآياتُ القُرْآنِيَّةُ، والأحادِيثُ المُتَكاثِرَةُ عَلى وُجُوبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وُجُوبًا مُضَيَّقًا مُتَحَتِّمًا، فَتُحْمَلُ هَذِهِ الآيَةُ عَلى مَن لا يَقْدِرُ عَلى القِيامِ بِواجِبِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لا يُظَنُّ التَّأْثِيرُ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، أوْ يَخْشى عَلى نَفْسِهِ أنْ يَحِلَّ بِهِ ما يَضُرُّهُ ضَرَرًا يَسُوغُ لَهُ مَعَهُ التَّرْكُ إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم يَوْمَ القِيامَةِ فَيُنَبِّئُكم بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ في الدُّنْيا فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ وغَيْرُهم، عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: قامَ أبُو بَكْرٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ وقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّكم تَقْرَءُونَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَواضِعِها، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: «إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ ولَمْ يُغَيِّرُوهُ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ» . وفي لَفْظٍ لِابْنِ جَرِيرٍ عَنْهُ: واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ أوْ لَيَعُمُّنَّكُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعِقابٍ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ عَنْ أبِي أُمَيَّةَ الشَّعْثانِيِّ قالَ: ( أتَيْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ في هَذِهِ الآيَةِ ؟ قالَ: أيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ سَألْتَ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قالَ: «بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا ودُنْيا مُؤْثَرَةً وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ ودَعْ عَنْكَ أمْرَ العَوامِّ، فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامًا الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القَبْضِ عَلى الجَمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنَّ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكم. وفي لَفْظٍ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أجْرُ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنّا أوْ مِنهم ؟ قالَ: بَلْ أجْرُ خَمْسِينَ مِنكم» . وأخْرَجَ أحْمَدُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ ( «عَنْ عامِرٍ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ أعْمى، فاحْتَبَسَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ ثُمَّ أتاهُ فَقالَ: ما حَبَسَكَ ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ: فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: أيْنَ ذَهَبْتُمْ ؟ إنَّما هي ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ )» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّهُ لَيْسَ بِزَمانِها إنَّها اليَوْمَ مَقْبُولَةٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ أوْشَكَ أنْ يَأْتِيَ زَمانٌ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ فَيُصْنَعُ بِكم كَذا وكَذا، أوْ قالَ: فَلا يُقْبَلُ مِنكم، فَحِينَئِذٍ عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْهُ في الآيَةِ قالَ: ( مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ ما لَمْ يَكُنْ مِن دُونِ ذَلِكَ السَّوْطِ والسَّيْفِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَعَلَيْكم أنْفُسَكم ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها لِأقْوامٍ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِنا إنْ قالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ رَجُلٍ قالَ: كُنْتُ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ بِالمَدِينَةِ في حَلْقَةٍ فِيهِمْ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَإذا فِيهِمْ شَيْخٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، فَقَرَأ ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَقالَ: إنَّما تَأْوِيلُها في آخِرِ الزَّمانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي مازِنٍ قالَ: انْطَلَقْتُ عَلى عَهْدِ عُثْمانَ إلى المَدِينَةِ فَإذا قَوْمٌ جُلُوسٌ فَقَرَأ أحَدُهم ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم﴾ فَقالَ أكْثَرُهم: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ اليَوْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: كُنْتُ في حَلْقَةٍ فِيها أصْحابُ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وإنِّي لَأصْغَرُ القَوْمِ، فَتَذاكَرُوا الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، فَقُلْتُ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؟ فَأقْبَلُوا عَلَيَّ بِلِسانٍ واحِدٍ فَقالُوا: تَنْزِعُ آيَةً مِنَ القُرْآنِ لا نَعْرِفُها ولا نَدْرِي ما تَأْوِيلُها ؟ حَتّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ تَكَلَّمْتُ، ثُمَّ أقْبَلُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَلَمّا حَضَرَ قِيامُهم قالُوا: إنَّكَ غُلامٌ حَدَثُ السِّنِّ، وإنَّكَ نَزَعْتَ آيَةً لا نَدْرِي ما هي ؟ وعَسى أنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ (p-٤٠٠)الزَّمانَ: إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا وهَوًى مُتَّبَعًا وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ لا يَضُرُّكَ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ المُتَقَدِّمِ، وفي آخِرِهِ: كَأجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا مِنكم. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «ذَكَرْتُ هَذِهِ الآيَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَقالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُها، لا يَجِيءُ تَأْوِيلُها حَتّى يَهْبِطَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ» . والرِّواياتُ في هَذا البابِ كَثِيرَةٌ، وفِيما ذَكَرْناهُ كِفايَةٌ، فَفِيهِ ما يُرْشِدُ إلى ما قَدَّمْناهُ مِنَ الجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الآيَةِ وبَيْنَ الآياتِ والأحادِيثِ الوارِدَةِ في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ.

المائدة 5:106

قالَ مَكِّيٌّ: هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ النِّتاجُ في تَفْسِيرِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَعْنِي مِن كِتابِ مَكِّيٍّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ ذَكَرَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ قَبْلَهُ أيْضًا. قالَ السَّعْدُ في حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ: واتَّفَقُوا عَلى أنَّها أصْعَبُ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا. قَوْلُهُ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أضافَ الشَّهادَةَ إلى البَيْنِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّها جارِيَةٌ بَيْنَهم، وقِيلَ أصْلُهُ شَهادَةُ ما بَيْنَكم فَحُذِفَتْ ما وأُضِيفَتْ إلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تُصافِحُ مَن لاقَيْتَ لِي ذا عَداوَةٍ صِفاحًا وعَنِّي بَيْنَ عَيْنَيْكَ مُنْزَوِي أرادَ ما بَيْنَ عَيْنَيْكَ، ومِثْلَهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا أيْ شَهْدِنا فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] قِيلَ: والشَّهادَةُ هُنا بِمَعْنى الوَصِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: هي هُنا بِمَعْنى اليَمِينِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَمِينُ ما بَيْنَكم أنْ يَحْلِفَ اثْنانِ. واسْتَدَلَّ عَلى ما قالَهُ بِأنَّهُ لا يَعْلَمُ لِلَّهِ حُكْمًا يَجِبُ فِيهِ عَلى الشّاهِدِ يَمِينٌ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ القَفّالُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ واخْتارَ أنَّ الشَّهادَةَ هُنا هي الشَّهادَةُ الَّتِي تُؤَدّى مِنَ الشُّهُودِ. قَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ، والمُرادُ إذا حَضَرَتْ عَلاماتُهُ؛ لِأنَّ مَن ماتَ لا يُمْكِنُهُ الإشْهادُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ ولِكَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ. وقَوْلُهُ: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ ظَرْفٌ لِحَضَرَ أوْ لِلْمَوْتِ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: اثْنانِ خَبَرُ شَهادَةٍ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: شَهادَةُ اثْنَيْنِ أوْ فاعِلٌ لِلشَّهادَةِ عَلى أنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكم شَهادَةُ بَيْنِكُمُ اثْنانِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ، ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ صِفَةٌ لِلِاثْنانِ وكَذا مِنكُمْ؛ أيْ: كائِنانِ مِنكُمْ؛ أيْ: مِن أقارِبِكم أوْ آخَرانِ مَعْطُوفٌ عَلى اثْنانِ، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لَهُ؛ أيْ: كائِنانِ مِنَ الأجانِبِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِنكم لِلْمُسْلِمِينَ، وفي غَيْرِكم لِلْكُفّارِ وهو الأنْسَبُ لِسِياقِ الآيَةِ، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما، فَيَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ في خُصُوصِ الوَصايا كَما يُفِيدُهُ النَّظْمُ القُرْآنِيُّ، ويَشْهَدُ لَهُ السَّبَبُ لِلنُّزُولِ وسَيَأْتِي، فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُوصِي مَن يَشْهَدُ عَلى وصِيَّتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَشْهَدْ رَجُلانِ مِن أهْلِ الكُفْرِ، فَإذا قَدِما وأدَّيا الشَّهادَةَ عَلى وصِيَّتِهِ حَلَفا بَعْدَ الصَّلاةِ أنَّهُما ما كَذِبا ولا بَدَّلا، وأنَّ ما شَهِدا بِهِ حَقٌّ، فَيُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِشَهادَتِهِمْ. فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عَلى أنَّهُما﴾ كَذِبا أوْ خانا حَلَفَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ المُوصِي وغَرَمَ الشّاهِدانِ الكافِرانِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِما مِن خِيانَةٍ أوْ نَحْوِها، هَذا مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مِجْلَزٍ والنَّخَعِيُّ وشُرَيْحٌ وعُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ وابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والثَّوْرِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ: أعْنِي تَفْسِيرَ ضَمِيرِ مِنكم بِالقَرابَةِ أوِ العَشِيرَةِ، وتَفْسِيرَ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ بِالأجانِبِ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ. وذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهم مِنَ الفُقَهاءِ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم﴾ [الطلاق: ٢] فَهُما عامّانِ في الأشْخاصِ والأزْمانِ والأحْوالِ، وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِحالَةِ الضَّرْبِ في الأرْضِ وبِالوَصِيَّةِ وبِحالَةِ عَدَمِ الشُّهُودِ المُسْلِمِينَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ. قَوْلُهُ: إنْ أنْتُمْ هو فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ضَرَبْتُمْ، أوْ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِنَ النُّحاةِ، والثّانِي مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ. والضَّرْبُ في الأرْضِ هو السَّفَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَنَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ وأرَدْتُمُ الوَصِيَّةَ ولَمْ تَجِدُوا شُهُودًا عَلَيْها مُسْلِمِينَ، ثُمَّ ذَهَبا إلى ورَثَتِكم بِوَصِيَّتِكم وبِما تَرَكْتُمْ فارْتابُوا في أمْرِهِما وادَّعَوْا عَلَيْهِما خِيانَةً، فالحُكْمُ أنْ تَحْبِسُوهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهم قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ إنِ ارْتَبْنا في الشَّهادَةِ ؟ فَقالَ: تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِهِما. وخَصَّ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ أيْ: صَلاةِ العَصْرِ، (p-٤٠١)قالَهُ الأكْثَرُ لِكَوْنِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَغْضَبُ اللَّهُ عَلى مَن حَلَفَ فِيهِ فاجِرًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقِيلَ: لِكَوْنِهِ وقْتَ اجْتِماعِ النّاسِ وقُعُودِ الحُكّامِ لِلْحُكُومَةِ، وقِيلَ: صَلاةُ الظُّهْرِ، وقِيلَ: أيُّ صَلاةٍ كانَتْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَحْبِسُونَهُما صِفَةٌ لَآخَرانِ، واعْتَرَضَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، والمُرادُ بِالحَبْسِ: تَوْقِيفُ الشّاهِدَيْنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِتَحْلِيفِهِما، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحَبْسِ بِالمَعْنى العامِّ، وعَلى جَوازِ التَّغْلِيظِ عَلى الحالِفِ بِالزَّمانِ والمَكانِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَحْبِسُونَهُما أيْ يُقْسِمُ بِاللَّهِ الشّاهِدانِ عَلى الوَصِيَّةِ أوِ الوَصِيّانِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي لَيْلى عَلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ مُطْلَقًا إذا حَصَلَتِ الرِّيبَةُ في شَهادَتِهِما. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدَيْنِ هُنا إنَّما هو لِوُقُوعِ الدَّعْوى عَلَيْهِما بِالخِيانَةِ أوْ نَحْوِها. قَوْلُهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ جَوابُ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ كَما سَبَقَ. قَوْلُهُ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ جَوابُ القَسَمِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: لا نَبِيعُ حَظَّنا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا العَرَضِ النَّزْرِ، فَنَحْلِفُ بِهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ عَلَيْنا، وقِيلَ يَعُودُ إلى القَسَمِ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِصِحَّةِ القَسَمِ بِاللَّهِ عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، وقِيلَ يَعُودُ إلى الشَّهادَةِ، وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِشَهادَتِنا ثَمَنًا. قالَ الكُوفِيُّونَ: المَعْنى ذا ثَمَنٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العُرُوضَ لا تُسَمّى ثَمَنًا، وعِنْدَ الأكْثَرِ أنَّها تُسَمّى ثَمَنًا كَما تُسَمّى مَبِيعًا. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ ولَوْ كانَ المُقْسَمُ لَهُ أوِ المَشْهُودُ لَهُ قَرِيبًا فَإنّا نُؤْثِرُ الحَقَّ والصِّدْقَ، ولا نُؤْثِرُ العَرَضَ الدُّنْيَوِيَّ ولا القَرابَةَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولَوْ كانَ ذا قُرْبى لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا. قَوْلُهُ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا نَشْتَرِي داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ القَسَمِ، وأضافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ الآمِرَ بِإقامَتِها والنّاهِيَ عَنْ كَتْمِها. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ عَثَرَ عَلى كَذا: اطَّلَعَ عَلَيْهِ، يُقالُ عَثَرْتُ مِنهُ عَلى خِيانَةٍ؛ أيِ: اطَّلَعْتُ وأعْثَرْتُ غَيْرِي عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] وأصْلُ العُثُورِ: الوُقُوعُ والسُّقُوطُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِذاتِ لَوْثٍ عَصَرْناهُ إذْ عَثَرَتْ ∗∗∗ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا والمَعْنى: أنَّهُ إذا اطَّلَعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ عَلى أنَّ الشّاهِدَيْنِ أوِ الوَصِيَّيْنِ اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيِ: اسْتَوْجَبا إثْمًا إمّا بِكَذِبٍ في الشَّهادَةِ أوِ اليَمِينِ أوْ بِظُهُورِ خِيانَةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الإثْمُ هُنا اسْمُ الشَّيْءِ المَأْخُوذِ، لِأنَّ آخِذَهُ يَأْثَمُ بِأخْذِهِ، فَسُمِّيَ إثْمًا كَما سُمِّيَ ما يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ مَظْلَمَةً. وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ فَكَذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ. قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ فَشاهِدانِ آخَرانِ أوْ فَحالِفانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَ اللَّذَيْنِ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَيَشْهَدانِ أوْ يَحْلِفانِ عَلى ما هو الحَقُّ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُما يَقُومانِ مَقامَهُما في أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي شَهِدَها المُسْتَحِقّانِ لِلْإثْمِ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ اسْتَحَقَّ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيٌ وابْنُ عَبّاسٍ وحَفْصٌ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والأوْلَيانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُما الأوْلَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ مَن هُما ؟ فَقِيلَ هُما الأوْلَيانِ، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ أوْ مِن آخَرانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ ( الأوَّلِينَ ) . جَمْعُ أوَّلٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، أوْ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ ( الأوَّلانِ ) . والمَعْنى عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: مَنِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ؛ أيْ: جَنى عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ فَإنَّهم أحَقُّ بِالشَّهادَةِ أوِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فالأوْلَيانِ تَثْنِيَةُ أوْلى. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ مِن بَيْنِهِمْ بِالشَّهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ لِكَوْنِهِما الأقْرَبِينَ إلى المَيِّتِ، فالأوْلَيانِ فاعِلُ اسْتَحَقَّ ومَفْعُولُهُ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ، وقِيلَ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: مَنِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ وصِيَّتُهُ الَّتِي أوْصى بِها. قَوْلُهُ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى يَقُومانِ؛ أيْ: فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا؛ أيْ: يَمِينُنا، فالمُرادُ بِالشَّهادَةِ هُنا اليَمِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] أيْ: يَحْلِفانِ لَشَهادَتُنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ خائِنانِ أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما؛ أيْ: مِن يَمِينِهِما عَلى أنَّهُما صادِقانِ أمِينانِ وما اعْتَدَيْنا أيْ تَجاوَزْنا الحَقَّ في يَمِينِنا ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنْ كُنّا حَلَفْنا عَلى باطِلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ ذَلِكَ البَيانُ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ وعَرَفْنا كَيْفَ يَصْنَعُ مَن أرادَ الوَصِيَّةَ في السَّفَرِ ؟ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ وعِنْدَهُ كُفّارٌ أدْنى: أيْ أقْرَبَ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ المُتَحَمِّلُونَ لِلشَّهادَةِ عَلى الوَصِيَّةِ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها فَلا يُحَرِّفُوا ولا يُبَدِّلُوا ولا يَخُونُوا وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ في هَذا الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ في هَذا المَوْضِعِ مِن كِتابِهِ، فالضَّمِيرُ في يَأْتُوا عائِدٌ إلى شُهُودِ الوَصِيَّةِ مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ إنَّهُ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ بِهَذا الحُكْمِ. والمُرادُ تَحْذِيرُهم مِنَ الخِيانَةِ، وأمْرُهم بِأنْ يَشْهَدُوا بِالحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ تُرَدَّ عَلى الوَرَثَةِ فَيَحْلِفُونَ عَلى خِلافِ ما شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الوَصِيَّةِ فَيُفْتَضَحُ حِينَئِذٍ شُهُودُ الوَصِيَّةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنْ يَأْتُوا فَتَكُونُ الفائِدَةُ في شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِهَذا الحُكْمِ هي أحَدُ الأمْرَيْنِ: إمّا احْتِرازُ شُهُودِ الوَصِيَّةِ عَنِ الكَذِبِ والخِيانَةِ فَيَأْتُونَ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها. أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ إذا رُدَّتِ الأيْمانُ عَلى قَرابَةِ المَيِّتِ فَحَلَفُوا بِما يَتَضَمَّنُ كَذِبَهم أوْ خِيانَتَهم فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَأْدِيَةِ شَهادَةِ شُهُودِ الوَصِيَّةِ عَلى وجْهِها مِن غَيْرِ كَذِبٍ (p-٤٠٢)ولا خِيانَةٍ، وقِيلَ: إنَّ يَخافُوا مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ الكَذِبِ والخِيانَةِ أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ بِرَدِّ اليَمِينِ، فَأيُّ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصُودُ واتَّقُوا اللَّهَ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ بِأيِّ ذَنْبٍ، ومِنهُ الكَذِبُ في اليَمِينِ أوِ الشَّهادَةِ. وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هَذا المَقامُ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ مَن حَضَرَتْهُ عَلاماتُ المَوْتِ أشْهَدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِن عُدُولِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ شُهُودًا مُسْلِمِينَ، وكانَ في سَفَرٍ، ووَجَدَ كُفّارًا جازَ لَهُ أنْ يُشْهِدَ رَجُلَيْنِ مِنهم عَلى وصِيَّتِهِ، فَإنِ ارْتابَ بِهِما ورَثَةُ المُوصِي حَلَفا بِاللَّهِ عَلى أنَّهُما شَهِدا بِالحَقِّ وما كَتَما مِنَ الشَّهادَةِ شَيْئًا ولا خانا مِمّا تَرَكَهُ المَيِّتُ شَيْئًا، فَإنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلافُ ما أقْسَما عَلَيْهِ مِن خَلَلٍ في الشَّهادَةِ أوْ ظُهُورِ شَيْءٍ مِن تَرِكَةِ المَيِّتِ زَعَما أنَّهُ قَدْ صارَ في مُلْكِهِما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَلَفَ رَجُلانِ مِنَ الوَرَثَةِ وعُمِلَ بِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في تارِيخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ مِن طَرِيقِ أبِي النَّضْرِ وهو الكَلْبِيُّ، عَنْ باذانَ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: بَرِئَ النّاسُ مِنها غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ وكانا نَصْرانِيَّيْنِ يَخْتَلِفانِ إلى الشّامِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَأتَيا الشّامَ لِتِجارَتِهِما، وقَدِمَ عَلَيْهِما مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقالُ لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ بِتِجارَةٍ، ومَعَهُ جامٌ مِن فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ وهو عُظْمُ تِجارَتِهِ، فَمَرِضَ فَأوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يُبَلِّغا ما تَرَكَ أهْلَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا ماتَ أخَذْنا ذَلِكَ الجامَ فَبِعْناهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اقْتَسَمْناهُ أنا وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، فَلَمّا قَدِمْنا إلى أهْلِهِ دَفَعْنا إلَيْهِمْ ما كانَ مَعَنا، وفَقَدُوا الجامَ فَسَألُونا عَنْهُ، فَقُلْنا: ما تَرَكَ غَيْرَ هَذا، أوْ ما دَفَعَ إلَيْنا غَيْرَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُعَظَّمُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ورَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ» . وفي إسْنادِهِ أبُو النَّضْرِ وهو مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ صاحِبُ التَّفْسِيرِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: تَرَكَهُ أهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، فَأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَرَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِاللَّهِ ما كَتَمْتُماها ولا اطَّلَعْتُما، ثُمَّ وجَدُوا الجامَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ، وأخَذُوا الجامَ، قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ،» وفي إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي القاسِمِ الكُوفِيُّ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: قِيلَ: إنَّهُ صالِحُ الحَدِيثِ، وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِهِ. وقَدْ رَوى جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي السَّبَبُ في نُزُولِ الآيَةِ، وذَكَرَها المُفَسِّرُونَ في تَفاسِيرِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم﴾ الآيَةَ. قالَ: هَذا لِمَن ماتَ وعِنْدَهُ المُسْلِمُونَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ فَهَذا لِمَن ماتَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أمْرَ اللَّهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَإنِ ارْتِيبَ بِشَهادَتِهِما اسْتَحْلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ ما اشْتَرَيا بِشَهادَتِهِما ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإنِ اطَّلَعَ الأوْلِياءُ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا في شَهادَتِهِما، وثَمَّ رَجُلانِ مِنَ الأوْلِياءِ فَحَلَفا بِاللَّهِ أنَّ شَهادَةَ الكافِرَيْنِ باطِلَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ يَقُولُ: إنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتِيَ الكافِرانِ ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَتُتْرَكُ شَهادَةُ الكافِرَيْنِ ويُحْكَمُ بِشَهادَةِ الأوْلِياءِ، فَلَيْسَ عَلى شُهُودِ المُسْلِمِينَ أقْسامٌ، إنَّما الأقْسامُ إذا كانا كافِرَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذا رَجُلٌ خَرَجَ مُسافِرًا ومَعَهُ مالٌ فَأدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإنْ وجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ إلَيْهِما تَرِكَتْهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِما عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنْ أدّى فَسَبِيلُ ما أدّى، وإنْ جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو دُبُرَ صَلاةٍ إنَّ هَذا الَّذِي دُفِعَ إلَيَّ وما غَيَّبْتُ مِنهُ شَيْئًا، فَإذا حَلَفَ بَرِئَ، فَإذا أتى بَعْدَ ذَلِكَ صاحِبا الكِتابِ فَشَهِدا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعى القَوْمُ عَلَيْهِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما لَهم جُعِلَتْ أيْمانُ الوَرَثَةِ مَعَ شَهادَتِهِمْ ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: كانَ ذَلِكَ في رَجُلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، والأرْضُ حَرْبٌ والنّاسُ كُفّارٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ بِالمَدِينَةِ، وكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ وفُرِضَتِ الفَرائِضُ وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: (p-٤٠٣)مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ لا تَجُوزَ شَهادَةُ كافِرٍ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ، إنَّما هي في المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قالَ: صَلاةُ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ: لا نَأْخُذُ بِهِ رَشْوَةً ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وإنْ كانَ صاحِبُها بَعِيدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيِ اطُّلِعَ مِنهُما عَلى خِيانَةٍ عَلى أنَّهُما كَذَبا أوْ كَتَما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: الأوْلَيانِ قالَ: بِالمَيِّتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يَصْدُقُوا في شَهادَتِهِمْ ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَقُولُ: وأنْ يَخافُوا العَتَبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ قالَ: فَتَبْطُلُ أيْمانُهم وتُؤْخَذُ أيْمانُ هَؤُلاءِ.

المائدة 5:107

قالَ مَكِّيٌّ: هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ النِّتاجُ في تَفْسِيرِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَعْنِي مِن كِتابِ مَكِّيٍّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ ذَكَرَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ قَبْلَهُ أيْضًا. قالَ السَّعْدُ في حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ: واتَّفَقُوا عَلى أنَّها أصْعَبُ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا. قَوْلُهُ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أضافَ الشَّهادَةَ إلى البَيْنِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّها جارِيَةٌ بَيْنَهم، وقِيلَ أصْلُهُ شَهادَةُ ما بَيْنَكم فَحُذِفَتْ ما وأُضِيفَتْ إلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تُصافِحُ مَن لاقَيْتَ لِي ذا عَداوَةٍ صِفاحًا وعَنِّي بَيْنَ عَيْنَيْكَ مُنْزَوِي أرادَ ما بَيْنَ عَيْنَيْكَ، ومِثْلَهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا أيْ شَهْدِنا فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] قِيلَ: والشَّهادَةُ هُنا بِمَعْنى الوَصِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: هي هُنا بِمَعْنى اليَمِينِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَمِينُ ما بَيْنَكم أنْ يَحْلِفَ اثْنانِ. واسْتَدَلَّ عَلى ما قالَهُ بِأنَّهُ لا يَعْلَمُ لِلَّهِ حُكْمًا يَجِبُ فِيهِ عَلى الشّاهِدِ يَمِينٌ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ القَفّالُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ واخْتارَ أنَّ الشَّهادَةَ هُنا هي الشَّهادَةُ الَّتِي تُؤَدّى مِنَ الشُّهُودِ. قَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ، والمُرادُ إذا حَضَرَتْ عَلاماتُهُ؛ لِأنَّ مَن ماتَ لا يُمْكِنُهُ الإشْهادُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ ولِكَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ. وقَوْلُهُ: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ ظَرْفٌ لِحَضَرَ أوْ لِلْمَوْتِ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: اثْنانِ خَبَرُ شَهادَةٍ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: شَهادَةُ اثْنَيْنِ أوْ فاعِلٌ لِلشَّهادَةِ عَلى أنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكم شَهادَةُ بَيْنِكُمُ اثْنانِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ، ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ صِفَةٌ لِلِاثْنانِ وكَذا مِنكُمْ؛ أيْ: كائِنانِ مِنكُمْ؛ أيْ: مِن أقارِبِكم أوْ آخَرانِ مَعْطُوفٌ عَلى اثْنانِ، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لَهُ؛ أيْ: كائِنانِ مِنَ الأجانِبِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِنكم لِلْمُسْلِمِينَ، وفي غَيْرِكم لِلْكُفّارِ وهو الأنْسَبُ لِسِياقِ الآيَةِ، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما، فَيَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ في خُصُوصِ الوَصايا كَما يُفِيدُهُ النَّظْمُ القُرْآنِيُّ، ويَشْهَدُ لَهُ السَّبَبُ لِلنُّزُولِ وسَيَأْتِي، فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُوصِي مَن يَشْهَدُ عَلى وصِيَّتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَشْهَدْ رَجُلانِ مِن أهْلِ الكُفْرِ، فَإذا قَدِما وأدَّيا الشَّهادَةَ عَلى وصِيَّتِهِ حَلَفا بَعْدَ الصَّلاةِ أنَّهُما ما كَذِبا ولا بَدَّلا، وأنَّ ما شَهِدا بِهِ حَقٌّ، فَيُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِشَهادَتِهِمْ. فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عَلى أنَّهُما﴾ كَذِبا أوْ خانا حَلَفَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ المُوصِي وغَرَمَ الشّاهِدانِ الكافِرانِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِما مِن خِيانَةٍ أوْ نَحْوِها، هَذا مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مِجْلَزٍ والنَّخَعِيُّ وشُرَيْحٌ وعُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ وابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والثَّوْرِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ: أعْنِي تَفْسِيرَ ضَمِيرِ مِنكم بِالقَرابَةِ أوِ العَشِيرَةِ، وتَفْسِيرَ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ بِالأجانِبِ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ. وذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهم مِنَ الفُقَهاءِ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم﴾ [الطلاق: ٢] فَهُما عامّانِ في الأشْخاصِ والأزْمانِ والأحْوالِ، وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِحالَةِ الضَّرْبِ في الأرْضِ وبِالوَصِيَّةِ وبِحالَةِ عَدَمِ الشُّهُودِ المُسْلِمِينَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ. قَوْلُهُ: إنْ أنْتُمْ هو فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ضَرَبْتُمْ، أوْ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِنَ النُّحاةِ، والثّانِي مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ. والضَّرْبُ في الأرْضِ هو السَّفَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَنَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ وأرَدْتُمُ الوَصِيَّةَ ولَمْ تَجِدُوا شُهُودًا عَلَيْها مُسْلِمِينَ، ثُمَّ ذَهَبا إلى ورَثَتِكم بِوَصِيَّتِكم وبِما تَرَكْتُمْ فارْتابُوا في أمْرِهِما وادَّعَوْا عَلَيْهِما خِيانَةً، فالحُكْمُ أنْ تَحْبِسُوهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهم قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ إنِ ارْتَبْنا في الشَّهادَةِ ؟ فَقالَ: تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِهِما. وخَصَّ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ أيْ: صَلاةِ العَصْرِ، (p-٤٠١)قالَهُ الأكْثَرُ لِكَوْنِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَغْضَبُ اللَّهُ عَلى مَن حَلَفَ فِيهِ فاجِرًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقِيلَ: لِكَوْنِهِ وقْتَ اجْتِماعِ النّاسِ وقُعُودِ الحُكّامِ لِلْحُكُومَةِ، وقِيلَ: صَلاةُ الظُّهْرِ، وقِيلَ: أيُّ صَلاةٍ كانَتْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَحْبِسُونَهُما صِفَةٌ لَآخَرانِ، واعْتَرَضَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، والمُرادُ بِالحَبْسِ: تَوْقِيفُ الشّاهِدَيْنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِتَحْلِيفِهِما، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحَبْسِ بِالمَعْنى العامِّ، وعَلى جَوازِ التَّغْلِيظِ عَلى الحالِفِ بِالزَّمانِ والمَكانِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَحْبِسُونَهُما أيْ يُقْسِمُ بِاللَّهِ الشّاهِدانِ عَلى الوَصِيَّةِ أوِ الوَصِيّانِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي لَيْلى عَلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ مُطْلَقًا إذا حَصَلَتِ الرِّيبَةُ في شَهادَتِهِما. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدَيْنِ هُنا إنَّما هو لِوُقُوعِ الدَّعْوى عَلَيْهِما بِالخِيانَةِ أوْ نَحْوِها. قَوْلُهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ جَوابُ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ كَما سَبَقَ. قَوْلُهُ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ جَوابُ القَسَمِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: لا نَبِيعُ حَظَّنا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا العَرَضِ النَّزْرِ، فَنَحْلِفُ بِهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ عَلَيْنا، وقِيلَ يَعُودُ إلى القَسَمِ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِصِحَّةِ القَسَمِ بِاللَّهِ عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، وقِيلَ يَعُودُ إلى الشَّهادَةِ، وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِشَهادَتِنا ثَمَنًا. قالَ الكُوفِيُّونَ: المَعْنى ذا ثَمَنٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العُرُوضَ لا تُسَمّى ثَمَنًا، وعِنْدَ الأكْثَرِ أنَّها تُسَمّى ثَمَنًا كَما تُسَمّى مَبِيعًا. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ ولَوْ كانَ المُقْسَمُ لَهُ أوِ المَشْهُودُ لَهُ قَرِيبًا فَإنّا نُؤْثِرُ الحَقَّ والصِّدْقَ، ولا نُؤْثِرُ العَرَضَ الدُّنْيَوِيَّ ولا القَرابَةَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولَوْ كانَ ذا قُرْبى لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا. قَوْلُهُ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا نَشْتَرِي داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ القَسَمِ، وأضافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ الآمِرَ بِإقامَتِها والنّاهِيَ عَنْ كَتْمِها. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ عَثَرَ عَلى كَذا: اطَّلَعَ عَلَيْهِ، يُقالُ عَثَرْتُ مِنهُ عَلى خِيانَةٍ؛ أيِ: اطَّلَعْتُ وأعْثَرْتُ غَيْرِي عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] وأصْلُ العُثُورِ: الوُقُوعُ والسُّقُوطُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِذاتِ لَوْثٍ عَصَرْناهُ إذْ عَثَرَتْ ∗∗∗ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا والمَعْنى: أنَّهُ إذا اطَّلَعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ عَلى أنَّ الشّاهِدَيْنِ أوِ الوَصِيَّيْنِ اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيِ: اسْتَوْجَبا إثْمًا إمّا بِكَذِبٍ في الشَّهادَةِ أوِ اليَمِينِ أوْ بِظُهُورِ خِيانَةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الإثْمُ هُنا اسْمُ الشَّيْءِ المَأْخُوذِ، لِأنَّ آخِذَهُ يَأْثَمُ بِأخْذِهِ، فَسُمِّيَ إثْمًا كَما سُمِّيَ ما يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ مَظْلَمَةً. وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ فَكَذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ. قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ فَشاهِدانِ آخَرانِ أوْ فَحالِفانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَ اللَّذَيْنِ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَيَشْهَدانِ أوْ يَحْلِفانِ عَلى ما هو الحَقُّ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُما يَقُومانِ مَقامَهُما في أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي شَهِدَها المُسْتَحِقّانِ لِلْإثْمِ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ اسْتَحَقَّ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيٌ وابْنُ عَبّاسٍ وحَفْصٌ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والأوْلَيانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُما الأوْلَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ مَن هُما ؟ فَقِيلَ هُما الأوْلَيانِ، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ أوْ مِن آخَرانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ ( الأوَّلِينَ ) . جَمْعُ أوَّلٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، أوْ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ ( الأوَّلانِ ) . والمَعْنى عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: مَنِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ؛ أيْ: جَنى عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ فَإنَّهم أحَقُّ بِالشَّهادَةِ أوِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فالأوْلَيانِ تَثْنِيَةُ أوْلى. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ مِن بَيْنِهِمْ بِالشَّهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ لِكَوْنِهِما الأقْرَبِينَ إلى المَيِّتِ، فالأوْلَيانِ فاعِلُ اسْتَحَقَّ ومَفْعُولُهُ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ، وقِيلَ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: مَنِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ وصِيَّتُهُ الَّتِي أوْصى بِها. قَوْلُهُ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى يَقُومانِ؛ أيْ: فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا؛ أيْ: يَمِينُنا، فالمُرادُ بِالشَّهادَةِ هُنا اليَمِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] أيْ: يَحْلِفانِ لَشَهادَتُنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ خائِنانِ أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما؛ أيْ: مِن يَمِينِهِما عَلى أنَّهُما صادِقانِ أمِينانِ وما اعْتَدَيْنا أيْ تَجاوَزْنا الحَقَّ في يَمِينِنا ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنْ كُنّا حَلَفْنا عَلى باطِلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ ذَلِكَ البَيانُ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ وعَرَفْنا كَيْفَ يَصْنَعُ مَن أرادَ الوَصِيَّةَ في السَّفَرِ ؟ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ وعِنْدَهُ كُفّارٌ أدْنى: أيْ أقْرَبَ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ المُتَحَمِّلُونَ لِلشَّهادَةِ عَلى الوَصِيَّةِ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها فَلا يُحَرِّفُوا ولا يُبَدِّلُوا ولا يَخُونُوا وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ في هَذا الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ في هَذا المَوْضِعِ مِن كِتابِهِ، فالضَّمِيرُ في يَأْتُوا عائِدٌ إلى شُهُودِ الوَصِيَّةِ مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ إنَّهُ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ بِهَذا الحُكْمِ. والمُرادُ تَحْذِيرُهم مِنَ الخِيانَةِ، وأمْرُهم بِأنْ يَشْهَدُوا بِالحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ تُرَدَّ عَلى الوَرَثَةِ فَيَحْلِفُونَ عَلى خِلافِ ما شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الوَصِيَّةِ فَيُفْتَضَحُ حِينَئِذٍ شُهُودُ الوَصِيَّةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنْ يَأْتُوا فَتَكُونُ الفائِدَةُ في شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِهَذا الحُكْمِ هي أحَدُ الأمْرَيْنِ: إمّا احْتِرازُ شُهُودِ الوَصِيَّةِ عَنِ الكَذِبِ والخِيانَةِ فَيَأْتُونَ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها. أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ إذا رُدَّتِ الأيْمانُ عَلى قَرابَةِ المَيِّتِ فَحَلَفُوا بِما يَتَضَمَّنُ كَذِبَهم أوْ خِيانَتَهم فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَأْدِيَةِ شَهادَةِ شُهُودِ الوَصِيَّةِ عَلى وجْهِها مِن غَيْرِ كَذِبٍ (p-٤٠٢)ولا خِيانَةٍ، وقِيلَ: إنَّ يَخافُوا مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ الكَذِبِ والخِيانَةِ أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ بِرَدِّ اليَمِينِ، فَأيُّ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصُودُ واتَّقُوا اللَّهَ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ بِأيِّ ذَنْبٍ، ومِنهُ الكَذِبُ في اليَمِينِ أوِ الشَّهادَةِ. وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هَذا المَقامُ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ مَن حَضَرَتْهُ عَلاماتُ المَوْتِ أشْهَدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِن عُدُولِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ شُهُودًا مُسْلِمِينَ، وكانَ في سَفَرٍ، ووَجَدَ كُفّارًا جازَ لَهُ أنْ يُشْهِدَ رَجُلَيْنِ مِنهم عَلى وصِيَّتِهِ، فَإنِ ارْتابَ بِهِما ورَثَةُ المُوصِي حَلَفا بِاللَّهِ عَلى أنَّهُما شَهِدا بِالحَقِّ وما كَتَما مِنَ الشَّهادَةِ شَيْئًا ولا خانا مِمّا تَرَكَهُ المَيِّتُ شَيْئًا، فَإنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلافُ ما أقْسَما عَلَيْهِ مِن خَلَلٍ في الشَّهادَةِ أوْ ظُهُورِ شَيْءٍ مِن تَرِكَةِ المَيِّتِ زَعَما أنَّهُ قَدْ صارَ في مُلْكِهِما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَلَفَ رَجُلانِ مِنَ الوَرَثَةِ وعُمِلَ بِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في تارِيخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ مِن طَرِيقِ أبِي النَّضْرِ وهو الكَلْبِيُّ، عَنْ باذانَ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: بَرِئَ النّاسُ مِنها غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ وكانا نَصْرانِيَّيْنِ يَخْتَلِفانِ إلى الشّامِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَأتَيا الشّامَ لِتِجارَتِهِما، وقَدِمَ عَلَيْهِما مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقالُ لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ بِتِجارَةٍ، ومَعَهُ جامٌ مِن فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ وهو عُظْمُ تِجارَتِهِ، فَمَرِضَ فَأوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يُبَلِّغا ما تَرَكَ أهْلَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا ماتَ أخَذْنا ذَلِكَ الجامَ فَبِعْناهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اقْتَسَمْناهُ أنا وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، فَلَمّا قَدِمْنا إلى أهْلِهِ دَفَعْنا إلَيْهِمْ ما كانَ مَعَنا، وفَقَدُوا الجامَ فَسَألُونا عَنْهُ، فَقُلْنا: ما تَرَكَ غَيْرَ هَذا، أوْ ما دَفَعَ إلَيْنا غَيْرَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُعَظَّمُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ورَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ» . وفي إسْنادِهِ أبُو النَّضْرِ وهو مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ صاحِبُ التَّفْسِيرِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: تَرَكَهُ أهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، فَأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَرَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِاللَّهِ ما كَتَمْتُماها ولا اطَّلَعْتُما، ثُمَّ وجَدُوا الجامَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ، وأخَذُوا الجامَ، قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ،» وفي إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي القاسِمِ الكُوفِيُّ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: قِيلَ: إنَّهُ صالِحُ الحَدِيثِ، وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِهِ. وقَدْ رَوى جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي السَّبَبُ في نُزُولِ الآيَةِ، وذَكَرَها المُفَسِّرُونَ في تَفاسِيرِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم﴾ الآيَةَ. قالَ: هَذا لِمَن ماتَ وعِنْدَهُ المُسْلِمُونَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ فَهَذا لِمَن ماتَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أمْرَ اللَّهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَإنِ ارْتِيبَ بِشَهادَتِهِما اسْتَحْلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ ما اشْتَرَيا بِشَهادَتِهِما ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإنِ اطَّلَعَ الأوْلِياءُ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا في شَهادَتِهِما، وثَمَّ رَجُلانِ مِنَ الأوْلِياءِ فَحَلَفا بِاللَّهِ أنَّ شَهادَةَ الكافِرَيْنِ باطِلَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ يَقُولُ: إنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتِيَ الكافِرانِ ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَتُتْرَكُ شَهادَةُ الكافِرَيْنِ ويُحْكَمُ بِشَهادَةِ الأوْلِياءِ، فَلَيْسَ عَلى شُهُودِ المُسْلِمِينَ أقْسامٌ، إنَّما الأقْسامُ إذا كانا كافِرَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذا رَجُلٌ خَرَجَ مُسافِرًا ومَعَهُ مالٌ فَأدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإنْ وجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ إلَيْهِما تَرِكَتْهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِما عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنْ أدّى فَسَبِيلُ ما أدّى، وإنْ جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو دُبُرَ صَلاةٍ إنَّ هَذا الَّذِي دُفِعَ إلَيَّ وما غَيَّبْتُ مِنهُ شَيْئًا، فَإذا حَلَفَ بَرِئَ، فَإذا أتى بَعْدَ ذَلِكَ صاحِبا الكِتابِ فَشَهِدا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعى القَوْمُ عَلَيْهِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما لَهم جُعِلَتْ أيْمانُ الوَرَثَةِ مَعَ شَهادَتِهِمْ ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: كانَ ذَلِكَ في رَجُلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، والأرْضُ حَرْبٌ والنّاسُ كُفّارٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ بِالمَدِينَةِ، وكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ وفُرِضَتِ الفَرائِضُ وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: (p-٤٠٣)مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ لا تَجُوزَ شَهادَةُ كافِرٍ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ، إنَّما هي في المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قالَ: صَلاةُ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ: لا نَأْخُذُ بِهِ رَشْوَةً ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وإنْ كانَ صاحِبُها بَعِيدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيِ اطُّلِعَ مِنهُما عَلى خِيانَةٍ عَلى أنَّهُما كَذَبا أوْ كَتَما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: الأوْلَيانِ قالَ: بِالمَيِّتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يَصْدُقُوا في شَهادَتِهِمْ ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَقُولُ: وأنْ يَخافُوا العَتَبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ قالَ: فَتَبْطُلُ أيْمانُهم وتُؤْخَذُ أيْمانُ هَؤُلاءِ.

المائدة 5:108

قالَ مَكِّيٌّ: هَذِهِ الآياتُ الثَّلاثُ عِنْدَ أهْلِ المَعانِي مِن أشْكَلِ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ومَعْنًى وحُكْمًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هَذا كَلامُ مَن لَمْ يَقَعْ لَهُ النِّتاجُ في تَفْسِيرِها، وذَلِكَ بَيِّنٌ مِن كِتابِهِ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَعْنِي مِن كِتابِ مَكِّيٍّ. قالَ القُرْطُبِيُّ: ما ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ ذَكَرَهُ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ قَبْلَهُ أيْضًا. قالَ السَّعْدُ في حاشِيَتِهِ عَلى الكَشّافِ: واتَّفَقُوا عَلى أنَّها أصْعَبُ ما في القُرْآنِ إعْرابًا ونَظْمًا وحُكْمًا. قَوْلُهُ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ أضافَ الشَّهادَةَ إلى البَيْنِ تَوَسُّعًا؛ لِأنَّها جارِيَةٌ بَيْنَهم، وقِيلَ أصْلُهُ شَهادَةُ ما بَيْنَكم فَحُذِفَتْ ما وأُضِيفَتْ إلى الظَّرْفِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [سبأ: ٣٣] ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎تُصافِحُ مَن لاقَيْتَ لِي ذا عَداوَةٍ صِفاحًا وعَنِّي بَيْنَ عَيْنَيْكَ مُنْزَوِي أرادَ ما بَيْنَ عَيْنَيْكَ، ومِثْلَهُ قَوْلُ الآخَرِ: ؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا أيْ شَهْدِنا فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا فِراقُ بَيْنِي وبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٨] قِيلَ: والشَّهادَةُ هُنا بِمَعْنى الوَصِيَّةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الحُضُورِ لِلْوَصِيَّةِ. وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: هي هُنا بِمَعْنى اليَمِينِ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَمِينُ ما بَيْنَكم أنْ يَحْلِفَ اثْنانِ. واسْتَدَلَّ عَلى ما قالَهُ بِأنَّهُ لا يَعْلَمُ لِلَّهِ حُكْمًا يَجِبُ فِيهِ عَلى الشّاهِدِ يَمِينٌ. واخْتارَ هَذا القَوْلَ القَفّالُ، وضَعَّفَ ذَلِكَ ابْنُ عَطِيَّةَ واخْتارَ أنَّ الشَّهادَةَ هُنا هي الشَّهادَةُ الَّتِي تُؤَدّى مِنَ الشُّهُودِ. قَوْلُهُ: ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ ظَرْفٌ لِلشَّهادَةِ، والمُرادُ إذا حَضَرَتْ عَلاماتُهُ؛ لِأنَّ مَن ماتَ لا يُمْكِنُهُ الإشْهادُ، وتَقْدِيمُ المَفْعُولِ لِلِاهْتِمامِ ولِكَمالِ تَمَكُّنِ الفاعِلِ عِنْدَ النَّفْسِ. وقَوْلُهُ: ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾ ظَرْفٌ لِحَضَرَ أوْ لِلْمَوْتِ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الظَّرْفِ الأوَّلِ. وقَوْلُهُ: اثْنانِ خَبَرُ شَهادَةٍ عَلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: شَهادَةُ اثْنَيْنِ أوْ فاعِلٌ لِلشَّهادَةِ عَلى أنَّ خَبَرَها مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فِيما فُرِضَ عَلَيْكم شَهادَةُ بَيْنِكُمُ اثْنانِ عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَشْهَدَ اثْنانِ، ذَكَرَ الوَجْهَيْنِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ. قَوْلُهُ: ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ صِفَةٌ لِلِاثْنانِ وكَذا مِنكُمْ؛ أيْ: كائِنانِ مِنكُمْ؛ أيْ: مِن أقارِبِكم أوْ آخَرانِ مَعْطُوفٌ عَلى اثْنانِ، و﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ صِفَةٌ لَهُ؛ أيْ: كائِنانِ مِنَ الأجانِبِ، وقِيلَ: إنَّ الضَّمِيرَ في مِنكم لِلْمُسْلِمِينَ، وفي غَيْرِكم لِلْكُفّارِ وهو الأنْسَبُ لِسِياقِ الآيَةِ، وبِهِ قالَ أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما، فَيَكُونُ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ شَهادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ عَلى المُسْلِمِينَ في السَّفَرِ في خُصُوصِ الوَصايا كَما يُفِيدُهُ النَّظْمُ القُرْآنِيُّ، ويَشْهَدُ لَهُ السَّبَبُ لِلنُّزُولِ وسَيَأْتِي، فَإذا لَمْ يَكُنْ مَعَ المُوصِي مَن يَشْهَدُ عَلى وصِيَّتِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَلْيَشْهَدْ رَجُلانِ مِن أهْلِ الكُفْرِ، فَإذا قَدِما وأدَّيا الشَّهادَةَ عَلى وصِيَّتِهِ حَلَفا بَعْدَ الصَّلاةِ أنَّهُما ما كَذِبا ولا بَدَّلا، وأنَّ ما شَهِدا بِهِ حَقٌّ، فَيُحْكَمُ حِينَئِذٍ بِشَهادَتِهِمْ. فَإنْ عُثِرَ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿عَلى أنَّهُما﴾ كَذِبا أوْ خانا حَلَفَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ المُوصِي وغَرَمَ الشّاهِدانِ الكافِرانِ ما ظَهَرَ عَلَيْهِما مِن خِيانَةٍ أوْ نَحْوِها، هَذا مَعْنى الآيَةِ عِنْدَ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأبُو مِجْلَزٍ والنَّخَعِيُّ وشُرَيْحٌ وعُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ وابْنُ سِيرِينَ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ والسُّدِّيُّ والثَّوْرِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ. وذَهَبَ إلى الأوَّلِ: أعْنِي تَفْسِيرَ ضَمِيرِ مِنكم بِالقَرابَةِ أوِ العَشِيرَةِ، وتَفْسِيرَ ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾ بِالأجانِبِ الزُّهْرِيُّ والحَسَنُ وعِكْرِمَةُ. وذَهَبَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ وغَيْرُهم مِنَ الفُقَهاءِ أنَّ الآيَةَ مَنسُوخَةٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكم﴾ [الطلاق: ٢] فَهُما عامّانِ في الأشْخاصِ والأزْمانِ والأحْوالِ، وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ بِحالَةِ الضَّرْبِ في الأرْضِ وبِالوَصِيَّةِ وبِحالَةِ عَدَمِ الشُّهُودِ المُسْلِمِينَ، ولا تَعارُضَ بَيْنَ عامٍّ وخاصٍّ. قَوْلُهُ: إنْ أنْتُمْ هو فاعِلُ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ ضَرَبْتُمْ، أوْ مُبْتَدَأٌ وما بَعْدَهُ خَبَرُهُ، والأوَّلُ مَذْهَبُ الجُمْهُورِ مِنَ النُّحاةِ، والثّانِي مَذْهَبُ الأخْفَشِ والكُوفِيِّينَ. والضَّرْبُ في الأرْضِ هو السَّفَرُ. وقَوْلُهُ: ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ وجَوابُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ إنْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَنَزَلَ بِكُمُ المَوْتُ وأرَدْتُمُ الوَصِيَّةَ ولَمْ تَجِدُوا شُهُودًا عَلَيْها مُسْلِمِينَ، ثُمَّ ذَهَبا إلى ورَثَتِكم بِوَصِيَّتِكم وبِما تَرَكْتُمْ فارْتابُوا في أمْرِهِما وادَّعَوْا عَلَيْهِما خِيانَةً، فالحُكْمُ أنْ تَحْبِسُوهُما، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا لِجَوابِ سُؤالٍ مُقَدَّرٍ، كَأنَّهم قالُوا: فَكَيْفَ نَصْنَعُ إنِ ارْتَبْنا في الشَّهادَةِ ؟ فَقالَ: تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ إنِ ارْتَبْتُمْ في شَهادَتِهِما. وخَصَّ بَعْدَ الصَّلاةِ؛ أيْ: صَلاةِ العَصْرِ، (p-٤٠١)قالَهُ الأكْثَرُ لِكَوْنِهِ الوَقْتُ الَّذِي يَغْضَبُ اللَّهُ عَلى مَن حَلَفَ فِيهِ فاجِرًا كَما في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وقِيلَ: لِكَوْنِهِ وقْتَ اجْتِماعِ النّاسِ وقُعُودِ الحُكّامِ لِلْحُكُومَةِ، وقِيلَ: صَلاةُ الظُّهْرِ، وقِيلَ: أيُّ صَلاةٍ كانَتْ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: تَحْبِسُونَهُما صِفَةٌ لَآخَرانِ، واعْتَرَضَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾، والمُرادُ بِالحَبْسِ: تَوْقِيفُ الشّاهِدَيْنِ في ذَلِكَ الوَقْتِ لِتَحْلِيفِهِما، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى جَوازِ الحَبْسِ بِالمَعْنى العامِّ، وعَلى جَوازِ التَّغْلِيظِ عَلى الحالِفِ بِالزَّمانِ والمَكانِ ونَحْوِهِما. قَوْلُهُ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى تَحْبِسُونَهُما أيْ يُقْسِمُ بِاللَّهِ الشّاهِدانِ عَلى الوَصِيَّةِ أوِ الوَصِيّانِ. وقَدِ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ ابْنُ أبِي لَيْلى عَلى تَحْلِيفِ الشّاهِدَيْنِ مُطْلَقًا إذا حَصَلَتِ الرِّيبَةُ في شَهادَتِهِما. وفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأنَّ تَحْلِيفَ الشّاهِدَيْنِ هُنا إنَّما هو لِوُقُوعِ الدَّعْوى عَلَيْهِما بِالخِيانَةِ أوْ نَحْوِها. قَوْلُهُ: إنِ ارْتَبْتُمْ جَوابُ هَذا الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ كَما سَبَقَ. قَوْلُهُ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ جَوابُ القَسَمِ، والضَّمِيرُ في " بِهِ " راجِعٌ إلى اللَّهِ تَعالى. والمَعْنى: لا نَبِيعُ حَظَّنا مِنَ اللَّهِ تَعالى بِهَذا العَرَضِ النَّزْرِ، فَنَحْلِفُ بِهِ كاذِبِينَ لِأجْلِ المالِ الَّذِي ادَّعَيْتُمُوهُ عَلَيْنا، وقِيلَ يَعُودُ إلى القَسَمِ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِصِحَّةِ القَسَمِ بِاللَّهِ عَرَضًا مِن أعْراضِ الدُّنْيا، وقِيلَ يَعُودُ إلى الشَّهادَةِ، وإنَّما ذَكَرَ الضَّمِيرَ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ؛ أيْ: لا نَسْتَبْدِلُ بِشَهادَتِنا ثَمَنًا. قالَ الكُوفِيُّونَ: المَعْنى ذا ثَمَنٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ العُرُوضَ لا تُسَمّى ثَمَنًا، وعِنْدَ الأكْثَرِ أنَّها تُسَمّى ثَمَنًا كَما تُسَمّى مَبِيعًا. قَوْلُهُ: ﴿ولَوْ كانَ ذا قُرْبى﴾ أيْ ولَوْ كانَ المُقْسَمُ لَهُ أوِ المَشْهُودُ لَهُ قَرِيبًا فَإنّا نُؤْثِرُ الحَقَّ والصِّدْقَ، ولا نُؤْثِرُ العَرَضَ الدُّنْيَوِيَّ ولا القَرابَةَ، وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: ولَوْ كانَ ذا قُرْبى لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا. قَوْلُهُ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى لا نَشْتَرِي داخِلٌ مَعَهُ في حُكْمِ القَسَمِ، وأضافَ الشَّهادَةَ إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ لِكَوْنِهِ الآمِرَ بِإقامَتِها والنّاهِيَ عَنْ كَتْمِها. قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ عَثَرَ عَلى كَذا: اطَّلَعَ عَلَيْهِ، يُقالُ عَثَرْتُ مِنهُ عَلى خِيانَةٍ؛ أيِ: اطَّلَعْتُ وأعْثَرْتُ غَيْرِي عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ أعْثَرْنا عَلَيْهِمْ﴾ [الكهف: ٢١] وأصْلُ العُثُورِ: الوُقُوعُ والسُّقُوطُ عَلى الشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ؎بِذاتِ لَوْثٍ عَصَرْناهُ إذْ عَثَرَتْ ∗∗∗ فالتَّعْسُ أوْلى لَها مِن أنْ أقُولَ لَعا والمَعْنى: أنَّهُ إذا اطَّلَعَ بَعْدَ التَّحْلِيفِ عَلى أنَّ الشّاهِدَيْنِ أوِ الوَصِيَّيْنِ اسْتَحَقّا إثْمًا؛ أيِ: اسْتَوْجَبا إثْمًا إمّا بِكَذِبٍ في الشَّهادَةِ أوِ اليَمِينِ أوْ بِظُهُورِ خِيانَةٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: الإثْمُ هُنا اسْمُ الشَّيْءِ المَأْخُوذِ، لِأنَّ آخِذَهُ يَأْثَمُ بِأخْذِهِ، فَسُمِّيَ إثْمًا كَما سُمِّيَ ما يُؤْخَذُ بِغَيْرِ حَقٍّ مَظْلَمَةً. وقالَ سِيبَوَيْهِ: المَظْلَمَةُ اسْمُ ما أُخِذَ مِنكَ فَكَذَلِكَ سُمِّيَ هَذا المَأْخُوذُ بِاسْمِ المَصْدَرِ. قَوْلُهُ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ أيْ فَشاهِدانِ آخَرانِ أوْ فَحالِفانِ آخَرانِ يَقُومانِ مَقامَ اللَّذَيْنِ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا فَيَشْهَدانِ أوْ يَحْلِفانِ عَلى ما هو الحَقُّ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهُما يَقُومانِ مَقامَهُما في أداءِ الشَّهادَةِ الَّتِي شَهِدَها المُسْتَحِقّانِ لِلْإثْمِ. قَوْلُهُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ اسْتَحَقَّ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، في قِراءَةِ الجُمْهُورِ: وقَرَأ عَلِيٌّ وأُبَيٌ وابْنُ عَبّاسٍ وحَفْصٌ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، والأوْلَيانِ عَلى القِراءَةِ الأُولى مُرْتَفِعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: هُما الأوْلَيانِ، كَأنَّهُ قِيلَ مَن هُما ؟ فَقِيلَ هُما الأوْلَيانِ، وقِيلَ هو بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في يَقُومانِ أوْ مِن آخَرانِ. وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ ( الأوَّلِينَ ) . جَمْعُ أوَّلٍ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الَّذِينَ، أوْ مِنَ الهاءِ والمِيمِ في عَلَيْهِمْ. وقَرَأ الحَسَنُ ( الأوَّلانِ ) . والمَعْنى عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ: مَنِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الإثْمُ؛ أيْ: جَنى عَلَيْهِمْ، وهم أهْلُ المَيِّتِ وعَشِيرَتُهُ فَإنَّهم أحَقُّ بِالشَّهادَةِ أوِ اليَمِينِ مِن غَيْرِهِمْ، فالأوْلَيانِ تَثْنِيَةُ أوْلى. والمَعْنى عَلى قِراءَةِ البِناءِ لِلْفاعِلِ: مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ مِن بَيْنِهِمْ بِالشَّهادَةِ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ ويُظْهِرُوا بِهِما كَذِبَ الكاذِبِينَ لِكَوْنِهِما الأقْرَبِينَ إلى المَيِّتِ، فالأوْلَيانِ فاعِلُ اسْتَحَقَّ ومَفْعُولُهُ أنْ يُجَرِّدُوهُما لِلْقِيامِ بِالشَّهادَةِ، وقِيلَ المَفْعُولُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: مَنِ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ بِالمَيِّتِ وصِيَّتُهُ الَّتِي أوْصى بِها. قَوْلُهُ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ عَطْفٌ عَلى يَقُومانِ؛ أيْ: فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا؛ أيْ: يَمِينُنا، فالمُرادُ بِالشَّهادَةِ هُنا اليَمِينُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] أيْ: يَحْلِفانِ لَشَهادَتُنا عَلى أنَّهُما كاذِبانِ خائِنانِ أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما؛ أيْ: مِن يَمِينِهِما عَلى أنَّهُما صادِقانِ أمِينانِ وما اعْتَدَيْنا أيْ تَجاوَزْنا الحَقَّ في يَمِينِنا ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ إنْ كُنّا حَلَفْنا عَلى باطِلٍ. قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أيْ ذَلِكَ البَيانُ الَّذِي قَدَّمَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ في هَذِهِ القِصَّةِ وعَرَفْنا كَيْفَ يَصْنَعُ مَن أرادَ الوَصِيَّةَ في السَّفَرِ ؟ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ وعِنْدَهُ كُفّارٌ أدْنى: أيْ أقْرَبَ إلى أنْ يُؤَدِّيَ الشُّهُودُ المُتَحَمِّلُونَ لِلشَّهادَةِ عَلى الوَصِيَّةِ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها فَلا يُحَرِّفُوا ولا يُبَدِّلُوا ولا يَخُونُوا وهَذا كَلامٌ مُبْتَدَأٌ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ المَنفَعَةِ والفائِدَةِ في هَذا الحُكْمِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ في هَذا المَوْضِعِ مِن كِتابِهِ، فالضَّمِيرُ في يَأْتُوا عائِدٌ إلى شُهُودِ الوَصِيَّةِ مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ إنَّهُ راجِعٌ إلى المُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ بِهَذا الحُكْمِ. والمُرادُ تَحْذِيرُهم مِنَ الخِيانَةِ، وأمْرُهم بِأنْ يَشْهَدُوا بِالحَقِّ. قَوْلُهُ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ أيْ تُرَدَّ عَلى الوَرَثَةِ فَيَحْلِفُونَ عَلى خِلافِ ما شَهِدَ بِهِ شُهُودُ الوَصِيَّةِ فَيُفْتَضَحُ حِينَئِذٍ شُهُودُ الوَصِيَّةِ، وهو مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: أنْ يَأْتُوا فَتَكُونُ الفائِدَةُ في شَرْعِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لِهَذا الحُكْمِ هي أحَدُ الأمْرَيْنِ: إمّا احْتِرازُ شُهُودِ الوَصِيَّةِ عَنِ الكَذِبِ والخِيانَةِ فَيَأْتُونَ بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها. أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ إذا رُدَّتِ الأيْمانُ عَلى قَرابَةِ المَيِّتِ فَحَلَفُوا بِما يَتَضَمَّنُ كَذِبَهم أوْ خِيانَتَهم فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِتَأْدِيَةِ شَهادَةِ شُهُودِ الوَصِيَّةِ عَلى وجْهِها مِن غَيْرِ كَذِبٍ (p-٤٠٢)ولا خِيانَةٍ، وقِيلَ: إنَّ يَخافُوا مَعْطُوفٌ عَلى مُقَدَّرٍ بَعْدَ الجُمْلَةِ الأُولى، والتَّقْدِيرُ: ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها ويَخافُوا عَذابَ الآخِرَةِ بِسَبَبِ الكَذِبِ والخِيانَةِ أوْ يَخافُوا الِافْتِضاحَ بِرَدِّ اليَمِينِ، فَأيُّ الخَوْفَيْنِ وقَعَ حَصَلَ المَقْصُودُ واتَّقُوا اللَّهَ في مُخالَفَةِ أحْكامِهِ ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ الخارِجِينَ عَنْ طاعَتِهِ بِأيِّ ذَنْبٍ، ومِنهُ الكَذِبُ في اليَمِينِ أوِ الشَّهادَةِ. وحاصِلُ ما تَضَمَّنَهُ هَذا المَقامُ مِنَ الكِتابِ العَزِيزِ أنَّ مَن حَضَرَتْهُ عَلاماتُ المَوْتِ أشْهَدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِن عُدُولِ المُسْلِمِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ شُهُودًا مُسْلِمِينَ، وكانَ في سَفَرٍ، ووَجَدَ كُفّارًا جازَ لَهُ أنْ يُشْهِدَ رَجُلَيْنِ مِنهم عَلى وصِيَّتِهِ، فَإنِ ارْتابَ بِهِما ورَثَةُ المُوصِي حَلَفا بِاللَّهِ عَلى أنَّهُما شَهِدا بِالحَقِّ وما كَتَما مِنَ الشَّهادَةِ شَيْئًا ولا خانا مِمّا تَرَكَهُ المَيِّتُ شَيْئًا، فَإنْ تَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ خِلافُ ما أقْسَما عَلَيْهِ مِن خَلَلٍ في الشَّهادَةِ أوْ ظُهُورِ شَيْءٍ مِن تَرِكَةِ المَيِّتِ زَعَما أنَّهُ قَدْ صارَ في مُلْكِهِما بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ حَلَفَ رَجُلانِ مِنَ الوَرَثَةِ وعُمِلَ بِذَلِكَ. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ في تارِيخِهِ، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ مِن طَرِيقِ أبِي النَّضْرِ وهو الكَلْبِيُّ، عَنْ باذانَ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: بَرِئَ النّاسُ مِنها غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ وكانا نَصْرانِيَّيْنِ يَخْتَلِفانِ إلى الشّامِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَأتَيا الشّامَ لِتِجارَتِهِما، وقَدِمَ عَلَيْهِما مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقالُ لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ بِتِجارَةٍ، ومَعَهُ جامٌ مِن فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ وهو عُظْمُ تِجارَتِهِ، فَمَرِضَ فَأوْصى إلَيْهِما وأمَرَهُما أنْ يُبَلِّغا ما تَرَكَ أهْلَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا ماتَ أخَذْنا ذَلِكَ الجامَ فَبِعْناهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ ثُمَّ اقْتَسَمْناهُ أنا وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، فَلَمّا قَدِمْنا إلى أهْلِهِ دَفَعْنا إلَيْهِمْ ما كانَ مَعَنا، وفَقَدُوا الجامَ فَسَألُونا عَنْهُ، فَقُلْنا: ما تَرَكَ غَيْرَ هَذا، أوْ ما دَفَعَ إلَيْنا غَيْرَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ، فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُعَظَّمُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِ ورَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفا، فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ» . وفي إسْنادِهِ أبُو النَّضْرِ وهو مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ صاحِبُ التَّفْسِيرِ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: تَرَكَهُ أهْلُ العِلْمِ بِالحَدِيثِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في تارِيخِهِ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، فَأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَرَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ بِاللَّهِ ما كَتَمْتُماها ولا اطَّلَعْتُما، ثُمَّ وجَدُوا الجامَ بِمَكَّةَ فَقِيلَ: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ فَحَلَفا بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ، وأخَذُوا الجامَ، قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ،» وفي إسْنادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أبِي القاسِمِ الكُوفِيُّ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: قِيلَ: إنَّهُ صالِحُ الحَدِيثِ، وقَدْ رَوى ذَلِكَ أبُو داوُدَ مِن طَرِيقِهِ. وقَدْ رَوى جَماعَةٌ مِنَ التّابِعِينَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي السَّبَبُ في نُزُولِ الآيَةِ، وذَكَرَها المُفَسِّرُونَ في تَفاسِيرِهِمْ. وقالَ القُرْطُبِيُّ: إنَّهُ أجْمَعَ أهْلُ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ هي سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والنَّحّاسُ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ياأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم﴾ الآيَةَ. قالَ: هَذا لِمَن ماتَ وعِنْدَهُ المُسْلِمُونَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مُسْلِمَيْنِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ فَهَذا لِمَن ماتَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أمْرَ اللَّهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَإنِ ارْتِيبَ بِشَهادَتِهِما اسْتَحْلَفا بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ ما اشْتَرَيا بِشَهادَتِهِما ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإنِ اطَّلَعَ الأوْلِياءُ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا في شَهادَتِهِما، وثَمَّ رَجُلانِ مِنَ الأوْلِياءِ فَحَلَفا بِاللَّهِ أنَّ شَهادَةَ الكافِرَيْنِ باطِلَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ يَقُولُ: إنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتِيَ الكافِرانِ ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَتُتْرَكُ شَهادَةُ الكافِرَيْنِ ويُحْكَمُ بِشَهادَةِ الأوْلِياءِ، فَلَيْسَ عَلى شُهُودِ المُسْلِمِينَ أقْسامٌ، إنَّما الأقْسامُ إذا كانا كافِرَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذا رَجُلٌ خَرَجَ مُسافِرًا ومَعَهُ مالٌ فَأدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإنْ وجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ إلَيْهِما تَرِكَتْهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِما عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنْ أدّى فَسَبِيلُ ما أدّى، وإنْ جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو دُبُرَ صَلاةٍ إنَّ هَذا الَّذِي دُفِعَ إلَيَّ وما غَيَّبْتُ مِنهُ شَيْئًا، فَإذا حَلَفَ بَرِئَ، فَإذا أتى بَعْدَ ذَلِكَ صاحِبا الكِتابِ فَشَهِدا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعى القَوْمُ عَلَيْهِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما لَهم جُعِلَتْ أيْمانُ الوَرَثَةِ مَعَ شَهادَتِهِمْ ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ والضِّياءُ في المُخْتارَةِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: كانَ ذَلِكَ في رَجُلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، والأرْضُ حَرْبٌ والنّاسُ كُفّارٌ إلّا رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ وأصْحابُهُ بِالمَدِينَةِ، وكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ وفُرِضَتِ الفَرائِضُ وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ أيْضًا عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: (p-٤٠٣)مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ لا تَجُوزَ شَهادَةُ كافِرٍ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ، إنَّما هي في المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قالَ: صَلاةُ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ: لا نَأْخُذُ بِهِ رَشْوَةً ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وإنْ كانَ صاحِبُها بَعِيدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيِ اطُّلِعَ مِنهُما عَلى خِيانَةٍ عَلى أنَّهُما كَذَبا أوْ كَتَما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: الأوْلَيانِ قالَ: بِالمَيِّتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يَصْدُقُوا في شَهادَتِهِمْ ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَقُولُ: وأنْ يَخافُوا العَتَبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ قالَ: فَتَبْطُلُ أيْمانُهم وتُؤْخَذُ أيْمانُ هَؤُلاءِ.

المائدة 5:109

قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ؛ أيِ: اسْمَعُوا، أوِ اذْكُرُوا، أوِ احْذَرُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: واتَّقُوا اللَّهَ المَذْكُورِ في الآيَةِ الأُولى، وقِيلَ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ اتَّقُوا بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: لا يَهْدِي [المائدة: ١٠٩] المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ كَذا وكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيْ: أيُّ إجابَةٍ أجابَتْكم بِهِ أُمَمُكُمُ الَّذِينَ بَعَثَكُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ؟ أوْ أيُّ جَوابٍ أجابُوكم بِهِ ؟ وعَلى الوَجْهَيْنِ تَكُونُ ما مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَها، وتَوْجِيهُ السُّؤالِ إلى الرُّسُلِ لِقَصْدِ تَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ، وجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ مَعَ أنَّهم عالِمُونَ بِما أجابُوا بِهِ عَلَيْهِمْ تَفْوِيضٌ مِنهم، وإظْهارٌ لِلْعَجْزِ، وعَدَمِ القُدْرَةِ، ولا سِيَّما مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ السُّؤالَ سُؤالُ تَوْبِيخٍ فَإنَّ تَفْوِيضَ الجَوابِ إلى اللَّهِ أبْلَغُ في حُصُولِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، وقِيلَ لا عِلْمَ لَنا بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بَواطِنُهم، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمُ ما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، وقِيلَ إنَّهم ذُهِلُوا عَمّا أجابَ بِهِ قَوْمُهم لِهَوْلِ المَحْشَرِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إذْ بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَجْمَعُ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وتَخْصِيصُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ لِاخْتِلافِ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى فِيهِ إفْراطًا وتَفْرِيطًا، هَذِهِ تَجْعَلُهُ إلَهًا، وهَذِهِ تَجْعَلُهُ كاذِبًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ. قَوْلُهُ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ ذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهِ ذاكِرًا لَها عالِمًا بِتَفَضُّلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها لِقَصْدِ تَعْرِيفِ الأُمَمِ بِما خَصَّهُما اللَّهُ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ ومَيَّزَهُما بِهِ مِن عُلُوِّ المَقامِ، أوْ لِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَبْكِيتِ الجاحِدِ بِأنَّ مَنزِلَتَهُما عِنْدَ اللَّهِ هَذِهِ المَنزِلَةُ، وتَوْبِيخُ مَنِ اتَّخَذَهُما إلَهَيْنِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الإنْعامَ عَلَيْهِما كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُما عَبْدانِ مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ مُنْعَمٌ عَلَيْهِما بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُما مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ إذْ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكَ وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ، أوْ حالٌ مِنَ النِّعْمَةِ؛ أيْ: كائِنَةً ذَلِكَ الوَقْتِ أيَّدْتُكَ قَوَّيْتُكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ. وفِي رُوحِ القُدُسِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها الرُّوحُ الطّاهِرَةُ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِها، وقِيلَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ الكَلامُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الأرْواحَ. والقُدُسُ: الطُّهْرُ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ، وجُمْلَةُ ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى التَّأْيِيدِ، و﴿فِي المَهْدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: تُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِكَ صَبِيًّا وكَهْلًا لا يَتَفاوَتُ كَلامُكَ في الحالَتَيْنِ مَعَ أنَّ غَيْرَكَ يَتَفاوَتُ كَلامُهُ فِيهِما تَفاوُتًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ واذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وقْتَ تَعْلِيمِي لَكَ الكِتابَ؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ، أوِ المُرادُ بِالكِتابِ الخَطُّ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِما: أمّا التَّوْراةُ فَقَدْ كانَ يُحْتَجُّ بِها عَلى اليَهُودِ في غالِبِ ما يَدُورُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الجِدالِ كَما هو مُصَرَّحٌ بِذَلِكَ في الإنْجِيلِ، وأمّا الإنْجِيلُ فَلِكَوْنِهِ نازِلًا عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِالحِكْمَةِ جِنْسُ الحِكْمَةِ، وقِيلَ: هي الكَلامُ المُحْكَمُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ تُصَوِّرُ تَصْوِيرًا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي لَكَ بِذَلِكَ وتَيْسِيرِي لَهُ فَتَنْفُخُ في الهَيْئَةِ المُصَوَّرَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الهَيْئَةُ طائِرًا مُتَحَرِّكًا حَيًّا كَسائِرِ الطُّيُورِ ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ لَكَ وتَسْهِيلِهِ عَلَيْكَ وتَيْسِيرِهِ لَكَ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُطَوَّلًا في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ مِن قُبُورِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةً لَكَ عَظِيمَةً بِإذْنِي، وتَكْرِيرُ بِإذْنِي في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ لِلِاعْتِناءِ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ فِعْلٌ إلّا مُجَرَّدَ امْتِثالِهِ لِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " إذْ تُخْرِجُ " كَفَفْتُ مَعْناهُ: دَفَعْتُ وصَرَفْتُ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِكَ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إلّا سِحْرٌ بَيِّنٌ، لَمّا عَظُمَ ذَلِكَ في صَدْرِهِمْ (p-٤٠٤)وانْبَهَرُوا مِنهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى جَحْدِهِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ الإلْهامُ؛ أيْ: ألْهَمْتُ الحَوارِيِّينَ وقَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرْتُهم عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أنْ يُؤْمِنُوا بِي بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ ويُؤْمِنُوا بِرِسالَةِ رَسُولِي. قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا قالُوا ؟ فَقالَ: قالُوا آمَنّا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ لِلْإيمانِ؛ أيْ: واشْهَدْ يا رَبِّ، أوْ واشْهَدْ يا عِيسى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ فَتَرُدُّ إلَيْهِمْ أفْئِدَتُهم فَيَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ، فَلَمّا سُئِلُوا قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، ثُمَّ نَزَلُوا مَنزِلًا آخَرَ فَشَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لا عِلْمَ لَنا فَرَقًا يُذْهِلُ عُقُولَهم، ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ إلَيْهِمْ عُقُولَهم فَيَكُونُونَ هُمُ الَّذِينَ يَسْألُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُدْعى بِالأنْبِياءِ وأُمَمِها ثُمَّ يُدْعى بِعِيسى فَيُذَكِّرُهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فَيُقِرُّ بِها، فَيَقُولُ: يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُنْكِرُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتى بِالنَّصارى فَيُسْألُونَ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ هو أمَرَنا بِذَلِكَ، فَيَطُولُ شَعْرُ عِيسى حَتّى يَأْخُذَ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِن شَعْرِ رَأْسِهِ وجَسَدِهِ، فَيُجاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مِقْدارَ ألْفِ عامٍ حَتّى يُوقِعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ويُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ ويُنْطَلَقَ بِهِمْ إلى النّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالآياتِ الَّتِي وضَعَ عَلى يَدَيْهِ مِن إحْياءِ المَوْتى وخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأسْقامِ والخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ يَقُولُ: قَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

المائدة 5:110

قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ؛ أيِ: اسْمَعُوا، أوِ اذْكُرُوا، أوِ احْذَرُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: واتَّقُوا اللَّهَ المَذْكُورِ في الآيَةِ الأُولى، وقِيلَ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ اتَّقُوا بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: لا يَهْدِي [المائدة: ١٠٩] المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ كَذا وكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيْ: أيُّ إجابَةٍ أجابَتْكم بِهِ أُمَمُكُمُ الَّذِينَ بَعَثَكُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ؟ أوْ أيُّ جَوابٍ أجابُوكم بِهِ ؟ وعَلى الوَجْهَيْنِ تَكُونُ ما مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَها، وتَوْجِيهُ السُّؤالِ إلى الرُّسُلِ لِقَصْدِ تَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ، وجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ مَعَ أنَّهم عالِمُونَ بِما أجابُوا بِهِ عَلَيْهِمْ تَفْوِيضٌ مِنهم، وإظْهارٌ لِلْعَجْزِ، وعَدَمِ القُدْرَةِ، ولا سِيَّما مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ السُّؤالَ سُؤالُ تَوْبِيخٍ فَإنَّ تَفْوِيضَ الجَوابِ إلى اللَّهِ أبْلَغُ في حُصُولِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، وقِيلَ لا عِلْمَ لَنا بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بَواطِنُهم، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمُ ما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، وقِيلَ إنَّهم ذُهِلُوا عَمّا أجابَ بِهِ قَوْمُهم لِهَوْلِ المَحْشَرِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إذْ بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَجْمَعُ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وتَخْصِيصُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ لِاخْتِلافِ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى فِيهِ إفْراطًا وتَفْرِيطًا، هَذِهِ تَجْعَلُهُ إلَهًا، وهَذِهِ تَجْعَلُهُ كاذِبًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ. قَوْلُهُ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ ذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهِ ذاكِرًا لَها عالِمًا بِتَفَضُّلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها لِقَصْدِ تَعْرِيفِ الأُمَمِ بِما خَصَّهُما اللَّهُ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ ومَيَّزَهُما بِهِ مِن عُلُوِّ المَقامِ، أوْ لِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَبْكِيتِ الجاحِدِ بِأنَّ مَنزِلَتَهُما عِنْدَ اللَّهِ هَذِهِ المَنزِلَةُ، وتَوْبِيخُ مَنِ اتَّخَذَهُما إلَهَيْنِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الإنْعامَ عَلَيْهِما كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُما عَبْدانِ مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ مُنْعَمٌ عَلَيْهِما بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُما مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ إذْ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكَ وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ، أوْ حالٌ مِنَ النِّعْمَةِ؛ أيْ: كائِنَةً ذَلِكَ الوَقْتِ أيَّدْتُكَ قَوَّيْتُكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ. وفِي رُوحِ القُدُسِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها الرُّوحُ الطّاهِرَةُ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِها، وقِيلَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ الكَلامُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الأرْواحَ. والقُدُسُ: الطُّهْرُ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ، وجُمْلَةُ ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى التَّأْيِيدِ، و﴿فِي المَهْدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: تُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِكَ صَبِيًّا وكَهْلًا لا يَتَفاوَتُ كَلامُكَ في الحالَتَيْنِ مَعَ أنَّ غَيْرَكَ يَتَفاوَتُ كَلامُهُ فِيهِما تَفاوُتًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ واذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وقْتَ تَعْلِيمِي لَكَ الكِتابَ؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ، أوِ المُرادُ بِالكِتابِ الخَطُّ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِما: أمّا التَّوْراةُ فَقَدْ كانَ يُحْتَجُّ بِها عَلى اليَهُودِ في غالِبِ ما يَدُورُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الجِدالِ كَما هو مُصَرَّحٌ بِذَلِكَ في الإنْجِيلِ، وأمّا الإنْجِيلُ فَلِكَوْنِهِ نازِلًا عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِالحِكْمَةِ جِنْسُ الحِكْمَةِ، وقِيلَ: هي الكَلامُ المُحْكَمُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ تُصَوِّرُ تَصْوِيرًا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي لَكَ بِذَلِكَ وتَيْسِيرِي لَهُ فَتَنْفُخُ في الهَيْئَةِ المُصَوَّرَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الهَيْئَةُ طائِرًا مُتَحَرِّكًا حَيًّا كَسائِرِ الطُّيُورِ ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ لَكَ وتَسْهِيلِهِ عَلَيْكَ وتَيْسِيرِهِ لَكَ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُطَوَّلًا في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ مِن قُبُورِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةً لَكَ عَظِيمَةً بِإذْنِي، وتَكْرِيرُ بِإذْنِي في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ لِلِاعْتِناءِ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ فِعْلٌ إلّا مُجَرَّدَ امْتِثالِهِ لِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " إذْ تُخْرِجُ " كَفَفْتُ مَعْناهُ: دَفَعْتُ وصَرَفْتُ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِكَ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إلّا سِحْرٌ بَيِّنٌ، لَمّا عَظُمَ ذَلِكَ في صَدْرِهِمْ (p-٤٠٤)وانْبَهَرُوا مِنهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى جَحْدِهِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ الإلْهامُ؛ أيْ: ألْهَمْتُ الحَوارِيِّينَ وقَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرْتُهم عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أنْ يُؤْمِنُوا بِي بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ ويُؤْمِنُوا بِرِسالَةِ رَسُولِي. قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا قالُوا ؟ فَقالَ: قالُوا آمَنّا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ لِلْإيمانِ؛ أيْ: واشْهَدْ يا رَبِّ، أوْ واشْهَدْ يا عِيسى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ فَتَرُدُّ إلَيْهِمْ أفْئِدَتُهم فَيَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ، فَلَمّا سُئِلُوا قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، ثُمَّ نَزَلُوا مَنزِلًا آخَرَ فَشَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لا عِلْمَ لَنا فَرَقًا يُذْهِلُ عُقُولَهم، ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ إلَيْهِمْ عُقُولَهم فَيَكُونُونَ هُمُ الَّذِينَ يَسْألُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُدْعى بِالأنْبِياءِ وأُمَمِها ثُمَّ يُدْعى بِعِيسى فَيُذَكِّرُهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فَيُقِرُّ بِها، فَيَقُولُ: يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُنْكِرُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتى بِالنَّصارى فَيُسْألُونَ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ هو أمَرَنا بِذَلِكَ، فَيَطُولُ شَعْرُ عِيسى حَتّى يَأْخُذَ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِن شَعْرِ رَأْسِهِ وجَسَدِهِ، فَيُجاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مِقْدارَ ألْفِ عامٍ حَتّى يُوقِعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ويُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ ويُنْطَلَقَ بِهِمْ إلى النّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالآياتِ الَّتِي وضَعَ عَلى يَدَيْهِ مِن إحْياءِ المَوْتى وخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأسْقامِ والخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ يَقُولُ: قَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

المائدة 5:111

قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلٌ مُقَدَّرٌ؛ أيِ: اسْمَعُوا، أوِ اذْكُرُوا، أوِ احْذَرُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ بِقَوْلِهِ: واتَّقُوا اللَّهَ المَذْكُورِ في الآيَةِ الأُولى، وقِيلَ بَدَلٌ مِن مَفْعُولِ اتَّقُوا بَدَلُ اشْتِمالٍ، وقِيلَ ظَرْفٌ لِقَوْلِهِ: لا يَهْدِي [المائدة: ١٠٩] المَذْكُورِ قَبْلَهُ، وقِيلَ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ مُتَأخِّرٍ تَقْدِيرُهُ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ يَكُونُ مِنَ الأحْوالِ كَذا وكَذا. قَوْلُهُ: ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أيْ: أيُّ إجابَةٍ أجابَتْكم بِهِ أُمَمُكُمُ الَّذِينَ بَعَثَكُمُ اللَّهُ إلَيْهِمْ ؟ أوْ أيُّ جَوابٍ أجابُوكم بِهِ ؟ وعَلى الوَجْهَيْنِ تَكُونُ ما مَنصُوبَةً بِالفِعْلِ المَذْكُورِ بَعْدَها، وتَوْجِيهُ السُّؤالِ إلى الرُّسُلِ لِقَصْدِ تَوْبِيخِ قَوْمِهِمْ، وجَوابِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ مَعَ أنَّهم عالِمُونَ بِما أجابُوا بِهِ عَلَيْهِمْ تَفْوِيضٌ مِنهم، وإظْهارٌ لِلْعَجْزِ، وعَدَمِ القُدْرَةِ، ولا سِيَّما مَعَ عِلْمِهِمْ بِأنَّ السُّؤالَ سُؤالُ تَوْبِيخٍ فَإنَّ تَفْوِيضَ الجَوابِ إلى اللَّهِ أبْلَغُ في حُصُولِ ذَلِكَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا بِما أحْدَثُوا بَعْدَنا، وقِيلَ لا عِلْمَ لَنا بِما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ بَواطِنُهم، وقِيلَ: المَعْنى: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمُ ما أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا، وقِيلَ إنَّهم ذُهِلُوا عَمّا أجابَ بِهِ قَوْمُهم لِهَوْلِ المَحْشَرِ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ إذْ بَدَلٌ مِن يَوْمَ يَجْمَعُ، وهو تَخْصِيصٌ بَعْدَ التَّعْمِيمِ وتَخْصِيصُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن بَيْنِ الرُّسُلِ لِاخْتِلافِ طائِفَتَيِ اليَهُودِ والنَّصارى فِيهِ إفْراطًا وتَفْرِيطًا، هَذِهِ تَجْعَلُهُ إلَهًا، وهَذِهِ تَجْعَلُهُ كاذِبًا، وقِيلَ: هو مَنصُوبٌ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ. قَوْلُهُ: ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ ذَكَّرَهُ سُبْحانَهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ وعَلى أُمِّهِ مَعَ كَوْنِهِ ذاكِرًا لَها عالِمًا بِتَفَضُّلِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِها لِقَصْدِ تَعْرِيفِ الأُمَمِ بِما خَصَّهُما اللَّهُ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ ومَيَّزَهُما بِهِ مِن عُلُوِّ المَقامِ، أوْ لِتَأْكِيدِ الحُجَّةِ وتَبْكِيتِ الجاحِدِ بِأنَّ مَنزِلَتَهُما عِنْدَ اللَّهِ هَذِهِ المَنزِلَةُ، وتَوْبِيخُ مَنِ اتَّخَذَهُما إلَهَيْنِ بِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ الإنْعامَ عَلَيْهِما كُلَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّهُما عَبْدانِ مِن جُمْلَةِ عِبادِهِ مُنْعَمٌ عَلَيْهِما بِنِعَمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ لَيْسَ لَهُما مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ. قَوْلُهُ: ﴿إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ إذْ ظَرْفٌ لِلنِّعْمَةِ لِأنَّها بِمَعْنى المَصْدَرِ؛ أيِ: اذْكُرْ إنْعامِي عَلَيْكَ وقْتَ تَأْيِيدِي لَكَ، أوْ حالٌ مِنَ النِّعْمَةِ؛ أيْ: كائِنَةً ذَلِكَ الوَقْتِ أيَّدْتُكَ قَوَّيْتُكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الأيْدِ وهو القُوَّةُ. وفِي رُوحِ القُدُسِ وجْهانِ: أحَدُهُما أنَّها الرُّوحُ الطّاهِرَةُ الَّتِي خَصَّهُ اللَّهُ بِها، وقِيلَ: إنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقِيلَ: إنَّهُ الكَلامُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ الأرْواحَ. والقُدُسُ: الطُّهْرُ، وإضافَتُهُ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَبَبَهُ، وجُمْلَةُ ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾ مُبَيِّنَةٌ لِمَعْنى التَّأْيِيدِ، و﴿فِي المَهْدِ﴾ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ؛ أيْ: تُكَلِّمُ النّاسَ حالَ كَوْنِكَ صَبِيًّا وكَهْلًا لا يَتَفاوَتُ كَلامُكَ في الحالَتَيْنِ مَعَ أنَّ غَيْرَكَ يَتَفاوَتُ كَلامُهُ فِيهِما تَفاوُتًا بَيِّنًا. وقَوْلُهُ: ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ﴿إذْ أيَّدْتُكَ﴾ أيْ واذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وقْتَ تَعْلِيمِي لَكَ الكِتابَ؛ أيْ: جِنْسَ الكِتابِ، أوِ المُرادُ بِالكِتابِ الخَطُّ. وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ ذِكْرُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ، وتَخْصِيصُهُما بِالذِّكْرِ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِهِ بِهِما: أمّا التَّوْراةُ فَقَدْ كانَ يُحْتَجُّ بِها عَلى اليَهُودِ في غالِبِ ما يَدُورُ بَيْنَهُ وبَيْنَهم مِنَ الجِدالِ كَما هو مُصَرَّحٌ بِذَلِكَ في الإنْجِيلِ، وأمّا الإنْجِيلُ فَلِكَوْنِهِ نازِلًا عَلَيْهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، والمُرادُ بِالحِكْمَةِ جِنْسُ الحِكْمَةِ، وقِيلَ: هي الكَلامُ المُحْكَمُ ﴿وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أيْ تُصَوِّرُ تَصْوِيرًا مِثْلَ صُورَةِ الطَّيْرِ بِإذْنِي لَكَ بِذَلِكَ وتَيْسِيرِي لَهُ فَتَنْفُخُ في الهَيْئَةِ المُصَوَّرَةِ فَتَكُونُ هَذِهِ الهَيْئَةُ طائِرًا مُتَحَرِّكًا حَيًّا كَسائِرِ الطُّيُورِ ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي﴾ لَكَ وتَسْهِيلِهِ عَلَيْكَ وتَيْسِيرِهِ لَكَ وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذا مُطَوَّلًا في البَقَرَةِ فَلا نُعِيدُهُ ﴿وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى﴾ مِن قُبُورِهِمْ فَيَكُونُ ذَلِكَ آيَةً لَكَ عَظِيمَةً بِإذْنِي، وتَكْرِيرُ بِإذْنِي في المَواضِعِ الأرْبَعَةِ لِلِاعْتِناءِ بِأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مِن جِهَةِ اللَّهِ لَيْسَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فِيهِ فِعْلٌ إلّا مُجَرَّدَ امْتِثالِهِ لِأمْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ. قَوْلُهُ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى " إذْ تُخْرِجُ " كَفَفْتُ مَعْناهُ: دَفَعْتُ وصَرَفْتُ ﴿بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ﴾ حِينَ هَمُّوا بِقَتْلِكَ ﴿إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ بِالمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هَذا إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ ما هَذا الَّذِي جِئْتَ بِهِ إلّا سِحْرٌ بَيِّنٌ، لَمّا عَظُمَ ذَلِكَ في صَدْرِهِمْ (p-٤٠٤)وانْبَهَرُوا مِنهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى جَحْدِهِ بِالكُلِّيَّةِ، بَلْ نَسَبُوهُ إلى السِّحْرِ. قَوْلُهُ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي﴾ هو مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ ذَلِكَ. والوَحْيُ في كَلامِ العَرَبِ مَعْناهُ الإلْهامُ؛ أيْ: ألْهَمْتُ الحَوارِيِّينَ وقَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ، وقِيلَ مَعْناهُ: أمَرْتُهم عَلى ألْسِنَةِ الرُّسُلِ أنْ يُؤْمِنُوا بِي بِالتَّوْحِيدِ والإخْلاصِ ويُؤْمِنُوا بِرِسالَةِ رَسُولِي. قَوْلُهُ: ﴿قالُوا آمَنّا﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا قالُوا ؟ فَقالَ: قالُوا آمَنّا ﴿واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُخْلِصُونَ لِلْإيمانِ؛ أيْ: واشْهَدْ يا رَبِّ، أوْ واشْهَدْ يا عِيسى. وقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ فَيَقُولُونَ: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ فَتَرُدُّ إلَيْهِمْ أفْئِدَتُهم فَيَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلًا ذُهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ، فَلَمّا سُئِلُوا قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، ثُمَّ نَزَلُوا مَنزِلًا آخَرَ فَشَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لا عِلْمَ لَنا فَرَقًا يُذْهِلُ عُقُولَهم، ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ إلَيْهِمْ عُقُولَهم فَيَكُونُونَ هُمُ الَّذِينَ يَسْألُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُدْعى بِالأنْبِياءِ وأُمَمِها ثُمَّ يُدْعى بِعِيسى فَيُذَكِّرُهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ فَيُقِرُّ بِها، فَيَقُولُ: يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ ﴿اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّي إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ؟ فَيُنْكِرُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتى بِالنَّصارى فَيُسْألُونَ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ هو أمَرَنا بِذَلِكَ، فَيَطُولُ شَعْرُ عِيسى حَتّى يَأْخُذَ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِن شَعْرِ رَأْسِهِ وجَسَدِهِ، فَيُجاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مِقْدارَ ألْفِ عامٍ حَتّى يُوقِعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ويُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ ويُنْطَلَقَ بِهِمْ إلى النّارِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيْ بِالآياتِ الَّتِي وضَعَ عَلى يَدَيْهِ مِن إحْياءِ المَوْتى وخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ وإبْراءِ الأسْقامِ والخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ يَقُولُ: قَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ.

المائدة 5:112

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ. قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: كائِنَةً أوْ نازِلَةً مِنَ السَّماءِ، وأصْلُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأتْباعِهِ: يا اللَّهُ، فَجُعِلَتِ المِيمُ بَدَلًا مِن حَرْفِ النِّداءِ، ورَبُّنا نِداءٌ ثانٍ، ولَيْسَ بِوَصْفٍ، و﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ وصْفٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ (p-٤٠٥)يَكُونُ لَنا عِيدًا أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها لَنا عِيدًا، وقَدْ كانَ نُزُولُها يَوْمَ الأحَدِ، وهو يَوْمُ عِيدٍ لَهم، والعِيدُ واحِدُ الأعْيادِ، وإنَّما جَمِيعٌ بِالياءِ وأصْلُهُ الواوُ لِلُزُومِها في الواحِدِ، وقِيلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْوادٍ جَمْعُ عُودٍ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن عادَ يَعُودُ؛ أيْ: رَجَعَ فَهو عَوْدٌ بِالواوِ، وتُقْلَبُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها مِثْلَ المِيزانِ والمِيقاتِ والمِيعادِ، فَقِيلَ لِيَوْمِ الفِطْرِ والأضْحى عِيدانِ، لِأنَّهُما يَعُودانِ في كُلِّ سَنَةٍ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمِ جَمْعٍ كَأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ أيْ: لِمَن في عَصْرِنا ولِمَن يَأْتِي بَعْدَنا مِن ذَرارِينا وغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ: وآيَةً مِنكَ عَطْفٌ عَلى " عِيدًا "؛ أيْ: دَلالَةٌ وحُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ إرْسالِكَ مَن أرْسَلْتَهُ وارْزُقْنا أيْ: أعْطِنا هَذِهِ المائِدَةَ المَطْلُوبَةَ، أوِ ارْزُقْنا رِزْقًا نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى عِبادَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ بَلْ لا رازِقَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُكَ ولا مُعْطِيَ سِواكَ. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سُؤالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ أيِ المائِدَةُ عَلَيْكم. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المائِدَةُ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى الأوَّلِ وهو الحَقُّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ووَعْدُهُ الحَقُّ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما نَزَلَتْ وإنَّما هو ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ نَهْيًا لَهم عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ، وقالَ الحَسَنُ: وعَدَهم بِالإجابَةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وقالُوا: لا نُرِيدُها. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ تَنْزِيلِها ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا لا أُعَذِّبُهُ صِفَةٌ لَعَذابًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى العَذابِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ؛ أيْ: لا أُعَذِّبُ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قِيلَ المُرادُ: عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: جَمْعُ العالَمِينَ، وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ أنْ تَدْعُوَهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ )» بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ. وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: المائِدَةُ الخُوانُ، وتَطَمْئِنَّ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيكم ما سَألْتُمْ ؟ فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، فَفَعَلُوا ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ وسَبْعَةُ أرْغِفَةٍ حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نُزِّلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخافُوا وادَّخَرُوا ورَفَعُوا لِغَدٍ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ» وقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلى عَمّارٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خُوانٌ عَلَيْهِ سَمَكٌ وخُبْزٌ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما تَوَلَّوْا إذا شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ والمُنافِقُونَ وآلُ فِرْعَوْنَ.

المائدة 5:113

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ. قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: كائِنَةً أوْ نازِلَةً مِنَ السَّماءِ، وأصْلُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأتْباعِهِ: يا اللَّهُ، فَجُعِلَتِ المِيمُ بَدَلًا مِن حَرْفِ النِّداءِ، ورَبُّنا نِداءٌ ثانٍ، ولَيْسَ بِوَصْفٍ، و﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ وصْفٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ (p-٤٠٥)يَكُونُ لَنا عِيدًا أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها لَنا عِيدًا، وقَدْ كانَ نُزُولُها يَوْمَ الأحَدِ، وهو يَوْمُ عِيدٍ لَهم، والعِيدُ واحِدُ الأعْيادِ، وإنَّما جَمِيعٌ بِالياءِ وأصْلُهُ الواوُ لِلُزُومِها في الواحِدِ، وقِيلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْوادٍ جَمْعُ عُودٍ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن عادَ يَعُودُ؛ أيْ: رَجَعَ فَهو عَوْدٌ بِالواوِ، وتُقْلَبُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها مِثْلَ المِيزانِ والمِيقاتِ والمِيعادِ، فَقِيلَ لِيَوْمِ الفِطْرِ والأضْحى عِيدانِ، لِأنَّهُما يَعُودانِ في كُلِّ سَنَةٍ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمِ جَمْعٍ كَأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ أيْ: لِمَن في عَصْرِنا ولِمَن يَأْتِي بَعْدَنا مِن ذَرارِينا وغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ: وآيَةً مِنكَ عَطْفٌ عَلى " عِيدًا "؛ أيْ: دَلالَةٌ وحُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ إرْسالِكَ مَن أرْسَلْتَهُ وارْزُقْنا أيْ: أعْطِنا هَذِهِ المائِدَةَ المَطْلُوبَةَ، أوِ ارْزُقْنا رِزْقًا نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى عِبادَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ بَلْ لا رازِقَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُكَ ولا مُعْطِيَ سِواكَ. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سُؤالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ أيِ المائِدَةُ عَلَيْكم. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المائِدَةُ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى الأوَّلِ وهو الحَقُّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ووَعْدُهُ الحَقُّ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما نَزَلَتْ وإنَّما هو ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ نَهْيًا لَهم عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ، وقالَ الحَسَنُ: وعَدَهم بِالإجابَةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وقالُوا: لا نُرِيدُها. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ تَنْزِيلِها ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا لا أُعَذِّبُهُ صِفَةٌ لَعَذابًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى العَذابِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ؛ أيْ: لا أُعَذِّبُ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قِيلَ المُرادُ: عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: جَمْعُ العالَمِينَ، وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ أنْ تَدْعُوَهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ )» بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ. وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: المائِدَةُ الخُوانُ، وتَطَمْئِنَّ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيكم ما سَألْتُمْ ؟ فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، فَفَعَلُوا ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ وسَبْعَةُ أرْغِفَةٍ حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نُزِّلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخافُوا وادَّخَرُوا ورَفَعُوا لِغَدٍ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ» وقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلى عَمّارٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خُوانٌ عَلَيْهِ سَمَكٌ وخُبْزٌ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما تَوَلَّوْا إذا شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ والمُنافِقُونَ وآلُ فِرْعَوْنَ.

المائدة 5:114

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ. قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: كائِنَةً أوْ نازِلَةً مِنَ السَّماءِ، وأصْلُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأتْباعِهِ: يا اللَّهُ، فَجُعِلَتِ المِيمُ بَدَلًا مِن حَرْفِ النِّداءِ، ورَبُّنا نِداءٌ ثانٍ، ولَيْسَ بِوَصْفٍ، و﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ وصْفٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ (p-٤٠٥)يَكُونُ لَنا عِيدًا أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها لَنا عِيدًا، وقَدْ كانَ نُزُولُها يَوْمَ الأحَدِ، وهو يَوْمُ عِيدٍ لَهم، والعِيدُ واحِدُ الأعْيادِ، وإنَّما جَمِيعٌ بِالياءِ وأصْلُهُ الواوُ لِلُزُومِها في الواحِدِ، وقِيلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْوادٍ جَمْعُ عُودٍ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن عادَ يَعُودُ؛ أيْ: رَجَعَ فَهو عَوْدٌ بِالواوِ، وتُقْلَبُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها مِثْلَ المِيزانِ والمِيقاتِ والمِيعادِ، فَقِيلَ لِيَوْمِ الفِطْرِ والأضْحى عِيدانِ، لِأنَّهُما يَعُودانِ في كُلِّ سَنَةٍ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمِ جَمْعٍ كَأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ أيْ: لِمَن في عَصْرِنا ولِمَن يَأْتِي بَعْدَنا مِن ذَرارِينا وغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ: وآيَةً مِنكَ عَطْفٌ عَلى " عِيدًا "؛ أيْ: دَلالَةٌ وحُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ إرْسالِكَ مَن أرْسَلْتَهُ وارْزُقْنا أيْ: أعْطِنا هَذِهِ المائِدَةَ المَطْلُوبَةَ، أوِ ارْزُقْنا رِزْقًا نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى عِبادَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ بَلْ لا رازِقَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُكَ ولا مُعْطِيَ سِواكَ. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سُؤالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ أيِ المائِدَةُ عَلَيْكم. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المائِدَةُ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى الأوَّلِ وهو الحَقُّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ووَعْدُهُ الحَقُّ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما نَزَلَتْ وإنَّما هو ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ نَهْيًا لَهم عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ، وقالَ الحَسَنُ: وعَدَهم بِالإجابَةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وقالُوا: لا نُرِيدُها. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ تَنْزِيلِها ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا لا أُعَذِّبُهُ صِفَةٌ لَعَذابًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى العَذابِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ؛ أيْ: لا أُعَذِّبُ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قِيلَ المُرادُ: عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: جَمْعُ العالَمِينَ، وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ أنْ تَدْعُوَهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ )» بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ. وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: المائِدَةُ الخُوانُ، وتَطَمْئِنَّ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيكم ما سَألْتُمْ ؟ فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، فَفَعَلُوا ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ وسَبْعَةُ أرْغِفَةٍ حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نُزِّلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخافُوا وادَّخَرُوا ورَفَعُوا لِغَدٍ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ» وقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلى عَمّارٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خُوانٌ عَلَيْهِ سَمَكٌ وخُبْزٌ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما تَوَلَّوْا إذا شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ والمُنافِقُونَ وآلُ فِرْعَوْنَ.

المائدة 5:115

قَوْلُهُ: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الظَّرْفُ مَنصُوبٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ؛ أيِ: اذْكُرْ أوْ نَحْوَهُ كَما تَقَدَّمَ، قِيلَ والخِطابُ لِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ. قَرَأ الكِسائِيُّ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ ) بِالفَوْقِيَّةِ، ونَصْبُ ( رَبَّكَ ) وبِهِ قَرَأ عَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتَّحْتِيَّةِ ورَفْعِ " رَبُّكَ " . واسْتَشْكَلَتِ القِراءَةُ الثّانِيَةُ بِأنَّهُ قَدْ وصَفَ سُبْحانَهُ الحَوارِيُّونَ بِأنَّهم قالُوا: ﴿آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾ والسُّؤالُ عَنِ اسْتِطاعَتِهِ لِذَلِكَ يُنافِي ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ. وأُجِيبَ بِأنَّ هَذا كانَ في أوَّلِ مَعْرِفَتِهِمْ قَبْلَ أنْ تَسْتَحْكِمَ مَعْرِفَتُهم بِاللَّهِ، ولِهَذا قالَ عِيسى في الجَوابِ عَنْ هَذا الِاسْتِفْهامِ الصّادِرِ مِنهم: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ لا تَشُكُّوا في قُدْرَةِ اللَّهِ، وقِيلَ: إنَّهُمُ ادَّعَوُا الإيمانَ والإسْلامَ دَعْوى باطِلَةً، ويَرُدُّهُ أنَّ الحَوارِيِّينَ هم خُلَصاءُ عِيسى وأنْصارُهُ كَما قالَ: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِمَّنْ كانَ مَعَهم، وقِيلَ إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا في اسْتِطاعَةِ البارِي سُبْحانَهُ، فَإنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ عارِفِينَ بِذَلِكَ، وإنَّما هو كَقَوْلِ الرَّجُلِ: هَلْ يَسْتَطِيعُ فُلانٌ أنْ يَأْتِيَ مَعَ عِلْمِهِ بِأنْ يَسْتَطِيعَ ذَلِكَ ويَقْدِرَ عَلَيْهِ، فالمَعْنى: هَلْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وهَلْ يَجِبُ إلَيْهِ ؟ وقِيلَ إنَّهم طَلَبُوا الطُّمَأْنِينَةَ كَما قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِ المَوْتى﴾ [البقرة: ٢٦٠] الآيَةَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُهم مِن بَعْدُ ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا﴾ وأمّا عَلى القِراءَةِ الأُولى، فالمَعْنى: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى هَلْ تَسْتَدْعِي طاعَةَ رَبِّكَ فِيما تَسْألُهُ فَهو مِن بابِ ﴿واسْألِ القَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، والمائِدَةُ: الخُوانُ إذا كانَ عَلَيْهِ الطَّعامُ، مِن مادَّهُ: إذا أعْطاهُ ورَفَدَهُ كَأنَّها تُمِيدُ مَن تَقَدَّمَ إلَيْهِ قالَهُ قُطْرُبٌ وغَيْرُهُ، وقِيلَ هي فاعِلَةٌ بِمَعْنى مَفْعُولَةٍ كَ ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٢١] قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، فَأجابَهم عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أيِ اتَّقُوهُ مِن هَذا السُّؤالِ وأمْثالِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في إيمانِكم، فَإنَّ شَأْنَ المُؤْمِنِ تَرْكُ الِاقْتِراحَ عَلى رَبِّهِ عَلى هَذِهِ الصِّفَةِ، وقِيلَ إنَّهُ أمَرَهم بِالتَّقْوى لِيَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى حُصُولِ ما طَلَبُوهُ. قَوْلُهُ: ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾ بَيَّنُوا بِهِ الغَرَضَ مِن سُؤالِهِمْ نُزُولَ المائِدَةِ، وكَذا ما عُطِفَ عَلَيْهِ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ والمَعْنى: تَطْمَئِنُّ قُلُوبُنا بِكَمالِ قُدْرَةِ اللَّهِ، أوْ بِأنَّكَ مُرْسَلٌ إلَيْنا مِن عِنْدِهِ، أوْ بِأنَّ اللَّهَ قَدْ أجابَنا إلى ما سَألْناهُ، ونَعْلَمُ عِلْمًا يَقِينًا بِأنَّكَ قَدْ صَدَقْتَنا في نُبُوَّتِكَ، ونَكُونُ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ عِنْدَ مَن لَمْ يَحْضُرْها مِن بَنِي إسْرائِيلَ أوْ مِن سائِرِ النّاسِ أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ لِلَّهِ بِالوَحْدانِيَّةِ، أوْ مِنَ الشّاهِدِينَ؛ أيِ: الحاضِرِينَ دُونَ السّامِعِينَ. ولَمّا رَأى عِيسى ما حَكَوْهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ مِنَ الغَرَضِ بِنُزُولِ المائِدَةِ قالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ: كائِنَةً أوْ نازِلَةً مِنَ السَّماءِ، وأصْلُ اللَّهُمَّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وأتْباعِهِ: يا اللَّهُ، فَجُعِلَتِ المِيمُ بَدَلًا مِن حَرْفِ النِّداءِ، ورَبُّنا نِداءٌ ثانٍ، ولَيْسَ بِوَصْفٍ، و﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ وصْفٌ لِمائِدَةٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ (p-٤٠٥)يَكُونُ لَنا عِيدًا أيْ يَكُونُ يَوْمُ نُزُولِها لَنا عِيدًا، وقَدْ كانَ نُزُولُها يَوْمَ الأحَدِ، وهو يَوْمُ عِيدٍ لَهم، والعِيدُ واحِدُ الأعْيادِ، وإنَّما جَمِيعٌ بِالياءِ وأصْلُهُ الواوُ لِلُزُومِها في الواحِدِ، وقِيلَ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أعْوادٍ جَمْعُ عُودٍ، ذَكَرَ مَعْناهُ الجَوْهَرِيُّ، وقِيلَ: أصْلُهُ مِن عادَ يَعُودُ؛ أيْ: رَجَعَ فَهو عَوْدٌ بِالواوِ، وتُقْلَبُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها مِثْلَ المِيزانِ والمِيقاتِ والمِيعادِ، فَقِيلَ لِيَوْمِ الفِطْرِ والأضْحى عِيدانِ، لِأنَّهُما يَعُودانِ في كُلِّ سَنَةٍ. وقالَ الخَلِيلُ: العِيدُ كُلُّ يَوْمِ جَمْعٍ كَأنَّهم عادُوا إلَيْهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ في لَنا بِتَكْرِيرِ العامِلِ؛ أيْ: لِمَن في عَصْرِنا ولِمَن يَأْتِي بَعْدَنا مِن ذَرارِينا وغَيْرِهِمْ. قَوْلُهُ: وآيَةً مِنكَ عَطْفٌ عَلى " عِيدًا "؛ أيْ: دَلالَةٌ وحُجَّةٌ واضِحَةٌ عَلى كَمالِ قُدْرَتِكَ وصِحَّةِ إرْسالِكَ مَن أرْسَلْتَهُ وارْزُقْنا أيْ: أعْطِنا هَذِهِ المائِدَةَ المَطْلُوبَةَ، أوِ ارْزُقْنا رِزْقًا نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى عِبادَتِكَ ﴿وأنْتَ خَيرُ الرّازِقِينَ﴾ بَلْ لا رازِقَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُكَ ولا مُعْطِيَ سِواكَ. فَأجابَ اللَّهُ سُبْحانَهُ سُؤالَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ أيِ المائِدَةُ عَلَيْكم. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ هَلْ نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ المائِدَةُ أمْ لا ؟ فَذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى الأوَّلِ وهو الحَقُّ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ﴾ ووَعْدُهُ الحَقُّ وهو لا يُخْلِفُ المِيعادَ. وقالَ مُجاهِدٌ: ما نَزَلَتْ وإنَّما هو ضَرْبُ مَثَلٍ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِخَلْقِهِ نَهْيًا لَهم عَنْ مَسْألَةِ الآياتِ لِأنْبِيائِهِ، وقالَ الحَسَنُ: وعَدَهم بِالإجابَةِ، فَلَمّا قالَ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وقالُوا: لا نُرِيدُها. قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ أيْ: بَعْدَ تَنْزِيلِها ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ أيْ: تَعْذِيبًا لا أُعَذِّبُهُ صِفَةٌ لَعَذابًا، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى العَذابِ بِمَعْنى التَّعْذِيبِ؛ أيْ: لا أُعَذِّبُ مِثْلَ ذَلِكَ التَّعْذِيبِ ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قِيلَ المُرادُ: عالَمِي زَمانِهِمْ، وقِيلَ: جَمْعُ العالَمِينَ، وفي هَذا مِنَ التَّهْدِيدِ والتَّرْهِيبِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ. وقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمُ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ أنْ تَدْعُوَهُ، ويُؤَيِّدُ هَذا ما أخْرَجَهُ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والطَّبَرانِيُّ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ أنَّهُ قالَ: «أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ( هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ )» بِالتّاءِ يَعْنِي الفَوْقِيَّةَ. وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: المائِدَةُ الخُوانُ، وتَطَمْئِنَّ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيكم ما سَألْتُمْ ؟ فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، فَفَعَلُوا ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ وسَبْعَةُ أرْغِفَةٍ حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «نُزِّلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِرُوا أنْ لا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخافُوا وادَّخَرُوا ورَفَعُوا لِغَدٍ فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ» وقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلى عَمّارٍ. قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنْهُ قالَ: نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خُوانٌ عَلَيْهِ سَمَكٌ وخُبْزٌ يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما تَوَلَّوْا إذا شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ عَنْهُ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ والمُنافِقُونَ وآلُ فِرْعَوْنَ.

المائدة 5:116

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى. وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ: ؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما (p-٤٠٦)لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِمَعْنى الرَّفْعِ، ومِنهُ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي، ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أصْلُ المُراقَبَةِ: المُراعاةُ، أيْ: كُنْتَ الحافِظَ لَهم والعالِمَ بِهِمْ والشّاهِدَ عَلَيْهِمْ. ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ تَصْنَعُ بِهِمْ ما شِئْتَ وتَحْكُمُ فِيهِمْ بِما تُرِيدُ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى ذَلِكَ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ، قِيلَ قالَهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ كَما يَسْتَعْطِفُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ. ولِهَذا لَمْ يَقُلْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عَصَوْكَ، وقِيلَ: قالَهُ عَلى وجْهِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والِانْقِيادِ لَهُ، ولِهَذا عَدَلَ عَنِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ إلى العَزِيزِ الحَكِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ أيْ صِدْقُهم في الدُّنْيا، وقِيلَ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " يَوْمَ " بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ ظَرْفٌ لِلْقَوْلِ؛ أيْ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ، ووَجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ هو وما أُضِيفَ إلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ نُصِبَ " يَوْمَ " هاهُنا لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، وأنْشَدَ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ ما قالاهُ إلّا إذا أُضِيفَ الظَّرْفُ إلى فِعْلٍ ماضٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ ) بِتَنْوِينِ يَوْمٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فَكِلاهُما مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ بِالتَّنْوِينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ رَضِيَ عَنْهم بِما عَمِلُوهُ مِنَ الطّاعاتِ الخالِصَةِ لَهُ، ورَضُوا عَنْهُ بِما جازاهم بِهِ مِمّا لا يَخْطُرُ لَهم عَلى بالٍ ولا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُهم، والرِّضا مِنهُ سُبْحانَهُ هو أرْفَعُ دَرَجاتِ النَّعِيمِ وأعْلى مَنازِلَ الكَرامَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى نَيْلِ ما نالُوهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ والخُلُودِ فِيها أبَدًا، ورِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم. والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ عَلى أتَمِّ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ دَفْعًا لِما سَبَقَ مِن إثْباتِ مَن أثْبَتَ إلَهِيَّةِ عِيسى وأُمِّهِ، وأخْبَرَ بِأنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ دُونَ عِيسى وأُمِّهِ ودُونَ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ يُعْطِي الجَنّاتِ لِلْمُطِيعِينَ، جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «تَلَقّى عِيسى حُجَّتَهُ واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَقّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ اللَّهُ ذَلِكَ لَمّا رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كُنْتُ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَقُولُ: عَبِيدُكَ قَدِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمَقالَتِهِمْ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ مَن تَرَكْتَ مِنهم ومُدَّ في عُمْرِهِ حَتّى أهْبِطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، فَزالُوا عَنْ مَقالَتِهِمْ ووَحَّدُوكَ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ يَقُولُ: هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهم.

المائدة 5:117

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى. وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ: ؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما (p-٤٠٦)لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِمَعْنى الرَّفْعِ، ومِنهُ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي، ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أصْلُ المُراقَبَةِ: المُراعاةُ، أيْ: كُنْتَ الحافِظَ لَهم والعالِمَ بِهِمْ والشّاهِدَ عَلَيْهِمْ. ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ تَصْنَعُ بِهِمْ ما شِئْتَ وتَحْكُمُ فِيهِمْ بِما تُرِيدُ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى ذَلِكَ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ، قِيلَ قالَهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ كَما يَسْتَعْطِفُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ. ولِهَذا لَمْ يَقُلْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عَصَوْكَ، وقِيلَ: قالَهُ عَلى وجْهِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والِانْقِيادِ لَهُ، ولِهَذا عَدَلَ عَنِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ إلى العَزِيزِ الحَكِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ أيْ صِدْقُهم في الدُّنْيا، وقِيلَ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " يَوْمَ " بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ ظَرْفٌ لِلْقَوْلِ؛ أيْ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ، ووَجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ هو وما أُضِيفَ إلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ نُصِبَ " يَوْمَ " هاهُنا لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، وأنْشَدَ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ ما قالاهُ إلّا إذا أُضِيفَ الظَّرْفُ إلى فِعْلٍ ماضٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ ) بِتَنْوِينِ يَوْمٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فَكِلاهُما مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ بِالتَّنْوِينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ رَضِيَ عَنْهم بِما عَمِلُوهُ مِنَ الطّاعاتِ الخالِصَةِ لَهُ، ورَضُوا عَنْهُ بِما جازاهم بِهِ مِمّا لا يَخْطُرُ لَهم عَلى بالٍ ولا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُهم، والرِّضا مِنهُ سُبْحانَهُ هو أرْفَعُ دَرَجاتِ النَّعِيمِ وأعْلى مَنازِلَ الكَرامَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى نَيْلِ ما نالُوهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ والخُلُودِ فِيها أبَدًا، ورِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم. والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ عَلى أتَمِّ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ دَفْعًا لِما سَبَقَ مِن إثْباتِ مَن أثْبَتَ إلَهِيَّةِ عِيسى وأُمِّهِ، وأخْبَرَ بِأنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ دُونَ عِيسى وأُمِّهِ ودُونَ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ يُعْطِي الجَنّاتِ لِلْمُطِيعِينَ، جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «تَلَقّى عِيسى حُجَّتَهُ واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَقّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ اللَّهُ ذَلِكَ لَمّا رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كُنْتُ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَقُولُ: عَبِيدُكَ قَدِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمَقالَتِهِمْ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ مَن تَرَكْتَ مِنهم ومُدَّ في عُمْرِهِ حَتّى أهْبِطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، فَزالُوا عَنْ مَقالَتِهِمْ ووَحَّدُوكَ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ يَقُولُ: هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهم.

المائدة 5:118

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى. وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ: ؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما (p-٤٠٦)لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِمَعْنى الرَّفْعِ، ومِنهُ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي، ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أصْلُ المُراقَبَةِ: المُراعاةُ، أيْ: كُنْتَ الحافِظَ لَهم والعالِمَ بِهِمْ والشّاهِدَ عَلَيْهِمْ. ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ تَصْنَعُ بِهِمْ ما شِئْتَ وتَحْكُمُ فِيهِمْ بِما تُرِيدُ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى ذَلِكَ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ، قِيلَ قالَهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ كَما يَسْتَعْطِفُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ. ولِهَذا لَمْ يَقُلْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عَصَوْكَ، وقِيلَ: قالَهُ عَلى وجْهِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والِانْقِيادِ لَهُ، ولِهَذا عَدَلَ عَنِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ إلى العَزِيزِ الحَكِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ أيْ صِدْقُهم في الدُّنْيا، وقِيلَ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " يَوْمَ " بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ ظَرْفٌ لِلْقَوْلِ؛ أيْ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ، ووَجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ هو وما أُضِيفَ إلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ نُصِبَ " يَوْمَ " هاهُنا لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، وأنْشَدَ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ ما قالاهُ إلّا إذا أُضِيفَ الظَّرْفُ إلى فِعْلٍ ماضٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ ) بِتَنْوِينِ يَوْمٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فَكِلاهُما مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ بِالتَّنْوِينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ رَضِيَ عَنْهم بِما عَمِلُوهُ مِنَ الطّاعاتِ الخالِصَةِ لَهُ، ورَضُوا عَنْهُ بِما جازاهم بِهِ مِمّا لا يَخْطُرُ لَهم عَلى بالٍ ولا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُهم، والرِّضا مِنهُ سُبْحانَهُ هو أرْفَعُ دَرَجاتِ النَّعِيمِ وأعْلى مَنازِلَ الكَرامَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى نَيْلِ ما نالُوهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ والخُلُودِ فِيها أبَدًا، ورِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم. والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ عَلى أتَمِّ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ دَفْعًا لِما سَبَقَ مِن إثْباتِ مَن أثْبَتَ إلَهِيَّةِ عِيسى وأُمِّهِ، وأخْبَرَ بِأنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ دُونَ عِيسى وأُمِّهِ ودُونَ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ يُعْطِي الجَنّاتِ لِلْمُطِيعِينَ، جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «تَلَقّى عِيسى حُجَّتَهُ واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَقّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ اللَّهُ ذَلِكَ لَمّا رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كُنْتُ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَقُولُ: عَبِيدُكَ قَدِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمَقالَتِهِمْ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ مَن تَرَكْتَ مِنهم ومُدَّ في عُمْرِهِ حَتّى أهْبِطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، فَزالُوا عَنْ مَقالَتِهِمْ ووَحَّدُوكَ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ يَقُولُ: هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهم.

المائدة 5:119

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى. وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ: ؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما (p-٤٠٦)لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِمَعْنى الرَّفْعِ، ومِنهُ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي، ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أصْلُ المُراقَبَةِ: المُراعاةُ، أيْ: كُنْتَ الحافِظَ لَهم والعالِمَ بِهِمْ والشّاهِدَ عَلَيْهِمْ. ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ تَصْنَعُ بِهِمْ ما شِئْتَ وتَحْكُمُ فِيهِمْ بِما تُرِيدُ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى ذَلِكَ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ، قِيلَ قالَهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ كَما يَسْتَعْطِفُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ. ولِهَذا لَمْ يَقُلْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عَصَوْكَ، وقِيلَ: قالَهُ عَلى وجْهِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والِانْقِيادِ لَهُ، ولِهَذا عَدَلَ عَنِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ إلى العَزِيزِ الحَكِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ أيْ صِدْقُهم في الدُّنْيا، وقِيلَ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " يَوْمَ " بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ ظَرْفٌ لِلْقَوْلِ؛ أيْ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ، ووَجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ هو وما أُضِيفَ إلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ نُصِبَ " يَوْمَ " هاهُنا لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، وأنْشَدَ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ ما قالاهُ إلّا إذا أُضِيفَ الظَّرْفُ إلى فِعْلٍ ماضٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ ) بِتَنْوِينِ يَوْمٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فَكِلاهُما مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ بِالتَّنْوِينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ رَضِيَ عَنْهم بِما عَمِلُوهُ مِنَ الطّاعاتِ الخالِصَةِ لَهُ، ورَضُوا عَنْهُ بِما جازاهم بِهِ مِمّا لا يَخْطُرُ لَهم عَلى بالٍ ولا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُهم، والرِّضا مِنهُ سُبْحانَهُ هو أرْفَعُ دَرَجاتِ النَّعِيمِ وأعْلى مَنازِلَ الكَرامَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى نَيْلِ ما نالُوهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ والخُلُودِ فِيها أبَدًا، ورِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم. والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ عَلى أتَمِّ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ دَفْعًا لِما سَبَقَ مِن إثْباتِ مَن أثْبَتَ إلَهِيَّةِ عِيسى وأُمِّهِ، وأخْبَرَ بِأنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ دُونَ عِيسى وأُمِّهِ ودُونَ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ يُعْطِي الجَنّاتِ لِلْمُطِيعِينَ، جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «تَلَقّى عِيسى حُجَّتَهُ واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَقّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ اللَّهُ ذَلِكَ لَمّا رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كُنْتُ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَقُولُ: عَبِيدُكَ قَدِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمَقالَتِهِمْ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ مَن تَرَكْتَ مِنهم ومُدَّ في عُمْرِهِ حَتّى أهْبِطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، فَزالُوا عَنْ مَقالَتِهِمْ ووَحَّدُوكَ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ يَقُولُ: هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهم.

المائدة 5:120

قَوْلُهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى ما قَبْلَهُ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِعامِلِهِ أوْ بِعامِلٍ مُقَدَّرٍ هُنا؛ أيِ: اذْكُرْ. وقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا القَوْلَ مِنهُ سُبْحانَهُ هو يَوْمُ القِيامَةِ. والنُّكْتَةُ تَوْبِيخُ عُبّادِ المَسِيحِ وأُمِّهِ مِنَ النَّصارى. وقالَ السُّدِّيُّ وقُطْرُبٌ: إنَّهُ قالَ لَهُ هَذا القَوْلَ عِنْدَ رَفْعِهِ إلى السَّماءِ لَمّا قالَتِ النَّصارى فِيهِ ما قالَتْ، والأوَّلُ أوْلى: قِيلَ: " وإذْ " هُنا بِمَعْنى إذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ فَزِعُوا﴾ [سبأ: ٥١] أيْ إذا فَزِعُوا، وقَوْلِ أبِي النَّجْمِ: ؎ثُمَّ جَزاكَ اللَّهُ عَنِّي إذْ جَزى جَنّاتِ عَدْنٍ في السَّماواتِ العُلى أيْ إذا جَزى، وقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ جَعْفَرٍ الأسَدِيِّ: ؎فِي الآنِ إذْ هازَلْتُهُنَّ فَإنَّما ∗∗∗ يَقُلْنَ ألا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبًا أيْ إذا هازَلْتُهُنَّ تَعْبِيرًا عَنِ المُسْتَقْبَلِ بِلَفْظِ الماضِي تَنْبِيهًا عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ. وقَدْ قِيلَ في تَوْجِيهِ هَذا الِاسْتِفْهامِ مِنهُ تَعالى إنَّهُ لِقَصْدِ التَّوْبِيخِ كَما سَبَقَ، وقِيلَ لِقَصْدِ تَعْرِيفِ المَسِيحِ بِأنَّ قَوْمَهُ غَيَّرُوا بَعْدَهُ وادَّعَوْا عَلَيْهِ ما (p-٤٠٦)لَمْ يَقُلْهُ. وقَوْلُهُ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: اتَّخِذُونِي عَلى أنَّهُ حالٌ؛ أيْ: مُتَجاوِزِينَ الحَدَّ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِمَحْذُوفٍ هو صِفَةٌ لِإلَهَيْنِ؛ أيْ: كائِنِينَ مِن دُونِ اللَّهِ. قَوْلُهُ: سُبْحانَكَ تَنْزِيهٌ لَهُ سُبْحانَهُ؛ أيْ: أُنَزِّهُكَ تَنْزِيهًا ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ أيْ: ما يَنْبَغِي لِي أنْ أدَّعِيَ لِنَفْسِي ما لَيْسَ مِن حَقِّها ﴿إنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ رَدَّ ذَلِكَ إلى عِلْمِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ عَدَمُ القَوْلِ مِنهُ. قَوْلُهُ: ﴿تَعْلَمُ ما في نَفْسِي ولا أعْلَمُ ما في نَفْسِكَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في حُكْمِ التَّعْلِيلِ لِما قَبْلَها؛ أيْ: تَعْلَمُ مَعْلُومِي ولا أعْلَمُ مَعْلُومَكَ، وهَذا الكَلامُ مِن بابِ المُشاكَلَةِ كَما هو مَعْرُوفٌ عِنْدَ عُلَماءِ المَعانِي والبَيانِ، وقِيلَ: المَعْنى: تَعْلَمُ ما في غَيْبِي ولا أعْلَمُ ما في غَيْبِكَ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُخْفِيهِ ولا أعْلَمُ ما تُخْفِيهِ، وقِيلَ: تَعْلَمُ ما أُرِيدُ ولا أعْلَمُ ما تُرِيدُ. قَوْلُهُ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلّا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقَرِّرَةٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ؛ أيْ: ما أمَرْتُهم إلّا بِما أمَرْتَنِي ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ هَذا تَفْسِيرٌ لِمَعْنى ﴿ما قُلْتُ لَهُمْ﴾ أيْ ما أمَرْتُهم، وقِيلَ: عَطْفُ بَيانٍ لِلْمُضْمَرِ في " بِهِ " وقِيلَ بَدَلٌ مِنهُ ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أيْ: حَفِيظًا ورَقِيبًا أرْعى أحْوالَهم وأمْنَعُهم عَنْ مُخالَفَةِ أمْرِكَ ﴿ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ أيْ: مُدَّةَ دَوّامِي فِيهِمْ. ﴿فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي﴾ قِيلَ: هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ تَوَفّاهُ قَبْلَ أنْ يَرْفَعَهُ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ الأخْبارَ قَدْ تَظافَرَتْ بِأنَّهُ لَمْ يَمُتْ، وأنَّهُ باقٍ في السَّماءِ عَلى الحَياةِ الَّتِي كانَ عَلَيْها في الدُّنْيا حَتّى يَنْزِلَ إلى الأرْضِ آخِرَ الزَّمانِ، وإنَّما المَعْنى: فَلَمّا رَفَعْتَنِي إلى السَّماءِ. قِيلَ الوَفاةُ في كِتابِ اللَّهِ سُبْحانَهُ جاءَتْ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: بِمَعْنى المَوْتِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفّى الأنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ [الزمر: ٤٢] وبِمَعْنى النَّوْمِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي يَتَوَفّاكم بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] أيْ يُنِيمُكم، وبِمَعْنى الرَّفْعِ، ومِنهُ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي، ﴿إذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى إنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ أصْلُ المُراقَبَةِ: المُراعاةُ، أيْ: كُنْتَ الحافِظَ لَهم والعالِمَ بِهِمْ والشّاهِدَ عَلَيْهِمْ. ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ تَصْنَعُ بِهِمْ ما شِئْتَ وتَحْكُمُ فِيهِمْ بِما تُرِيدُ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى ذَلِكَ الحَكِيمُ في أفْعالِهِ، قِيلَ قالَهُ عَلى وجْهِ الِاسْتِعْطافِ كَما يَسْتَعْطِفُ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ. ولِهَذا لَمْ يَقُلْ إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عَصَوْكَ، وقِيلَ: قالَهُ عَلى وجْهِ التَّسْلِيمِ لِأمْرِ اللَّهِ والِانْقِيادِ لَهُ، ولِهَذا عَدَلَ عَنِ الغَفُورِ الرَّحِيمِ إلى العَزِيزِ الحَكِيمِ. قَوْلُهُ: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ أيْ صِدْقُهم في الدُّنْيا، وقِيلَ في الآخِرَةِ، والأوَّلُ أوْلى. قَرَأ نافِعٌ وابْنُ مُحَيْصِنٍ " يَوْمَ " بِالنَّصْبِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالرَّفْعِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ أنَّهُ ظَرْفٌ لِلْقَوْلِ؛ أيْ: قالَ اللَّهُ هَذا القَوْلَ يَوْمَ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ، ووَجْهُ الرَّفْعِ أنَّهُ خَبَرٌ لِلْمُبْتَدَأِ هو وما أُضِيفَ إلَيْهِ. وقالَ الكِسائِيُّ نُصِبَ " يَوْمَ " هاهُنا لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الجُمْلَةِ، وأنْشَدَ: ؎عَلى حِينِ عاتَبْتُ المَشِيبَ عَلى الصِّبا ∗∗∗ وقُلْتُ ألَمّا أصْحُ والشَّيْبُ وازِعُ وبِهِ قالَ الزَّجّاجُ، ولا يُجِيزُ البَصْرِيُّونَ ما قالاهُ إلّا إذا أُضِيفَ الظَّرْفُ إلى فِعْلٍ ماضٍ. وقَرَأ الأعْمَشُ ( هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ ) بِتَنْوِينِ يَوْمٍ كَما في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ فَكِلاهُما مَقْطُوعٌ عَنِ الإضافَةِ بِالتَّنْوِينِ. وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: ﴿لَهم جَنّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها أبَدًا﴾ . قَوْلُهُ: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم ورَضُوا عَنْهُ﴾ أيْ رَضِيَ عَنْهم بِما عَمِلُوهُ مِنَ الطّاعاتِ الخالِصَةِ لَهُ، ورَضُوا عَنْهُ بِما جازاهم بِهِ مِمّا لا يَخْطُرُ لَهم عَلى بالٍ ولا تَتَصَوَّرُهُ عُقُولُهم، والرِّضا مِنهُ سُبْحانَهُ هو أرْفَعُ دَرَجاتِ النَّعِيمِ وأعْلى مَنازِلَ الكَرامَةِ، والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى نَيْلِ ما نالُوهُ مِن دُخُولِ الجَنَّةِ والخُلُودِ فِيها أبَدًا، ورِضْوانِ اللَّهِ عَنْهم. والفَوْزُ: الظَّفَرُ بِالمَطْلُوبِ عَلى أتَمِّ الأحْوالِ. قَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيهِنَّ وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ جاءَ سُبْحانَهُ بِهَذِهِ الخاتِمَةِ دَفْعًا لِما سَبَقَ مِن إثْباتِ مَن أثْبَتَ إلَهِيَّةِ عِيسى وأُمِّهِ، وأخْبَرَ بِأنَّ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ لَهُ دُونَ عِيسى وأُمِّهِ ودُونَ سائِرِ مَخْلُوقاتِهِ، وأنَّهُ القادِرُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ دُونَ غَيْرِهِ، وقِيلَ المَعْنى: أنَّ لَهُ مُلْكَ السَّماواتِ والأرْضِ يُعْطِي الجَنّاتِ لِلْمُطِيعِينَ، جَعَلَنا اللَّهُ مِنهم. وقَدْ أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «تَلَقّى عِيسى حُجَّتَهُ واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ ياعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ . قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ فَلَقّاهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾» الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ هَذا يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالَ اللَّهُ ذَلِكَ لَمّا رَفَعَ عِيسى إلَيْهِ، وقالَتِ النَّصارى ما قالَتْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكم﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ قالَ: ما كُنْتُ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَقُولُ: عَبِيدُكَ قَدِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمَقالَتِهِمْ ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ مَن تَرَكْتَ مِنهم ومُدَّ في عُمْرِهِ حَتّى أهْبِطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، فَزالُوا عَنْ مَقالَتِهِمْ ووَحَّدُوكَ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهم﴾ يَقُولُ: هَذا يَوْمٌ يَنْفَعُ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهم.